الآية ٨٠ من سورة النحل

الإسلام > القرآن > سور > سورة 16 النحل > الآية ٨٠ من سورة النحل

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمْ سَكَنًۭا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلْأَنْعَـٰمِ بُيُوتًۭا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَـٰثًۭا وَمَتَـٰعًا إِلَىٰ حِينٍۢ ٨٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 95 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٠ من سورة النحل: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٠ من سورة النحل عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده ، بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لهم ، يأوون إليها ، ويستترون بها ، وينتفعون بها سائر وجوه الانتفاع ، وجعل لهم أيضا ( من جلود الأنعام بيوتا ) أي : من الأدم ، يستخفون حملها في أسفارهم ، ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر ولهذا قال : ( تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها ) أي : الغنم ، ( وأوبارها ) أي : الإبل ، ( وأشعارها ) أي : المعز - والضمير عائد على الأنعام - ( أثاثا ) أي : تتخذون منه أثاثا وهو المال .

وقيل : المتاع .

وقيل : الثياب والصحيح أعم من هذا كله ، فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك ، ويتخذ مالا وتجارة .

وقال ابن عباس : الأثاث : المتاع .

وكذا قال مجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وعطية العوفي ، وعطاء الخراساني ، والضحاك ، وقتادة .

وقوله : ( إلى حين ) أي : إلى أجل مسمى ووقت معلوم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ ) أيها الناس، ( مِنْ بُيُوتِكُمْ ) التي هي من الحجر والمدر، ( سَكَنًا ) تسكنون أيام مقامكم في دوركم وبلادكم ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأنْعَامِ بُيُوتًا ) وهي البيوت من الأنطاع والفساطيط من الشعر والصوف والوبر.( تَسْتَخِفُّونَهَا ) يقول: تستخفون حملها ونقلها، ( يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ) من بلادكم وأمصاركم لأسفاركم، ( وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ) في بلادكم وأمصاركم.( وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا ).

وبنحو الذي قلنا في معنى السكن قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن ، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ) قال: تسكنون فيه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

وأما الأشعار فجمع شَعْر تثقل عينه وتخفف، وواحد الشَّعْر شَعْرة.

وأما الأثاث فإنه متاع البيت لم يسمع له بواحد، وهو في أنه لا واحد له مثل المتاع.

وقد حكي عن بعض النحويين أنه كان يقول: واحد الأثاث أثاثة ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك.

ومن الدليل على أن الأثاث هو المتاع، قول الشاعر: أهــاجَتْكَ الظَّعــائِنُ يَــوْمَ بـانُوا بِـذِي الـرّئْيِ الجَـمِيلِ مِـنَ الأثـاث (1) ويروى: بذي الزيّ ، وأنا أرى أصل الأثاث اجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر كالشعر الأثيث وهو الكثير الملتف، يقال منه، أثّ شعر فلان يئِثّ أثًّا: إذا كثر والتفّ واجتمع.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (أثاثا) يعني بالأثاث: المال.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء وحدثني المثنى، قال: أخبرنا إسحاق، قال: ثنا عبد الله، عن ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى (أثاثا) قال: متاعا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة (أثاثا) قال: هو المال.

حدثني المثنى، قال: ثنا عبد الله بن حرب الرازي، قال: أخبرنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن حميد بن عبد الرحمن، في قوله (أثاثا) قال: الثياب.

وقوله ( وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) فإنه يعني: أنه جعل ذلك لهم بلاغا، يتبلَّغون ويكتفون به إلى حين آجالهم للموت.

كما حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ( وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) فإنه يعني: زينة، يقول: ينتفعون به إلى حين.

حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) قال: إلى الموت.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة ( وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ ) إلى أجل وبلغة.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حينفيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : جعل لكم معناه صير .

وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار ; فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت .

وهذه الآية فيها تعديد نعم الله - تعالى - على الناس في البيوت ، فذكر أولا بيوت المدن وهي التي للإقامة الطويلة .

وقوله : سكنا أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة ، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره ; إلا أن القول خرج على الغالب .

وعد هذا في جملة النعم فإنه لو شاء خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد ، لو خلقه ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد ، ولكنه أوجده خلقا يتصرف للوجهين ، ويختلف حاله بين الحالتين ، وردده كيف وأين .

والسكن مصدر يوصف به الواحد والجمع .ثم ذكر - تعالى - بيوت النقلة والرحلة وهي :الثانية : فقال وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها أي من الأنطاع والأدم .

بيوتا يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار .يوم ظعنكم الظعن : سير البادية في الانتجاع والتحول من موضع إلى موضع ; ومنه قول عنترة :ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع[ ص: 139 ] والظعن الهودج أيضا ; قال :ألا هل هاجك الأظعان إذ بانوا وإذ جادت بوشك البين غربانوقرئ بإسكان العين وفتحها كالشعر والشعر .

وقيل : يحتمل أن يعم بيوت الأدم وبيوت الشعر وبيوت الصوف ; لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها ; نحا إلى ذلك ابن سلام .

وهو احتمال حسن ، ويكون قوله ومن أصوافها ابتداء كلام ، كأنه قال جعل أثاثا ; يريد الملابس والوطاء ، وغير ذلك ; قال الشاعر :أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاثويحتمل أن يريد بقوله من جلود الأنعام بيوت الأدم فقط كما قدمناه أولا .

ويكون قوله ومن أصوافها عطفا على قوله من جلود الأنعام أي جعل بيوتا أيضا .

قال ابن العربي : وهذا أمر انتشر في تلك الديار ، وعزبت عنه بلادنا ، فلا تضرب الأخبية عندنا إلا من الكتان والصوف ، وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - قبة من أدم ، وناهيك من أدم الطائف غلاء في القيمة ، واعتلاء في الصنعة ، وحسنا في البشرة ، ولم يعد ذلك - صلى الله عليه وسلم - ترفا ولا رآه سرفا ; لأنه مما امتن الله سبحانه من نعمته وأذن فيه من متاعه ، وظهرت وجوه منفعته في الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان .

ومن غريب ما جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض المحدثين ، فدخلنا عليه في خباء كتان فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا ، وقال : إن هذا موضع يكثر فيه الحر والبيت أرفق بك وأطيب لنفسي فيك ; فقال : هذا الخباء لنا كثير ، وكان في صنعنا من الحقير ; فقلت : ليس كما زعمت فقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر معها ويستظل بها ; فبهت ، ورأيته على منزلة من العي فتركته مع صاحبي وخرجت عنه .الثالثة : قوله تعالى : ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أذن الله سبحانه بالانتفاع بصوف الغنم ووبر الإبل وشعر المعز ، كما أذن في الأعظم ، وهو ذبحها وأكل لحومها ، ولم يذكر القطن والكتان لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به ، وإنما عدد عليهم ما أنعم به عليهم ، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا .

وما قام مقام هذه وناب منابها فيدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها ; وهذا كقوله - تعالى - : وينزل من السماء من جبال فيها من برد ; [ ص: 140 ] فخاطبهم بالبرد لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم ، وسكت عن ذكر الثلج ; لأنه لم يكن في بلادهم ، وهو مثله في الصفة والمنفعة ، وقد ذكرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - معا في التطهير فقال : اللهم اغسلني بماء وثلج وبرد .

قال ابن عباس : الثلج شيء أبيض ينزل من السماء وما رأيته قط .

وقيل : إن ترك ذكر القطن والكتان إنما كان إعراضا عن الترف ; إذ ملبس عباد الله الصالحين إنما هو الصوف .

وهذا فيه نظر ; فإنه سبحانه يقول : يابني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم حسبما تقدم بيانه في " الأعراف وقال هنا : وجعل لكم سرابيل فأشار إلى القطن والكتان في لفظة سرابيل والله أعلم .

و أثاثا قال الخليل : متاعا منضما بعضه إلى بعض ; من أث إذا كثر .

قال :وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكلابن عباس : أثاثا ثيابا .

وقد تقدموتضمنت هذه الآية جواز الانتفاع بالأصواف والأوبار والأشعار على كل حال ، ولذلك قال أصحابنا : صوف الميتة وشعرها طاهر يجوز الانتفاع به على كل حال ، ويغسل مخافة أن يكون علق به وسخ ; وكذلك روت أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : لا بأس بجلد الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل لأنه مما لا يحله الموت ، سواء كان شعر ما يؤكل لحمه أو لا ، كشعر ابن آدم والخنزير ، فإنه طاهر كله ; وبه قال أبو حنيفة ، ولكنه زاد علينا فقال : القرن والسن والعظم مثل الشعر ; قال : لأن هذه الأشياء كلها لا روح فيها لا تنجس بموت الحيوان .

وقال الحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي : إن الشعور كلها نجسة ولكنها تطهر بالغسل .

وعن الشافعي ثلاث روايات : الأولى : طاهرة لا تنجس بالموت .

الثانية : تنجس .

الثالثة : الفرق بين شعر ابن آدم وغيره ، فشعر ابن آدم طاهر وما عداه نجس .

ودليلنا عموم قوله - تعالى - : ومن أصوافها الآية .

فمن علينا بأن جعل لنا الانتفاع بها ، ولم يخص شعر الميتة من المذكاة ، فهو عموم إلا أن يمنع منه دليل .

وأيضا فإن الأصل كونها طاهرة قبل الموت بإجماع ، فمن زعم أنه انتقل إلى نجاسة فعليه الدليل .

فإن قيل [ ص: 141 ] قوله : حرمت عليكم الميتة وذلك عبارة عن الجملة .

قلنا : نخصه بما ذكرنا ; فإنه منصوص عليه في ذكر الصوف ، وليس في آيتكم ذكره صريحا ، فكان دليلنا أولى .

والله أعلم .

وقد عول الشيخ الإمام أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن الشعر جزء متصل بالحيوان خلقة ، فهو ينمي بنمائه ويتنجس بموته كسائر الأجزاء .

وأجيب بأن النماء ليس بدليل على الحياة ; لأن النبات ينمي وليس بحي .

وإذا عولوا على النماء المتصل لما على الحيوان عولنا نحن على الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة .

وأما ما ذكره الحنفيون في العظم والسن والقرن أنه مثل الشعر ، فالمشهور عندنا أن ذلك نجس كاللحم .

وقال ابن وهب مثل قول أبي حنيفة .

ولنا قول ثالث : هل تلحق أطراف القرون والأظلاف بأصولها أو بالشعر ، قولان .

وكذلك الشعري من الريش حكمه حكم الشعر ، والعظمي منه حكمه حكمه .

ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - : لا تنتفعوا من الميتة بشيء وهذا عام فيها وفي كل جزء منها ، إلا ما قام دليله ; ومن الدليل القاطع على ذلك قوله - تعالى - : قال من يحيي العظام وهي رميم ، وقال - تعالى - : وانظر إلى العظام كيف ننشزها ، وقال : فكسونا العظام لحما ، وقال : أئذا كنا عظاما نخرة فالأصل هي العظام ، والروح والحياة فيها كما في اللحم والجلد .

وفي حديث عبد الله بن عكيم : ( لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ) .

فإن قيل : قد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في شاة ميمونة : ( ألا انتفعتم بجلدها ) ؟

فقالوا : يا رسول الله ، إنها ميتة .

فقال : ( إنما حرم أكلها ) والعظم لا يؤكل .

قلنا : العظم يؤكل ، وخاصة عظم الجمل الرضيع والجدي والطير ، وعظم الكبير يشوى ويؤكل .

وما ذكرناه قبل يدل على وجود الحياة فيه ، وما كان طاهرا بالحياة ويستباح بالذكاة ينجس بالموت .

والله أعلم .[ ص: 142 ] الرابعة : قوله تعالى : من جلود الأنعام عام في جلد الحي والميت ، فيجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ ; وبه قال ابن شهاب الزهري والليث بن سعد .

قال الطحاوي : لم نجد عن أحد من الفقهاء جواز بيع جلد الميتة قبل الدباغ إلا عن الليث .

قال أبو عمر : يعني من الفقهاء أئمة الفتوى بالأمصار بعد التابعين ، وأما ابن شهاب فذلك عنه صحيح ، وهو قول أباه جمهور أهل العلم .

وقد روي عنهما خلاف هذا القول ، والأول أشهر .قلت : قد ذكر الدارقطني في سننه حديث يحيى بن أيوب عن يونس وعقيل عن الزهري ، وحديث بقية عن الزبيدي ، وحديث محمد بن كثير العبدي وأبي سلمة المنقري عن سليمان بن كثير عن الزهري ، وقال في آخرها : هذه أسانيد صحاح .السادسة : اختلف العلماء في جلد الميتة إذا دبغ هل يطهر أم لا ; فذكر ابن عبد الحكم عن مالك ما يشبه مذهب ابن شهاب في ذلك .

وذكره ابن خويز منداد في كتابه عن ابن عبد الحكم أيضا .

قال ابن خويز منداد : وهو قول الزهري والليث .

قال : والظاهر من مذهب مالك ما ذكره ابن عبد الحكم ، وهو أن الدباغ لا يطهر جلد الميتة ، ولكن يبيح الانتفاع به في الأشياء اليابسة ، ولا يصلى عليه ولا يؤكل فيه .

وفي المدونة لابن القاسم : من اغتصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه كان عليه قيمته .

وحكي أن ذلك قول مالك .

وذكر أبو الفرج أن مالكا قال : من اغتصب لرجل جلد ميتة غير مدبوغ فلا شيء عليه .

قال إسماعيل : إلا أن يكون لمجوسي .

وروى ابن وهب ، وابن عبد الحكم عن مالك جواز بيعه ، وهذا في جلد كل ميتة إلا الخنزير وحده ; لأن الزكاة لا تعمل فيه ، فالدباغ أولى .

قال أبو عمر : وكل جلد ذكي فجائز استعماله للوضوء وغيره .

وكان مالك يكره الوضوء في إناء جلد الميتة بعد الدباغ على اختلاف من قوله ، ومرة قال : إنه لم يكرهه إلا في خاصة نفسه ، وتكره الصلاة عليه وبيعه ، وتابعه على ذلك جماعة من أصحابه .

وأما أكثر المدنيين فعلى إباحة ذلك وإجازته ; لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيما إهاب دبغ فقد طهر .

وعلى هذا أكثر أهل الحجاز والعراق من أهل الفقه والحديث ، .

وهو اختيار ابن وهب .السابعة : ذهب الإمام أحمد بن حنبل - رضي الله عنه - إلى أنه لا يجوز الانتفاع بجلود الميتة في شيء وإن دبغت ; لأنها كلحم الميتة .

والأخبار بالانتفاع بعد الدباغ ترد قوله .

واحتج [ ص: 143 ] بحديث عبد الله بن عكيم - رواه أبو داود - قال : قرئ علينا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض جهينة وأنا غلام شاب : ألا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب .

وفي رواية : قبل موته بشهر .

رواه القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم ، قال : حدثنا مشيخة لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إليهم .

.

قال داود بن علي : سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث ، فضعفه وقال : ليس بشيء ، إنما يقول حدثني الأشياخ ، قال أبو عمر : ولو كان ثابتا لاحتمل أن يكون مخالفا للأحاديث المروية عن ابن عباس وعائشة وسلمة بن المحبق وغيرهم ، لأنه جائز أن يكون معنى حديث ابن عكيم ( ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ) قبل الدباغ ; وإذا احتمل ألا يكون مخالفا فليس لنا أن نجعله مخالفا ، وعلينا أن نستعمل الخبرين ما أمكن ، وحديث عبد الله بن عكيم وإن كان قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بشهر كما جاء في الخبر فيمكن أن تكون قصة ميمونة وسماع ابن عباس منه أيما إهاب دبغ فقد طهر قبل موته بجمعة أو دون جمعة ، والله أعلم .الثامنة : المشهور عندنا أن جلد الخنزير لا يدخل في الحديث ولا يتناوله العموم ، وكذلك الكلب عند الشافعي .

وعند الأوزاعي وأبي ثور : لا يطهر بالدباغ إلا جلد ما يؤكل لحمه .

وروى معن بن عيسى عن مالك أنه سئل عن جلد الخنزير إذا دبغ فكرهه .

قال ابن وضاح : وسمعت سحنونا يقول لا بأس به ; وكذلك قال محمد بن عبد الحكم وداود بن علي وأصحابه ; لقوله - عليه السلام - : أيما مسك دبغ فقد طهر .

قال أبو عمر : يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها ، فأما الخنزير فلم يدخل في المعنى لأنه غير معهود الانتفاع بجلده ، إذ لا تعمل فيه الذكاة .

ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن شميل : إن الإهاب جلد البقر والغنم والإبل ، وما عداه فإنما يقال له : جلد لا إهاب .قلت : وجلد الكلب وما لا يؤكل لحمه أيضا غير معهود الانتفاع به فلا يطهر ; وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : أكل كل ذي ناب من السباع حرام فليست الذكاة فيها ذكاة ، كما أنها ليست في الخنزير ذكاة .

وروى النسائي عن المقدام بن معديكرب قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الحرير والذهب ومياثر النمور[ ص: 144 ] التاسعة : اختلف الفقهاء في الدباغ التي تطهر به جلود الميتة ما هو ؟

فقال أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه : كل شيء دبغ الجلد من ملح أو قرظ أو شب أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به .

وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه ، وهو قول داود .

وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما : هذا ، والآخر أنه لا يطهر إلا الشب والقرظ ; لأنه الدباغ المعهود على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعليه خرج الخطابي - والله أعلم - ما رواه النسائي عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحصان ; فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لو أخذتم إهابها قالوا .

إنها ميتة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يطهرها الماء والقرظ .العاشرة : قوله تعالى : أثاثا الأثاث متاع البيت ، واحدها أثاثة ; هذا قول أبي زيد الأنصاري .

وقال الأموي : الأثاث متاع البيت ، وجمعه آثة وأثث .

وقال غيرهما : الأثاث جميع أنواع المال ولا واحد له من لفظه .

وقالالخليل : أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتى يكثر ; ومنه شعر أثيث أي كثير .

وأث شعر فلان يأث أثا إذا كثر والتف ; قال امرؤ القيس :وفرع يزين المتن أسود فاحم أثيث كقنو النخلة المتعثكلوقيل : الأثاث ما يلبس ويفترش .

وقد تأثثت إذا اتخذت أثاثا .

وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أثاثا مالا .

وقد تقدم القول في الحين ; وهو هنا وقت غير معين بحسب كل إنسان ، إما بموته وإما بفقد تلك الأشياء التي هي أثاث .

ومن هذه اللفظة قول الشاعر :أهاجتك الظعائن يوم بانوا بذي الزي الجميل من الأثاث

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يذكر تعالى عباده نعمه، ويستدعي منهم شكرها والاعتراف بها فقال: { وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } في الدور والقصور ونحوها تكنُّكم من الحر والبرد وتستركم أنتم وأولادكم وأمتعتكم، وتتخذون فيها الغرف والبيوت التي هي لأنواع منافعكم ومصالحكم وفيها حفظ لأموالكم وحرمكم وغير ذلك من الفوائد المشاهدة، { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ } إما من الجلد نفسه أو مما نبت عليه، من صوف وشعر ووبر.

{ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا } أي: خفيفة الحمل تكون لكم في السفر والمنازل التي لا قصد لكم في استيطانها، فتقيكم من الحر والبرد والمطر، وتقي متاعكم من المطر، { و } جعل لكم { وَمِنْ أَصْوَافِهَا } أي: الأنعام { وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا } وهذا شامل لكل ما يتخذ منها من الآنية والأوعية والفرش والألبسة والأجلة، وغير ذلك.

{ وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ } أي: تتمتعون بذلك في هذه الدنيا وتنتفعون بها، فهذا مما سخر الله العباد لصنعته وعمله.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( والله جعل لكم من بيوتكم ) [ التي هي من الحجر والمدر ] ( سكنا ) أي : مسكنا تسكنونه ، ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا ) يعني الخيام ، والقباب ، والأخبية ، والفساطيط من الأنطاع والأدم ( تستخفونها ) أي : يخف عليكم حملها ، ( يوم ظعنكم ) رحلتكم في سفركم ، قرأ ابن عامر ، وأهل الكوفة ، ساكنة العين ، والآخرون بفتحها ، وهو أجزل اللغتين ، ( ويوم إقامتكم ) في بلدكم لا تثقل عليكم في الحالين .

( ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ) يعني : أصواف الضأن ، وأوبار الإبل ، وأشعار المعز ، والكنايات راجعة إلى الأنعام ، ( أثاثا ) قال ابن عباس : مالا .

قال مجاهد : متاعا .

قال القتيبي : " الأثاث " : المال أجمع ، من الإبل والغنم والعبيد ، والمتاع .

وقال غيره : هو متاع البيت من الفرش والأكسية .

( ومتاعا ) بلاغا ينتفعون بها ، ( إلى حين ) يعني الموت .

وقيل : إلى حين تبلى .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والله جعل لكم من بيوتكم سكنا» موضعا تسكنون فيه «وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا» كالخيام والقباب «تستخفونها» للحمل «يوم ظعنكم» سفركم «ويوم إقامتكم ومن أصوافها» أي الغنم «وأوبارها» أي الإبل «وأشعارها» أي المعز «أثاثا» متاعا لبيوتكم كبسط وأكسية «ومتاعا» تتمتعون به «إلى حين» يبلى فيه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والله سبحانه جعل لكم من بيوتكم راحة واستقرارًا مع أهلكم، وأنتم مقيمون في الحضر، وجعل لكم في سفركم خيامًا وقبابًا من جلود الأنعام، يَخِفُّ عليكم حِمْلها وقت تَرْحالكم، ويخف عليكم نَصْبها وقت إقامتكم بعد التَّرْحال، وجعل لكم من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز أثاثًا لكم من أكسية وألبسة وأغطية وفرش وزينة، تتمتعون بها إلى أجل مسمَّى ووقت معلوم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساقت السورة الكريمة ألوانا من النعم ، منها ما يتعلق بنعمة المسكن فقال - تعالى - : ( والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً .

.

.

) .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( جعل لكم ) معناه صير ، وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء ، وكل ما أقلك فهو أرض ، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار ، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت ، وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس فى البيوت وقوله : ( سكنا ) أى : تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة .

.

.

.والحق أن نعمة السكن فى البيوت والاستقرار فيها ، والشعور بداخلها بالأمان والاطمئنان ، هذه النعمة لا يقدرها حق قدرها ، إلا أولئك الذين فقدوها ، وصاروا يعيشون بلا مأوى يأويهم ، أو منزل يجمع شتاتهم .والتعبير بقوله عز وجل ( سكنا ) فيه ما فيه من السمو بمكانة البيوت التى يسكنها الناس .

فالبيت مكان السكينة النفسية ، والراحة الجسدية ، هكذا يريده الإِسلام ، ولا يريده مكانا للشقاق والخصام ، لأن الشقاق والخصام ينافى كونه ( سكنا ) .والبيت له حرمته التى جعل الإسلام من مظاهرها ، عدم اقتحامه بدون استئذان ، وعدم التطلع إلى ما بداخله ، وعدم التجسس على من بداخله .وصيانة حرمة البيت - كما أمر الاسلام - تجعله ( سكنا ) آمنا ، يجد فيه أصحابه كل مايريدون من الراحة النفسية والشعورية .وقوله - تعالى - : ( وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ) بيان لنعمة أخرى تتمثل فى البيوت الخفيفة المتنقلة ، بعد الحديث عن البيوت الثابتة المستقرة .والأنعام : جمع نعم .

وتشمل الإِبل والبقر والغنم ، ويدخل فى الغنم المعز .والظعن بسكون العين وفتحها : التحول والانتقال والرحيل من مكان إلى آخر طلبا للكلأ ، أو لمساقط الغيث ، أو لغير ذلك من الأغراض .أى : ومن نعمه أيضا أنه أوجد لكم من جلود الأنعام بيوتا ( تستخفونها ) أى : تجدونها خفيفة ( يوم ظعنكم ) أى : يوم سفركم ورحيلكم من موضع إلى آخر ( ويوم إقامتكم ) فى مكان معين بحيث يمكنكم أن تنصبوها لترتاحوا بداخلها ، بأيسر السبل ، وذلك كالقباب والخيام والأخبية ، وغير ذلك من البيوت التى يخف حملها .ثم ختم - سبحانه - الآية بإبراز نعمة ثالثة ، تتمثل فيما يأخذونه من الأنعام فقال - تعالى - : ( وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إلى حِينٍ ) .والأثاث : متاع البيت الكثير ، وأصله من أث الشئ - بفتح الهمزة وتشديد الثاء مع الفتح - إذا كثر وتكاتف ، ومنه قول الشاعر .وفرع يزين المتن أسودَ فاحمٍ ...

أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكلويشمل جميع أصناف المال كالفرش وغيرها .والمتاع : ما يتمتع به من حوائح البيت الخاصة كأدوات الطعام والشراب ، فيكون عطف المتاع على الأثاث من عطف الخاص على العام .وقيل : هما بمعنى واحد .

والعطف لتنزيل تغاير اللفظ بمنزله تغاير المعنى .أى : ومن أصواف الغنم ، وأوبار الإِبل ، وأشعار المعز ، تتخذون لأنفسكم ( أثاثا ) كثيرا تستعملونه فى مصالحكم المتنوعة ، كما تتخذون من ذلك ما تتمتعون به فى بيوتكم وفى معاشكم ( إلى حين ) أى : إلى وقت معين قدره الله - تعالى - لكم فى تمتعكم بهذه الأصواف والأوبار والأشعار .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد، وأقسام النعم والفضل، والسكن المسكن، وأنشد الفراء: جاء الشتاء ولما اتخذ سكناً *** يا ويح كفي من حفر القراميص والسكن ما سكنت إليه وما سكنت فيه.

قال صاحب الكشاف: السكن فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو ألف.

واعلم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين: القسم الأول: البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف البيوت، وإليها الإشارة بقوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقله، بل الإنسان ينتقل إليه.

والقسم الثاني: القباب والخيام والفساطيط، وإليها الإشارة بقوله: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ﴾ وهذا القسم من البيوت يمكن نقله وتحويله من مكان إلى مكان.

واعلم أن المراد الأنطاع، وقد تعمل العرب البيوت من الأدم وهي جلود الأنعام أي يخف عليكم حملها في أسفاركم.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: ﴿ يوم ظعنكم ﴾ بفتح العين والباقون ساكنة العين.

قال الواحدي: وهما لغتان كالشعر والشعر والنهر والنهر.

واعلم أن الظعن سير البادية لنجعة، أو حضور ماء، أو طلب مرتع، وقد يقال لكل شاخص لسفر: ظاعن، وهو ضد الخافض.

وقوله: ﴿ ويوم إقامتكم ﴾ بمعنى لا يثقل عليكم في الحالين.

وقوله: ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ﴾ قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز.

وقوله: ﴿ أثاثاً ﴾ الأثاث أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية.

قال الفراء: ولا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له.

قال: ولو جمعت، فقلت: آثثة في القليل وأثث في الكثير لم يبعد.

وقال أبو زيد: واحدها أثاثة.

قال ابن عباس في قوله: ﴿ أثاثاً ﴾ يريد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

قال الخليل: وأصله من قولهم: أث النبات والشعر إذا كثر.

وقوله: ﴿ متاعاً ﴾ أي ما يتمتعون به.

وقوله: ﴿ إلى حين ﴾ يريد إلى حين البلا، وقيل: إلى حين الموت.

وقيل: إلى حين بعد الحين، وقيل: إلى يوم القيامة.

فإن قيل: عطف المتاع على الأثاث والعطف يقتضي المغايرة، وما الفرق بين الأثاث والمتاع؟

قلنا: الأقرب أن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء، والمتاع ما يفرش في المنازل ويزين به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ التي تسكنونها من الحجر والمدر والأخبية وغيرها.

والسكن: فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف ﴿ بُيُوتًا ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تَسْتَخِفُّونَهَا ﴾ ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقامتكم ﴾ أي يوم ترحلون خف عليكم حملها وثقلها، ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها.

أو هي خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر جيمعاً، على أنّ اليوم بمعنى الوقت ﴿ ومتاعا ﴾ وشيئاً ينتفع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى أن تقضوا منه أوطاركم.

أو إلى أن يبلى ويفنى أو إلى أن تموتوا.

وقرئ: ﴿ يوم ظعنكم ﴾ ، بالسكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكم كالبُيُوتِ المُتَّخَذَةِ مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ هي القِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأُدُمِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَناوَلَ المُتَّخَذَةَ مِنَ الوَبَرِ والصُّوفِ والشَّعَرِ فَإنَّها مِن حَيْثُ إنَّها نابِتَةٌ عَلى جُلُودِها يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها.

﴿ تَسْتَخِفُّونَها ﴾ تَجِدُونَها خَفِيفَةً يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها ونَقْلُها.

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ وقْتَ تِرْحالِكم.

﴿ وَيَوْمَ إقامَتِكُمْ ﴾ ووَضْعُها أوْ ضَرْبُها وقْتَ الحَضَرِ أوِ النُّزُولِ.

وقَرَأ الحِجازِيّانِ والبَصْرِيّانِ ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ بِالفَتْحِ وهو لُغَةٌ فِيهِ.

﴿ وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها ﴾ الصُّوفُ لِلضّائِنَةِ والوَبَرُ لِلْإبِلِ والشَّعَرُ لِلْمَعِزِ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ ﴿ الأنْعامِ ﴾ لِأنَّها مِن جُمْلَتِها.

﴿ أثاثًا ﴾ ما يُلْبَسُ ويُفْرَشُ.

﴿ وَمَتاعًا ﴾ ما يُتَّجَرُ بِهِ.

﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ فَإنَّها لِصَلابَتِها تَبْقى مُدَّةً مَدِيدَةً، أوْ إلى حِينِ مَماتِكم أوْ إلى أنْ تَقْضُوا مِنهُ أوْطارَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} هو فعل بمعنى مفعول أي ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو إلف {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا} هي قباب الأدم {تَسْتَخِفُّونَهَا} ترونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل {يَوْمَ ظَعْنِكُمْ} بسكون العين كوفي وشامي وبفتح العين غيرهم

والظعن بفتح العين وسكونها الارتحال {وَيَوْمَ إقامتكم} قراركم في منازلكم والمعنى أنها خفيفة عليكم في أوقات السفر والحضر على أن اليوم بمعنى الوقت {وَمِنْ أَصْوَافِهَا} أي أصواف الضأن {وَأَوْبَارِهَا} وأوبار الإبل {وَأَشْعَارِهَآ} وأشعار المعز {أَثَاثاً} متاع البيت {ومتاعا} وشيئاً ينتفع به {إلى حِينٍ} مدة من الزمان

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما مَرَّ، وتَقْدِيمُ ( لَكم ) عَلى ما بَعْدَهُ لِلتَّشْوِيقِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ هَذا الجَعْلَ لِمَنفَعَتِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ تَبْيِينٌ لِذَلِكَ المَجْعُولِ المُبْهَمِ في الجُمْلَةِ وتَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّشْوِيقِ والإضافَةُ لِلْعَهْدِ أيْ مِن بُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ الَّتِي تَبْنُونَها مِنَ الحَجَرِ والمَدَرِ والأخْشابِ ﴿ سَكَنًا ﴾ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَنَقَضَ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذُ سَكَنًا يا ويْحَ نَفْسِي مِن حَفْرِ القَرامِيصِ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ وقْتَ إقامَتِكُمْ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَسْكُنُونَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِلَ مِن مَكانِهِ أيْ جَعَلَ بَعْضَ بُيُوتِكم بِحَيْثُ تَسْكُنُونَ إلَيْهِ وتَطْمَئِنُونَ بِهِ.

﴿ وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ أيْ بُيُوتًا أُخَرَ مُغايِرَةً لِبُيُوتِكُمُ المَعْهُودَةِ وهي القِبابُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأُدْمِ والظّاهِرُ أنَّهُ لا يَنْدَرِجُ في هَذِهِ البُيُوتِ البُيُوتُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الشَّعْرِ والصُّوفِ والوَبَرِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: بِالِانْدِراجِ لِأنَّها مِن حَيْثُ إنَّها ثابِتَةٌ عَلى جُلُودِها يُصَدَّقُ عَلَيْها أنَّها مِن جُلُودِها.

واعْتُرِضَ بِأنَّ ( مِن ) عَلى الأوَّلِ تَبْعِيضِيَّةٌ وعَلى إرادَةِ البُيُوتِ الَّتِي مِنَ الشَّعْرِ ونَحْوِهِ ابْتِدائِيَّةٌ.

فَإذا عُمِّمَ ذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِعْمالُ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ وأُجِيبَ بِأنَّ القائِلَ بِذَلِكَ لَعَلَّهُ يَرى جَوازَ هَذا الِاسْتِعْمالِ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ البَيْضاوِيُّ وهو شافِعِيٌّ.

وقِيلَ: الجُلُودُ مَجازٌ عَنِ المَجْمُوعِ ﴿ تَسْتَخِفُّونَها ﴾ أيْ تَجِدُونَها خَفِيفَةً سَهْلَةَ المَأْخَذِ فالسِّينُ لَيْسَتْ لِلطَّلَبِ بَلْ لِلْوِجْدانِ كَأحْمَدْتُهُ وجَدْتُهُ مَحْمُودًا ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ وقْتَ تَرْحالِكم في النَّقْضِ والحَمْلِ ﴿ ويَوْمَ إقامَتِكُمْ ﴾ ووَقْتَ نُزُولِكم وإقامَتِكم في مُسايِرِكم حَسْبَما يَتَّفِقُ في الضَّرْبِ والبِناءِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجِدُونَها خَفِيفَةً في أوْقاتِ السَّفَرِ وفي أوْقاتِ الحَضَرِ، واخْتارَ ابْنُ المُنِيرِ الأوَّلَ وقالَ: إنَّهُ التَّفْسِيرُ لِأنَّ المِنَّةَ في خِفَّتِها في السَّفَرِ أتَمُّ وأقْوى إذْ لا يَهُمُّ المُقِيمُ أمْرَها، قالَ في الكَشْفِ: وهو حَقٌّ، وقالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الثّانِي أوْلى لِلْعُمُومِ فَإنَّ حالَتَيِ السَّفَرِ انْدَرَجَتا في يَوْمِ ظَعْنِكم حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ مُقابِلُ الحَضَرِ والخِفَّةُ عَلى المُقِيمِ نِعْمَةٌ في حَقِّهِ أيْضًا فَإنَّهُ يَضْرِبُها وقَدْ يَنْقُلُها مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ قَرِيبٍ لِداعٍ يَدْعُو إلَيْهِ فالأوْلى أنْ لا تَخْلُو الآيَةُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَلِكَ اه ولا يَخْفى أنَّ الِانْدِراجَ ظاهِرٌ إنْ أُرِيدَ بِالظَّعْنِ مُقابِلُ الحَضَرِ وأمّا إذا أُرِيدَ بِهِ مُقابِلُ النُّزُولِ كَما سَمِعْتَ فَغَيْرُ ظاهِرٍ.

نَعَمْ يَجُوزُ إرادَةُ ذَلِكَ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو «ظَعَنِكُمْ» بِفَتْحِ العَيْنِ.

وباقِي السَّبْعَةِ بِسُكُونِها وهُما لُغَتانِ والفَتْحُ عَلى ما في المَعالِمِ أجْزَلُهُما، وقِيلَ: الأصْلُ الفَتْحُ والسُّكُونُ تَخْفِيفٌ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ كالشَّعْرِ والشِّعَرِ.

﴿ ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: )مِن جُلُودِ) والضَّمِيرُ لِلْأنْعامِ عَلى وجْهِ التَّنْوِيعِ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن أصْوافِ الضَّأْنِ وأوْبارِ الإبِلِ وأشْعارِ المَعِزِ ﴿ أثاثًا ﴾ أيْ مَتاعَ البَيْتِ كالفُرُشِ وغَيْرِها كَما قالَ المُفَضَّلُ، قالَ الفَرّاءُ: لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كَما أنَّ المَتاعَ كَذَلِكَ ولَوْ جَمَعْتَ قُلْتَ: أأثَثَةٌ في القَلِيلِ وأُثُثٌ في الكَثِيرِ.

وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُهُ أثاثَةٌ وأصْلُهُ- كَما قالَ الخَلِيلُ - مِن قَوْلِهِمْ: أثَثَ النَّباتُ والشَّعْرُ وهو أثِيثٌ إذا كَثُرَ قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وفَرْعٍ يُزَيِّنُ المَتْنَ أسْوَدُ فاحِمُ ∗∗∗ أثِيثٌ كَقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ ونَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ( بُيُوتًا ) مَفْعُولُ جَعَلَ فَيَكُونُ مِمّا عُطِفَ فِيهِ جارٌّ ومَجْرُورٌ مُقَدَّمٌ ومَنصُوبٌ عَلى مِثْلِهِما نَحْوَ ضَرَبْتُ في الدّارِ زَيْدًا وفي الحُجْرَةِ عَمْرًا وهو جائِزٌ ولَيْسَ بِمُسْتَقْبَحٍ كَما زَعَمَ في الإيضاحِ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى الحالِ فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ فَقَطْ عَلى مِثْلِهِ أيْ وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها حالَ كَوْنِها أثاثًا.

وتَعَقَّبَهُ السَّمِينُ بِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى هَذا وهو ظاهِرٌ.

﴿ ومَتاعًا ﴾ أيْ شَيْئًا يَتَمَتَّعُ بِهِ ويَنْتَفِعُ في المَتْجَرِ والمَعاشِ قالَهُ المُفَضَّلُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما المَتاعُ الزِّينَةُ، وقالَ الخَلِيلُ: الأثاثُ والمَتاعُ واحِدٌ، والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ تَغايُرِ اللَّفْظِ مَنزِلَةَ تَغايُرِ المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنًا.

والأوَّلُ أوْلى ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى انْقِضاءِ حاجاتِكم مِنهُ، وعَنْ مُقاتِلٍ إلى بَلى ذَلِكَ وفِنائِهِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إلى المَوْتِ، والكَلامُ في تَرْتِيبِ المَفاعِيلِ مِثْلُهُ فِيما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم بيّن لهم العبرة ليعتبروا بها، ويعرفوا بها وحدانيته فقال تعالى: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ يقول: مذللات فِي جَوِّ السَّماءِ أي: في الهواء مَا يُمْسِكُهُنَّ عند قبض الأَجنحة وعند بسطها إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أي: لعلامات لوحدانية الله تعالى، لمن علم أن معبوده لم يعنه في ذلك.

لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي: لمن آمن به.

قرأ ابن عامر وحمزة أَلَمْ تَرَوْاْ بالتاء على المخاطبة.

وقرأ الباقون بالياء.

ثم قال: وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً أي: خلق لكم البيوت قراراً ومأوًى لكم، ويقال: معناه سخر لكم الأرض، لتبنوا فيها البيوت.

ويقال: معناه وفقكم لبناء البيوت لسكناكم وقراركم، فذكر النعم والمنن والدلائل لوحدانيته.

وقال عز وجل: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ أي: من الشعر والصوف والوبر بُيُوتاً أي: الفساطيط والخيام تَسْتَخِفُّونَها أي: تستخفون حملها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ أي: يوم انتقالكم وسفركم، ويوم نزولكم وَمِنْ أَصْوافِها أي: من أصواف الغنم وَأَوْبارِها أي: الإبل وَأَشْعارِها أي: أشعار المعز أَثاثاً متاع البيت أي من الأكسية والفرش.

وقال قتادة والكلبي: أَثاثاً أي: المال.

وَمَتاعاً إِلى حِينٍ أي: المنفعة تعيشون فيه إلى الموت.

ويقال: تنتفعون بها إلى حين تبلى.

وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو يَوْمَ ظَعْنِكُمْ بنصب العين، والباقون: بالجزم، ومعناهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عَبْدٌ بهذه الصفةِ، مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيء من المال، ولا أمْر نفسه، وإنما هو مُسَخَّرٌ بإرادة سَيِّده، مَدَبَّرٌ، وبإزاء العبْدِ في المثالِ رجُلٌ موسَّعٌ عليه في المال، فهو يتصرَّف فيه بإِرادته، واختلف النَّاس في الذي له المَثَلُ، فقال ابن عباس وقتادة: هو مَثَلُ الكافر والمؤمِنِ «١» ، وقال مجاهد والضَّحَّاك: هذا المِثَال والمِثَالُ الآخر الذي بَعْدَه، إِنما هو مثَالٌ للَّهِ تعالى، والأصنامِ، فتلك كالعَبْدِ المملوكِ الذي لا يَقْدِرُ على شيء، واللَّه تعالى تتصرَّف قدرته دون معقب «٢» ، وكذلك فَسَّر الزَّجَّاج على نحو قول مجاهد، وهذا التأويلُ أصوبُ لأن الآية تكُونُ من معنى ما قَبْلَها، ومدارُها في تبْيِيِن أمْر اللَّه والردِّ على أمْر الأصنام.

وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: على ظهور الحجَّة.

وقوله سبحانه: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ ...

الآية: هذا مثَلٌ للَّه عزَّ وجلَّ والأصنامِ، فهي كالأبكم الذي لا نُطْقَ له ولا يَقْدِرُ على شيء، «والكلّ» الثقيل المئونة، كما الأصنامُ تحتاجُ إِلى أنْ تُنْقَلَ وتَخْدَمَ ويتعذَّب بها، ثم لا يأتي مِنْ جهتها خَيْرٌ أبداً، والذي يأمر بالعدلِ هو اللَّه تعالى.

وقوله تعالى: وَما أَمْرُ السَّاعَةِ ...

الآية: المعنى، على ما قاله قتادة وغيره: ما تكونُ الساعةُ وإقامتها في قُدْرة اللَّه تعالى «٣» إِلا أنْ يقول لها: كُنْ، فلو آتَّفَقَ أنْ يقف على ذلك محصِّلٌ من البشر، لكانَتْ من السرعة بحَيْث يشكُّ، هل هي كَلَمْحِ البَصرِ أو هي أقْرَبُ، «ولمح البصر» هو وقوعه على المرئيّ.

وقوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ...

الاية: «الجوُّ مسافةُ ما بين السماءِ والأرض، وقيل: هو ما يلي الأرض منها، والآيةُ عِبْرةٌ بيِّنة المعنى، تفسيرها تكلف محت، ويَوْمَ ظَعْنِكُمْ معناه رَحِيلكم، والأصواف: للضأنِ، والأوبار:

للإِبل، والأشعار: للمعز، ولم تكُنْ بلادهم بلادَ قُطْن وَكَّتانٍ، فلذلك اقتصَرَ على هذه، ويحتملُ أنَّ تَرْكَ ذكْر القُطْن والكَتَّانِ والحرير إعراضٌ عن السَّرَف، إذ ملْبَسُ عبادِ اللَّهِ الصالحينَ إِنما هو الصُّوف، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» عند قوله تعالى: لَكُمْ فِيها دِفْءٌ [النحل: ٥] : في هذه الآية دليلٌ على لبَاسِ الصُّوفِ، فهو أوَّل ذلك وأولاه، لأنه شِعارُ المتقين، ولباسُ الصالحين، وشَارَةُ الصَّحابة والتابعين، واختيار الزُّهَّاد والعارفين، وإِليه نُسِبَ جماعةٌ من النَّاس «الصُّوفِيَّةُ» لأنه لباسُهم في الغالِبَ انتهى.

«والأثاث» متاعُ البَيْت، واحِدُها أَثَاثَة هذا قول أبي زَيْد الأنْصَارِيِّ «١» وقال غيره:

«الأثَاثُ» : جميع أنواعِ المالِ، ولا واحدَ له من لفظه.

قال ع «٢» : والاشتقاق «٣» يقوي هذا المعنى الأعمَّ لأنَّ حالَ الإِنسان تَكُونُ بالمال أثِيثَةً كما تقول: شَعْرٌ أثيث، ونبات أثيث، إذا كثر والتفّ، والسرابيل: جميعُ ما يُلْبَسُ عَلَى جميع البدنِ، وذكر وقاية الحَرِّ، إِذ هو أمسُّ بتلك البلادِ، والبَرْدُ فيها معدومٌ في الأكثر، وأيضاً: فذكر أحدهما يدلّ على الآخر، وعن عمر رضي اللَّه عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يقوُلُ: مَنْ لَبِسَ ثَوباً جَدِيداً، فَقَالَ: «الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوارِي به عَوْرَتي وأَتَجَمَّلُ بِهِ في حَيَاتي، ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْب الَّذِي خَلَقَ، فَتَصَدَّقَ به- كَانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حفْظِ اللَّه، وفي سَتْر اللَّهِ حَيًّا ومَيِّتاً «٤» » رواه الترمذيُّ، واللفظُ له، وابنُ ماجَه، والحاكمُ في «المستدرك» ، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «ما اشترى عبد ثوبا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ، وهي المَساكِنُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الحَجَرِ والمُدَرِ تَسْتُرُ العَوْراتِ والحُرَمِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الخَشَبَ والمُدَرَ والآلَةَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ بِناءُ البَيْتِ وتَسْقِيفُهُ، ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ وهي القِبابُ والخِيَمُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الأدَمِ ﴿ تَسْتَخِفُّونَها ﴾ أيْ: يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو " ظَعَنِكم " بِفَتْحِ العَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِتَسْكِينِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ، كالشَّعَرِ والشَّعْرِ، والنَّهَرِ والنَّهْرِ، والمَعْنى: إذا سافَرْتُمْ، " ويَوْمَ إقامَتِكم " أيْ: لا تَثْقُلُ عَلَيْكم في الحالَيْنِ.

﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ يَعْنِي: الضَّأْنَ ﴿ وَأوْبارِها ﴾ يَعْنِي: الإبِلَ ﴿ وَأشْعارِها ﴾ يَعْنِي: المَعْزَ ﴿ أثاثًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: الأثاثُ: المَتاعُ، لا واحِدَ لَهُ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ.

والعَرَبُ تَقُولُ: جَمْعُ المَتاعِ أمْتِعَةٌ، ولَوْ جَمَعْتَ الأثاثَ، لَقُلْتَ: ثَلاثَةُ أإثَّةٍ وأثُثٍ، مِثْلُ: أعِثَّةٍ وعُثُثٍ لا غَيْرُ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأثاثُ: مَتاعُ البَيْتِ مِنَ الفَرْشِ والأكْسِيَةِ.

قالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُ الأثاثِ: أثاثَةٌ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: قَدْ أثَّ يَأثُّ أثًّا: إذا صارَ ذا أثاثٍ.

ورُوِيَ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: أصْلُهُ الكَثْرَةُ واجْتِماعُ بَعْضِ المَتاعِ إلى بَعْضٍ، ومِنهُ: شَعَرٌ أثِيثٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَمَتاعًا ﴾ فَقِيلَ: إنَّما جُمِعَ بَينَهُ وبَيْنَ الأثاثِ، لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، والمَعْنى: يَنْتَفِعُونَ بِهِ إلى حِينِ المَوْتِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إلى حِينِ البِلى، فالمَعْنى: إلى أنْ يَبْلى ذَلِكَ الشَّيْءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ أيْ: ما يَقِيكم حَرَّ الشَّمْسِ، وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ ظِلالُ الغَمامِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ظِلالُ البُيُوتِ، [قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: ظِلالُ الشَّجَرِ، قالَهُ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: ظِلالُ الشَّجَرِ والجِبالِ]، وقالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ ظِلٌّ مِن حائِطٍ، وسَقْفٍ، وشَجَرٍ وجَبَلٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ أيْ: ما يَكُنُّكم مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وهي الغِيرانُ والأسْرابُ.

وواحِدُ الأكْنانِ " كِنٌّ " وكُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا وسَتَرَهُ فَهو " كِنٌّ " .

﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ ﴾ وهي القُمُصُ ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: البَرْدَ، لِأنَّ ما وقى مِنَ الحَرِّ، وقى مِنَ البَرْدِ، وأنْشَدَ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي وَقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما خَصَّ الحَرَّ، لِأنَّهم كانُوا في مَكاناتِهِمْ أكْثَرَ مُعاناةً لَهُ مِنَ البَرْدِ، وهَذا مَذْهَبُ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يُرِيدُ الدُّرُوعَ الَّتِي يَتَّقُونَ بِها شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبَ في الحَرْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: مِثْلَما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِهَذِهِ الأشْياءِ، يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم في الدُّنْيا ﴿ لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ، وكانَ أكْثَرُهم حِينَئِذٍ كُفّارًا، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فالمَعْنى: لَعَلَّكم تَدُومُونَ عَلى الإسْلامِ، وتَقُومُونَ بِحَقِّهِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو رَجاءٍ: " لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ " بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ، عَلى مَعْنى: لَعَلَّكم إذا لَبِسْتُمُ الدُّرُوعَ تُسَلِّمُونَ مِنَ الجِراحِ في الحَرْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ تَوَلَّوْا ﴾ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ ﴿ فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ ﴾ وهَذِهِ عِنْدَ المُفَسِّرِينَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ وفي هَذِهِ النِّعْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها [المَساكِنُ] نِعَمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا.

وفي إنْكارِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم يَقُولُونَ: هَذِهِ ورِثْناها [عَنْ آبائِنا] .

رَوى ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نِعَمُ اللَّهِ: المَساكِنُ، والأنْعامُ، وسَرابِيلُ الثِّيابِ، والحَدِيدُ، يَعْرِفُهُ كَفّارُ قُرَيْشٍ، ثُمَّ يُنْكِرُونَهُ بِأنْ يَقُولُوا: هَذا كانَ لِآبائِنا ورِثْناهُ عَنْهم، وهَذا عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهم يَقُولُونَ: لَوْلا فُلانٌ، لَكانَ كَذا، فَهَذا إنْكارُهم، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: يَعْرِفُونَ أنَّ النِّعَمَ مِنَ اللَّهِ، ولَكِنْ يَقُولُونَ: هَذِهِ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالنِّعْمَةِ هاهُنا: مُحَمَّدٌ  يَعْرِفُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ ثُمَّ يُكَذِّبُونَهُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ قالَ الحَسَنُ: وجَمِيعُهم كَفّارٌ، فَذَكَرَ الأكْثَرَ، والمُرادُ بِهِ الجَمِيعُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ ﴾ ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكُمُ بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ هَذِهِ آيَةُ تَعْدِيدِ نِعْمَةِ اللهِ عَلى الناسِ في البُيُوتِ، فَذَكَرَ أوَّلًا بُيُوتَ التَمَدُّنَ وهي الَّتِي لِلْإقامَةِ الطَوِيلَةِ، وهي عُظْمُ بُيُوتِ الإنْسانِ، وإنْ كانَ الوَصْفُ بِالسَكَنِ يَعُمُّ جَمِيعَ البُيُوتِ، و"السَكَنُ" مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ، ومَعْناهُ: يَسْكُنُ فِيها وإلَيْها، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بُيُوتَ النَقْلَةِ والرِحْلَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُمَّ بِهِ بُيُوتَ الأُدُمِ وبُيُوتَ الشَعْرِ وبُيُوتِ الصُوفِ" لِأنَّ هَذِهِ هي مِنَ الجُلُودِ لِكَوْنِها ثابِتَةً فِيها، نَحا إلى ذَلِكَ ابْنُ سَلامٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ ابْتِداءُ كَلامٍ، كَأنَّهُ قالَ: "جَعَلَ أثاثًا"، يُرِيدُ المَلابِسَ والوَطاءَ وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ مِن جُلُودِ الأنْعامِ ﴾ بُيُوتَ الأُدُمِ فَقَطْ، ويَكُونُ ﴿ وَمِن أصْوافِها ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ مِن جُلُودِ الأنْعامِ ﴾ ، أيْ: جَعَلَ بُيُوتًا أيْضًا، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "أثاثًا" نَصْبًا عَلى الحالِ، و"تَسْتَخِفُّونَها" أيْ تَجِدُونَها خِفافًا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "ظَعَنِكُمْ" بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسّائِيُّ بِسُكُونِ العَيْنِ، وهُما لُغَتانِ ولَيْسَ بِتَخْفِيفٍ، و"ظَعَنَ" مَعْناهُ رَحَلَ، والأصْوافُ لِلْغَنَمِ، والأوبارُ لِلْإبِلِ، والأشْعارُ لِلْمَعْزِ والبَقَرِ، ولَمْ تَكُنْ بِلادُهم بِلادَ قُطْنٍ وكَتّانٍ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تُرِكَ ذِكْرُ القُطْنِ والحَرِيرِ والكَتّانِ إعْراضًا عَنِ السَرَفِ؛ إذْ مَلْبَسُ عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ إنَّما هو الصُوفُ، وأيْضًا فَقَدْ أُشِيرُ إلى القُطْنِ والكَتّانِ في لَفْظَةِ السَرابِيلِ.

و"الأثاثُ": مَتاعُ البَيْتِ، واحِدُها أثاثَةٌ، هَذا قَوْلُ أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، وقالَ غَيْرُهُ: الأثاثُ: جَمِيعُ أنْواعِ المالِ، ولا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والِاشْتِقاقُ يُقَوِّي هَذا المَعْنى الأعَمُّ؛ لِأنَّ حالَ الإنْسانِ تَكُونُ بِالمالِ أثِيثَةً، تَقُولُ: "شَعْرٌ أثِيثٌ، ونَباتٌ أثِيثٌ" إذا كَثُرَ والتَفَّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يُرِيدُ بِهِ وقْتًا غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وهو بِحَسَبِ كُلِّ إنْسانٍ، إمّا بِمَوْتِهِ، وإمّا بِفَقْدِ تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي هي أثاثٌ، وَمِن هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ: أهاجَتْكَ الظَعائِنُ يَوْمَ بانُوا ∗∗∗ بِذِي الزِيِّ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ الآيَةُ.

نِعَمٌ عَدَّدَها عَلَيْهِمْ بِحَسَبِ أحْوالِهِمْ وبِلادِهِمْ، وأنَّها الأشْياءُ المُباشِرَةُ لَهُمْ؛ لِأنَّ بِلادَهم مِنَ الحَرارَةِ وصِهْرِ الشَمْسِ بِحَيْثُ لِلظِّلِّ غِنًى عَظِيمٌ ونَفْعٌ ظاهِرٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِمّا خَلَقَ ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ الأشْخاصِ المُظَلَّلَةِ.

و"الأكْنانُ": جَمْعُ كِنٍّ، وهو الحافِظُ مِنَ المَطَرِ والرِيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

و"السَرابِيلُ": جَمِيعُ ما يُلْبَسُ عَلى جَمِيعِ البَدَنِ كالقَمِيصِ والقَرْقَلِ، والمُجُولِ والدِرْعِ والجَوْشَنِ والحِفَّتانِ ونَحْوَهُ.

وذَكَرَ وِقايَةَ الحُرِّ إذا هو أمْسُ في تِلْكَ البِلادِ عَلى ما ذَكَرْنا، والبَرْدُ فِيها مَعْدُومٌ في الأكْثَرِ، وإذا جاءَ في الشَتَواتِ فَإنَّما يَتَوَقّى بِما هو أكْثَفُ مِنَ السِرْبالِ مِنَ الأثاثِ المُتَقَدِّمِ الذِكْرِ، فَبَقِيَ السَرابِيلُ لِتُوقِيَ الحُرَّ فَقَطْ، قالَهُ الطَبَرِيُّ عن عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، ألّا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ نَبَّهَهم إلى العِبْرَةِ في البَرْدِ ولَمْ يَذْكُرْ لَهُمُ الثَلْجَ لِأنَّهُ لَيْسَ في بِلادِهِمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إنِ الثَلْجَ شَيْءٌ أبْيَضٌ يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ ما رَأيْتُهُ قَطُّ، وأيْضًا فَذِكْرُ أحَدُهُما يَدُلُّ عَلى الآخَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمَتُ أرْضًا ∗∗∗ ∗∗∗ أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي؟

وَهَذِهِ الَّتِي ذَكَرْناها هي بِلادُ الحِجازِ، وإلّا فَفي بِلادِ العَرَبِ ما فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، ومِنهُ قَوْلُ مُتَمِّمٍ: إذِ القَشْعُ مِن بَرْدِ الشِتاءِ تَقَعْقَعا.

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: في لَيْلَةٍ مِن جُمادى ذاتِ أنْدِيَةٍ.

البَيْتَيْنِ، وغَيْرِ هَذا، والسَرابِيلُ الَّتِي تَقِي البَأْسَ هي الدِرْعُ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: شُمُّ العَرانِينِ أبْطالٌ لَبُوسُهم ∗∗∗ ∗∗∗ مَن نَسْجِ داوُدَ في الهَيْجا سَرابِيلُ وَقالَ أوسُ بْنُ حَجَرٍ: ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِرْعِ والسِرْبالِ.

فَهَذا يُرادُ بِهِ القَمِيصُ: و"البَأْسُ": مَسُّ الحَدِيدِ في الحَرْبِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُتِمُّ نِعْمَتَهُ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَتِمُّ نِعْمَتُهُ"، عَلى أنَّ النِعْمَةَ هي الَّتِي تَتِمُّ، رُوِيَ عنهُ "تَتِمُّ نِعَمُهُ" عَلى الجَمْعِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُسْلِمُونَ" مِنَ الإسْلامِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "تَسْلَمُونَ" مِنَ السَلامَةِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَخْصُوصَةً في بَأْسِ الحَرْبِ، وما في "لَعَلَّ" مِنَ التَرَجِّي والتَوَقُّعِ فَهو في حَيِّزِ البَشَرِ المُخاطِبِينَ، أيْ: لَوْ نَظَرَ الناظِرُ هَذِهِ الحالَ لَتَرَجّى مِنها إسْلامَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا من تعداد النّعم التي ألهم الله إليها الإنسان، وهي نعمة الفكر بصنع المنازل الواقية والمرفّهة وما يشبهها من الثياب والأثاث عطفاً على جملة ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ [سورة النحل: 78].

وكلّها من الألطاف التي أعدّ الله لها عقل الإنسان وهيّأ له وسائلها.

وهذه نعمة الإلهام إلى اتّخاذ المساكن وذلك أصل حفظ النوع من غوائل حوادث الجوّ من شدّة برد أو حرّ ومن غوائل السباع والهوامّ.

وهي أيضاً أصل الحضارة والتمدّن لأن البلدان ومنازل القبائل تتقوّم من اجتماع البيوت.

وأيضاً تتقوّم من مجتمع الحِلل والخيام.

والقول في نظم جملة والله جعل لكم} كالقول في التي قبلها.

وبيوت: يجوز فيه ضمّ الموحدة وكسرها، وهو جمع بيت.

وضمّ الموحّدة هو القياس لأنه على وزن فُعول، وهو مطرد في جمع فَعْل بفتح الفاء وسكون العين.

وأما لغة كسر الباء فلمناسبة وقوع الياء التحتية بعد الموحّدة المضمومة، لأن الانتقال من حركة الضمّ إلى النّطق بالياء ثقيل.

وقال الزجاج: أكثر النحويين لا يعرفون الكسر (أي لا يعرفونه لغة) وبيّن أبو عليّ جوازه.

وتقدم في سورة البقرة.

وبالكسر قرأ الجمهور.

وقرأها بالضمّ أبو عمرو وورش عن نافع وحَفص عن عاصم.

والبيت: مكان يجعل له بناء وفسطاط يحيط به يعين مكانه ليتّخذه جاعلُه مقَراً يأوي إليه ويستكنّ به من الحرّ والقُرّ.

وقد يكون محيطُه من حجر وطين ويسمّى جداراً، أو من أخشاب أو قصب أو غير ذلك وتُسمّى أيضاً الأخصاص.

ويوضع فوق محيطه غطاء ساتر من أعلاه يسمّى السقْف، يتّخذ من أعواد ويُطيّن عليها، وهذه بيوت أهل المدن والقرى.

وقد يكون المحيط بالبيت متّخذاً من أديم مدبوغ ويسمى القبّة، أو من أثواب تُنْسج من وَبر أو شَعَر أو صُوف ويسمّى الخَيمة أو الخباءَ، وكلّها يكون بشكل قريب من الهرميّ تلتقي شُقّتاه أو شُققه من أعلاه معتمدةً على عمود وتنحدر منه متّسعَة على شكل مخروط.

وهذه بيوت الأعراب في البوادي أهل الإبل والغنم يتّخذونها لأنها أسعد لهم في انتجاعهم، فينقلونها معهم إذا انتقلوا يتتبّعون مواقع الكَلأ لأنعامهم والكَمْأة لعَيشهم.

وقد تقدّم ذكر البيت عند قوله تعالى: ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ في سورة البقرة (125).

و ﴿ جَعَلَ ﴾ هنا بمعنى أوجد، فتتعدّى إلى مفعول واحد.

والسَكَن: اسم بمعنى المسكون.

والسكنى: مصدر سكن فلان البيتَ، إذا جعله مقرّاً له، وهو مشتقّ من السكون، أي القرار.

وانتصب قوله تعالى: ﴿ سكناً ﴾ على المفعولية ل ﴿ جعل ﴾ .

وقوله: ﴿ من بيوتكم ﴾ بيان للسكن، فتكون ﴿ من ﴾ بيانية، أو تجعل ابتدائية ويكون الكلام من قبيل التجريد بتنزيل البيوت منزلة شيء آخر غير السكن، كقولهم: لئن لقيت فلاناً لتلقينّ منه بحراً.

وأصل التركيب: والله جعل لكم بيوتكم سكنا.

وقيل: إن ﴿ سكناً ﴾ مصدر وهو قول ضعيف، وعليه فيكون الامتنان بالإلهام الذي دلّ عليه السكون، وتكون ﴿ من ﴾ ابتدائية، لأن أول السكون يقع في البيوت.

وشمل البيوت هنا جميع أصنافها.

وخُصّ بالذّكر القباب والخيام في قوله تعالى: ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ لأن القباب من أدم، والخيام من منسوج الأوبار والأصواف والأشعار، وهي ناشئة من الجلد، لأن الجلد هو الإهاب بما عليه، فإذا دبغ وأزيل منه الشّعر فهو الأديم.

وهذا امتنان خاص بالبيوت القابلة للانتقال والارتحال، والبشر كلّهم لا يعدون أن يكونوا أهل قرى أو قبائل رحلاً.

والسين والتاء في ﴿ تستخفونها ﴾ للوجدان، أي تجدونها خفيفة، أي خفيفة المحمل حين ترحلون، إذ يسهل نقضها من مواضعها وطيّها وحملها على الرواحل، وحين تنيخون إناخة الإقامة في الموضع المنتقل إليه فيسهل ضربها وتوثيقها في الأرض.

والظعن بفتح الظاء والعين وتسكن العينُ، وقد قرأه بالأول نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب، وبالثاني الباقون، وهو السّفر.

وأطلق اليوم على الحين والزمن، أي وقت سفركم.

والأثاث بفتح الهمزة اسم جمع للأشياء التي تفرش في البيوت من وسائد وبُسط وزرابيّ، وكلها تنسج أو تحْشى بالأصواف والأشعار والأوبار.

والمتاع أعمّ من الأثاث، فيشمل الأعدال والخُطُم والرحائل واللّبود والعُقُل.

فالمتاع: ما يتمتّع به وينتفع، وهو مشتقّ من المتع، وهو الذهاب بالشيء، ولِملاحظة اشتقاقه تعلّق به إلى حين.

والمقصود من هذا المتعلّق الوعظ بأنها أو أنهم صائرون إلى زوال يحول دون الانتفاع بها ليكون الناس على أهبة واستعداد للآخرة فيتّبعوا ما يرضي الله تعالى.

كما قال: ﴿ أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ﴾ [سورة الأحقاف: 20].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: البُيُوتُ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: الشَّجَرُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ الأكْنانُ: جَمْعُ كِنٍّ وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَكَنَّ فِيهِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ ظِلُّ الجِبالِ.

الثّانِي: أنَّهُ ما فِيها مِن غارٍ أوْ شَرَفٍ.

﴿ وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ يَعْنِي ثِيابَ القُطْنِ والكَتّانِ والصُّوفِ.

﴿ وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ ﴾ يَعْنِي الدُّرُوعَ الَّتِي تَقِي البَأْسَ، وهي الحَرْبُ.

قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لُبِسَ مِن قَمِيصٍ ودُرُوعٍ فَهو سِرْبالٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ قالَ: ﴿ وَجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ السَّهْلَ وقالَ: ﴿ تَقِيكُمُ الحَرَّ ﴾ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ؟

فَعَنْ ذَلِكَ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ القَوْمَ كانُوا أصْحابَ جِبالٍ ولَمْ يَكُونُوا أصْحابَ سَهْلٍ، وكانُوا أهْلَ حَرٍّ ولَمْ يَكُونُوا أهْلَ بَرْدٍ، فَذَكَرَ لَهم نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ مِمّا هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ، إذْ كانَ مَعْلُومًا أنَّ مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الجِبالِ أكْنانًا اتَّخَذَ مِنَ السَّهْلِ، والسَّرابِيلُ الَّتِي تَقِي الحَرَّ تَقِي البَرْدَ، قالَهُ الفَرّاءُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي.

فَكَنّى عَنِ الشَّرِّ ولَمْ يَذْكُرْهُ لِأنَّهُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الجِبالَ لِأنَّهُ قَدَّمُ ذِكْرَ السَّهْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا ﴾ وذَكَرَ الحَرَّ دُونَ البَرْدِ تَحْذِيرًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ وتَوَقِّيًا لِاسْتِحْقاقِها بِالكَفِّ عَنِ المَعاصِي.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ ﴾ أيْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إذا عَرَفْتُمْ نِعَمَهُ عَلَيْكم.

وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ لَعَلَّكم تُسَلِّمُونَ بِفَتْحِ التّاءِ أيْ تَسْلَمُونَ مِنَ الضَّرَرِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ عَنى ضَرَرَ الحَرِّ والبَرْدِ واحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ ضَرَرَ القِتالِ والقَتْلِ، واحْتُمِلَ أنْ يُرِيدَ ضَرَرَ العَذابِ في الآخِرَةِ إنِ اعْتَبَرْتُمْ وآمَنتُمْ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى النَّبِيَّ  يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ ثُمَّ يُنْكِرُونَها ويُكَذِّبُونَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّهم يَعْرِفُونَ ما عَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ وأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ ويُنْكِرُونَها بِقَوْلِهِمْ أنَّهم ورِثُوا ذَلِكَ عَنْ آبائِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّ إنْكارَها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لَوْلا فُلانٌ ما كانَ كَذا وكَذا ولَوْلا فُلانٌ ما أصَبْتُ كَذا، قالَهُ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّ مَعْرِفَتَهم بِالنِّعْمَةِ إقْرارُهم بِأنَّ اللَّهَ رَزَقَهم، وإنْكارَهم قَوْلُهُمْ: رُزِقْنا ذَلِكَ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا.

الخامِسُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ بِتَقَلُّبِهِمْ فِيها، ويُنْكِرُونَها بِتَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْها.

وَيَحْتَمِلُ سادِسًا: يَعْرِفُونَها في الشِّدَّةِ، ويُنْكِرُونَها في الرَّخاءِ.

وَيَحْتَمِلُ سابِعًا يَعْرِفُونَها بِأقْوالِهِمْ، ويُنْكِرُونَها بِأفْعالِهِمْ.

قالَ الكَلْبِيُّ: هَذِهِ السُّورَةُ تُسَمّى سُورَةُ النِّعَمِ؛ لِما ذَكَرَ اللَّهُ فِيها مِن كَثْرَةِ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ.

﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ وجَمِيعُهم كافِرُونَ، فَعَبَّرَ عَنِ الجَمِيعِ بِالأكْثَرِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّهُ قالَ ﴿ وَأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ ﴾ لِأنَّ فِيهِمْ مَن جَرى عَلَيْهِ حُكْمُ الكُفْرِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ كالصِّبْيانِ والمَجانِينِ، فَتَوَجَّهُ الذِّكْرُ إلى المُكَلَّفِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ قال: تسكنون فيها.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ قال: تسكنون وتقرون فيها ﴿ وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ وهي خيام الأعراب ﴿ تستخفونها ﴾ يقول في الحمل ﴿ ومتاعا إلى حين ﴾ قال: إلى الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ تستخفونها يوم ظعنكم ﴾ قال بعض: بيوت السيارة في ساعة وفي قوله: ﴿ وأوبارها ﴾ قال: الإبل ﴿ وأشعارها ﴾ قال: الغنم.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ أثاثاً ﴾ قال: الأثاث المال ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ يقول تنتفعون به إلى حين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن عطاء قال: إنما أنزل القرآن على قدر معرفة العرب.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ ومن أصوافها وأوبارها ﴾ وما جعل الله لهم من غير ذلك أعظم منه وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ وما جعل من السهل أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب جبال.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وما يقي البرد أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا أصحاب حر.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ من جبال فيها من برد ﴾ يعجبهم بذلك، وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر، ولكنهم كانوا لا يعرفونه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ ومتاعاً إلى حين ﴾ قال: إلى أجل، وبلغة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا ﴾ الآية.

السَّكَن: المَسْكَن، أنشد الفراء (١) (٢) (٣) (٤) والسَّكَنُ: ما سَكَنْت، وقال الزجاج: أي مَوْضِعًا تَسْكُنُون فيه (٥) (٦) وقال ابن عباس: يريد مساكن تستر عوراتكم وحُرَمَكُم، وذلك أن الله تعالى خلق الخشب والمدر والآلة التي بها يمكن تسقيف البيوت وبناؤها (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ ﴾ يعني الأنطاع (٨) ﴿ بُيُوتًا ﴾ يعني القِبَاب والخِيَام والفَسَاطِيط (٩) ﴿ تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ ، أي: يَخِفُّ عليكم حَمْلُها في أسفاركم (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) له نَعَلٌ لا تَطَّبِي الكَلْبَ ريحُها ...

وإن وُضِعت بين المجالس شُمَّت (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ قال مقاتل: أي لا يثقل عليكم الحالتين (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا ﴾ قال المفسرون وأهل اللغة: الأصواف للضأن، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَثَاثًا ﴾ الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت؛ من الفُرُش والأكسية (٢٢) (٢٣) وقال أبو زيد: واحدتها أَثَاثَةٌ (٢٤) قال ابن عباس في قوله: ﴿ أَثَاثًا ﴾ يريد طَنَافِس (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَتَاعًا ﴾ أي ما يمتعون به.

وقوله تعالى: ﴿ إِلَى حِينٍ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد إلى حين البلى (٢٨) وروي عنه: ﴿ إِلَى حِينٍ ﴾ : الموت (٢٩) (٣٠) (٣١) (١) نسبه الأزهري لابن الأعرابي.

(٢) في (أ)، (د): (كِنانًا)، والمثبت من: (ش)، (ع)، وقد انفرد الواحدي برواية (كِنًا)، بينما ورد في غيره (سنكنًا) و (ربضًا)، وليس في رواية الواحدي ولا رواية (ربضًا) شاهد -إلا بالمعنى-، إنما الشاهد في رواية "سكنًا" كما سيأتي في توثيق البيت.

(٣) في (أ)، (د) زيادة كلمة (قلبي) كالتالي: (ياويح قلبي نفسي) والمثبت من: ش، ع وهو الصحيح؛ لإغناء كلمة نفسي عنها، ويؤكد ذلك خلو رواية التهذيب منها.

(٤) ورد في "تهذيب اللغة" (قرمص) 3/ 2946، وفيه: (رَبَضَاً) بدل (كناناً)، وبدون كلمة (قلبي)، وورد بلا نسبة برواية: جاء الشتاء ولمّا أتخذ ربضًا ...

يا ويح كفَّيَّ من حفْرِ القراميص في "جمهرة اللغة" 1/ 314، 2/ 1201، و"تهذيب اللغة" (ربض) 2/ 1344، و"مقاييس اللغة" 2/ 478، و"الصحاح" (قرمص) 3/ 1051، (ربض) 3/ 1076، و"تفسير الفخر الرازي" 20/ 91، وفيه: (سكنًا) بدل (ربضًا، و"الأساس" 2/ 247، و"اللسان" (قرمص) 6/ 3606، (ربض) 3/ 1559، و"التاج" (قرمص) 9/ 333، و"تفسير أبي حيان" 5/ 523، و"الدر المصون" 7/ 273، فيهما برواية: (سكناً) و (نفسي)، (ربض): قال ابن فارس: الراء والباء والضاد أصل يدل على سكون واستقرار، والرَّبَض: ما حول المدينة؛ ومسكن كلِّ قوم رَبَضٌ، ويقال: لفلان رَبَضٌ يأوي إليه: وهو كل ما سكن إليه من امرأة أو قرابة أو بيت.

(قرمص): قال ابن السكيت: القراميص: حُفَرٌ صغارٌ يستكِنُّ فيها الإنسان من البرد، الواحدة: قُرْمُوص.

(٥) "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه.

(٦) ورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 14/ 154، بنصه، والثعلبي 2/ 161 أ، بنصه، والبغوي 5/ 35، والخازن 3/ 128، والذي في "تفسير مجاهد" ص 423، قال: تسكنون فيها، وأخرجه الطبري عن مجاهد بهذه الرواية، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 237، وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(٧) انظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 476، بنحوه وبلا نسبة.

(٨) جمع: نِطَعٌ ونِطْعٌ ونَطَعٌ ونَطْعٌ؛ هو بساطُ من الجلد.

انظر: "المحيط في اللغة" 1/ 406، و"المعجم الوسيط" 2/ 930.

(٩) جمع الفِسْطَاط والفُسْطَاط؛ وهو ضَرْبٌ من الأبنية؛ وهو بيتٌ يتخذُ من الشَّعر.

انظر: "المحيط في اللغة" 8/ 271.

(١٠) ورد في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه.

(١١) قرأ بها: عاصم وحمزة والكسائي وابن عامر.

انظر: "السبعة" ص375، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 359، و"علل القراءات" 1/ 308، و"الحجة للقراء" 5/ 77، و"المبسوط في القراءات" ص 225، و"التيسير" ص 138.

(١٢) بفتح العين، قرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو.

(انظر: المصادر السابقة).

(١٣) يريد الحروف الحلقية؛ وهي: الهمزة والهاء، والعين والحاء، والغين والخاء.

(١٤) لكُثَيِّر بن عبد الرحمن بن الأسود، المعروف بكُثَيِّر عزّة (ت 105 هـ).

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 112، بنصه تقريبًا.

(١٦) "ديوانه" ص 85، وروايته: == إذا طُرِحَتْ لم تَطَّبِ الكلبَ ريحُها ...

وإن وُضِعَتْ في مجلس القوم شُمَّتِ وورد في "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 502، و"الخصائص" 2/ 9، وفيه: (جُعِلت وسْطَ) بدل (وُضعت بين)، و"اللسان" (نعل) 7/ 4477، وفيه: (وسط) بدل (بين)، وورد في "البيان والتبيين" برواية ليس فيها الشاهد 3/ 788، (تطبي): يقال طبى فلانٌ فلانًا عن رأيه وأمْره: أي صرفه، وأطْبَأه وطَبَأه: دعاه واستماله، (شُمّت): يُقبل شَمُّها؛ لأن جلدها جيد الدباغة لا تفوح منه روائحُ كريهة منتنة تستميل الكلاب، والشاعر يصف نعله برقتها وطيب ريحها، وأنها لطيب ريحها وعدم انبعاث الروائح الكريهة عنها لا تستميل الكلاب.

والشاهد: أنه حرَّك حرف الحلق (ع) لانفتاح ما قبله.

وانظر: "المحيط في اللغة" (طبى) 9/ 228.

(١٧) هكذا في جميع النسخ بالحاء، وفي المصدر (جمل) بالجيم، وهو خطأ؛ لأن (جمل) لا تأتي في الفصيح إلا محركة.

انظر: "متن اللغة" 1/ 571.

(١٨) "الحجة للقراء" 5/ 77، بتصرف يسير.

(رسن): الرسن: الحبل تقاد به الدابة؛ وهو ما كان على الأنف من الأزمَّة.

انظر: "اللسان" (رسن) 3/ 1647، و"متن اللغة" 2/ 588.

(١٩) "تهذيب اللغة" (ظعن) 3/ 2241، بنصه.

(٢٠) "تفسير مقاتل" 1/ 205 ب، بمعناه، وورد في "تفسير الثعلبي" 2/ 161 أ، بنصه.

(٢١) ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 205 ب، بنصه، و"معاني القرآن وإعرابه" 3/ 215، بنصه، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 96، بنصه، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161 أ، بنصه، والطوسي 6/ 413، وانظر: "تهذيب اللغة" (صاف) 2/ 1962 - 1963، (وبر) 4/ 3826 - 3827، و"المحيط في اللغة" (صوف) 8/ 196، (وبر) 10/ 272، و"اللسان" (وبر) 8/ 4752 - 4753، (صوف) 4/ 2527 - 2528.

(٢٢) ورد في الغريب لابن قتيبة 1/ 248، بنصه، ورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 96، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161 أ، وانظر: (أث) في "العين" (8/ 253، و"تهذيب اللغة" 1/ 118، و"اللسان" (أثث) 1/ 24 - 25، و"التاج" (أثث) 3/ 164.

(٢٣) لم أجده في معانيه، وورد في "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، بنصه تقريبًا، وفيه: ولو جمعت لقلت: ثلاثة آثَّةٍ، وأُثُثٌ كثيرة.

وانظر: "اللسان" (أثث) 1/ 24 - 25، و"التاج" (أثث) 3/ 164، وأورد السمين قول الفراء، وقال عن جمع الكثرة: فيه نظر؛ حيث يلزم هذا الوزن جمعه على أفْعِلَة في القلة والكثرة، ولا يجمع على فُعُل.

انظر: "الدر المصون" 7/ 275.

(٢٤) لم أجده في نوادره، وورد في "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، بلفظه، وورد عنه بنحوه في "الغريب" لابن قتيبة 1/ 248، و"أدب الكاتب" له ص 61، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 97، و"تفسير الثعلبي" 2/ 161، و"الدر المصون" 7/ 275، وأورد الطبري قول أبي زيد -بلا نسبة- ورده، قائلاً: ولم أر أهل العلم بكلام العرب يعرفون ذلك -أي أن الأثاث واحد- والحق أن أبا زيد إمام وحجة في العربية، والذين أوردوا قوله -وهم من أهل اللغة- لم أجد من اعترض عليه، وحسبك بابن قتيبة وقد أورد قوله مستشهدًا به.

(٢٥) جمع طَنْفَس، وهي البساط الذي له خَمْلٌ رقيق، وقيل: هو ضرب من السجاد.

انظر: "اللسان" (طنفس) 5/ 2710، و"متن اللغة" 3/ 637.

(٢٦) انظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 92، بنصه، والمشهور عن ابن عباس أنه فَسَّرَ ﴿ أَثَاثًا ﴾ بالمال، أخرجه الطبري 14/ 155 - 156 من طريق العوفي ضعيفة، و"الدر المنثور" 4/ 237، وعزاه إلى ابن أبي حاتم.

(٢٧) "العين" (أث) 8/ 253، بنصه، وانظر: "تفسير الفخر الرازي" 20/ 92، وقد نقل المقطع كله؛ من بداية قول الأزهري بنصه تقريبًا دون نسبته للواحدي.

(٢٨) انظر: "تنوير المقباس" ص 290، وورد غير منسوب في "تفسير مقاتل" 1/ 205 ب، والثعلبي 2/ 161 أ، والبغوي 5/ 35، والزمخشري 2/ 339، وابن الجوزي 4/ 477، والفخر الرازي 20/ 92، والخازن 3/ 129.

(٢٩) أخرجه الطبري 14/ 155 بلفظه عن مجاهد، وانظر: "تفسير ابن الجوزي" 4/ 477، عن ابن عباس ومجاهد، وأبي حيان 5/ 524، عن ابن عباس، و"تفسير الألوسي" 14/ 204، عن ابن عباس، وورد غير منسوب في "تفسير هود الهواري" 2/ 381، والثعلبي 2/ 161 أ، والبغوي 5/ 35، والزمخشري 2/ 339، والفخر الرازي 20/ 92، والخازن 3/ 129، وورد عن ابن عباس تفسيره بقوله: ينتفعون به إلى حين، أخرجه الطبري 14/ 154 - 155 من طريق العوفي ضعيفة، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 237 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.

(٣٠) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (2/ 359) بلفظه، والطبري 14/ 155 بلفظه، == وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 97، بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 237، وزاد نسبته إلى ابن المنذر.

(٣١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 112.

بنصه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمَآ أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾ بيان لقدرة الله على إقامتها، وأن ذلك يسير عليه كقوله: ﴿ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة ﴾ [لقمان: 28] وقيل: المراد سرعة إتيانها ﴿ والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أمهاتكم ﴾ الأمهات جمع أم زيدت فيه الهاء فرقاً بين من يعقل ومن لا يعقل، وقرئ بضم الهمزة وبكسرها إتباعاً للكسرة قبلها ﴿ فِي جَوِّ السمآء ﴾ أي في الهواء البعيد من الأرض ﴿ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ السكن مصدر يوصف به، وقيل: هو فعل بمعنى مفعول ومعناه ما يسكن فيه كالبيوت أو يسكن إليه ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً ﴾ يعني الأدم من القباب وغيرها ﴿ تَسْتَخِفُّونَهَا ﴾ أي تجدونها خفيفة ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ يعني في السفر والحضر، واليوم هنا بمعنى الوقت ويقال: ظعن الرجل إذا رحل، وقرئ ظعنكم بفتح العين، وإسكانها تخفيفاً ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ ﴾ الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والأشعار للمعز والبقر ﴿ أثاثا ﴾ الأثاث متاع البيت من البسط وغيرها، وانتصابه على أنه مفعول بفعل مضمر تقديره جعل ﴿ وَمَتَاعاً إلى حِينٍ ﴾ أي إلى وقت غير معين، ويحتمل أن يريد أن تبلى وتغنى أو إلى أن تموت.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تجحدون ﴾ بتاء الخطاب: أبو بكر وحماد.

الآخرون على الغيبة.

﴿ من بطون إمهاتكم ﴾ ونحوها بكسر الهمزة وفتح الميم: عليّ.

﴿ إمهاتكم ﴾ بكسرهما: حمزة.

الباقون بضم الهمزة وفتح الميم.

﴿ ألم تروا ﴾ على الخطاب: ابن عامر وحمزة وخلف وسهل ويعقوب ﴿ ظعنكم ﴾ بسكون العين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر الباقون بفتحها.

الوقوف: ﴿ في الرزق ﴾ ج لاختلاف الجملتين مع الفاء ﴿ سواء ﴾ ط ﴿ يجحدون ﴾ ه ﴿ من الطيبات ﴾ ط ﴿ يكفرون ﴾ ه لا للعطف ﴿ ولا يستطيعون ﴾ ه ج لابتداء النهي مع فاء التعقيب ﴿ الأمثال ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ وجهراً ﴾ ط ﴿ هل يستوون ﴾ ط ﴿ الحمد لله ﴾ ط لأن "بل" للإعراض عن الأول.

﴿ لا يعلمون ﴾ ه ﴿ مولاه ﴾ لا لأن الجملة بعده صفة أحدهما ﴿ بخير ﴾ ط ثم لا وقف إلى مستقيم لاتحاد الكلام ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ أقرب ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ لا للعطف ﴿ والأفئدة ﴾ لا لتعلق ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ ه ﴿ السماء ﴾ ط للفصل بين الاستخبار والإخبار ﴿ إلا الله ﴾ ط ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ إقامتكم ﴾ لا لوقوع ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ ﴿ إلى حين ﴾ ه ﴿ باسكم ﴾ ط ﴿ تسلمون ﴾ ه ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ الكافرون ﴾ ه.

التفسير: لما بين خلق الإنسان وتقلبه في أطوار مراتب العمر أراد أن يذكره طرفاً من سائر أحواله لعله يتذكر فقال: ﴿ والله فضّل بعضكم على بعض في الرزق ﴾ ولا ريب أن ذلك أمر مقسوم من قبل القسام وإلا لم يكن الغافل رخي البال والعاقل ردي الحال، وليس هذا التفاوت مختصاً بالمال وإنما هو حاصل في الحسن والقبح والصحة والسقم وغير ذلك، فلرب ملك تقاد الجنائب بين يديه ولا يمكنه ركوب واحدة منها، وربما أحضرت الأطعمة الشهية والفواكه العطرة عنده ولا يقدر على تناول شيء منها، وربما نرى إنساناً كامل القوة صحيح المزاج شديد البطش ولا يجد ملء بطنه طعاماً.

وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أن المراد تقرير كون السعادة والنحوسة والغنى والفقر بقسمة الله تعالى، وأنه جعل بعض الناس موالي وبعضهم مماليك وليس المالك رازقاً للعبد وإنما الرازق للعبد والمولى هو الله، فلا تحسبن الموالي المفضلين أنهم يرزقون مماليكهم من عندهم شيئاً من الرزق وإنما ذلك رزقي لهم أجريته لهم على أيديهم.

وثانيهما أن المراد الرد على من أثبت لله شريكاً كالصنم أو كعيسى، فضرب له مثلاً فقال: أنتم لا تسوّون بينكم وبين عبيدكم فيما أنعمت به عليكم ولا تردّون رزقكم عليهم حتى تتساووا في المطعم والملبس.

فالفاء في قوله: ﴿ فهم فيه سواء ﴾ للتعليل.

ولك أن تقول بمعنى "حتى" أي حتى يكون عبيدهم معهم سواء في الرزق، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيدي لي شركاء؟!

"عن أبي ذر  أنه سمع رسول الله  يقول في العبيد: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون" فما رؤي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت ﴿ أفبنعمة الله ﴾ وهي أنه جعلهم موالي مفضلين لا عبيداً مفضولين ﴿ يجحدون ﴾ أو جعل عدم التسوية بينهم وبين عبيدهم من جملة جحود النعمة، أو جعل اعتقاد أهلية العبادة لغير الله كفراً بنعمة الله والجحود في معنى الكفران فلذلك عداه بالباء.

قال أبو عبيدة وأبو حاتم.

قراءة الغيبة - وهي الكثرى - أولى لقرب المخبر عنه، ولأنه لو كان خطاباً كان ظاهره للمسلمين وإنهم لا يخاطبون بجحد نعمة البتة.

الحالة الأخرى من أحوال الإنسان قوله عم طوله: ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم ﴿ أزواجاً ﴾ ليكون الأنس به أتم.

ولا ريب أن تخليق الذكور والإناث مستند إلى قدرة الله وتكوينه.

والطبيعيون قد يذكرون له وجهاً قالوا: إن المني إذا انصب من الخصية اليمنى إلى الذكر ثم انصب منه إلى الجانب الأيمن من الرحم كان الولد ذكراً تاماً في الذكورة بناء على أن الذكر أسخن مراجاً وكذا الجانب الأيمن، وإن انصب من الخصية اليسرى إلى الجانب الأيسر من الرحم كان الولد تاماً في الأنوثية، وإذا انصب من اليمنى إلى الأيسر كان ذكراً في طبيعة الإناث، وإن كان بالعكس كان بالعكس.

قال الإمام فخر الدين الرازي: هذه العلة ضعيفة فقد رأينا في النساء من كان مزاجه في غاية السخونة وفي الرجال من كان في غاية البرودة.

ولقائل أن يقول: الكلام في المزاج الصنفي لا في المزاج الشخصي، وهذا الإمام لم يفرق بينهما فاعترض بأحدهما على الآخر.

﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ﴾ أصل الحفد الإسراع في الخدمة.

والفاعل حافد والجمع حفدة.

فقيل: أراد بها في الآية الأختان على البنات.

وقيل: أولاد الأولاد.

وقيل: أولاد المرأة من الزوج الأوّل وقيل: الخدم والأعوان.

وقيل: البنون أنفسهم الجامعون بين الأمرين البنوّة والخدمة.

وقيل: الأولى دخول الكل فيه.

ثم ذكر إنعامه عليهم بالمطعومات الطيبة لأن لذة المنكوح لا تهنأ إلا بعد الفراغ من لذة المطعوم أو بعد الفراغ من تحصيل أسبابها.

وأورد "من" التبعيضية لأن لذة كل الطيبات لا تكون إلا في الجنة.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿ أفبالباطل يؤمنون ﴾ فقيل: الباطل هو ما اعتقدوه من منفعة الأصنام وبركتها وشفاعتها ونعمة الله ما عدده في الآيات السابقة.

وقيل: الباطل ما زين لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة وغيرهما، ونعمة الله ما أحل لهم.

وإنما قال ههنا: ﴿ وبنعمة الله هم يكفرون ﴾ وفي آخر "العنكبوت" ﴿ وبنعمة الله يكفرون  ﴾ لأن تلك الآيات استمرت على الغيبة فلم يحتج إلى زيادة ضمير الغائب.

وأما في الآية فقد سبق مخاطبات كثيرة فلم يكن بد من ضمير الغائب المؤكد لئلا يلتبس بالخطاب.

ولما عدّد بعض الآيات الدالة على الإقرار بالتوحيد أنكر صنيع أهل الشرك عليهم قائلاً ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقاً ﴾ قال جار الله: إن كان بمعنى المصدر نصبت به شيئاً أي لا يملك أن يرزق شيئاً، وإن أردت المرزوق كان شيئاً بدلاً منه بمعنى قليلاً أو يكون تأكيداً للا يملك أي لا يملك شيئاً من الملك.

و ﴿ من السموات والأرض ﴾ صلة للرزق إن كان مصدراً بمعنى لا يرزق من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً وصفة إن كان اسماً لما يرزق.

أما الضمير في ﴿ ولا يستطيعون ﴾ فعائد إلى ما بعد أن قيل لا يملك على اللفظ المفرد وجمع بالواو والنون بناء على زعمهم أن الأصنام آلهة.

والفائدة في نفي الاستطاعة عنهم أن من لا يملك شيئاً قد يكون موصوفاً باستطاعة أن يتملك بطريق من الطرق، فبيّن  أنها لا تملك ولا تستطيع تحصيل الملك.

وجوّز في الكشاف أن يكون الضمير للكفار أي لا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون فكيف بالجماد الذي لا حس له؟

﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ أي لا تشبهوه بخلقه فإن ضارب المثل مشبه حالاً بحال وقصة بقصة.

وقال الزجاج: لا تجعلوا لله مثلاً لأنه واحد لا مثل له.

وكانوا يقولون إن إله العالم أجل من أن يعبده الواحد منا فكانوا يتوسلون إلى الأصنام والكواكب، كما أن أصاغر الناس يخدمون أكابر حضرة الملك، وأولئك الأكابر يخدمون الملك فنهوا عن غير الحنيفية والإخلاص.

وعلل النهي بقوله: ﴿ إن الله يعلم ﴾ ما عليكم من العقاب ﴿ وأنتم لا تعلمون ﴾ ما في عبادتها من العذاب.

وفيه أن القياس الذي توهموه ليس بصحيح والنص يجب تقديمه على ذلك.

وقيل: إن الله يعلم كيف يضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون.

ثم علمهم كيف تضرب فقال: ﴿ ضرب الله مثلاً ﴾ ثم أبدل من المثل قوله: ﴿ عبداً مملوكاً ﴾ لا حراً فإن جميع الناس عبيد لله فلا يلزم من كونه عبداً كونه مملوكاً.

وقوله: ﴿ لا يقدر على شيء ﴾ ليخرج العبد المأذون والمكاتب فإنهما يقدران على التصرف.

احتج الفقهاء بالآية على أن العبد لا يملك شيئاً وإن ملكه السيد لأن قوله: ﴿ لا يقدر ﴾ حكم مذكور عقيب الوصف المناسب، فدل على أن العبدية أينما وجدت فهي علة للذل والمقهورية وعدم القدرة، فثبت العموم وهو أن كل عبد فهو لا يقدر على التصرف.

وأيضاً قوله: ﴿ ومن رزقناه منا رزقاً حسناً ﴾ يقتضي أن لا يحصل للقسم الأوّل هذا الوصف.

فلو ملك العبد شيئاً ما صدق عليه أن الله قد آتاه الرزق الحسن فلم يثبت الامتياز، والأكثرون على أن عدم اقتدار العبد مخصوص بماله تعلق بالمال.

وعن ابن عباس أنه لا يملك الطلاق أيضاً.

قال جار الله: الظاهر أن "من" في قوله: ﴿ ومن رزقناه ﴾ موصوفة كأنه قيل: وحراً رزقناه ليطابق عبداً.

ولا يمتنع أن تكون موصولة.

وجمع قوله: ﴿ هل يستوون ﴾ لأنه أراد الأحرار والعبيد.

وللمفسرين في مضرب المثل أقوال: فالأكثرون على أنه أراد أنا لو فرضنا عبداً مملوكاً لا يقدر على شيء، وفرضنا حراً كريماً غنياً كثير الإنفاق سراً وجهراً، فصريح العقل يشهد بأنه لا يجوز التسوية بينهما مع استوائهما في الخلقة والصورة، فكيف يجوز للعاقل أن يسوّى بين الله القادر على الرزق والإفضال وبين الأصنام التي لا تملك ولا تقدر ألبتة؟!

وقيل: العبد المملوك هو الكافر المحروم عن طاعة الله وعبوديته، والآخر هو المؤمن المشتغل بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله.

والغرض أنهما لا يستويان في الرتبة والشرف والقرب من رضوان الله.

وقيل: العبد هو الصنم لقوله: ﴿ إن كل من في السموات والأرض إلا آتِى الرحمن عبداً  ﴾ .

والثاني عابد الصنم.

والمراد أنهما لا يستويان في القدرة والتصرف.

لأن الأوّل جماد وهذا إنسان فكيف يجوز الحكم بأن الأول مساوٍ لرب العالمين؟!.

﴿ الحمد لله ﴾ قال ابن عباس: أراد الحمد لله على ما فعل بأوليائه وأنعم عليهم بالتوحيد.

وقيل: معناه كل الحمد لله وليس شيء من الحمد للأصنام لأنه لا نعمة لها على أحد ﴿ بل أكثرهم لايعلمون ﴾ أن كل الحمد لي.

وقيل: أراد قل الحمد لله.

والخطاب إما للرسول  وإما لمن رزقه الله رزقاً حسناً وميزه بالقدرة والاختيار والتصرف من العبد الذليل الضعيف.

وقيل: لما ذكر مثلاً مطابقاً للغرض كاشفاً عن المقصود قال: ﴿ الحمد لله ﴾ أي على قوة هذه الحجة وظهور هذه البينة ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ قوّتها وظهورها.

ثم ضرب مثلاً ثانياً لنفسه ولما يفيض على عباده من النعم الدينية والدنيوية وللأصنام التي هي أموات لا تضر ولا تنفع بل يصل منها إلى من يعبدها أعظم المضار.

أما تفسير الألفاظ فالأبكم العي المفحم وقد بكم بكماً وبكامة.

وقيل: هو الأقطع اللسان الذي لا يحسن الكلام.

وروى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه الذي لا يسمع ولا يبصر.

وقوله: ﴿ وهو كلٌّ على مولاه ﴾ أصله من الغلظ الذي هو نقيض الحدة.

يقال: كَلَّ السكين إذا غلظت شفرته، وكَلَّ اللسان إذا غلظ فلم يقدر على الكلام، وكَلَّ فلان عن الكلام إذا ثقل عليه ولم ينبعث فيه، وفلان كَلٌّ على مولاه أي ثقيل وعيال على من يلي أمره.

وقوله: ﴿ أينما يوجهه ﴾ حيثما يرسله ﴿ لا يأت بخير ﴾ لم ينجح في مطلبه.

والتوجيه أن ترسل صاحبك في وجه معين من الطريق ﴿ هل يستوي هو ﴾ أي الموصوف بهذه الصفات المذكورة.

﴿ ومن يأمر ﴾ الناس ﴿ بالعدل وهو ﴾ في نفسه ﴿ على صراط مستقيم ﴾ على سيرة صالحة ودين قويم غير منحرف إلى طرفي الإفراط والتفريط.

ولا شك أن الآمر بالعدل يجب أن يكون عالماً حتى يمكنه التمييز بين العدل والجور.

قادراً حتى يتأتى منه الإتيان بالخير والأمر به، وكلا الوصفين يناقض كونه أبكم لا يقدر.

قال مجاهد: هذا مثل لإله الخلق وما يدعى من دونه.

أما الأبكم فمثل الصنم لأنه لا ينطق ألبتة ولا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على عابديه لأنه لا ينفق عليهم وهم ينفقون عليه وإلى أيّ مهم يوجه الصنم لا يأتي بخير، وأما الذي يأمر بالعدل فهو الله  .

وروى الواحدي بإسناده عن عكرمة عن ابن عباس قال: نزلت الآية المتقدمة في هشام بن عمرو وهو الذي ينفق ماله سراً وجهراً، ومولاه أبو الحوار الذي كان ينهاه عنه.

وهذه الآية نزلت في سعيد بن أبي العيص وفي عثمان بن عفان مولاه.

والأصح أن المقصود من الآية الأولى كل عبد موصوف بالصفات الذميمة وكل حر موصوف بالخصال الحميدة.

ومن الآية الثانية كل رجل جاهل عاجز وكل من هو بضد ذلك من كونه شامل العلم كامل القدرة وليس إلا الله  فلذلك مدح نفسه بقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ أي يختص به علم ما غاب عنه العباد فيهما، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن غير الله ويؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر ﴾ اللمح النظر بسرعة ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وليس هذا من قبيل المبالغة وإنما هو كلام في غاية الصدق لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

وقيل: معنى أمر الساعة أن إماتة الأحياء وإحياء الأموات كلهم يكون في أقرب وقت وأقله.

ثم أكده بقوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ .

ثم زاد في التأكيد بذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال: ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ قال جار الله: هو في موضع الحال أي غير عالمين شيئاً من حق المنعم الذي خلقكم في البطون وسوّاكم وصوّركم ثم أخرجكم من الضيق إلى السعة.

وقوله: ﴿ وجعل لكم ﴾ معناه وما ركب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه والترقي إلى ما يسعدكم.

﴿ والأفئدة ﴾ في فؤاد كالأغربة في غراب، وهو من جموع القلة التي تستعمل في مقام الكثرة أيضاً لعدم ورود غيرها.

واعلم أن جمهور الحكماء زعموا أن الإنسان في مبدأ فطرته خال عن المعارف والعلوم إلا أنه  خلق السمع والبصر والفؤاد وسائر القوى المدركة حتى ارتسم في خياله بسبب كثرة ورود المحسوسات عليه حقائق تلك الماهيات وحضرت صورها في ذهنه، ثم إن مجرد حضور تلك الحقائق إن كان كافياً في جزم الذهب بثبوت بعضها لبعض أو انتفاء بعضها عن بعض فتلك الأحكام علوم بديهية، وإن لم تكن كذلك بل كانت متوقفة على علوم سابقة عليها ولا محالة تنتهي إلى البديهيات قطعاً للدور أو التسلسل فهي علوم كسبية.

وظهر أن السبب الأول لحدوث هذه المعارف في النفوس الإنسانية هو أن الله  أعطى الحواس والقوى الدرّاكة للصور الجزئية.

وعندي أن النفس قبل البدن موجودة عالمة بعلوم جمة وهي التي ينبغي أن تسمى بالبديهيات، وإنما لا يظهر آثارهاعليها عند انفصال الجنين من الأم لضعف البدن واشتغالها بتدبيره، حتى إذا قوي وترقى ظهرت آثارها شيئاً فشيئاً وقد برهنا على هذه المعاني في كتبنا الحكمية.

فالمراد بقوله: ﴿ لا تعلمون شيئاً ﴾ أنه لا يظهر أثر العلم عليكم.

ثم إنه بتوسط الحواس الظاهرة والباطنة يكتسب العلوم المتوقفة على التعلق.

ومعنى ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ إرادة أن تصرفوا كل آلة فيما خلقت لأجله.

وليس الواو للترتيب حتى يلزم من عطف ﴿ جعل ﴾ على ﴿ أخرج ﴾ أن يكون جعل السمع والبصر متأخراً عن الإخراج من البطن، وقد مر في أول البقرة في تفسيره قوله: ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم  ﴾ أنه لم وحد السمع وجمع غيره؟

ثم ذكر دليلاً آخر على كمال قدرته فقال: ﴿ ألم يروا إلى الطير مسخرات ﴾ مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة وسائر الأسباب المواتية لذلك كرقة قوام الهواء وإلهامهن بسط الجناح وقبضه فيه عمل السابح في الماء.

وفي ﴿ جوّ السماء ﴾ أي في الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو وهو مضاعف عينه ولامه واو ﴿ ما يمسكهن إلا الله ﴾ بقدرته أو بإعطاء الآلات التي لأجلها يتسهل عليها الطيران.

ومن جملة أحوال الإنسان قوله: ﴿ والله جعل لكم من بيوتكم سكناً ﴾ هو ما يسكن إليه من بيت أو إلف ﴿ جعل لكم من جلود الأنعام بيوتاً ﴾ هي القباب والأبنية من الأدم والأنطاع ﴿ تستخفونها ﴾ أي تعدونها خفيفة المحمل في الضرب والنقض والنقل ﴿ يوم ظعنكم ﴾ أي في وقت ارتحالكم.

والظعن بفتح العين وسكونها سير أهل البادية لنجعة، ثم استعمل في كل شخوص لسفر.

﴿ ويوم إقامتكم ﴾ لا يثقل عليكم حفظها ونقلها من مكان إلى مكان، ويمكن أن يكون اليوم على حقيقته أي يوم ترجعون خف عليكم حملها ونقلها ويوم تنزلون وتقيمون في مكان لم يثقل عليكم ضربها ﴿ ومن أصوافها ﴾ وهي للضأن ﴿ وأوبارها ﴾ وهي للإبل ﴿ وأشعارها ﴾ وهي للمعز ﴿ أثاثاً ﴾ وهو متاع البيت.

قال الفراء لا واحد له.

وقال أبو زيد: الأثاث المال أجمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع الواحدة أثاثة.

قال ابن عباس: أراد طنافس وبسطاً وثياباً وكسوة.

وقال الخليل: أصله من أن النبات والشعر يئث إذا كثر.

قيل: إنه  عطف قوله: ﴿ ومتاعاً ﴾ على ﴿ أثاثاً ﴾ فوجب أن يتغايرا فما الفرق؟

وأجيب بأن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله من الغطاء والوطاء.

والمتاع ما يفرش في المنازل ويتزين به.

قلت: لا يبعد أن يراد بالأثاث والمتاع ما هو الجامع بين الوصفين كونه أثاثاً وكونه مما يتمتع به ﴿ إلى حين ﴾ أي إلى أن تقضوا أوطاركم منه أو إلى أن تبلى وتفنى أو إلى الموت أو إلى القيامة.

ثم إن المسافر قد لا يكون له خيام وأبنية يستظل بها لفقر أو لعارض آخر فيحتاج إلى أن يستظل بشجر أو جدار أو غمام ونحوها فذلك قال: ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ وقد يحتاج المسافر إلى حصن يأوي إليه في نزوله وإلى ما يدفع به عن نفسه آفات الحر والبرد وسائر المكاره وكذا المقيم فلذلك منّ بقوله: ﴿ وجعل لكم من الجبال أكناناً ﴾ هي جمع "كن" وهو ما يستكن به ويتوقى بسببه الأمطار كالبيوت المنحوته في الجبال وكالغيران والكهوف ﴿ وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر ﴾ وهي القمصان والثياب من الصوف والقطن والكتان وغيرها.

وإنما لم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر أهم عندهم لغلبة الحرارة في بلادهم على أن ذكر أحد الضدين يغني في الأغلب عن ذكر الآخرة لتلازمهما في الخطور بالبال غالباً بشهادة الوجدان.

قال الزجاج: كل ما لبسته فهو سربال فعلى هذا يشمل الرقيق والكثيف والساذج والمحشوّ من الثياب ﴿ وسرابيل تقيكم بأسكم ﴾ كالدروع والجواشن ﴿ كذلك يتم نعمته ﴾ أي مثل ما خلق هذه الأشياء لكم وأنعم بها عليكم فإنه يتم نعم الدين والدنيا ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ قال ابن عباس: لعلكم يا أهل مكة تخلصون لله الربوبية وتعلمون أنه لا يقدر على هذه الإنعامات سواه.

وعنه أنه قرأ بفتح التاء واللام من السلامة أي تسلم قلوبكم من الشرك، أو تشكرون فتسلمون من العذاب.

وقيل: تسلمون من الجرح بلبس الدروع ﴿ فان تولوا ﴾ فقد تمهد عذرك ﴿ فإنما عليك البلاغ المبين ﴾ وليس إليك الهداية.

ثم ذمهم بأنهم ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ التي عددناها حيث يعترفون بها وبأنها من عند الله ﴿ ثم ينكرونها ﴾ بعبادة غير من أنعم بها وبقولهم هي من الله ولكنها بشفاعة آلهتنا.

ومعنى "ثم" تبعيد رتبة الإنكار عن العرفان: وقيل: إنكارها قولهم ورثناها من آبائنا أو وصل إلينا بتربية فلان، أو أنهم لا يستعملونها في طلب رضوان الله.

وقيل: نعمة الله نبوّة محمد  كانوا يعرفونه ثم ينكرون نبوّته عناداً.

وإنما قال: ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ لأنه استعمل الأكثر مقام الكل أو أراد البالغين العقلاء منهم دون الأطفال والمجانين، أو أراد كفر الجحود ولم يكن كفر كلهم كذلك بل كان فيهم من كفر للجهل بصدق الرسول، أو لأنه لم تقم الحجة عليه بعد هذا ما قاله المفسرون.

قلت: ويحتمل أن يراد بالكافرين المصرين الثابتين على كفرهم وقد علم الله أن في مطلق الكفرة من يؤمن فلهذا استثناهم والله  أعلم.

التأويل: فضل الأرواح على القلوب في رزق المكاشفات والمشاهدات بعد الفناء والرد إلى البقاء، وفضل القلوب على النفوس في رزق الزهد والورع والتقوى والصدق واليقين والإيمان والتوكل والتسليم والرضا، وفضل النفوس على الأبدان في رزق التزكية والتخلية والتحلية، وفضل أبدان المؤمنين على أبدان الكافرين بحمل أعباء الشريعة.

فما الأرواح برادّي رزقهم على القلوب، ولا القلوب على النفوس، ولا النفوس على الأبدان.

أفبنعمة الله التي أنعم بها على أوليائه تجحدون يا منكري هذا الحديث ﴿ والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ يعني ازدواج الأرواح والأشباح ﴿ وجعل لكم من أزواجكم بنين ﴾ وهم القلوب ﴿ وحفدة ﴾ وهن النفوس ﴿ أفبالباطل ﴾ وهو الزخارف والوساوس ﴿ يؤمنون وبنعمة الله ﴾ التي أنعم بها على أرباب القلوب ﴿ يكفرون ﴾ ويعبدون من دون الله كالدنيا والهوى ﴿ ما لا يملك لهم زرقاً ﴾ من سموات القلوب وأرض النفوس شيئاً من الكمالات التي أودع الله فيهن، ولا يستخرج منها إلا بعبادة الله ولا يستطعيون استخراجها بعبادة غير الله ﴿ فلا تضربوا لله الأمثال ﴾ بأن تريدوا أن تصلوا إلى المقاصد بغير طريق الله ﴿ ضرب الله مثلاً عبداً ممولكاً ﴾ للهوى وللدنيا ﴿ ومن رزقناه ﴾ ولاية كاملة يتصرف بها في بواطن المستعدين وظواهرهم.

﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ أولياء الله لأنهم تحت قباب الله لا يعرفهم غيره.

﴿ أحدهما أبكم ﴾ هو النفس الحيوانية التي لا تقدر على شيء من العلم والعقل والإيمان وهو ثقل على مولى الروح المسمى بالنفس الناطقة.

﴿ لا يأت بخير ﴾ لأنها أمارة بالسوء ﴿ ولله غيب ﴾ سموات الأرواح النفوس لا يقف على خاصيتهما غيره، ولو وكل كلاً منهما إلى طبعها لم ترجع إلى ربها، ورجوعها يكون بالإماتة والإحياء ويميتها عن أوصافها ويحييها بصفاته وهو المراد بأمر الساعة لأن الإماتة بتجلي صفات الجلال والإحياء بتجلي صفات الجمال، وإذا تجلى الله لعبد لم يبق له زمان ولا مكان فلذلك قال: ﴿ أو هو أقرب ﴾ وحنيئذ يكون فانياً عن وجوده باقياً ببقائه ﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً ﴾ من أمور الدنيا والآخرة ولا مما كانت أرواحكم تعلم في عالم الأرواح ولا مما كانت تعلم ذراتكم من فهم خطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ وجواب ﴿ بلى  ﴾ وجعل لأجسادكم السمع والأبصار والأفئدة كما للحيوانات ولأرواحكم كما للملائكة.

ولأسراركم سمعاً يسمع به من الله وبصراً يبصر به الله وفؤاداً يعرف به الله.

وبوجه آخر: {والله أخرجكم من العدم وهو الأم الحقيقي، لا تعلمون شيئاً قبل أن يعلمكم الله  أسماء كل شيء، فتجلى لكم بربوبيته فبنور سمعه أعطاكم سمعاً تسمعون به خطاب ألست بربكم، وبنور بصره أعطاكم بصراً تبصرون به جماله، وبنور علمه أعطاكم فؤاداً تعرفون به كماله، وبنور كلامه أعطاكم لساناً.

تجيبونه بقولكم "بلى" ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ فلا تسمعون بهذا السمع إلا كلامه، ولا تبصرون بهذا البصر إلا جماله، ولا تحبون بهذا الفؤاد إلا ذاته، ولا تكلمون بهذا الكلام إلى معه ﴿ ألم يروا إلى ﴾ طير الأرواح ﴿ مسخرات في جوّ ﴾ سماء القلوب ﴿ ما يمسكهن ﴾ في سفل الأجساد ﴿ إلا الله ﴾ بحكمته فلذلك قال: ﴿ والله جعل لكم ﴾ أيها الأرواح ﴿ من بيوتكم ﴾ وهي الأجساد ﴿ سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ﴾ التي هي أجساد اشتركت فيها سائر الحيوانات ﴿ بيوتاً ﴾ تستخف أرواحكم إياها وهي النفوس الحيوانية، وقواها وقت السير إلى الله والوقفة للاستراحة والتربية ﴿ ومن أصوافها ﴾ هي الصفات الحيوانية والحواس والقوى ﴿ أثاثاً ﴾ آلات للسير ﴿ ومتعاً ﴾ ينتفع بها ﴿ إلى حين ﴾ الوصول والوصال.

﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالاً ﴾ أي جعل عالم الخلق ظل عالم الأمر تستظل أيها الأرواح به عند طلوع شمس التجلي وإلا لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره.

و ﴿ وجعل لكم من ﴾ جبال القلوب ما يكن به الأرواح، وجعل لأرواحكم سرابيل من الصفات البشرية تقيكم حر نار المحبة، وسرابيل من الصفات الروحانية تقيكم من سهام الوساوس والهواجس كذلك يحفظكم من الآفات من الصفات بالكرامات حتى يتم نعمة الوصول عليكم وتسلموا من قطع الطريق ﴿ يعرفون نعمة الله ﴾ بتعريفك ﴿ وأكثرهم الكافرون ﴾ بك وبنعمة الله إظهاراً للقهر والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَٰتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ .

أي: من قدر على إمساك الطير، وهي أجسام كغيرها من الأجسام في الهواء بلا إعانة في الأسفل ولا تعلق بشيء من الأعلى، لقادر على إنشاء الخلق وإعادتهم بعد الفناء.

أو يقول: أو لم يروا إلى اللطف الذي جعل في الطير، والحكمة التي أنشأ فيها حتى قدرت على الاستمساك في الهواء، والطيران في الجو: ما لو اجتمع الخلائق جميعاً أن يدركوا ذلك اللطف أو تلك الحكمة - ما قدروا على إدراكه.

وفي ذلك نقض قول المعتزلة؛ لأن الطيران فعل الطير، ثم أضاف ذلك إلى الله حيث قال: ﴿ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ ٱللَّهُ ﴾ : دلّ ذلك أن لله في ذلك صنعاً وفعلاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لأََيٰتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر يكون آية لمن آمن؛ لأنه هو المنتفع.

قال أبو عوسجة: لمح البصر: سرعة النظر، وجوّ السماء: هواؤها، ويقال: بطن السماء، ويقال: جوف السماء، ويقال: الجوّ: ما اطمأن من الأرض.

والأوّل أشبه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ .

ظاهر هذا أنه قد جعل لنا من البيوت - أيضاً - ما ليس بسكن؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، وهو ما ذكر في قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ  ﴾ : وهو كالمساجد والرباطات وغيرها.

ويشبه أن يكون ذكر هذا؛ ليعرفوا عظيم مننه ونعمه، حيث جعل الأرض بمحل يقرّون عليها ويمكن لهم المقام بها؛ بالرواسي التي ذكر أنه أثبت فيها بعدما كانت تميد بهم ولا تقر بها، أخبر أنه [جعل] فيها رواسي أو أن يكون حرف (من) صلة، أي: جعل لكم بيوتاً تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: أي: سخر لكم الأرض حتى قدرتْم على اتخاذ المساكن فيها تسكنون.

أو جعل لكم بيوتاً، أي: علمكم تسكنون فيها.

ثم قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أي [علمكم] ما تبنون فيها من البيوت ما لولا تعليمه إياكم ما تقدرون على بناء البيوت فيها؛ يذكر مننه عليهم، والله أعلم.

وفي هذه الآيات في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ .

ونحوه: دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه ذكر أنه جعل بيوتاً سكناً، والسكن فعل العباد؛ دلّ أنّ لله في فعلهم صنعاً.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، قال أهل التأويل: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً ﴾ ، أي: من صوفها، لكنه أضافها إلى الجلود؛ لما من الجلود يخرج، ومنها يجزّ ويؤخذ، وهو ما ذكر.

﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا ﴾ : وهو صوف الغنم.

﴿ وَأَوْبَارِهَا ﴾ : وهو صوف الإبل.

﴿ وَأَشْعَارِهَآ ﴾ : ما يخرج من المعز.

﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : قيل: ليوم سفركم وسيركم.

﴿ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ﴾ : قال بعضهم: في المصر.

وقال بعضهم: في السفر حين النزول.

والجعل في هذا يحتمل الوجهين اللذين ذكرنا في قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ : أحدهما: على التسخير لهم، والثاني: على التعليم.

ذكر - عز وجل - في البيوت المتخذة من المدر السكني؛ حيث قال: ﴿ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ﴾ ، ولم يذكر في البيوت المتخذة من الجلود والأوبار والأشعار؛ فكأنه ترك ذكره في هذه، الذكر في الأول ذكر تصريح، وذكر في الثاني ذكر دلالة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: الأثاث والرياش: واحد، وهو المال.

وقيل: ما يتخذ من الثياب والأمتعة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

[يحتمل إلى حين] إلى وقت بِلَى ذلك الأثاث، أو إلى حين وقت فنائهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ البيوت التي ذكر وهي تظلهم، ويحتمل الأشجار.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً ﴾ .

وهي الغِيرَان والبيوت التي تتخذ في الجبال؛ تقيهم من الحرّ والبرد.

﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ ﴾ .

قيل: القميص والدروع، ثم ذكر أن ما ذكر من البيوت والأكنان والسرابيل تقيكم الحرّ، وتقيكم أيضاً بأس العدو.

﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

[على] ما ذكر من أنواع النعم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ ﴾ .

ذكر أنها تقي من الحر، وهي تقي الحرّ والبرد جميعاً؛ فكان في ذكر أحدهما ذكر الآخر ذكر كفاية.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

أي: كذلك يتم [ذكر] نعمته عليكم؛ ليلزمهم الإسلام أو حجته، ثم يحتمل النعمة على ما تقدم ذكره، ويحتمل: الرسول.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

جميع ما ذكر من النعم والآيات في هذه السّورة من أوّلها إلى آخرها؛ إنما ذكر لهذا الحرف، وهو قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

وما ذكر ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ و ﴿ لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ : يحتمل أن يكون هذه الأحرف كلها واحداً، ويحتمل أن يكون لكل حرف من ذلك معنى غير الآخر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِن تَوَلَّوْاْ ﴾ .

عن الإجابة لك وعما تدعوهم إليه.

﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ ﴾ .

أي: ليس عليك إجابتهم، إنما عليك التبليغ إليهم والبيان لهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ .

يحتمل النعمة - هاهنا - محمداً  كانوا يعرفونه [لكنهم أنكروه؛ كقوله]: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ ، وما ذكر: ﴿ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ : يعرفون نعمة الله، وهو ما ذكر عرفوها أنها من الله ﴿ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾ ؛ بعبادتهم الأصنام، وصرفهم شكرها إلى غيره، كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ ، مع ما يعرفون: أن الله هو خالقهم، وأن ما لهم كله من عند الله يعبدون الأصنام؛ فتكون عبادتهم دون الله كفران نعمة الله.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يَوْمَ ظَعْنِكُمْ ﴾ : يوم سيركم؛ ظعن يظعن: سار، والسراويل: القميص.

يقول: ﴿ تَقِيكُمُ ﴾ ، أي: تستركم.

وقال القتبي: ﴿ ظِلاَلاً ﴾ ، أي: ظلال الشجر والجبال.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ﴾ .

هذا - والله أعلم - في قوم علم الله أنهم يؤمنون بما ذكر لهم من أنواع النعم والأفضال؛ ليعلم أن الإسلام من أعظم نعم الله، لا يناله أحد إلا بنعمته.

وقال بعض أهل التأويل: سميت سورة (النحل) سورة النعم؛ لما فيها من ذكر النعم وأنواع منافع الخلق من أولها إلى آخرها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والله سبحانه جعل لكم من بيوتكم التي تبنونها من الحجر وغيره استقرارًا وراحة، وجعل لكم من جلود الإبل والبقر والغنم خيامًا وقِبَابًا في البادية مثل بيوت الحضر، يَخِفُّ عليكم حملها في ترحالكم من مكان لآخر، ويسهل نصبها وقت نزولكم، وجعل لكم من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز أثاثًا لبيوتكم وأكسية وأغطية تتمتعون بها إلى زمن محدد.

<div class="verse-tafsir" id="91.WABqX"

مزيد من التفاسير لسورة النحل

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله