الآية ٢٠ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٢٠ من سورة الكهف

إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا۟ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوٓا۟ إِذًا أَبَدًۭا ٢٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٠ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٠ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : إن علموا بمكانكم ، ( يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ) يعنون أصحاب دقيانوس ، يخافون منهم أن يطلعوا على مكانهم ، فلا يزالون يعذبونهم بأنواع العذاب إلى أن يعيدوهم في ملتهم التي هم عليها أو يموتوا ، وإن واتوهم على العود في الدين فلا فلاح لكم في الدنيا ولا في الآخرة ؛ ولهذا قال ) ولن تفلحوا إذا أبدا ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : ( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ) يعنون بذلك: دقينوس وأصحابه، قالوا: إن دقينوس وأصحابه إن يظهروا عليكم، فيعلموا مكانكم، يرجموكم شتما بالقول.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، في قوله: ( إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ) قال: يشتموكم بالقول، يؤذوكم.

وقوله: ( أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ) يقول: أو يردّوكم في دينهم، فتصيروا كفارا بعبادة الأوثان ( وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ) يقول:ولن تدركوا الفلاح، وهو البقاء الدائم والخلود في الجنان، إذن: أي إن أنتم عُدْتم في ملتهم أبدا: أيام حياتكم.

------------------------ الهوامش: (6) في عدد هذه الأسماء ، وضبطها ، اختلاف كثير بين ناقليها .

وهي في المخطوطة رقم 100 تفسير ، غير منقوطة.

(7) في الأصل المخطوط رقم 100 تفسير: " وما أشبه بكم إلا الحراد " ولعله تحريف عن الحواريين.

(8) العبارة من أول قوله : فأمر بعيش من خلر ونشيل ...إلى هنا : ساقطة من هذا الخبر في عرائس المجالس للثعلبي المفسر ص 427 : والخلر : حب يقتات به ، قيل هو الجلبان ، والنشيل : اللبن ساعة يحلب ، والعبارة فيما يظهر من بقية كلام أصحاب الكهف.

(9) البيت للقتال الكلابي ، أنشده سيبويه في ( الكتاب 2: 181 ) وهو من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1: 237 ، 397 ) قال في الموضع الثاني : "أيها ازكى طعاما " أي أكثر ؛ قال : * قبائلنــا ســبع وأنتـم ثلاثـة * البيت ، وقال في الموضع الأول : ذكر ثلاثة ، ذهب به إلى بطن ، ثم أنثه ؛ لأنه ذهب به إلى قبيلة .

قلت: والنحاة يجوزون في اسم العدد التذكير والتأنيث ، إذا لم يذكر المعدود ، وهذا شاهد عليه .

وفي ( اللسان : زكا ) الزكاء ممدودا : النماء والريع .

زكا يزكو زكاء وزكوا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا قال الزجاج : معناه بالحجارة ، وهو أخبث القتل .

وقيل : يرموكم بالسب والشتم ; والأول أصح ، لأنه كان عازما على قتلهم كما تقدم في قصصهم .

والرجم فيما سلف هي كانت على ما ذكر قبله [ عقوبة ] مخالفة دين الناس إذ هي أشفى لجملة أهل ذلك الدين من حيث إنهم يشتركون فيها .في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها .

وقد وكل علي بن أبي طالب أخاه عقيلا عند عثمان - رضي الله عنه - ; ولا خلاف فيها في الجملة .

والوكالة معروفة في الجاهلية والإسلام ; ألا ترى إلى عبد الرحمن بن عوف كيف وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة ; أي يحفظهم ، وأمية مشرك ، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل [ ص: 337 ] ذلك مجازاة لصنعه .

روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال : كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة ; فلما ذكرت الرحمن ; قال : لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، فكاتبته عبد عمرو .

.

.

وذكر الحديث .

قال الأصمعي : صاغية الرجل الذين يميلون إليه ويأتونه ; وهو مأخوذ من صغا يصغو ويصغى إذا مال ، وكل مائل إلى الشيء أو معه فقد صغا إليه وأصغى ; من كتاب الأفعال .الوكالة عقد نيابة ، أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه وقيام المصلحة في ذلك ، إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو بترفه فيستنيب من يريحه .

وقد استدل علماؤنا على صحتها بآيات من الكتاب ، منها هذه الآية ، وقوله - تعالى - : والعاملين عليها وقوله اذهبوا بقميصي هذا .

وأما من السنة فأحاديث كثيرة ; منها حديث عروة البارقي ، وقد تقدم في آخر الأنعام .

روى جابر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت له : إني أردت الخروج إلى خيبر ; فقال : إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته خرجه أبو داود .

والأحاديث كثيرة في هذا المعنى ، وفي إجماع الأمة على جوازها كفاية .الوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه ، فلو وكل الغاصب لم يجز ، وكان هو الوكيل ; لأن كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه .في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أن الوكالة إنما كانت مع التقية خوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم .

وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه ; فأما من لا عذر له فالجمهور على جوازها .

وقال أبو حنيفة وسحنون : لا تجوز .

قال ابن العربي : وكأن سحنون تلقفه من أسد بن الفرات فحكم به أيام قضائه ، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت ; إنصافا منهم وإذلالا لهم ، وهو الحق ; فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل .قلت : هذا حسن ; فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء .

والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما خرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال : أعطوه فطلبوا له سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها ; فقال : أعطوه فقال : أوفيتني أوفى الله لك .

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن خيركم [ ص: 338 ] أحسنكم قضاء .

لفظ البخاري .

فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن ; فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي كانت عليه ; وذلك توكيد منه لهم على ذلك ، ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - مريضا ولا مسافرا .

وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما : إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه ; وهذا الحديث خلاف قولهما .قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية جواز الشركة لأن الورق كان لجميعهم وتضمنت جواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكلوه بالشراء .

وتضمنت جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معا ، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر ; ومثله قوله - تعالى - : وإن تخالطوهم فإخوانكم حسبما تقدم بيانه في " البقرة " .

ولهذا قال أصحابنا في المسكين يتصدق عليه فيخلطه بطعام لغني ثم يأكل معه : إن ذلك جائز .

وقد قالوا في المضارب يخلط طعامه بطعام غيره ثم يأكل معه : إن ذلك جائز .

وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكل من اشترى له أضحية .

قال ابن العربي : ليس في الآية دليل على ذلك ; لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهم قد أعطاه منفردا فلا يكون فيه اشتراك .

ولا معول في هذه المسألة إلا على حديثين : أحدهما : أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرا فقال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه .

الثاني : حديث أبي عبيدة في جيش الخبط .

وهذا دون الأول في الظهور ; لأنه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافا من ذلك القوت ولا يجمعهم عليه .قلت : ومما يدل على خلاف هذا من الكتاب قوله - تعالى - : وإن تخالطوهم فإخوانكم وقوله ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا على ما يأتي إن شاء الله - تعالى - .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ومنها: الحث على التحرز، والاستخفاء، والبعد عن مواقع الفتن في الدين، واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين.

ومنها: شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين، وفرارهم من كل فتنة، في دينهم وتركهم أوطانهم في الله.

ومنها: ذكر ما اشتمل عليه الشر من المضار والمفاسد، الداعية لبغضه، وتركه، وأن هذه الطريقة، هي طريقة المؤمنين المتقدمين، والمتأخرين لقولهم: { وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنهم إن يظهروا عليكم ) أي : يعلموا بمكانكم ( يرجموكم ) قال ابن جريج : يشتمونكم ويؤذونكم بالقول وقيل : يقتلوكم وقيل : كان من عاداتهم القتل بالحجارة وهو أخبث القتل وقيل : يضربوكم ( أو يعيدوكم في ملتهم ) أي إلى الكفر ( ولن تفلحوا إذا أبدا ) إن عدتم إليه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم» يقتلوكم بالرجم «أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا» أي إن عدتم في ملتهم «أبدا».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن قومكم إن يطَّلعوا عليكم يرجموكم بالحجارة، فيقتلوكم، أو يردوكم إلى دينهم، فتصيروا كفارًا، ولن تفوزوا بمطلبكم مِن دخول الجنة -إن فعلتم ذلك- أبدًا.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن التقدير وكما: زدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم، فضربنا على آذانهم وأنمناهم وأبقيناهم أحياء لا يأكلون ولا يشربون ونقلبهم فكذلك بعثناهم أي أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت ليتساءلوا بينهم تساءل تنازع واختلاف في مدة لبثهم، فإن قيل: هل يجوز أن يكون الغرض من بعثهم أن يتساءلوا ويتنازعوا؟

قلنا: لا يبعد ذلك لأنهم إذا تساءلوا انكشف لهم من قدرة الله تعالى أمور عجيبة وأحوال غريبة، وذلك الانكشاف أمر مطلوب لذاته.

ثم قال تعالى: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ ﴾ أي كم مقدار لبثنا في هذا الكهف: ﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قال المفسرون إنهم دخلوا الكهف غدوة وبعثهم الله في آخر النهار، فلذلك قالوا لبثنا يوماً فلما رأوا الشمس باقية قالوا أو بعض يوم، ثم قال تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ ، قال ابن عباس هو رئيسهم يمليخا رد علم ذلك إلى الله تعالى لأنه لما نظر إلى أشعارهم وأظفارهم وبشرة وجوههم رأى فيها آثار التغير الشديد فعلم أن مثل ذلك التغير لا يحصل إلا في الأيام الطويلة.

ثم قال: ﴿ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم بورقكم ساكنة الراء مفتوحة الواو ومنهم من قرأ (ها) مكسورة الواو ساكنة الراء وقرأ ابن كثير بورقكم بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم القاف في الكاف، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين على هذه، والورق اسم للفضة سواء كانت مضروبة أم لا، ويدل عليه ما روى أن عرفجة اتخذ أنفاً من ورق، وفيه لغات ورق وورق وورق مثل كبد وكبد وكبد، ذكره الفراء والزجاج قال الفراء وكسر الواو أردؤها.

ويقال أيضاً للورق الرقة، قال الأزهري أصله ورق مثل صلة وعدة، قال المفسرون كانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم يعني بالمدينة التي يقال لها اليوم طرسوس، وهذه الآية تدل على أن السعي في إمساك الزاد أمر مهم مشروع وأنه لا يبطل التوكل وقوله: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أزكى طَعَامًا ﴾ .

قال ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون إيمانهم.

وقال مجاهد: كان ملكهم ظالماً فقولهم: ﴿ أزكى طَعَامًا ﴾ يريدون أيها أبعد عن الغضب، وقيل أيها أطيب وألذ، وقيل أيها أرخص، قال الزجاج: قوله: ﴿ أَيُّهَا ﴾ رفع بالابتداء، و ﴿ أزكى ﴾ خبره و ﴿ طَعَامًا ﴾ نصب على التمييز، وقوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي يكون ذلك في سر وكتمان يعني دخول المدينة وشراء الطعام ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ أي لا يخبرن بمكانكم أحداً من أهل المدينة: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ ﴾ أي يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى: ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظاهرين  ﴾ أي عالين، وكذلك قوله: ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ  ﴾ أي ليعليه وقوله: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يقتلوكم، والرجم بمعنى القتل كثير في التنزيل كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لرجمناك  ﴾ وقوله: ﴿ أَن تَرْجُمُونِ  ﴾ وأصله الرمي، قال الزجاج: أي يقتلوكم بالرجم، والرجم أخبث أنواع القتل: ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ أي يردوكم إلى دينهم ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ أي إذا رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة قال الزجاج قوله: ﴿ إِذًا أَبَدًا ﴾ يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبداً، قال القاضي: ما على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين فأحدهما فيه هلاك النفس وهو الرجم الذي هو أخبث أنواع القتل، والآخر هلاك الدين بأن يردوا إلى الكفر، فإن قيل: أليس أنهم لو أكرهوا على الكفر حتى إنهم أظهروا الكفر لم يكن عليهم مضرة فكيف قالوا: ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ قلنا يحتمل أن يكون المراد أنهم لو ردوا هؤلاء المسلمين إلى الكفر على سبيل الإكراه بقوا مظهرين لذلك الكفر مدة فإنه يميل قلبهم إلى ذلك الكفر ويصيرون كافرين في الحقيقة، فهذا الاحتمال قائم فكان خوفهم منه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وكذلك بعثناهم ﴾ وكما أنمناهم تلك النومة كذلك بعثناهم، إدكاراً بقدرته على الإنامة والبعث جميعاً ليسأل بعضهم بعضاً ويعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا، ويستدلوا على عظم قدرة الله تعالى ويزدادوا يقيناً، ويشكروا ما أنعم الله به عليهم وكرموا به ﴿ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ جواب مبني على غالب الظن.

وفيه دليل على جواز الاجتهاد والقول بالظن الغالب، وأنه لا يكون كذباً وإن جاز أن يكون خطأ ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ إنكار عليهم من بعضهم، وأن الله أعلم بمدّة لبثهم، كأنّ هؤلاء قد علموا بالأدلة أو بإلهام من الله أنّ المدة متطاولة، وأنّ مقدارها مبهم لا يعلمه إلا الله.

وروي أنهم دخلوا الكهف غدوة وكان انتباههم بعد الزوال، فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا ذلك.

فإن قلت: كيف وصلوا قولهم ﴿ فابعثوا ﴾ بتذاكر حديث المدة؟

قلت: كأنهم قالوا: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق: الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة.

ومنه الحديث: «أنّ عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفاً من ورق فأنتن، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفاً من ذهب» وقرئ: ﴿ بورْقكم ﴾ بسكون الراء والواو مفتوحة أو مكسورة.

وقرأ ابن كثير ﴿ بورِقكم ﴾ ، بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف.

وعن ابن محيصن أنه كسر الواو وأسكن الراء وأدغم، وهذا غير جائز لالتقاء الساكنين لا على حده.

وقيل: المدينة طرسوس.

قالوا: وتزوّدهم ما كان معهم من الورق عند فرارهم: دليل على أنّ حمل النفقة وما يصلح المسافر هو رأي المتوكلين على الله، دون المتكلين على الاتفاقات وعلى ما في أوعية القوم من النفقات.

ومنه قول عائشة رضي الله عنها- لمن سألها عن محرم يشدّ عليه هميانه-: أوثق عليك نفقتك.

وما حكي عن بعض صعاليك العلماء أنه كان شديد الحنين إلى أن يرزق حج بيت الله، وتعولم منه ذلك، فكانت مياسير أهل بلده كلما عزم منهم فوج على حج أتوه فبذلوا له أن يحجوا به وألحوا عليه، فيعتذر إليهم ويحمد إليهم بذلهم، فإذا انفضوا عنه قال لمن عنده: ما لهذا السفر إلا شيئان: شدّ الهميان، والتوكل على الرحمن ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ أيّ أهلها، فحذف الأهل كما في قوله ﴿ واسئل القرية ﴾ [يوسف: 82] ، ﴿ أزكى طَعَامًا ﴾ أحلّ وأطيب وأكثر وأرخص ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ وليتكلف اللطف والنيقة فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

أو في أمر التخفي حتى لا يعرف ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ يعني: ولا يفعلنّ ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بنا، فسمى ذلك إشعاراً منه بهم؛ لأنه سبب فيه الضمير في ﴿ إِنَّهُمْ ﴾ راجع إلى الأهل المقدر في ﴿ أَيُّهَا ﴾ .

﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم، وكانت عادتهم ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ ﴾ أو يدخلوكم ﴿ فِى مِلَّتِهِمْ ﴾ بالإكراه العنيف ويصيروكم إليها.

والعود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم، يقولون: ما عدت أفعل كذا، يريدون ابتداء الفعل ﴿ وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا ﴾ إذ دخلتم في دينهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ وكَما أنَمْناهم آيَةً بَعَثْناهم آيَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا.

﴿ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ لِيَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا فَتَعْرِفُوا حالَهم وما صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فَيَزْدادُوا يَقِينًا عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ويَسْتَبْصِرُوا بِهِ أمْرَ البَعْثِ ويَشْكُرُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ بِناءً عَلى غالِبِ ظَنِّهِمْ لِأنَّ النّائِمَ لا يُحْصِي مُدَّةَ نَوْمِهِ ولِذَلِكَ أحالُوا العِلْمَ إلى اللَّهِ تَعالى.

﴿ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَوْلَ بَعْضِهِمْ وهَذا إنْكارٌ الآخَرِينَ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ إنَّهم دَخَلُوا الكَهْفَ غُدْوَةً وانْتَبَهُوا ظَهِيرَةً وظَنُّوا أنَّهم في يَوْمِهِمْ أوِ اليَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ قالُوا ذَلِكَ، فَلَمّا نَظَرُوا إلى طُولِ أظْفارِهِمْ وأشْعارِهِمْ قالُوا هَذا ثُمَّ لَمّا عَلِمُوا أنَّ الأمْرَ مُلْتَبِسٌ لا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِهِ أخَذُوا فِيما يُهِمُّهم وقالُوا: ﴿ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ ﴾ والوَرِقُ الفِضَّةُ مَضْرُوبَةً كانَتْ أوْ غَيْرَ مَضْرُوبَةٍ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالتَّخْفِيفِ.

وقُرِئَ بِالتَّثْقِيلِ وإدْغامِ القافِ في الكافِ وبِالتَّخْفِيفِ مَكْسُورَ الواوِ مُدْغَمًا وغَيْرَ مُدْغَمٍ، ورُدَّ المُدْغَمُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حَدِّهِ، وحَمْلُهم لَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّزَوُّدَ رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ والمَدِينَةُ طَرْسُوسُ.

﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها ﴾ أيُّ أهْلِها.

﴿ أزْكى طَعامًا ﴾ أحَلُّ وأطِيبُ أوْ أكْثَرُ وأرْخَصُ.

﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ﴾ ولْيَتَكَلَّفِ اللُّطْفَ في المُعامَلَةِ حَتّى لا يُغْبَنَ، أوْ في التَّخَفِّي حَتّى لا يُعْرَفَ.

﴿ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشُّعُورِ.

﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَطَّلِعُوا عَلَيْكم أوْ يَظْفَرُوا بِكم، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في ﴿ أيُّها ﴾ .

﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ.

﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ أوْ يُصَيِّرُوكم إلَيْها كَرْهًا مِنَ العَوْدِ بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ.

وقِيلَ كانُوا أوَّلًا عَلى دِينِهِمْ فَآمَنُوا.

﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ إنْ دَخَلْتُمْ في مِلَّتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

والضمير في {أَنَّهُمْ} راجع إلى الأهل المقدر في أيها {إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ} يطلعوا عليكم {يَرْجُمُوكُمْ} يقتلوكم أخبث القتلة {أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ} بالإكراه والعود بمعنى الصيرورة كثير في كلامهم {وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا} إذاً يدل على الشرط أي ولن تفلحوا إن دخلتم في دينهم أبداً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّهُمْ ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والضَّمِيرُ لِلْأهْلِ المُقَدَّرِ في أيُّها أوْ لِلْكَفّارِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى عَلى ما اخْتارَهُ أبُو حَيّانَ، وجُوِّزَ أنْ يَعُودَ عَلى (أحَدٌ) لِأنَّهُ عامٌّ فَيَجُوزُ أنْ يُجْمَعَ ضَمِيرُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ﴾ .

﴿ إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: يَطَّلِعُوا عَلَيْكم ويَعْلَمُوا بِمَكانِكم أوْ يَظْفَرُوا بِكُمْ، وأصْلُ مَعْنى ظَهَرَ صارَ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، ولَمّا كانَ ما عَلَيْها يُشاهَدُ ويُتَمَكَّنُ مِنهُ اسْتُعْمِلَ تارَةً في الاطِّلاعِ، وتارَةً في الظَّفَرِ والغَلَبَةِ وعُدِّيَ بِعَلى، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: «يُظْهَرُوا» بِضَمِّ الياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما يُرِيدُونَهُ مِنكم وثَبَتُّمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ القَتْلُ بِالرَّجْمِ بِالحِجارَةِ، وكانَ ذَلِكَ عادَةً فِيما سَلَفَ فِيمَن خالَفَ في أمْرٍ عَظِيمٍ؛ إذْ هو أشْفى لِلْقُلُوبِ ولِلنّاسِ فِيهِ مُشارَكَةٌ.

وقالَ الحَجّاجُ: المُرادُ الرَّجْمُ بِالقَوْلِ أيِ السَّبِّ، وهو لِلنُّفُوسِ الأبِيَّةِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ ﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ أيْ: يُصَيِّرُوكم إلَيْها ويُدْخِلُوكم فِيها مُكْرَهِينَ، والعَوْدُ في الشَّيْءِ بِهَذا المَعْنى لا يَقْتَضِي التَّلَبُّسَ بِهِ قَبْلُ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: العَوْدُ عَلى ظاهِرِهِ، وهو رُجُوعُ الشَّخْصِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ الفِتْيَةُ عَلى مِلَّةِ قَوْمِهِمْ أوَّلًا، وإيثارُ كَلِمَةِ «فِي» عَلى كَلِمَةِ «إلى» قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْرارِ الَّذِي هو أشَدُّ كَراهَةً، وتَقْدِيمُ احْتِمالِ الرَّجْمِ عَلى احْتِمالِ الإعادَةِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن حالِهِمْ هو الثَّباتُ عَلى الدِّينِ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وضَمِيرُ الخِطابِ في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في حَمْلِ المَبْعُوثِ عَلى ما أُرِيدَ مِنهُ والباقِينَ عَلى الِاهْتِمامِ بِالتَّوْصِيَةِ فَإنَّ إمْحاضَ النُّصْحِ أدْخَلُ في القَبُولِ، واهْتِمامُ الإنْسانِ بِشَأْنِ نَفْسِهِ أكْثَرُ وأوْفَرُ.

﴿ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ أيْ: إنْ دَخَلْتُمْ فِيها حَقِيقَةً ولَوْ بِالكُرْهِ والإلْجاءِ لَنْ تَفُوزُوا بِخَيْرٍ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، ووَجْهُ الِارْتِباطِ عَلى هَذا أنَّ الإكْراهَ عَلى الكُفْرِ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لاسْتِدْراجِ الشَّيْطانِ إلى اسْتِحْسانِهِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ، وبِما ذُكِرَ سَقَطَ ما قِيلَ إنَّ إظْهارَ الكُفْرِ بِالإكْراهِ مَعَ إبِطانِ الإيمانِ مَعْفُوٌّ في جَمِيعِ الأزْمانِ، فَكَيْفَ رُتِّبَ عَلَيْهِ عَدَمُ الفَلاحِ أبَدًا، ولا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ إظْهارَ الكُفْرِ مُطْلَقًا كانَ غَيْرَ جائِزٍ عِنْدَهُمْ، ولا إلى حَمْلِ ﴿ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ عَلى يُمِيلُوكم إلَيْها بِالإكْراهِ وغَيْرِهِ فَتَدَبَّرْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ، أيقظناهم من نومهم.

لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ، ليتحدثوا.

قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ، أي: كم مكثتم في نومكم؟

قالُوا لَبِثْنا يَوْماً.

فلما رأوا الشمس قد زالت قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

وروى مجاهد، عن ابن عباس قال: «كانت دراهم أصحاب الكهف مثل أخفاف الإبل» .

قرأ ابن كثير ونافع وَلَمُلِئْتَ بتشديد اللام، وهي لغة لبعض العرب، وقرأ الباقون بالتخفيف، وهما لغتان.

وقرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بِوَرِقِكُمْ بجزم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهما لغتان.

فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً، أي أطيب خبزاً أو أحل ذبيحة، وهذا قول ابن عباس، ويقال: أي أهلها أزكى طعاماً.

وقال عكرمة: أي أكثر وأرخص طعاما.

فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ، أي بطعام مِنْهُ.

وَيُقَالُ: أَزْكى طَعاماً أي: لم يكن غصبا.

وَلْيَتَلَطَّفْ، أي: وليرفق في السؤال.

وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً، أي لا يُعلمن بمكانكم أحداً من الناس.

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ، يعني: إن يطلعوا عليكم يَرْجُمُوكُمْ، يقتلوكم.

أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً، أي لن تفوزوا، ولن تسعدوا إذاً أبداً إن عبدتم غير الله تعالى.

وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ، يقول: أطلعنا الملك عليهم.

قال القتبي: وأصله في اللغة أن من عثر بشيء، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبين والظهور لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، يعني: البعث بعد الموت.

وذلك أن القوم كانوا مختلفين، منهم من كان مقراً بالبعث، ومنهم من كان جاحداً، فلما ظهر حالهم، عرفوا أن البعث حق وأنه كائن.

وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، يعني: إذ يختلفون فيما بينهم، وقال بعضهم: اختلفوا في عددهم وقال بعضهم: اختلفوا، فقال المؤمنون: فيما بينهم نبني مسجداً وقالت النصارى: نبني كنيسة، فغلب عليهم المسلمون وبنوا المسجد.

فذلك قوله: فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً، أي مسجداً.

رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ، أي عالم بِهِمْ.

قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ، الذين كانوا على دين أصحاب الكهف وهم المؤمنون.

لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً قال الزجاج: فيه دليل أنه ظهر أمرهم، وغلب الذين أقروا بالبعث على غيرهم، لأنهم اتخذوا مسجداً، والمسجد للمسلمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ الإِشارة إلى الأمر بجملته.

وقوله سبحانه: وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ ...

الآية: ذكر بعض المفسِّرين أن تقليبهم إِنما كان حفظاً من الأرض، وروي عن ابن عبَّاس، أنه قال لو مَسَّتهم الشمْسُ، لأحرقتهم، ولولا التقليبُ، لأكلتهم «١» الأرض، وظاهر كلام المفسِّرين أن التقليب كان بأمر اللَّه وفعْلِ ملائكته، ويحتمل أنْ يكون ذلك بإِقدار اللَّه إِياهم على ذلك، وهم في غَمْرة النَّوْم.

وقوله: وَكَلْبُهُمْ: أكثر المفسِّرين على أنه كَلْبٌ حقيقة.

قال ع «٢» : وحدثني أَبِي رحمه الله قال: سَمِعْتُ أبا الفضل بن الجَوْهَرِيِّ في جامِعِ مِصْرَ يقُولُ على منبر وعْظِهِ سنَةَ تسْعٍ وستِّينَ وأربعمائةٍ: مَنْ أحَبَّ أهْلَ الخير، نال مِنْ بركتهم، كَلْبٌ أحبَّ أهْل الفضل، وصَحبهم، فَذَكَره اللَّه في مُحْكَم تنزيله.

و «الوَصِيدُ» العَتَبة التي لباب الكهْفِ أو موضعها إِن لم تكنْ، وقال ابن عباس:

«الوصيد» »

الباب والأول أصحُّ، والباب المُوَصَدُ هو المُغْلَق، ثم ذكر سبحانه ما حفَّهم به من الرُّعْب، واكتنفهم من الهَيْبة، حْفظاً منه سبحانه لهم، فقال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ ...

الآية.

وقوله سبحانه: وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ الإِشارة ب «ذلك» إلى الأمر الذي ذكَره اللَّه في جِهَتِهِمْ، والعبرة التي فعلها فيهم، «والبَعْث» : التحريك عن سكونٍ، واللام في قوله: لِيَتَسائَلُوا لام الصيرورة، وقول القائلِ: كَمْ لَبِثْتُمْ يقتضى أنه هجس في خاطره

طُولُ نومهم، واستشعر أنَّ أمرهم خَرَجَ عن العادة بعضَ الخروجِ، وظاهر أمرهم أنهم انتبهوا في حالٍ منَ الوَقْت، والهواء الزمانيُّ لا يباين الحالة التي ناموا عليها، وقولهم:

فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ يروى أنهم انتبهوا، وهُمْ جيَاعٌ، وأنَّ المبعوثَ هو تَمْلِيخَا، وروي أن باب الكهف انهدَمَ بناءُ الكفَّار منه لطول السنين، ويروى أن راعياً هدمه ليدخل فيه غنمه، فأخذ تمليخا ثياباً رثَّةً منْكَرة ولبسها، وخرَجَ من الكهف، فأنكر ذلك البِنَاءَ المهدُومَ إذ لم يعرفه بالأمْسِ، ثم مَشى، فجعل يُنْكِر الطريق والمعالمَ، ويتحيَّر وهو في ذلك لا يشعر شعوراً تامًّا، بل يكذِّب ظنه فيما تغيَّر عنده حتى بَلَغَ بابَ المدينة، فرأى على بابها أمَارة الإِسلام، فزادَتْ حَيْرَتُه، وقال: كيف هَذَا بِبَلد دقْيُوس، وبالأمْسِ كنا معه تَحْتَ ما كنا، فنهض إلى بابٍ آخر، فرأى نحواً من ذلك حتى مشَى الأبوابَ كلَّها، فزادَتْ حيرته، ولم يميِّز بشراً، وسمع الناس يُقْسِمُون باسم عيسى، فاستراب بنَفْسه، وظنَّ أنه جُنَّ، أو انفسد عقله، فبقي حَيْرَان يدعو اللَّه تعالى، ثم نهض إِلى باب الطعام الذي أراد/ اشتراءه، فقال: يا عبد اللَّه، بِعْنِي من طعامك بهذه الوَرِقِ، فدفع إِليه دَرَاهِمَ، كأخْفَافِ الربع فيما ذُكِرَ، فعجب لها البائعُ ودَفَعَهَا إلى آخر يُعَجِّبُهُ، وتعاطَاهَا النَّاسُ، وقالوا له: هذه دراهِمُ عَهْدِ فلانٍ المَلِكِ، مِنْ أيْن أنْتَ؟

وكَيْفَ وجدتَّ هذا الكَنْزَ، فجعل يبهت ويعجَبُ، وقد كان بالبلد مشهوراً هو وبَيْتُهُ، فقال: ما أعرفُ غير أنِّي وأصْحَابي خَرَجْنا بالأمْس من هذه المدينةِ، فقال النَّاس: هذا مجنونٌ، اذهبوا به إِلى المَلِكِ، ففزِعَ عند ذلك، فَذُهِبَ به حتى جيءَ به إلى المَلِكِ، فلما لم يَرَ دْقيُوس الكافِرَ، تأنَّس، وكان ذلك المَلِكُ مؤمناً فاضلاً يسمَّى تبدوسِيس، فقال له المَلِكُ: أين وجدت هذا الكَنْز؟

فقال له: إِنما خرجْتُ أنا وأصْحَابي أمْس من هذه المدينة، فأوينا إِلى الكَهْف الذي في جَبَل أنجلوس، فلما سمع المَلِكُ ذلك، قال في بعض ما رُوِيَ: لعلَّ اللَّه قَدْ بعث لكُمْ أيُّها الناس آيَةً فَلْنَسِرْ إِلى الكهف، حتى نرى أصحابه، فساروا، وروي أنه أو بعض جلسائه قال: هؤلاءِ هُمُ الفتيةُ الذين ورِّخَ أمرهم على عهد دقْيُوس المَلِك، وكتب على لُوح النُّحَاس بباب المدينةِ، فسار الملك إليهم، وسار الناس معه فلما انتهوا إلى الكهف، قال تَمْليَخا: أدخُلُ عليهم لئلا يرعبوا، فدخل عليهم، فأعلمهم بالأمْر، وأن الأمة أمَّة إِسْلام، فروي أنهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى الملك، وعظَّموه، وعظَّمهم، ثم رجَعُوا إلى الكهف، وأكثرُ الروايات على أنهم ماتُوا حين حدَّثهم تملِيخَا، فانتظرهم النَّاسُ، فلما أبطأ خروجُهم، دَخَل الناس إليهم، فرعبَ كلُّ من دخل، ثم أقدموا فوجَدُوهم موتى، فتنازعوا بحَسَب ما يأتى، وفي هذه القصص من الاختلاف ما تَضِيقُ به الصُحفُ فاختصرته، وذكرت المهم الذي به تتفسَّر ألفاظ الآيةِ، واعتمدتُّ الأصحَّ واللَّه المعينُ برحمته، وفي هذا البعث بالورق جواز الوكالة، وصحّتها.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ ؛ أيْ: وكَما فَعَلْنا بِهِمْ ما ذَكَرْنا، بَعَثْناهم مِن تِلْكَ النَّوْمَةِ، ﴿ لِيَتَساءَلُوا ﴾ ؛ أيْ: لِيَكُونَ بَيْنَهم تَساؤُلٌ وتَنازُعٌ واخْتِلافٌ في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَيُفِيدُ تَساؤُلُهُمُ اعْتِبارَ المُعْتَبِرِينَ بِحالِهِمْ.

﴿ قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ ؛ أيْ: كَمْ مَرَّ عَلَيْنا مُنْذُ دَخَلْنا هَذا الكَهْفَ ؟

﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ وذَلِكَ أنَّهم دَخَلُوا غَدْوَةً، وبَعَثَهُمُ اللَّهُ في آَخِرِ النَّهارِ؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: ( يَوْمًا )، فَلَمّا رَأوُا الشَّمْسَ قالُوا: ( أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ) .

﴿ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القائِلُ لِهَذا يَمْلِيخا رَئِيسُهُمْ، رَدَّ عِلْمَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى.

وقالَ في رِوايَةٍ أُخْرى: إنَّما قالَهُ مَكْسِلِمِينا، وهو أكْبَرُهم.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ: وهَذا يُوجِبُ أنْ تَكُونَ نُفُوسُهم قَدْ حَدَّثَتْهم أنَّهم قَدْ لَبِثُوا أكْثَرَ مِمّا ذَكَرُوا.

وقِيلَ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم رَأوْا أظْفارَهم وأشْعارَهم قَدْ طالَتْ جِدًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فابْعَثُوا أحَدَكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: إنَّما قالَ: " أحَدَكم "، وَلَمْ يَقُلْ: ( واحِدُكم )؛ لِئَلّا يَلْتَبِسَ البَعْضُ بِالمَمْدُوحِ المُعَظَّمِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: رَأيْتُ أحَدَ القَوْمِ، ولا يَقُولُونَ: رَأيْتُ واحِدَ القَوْمِ، إلّا إذا أرادُوا المُعَظِّمَ، فَأرادَ بِأحَدِهِمْ: بَعْضُهُمْ، ولَمْ يُرِدْ شَرِيفَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِوَرِقِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( بِوَرِقِكُمُ ) الرّاءُ مَكْسُورَةٌ خَفِيفَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ساكِنَةَ الرّاءِ.

وعَنْ أبِي عَمْرٍو: ( بِوَرِقِكم ) مُدْغَمَةً يَشُمُّها شَيْئًا مِنَ التَّثْقِيلِ.

قالَ الزَّجّاجُ: تَصِيرُ كافًا خالِصَةً.

قالَ الفَرّاءُ: الوَرِقُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وتَمِيمٌ يَقُولُونَ: الوَرِقُ، وبَعْضُ العَرَبِ يَكْسِرُونَ الواوَ فَيَقُولُونَ: الوِرِقُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الوَرِقُ: الفِضَّةُ، دَراهِمَ كانَتْ أوْ غَيْرَ دَراهِمَ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ عَرْفَجَةَ أنَّهُ اتَّخَذَ أنْفًا مِن ورِقٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلى المَدِينَةِ ﴾ يَعْنُونَ: الَّتِي خَرَجُوا مِنها، واسْمُها دَقْسُوسُ، ويُقالُ: هي اليَوْمَ طَرْسُوسُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أيُّ أهْلُها.

﴿ أزْكى طَعامًا ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْناهُ سِتَّةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أحَلُّ ذَبِيحَةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ، وذَلِكَ أنَّ عامَّةَ أهْلِ بَلَدِهِمْ كانُوا كُفّارًا، فَكانُوا يَذْبَحُونَ لِلطَّواغِيتِ، وكانَ فِيهِمْ قَوْمٌ يُخْفُونَ إيمانَهم.

والثّانِي: أحَلُّ طَعامًا، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

قالَ الضَّحّاكُ: وكانَ أكْثَرُ أمْوالِهِمْ غُصُوبًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: قالُوا لِصاحِبِهِمْ: لا تَبْتَعْ طَعامًا فِيهِ ظُلْمٌ ولا غَصْبٌ.

والثّالِثُ: أكْثَرُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: خَيْرٌ؛ أيْ: أجْوَدُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والخامِسُ: أطْيَبُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ.

والسّادِسُ: أرْخَصُ، قالَهُ يَمانُ بْنُ رَيّابٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُ الزَّكاةِ: النَّماءُ والزِّيادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ﴾ ؛ أيْ: بِما تَأْكُلُونَهُ.

﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ ؛ أيْ: لِيُدَقِّقَ النَّظَرَ فِيهِ ولِيَحْتَلْ؛ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ.

﴿ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ ﴾ ؛ أيْ: ولا يُخْبِرَنَّ أحَدٌ بِمَكانِكم.

﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا ﴾ ؛ أيْ: يَطَّلِعُوا ويُشْرِفُوا عَلَيْكُمْ، ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: يَقْتُلُوكُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ.

والثّانِي: يَرْجُمُوكم بِأيْدِيهِمِ اسْتِنْكارًا لَكُمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: بِألْسِنَتِهِمْ شَتْمًا لَكُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ جُرَيْجٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: يَرُدُّوكم في دِينِهِمْ، ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ ؛ أيْ: إنْ رَجَعْتُمْ في دِينِهِمْ لَمْ تُسْعَدُوا في الدُّنْيا ولا في الآَخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهم لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أو بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ولْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا ﴾ ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكم أو يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ الإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى الأمْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ في جِهَتِهِمْ والعِبْرَةِ الَّتِي جُعِلَتْ فِيهِمْ.

و"البَعْثُ": التَحْرِيكُ عن سُكُونٍ، واللامُ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: "لِيَتَساءَلُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ؛ لِأنَّ بَعْثَهم لَمْ يَكُنْ لِنَفْسِ تَساؤُلِهِمْ، وقَوْلُ القائِلِ: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ يَقْتَضِي أنَّهُ هَجَسَ بِخاطِرِهِ طُولُ نَوْمِهِمْ، واسْتَشْعَرَ أنَّ أمْرَهم خَرَجَ عَنِ العادَةِ بَعْضَ الخُرُوجِ، وظاهِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُمُ انْتَبَهُوا في حالٍ مِنَ الوَقْتِ والهَواءِ الزَمَنِيِّ لا تُبايِنُ الَّتِي نامُوا فِيها، وأمّا أنْ يُحَدِّدَ الأمْرَ جِدًّا فَذَلِكَ بِعِيدٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "بِوَرَقِكُمْ" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِوَرْقِكُمْ" بِسُكُونِ الراءِ، وهُما لُغَتانِ، وحَكى الزَجّاجُ قِراءَةَ "بِوِرْقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الراءِ دُونَ إدْغامٍ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو الإدْغامُ، وإنَّما هو إخْفاءٌ؛ لِأنَّ الإدْغامَ مَعَ سُكُونِ الراءِ مُتَعَذِّرٌ، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ القافَ في الكافِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ مَعَ تَحْرِيكِ الراءِ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "بَوارِقِكُمُ"، اسْمُ جَمْعٍ كالجائِلِ والباقِرِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "بِوِرِقِكُمْ" بِكَسْرِ الواوِ والراءِ والإدْغامِ.

ويُرْوى أنَّهُمُ انْتَبَهُوا أحْيانًا، وأنَّ المَبْعُوثَ هو تَمْلِيخا، ورُوِيَ أنَّهم نامُوا لَيْلَةً واحِدَةً وبَعَثُوا تَمْلِيخا في صَبِيحَتِها.

ورُوِيَ أنَّ بابَ الكَهْفِ انْهَدَمَ بِناءُ الكُفّارِ مِنهُ لِطُولِ السِنِينَ، ورُوِيَ أنَّ راعِيًا هَدَمَهُ لِيُدْخِلَ فِيهِ غَنَمَهُ.

فَأخَذَ تَمْلِيخا ثِيابًا مُنْكِرَةً رَثَّةً ولَبِسَها، وخَرَجَ مِنَ الكَهْفِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ البِناءَ المَهْدُومَ؛ إذْ لَمْ يَعْرِفْهُ بِالأمْسِ، ثُمَّ مَشى فَجَعَلَ يَذْكُرُ الطَرِيقَ والمَعالِمَ ويَتَحَيَّرُ، وهو في ذَلِكَ لا يَشْعُرُ شُعُورًا تامًّا، بَلْ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ فِيما تَغَيَّرَ عِنْدَهُ، حَتّى بَلَغَ بابَ المَدِينَةِ، فَرَأى عَلى بابِها أمارَةَ الإسْلامِ فَزادَتْ حَيْرَتُهُ وقالَ: كَيْفَ هَذا بِبَلَدِ دَقْنَيُوسَ وبِالأمْسِ كُنّا مَعَهُ حَيْثُما كُنّا؟

فَنَهَضَ إلى بابٍ آخَرَ فَرَأى نَحْوًا مِن ذَلِكَ حَتّى مَشى الأبْوابَ كُلَّها، فَزادَتْ حَيْرَتُهُ ولَمْ يُمَيِّزْ بَشَرًا، وسَمِعَ الناسَ يُقْسِمُونَ باسِمِ عِيسى فاسْتَرابَ بِنَفْسِهِ وظَنَّ أنَّهُ جُنَّ وانْفَسَدَ عَقْلُهُ، فَبَقِيَ حَيْرانَ يَدْعُو اللهَ تَعالى، ثُمَّ نَهَضَ إلى بائِعِ الطَعامِ الَّذِي أرادَ شِراءَهُ، فَقالَ: يا عَبْدَ اللهِ بِعْنِي مِن طَعامِكَ بِهَذا الوَرِقِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَراهِمَ كَأخْفافِ الرُبَعِ فِيما يُذْكَرُ، فَعَجِبَ لَها البَيّاعُ ودَفَعَها إلى آخَرَ بِعَجَبِهِ، وتَعاطاها الناسُ وقالُوا لَهُ: هَذِهِ دَراهِمُ عَهْدِ فُلانٍ المَلِكِ، مِن أيْنَ أنْتَ؟

وكَيْفَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟

فَجَعَلَ يَبْهَتُ ويَعْجَبُ، وقَدْ كانَ بِالبَلَدِ مَشْهُورًا هو وفِتْيَتُهُ، فَقالَ: ما أعْرِفُ غَيْرَ أنِّي وأصْحابِي خَرَجْنا بِالأمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَقالَ الناسُ: هَذا مَجْنُونٌ، اذْهَبُوا بِهِ إلى المَلِكِ، فَفَزِعَ عِنْدَ ذَلِكَ، فَذُهِبَ بِهِ حَتّى جِيءَ بِهِ المَلِكَ، فَلَمّا لَمْ يَرَ دِقْنَيُوسَ الكافِرَ تَأنَّسَ، وكانَ ذَلِكَ المَلِكُ مُؤْمِنًا فاضِلًا يُسَمّى تَيْرُوسِيسُ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: أيْنَ وجَدَتْ هَذا الكَنْزَ؟

فَقالَ لَهُ: إنَّما خَرَجْتُ أنا وأصْحابِي أمْسِ مِن هَذِهِ المَدِينَةِ، فَأوَيْنا إلى الكَهْفِ الَّذِي في جَبَلِ أنْجِلُوسَ، فَلَمّا سَمِعَ المَلِكُ ذَلِكَ قالَ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ-: لَعَلَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم أيُّها الناسُ آيَةً، فَلْنَسِرْ إلى الكَهْفِ مَعَهُ حَتّى نَرى أصْحابَهُ، فَسارَ.

ورُوِيَ أنَّهُ أو بَعْضَ جُلَسائِهِ قالَ: هَؤُلاءِ هُمُ الفِتْيَةُ الَّذِينَ أُرِّخَ أمْرُهم عَلى عَهْدِ دِقْنَيُوسَ المَلِكِ وكُتِبَ عَلى لَوْحِ النُحاسِ بِبابِ المَدِينَةِ، فَسارَ المَلِكُ إلَيْهِمْ، وسارَ الناسُ مَعَهُ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى الكَهْفِ قالَ تَمْلِيخا: أدْخُلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُرْعَبُوا، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ، وأعْلَمَهم بِالأمْرِ وأنَّ الأُمَّةَ أمَةُ إسْلامٍ، فَرُوِيَ أنَّهم سُرُّوا وخَرَجُوا إلى المَلِكِ وعَظَّمُوهُ وعَظَّمَهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى كَهْفِهِمْ، وأكْثَرُ الرِواياتِ عَلى أنَّهم ماتُوا حَيْثُ حَدَّثَهم تَمْلِيخا، فانْتَظَرَهُمُ الناسُ، فَلَمّا أبْطَأ خُرُوجُهم دَخَلَ الناسُ إلَيْهِمْ، فَرُعِبَ كُلُّ مِن دَخَلَ، ثُمَّ أقْدَمُوا فَوَجَدُوهم مَوْتى، فَتَنازَعُوا بِحَسْبِ ما يَأْتِي في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

وفِي هَذا القَصَصِ مِنَ اخْتِلافِ الرِواياتِ والألْفاظِ ما تَضِيقُ بِهِ الصُحُفُ، فاخْتَصَرْتُهُ وذَكَرْتُ المُهِمَّ الَّذِي تَتَفَسَّرُ بِهِ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ، واعْتَمَدْتُ ا لْأصَحَّ، واللهُ المُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.

وفِي هَذِهِ البِعْثَةِ بِالوَرَقِ الوِكالَةُ وصِحَّتُها، وقَدْ وكَّلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أخاهُ عَقِيلًا عِنْدَ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَلْيَنْظُرْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَلِيَنْظُرْ" بِكَسْرِها.

و"أزْكى" مَعْناها أكْثَرُ، فِيما ذَكَرَ عِكْرِمَةُ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: خَيْرٌ، وقالَ مُقاتِلٌ: المُرادُ: أطْيَبُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ: أحَلُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مِن جِهَةِ ذَبائِحِ الكَفَرَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرُوِيَ أنَّهُ أرادَ شِراءَ زَبِيبٍ، وقِيلَ: بَلْ شِراءَ تَمْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلْيَتَلَطَّفْ"، أيْ: في اخْتِفائِهِ وتُحِيُّلِهِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلِيَتَلَطَّفْ" بِكَسْرِ اللامِ.

والضَمِيرُ في "إنَّهُمْ" عائِدٌ عَلى الكُفّارِ آلِ دِقْنَيُوسَ، و ﴿ إنْ يَظْهَرُوا ﴾ مَعْناهُ: يَثْقَفُوكم بَعْلُوِّهِمْ وغَلَبَتِهِمْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهُوَ الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ كانَ عازِمًا عَلى قَتْلِهِمْ لَوْ ظَفِرَ بِهِمْ.

والرَجْمُ فِيما سَلَفَ هي كانَتْ -عَلى ما ذُكِرَ- قِتْلَةُ مُخالِفِ دِينِ الناسِ، إذْ هي أشَفى لِحَمَلَةِ ذَلِكَ الدِينِ، ولَهم فِيها مُشارَكَةٌ، وقالَ حَجّاجٌ: "يَرْجُمُوكُمْ" مَعْناهُ بِالقَوْلِ.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف لجزء من القصة الذي فيه عبرة لأهل الكهف بأنفسهم ليعلموا من أكرمهم الله به من حفظهم عن أن تنالهم أيدي أعدائهم بإهانة، ومن إعلامهم علم اليقين ببعض كيفية البعث، فإن علمه عظيم وقد قال إبراهيم ﴿ رب أرني كيف تحيي الموتى ﴾ [البقرة: 260].

والإشارة بقوله: وكذلك} إلى المذكور من إنامتهم وكيفيتها، أي كما أنمناهم قروناً بعثناهم.

ووجه الشبه: أن في الإفاقة آية على عظيم قدرة الله تعالى مثل آية الإنامة.

ويجوز أن يكون تشبيه البعث المذكور بنفسه للمبالغة في التعجيب كما تقدم في قوله: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ [البقرة: 143].

وتقدم الكلام على معنى البعث في الآية المتقدمة، وفي حسن موقع لفظ البعث في هذه القصة، وفي التعليل من قوله: ليتساءلوا } عند قوله: ﴿ ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى ﴾ [الكهف: 12].

والمعنى: بعثناهم فتساءلوا بينهم.

وجملة قال قائل منهم } بيان لجملة ﴿ ليتساءلوا ﴾ .

وسميت هذه المحاورة تساؤلاً لأنها تحاور عن تطلب كل رأيَ الآخر للوصول إلى تحقيق المدة.

والذين قالوا: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض ﴾ هم مَن عدا الذي قال: ﴿ كم لبثتم ﴾ .

وأسند الجواب إلى ضمير جماعتهم: إما لأنهم تواطؤوا عليه، وإما على إرادة التوزيع، أي منهم من قال: لبثنا يوماً، ومنهم قال: لبثنا بعض يوم.

وعلى هذا يجوز أن تكون (أو) للتقسيم في القول بدليل قوله بعد ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ ، أي لما اختلفوا رجعوا فعدلوا عن القول بالظن إلى تفويض العلم إلى الله تعالى، وذلك من كمال إيمانهم.

فالقائلون ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ يجوز أن يكون جميعهم وهو الظاهر.

ويجوز أن يكون قول بعضهم فأسند إليهم لأنهم رأوه صواباً.

وتفريع قولهم: ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ على قولهم: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه في معنى فدَعُوا الخوض في مدة اللبث فلا يعلمها إلا الله وخذوا في شيء آخر مما يهمكم، وهو قريب من الأسلوب الحكيم.

وهو تلقي السائل بغير ما يتطلب تنبيهاً على أن غيره أولى بحاله، ولولا قولهم: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لكان قولهم: ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ عين الأسلوب الحكيم.

والوَرِق بفتح الواو وكسر الراءِ: الفضة.

وكذلك قرأه الجمهور.

ويقال وَرْق بفتح الواو وسكون الراء وبذلك قرأ أبوعمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم ورَوح عن يعقوب وخلف.

والمراد بالورق هنا القطعة المسكوكة من الفضة، وهي الدراهم قيل: كانت من دراهم (دقيوس) سلطان الروم.

والإشارة بهذه إلى دَراهم معينة عندهم، والمدينة هي (أبْسُسْ) بالباء الموحدة.

وقد قدمنا ذكرها في صدر القصة.

و ﴿ أيها ﴾ ما صدقه أي مكان من المدينة، لأن المدينة كل له أجزاء كثيرة منها دكاكين الباعة، أي فلينظر أي مكان منها هو أزكى طعاماً، أي أزكى طعامُه من طعام غيره.

وانتصب ﴿ طعاماً ﴾ على التمييز لنسبة (أزكى) إلى (أي).

والأزكى: الأطْيب والأحسن، لأن الزّكْوَ الزيادة في الخير والنفع.

والرزق: القوت.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ في سورة يوسف (37)، والفاء لتفريع أمرهم مَن يبعثونه بأن يأتي بطعام زكي وبأن يتلطف.

وصيغة الأمر في قوله: فليأتكم } و ﴿ ليتلطف ﴾ أمر لأحدٍ غير معين سيوكَلونه، أي أن تبعثوه يأتكم برزق، ويجوز أن يكون المأمور معيناً بينهم وإنما الإجمال في حكاية كلامهم لا في الكلام المحكي.

وعلى الوجهين فهم مأمورون بأن يوصوه بذلك.

قيل التاء من كلمة ﴿ وليتلطف ﴾ هي نصف حروف القرآن عَدًّا.

وهنالك قول اقتصر عليه ابن عطية هو أن النون من قوله تعالى: ﴿ لقد جئت شيئاً نكراً ﴾ [الكهف: 74] هي نصف حروف القرآن.

والإشعار: الإعلام، وهو إفعال من شَعَر من باب نصر وكَرُم شُعوراً، أي علم.

فالهمزة للتعدية مثل همزة أعلم} من علم الذي هو عِلم العرفان يتعدى إلى واحد.

وقوله: ﴿ بكم ﴾ متعلق ب ﴿ يُشعِرَنَّ ﴾ .

فمدخول الباء هو المشعور، أي المعلوم.

والمعلوم إنما يكون معنى من المعاني متعلق الضمير المجرور بفعل ﴿ يشعرن ﴾ من قبيل تعليق الحكم بالذات، والمراد بعض أحوالها.

والتقدير: ولا يخبرن بوجودكم أحداً.

فهنا مضاف محذوف دلت عليه دلالة الاقتضاء فيشمل جميع أحوالهم من عددهم ومكانهم وغير ذلك.

والنون لتوكيد النهي تحذيراً من عواقبه المضمنة في جملة ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ﴾ الواقعة تعليلاً للنهي، وبياناً لوجه توكيد النهي بالنون، فهي واقعة موقع العلة والبيان، وكلاهما يقتضي فصلها عما قبلها.

وجملة ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم ﴾ علة للأمر بالتلطف والنهي عن إشعار أحد بهم.

وضمير ﴿ إنهم ﴾ عائد إلى ما أفاده العموم في قوله: ﴿ ولا يشعرن بكم أحداً ﴾ ، فصار ﴿ أحداً ﴾ في معنى جميع الناس على حكم النكرة في سياق شبه النهي.

والظهور أصله: البروز دون ساتر.

ويطلق على الظفر بالشيء، وعلى الغلبة على الغير، وهو المراد هنا.

قال تعالى: ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ [النور: 31] وقال: ﴿ وأظهره الله عليه ﴾ [التحريم: 3] وقال: ﴿ تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان ﴾ [البقرة: 85].

والرجم: القتل برمي الحجارة على المرجوم حتى يموت، وهو قتل إذلال وإهانة وتعذيب.

وجملة ﴿ يرجموكم ﴾ جواب شرط ﴿ إن يظهروا عليكم ﴾ .

ومجموع جملتي الشرط وجوابه دليل على خبر (إن) المحذوف لدلالة الشرط وجوابه عليه.

ومعنى ﴿ يعيدوكم في ملتهم ﴾ يرجعوكم إلى الملة التي هي من خصائصهم، أي لا يخلو أمرهم عن أحد الأمرين إما إرجاعكم إلى دينهم أو قتلكم.

والملة.

الدين.

وقد تقدم في سورة يوسف (37) عند قوله: ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله.

﴾ وأكد التحذير من الإرجاع إلى ملتهم بأنها يترتب عليها انتفاء فلاحهم في المستقبل، لما دلت عليه حرف (إذاً) من الجزائية.

وأبداً} ظرف للمستقبل كله.

وهو تأكيد لما دل عليه النفي ب (لن) من التأبيد أو ما يقاربه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْناهُمْ ﴾ يَعْنِي بِهِ إيقاظَهم مِن نَوْمِهِمْ.

قالَ مُقاتِلٌ: وأنامَ اللَّهُ كَلْبَهم مَعَهم.

﴿ لِيَتَساءَلُوا بَيْنَهم قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾ لِيَعْلَمُوا قَدْرَ نَوْمِهِمْ.

﴿ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ كانَ السّائِلُ مِنهم أحَدَهم، والمُجِيبُ لَهُ غَيْرَهُ، فَقالَ لَبِثْنا يَوْمًا لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةِ النَّوْمِ المَعْهُودِ، فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ لَمْ تَغْرُبْ قالَ ﴿ أوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ لِأنَّهم أُنِيمُوا أوَّلَ النَّهارِ ونُبِّهُوا آخِرَهُ.

﴿ قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ وفي قائِلِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ أعْلَمُ بِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ.

الثّانِي: أنَّهُ قَوْلُ كَبِيرِهِمْ مِكْسِلْمِينا حِينَ رَأى الفِتْيَةَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ فَقالَ ﴿ رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ ﴾ فَنَطَقَ بِالصَّوابِ ورَدَّ الأمْرَ إلى اللَّهِ عالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ ﴾ قُرِئَ بِكَسْرِ الرّاءِ وبِتَسْكِينِها، وهو في القِراءَتَيْنِ جَمِيعًا الدَّراهِمُ، وأمّا الوَرَقُ بِفَتْحِ الرّاءِ فَهي الإبِلُ والغَنَمُ، قالَ الشّاعِرُ: إيّاكَ أدْعُو فَتَقَبَّلْ مَلَقِي كَفِّرْ خَطايايَ وثَمِّرْ ورَقِي يَعْنِي إبِلَهُ وغَنَمَهُ.

﴿ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أيُّها أكْثَرُ طَعامًا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

الثّانِي: أيُّها أحَلُّ طَعامًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: أطْيَبُ طَعامًا، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الرّابِعُ: أرْخَصُ طَعامًا.

﴿ فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِما تُرْزَقُونَ أكْلَهُ.

الثّانِي: بِما يَحِلُّ لَكم أكْلُهُ.

﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولْيَسْتَرْخِصْ.

الثّانِي: ولْيَتَلَطَّفْ في إخْفاءِ أمْرِكم.

وَهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ اشْتِراكِ الجَماعَةِ في طَعامِهِمْ وإنْ كانَ بَعْضُهم أكْثَرَ أكْلًا وهي المُناهَدَةُ، وكانَتْ مُسْتَقْبَحَةً في الجاهِلِيَّةِ فَجاءَ الشَّرْعُ بِإباحَتِها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَرْجُمُوكم بِأيْدِيِمُ اسْتِنْكارًا لَكم، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّانِي: بِألْسِنَتِهِمْ غِيبَةً لَكم وشَتْمًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّالِثُ: يَقْتُلُوكم.

والرَّجْمُ القَتْلُ لِأنَّهُ أحَدُ أسْبابِهِ.

﴿ أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ﴾ يَعْنِي في كُفْرِهِمْ.

﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا ﴾ إنْ أعادُوكم في مِلَّتِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ تزاور ﴾ قال: تميل.

وفي قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تذرهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ تقرضهم ﴾ قال: تتركهم ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: المكان الداخل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: يعني بالفجوة، الخلوة من الأرض.

ويعني بالخلوة، الناحية من الأرض.

وأخرج ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ قال: في ناحية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وتحسبهم ﴾ يا محمد ﴿ أيقاظاً وهم رقود ﴾ يقول: في رقدتهم الأولى ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: وهذا التقليب في رقدتهم الأولى، كانوا يقلبون في كل عام مرة.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: ستة أشهر على ذي الجنب، وستة أشهر على ذي الجنب.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عياض في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: في كل عام مرتين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ونقلبهم ﴾ قال: في التسع سنين ليس فيما سواه.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ قال: كي لا تأكل الأرض لحومهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وكلبهم ﴾ قال: اسم كلبهم قطمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم كلب أصحاب الكهف، قطمير.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قلت لرجل من أهل العلم: زعموا أن كلبهم كان أسداً، قال: لعمر الله ما كان أسداً، ولكنه كان كلباً أحمر خرجوا به من بيوتهم يقال له، قطمور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كثير النواء قال: كان كلب أصحاب الكهف أصفر.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سفيان قال: قال رجل بالكوفة يقال له: عبيد وكان لا يتهم بكذب، قال: رأيت كلب أصحاب الكهف أحمر كأنه كساء انبجاني.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق جويبر، عن عبيد السواق قال: رأيت كلب أصحاب الكهف صغيراً، باسطاً ذراعيه بفناء باب الكهف، وهو يقول: هكذا يضرب بأذنيه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبدالله بن حميد المكي في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: جعل رزقه في لحس ذراعيه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالفناء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالباب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بفناء باب الكهف.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ بالوصيد ﴾ قال: بالصعيد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد ﴾ قال: ممسك عليهم باب الكهف.

وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب رضي الله عنه قال: كان لي صاحب شديد النفس، فمر بجانب كهفهم فقال: لا أنتهي حتى أنظر إليهم، فقيل له: لا تفعل...

أما تقرأ ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً ﴾ فأبى إلا أن ينظر، فأشرف عليهم فابيضت عيناه وتغير شعره، وكان يخبر الناس بعد يقول: عدتهم سبعة.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ قال: أحل ذبيحة، وكانوا يذبحون للطواغيت.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: ﴿ أزكى طعاماً ﴾ يعني، أطهر؛ لأنهم كانوا يذبحون الخنازير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ ، أي: يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم، من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله: ﴿ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ  ﴾ ، أي: عالين (١) ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ  ﴾ ، أي: ليعليه، وقد مر.

وقوله تعالى: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ قال ابن عباس: (يقتلوكم) (٢) ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ  ﴾ وقوله: ﴿ لَأَرْجُمَنَّكَ  ﴾ وقوله: ﴿ أَنْ تَرْجُمُونِ  ﴾ ، وأصله: الرمي.

قال أبو إسحاق: (أي يقتلوكم بالرجم، والرجم من أخبث القتل) (٣) ولما كانوا بالرجم سمي القتل: رجما، وقد يسمى السب والشتم: رجما، وهو قول ابن جريج في هذه الآية (٤) وقوله تعالى: ﴿ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ قال ابن عباس: (يردوكم إلى دينهم) (٥) ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ أي: إن رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة.

قال الزجاج: ("إذ" يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا) (٦) (١) قوله: (عالين) ساقطة من نسخة (س).

(٢) ذكره "النكت والعيون" بدون نسبة 3/ 295، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 160 بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 122، و"التفسير الكبير" 11/ 103.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.

(٤) "جامع البيان" 15/ 224 بدون نسبة، و"النكت والعيون" 3/ 295، و"زاد المسير" 5/ 122.

(٥) ذكره "زاد المسير" بدون نسبة 5/ 122، و"التفسير الكبير" 11/ 103.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وكذلك بعثناهم لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ أي كما أنمناهم، كذلك بعثناهم ليسأل بعضهم بعضاً، واللام في ليتساءلوا لام الصيرورة ﴿ قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ هذا قول من استشعر منهم أن مدة لبثهم طويلة، فأنكر على من قال يوماً أو بعض يوم، ولكنه لم يعلم مقدارها فأسند علمها إلى الله.

﴿ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ ﴾ الوّرِق: الفضة، وكانت دراهم تزودوها حين خروجهم إلى الكهف، ويستدل بذلك على أن التزود للمسافر أفضل من تركه، ويستدل ببعث أحدهم على جواز الوكالة، فإن قيل: كيف اتصل بعث أحدهم بتذكر مدة لبثهم؟.

فالجواب أنهم كانوا قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، ولا سبيل لكم إلى العلم بذلك، فخذوا فيما هو أهم من هذا وأنفع لكم فابعثوا أحدكم ﴿ إلى المدينة ﴾ قيل: أنها طرسوس ﴿ أزكى طَعَاماً ﴾ قيل: أكثر، وقيل: أحل، وقيل: إنه أراد شراء زبيب، وقيل: تمر ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ في اختفائه وتحيله ﴿ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ أي: إن يظفروا بكم يقتلوكم بالحجارة، وقيل: المعنى يرجموكم بالقول، والأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من لدنه ﴾ بإشمام الدال ﴿ شيئاً ﴾ بالضم وكسر النون ووصل الهاء بالياء: يحيى.

الآخرون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء ﴿ ويبشر ﴾ مخففاً.

حمزة وعلي.

الباقون بالتشديد.

﴿ هيىء لنا ﴾ ﴿ ويهيىء لكم ﴾ بتليين الهمزة فيهما إلا أوقية والأعشى في الوقوف ﴿ فاووا ﴾ بإبدال الهمزة ألفاً: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف ﴿ مرفقاً ﴾ بفتح الميم وكسر الفاء: أو جعفر ونافع وابن عامر والأعشى والبرجمي، الآخرون على العكس ﴿ تزاور ﴾ خفيفاً بحذف تاء التفاعل: عاصم وحمزة علي وخلف ﴿ تزور ﴾ بتشديد الراء: ابن عامر مثل "تحمر" ويعقوب.

الباقون ﴿ تزوار ﴾ بتشديد الزاي لإدغام التاء فيه ﴿ المهتدي ﴾ كما مر في "سبحان" ﴿ ولملئت ﴾ مشددة للمبالغة: أبو جعفر ونافع وابن كثير، وقرأ أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف غير مهموز: ﴿ بورقكم ﴾ بسكون الراء: أبو عمرو وحمزة وحماد وأبو بكر والخزاز عن هبيرة وعباس بكسر الراء وإدغام القاف في الكاف الآخرون بكسر الراء مظهراً ﴿ ربي أعلم ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو ﴿ أن يهديني ﴾ و ﴿ أن ترني ﴾ و ﴿ وأن يؤتيني ﴾ و ﴿ أن تعلمني ﴾ بالياآت في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير غير ابن فليح.

وزمعة.

وروى ابن شنبوذ عن قنبل كلها بالياء في الحالين.

وعن البزي وابن فليح كلها بغير ياء - في الحالين - وافقهم أبو جعفر ونافع وأبو عمرو بالياء في الوصل ﴿ ثلثمائة سنين ﴾ بالإضافة: حمزة وعلي وخلف الباقون بالتنوين ﴿ ولا تشرك ﴾ بالتاء على النهي: ابن عامر وروح وزيد.

الآخرون ﴿ ولا يشرك ﴾ بياء الغيبة ورفع الكاف.

الوقوف: ﴿ عوجاً ﴾ ه ط لأن ﴿ قيماً ﴾ ليس بصفة له ولكنه انتصب بمحذوف دل عليه المتلو وهو أنزل أي أنزله قيما، وللوصل وجه وهو أن يكون حالاً من الكتاب أو العبد وما بينهما اعتراض ﴿ حسناً ﴾ ، ه لا ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ ولداً ﴾ ج ه، لأن ما بعده يحتمل الصفة أو ابتداء وإخبار، والوقف أوضح ليكون ادعاء الولد مطلقاً كما هو الظاهر ﴿ لآبائهم ﴾ ط ﴿ من أفواههم ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ أسفا ﴾ ه ﴿ عملا ﴾ ه ﴿ جرزا ﴾ ، ه ط لتمام القصة ما بعده استفهام تقرير وتعجيب ﴿ عجباً ﴾ ه ﴿ رشدا ﴾ ه ﴿ عددا ﴾ ، لا للعطف ﴿ أمدا ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط ﴿ هدى ﴾ والوصل أولى للعطف ﴿ شططاً ﴾ ه ﴿ آلهة ﴾ ط لابتداء التحضيض ﴿ بين ﴾ ط ﴿ كذبا ﴾ ه ﴿ مرفقاً ﴾ ه ﴿ فجوة منه ﴾ ط ﴿ آيات الله ﴾ ط ﴿ فهو المهتد ﴾ ج ﴿ مرشداً ﴾ ه ﴿ رقود ﴾ قف والأولى الوصل على أن ما بعده حال أي رقدوا ونحن نقلبهم ﴿ الشمال ﴾ قف والوصل أحسن على أن المعنى نقلبهم وكلبهم باسط ﴿ بالوصيد ﴾ ط ﴿ رعباً ﴾ ه ﴿ بينهم ﴾ ط ﴿ كم لبثتم ﴾ ط ﴿ بعض يوم ﴾ ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ لا ريب فيها ﴾ ج لأن "إذا" يصلح أن يكون طرفاً للإعثار عليهم وأن يكون منصوباً بإضمار "اذكر" ﴿ بنياناً ﴾ ط ﴿ بهم ﴾ ط ﴿ مسجداً ﴾ ه ﴿ رابعهم كلبهم ﴾ ج فصلاً بين المقالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ بالغيب ﴾ ج لوقوع العارض ﴿ كلبهم ﴾ ط ﴿ قليل ﴾ ه ﴿ ظاهراً ﴾ ص ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ يشاء الله ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع عارض الظرف والاستثناء ﴿ رشداً ﴾ ه ﴿ تسعاً ﴾ ه ﴿ لبثوا ﴾ ج لاحتمال أن ما بعده مفعول "قل" أو إخبار مستأنف ﴿ والأرض ﴾ ط لابتداء التعجب ﴿ وأسمع ﴾ ط ﴿ من ولى ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ولا تشرك ﴾ على النهي، ومن قرأ على الغيبة إخباراً جوز وقفه لاختلاف الجملتين ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ألصق الحمد والتكبير المذكورين في آخر السورة المتقدمة بالحمد على أجزل نعمائه على العباد وهي نعمة إنزال الكتاب على محمد  .

قال بعض العلماء: نزه نفسه في أوّل سورة "سبحان" عمَّا لا ينبغي وهو إشارة إلى كونه كاملاً في ذاته، وحمد نفسه في أول هذه السورة وهو إشارة إلى كونه مكملاً لغيره، وفيه تنبيه على أن مقام التسبيح مبدأ ومقام التحميد نهاية موافقاً لما ورد في الذكر "سبحان الله والحمد لله".

وفيه أن الإسراء أول درجات كماله من حيث إنه يقتضي حصول الكمال له وإنزال الكتاب غاية درجات كماله لأن فيه تكميل الأرواح البشرية ونقلها من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ولا شك أن المنافع المتعدية أفضل من القاصرة كما ورد في الخبر: "من تعلم وعلم وعمل فذاك يدعى عظيماً في السموات" وإنزال الكتاب على النبي  نعمة عليه وعلينا.

أما أنه نعمة عليه فلأنه اطلع بواسطته على أسرار التوحيد ونعوت الجلال والإكرام وأحوال الملائكة والأنبياء وسائر النفوس المقدسة، وعلى كيفية القضاء والقدر وتعلق أحوال العالم السفلي بالعالم العلوي والشهادة بالغيب وارتباط أحدهما بالآخر.

وأما أنه نعمة علينا فلأنا نستفيد منه أيضاً مثل ذلك ونعرف منه الأحكام الشرعية المفضية إلى إصلاح المعاش والمعاد.

وفي انتصاب ﴿ قيماً ﴾ وجوه فاختار صاحب الكشاف أن يكون منصوباً بمضمر أي جعله وأنزله قيماً.

وأبى أن يكون حالاً لأن العطف يدل على تمام الكلام وجعله حالاً يدل على نقصانه.

قال جامع الأصفهاني: هما حالان متواليان إلا أن الأولى جملة والثانية مفرد.

وقيل: حال من الضمير في قوله: ﴿ ولم يجعل له ﴾ وفائدة الجمع بين نفي العوج وإثبات الاستقامة هي التأكيد، فرب مستقيم في الظاهر لا يخرج عن أدنى عوج في الحقيقة هذا تفسير ابن عباس.

ويحتمل أن يراد أنه قيم على سائر الكتب مصدّق لها شاهد بصحتها، وأنه قيم بمصالح العباد وما لا بد لهم منه من الشرائع والأحكام، وعلى هذا يكون قوله: ﴿ ولم يجعل له عوجاً ﴾ إشارة إلى أنه كامل في ذاته، مبرأ عن الاختلاف والتناقض، مشتمل على كل ما هو في نفس الأمر حق وصدق.

وقوله: ﴿ قيماً ﴾ إشارة إلى أنه مكمل لغيره مصلح بحسن بيانه وإرشاده لأحوال معاشه ومعاده، فتكون الآية نظير قوله في أول "البقرة".

﴿ لا ريب فيه هدى للمتقين ﴾ ثم أراد أن يفصل ما أجمله في قوله فيما قال: ﴿ لينذر بأساً شديداً من لدنه ﴾ وحذف المنذر للعلم به بعمومه ولتطهير اللسان عن ذكره أي لينذر الذين كفروا عذاباً إليماً صادراً من عنده.

والأجر الحسن الجنة بدليل قوله: ﴿ ماكثين فيه ﴾ وهو حال من الضمير في ﴿ لهم ﴾ ثم كرر الإنذار وذكر المنذر لخصوصه وحذف المنذر به وهو البأس الشديد لتقدم ذكره.

وقد تذكر قضية كلية ثم يعطف عليها بعض جزئياتها تنبيهاً على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي.

ففي عطف الإنذار المخصوص على الإنذار المطلق دليل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد لله  على ما زعم بعض كفار قريش من أن الملائكة بنات الله، وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله.

ثم قال: ﴿ ما لهم به ﴾ أي بالولد أو باتخاذ الله إياه ﴿ من علم ولا لآبائهم ﴾ وانتفاء العلم بالشي إما بالجهل بالطريق الموصل إليه.

وإما لأنه في نفسه محال فلا يتعلق به العلم لذلك وهو المراد في الآية، أي قولهم هذا لم يصدر عن علم ولكن عن جهل مفرط وتقليد لآبائهم الذين هم مثلهم في الجهالة.

قال جار الله: الضمير في قوله: ﴿ كبرت ﴾ يعود إلى قولهم "اتخذ الله ولداً" وسميت ﴿ كلمة ﴾ كما يسمون القصيدة بها.

قلت: ويجوز أن يعود إلى مضمر ذهني يفسره الظاهر كقوله "ربه رجلاً ونعمت امرأة عندي".

قال الواحدي: انتصبت ﴿ كلمة ﴾ على التمييز وذلك أنك لو قلت: كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذباً أو جهلاً أو افتراءً، فلما قلت: كلمة فقد ميزتها من محتملاتها.

وقرىء بالرفع على الفاعلية كما يقال "عظم قولك".

قال أهل البيان: النصب أقوى وأبلغ لإفادته التعب من جهتين: من جهة الصيغة ومن جهة التمييز كأنه قيل: ما أكبرها كلمة.

وفي وصف الكلمة بقوله: ﴿ يخرج من أفواههم ﴾ مبالغة أخرى من وجهين: الأول أن كثيراً من وساوس الشيطان وهواجس القلوب لا يتمالك العقلاء أن يتفوهوا به حياء وخجلاً، فبين الله  أن هذا المنكر لم يستحيوا من إظهاره والنطق به فما أشنع فعلتهم وما أعظم فحشهم.

الثاني أن هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم ألبتة لكونه في غاية البطلان، وكأنه شيء يجري على لسانهم بطريق التقليد: احتج النظام على مذهبه أن الكلام جسم بأن الخروج عبارة عن الحركة من خواص الأجسام.

والجواب أن الخارج من الفم هو الهواء لأن الحروف والأصوات كيفيات قائمة بالهواء فأسند إلى الحال ما هو من شأن المحل مجازاً.

ثم زاد في تقبيح صورتهم بقوله: ﴿ إن يقولون إلا كذباً ﴾ وفيه إبطال قول من زعم أن الكذب هو الخبر الذي يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق وذلك لأن القيد الأخير غير موجود ههنا مع أنه  سماه كذباً.

ثم سلى رسول الله صلى الله عيله وسلم بقوله: ﴿ فلعلك باخع ﴾ قال الليث: بخع الرجل نفسه إذا قتلها غيظاً: وقال الأخفش والفراء: أصل البخع الجهد.

يروى أن عائشة ذكرت عمر فقالت: بخع الأرض أي جهدها حتى أخذ ما فيها من أموال الملوك.

وقال الكسائي: بخعت الأرض بالزراعة إذ جعلتها ضعيفة بسبب متابعة الحراثة، وبخع الرجل نفسه إذا نهكها و ﴿ أسفاً ﴾ منصوب على المصدر أي تأسف أسفاً وحذف الفعل لدلالة الكلام عليه.

وقال الزجاج: هو مصدر في موضع الحال أو مفعول له أي لفرط الحزن شبهه وإياهم حين لم يؤمنوا بالقرآن وأعرضوا عن نبيهم برجل فارقته أحبته فهو يتساقط حسرات عليهم.

والحاصل أنه قيل له لا تعظم حزنك عليهم بسبب كفرهم فإنه ليس عليك إلا البلاغ، فأما تحصيل الإيمان فيهم فليس إليك.

قال القاضي، أطلق الحديث على القرآن فدل ذلك على أنه غير قديم.

وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث الحروف والأصوات وإنما النزاع في الكلام النفسي، قوله  : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ﴾ قال أهل النظم: كأنه  يقول: إني خلقت الأرض وزينتها ابتلاء للخلق بالتكاليف، ثم إنهم يتمردون ويكفرون ومع ذلك فلا أقطع عنهم مواد هذه النعم، فأنت أيضاً يا محمد لا تترك الاشتغال بدعوتهم بعد أن لا تأسف عليهم وما على الأرض المواليد الثلاثة أعنى المعادن والنبات والحيوان وأشرفها الإنسان.

وقال القاضي: الأولى أن لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها بالحقيقة وإنما هو زينة لأهلها الغرض الابتلاء، فالذي له الزينة يكون خارجاً عن الزينة.

ومضى أنه مجاز بالصورة والمراد أنه  يعاملهم معاملة لو صدرت تلك المعاملة عن غيره لكان من قبيل الابتلاء والامتحان.

وقد مر هذا البحث بتمامه في سورة البقرة في تفسير قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ .

واللام في ﴿ لنبلوهم ﴾ للغرض عند المعتزلة، أو العاقبة أو استتباع الغاية عند غيرهم حذراً من لزوم الاستكمال.

قال الزجاج ﴿ أيهم ﴾ رفع بالابتداء لأن لفظه لفظ الاستفهام والمعنى لنمتحن هذا ﴿ أحسن عملاً ﴾ أم ذلك.

ثم زهد في الميل إلى زينة الأرض بقوله: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها ﴾ من هذه الزينة ﴿ صعيداً جرزاً ﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته وإماتة سكانه.

قال أبو عبيد: الصعيد المستوي من الأرض التي لا نبات فيها من قولهم "امرأة جروز" إذا كانت أكولاً، "وسيف جراز" إذا كان مستأصلاً وجرز الجراد والشاه والإبل الأرض إذا أكملت ما عليها.

ثم إن القوم تعجبوا من قصة أصحاب الكهف وسألوا عنه الرسول  على سبيل الامتحان فقال  ﴿ أم حسبت ﴾ يعني بل أظننت يا إنسان أنهم كانوا عجباً من آياتنا فقط فلا تحسبن ذلك فإن آياتنا كلها عجب، فإن من كان قادراً على تخليق السموات والأرض ثم تزيين الأرض بأنواع المعادن والنبات والحيوان، ثم جعلها بعد ذلك صعيداً خالياً عن الكل كيف تستبعدون قدرته وحفظه ورحمته بالنسبة إلى طائفة مخصوصة.

وقال جار الله: يعني أن ذلك التزيين وغيره أعظم من قصة أصحاب الكهف يعني أنه ذكر أولاً عظيم قدرته، ثم أضرب عن ذلك موبخاً للإنسان.

والحاصل أنك تعجب من هذا الأدنى فكيف بما فوقه، والكهف الغار الواسع في الجبل، والرقيم اسم كلبهم، وعن سعيد بن جبير ومجاهد أنه لوح من حجارة أو رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف، فعلى هذا يكون اللفظ عربياً "فعيلاً" بمعنى "مفعول" ومثله ما روي أن الناس رقموا حديثهم نقرأ في الجبل.

وعن السدي أنه القرية التي خرجوا منها.

وقيل: هو الوادي أو الجبل الذي فيه الكهف.

والعجب مصدر وصف به أو المراد ذات عجب.

وقوله: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف ﴾ صاروا إليه وجعلوه مأواهم منصوب بإضمار "اذكر" بـ ﴿ حسبت ﴾ لفساد المعنى، ولا يبعد أن يتعلق بـ ﴿ عجباً ﴾ والتنوين في ﴿ رحمة ﴾ إما للتعظيم أو للنوع.

وتقديم ﴿ من لدنك ﴾ للاختصاص أي رحمة مخصوصة بأنها من خزائن رحمتك وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء ﴿ وهيىء لنا ﴾ أي أصلح لنا من قولك هيئات الأمر فتهيأ ﴿ من أمرنا ﴾ الذي نحن عليه من مفارقة الكفار ﴿ رشداً ﴾ أي أمر إذا رشد حتى نكون بسببه راشدين غير ضالين فتكون "من" للابتداء.

ويجوز أن تكون للتجريد كما في قولك "رأيت منك أسداً" أي اجعل أمرنا رشداً كله.

﴿ فضربنا على آذانهم ﴾ قال المفسرون: أي أنمناهم والأصل فيه أن المفعول محذوف وهو الحجاب كما يقال: "بنى على امرأته" أي بنى عليها القبة.

و ﴿ سنين ﴾ ظرف زمان و ﴿ عدداً ﴾ أي ذوات عدد وهو مصدر وصف به والمراد بهذا الوصف إما القلة لأن الكثير قليل عند الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون  ﴾ وإما الكثرة.

قال الزجاج: إذا قل فهم مقدار عدده فلم يحتج إلى العدد وإذا كثر احتاج إلى أن يعدّ ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أيقظناهم ﴿ لنعلم ﴾ ليظهر معلومنا وفعل العلم معلق لما في "أي" من معنى الاستفهام فارتفع ﴿ أي الحزبين ﴾ على الابتداء وخبره ﴿ أحصى ﴾ وهو فعل ماض و "ما" في ﴿ لما لبثوا ﴾ مصدرية أي أحصى ﴿ أحداً ﴾ للبثهم فيكون الجار والمجرور صفة للأمد فلما قدم صار حالاً منه.

وقيل: اللام "زائدة" و "ما" بمعنى الذي وأمداً تمييز والتقدير: أحصى لما لبثوه أمداً والأمد الغاية.

وزعم بعضهم أن ﴿ أحصى ﴾ أفعل تفضيل كما في قولهم "أعدى من الجرب" و "أفلس من ابن المذلق"، ولم يستصوبه في الكشاف لأن الشاذ لا يقاس عليه.

واختلفوا في تعيين الحزبين فعن عطاء عن ابن عباس أن أصحاب الكهف حزب والملوك الذين تداولوا المدينة ملكاً بعد ملك حزب.

وقال مجاهد: الحزبان من أصحاب الكهف.

وذلك أنهم لما انتبهوا اختلفوا فقال بعضهم: ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ وقال آخرون: ﴿ ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ وذلك حين حدسوا أن لبثهم قد تطاول.

وقال الفراء: إن طائفتين من المسلمين في زمان أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق ﴾ أي على وجه الصدق ﴿ أنهم فتية ﴾ شباب ﴿ آمنوا بربهم ﴾ أي بي فوضع الظاهر موضع المضمر ﴿ وزدناهم هدى ﴾ أي بالتوفيق والتثبيت ﴿ وربطنا على قلوبهم ﴾ قوّيناهم بإلهام الصبر على فراق الخلائق والأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران ﴿ إذ قاموا ﴾ وفي هذا القيام أقوال: فعن مجاهد أنهم اجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد فقال رجل منهم:هو أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئاً ما أظن أحداً يجده، أجد أن ربي رب السموات والأرض.

فقالوا: نحن كذلك في أنفسنا فقاموا جميعاً ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وقال أكثر المفسرين: إنه كان لهم ملك جبار - يقال له دقيانوس - وكان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم حتى قاموا بين يديه ﴿ فقالوا ربنا رب السموات والأرض ﴾ وعن عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم.

والشطط الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد والمراد قولاً ذا شطط أي بعيد عن الحق.

﴿ هؤلاء ﴾ مبتدأ و ﴿ قومنا ﴾ عطف بيان أبو بدل ﴿ اتخذوا ﴾ خير وهو إخبار في معنى إنكار.

وفي اسم الإشارة تحقير لهم ﴿ لولا يأتون عليهم ﴾ هلا يأتون على حقيقة إلهيتهم أو على عبادتهم ﴿ بسلطان بين ﴾ بحجة ظاهرة، استدل بعدم الدليل على عدم الشركاء والأضداد فاستدل بعض العلماء بذلك على أن هذه طريقة صحيحة، ويمكن أن يجاب بأنه إنما ذكر ذلك على سبيل التبكيت، فمن المعلوم أن الإتيان بسلطان على عباده الأوثان محال، وفيه دليل على فساد التقليد ويؤكده قوله ﴿ فمن أظلم من افترى على الله كذباً ﴾ بنسبة الشريك إليه وخاطب بعضهم بعضاً حين صمم عزمهم على الفرار بالدين.

وقوله: ﴿ وما يعبدون ﴾ عطف على المضمير المنصوب يعني وإذا اعتزلتموهم ومعبوديهم.

وقوله: ﴿ إلا الله ﴾ استثناء منقطع على الدهر، ويجوز أن يكون متصلاً بتاءً على أن المشركين يقرون بالخالق الأكبر.

وقيل هو كلام معترض إخبار من الله  عن الفتية أنهم لم يعبدوا غير الله فـ "ما" نافية.

قال الفراء ﴿ فأووا إلى الكهف ﴾ جواب "إذا" ومعناه إذهبوا إليه واجعلوا مأواكم ﴿ ينشر لكم ربكم من رحمته ﴾ يبسطها لكم و ﴿ مرفقاً ﴾ على القراءتين مشتق من الارتفاق الانتفاع.

وقيل: فتح الميم أقيس وكسرها أكثر.

وقيل: المرفق بالكسر ما ارتفعت به، والمرفق بالفتح الأمر الرافق.

وكان الكسائي ينكر في مرفق اليد إلا كسر الميم.

قالوا ذلك ثقة بفضل الله وتوكلاً عليه، وإما لأنه أخبرهم نبي في عصرهم منهم أو من غيرهم.

﴿ وترى الشمس ﴾ أيها الإنسان ﴿ إذا طلعت تزاور ﴾ أصله من الزور بفتح الواو وهو الميل ومنه زاره إذا مال إليه.

والمراد أن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع إن الشمس تعدل عن سمتهم إلى الجهتين فلا تقع عليهم.

والفجوة المتسع من المكان ومنه الحديث "فإذا وجد فجوة نص" وللمفسرين في الآية قولان: أحدهما أنهم في ظل نهارهم كله لا تصيبهم الشمس في طلوعها ولا غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح وإلى هذا الحجب أشار بقوله: ﴿ ذلك من آيات الله ﴾ وثانيهما أن باب ذلك الكهف كان مفتوحاً إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على يساره فلذلك كانت الشمس لا تصل إليهم.

ثم إنهم كانوا مع ذلك في منفسح من الغار ينالهم فيه روح الهواء وبرد النسيم، واعترض بأن عدم وصول الشمس إليهم لا يكون آية من آيات الله على هذا التقدير.

وأجيب بأن المشار إليه حفظهم في ذلك الغار مدة طويلة، والمقصود من بيان وضع الغار تعيين مكانهم.

ثم بين الله  لطفه بهم بصون أبدانهم عن الفساد في تلك المدة المديدة كما لطف بهم في أول الأمر بالهداية فكان فيه ثناء عليهم وتذكير لغيرهم إن الهداية وضدها كليهما بمشيئة الله وعنايتها الأزلية وبلطفه وقهره الذي سبق به القلم, قال جار الله: فيه تنبيه على أن من سلك طريق الراشدين المهديين فهو الذي أصاب الفلاح، ومن تعرض للخسران فلن يجد من يليه ويرشده.

ثم حكى طرفاً آخر من غرائب أحوالهم فقال ﴿ وتحسبهم أيقاظاً ﴾ هي جمع يقظ بكسر القاف كأنكاد في جمع نكد ﴿ وهم رقود ﴾ جمع راقد كقعود في قاعد.

واستبعده في التفسير الكبير.

وقيل: عيونهم مفتحة وهم نيام فيحسبهم الناظر لذلك أيقاظاً.

وقال الزجاج: لكثرة تقلبهم.

وقيل: لهم تقلبتان في السنة.

وقيل: تقلبة واحدة في يوم عاشوراء.

وعن مجاهد: يمكثون رقوداً على أيمانهم سبع سنين ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقوداً سبع سنين، وفائدة تقلبهم ظاهرة وهي أن لا تأكل لحومهم الأرض.

قال ابن عباس: وتعجب منه الإمام فخر الدين قال: وإن الله  قادر على حفظهم من غير تقليب.

وأقول: لا ريب في قدرة الله  ولكن الوسائط معتبرة في أغلب الأحوال ﴿ وكلبهم باسط ﴾ حكاية الحال الماضية ولهذا عمل في المفعول به.

والوصيد الفناء وقيل العتبة أو الباب.

قال السدي: الكهف لا يكون له عتبة ولا باب وإنما أراد أن الكلب منه موضع العتبة من البيت.

عن ابن عباس: هربوا ليلاً من ملكهم فمروا براع معه كلب فتبعهم على دينهم ومعه كلبه.

وقال كعب: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه فعاد ففعلوا ذلك ثلاث مرات فقال لهم الكلب: ما تريدون مني أنا أحب أحباء الله فناموا حتى أحرسكم.

وقال عبيد ابن عمرو: كان ذلك كلب صيدهم والاطلاع على الشيء الإشراف عليه.

قال الزجاج قوله ﴿ فراراً ﴾ منصوب على المصدر لأنه بمعنى التولية.

وسبب الرعب هيبة ألبسهم الله إياهم.

وقيل طول أظفارهم وشعورهم وعظم أجرامهم ووحشة مكانهم منه يحكى أن معاوية غزا الروم فقال: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم فقال له ابن عباس: ليس لك ذلك قد منع الله منه من هو خير منك؟

فقال: ﴿ لو اطلعت عليهم لوليت منهم فراراً ﴾ فقال معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم فبعث ناساً فقال لهم: اذهبوا فانظروا ففعلوا، فلما دخلوا الكهف بعث الله ريحاً فأخرجتهم ﴿ وكذلك ﴾ إشارة إلى المذكور قبله أي وكما أنمناهم تلك النومة وفعلنا بهم ما فعلنا من الكرامات كذلك ﴿ بعثناهم ﴾ وفيه تذكير لقدرته على الإنامة والبعث جميعاً، ثم ذكر غاية بعثهم فقال: ﴿ ليتساءلوا ﴾ أي ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث غرض صحيح لما فيه من انكشاف الحال وظهور آثار القدرة ﴿ قال قائل منهم كم لبثتم ﴾ قال ابن عباس: وهو رئيسهم يمليخارد علم ذلك إلى الله  حين رأى التغير في شعورهم وأظفارهم وبشرتهم.

والفاء في ﴿ فابعثوا ﴾ للتسبيب كأنه قيل: واذ قد حصل اليأس من تعيين مدة اللبث فخذوا في شيء آخر مما يهمكم.

والورق الفضة مضروبة أو غير مضروبة.

وفي تزودهم الورق عند فرارهم دليل على أن إمساك بعض ما يحتاج إليه الإنسان في سفره وحضره لا ينافي التوكل على الله.

والمدينة طرسوس.

قال في الكشاف: ﴿ أيها ﴾ معناه أيّ أهلها ﴿ أزكى طعاماً ﴾ وأقول: يحتمل أن يعود الضمير إلى الأطعمة ذهناً كقوله: "زيد طيب أباً" على أن الأب هو زيد، ويجوز أن يراد أي أطعمة المدينة أزكى طعاماً على الوجه المذكور.

عن ابن عباس: يريد ما حل من الذبائح لأن عامة أهل بلدهم كانوا مجوساً وفيهم قوم يخفون أديانهم.

وقال مجاهد: احترزوا من المغصوب لأن ملكهم كان ظلماً.

وقيل: أيها أطيب وألذ.

وقيل: الرخص ﴿ وليتلطف ﴾ وليتكلف اللطف فيما يباشره من أمر المبايعة حتى لا يغبن.

والأظهر أنهم طلبوا اللطف في أمر التخفي حتى لا يعرف.

يؤيده قوله ﴿ ولا يشعرون بكم أحد ﴾ أي لا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور ويسبب له ﴿ إنهم إن يظهروا ﴾ يطلعوا على مكانكم أو ﴿ عليكم يرجموكم ﴾ يقتلوكم أخبث القتلة وهي الرجم وكأنه كانت عادتهم ﴿ أو يعيدوكم في ملتهم ﴾ بالإكراه العنيف.

وقال في الكشاف: العود في معنى الصيرورة أكثر شيء في كلامهم يقولون ما عدت أفعل كذا يريدون ابتداء الفعل.

قلت: يحتمل أن يكون العود ههنا على معناه الأصلي لاحتمال أن يكون أصحاب الكهف على ملة أهل المدينة قبل أن هداهم الله.

وفي "أذن" معنى الشرط كأنه قال: إن رجعتم إلى دينهم فلم تفلحوا أبداً، قال المحققون: لا خوف على المؤمن الفار بدينه أعظم من هذين.

ففي الأول هلاك الدنيا، وفي الثاني هلاك الآخرة.

وإنما نفى الفلاح على التأبيد مع أن كفر المكره لا يضر، لأنهم خافوا أن يجرهم ظاهر الموافقة إلى الكفر القلبي، وكما أنمناهم وبعثناهم ﴿ أعثرنا عليهم ﴾ سمى الإعلام إعثاراً والعلم عثوراً لأن من كان غافلاً عن شيء فعثر به نظر إليه وعرفه وكان الإعثار سبباً لحصول العلم واليقين.

وفي سبب الإعثار قولان: أحدهما أنه طالت شعورهم وأظفارهم طولاً مخالفاً للعادة وتغيرت بشرتهم فعرفوا بذلك.

والأكثرون قالوا: إن ذلك الرجل لما ذهب بالورق إلى السوق وكانت دارهم دقيانوسية اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك فقال له: من أين وجدت هذه الدراهم؟

قال: بعت به أمس شيئاً من التمر.

فعرف الملك أنه ما وجد كنزاً وأن الله بعثه بعد موته فقص عليه القصة.

ثم ذكر  غاية الإعثار فقال: ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ يروى أن ملك ذلك العصر من كان ينكر البعث إلا أنه كان مع كفره منصفاً فجعل الله أمر الفتية دليلاً للملك.

وقيل: بل اختلفت الأمة في ذلك الزمان فقال بعضهم: الجسد والروح يبعثان جميعاً.

وقال آخرون: الروح تبعث وأما الجسد فتأكله الأرض.

ثم إن ذلك الملك كان يتضرع أن يظهر له آية يستدل بها على ما هو الحق في المسألة فأطلعه الله  على أمر أصحاب الكهف حتى تقرر عنده صحة بعث الأجساد، لأن انتباههم بعد ذلك النوم الطويل يشبه من يموت ثم يبعث.

فالمراد بالتنازع هو اختلافهم في حقيقة البعث.

والضمائر في قوله: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم ﴾ تعود إلى تلك الأمة.

وقيل: أراد إذ يتنازع الناس بينهم أمر أصحاب الكهف ويتكلمون في قصتهم، أو يتنازعون بينهم تدبير أمرهم حين توفوا كيف يخفون مكانهم وكيف يسدون الطريق إليهم.

﴿ فقالوا ابنوا ﴾ على باب كهفهم ﴿ بنياناً ﴾ يروى أنه انطلق الملك وأهل المدينة معه وأبصروهم وحمدوا الله على آياته الدالة على البعث.

ثم قالت الفتية للملك: نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإنس ثم رجعوا إلى مضاجعهم وتوفى الله أنفسهم، فألقى الملك عليهم ثيابه وأمر فجعل لكل واحد تابوتاً من ذهب فرآهم في المنام كارهين للذهب، فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً.

فيكون فيه دليل على أن أولئك الأقوام كانوا عارفين بالله  ومعترفين بالعبادة والصلاة، وقيل: إن الكفار قالوا: إنهم كانوا على ديننا ونتخذ عليهم بنياناً، والمسلمين قالوا: بل كانوا على ديننا فنتخذ عليهم مسجداً، وقيل: إنهم تنازعوا في عددهم وأسمائهم.

قال جار الله: ﴿ ربهم أعلم بهم ﴾ من كلام المتنازعين كأنهم تذاكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم، فلما لم يهتدوا إلى حقيقته قالوا ذلك، أو هو من كلام الله عز وجل رد القول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازعين، أو من الذين تنازعوا عوافيهم على عهد رسول الله  من أهل الكتاب.

والذين غلبوا على أمرهم المسلمون وملكهم المسلم لأنهم بنوا عليهم مسجداً يصلى فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم وكانوا أولى بهم بالبناء عليهم حفظاً لتربتهم بها وضناً بها ﴿ سيقولون ﴾ يعنى الخائضين في قصتهم من المؤمنين ومن أهل الكتاب المعاصرين وكان كما أخبر فكان معجزاً، يروى أن السيد والعاقب وأصحابهما من أهل نجران كانوا عند النبي  فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد وكان يعقوبياً هم ﴿ ثلاثة رابعهم كلبهم ﴾ وقال العاقب وكان نسطورياً هم ﴿ خمسة وسادسهم كلبهم ﴾ فزيف الله قولهما بأن قال: ﴿ رجماً بالغيب ﴾ أي يرمون رمياً بالخبر الخفي يقال: فلان يرمي بالكلام رمياً أي يتكلم من غير تدبر.

وكثيراً ما يقال رجم بالظن.

مكان قولهم ظن.

وقال المسلمون.

هم سبعة ثامنهم كلبهم.

قال العلماء: وهذا قول محقق عرفه المسلمون بأخبار رسول الله  عن لسان جبرائيل  .

والذي يدل عليه أمور منها ما روي عن علي  أنهم سبعة تقرأ أسماؤهم.

يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا - هؤلاء أصحاب يمين الملك - وكان عن يساره مرنوس ودبرنوش وشادنوش.

وكان يستشير هؤلاء الستة في أمره، والسابع الراعي الذي وافقهم واسمه كفشططوش.

واسم مدينتهم أفسوس، واسم كلبهم قطمير.

وقيل ريان.

عن ابن عباس: أن أسماء أصحاب الكهف تصلح للطلب والهرب وإطفاء الحريق تكتب في خرقة ويرمى بها في وسط النار، ولبكاء الطفل تكتب وتوضع تحت رأسه في المهد، وللحرث تكتب على القرطاس.

وترفع على خشب منصوب في وسط الزرع، وللضربان وللحمى المثلثة والصداع الغنى والجاه.

والدخول على السلاطين تشد على الفخذ اليمنى، ولعسر الولادة تشد على فخذها الأيسر، ولحفظ المال والركوب في البحار والنجاة من القتل.

ومنها قول صاحب الكشاف إن الواو في قوله ﴿ وثامنهم ﴾ هي التي تدخل على الجملة والواقعة صفة للنكرة في قولك "جاءني رجل ومعه آخر" كما تدخل على الجملة الواقعة حالاً من المعرفة في قولك "مررت بزيد ومعه سيف" وفائدته توكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر لأن الواو مقتضاها الجمعية وكأنهم وصفوا بكونهم سبعة مرتين بخلاف القولين الأولين فإنهم وصفوا بما وصفوا مرة واحدة.

ولقائل أن يقول: إن العاطف لا يوسط بين الوصف والموصوف ألبتة لشدة الاتصال بينهما، ومقتضى الواو هو الحالة المتوسطة بين كمال الاتصال وكمال الانقطاع.

بل الواو للعطف عطف الجملة على الجملة وإما للحال وجاز لأنهم لم يسوغوا إذا الحال نكرة، لا مكان التباس الحال بالصفة في نحو قولك "رأيت رجلاً راكباً" وههنا الالتباس مرتفع لمكان الواو.

ومنها بعضهم إن الضمير في قوله: ﴿ ويقولون سبعة ﴾ لله تعالى والجمع للتعظيم.

ومنها قول ابن عباس حين وقعت الواو انقطعت العدّة أي لم تبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع والثبات.

ومنها أنه خص القولين الأولين بزيادة قوله: ﴿ رحيماً بالغيب ﴾ وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فمن البعيد أن يذكر الله  جملة الأقوال الباطلة ولا يذكر الحق على أنه  منعه عن المناظرة معهم وعن الاستفتاء منهم في هذا الباب، وهذا المنع إنما يصح إذا علمه حكم هذه الواقعة.

وأيضاً الله  قال: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ ويبعد أن لا يحصل العلم بذلك للنبي  ويحصل لغير النبي  كعلي وابن عباس حسين قال: أنا من أولئك القليل.

وقد عرفت قولهما في هذا الباب.

وإذا حصل فالظاهر أنه حصل بهذا الوحي لأن الأصل فيما سواه العدم.

وقيل: الضمير في ﴿ سيقولون ﴾ لأهل الكتاب خاصة أي سيقول أهل الكتاب فيهم كذا وكذا ولا علم بذلك إلا في قليل منهم وقوله  في الموضعين الأخيرين و ﴿ يقولون ﴾ بغير السين لا ريب أنهما للاستقبال أيضاً إلا أن ذلك يحتمل أن يكون لأجل الصيغة التي تصلح له، وأن يكون لتقدير السين بحكم العطف كما تقول: قد أكرم وأنعم أي وقد أنعم.

أما فائدة تخصيص الواو في قوله: ﴿ وثامنهم ﴾ فقد عرفت آنفاً وقد يقال: إن لعدد السبعة عند العرب تداولاً على الألسنة في مظان المبالغة من ذلك قوله  : ﴿ إن تستغفر لهم سبعين مرة  ﴾ لأن هذا العدد سبعة عقودٍ، فإذا وصلوا إلى الثامنة ذكروا لفظاً يدل على الاستئناف كقوله في أبواب الجنة ﴿ وفتحت أبوابها  ﴾ وكقوله ﴿ ثيبات وأبكاراً  ﴾ وزيف القفال هذا الوجه بقوله  : ﴿ هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر  ﴾ وذلك لم يذكر الواو في النعت الثامن.

والانصاف أن هذا التزييف ليس في موضعه لأن وجود الواو هو الذي يفتقر إلى التوجيه، وأما عدمه فعلى الأصل وبين التوجيه والإيجاب بون بعيد، والقائل بصدد الأول دون الأخير.

ثم نهى نبيه  عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف ثم قال: ﴿ الأمراء ظاهراً ﴾ فقال جار الله: أي جد إلا غير متعمق فيه وهو أن تقص عليهم ما أوحى الله إليك فحسب ولا تزيد من غير تجهيل ولا تعنيف.

وقال في التفسير الكبير: المراد أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد بل يقول هذا التعيين لا دليل عليه فوجب التوقف.

ثم نهاه عن الاستفتاء منهم في شأنهم لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي وههنا الأمر بالعكس ولا سيما في باب واقعة أصحاب الكهف كما بينا.

ولنذكر ههنا مسألة جواز الكرامات وما تتوقف هي عليه فنقول: الولي مشتق من الولي وهو القرب.

فقيل: "فعيل" بمعنى "فاعل" كعليم وقدير وذلك أنه توالت طاعاته من غير تخلل معصية.

وقيل: بمعنى "مفعول" كقتيل وذلك أن الحق  تولى حفظه وحراسته وقرب منه بالفضل والإحسان، فإذا ظهر فعل خارق للعادة على إنسان فإن كان مقروناً بدعوى الإلهية كما نقل أن فرعون كانت تظهر على يده الخوارق، وكما ينقل أن الدجال سيكون منه ذلك فهذا القسم جوزه الأشاعرة لأن شكله وخلقه يدل على كذبه فلا يفضي إلى التلبيس وإن كان مقروناً بدعوى النبوة.

فإن كان صادقاً وجب أن لا يحصل له المعارض، وإن كان كاذباً وجب.

ويمكن أن يقال: إن الكاذب يستحيل أن يظهر منه الفعل الخارق وإليه ذهب جمهور المعتزلة، وخالفهم أبو الحسين البصري وصاحبه محمود الخوارزمي وجوزا ظهور خوارق العادات على من كان مردوداً على طاعة الله وسموه بالاستدراج.

وقد يفرق بين النبي الصادق والساحر الخبيث بالدعاء إلى الخير والشر وإن كان مقروناً بدعوى الولاية فصاحبه هو الولي، ومن المحققين من لم يجوّز للولي دعوى الولاية لأنه مأمور بالإخفاء كما أن النبي مأمور بالإظهار.

ثم إن المعتزلة أنكروا كرامات الأولياء وأثبتها أهل السنة مستدلين بالقرآن والأخبار والآثار والمعقول.

أما القرآن فكقصة مريم ونبأ أصحاب الكهف.

قال القاضي: لا بد أن يكون في ذلك الزمان نبي تنسب إليه تلك الكرامات.

وأجيب في التفسير الكبير بأن إقدامهم على النوم أمر غير خارق للعادة حتى يجعل ذلك معجزة لأحد، وأما قيامهم من النوم بعد ثلثمائة سنة فهذا أيضاً لا يمكن جعله معجزة لأن الناس لا يصدقونهم في هذه الواقعة لأنهم لا يعرف كونهم صادقين في هذه الدعوى إلا إذا بقوا طول هذه المدة وعرفوا أن هؤلاء الذين جاؤا في هذا الوقت هم الذين ناموا قبل ذلك بثلثمائة وتسع سنين، وكل هذه الشرائط لم توجد فامتنع جعل هذه الواقعة معجزة لأحد من الأنبياء، فلم يبق إلا أن تجعل كرامة لهم.

ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون نفس بعثهم معجز النبي هذا الزمان؟

وأما أن ذلك البعث بعد نوم طويل فيعرف بأمارات أخر كما مر من حديث الدرهم وغيره.

وأما الأخبار فمنها ما أخرج في الصحاح عن أبي هريرة عن النبي  أنه قال: " لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى ابن مريم وصبي في زمان جريج وصبي آخر.

أما عيسى فقد عرفتموه، وأما جريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل وكانت له أم وكان يوماً يصلي إذ اشتاقت إليه أمه فقالت: يا جريج فقال: يا رب الصلاة خير أم رؤيتها ثم صلى.

فدعته ثانياً مثل ذلك حتى كان ذلك ثلاث مرار.

وكان يصلي ويدعها فاشتد ذلك على أمة فقالت: اللَّهم لا تمته حتى تريه المومسات.

وكانت في بني إسرائيل زانية فقالت لهم: أنا أفتن جريجاً حتى يزني فأتته فلم تقدر عليه شيئاً وكان هناك راع يأوى بالليل إلى أصل صومعته فأرادت الراعي على نفسها فأتاها فولدت غلاماً وقالت: ولدي هذا من جريج.

فأتاه بنو إسرائيل وكسروا صومعته وشتموه فصلى ودعا ثم نخس الغلام.

قال أبو هريرة: كأنى أنظر إلى النبي  حين قال بيده يا غلام من أبوك؟

فقال: فلان الراعي فندم القوم على ما كان منهم واعتذروا إليه وقالوا نبني صومعتك من ذهب وفضة فأبى عليهم وبناها كما كانت.

وأما الصبي الآخر فإن امرأة كانت معها صبي ترضعه إذ مر بها شاب جميل ذو شارة فقالت: اللَّهم اجعل ابني مثل هذا فقال الصبي: اللَّهم لا تجعلني مثله.

ثم مر بها امرأة ذكروا أنها سرقت وزنت وعوقبت فقالت: اللَّهم لا تجعل ابني مثل هذه.

فقال: اللَّهم اجعلني مثلها.

فقالت له أمه في ذلك فقال: إن الراكب جبار من الجبابرة وإن هذه قيل لها سرقت ولم تسرق وزنيت ولم تزن هي تقول حسبي الله" .

ومنها ما روي عن ابن عمر أن رسول الله  قال: " انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم فأواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدّت عليهم الغار فقالوا إنه والله لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت لا أغبق قبلهما فناما في ظل شجرة يوماً فلم أبرح عنهما وحلبت لهما غبوقهما فجئتهما به فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أغبق قبلهما فقمت والقدح في يدي أنتظر استيقاظهما حتى ظهر الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللَّهم إن كنت فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت انفراجاً لا يستطيعون الخروج منه.

ثم قال الآخر اللَّهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت أحب الناس إليّ فأردتها عن نفسها فامتنعت حتى ألمت سنة من السنين فجاءتني وأعطيتها مالاً عظيماً على أن تخلي بيني وبين نفسها فلما قدرت عليها قالت لا آذن لك أن تفك الخاتم إلا بحقه فتحرجت من ذلك العمل وتركتها وتركت المال معها اللَّهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه.

فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال رسول الله  : ثم قال الثالث اللَّهم إني استأجرت أجراء أعطيتهم أجورهم غير رجل واحد منهم ترك الذي له وذهب فثمرت أجرته حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد الله أدّ إليّ أجرتي فقلت له كل ما ترى من الإبل والغنم والرقيق من أجرتك فقال يا عبد الله لاتستهزىء بي فقلت إني لا أستهزىء بأحد فأخذ ذلك كله اللَّهم إن كنت فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة عن الغار فخرجوا يمشون" وهذا حديث صحيح متفق عليه.

ومنها قوله  : "رب أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره" .

ولم يفرق بين شيء وشيء فيما يقسم به على الله.

ومنها رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي  قال: "بينا رجل يسوق بقرة قد حمل عليها إذا التفتت البقرة وقالت إني لم أخلق لهذا وإنما خلقت للحرث فقال الناس: سبحان الله!

فقال النبي  : آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر" .

ومنها رواية أبي هريرة عن النبي  : "بينا رجل سمع رعداً أو صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان قال فغدوت إلى تلك الحديقة فإذا رجل قائم فيها فقلت له: ما اسمك؟

قال: فلان ابن فلان.

فقلت: فما تصنع بحديقتك هذه إذا صرمتها؟

قال: ولم تسأل عن ذلك؟

قلت: لأني سمعت صوتاً في السحاب أن اسق حديقة فلان.

قال: أما إذ قلت فإني أجعلها أثلاثاً فأجعل لنفسي ولأهلي ثلثاً وأجعل للمساكين وأبناء السبيل ثلثاً وأنفق عليها ثلثاً" وأما الآثار فمن كرامات أبي بكر الصديق أنه لما حملت جنازته إلى باب قبر النبي  ونودي السلام عليك يا رسول الله هذا أبو بكر بالباب فإذا الباب قد فتح فإذا هاتف يهتف من القبر أدخلوا الحبيب إلى الحبيب.

ومن كرامات عمر ما روي أنه بعث جيشاً وأمر عليهم رجلاً يدعى سارية بن حصين.

فبينا عمر يوم الجمعة يخطب جعل يصيح في خطبته يا سارية الجبل الجبل.

قال علي بن أبي طالب  : وكتبت تاريخ هذه الكلمة.

فقدم رسول ذلك الجيش.

فقال: يا أمير المؤمنين غدونا يوم الجمعة في وقت الخطبة فدهمونا فإذا بإنسان يصيح يا سارية الجبل فأسندنا ظهورنا إلى الجبل فهزم الله الكفار وظفرنا بالغنائم العظيمة.

قال بعض العلماء: كان ذلك بالحقيقة معجزة للنبي  لأنه قال لأبي بكر وعمر: أنتما مني بمنزلة السمع والبصر.

فلما كان عمر بمنزلة البصر لا جرم قدر على رؤية الجيش من بعد.

ومنها ما روي أن نيل مصر كان في الجاهلية يقف في كل سنة مرة واحدة وكان لا يجري حتى يلقى فيه فيه جارية حسناء.

فلما جاء الإسلام كتب عمرو بن العاص بهذه الحالة إلى عمر.

فكتب عمر على الخزف: من عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد فإن كنت تجري بأمرك فلا حاجة لنا فيك، وإن كنت تجري بأمر الله فاجر على بركة الله.

وأمر أن يلقى الخزف في النيل فجرى ولم يقف بعد ذلك.

ووقعت الزلزلة بالمدينة فضرب عمر الدرة على الأرض وقال: اسكني بإذن الله فسكنت.

ووقعت النار في بعض دورالمدينة فكتب عمر على خزفة: يا نار اسكني بإذن الله  فألقوها في النار فانطفأت في الحال.

ويروى أن رسول ملك الروم جاء إلى عمر وطلب داره فظن أن داره مثل قصور الملوك فقالوا: ليس له ذلك إنما هو في الصحراء يضرب اللبن.

فلما ذهب إلى الصحراء رأى عمر واضعاً درته تحت رأسه وهو نائم على التراب فتعجب الرسول من ذلك وقال في نفسه: أهل الشرق والغرب يخافون منه وهو على هذه الصفة فسل سيفه ليقتله فأخرج الله أسدين من الأرض فقصداه فخاف فألقى السيف فانتبه عمر وأسلم الرجل.

قال أهل السير: لم يتفق لأحد من أول عهد إلى الآن ما تيسر له فإنه مع غاية بعده عن التكلفات كيف قدر على تلك السياسات، ولا شك أن هذا من أعظم الكرامات.

وأما عثمان فعن أنس قال: مررت في طريق فوقعت عيني على امرأة ثم دخلت على عثمان فقال: ما لي أراكم تدخلون عليّ وآثار الزنا عليكم؟!

فقلت: أوحي نزل بعد رسول الله  ؟

فقال: لا ولكن فراسة صادقة.

وقيل: لما طعن بالسيف فأول قطرة سقطت من دمه سقطت على المصحف على قوله: ﴿ فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم  ﴾ .

ويروى أن جهجاهاً الغفاري انتزع العصا من يده وكسرها في ركبته فوقعت الآكلة في ركبته.

وأما علي صلوات الله عليه فيروى أن واحداً من أصحابه سرق وكان عبداً أسود فأتي به إلى علي  فقال: أسرقت؟

قال: نعم.

فقطع يده فانصرف من عند علي  فلقيه سلمان الفارسي وابن الكواء فقال ابن الكواء: من قطع يدك؟

قال: أمير المؤمنين ويعسوب المسلمين وختن الرسول وزوج البتول.

فقال: قطع يدك وتمدحه.

قال: ولم لا أمدحه وقد قطع يدي بحق وخلصني من النار.

فسمع سلمان ذلك فأخبر به علياً  فدعا الأسود ووضع يده على ساعده وغطاه بمنديل ودعا بدعوات، فسمعنا صوتاً من السماء ارفع الرداء عن اليد فرفعنا الرداء فإذا اليد كما كانت بإذن الله  .

وأما سائر الصحابة فعن محمد بن المنذر أنه قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة التي كنت فيها فركبت لوحاً من ألواحها فطرحني اللوح في أجمة فيها أسد، فخرج إليّ أسد فقلت: يا أبا الحرث أنا مولى رسول الله  قال: فتقدم ودلني على الطريق ثم همهم فظننت أنه يودعني ورجع.

وروى ثابت عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلاً آخر من الأنصار خرجاً من عند رسول الله  حين ذهب من الليل قطع، وكانت ليلة مظلمة وفي يد كل واحد منهما عصاه فأضاءت عصا أحدهما حتى مشيا في ضوئها، فلما افترقا أضاءت لكل واحد منهما عصاه حتى مشى في ضوئها وبلغ منزله.

وقيل لخالد بن الوليد إن في عسكرك من يشرب الخمر فركب فرسه ليلاً فطاف في العسكر فرأى رجلاً على فرس ومعه زق من خمر فقال: ما هذا؟

فقال: خل.

فقال خالد: اللَّهم اجعله خلاً.

فذهب الرجل إلى أصحابه وقال: أتيتكم بخمر ما شربت العرب مثلها.

فلما فتحوا فإذا هي خل.

فقالوا: والله ما جئتنا إلا بخل.

فقال: هذه والله دعوة خالد.

ومن الوقائع المشهورة أن خالد بن الوليد أكل كفاً من السم على اسم الله وما ضره.

وعن ابن عمر أنه كان في بعض أسفاره فلقي جماعة على طريق خائفين من السبع فطرد السبع عن طريقهم ثم قال: إنما يسلط على ابن آدم ما يخافه ولو أنه لم يخف غير الله لما سلط عليه شيء.

وروي أن النبي  بعث العلاء بن الحضرمي في غزاة فحال بينه وبين المطلوب قطعة من البحر فدعا باسم الله الأعظم فمشوا على الماء.

وفي كتب الصوفية من هذا الباب روايات كثيرة ولا سيما في كتاب تذكرة الأولياء ومن أرادها فليطالعها.

وأما المعقول فهو أن الرب حبيب العبد والعبد حبيب الرب لقوله ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ فإذا بلغ العبد في طاعته مع عجزه إلى حيث يفعل كل ما أمره الله.

فأي بعد في أن يفعل الرب مع غاية قدرته وسعة جوده مرة واحدة ما يريد العبد.

وأيضاً لو امتنع إظهار الكرامة فذلك إما لأجل أن الله  ليس أهلاً له فذلك قدح في قدرته، وإما لأن المؤمن ليس أهلاً له وهو بعيد لأن معرفة الله والتوفيق على طاعته أشرف العطايا وأجزلها، وإذا لم يبخل الفياض بالأشرف فلأن لا يبخل بالأدون أولى ومن هنا قالت الحكماء: إن النفس إذا قويت بحسب قوتها العلمية والعملية تصرفت في أجسام العالم السفلي كما تتصرف في جسده.

قلت: وذلك أن النفس نور ولا يزال يتزايد نوريته وإشراقه بالمواظبة على العلم والعمل وفيضان الأنوار الإلهية عليه حتى ينبسط ويقوى على إنارة غيره والتصرف فيه، والوصول إلى مثل هذا المقام هو المعني بقول علي بن أبي طالب صلوات الله عليه.

والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولكن بقوة ربانية.

حجة المنكرين للكرامات أن ظهور الخوارق دليل على النبوة، فلو حصل لغير النبي لبطلت هذه الدلالة.

وأجيب بالفرق بين المعجز والكرامة بأن المعجز مقرون بدعوى النبوة والكرامة مقرونة بدعوى الولاية.

وأيضاً النبي يدعي المعجزة ويقطع بها.

والولي إذا ادعى الكرامة لا يقطع بها،وأيضاً أنه يجب نفي المعارضة عن المعجزة ولا يجب نفيها عن الكرامة.

جميع هذا عند من يجوّز للولي دعوى الولاية، وأما من لا يجوّز ذلك من حيث إن النبي مأمور بالإظهار لضرورة الدعوة والولي ليس كذلك ولكن إظهاره يوجب طلب الإشهار والفخر المنهي عنهما، فإنه يفرق بينهما بأن المعجز مسبوق بدعوى النبوة، والكرامة غير مسبوقة بشيء من الدعاوى قالوا: قال  حكاية عن الله  : "لن يتقرب إليّ المتقربون بمثل أداء ما افترضت عليهم" لكن المتقرب إلى الله بأداء الفرائض لا يحصل له شيء من الكرامات، فالمتقرب إليه بأداء النوافل أولى بأن لا يحصل له ذلك.

وأجيب بأن الكلام في المتقرب إليه بأداء الفرائض والنوافل جميعاً.

قالوا: قال  : ﴿ وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس  ﴾ فالقول بطيّ الأرض للأولياء طعن في الآية وطعن في محمد  حين لم يصل من المدينة إلى مكة إلا في أيام.

وأجيب بأن الآية وردت على ما هو المعهود المتعارف وكرامات الأولياء أحوال نادرة فتصير كالمستثناة من ذلك العموم، وإن محمداً  لم يكن قاصراً عن رتبة بعض الأولياء ولكنه لم يتفق له ذلك، أو لعله اتفق له في غير ذلك السفر قالوا: إذا ادعى الولي على إنسان درهماً فإن لم يطالبه بالبينة كان تاركاً لقوله: "البينة على المدعي." وإن طالبه كان عبثاً لأن ظهور الكرامة عليه دليل قاطع على أنه لا يكذب ومع الدليل القاطع لا يجوز العمل بالظن.

والجواب مثل ما مر من أن النادر لا يحكم به.

قالوا: لو جاز ظهور الكرامة على بعض الأولياء لجاز على كلهم، وإذا كثرت الكرامات انقلب خرق لعادة وفقاً لها.

وأجيب بأن المطيعين فيهم قلة لقوله  : ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ والولي فيهم أعز من الكبريت الأحمر، واتفاق الكرامة للولي أيضاً على سبيل الندرة فكيف يصير ما يظهر عليه معتاداً؟!

في الفرق بين الكرامات والاستدراج هو أن يعطيه الله كل ما يريده في الدنيا ليزداد غيه وضلاله وقد يسمى مكراً وكيداً وضلالاً وإملاء، والفرق أن صاحب الكرامة لا يستأنس بها ولكنه يخاف سوء الخاتمة، وصاحب الاستدراج يسكن إلى ما أوتي ويشتغل به، وإنما كان الاستئناس بالكرامات قاطعاً للطريق لأنه حينئذ اعتقد أنه مستحق لذلك وأن له حقاً على الخالق فيعظم شأنه في عينه ويفتخر بها لا بالمكرم، ولا ريب أن الإعجاب مهلك ولهذا وقع إبليس فيما وقع، والعبد الصالح هو الذي يزداد تذللـه وتواضعه بين يدي مولاه بازدياد آثار الكرامة والولاية عليه، قرأ المقرئ في مجلس الأستاذ أبى علي الدقاق ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه  ﴾ فقال: علامة رفع العمل أن لا يبقى منه في نظرك شيء، فإن بقي فهو غير مرفوع.

واختلف في أن الولي هل يعرف كونه ولياً؟.

قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: لا يجوز لأن ذلك يوجب الأمن ﴿ ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون  ﴾ والأمن ينافي اعتقاد قهارية الله  ويقتضي زوال العبودية الموجب لسخط الله.

وكيف يأمن الولي وقد وصف الله عباده المخلصين بقوله: ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وأيضاً إن طاعة العباد ومعاصيهم لا تؤثر في محبة الحق وعداوته لأنها محدثة متناهية وصفاته قديمة غير متناهية، والمحدث المتناهي لا يغلب القديم غير المتناهي.

فقد يكون العبد في عين المعصية ونصيبه في الأزل هو المحبة وقد يكون في عين الطاعة ونصيبه المبغضية، ولهذا لا يحصل الجزم بكيفية الخاتمة.

قيل: من هنا قال  : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها  ﴾ ولم يقل من عمل حسنة.

ومن كانت محبته لا لعلة امتنع أن يصير عدوّاً لعلة المعصية وبالعكس، ومحبة الحق وعداوته من الأسرار التي لا يطلع عليها إلا الله أو من أطلعه عليها الله.

وقال الأستاذ أبو علي الدقاق وتلميذه أبو القاسم القشيري: إن للولاية ركنين: أحدهما انقياد للشريعة في الظاهر، والثاني كونه في الباطن مستغرقاً في نور الحقيقة فإذا حصل هذان الأمران وعرف الإنسان ذلك عرف لا محالة كونه ولياً، وعلامته أن يكون فرحه بطاعة الله واستئناسه بذكر الله.

قلت: لا ريب أن مداخل الأغلاط في هذا الباب كثيرة، ودون الوصول إلى عالم الربوبية حجب وأستار من نيران وأنوار، فالجزم بالولاية خطر والقضاء بالمحبة عسر والله  أعلم.

قال المفسرون: إن اليهود حين قالت لقريش: سلوا محمداً عن مسائل ثلاثة عن الروح وعن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين فسألوهن قال  : "أجيبكم عنها غداً ولم يستثن فاحتبس الوحي عنه خمس عشرة ليلة." وقيل: أربعين يوماً ثم نزل قوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ﴾ أي لأجل شيء تعزم عليه ليس فيه بيان أنه ماذا ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ فقال العلماء: إنه لا يمكن أن يكون من تمام قوله ﴿ إني فاعل ﴾ إذا يصير المعنى إلا أن يشاء الله أن لا أفعله أي إلا أن تعرض مشيئة الله دون فعله وهذا ليس منهياً عنه.

فالصواب أن يقال: إنه من تمام قوله: ﴿ ولا تقولن ﴾ ثم إن قدر المراد إلا أن يشاء الله أن تقول إني فاعل ذلك غداً أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد بعينه.وقوله: ﴿ إلا أن يشاء الله ﴾ أن تقوله بأن يأذن لك في ذلك الإخبار كان معنى صحيحاً، ولكنه لا يكون موافقاً لسبب النزول.

فالمعنى الموافق هو أن يكون قوله هذا في موضع الحال أي لا تقولنه إلا متلبساً بأن يشاء الله يعني قائلاً إن شاء الله.

وهذا نهي تأديب لنبيه  لأن الإنسان إذا قال سأفعل الفعل الفلاني غداً لم يبعد أن يموت قبل مجيء الغد أو يعوقه عن ذلك عائق، فلو لم يقل إن شاء الله صار كاذباً في هذا الوعد والكذب منهي وجوز في الكشاف أن يكون ﴿ إن شاء الله ﴾ في معنى كلمة تأبيد كأنه قيل: ولا تقولنه أبداً.

قال أهل السنة: في صحة الاستثناء بل في وجوبه دلالة على أن إرادة الله  غالبة وإرادة العبد مغلوبة ويؤكده أنه إذا قال المديون القادر على أداء الدين: والله لأقضين هذا الدين غداً ثم قال: إن شاء الله فإذا جاء الغد ولم يقض لم يحنث بالاتفاق، وما ذاك إلا لأن الله ما شاء ذلك الفعل مع أنه أمره باداء الدين، وإنما لم يقع الطلاق في قول الرجل لامرأته: أنت طالق إن شاء الله، لأن مشيئة الله غير معلومة فيلزم الدور لتوقف العلم بالمشيئة على العلم بوقوع الطلاق وبالعكس.

واستدل القائلون بأن المعدوم شيء بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء ﴾ وذلك أن الشيء الذي سيفعله غداً معدوم مع أنه سماه شيئاً في الحال.

وأجيب بأنه مجاز كقوله: ﴿ أعصر خمراً  ﴾ ﴿ واذكر ربك ﴾ أي مشيئة ربك ﴿ إذا نسيت ﴾ كلمة الاستثناء.

ثم تنبهت لها، وللعلماء في مدة النسيان إلى الذكر خلاف، فعن ابن عباس: يستثني ولو بعد سنة ما لم يحنث.

وعن سعيد بن جبير: ولو بعد يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة وهو قول ابن عباس بعينه.

وعن طاوس: هو استثناء ما دام في مجلسه.

وعن عطاء: يستثني على مقدار حلب ناقة غزيرة.

وعند عامة الفقهاء لا أثر له في الأحكام ما لم يكن موصولاً.

قالوا: إن الآيات الكثيرة دلت على وجوب الوفاء بالعهد والعقد فإذا أتى بالعهد وجب عليه الوفاء بمقتضاه خالفنا هذا الدليل فيما إذا كان الاستثناء متصلاً بناء على أن المستثنى منه مع الاستثناء وأداته كالكلام الواحد، فإذا كان منفصلاً لم يمكن هذا التوجيه فوجب الرجوع إلى أصل الدليل.

وقيل: أراد واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت كلمة الاستثناء، وفيه بعث على الاهتمام بها.

وقيل: اذكر إذا اعتراك النسيان في بعض الأمور لتذكر المنسي، أو اذكره إذا تركت بعض ما أمرك به ليس لهذين القولين شديد ارتباط بما قيل، وكذا قوله من حمله على أداء الصلاة المنسية عند ذكرها.

واختلفوا في المشار إليه بقوله: ﴿ لأقرب من هذا ﴾ الظاهر عند صاحب الكشاف أن المراد إذا نسيت شيئاً فاذكر ربك، وذكر ربك عند نسيانه أن تقول: عسى ربي أن يهديني لشيء آخر بدل هذا المنسي أقرب منه ﴿ رشداً ﴾ وأدنى خيراً ومنفعة.

وقيل: إن ترك قوله "إن شاء الله" ليس بحسن وذكره أحسن.

فقوله "هذا" إشارة إلى الترك وأقرب منه ذكر هذه الكلمة، وقيل: إنه إشارة إلى نبأ أصحاب الكهف ومعناه لعل الله يؤتيني من البينات والحجج على أني صادق ما هو أعظم في الدلالة وأقرب رشداً من نبئهم، وقد فعل ذلك حيث آتاه من قصص الأنبياء والأخبار بالمغيبات ما هو أعظم وأدل.

عن قتادة.

أن قوله  : ﴿ ولبثوا في كهفهم ﴾ حكاية لأهل الكتاب و ﴿ قل الله أعلم بما لبثوا ﴾ رد عليه ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ وقالوا لبثوا ﴾ والجمهور على أنه بيان لما أجمل في قوله: ﴿ فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عدداً ﴾ والمراد من قوله ﴿ قل الله أعلم ﴾ أن لا تتجاوزوا الحق الذي أخبر الله به ولا تلتفتوا إلى ما سواه من اختلافات أهل الأديان نظيره قوله: ﴿ قل ربي أعلم بعدّتهم ﴾ بعد قوله: ﴿ سبعة وثامنهم كلبهم ﴾ قال النحويون: سنين عطف بيان لثلثمائة لأن مميز مائة وأخواتها مجرور مفرد.

وقيل: فيه تقديم وتأخير أي لبثوا سنين ثلثمائة.

ومن قرأ بالإضافة فعلى وضع الجميع موضع الجميع موضع الواحد في التمييز كما مر في قوله: ﴿ وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطاً أمماً  ﴾ قوله: ﴿ وازدادوا تسعاً ﴾ أي تسع سنين لدلالة لما قبله عليه دون أن يقول "ولبثوا ثلثمائة سنة وتسع سنين".

فعن الزجاج المراد ثلثمائة بحساب السنين الشمسية وثلثمائة وتسع بالسنين القمرية وهذا شيء تقريبي.

وقيل: إنهم لما استكملوا ثلثمائة سنة قرب أمرهم من الانتباه.

ثم اتفق ما أوجب بقاءهم في النوم بعد ذلك تسع سنين، ثم أكد قوله: ﴿ الله أعلم بما لبثوا ﴾ بقوله: ﴿ له غيب السموات والأرض ﴾ أي ليس لغيره ما خفى فيهما من أحوالهما وأحوال سكانهما وهو مختص بذلك.

ثم زاد في المبالغة فجاء بما دل على التعجب من إدراكه للمبصرات والمسموعات.

والضمير في قوله: ﴿ مالهم ﴾ لأهل السموات والأرض.

وفيه بيان لكمال قدرته وأن الكل تحت قهره وتسخيره وأنه لا يتولى أمورهم غيره ﴿ ولا يشرك في حكمه ﴾ وقضائه قبل أصحاب الكهف ﴿ أحداً ﴾ منهم ومن قرأ ﴿ لا نشرك ﴾ على النهي فهو عطف معطوف على ﴿ لا تقولن ﴾ والمراد أنه لا يسأل أحداً عما أخبره الله به من نبأ أصحاب الكهف.

واقتصر على بيانه.

وقيل: الضمير في مالهم لأصحاب الكهف أي أنه هو الذي حفظهم في ذلك النوم الطويل وتولى أمرهم.

وقيل: ليس للمختلفين في مدة لبثهم من دون الله من يتولى أمورهم فكيف يعلمون هذه الواقعة من دون إعلامه؟!

وقيل: فيه نوع تهديد لأنهم لما ذكروا في هذا الباب أقوالاً على خلاف قول الله فقد استوجبوا العقاب فبين الله  أنه: ﴿ ليس لهم من دونه ولي ﴾ يمنع العقاب عنهم.

واعلم أن الناس اختلفوا في زمان لبث أصحاب الكهف في مكانهم فقيل: كانوا قبل موسى  وأنه ذكرهم في التوراة فلهذا سألت اليهود ما سألوا وقيل: دخلوا الكهف قبل المسيح وأخبروه بخبرهم ثم لبثوا في الوقت الذي بين عيسى ومحمد عليهما السلام.

وحكى القفال عن محمد بن إسحق أنهم دخلوا كهفهم بعد عيسى.

وقيل: إنهم لم يموتوا ولا يموتون إلى يوم القيامة.

وذكر أبو علي بن سينا في باب الزمان من كتاب الشفاء إن أرسطا طاليس الحكيم زعم أنه عرض لقوم من المتألهين حالة شبيهة بحالة أصحاب الكهف ثم قال أبو علي: ويدل التاريخ على أنهم كانوا قبل أصحاب الكهف.

وأما المكان فحكى القفال عن محمد بن موسى الخوارزمي المنجم أن الواثق أنفذه إلى ملك الروم ليعرف أحوال أصحاب الكهف، فوجهه مع طائفة إلى ذلك الموضع قال: وإن الرجل الموكل بذلك المقام فزعني من الدخول عليهم، فدخلت فرأيت الشعور على صدورهم فعرفت أنه تمويه واحتيال وأن الناس كانوا قد عالجوا تلك الجثث بالأدوية المجففة الحافظة لأبدان الموتى عن البلى كالصبر وغيره.

قلت: حين لم يملأ الخوارزمي رعباً من الاطلاع عليهم حصل القطع بأنهم ليسوا أصحاب الكهف والرقيم، ولو صح ما حكينا عن معاوية حين غزا الروم حصل ظن غالب بأنهم منهم والله  أعلم.

التأويل: ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ والعبد الحقيقي من يكون حراً عن الكونين وهو محمد  إذ يقول: "أمتي أمتي" يوم يقول كل نبي " نفسي نفسي"، ولأنه هو الذي صحح نسبة العبودية كما ينبغي أطلق عليه اسم العبد مطلقاً وقيد لسائر الأنبياء كما قال: ﴿ عبده زكريا  ﴾ ، ﴿ واذكر عبدنا داود  ﴾ ، ولأنه كان خلقه القرآن قيل: ﴿ ولم يجعل له ﴾ أي لقلبه ﴿ عوجاً ﴾ لا يستقيم فيه القرآن، ومن استقامة قلبه نال ليلة المعراج رتبة ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ بلا واسطة جبرائيل، ونال قلبه الاستقامة بأمر التكوين بقوله: ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ ﴿ أجراً حسناً ﴾ .

هو التمتع من حسن الله وجماله.

﴿ لعلك باخع نفسك ﴾ كان من عادته عليه الصلاة والسلام أن يبالغ في المأمور به حتى ينهى عنه، بالغ في الدعوة والشفقة على أمته حتى قيل له لا تبخع نفسك، وبالغ في الإنفاق إلى أن أعطى قميصه فقعد عرياناً فنهى عنه بقوله: ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة ﴾ أي زينا الدنيا وشهواتها للخلق ملائماً لطبائعهم وجعلناها محل ابتلاء للمحب وللسائل ﴿ لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ﴾ في تركها ومخالفة هوى نفسه طلباً لله ومرضاته.

ثم أخبر عن سعادة السادة الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على المولى بقوله: ﴿ أم حسبت ﴾ ومعناه لا تعجب من حالهم فإن في أمتك من هو أعجب حالاً منهم، ففيهم أصحاب الخلوات الذين كهفهم بيت الخلوة، ورقيمهم قلوبهم المرقومة برقم المحبة فإنهم أووا إلى الكهف خوفاً من لقاء دقيانوس وفراراً منه، فهؤلاء أووا إلى الخلوة شوقاً إلى لقائي وفراراً إليّ.

وإنهم طلبوا النجاة من شر.

والخروج من الغار بالسلامة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ﴾ الآية.

فهؤلاء طلبوا الخلاص من شر نفوسهم والخروج من ظلمات الغار المجازي للوصول إلى نور الوجود الحقيقي.

﴿ فضربنا ﴾ على آذان باطنه وحواسهم الآخر في مدة الخلوة لمحو النقوش الفاسدة عن ألواح نفوسهم وانتقاشها بالعلوم الدينية والأنوار الإلهية ليفنيهم الله عنهم ويبقيهم به وهو سر قوله: ﴿ ثم بعثناهم ﴾ أي أحييناهم بنا ﴿ لنعلم أي الحزبين ﴾ أصحاب الخلوة أم أصحاب السلوة: ﴿ أحصى ﴾ أي أكثر فائدة وأتم عائدة لأمد لبثهم في الدنيا التي هي مزرعة الآخرة ﴿ وزدناهم هدى ﴾ فإنهم كانوا يريدون الإيمان الغيبي فأنمناهم ﴿ ثم بعثناهم ﴾ حتى صار الإيمان إيقاناً والغيب عياناً ﴿ اتخذوا من دونه آلهة ﴾ من الدنيا والهوى.

﴿ وترى الشمس إذا طلعت ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين.

المعروف: بداية هذا أخبار من أصناف ألطافه بأضيافه، وفيه إشارة إلى أن نور ولايتهم يغلب نور الشمس ويرده عن الكهف كما يغلب نور المؤمن نار جهنم لقول  : "إن المؤمن إذا ورد النار تستغيث النار وتقول: حزباً مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" ﴿ وهم في فجوة منه ﴾ في متسع وفراغ من ذلك النور يدفع عنهم كل ضر ويراعيهم عن بلى أجسادهم وثيابهم.

قلت: يحتمل أن يراد أن شمس الروح أو المعرفة والولاية إذا طلعت من أفق الهداية وأشرقت في سماء الواردات - وهو حالة السكر وغلبات الوجد - لا تنصرف في حال خلوتهم إلى أمر يتعلق بالعقبى وهو جانب اليمين ﴿ وإذا غربت ﴾ أي سكنت تلك الغلبات وظهرت حالة الصحو لا تلتفت همم أرواحهم إلى أمر يتعلق بالدنيا وهو جانب الشمال، بل تنحرف عن الجهتين إلى المولى وهم في حال دفاع وفراغ ما يشغلهم عن الله ﴿ وتحسبهم إيقاظاً ﴾ متصرفين في أمور الدنيا ﴿ وهم رقود ﴾ عنها لأنهم يتصرفون فيها لأجل الحق لا لحظ النفس، أو تحسبهم أيقاظاً مشغولين بأمور الآخرة لأن الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، وهم رقود متصرفون في أمور الدنيا لأن الناس بهم يرزقون ويمطرون.

وفي قوله: ﴿ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال ﴾ إشارة إلى أنهم في التسليم لمقلب القلوب في الأحوال كلها كالميت بين يدي الغسال.

قيل: في الآية دلالة على أن المريد الذي يربيه الله بلا واسطة المشايخ تكامل أمره في ثلثمائة وتسع سنين، والذي يربيه بواسطتهم تم أمره في أربعينات معدودة ولهذا تكون ثمرة البساتين الزهر وثمرة الجبال وفي قوله: ﴿ وكلبهم باسط ﴾ إشارة أن أكلب نفوسهم نائمة معطلة عن الأعمال بها.

ربيت القلوب والأرواح معنى أن هذا النوع من التربية من قبيل القدرة الإلهية التي اختصهم بها، ويمكن أن يراد أن نفوسهم صارت بحيث تطيعهم في جميع الأحوال وتحرسهم عما يضرهم ﴿ ولملئت منهم رعباً ﴾ بما شاهدت عليهم من آثار الأنوار التي زدناهم، ولجلاليب الهيبة والعظمة التي ألبسناهم ﴿ لبثنا يوماً أو بعض يوم ﴾ لأن أيام الوصال قصيرة، فما رأوا أنهم في دهشة الوصال وحياة الأحوال ﴿ قالوا ربكم أعلم بما لبثتم ﴾ لأنه كان حاضراً معكم وأنتم غيب عنكم ﴿ فابعثوا أحدكم ﴾ من العجب أنهم ما احتاجوا مدة ثلثمائة وتسع سنين بما نالوا من غذاء الروح كقوله  : "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

فلما رجعوا من عند الله الحق إلى عبدية أنفسهم احتاجوا إلى الغذاء الجسماني ﴿ أزكى طعاماً ﴾ لما رجعوا إلى العالم الجسماني، تعللوا من جمال الله بمشاهدة كل جميل وتوسلوا إلى تلك الملاطفات بلطافة الأغذية الجسمانية وزكائها.

﴿ ولا يشعرنّ بكم أحد ﴾ فيه أن أرباب المعرفة والمحبة يجب أن يحترزوا عن شعور أهل الغفلة والسلوة ﴿ ليعلموا أن وعد الله حق ﴾ بإحياء القلوب الميتة حق قدره، الأمر فيما أظهر وأبدى أو أسر وأخفى.

﴿ سيقولون ﴾ أن القوى والأركان الأصلية للإنسان ﴿ ثلاثة ﴾ الحيوانية والطبيعية والنفسانية التي منشؤهن القلب والكبد والدماغ.

﴿ رابعهم كلبهم ﴾ هو النفس الناطقة.

﴿ ويقولون خمسة ﴾ هو الحواس الظاهرة ﴿ سادسهم ﴾ النفس ﴿ ويقولون سبعة ﴾ هو الحواس الظاهرة مع الوهم المدرك للمعاني والخيال المدرك للصور ﴿ وثامنهم كلبهم ﴾ هو النفس المدرك للكليات ﴿ قل ربي أعلم بعدتهم ﴾ لأن القوى الباطنة والظاهرة وأفاعيلها وغاياتها لا يعلمهن إلا الله  ومن أطلعه الله عليه وذلك قوله: ﴿ ما يعلمهم إلا قليل ﴾ والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ﴾ .

قيل: تميل عن كهفهم.

﴿ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ .

كانت لا تصيبهم لا عند طلوعها ولا عند غروبها؛ لأن الكهف كان مستقبل بنات النعش، وكل شيء يكون مستقبل بنات النعش لا تصيبه الشمس.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان ثمة حجاب وستر يحجب الشمس عن أن تقع عليهم، لكن هذا لا يصلح؛ لأن الله - عز وجل - جعل لهم ذلك آية من آياته، وكرامة من كراماته؛ فليس فيما لا يقع عليهم الشمس بحجاب أو ستر كبير آية ومنة؛ إنما الآية فيما تقع الشمس عليهم، ثم يدفع عنهم ضررها وأذاها؛ فإذا كانوا بحيث لا تصيبهم الشمس - فأذاها وضررها - أيضاً - لا يصيبهم؛ فليس في ذلك كبير آية وحكمة؛ إذ ليس فيما لا يصيب الشمس ضرر أو أذى، ولكن يذكر لطفه؛ حيث منع ضرر الشمس وأذاها عنهم مع إصابة الشمس إياهم ووقوعها عليهم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ ﴾ يمينهم، أو يمين القبلة، وكذلك ﴿ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ : شمال أولئك، أو شمال القبلة، فأما يمين الجبل والغار، على ما قال أهل التأويل، فإنه ليس للجبل يمين ولا شمال.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : قال بعضهم: الفجوة: الظل.

وقال بعضهم: الفجوة: الفضاء.

وقال بعضهم: هي سعة المكان: يخبر - عز وجل - عن لطفه ومننه: أنه قد حشرهم إلى غار كانوا يسعون فيه حتى يتقلبوا فيه، والغار الذي يكون في الجبال لا هكذا يكون؛ بل يكون ضيقاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ .

هذا يرد قول من ينكر جري الآيات على يدي غير الأنبياء؛ لأنه جعل في أصحاب الكهف عدداً من الآيات: كلها خارجة عن احتمال وسع الخلق وعادتهم؛ لمفارقتهم قومهم لسلامة دينهم.

أحدها: ما أخبر أنه ضرب على آذانهم، وأنامهم نوماً خارجاً عن طبع الخلق وعادتهم، وهو ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم ليتساءلوا بينهم، على ما أخبر، عز وجل.

والثاني: لم تبل ثيابهم في مثل تلك المدة ومثل المكان، ولم تتغير؛ ألا ترى أنهم قالوا حين بعثوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة، لم يستقلوا ولا استقصروا كل هذا يوماً أو بعض يوم؛ ألا ترى أنهم فزعوا إلى الطعام، ولم يفزعوا إلى الثياب؛ حيث قالوا: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ ، ولو كانت ثيابهم بالية أو متغيرة - لكان فزعهم إلى الثياب كهو إلى الطعام، وهو أولي.

والثالث: ما أخبر: من تزاور الشمس إذا طلعت ذات اليمين، وقرضها إياهم ذات الشمال.

والرابع: دفع الحر والبرد عنهم؛ إذ من طبعهما الإهلاك والفساد إذا اشتدا وكثرا.

والخامس: ما ذكر من تقليبه إياهم ذات اليمين وذات الشمال، وحفظه إياهم عن أن تفسدهم الأرض وتأكلهم؛ إذ من طبع الأرض ذلك عند امتداد الوقت.

والسادس: ما ذكر في الآية من الهول والهيبة إذا دخل عليهم واطلع؛ حيث قال: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ : خوفاً مما ترى فيهم من الأهوال: هذا لرسول الله  فكيف لمن دونه؟!.

والسابع: حفظه إياهم عن جميع الخلائق حتى لم يطلع، ولم يعثر عليهم أحد من الخلائق.

والثامن: إبقاؤهم أحياء أكثر من ثلاثمائة سنة بلا غذاء، والأنفس لا تبقى بلا غذاء بدون ذلك؛ وذلك باللطف، وأمثال هذا كثير مما يكثر عدها وإحصاؤها.

كله من آيات عظيمة خارجة عن وسع [البشر] وعادتهم؛ فذلك لهم باختيارهم دين الله من بين قومهم، وبمفارقتهم إياهم؛ ليسلم لهم دينهم؛ إذ الغلبة فيهم يومئذ الكفر، فأكرمهم الله بذلك بالكرامات التي ذكرنا؛ فلا ننكر أن يعطي الله أحداً من أوليائه قطع مسيرة أيام بيوم أو بساعة، أو المشي على الماء، ونحو ذلك، ليس بمستبعد ولا مستنكر.

وقال أهل التأويل: إنهم كانوا كذا، والكلب كذا، وأساميهم كذا، وعددهم كذا، ونحوه؛ فذلك مما لا يعلم إلا بخبر الصدق وقول الحق، وقد نهى رسوله  أن يستفتي فيهم منهم أحداً حيث قال: ﴿ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً ﴾ وما ذكر هؤلاء كله من الاستفتاء الذي نهى عنه رسوله عن ذلك.

قال أبو عوسجة: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ أي: تميل، وتزور مثله.

﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ ، أي: تدعهم على شمالها، أي: أن الشمس لا تصيبهم طالعة ولا غاربة عند طلوعها وغروبها، ويقال: قرضته: تركته، أقرضه قرضاً، ويقال: قرضت موضع كذا، أي: جاوزته وتركته خلفي، ويقال: قرضه، أي: قطعه بمقراض، وتزاور يتزاور، أي: عدل ومال ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ : أي سعة، وفجوات جمع.

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ مِنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ أي: ذلك النبأ وما ذكر من قصة أصحاب الكهف من آيات قدرة الله، أو من حجج الله على إثبات رسالة رسوله ونبوته.

أو من آيات كراماته للفتية ولمن اختار دين الله وآثره على غيره.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً ﴾ .

قد ذكرناه في غير موضع.

وقال بعضهم: ﴿ تَّزَاوَرُ ﴾ و ﴿ تَّقْرِضُهُمْ ﴾ كلاهما واحد، وهو أن تميل عن كهفهم فتدعهم ذات اليمين، و ﴿ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ﴾ أي: تدعهم ذات الشمال.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ﴾ أي: زائفة من الكهف، قال أبو معاذ: الزائفة: قدر ما يصلح.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ ﴾ أي: يبوئ لكم؛ كقوله: ﴿ تُبَوِّىءُ ٱلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ أي: تهيئ، ﴿ وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً ﴾ الرشيد: الصالح.

وقال مقاتل: ﴿ رَشَداً ﴾ ، أي: مخرجا.

﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً ﴾ : قال ابن عباس -  -: غذاء تأكلونه، وهو ما ذكرنا كل ما يترفق به، ويقال: مخرجا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ .

قال بعضهم: لأنهم كانوا مفتحي الأعين والأبصار كاليقظان.

وقال بعضهم: وتحسبهم أيقاظاً؛ لأنهم كانوا يتقلبون في رقودهم اليمين والشمال كما يتقلب اليقظان يمينا وشمالا.

وقال بعض أهل التأويل: إنما كان يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، ليدفع عنهم أذى الأرض وضررها؛ لئلا يفسدوا ولا يتلاشوا، وإن كان الله قادراً أن يدفع عنهم الأذى وضرر الأرض لا بتقليب من جانب إلى جانب وإن كان [ذلك] مما يفعله من لا يملك دفع الأذى [إلا] بما ذكرنا، فأما من كان قادراً بذاته مستغنيا عن الأسباب التي بها يدفع فغير محتمل.

وهو: على التعليم منه إياهم: أن كيف يتقي الأذى؟

وكيف يدفع الضرر؟

فإذا لم يكن بمشهد من الخلق فلا معنى له.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ ؛ لأنهم كانوا في مكان الريبة واللصوص مما لا يأوي إليه إلا هارب من ريبة وشر أو قاصد ريبة وطالب عثرة ومكابرة لم يكونوا في مكان يسلم فيه ويرقد ولا يختار للنوم مثله، فقال: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ ﴾ لما كانوا في مكان لا ينام فيه للخوف، كأنهم أيقاظ وهم رقود، والله أعلم.

ولكن لا ندري لأي معنى ذكر أنه يحسب الناظر إليهم كأنهم أيقاظ وهم رقود؟

وإذا لم يبين الله ذلك فلا نفسر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ هو ما ذكرنا أنهم: قد يتقلبون في نومهم من جانب إلى جانب، وذكر التقليب جائز أن يكون؛ لما ذكر بعضهم من دفع أذى الأرض وضررها.

أو ذكر فعله؛ لما له في تقلبهم صنع وفعل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذَاتَ ٱليَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِ ﴾ إذ لا يفهم من ذات الشيء غير ذلك الشيء أو شيء آخر سواه؛ لأنه ذكر ذات اليمين فهو اليمين والشمال نفسه لا غير؛ فعلى ذلك في قولنا: عالم بذاته، لا يفهم غير علمه، أي: عالم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِٱلوَصِيدِ ﴾ .

قال بعضهم: الوصيد: هو فناء الباب.

وقال بعضهم: الوصيد: هو عتبة الباب.

قال القتبي: الوصيد: الفناء، ويقال: عتبة الباب، وهذا أعجب إليّ؛ لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه.

ومنها ﴿ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ  ﴾ أي: مطبقة، وأصله: أن تلصق الباب إلى العتبة إذا أغلقته.

فإن كان الوصيد هو عتبة الباب، ففيه أن الكلب كان داخل باب الغار، وإن كان الفناء ففيه أنه كان خارج باب الغار، وفيه أيضاً [أنه] أبقى الكلب ثلاثمائة سنة على ما أبقاهم، وإن لم يكن من جوهرهم بلطفه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: ذلك أن شعورهم قد طالت وأظفارهم قد امتدت وعظمت، فكانوا بحال يرغب عنهم ويهاب.

لكن هذا لا يحتمل؛ لأنهم قالوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ فلو كانوا على الحال التي ذكروا من تطاول الشعور وامتداد الأظفار وتغير أحوالهم، لم يكونوا ليقولوا: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ ؛ إذ لو نظروا في أنفسهم من تغير الأحوال، لعرفوا أنهم لم يلبثوا ما ذكروا من الوقت؛ دل ذلك أن ذلك الخوف والهيبة لا لذلك.

وقال بعضهم: لأنهم كانوا في مكان الريبة فيما لا يؤوي إلى مثله إلا لخوف ريبة أو طلب ريبة لا يأويه إلا لهذين: هارب من شر، أو طالب شر على آخر؛ على ما ذكرنا: أن من أقام في مهاب ومكان مخوف يهاب منه ويخاف.

أو أن يكونوا بحيث يهابون ويخاف منهم لئلا يدنو منهم أحد، ولا يقرب، فلا يوقظهم أحد، ليبقوا إلى المدة التي أراد الله أن يبقوا فيه؛ ولذلك يحتمل هذا المعنى في تقليب اليمين والشمال؛ فجائز أن يكون قوله: ﴿ لَوِ ٱطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً ﴾ ذلك الخوف وتلك الهيبة: هيبة الدين، على ما روي عن رسول الله  أنه قال: "نصرت بالرعب مسيرة شهرين" ، وذلك لدينه ولحقيقة أمره؛ فعلى ذلك جائز أن يكون ما ذكر من هيبة أحوالهم لدينهم الذي اختاروا من بين قومهم وفارقوهم؛ ليسلم دينهم إلى مكان لا طعام فيه ولا شراب؛ وذلك لحقيقة ما اختاروا من الدين، كان ذلك لمعنى لم يطلع الله رسوله على ذلك؛ فلا نفسر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: كما أنبأكم من أنبائهم وقصصهم أو كما ضرب على آذانهم وأنامهم سنين كذلك يبعثهم.

وقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾ بعثهم؛ لما علم ما يكون منهم، وهو التساؤل، وهكذا جميع ما يخلق وينشئ، إنما يخلق وينشئ؛ لما يعلم أنه يكون منهم؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً...

﴾ الآية [الأعراف: 179] ذرأهم؛ لما علم أنه يكون منهم، وهو عمل أهل جهنم، وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ من علم أنه يعبده ويعمل له عمل أهل الجنة خلقه لذلك، هكذا كل ما يخلق، لما يعلم أنه يكون منه؛ إذ يخرج الفعل لذلك مخرج العجز والجهل بالعواقب، فإذا كان الله عالماً بما كان ويكون، ويتعالى عن أن يكون فعله عبثا - لم يجز أن يخلق شيئاً لغير ما علم أنه يكون، وهكذا في الشاهد من عمل عملا أو فعل فعلا لغير ما علم أنه يكون - فهو عابث أو جاهل بعواقبه، وبالله العصمة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ .

وتأويله ما ذكر: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً ﴾ .

وقوله: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ قالوا ذلك، لما لم يروا في أنفسهم آثاراً وأعلاما تدل على طول المكث والمقام فيه، ثم لما تذكروا أحوالهم، وما يرى النائم في نومه من العجائب وأشياء كثيرة، عرفوا أن ذلك القدر من الأشياء ومثل ذلك من العجائب التي رأوا لا يحتمل أن يكون في يوم أو بعض يوم، فعند ذلك وكلوا الأمر إلى الله، فقالوا: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾ .

وأما الذي أماته مائة عام لما بعثه قطع القول في ذلك، ولم يكل الأمر إلى الله حيث قال: ﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ  ﴾ ؛ لأنه كان ميتا، والميت لا يرى شيئا، ولم يكن في نفسه آثار تدل على ذلك، فقطع القول فيه، ولم يكل الأمر إلى الله.

وأما النائم فإنه يرى في نومه أشياء فيعرف أنه لا يكون في وقت قصير؛ لذلك وكلوا الأمر إلى الله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱبْعَثُواْ أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ إِلَىٰ ٱلْمَدِينَةِ ﴾ .

فيه أنهم لما فارقوا ومعهم زاد وهو الورق، أمر بعضهم بعضا: أن يبعث بالورق، ليأتيهم بالطعام، وفيه أنه أضاف الورق إليهم، ولا شك أنه كان له فيه نصيب حيث قال: ﴿ بِوَرِقِكُمْ هَـٰذِهِ ﴾ ، وفيه دلالة جواز المناهدة في الأسفار وغيرها؛ إذ كان ذلك الورق بينهم، وفيه دلالة جواز الوكالة، وأنها ليست بمبدعة، ولكن كانت في القرون الماضية وهي متوارثة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَآ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أحل طعاما؛ لأن بعض أهل تلك المدينة يذبحون للأصنام وباسم الأوثان التي كانوا يعبدونها، فأمروا بأن يأتيهم بحلال يحل لهم أكله والتناول منه.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ ﴾ : أرخص وأكثر؛ لأنهم في مكان لا يدرون متى يخرجون منه، فطلبوا الأكثر؛ لشدة حاجتهم إليه ويكفي لوقت مقامهم ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ أَزْكَىٰ طَعَاماً ﴾ أي: أطيب وأجود؛ لأن الطيب أزيد للعقول وأصلح للأنفس وأنفع؛ ولذلك جعل الله أرزاق البشر ما هو أطيب وألين؛ لما يزيد ذلك في العقول والفهم، وجعل لغيرهم من الدواب كل خشن خبيث، لما ليس لهم عقول يحتاج إلى ما يزيد لها فيها، وأصل الزكاء: النماء والزيادة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ أي: ليرفق بهم؛ لئلا يشعروا أنه من أولئك الذين فارقوهم لدينهم.

أو أمره بالتلطف، أي: بالسماحة والسهولة في الشراء؛ لما جاء في الخبر: "رحم الله سهل البيع سمح الشراء" ﴿ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً ﴾ أنه فلان بن فلان وأنه من قوم كذا فيعرفون أنه من أصحاب الكهف.

أو لا يشعرن بمكانكم أحدا، من الناس.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ .

يحتمل: يقتلوكم أو ما أرادوا بكم.

﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾ ، أي: في دينهم الكفر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ .

أي: ما دمتم في ملتهم ودينهم، هذا كأنهم لم يعرفوا التقية، وإلا لو أعطوهم بلسانهم ولم يعطوهم بقلوبهم، لكانوا قد أفلحوا.

أو عرفوا التقية إلا أنه لم يكن للقرون الماضية التقية، ولم يؤذن لهم فيها.

أو هي رخصة رخص لهم، والأفضل ألا يعطي ذلك ولا يظهر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ﴾ ؛ قال بعضهم: كما أخرج المبعوث بشراء الطعام من الكهف مع الورق المتقدم ضربها، فكان ذلك بسبب إعلام أهل المدينة عن الفتية ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ ، أي: أطلعنا عليهم.

وقال بعضهم: كما أعلم عن أنباء الفتية وأصحاب الكهف وقصصهم من أولها إلى آخرها، ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: أطلعنا عليهم، والله أعلم.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي: كما ضرب على آذانهم ليعلموا أن ما وعد لهم الرسل عن الله حق.

ثم اختلف في إطلاعهم عليهم: قال بعضهم: أطلع الله الملك الذي هربوا منه وأهل المدينة بعدما أنامهم، لكن حيل بينهم وبين أولئك.

وقال بعضهم: أطلعهم قبل أن ينيمهم، فحيل بينهم وبينهم، فسدو باب الكهف، فبقوا هنالك، ثم أنامهم بعد ذلك ما ذكر، فهلك ذلك الملك، وانقرض تلك القرون، ثم ولي ملك آخر مسلم صالح، ثم أطلع ذلك الملك عليهم، وأمثال ذلك قد قالوا، فلا ندري كيف كانت القصة؟

وفي ظاهر الآية أنه أطلع عليهم بعدما أنامهم وبعثهم، وليس فيه بيان أنه من أطلع عليهم الملك الأول أو الثاني أو القوم أو غيرهم؟

ولا يجوز أن يقطع القول فيه أنه فلان؛ لأن هذه الأنباء ذكرت في القرآن حجة لرسول الله  ، فلو قطع القول على شيء أو زيد أو نقص عما كان في كتبهم، خرجت عن أن تكون حجة له.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ .

يشبه أن يكون الرسل من قبل كانوا يخبرون قومهم أن نفراً يهربون من ملكهم؛ إشفاقاً على دينهم، ويلتجئون إلى الكهف فينامون كذا وكذا سنة، ثم يبعثون، فأكذبهم قومهم بما أخبروا قومهم من أنبائهم، فقال: ﴿ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوۤاْ ﴾ أن ما وعد الرسل وأخبروهم من نبأ أصحاب الكهف حق.

والثاني: يحتمل أن يكونوا ينكرون البعث والساعة، والرسل يخبرون أنهم يبعثون، فأطلع على أولئك؛ ليعلموا أن البعث والقيامة حق؛ لأن الأعجوبة في إبقاء أنفس أصحاب الكهف في نومهم ثلاثمائة سنة أو أكثر بلا غذاء يغتذون، ولا طعام يطعمون، ولا شيء تقوم به الأنفس - إن لم تكن أكثر وأعظم من إحياء الموتى وجمع العظام الناخرة البالية لا تكون دونه؛ لما لم يروا الأنفس لا تبقى أياما بلا غذاء فضلا أن تبقى سنين كثيرة ثلاثمائة أو أكثر، فبعث هؤلاء؛ ليعلم من أنكر البعث [أن] من قدر على إبقاء الأنفس مدة مديدة طويلة بلا غذاء تغتذي [به] لقادر على إحياء الموتى وبعثهم بعد الموت.

أو أن يكون ما ذكرنا بدءاً: أن الرسل السالفة كأنهم أخبروا قومهم عن قصة أصحاب الكهف فكذبوهم، فأطلع الله نبأهم وخبرهم؛ ليعلم أولئك أن الذي أخبرهم الرسل حق وصدق، والله أعلم.

ثم إن هذه الأنباء والقصص المتقدمة ذكرت في القرآن حجة لرسول الله  ودلالة في إثبات رسالته، فلا يجوز أن يقطع القول في شيء لم يبين فيه ولم يوضح ولم يفسر؛ لما يخاف فيه الكذب على الله، ولا الزيادة فيها والنقصان على ما ذكر فيه؛ لما لعلها تخرج مخالفة لما ذكر في كتبهم؛ فلا يكون له فيها حجة ولا دلالة.

فإن قيل: كيف علموا أن ما أخبرهم الرسل حق إذا كانوا لا ينكرون أن وعد الله حق، ولكن يظنون أن ما وعدهم الرسل ويخبرونهم إنما هو اختراع منهم لا وعد من الله وخبر عن الله؟

قيل: علموا أن ذلك حق بوجوه: أحدها: ما رأوا من الدراهم التي كانت في يدي المبعوث بشراء الطعام من الضرب المتقدم، وإن كان يجوز أن تكون تلك الدراهم من كنز أصاب ذلك الرجل لا من دراهم أصحاب الكهف، فإذا صدقوا ذلك الرجل فيما أخبر أنها من دراهم أصحاب الكهف، فتصديق الرسل أولى وخبرهم أحق أن يصدق.

والثاني: علموا لما رأوا أنه أنامهم مدة طويلة خارجة عن العادة، وحفظهم من كل ضرر وأذى وفساد، وأبقاهم من غير طعام ولا شراب، على علم منهم أن الأنفس لا تبقى ولا تقوم بغير طعام ولا شراب بدون تلك المدة بكثير، فضلا أن تبقى إلى مثل تلك المدة؛ فعلموا أن من قدر على حفظ ما ذكرنا وإبقائهم، لقادر على البعث والإحياء ولا يعجز عن شيء يريد كونه، وأنه فعال لما يريد.

والثالث: علموا أن ذلك حق؛ لما رأوا أنه أنامهم وقتاً طويلا، وحفظهم عن جميع الآفات، ثم بعثهم وأحياهم - أنه لم ينمهم ولم يبعثهم إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد؛ فعلى ذلك إحياء الخلق وإماتتهم ليس إلا لعاقبة تتأمل وحكمة تقصد، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ : لسنا ندري في ماذا تنازعوا في أمرهم فيما بينهم: أقوله - عز وجل -: ﴿ فَقَالُواْ ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ﴾ ، أو تنازعوا في السبب الذي به التجئوا إلى الكهف؟

ويشبه أن يكون تنازعهم في البناء الذي ذكر في المسجد وغيره، ويحتمل في عددهم ونحوه، ولكن لا نقطع القول فيه؛ إذ وكل أمرهم إلى الله حيث قال: ﴿ رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ ، ثم قوله: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً ﴾ يحتمل بناء المسجد عليهم إكراماً لهم وإعظاماً؛ ليذكروهم في ذلك المكان على قرب منهم، على ما ظهر عندهم من إكرام الله إياهم.

أو يتخذون مسجداً لعبادة أنفسهم، ليعبدوا الله على قرب منهم؛ ليسألوا من بركتهم ونحوه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن قومكم إن يَطلعوا عليكم ويعلموا بمكانكم يقتلوكم بالرجم بالحجارة، أو يرجعوكم إلى ملتهم المنحرفة التي كنتم عليها قبل أن يمنّ الله عليكم بالهداية إلى دين الحق، وإن رجعتم إليها فلن تفوزوا أبدًا، لا في الحياة الدنيا ولا في الآخرة، بل ستخسرون فيهما الخسران العظيم بسبب ترككم دين الحق الذي هداكم الله إليه، ورجوعكم إلى تلك الملة المنحرفة.

من فوائد الآيات من حكمة الله وقدرته أن قَلَّبهم على جنوبهم يمينًا وشمالًا بقدر ما لا تفسد الأرض أجسامهم، وهذا تعليم من الله لعباده.

جواز اتخاذ الكلاب للحاجة والصيد والحراسة.

انتفاع الإنسان بصحبة الأخيار ومخالطة الصالحين حتى لو كان أقل منهم منزلة، فقد حفظ ذكر الكلب لأنه صاحَبَ أهل الفضل.

دلت الآيات على مشروعية الوكالة، وعلى حسن السياسة والتلطف في التعامل مع الناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.BLGRg"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد