الآية ٥٠ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٥٠ من سورة الكهف

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِۦٓ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّۢ ۚ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًۭا ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم ، ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه ، الذي أنشأه وابتداه ، وبألطاف رزقه وغذاه ، ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله ، فقال تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة ) أي : لجميع الملائكة ، كما تقدم تقريره في أول سورة " البقرة " .

( اسجدوا لآدم ) أي : سجود تشريف وتكريم وتعظيم ، كما قال تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) [ الحجر : 29 ، 28 ] وقوله ( فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ) أي : خانه أصله ؛ فإنه خلق من مارج من نار ، وأصل خلق الملائكة من نور ، كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " .

فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه ، وخانه الطبع عند الحاجة ، وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم ، وتعبد وتنسك ، فلهذا دخل في خطابهم ، وعصى بالمخالفة .

ونبه تعالى هاهنا على أنه ( من الجن ) أي : إنه خلق من نار ، كما قال : ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) [ الأعراف : 12 ، وص : 76 ] قال الحسن البصري : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم ، عليه السلام ، أصل البشر .

رواه ابن جرير بإسناد صحيح [ عنه ] .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة ، يقال لهم : الجن ، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة - قال : وكان اسمه الحارث ، وكان خازنا من خزان الجنة ، وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي - قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار .

وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت .

وقال الضحاك أيضا ، عن ابن عباس : كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنا على الجنان ، وكان له سلطان [ السماء ] الدنيا وسلطان الأرض ، وكان مما سولت له نفسه ، من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء ، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله .

فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم " فاستكبر ، وكان من الكافرين .

قال ابن عباس : وقوله : ( كان من الجن ) أي : من خزان [ الجنان ، كما يقال للرجل : مكي ، ومدني ، وبصري ، وكوفي .

وقال ابن جريج ، عن ابن عباس ، نحو ذلك .

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : هو من خزان ] الجنة ، وكان يدبر أمر السماء الدنيا ، رواه ابن جرير من حديث الأعمش ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد ، به .

وقال سعيد بن المسيب : كان رئيس ملائكة سماء الدنيا .

وقال ابن إسحاق ، عن خلاد بن عطاء ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : كان إبليس - قبل أن يركب المعصية - من الملائكة ، اسمه عزازيل ، وكان من سكان الأرض .

وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما .

فذلك دعاه إلى الكبر ، وكان من حي يسمون جنا .

وقال ابن جريج ، عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر ؛ أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال : إن من الملائكة قبيلة من الجن ، وكان إبليس منها ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض .

فعصى ، فسخط الله عليه ، فمسخه شيطانا رجيما - لعنه الله - ممسوخا ، قال : وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه ، وإذا كانت في معصية فارجه .

وعن سعيد بن جبير أنه قال : كان من الجنانين ، الذين يعملون في الجنة .

وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف ، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها ، والله أعلم بحال كثير منها .

ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا ، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ؛ لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان ، وقد وضع فيها أشياء كثيرة ، وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، كما لهذه [ الأمة من ] الأئمة والعلماء ، والسادة الأتقياء والأبرار والنجباء من الجهابذة النقاد ، والحفاظ الجياد ، الذين دونوا الحديث وحرروه ، وبينوا صحيحه من حسنه ، من ضعيفه ، من منكره وموضوعه ، ومتروكه ومكذوبه ، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين ، وغير ذلك من أصناف الرجال ، كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي ، خاتم الرسل ، وسيد البشر [ عليه أفضل التحيات والصلوات والتسليمات ] ، أن ينسب إليه كذب ، أو يحدث عنه بما ليس [ منه ] ، فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وجعل جنات الفردوس مأواهم ، وقد فعل .

وقوله : ( ففسق عن أمر ربه ) أي : فخرج عن طاعة الله ؛ فإن الفسق هو الخروج ، يقال فسقت الرطبة : إذا خرجت من أكمامها وفسقت الفأرة من جحرها : إذا خرجت منه للعيث والفساد .

ثم قال تعالى مقرعا وموبخا لمن اتبعه وأطاعه : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) أي : بدلا عني ؛ ولهذا قال : ( بئس للظالمين بدلا ) وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة " يس " : ( وامتازوا اليوم أيها المجرمون ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون ) [ يس : 59 - 62 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا (50) يقول تعالى ذكره مذكرًا هؤلاء المشركين حسد إبليس أباهم ومعلمهم ما كان منه من كبره واستكباره عليه حين أمره بالسجود له، وأنه من العداوة والحسد لهم على مثل الذي كان عليه لأبيهم: (وَ) اذكر يا محمد ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ ) الذي يطيعه هؤلاء المشركون ويتبعون أمره، ويخالفون أمر الله، فإنه لم يسجد له استكبارا على الله، وحسدا لآدم ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ).

واختلف أهل التأويل في معنى قوله ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) فقال بعضهم: إنه كان من قبيلة يقال لهم الجنّ.

وقال آخرون: بل كان من خزّان الجنة، فنسب إلى الجنة ، وقال آخرون: بل قيل من الجنّ، لأنه من الجنّ الذين استجنوا عن أعين بني آدم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد بن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس قال: كان اسمه قبل أن يركب المعصية عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما، فذلك هو الذي دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمى جنا.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن ، خُلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث ، قال: وكان خازنا من خزّان الجنة.

قال: وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحيّ ، قال: وخُلقت الجنّ الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثني شيبان، قال: ثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.

حدثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبي عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، في قوله: ( إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كان إبليس من خزّان الجنة، وكان يدبر أمر سماء الدنيا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة.

وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، وكان فيما قضى الله أنه رأى أن له بذلك شرفا وعظمة على أهل السماء، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله ، فلما كان عند السجود حين أمره أن يسجد لآدم استخرج الله كبره عند السجود، فلعنه وأخَّره إلى يوم الدين، قال: قال ابن عباس: وقوله: ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) إنما سمي بالجنان أنه كان خازنا عليها، كما يقال للرجل: مكي، ومدني، وكوفي، وبصري، قاله ابن جريج.

وقال آخرون: هم سبط من الملائكة قبيلة، وكان اسم قبيلته الجنّ.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة، وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما، عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلة من الجنّ، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما، لعنه الله ممسوخا ، قال: وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإذا كانت خطيئته في معصية فارجه، وكانت خطيئة آدم في معصية، وخطيئة إبليس في كبر.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) قبيل من الملائكة يقال لهم الجنّ ، وقال ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود ، وكان على خزانة السماء الدنيا ، قال: وكان قتادة يقول: جنّ عن طاعة ربه ، وكان الحسن يقول: ألجأه الله إلى نسبه.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله ( إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجنّ.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا ابن أبي عديّ، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم عليه السلام أصل الإنس.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: كان إبليس على السماء الدنيا وعلى الأرض وخازن الجنان.

حُدثت عن الحسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) : كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنا على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء ، فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله، فاستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم، فاستكبر وكان من الكافرين، فذلك قوله للملائكة: إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.

وقوله: ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) كان ابن عباس يقول: قال الله ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) لأنه كان خازنا على الجنان، كما يقال للرجل: مكيّ، ومدنيّ، وبصريّ، وكوفيّ.

وقال آخرون: كان اسم قبيلة إبليس الجنّ ، وهم سبط من الملائكة يقال لهم الجنّ، فلذلك قال الله عزّ وجلّ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) فنسبه إلى قبيلته.

حدثنا ابن حميد، قال : ثنا يعقوب، عن جعفر، عن سعيد، في قوله ( كَانَ مِنَ الْجِنِّ ) قال: من الجنانين الذين يعملون في الجنان.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا أبو سعيد اليحمدي إسماعيل بن إبراهيم، قال: ثني سوار بن الجعد اليحمدي، عن شهر بن حوشب، قوله: ( مِنَ الْجِنِّ ) قال: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة ، فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله ( إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) قال: كان خازن الجنان فسمي بالجنان.

حدثني نصر بن عبد الرحمن الأودي، قال: ثنا أحمد بن بشير، عن سفيان بن أبي المقدام، عن سعيد بن جبير، قال: كان إبليس من خزنة الجنة.

وقد بينا القول في ذلك فيما مضى من كتابنا هذا ، وذكرنا اختلاف المختلفين فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

وقوله: ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) يقول: فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، كما قال رؤبة: يَهْــوِينَ فـي نَجْـدٍ وغَـوْرًا غـائرَا فَوَاســقا عَــنْ قَصْدِهــا جَـوَائرَا (2) يعني بالفواسق: الإبل المنعدلة عن قصد نجد، وكذلك الفسق في الدين إنما هو الانعدال عن القصد، والميل عن الاستقامة ، ويُحكى عن العرب سماعا: فسقت الرطبة من قشرها: إذا خرجت منه، وفسقت الفأرة: إذا خرجت من جحرها ، وكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول: إنما قيل: ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) لأنه مراد به: ففسق عن ردّه أمر الله، كما تقول العرب: اتخمت عن الطعام، بمعنى: اتخمت لما أكلته.

وقد بيَّنا القول في ذلك، وأن معناه: عدل وجار عن أمر الله، وخرج عنه.

وقال بعض أهل العلم بكلام العرب: معنى الفسق: الاتساع.

وزعم أن العرب تقول: فسق في النفقة: بمعنى اتسع فيها.

قال: وإنما سمي الفاسق فاسقا، لاتساعه في محارم الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى " ح " ، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) قال: في السجود لآدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) قال: عصى في السجود لآدم.

وقوله: ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ) يقول تعالى ذكره: أفتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وحسده، وكفر نعمتي عليه، وغره حتى أخرجه من الجنة ونعيم عيشه فيها إلى الأرض وضيق العيش فيها، وتطيعونه وذريّته من دون الله مع عدواته لكم قديما وحديثا، وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأكرمكم، بأن أسجد لوالدكم ملائكته، وأسكنه جناته، وآتاكم من فواضل نعمه ما لا يحصى عدده، وذرّية إبليس: الشياطين الذين يغرّون بني آدم.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ) قال : ذرّيته: هم الشياطين، وكان يعدّهم " زلنبور (3) " صاحب الأسواق ويضع رايته في كلّ سوق ما بين السماء والأرض، و " ثبر " صاحب المصائب، و " الأعور " صاحب الزنا و " مسوط" صاحب الأخبار، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس، ولا يجدون لها أصلا و " داسم " الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر الله بصره من المتاع ما لم يرفع، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: ثنا حفص بن غياث، قال : سمعت الأعمش يقول: إذا دخلتُ البيت ولم أسلم، رأيت مطهرة، فقلت : ارفعوا ارفعوا، وخاصمتهم، ثم أذكر فأقول: داسم داسم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، قال: هم أربعة ثبر، وداسم، وزلنبور، والأعور، ومسوط: أحدها.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد ، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي )....

الآية، وهم يتوالدون كما تتوالد بنو آدم، وهم لكم عدوّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ) وهو أبو الجنّ كما آدم أبو الإنس.

وقال: قال الله لإبليس: إني لا أذرأ لآدم ذرّية إلا ذرأت لك مثلها، فليس من ولد آدم أحد إلا له شيطان قد قرن به.

وقوله: ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ) يقول عزّ ذكره : بئس البدل للكافرين بالله اتخاذ إبليس وذريته أولياء من دون الله ، وهم لكم عدوّ من تركهم اتخاذ الله وليا باتباعهم أمره ونهيه، وهو المنعم عليهم وعلى أبيهم آدم من قبلهم، المتفضّل عليهم من الفواضل ما لا يحصى بدلا.

وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا ) بئسما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس.

------------------------ الهوامش: (2) هذان بيتان من مشطور الرجز لرؤبة ، أوردها صاحب مجموع أشعار العرب ج 3 في ملحق ديوان رؤبة ص 190 والبيت الثاني في ( اللسان : فسق ) .

والشاهد في قوله : فواسقا بمعنى خوارج .

وقد استشهد بهما أبو عبيدة في ( مجاز القرآن : 1 : 406 ) قال : " ففسق عن أمر ربه " .

جار عنه ، وكفر به ، وقال رؤبة : " يهوين .

.

.

إلخ " ، وما قاله المؤلف شبيه بما قال أبو عبيدة .

(3) زلنبور وما عطف عليه من أسماء أولاد إبليس : مذكورة في ( التاج : زلنبور ) ، نقلا عن الأزهري في التهذيب في الخماسي ، والغزالي في الإحياء ، والصاغاني في التكملة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاقوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه [ ص: 375 ] تقدم في ( البقرة ) هذا مستوفى .

قال أبو جعفر النحاس : وفي هذه الآية سؤال ، يقال : ما معنى ففسق عن أمر ربه ففي هذا قولان : أحدهما : وهو مذهب الخليل وسيبويه أن المعنى أتاه الفسق لما أمر فعصى ، فكان سبب الفسق أمر ربه ; كما تقول : أطعمته عن جوع .

والقول الآخر : وهو مذهب محمد بن قطرب أن المعنى : ففسق عن رد أمر ربهأفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وقف - عز وجل - الكفرة على جهة التوبيخ بقوله أفتتخذونه يا بني آدم وذريته أولياء وهم لكم عدو ; أي أعداء ، فهو اسم جنس .بئس للظالمين بدلا أي بئس عبادة الشيطان بدلا عن عبادة الله .

أو بئس إبليس بدلا عن الله .

واختلف هل لإبليس ذرية من صلبه ; فقال الشعبي : سألني رجل فقال هل لإبليس زوجة ؟

فقلت : إن ذلك عرس لم أشهده ، ثم ذكرت قوله أفتتخذونه وذريته أولياء فعلمت أنه لا يكون ذرية إلا من زوجة فقلت نعم .

وقال مجاهد : إن إبليس أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات ; فهذا أصل ذريته .

وقيل : إن الله - تعالى - خلق له في فخذه اليمنى ذكرا وفي اليسرى فرجا ; فهو ينكح هذا بهذا ، فيخرج له كل يوم عشر بيضات ، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانا وشيطانة ، فهو يخرج وهو يطير ، وأعظمهم عند أبيهم منزلة أعظمهم في بني آدم فتنة ، وقال قوم : ليس له أولاد ولا ذرية ، وذريته أعوانه من الشياطين .

قال القشيري أبو نصر : والجملة أن الله - تعالى - أخبر أن لإبليس أتباعا وذرية ، وأنهم يوسوسون إلى بني آدم وهم أعداؤهم ، ولا يثبت عندنا كيفية في كيفية التوالد منهم وحدوث الذرية عن إبليس ، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح .قلت : الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني أنه خرج في كتابه مسندا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ من رواية عاصم عن أبي عثمان عن سلمان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فبها باض الشيطان وفرخ .

وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه ، والله أعلم .

قال ابن عطية : وقوله وذريته ظاهر اللفظ يقتضي الموسوسين من الشياطين ، الذين يأتون بالمنكر ويحملون على الباطل .

وذكر الطبري وغيره أن مجاهدا قال : ذرية إبليس الشياطين ، وكان يعدهم : زلنبور صاحب الأسواق ، يضع رايته في كل سوق بين السماء والأرض ، يجعل تلك الراية على حانوت أول من يفتح وآخر من يغلق .

[ ص: 376 ] ثبر صاحب المصائب ، يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب ، والدعاء بالويل والحرب .

والأعور صاحب أبواب الزنا .

ومسوط صاحب الأخبار ، يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلا .

وداسم الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع وما لم يحسن موضعه ، وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه .

قال الأعمش : وإني ربما دخلت البيت فلم أذكر الله ولم أسلم ، فرأيت مطهرة فقلت : ارفعوا هذه وخاصمتهم ، ثم أذكر فأقول : داسم داسم أعوذ بالله منه زاد الثعلبي وغيره عن مجاهد : والأبيض ، وهو الذي يوسوس للأنبياء .

وصخر وهو الذي اختلس خاتم سليمان - عليه السلام - .

والولهان وهو صاحب الطهارة يوسوس فيها .

والأقيس وهو صاحب الصلاة يوسوس فيها .

ومرة وهو صاحب المزامير وبه يكنى .

والهفاف يكون بالصحارى يضل الناس ويتيههم .

ومنهم الغيلان .

وحكى أبو مطيع مكحول بن الفضل النسفي في كتاب اللؤلؤيات عن مجاهد أن الهفاف هو صاحب الشراب ، لقوس صاحب التحريش ، والأعور صاحب أبواب السلطان .

قال وقال الداراني : إن لإبليس شيطانا يقال له المتقاضي ، يتقاضى ابن آدم فيخبر بعمل كان عمله في السر منذ عشرين سنة ، فيحدث به في العلانية .

قال ابن عطية : وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح ، وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة ، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب مسلم من أن للصلاة شيطانا يسمى خنزب .

وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانا يسمى الولهان .قلت : أما ما ذكر من التعيين في الاسم فصحيح ; وأما أن له أتباعا وأعوانا وجنودا فمقطوع به ، وقد ذكرنا الحديث الصحيح في أن له أولادا من صلبه ، كما قال مجاهد وغيره .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود : إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب فيتفرقون فيقول الرجل منهم سمعت رجلا أعرف وجهه ولا أدري ما اسمه يحدث .

وفي مسند البزار عن سلمان الفارسي قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها فإنها معركة الشيطان وبها ينصب [ ص: 377 ] رايته .

وفي مسند أحمد بن حنبل قال : أنبأنا عبد الله بن المبارك قال حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري قال : إذا أصبح إبليس بث جنوده فيقول من أضل مسلما ألبسته التاج قال فيقول له القائل لم أزل بفلان حتى طلق زوجته ، قال : يوشك أن يتزوج .

ويقول آخر : لم أزل بفلان حتى عق ; قال : يوشك أن يبر .

قال ويقول القائل : لم أزل بفلان حتى شرب ; قال : أنت قال ويقول : لم أزل بفلان حتى زنى ; قال : أنت قال ويقول : لم أزل بفلان حتى قتل ; قال : أنت أنت وفي صحيح مسلم عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول فعلت كذا وكذا فيقول ما صنعت شيئا قال ثم يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله قال فيدنيه أو قال فيلتزمه ويقول نعم أنت .

وقد تقدم وسمعت شيخنا الإمام أبا محمد عبد المعطي بثغر الإسكندرية يقول : إن شيطانا يقال له البيضاوي يتمثل للفقراء المواصلين في الصيام فإذا استحكم منهم الجوع وأضر بأدمغتهم يكشف لهم عن ضياء ونور حتى يملأ عليهم البيوت فيظنون أنهم قد وصلوا وأن ذلك من الله وليس كما ظنوا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى، عن عداوة إبليس لآدم وذريته، وأن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم، إكراما وتعظيما، وامتثالا لأمر الله، فامتثلوا ذلك { إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ } وقال: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وقال: { أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ } فتبين بهذا عداوته لله ولأبيكم ولكم، فكيف تتخذونه وذريته أي: الشياطين { أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا } أي: بئس ما اختاروا لأنفسهم من ولاية الشيطان، الذي لا يأمرهم إلا بالفحشاء والمنكر عن ولاية الرحمن، الذي كل السعادة والفلاح والسرور في ولايته.

وفي هذه الآية، الحث على اتخاذ الشيطان عدوا، والإغراء بذلك، وذكر السبب الموجب لذلك، وأنه لا يفعل ذلك إلا ظالم، وأي: ظلم أعظم من ظلم من اتخذ عدوه الحقيقي وليا، وترك الولي الحميد؟".

قال تعالى: { اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ } وقال تعالى: { إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) يقول : واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ( فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ) قال ابن عباس : كان من حي من الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم .

وقال الحسن : كان من الجن ولم يكن من الملائكة فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس ( ففسق ) أي خرج ( عن أمر ربه ) عن طاعة ربه ( أفتتخذونه ) يعني يا بني آدم ( وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو ) أي أعداء .

روى مجالد عن الشعبي قال : إني لقاعد يوما إذ أقبل رجل فقال : أخبرني هل لإبليس زوجة؟

قلت : إن ذلك عرس ما شهدته ، ثم ذكرت قوله تعالى : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ) فعلمت أنه لا تكون الذرية إلا من الزوجة ، فقلت : نعم .

وقال قتادة : يتوالدون كما يتوالد بنو آدم .

وقيل : إنه يدخل ذنبه في دبره فيبيض فتنفلق البيضة عن جماعة من الشياطين .

قال مجاهد : من ذرية إبليس : " لاقيس " و " ولهان " وهما صاحبا الطهارة والصلاة ، و " الهفاف " و " مرة " وبه يكنى و " زلنبور " وهو صاحب [ الأسواق ، يزين اللغو والحلف الكاذب ومدح السلع ، و " ثبر " وهو صاحب المصائب ] يزين خمش الوجوه ولطم الخدود وشق الجيوب و " الأعور " وهو صاحب الزنا ينفخ في إحليل الرجل وعجز المرأة و " مطوس " وهو صاحب الأخبار الكاذبة يلقيها في أفواه الناس لا يجدون لها أصلا و " داسم " وهو الذي إذا دخل الرجل بيته ولم يسلم ولم يذكر اسم الله بصره من المتاع ما لم يرفع أو يحتبس موضعه وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه قال الأعمش : ربما دخلت البيت ولم أذكر اسم الله ولم أسلم فرأيت مطهرة فقلت ارفعوا هذه وخاصمتهم ثم أذكر اسم الله فأقول داسم داسم .

وروي عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان فاتقوا وسواس الماء " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد أنبأنا محمد بن عيسى الجلودي أنبأنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبأنا مسلم بن الحجاج حدثنا يحيى بن خلف الباهلي أنبأنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء; أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وبين قراءتي يلبسها علي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا " قال : ففعلت ذلك فأذهبه الله عني .

وأخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنبأنا عبد الغافر بن محمد بن عيسى الجلودي حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنبأنا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو كريب محمد بن علاء أنبأنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا وكذا فيقول : ما صنعت شيئا ، قال : ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته ، قال : فيدنيه منه ، ويقول : نعم أنت " .

قال الأعمش أراه قال : فيلتزمه .

قوله تعالى ( بئس للظالمين بدلا ) قال قتادة : بئس ما استبدلوا طاعة إبليس وذريته بعبادة ربهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذ» منصوب باذكر «قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» سجود انحناء لا وضع جبهة تحية له «فسجدوا إلا إبليس كان من الجن» قيل هم نوع من الملائكة فالاستثناء متصل وقيل هو منقطع وإبليس هو أبو الجن فله ذرية ذكرت معه بعد والملائكة لا ذرية لهم «ففسق عن أمر ربه» أي خرج عن طاعته بترك السجود «أفتتخذونه وذريته» الخطاب لآدم وذريته والهاء في الموضعين لإبليس «أولياء من دوني» تطيعونهم «وهم لكم عدو» أي أعداء حال «بئس للظالمين بدلاً» إبليس وذريته في إطاعتهم بدل إطاعة الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر حين أمرنا الملائكة بالسجود لآدم، تحية له لا عبادة، وأمرنا إبليس بما أُمِروا به، فسجد الملائكة جميعًا، لكن إبليس الذي كان من الجن خرج عن طاعة ربه، ولم يسجد كِبرًا وحسدًا.

أفتجعلونه -أيها الناس- وذريته أعوانًا لكم تطيعونهم وتتركون طاعتي، وهم ألد أعدائكم؟

قَبُحَتْ طاعة الظالمين للشيطان بدلا عن طاعة الرحمن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقوله - سبحانه - : ( وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمََ فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ ) تذكير لبنى آدم بالعداوة القديمة بين أبيهم آدم وبين إبليس وذريته .والمقصود بهذا التذكير تحذيرهم من وساوسه ، وحضهم على مخالفته ، كما قال - تعالى - : ( إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ السعير ) والملائكة : جمع ملك .

وهم - كما وصفهم الله تعالى - : ( لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) وآدم : اسم لأبى البشر ، قيل : إنه اسم عبرانى مشتق من أدمه بمعنى التراب .والسجود لغة : التذلل والخضوع .

وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة .وإبليس اسم مشتق من الإِبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس وفعله أبلس ، والراجح أنه اسم أعجمى .

ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة .والمعنى - واذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ ، وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ، سجود تحية واحترام وتوقير ، لا سجود عبادة وطاعة لأن ذلك لا يكون إلا لله رب العالمين .

فامتثلوا أمرنا وسجدوا جميعاً ، كما قال - تعالى - : ( فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ) وجاء العطف فى قوله ( فسجدوا ) بالفاء المفيدة للتعقيب ، للإِشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد ، استجابة لأمر خالقهم - عز وجل .وقوله - تعالى - ( إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) بيان لموقف إبليس من أمر الله تعالى ، وهو أنه أبى واستكبر وامتنع عن السجود لآدم .

وظاهر الآية يفيد أن سبب فسقه عن أمر ربه : كونه من الجن لا من الملائكة إذ من المقرر فى علم الأصول؛ أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل ، كما فى قولهم ، سرق فقطعت يده .والمعنى : امتثل الملائكة جميعاً أمرنا فسجدوا لآدم ، إلا إبليس فإنه أبى واستكبر ولم يسجد؛ لأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) أى .

فخرج بذلك عن طاعتنا ، واستحق لعنتنا وغضبنا .وأصل الفسق : الخروج عن الطاعة مأخوذ من قولهم : فسق الرطب فسوقا إذا خرج عن قشره وهو أعم من الكفر ، فيقال للعاصى فاسق ، وللكافر فاسق .قال بعض العلماء ما ملخصه : والخلاف فى كون إبليس من الملائكة أولا مشهور عند أهل العلم .وحجة من قال إنه ليس منهم أمران : أحدهما : عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذى ارتكبه إبليس ، فهم - كما قال الله عنهم : ( لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) والثانى : أن الله - تعالى - صرح فى هذه الآية الكريمة بأنه كان من الجن ، والجن غير الملائكة .

قالوا : وهو نص قرآنى فى محل النزاع .واحتج من قال بأنه منهم ، بما تكرر فى الآيات القرآنية من قوله : ( فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ )قالوا : فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم ، والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص ومن المعلوم أن الأصل فى الاستثناء الاتصال لا الانقطاع .قالوا : ولا حجة لمن خالفنا فى قوله - تعالى - ( كَانَ مِنَ الجن ) ، لأن الجن قبيلة من الملائكة ، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم .وأظهر الحجج فى المسألة .

حجة من قال : إنه ليس من الملائكة ، لأن قوله - تعالى - ( إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن ) هو أظهر شئ فى الموضوع من نصوص الوحى ، والعلم عند الله - تعالى - .ومن المفسرين الذين يدل كلامهم على أن إبليس لم يكن من الملائكة .

الإِمام ابن كثير ، فقد قال - رحمه الله - قوله : ( فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن ) أى : خانه أصله ، فإنه خلق من مارج من نار ، وأصل خلق الملائكة من نور ، كما ثبت فى صحيح مسلم ، عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " خلقت الملائكة من نور ، وخلق إبليس من مارج من نار ، وخلق آدم مما وصف لكم " فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه ، وخانه الطبع عند الحاجة ، وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة ، وتشبه بهم ، وتعبد وتنسك فلهذا دخل فى خطابهم ، وعصى بالمخالفة .ونبه - تعالى - هاهنا على أنه ( من الجن ) أى : " أنه خلق من نار .

.

" .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالإِنكار والتوبيخ والتعجيب ممن يتبع خطوات إبليس وذريته فقال : ( أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) .أى : أفبعد أن ظهر لكم - يا بنى آدم - ما ظهر من فسوق إبليس عن أمر ربه ، تتخذونه وذريته الذين نهجوا نهجه ، أولياء ، وأصفياء من دونى ، فتطيعونهم بدل أن تطيعونى ، والحال أن إبليس وذريته لكم عدو؟لا شك أن من يفعل ذلك منكم يكون قد استبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير ، وآثر الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ، والفسوق على الإِيمان!!

.فالجملة الكريمة تستبعد من كل عاقل ، أن يطيع إبليس وذريته ، بعد أن تبين له عداوتهم إياه ، وحرصهم على إيقاعه فى موارد الهلكة والسوء .وقوله : ( وذريته ) يدل على أن لإِبليس ذرية ، إلا أن الطريقة التى بواسطتها كانت له الذرية ، لم يرد بها نص صحيح يعتمد عليه ، لذا وجب تفويض علمها إلى - الله تعالى - .قال الآلوسى عند تفسيره لهذه الآية : والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد فتكون الآية دالة على أن له أولادا ، وبذلك قال جماعة .

.

وعن قتادة أنه قال : إنه ينكح وينسل كما ينسل بنو آدم .ثم قال الآلوسى : ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته ، فكثير من الأشياء مجهول الكيفية عندنا ، ونقول به .وقوله - تعالى - : ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) حكم منه - سبحانه - بسوء التفكير والمصير على المتخذين إبليس وذريته أولياء من دونه - تعالى - وبئس فعل يفيد الذم ، والبدل : العوض عن الشئ .أى بئس للظالمين ، الواضعين الشئ فى غير موضعه ، ما فعلوه من تركهم طاعة الله - تعالى - وأخذهم فى مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته .والمخصوص بالذم محذوف دل عليه المقام والتقدير : بئس البدل والعوض عن طاعة الله - تعالى - طاعة إبليس وذريته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن المقصود من ذكر الآيات المتقدمة الرد على القوم الذين افتخروا بأموالهم وأعوانهم على فقراء المسلمين وهذه الآية المقصود من ذكرها عين هذا المعنى، وذلك لأن إبليس إنما تكبر على آدم لأنه افتخر بأصله ونسبه وقال: خلقتني من نار وخلقته من طين فأنا أشرف منه في الأصل والنسب فكيف أسجد وكيف أتواضع لها وهؤلاء المشركون عاملوا فقراء المسلمين بعين هذه المعاملة فقالوا: كيف نجلس مع هؤلاء الفقراء مع أنا من أنساب شريفة وهم من أنساب نازلة ونحن أغنياء وهم فقراء، فالله تعالى ذكر هذه القصة هاهنا تنبيهاً على أن هذه الطريقة هي بعينها طريقة إبليس ثم إنه تعالى حذر عنها وعن الاقتداء بها في قوله: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء ﴾ فهذا هو وجه النظم وهو حسن معتبر، وذكر القاضي وجهاً آخر فقال: إنه تعالى لما ذكر من قبل أمر القيامة وما يجري عند الحشر ووضع الكتاب وكأن الله تعالى يريد أن يذكر هاهنا أنه ينادي المشركين ويقول لهم أين شركائي الذي زعمتم وكان قد علم تعالى أن إبليس هو الذي يحمل الإنسان على إثبات هؤلاء الشركاء، لا جرم قدم قصته في هذه الآية إتماماً لذلك الغرض ثم قال القاضي: وهذه القصة وإن كان تعالى قد كررها في سور كثيرة إلا أن في كل موضع منها فائدة مجددة.

المسألة الثانية: أنه تعالى بين في هذه الآية أن إبليس كان من الجن وللناس في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أنه من الملائكة وكونه من الملائكة لا ينافي كونه من الجن ولهم فيه وجوه: الأول: أن قبيلة من الملائكة يسمون بذلك لقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً  ﴾ ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن  ﴾ .

والثاني: أن الجن سموا جناً للاستتار والملائكة كذلك فهم داخلون في الجن.

الثالث: أنه كان خازن الجنة ونسب إلى الجنة كقولهم كوفي وبصري وعن سعيد بن جبير أنه كان من الجنانين الذين يعملون في الجنات حي من الملائكة يصوغون حلية أهل الجنة مذ خلقوا رواه القاضي في تفسيره عن هشام عن سعيد بن جبير.

والقول الثاني: أنه من الجن الذين هم الشياطين والذين خلقوا من نار وهو أبوهم.

والقول الثالث: قول من قال كان من الملائكة فمسخ وغير.

وهذه المسألة قد أحكمناها في سورة البقرة وأصل ما يدل على أنه ليس من الملائكة أنه تعالى أثبت له ذرية ونسلاً في هذه الآية وهو قوله: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ والملائكة ليس لهم ذرية ولا نسل فوجب أن لا يكون إبليس من الملائكة.

بقي أن يقال: إن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود فلو لم يكن إبليس من الملائكة فكيف تناوله ذلك الأمر، وأيضاً لو لم يكن من الملائكة فكيف يصح استثناؤه منهم، وقد أجبنا عن كل ذلك بالاستقصاء ثم قال تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ وفي ظاهره إشكال لأن الفاسق لا يفسق عن أمر ربه، فلهذا السبب ذكروا فيه وجوهاً.

الأول: قال الفراء: ففسق عن أمر ربه أي خرج عن طاعته.

والعرب تقول فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها من البابين وقال رؤبة: يهوين في نجد وغور غائرا *** فواسقا عن قصدها جوائرا الثاني: حكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه قال: لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر، والمعنى أنه لولا ذلك الأمر السابق لما حصل الفسق، فلأجل هذا المعنى حسن أن يقال: فسق عن أمر ربه.

الثالث: قال قطرب: فسق عن أمر ربه رده كقوله واسأل القرية واسأل العير قال تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: المقصود من هذا الكلام أن إبليس تكبر على آدم وترفع عليه لما ادعى أن أصله أشرف من أصل آدم فوجب أن يكون هو أشرف من آدم، فكأنه تعالى قال لأولئك الكافرين الذين افتخروا على فقراء المسلمين بشرف نسبهم وعلو منصبهم، إنكم في هذا القول اقتديتم بإبليس في تكبره على آدم فلما علمتم أن إبليس عدو لكم فكيف تقتدون به في هذه الطريقة المذمومة.

هذا هو تقرير الكلام.

فإن قيل: إن هذا الكلام لا يتم إلا بإثبات مقدمات.

فأولها: إثبات إبليس.

وثانيها: إثبات ذرية إبليس.

وثالثها: إثبات عداوة بين إبليس وذريته وبين أولاد آدم.

ورابعها: أن هذا القول الذي قاله أولئك الكفار اقتدوا فيه بإبليس.

وكل هذه المقدمات الأربعة لا سبيل إلى إثباتها إلا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فالجاهل بصدق النبي جاهل بها.

إذا عرفت هذا فنقول المخاطبون بهذه الآيات هل عرفوا كون محمد نبياً صادقاً أو ما عرفوا ذلك؟

فإن عرفوا كونه نبياً صادقاً قبلوا قوله في كل ما يقوله فكلما نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن قول انتهو عنه، وحينئذ فلا حاجة إلى قصة إبليس وإن لم يعرفوا كونه نبياً جهلوا كل هذه المقدمات الأربعة ولم يعرفوا صحتها فحينئذ لا يكون في إيرادها عليهم فائدة والجواب أن المشركين كانوا قد سمعوا قصة إبليس وآدم من أهل الكتاب واعتقدوا صحتها وعلموا أن إبليس إنما تكبر على آدم بسبب نسبه، فإذا أوردنا عليهم هذه القصة كان ذلك زاجراً لهم عما أظهروه مع فقراء المسلمين من التكبر والترفع.

المسألة الثانية: قال الجبائي في هذه الآية دلالة على أنه تعالى لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد، إذ لو أراده وخلقه فيه ثم عاقبه عليه لكان ضرر إبليس أقل من ضرر الله عليهما فكيف يوبخهم بقوله: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ !؟

تعالى الله عنه علواً كبيراً.

بل على هذا المذهب لا ضرر البتة من إبليس بل الضرر كله من الله.

والجواب: المعارضة بالداعي والعلم.

المسألة الثالثة: إنما قال للكفار المفتخرين بأنسابهم وأموالهم على فقراء المسلمين أفتتخذون إبليس وذريته أولياء من دون الله، لأن الداعي لهم إلى ترك دين محمد صلى الله عليه وسلم هو النخوة وإظهار العجب.

فهذا يدل على أن كل من أقدم على عمل أو قول بناء على هذا الداعي فهو متبع لإبليس حتى أن من كان غرضه في إظهار العلم والمناظرة التفاخر والتكبر والترفع فهو مقتد بإبليس وهو مقام صعب غرق فيه أكثر الخلق فنسأل الله الخلاص منه ثم قال تعالى: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ أي بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله به فأطاعه بدل طاعته، ثم قال: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في أن الضمير في قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ إلى من يعود؟

فيه وجوه: أحدها: وهو الذي ذهب إليه الأكثرون أن المعنى ما أشهدت الذي اتخذتموهم أولياء خلق السموات والأرض ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: ﴿ اقتلوا أَنفُسَكُمْ  ﴾ يعني ما أشهدتهم لأعتضد بهم والدليل عليه قوله: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ أي وما كنت متخذهم فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لإضلالهم وقوله: ﴿ عَضُداً ﴾ أي أعواناً.

وثانيها: وهو أقرب عندي أن الضمير عائد إلى الكفار الذين قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم إن لم تطرد من مجلسك هؤلاء الفقراء لم نؤمن بك فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء الذين أتوا بهذا الاقتراح الفاسد والتعنت الباطل ما كانوا شركاء لي في تدبير العالم بدليل قوله تعالى: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ ولا اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق، فلم أقدموا على هذا الاقتراح الفاسد؟

ونظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له لست بسلطان البلد ولا ذرية المملكة حتى نقبل منك هذه الاقتراحات الهائلة، فلم تقدم عليها والذي يؤكد هذا أن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.

وفي هذه الآية المذكورة الأقرب هو ذكر أولئك الكفار وهو قوله تعالى: ﴿ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً ﴾ والمراد بالظالمين أولئك الكفار.

وثالثها: أن يكون المراد من قوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ كون هؤلاء الكفار جاهلين بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة والشقاوة.

فكأنه قيل لهم السعيد من حكم الله بسعادته في الأزل والشقي من حكم الله بشقاوته في الأزل، وأنتم غافلون عن أحوال الأزل كأنه تعالى قال: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ وإذا جهلتم هذه الحالة فكيف يمكنكم أن تحكموا لأنفسكم بالرفعة والعلو والكمال ولغيركم بالدناءة والذل، بل ربما صار الأمر في الدنيا والآخرة على العكس فيما حكمتم به.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف قرئ وما كنت بالفتح، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم.

وقرأ علي رضوان الله عليه: ﴿ مُتَّخِذَ المضلين ﴾ بالتنوين على الأصل.

وقرأ الحسن: ﴿ عَضُداً ﴾ بسكون الضاد ونقل ضمتها إلى العين، وقرئ: ﴿ عَضُداً ﴾ بالفتح وسكون الضاد ﴿ وعضداً ﴾ بضمتين ﴿ وعضداً ﴾ بفتحتين جمع عاضد كخادم وخدم وراصد ورصد من عضده إذا قواه وأعانه، واعلم أنه تعالى لما قرر أن القول الذي قالوه في الافتخار على الفقراء اقتداء بإبليس عاد بعده إلى التهويل بأحوال يوم القيامة فقال: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: قرأ حمزة: (نقول) بالنون عطفاً على قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ ﴾ و ﴿ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ و ﴿ مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السموات والأرض ﴾ ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً ﴾ والباقون قرأوا بالياء.

البحث الثاني: واذكر يوم نقول عطفاً على قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا ﴾ .

البحث الثالث: المعنى واذكر لهم يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ يقول الله لهم: ﴿ نَادُواْ شُرَكَائِىَ ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم شركاء لي حيث أهلتموهم للعبادة، ادعوهم يشفعوا لكم وينصروكم والمراد بالشركاء الجن فدعوهم ولم يذكر تعالى في هذه الآية أنهم كيف دعوا الشركاء لأنه تعالى بين ذلك في آية أخرى وهو أنهم قالوا: ﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا  ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ أي لم يجيبوهم إلى ما دعوهم إليه ولم يدفعوا عنهم ضرراً وما أوصلوا إليهم نفعاً.

ثم قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف: الموبق المهلك من وبق يبق وبوقاً ووبقاً.

إذا هلك وأوبقه غيره فيجوز أن يكون مصدراً كالمورد والموعد وتقرير هذا الوجه أن يقال: إن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا من دون الله آلهة كالملائكة وعيسى دعوا هؤلاء فلم يستجيبوا لهم ثم حيل بينهم وبينهم فأدخل الله تعالى هؤلاء المشركين جهنم وأدخل عيسى الجنة وصار الملائكة إلى حيث أراد الله من دار الكرامة وحصل بين أولئك الكفار وبين الملائكة وعيسى عليه السلام هذا الموبق وهو ذلك الوادي في جهنم.

الوجه الثاني: قال الحسن: (موبقاً) أي عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها هلاك.

ومنه قوله: لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً.

الوجه الثالث: قال الفراء البين المواصلة أي جعلنا مواصلتهم في الدنيا هلاكاً في يوم القيامة.

الوجه الرابع: الموبق البرزخ البعيد أي جعلنا بين هؤلاء الكفار وبين الملائكة وعيسى برزخاً بعيداً يهلك فيه الساري لفرط بعده، لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان ثم قال تعالى: ﴿ وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ وفي هذا الظن قولان: الأول: أن الظن هاهنا بمعنى العلم واليقين.

والثاني: وهو الأقرب أن المعنى أن هؤلاء الكفار يرون النار من مكان بعيد فيظنون أنهم مواقعوها في تلك الساعة من غير تأخير ومهلة، لشدة ما يسمعون من تغيظها وزفيرها.

كما قال: ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً  ﴾ وقوله: ﴿ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ أي مخالطوها فإن مخالطة الشيء لغيره إذا كانت قوية تامة يقال لها مواقعة ثم قال تعالى: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا ﴾ أي لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة تسوقهم إليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ مِنَ الجن ﴾ كلام مستأنف جار مجرى التقليل بعد استثناء إبليس من الساجدين، كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد؟

فقيل: كان من الجن ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ والفاء للتسبيب أيضاً، جعل كونه من الجن سبباً في فسقه؛ لأنه لو كان ملكاً كسائر من سجد لآدم لم يفسق عن أمر الله، لأنّ الملائكة معصومون البتة لا يجوز عليهم ما يجوز على الجن والإنس، كما قال: ﴿ اَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنبياء: 27] وهذا الكلام المعترض تعمد من الله تعالى لصيانة الملائكة عن وقوع شبهة في عصمتهم.

فما أبعد البون بين ما تعمده الله، وبين قول من ضادّه وزعم أنه كان ملكاً ورئيساً على الملائكة، فعصى، فلعن ومسخ شيطاناً، ثم ورّكه على ابن عباس.

ومعنى ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ خرج عما أمره به ربه من السجود.

قال: فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمر ربه الذي هو قوله: ﴿ اسجدوا لآدَمَ ﴾ .

﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ ﴾ الهمزة للإنكار والتعجيب، كأنه قيل: أعقيب ما وجد منه تتخذونه ﴿ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِى ﴾ وتستبدلونهم بي، بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله، فأطاعه بدل طاعته ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ ما أشهدناهم ﴾ ، يعني: أنكم اتخذتموهم شركاء لي في العبادة، وإنما كانوا يكونون شركاء فيها لو كانوا شركاء في الإلهية، فنفى مشاركتهم في الإلهية بقوله: ﴿ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض ﴾ لأعتضد بهم في خلقها ﴿ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ﴾ أي ولا أشهدت بعضهم خلق بعض كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾ [النساء: 29] .

﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين ﴾ بمعنى وما كنت متخذهم ﴿ عَضُداً ﴾ أي أعواناً، فوضع المضلين موضع الضمير ذمّاً لهم بالإضلال، فإذا لم يكونوا عضداً لي في الخلق، فما لكم تتخذونهم شركاء لي في العبادة؟

وقرئ: ﴿ وما كُنْتَ ﴾ بالفتح: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى: وما صحّ لك الاعتضاد بهم، وما ينبغي لك أن تعتز بهم.

وقرأ علي رضي الله عنه: ﴿ وما كنت متخذاً المضلين ﴾ بالتنوين على الأصل.

وقرأ الحسن: ﴿ عضدا ﴾ بسكون الضاد، ونقل ضمتها إلى العين.

وقرئ: ﴿ عُضْداً ﴾ بالفتح وسكون الضاد.

و ﴿ عُضُدا ﴾ بضمتين و ﴿ عَضَداً ﴾ بفتحتين: جمع عاضد، كخادم وخدم، وراصد ورصد، ومن عضده: إذا قواه وأعانه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ ﴾ كَرَّرَهُ في مَواضِعَ لِكَوْنِهِ مُقَدِّمَةً لِلْأُمُورِ المَقْصُودِ بَيانُها في تِلْكَ المَحالِّ، وها هُنا لَمّا شَنَّعَ عَلى المُفْتَخِرِينَ واسْتَقْبَحَ صَنِيعَهم قَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ مِن سُنَنِ إبْلِيسَ، أوْ لَمّا بَيَّنَ حالَ المَغْرُورِ بِالدُّنْيا والمُعْرَضِ عَنْها وكانَ سَبَبَ الِاغْتِرارِ بِها حُبُّ الشَّهَواتِ وتَسْوِيلَ الشَّيْطانِ.

زَهَّدَهم أوَّلًا في زَخارِفِ الدُّنْيا بِأنَّها عُرْضَةُ الزَّوالِ والأعْمالُ الصّالِحَةُ خَيْرٌ وأبْقى مِن أنْفَسِها وأعْلاها، ثُمَّ نَفَّرَهم عَنِ الشَّيْطانِ بِتَذْكِيرِ ما بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ القَدِيمَةِ وهَكَذا مَذْهَبُ كُلِّ تَكْرِيرٍ في القُرْآنِ.

﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوِ اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْلِيلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ فَقِيلَ كانَ مِنَ الجِنِّ.

﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ فَخَرَجَ عَنْ أمْرِهِ بِتَرْكِ السُّجُودِ والفاءُ لِلسَّبَبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلِكَ لا يُعْصى ألْبَتَّةَ وإنَّما عَصى إبْلِيسُ لِأنَّهُ كانَ جِنِّيًّا في أصْلِهِ والكَلامُ المُسْتَقْصى فِيهِ في سُورَةِ « البَقَرَةِ» .

﴿ أفَتَتَّخِذُونَهُ ﴾ أعَقِيبَ ما وُجِدَ مِنهُ تَتَّخِذُونَهُ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ.

﴿ وَذُرِّيَّتَهُ ﴾ أوْلادَهُ أوْ أتْباعَهُ، وسَمّاهم ذَرِّيَّةً مَجازًا.

﴿ أوْلِياءَ مِن دُونِي ﴾ فَتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي.

﴿ وَهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} سجود تحية أو سجود انقياد {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كان من الجن} وهو متسأنف كان قائلا قال ماله لم يسجد فقيل كان من الجن {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ} خرج عما أمره ربه به من السجود وهو دليل على أنه كان مأمور بالسجود مع الملائكة {أفتتخذونه} هو {وَذُرّيَّتَهُ} الهمزة للإنكار والتعجب كأنه قيل أعقيب ما وجد منه تتخذونه وذريته {أَوْلِيَاء مِن دُونِى} وتستبدلونهم بي ومن ذريته لا قيس موسوس الصلاة والأعور صاحب الزنا وبتر صاحب الصائب ومطوس صاحب الاراجيف وداسم يدخل ويأكل مع من لم يسم الله تعالى {وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} أعداء {بِئْسَ للظالمين بَدَلاً} بئس البدل من الله إبليس لمن استبدله فأطاعه بدل طاعة الله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قُلْنا ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا ﴿ لِلْمَلائِكَةِ ﴾ كُلِّهِمْ كَما هو الظّاهِرُ، واسْتَثْنى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ المَلائِكَةَ المُهَيِّمِينَ، وبَعْضٌ آخَرُ مَلائِكَةَ السَّماءِ مُطْلَقًا، وزَعَمَ أنَّ المَقُولَ لَهُ مَلائِكَةُ الأرْضِ.

﴿ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ سُجُودَ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ أوِ اسْجُدُوا لِجِهَتِهِ عَلى مَعْنى اتَّخِذُوهُ قِبْلَةً لِسُجُودِكم لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ كُلُّهم أجْمَعُونَ امْتِثالًا لِلْأمْرِ ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ بَلْ أبى واسْتَكْبَرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما يُفِيدُهُ اسْتِثْناءُ اللَّعِينِ مِنَ السّاجِدِينَ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ المُسْتَثْنى وقَدْ مَقْدَّرَةٌ، والرّابِطُ الضَّمِيرُ، وهو اخْتِيارُ أبِي البَقاءِ، والأوَّلُ ألْصَقُ بِالقَلْبِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ؟

فَقِيلَ: كانَ أصْلُهُ جِنِّيًّا، وهَذا ظاهِرٌ في أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، نَعَمْ كانَ مَعَهم ومَعْدُودًا في عِدادِهِمْ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُقاتِلُ الجِنَّ فَسُبِيَ إبْلِيسُ وكانَ صَغِيرًا فَكانَ مَعَ المَلائِكَةِ فَتَعَبَّدَ بِالسُّجُودِ مَعَهم.

وأُخْرِجَ نَحْوُهُ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، وهو قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ حَتّى قالَ الحَسَنُ فِيما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ: قاتَلَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا زَعَمُوا أنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ أنَّهُ قالَ: ما كانَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وإنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أصْلُ الإنْسِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ جِنٌّ كَما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنْسٌ، وفي القَلْبِ مِن صِحَّتِهِ ما فِيهِ، وأقْرَبُ مِنهُ إلى الصِّحَّةِ ما قالَهُ جَماعَةٌ مِن أنَّهُ كانَ قَبْلَهُ جِنٌّ إلّا أنَّهم هَلَكُوا ولَمْ يَكُنْ لَهم عَقِبٌ سِواهُ، فالجِنُّ والشَّياطِينُ اليَوْمَ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ فَهو في الجِنِّ كَنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإنْسِ عَلى ما هو المَشْهُورُ، وقِيلَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، والجِنُّ قَبِيلَةٌ مِنهُمْ، وقَدْ أخْرَجَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِن أشْرافِ المَلائِكَةِ وأكْرَمِهِمْ قَبِيلَةً، وكانَ خازِنًا عَلى الجِنانِ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَّماءِ الدُّنْيا، وكانَ لَهُ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ بَحْرِ الرُّومِ وبَحْرِ فارِسَ وسُلْطانُ الأرْضِ فَرَأى أنَّ لَهُ بِذَلِكَ عَظَمَةً وشَرَفًا عَلى أهْلِ السَّماءِ فَوَقَعَ في نَفْسِهِ كِبْرٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أحَدٌ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ ظَهَرَ كِبْرُهُ الَّذِي في نَفْسِهِ فَلَعَنَهُ اللَّهُ تَعالى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكانَ عَلى ما رَواهُ عَنْهُ قَتادَةُ يَقُولُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُؤْمَرْ بِالسُّجُودِ.

وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا وبِغَيْرِهِ مِمّا لا يَخْفى، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقَدْ رَوى عَنْهُ جَماعَةٌ أنَّهُ قالَ: الجِنُّ في الآيَةِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَزالُوا يَصُوغُونَ حُلِيَّ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ مَعْنى ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ كانَ مِن خَزَنَةِ الجِنانِ وهو تَأْوِيلٌ عَجِيبٌ، ومِثْلُهُ ما أخْرَجَهُ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ مَعْنى كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ أنَّهُ أجِنَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: سُتِرَ ومُنِعَ، ورِوايَةُ الكَثِيرِ عَنْهُ أنَّهُ قائِلٌ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: هو مِنَ المَلائِكَةِ، ومَعْنى: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ صارَ مِنهم بِالمَسْخِ، وقِيلَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ عُدَّ مِنهم لِمُوافَقَتِهِ إيّاهم في المَعْصِيَةِ حَيْثُ إنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ عاصِينَ فَبُعِثَتْ طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِقِتالِهِمْ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ يَشُقُّ الجَوابُ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ مَعَ دَعْواهُ عِصْمَتَهُمْ، ولا بُدَّ أنْ يَرْتَكِبَ خِلافَ الظّاهِرِ في هَذِهِ الآيَةِ، نَعَمْ مَسْألَةُ عِصْمَتِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ خِلافِيَّةٌ ولا قاطِعَ في العِصْمَةِ كَما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ.

وقَدْ ذَكَرَ القاضِي عِياضٌ أنَّ طائِفَةً ذَهَبُوا إلى عِصْمَةِ الرُّسُلِ مِنهم والمُقَرَّبِينَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَمْ يَقُولُوا بِعِصْمَةِ غَيْرِهِمْ، وإذا ذَهَبَ مُدَّعِي كَوْنِ إبْلِيسَ مِنَ المَلائِكَةِ إلى هَذا لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنَ الِاعْتِراضِ إلّا بِزَعْمِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُقَرَّبِينَ ولا تُساعِدُهُ الآثارُ عَلى ذَلِكَ، ويَبْقى عَلَيْهِ أيْضًا أنَّ الآيَةَ تَأْبى مُدَّعاهُ، وكَذا لَوْ ذَهَبَ إلى ما نُقِلَ عَنِ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ مِن أنَّ مَلائِكَةَ الأرْضِ لَمْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ وكانَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ مِنهم ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ أيْ: فَخَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ سُبْحانَهُ كَما قالَ الفَرّاءُ، وأصْلُهُ مِن فَسَقَ الرُّطَبُ إذا خَرَجَ عَنْ قِشْرِهِ، وسَمَّوُا الفَأْرَةَ فاسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، ولِهَذا عُدِّيَ بِعَنْ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا والظّاهِرُ أنَّ الفِسْقَ بِهَذا المَعْنى مِمّا تَكَلَّمَتْ بِهِ العَرَبُ مِن قَبْلُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِن أشْعارِ الجاهِلِيَّةِ ولا أحادِيثِها وإنَّما تَلَكَّمَ بِهِ العَرَبُ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ، ووافَقَهُ المُبَرِّدُ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: الأمْرُ عَلى ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهي كَلِمَةٌ فَصِيحَةٌ عَلى ألْسِنَةِ العَرَبِ، وكَأنَّ ما ذَكَرَهُ الفَرّاءُ بَيانٌ لِحاصِلِ المَعْنى؛ إذْ لَيْسَ الأمْرُ بِمَعْنى الطّاعَةِ أصْلًا، بَلْ هو إمّا بِمَعْنى المَأْمُورِ بِهِ وهو السُّجُودُ وخُرُوجُهُ عَنْهُ بِمَعْنى عَدَمِ اتِّصافِهِ بِهِ، وإمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اسْجُدُوا ﴾ وخُرُوجُهُ عَنْهُ مُخالَفَتُهُ لَهُ، وكَوْنُ حاصِلِ المَعْنى ذَلِكَ عَلى المَعْنَيَيْنِ ظاهِرٌ، وقِيلَ: (عَنْ) لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِمْ: كُسْوَتُهُ عَنْ عُرْيٍ، وأطْعِمَتُهُ عَنْ جُوعٍ؛ أيْ: فَصارَ فاسِقًا كافِرًا بِسَبَبِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى المَلائِكَةَ المَعْدُودَ هُوَ في عِدادِهِمْ؛ إذْ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ ما تَحَقَّقَ إباءٌ.

وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ قُطْرُبٌ إلّا أنَّهُ قالَ: أيْ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّهِ أمْرَ رَبِّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيرُ مَعْنًى، وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرَ إعْرابٍ، وجُوِّزَ عَلى تَقْدِيرِ السَّبَبِيَّةِ أنْ يُرادَ بِالأمْرِ المَشِيئَةُ؛ أيْ: فَفَسَقَ بِسَبَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فِسْقَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأطاعَ.

والأظْهَرُ ما ذُكِرَ أوَّلًا، والفاءُ سَبَبِيَّةٌ عَطَفَتْ ما بَعْدَها عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ وأفادَتْ تَسَبُّبَ فِسْقِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنَ الجِنِّ؛ إذْ شَأْنُهم التَّمَرُّدُ لِكُدُورَةِ مادَّتِهِمْ وخَباثَةِ ذاتِهِمْ، والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلّا نَكِدًا، وإنْ كانَ مِنهم مَن أطاعَ وآمَنَ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ عَلى ما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى عَنِ السُّجُودِ فَفَسَقَ، وتُفِيدُ حِينَئِذٍ: تَسَبُّبَ فِسْقِهِ عَنْ إبائِهِ وتَرْكِهِ السُّجُودَ.

وقِيلَ: إنَّها هُنا غَيْرُ عاطِفَةٍ؛ إذْ لا يَصِحُّ تَعْلِيلُ تَرْكِ السُّجُودِ وإبائِهِ عَنْهُ بِفِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ تَعالى.

قَوْلُ الرَّضِيِّ: والفاءُ الَّتِي لِغَيْرِ العَطْفِ وهي الَّتِي تُسَمّى فاءَ السَّبَبِيَّةِ لا تَخْلُو أيْضًا مِن مَعْنى التَّرْتِيبِ وتَخْتَصُّ بِالجُمَلِ وتَدْخُلُ عَلى ما هو جَزاءٌ مَعَ تَقَدُّمِ كَلِمَةِ الشَّرْطِ وبِدُونِها انْتَهى.

ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّهُ يَكْفِي لِصِحَّةِ تَرَتُّبِ الثّانِي تَسَبُّبُهُ كَما في ﴿ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ ﴾ كَما صَرَّحَ بِهِ في التَّسْهِيلِ وهُنا كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنافِيَةِ لِلْفِسْقِ لِبَيانِ قُبْحِ ما فَعَلَهُ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ وقْتِ القِصَّةِ ذِكْرُ القِصَّةِ نَفْسِها لِما فِيها مِن تَشْدِيدِ النَّكِيرِ عَلى المُتَكَبِّرِينَ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمُ المُسْتَنْكِفِينَ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ إبْلِيسَ، وأنَّهم في ذَلِكَ تابِعُونَ لِتَسْوِيلِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ الرَّبْطِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ وجْهُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ حالَ المَغْرُورِ بِالدُّنْيا والمُعْرِضِ عَنْها وكانَ سَبَبُ الِاغْتِرارِ بِها حُبَّ الشَّهَواتِ وتَسْوِيلَ الشَّيْطانِ زَهَّدَهم سُبْحانَهُ أوَّلًا بِزَخارِفِ الدُّنْيا بِأنَّها عُرْضَةُ الزَّوالِ وشِيكَةُ الِانْتِقالِ والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ ثَوابًا وأحْسَنُ أمَلًا مِن أنْفَسِها وأعْلاها ثُمَّ نَفَّرَهم عَنِ الشَّيْطانِ بِتَذْكِيرِ ما بَيْنَهم مِنَ العَداوَةِ القَدِيمَةِ.

واخْتارَ أبُو حَيّانَ في وجْهِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ والحَشْرَ وذَكَرَ خَوْفَ المُجْرِمِينَ مِمّا سُطِّرَ في كُتُبِهِمْ وكانَ إبْلِيسُ اللَّعِينُ هو الَّذِي حَمَلَهم عَلى المَعاصِي واتِّخاذِ الشُّرَكاءِ ناسَبَ ذِكْرَ إبْلِيسَ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ تَبْعِيدًا عَنِ المَعاصِي وعَنِ امْتِثالِ ما يُوَسْوِسُ بِهِ ويَدْعُو إلَيْهِ.

وأيًّا ما كانَ فَلا يُعَدُّ ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ هُنا مَعَ ذِكْرِها قَبْلُ تَكْرارًا لِأنَّ ذِكْرَها هُنا لِفائِدَةٍ غَيْرِ الفائِدَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ لَها فِيما قَبْلُ، وهَكَذا ذِكْرُها في كُلِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَتْ فِيهِ مِنَ الكِتابِ الجَلِيلِ.

ومِثْلُ هَذا يُقالُ في كُلِّ ما هو تَكْرارٌ بِحَسَبِ الظّاهِرِ فِيهِ.

ولا يَخْفى أنَّ أكْثَرَ المُكَرَّراتِ ظاهِرًا مُخْتَلِفَةُ الأسالِيبِ مُتَفاوِتَةُ الألْفاظِ والعِباراتِ، وفي ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الإلَهِيَّةِ ما فِيهِ، فَلا يَسْتَزِلَّنَّكَ الشَّيْطانُ.

﴿ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي ﴾ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، والمُرادُ إمّا إنْكارُ أنْ يُعْقِبَ اتِّخاذَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ العِلْمُ بِصُدُورِ ما صَدَرَ مِنهُ مَعَ التَّعَجُّبِ مِن ذَلِكَ، وإمّا تَعْقِيبُ إنْكارِ الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ والتَّعْجِيبُ مِنهُ إعْلامُ اللَّهِ تَعالى بِقُبْحِ صَنِيعِ اللَّعِينِ فَتَأمَّلْ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الأوْلادُ فَتَكُونُ الآيَةُ دالَّةً عَلى أنَّ لَهُ أوْلادًا وبِذَلِكَ قالَ جَماعَةٌ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْلِيسَ: إنِّي لا أخْلُقُ لِآدَمَ ذَرِّيَّةً إلّا ذَرَأْتُ لَكَ مِثْلَها، فَلَيْسَ يُولَدُ لِآدَمَ ولَدٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ شَيْطانٌ يُقْرَنُ بِهِ.

وعَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّهُ يَنْكِحُ ويَنْسِلُ كَما يَنْسِلُ بَنُو آدَمَ.

وذَكَرَ في البَحْرِ أنَّ مِنَ القائِلِينَ بِذَلِكَ أيْضًا الضَّحّاكَ والأعْمَشَ والشَّعْبِيَّ.

ونُقِلَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: لا تَكُونُ ذَرِّيَّةٌ إلّا مِن زَوْجَةٍ؛ فَيَكُونُ قائِلًا بِالزَّوْجَةِ، والَّذِي في الدُّرِّ المَنثُورِ بِرِوايَةِ ابْنِ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إبْلِيسَ: هَلْ لَهُ زَوْجَةٌ؟

فَقالَ: إنَّ ذَلِكَ لَعُرْسٌ ما سَمِعْتُ بِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في المَكائِدِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ولَدُ إبْلِيسَ خَمْسَةٌ: ثَبْرُ وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ، وداسِمُ لا أدْرِي ما يَعْمَلانِ، ومُسَوِّطُ وهو صاحِبُ الصَّخَبِ، وزَلَبْنُورُ وهو الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ النّاسِ ويُبَصِّرُ الرَّجُلَ عُيُوبَ أهْلِهِ.

وفِي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّ الأعْوَرَ صاحِبُ الزِّنا، ومُسَوِّطَ صاحِبُ أخْبارِ الكَذِبِ يُلْقِيها عَلى أفْواهِ النّاسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، وراسِمَ صاحِبُ البُيُوتِ إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَمِّ دَخَلَ مَعَهُ، وإذا أكَلَ ولَمْ يُسَمِّ أكَلَ مَعَهُ، وزَلَبْنُورَ صاحِبُ الأسْواقِ، وكانَ هَؤُلاءِ الخَمْسَةُ مِن خَمْسِ بَيْضاتٍ باضَها اللَّعِينُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ يُدْخِلُ ذَنَبَهُ في دُبُرِهِ فَيَبِيضُ فَتَنْفَلِقُ البَيْضَةُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الشَّياطِينِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ أنَّ جَمِيعَ ذُرِّيَّتِهِ مِن خَمْسِ بَيْضاتٍ باضَها قالَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلى مُؤْمِنٍ واحِدٍ أكْثَرُ مِن رَبِيعَةَ ومُضَرَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأخْبارِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا ولَدَ لَهُ، والمُرادُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ الأتْباعُ مِنَ الشَّياطِينِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ مَجازًا تَشْبِيهًا لَهم بِالأوْلادِ، وقِيلَ: ولَعَلَّهُ الحَقُّ أنَّ لَهُ أوْلادًا وأتْباعًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ مِنَ الذُّرِّيَّةِ مَجْمُوعُها مَعًا عَلى التَّغْلِيبِ أوِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ عِنْدَ مَن يَراهُ أوْ عُمُومُ المَجازِ.

وقَدْ جاءَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ مِمَّنْ يُنْسَبُ إلَيْهِ بِالوِلادِ مَن آمَنَ بِنُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ونَبِيِّنا  وهو هامَّةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسُبْحانَ مَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ، ولا يَلْزَمُنا أنْ نَعْلَمَ كَيْفِيَّةَ وِلادَتِهِ فَكَثِيرٌ مِنَ الأشْياءِ مَجْهُولُ الكَيْفِيَّةِ عِنْدَنا ونَقُولُ بِهِ فَلْيَكُنْ مِن هَذا القَبِيلِ إذا صَحَّ الخَبَرُ فِيهِ.

واسْتُدِلَّ ما في مَلَكِيَّتِهِ بِظاهِرِ الآيَةِ حَيْثُ أفادَتْ أنَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذَلِكَ.

ولِمُدَّعِيها أنْ يَقُولَ: بَعْدَ تَسْلِيمِ حَمْلِ الذُّرِّيَّةِ عَلى الأوْلادِ: إنَّهُ بَعْدَ أنْ عَصى مُسِخَ وخَرَجَ عَنِ المَلَكِيَّةِ فَصارَ لَهُ أوْلادٌ ولَمْ تُفِدِ الآيَةُ أنَّ لَهُ أوْلادًا قَبْلَ العِصْيانِ، والِاسْتِدْلالُ بِها لا يَتِمُّ إلّا بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن دُونِي ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: أفَتَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ مُجاوِزِينَ عَنِّي إلَيْهِمْ وتَسْتَبْدِلُونَهم بِي فَتُطِيعُونَهم بَدَلَ طاعَتِي ﴿ وهُمْ ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿ لَكم عَدُوٌّ ﴾ أيْ: أعْداءٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هُمُ العَدُوُّ ﴾ وإنَّما فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمُصادَرِ نَحْوَ القَبُولِ والوَلُوعِ، وتَقْيِيدُ الِاتِّخاذِ بِالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ وتَشْدِيدِهِ؛ فَإنَّ مَضْمُونَها مانِعٌ مِن وُقُوعِ الِاتِّخاذِ ومُنافٍ لَهُ قَطْعًا: ومِن نَكَدِ الدُّنْيا عَلى الحَرِّ أنْ يَرى ∗∗∗ عَدُوًّا لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدُّ ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ ﴾ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿ بَدَلا ﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهو نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وفاعِلُ ( بِئْسَ ) ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يُفَسِّرُهُ هو والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلظّالِمِينَ إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ، وفي الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ مَعَ وضْعِ الظّالِمِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الإيذانِ بِكَمالِ السُّخْطِ، والإشارَةُ إلى أنَّ ما فَعَلُوهُ ظُلْمٌ قَبِيحٌ ما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ، أي وضع كتاب كل امرئ منهم بيمينه أو بشماله، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ أي المشركين والمنافقين والعاصين.

مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ، أي خائفين مما في الكتاب من الإحصاء.

وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا، يا ندامتنا مالِ هذَا الْكِتابِ لاَ يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً؟

يعني: الزلل والكبائر، ويقال: تبسماً وضحكاً، إِلَّا أَحْصاها يقول: حفظها عليهم، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا في الكتاب حاضِراً من خير أو شر مكتوباً.

وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً، أي لا ينقص من ثواب أعمالهم ولا يزيد في سيّئاتهم.

قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ الذين كانوا في الأرض مع إبليس: اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ، قال بعضهم: كان أصله من الجن فلحق بالملائكة وجعل يتعبد معهم، وقال مقاتل: كان من الجن وهو جنس من الملائكة يقال لهم: الجن.

روي عن ابن عباس: «أنه كان من الملائكة الذين هم خزان الجنان» ، ويقال: كانَ مِنَ الْجِنِّ أي: صار من الجن، كقوله: فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود: 43] .

فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أي تعظم من طاعة ربه وخرج عن طريق ربه.

يقال: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرها.

أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي؟

أفتطيعونه وتتركون أمر الله، وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ؟

أي أعداء، كقوله: هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ [المنافقون: 4] بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، أي بئس ما استبدلوا عبادة الشيطان بعبادة الله تعالى، ويقال: بئس ما استبدلوا بولاية الله تعالى ولاية الشيطان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ولاَ قوَّة إِلا باللَّه» «١» وروي عن ابْنِ عباس وغيره أن الباقياتِ الصَّالحات الصَّلواتُ الخَمْس «٢» .

انتهى.

ت: وما تقدَّم أولى، ومن كلام الشيْخِ الوليِّ العارف أبي الحَسن الشَّاذِليِّ رضي اللَّه عنه قال: عليك بالمطهرِّات الخمس في الأقوال والمطهِّرات الخمس في الأفعال، والتبرِّي من الحول والقَّوة في جميع الأحوال، وغُصْ بعقلك إِلى المعاني القائمة بالقَلْب، واخرج عنها وعنه إِلى الرَّبّ واحفظِ اللَّه يحفظْك، واحفظ اللَّه تجدْهُ أمامك واعبد اللَّه بها، وكُنْ من الشاكرين، فالمطهِّراتُ الخمس في الأقوالِ: سُبْحَانَ اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلا بالله، والمطهِّراتُ الخَمْسُ في الأفعال: الصلواتُ الخمْسُ، والتبرِّي من الحول والقوة: هو قولُكَ: لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً: يحتمل أن الأرض لِذَهَابِ الجبال، والضِّرابِ والشَّجَرِ- بَرَزَتْ، وانكشفَتْ ويحتملُ أن يريد بُرُوزَ أهلها من بطنها للحِشَرْ، و «المغادرة» : الترك، عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا

، أي: صفوفاً وفي الحديث الصحيح:

«يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ صُفُوفاً يُسْمِعُهُمُ الدَّاعي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ...

» الحديث «٣» بطوله، وفي حديثٍ آخَرَ: «أَهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِائَةٌ وعِشْرُونَ صَفًّا، أنْتُمْ مِنْهَا ثَمَانُونَ صفّا» «٤» .

وقوله سبحانه: قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ

: يفسِّره قولُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنكُمْ تُحْشَرُونَ إِلى اللَّه حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ «٥» نُعِيدُهُ [الأنبياء: ١٠٤] » .

وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (٤٩) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً (٥٠)

وقوله سبحانه: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ...

الآية:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( ويَوْمَ تُسَيَّرُ ) بِالتّاءِ ( الجِبالُ ) رَفَعًا.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( نُسَيِّرُ ) بِالنُّونِ ( الجِبالَ ) نَصْبًا.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ( ويَوْمَ تَسِيرُ ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ وتَسْكِينِ الياءِ ( الجِبالُ ) بِالرَّفْعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ وَيَوْمَ ﴾ مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اذْكُرْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى: والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرُ يَوْمٍ تَسِيرُ الجِبالُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَسِيرُ الجِبالُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، كَما يَسِيرُ السَّحابُ في الدُّنْيا، ثُمَّ تُكْسَرُ فَتَكُونُ في الأرْضِ كَما خَرَجَتْ مِنها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً ﴾ وقَرَأ عَمْرُو بْنُ العاصِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، وأبُو العالِيَةِ: ( وتُرى الأرْضُ بارِزَةً ) بِرَفْعِ التّاءِ والضّادِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ ضادَ ( الأرْضِ ) .

وَفِي مَعْنى ﴿ بارِزَةً ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: [ ظاهِرَةٌ ] فَلَيْسَ عَلَيْها شَيْءٌ مِن جَبَلٍ، أوْ شَجَرٍ، أوْ بِناءٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: بارِزًا أهْلُها مِن بَطْنِها، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَحَشَرْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، ﴿ فَلَمْ نُغادِرْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: فَلَمْ نَخْلُفْ، يُقالُ: غادَرْتُ كَذا: إذا خَلَّفْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ماءٌ تُخَلِّفُهُ السُّيُولُ.

ورَوى أبانُ: ( فَلَمْ تُغادِرْ ) بِالتّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ إنْ قِيلَ: هَذا أمْرٌ مُسْتَقْبَلٌ، فَكَيْفَ عَبَّرَ [ عَنْهُ ] بِالماضِي ؟

فالجَوابُ: أنَّ ما قَدْ عَلِمَ اللَّهُ وُقُوعَهُ يَجْرِي مَجْرى المُعايِنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ  ﴾ .

وَفِي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ صَفًّا ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى جَمِيعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا  ﴾ ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ مَصْفُوفِينَ، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صُفُوفًا، فَنابَ الواحِدُ عَنِ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا  ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنِ اللَّهِ مِنهم أحَدٌ، فَكانُوا كالصَّفِّ الَّذِي تَسْهُلُ الإحاطَةُ بِجُمْلَتِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ أُمَّةٍ وزُمْرَةٍ صَفٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونا ﴾ فِيهِ إضْمارٌ ( فَيُقالُ لَهم ) .

وَفِي المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُلُّ.

والثّانِي: الكُفّارُ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والمَعْنى خاصًّا.

وقَوْلُهُ: ﴿ كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ مُفَسَّرٌ في ( الأنْعامِ: ٩٤ ) .

وقَوْلُهُ: ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ﴾ خِطابُ الكُفّارِ خاصَّةً، والمَعْنى: زَعَمْتُمْ في الدُّنْيا ﴿ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا ﴾ لِلْبَعْثِ والجَزاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الكِتابُ الَّذِي سُطِرَ فِيهِ ما تَعْمَلُ الخَلائِقُ قَبْلَ وُجُودِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الحِسابُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّالِثُ: كِتابُ الأعْمالِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وضَعَ كِتابَ أعْمالِ العِبادِ في أيْدِيهِمْ، فَعَلى هَذا الكِتابِ اسْمٌ جِنْسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَتَرى المُجْرِمِينَ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: [ هُمُ ] الكافِرُونَ.

وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ كُلَّ مُجْرِمٍ ذُكِرَ في القُرْآَنِ، فالمُرادُ بِهِ: الكافِرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُشْفِقِينَ ﴾ ؛ أيْ: خائِفِينَ ﴿ مِمّا فِيهِ ﴾ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، ﴿ وَيَقُولُونَ يا ويْلَتَنا ﴾ هَذا قَوْلُ كُلِّ واقِعٍ في هَلَكَةٍ.

وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿ يا حَسْرَتَنا  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ﴾ هَذا عَلى ظاهِرِهِ في صَغِيرِ الأُمُورِ وكَبِيرِها، وقَدْ رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ.

وقَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ صَغائِرُ الذُّنُوبِ وكَبائِرُها، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ إذْ لَيْسَ الضَّحِكُ والتَّبَسُّمُ مُجْرَّدَهُما مِنَ الذُّنُوبِ، وإنَّما المُرادُ أنَّ التَّبَسُّمَ مِن صِغارِ الأفْعالِ، والضَّحِكَ فِعْلٌ كَبِيرٌ، وقَدْ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: الصَّغِيرَةُ: التَّبَسُّمُ والِاسْتِهْزاءُ بِالمُؤْمِنِينَ، والكَبِيرَةُ: القَهْقَهَةُ بِذَلِكَ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَنْبًا مِنَ الذُّنُوبِ لِمَقْصُودِ فاعِلِهِ، لا لِنَفْسِهِ.

ومَعْنى ﴿ أحْصاها ﴾ : عَدَّها وأثْبَتَها، والمَعْنى: وُجِدَتْ مُحْصاةً.

﴿ وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ﴾ ؛ أيْ: مَكْتُوبًا مُثْبَتًا في الكِتابِ.

وقِيلَ: رَأوْا جَزاءَهُ حاضِرًا.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: الصَّحِيحُ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ أنَّ صَغائِرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وُعِدُوا العَفْوَ عَنْها إذا اجْتَنَبُوا الكَبائِرَ، إنَّما يُعْفى عَنْها في الآَخِرَةِ بَعْدَ أنْ يَراها صاحِبُها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: لا تَنْقُصُ حَسَناتُ المُؤْمِنِ ولا يُزادُ في سَيِّئاتِ الكافِرِ.

وقِيلَ: إنْ كانَ لِلْكافِرِ فِعْلُ خَيْرٍ، كَعِتْقِ رَقَبَةٍ وصَدَقَةٍ، خُفِّفَ عَنْهُ بِهِ مِن عَذابِهِ، وإنْ ظَلَمَهُ مُسْلِمٌ أخَذَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِ فَصارَ الحَقُّ لِلَّهِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمْرَ نَبِيَّهُ  أنْ يَذْكُرَ هَؤُلاءِ المُتَكَبِّرِينَ عَنْ مُجالَسَةِ الفُقَراءِ قِصَّةَ إبْلِيسَ وما أُورِثَهُ الكِبْرُ، فَقالَ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ﴾ ؛ أيِ: اذْكُرْ ذَلِكَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ حَقِيقَةً لِهَذا النَّصِّ، واحْتَجَّ قائِلُوا هَذا بِأنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً - ولَيْسَ لِلْمَلائِكَةِ ذُرِّيَّةٌ - وأنَّهُ كَفَرَ، والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللَّهِ، فَهم مَعْصُومُونَ مِنَ الكُفْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما قِيلَ: ﴿ مِنَ الجِنِّ ﴾ ؛ لِأنَّهُ كانَ مِن قَبِيلٍ مِنَ المَلائِكَةِ، يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( البَقَرَةِ: ٣٤ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: خَرَجَ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، تَقُولُ العَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها: إذا خَرَجَتْ مِنهُ، قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ فَعَصى، فَكانَ سَبَبُ فِسْقِهِ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، وهو الحَقُّ عِنْدَنا.

والثّالِثُ: فَفَسَقَ عَنْ رَدِّ أمْرِ رَبِّهِ، حَكاهُ الزَّجّاجُ عَنْ قُطْرُبٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي ﴾ ؛ [ أيْ ]: تُوالُونَهم بِالِاسْتِجابَةِ لَهم.

قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ذُرِّيَّتُهُ: أوْلادُهُ، وهم يَتَوالَدُونَ كَما يَتَوالَدُ بَنُو آَدَمَ.

قالَ مُجاهِدٌ: ذُرِّيَّتُهُ: الشَّياطِينُ، ومِن ذُرِّيَّتِهِ زَلَنْبُورُ صاحِبُ رايَةِ إبْلِيسَ بِكُلِّ سُوقٍ وثَبْرٍ، وهو صاحِبُ المَصائِبِ، والأعْوَرُ صاحِبُ الرِّياءِ، ومِسْوَطٌ صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيَطْرَحُها عَلى أفْواهِ النّاسِ فَلا يُوجَدُ لَها أصْلٌ، وداسِمٌ صاحِبُ الإنْسانِ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ ولَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَهو يَأْكُلُ مَعَهُ إذا أكَلَ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ الإنْسانِ في كِبْرٍ فَلا تَرْجُهُ، وإنْ كانَتْ في شَهْوَةٍ فارْجُهُ، فَإنَّ مَعْصِيَةَ إبْلِيسَ كانَتْ بِالكِبْرِ، ومَعْصِيَةُ آَدَمَ بِالشَّهْوَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: بِئْسَ الِاتِّخاذُ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا.

والثّانِي: بِئْسَ الشَّيْطانُ.

والثّالِثُ: بِئْسَ الشَّيْطانُ والذُّرِّيَّةُ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ: ( ما أشْهَدْناهم ) بِالنُّونِ والألِفِ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: إبْلِيسُ وذُرِّيَّتُهُ.

والثّانِي: المَلائِكَةُ.

والثّالِثُ: جَمِيعُ الكُفّارِ.

والرّابِعُ: جَمِيعُ الخَلْقِ، والمَعْنى: إنِّي لَمْ أُشاوِرْهم في خَلْقِهِنَّ، وفي هَذا بَيانٌ لِلْغَناءِ عَنِ الأعْوانِ وإظْهارُ كَمالِ القُدْرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ ﴾ ؛ أيْ: ما أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، ولا اسْتَعَنْتُ بِبَعْضِهِمْ عَلى إيجادِ بَعْضٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ ﴾ \[ يَعْنِي: الشَّياطِينَ \]، ﴿ عَضُدًا ﴾ ؛ أيْ: أنْصارًا وأعْوانًا.

والعَضُدُ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في مَعْنى العَوْنِ؛ لِأنَّهُ قِوامُ [ اليَدِ ] .

قالَ الزَّجّاجُ: والِاعْتِضادُ: التَّقَوِّي وطَلَبُ المَعُونَةِ، يُقالُ: اعْتَضَدْتُ بِفُلانٍ؛ أيِ: اسْتَعَنْتُ بِهِ.

وَفِي ما نَفى اتِّخاذُهم عَضُدًا فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الوِلاياتِ، والمَعْنى: ما كُنْتُ لِأُولِيَ المُضِلِّينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: أنَّهُ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ: ( وما كُنْتُ ) بِفَتْحِ التّاءِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَوُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابُ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أولِياءَ مِنَ دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ "الكِتابُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ كُتُبُ الناسِ الَّتِي أحْصَتْها الحَفَظَةُ لِواحِدٍ واحِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَوْضُوعُ كِتابًا واحِدًا حاضِرًا، و"إشْفاقُ المُجْرِمِينَ": فَزَعُهم مَن كَشْفِهِ لَهم وفَضْحِهِ، فَشِكايَةُ المُجْرِمِينَ إنَّما هي مِنَ الإحْصاءِ، لا مَن ظُلْمٍ ولا حِيفٍ.

وَقَدَّمَ "الصَغِيرَةَ" اهْتِمامًا بِها لِيُنَبِّهُ مِنها ويَدُلُّ أنَّ الصَغِيرَةَ إذا أُحْصِيَتْ فالكَبِيرَةُ أحْرى بِذَلِكَ، والعَرَبُ أبَدًا تُقَدِّمُ في الذِكْرِ الأقَلَّ مِن كُلِّ مُقْتَرَنَيْنِ، ونَحْوَ هَذا قَوْلُهُمُ: القَمَرانِ والعُمْرانِ، سَمُّوا بِاسْمِ الأقَلِّ تَنْبِيهًا مِنهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الصَغِيرَةُ": الضَحِكُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ الآيَةُ مُضَمَّنُها تَقْرِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْقِيفُهم عَلى خِطابِهِمْ في وِلايَتِهِمُ العَدُوَّ دُونَ الَّذِي أُنْعِمَ بِكُلِّ نِعَمِهِ عَلى العُمُومِ، صَغِيرُها وكَبِيرُها، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: واذَّكَّرْ إذْ قُلْنا وتَكَرَّرَتْ هَذِهِ العِبارَةُ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ هَذِهِ القِصَّةُ إذْ هي تَوْطِئَةُ النازِلَةِ، فَأمّا ذِكْرُ النازِلَةِ هُنا فَمُقَدَّمَةٌ لِلتَّوْبِيخِ، وذَكَرَها في البَقَرَةِ إعْلامٌ بِمَبادِئِ الأُمُورِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السُجُودِ لِآدَمَ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو السُجُودُ المَعْرُوفُ ووَضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ، جَعَلَهُ اللهُ تَعالى مِنَ المَلائِكَةِ عِبادَةً لَهُ وتَكْرِمَةً لِآدَمَ، فَهَذا كالصَلاةِ لِلْكَعْبَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إيماءٌ مِنهم نَحْوَ الأرْضِ، وذَلِكَ يُسَمّى سُجُودًا؛ لِأنَّ السُجُودَ في كَلامِ العَرَبِ عِبارَةٌ عن غايَةِ التَواضُعِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا جائِزٌ أنْ يُكَلِّفَهُ الخالِقُ لِلْفاضِلِ، وجائِزٌ أنْ يَتَكَلَّفَهُ الفاضِلُ لِلْفاضِلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"،» ومِنهُ تَقْبِيلُ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ يَد عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ تَلَقّاهُ في سَفَرٍ إلى الشامِ، ذَكَرَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في مُصَنَّفِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: هو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ إبْلِيسَ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، بَلْ هو مِنَ الجِنِّ وهُمُ الشَياطِينُ المَخْلُوقُونَ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وجَمِيعُ المَلائِكَةِ إنَّما خُلِقُوا مِن نُورٍ، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ -فَقالَ بَعْضُها: إبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، وهو أوَّلُهم وبَدَأتُهُمْ، كَآدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ إبْلِيسُ وقَبِيلُهُ جِنًّا، لَكِنَّ جَمِيعَ الشَياطِينِ اليَوْمَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فَهو كَنُوحٍ في الإنْسِ، احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ، وتَعْنِيفُ إبْلِيسَ عَلى عِصْيانِهِ يَقْتَضِي أنَّهُ أُمِرَ مَعَ المَلائِكَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وإبْلِيسُ مِن قَبِيلِ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ، فَإبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، وعَبَّرَ عَنِ المَلائِكَةِ بِالجِنِّ مِن حَيْثُ هم مُسْتَتِرُونَ، فَهي صِفَةٌ تَعُمُّ المَلائِكَةَ والشَياطِينَ، وقالَ بَعْضُ هَذِهِ الفِرْقَةِ: كانَ في المَلائِكَةِ صِنْفٌ يُسَمّى الجِنُّ، وكانُوا في السَماءِ الدُنْيا وفي الأرْضِ، وكانَ إبْلِيسُ مُدَبِّرَ أمْرَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا خِلافَ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ في المَعْنى؛ إذْ كانَ مُتَصَرِّفًا بِالأمْرِ والنَهْيِ مُرْسَلًا، والمَلَكُ مُشْتَقٌّ مِنَ المَأْلُكَةِ وهي الرِسالَةُ، فَهو في عِدادِ المَلائِكَةِ يَتَناوَلُهُ قَوْلُهُ: "اسْجُدُوا"، وفي سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ اسْتِيعابُ هَذِهِ الأُمُورِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَفَسَقَ" مَعْناهُ: فَخَرَجَ وانْتَزَحَ، وقالَ رُؤْبَةُ: يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا ∗∗∗ ∗∗∗ فَواسِقًا عن قَصْدِها جَوائِرا وَمِنهُ يُقالُ: "فَسَقَتِ الرُطْبَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرَتِها، و"فَسَقَتِ الفَأْرَةُ" إذا خَرَجَتْ مِن جُحْرِها، وجَمِيعُ هَذا الخُرُوجِ المُسْتَعْمَلِ في هَذِهِ الأمْثِلَةِ إنَّما هو في فَسادٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ  : « "خَمْسُ فَواسَقَ يَقْتُلْنَ في الحَلِّ والحُرُمِ"» إنَّما هُنَّ مُفْسِداتٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عن أمْرِ رَبِّهِ ﴾ ، يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَرَجَ عن أمْرِ رَبِّهِ إيّاهُ، أيْ فارَقَهُ، كَما يَفْعَلُ الخارِجُ عن طَرِيقٍ واحِدٍ، أيْ: مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ عَنِ الطاعَةِ بَعْدَ أمْرِ رَبِّهِ بِها، و"عن" قَدْ تَجِيءُ بِمَعْنى "بَعُدَ" في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِكَ: "أطْعَمْتُهُ عن جُوعٍ"، ونَحْوَهُ، فَكَأنَّ المَعْنى: فَسَقَ بِسَبَبِ أمْرِ رَبِّهِ بِأنْ يُطِيعَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فَخَرَجَ بِأمْرِ رَبِّهِ، أيْ بِمَشِيئَتِهِ ذَلِكَ لَهُ، ويُعَبِّرُ عَنِ المَشِيئَةِ بِالأمْرِ؛ إذْ هي أحَدُ الأُمُورِ، وهَذا كَما تَقُولُ: فَعَلْتُ ذَلِكَ عن أمْرِكَ، أيْ بِجَدِّكَ وبِحَسَبِ مُرادِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ: كانَ إبْلِيسُ مِن أشْرَفِ صِنْفٍ، وكانَ لَهُ سُلْطانُ السَماءِ وسُلْطانُ الأرْضِ، فَلَمّا عَصى صارَتْ حالُهُ إلى ما تَسْمَعُونَ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إذا كانَتْ خَطِيئَةُ المَرْءِ مِنَ الخَطَإ فَلْتَرْجُهُ كَآدَمَ، وإذا كانَتْ مِنَ الكُفْرِ فَلا تَرْجُهُ كَإبْلِيسَ.

ثُمَّ وقَّفَ عَزَّ وجَلَّ الكَفَرَةَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - بِقَوْلِهِ: "أفَتَتَّخِذُونَهُ"، يُرِيدُ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ، وقَوْلُهُ: "وَذُرِّيَّتَهُ" ظاهِرُ اللَفْظِ يَقْتَضِي المُوَسْوَسِينَ مِنَ الشَياطِينِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكِرِ ويَحْمِلُونَ عَلى الباطِلِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مُجاهِدًا قالَ: ذُرِّيَّةُ إبْلِيسٍ الشَياطِينُ، وكانَ يَعُدُّهُمْ: "زَلَنْبُورُ" صاحِبَ الأسْواقِ، يَضَعُ رايَتَهُ في كُلِّ سُوقٍ، وَ"تُبُنُ" صاحِبُ المَصائِبِ، و"الأعْوَرُ" صاحِبُ الرِياءِ، و"مِسْوَطٌ" صاحِبُ الأخْبارِ، يَأْتِي بِها فَيُلْقِيها في أفْواهِ الناسِ ولا يَجِدُونَ لَها أصْلًا، و"داسِمٌ" الَّذِي إذا دَخَلَ الرَجُلُ بَيْتَهُ فَلَمْ يُسَلِّمْ ولَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ بَصَّرَهُ مِنَ المَتاعِ ما لَمْ يَرْفَعْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا وما جانَسَهُ مِمّا لَمْ يَأْتِ بِهِ خَبَرٌ صَحِيحٌ فَلِذَلِكَ اخْتَصَرْتُهُ.

وقَدْ طَوَّلَ النَقّاشُ في هَذا المَعْنى، وجَلَبَ حِكاياتٍ تَبْعُدُ مِنَ الصِحَّةِ، فَتَرَكْتُها إيجازًا، ولَمْ يَمُرُّ بِي في هَذا صَحِيحٌ إلّا ما في كِتابِ مُسْلِمٍ مِن أنَّ لِلْوُضُوءِ والوَسْوَسَةِ شَيْطانًا يُسَمّى "خِنْزَبُ"، وذَكَرَ التِرْمِذِيُّ أنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطانًا يُسَمّى "الوَلْهانُ"، واللهُ أعْلَمُ بِتَفاصِيلِ هَذِهِ الأُمُورِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم لَكم عَدُوٌّ ﴾ أيْ: أعْداءٌ، فَهو اسْمُ الجِنْسِ.

وقَوُلُهُ: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ ، أيْ: بَدَّلَ وِلايَةَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِوِلايَةِ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ، وذَلِكَ هو التَعَوُّضُ مِنَ الجِنِّ بِالباطِلِ، وهَذا هو نَفْسُ الظُلْمِ لِأنَّهُ وضَعَ الشَيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويوم نسير الجيال ﴾ [الكهف: 47] بتقدير: واذكر إذ قلنا للملائكة، تفننا لغرض الموعظة الذي سيقت له هذه الجمل، وهو التذكير بعواقب اتباع الهوى والأعراضُ عن الصالحات، وبمداحض الكبرياء والعُجب واحتقار الفضيلة والابتهاج بالأعراض التي لا تكسب أصحابها كمالاً نفسياً.

6 وكما وُعظوا بآخر أيام الدنيا ذُكروا هنا بالموعظة بأول أيامها وهو يوم خلق آدم، وهذا أيضاً تمهيد وتوطئة لقوله: ﴿ ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم ﴾ الآية [الكهف: 52]، فإن الإشراك كان من غرور الشيطان ببني آدم.

ولها أيضاً مناسبة بما تقدم من الآيات التي أنحت على الذين افتخروا بجاههم وأموالهم واحتقروا فقراء أهل الإسلام ولم يميزوا بين الكمال الحق والغرور الباطل، كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ﴾ [الكهف: 28]، فكان في قصة إبليس نحو آدم مَثل لهم، ولأن في هذه القصة تذكيراً بأن الشيطان هو أصل الضلال، وأن خسران الخاسرين يوم القيامة آيل إلى اتباعهم خُطواتتِ الشيطان وأوليائه.

ولهذا فرع على الأمرين قوله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو } .

وهذه القصة تكررت في مواضع كثيرة من القرآن، وهي في كل موضع تشتمل على شيء لم تشتمل عليه في الآخر، ولها في كل موضع ذُكرت فيه عبرة تخالف عِبرة غيره، فذكرها في سورة البقرة (مَثلاً) إعلام بمبادئ الأمور، وذكرها هنا تنظير للحال وتوطئة للإنكار والتوبيخ، وقس على ذلك.

وفَسق: تجاوز عن طاعته.

وأصله قولهم: فسقت الرُّطبَة، إذا خرجت من قشرها فاستعمل مجازاً في التجاوز.

قال أبو عبيدة.

والفسق بمعنى التجاوز عن الطاعة.

قال أبو عبيدة: «لم نسمع ذلك في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها وإنما تكلم به العرب بعد نزول القرآن»، أي في هذه الآية ونحوها.

ووافقه المبرد وابن الأعرابي.

وأطلق الفسق في مواضع من القرآن على العصيان العظيم، وتقدم في سورة البقرة (26) عند قوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين.

والأمر في قوله: عن أمر ربه} بمعنى المأمور، أي ترك وابتعد عما أمره الله به.

والعدول في قوله: ﴿ عن أمر ربه ﴾ إلى التعريف بطريق الإضافة دون الضمير لتفظيع فسق الشيطان عن أمر الله بأنه فسق عبد عن أمر من تجب عليه طاعته لأنه مالكه.

وفرع على التذكير بفسق الشيطان وعلى تعاظمه على أصل النوع الإنساني إنكار اتخاذه واتخاذ جنده أولياء لأن تكبره على آدم يقتضي عداوته للنوع، ولأن عصيانه أمر مالكه يقتضي أنه لا يرجى منه خير وليس أهلاً لأن يُتبع.

والاستفهام مستعمل في الإنكار والتوبيخ للمشركين، إذ كانوا يعبدون الجن، قال تعالى: ﴿ وجعلوا لله شركاء الجن ﴾ [الأنعام: 100].

ولذلك علل النهي بجملة الحال وهي جملة وهم لكم عدو } .

والذرية: النسل، وذرية الشيطان الشياطين والجن.

والعدو: اسم يصدق على الواحد وعلى الجمع، قال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ﴾ [الممتحنة: 1] وقال: ﴿ هم العدو ﴾ [المنافقون: 4].

عومل هذا الاسم معاملة المصادر لأنه على زنة المصدر مثل القبول والوَلُوع، وهما مصدران.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن كان من قوم عدو لكم ﴾ في سورة النساء (92).

والولي: من يُتولَّى، أي يتخذ ذا وَلاية بفتح الواو وهي القرب.

والمراد به القرب المعنوي، وهو الصداقة والنسب والحلف.

و(من) زايدة للتوكيد، أي تتخذونهم أولياء مباعدين لي.

وذلك هو إشراكهم في العبادة، فإن كل حالة يعبدون فيها الآلهة هي اتخاذٌ لهم أولياء من دون الله.

والخطاب في أتتخذونه} وما بعده خطاب للمشركين الذين اتخذوه ولياً، وتحذير للمسلمين من ذلك.

وجملة ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ مستأنفة لإنشاء ذم إبليس وذريته باعتبار اتخاذ المشركين إياهم أولياء، أي بئس البَدل للمشركين الشيطان وذريته، فقوله: ﴿ بدلاً ﴾ تمييز مفسر لاسم (بئس) المحذوف لقصد الاستغناء عنه بالتمييز على طريقة الإجمال ثم التفصيل.

والظالمون هم المشركون.

وإظهار الظالمين في موضع الإضمار للتشهير بهم، ولما في الاسم الظاهر من معنى الظلم الذي هو ذم لهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ عَلى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى.

وَمَنَعَ قائِلُ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ لَهُ ذُرِّيَّةً، والمَلائِكَةُ لا ذُرِّيَّةَ لَهم.

الثّانِي: أنَّ المَلائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ ولا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، وإبْلِيسُ قَدْ كَفَرَ، قالَ الحَسَنُ: ما كانَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ طَرْفَةَ عَيْنٍ قَطُّ، وإنَّهُ لَأصْلُ الجِنِّ كَما أنَّ آدَمَ أصْلُ الإنْسِ.

الثّانِي: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، ومَن قالُوا بِهَذا اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: ما قالَهُ قَتادَةُ أنَّهُ كانَ مِن أفْضَلِ صِنْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ.

الثّانِي: ما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ ومُدَبِّرَ أمْرِ السَّماءِ الدُّنْيا فَلِذَلِكَ قِيلَ مِنَ الجِنِّ لِخِزانَةِ الجَنَّةِ، كَما يُقالُ مَكِّيٌّ وبَصْرِيٌّ.

الثّالِثُ: أنَّ الجِنَّ سِبْطٌ مِنَ المَلائِكَةِ خُلِقُوا مِن نارٍ وإبْلِيسُ مِنهم، وخُلِقَ سائِرُ المَلائِكَةِ مِن نُورٍ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ: خُلِقَ إبْلِيسُ مِن نارٍ وإلى النّارِ يَعُودُ.

الثّالِثُ: أنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ الإنْسِ ولا مِنَ الجِنِّ، ولَكِنْ كانَ مِنَ الجانِّ، وقَدْ مَضى مِن ذِكْرِهِ واشْتِقاقِ اسْمِهِ ما أغْنى.

﴿ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الفِسْقَ الِاتِّساعُ ومَعْناهُ اتَّسَعَ في مَحارِمِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ الفِسْقَ الخُرُوجُ أيْ خَرَجَ مِن طاعَةِ رَبِّهِ، مِن قَوْلِهِمْ فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ إذا خَرَجَتْ مِن قِشْرِها، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِها مِن حِجْرِها، قالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: يَهْوَيْنَ مِن نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِئْسَ ما اسْتَبْدَلُوا بِطاعَةِ اللَّهِ طاعَةَ إبْلِيسَ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: بِئْسَ ما اسْتَبْدَلُوا بِالجَنَّةِ النّارَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: إن من الملائكة قبيلة يقال لهم الجن، فكان إبليس منهم، وكان يوسوس ما بين السماء والأرض، فعصى فسخط الله عليه، فمسخه الله شيطاناً رجيماً.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا إبليس كان من الجن ﴾ قال: كان خازن الجنان فسمي بالجن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة، عن الضحاك قال: اختلف ابن عباس وابن مسعود في إبليس فقال أحدهما: كان من سبط من الملائكة يقال لهم الجن.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر، عن ابن عباس قال: إن إبليس كان من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له مجمع البحرين، بحر الروم وفارس، أحدهما قبل المشرق، والآخر قبل المغرب، وسلطان الأرض، وكان مما سولت نفسه مع قضاء الله، أنه يرى أن له بذلك عظمة وشرفاً على أهل السماء، فوقع في نفسه من ذلك كبر لم يعلم ذلك أحد إلا الله، فلما كان عند السجود لآدم حين أمره الله أن يسجد لآدم، استخرج الله كبره عند السجود، فلعنه إلى يوم القيامة ﴿ وكان من الجن ﴾ قال ابن عباس: إنما سمي بالجنان، لأنه كان خازناً عليها.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا إبليس كان من الجن ﴾ قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن، وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة، لم يؤمر بالسجود، وكان على خزانة السماء الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ في العظمة، عن الحسن قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن قال: قاتل الله أقواماً يزعمون أن إبليس كان من ملائكة الله، والله تعالى يقول: ﴿ كان من الجن ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ قال: من خزنة الجنان.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن الأنباري في الأضداد من وجه آخر، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ قال: هم حي من الملائكة لم يزالوا يصوغون حلي أهل الجنة حتى تقوم الساعة.

وأخرج البيهقي في الشعب، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ قال: من الجنانين الذين يعملون في الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن ابن شهاب في قوله: ﴿ إلا إبليس كان من الجن ﴾ قال: إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس، وآدم من الإنس وهو أبوهم.

وإبليس من الجن وهو أبوهم، وقد تبين للناس ذلك حين قال الله: ﴿ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال: كان إبليس رئيساً من الملائكة في سماء الدنيا.

وأخرج ابن جرير، عن سعيد بن منصور قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيراً فكان مع الملائكة فتعبد معها.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن شهر بن حوشب قال: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن قتادة في قوله: ﴿ إلا إبليس كان من الجن ﴾ قال: أجن من طاعة الله.

وأخرج أبو الشيخ، عن سعيد بن جبير قال: لما لعن إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة، فجزع لذلك فرن رنة، فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة من رنته.

وأخرج أبو الشيخ، عن نوف قال كان إبليس رئيس سماء الدنيا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ ففسق عن أمر ربه ﴾ قال: في السجود لآدم.

وأخرج ابن المنذر، عن الشعبي أنه سئل عن إبليس هل له زوجة؟

فقال: إن ذلك العرس ما سمعت به.

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ أفتتخذونه وذريته ﴾ قال: ولد إبليس خمسة: ثبر والأعور وزلنبور ومسوط وداسم، فمسوط صاحب الصخب، والأعور وداسم لا أدري ما يفعلان، والثبر صاحب المصائب، وزلنبور الذي يفرق بين الناس، ويبصر الرجل عيوب أهله.

وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله: ﴿ أفتتخذونه وذريته ﴾ قال: باض إبليس خمس بيضات: زلنبور وداسم وثبر ومسوط والأعور، فأما الأعور، فصاحب الزنا، وأما ثبر فصاحب المصائب، وأما مسوط فصاحب أخبار الكذب، يلقيها على أفواه الناس ولا يجدون لها أصلاً، وأما داسم فهو صاحب البيوت إذا دخل بيته ولم يسلم دخل معه، وإذا أكل أكل معه ويريه من متاع البيت ما لا يحصى موضعه، وأما زلنبور فهو صاحب الأسواق ويضع رأسه في كل سوق بين السماء والأرض.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن قتادة في قوله: ﴿ أفتتخذونه وذريته ﴾ قال: هم أولاده يتوالدون كما يتوالد بنو آدم وهم أكثر عدداً.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن سفيان قال: باض إبليس خمس بيضات: وذريته من ذلك.

قال: وبلغني أنه يجتمع على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ قال بئسما استبدلوا بعبادة ربهم إذ أطاعوا إبليس لعنه الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ﴾ قال المفسرون: أمر الله تعالى نبيه -  - أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ أي: واذكر يا محمد ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أن ملائكة السماء الدنيا يقال لهم: الجن) (١) ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا  ﴾ يعني حين قالوا: الملائكة بنات الله.

وكان ابن عباس يقول: (لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود) (٢) وروى سعيد عن قتادة قال: (كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن) (٣) (٤) وقال الحسن: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس) (٥) وقد ذكرنا الخلاف في هذا في سورة البقرة عند ذكر قصة آدم بالشرح (٦) (٧) وقوله تعالى: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ ذكر أهل التأويل في هذا ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأكثر: أن معناه خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك السجود.

وهو قول الفراء، وأبي عبيدة.

قال الفراء: (أي خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: فسقت الرطبة من قشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها (٨) (٩) وقال أبو عبيدة: ( ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ أي: جار ومال عن طاعته) (١٠) (١١) الوجه الثاني: ما ذكره الأخفش قال: (معنى ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ نحو قول العرب: اتخم عن الطعام، أي: عن أكله، ولما رد هذا الأمر فسق) (١٢) (١٣) ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ أي: خرج) (١٤) الوجه الثالث: ما ذهب إليه سيبويه والخليل: (أن معنى ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ أتاه الفسق لما أُمِرَ فعصى، وكان سبب فسقه أمر ربه، كما تقول: أطعمه عن جوع وكساه عن عُرِي، المعنى: كان سبب فسقه الأمر بالسجود، كما كان سبب الإطعام الجوع، وسبب الكسوة العري) (١٥) قال أبو عبيد: (وهذه الكلمة -يعني الفسوق- لم أسمعها في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها، وإنما تكلمت بها العرب بعد نزول (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ﴾ قال قتادة: (وهم أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنوا آدم) (٢٠) ﴿ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ﴾ قال الكلبي: (ليس تصلون له ولا تصومون، ولكن من أطاع شيئًا فقد عبده) (٢١) (٢٢) وقال الشعبي في هذه الآية: (لا تكون ذريته إلا من زوجة) (٢٣) وروى عبد الله بن المغيرة (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ﴾ أعلم الله تعالى أنه من العداوة والحسد لبني آدم على مثل الذي كان لأبيهم.

قال ابن عباس: (يريد كما أخرج أبويكم من الجنة) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث استبدلوا بالرحمن عبادة الشيطان) (٢٩) وقال الحسن: (بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن أطاعوا إبليس، فبئس ذلك لهم بدلاً) (٣٠) وقال الزجاج: (بئس ما استبدل به الظالمون من رب العزة إبليس) (٣١) ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ .

[الكهف: 51] (١) "جامع البيان" 15/ 259، "زاد السير" 5/ 153، "المحرر الوجيز" 9/ 329.

(٢) "جامع البيان" 15/ 260، "الدر المنثور" 4/ 412.

(٣) "جامع البيان" 15/ 260، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 404، "الدر المنثور" 4/ 412.

(٤) "جامع البيان" 15/ 261، "البحر المحيط" 6/ 136، "الدر المنثور" 4/ 413، "روح المعاني" 15/ 292.

(٥) "جامع البيان" 15/ 260، "معالم التنزيل" 5/ 178، "النكت والعيون" 3/ 312.

(٦) عند قوله سبحانه في سورة البقرة (34) ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ  ﴾ .

(٧) والذي عليه كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن إبليس كان من الملائكة، أو == من طائفة منهم يقال لهم: الجن.

قال الطبري بعد أن ذكر الأقوال في هذه المسألة: "وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله -جل ثناؤه- خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضًا من نور وبعضًا من نار وبعضًا مما شاء من غير ذلك، وليس في ترك الله الخبر عما خلق منه ملائكته واخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن مسماهم ..

وأما خبر الله عنه أنه من الجن فغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنا فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم".

انظر: "جامع البيان" 1/ 227، "المحرر الوجيز" 1/ 246، "معالم التنزيل" 1/ 63، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 294، "البحر المحيط" 1/ 153.

(٨) قوله: (لخروجها)، ساقط من نسخة (ص).

(٩) "معاني القرآن" للفراء 2/ 147.

(١٠) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 406.

(١١) هذا عجز بيت لرؤية يصف إبلاً منعدلة عن قصد نجد.

وصدره: يهوين في نجد وغورًا غائزًا.

انظر: "ديوانه" 190، "مجاز القرآن" 1/ 406، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "البحر المحيط" 6/ 136، "الزاهر" 1/ 218، "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414.

(١٢) "جامع البيان" 15/ 261، "تهذيب اللغة" (فسق) 6/ 3414.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 294.

(١٤) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414 (١٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 94، "المحرر الوجيز" 9/ 330، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "التفسير الكبير" 21/ 137.

(١٦) في (ص): (تبدل)، وهو تصحيف.

(١٧) ذكر نحوه ابن منظور في "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414.

(١٨) "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414 (١٩) يريد به بيت رؤبة السابق الذكر.

== وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل اللغة والتفسير أن الفسق معناه: الخروج.

انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 147، "المحرر الوجيز" 9/ 329، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "البحر المحيط" 6/ 136، "إرشاد العقل سليم" 5/ 227، "أضواء البيان" 4/ 121.

(٢٠) "جامع البيان" 15/ 262، "معالم التنزيل" 5/ 179، "البحر المحيط" 6/ 136، "إرشاد العقل السليم" 5/ 227.

(٢١) ذكر نحوه السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 302.

(٢٢) "معالم التنزيل" 5/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "إرشاد العقل السليم" 5/ 227، "الدر المنثور" 4/ 413.

(٢٣) "معالم التنزيل" 5/ 179 بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "البحر المحيط" 6/ 136، "روح المعاني" 15/ 295.

(٢٤) عبد الله بن عثمان بن المغيرة الثقفي، إمام زاهد، تابعي محدث، روى عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي -  -، وروى عنه ابن جريح والحسن البصري وغيرهما من التابعين.

انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 111، "تهذيب التهذيب" 5/ 317، "الخلاصة" ص 206، "تقريب التهذيب" ص 207.

(٢٥) لم أقف على هذا القول.

وقد ذكر ابن عطية مثل هذا القول في "تفسيره" 10/ 413 ثم قال: "وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب: مسلم من أن للوضوء والوسوسة شيطانًا يسمى خنزب، وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانًا يسمى الولهان، والله أعلم بتفاصيل هذه الأمور لا رب غيره".

(٢٦) "جامع البيان" 15/ 262، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 421.

(٢٧) والحق في ذلك -والله أعلم- أن الله أخبر أن لإبليس أتباعًا وذرية، وأنهم يوسون إلى بني آدم ليضلوهم.

أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي، بل يتوقف الأمر فيه على النقل الثابت عن النبي -  -.

(٢٨) لم أقف على القول.

ويشهد له قوله تعالى في سورة البقرة الآية رقم (36) ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ .

(٢٩) ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.

انظر: "الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 302، "معالم التنزيل" 3/ 167.

(٣٠) "زاد المسير" 5/ 154 ، "معالم التزيل" 5/ 180، ونسبه لقتادة، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420.

(٣١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 294.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ يعني صحائف الأعمال، فالكتاب اسم جنس ﴿ كَانَ مِنَ الجن ﴾ كلام مستأنف جرى مجرى التعليل لإباية إبليس عن السجود، وظاهر هذا الموضع يقتضي أن إبليس لم يكن من الملائكة، وأن استثناءه منهم اسنثناء منقطع، فإن الجن صنف غير الملائكة، وقد يجيب عن ذلك من قال: إنه كان من الملائكة بأن كان هنا بمعنى صار: أي خرج من صنف الملائكة إلى صنف الجن، أو بأن الملائكة كان منهم قوم يقال لهم الجن وهم الذين خلقوا من نار ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ : أي خرج عن ما أمر به، والفسق في اللغة: الخروج ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ ﴾ هذا توبيخ ووعظ، وذرية إبليس هم الشياطين واتخاذهم أولياء بطاعتهم في عصيان الله والكفر به.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ تسير الجبال ﴾ على بناء الفعل للمفعول ورفع الجبال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو.

الآخرون على بناء الفعل للفاعل ونصب الجبال.

ما أشهدناهم يزيد.

الآخرون ﴿ ما أشهدتهم ﴾ ﴿ وما كنت ﴾ على الخطاب روى ابن وردان عن يزيد.

الباقون على التكلم ﴿ ويوم نقول ﴾ بالنون: حمزة الباقون على الغيبة ﴿ قبلاً ﴾ بضمتين: عاصم وحمزة والكسائي.

الباقون بكسر القاف وفتح الباء.

﴿ لمهلكهم ﴾ بفتح الميم وكسر اللام: حفص ﴿ لمهلكهم ﴾ بفتحهما، يحيى وحما والمفضل.

الباقون بضم الميم وفتح اللام.

الوقوف: ﴿ بارزة ﴾ لا لأن التقدير وقد حشرناهم قبل ذلك ﴿ أحداً ﴾ ه ج للآية مع العطف ﴿ صفاً ﴾ ط للعدول والحذف أي يقال لهم لقد جئتمونا ﴿ أول مرة ﴾ ز لأن "بل" قد يبتدأ به مع أن الكلام متحد ﴿ موعداً ﴾ ه ﴿ أحصاها ﴾ ج لاستئناف الواو بعد تمام الاستفهام مع احتمال الحال بإضمار "قد" ﴿ حاضراً ﴾ ه ط ﴿ أحداً ﴾ ه ﴿ إلا إبليس ﴾ ط ﴿ أمر ربه ﴾ ط ﴿ عدواً ﴾ ط ﴿ بدلاً ﴾ ه أنفسهم ص ﴿ عضداً ﴾ ه ﴿ موبقاً ﴾ ه ﴿ مصرفاً ﴾ ه ﴿ مثل ﴾ ط ﴿ جدلاً ﴾ ه ﴿ قبلاً ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ يداه ﴾ ط ﴿ وقراً ﴾ ، ط لاختلاف الجملتين مع ابتداء الشرط ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الرحمة ﴾ ط ﴿ العذاب ﴾ ط ﴿ موئلاً ﴾ ه ﴿ موعداً ﴾ .

التفسير: لما بين خساسة الدنيا وشرف الآخرة أردفه بأحوال يوم القيامة وأهواله، وفيه رد على أغنياء المشركين الذين افتخروا بكثرة الأموال والأولاد على فقراء المسلمين والتقدير: واذكر يوم كذا عطفاً على وأضرب.

ويجوز أن ينتصب بالقول المضمر قبل ﴿ ولقد جئتمونا ﴾ وفاعل التسيير هو الله  إلا أنه سمي على إحدى القراءتين ولم يسم في الأخرى، فتسييرها إما إلى العدم لقوله: ﴿ ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ، ﴿ وبست الجبال بساً، فكانت هباء منبثاً  ﴾ وإما إلى موضع لا يعلمه إلا الله ﴿ وترى الأرض بارزة ﴾ لأنه لا يبقى على وجهها شيء يسترها من العمارات ولا من الجبال والأشجار، وإما لأنها أبرزت ما في بطنها من الأموات لقوله: ﴿ وألقت ما فيها وتخلت  ﴾ فيكون الإسناد مجازياً أي بارزاً ما في جوفها ﴿ وحشرناهم ﴾ الضمير للخلائق المعلوم حكماً ﴿ فلم نغادر منهم أحداً ﴾ من الأوّلين والآخرين.

يقال: غادره وأغدره إذا تركه والترك غير لائق ومنه الغدر ترك الوفاء.

والغدير ما غادره السيل لأن اللائق بحال السيل أن يذهب بالماء كله.

ولا يخفى أن اللائق بحال رب العزة أن لا يترك أحداً من خلقه غير محشور وإلا كان قدحاً في عمله وحكمته وقدرته.

قالت المشبهة: في قوله: ﴿ وعرضوا على ربك ﴾ دليل على أنه  في مكان يمكن أن يعرض عليه أهل القيامة وكذلك في قوله: ﴿ لقد جئتمونا ﴾ وأجيب بأنه  شبه وقوفهم في الموضع الذي يسألهم فيه عن أعمالهم بالعرض عليه وبالمجيء إلى حكمه كما يعرض الجند على السلطان.

وانتصب ﴿ صفاً ﴾ على الحال أي مصطفين ظاهرين ترى جماعاتهم كما يرى كل واحد لا يحجب أحد أحداً.

والصف إما واحد وإما جمع كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي أطفالاً.

وقيل: صفاً أي قياماً وبه فسر قوله: ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف  ﴾ .

وقال القفال: يشبه أن يكون الصف راجعاً إلى الظهور والبروز ومنه الصفصف للصحراء وهذا قريب من الأول.

وقد مر في "الأنعام" أن وجه التشبيه في قوله ﴿ خلقناكم ﴾ أنهم يبعثون عراة لا شيء معهم، أو المراد بعثناكم كما أنشأناكم وزعمهم أن لن يجعل الله لهم موعداً.

أي وقتاً لإنجاز ما وعدوا على ألسنة الأنبياء إما أن يكون حقيقة وإما لأن أفعالهم تشبه فعل من يزعم ذلك.

﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي جنسه وهو صحف الأعمال.

والوضع إما حسي وهو أن يوضع كتاب كل إنسان في يده إما في اليمين أو في الشمال، وإما عقلي ومعناه النشر والاعتبار.

﴿ فترى المجرمين مشفقين ﴾ خائفين مما في الكتاب لأن الخائن خائف خوف العقاب وخوف الافتضاح.

ومعنى النداء في ﴿ يا ويلتنا ﴾ قد مر في "المائدة" في ﴿ يا ويلتي أعجزت  ﴾ وقوله: ﴿ صغيرة ولا كبيرة ﴾ صفتان للهيئة أو المعصية أو الفعلة وهي عبارة عن الإحاطة وضبط كل ما صدر عنهم، لأن الأشياء إما صغار وإما كبار، فإذا حصر الصنفين فقد حصر الكل.

وعن الفضيل: ضجوا والله من الصغائر قبل الكبائر.

قلت: وذلك أن تلك الصغائر هي التي جرأتهم على الكبائر.

وعن ابن عباس: الصغير التبسم والكبيرة القهقهة.

وعن سعيد بن جبير: الصغيرة المسيس والكبيرة الزنا.

وجوّز في الكشاف أن يريد ما كان عندهم صغائر وكبائر.

وتمام البحث في المسألة أسلفناه في أوائل سورة النساء في تفسير قوله: ﴿ إنْ تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه  ﴾ فتذكر ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ﴾ في الصحف مثبتاً فيها أو وجدوا أجزاء ما عملوا ظاهراً على صفحات أحوالهم ﴿ ولا يظلم ربك أحداً ﴾ استدل الجبائي به على بطلان مذهب الأشاعرة في أن الأطفال يجوز أن تعذب بذنوب آبائهم فإن ذلك ظلم.

والجواب أن الظلم إنما يتصوّر في حق من تصرف في غير ملكه قالوا: لو ثبت أن له بحكم المالكية أن يفعل ما يشاء من غير اعتراض عليه لم يكن لهذا الإخبار فائدة.

وأجيب بأن تلك القضية بعد الدلائل العقلية علمت من مثل هذه الآية.

عن رسول الله  : "يحاسب الناس في القيامة على ثلاثة: يوسف وأيوب وسليمان يدعو المملوك فيقول له: ما شغلك عني؟

فيقول جعلتني عبد الآدمي فلم تفرغني فيدعو يوسف فيقول: كان هذا عبداً مثلك ثم يمنعه ذلك أن عبدني فيؤمر به إلى النار.

ثم يدعى بالمبتلى فإذا قال: أشغلتني بالبلاء دعا بأيوب فيقول: قد ابتليت هذا بأشد من بلائك فلم يمنعه ذلك عن عبادتي ويؤمر به إلى النار، ثم يؤتى بالملك في الدنيا مع آتاه الله من الغنى والسعة فيقول: ماذا عملت فيما آتيتك فيقول: شغلني الملك عن ذلك فيدعى بسليمان فيقول: هذا عبدي سليمان آتيته أكثر مما آتيتك فلم يشغله ذلك عن عبادتي اذهب فلا عذر لك فيؤمر به إلى النار" ثم إنه  عاد على أرباب الخيلاء من قريش فذكر قصة آدم واستكبار إبليس عليه.

قال جار الله: قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ كلام متسأنف جار مجرى التعليل بعد استثناء إبليس من الساجدين كأن قائلاً قال: ما له لم يسجد فقيل: ﴿ كان من الجن ففسق ﴾ والفاء للتسبيب أي كونه من الجن سبب في فسقه ولو كان ملكاً لم يفسق لثبوت عصمة الملائكة.

وقال آخرون: اشتقاق الجن من الاستتار عن العيون فيشمل الملائكة والنوع المسمى بالجن.

ثم من لم يوجب عصمة الملك فظاهر، ومن أوجب قال: "كان" بمعنى "صار" أي مسخ عن حقيقة الملائكة إلى حقيقة الجن، وقد سلف هذا البحث بتمامه في أول سوة البقرة.

ومعنى ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ خرج عن طاعته.

وحكى الزجاج عن الخليل وسيبويه أنه لما أمر فعصى كان سبب فسقه هو ذلك الأمر ولولا ذلك الأمر الشاق لما حصل ذلك الفسق فلهذا حسن أن يقال: ﴿ فسق عن أمر ربه ﴾ .

وقال قطرب: هو على حذف المضاف أي فسق عن ترك أمره.

ثم عجب من حال من أطاع إبليس في الكفر.

والمعاصي وخالق أمر الله فقال: ﴿ أفتتخذونه ﴾ كأنه قيل أعقيب ما وجد منه من إلا باء والفسق تتخذونه ﴿ وذريته أولياء من دوني ﴾ وتستبدلونهم بي وقصة آدم وإبليس سمعها قريش من أهل الكتاب وعرفوا صحتها فلذلك صح الاحتجاج بها عليهم وإن لم يعتقدوا كون محمد  نبياً ﴿ بئس للظالمين بدلاً ﴾ أي بئس البدل من الله.

إبليس لمن استبدل به فأطاعه بدل طاعته.

قال الجبائي.

في الآية دلالة على أنه لا يريد الكفر ولا يخلقه في العبد وإلا لم يصح هذا الذم والتوبيخ، وعورض بالعلم والداعي كما مر مراراً.

قال أهل التحقيق: إن الداعي لكفار قريش إلى ترك دين محمد  هو النخوة والعجب والترفع والتبكر، وهذا شأن إبليس ومن تابعه.

فكل غرضه من العلم أو العمل الفخر على الأقران والترفع على أبناء الزمان فإنه مقتدٍ بإبليس وذريته وهذا مقام صعب نسأل الله الخلاص منه.

ثم دل على فساد عقيدة أهل الشرك وبطلان طريقتهم بقوله: ﴿ ما أشهدتهم ﴾ فالأكثرون على أن الضمير للشركاء والمراد أنهم لو كانوا شركاء لي في خلق السموات والأرض وفي خلق أنفسهم يعني لو كان بعضهم شاهدين خلق بعض مشاركين لي فيه كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ لأمكن أن يكونوا شركاء لي في العبادة لكن الملزوم المساوي منتف فاللازم مثله يؤيد هذا التفسير قوله: ﴿ وما كنت متخذ المضلين ﴾ أي متخذهم ﴿ عضداً ﴾ أعواناً فوضع المضلين موضع الضمير نعياً عليهم بالإضلال.

وقيل: الضمير للمشركين الذي التمسوا طرد فقراء المؤمنين، والمراد أنهم ما كانوا شركائي في تدبير العالم بدليل أني ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم وما اعتضدت بهم في تدبير الدنيا والآخرة، بل هم قوم كسائر الخلق نظيره أن من اقترح عليك اقتراحات عظيمة فإنك تقول له: لست سلطان البلد ولا مدبر المملكة حتى تقبل منك كل اقتراحاتك.

وقيل: أراد أن هؤلاء الظالمين جاهلون بما جرى به القلم في الأزل من أحوال السعادة وضدّها لأنهم لم يكونوا شاهدين خلق العالم، فكيف يمكنهم أن يحكموا بحسن حالهم عند الله وبشرفهم ورفعتهم عند الخلق وبأضداد هذه الأحوال للفقراء.

ومن قرأ ﴿ وما كنت ﴾ بفتح التاء فالخطاب للرسول  والمعنى وما صح لك الاعتضاد بهم وما ينبغي لك أن تغترّ بهم، ثم عاد إلى تهويلهم بأحوال يوم القيامة وأضاف الشركاء إلى نفسه على معتقدهم توبيخاً لهم وفحوى الكلام: اذكر يا محمد أحوالهم وأحوال آلهتهم يوم القيامة إذ ﴿ يقول ﴾ الله لهم ﴿ نادوا ﴾ أي ادعوا من زعمتم أنهم ﴿ شركائي ﴾ فأهلتموهم للعبادة.

قال المفسرون: أراد الجن ﴿ فدعوهم ﴾ لم يذكر في هذه الآية أنهم كيف دعوا تلك الشركاء ولعل المراد بما في الآية الأخرى ﴿ إنا كنا لكم تبعاً فهل أنتم مغنون عنا  ﴾ ﴿ فلم يستجيبوا لهم ﴾ ولم يدفعوا عنهم ضرراً ﴿ وجعلنا بينهم موبقاً ﴾ عن الحسن ﴿ موبقاً ﴾ عداوة والمعنى عداوة هي في شدتها الهلاك كقولهم "لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفا".

وقال الفراء: البين الوصل والمراد جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة.

وفي الكشاف: الموبق المهلك وهو مصدر كالمورد أي جعلنا بينهم وادياً من أودية جهنم مشتركاً هو مكان الهلاك والعذاب الشديد يهلكون فيه جميعاً.

وجوز أن يريد بالشركاء الملائكة وعزيراً وعيسى ومريم.

وبالموبق البرزخ أي وجعلنا بينهم أمداً بعيداً يهلك فيه السائرون لفرط بعده لأنهم في قعر جهنم وهم في أعلى الجنان.

قوله: ﴿ فظنوا ﴾ قيل: علموا وأيقنوا: والأقرب أن الكفار يرون النار من مكان بعيد فيغلب على ظنونهم أنهم مخالطوها واقعون فيها في تلك الساعة من غير تأخير ولا مهلة لشدة ما يسمعون من تغيظها نظيره ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظاً وزفيراً  ﴾ ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ أي معدلاً إلى غيرها لأن الملائكة يسوقونهم إليها آخر الأمر.

ولما ذكر أن الكفرة افتخروا على فقراء المسلمين بكثرة أموالهم ومتصرفاتهم وأجاب عن شبههم وأقوالهم الفاسدة وضرب الأمثال النافعة وحكى أهوال الآخرة قال: ﴿ ولقد صرفنا ﴾ وقد مر تفسيره في السورة المتقدمة.

وحين لم يترك الكفار جدالهم وكانوا أبداً يتعللون بالأعذار الواهية ختم الآية بقوله: ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ يعني أن الأشياء التي يتأتى منها الجدل ان فصلتها واحداً بعد واحد فإن الإنسان أكثرها خصومة فقوله: ﴿ أكثر شيء ﴾ كقوله ﴿ أول مرة ﴾ وقد مر في "الأنعام".

وكثرة جدل الإنسان لسعة مضطربه فيما بين أوج الملكية إلى حضيض البهيمية، فليس له في جانبي التصاعد والتسافل مقام معلوم.

قال أهل البرهان: قوله  في سورة "بني إسرائيل": ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى  ﴾ وقال في هذه السورة بزيادة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن المعنى هناك ما منعهم عن الإيمان بمحمد  إلا قولهم: "أبعث الله بشراً رسولاً، هلا بعث ملكاً" وجهلوا أن التجانس يورث التوانس.

ومعناه في هذا الموضع ما منعهم من الإيمان والاستغفار إلا الإتيان بسنة الأوّلين وانتظار ذلك.

وعن الزجاج: إلا طلب سنتهم وهو قولهم "إن كان هذا هو الحق" وزاد في هذه السورة ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ لأن قوم نوح أمروا بالاستغفار ﴿ استغفروا ربكم إنه كان غفاراً  ﴾ وكذا قوم هود ﴿ ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه  ﴾ وقوم صالح ﴿ فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب  ﴾ وقوم شعيب ﴿ واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود  ﴾ فلما خوفهم سنة الأوّلين أجرى المخاطبين مجراهم.

والحاصل أنهم لا يقدمون على الإيمان والاستغفار إلا عند نزول عذاب الاستئصال أو عند تواصل أصناف البلاء عياناً.

ومن قرأ بضمتين أراد أنواعاً جمع قبيل.

قالت المعتزلة: في الآية دلالة على أنه لا مانع من الإيمان أصلاً.

وقالت الأشاعرة: العلم بأنه لا يؤمن والداعي الذي يخلقه الله في الكافر يمنعانه، فالمراد فقدان الموانع المحسوسة.

ثم بين أنه إنما أرسل الرسل مبشرين بالثواب على الطاعة ومنذرين بالعقاب على المعصية لكي يؤمنوا طوعاً وبين أن مع هذه الأحوال ﴿ يجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا ﴾ ويزيلوا ويبطلوا ﴿ به الحق ﴾ من إدحاض القدم وهو إزلاقها ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا ﴾ أي الذي أنذروا من العقاب أو إنذارهم ﴿ هزواً ﴾ موضع استهزاء.

قال جار الله: جدالهم قولهم للرسل ﴿ ما أنتم إلا بشر مثلنا  ﴾ ﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة ﴾ \[المؤمنون: 24\] وما أشبه ذلك.

قال أهل العرفان: قوله: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ﴾ أي بالقرآن بدليل قوله: ﴿ أن يفقهوه ﴾ وبتذكير الضمير.

﴿ فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه ﴾ من الكفر والمعاصي فلم يتفكروا في عاقبتها ولم يتدبروا في جزائها متمسك القدرية.

وإنما قال في السجدة ﴿ ثم أعرض عنها  ﴾ لأن ما في هذه السورة في الكفار الأحياء الذين إيمانهم متوقع بعد، أي ذكروا فأعرضوا عقب ذلك.

وما في السجدة في الكفار الأموات بدليل قوله: ﴿ ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم  ﴾ أي ذكروا مرة بعد أخرى وزماناً بعد زمان ثم أعرضوا عنها بالموت فلم يؤمنوا وانقطع رجاء إيمانهم.

وقوله ﴿ إنا جعلنا ﴾ وقد مر تفسيره في "الأنعام" إلى قوله: ﴿ فلن يهتدوا إذا أبداً ﴾ متمسك الجبرية وقلما تجد في القرآن دليلاً لأحد الفريقين إلا ومعه دليل للفريق الآخر فهذا شبه ابتلاء من الله، ولعله أراد بذلك إظهار مغفرته.

ورحمته على عباده كما قال: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة ﴾ قال المفسرون الضمير في قوله: ﴿ لو يؤاخذهم ﴾ لأهل مكة الذين أفرطوا في عداوة رسول الله  .

والموعد يوم بدر.

وأقول: لا يبعد أن يكون الضمير للناس في قوله: ﴿ ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس ﴾ والموعد القيامة، والموئل الملجأ يقال وأل إذا نجا، ووأل إليه إذا لجأ إليه.

قال الإمام فخر الدين الرازي: إنا ذكر لفظ المبالغة في المغفرة دون الرحمة لأن المغفرة ترك الإضرار، والرحمة إيصال النفع، وقدرة الله  تتعلق بالأول، لأن ترك أضرار لا نهاية لها ممكن ولا تتعلق بالثاني لأن فعل ما لا نهاية له محال.

أقول: هذا فرق دقيق لو ساعده النقل على أن قوله ذو الرحمة أيضاً لا يخلو عن مبالغة، وكثيراً ما ورد في القرآن إنه غفور رحيم بلفظ المبالغة في الجانبين.

وفي تعلق القدرة بترك غير المتناهي أيضاً نظر، لأن مقدورات الله متناهية لا فرق في ذلك بين المبقي والمتروك.

ثم أشار إلى قرى الأولين اعتباراً لغيرهم فقال: ﴿ وتلك القرى ﴾ فاسم الإشارة مبتدأ وفيه تعظيم لشأنهم أو تبعيد لزمانهم ومكانهم، والقرى صفة وما بعده خبره ولا يخفى حذف المضاف أي وتلك أصحاب القرى ﴿ أهلكناهم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ تلك القرى ﴾ منصوباً بإضمار أهلكنا على شريطة التفسير.

﴿ وجعلنا ﴾ لزمان إهلاكهم أو لإهلاكهم أو وقت هلاكم ﴿ موعداً ﴾ وعداً أو وقت وعد لا يتأخرون عنه كما ضربنا لأهل مكة يوم بدر، والمراد أنا عجلنا هلاكهم ومع ذلك لم ندع أن نضرب له وقتاً يمكنهم التوبة قبل ذلك.

التأويل: ﴿ ويوم نسير الجبال ﴾ وهي الأبدان الجامدة عن السلوك، وترى أرض النفوس بارزة خالية عن موانع الطريق، وحشرنا جميع القوى البشرية ﴿ وعرضوا على ربك صفاً ﴾ لكل قوة ولكل جوهر رتبة تليق بها، فالروح في صف الأرواح، والقلب في صف القلوب، وكذا النفس وقواها.

﴿ ولقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ﴾ على هيئة الفطرة، وقيل الأنبياء في صف، والأولياء في صف، والمؤمنون في صف، والكافرون والمنافقون في الصف الأخير ﴿ لا يغادر صغيرة ﴾ هي كل تصرف في شيء بالشهوة النفسانية وإن كان من المباحات.

﴿ ولا كبيرة ﴾ هي التصرف في الدنيا على حبها فحب الدنيا رأس كل خطيئة ﴿ ما أشهدتهم ﴾ لأني لا أشهد إلا أوليائي كما قلت ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ورأى المجرمون النار ﴾ رأوا في الدنيا أسباب النار من الشهوات والآثام فوقعوا فيها ولم يجدوا ما يصرفهم عنها من الديانة والإيمان الحقيقي، فإذا رأوا النار في الآخرة أيقنوا أنهم مواقعوها ﴿ ولم يجدوا عنها مصرفاً ﴾ كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون ﴿ وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً ﴾ فتارة مجادل في التوحيد وأخرى في النبوة ومرة في الأصول ومرة في الفروع، ولهذا كثرت المذاهب والأديان والملل والنحل ونسأل الصواب من ملهمه ﴿ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم ﴾ أسباب الهداية ﴿ ويستغفروا ربهم ﴾ إن كانوا مذنبين ﴿ إلا أن تأتيهم سنة الأولين ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين وهو جذبات العناية لأهل الهداية كقوله في حضرة النبي  "والله لولا الله ما اهتدينا" ﴿ أو ما يأتيهم العذاب قبلاً ﴾ كقوله: "أنا نبي السيف أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" .

والله أعلم.

(م).

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ ﴾ .

ذكر الله - عز وجل -: قصة آدم وإبليس في غير موضع من القرآن على الزيادة والنقصان؛ وإنما ذكر كذلك وكرّر لما كذلك كان في الكتب المتقدمة مكرراً معاداً؛ فذكر في القرآن على ما كان في تلك الكتب؛ ليكون ذلك آية لرسالة محمد حيث علموا أنه كان لا يعرف الكتب المتقدمة.

أو أن ما كرره لحاجات كانت لهم ولفوائد تكون في التكرار؛ ليكون لهم عظة وتنبيهاً في كل وقت وكل حال، وقد يكرّر الشيء ويعاد على التذكير والتنبيه، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: سمي من الجن؛ لأنه كان من الجان الذين يعملون في الجنان؛ فنسب إليهم.

وقال بعضهم: إن من الملائكة قبيلة يقال لها: الجن، فكان إبليس منها؛ فنسب إليها.

وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة قط طرفة عين؛ ولكنه من الجنّ، كما قال الله فهو أصل الجن، وهو أول من عصى ربه من الجن، [و] إن آدم هو أصل الإنس، وهو أبوهم؛ فعلى ذلك إبليس أبو الجنّ.

وقال بعضهم: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، أي: صار من الجنّ، وكذلك قالوا: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ  ﴾ أي: صار من الكافرين.

وقال بعضهم: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ ﴾ ، أي: كان في علم الله في الأزل أنه يكون من الجنّ، وكان في علم الله في الأزل أنه يكون من الكافرين وقت عصيانه ربه وإبائه السجود لآدم.

وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ .

قيل: عتا وعصى، وأصل الفسق: الخروج، أي: خرج عن أمر ربّه، وكذلك قال القتبي: ففسق، أي: خرج عن طاعته، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرتها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي ﴾ .

هذا يحتمل وجهين: أحدهما: أنه أراد بقوله: ﴿ مِن دُونِي ﴾ نفسه؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته أربابا وآلهة من دوني وهم لكم [عدو]، وليسوا بآلهة ولا أرباب؛ فكيف يجوز أن يتخذ العدو ربا وإلها؟!

والثاني: أنه أراد بقوله: ﴿ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي ﴾ ، أي: من دون أوليائي؛ فكأنه قال: أفتتخذونه وذريته أولياء من دون أوليائي، وهم لكم عدو، أي: كيف تتخذون الأعداء أولياء، وتتركون من هم لكم أولياء ولا تتخذونهم أولياء؟!

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ، أي: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن عبدوا إبليس وأطاعوه؛ فبئس ذلك لهم بدلا.

أو أن يكون قوله: ﴿ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ، أي: ما اتخذوا أعداءهم أولياء بدلا عن أوليائه أو بدلا عن ألوهيته وربوبيته.

وقوله: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قال بعضهم: قال هذا لمشركي العرب: حيث قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام التي عبدوها: إنها آلهة وإنها شركاؤه، فيقول: ما أشهدتهم خلق الملائكة وخلق الأرض ولا خلق أنفسهم، ولا كان لهم كتاب، ولا آمنوا برسول؛ فكيف عرفوا ما قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام آلهة وشركاؤه؟!

وأسباب العلم والمعارف هذا: إما المشاهدة وإما الرسل، فإذا لم يكن لهم واحد مما ذكرنا؛ فكيف عرفوا ربهم؟!

وبم علموا ما قالوا في الله من الولد والشركاء؟!

وإلى هذا يذهب الحسن.

ومنهم من قال: لاتخاذهم إبليس وذريته أولياء وأربابا، وهو صلة ما قال: ﴿ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ...

﴾ الآية، وفيه وجوه من التأويل: يقول: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، أي: ما استحضرتهم خلق أنفسهم؛ لأنهم لم يكونوا في ذلك الوقت، ولا خلق السماوات والأرض؛ لأنه خلقهما ولم يكونوا - أيضاً - شيئاً.

أو ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ ما أعلمتهم تدبير خلق السماوات والأرض، ولا تدبير خلق أنفسهم؛ فكيف قالوا ما قالوا في الله من الدعاوى؟!

والثالث: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ ﴾ أي: ما استعنت بهم في خلق السماوات والأرض، ولا في خلق أنفسهم؛ فكيف أشركوا في ألوهيتي وربوبيتي، وما استعنت بهم في ذلك.

والله أعلم.

وقد استدل كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن خلق الشيء هو غير ذلك الشيء لأنه قال: ﴿ مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، وقد شهدوا السماوات والأرض، وشهدوا أنفسهم حتى قال لهم: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ ثم أخبر أنه لم يشهدهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم؛ دل أن خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم - غير السماوات والأرض وغير أنفسهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ : عن الإيمان والهدى أعوانا لديني.

والثاني: وما كنت متخذ المضلين عبادي بنصر ديني، أو بعون أوليائي.

وقال بعضهم: ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ الذين أضلوا بني آدم عونا فيما خلقت من خلق السماوات والأرض وخلق أنفسهم، وهو إبليس وذريته.

أو ﴿ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ ﴾ : أولياء، إنما اتخذتهم أعداء، وما كنت لأولي المضلين عضدا على أوليائي؛ كقوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ ونحوه، وكله قريب بعضه من بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ ﴾ .

قال ﴿ شُرَكَآئِيَ ﴾ ؛ على زعمهم، وإلا: لم يكن لله شركاء.

﴿ فَدَعَوْهُمْ ﴾ .

يعني: دعوا الأصنام التي عبدوها.

﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: لم يجيبوهم في وقت، وقد أجابوهم في وقت آخر، وهو ما قالوا: ﴿ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ  ﴾ ، ولكن قوله: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ ؛ لما كانوا يعبدونها في الدنيا، وإنما كانوا يعبدونها طمعا أن يكونوا لهم شفعاء وأنصارا؛ كقولهم ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ و ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً  كَلاَّ  ﴾ فيكون قوله: ﴿ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ : ما طمعوا هم بعبادتهم الأصنام: من الشفاعة، والنصرة، ودفع ما حل بهم عنهم، والمنع عن عذاب الله، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً ﴾ .

أي: بين أولئك وبين الأصنام، ﴿ مَّوْبِقاً ﴾ ، قال بعضهم: مهلكا.

وقال بعضهم: الموبق: الذي يفرق بينهم وبين آلهتهم في جهنم.

وقال بعضهم: نهر فيها.

وقال بعضهم: جعلنا وصلهم في الدنيا الذي كان بين المشركين وبين الأصنام موبقاً، أي: مهلكا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ﴾ .

أي: علموا وأيقنوا أنهم داخلوها.

﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً ﴾ .

أي: لم تقدر الأصنام التي عبدوها أن تصرف النار عنهم: قال أبو عبيدة: ﴿ وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً ﴾ ، أي: معدلا.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ .

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ قد ذكرناه وبيّناه في غير موضع، وقوله: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: ﴿ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ ، أي: من كل صفة؛ كقوله: ﴿ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ  ﴾ ، أي: الصفات العليا.

والثاني: المثل: هو الشبيه؛ كقوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

فإن كان التأويل: الشبيه؛ فكأنه يقول - والله أعلم - ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ ، أي: بينا ﴿ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ من كل ما بهم حاجة إلى معرفة ما غاب عنهم؛ جعل لهم شبيها مما شاهدوا أو عرفوا ليعرفوا به ما غاب عنهم.

وإن كان تأويل المثل: الصفة، فكأنه يقول - والله أعلم -: ولقد بيّنا في هذا القرآن من كل ما يؤتى وما يتقى صفة: يعرفون بها ما لهم وما عليهم، [و] ما يأتون وما يتقون، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ .

قال أهل التأويل: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ ﴾ يعني: الكافر ﴿ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ ، أي: جدالا؛ كقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

ويشبه أن يكون قوله: ﴿ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً ﴾ ، أي: وكان جوهر الإنسان أكثر جدلا من غيرهم من الجواهر؛ لأن الجن لما عرض عليهم القرآن والآيات قبلوها على غير مجادلة ذكرت؛ حيث قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً...

﴾ الآية [الجن: 1]، وكذلك الملائكة لم يذكر منهم الجدال ولا المحاجة في ذلك.

وقد ظهر [في] جوهر الإنسان المجادلات والمحاجات في الآيات والحجج، من ذلك قوله: ﴿ هٰأَنْتُمْ هَؤُلاۤءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ...

﴾ الآية [آل عمران: 66]، وقوله: ﴿ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ ، وأمثال هذا؛ لذا احتيج إلى إنزال كثرة الآيات والحجج؛ لكثرة ما ظهرت منهم المجادلة.

وفيه الإذن بالمجادلة والمحاجة في الدين على الوصف الذي ذكر، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها الرسول- إذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم سجود تحية، فسجدوا كلهم له امتثالًا لأمر ربهم إلا إبليس كان من الجن ولم يكن من الملائكة، فأبى واستكبر عن السجود، فخرج عن طاعة ربه، أفتتخذونه -أيها الناس- هو وأولاده أولياء توالونهم من دوني وهم أعداء لكم، فكيف تتخذون أعداءكم أولياء لكم؟!

بئس وقبح صنع الظالمين الذين جعلوا الشيطان وليًّا لهم بدلًا من موالاة الله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.9ZeV3"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله