الآية ١١٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٢ من سورة البقرة

بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌۭ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ١١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى : ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ) أي : من أخلص العمل لله وحده لا شريك له ، كما قال تعالى : ( فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ) الآية [ آل عمران : 20 ] .

وقال أبو العالية والربيع : ( بلى من أسلم وجهه لله ) يقول : من أخلص لله .

وقال سعيد بن جبير : ( بلى من أسلم ) أخلص ، ( وجهه ) قال : دينه ، ( وهو محسن ) أي : متبع فيه الرسول صلى الله عليه وسلم .

فإن للعمل المتقبل شرطين ، أحدهما : أن يكون خالصا لله وحده والآخر : أن يكون صوابا موافقا للشريعة .

فمتى كان خالصا ولم يكن صوابا لم يتقبل ; ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .

رواه مسلم من حديث عائشة ، عنه ، عليه السلام .

فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم ، حتى يكون ذلك متابعا للرسول [ محمد ] صلى الله عليه وسلم المبعوث إليهم وإلى الناس كافة ، وفيهم وأمثالهم ، قال الله تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) [ الفرقان : 23 ] ، وقال تعالى : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ) [ النور : 39 ] .

وروي عن أمير المؤمنين عمر أنه تأولها في الرهبان كما سيأتي .

وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين ، كما قال تعالى : ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا ) [ النساء : 142 ] ، وقال تعالى : ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ) [ الماعون : 4 ، 7 ] ، ولهذا قال تعالى : ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) [ الكهف : 110 ] .

وقال في هذه الآية الكريمة : ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ) وقوله : ( فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور ، وآمنهم مما يخافونه من المحذور ف ( لا خوف عليهم ) فيما يستقبلونه ، ( ولا هم يحزنون ) على ما مضى مما يتركونه ، كما قال سعيد بن جبير : ف ( لا خوف عليهم ) يعني : في الآخرة ( ولا هم يحزنون ) [ يعني : لا يحزنون ] للموت .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ } أَنَّهُ لَيْسَ كَمَا قَالَ الزَّاعِمُونَ { لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى } وَلَكِنْ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِن , فَهُوَ الَّذِي يَدْخُلهَا وَيُنَعَّم فِيهَا .

كَمَا : 1498 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَخْبَرَهُمْ أَنَّ مَنْ يَدْخُل الْجَنَّة هُوَ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ الْآيَة .

وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى { بَلَى } فِيمَا مَضَى قَبْل .

وَأَمَّا قَوْله : { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِإِسْلَامِ الْوَجْه التَّذَلُّل لِطَاعَتِهِ وَالْإِذْعَان لِأَمْرِهِ .

وَأَصْل الْإِسْلَام : الِاسْتِسْلَام ; لِأَنَّهُ مِنْ اسْتَسْلَمْت لِأَمْرِهِ , وَهُوَ الْخُضُوع لِأَمْرِهِ .

وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُسْلِم مُسْلِمًا بِخُضُوعِ جَوَارِحه لِطَاعَةِ رَبّه .

كَمَا : 1499 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } يَقُول : أَخْلَص لِلَّهِ .

وَكَمَا قَالَ زَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل : وَأَسْلَمْت وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمْت لَهُ الْمُزْن تَحْمِل عَذْبًا زُلَالًا يَعْنِي بِذَلِكَ : اسْتَسْلَمْت لِطَاعَةِ مَنْ اسْتَسْلَمَ لِطَاعَتِهِ الْمُزْن وَانْقَادَتْ لَهُ .

وَخَصَّ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ بِالْخَبَرِ عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } بِإِسْلَامِ وَجْهه لَهُ دُون سَائِر جَوَارِحه ; لِأَنَّ أَكْرَم أَعْضَاء ابْن آدَم وَجَوَارِحه وَجْهه , وَهُوَ أَعْظَمهَا عَلَيْهِ حُرْمَة وَحَقًّا , فَإِذَا خَضَعَ لِشَيْءِ وَجْهه الَّذِي هُوَ أَكْرَم أَجْزَاء جَسَده عَلَيْهِ فَغَيْره مِنْ أَجْزَاء جَسَده أَحْرَى أَنْ يَكُون أَخْضَع لَهُ .

وَلِذَلِكَ تَذْكُر الْعَرَب فِي مَنْطِقهَا الْخَبَر عَنْ الشَّيْء فَتُضِيفهُ إلَى وَجْهه وَهِيَ تَعْنِي بِذَلِكَ نَفْس الشَّيْء وَعَيْنه , كَقَوْلِ الْأَعْشَى : أُؤَوِّل الْحُكْم عَلَى وَجْهه لَيْسَ قَضَائِي بِالْهَوَى الْجَائِر يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " عَلَى وَجْهه " : عَلَى مَا هُوَ بِهِ مِنْ صِحَّته وَصَوَابه .

وَكَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّة : فَطَاوَعْت هَمِّي وَانْجَلَى وَجْه بَازِل مِنْ الْأَمْر لَمْ يَتْرُك خِلَاجًا بِزَوْلِهَا يُرِيد : " وَانْجَلَى الْبَازِل مِنْ الْأَمْر فَتَبَيَّنَ " , وَمَا أَشْبَه ذَلِكَ , إذْ كَانَ حُسْن كُلّ شَيْء وَقُبْحه فِي وَجْهه , وَكَانَ فِي وَصْفهَا مِنْ الشَّيْء وَجْهه بِمَا تَصِفهُ بِهِ إبَانَة عَنْ عَيْن الشَّيْء وَنَفْسه .

فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله جَلّ ثَنَاؤُهُ : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } إنَّمَا يَعْنِي : بَلَى مَنْ أَسْلَمَ لِلَّهِ بَدَنه , فَخَضَعَ لَهُ بِالطَّاعَةِ جَسَده ; { وَهُوَ مُحْسِن } فِي إسْلَامه لَهُ جَسَده , { فَلَهُ أَجْره عِنْد رَبّه } .

فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْوَجْه مِنْ ذِكْر جَسَده لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي أُرِيدَ بِهِ بِذِكْرِ الْوَجْه .

وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ مُحْسِن } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ فِي حَال إحْسَانه .

وَتَأْوِيل الْكَلَام : بَلَى مَنْ أَخْلَص طَاعَته لِلَّهِ وَعِبَادَته لَهُ مُحْسِنًا فِي فِعْله ذَلِكَ .

فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَهُ أَجْره عِنْد رَبّه } .

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { فَلَهُ أَجْره عِنْد رَبّه } فَلِلْمُسْلِمِ وَجْهه لِلَّهِ مُحْسِنًا جَزَاؤُهُ وَثَوَابه عَلَى إسْلَامه وَطَاعَته رَبّه عِنْد اللَّه فِي مُعَاده .

وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ } عَلَى الْمُسْلِمِينَ وُجُوههمْ لِلَّهِ وَهُمْ مُحْسِنُونَ , الْمُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين فِي الْآخِرَة مِنْ عِقَابه وَعَذَاب جَحِيمه , وَمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالهمْ .

وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا خَلَفُوا وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَلَا أَنْ يَمْنَعُوا مَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ نَعِيم مَا أَعَدَّ اللَّه لِأَهْلِ طَاعَته .

وَإِنَّمَا قَالَ جَلّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } وَقَدْ قَالَ قَبْل : { فَلَهُ أَجْره عِنْد رَبّه } لِأَنَّ " مَنْ " الَّتِي فِي قَوْله : { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهه لِلَّهِ } فِي لَفْظ وَاحِد وَمَعْنَى جَمِيع , فَالتَّوْحِيد فِي قَوْله : { فَلَهُ أَجْره } لِلَّفْظِ , وَالْجَمْع فِي قَوْله : { وَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ } لِلْمَعْنَى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

ثم قال تعالى : بلى ردا عليهم وتكذيبا لهم ، أي ليس كما تقولون .

وقيل : إن بلى محمولة على المعنى ، كأنه قيل أما يدخل الجنة أحد ؟

فقيل : بلى من أسلم وجهه لله ومعنى أسلم استسلم وخضع .

وقيل : أخلص عمله .

وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان ; ولأنه موضع الحواس ، وفيه يظهر العز والذل .

والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء .

ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد .

وهو محسن جملة في موضع الحال ، وعاد الضمير في وجهه وله على لفظ من وكذلك أجره وعاد في عليهم على المعنى ، وكذلك في يحزنون وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وأخبر أن من قدح في النسخ فقد قدح في ملكه وقدرته فقال: ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير .

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ثم قال رداً عليهم: {بلى من أسلم وجهه} أي ليس الأمر كما قالوا، بل الحكم للإسلام وإنما يدخل الجنة من أسلم وجهه {لله} أي أخلص دينه لله، وقيل: أخلص عبادته لله، وقيل: خضع وتواضع لله.

وأصل الإسلام : الاستسلام والخضوع، وخص الوجه لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه.

{وهو محسن} في عمله، وقيل: مؤمن، وقيل: مخلص.

{فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«بلى» يدخل الجنة غيرهم «من أسلم وجهه لله» أي انقاد لأمره.

وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء فغيره أولى «وهو محسن» موحد «فله أجره عند ربِّه» أي ثواب عمله الجنة «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس الأمر كما زعموا أنَّ الجنة تختص بطائفة دون غيرها، وإنما يدخل الجنَّة مَن أخلص لله وحده لا شريك له، وهو متبع للرسول محمد صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأعماله.

فمن فعل ذلك فله ثواب عمله عند ربه في الآخرة، وهو دخول الجنة، وهم لا يخافون فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .( بلى ) حرف يذكر في الجواب لإثبات المنفي في كلام سابق ، وقد صدرت الآية التي معنا بحرف ( بلى ) لإثبات ما نفوه وهو دخول غيرهم الجنة ممن لم يكن لا من اليهود ولا من النصارى ، ما دام قد أسلم وجهه لله وهو محسن .وقوله تعالى : ( مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ) المراد به اتجه إليه ، وأذعن لأمره ، وأخلص له العبادة ، وأصل معناه الاستسلام والخضوع .وخص الله - تعالى - الوجه دون سائر الجوارح بذلك ، لأنه أكرم الأعضاء وأعظمها حرمة ، فإذا خضع الوجه الذي هو أكرم أعضاء الجسد فغيره من أجزاء الجسد أكثر خضوعاً .وقوله تعالى : ( وَهُوَ مُحْسِنٌ ) من الإِحسان ، وهو أداء العمل على وجه حسن أي : مطابق للصواب وهو ما جاء به الشرع الشريف .والمعنى : ليس الحق فيما زعمه كل فريق منكم يا معشر اليهود والنصارى من أن الجنة لكم دون غيركم ، وإنما الحق أن كل من أخلص نفسه لله ، وأتى بالعمل الصالح على وجه حسن ، فإنه يدخل الجنة ، كما قال تعالى : ( فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .وقد أفادت الآية الكريمة ما يأتي :( أ ) إثبات ما نفوه من دخول غيرهم الجنة .( ب ) بيان أنهم ليسوا من أهل الجنة ، إلا إذا أسلموا وجوههم لله ، وأحسنوا له العمل فيكون ذلك ترغيباً لهم في الإِسلام ، وبياناً لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة ، لكي يقلعوا عما هم عليه ، ويعدلوا عن طريقتهم المعوجة .( ج ) بيان أن العمل المقبول عند الله - تعالى - يجب أن يتوفر فيه أمران :أولهما : أن يكون خالصاً لله وحده .ثانيهما : أن يكون مطابقاً للشريعة التي ارتضاها الله تعالى وهي شريعة الإِسلام .قال الإِمام ابن كثير : " فتمنى كان العمل خالصاً ولم يكن صواباً لم يتقبل ، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " فعمل الرهبان ومن شابههم وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله فإنه لا يتقبل منهم حتى يكون ذلك متابعاً للرسول صلى الله عليه وسلم المبعوث فيهم وإلى الناس كافة ، وفي أمثالهم قال الله - تعالى - : ( فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً ) وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة ، ولكن لم يخلص عاملة القصد لله ، فهو أيضاً مردود على فاعله ، وهذا حال المرائين والمنافقين ولهذا قال تعالى : ( فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً ) وبذلك تكون الآيتان الكريمتان قد أبلطتا دعوى اليهود أن الجنة لهم دون غيرهم ، وأثبتتا أن مزاعمهم هذه ما هي إلا من قبيل الأماني والأوهام وكذبتهم في أن يكون عندهم أي برهان أو دليل على ما يدعون ثم أًدرتا حكما عاما وهو أن الجنة ليست خاصة لطافئة دون أخرى ، وإنما هي لكل من أسلم وجهه لله وهو محسن .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين، واعلم أن اليهود لا تقول في النصارى: إنها تدخل الجنة، ولا النصارى في اليهود، فلابد من تفصيل في الكلام فكأنه قال: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، ولا يصح في الكلام سواه، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، ونظيره: ﴿ قَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى  ﴾ والهود: جمع هائد، كعائذ وعوذ وبازل وبزل، فإن قيل: كيف قيل: كان هوداً، على توحيد الاسم، وجمع الخبر؟

قلنا: حمل الاسم على لفظ (من) والخبر على معناه كقراءة الحسن: ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم  ﴾ وقرأ أبي بن كعب: ﴿ إِلاَّ مَن كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ فالمراد أن ذلك متمنياتهم، ثم إنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقاً في نفسه، فإن قيل: لم قال: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ وقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة ﴾ أمنية واحدة؟

قلنا: أشير بها إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ هَاتُواْ برهانكم ﴾ متصل بقوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ و ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ اعتراض، قال عليه الصلاة والسلام: «الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني» وقال علي رضي الله عنه: لا تتكل على المنى فإنها بضائع التولي.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَاتُواْ برهانكم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: هات: صوت بمنزلة هاء في معنى أحضر.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفياً، أو إثباتاً، فلابد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد قال الشاعر: من ادعى شيئاً بلا شاهد *** لابد أن تبطل دعواه أما قوله تعالى: ﴿ بلى ﴾ ففيه وجوه: الأول: أنه إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة.

الثاني: أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان أثبت أن لمن أسلم وجهه لله برهاناً.

الثالث: كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة، فيكون ذلك ترغيباً لهم في الإسلام، وبياناً لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه ويعدلوا إلى هذه الطريقة، فأما معنى: ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ فهو إسلام النفس لطاعة الله، وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه: أحدها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى.

وثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس، قال الله تعالى: ﴿ كُلُّ شَيء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  ﴾ ﴿ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى  ﴾ .

وثالثها: أن اعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر، ولهذا قال زيد بن عمرو بن نفيل.

وأسلمت وجهي لمن أسلمت *** له الأرض تحمل صخراً ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت *** له المزن تحمل عذباً زلالا فيكون المرء واهباً نفسه لهذا الأمر باذلالها، وذكر الوجه وأراد به نفس الشيء، وذلك لا يكون إلا بالانقياد والخضوع وإذلال النفس في طاعته وتجنب معاصيه، ومعنى (لله) أي: خالصاً لله لا يشوبه شرك، فلا يكون عابداً مع الله غيره، أو معلقاً رجاءه بغيره، وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعمله إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أي: لابد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بفعل قبيح، فإن الهند يتواضعون لله لكن بأفعال قبيحة، وموضع قوله: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ موضع حال كقولك: جاء فلان وهو راكب، أي جاء فلان راكباً، ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه، يعني به الثواب العظيم، ثم مع هذا النعيم لا يلحقه خوف ولا حزن، فأما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل، وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم العظيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن فلا يحزن على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه وتغيره فقد بلغ النهاية وفي ذلك ترغيب في هذه الطريقة وتحذير من خلافها الذي هو طريقة الكفار المذكورين من قبل، واعلم أنه تعالى وحد أولاً ثم جمع، ومثله قوله: ﴿ وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِي السموات  ﴾ ثم قال: ﴿ شفاعتهم ﴾ وقوله: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْك  ﴾ وقال في موضع آخر: ﴿ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ  ﴾ ولم يقل: خرج، واعلم أنا لما فسرنا قوله: ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ بالإخلاص فلنذكر هاهنا حقيقة الإخلاص وذلك لا يمكن بيانه إلا في مسائل: المسألة الأولى: في فضل النية قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات».

وقال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم».

وفي الإسرائيليات: أن رجلاً مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس فأوحى الله تعالى إلى نبيهم قل له: إن الله قبل صدقتك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.

المسألة الثانية: الإنسان إذا علم أو ظن أو اعتقد أن له في فعل من الأفعال جلب نفع أو دفع ضر ظهر في قلبه ميل وطلب، وهو صفة تقتضي ترجيح وجود ذلك الشيء على عدمه، وهي الإرادة فهذه الإرادة هي النية والباعث له على تلك النية ذلك العلم أو الاعتقاد أو الظن، إذا عرفت هذا فنقول: الباعث على الفعل إما أن يكون أمراً واحداً، وإما أن يكون أمرين، وعلى التقدير الثاني فإما أن يكون كل واحد منهما مستقلاً بالبعث، أو لا يكون واحد منهما مستقلاً بذلك، أو يكون أحدهما مستقلاً بذلك دون الآخر، فهذه أقسام أربعة.

الأول: أن يكون الباعث واحداً وهو كما إذا هجم على الإنسان سبع فلما رآه قام من مكانه فهذا الفعل لا داعي إليه إلا اعتقاده ما في الهرب من النفع وما في ترك الهرب من الضرر، فهذه النية تسمى خالصة، ويسمى العمل بموجبها إخلاصاً.

الثاني: أن يجتمع على الفعل باعثان مستقلان، كما إذا سأله رفيقه الفقير حاجة فيقضيها لكونه رفيقاً له، وكونه فقيراً، مع كون كل واحد من الوصفين بحيث لو انفرد لاستقل بالاستقضاء، واسم هذا موافقة الباعث.

الثالث: أن لا يستقل واحد منهما لو انفرد، لكن المجموع مستقل، واسم هذا مشاركة.

الرابع: أن يستقل أحدهما ويكون الآخر معاضداً مثل أن يكون للإنسان ورد من الطاعات فاتفق أن حضر في وقت أدائها جماعة من الناس فصار الفعل عليه أخف بسبب مشاهدتهم، واسم هذا معاونة.

المسألة الثالثة: في تفسير قوله عليه السلام: «نية المؤمن خير من عمله» ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن النية سر، والعمل علن، وطاعة السر أفضل من طاعة العلانية، وهذا ليس بشيء لأنه يقتضي أن تكون نية الصلاة خيراً من نفس الصلاة.

وثانيها: النية تدوم إلى آخر العمل، والأعمال لا تدوم، والدائم خير من المنقطع، وهذا ليس بشيء لأنه يرجع معناه إلى أن العمل الكثير خير من العمل القليل، وأيضاً فنية عمل الصلاة قد لا تحصل إلا في لحظات قليلة، والأعمال تدوم.

وثالثها: أن النية بمجردها خير من العمل بمجرده، وهو ضعيف، إذ العمل بلا نية لا خير فيه، وظاهر الترجيح للمشتركين في أصل الخيرية.

ورابعها: أن لا يكون المراد من الخير إثبات الأفضلية بل المراد أن النية خير من الخيرات الواقعة بعمله، وهو ضعيف، لأن حمل الحديث عليه لا يفيد إلا إيضاح الواضحات، بل الوجه الجيد في التأويل أن يقال: النية ما لم تخل عن جميع أنواع الفتور لا تكون نية جازمة، ومتى خلت عن جميع جهات الفتور وجب ترتب الفعل عليها لو لم يوجد عائق، وإذا كان كذلك: ثبت أن النية لا تنفك البتة عن الفعل، فيدعى أن هذه النية أفضل من ذلك العمل، وبيانه من وجوه: أولها: أن المقصود من جميع الأعمال تنوير القلب بمعرفة الله وتطهيره عما سوى الله، والنية صفة القلب، والفعل ليس صفة القلب، وتأثير صفة القلب أقوى من تأثير صفة الجوارح في القلب، فلا جرم نية المؤمن خير من عمله.

وثانيها: أنه لا معنى للنية إلا القصد إلى إيقاع تلك الأعمال طاعة للمعبود وانقياداً له، وإنما يراد الأعمال ليستحفظ التذكر بالتكرير، فيكون الذكر والقصد الذي في القلب بالنسبة إلى العمل كالمقصود بالنسبة إلى الوسيلة، ولا شك أن المقصود أشرف من الوسيلة.

وثالثها: أن القلب أشرف من الجسد، ففعله أشرف من فعل الجسد، فكانت النية أفضل من العمل.

المسألة الرابعة: اعلم أن الأعمال على ثلاثة أقسام: طاعات، ومعاصي، ومباحات، أما المعاصي فهي لا تتغير عن موضوعاتها بالنية، فلا يظن الجاهل أن قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» يقتضي انقلاب المعصية طاعة بالنية كالذي يطعم فقيراً من مال غيره، أو يبني مسجداً من مال حرام.

الثاني: الطاعات وهي مرتبطة بالنيات في الأصل وفي الفضيلة، أما في الأصل فهو أن ينوي بها عبادة الله تعالى، فإن نوى الرياء صارت معصية، وأما الفضيلة فبكثرة النيات تكثر الحسنة كمن قعد في المسجد وينوي فيه نيات كثيرة.

أولها: أن يعتقد أنه بيت الله ويقصد به زيارة مولاه كما قال عليه الصلاة والسلام: «من قعد في المسجد فقد زار الله وحق على المزور إكرام زائره».

وثانيها: أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة فيكون حال الإنتظار كمن هو في الصلاة.

وثالثها: إغضاء السمع والبصر وسائر الأعضاء كما لا ينبغي، فإن الإعتكاف كف وهو في معنى الصوم، وهو نوع ترهب، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «رهبانية أمتي القعود في المساجد».

ورابعها: صرف القلب والسر بالكلية إلى الله تعالى.

وخامسها: إزالة ما سوى الله عن القلب.

وسادسها: أن يقصد إفادة علم أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر.

وسابعها: أن يستفيد أخاً في الله فإن ذلك غنيمة أهل الدين.

وثامنها: أن يترك الذنوب حياء من الله فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات.

القسم الثالث: سائر المباحات ولا شيء منها إلا ويحتمل نية أو نيات يصير بها من محاسن القربات، فما أعظم خسران من يغفل عنها ولا يصرفها إلى القربات، وفي الخبر: من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة فإن قلت: فاشرح لي كيفية هذه النية، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم وريحه أنتن من الجيفة، فإن قلت: فاشرح لي كيفية هذه النية، فاعلم أن القصد من التطيب إن كان هو التنعم بلذات الدنيا أو إظهار التفاخر بكثرة المال أو رياء الخلق أو ليتودد به إلى قلوب النساء، فكل ذلك يجعل التطيب معصية، وإن كان القصد إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد، فهو عين الطاعة، وإذا عرفت ذلك فقس عليه سائر المباحات، والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب.

المسألة الخامسة: اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية والنقلية في أنه لابد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته: نويت أن أدرس لله وأتجر لله يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث نفس أو حديث لسان والنية بمعزل عن جميع ذلك إنما النية انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إما عاجلاً وإما آجلاً.

والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإنسان على اكتسابه وهو كقول الشبعان نويت أن أشتهي الطعام، أو كقول الفارغ نويت أن أعشق، بل لا طريق إلى اكتساب الميل إلى الشيء إلا باكتساب أسبابه وليست هي إلا تحصيل العلم بما فيه من المنافع، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل إلا عند خلو القلب عن سائر الشواغل، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم يعتقد في الولد غرضاً صحيحاً لا عاجلاً ولا آجلاً، لا يمكنه أن يواقع على نية الولد بل لا يمكن إلا على نية قضاء الشهوة إذ النية هي إجابة الباعث ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد؟

فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي عبارة عن حصول هذا الميل، وذلك أمر معلق بالغيب فقد يتيسر في بعض الأوقات، وقد يتعذر في بعضها.

المسألة السادسة: اعلم أن نيات الناس في الطاعات أقسام: فمنهم من يكون عملهم إجابة لباعث الخوف فإنه يتقي النار، ومنهم من يعمل لباعث الرجاء وهو الرغبة في الجنة والعامل لأجل الجنة عامل لبطنه وفرجه، كالأجير السوء ودرجته درجة البله، وأما عبادة ذوي الألباب فلا تجاوز ذكر الله والفكر فيه حباً لجلاله وسائر الأعمال مؤكدات له وهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه وثواب الناس بقدر نياتهم فلا جرم صار المقربون متنعمين بالنظر إلى وجهه الكريم ونسبة شرف الالتذاذ بنعيم الجنة إلى شرف الالتذاذ بهذا المقام كنسبة نعيم الجنة إلى وجهه الكريم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الضمير في ﴿ وَقَالُواْ ﴾ لأهل الكتاب من اليهود والنصارى.

والمعنى: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين ثقة بأنّ السامع يردّ إلى كل فريق قوله، وأمناً من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين وتضليل كل واحد منهما لصاحبه.

ونحوه: ﴿ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ ﴾ [البقرة: 135] ، والهود: جمع هائد، كعائذ وعُوذ، وبازل وبُزل.

فإن قلت: كيف قيل كان هوداً على توحيد الاسم وجمع الخبر؟

قلت: حمل الاسم على لفظ (من) والخبر على معناه، كقراءة الحسن ﴿ إلا من هو صالو الجحيم ﴾ .

وقوله: ﴿ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ [الجن: 23] .

وقرأ أبيّ بن كعب: ﴿ إلا من كان يهودياً أو نصرانياً ﴾ .

فإن قلت: لم قيل: ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ وقولهم: ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أمنية واحدة؟

قلت: أشير بها إلى الأماني المذكورة وهو أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردّوهم كفاراً، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم: أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم.

وقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ برهانكم ﴾ متصل بقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى ﴾ .

و ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ : اعتراض، أو أريد أمثال تلك الأمنية أمانيهم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه.

يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل أمنيتهم هذه.

والأمنية أفعولة من التمني، مثل الأضحوكة والأعجوبة ﴿ هَاتُواْ برهانكم ﴾ هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين.

وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت.

و (هات) صوت بمنزلة هاء، بمعنى أحضر ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ في عمله ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ ﴾ الذي يستوجبه.

فإن قلت: من (أسلم وجهه) كيف موقعه؟

قلت: يجوز أن يكون ﴿ بلى ﴾ ردّاً لقولهم، ثم يقع ﴿ من أسلم ﴾ كلاماً مبتدأ، ويكون (من) متضمناً لمعنى الشرط، وجوابه ﴿ فله أجره ﴾ ، وأن يكون ﴿ من أسلم ﴾ فاعلاً لفعل محذوف، أي بلى يدخلها من أسلم، ويكون قوله ﴿ فله أجره ﴾ كلاماً معطوفاً على يدخلها من أسلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ وَدَّ ﴾ ، والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

﴿ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ﴾ لَفٌّ بَيْنَ قَوْلَيِ الفَرِيقَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ ثِقَةٌ بِفَهْمِ السّامِعِ، وهُودٌ جَمْعُ هائِدٍ كَعُوذٍ وعائِذٍ، وتَوْحِيدُ الِاسْمِ المُضْمَرِ في كانَ وجَمْعُ الخَبَرِ لِاعْتِبارِ اللَّفْظِ والمَعْنى.

﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى الأمانِي المَذْكُورَةِ، وهي أنْ لا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ، وأنْ يَرُدُّوهم كُفّارًا، وأنْ لا يَدْخُلَ الجَنَّةَ غَيْرُهُمْ، أوْ إلى ما في الآيَةِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَةِ أمانِيُّهُمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ والأُمْنِيَةُ أُفْعُولَةٌ مِنَ التَّمَنِّي كالأُضْحُوكَةِ والأُعْجُوبَةِ.

﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في دَعْواكم فَإنَّ كُلَّ قَوْلٍ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ غَيْرُ ثابِتٍ.

﴿ بَلى ﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ ﴿ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أخْلَصَ لَهُ نَفْسَهُ أوْ قَصَدَهُ، وأصْلُهُ العُضْوُ ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ في عَمَلِهِ ﴿ فَلَهُ أجْرُهُ ﴾ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى عَمَلِهِ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ ثابِتًا عَنْ رَبِّهِ لا يَضِيعُ ولا يَنْقُصُ، والجُمْلَةُ جَوابُ مَن إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً.

والفاءُ فِيها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ فَيَكُونُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ: بَلى وحْدَهُ، ويَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿ مَن أسْلَمَ ﴾ فاعِلَ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ مِثْلِ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ ﴿ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ في الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{بلى} إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة {مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} من أخلص نفسه له لا يشرك به غيره {وَهُوَ مُحْسِنٌ} مصدق بالقرآن {فَلَهُ أَجْرُهُ} جواب من أسلم وهو كلام مبتدأ متضمن لمعنى الشرط وبلى رد لقولهم {عِندَ رَبّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ بَلى ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمُ الَّذِي زَعَمُوهُ، وإثْباتٌ لِما تَضَمَّنَهُ مِن نَفْيِ دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ والقَوْلُ بِأنَّهُ رَدٌّ لِما أشارَ إلَيْهِ ﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ مِن نَفْيِ أنْ يَكُونَ لَهم بُرْهانٌ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، ولا بُرْهانَ عَلَيْهِ، ﴿ مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أيِ انْقادَ لِما قَضى اللَّهُ تَعالى وقَدَّرَ أوْ أخْلَصَ لَهُ نَفْسَهُ، أوْ قَصَدَهُ فَلَمْ يُشْرِكْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ، أوْ لَمْ يَقْصِدْ سِواهُ، فالوَجْهُ إمّا مُسْتَعارٌ لِلذّاتِ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ومَعْدِنُ الحَواسِّ، وإمّا مَجازٌ عَنِ القَصْدِ، لِأنَّ القاصِدَ لِلشَّيْءِ مُواجِهٌ لَهُ، ﴿ وهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (أسْلَمَ)، أيْ والحالُ إنَّهُ مُحْسِنٌ في جَمِيعِ أعْمالِهِ، وإذا أُرِيدَ بِما تَقَدَّمَ الشِّرْكُ يُؤَوَّلُ المَعْنى إلى آمَنَ وعَمِلَ الصّالِحاتِ، وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ  الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: «(أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ)،» ﴿ فَلَهُ أجْرُهُ ﴾ أيِ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى ذَلِكَ، لا الَّذِي يَسْتَوْجِبُهُ، كَما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ رِعايَةً لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ، والتَّعْبِيرُ عَمّا وعَدَ بِالأجْرِ إيذانًا بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ حالٌ مِن (أجْرُهُ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ، والعِنْدِيَّةُ لِلتَّشْرِيفِ، والمُرادُ عَدَمُ الضَّياعِ والنُّقْصانِ، وأتى بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ (مَن أسْلَمَ) إظْهارًا لِمَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ (مَن) إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، والفاءُ فِيها لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَكُونُ الرَّدُّ بِـ(بَلى) وحْدَهُ، وما بَعْدَهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا بَطَلَ ما زَعَمُوهُ فَما الحَقُّ في ذَلِكَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مَن) مَوْصُولَةً، فاعِلُ لِيَدْخُلَها مَحْذُوفًا، (وبَلى) مَعَ ما بَعْدَها رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، ويَكُونُ ﴿ فَلَهُ أجْرُهُ ﴾ مَعْطُوفًا عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ، لِأنَّ المُرادَ بِالأُولى التَّجَدُّدُ وبِالثّانِيَةِ الثُّبُوتُ، وقَدْ نَصَّ السَّكّاكِيُّ بِأنَّ الجُمْلَتَيْنِ إذا اخْتَلَفَتا تَجَدُّدًا وثُبُوتًا يُراعى جانِبُ المَعْنى فَيَتَعاطَفانِ، ﴿ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى (مَن) كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ هَذا العَكْسُ إلّا أنَّ الأفْصَحَ أنْ يُبْدَأ بِالحَمْلِ عَلى اللَّفْظِ، ثُمَّ بِالحَمْلِ عَلى المَعْنى لِتَقَدُّمِ اللَّفْظِ عَلَيْهِ في الإفْهامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا، يعني اليهود والنصارى وهم يهود أهل المدينة ونصارى أهل نجران.

لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى واليهود جماعة الهائد، وإنما أراد به اليهود.

وهذا من جوامع الكلم وهذا كلام على وجه الاختصار، فكأنه يقول: وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً.

وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً.

قال الله تعالى رداً لقولهم: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ، أي ظنهم وأباطيلهم.

وهذا كما يقال للذي يدعي ما لا يبرهن عليه: إنما أنت متمن، وإنما يراد به: إنك مبطل في قولك.

ثم قال تعالى: قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ، أي حجتكم من التوراة أو من الإنجيل.

إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي بأن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً أو نصرانياً.

بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، معناه بل يدخل الجنة غيركم، من أسلم وجهه لله، أي من أخلص دينه لله وآمن بمحمد  وَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله، فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، أي ثوابه في الجنة.

وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب حين يخاف أهل النار، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ حين يحزن أهل النار.

ويقال: ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمر الدنيا.

ويقال: الخوف إنما يستعمل في المستأنف، والحزن في الماضي، كما قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ [الحديد: 23] ويقال: الخوف ثلاثة: خوف الأبد، وخوف العذاب على الانقطاع، وخوف الحشر والحساب.

فأما خوف الأبد فيكون أمناً للمسلمين، وخوف العذاب على الانقطاع يكون أمناً للتائبين، وخوف الحشر والحساب يكون أمناً للمحسنين.

والمحسنون يكونون آمنين من ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المَرْءَ مَعَ مَالِهِ، إِنْ قَدَّمَهُ، أَحَبَّ أَنْ يلحقه، وإن خلفه، أحبّ التّخلّف» «١» .

انتهى.

٣٣ أوقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خبرٌ في اللفظ، معناه الوعد والوعيد/.

وقوله تعالى: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى، معناه: قال اليهودُ:

لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، وقال النصارى: لن يدخل الجنة إِلا من كان نصارى، فجمع قولهم.

ودلَّ تفريقُ نوعَيْهم على تفريقِ قولَيْهم، وهذا هو الإِيجازُ واللفُّ.

وهُوداً: جمعُ هَائِدٍ «٢» ، ومعناه: التائبُ الراجعُ، وكذَّبهم اللَّه تعالى، وجعل قولهم أمنيَّةً، وأمر نبيَّه- عليه السلام- بدعائهم إِلى إِظهار البُرْهان، وهو الدليلُ الذي يوقع اليقينَ، وقولهم: «لَنْ» نفي حسُنت بعده «بلى» إذ هي ردٌّ بالإيجاب في جواب النفي، حرف مرتجل لذلك، وأَسْلَمَ: معناه: استسلم، وخضَع، ودان، وخص الوجْهَ بالذكْر لكونه أشرف الأعضاء، وفيه يظهر أثر العِزِّ والذُّلِّ، وَهُوَ مُحْسِنٌ: جملة في موضعِ الحالِ.

وقوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ ...

الآية: معناه: أنه ادعى كلُّ فريقٍ أنه أحقُّ برحمةِ اللَّه من الآخر، وسبب الآية أن نصارى نجران اجتمعوا مع يهود المدينة عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم فتسابُّوا، وكَفَرَ اليهودُ بعيسى وبملَّته، وبالإِنجيلِ، وكَفَر النصارى بموسى وبالتَّوراة.

ع «٣» : وفي هذا من فعلهم كفر كل طائفة بكتابها لأن الإِنجيلَ يتضمَّن صدْقَ موسى، وتقرير التَّوْراة، والتوراةَ تتضمَّن التبشير بعيسى، وكلاهما يتضمّن صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم،

فعنفهم اللَّه تعالى على كذبهم، وفي كتبهم خلافُ ما قالوا.

وفي قوله تعالى: وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ تنبيه لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم على ملازمة القُرْآن، والوقوف عند حدوده، والكتَابُ الذي يتلونه، قيل: هو التوراةُ والإِنجيل، فالألف واللام للْجِنْسِ، وقيل: التوراةِ لأن النصارى تمتثلُها.

وقوله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ يعني: كفار العَرَبِ لأنهم لا كتابَ لهم، فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ...

الآية، أي: فيثيب من كان على شيءٍ، ويعاقب من كان على غَيْر شيء، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ ...

الآيةَ، أي: لا أحد أظلم من هؤلاء، قال ابنُ عَبَّاس وغيره: المراد النصارَى الذين كانِوا يؤذون من يصلِّي ببَيْت المَقْدِسِ «١» ، وقال ابن زَيْد: المراد كُفَّار قريش حين صدّوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم عن المسجِدِ الحرامِ «٢» ، وهذه الآية تتناوَلُ كلَّ من منع من مسجد إِلى يوم القيامة.

وقوله سبحانه: أُولئِكَ مَا كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ ...

الايةَ: فمن جعل الآية في النصارى، روى أنَّه مَرَّ زمَنٌ بعْد ذلك لا يدخل نصرانيٌّ بيْتَ المَقْدِس إِلا أوجع ضرباً، قاله قتادةُ والسُّدِّيُّ «٣» ، ومن جعلها في قريش، قال: كذلك نودي بأمر النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أَلاَّ يَحُجَّ مُشْرِكٌ، وَأَلاَّ يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ «٤» وفَأَيْنَما «٥» شرط، وتُوَلُّوا جزم به،

وفَثَمَّ: جوابه، ووَجْهُ اللَّهِ: معناه: الذي وجَّهنا إِلَيْه كما تقولُ: سافَرْتُ في وجه كذا، أي: في جهة كذا، ويتجه في بعض المواضِعِ من القرآن كهذه الآية أن يراد بالوجْهِ الجِهَةُ الَّتي فيها رضَاهُ، وعلَيْها ثوابُه كما تقول تصدَّقت لوجْهِ اللَّهِ، ويتَّجه في هذه الآية خاصَّة أن يراد بالوجه الجهةُ الَّتي وجهنا إليها في القبلة، واختلف في سبب نزولِ هذه الآية، ٣٣ ب فقال ابنُ عُمَرَ: نزلَتْ هذه الآية في صلاة النافلةِ في السفَرِ، / حيث توجَّهت بالإِنسان دابَّته «١» ، وقال النَّخَعِيُّ: الآية عامَّة، أينما تولوا في متصرَّفاتكم ومساعِيكُمْ، فثَمَّ وجْه اللَّه، أي: موضع رضاه، وثوابه، وجهة رحمته الَّتي يوصِّل إِليها بالطاعة «٢» ، وقال عبد اللَّه بن عامِرِ بنِ ربيعَةَ «٣» : نَزَلَتْ فيمن اجتهد في القبلة «٤» ، فأخطأ، ووَرَدَ في ذلكَ حديثٌ رواه عامرُ بن ربيعة، قال: «كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، فتحرى قَوْمٌ القبلة،

وأَعْلَمُوا عَلاَمَاتً، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أخطئوها، فعرّفوا رسول الله صلّى الله عليه وسلم بذلك، فنزلت هذه الآية» «١» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «اخْتَصَمَ يَهُودُ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ عِنْدَ النَّبِيِّ  ، فَقالَتِ اليَهُودَ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى.

وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، وكَفَرُوا بِالتَّوْراةِ ومُوسى؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ » واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الآَيَةِ مُجْمَلٌ، ومَعْناهُ: قالَتِ اليَهُودَ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.

واليَهُودُ، جَمْعُ: هائِدٍ.

﴿ تِلْكَ أمانِيُّهُمْ ﴾ أيْ: ذاكَ شَيْءٌ يَتَمَنَّوْنَهُ، وظَنٌّ يَظُنُّونَهُ، هَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

﴿ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ ﴾ أيْ: حُجَّتُكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بِأنَّ الجَنَّةَ لا يُدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بِأنَّهُ لَيْسَ كَما زَعَمُوا فَقالَ: ﴿ بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ ﴾ وأسْلَمَ، بِمَعْنى: أخْلَصَ.

وفي الوَجْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الدِّينُ.

والثّانِي: العَمَلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أيْ: في عَمَلِهِ؛ ﴿ فَلَهُ أجْرُهُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُرِيدُ: فَهو يَدْخُلُ الجَنَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ أيْ: كُلٌّ مِنهم يَتْلُوا كِتابَهُ بِتَصْدِيقِ ما كَفَرَ بِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وقَتادَةُ.

﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم مُشْرِكُوا العَرَبِ قالَهُ لِمُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهم أُمَمٌ كانُوا قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى، كَقَوْمِ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، قالَهُ عَطاءٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُرِيدُ حُكْمَ الفَصْلِ بَيْنَهم، فَيُرِيهِمْ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَيانًا [وَمَن يَدْخُلُ النّارَ عَيانًا ] فَأمّا الحُكْمُ بَيْنَهم في العَقَدِ فَقَدْ بَيَّنَهُ لَهم في الدُّنْيا بِما أقامَ عَلى الصَّوابِ مِنَ الحُجَجِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إنَّ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وأقِيمُوا الصَلاةَ ) عُمُومٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ، والمُرَجِّحُ أنَّ ذَلِكَ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، ومُجْمَلٌ مِن وجْهٍ، فَعُمُومٌ مِن حَيْثُ الصَلاةُ الدُعاءُ، فَحَمْلُهُ عَلى مُقْتَضاهُ مُمْكِنٌ، وخَصَّصَهُ الشَرْعُ بِهَيْئاتٍ وأفْعالٍ وأقْوالٍ، ومُجْمَلٌ مِن حَيْثُ الأوقاتُ وعَدَدُ الرَكَعاتِ لا يُفْهَمُ مِنَ اللَفْظِ، بَلِ السامِعُ فِيهِ مُفْتَقِرٌ إلى التَفْسِيرِ، وهَذا كُلُّهُ في أقِيمُوا الصَلاةَ، وأمّا الزَكاةُ فَمُجْمَلَةٌ لا غَيْرَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللهُ هُنا بِالصَلاةِ والزَكاةِ لِتَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى أقْوالِ اليَهُودِ: "راعِنا" لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عن نَوْعِهِ، ثُمَّ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِما يَحُطُّهُ.

والخَيْرُ المُقَدِّمُ مُنْقَضٍ لِأنَّهُ فَعَلَ، فَمَعْنى "تَجِدُوهُ": تَجِدُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، خَبَرٌ في اللَفْظِ مَعْناهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ﴾ مَعْناهُ: قالَ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَ النَصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، فَجَمَعَ قَوْلَهُمْ، ودَلَّ تَفْرِيقُ نَوْعَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ قَوْلَيْهِمْ، وهَذا هو الإيجازُ واللَفُّ، وهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، مِثْلُ عائِدٍ وعُودٍ.

ومَعْناهُ التائِبُ الراجِعُ، ومِثْلُهُ في الجَمْعِ: بازِلٌ وبَزْلٌ، وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبائِرٌ وبُورٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ كَفَطَرَ وعَدَلَ ورَضا.

وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ يَهُودِيٌّ حُذِفَتْ ياءاهُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا"، وكَذَّبَهُمُ اللهُ تَعالى، وجَعَلَ قَوْلَهم أُمْنِيَةً، وقَدْ قَطَعُوا قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ  ﴾ ، وأمَرَ مُحَمَّدٌ  بِدُعائِهِمْ إلى إظْهارِ البُرْهانِ.

وقِيلَ: إنَّ الهاءَ في "هاتُوا" أصْلِيَّةٌ مِن "هاتا، يُهاتِي"، وأُمِيتُ تَصْرِيفُ هَذِهِ اللَفْظَةِ كُلِّهِ إلّا الأمْرُ مِنهُ، وقِيلَ: هي عِوَضٌ مِن هَمْزَةِ آتى، وقِيلَ: ها تَنْبِيهٌ، وأُلْزِمَتْ هَمْزَةُ آتى الحَذْفَ.

والبُرْهانُ: الدَلِيلُ الَّذِي يُوقِعُ اليَقِينَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: طَلَبُ الدَلِيلِ هُنا يَقْضِي بِإثْباتِ النَظَرِ، ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ، وقَوْلُ اليَهُودِ: "لَنْ" نَفْيٌ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "بَلى" إذْ هي رَدٌّ بِالإيجابِ في جَوابِ النَفْيِ، حَرْفٌ مُرْتَجَلٌ لِذَلِكَ، وقِيلَ: هي "بَلْ" زِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِتُزِيلَها عَلى حَدِّ النَسَقِ الَّذِي في "بَلْ".

و"أسْلَمَ" مَعْناهُ: اسْتَسْلَمَ وخَضَعَ ودانَ، ومِنهُ قَوْلُ زِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا وخُصَّ الوَجْهُ بِالذِكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ومَوْضِعَ الحَواسِّ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُلُّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: وجْهُ الأمْرِ، أيْ مُعْظَمُهُ وأشْرَفُهُ، قالَ الأعْشى: أُؤَوِّلُ الحُكْمَ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضائِي بِالهَوى الجائِرِ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، المَقْصِدَ، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وعادَ الضَمِيرُ في "لَهُ" عَلى لَفْظِ "مَن" وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أجْرُهُ"، وعادَ في "عَلَيْهِمْ" عَلى المَعْنى، وكَذَلِكَ في "يَحْزَنُونَ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ في الفاءِ المَرْفُوعَةِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: المُرادُ فَلا الخَوْفُ، فَحُذِفَتِ الألِفُ واللامُ.

والخَوْفُ: هو لِما يُتَوَقَّعُ، والحُزْنُ: هو لِما قَدْ وقَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ ادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ أحَقُّ بِرَحْمَةِ اللهِ مِنَ الآخَرِ.

وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ نَصارى نَجْرانَ اجْتَمَعُوا مَعَ يَهُودِ المَدِينَةِ عِنْدَ النَبِيِّ  ، فَتَسابُّوا، وكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِمِلَّتِهِ وبِالإنْجِيلِ، وكَفَرَ النَصارى بِمُوسى وبِالتَوْراةِ، وفي هَذا مِن فِعْلِهِمْ كَفَرَ كُلُّ طائِفَةٍ بِكِتابِها، لِأنَّ الإنْجِيلَ يَتَضَمَّنُ صِدْقَ مُوسى وتَقْرِيرَ التَوْراةِ، والتَوْراةُ تَتَضَمَّنُ التَبْشِيرَ بِعِيسى وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكِلاهُما تَضَمَّنَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ  .

فَعَنَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ، وفي كُتُبِهِمْ خِلافَ ما قالُوا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ ، تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  عَلى مُلازَمَةِ القُرْآنِ والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، كَما قالَ الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللهِ.

والكِتابُ الَّذِي يَتْلُونَهُ قِيلَ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، فالألِفُ واللامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: التَوْراةُ لِأنَّ النَصارى تَمْتَثِلُها، فالألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ.

اخْتَلَفَ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: عَنى بِذَلِكَ كُفّارَ العَرَبِ ؛ لِأنَّهم لا كِتابَ لَهُمْ، وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَصارى، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ اليَهُودُ، وكَأنَّهُ أُعِيدَ قَوْلُهُمْ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وأخْبَرَهم تَعالى بِأنَّهُ ﴿ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، والمَعْنى بِأنْ يُثِيبَ مَن كانَ عَلى شَيْءٍ أيَّ شَيْءٍ حَقٍّ، ويُعاقِبُ مَن كانَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ.

وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى يُرِيهِمْ عِيانًا مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ومَن يَدْخُلُ النارَ.

و ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُمِّي بِقِيامِ الناسِ مِنَ القُبُورِ، إذْ ذَلِكَ مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ ما في اليَوْمِ، وفي الِاسْتِمْرارِ بَعْدَهُ.

وقَوْلُهُ: "كانُوا" بِصِيغَةِ الماضِي حَسَنٌ عَلى مُراعاةِ الحُكْمِ، ولَيْسَ هَذا مِن وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ اخْتِلافَهم لَيْسَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ في الدُنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ ود كثير ﴾ [البقرة: 109] وما بينهما من قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ [البقرة: 109] الآية اعتراض كما تقدم.

والضمير لأهل الكتاب كلهم من اليهود والنصارى بقرينة قوله بعده: ﴿ إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ .

ومقول القول مختلف باختلاف القائل فاليهود قالت لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً، والنصارى قالت لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، جمع القرآن بين قوليهما على طريقة الإيجاز بجمع ما اشتركا فيه وهو نفي دخول الجنة عن المستثنى منه المحذوف لأجل تفريع الاستثناء، ثم جاء بعده تفريق ما اختص به كل فريق وهو قوله: ﴿ هوداً أو نصارى ﴾ فكلمة (أو) من كلام الحاكي في حكايته وليست من الكلام المحكي فأوْهنا لتقسيم القولين ليرجع السامع كل قول إلى قائله، والقرينة على أن (أو) ليست من مقولهم المحكي أنه لو كان من مقولهم لاقتضى أن كلا الفريقين لا ثقة له بالنجاة وأنه يعتقد إمكان نجاة مخالفه والمعلوم من حال أهل كل دين خلاف ذلك فإن كلاً من اليهود والنصارى لا يشك في نجاة نفسه ولا يشك في ضلال مخالفه وهي أيضاً قرينة على تعيين كل من خبري ﴿ كان ﴾ لبقية الجملة المشتركة التي قالها كل فريق بإرجاع هوداً إلى مقول اليهود وإرجاع نصارى إلى مقول النصارى.

فأو ههنا للتوزيع وهوضرب من التقسيم الذي هو من فروع كونها لأحد الشيئين وذلك أنه إيجاز مركب من إيجاز الحذف لحذف المستثنى منه ولجمع القولين في فعل واحد وهو ﴿ قالوا ﴾ ومن إيجاز القصر لأن هذا الحذف لما لم يعتمد فيه على مجرد القرينة المحوجة لتقدير وإنما دل على المحذوف من القولين بجلب حرف أو كانت (أو) تعبيراً عن المحذوف بأقل عبارة فينبغي أن يعد قسماً ثالثاً من أقسام الإيجاز وهو إيجاز حذف وقصر معاً.

وقد جعل القزويني في «تلخيص المفتاح» هاته الآية من قبيل اللف والنشر الإجمالي أخذاً من كلام «الكشاف» لقول صاحب «الكشاف» «فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله وأمنا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين» فقوله: فلف بين القولين أراد به اللف الذي هو لقب للمحسن البديعي المسمى اللف والنشر ولذلك تطلبوا لهذا اللف نشراً وتصويراً للف في الآية من قوله ﴿ قالوا ﴾ : مع ما بينه وهو لف إجمالي يبينه نشره الآتي بعده ولذلك لقبوه اللف الإجمالي.

ثم وقع نشر هذا اللف بقوله: ﴿ إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ فعلم من حرف (أو) توزيع النشر إلى ما يليق بكل فريق من الفريقين.

وقال التفتزاني في ﴿ شرح المفتاح ﴾ جرى الاستعمال في النفي الإجمالي أن يذكر نشره بكلمة (أو).

والهود جمع هائد أي متبع اليهودية وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ [البقرة: 62] الآية وجمع فاعل على فُعل غير كثير وهو سماعي منه قولهم عوذ جمع عائذ وهي الحديثة النتاج من الظباء والخيل والإبل ومنه أيضاً عائط وعوط للمرأة التي بقيت سنين لم تلد، وحائل وحول، وبازل وبزل، وفاره وفُره، وإنما جاء هوداً جمعاً مع أنه خبر عن ضميره (كان) وهو مفرد لأن (من) مفرداً لفظاً ومراد به الجماعة فجرى ضميره على مراعاة لفظه وجرى خبراً وضميراً على مراعاة المعنى.

والإشارة ب ﴿ تلك ﴾ إلى القولة الصادرة منهم ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ كما هوالظاهر فالإخبار عنها بصيغة الجمع إما لأنها لما كانت أمنية كل واحد منهم صارت إلى أماني كثيرة وإما إرادة أن كل أمانيهم كهذه ومعتادهم فيها فيكون من التشبيه البليغ.

والأماني تقدمت في قوله: ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ [البقرة: 78] وجملة ﴿ تلك أمانيهم ﴾ معترضة.

وقوله: ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ أمر بأن يجابوا بهذا ولذلك فصله لأنه في سياق المحاورة كما تقدم عند قوله: ﴿ قالوا أتجعل فيها ﴾ [البقرة: 30] الآية وأتى بإن المفيدة للشك في صدقهم مع القطع بعدم الصدق لاستدراجهم حتى يعلموا أنهم غير صادقين حين يعجزون عن البرهان لأن كل اعتقاد لا يقيم معتقده دليل اعتقاده فهو اعتقاد كاذب لأنه لو كان له دليل لاستطاع التعبير عنه ومن باب أولى لا يكون صادقاً عند من يريد أن يروج عليه اعتقاده.

و (بلى) إبطال لدعواهما.

و(بلي) كلمة يجاب بها المنفي لإثبات نقيض النفي وهو الإثبات سواء وقعت بعد استفهام عن نفي وهو الغالب أو بعد خبر منفي نحو ﴿ أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى ﴾ [القيامة: 3، 4]، وقول أبي حية النميري: يخبرك الواشون أن لن أحبكم *** بلى وستور الله ذات المحارم وقوله: ﴿ من أسلم ﴾ جملة مستأنفة عن (بلى) لجواب سؤال من يتطلب كيف نقض نفي دخول الجنة عن غير هذين الفريقين أريد بها بيان أن الجنة ليست حكرة لأحد ولكن إنما يستحقها من أسلم إلخ لأن قوله: ﴿ فله أجره ﴾ هو في معنى له دخول الجنة وهو جواب الشرط لأن (من) شرطية لا محالة.

ومن قدر هنا فعلاً بعد (بلى) أي يدخلها من أسلم فإنما أراد تقدير معنى لا تقدير إعراب إذ لا حاجة للتقدير هنا.

وإسلام الوجه لله هو تسليم الذات لأوامر الله تعالى أي شدة الامتثال لأن أسلم بمعنى ألقى السلاح وترك المقاومة قال تعالى: ﴿ فإن حاجّوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني ﴾ [آل عمران: 20].

والوجه هنا الذات عبر عن الذات بالوجه لأنه البعض الأشرف من الذات كما قال الشنفرى: إذا قطعوا رأسي وفي الرأس أكثري *** ومن إطلاق الوجه على الذات قوله تعالى: ﴿ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ﴾ [الرحمن: 27].

وأطلق الوجه على الحقيقة تقول جاء بالأمر على وجهه أي على حقيقته قال الأعشى: وأول الحكم على وجهه *** ليس قضاء بالهوى الجائر ووجوه الناس أشرافهم ويجوز أن يكون (أسلم) بمعنى أخلص مشتقاً من السلامة أي جعله سالماً ومنه ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ [الزمر: 29].

وقوله: ﴿ وهو محسن ﴾ جيء به جملة حالية لإظهار أنه لا يغني إسلام القلب وحده ولا العمل بدون إخلاص بل لا نجاة إلا بهما ورحمة الله فوق ذلك إذ لا يخلو امرؤ عن تقصير.

وجمع الضمير في قوله: ﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ اعتباراً بعموم (من) كما أفرد الضمير في قوله: ﴿ وجهه لله وهو محسن ﴾ اعتباراً بإفراد اللفظ وهذا من تفنن العربية لدفع سآمة التكرار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ ﴾ أمّا المَساجِدُ فَهي مَواضِعُ العِباداتِ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما نُسِبَ إلى التَّعَبُّدِ مِن بُيُوتِ اللَّهِ تَعالى اسْتِعْمالًا لِحَقِيقَةِ الِاسْمِ.

والثّانِي: أنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ، أُقِيمَتْ فِيهِ عِبادَةٌ مِن بُيُوتِ اللَّهِ وغَيْرِها مَسْجِدٌ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ  : « (جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا)» .وَفِي المانِعِ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ، أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ (بُخْتَ نَصَّرَ) وأصْحابُهُ مِنَ المَجُوسِ الَّذِينَ خَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى الَّذِينَ أعانُوا (بُخْتَ نَصَّرَ) عَلى خَرابِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ مُشْرِكٍ، مَنَعَ مِن كُلِّ مَسْجِدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَعى في خَرابِها ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: بِالمَنعِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ فِيها.

والثّانِي: بِهَدْمِها.

﴿ أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: خائِفِينَ بِأداءِ الجِزْيَةِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: خائِفِينَ مِنَ الرُّعْبِ، إنْ قُدِّرَ عَلَيْهِمْ عُوقِبُوا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ قال: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً.

وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً ﴿ تلك أمانيهم ﴾ قال: أماني يتمونها على الله بغير حق ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ يعني حجتكم ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ بما تقولون أنها كما تقولون ﴿ بلى من أسلم وجهه لله ﴾ يقول: أخلص لله.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ من أسلم وجهه لله ﴾ قال: أخلص دينه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ ﴾ (بلى) هاهنا بمنزلته في قوله: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ الإسلام والاستسلام لله -عز وجل- هو الانقياد لطاعته، والقبول لأمره.

ومن هذا قوله: ﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ أي: انقاد، والإسلام الذي هو ضد الكفر من هذا.

ثم ينقسم إلى: متابعة وانقياد باللسان دون القلب، كقوله: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا  ﴾ ، أي: انقدنا من خوف السيف، وإلى متابعة وانقيادٍ باللسان والقلب كقوله: ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ .

ومعنى قوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أي: بذل وجْهَهُ له في السجود (٢) ﴿ أَسْلَمَ ﴾ بمعنى سلَّم، يقال: سلّم الشيءَ لفلانٍ، أي: خَلَّصَه له، وسَلَمَ له الشيء، أي: خَلَصَ له (٣) قال ابن الأنباري: والمسلم على هذا القول: هو المخلصُ لله العبادةَ، فمعنى قوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ ، أي: سلّم وجهه له، بأن صانه عن السجود لغيره، وخَصَّ الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجودِ لم يبخل بسائر جوارحه.

وقال قومٌ من أهل المعاني: أسلمَ وجهَه أي: أسلمَ نفسه وجميع بدنه لأمر الله، والعرب تستعملُ الوجه وهم يريدون نفسَ الشيء، إلا أنَّهم يذكرونه باللفظ الأشرف (٤) ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ  ﴾ .

وقال جماعة: الوجهُ قد يقع صلةً في الكلام (٥) ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أي: انقاد هو لله، ومثله: ﴿ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ  ﴾ أي: انقدت لله بلساني وعَقْدي (٦) (٧) وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ ...

له المزنُ تحملُ عَذْبًا زُلالًا (٨) ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد: وهو مؤمن موحّدٌ (٩)  (١٠) (١١) ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ أي: في عمله (١٢) وهذا دليل (١٣) (١٤) ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ فقال الله تعالى: (بلى) يدخلُها من كان بهذه الصفة.

(١) "تفسير الثعلبي" 1/ 1119.

(٢) ينظر: "تفسير القرطبي" 1/ 451.

(٣) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 131، "تفسير الثعلبي" 1/ 1119.

(٤) قال القرطبي في "تفسيره" 1/ 67: والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 352.

(٥) ذكره أبو حيان في: "البحر المحيط" 1/ 352 معاني (أسلم وجهه) بأنه: أخلص عمله لله أو قصده، أو فوض أمره إلى الله تعالى، أو خضع وتواضع.

ثم قال: وهذه أقوال متقاربة في المعنى، وإنما يقولها السلف على ضرب المثال، لا على أنها متعينة يخالف بعضها بعضًا.

(٦) في (ش): (وعقيدتي).

(٧) هو: زيد بن عمرو بن نفيل العَدَوي، ابنُ عَمِّ عمر بن الخطاب -  - كان يعادي عبادة الأوثان، ولا يأكل مما ذبح عليها، آمن بالنبي  قبل بعثته، قال فيه  : "إنه يبعث أمة وحده" توفي قبل البعثة بخمسِ سنين.

ينظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 105، و"الإصابة" 1/ 569.

(٨) هما بيتان ذكرهما الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1119 هكذا: أسلمت وجهي لمن أسلمت ...

له الأرض تحمل صخرًا ثقالا وأسلمت وجهي لمن أسلمت ...

له المزن تحمل عذبًا زلالا == وينظر في "الروض الأنف" 1/ 266، و"الأغاني" 3/ 17، و"تفسير الرازي" 4/ 4، والبيت الثاني في "تأويل مشكل القرآن" 480، و"الدر المصون" 2/ 73، وينظر: "وضح البرهان في مشكلات القرآن" محمد الغزنوي 1/ 162، وقد ورد البيت الثاني في بعض المصادر: نفسي، بدل وجهي، وماءً، بدل عذبًا.

(٩) في (م): موحد مؤمن).

(١٠) هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة، ولم أجد من نقلها من أهل التفسير.

(١١) "تفسير مقاتل" 1/ 131.

(١٢) ينظر الطبري في "تفسيره" 1/ 494، "تفسير الثعلبي" 1/ 1120 وذكر قولين آخرين: مؤمن، ومُخْلص.

"البحر المحيط" 1/ 352.

(١٣) في (ش): (زيادة دليل في العمل).

(١٤) في (أ) و (م): (في العمل على شرطًا).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة ﴾ الآية: أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلاّ من كان يهودياً، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلاّ من كان نصرانياً ﴿ هُوداً ﴾ يعني اليهود، وهذه الكلمة جمع هايد أو مصدر وصف به، وقال الفرّاء: حذفت منه يا هودا عل غير قياس ﴿ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ أكاذيبهم أو ما يتمنونه ﴿ هَاتُواْ ﴾ أمر على وجه التعجيز، والردّ عليهم، وهو من: هاتى، يهاتي، ولم ينطق به، وقيل: أصله؛ آتوا، وأبدل من الهمزة هاء ﴿ بلى ﴾ إيجاب لما نَفَوا؛ أي يدخلها من ليس يهودياً، ولا نصرانياً ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ﴾ أي دخل في الإسلام وأخلص، وذكر الوجه لشرفه والمراد جملة الإنسان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: قد سلفت.

الوقوف: ﴿ كفاراً ﴾ (ج) لأن ﴿ حسداً ﴾ مصدر محذوف أي يحسدون حسداً، أو حال أو مفعول له وهو أوجه والوصل أجوز ﴿ الحق ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ بأمره ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ الزكاة ﴾ (ط) لأن ما للشرط والشرط مصدر ﴿ عند الله ﴾ (ط) ﴿ بصير ﴾ (ه) ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أمانيهم ﴾ (ط) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ عند ربه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النصارى على شيء ﴾ (ص) لا لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ على شيء ﴾ (ص) لأن الواو للحال ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ مثل قولهم ﴾ (ج) لأن ﴿ فالله ﴾ مبتدأ مع فاء التعقيب ﴿ يختلفون ﴾ (ه).

التفسير: هذا نوع آخر من مكايد اليهود.

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً.

فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟

قالوا شديد.

قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد  ما عشت.

فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.

وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً.

ثم أتيا رسول الله  وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت.

و ﴿ كفاراً ﴾ نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ لـ "يردون" على أنه بمعنى "صير" والحسد من أقبح الخصال الذميمة قال  "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" وقال: "إن لنعم الله أعداء قيل: وما أولئك؟

قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" وقال "ستة يدخلون النار قبل الحساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد" وروي أن موسى لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغتبط بمكانه فقال: إن هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: أحدثك من عمله ثلاثاً: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ويحكى أن عبد الله بن عون دخل على الفضل بن المهلب، وكان يومئذ على واسط فقال: إني أريد أن أعظك بشيء: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ثم قرأ ﴿ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه الله ثم تلا ﴿ اهبطا منها  ﴾ وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق  ﴾ وقال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟

واعلم أنه إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد المحرم الذي ذم الله  صاحبه في هذه الآية وغيرها ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله  ﴾ ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم  ﴾ ﴿ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا  ﴾ وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة المشتقة من النفاسة وليست بحرام لقوله  ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون  ﴾ ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم  ﴾ وقال  "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلم الناس" وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة، وقد تكون واجبة إذا كانت النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، وقد تكون مندوبة في نحو الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم، وقد تكون مباحة.

وللحسد مراتب أربع: الأولى، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث.

الثانية: أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته فالمطلوب بالذات حصولها له، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض.

الثالثة: أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما.

الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه.

وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة منها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف والأولى أخبث قال  : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  ﴾ تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم.

وأسباب الحسد سبعة: أولها العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه الحقد المنشئ للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها  ﴾ .

وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع والتقاتل، وثانيها التعزز فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً فترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه.

وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته.

وثالثها: أن يكون في طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا  ﴾ كالاستحقار لهم والأنفة منهم.

ورابعها: التعجب ﴿ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم  ﴾ وخامسها: الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد، كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة.

وسادسها: حب الرياسة كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه.

ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا لله  ، ومن طمع في المحال خاب وخسر.

وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره.

وقد يجتمع بعض هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور الدنيوية، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين.

وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب اليقين، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ وأما علاج الحسد فأمران: العلم والعمل.

أما العلم ففيه مقامان: إجمالي وهو أن يعلم أن الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يرده كراهية كاره ولا يجره إرادة مريد.

وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان حيث كره حكم الله وقسمته في عباده وغش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ومورث للوسواس، ومكدر للحواس.

ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه الله على ذلك.

وقد ينتفع في دنياه أيضاً من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك إلى أن يقضي بك إلى الدنف والتلف.

اصبر على مضض الحسو *** د فـإن صبــرك قائلــه النــار تـأكـل نفسـها *** إن لــم تجـد مـا تأكلـه وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من الله  بمزيد الفضائل.

لا مات أعداؤك بل خلـدوا *** حتى يروا منك الـذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة *** فإنما الكامـل مـن يحسـد والحاسد مذموم بين الخلق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجراً إلى عدو ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه فيعود ثانياً فيرميه أشد من الأول فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، فيعود ثالثاً فيرجع على رأسه فيشدخه، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون؟

هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

وأما العمل فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوباً محباً له، ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم  ﴾ ، وذلك التكلف يصير بالآخرة طبعاً والله الموفق.

واعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟

وإنما الاخل تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعدما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، فألقوا إليهم ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه.

الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة.

قوله ﴿ من عند أنفسهم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ود ﴾ أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعدما تبين لهم أنكم على الحق، وإما أن يتعلق بـ ﴿ حسداً ﴾ أي منبعثاً من أصل نفوسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائماً بل ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن أنه المجازاة يوم القيامة، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين، والأكثرون على أنه الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية، وتحمل الذل والصغار.

والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعاً فليس كقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ بل يحل محل قوله ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ إلى أن أنسخه عنكم.

عن الباقر  : إنه لم يؤمر رسول الله  بقتال حتى نزل جبريل بقوله ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا  ﴾ وقلده سيفاً فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر.

فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟

قلنا: إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على بعض التشفي والإستعانة بسائر أصحابه، فأمروا أن لا يهيجوا قتالاً وفتنة.

وأيضاً القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ وأيضاً جعل الصابر إلى القوة قوياً ليظهره على الدين كله.

وقيل: المراد بالعفو والصفح حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد، وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة.

وكذا لو قيل: المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم بالعفو والصفح، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع، فعمم بعدما خص تنبيهاً على أن الثواب لا يختص بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه، لأن وجدان عين تلك الأشياء غير مطلوب ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ لا يخفى عليه شيء من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة ﴾ نوع آخر من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في ﴿ وقالوا ﴾ لهم والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصارى، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا  ﴾ والهود جمعم هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ، والعائذ الحديثة النتاج من النوق، والبازل الذي خرج نابه، ووحد اسم "كان" حملاً على لفظ "من" وجمع خبره حملاً على المعنى ومثله ﴿ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم  ﴾ ﴿ تلك أمانيهم ﴾ على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل هذه وهي قولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أو أشير بتلك إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية، وودادتهم أن يردوهم كفاراً أمنية، وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أمنية أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ متصل بقوله ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ و ﴿ تلك أمانيهم ﴾ اعتراض على هذا.

وهات الشيء اسم فعل معناه أعط، ويتصرف فيه بحسب المأمور هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وقيل: الصحيح أنه ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة، وأصله آت من الإيتاء.

برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعواكم، وفيه دليل واضح على أن المدعي نفياً أو إثباتاً لا بدل له من برهان وإلا فدعواه باطلة.

مـن ادعـى شيئاً بلا شـاهد *** لا بـد أن تبطـل دعــواه ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وقوله ﴿ من أسلم ﴾ إلى آخره جملة شرطية مستأنفة، ويجوز أن يكون ﴿ من أسلم ﴾ فاعلاً لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم ويكون قوله ﴿ فله أجره ﴾ كلاماً معطوفاً على يدخلها ﴿ من أسلم ﴾ وفيه إشارة إلى أن لهؤلاء الداخلين برهاناً وهو استسلام النفس وانقيادها لطاعة الله مع الإحسان وفيه ترغيب لهم في الإسلام وبيان لمفارقة حالهم حال من يدخل الجنة كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس وينبوع الفكر والتخييل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى، ولأن الوجه قد يكنى به عن النفس والذات ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى  ﴾ ولأن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه.

وهذا الإسلام أخص من الإسلام الذي ورد في الحديث "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" لأن هذا عبارة عن الإذعان الكلي بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال والأوقات، وهو الإسلام الذي أمر به إبراهيم  ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ ويؤكد ذلك قوله ﴿ لله ﴾ أي خالصاً له لا يشوبه شرك فلا يكون عابداً مع الله غيره ولا معلقاً رجاءه بغيره، وزاد التأكيد بقوله ﴿ وهو محسن ﴾ أي حال كونه محسناً في عمله، ومعنى الإحسان هو الذي في الحديث "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولا ريب أن العبادة على هذا الوجه لا تصدر إلا عن صدق النية وصفاء الطوية، فإن مثول العبد بين يدي مولاه يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فلا يقع قصده فيما هو فيه إلا لوجه الله فلا يصدر عنه شيء من السيئات، وأما الطاعات والمباحات فتكون مقتضية لتزايد الحسنات ورفع الدرجات في الخبر "من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" وذلك أن المتطيب إن كان قصده التنعم واستيفاء اللذات أو التودد إلى النسوان كان المتطيب معصية، وإن كان قصده إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد فهو عين الطاعة، وكذا الكلام في المناكح والمطاعم والمشارب.

والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب، روي أن رجلاً في بني إسرائيل مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس.

فأوحى الله  إلى نبيه قل له: إن الله قد صدقك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.

وليس النية أن يقول في نفسه أو بلسانه عند تدريسه أو تجارته "نويت أن أدرس لله أو أتجر لله" هيهات أنها لحديث نفس أو لسان وما ذاك إلا كقول الفارغ "نويت أن أعشق" وأما النية فهي انبعاث النفس وميلها إلى سلوك طريق الحق في كل فعل، فاجتهد في تصيير ذلك ملكة لنفسك.

"وللناس فيما يعشقون مذاهب" *** فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ومنهم من يعمل لباعث الطمع في الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات أكثر أهل الجنة البله" ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما جمع الله  أهل الكتابين في الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل فريق في حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان السبب خاصاً لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين في حق الأخرى.

روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله  أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل.

وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة.

ومعنى ﴿ على شيء ﴾ أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب "أقل من لا شيء" عن ابن عباس: والله صدقوا.

قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما يعتد به إذا كان مؤمناً برسوله وبكل ما أنزله ﴿ وهم يتلون الكتاب ﴾ الواو للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، لأن جميع الكتب السماوية متواردة في تصديق بعضها بعضاً ﴿ كذلك ﴾ الكاف للتشبيه و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور أي قولاً مثل الذي سمعت به ﴿ قال الذين لا يعلمون ﴾ و ﴿ مثل قولهم ﴾ مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة.

والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم فقالوا قولاً عن التشهي والعصبية مثلهم ﴿ فالله يحكم بينهم ﴾ أي بين اليهود والنصارى يوم القيامة.

عن الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكافرين الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإلى المسلمين، ويحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، فينتصر من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، أو يريهم من يدخل الجنة عياناً ويدخل النار عياناً أعاذنا الله  منها.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أَن قالوا ذلك جميعاً؛ لما أَرادوا أَن يُروا الناس الموافقة فيما بينهم؛ ليرغبوا في دينهم، وينفروا عن دين الإِسلام، وإن كانوا هم - في الباطن - على الخلاف والعداوة.

ويحتمل: أَن يكون ذلك القولُ من كل فريق في نفسه، لا عن كل الفريقين جميعاً على الموافقة.

دليله: قوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ ﴾ دلت الآية أن ذلك القولَ لم يكن من الفريقين جميعاً على الموافقة، ولكن كان من كلٍّ في نفسه على غير موافقة منهم ولا مساعدة، والله أعلم.

ثم في الآية دليلٌ، لزم الدليل على النَّافي؛ لأَنهم نفوا دخول غيرهم الجنَّة بقولهم: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ فطلبوا بالبرهان بقوله: ﴿ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أنه لا يدخل فيها سواكم.

فإن قيل: إنهم إذا نفوا دخول غيرهم فيها ادعوا لأنفسهم الدخول، فإنما طولبوا بالبرهان على ما ادعوا، وليس على ما نَفَوا.

قيل: لا يحتمل ذا؛ لأَنهم لم يذكروا دخول أنفسهم تصريحاً، إنما نفوا دخول غيرهم وهو كمن يقول: لا يدخل هذه الدار إلا فلانٌ وفلان، ليس فيه أن فلاناً وفلاناً يدخلان ولكن فيه نفيُ دخول غيرهما.

أَو نقول: نَفَوْا دخول غيرهم تصريحاً، وادعوا لأَنفسهم الدخول مستدلا، وإنما يطلب الحجة على مُصَرَّح قولهم، لا على مستدلَّهم.

أَلا ترى أَن الجواب من الله - عز وجل - بالإكذاب والرد عليهم خرج على ما نفوا دخول غيرهم، وهو قوله: ﴿ بَلَىٰ ﴾ - يدخل الجنة - ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .

ألا ترى إلى ما رُوي عن رسول الله  أَنه قال: "لا نكاح إلا بشهود" ليس فيه إثبات النكاح إذا كان ثَّم شهود؛ ولكن فيه نفي النكاح بغير شهود تصريحاً.

ألا ترى أَن من قال: لا نكاح إلا بشهود، لا يسأَل أَنْ: لِم قلت: إن النكاح يجوز بالشهود؟

ولكن يسأَل أَنْ: لِمَ قلت: إنه لا يجوز بغير شهود؟

فعلى ذلك قوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ليس فيه إثبات الدخول لهم تصريحاً، وفيه نفي دخول غيرهم تصريحاً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ .

قد قلنا: إنه خرج مخرج الرد عليهم، والإنكار لحكمهم على الله؛ فقال: بل يدخلها من أَسلم وجهه لله وهو محسن.

ثم اختلف في قوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ ﴾ .

قيل: أخلص دينه لله وعمله.

وقيل: أَسلم نفسه لله.

وقد يجوز أن يذكر الوجه على إرادة الذات، كقوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ  ﴾ أي: إلا هو.

وقيل: أَسلم، أَي: وجه أَمره إلى دينه فأَخلص.

وبعضُه قريب من بعض.

أَسلم نفسه لله أَي بالعبودية؛ كقوله: ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ  ﴾ .

وذلك معنى الإِسلام: أَن تُخْلص نفسك لله، لا تجعل لأَحد شركاً من عبودة، ولا من عبادة.

وقوله: ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

قد ذكرنا متضمنها فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَارَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

فإن قيل: كيف عاتبهم بهذا القول، وقد أَمر نبيه -  - في آية أُخرى أَن يقول لهم ذلك ﴿ قُلْ يَـٰأَهْلَ ٱلْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوْرَاةَ  ﴾ .

قيل: إنما أَمر نبيه: أَن يقول لهم: إنهم ليسوا على شيء إذا لم يقيموا التوراة، فأَما إذا أَقاموا التوراة - وفيها أَمر لهم بالإسلام، واتباع الرسول محمد - فهُم على شيء.

ومعنى هذا الكلام - والله أعلم - أن قال لهم: كيف قلتم ذلك، وعندكم من الكتاب ما يبين لكم، ويميز الحق من الباطل، ويرفع من بينكم الاختلاف، لو تأَملتم فيه وتدبرتم؟!

ويحتمل: أَن كل فريق منهم لما قال لفريق آخر ذلك: أنهم ليسوا على شيء، أكذبهم الله -  - وردّ عليهم: بلى من أَسلم منهم فهم على شيء؛ لأَنه كان أَسلم من أَوائلهم.

ويحتمل: أَنهم ليسوا على شيء، على نفس دعاويهم، وقولِهم في الله بما لا يليق، وهم على شيء، في تكذيب بعضهم بعضاً بما قالوا.

وقيل: لما قالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين؛ فما لك يا محمد اتبع ديننا؛ فإنهم ليسوا على شيء؛ وكذلك قول الفريق الآخر لأُولئك.

ثم اختلف في "الإسلام": قيل: الإسلام هو الخضوع.

وقيل: الإسلام هو الإخلاص بالأفعال، وهو أَن يُسْلم نفسه لله، أَو يسلم دينه، لا يشركه فيه.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ .

قيل: الذين لا يعلمون: الذين لا كتاب لهم، وهم مشركو العرب.

وقيل: الذين لا يعلمون: هم الذين لا يقدرون على تلاوة [القرآن و] الكتاب، وتمييز ما فيه، وهم جهالهم.

سوَّى - عز وجل - بينهم في القول - مَنْ علم منهم ومَن لم يعلم - لأن من علم منهم لم ينتفع بعلمه؛ فكان كالذي لم يعلم شيئاً، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم في قوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ  ﴾ أَنه سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بالآيات، والأَسباب التي أَعطاهم الله - عز وجل - والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ .

بالعذاب؛ لاختلافهم فيما بينهم، وبقولهم في الله بما لا يليق،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما يدخل الجنّة كل من أخلص لله متوجهًا إليه، وهو -مع إخلاصه- محسن في عبادته باتباع ما جاء به الرسول فذاك الَّذي يدخل الجنّة من أي طائفة كان، وله ثوابه عند ربه، ولا خوف عليهم فيما يستقبلون من الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا.

وهي أوصاف لا تتحقق بعد مجيء النبي محمد  إلّا في المسلمين.

من فوائد الآيات أن الأمر كله لله، فيبدل ما يشاء من أحكامه وشرائعه، ويبقي ما يشاء منها، وكل ذلك بعلمه وحكمته.

حَسَدُ كثير من أهل الكتاب هذه الأمة، لما خصَّها الله من الإيمان واتباع الرسول، حتَّى تمنوا رجوعها إلى الكفر كما كانت.

<div class="verse-tafsir" id="91.mGbew"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا بيان لحالين آخرين من أحوال أهل الكتاب في غرورهم بدينهم ما كان المسلمون قبل نزول الآيات يعرفونها.

أما الأولى فيما بينه تعالى بقوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى  ﴾ وهو عطف على قوله ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ  ﴾ أي قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى كذلك في أنفسهم، وهو اختصار بديع غير مخل.

وهذه عقيدة الفريقين إلى اليوم ولا ينافي انسحاب حكمها على الآخرين أن نفرًا من الأولين قالوا ذلك بين يدي النبي  كما يروى.

وقد بين لنا تعالى أن هذا القول لا حجة له في كتبهم المنزلة فقال ﴿ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه المرء ولا يدركه.

وهذا القول ناطق بأمنية واحدة ولكنها تتضمن أماني متعددة هي لوازم لها كنجاتهم من العذاب وكوقوع أعدائهم فيه وحرمانهم من النعيم، ولهذا ذكر الأماني بالجمع ولم يقل تلك أمنيتهم.

ثم طالبهم تعالى بالبرهان على دعواهم فقرر لنا قاعدة لا توجد في غير القرآن من الكتب السماوية وهي أنه لا يُقْبَل من أحد قول لا دليل عليه، ولا يحكم لأحد بدعوى ينتحلها بغير برهان يؤيدها ذلك أن الأمم التي خوطبت بالكتب السالفة لم تكن مستعدة لاستقلال الفكر ومعرفة الأمور بأدلتها وبراهينها ولذلك اكتفى منهم بتقليد الأنبياء فيما يبلغونهم وإن لم يعرفوا برهانه، فهم مكلفون أن يفعلوا ما يؤمرون سواء عرفوا لماذا أمروا أم لم يعرفوا، ولكن القرآن يخاطب من أنزل عليه بمثل قوله ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي  ﴾ وقد فسروا البصيرة بالحجة الواضحة، ويستدل على قدرة الله وإرادته وعلمه وحكمته ووحدانيته بالآيات الكونية وهي كثيرة جدًا في القرآن، وبالأدلة النظرية والعقلية كقوله ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا  ﴾ وغير ذلك، ويستدل على الأحكام بما يترتب عليها من نفي المضرات والإفضاء إلى المنافع.

علم القرآن أهله أن يطالبوا الناس بالحجة، لأنه أقامهم على سواء المحجة، وجدير بصاحب اليقين أن يطالب خصمه به ويدعوه إليه.

وعلى هذا درج سلف هذه الأمة الصالح، قالوا بالدليل وطالبوا بالدليل ونهوا عن الأخذ بشيء من غير دليل، ثم جاء الخلف الطالح فحكم بالتقليد، وأمر بالتقليد، ونهى عن الاستدلال على غير صحة التقليد، حتى كأن الإسلام خرج عن حده، أو انقلب إلى ضده، وصار الذين يعلمون أن الإسلام امتاز عن سائر الأديان بإبطال التقليد، وبالمطالبة بالبرهان والدليل، وعلم الناس استقلال الفكر، مع المشاورة في الأمر، يطالبون المسلمين بالرجوع إلى الدليل، ويعيبون عليهم الأخذ بقال وقيل، ويا ليته كان الأخذ بقال الله، وقيل فيما يروى عن رسول الله، ولكنه الأخذ بقال فلان وقيل عن علان ﴿ إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ  ﴾ .

قال تعالى ردًا عليهم ﴿ بَلَى  ﴾ وهي كلمة تذكر في الجواب لإثبات نفي سابق فهي مبطلة لقولهم ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ  ﴾ إلخ، أي بلى إنه يدخلها من لم يكون هودًا ولا نصارى لأن رحمة الله ليست خاصة بشعب دون شعب، وإنما هي مبذولة لكل من يطلبها ويعمل لها عملها، وهو ما بينه  بقوله ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ  ﴾ إسلام الوجه لله هو التوجه إليه وحده وتخصيصه بالعبادة دون سواه كما أشار إلى ذلك في قوله ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ  ﴾ وغيرها من الآيات.

وقد عبر هنا عن إسلام القلب وصحة القصد إلى الشيء بإسلام الوجه كما عبر عنه بتوجيه الوجه في قوله تعالى حكاية إبراهيم ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ  ﴾ لأن قاصد الشيء يقبل عليه بوجهه لا يوليه دبره، فلما كان توجيه الوجه إلى شيء له جهة تابعًا لقصده واشتغال القلب به عبر عنه به وجعل التوجه بالوجه إلى جهة مخصوصة "وهي القبلة" بأمر الله مذكرًا بإقبال القلب على الله الذي لا تحدده الجهات، فالإنسان يتضرع ويسجد لله تعالى بوجهه وعلى الوجه يظهر أثر الخشوع.

وظاهر أن المراد من إسلام الوجه لله توحيده بالعبادة والإخلاص له في العمل، بأن لا يجعل العبد بينه وبينه وسطاء يقربونه إليه زلفى، فإنه أقرب إليه من حبل الوريد.

ومن هنا يفهم معنى الإسلام الذي يكون به المرء مسلمًا.

ذكر التوحيد والإيمان الخالص ولم يحمل عليه الوعد بالأجر عند الله تعالى واستحقاق الكرامة في دار المقامة إلا بعد أن قيده بإحسان العمل فقال ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ  ﴾ وتلك سنة القرآن تقرن الإيمان بعمل الصالحات كقوله ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا  وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا  ﴾ .

وهذا في معنى الآيات التي نفسرها.

نفى أماني المسلمين كما نفى أماني أهل الكتاب، وجعل أمر سعادة منوطًا بالإيمان والعمل الصالح معًا.

وكقوله ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ  ﴾ الآية.

ثم بعد أن أثبت للمسلم وجهه إلى الله والمحسن في عمله الأجر عند الله نفى عنه الخوف الذي يرهق الكافرين والمسيئين في هذه الدنيا وفي تلك الدار الآخرة والحزن الذي يصيبهم فقال ﴿ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  ﴾ ولاشك أن المخاوف والأحزان تساور الذين لبسوا إيمانهم بظلم الوثنية وأساءوا أعمالهم بالإعراض عن الهداية الدينية.

ترى أصحاب النزغات الوثنية في خوف دائم مما لا يخيف لأنهم يعتقدون بثبوت السلطة الغيبية القاهرة لكل ما يظهر لهم منه عمل لا يهتدون إلى سببه ولا يعرفون تأويله، يستخذون للدجالين والمشعوذين من حوادث الطبيعة الغريبة، إذا لاح لهم نجم مذنب تخيلوا أنه منذر يهددهم بالهلاك، وإذا أصابتهم مصيبة بما كسبت أيديهم من الفساد توهموا أنها من تصرف بعض العباد، وتراهم في جزع وهلع من حدوث الحوادث، ونزول الكوارث، لا يصبرون في البأساء والضراء، ولا ينفقون في الرخاء والسراء ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلَّا الْمُصَلِّينَ  الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ  ﴾ هذه حال من فقد التوجيه الخالص وحرم من العمل الصالح في هذه الحياة الدنيا ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ  ﴾ وإنما كان صاحب النزعات الوثنية في خوف مما يستقبله، وحزن مما ينزل به، لأن ما اخترعه له وهمه من السلطة الغيبية لغير الله التي يحكمها في نفسه، ويجعلها حجابًا بينه وبين ربه، لا يمكنه أن يعتمد في الشدائد عليها، ولا يجد عندها غناء إذا هو لجأ إليها، وما هو من سلطتها على يقين، وإنما هو من الظانين أو الواهمين.

وأما ذو التوحيد الخالص فهو يعلم أنه لا فاعل إلا الله تعالى وأنه من رحمته قد هدى الإنسان إلى السنن الحكيمة التي يجري عليها في أفعاله، فإذا أصابه ما يكره بحث في سببه واجتهد في تلافيه من السنة التي سنها الله تعالى لذلك، فإن كان أمرًا لا مرد له سلم أمره فيه إلى الفاعل الحكيم، فلا يحار ولا يضطرب لأن سنده قوي عزيز، والقوة التي يلجأ إليها كبيرة لا يعجزها شيء، فإذا نزل به سبب الحزن أو عرض له مقتضى الخوف لا يكون أثرهما إلا كما يطيف الخاطر بالبال، ولا يلبث أن يعرض له الزوال ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ  ﴾ فكأنه تعالى يقول لأهل الكتاب: لا تغرنكم الأماني ولا يخدعنكم الانتساب الباطل إلى الأنبياء، فهذه هي طريق الجنة، أسلموا وجوهكم لله تسلموا، واعملوا الصالحات تؤجروا، وقد أفرد الضمير في قوله ﴿ فَلَهُ أَجْرُهُ  ﴾ مراعاة للفظ (من) وجمعه في قوله ﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ  ﴾ إلخ مراعاة لمعناها.

بعد أن ذكر تزكية كل فريق من أهل الكتاب نفسه وحكمه بحرمان غيره من رحمة الله كيفما كانت حاله ذكر طعن كل فريق منهما بالآخر خاصة فقال ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ  ﴾ من الدين حقيقي يعتد به، فالشيء في اللغة هو الموجود المتحقق والاعتقادات الخيالية التي لا تنطبق على موجود في الخارج لا تسمى شيئًا، فكفروا بعيسى وهم يتلون التوراة التي تبشر به وتذكر من العلامات ما ينطبق عليه، ولا تزال اليهود إلى اليوم تدعي أن المسيح المبشر به في التوراة لما يأت وتنتظر ظهوره وإعادته الملك إلى شعب إسرائيل ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ  ﴾ من الدين حقيقي يعتد به لإنكارهم المسيح المتمم لشريعتهم، يقول كل فريق منهم ما يقول ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ  ﴾ أي يتلو كل منهم كتابه، فكتابه الأولين (التوراة) يبشر برسول منهم ظهر ولم يؤمنوا به فهم مخالفون لكتابهم، وكتاب الآخرين (الإنجيل) يقول بلسان المسيح إنه جاء متممًا لناموس موسى لا ناقضًا له وهم قد نقضوه، فدينهم واحد ترك بعضهم أوله وبعضهم آخره فلم يؤمن به كله أحد منهم، والكتاب الذي يقرأون حجة عليهم.

ثم قال تعالى ﴿ كَذَلِكَ  ﴾ أي نحو ذلك السخف والجزاف ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ من مشركي العرب وغيرهم من أهل الملل ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ  ﴾ تعصب كل لملته التي جعلها جنسية وزعم أنها هي المنجية لكل من وسم بها، ورضي باسمها ولقبها، والحق وراء جميع المزاعم لا يتقيد بأسماء ولا بألقاب، وإنما هو إيمان خالص وعمل صالح، ولو اهتدى الناس إلى هذا لما تفرقوا في الدين واختلفوا في أصوله ولكنهم تعصبوا وتحزبوا لأهوائهم، فتفرقوا واختلفوا في آرائهم ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ فإنه هو العليم بما عليه كل فريق من حق وباطل.

ولم يبين لنا تعالى هنا بماذا يحكم.

وقال بعض المفسرين إنه يكذبهم جميعًا ثم يلقيهم في النار، ولكن الذي يدل عليه القرآن أنه يحق الحق ويجعل أهله في النعيم، ويبطل الباطل ويلقي بأهله في الجحيم.

هذا هو معنى الآية ويروى في سبب نزولها أن يهود المدينة تماروا مع وفد نصارى نجران عند النبي  فقال كل فريق منهم ما قال في إنكار حقيقة دين الآخر.

ولكن فهم الآية لا يتوقف على هذه الرواية فالآية تحكي لنا اعتقاد كل طائفة بالأخرى سواء قال ذلك من ذكر أو لم يقله.

على أن ما يروى في أسباب النزول من مثل ذلك هو من تاريخ الآيات وما فيها من الوقائع، وما روي في أسباب النزول عندنا غير كاف في ذلك فلا بد لنا من البحث والاطلاع على تاريخ الملل والأمم التي تكلم عنها القرآن لأجل أن نفهمه تمام الفهم ونعرف ما يحكيه عنهم من العقائد والشؤون والأعمال هل كان عامًا فيهم أو كان في طائفة منهم وأسند إلى الأمة لما نبهنا عليه مرارًا من إرادة تكافلها ومؤاخذة الجميع بما يصدر عن بعض الأفراد لأنهم كلفوا إزالة المنكر والتناهي عنه؟

والعبرة في الآية أن أهل الكتاب في تضليل بعضهم بعضًا واعتقاد كل واحد في الآخر أنه ليس على شيء حقيقي من أمر الدين، مع أن كتاب اليهود أصل لكتاب النصارى، وكتاب النصارى متمم لكتاب اليهود، قد صاروا إلى حال من التهافت واتباع الأهواء، لا يعتقد معها بقول أحد منهم في نفسه ولا في غيره، فطعنهم في النبي  وإعراضهم عن الإيمان به لا ينهض حجة على كونهم علموا أنه مخالف للحق، بل لا يصلح شبهة على ذلك لأنهم أهل أهواء، وتعصب للمذاهب المبتدعة والآراء، فإذا كانت اليهود كفرت بعيسى وأنكرته وهو منهم وهم ينتظرونه لإعادة مجدهم وتجديد عزهم، وإذا كانت النصارى قد رفضت التوراة وكفرت أهلها وهي حجتهم على دينهم، فكيف يعتد بكفر هؤلاء وهؤلاء بمحمد  وهو من شعب غير شعبهم، وقد جاء بشريعة ناسخة لشرائعهم، وهم لا يفهمون من الدين إلا أنه جنسية دنيوية لهم؟

وفي الآية إرشاد إلى بطلان التقليد مؤيد لما في الآية التي تطالب المدعي بالبرهان وإلى النعي على المقلدين المتعصبين لآرائهم، المتبعين لأهوائهم، وإلى التحري في الحكم على الشيء يعتقد الحاكم بطلانه لأنه مخالف لما يعتقده، فلا ينبغي للعاقل أن يحكم على شيء إلا بعد البحث والتحري ومعرفة مكان الخطأ والتنزيل بينه وبين ما عساه يكون معه صوابًا.

ألم تر أن سياق الآيات ناطق بإنكار حكم كل من الفريقين على الآخر من غير بينة ولا برهان، ولا فصل ولا فرقان، مع أن كل واحد منهم على شيء من الحق وشيء من الباطل لأن أصل دينه حق ثم طرأت عليه نزعات الوثنية والبدع وعرض له التحريف والتأويل، فتجريده من كل حق لم يكن إلا تعصبًا للتقاليد من غير بينة ولا تمحيص، وأنَّى للمقلدين بذلك؟

وانظر كيف ألحق التقليد أهل الكتاب الذين كانوا على علم بالدين الإلهي بالمشركين الذين لا يعلمون منه شيئًا، هذا ما فعله التقليد بهم وبمن بعدهم لأنه عدو للعلم في كل زمان وكل مكان.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر