الآية ١١٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٨ من سورة البقرة

وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌۭ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍۢ يُوقِنُونَ ١١٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 101 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، إن كنت رسولا من الله كما تقول ، فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه .

فأنزل الله في ذلك من قوله : ( وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ) وقال مجاهد [ في قوله ] ) وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية ) قال : النصارى تقوله .

وهو اختيار ابن جرير ، قال : لأن السياق فيهم .

وفي ذلك نظر .

[ وحكى القرطبي ( لولا يكلمنا الله ) أي : لو يخاطبنا بنبوتك يا محمد ، قلت : وظاهر السياق أعم ، والله أعلم ] .

وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، والسدي في تفسير هذه الآية : هذا قول كفار العرب ( كذلك قال الذين من قبلهم [ مثل قولهم ] ) قالوا : هم اليهود والنصارى .

ويؤيد هذا القول ، وأن القائلين ذلك هم مشركو العرب ، قوله تعالى : ( وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون ) [ الأنعام : 123 ] .

وقوله تعالى : ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) [ الإسراء : 90 ، 93 ] ، وقوله تعالى : ( وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ) [ الفرقان : 21 ] ، وقوله : ( بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة ) [ المدثر : 52 ] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به ، إنما هو الكفر والمعاندة ، كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم ، كما قال تعالى : ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة ) [ النساء : 153 ] وقال تعالى : ( وإذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ) [ البقرة : 55 ] .

وقوله : ( تشابهت قلوبهم ) أي : أشبهت قلوب مشركي العرب قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو ، كما قال تعالى : ( كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون ) [ الذاريات : 52 ، 53 ] .

وقوله : ( قد بينا الآيات لقوم يوقنون ) أي : قد وضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة أخرى ، لمن أيقن وصدق واتبع الرسل ، وفهم ما جاءوا به عن الله تبارك وتعالى .

وأما من ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فأولئك الذين قال الله تعالى فيهم : ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 96 ، 97 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: ( وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ) ، فقال بعضهم: عنى بذلك النصارى.

* ذكر من قال ذلك: 1860- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله جل وعز: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) ، قال: النصارى تقوله.

1861- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله - وزاد فيه (وقال الذين لا يعلمون) ، النصارى.

* * * وقال آخرون: بل عنى الله بذلك اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: 1862- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير.

وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل ، قالا جميعا: حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس قال، قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن كنت رسولا من عند الله كما تقول ، فقل لله عز وجل فليكلمنا حتى نسمع كلامه!

فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قوله: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) ، الآية كلها.

(63) * * * وقال آخرون: بل عنى بذلك مشركي العرب.

* ذكر من قال ذلك: 1863- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية) ، وهم كفار العرب.

1864- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) ، قال: هم كفار العرب.

1865- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي: (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله) ، أما الذين لا يعلمون: فهم العرب.

* * * وأولى هذه الأقوال بالصحة والصواب قول القائل: إن الله تعالى عنى بقوله: (وقال الذين لا يعلمون)، النصارى دون غيرهم.

لأن ذلك في سياق خبر الله عنهم ، وعن افترائهم عليه وادعائهم له ولدا.

فقال جل ثناؤه ، مخبرا عنهم فيما أخبر عنهم من ضلالتهم أنهم مع افترائهم على الله الكذب بقوله: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ، تمنوا على الله الأباطيل ، فقالوا جهلا منهم بالله وبمنـزلتهم عنده وهم بالله مشركون: (لولا يكلمنا الله ) ، كما يكلم رسوله وأنبياءه ، أو تأتينا آية كما أتتهم؟

ولا ينبغي لله أن يكلم إلا أولياءه ، ولا يؤتي آية معجزة على دعوى مدع إلا لمن كان محقا في دعواه وداعيا إلى الله وتوحيده، فأما من كان كاذبا في دعواه وداعيا إلى الفرية عليه وادعاء البنين والبنات له ، فغير جائز أن يكلمه الله جل ثناؤه ، أو يؤتيه آية معجزة تكون مؤيدة كذبه وفريته عليه.

وأمّا الزاعم: أن الله عنى بقوله (64) (وقال الذين لا يعلمون) العرب ، فإنه قائل قولا لا خبر بصحته ، ولا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب.

والقول إذا صار إلى ذلك كان واضحا خطؤه ، لأنه ادعى ما لا برهان على صحته ، وادعاء مثل ذلك لن يتعذر على أحد.

* * * وأما معنى قوله: (لولا يكلمنا الله) ، فإنه بمعنى: هلا يكلمنا الله!

كما قال الأشهب بن رميلة: (65) تعـدون عقـر النيـب أفضـل مجدكم بنـي ضوطـرى , لـولا الكمي المقنعا (66) بمعنى: فهلا تعدون الكمي المقنع!

كما: 1866- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله: (لولا يكلمنا الله) قال: فهلا يكلمنا الله!

قال أبو جعفر: فأما " الآية " فقد ثبت فيما قبل معنى الآية أنها العلامة.

(67) وإنما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: هلا تأتينا آية على ما نريد ونسأل ، (68) كما أتت الأنبياء والرسل!

فقال عز وجل: كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) ، فقال بعضهم في ذلك بما:- 1867- حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) ، هم اليهود.

1868- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (قال الذين من قبلهم) ، اليهود.

* * * وقال آخرون: هم اليهود والنصارى ، لأن الذين لا يعلمون هم العرب.

(69) * ذكر من قال ذلك: 1869- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة: (قال الذين من قبلهم) ، يعني اليهود والنصارى وغيرهم.

1870- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط ، عن السدي قال، قالوا يعني - العرب- كما قالت اليهود والنصارى من قبلهم.

1871- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، &; 2-555 &; عن أبيه ، عن الربيع: (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) ، يعني اليهود والنصارى.

* * * قال أبو جعفر: قد دللنا على أن الذين عنى الله تعالى ذكره بقوله: وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ، هم النصارى ، والذين قالوا مثل قولهم هم اليهود (70) سألت موسى صلى الله عليه وسلم أن يريهم ربهم جهرة ، (71) وأن يسمعهم كلام ربهم ، كما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا - (72) وسألوا من الآيات ما ليس لهم مسألته تحكما منهم على ربهم ، وكذلك تمنت النصارى على ربها تحكما منها عليه أن يسمعهم كلامه ويريهم ما أرادوا من الآيات.

فأخبر الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوا من القول في ذلك ، مثل الذي قالته اليهود وتمنت على ربها مثل أمانيها ، وأن قولهم الذي قالوه من ذلك إنما يشابه قول اليهود من أجل تشابه قلوبهم في الضلالة والكفر بالله.

فهم وإن اختلفت مذاهبهم في كذبهم على الله وافترائهم عليه ، فقلوبهم متشابهة في الكفر بربهم والفرية عليه ، وتحكمهم على أنبياء الله ورسله عليهم السلام.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد.

1872- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد: (تشابهت قلوبهم) قلوب النصارى واليهود.

* * * وقال غيره: (73) معنى ذلك تشابهت قلوب كفار العرب واليهود والنصارى وغيرهم.

* ذكر من قال ذلك: 1873- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن &; 2-556 &; قتادة: (تشابهت قلوبهم)، يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم.

1874- حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع: (تشابهت قلوبهم) ، يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم.

* * * قال أبو جعفر : وغير جائز في قوله: (تشابهت) التثقيل ، لأن التاء التي في أولها زائدة أدخلت في قوله: " تفاعل " ، وإن ثقلت صارت تاءين، ولا يجوز إدخال تاءين زائدتين علامة لمعنى واحد ، وإنما يجوز ذلك في الاستقبال لاختلاف معنى دخولهما، لأن إحداهما تدخل علما للاستقبال ، والأخرى منها التي في" تفاعل " ، ثم تدغم إحداهما في الأخرى فتثقل ، فيقال: تشابه بعد اليوم قلوبنا.

(74) * * * فمعنى الآية: وقالت النصارى ، الجهال بالله وبعظمته: هلا يكلمنا الله ربنا ، كما كلم أنبياءه ورسله ، أو تجيئنا علامة من الله نعرف بها صدق ما نحن عليه على ما نسأل ونريد؟

قال الله جل ثناؤه: فكما قال هؤلاء الجهال من النصارى وتمنوا على ربهم ، قال من قبلهم من اليهود ، فسألوا ربهم أن يريهم الله نفسه جهرة ، ويؤتيهم آية ، واحتكموا عليه وعلى رسله ، وتمنوا الأماني.

فاشتبهت قلوب اليهود والنصارى في تمردهم على الله وقلة معرفتهم بعظمته وجرأتهم على أنبيائه ورسله ، كما اشتبهت أقوالهم التي قالوها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (قد بينا الآيات لقوم يوقنون) ، قد بينا العلامات التي من أجلها غضب الله على اليهود ، وجعل منهم القردة والخنازير ، وأعد لهم العذاب المهين في معادهم ، والتي من أجلها أخزى الله النصارى في الدنيا ، وأعد لهم الخزي والعذاب الأليم في الآخرة ، والتي من أجلها جعل سكان الجنان الذين أسلموا وجوههم لله وهم محسنون في هذه السورة وغيرها.

فأعلموا الأسباب التي من أجلها استحق كل فريق منهم من الله ما فعل به من ذلك ، وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون، لأنهم أهل التثبت في الأمور ، والطالبون معرفة حقائق الأشياء على يقين وصحة.

فأخبر الله جل ثناؤه أنه بين لمن كانت هذه الصفة صفته ما بين من ذلك ليزول شكه ، ويعلم حقيقة الأمر، إذْ كان ذلك خبرا من الله جل ثناؤه ، وخبر الله الخبر الذي لا يعذر سامعه بالشك فيه.

وقد يحتمل غيره من الأخبار ما يحتمل من الأسباب العارضة فيه من السهو والغلط والكذب ، وذلك منفي عن خبر الله عز وجل.

--------------------- (63) الأثر : 1862 - سيرة ابن هشام 2 : 198 .

(64) في المطبوعة : "وقال الزاعم .

.

" والصواب ما أثبت ، كما استدركه مصحح المطبوعة .

(65) ليس للأشهب ، بل هو لجرير ، وقد تابعه ابن الشجري في أماليه 2 : 210 ، كأنه نقله عنه كعادته .

(66) ديوان جرير : 338 ، النقائض : 833 ، وسيأتي في التفسير 7 : 119 (بولاق) غير منسوب ، ومجاز القرآن : 52 ، وأمالي ابن الشجري 1 : 279 ، 334 / 2 : 210 ، والخزانة 1 : 461 .

ورواية الديوان والنقائض : "أفضل سعيكم" .

والبيت من قصيدة طويلة في مناقضة جرير والفرزدق .

وقوله : "عقر النيب" .

عقر الناقة أو الفرس : ضرب قوائمها فقطعها ، وكانوا إذا أرادوا نحر البعير عقروه ، ثم نحروه ، وإنما يفعلون به ذلك كيلا يشرد عند النحر .

وكان العرب يتكارمون بالمعاقرة .

وهي أن يعقر هذا ناقة ، فيعقر الآخر ، يتباريان في الجود والسخاء ، ويلحان في ذلك حتى يغلب أحدهما صاحبه .

والنيب جمع ناب : وهي الناقة المسنة ، أسموها بذلك لطول نابها .

ويشير جرير بذلك إلى ما كان يفخر به الفرزدق من معاقرة أبيه غالب بن صعصعة ، سحيم بن وثيل الرياحي بمكان يقال له"صوأر" ، فعقر سحيم خمسا ثم بدا له ، وعقر غالب مئة ، أو مئتين .

وهذا أمر من أمور الجاهلية قال ابن عباس : " لا تأكلوا من تعاقر الأعراب ، فإني لا آمن أن يكون مما أهل لغير الله به" ، وقال علي رضي الله عنه : "يا أيها الناس ، لا تحل لكم ، فإنها أهل بها لغير الله" .

(انظر خبر المعاقرة في النقائض : 625 - 626) .

وقوله : "بني ضوطرى" ، يعني : يا بني الحمقى .

هكذا قيل ، وأخشى أن لا يكون كذلك ، فإن : "ضوطرى" نبز لرجل من بني مجاشع بن دارم - لم يعينوه - فقال جرير للفرزدق : إن ابـن شـعرة, والقرين, وضوطرى بئــس الفــوارس ليلــة الحدثـان فهذا دليل على أنه شخص بعينه ، أرجو أن أحققه في غير هذا المكان .

وقد أراد ذمه بأسلافه على كل .

والكمي : الشجاع الذي لا يرهب ، فلا يحيد عن قرنه ، كان عليه سلاح أو لم يكن .

وقوله : "تعدون" أي تحسبون وتجعلون ، فعدى الفعل"عد" إلى مفعولين ، تضمينا لمعنى"جعل وحسب" ، كما قال ذو الرمة : (67) انظر ما سلف : 1 : 106 .

(68) في المطبوعة : "عما نريده ونسأل" ، والصواب ما أثبت .

(69) في المطبوعة : "هم اليهود" ، والصواب ما أثبت ، كما استظهره مصحح المطبوعة ، ودليل ذلك أنه سيروى بعد عن قتادة ، وقد مضى في رقم : 1763 بإسناده هذا عن قتادة : أن" الذين لا يعلمون" ، هم كفار العرب ، والأثر التالي تتمة هذا الأثر السالف .

(70) في المطبوعة : "والذين قالت" .

والضمير في قوله"والذين قالوا" إلى النصارى يعود .

وانظر دليله فيما سلف قريبا : 550 .

(71) في المطبوعة : "وسألت موسى" ، وحذف الواو أولى .

وكان أحب أن يكون"سألوا" مكان"سألت" .

(72) انظر ما سلف في تفسير الآية : 55 ، والأثر : 959 .

(73) في المطبوعة : "وقال غيرهم" ، والصواب ما أثبت ، فإنه روى قول مجاهد وحده .

(74) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 75 ، وعبارة الطبري هنا تصحح الخطأ الذي هناك

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنونقوله تعالى : وقال الذين لا يعلمون قال ابن عباس : هم اليهود .

مجاهد : النصارى ، ورجحه الطبري ، لأنهم المذكورون في الآية أولا .

وقال الربيع والسدي وقتادة : مشركو العرب .

ولولا بمعنى " هلا " تحضيض ، كما قال الأشهب بن رميلة :تعدون عقر النيب أفضل مجدكم بني ضوطرى لولا الكمي المقنعاوليست هذه " لولا " التي تعطي منع الشيء لوجود غيره ، والفرق بينهما عند علماء اللسان أن " لولا " بمعنى التحضيض لا يليها إلا الفعل مظهرا أو مقدرا ، والتي للامتناع يليها الابتداء ، وجرت العادة بحذف الخبر .

ومعنى الكلام هلا يكلمنا الله بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم فنعلم أنه نبي فنؤمن به ، أو يأتينا بآية تكون علامة على نبوته .

والآية : الدلالة والعلامة ، وقد تقدم والذين من قبلهم اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب ، أو الأمم السالفة في قول من جعل الذين لا يعلمون اليهود والنصارى ، أو اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النصارى .تشابهت قلوبهمقيل : في التعنيت والاقتراح وترك الإيمان .

وقال الفراء .

تشابهت قلوبهم في اتفاقهم على الكفر .

قد بينا الآيات لقوم يوقنون تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: قال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم: هلا يكلمنا, كما كلم الرسل، { أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } يعنون آيات الاقتراح, التي يقترحونها بعقولهم الفاسدة, وآرائهم الكاسدة, التي تجرأوا بها على الخالق, واستكبروا على رسله كقولهم: { لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ } الآية، وقالوا: { لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ } الآيات وقوله: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا } الآيات.

فهذا دأبهم مع رسلهم, يطلبون آيات التعنت, لا آيات الاسترشاد, ولم يكن قصدهم تبين الحق، فإنَّ الرسل, قد جاءوا من الآيات, بما يُؤمن بمثله البشر, ولهذا قال تعالى: { قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } فكل موقن, فقد عَرَفَ من آيات الله الباهرة, وبراهينه الظاهرة, ما حصل له به اليقين, واندفع عنه كل شك وريب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وقال الذين لا يعلمون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "اليهود"، وقال مجاهد: "النصارى"، وقال قتادة: "مشركو العرب".

{لولا} هلا.

وكل ما في القرآن (لولا) فهو بمعنى هلا، إلا واحداً، وهو قوله: {فلولا أنه كان من المسبحين} [143-الصافات] معناه فلو لم يكن {يكلمنا الله} عياناً بأنك رسوله.

{أو تأتينا آية} دلالة وعلامة على صدقك في ادعائك النبوة.

قال الله تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم} أي كفار الأمم الخالية.

{مثل قولهم تشابهت قلوبهم} أي أشبه بعضها بعضاً في الكفر والقسوة وطلب المحال.

{قد بينا الآيات لقوم يوقنون}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال الذين لا يعلمون» أي كفار مكة للنبي «لولا» هلا «يكلمنا الله» بأنك رسوله «أو تأتينا آية» مما اقترحناه على صدقك «كذلك» كما قال هؤلاء «قال الذين من قبلهم» من كفار الأمم الماضية لأنبيائهم «مثل قولهم» من التعنت وطلب الآيات «تشابهت قلوبهم» في الكفر والعناد، فيه تسلية للنبي «قد بينا الآيات لقوم يوقنون» يعلمون أنها آيات فيؤمنون فاقتراحُ آية معها تعنُّت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال الجهلة من أهل الكتاب وغيرهم لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل العناد: هلا يكلمنا الله مباشرة ليخبرنا أنك رسوله، أو تأتينا معجزة من الله تدل على صدقك.

ومثل هذا القول قالته الأمم من قبلُ لرسلها عنادًا ومكابرة؛ بسبب تشابه قلوب السابقين واللاحقين في الكفر والضَّلال، قد أوضحنا الآيات للذين يصدِّقون تصديقًا جازمًا؛ لكونهم مؤمنين بالله تعالى، متَّبعين ما شرعه لهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أورد القرآن بعد ذلك الشبهات التي أثارها حول نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وأجاب عنها بما يبطلها فقال تعالى :( وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله أَوْ تَأْتِينَآ .

.

.

)عن ابن عباس قال : قال رافع بن حريملة اليهودي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد ، إن كنت رسولا من الله كما تقولن فقل لله يكلمنا حتى نسمع كلامه فأنزل الله هذه الآية .فالآية الكريمة معطوفة على قوله : ( وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً .

.

.

) ومعنى الآية الكريمة .

( وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ) علماً نافعاً أمثال هؤلاء اليهود الذين طالبوك بالمطالب المتعنتة - يا محمد - ( لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله ) إما مشافهة ، أو بواسطة الوحي إلينا لا إليك ، أو يرينا حجة تقوم على صدق رسالتك ، قالوا هذا على وجه العناد والجحود أن تكون الآيات التي أقامها الله على صدق رسالته آيات حقاً .وقد رد الله عليهم بقوله : ( كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ) أي : مثل هذا القول المتعنت ، قال الجاحدون من أسلافهم الذين أرسل الله إليهم الرسل ليخرجوهم من الظلمات إلى النور وفي هذه الجملة تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم بأن ما لاقاه من قومه مثل ما لقيه الرسل من قبله .( تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ) أي تشابهت قلوب هؤلاء وأولئك في العناد والضلال .( قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) أي : جعلناها بينة واضحة في ذاتها لمن شأنهم الإِخلاص في طلب الحق أينما كان ، فيتجهون إليه عن طريق الأدلة الصحيحة بقلوب نقية من الأهواء موقنة بجلال الحق ووجوب الطاعة .قال الإِمام الرازي : وتقرير شبهتهم أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء ، اختار أقرب الطرق إليه ، وبما أن الله قد كلم موسى وكلمك يا محمد فلم لا يكلمنا مشافهة ، أو يخصك بمعجزة يتجلى من ورائها صدق نبوتك ، وهذا منهم طعن في أن القرآن معجزة ، لأنهم لو أقروا بذلك لاستحال أن يقولوا ما قالوه .فأجابهم الله عن هذه الشبهة بقوله ( كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ) وحاصل هذا الجواب : أنا قد أيدنا قول محمود بالمعجزات ، وبينا صحة قوله بالقرآن وسائر الحجج ، فكان طلب هذه الزوائد من باب العنت .

وعليه فلن تجاب مطالبكم لوجوه منها :1 - لو كان في معلوم الله أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآيات لفعلها ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لازدادوا لجاجاً .2 - أن حصول الدلالة الواحدة تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب ، فإذا لم يكتف بها ، كان طلبه من باب المعاندة .3 - ربما كانت كثرة المعجزات وتعاقبها تقدح في كونها معجزة لأن الخوارق متى توالت كان انخراق العادة عادة .

فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة .هذا ، وبعض المفسرين يرى أن المراد ب ( الذين لاَ يَعْلَمُونَ ) اليهود ، وبعضهم يرى أن المراد يهم مشركو العرب وبعضهم يرى أن المراد يهم النصارى ، ونحن نرى أن اللفظ صالح لأن يندرج تحته جميع هذه الطوائف قضاء لحق الموصول المفيد للتعميم ، ولكنا نختار أن اليهود هم المقصودون قدصاً أولياً من هذه الآية للأسببا الآتية :1 - الآية ضمن سلسلة طويلة من الآيات السابقة عليها واللاحقة لها ، وكلها تتحدث عن بني إسرائيل وأحوالهم وأخلاقهم .2 - جملة ( كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ) قرينة على أن المقصود بالذين لا يعلمون هم اليهود المعاصرون للعهد النبوي ، حيث كان أجدادهم يطلبون من موسى مثل هذه المطالب ، لقد قالوا له : ( لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً ) وقالوا : ( أَرِنَا الله جَهْرَةً ) وطلبوا منه كثيرا من المطالب المتعنتة .3 - الآية مدنية ومن سورة البقرة التي هي من أوائل ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، ومن المعروف أن حديث القرآن المدني عن أهل الكتاب بصفة عامة ، وعن اليهود بصفة خاصة ، أكثر من حديثه عن مشركي العرب ، لأن البيئة المدنية صلتها بأهل الكتاب أشد وألصق .4 - سبب نزول الآية الذي ذكرناه يؤيد أن اليهود مقصودون قصداً أولياً في هذه الآية .5 - القائلون بأن المراد بالذين لا يعلمون مشركوا العرب ، دعموا قولهم بأن آيات القرآن التي تحكى عنهم أمثال هذه المقترحات مستفيضة .

وكأنهم يستبعدون أن تصدر مثل هذه الأسئلة عن اليهود .وردنا عليهم القرآن الكريم قد حكى عن اليهود أمثال هذه الأسئلة بدليل قوله تعالى : ( يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَآتَيْنَا موسى سُلْطَاناً مُّبِيناً ) 6 - الإِمام ابن جرير رجح أن المراد ب ( الذين لاَ يَعْلَمُونَ ) النصارى ، مستدلا بأن ذلك في سياق خبر الله عنهم ، فالآية السابقة على هذه الآية تقول .( وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ) والنصارى هم الذين قالوا ذلك .وهذا الاستدلال لا نوافقه عليه لما يأتي :( أ ) لأن الآية ليست في سياق خبر الله عن النصارى ، وإنما هي في سياق خبر الله عن اليهود ، الذين زخرت سورة البقرة ببيان مواقفهم وحجاجهم وأخلاقهم في أكثر من مائة آية سابقة ولاحقة من هذه السورة .( ب ) ليس النصارى وحدهم هم الذين قالوا اتخذ الله ولداً وإنما اليهود أيضاً قالوا ذلك ، قال تعالى : ( وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله ) ( ج ) لم يأت الإِمام ابن جرير بدليل واحد ينقض به رأى القائلين بأن المراد بالذين لا يعلمون اليهود ، ولم يتعرض للنص الذي أورده ابن عباس في سبب نزول الآية بالتضعيف أو الإِعلال ، مع أنه انتقد رأى القائلين بأن المراد بهم مشركو العرب ( بأنه قول لا برهان على حقيقته في ظاهر الكتاب ) .هذا وبعد ذلك الأدلة على ما ذهبنا إليه نعود فنقول مرة أخرى : إننا لا نمانع في أن يكون المراد بالذين لا يعلمون جميع الطوائف المشركة ولكنا نرجح أن اليهود هم المقصودون قصداً أولياً مهما دخل غيرهم معهم في السياق ، وإن الآية قد نزلت للرد على مطالبهم المتعنتة واقتراحاتهم التي لا خير من ورائها ، ومحاولاتهم الطعن في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الحادي عشر من قبائح اليهود والنصارى والمشركين، ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن الله تعالى لما حكى عن اليهود والنصارى والمشركين ما يقدح في التوحيد وهو أنه تعالى اتخذ الولد، حكى الآن عنهم ما يقدح في النبوة، وقال أكثر المفسرين؛ هؤلاء هم مشركو العرب والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا  ﴾ وقالوا: ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأولون  ﴾ ، وقالوا: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة أَوْ نرى رَبَّنَا  ﴾ هذا قول أكثر المفسرين، إلا أنه ثبت أن أهل الكتاب سألوا ذلك، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك  ﴾ فإن قيل: الدليل على أن المراد مشركو العرب أنه تعالى وصفهم بأنهم لا يعلمون، وأهل الكتاب أهل العلم، قلنا: المراد أنهم لا يعلمون التوحيد والنبوة كما ينبغي، وأهل الكتاب كانوا كذلك.

المسألة الثانية: تقرير هذه الشبهة التي تمسكوا بها أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء فلابد وأن يختار أقرب الطرق المفضية إليه وأبعدها عن الشكوك والشبهات، إذا ثبت هذا فنقول: إن الله تعالى يكلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول: يا محمد، إنه كلمك والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى  ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة وأيضاً فإن كان تعالى لا يفعل ذلك فلم لا يخصك بآية ومعجزة وهذا منهم طعن في كون القرآن آية ومعجزة، لأنهم لو أقروا بكونه معجزة لاستحال أن يقولوا: هلا يأتينا بآية ثم أنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله: ﴿ كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تشابهت قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ ، وحاصل هذا الجواب أنا قد أيدنا قول محمد صلى الله عليه وسلم بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالآيات وهي القرآن وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت وإذا كان كذلك لم يجب إجابتها لوجوه: الأول: أنه إذا حصلت الدلالة الواحدة فقد تمكن المكلف من الوصول إلى المطلوب، فلو كان غرضه طلب الحق لاكتفى بتلك الدلالة، فحيث لم يكتف بها وطلب الزائد عليها علمنا أن ذلك للطلب من باب العناد واللجاج، فلم تكن إجابتها واجبة ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌ مِّن رَّبِّهِۦ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌ مُّبِينٌ  أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  ﴾ فبكتهم بما في القرآن من الدلالة الشافية.

وثانيها: لو كان في معلوم الله تعالى أنهم يؤمنون عند إنزال هذه الآية لفعلها، ولكنه علم أنه لو أعطاهم ما سألوه لما ازدادوا إلا لجاجاً فلا جرم لم يفعل ذلك ولذلك قال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ  ﴾ .

وثالثها: إنما حصل في تلك الآيات أنواع من المفاسد وربما أوجب حصولها هلاكهم واستئصالهم إن استمروا بعد ذلك على التكذيب وربما كان بعضها منتهياً إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وربما كانت كثرتها وتعاقبها يقدح في كونها معجزة، لأن الخوارق متى توالت صار انخراق العادة عادة، فحينئذ يخرج عن كونه معجزاً وكل ذلك أمور لا يعلمها إلا الله علام الغيوب فثبت أن عدم إسعافهم بهذه الآيات لا يقدح في النبوة.

أما قوله تعالى: ﴿ تشابهت قُلُوبُهُمْ ﴾ فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم، فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم: ﴿ لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد  ﴾ وقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ  ﴾ وقولهم: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ وقولهم: ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً  ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد واللجاج وطلب الباطل.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ فالمراد أن القرآن وغيره من المعجزات كمجيء الشجرة وكلام الذئب، وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، آيات قاهرة، ومعجزات باهرة لمن كان طالباً لليقين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ وقال الجهلة من المشركين.

وقيل من أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.

﴿ لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله ﴾ هلا يكلمنا كما يكلم الملائكة وكلّم موسى؟

استكباراً منهم وعتوّاً ﴿ أَوْ تَأْتِينَآءَايَةٌ ﴾ جحوداً لأن يكون ما أتاهم من آيات الله آيات، واستهانة بها ﴿ تشابهت قُلُوبُهُمْ ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى، كقوله: ﴿ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ ﴾ [الذاريات: 52] .

﴿ قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ ﴾ ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ أيْ جَهَلَةُ المُشْرِكِينَ، أوِ المُتَجاهِلُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

﴿ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ ﴾ هَلّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ، أوْ يُوحِي إلَيْنا بِأنَّكَ رَسُولُهُ.

﴿ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ ﴾ حُجَّةٌ عَلى صِدْقِكَ، والأوَّلُ اسْتِكْبارٌ والثّانِي جَحُودٌ، لِأنَّ ما أتاهم آياتُ اللَّهِ اسْتِهانَةً بِهِ وعِنادًا، ﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ فَقالُوا: ﴿ أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ .

﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ ﴾ ﴿ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ.

وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ.

﴿ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ اليَقِينَ، أوْ يُوقِنُونَ الحَقائِقَ لا يَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ ولا عِنادٌ.

وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ لِخَفاءٍ في الآياتِ أوْ لِطَلَبِ مَزِيدِ اليَقِينِ، وإنَّما قالُوهُ عُتُوًّا وعِنادًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ} من المشركين أو من أهل الكتاب ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به {لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله} هلا يكلمنا كما يكلم

الملائكة وكلم موسى استكباراً منهم وعتوا {أو تأتينا آية} جحود الآن يكون ما اتاهم من آيات الله واستهانه بها {كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تشابهت قُلُوبُهُمْ} أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى {قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أي لقوم ينصفون فيوقنون أنها آيات يجب الاعتراف بها والإذعان لها والاكتفاء بها عن غيرها

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ﴾ ووَجْهُ الِارْتِباطِ أنَّ الأوَّلَ كانَ قَدْحًا في التَّوْحِيدِ، وهَذا قَدْحٌ في النُّبُوَّةِ، والمُرادُ مِنَ المَوْصُولِ جَهَلَةُ المُشْرِكِينَ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، والحَسَنِ، وجَماعَةٍ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ وقالُوا: ”لَوْلا تَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أرْسَلَ الأوَّلُونَ“ وقالُوا: ﴿ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا ﴾ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِدَلِيلِ ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رافِعَ بْنَ خُزَيْمَةَ مِنَ اليَهُودِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى فَقُلْ لِلَّهِ يُكَلِّمُنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ بِهِ النَّصارى، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ بِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ وهو كَما تَرى، ونَفْيُ العِلْمِ عَلى الأوَّلِ عَنْهم عَلى حَقِيقَتِهِ، لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، ولا هم أتْباعُ نُبُوَّةٍ وعَلى الأخِيرَيْنِ لِتَجاهُلِهِمْ، أوْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمُقْتَضاهُ، ﴿ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ ﴾ أيْ هَلّا يُكَلِّمُنا بِأنَّكَ رَسُولُهُ، إمّا بِالذّاتِ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ أوْ بِإنْزالِ الوَحْيِ إلَيْنا، وهو اسْتِكْبارٌ مِنهم بِعَدِّ أنْفُسِهِمُ الخَبِيثَةِ كالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ المُقَدَّسِينَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ﴿ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ ﴾ أيْ حُجَّةٌ عَلى صِدْقِكَ، وهو جُحُودٌ مِنهُمْ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، لِما آتاهم مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ والحُجَجِ الباهِراتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، وقِيلَ: المُرادُ إتْيانُ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ، وفِيهِ أنَّ تَخْصِيصَ النَّكِرَةِ خِلافُ الظّاهِرِ ﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ جَوابٌ لِشُبْهَتِهِمْ، يَعْنِي أنَّهم يَسْألُونَ عَنْ تَعَنُّتٍ واسْتِكْبارٍ مِثْلَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، والسّائِلُ المُتَعَنِّتُ لا يَسْتَحِقُّ إجابَةَ مَسْألَتِهِ ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ هَذا الباطِلِ الشَّنِيعِ، ﴿ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ﴿ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً ﴾ ﴿ اجْعَلْ لَنا إلَهًا ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذَيْنِ التَّشْبِيهَيْنِ، ولِبَعْضِهِمْ هُنا زِيادَةٌ عَلى ما مَرَّ، احْتِمالُ تَعَلُّقِ (كَذَلِكَ) (بِتَأْتِينا)، وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَقْفُ عَلَيْهِ لا عَلى آيَةٍ، أوْ جَعَلَ ﴿ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ مُتَعَلِّقًا (بِتَشابَهَتْ) وحِينَئِذٍ يَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي تَخْرِيجُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى الكَرِيمِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ البارِدَةِ ﴿ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ قُلُوبُ هَؤُلاءِ ومَن قَبْلَهم في العَمى والعِنادِ، وقِيلَ: في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ تَشْدِيدَ الشِّينِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّهُ ماضٍ والتَّآنِ المَزِيدَتانِ إنَّما يَجِيئانِ في المُضارِعِ، فَيُدْغَمُ، أمّا الماضِي فَلا، وفي غَرائِبِ التَّفْسِيرِ أنَّهم أجْمَعُوا عَلى خَطَئِهِ، ووَجَّهَ ذَلِكَ الرّاغِبُ بِأنَّهُ حَمَلَ الماضِيَ عَلى المُضارِعِ، فَزِيدَ فِيهِ ما يُزادُ فِيهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ بِهَذا القَدْرِ لا يَنْدَفِعُ الإشْكالُ، وقالَ ابْنُ سَهْمِيٍّ في الشَّواذِّ: إنَّ العَرَبَ قَدْ تَزِيدُ عَلى أوَّلِ تَفَعَّلَ في الماضِي تاءً، فَتَقُولُ: تَتَفَعَّلُ، وأنْشَدَ: تَتَقَطَّعَتْ بِي دُونَكَ الأسْبابُ، وهو قَوْلٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ ولا مَقْبُولٍ، فالصَّوابُ عَدَمُ صِحَّةِ نِسْبَةِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى هَذَيْنِ الإمامَيْنِ، وقَدْ أشَرْنا إلى نَحْوِ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، ﴿ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ ﴾ أيْ نَزَّلْناها بَيِّنَةً بِأنْ جَعَلْناها كَذَلِكَ في أنْفُسِها، فَهو عَلى حَدِّ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ الحَقائِقَ عِلْمًا ذا وثاقَةٍ لا يَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ، ولا عِنادٌ، وهَؤُلاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، فَلِهَذا تَعَنَّتُوا واسْتَكْبَرُوا، وقالُوا ما قالُوا، والجُمْلَةُ عَلى هَذا مُعَلِّلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ كَما صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مِنَ الإتْيانِ طَلَبُ الحَقِّ، واليَقِينِ، والآيَةُ رَدٌّ لِطَلَبِهِمْ الآيَةَ، وفي تَعْرِيفِ الآياتِ وجَمْعِها وإيرادِ التَّبْيِينِ مَكانَ الإتْيانِ الَّذِي طَلَبُوهُ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ، والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ واليَقِينَ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ ﴿ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ ﴾ إيذانًا بِأنَّهُ مِنهم أشْبَهُ شَيْءٍ بِكَلامِ الأحْمَقِ، وجَوابُ الأحْمَقِ السُّكُوتُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، أي لا يعلمون توحيد الله تعالى، ومعناه: وقال الجهال من الناس- وهم الكفار-: لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ، أي هلا يكلمنا الله فيخبرنا بأنك رسوله، أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ، أي علامة لنبوتك.

قال الله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، أي قال اليهود لموسى-  -: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً [النساء: 153] .

تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ، أي في القسوة والكفر.

ويقال: تشابهت كلمتهم كما تشابهت قلوبهم.

قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ، يعني أمرك في التوراة أي العلامات لنبوتك إنك نبي مرسل الصفة والنعت.

ويقال: قد بينا العلامات لنبوتك.

ويقال: لم يكن لنبي من الأنبياء معجزة وعلامة إلاّ وقد كان للنبي  مثلها.

لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، يعني مؤمني أهل التوراة.

ويقال: من كان له عقل وتمييز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ...

الآية: قال الربيعُ والسُّدِّيَّ: هم كفار العرب «١» ، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيّ صلّى الله عليه وسلم نحو هذا، وقال مجاهدٌ: هم النصارى «٢» ، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم من اليهود لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله «٣» ، وقيل: الإشارة إلى ٣٤ أجميع هذه الطوائف لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، ولَوْلا تحضيضٌ بمعنى «هَلاَّ» ، والآية هنا العلامة الدالَّة، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم اليهودُ والنصارى في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ العربَ والنصارى واليهُودَ وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يصحّ أو في الكفر.

وقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم.

وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً، أي: لمن آمن، ونذيراً لمن كفر، وقرأ نافع وحده «٤» ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدَّة عذابهم كما تقول: فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ.

ت: وزاد في «مختصر الطبرِّي» ، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو،

واللَّه أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ «١» بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر الذي يوردهم الجحيمَ نظيرَ قوله عز وجل: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: ٨] ، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ ومن وافقه من أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟

فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضاً بمعنى مَا قبله.

انتهى.

وقرأ باقي السبعة: «وَلاَ تسأل» بضم التاء واللام.

والْجَحِيمِ: إحدى طبقات النار.

وقوله تعالى: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، أي: ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فهذا شرط خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأمته معه داخلةٌ فيه.

ت: والأدب أن يقال: خوطب به صلّى الله عليه وسلم والمراد أمّته لوجود عصمته صلّى الله عليه وسلم وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآيِ، وقد نبَّه- رحمه اللَّه- على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي، وكان الأولى أن ينبِّه على ذلك هنا أيضاً، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً، فقال- رحمه اللَّه-: اعلم، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه- عليه السلام- لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل «٢» على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه «٣» ، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان «٤» في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٥» [المائدة: ٦٧] كما قال لموسى وهارون- عليها السلام-: لاَ تَخافا [طه: ٤٦] لتشتد بصائرهم «٦» في الإبلاغ وإظهار دين الله، ويذهب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: النَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: مُشْرِكُو العَرَبِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

ولَوْلا بِمَعْنى: هَلّا.

وَفِي ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ.

والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّالِثُ: اليَهُودُ والنَّصارى وغَيْرُهم مِنَ الكُفّارِ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أيْ: في الكُفْرِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ ﴾ ﴿ بَدِيعُ السَماواتِ والأرْضِ وإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ أو تَأْتِينا آيَةٌ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهم قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةُ القُرّاءِ: "وَقالُوا" بِواوٍ تَرْبُطُ الجُمْلَةَ بِالجُمْلَةِ، أو تَعْطِفُ عَلى "سَعى".

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وغَيْرُهُ: "قالُوا" بِغَيْرِ واوٍ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ الشامِ.

وحُذِفَ مِنهُ الواوُ يَتَّجِهُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مُرْتَبِطَةٌ في المَعْنى بِالَّتِي قَبْلَها فَذَلِكَ يُغْنِي عَنِ الواوِ.

والآخَرُ أنْ تُسْتَأْنَفَ هَذِهِ الجُمْلَةُ ولا يُراعى ارْتِباطُها بِما تَقَدَّمَ.

واخْتَلَفَ عَلى مَن يَعُودُ الضَمِيرُ في "قالُوا"؟

فَقِيلَ: عَلى النَصارى لِأنَّهم قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللهِ وذِكْرُهم أشْبَهُ بِسِياقِ الآيَةِ، وقِيلَ: عَلى اليَهُودِ، لِأنَّهم قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وقِيلَ: عَلى كَفَرَةِ العَرَبِ لِأنَّهم قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللهِ.

و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ مَعْناهُ تَنْزِيهًا لَهُ وتَبْرِئَةً مِمّا قالُوا، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في المَجْرُورِ، أو بِالِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ، أيْ كُلُّ ذَلِكَ لَهُ مِلْكٌ، والَّذِي قالُوا: إنَّ اللهَ اتَّخَذَ ولَدًا داخِلٌ في جُمْلَةِ ما في ( السَماواتِ والأرْضِ ) ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ لا مِنَ المَخْلُوقاتِ المَمْلُوكاتِ.

والقُنُوتُ في اللُغَةِ الطاعَةُ، والقُنُوتُ طُولُ القِيامِ في عِبادَةٍ، ومِنهُ القُنُوتُ في الصَلاةِ، فَمَعْنى الآيَةِ: أنَّ المَخْلُوقاتِ كُلَّها تَقْنُتُ لِلَّهِ، أيْ تَخْضَعُ وتُطِيعُ، والكُفّارُ والجَماداتُ قُنُوتُهم في ظُهُورِ الصَنْعَةِ عَلَيْهِمْ وفِيهِمْ.

وقِيلَ: الكافِرُ يَسْجُدُ ظِلُّهُ وهو كارِهٌ.

و"بَدِيعٌ" مَصْرُوفٌ مِن مُبْدِعٍ، كَبَصِيرٍ مِن مُبْصِرٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ..........

يُرِيدُ المُسْمِعُ.

والمُبْدِعُ المُخْتَرِعُ المُنْشِئُ، ومِنهُ أصْحابُ البِدَعِ ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ في صَلاةِ رَمَضانَ: نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ.

وخُصَّ ( السَماواتِ والأرْضِ ) بِالذِكْرِ لِأنَّها أعْظَمُ ما نَرى مِن مَخْلُوقاتِهِ جَلَّ وعَلا.

و"قَضى" مَعْناهُ: قَدَرَ، وقَدْ يَجِيءُ بِمَعْنى أمْضى، ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ المَعْنَيانِ، فَعَلى مَذْهَبِ أهْلِ السُنَّةِ قَدْرٌ في الأزَلِ وأمْضى فِيهِ، وعَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ.

والأمْرُ واحِدُ الأُمُورِ، ولَيْسَ هُنا بِمَصْدَرِ أمْرٍ يَأْمُرُ، "وَيَكُونُ" رُفِعَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ فَهو يَكُونُ، قالَ غَيْرُهُ: "يَكُونُ" عُطِفَ عَلى "يَقُولُ"، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ وقَرَّرَهُ.

وهو خَطَأٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ القَوْلَ مَعَ التَكْوِينِ والوُجُودِ، وَتَكَلَّمَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِما هو فاسِدٌ مِن جُمْلَةِ الِاعْتِزالِ لا مِن جِهَةِ العَرَبِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ "فَيَكُونُ" بِالنَصْبِ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ، ووَجْهُهُ -مَعَ ضَعْفِهِ- عَلى أنْ يَشْفَعَ لَهُ شِبْهُ اللَفْظِ.

وقالَ أحْمَدُ بْنُ مُوسى في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: "هَذا لَحْنٌ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ الفاءَ لا تَعْمَلُ في جَوابِ الأمْرِ إلّا إذا كانا فِعْلَيْنِ يَطَّرِدُ فِيهِما مَعْنى الشَرْطِ، تَقُولُ: أكْرِمْ زَيْدًا فَيُكْرِمْكَ، والمَعْنى: إنْ تُكْرِمْ زَيْدًا يُكْرِمْكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ لا يَتَّجِهُ هَذا، لِأنَّهُ يَجِيءُ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَكُنْ تَكُنْ، ولا مَعْنى لِهَذا، والَّذِي يَطَّرِدُ فِيهِ مَعْنى الشَرْطِ هو أنْ يَخْتَلِفَ الفاعِلانِ أوِ الفِعْلانِ، فالأوَّلُ أكْرِمْ زَيْدًا فَيُكْرِمْكَ، والثانِي أكْرِمْ زَيْدًا فَتَسُودَ.

وتَلْخِيصُ المُعْتَقَدِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُوماتِ بِشَرْطِ وُجُودِها، قادِرًا مَعَ تَأخُّرِ المَقْدُوراتِ، عالِمًا مَعَ تَأخُّرِ وُقُوعِ المَعْلُوماتِ، فَكُلُّ ما في الآيَةِ مِمّا يَقْتَضِي الِاسْتِقْبالُ فَهو بِحَسَبَ المَأْمُوراتِ، إذِ المُحْدَثاتُ تَجِيءُ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ، وكُلُّ ما يَسْتَنِدُ إلى اللهِ تَعالى مِن قُدْرَةٍ وعِلْمٍ وأمْرٍ فَهو قَدِيمٌ لَمْ يَزَلْ.

ومَن جَعَلَ مِنَ المُفَسِّرِينَ "قَضى" بِمَعْنى أمْضى عِنْدَ الخَلْقِ والإيجادِ فَكَأنَّ إظْهارَ المُخْتَرَعاتِ في أوقاتِها المُؤَجَّلَةِ قَوْلٌ لَها: "كُنْ" إذِ التَأمُّلُ يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِ الشاعِرِ: وقالَتِ الأقْرابُ لِلْبَطْنِ الحَقِ ∗∗∗..............

وهَذا كُلُّهُ يَجْرِي مَعَ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، والمَعْنى الَّذِي تَقْتَضِيهِ عِبارَةُ "كُنْ": هو قَدِيمٌ قائِمٌ بِالذاتِ، والوُضُوحُ التامُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ يَحْتاجُ أكْثَرَ مِن هَذا البَسْطِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ الآيَةُ، قالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: هم كُفّارُ العَرَبِ، وقَدْ طَلَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي أُمِّيَّةَ وغَيْرُهُ مِنَ النَبِيِّ  نَحْوَ هَذا، فَنَفى عنهُمُ العِلْمَ لِأنَّهم لا كِتابَ عِنْدَهم ولا اتِّباعُ نُبُوَّةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَصارى، لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ أوَّلًا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مَن كانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ  مِنَ اليَهُودِ، لِأنَّ رافِعَ بْنَ حُرَيْمِلَةَ قالَ لِلنَّبِيِّ  : أسْمِعْنا كَلامَ اللهِ، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "لا يَعْلَمُونَ" إلى جَمِيعِ هَذِهِ الوَظائِفِ، لِأنَّ كُلَّهم قالَ هَذِهِ المَقالَةَ أو نَحْوَها، ويَكُونُ ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ، و"لَوْلا" تَحْضِيضٌ بِمَعْنى هَلّا كَما قالَ الأشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ: تَعُدُّونَ عُقْرَ النِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا وَلَيْسَتْ هَذِهِ لَوْلا الَّتِي تُعْطِي مَنعَ الشَيْءِ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما أنَّها في التَحْضِيضِ لا يَلِيها إلّا الفِعْلُ مُظْهَرًا أو مُقَدَّرًا، وعَلى بابِها في المَنعِ لِلْوُجُوبِ يَلِيها الِابْتِداءُ، وجَرَتِ العادَةُ بِحَذْفِ الخَبَرِ.

والآيَةُ هُنا: العَلامَةُ الدالَّةُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِها.

و ﴿ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ اليَهُودُ والنَصارى في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارَ العَرَبِ -وَهُمُ الأُمَمُ السالِفَةُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ كَفّارُ العَرَبِ والنَصارى - وهُمُ اليَهُودُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ العَرَبَ والنَصارى واليَهُودَ، والكافُ الأُولى مِن "كَذَلِكَ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ.

و"مِثْلَ" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، ويَصِحُّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ "قالَ".

وتَشابُهُ القُلُوبِ هُنا في طَلَبِ ما لا يَصِحُّ، أو في الكُفْرِ وإنِ اخْتَلَفَتْ ظَواهِرُهم.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو حَيْوَةَ: "تَشّابَهَتْ" بِشَدِّ الشِينِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللهُ حَتّى كَفَرُوا بِالأنْبِياءِ وطَلَبُوا ما لا يَجُوزُ لَهُمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الَّذِينَ بَيَّنَ لَهم ما يَنْفَعُ وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، لَكِنَّ البَيانَ وقَعَ وتَحَصَّلَ لِلْمُوقِنِينَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهم بِالذِكْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قَدْ بَيَّنّا البَيانَ الَّذِي هو خَلْقُ الهُدى، فَكَأنَّ الكَلامَ: قَدْ هَدَيْنا مَن هَدَيْنا.

واليَقِينُ إذا اتَّصَفَ بِهِ العِلْمُ خَصَّصَهُ وبَلَغَ بِهِ نِهايَةَ الوِثاقَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بَيَّنّا" قَرِينَةٌ تَقْتَضِي أنَّ اليَقِينَ صِفَةٌ لِعَلَمِهِمْ، وقَرِينَةٌ أُخْرى وهي أنَّ الكَلامَ مُدِحَ لَهم.

وأمّا اليَقِينُ في اسْتِعْمالِ الفُقَهاءِ إذا لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ العِلْمُ فَإنَّهُ أحَطُّ مِنَ العِلْمِ لِأنَّ العِلْمَ عِنْدَهم مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما هو بِهِ، واليَقِينُ مُعْتَقَدٌ يَقَعُ لِلْمُوقِنِ في حَقِّهِ والشَيْءُ عَلى خِلافِ مُعْتَقَدِهِ، ومِثالُ ذَلِكَ تَيَقَّنَ المُقادَةُ ثُبُوتَ الصانِعِ، ومِنهُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ في مَسْألَةِ الحالِفِ عَلى الشَيْءِ يَتَيَقَّنُهُ والشَيْءِ في نَفْسِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا حَقِيقَةُ الأمْرِ فاليَقِينُ هو الأخَصُّ، وهو ما عَلَّمَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إلّا عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116] المعطوف على قوله: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى ﴾ [البقرة: 113].

لمناسبة اشتراك المشركين واليهود والنصارى في الأقوال والعقائد الضالة إلا أنه قدم قول أهل الكتاب في الآية الماضية وهي ﴿ وقالت اليهود ﴾ لأنهم الذين ابتدأوا بذلك أيام مجادلتهم في تفاضل أديانهم ويومئذ لم يكن للمشركين ما يوجب الاشتغال بذلك إلى أن جاء الإسلام فقالوا مثل قول أهل الكتاب.

وجمع الكل في ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ إلا أنه لم يكن فريق من الثلاثة فيه مقتبساً من الآخر بل جميعه ناشئ من الغلو في تقديس الموجودات الفاضلة ومنشؤه سوء الفهم في العقيدة سواء كانت مأخوذة من كتاب كما تقدم في منشأ قول أهل الكتابين ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ أم مأخوذة من أقوال قادتهم كما قالت العرب: الملائكة بنات الله.

وقدم قول المشركين هنا لأن هذا القول أعلق بالمشركين إذ هو جديد فيهم وفاششٍ بينهم، فلما كانوا مخترعي هذا القول نسب إليهم، ثم نظر بهم الذين من قبلهم وهم اليهود والنصارى، إذ قالوا مثل ذلك لرسلهم.

و ﴿ لولا ﴾ هنا حرف تحضيض قصد منه التعجيز والاعتذار عن عدم الإصغاء للرسول استكباراً بأن عدوا أنفسهم أحرياء بالرسالة وسماع كلام الله تعالى وهذا مبالغة في الجهالة لا يقولها أهل الكتاب الذين أثبتوا الرسالة والحاجة إلى الرسل.

وقوله: ﴿ أو تأتينا آية ﴾ أرادوا مطلق آية فالتنكير للنوعية وحينئذ فهو مكابرة وجحود لما جاءهم من الآيات وحسبك بأعظمها وهو القرآن وهذا هو الظاهر من التنكير وقد سألوا آيات مقترحات ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً ﴾ [الإسراء: 90] الآيات وهم يحسبون أن الآيات هي عجائب الحوادث أو المخلوقات وما دروا أن الآية العلمية العقلية أوضح المعجزات لعمومها ودوامها وقد تحداهم الرسول بالقرآن فعجزوا عن معارضته وكفاهم بذلك آية لو كانوا أهل إنصاف.

وقوله: ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ﴾ أي كمثل مقالتهم هذه قال الذين من قبلهم من الأمم مثل قولهم.

والمراد بالذين من قبلهم اليهود والنصارى فقد قال اليهود لموسى: ﴿ لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ﴾ [البقرة: 55] وسأل النصارى عيسى ﴿ هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء ﴾ [المائدة: 112].

وفي هذا الكلام تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن ما لقيه من قومه مثل ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله: ﴿ إنا أرسلناك بالحق ﴾ [البقرة: 119] الآية.

ثم يجوز أن تكون جملة ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ﴾ واقعة موقع الجواب لمقالة الذين لا يعلمون وهو جواب إجمالي اقتصر فيه على تنظير حالهم بحال من قبلهم فيكون ذلك التنظير كناية عن الإعراض عن جواب مقالهم وأنه لا يستأهل أن يجاب لأنهم ليسوا بمرتبة من يكلمهم الله وليست أفهامهم بأهل لإدراك ما في نزول القرآن من أعظم آية وتكون جملة ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ تقريراً أي تشابهت عقولهم في الأفن وسوء النظر، وتكون جملة ﴿ قد بينا الآيات لقوم يوقنون ﴾ تعليلاً للإعراض عن جوابهم بأنهم غير أهل للجواب لأن أهل الجواب هم القوم الذين يوقنون وقد بينت لهم آيات القرآن بما اشتملت عليه من الدلائل، وأما هؤلاء فليسوا أهلاً للجواب لأنهم ليسوا بقوم يوقنون بل ديدنهم المكابرة.

ويجوز أن تكون جملة ﴿ كذلك ﴾ (قال) إلى آخرها معترضة بين جملة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ وبين جملة ﴿ قد بيَّنَّا الآيات ﴾ وتجعل جملة ﴿ قد بينا الآيات ﴾ هي الجواب عن مقالتهم.

والمعنى لقد أتتكم الآية وهي آيات القرآن ولكن لا يعقلها إلا الذين يوقنون أي دونكم فيكون على وزان قوله تعالى: ﴿ أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم ﴾ [العنكبوت: 51].

ووقع الإعراض عن جواب قولهم ﴿ لولا يكلمنا الله ﴾ لأنه بديهي البطلان كما قال تعالى: ﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً ﴾ [الفرقان: 21].

والقول في مرجع التشبيه والمماثلة من قوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم ﴾ على نحو القول في الآية الماضية ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ [البقرة: 113].

وقوله: ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ تقرير لمعنى ﴿ قال الذين من قبلهم مثل قولهم ﴾ ، أي كانت عقولهم متشابهة في الأفن وسوء النظر فلذا اتحدوا في المقالة.

فالقلوب هنا بمعنى العقول كما هو المتعارف في اللغة العربية.

وقوله ﴿ تشابهت ﴾ صيغة من صيغ التشبيه وهي أقوى فيه من حروفه وأقرب بالتشبيه البليغ، ومن محاسن ما جاء في ذلك قول الصابئ: تشابه دمعي إذ جرى ومُدامتي *** فمِن مثل ما في الكأس عيني تسكُب وفي هذه الآية جعلت اليهود والنصارى مماثلين للمشركين في هذه المقالة لأن المشركين أعرق فيها إذ هم أشركوا مع الله غيره فليس ادعاؤهم ولداً لله بأكثر من ادعائهم شركة الأصنام مع الله في الإلاهية فكان اليهود والنصارى ملحقين بهم لأن دعوى الابن لله طرأت عليهم ولم تكن من أصل ملتهم وبهذا الأسلوب تأتى الرجوع إلى بيان أحوال أهل الكتابين الخاصة بهم وذلك من رد العجز على الصدر.

وجيء بالفعل المضارع في ﴿ يوقنون ﴾ لدلالته على التجدد والاستمرار كناية عن كون الإيمان خُلقاً لهم فأما الذين دأبهم الإعراض عن النظر والمكابرة بعد ظهور الحق فإن الإعراض يحول دون حصول اليقين والمكابرة تحول عن الانتفاع به فكأنه لم يحصل فأصحاب هذين الخلقين ليسوا من الموقنين.

وتبيين الآيات هو ما جاء من القرآن المعجز للبشر الذي تحدى به جميعهم فلم يستطيعوا الإتيان بمثله كما تقدم، وفي الحديث: «ما من الأنبياء نبيء إلا أوتي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحى الله إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» فالمعنى قد بينا الآيات لقوم من شأنهم أن يوقنوا ولا يشككوا أنفسهم أو يعرضوا حتى يحول ذلك بينهم وبين الإيقان أو يكون المعنى قد بينا الآيات لقوم يظهرون اليقين ويعترفون بالحق لا لقوم مثلكم من المكابرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ ﴾ فِيهِمْ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم مُشْرِكُو العَرَبِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ ﴾ يَعْنِي هَلّا يُكَلِّمُنا اللَّهُ، كَقَوْلِ الأشْهَبِ بْنِ رَمْلِيَّةَ: تَعُدُّونَ عُقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا بِمَعْنى هَلْ لا تَعُدُّونَ الكَمِيَّ المُقَنَّعا.

﴿ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ يَعْنِي في الكُفْرِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تَشابَهَتْ قُلُوبُ اليَهُودِ لِقُلُوبِ النَّصارى، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: تَشابَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِكِي العَرَبِ لِقُلُوبِ اليَهُودِ والنَّصارى، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «قال رافع بن حريملة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا محمد إن كنت رسولاً من الله كما تقول فقل لله فليكلمنا حتى نسمع كلامه، فأنزل الله في ذلك ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ قال: هم كفار العرب ﴿ لولا يكلمنا الله ﴾ قالا: هلا يكلمنا ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ يعني اليهود والنصارى وغيرهم ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ يعني العرب واليهود والنصارى وغيرهم» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله ﴾ قال: النصارى يقوله، والذين من قبلهم يهود.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ قال ابن عباس: هم اليهود، قالوا لمحمد  : لا نؤمن لك حتى يكلّمنا الله أنك رسوله، أو حتى تأتينا بمثل الآيات التي أتت بها الرسل (١) (٢) وقال الحسن (٣) (٤) ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا ﴾ الآيات الأربع [الإسراء: 90 - 93]، ولأن أهل الكتاب أهل علم به، والله تعالى قال: ﴿ وَقَالَ اَلَّذِينَ لَا يَعلَمُونَ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ﴾ قال أبو عبيدة (٥) (٦) تعدُّونَ عَقْرَ النِّيب أفضلَ مجدِكم ...

بني ضَوْطَرَى، لولا الكَمِيَّ المُقَنَّعَا (٧) أي: هلّا (٨) ﴿ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ  ﴾ .

أي: هَلَّا.

وكلُّ ما في القرآن لولا يفسر على هَلَّا، غير التي في الصافات ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ  ﴾ يقول: فلو لم يكن من المُسَبِّحِين (٩) قوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أراد: كفار الأمم الخالية.

قال الزجاج: أعْلَمَ اللهُ أنَّ كفرَهم في التعنُّتِ بطلب الآيات على اقتراحهم، كَكُفْر الذين من قبلهم في قولهم لموسى: ﴿ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ وما أشبهه، وفي هذا تعزية للنبي  (١٠) وقوله تعالى: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ أي: أشبه بعضُها بعضًا في الكفرِ والقسوةِ ومسألةِ المُحال (١١) ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ يريد: أن من أيقن وطلبَ الحقّ فقد أتته الآيات البينات، نحو: المسلمين ومن لم يعاند من علماء اليهود؛ لأن القرآن برهانٌ شافٍ (١٢) (١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 512، ابن أبي حاتم 1/ 215 وذكره الثعلبي 1/ 1142، وذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" عن ابن إسحاق 2/ 176، وينظر: "تفسير السمعاني" 2/ 33، "زاد المسير" 1/ 137، "تفسير القرطبي" 2/ 83.

(٢) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 512، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 215، وهو في "تفسير مجاهد" ص 86، وهذا الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 1/ 513، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1142 لدلالة سياق الآيات.

(٣) لم أره عن الحسن وقد نقله في "الوسيط" 1/ 197.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 551، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 251، والثعلبي 1/ 1142.

(٥) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 52.

(٦) ينظر: "معاني القرآن" 1/ 199.

(٧) البيت "لجرير" في ديوانه ص265، "النقائض" ص 833، "مجاز القرآن" 1/ 199، "تفسير الطبري" 1/ 513، "أمالي ابن الشجري" 2/ 210.

وقد عزاه هؤلاء الثلاثة لأشهب بن رُميلة.

ورواية الديوان والنقائض: أفضل سعيكم.

وقوله: عقر النيب: يقال عقر الناقة أو الفرس: أي ضرب قوائمها فقطعها، والنيب: جمع ناب، وهي الناقة المسنة، سميت بذلك لطول نابها، وقوله: بني ظوطري: يعني: يابني الحمقى، وقيل: إنه نبز لرجلٍ من بني مشجاع بن دارم.

والكمي: الشجاع الذي لا يرهب، فلا يحيد عن قرنه، كان عليه سلاح أو لم يكن.

وكان العرب يعقرون البعير قبل نحره لئلا يشرد، وكانوا يتكارمون بالمعاقرة، وهي أن يعقر هذا ناقة فيعقر الآخر، يتباريان في الجود حتى يغلب أحدهما.

ينظر حاشية "تفسير الطبري" 1/ 513.

(٨) "مجاز القرآن" 1/ 52 - 53.

(٩) ينظر في لولا: "الكتاب" لسيبويه 3/ 115، 4/ 222، "المغني" لابن هشام 1/ 272 - 276.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 199.

(١١) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 75، "تفسير الثعلبي" 1/ 1143.

(١٢) نقلًا عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ هم هنا وفي الموضع الأول كفارُ العرب على الأصح، وقيل: هم اليهود والنصارى ﴿ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله ﴾ لولا هنا عَرْض، والمعنى أنهم قالوا: لن نؤمن حتى يكلمنا الله ﴿ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ ﴾ أي دلالة من العجزات كقولهم: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً ﴾ [الإسراء: 90] وما بعده ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني اليهود والنصارى على القول: بأن الذين لا يعلمون كفار العرب، وأما على القول بأن الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، فالذين من قبلهم هم أمم الأنبياء المتقدمين ﴿ تشابهت قُلُوبُهُمْ ﴾ الضمير للذين لا يعلمون، وللذين من قبلهم، وتشابه قلوبهم في الكفر أو في طلب ما لا يصح أن يطلب، وهو كقولهم: ﴿ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله ﴾ ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الآيات ﴾ أخبر تعالى أنه قد بين الآيات لعنادهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ قالوا اتخذ الله ﴾ بلا واو العطف: ابن عامر اتباعاً لمصاحف أهل الشام ﴿ كن فيكون ﴾ بالنصب كل القرآن: ابن عامر إلا قوله ﴿ كن فيكون الحق ﴾ في آل عمران، و ﴿ كن فيكون قوله الحق ﴾ في الأنعام.

وافقه الكسائي في النحل ويس.

الوقوف: ﴿ خرابها ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والخبر ﴿ خائفين ﴾ ط لأن ما بعده إخبار وعيد مبتدأ منتظر ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ وجه الله ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه) ﴿ وإذا ﴾ (لا) تعجيلاً للتنزيه {  } (ط) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن ما بعده مبتدأ ﴿ قانتون ﴾ (ه) ﴿ والأرض ﴾ (ط) لأن إذا أجيبت بالفاء وكانت للشرط ﴿ فيكون ﴾ (ه) ﴿ آية ﴾ (ط) ﴿ قلوبهم ﴾ (ط) لأن قد لتوكيد الاستئناف ﴿ يوقنون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن ملك النصارى غزا بيت المقدس فخربه وألقى فيه الجيف وحاصر أهله وقتلهم وسبى الذرية وأحرق التوراة، ولم يزل خراباً حتى بناه أهل الإسلام في زمان عمر فنزلت الآية فيهم.

وعن الحسن وقتادة والسدي نزلت في بختنصر حيث خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك بعض النصارى.

ورد بأن بختنصر كان قبل مولد المسيح بزمان.

وقيل: نزلت في مشركي العرب الذين منعوا رسول الله  عن الدعاء إلى الله بمكة ألجأوه إلى الهجرة، فصاروا مانعين له ولأصحابه أن يذكروا الله في المسجد الحرام.

وقيل: المراد منع المشركين رسول الله  أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

ووجه اتصال الآية بما قبلها على القولين الأولين.

هو أن النصارى ادعوا أنهم من أهل الجنة فقط، فبين أنهم أظلم منهم فكيف يدخلون الجنة؟

وعلى الآخرين هو أنه جرى ذكر مشركي العرب في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون ﴾ فعقب ذلك بسائر قبائحهم و "من" استفهامية لتقرير النفي أي ليس أحد أظلم ممن منع و ﴿ أن يذكر ﴾ ثاني مفعوليه لأنك تقول: منعته كذا أو بدل من ﴿ مساجد ﴾ أو حذف حرف الجر مع أن والتقدير كراهة أن يذكر فيكون مفعولاً له.

وهذا حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله  مفرط في الظلم، ولا بأس أن يجيء الحكم عاماً وإن كان السبب خاصاً كما تقول لمن آذى صالحاً واحداً من أظلم ممن آذى الصالحين؟

ومثله ﴿ ويل لكل همزة لمزة  ﴾ والمنزول فيه الأخنس بن شريق.

وينبغي أن يراد بمن منع العموم أيضاً لا الذين منعوا من أولئك النصارى أو المشركين بأعيانهم والسعي في خراب المساجد بانقطاع الذكر أو تخريب البنيان قيل: إن قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ الذي هو في قوة ليس أحد أظلم ليس على عمومه لأن الشرك أعظم من هذا الفعل ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكذا الزنا وقتل النفس قلت: أما استعمال لفظ الظلم في هذا المعنى في غاية الحسن، لأن المسجد موضوع لذكر الله  فيه، فالمانع من ذلك واضع للشيء في غير موضعه.

وأما أنه لا أظلم منه فلأنه إن كان مشركاً فقد جمع مع شركه هذه الخصلة الشنعاء فلا أظلم منه، وإن كان يدعي الإسلام ففعله مناقض لقوله، لأن من اعتقد أن لو معبوداً عرف وجوب عبادته له عقلاً أو شرعاً، والعبادة تستدعي متعبداً لا محالة.

فتخريب المتعبد ينبئ عن إنكار العبادة وإنكار العبادة يستلزم إنكار المعبود، فهذا الشخص لا يكون في الحقيقة مسلماً وإنما هو منخرط في سلك أهل النفاق، والمنافق كافر أسوأ حالاً من الكافر الأصلي بالاتفاق ﴿ أولئك ﴾ المانعون ﴿ ما كان لهم ﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿ أن يدخلوها ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إلا خائفين ﴾ على حال التهيب وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويلوها ويمنعوا المؤمنين منها.

والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك لولا ظلم الكفرة وعتوهم.

وقيل: هذه بشارة للمؤمنين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخلوا المسجد الحرام إلا خائفين من أن يعاقبوا أو يقتلوا إن لم يسلموا.

وقد أنجز الله هذا الوعد فمنعهم من دخول المسجد الحرام ونادى فيهم عام حج أبو بكر: ألا لا يحجن بعد العام مشرك.

وأمر النبي  بإخراج اليهود من جزيرة العرب، وصار بيت المقدس في أيدي المسلمين.

وقيل: يحرم عليهم دخول المسجد إلا في أمر يتضمن الخوف نحو أن يدخلوا للمحاكمة أو المخاصمة أو المحاجة.

وقيل: اللفظ خبر ولكن معناه النهي عن تمكينهم من الدخول والتخلية بينهم وبينه كقوله ﴿ وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله  ﴾ فمن هنا قال مالك: لا يجوز للكافر دخول المساجد.

وخصص الشافعي المنع بالمسجد الحرام لجلالة قدره ومزيد شرفه، للتصريح بذلك في قوله ﴿ إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ .

وجوز أبو حنيفة دخول المساجد كلها لما روي أنه  قدم عليه وفد ثقيف فأنزلهم المسجد.

وأجيب بأنه في أول الإسلام ثم نسخ بالآية ﴿ خزي ﴾ ذل يمنعهم من المساجد أو بالجزية في حق أهل الذمة وبالسبي والقتل في حق أهل الحرب، وفيه ردع لهم عن ثباتهم على الكفر.

وقيل: الخزي فتح مدائنهم قسطنطينية وعمورية ورومية، والعذاب العظيم يناسب الظلم العظيم ولنذكر هنا فوائد: (الأولى) في بيان فضل المساجد ومن ذاك إضافتها إلى الله في الآية وذلك دليل على شرفها وكذا في قوله ﴿ وأن المساجد لله  ﴾ بلام الاختصاص ﴿ إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر  ﴾ ﴿ في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه  ﴾ وقال  "أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله أسواقها" وليس ذلك إلا لأن المسجد يذكر الحبيب، والسوق يشغل عنه، وفي الآية نكتة وهي أن مخرب المساجد لما كان في نهاية الظلم والكفر يلزم أن يكون عامر المساجد في غاية العدل والإيمان.

(الثانية) في فضل المشي إلى المساجد عن أبي هريرة أنه  قال "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله ليقضي فيه فريضة من فرائض الله كانت خطواته إحداها تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة" وقال  لبني سلمة حين أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد "دياركم تكتب آثاركم" (الثالثة) في تزيين المساجد.

عن ابن عباس أن النبي  قال: "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس: بزخرفتها كما زخرفت اليهود والنصارى.

التشييد رفع البناء وتطويله، والزخرفة التزيين والتمويه.

وأمر عمر ببناء مسجد فقال: أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس.

(الرابعة) في تحية المسجد.

عن أبي قتادة أنه  قال: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس" وتؤدى التحية بالفرض أو النفل نواها أولا وهذا مذهب الحسن البصري ومكحول والشافعي وأحمد وإسحق.

وقيل: يجلس ولا يصلي وإليه ذهب ابن سيرين وعطاء بن أبي رباح والنخعي وقتادة ومالك والثوري وأصحاب الرأي.

(الخامسة) في الدعاء عند الدخول في المسجد والخروج منه.

روت فاطمة بنت رسول الله  عن أبيها قالت: كان رسول الله  إذا دخل المسجد صلى على محمد  وقال: " رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي ابواب رحمتك وإذا خرج صلى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك " .

(السادسة) في فضيلة القعود فيه لانتظار الصلاة عن أبي هريرة أنه  قال: "الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه فتقول: اللهم اغفر له وارحمه ما لم يحدث" (السابعة) في كراهية البيع والشراء فيه، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  نهى عن تناشد الأشعار في المساجد وعن البيع والشراء فيها، وأن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة يعني لمذاكرة العلم ونحوه، بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ثم لا بأس بالاجتماع والتحلق بعد الصلاة، وأما طلب الضالة في المسجد ورفع الصوت بغير الذكر فمكروه أيضاً.

عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله  يقول: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا" وقد كره بعض السلف المسالة في المسجد، وكان بعضهم لا يرى أن يتصدق على السائل المتعرض في المسجد، وقال معاذ بن جبل: إن المساجد طهرت من خمس: من أن تقام فيها الحدود، أو يقبض فيها الخراج، أو ينطق فيها بالأشعار، أو ينشد فيها الضالة، أو تتخذ سوقاً.

ولم ير بعضهم بالقضاء في المسجد بأساً لأن النبي  لاعن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي  ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد.

(الثامنة) النوم في المسجد.

عن عبادة بن تميم عن عمه أنه رأى رسول الله مستلقياً في المسجد واضعاً إحدى رجليه على الأخرى.

وفيه دليل على جواز الاتكاء والاضطجاع وأنواع الاستراحة في المسجد وجوازها في البيت إلا الانبطاح، فإنه  نهى عنه وقال: "إنها ضجعة يبغضها الله" (التاسعة) في كراهة البزاق في المسجد.

عن أنس عن النبي  قال: "البزاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" وعنه  "إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنه يناجي الله ما دام في مصلاه، ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكاً ولكن ليبصق عن شماله أو تحت رجله فيدفنه" (العاشرة) عن جابر أنه  قال: "من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزل مسجدنا" وعنه  "من أكل من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس" (الحادية عشرة) في بناء المساجد في الدور عن عائشة قالت: أمر رسول الله  ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب.

وفيه دليل أن مجرد تسمية الموضع بالمسجد لا يخرجه عن ملكه ما لم يسبله.

قوله عز من قائل ﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ الآية، الأكثرون على أنها نزلت في أمر يختص بالصلاة، ومنهم من زعم أنها نزلت في أمر لا يختص بالصلاة أما الفرقة الأولى فاختلفوا على وجوه: أحدها: أراد به تحويل المسلمين عن استقبال بيت المقدس إلى الكعبة فقال: إن المشرق والمغرب وجميع الأطراف مملوكة له  ومخلوقة له، فأينما أمركم باستقباله فهو القبلة لأن القبلة ليست قبلة لذاتها بل بجعل الله  ، فكانت الآية مقدمة لما أراد من نسخ القبلة، وثانيها عن ابن عباس: لما حولت القبلة عن بيت المقدس أنكر اليهود ذلك فنزلت رداً عليهم.

وثالثها قول أبي مسلم: إن كلاً من اليهود والنصارى زعمت أن الجنة لهم وحدهم فرد الله عليهم، وذلك أن اليهود إنما استقبلوا بيت المقدس لاعتقادهم أنه  صعد السماء من الصخرة، والنصارى استقبلوا المشرق لأن عيسى ولد هناك ﴿ إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً  ﴾ فكل منهما وصف معبوده بالحلول في الأماكن، ومن كان هكذا فهو مخلوق لا خالق فكيف تخلص لهم الجنة وهم لا يفرقون بين المخلوق والخالق؟

ورابعها: قول قتادة وابن زيد: إن الله  نسخ بيت المقدس بالتخيير إلى أي جهة شاءوا بهذه الآية، وكان للمسلمين ذلك إلا أن النبي  كان يختار التوجه إلى بيت المقدس، ثم إنه  نسخ ذلك التخيير بتعيين الكعبة.

وخامسها أن الآية في حق من يشاهد الكعبة فله الاستقبال من أي جهة شاء.

وسادسها: روى عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنا مع رسول الله  في غزاة في ليلة سوداء مظلمة فلم نعرف القبلة، فجعل كل رجل منا مسجده حجارة موضوعة بين يديه ثم صلينا، فلما أصبحنا إذا نحن على غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله  فأنزل الله هذه الآية عذراً لنا في خطئنا.

وهذا الحديث يدل على أنهم حينئذ قد نقلوا إلى الكعبة، لأن القتال فرض بعد الهجرة بعد نسخ القبلة.

وسابعها: عن ابن عمر نزلت في المسافر يصلي النوافل حيث توجهت به راحلته، وكان  إذا رجع من مكة صلى على راحلته تطوعاً يومئ برأسه نحو المدينة.

فمعنى الآية أينما تولوا وجوهكم لنوافلكم في أسفاركم فثم وجه الله، أي فقد صادفتم رضاه إن الله واسع الفضل عليم بمصالحكم فمن ثم رخص لكم كيلا يلزم ترك النوافل والتخلف عن الرفقة، فإن النوافل غير محصورة بخلاف الفرائض فإنها محصورة.

فتكليف النزول عن الراحلة لاستقبال القبلة لا يفضي فيها إلى الحرج، ولا يخفى أن الآية على الوجه الأول ناسخة، وعلى الوجه الرابع منسوخة، وعلى سائر الوجوه لا ناسخة ولا منسوخة.

وأما الفرقة الثانية فاختلفوا أيضاً فقيل: الخطاب في ﴿ تولوا ﴾ للمانعين والساعين يريد أنهم أين هربوا فإن سلطاني يلحقهم وتدبيري يسبقهم وعلمي محيط بمكانهم.

عن قتادة أن النبي  قال: "إن أخاكم النجاشي قد مات فصلوا عليه فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم فنزلت ﴿ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ﴾ " [آل عمران: 199] الآية.

فقالوا: إنه كان لا يصلي إلى القبلة فنزلت هذه الآية أي الجهات التي يصلي إليها أهل كل ملة لي.

فمن وجه وجهه نحو شيء منها يريد طاعتي وجد ثوابي، فكان في هذا عذر للنجاشي وأصحابه الذين ماتوا على استقبال المشرق كقوله ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم  ﴾ وعن الحسن ومجاهد والضحاك: لما نزلت ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ قالوا: أين ندعوه؟

فنزلت، وعن علي بن عيسى أنه خطاب للمسلمين أي لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله عن ذكره حيث كنتم من أرضه فللَّه بلاد المشرق والمغرب والجهات كلها، ففي أي مكان فعلتم التولية التي أمرتم بها بدليل ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ﴿ فولوا وجوهكم شطره  ﴾ فثم الجهة المأمورة المرضية وهذا كقوله  "جعلت لي الأرض مسجداً" وقيل: نزلت في المجتهدين في الصلاة أو في غيرها، وفيه أن المجتهد إذا رأى بشرائط الاجتهاد رأياً فهو مصيب.

ومعنى تولوا في جميع الوجوه تقبلوا بوجوهكم إليها.

ويقال: ولى هارباً أي أدبر، فالتولية من الأضداد، ومن جعل الخطاب للمانعين احتمل أن يريد بالتولية الإدبار و ﴿ ثم ﴾ إشارة إلى المكان خاصة.

وقد زعمت المجسمة من الآية أن لله  وجهاً وأيضاً سماه واسعاً، والسعة من نعوت الأجسام.

والجواب أن الآية عليه لا له، فإن الوجه لو حمل على مفهومه اللغوي لزم خلاف المعقول فإنه إن كان محاذياً للشرقي استحال أن يكون حينئذ محاذياً للغربي، فلا بد من تأويل هو: أن الإضافة للتشريف مثل "بيت الله" "وناقة الله" لأنه خلقهما وأوجدهما فأي وجه من وجوه العالم وجهاته المضافة إليه بالخلق والتكوين نصبه وعينه فهو قبلة والمراد بالوجه القصد والنية مثل ﴿ وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض  ﴾ أو المراد فثم مرضاة الله مثل ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله  ﴾ فإن المتقرب إلى رضا أحد شيئاً فشيئاً كالمتوجه إلى شخص ذاهباً إليه شيئاً فشيئاً.

و كيف يكون له وجه أو وجهة، أم كيف يكون جسماً أو جسمانياً وأنه خالق الأمكنة والأحياز والجواهر والأعراض والخالق مقدم على المخلوق تقدماً بالذات والعلية والشرف؟

فالمراد بالسعة كمال الاستيلاء والقدرة والملك وكثرة العطاء والرحمة والإنعام، وأنه  قادر على الإطلاق وفي توفية ثواب من يقوم بالمأمورات على شرطها، وتوفية عقاب من يتكاسل فيها، عليم بمواقع نياتهم فيجازيهم على حسب أعمالهم.

قوله ﴿ وقالوا اتخذ الله ولداً ﴾ نوع آخر من قبائح أفعال اليهود والنصارى والمشركين جميعاً فقد مر ذكرهم في قوله ﴿ كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ﴾ وفي قوله ﴿ ومن أظلم ﴾ كما مر.

والضمير يصلح للعود إليهم، فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله، والمشركون من العرب قالوا الملائكة بنات الله {  } تنزيه له عن ذلك وتبعيد ﴿ بل له ما في السموات والأرض ﴾ ملكاً وخلقاً وإبداعاً وصنعاً، ومن جملتهم الملائكة وعزير والمسيح.

والولد لا بد أن يكون من جنس الوالد، ومن أين المناسبة بين واجب الوجود لذاته وممكن الوجود لذاته؟

اللهم إلا في مطلق الوجود، وذلك لا يقتضي شركة في الحقيقة الخاصة بكل منهما.

وقد يتخذ الولد للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته وذلك على الغني المطلق والقيوم الحق محال ﴿ كل له قانتون ﴾ التنوين عوض عن محذوف أي كل ما في السموات والأرض والقنوت في الأصل الدوام ثم الطاعة، أو طول القيام أو السكوت فالمعنى أن دوام الممكنات واستمرارها جميعاً به ولأجله وقيل: عن مجاهد وابن عباس مطيعون فسئل ما للكفار، فأجاب: أنهم يطيعون يوم القيامة فسئل هذا للمكلفين.

وقوله ﴿ بل له ما في السموات ﴾ يعم المكلف وغيره، فعدل إلى تفسير آخر قائلاً المراد كونها شاهدة على وجود الخالق بما فيها من آثار القدرة وأمارات الحدوث، أو كون جميعها في ملكه وتحت قهره لا يمتنع عن تصرفه فيها كيف يشاء.

وعلى هذه الوجوه جمع السلامة في ﴿ قانتون ﴾ للتغليب، أو يراد كل من الملائكة وعزير والمسيح عابدون له مقرون بربوبيته منكرون لما أضافوا إليهم من الولدية، وعلى هذا الوجه يجمع على الأصل.

يحكى أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال لبعض النصارى: لولا تمرد عيسى عن عبادة الله تعالى لصرت على دينه.

فقال النصراني: كيف يجوز أن ينسب ذلك إلى عيسى مع جده في طاعة الله؟

فقال علي: إن كان عيسى إلهاً فالإله كيف يعبد غيره؟

وإنما العبد هو الذي يليق به العبادة فانقطع النصراني وبهت ﴿ بديع ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو بديع ﴿ السموات والأرض ﴾ عم أولاً لأن الملكية والاختصاص لا يستلزم كون المالك موجداً للمملوك، ثم خص ثانياً فقال بديع: بدع الشيء بالضم فهو بديع، وأبدعته اخترعته لأعلى مثال، وهذا من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها أي بديع سمواته وأرضه.

وقيل: بمعنى المبدع كأليم بمعنى مؤلم وضعف، ثم إنه  بين كيفية إبداعه فقال: ﴿ وإذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ﴾ أصل التركيب من "ق ض ى" يدل على القطع.

قضى القاضي بهذا إذا فصل الدعوى، وانقضى الشيء انقطع، وقضى حاجته قطعها عن المحتاج، وقضى الأمر إذا أتمه وأحكمه، لأن إتمام العمل قطع له، وقضى دينه أداه لأنه انقطع كل منهما عن صاحبه وضاق الشيء لأنه كأنه مقطوع الأطراف، والأمر الشأن، والفعل ههنا، ومعنى قضى أمراً أتمه أو حكم بأنه يفعله أو أحكمه قال: وعليهمــا مسـرودتـان قضـاهمـا *** داود أو صنـع السـوابـغ تبـع ثم من قرأ ﴿ فيكون ﴾ بالرفع على تقدير فهو يكون فلا إشكال، وأما من قرأ بالنصب على أنه جواب الأمر فأورد عليه أن جواب الأمر لا بد أن يخالف الأمر في الفعل أو في الفاعل أو فيهما نحو: اذهب تنتفع، أو اذهب يذهب زيد، أو اذهب ينفعك زيد، فإما أن يتفق الفعلان والفاعلان نحو: اذهب تذهب فغير جائز لأن الشيء لا يكون شرطاً لنفسه.

قلت: لا استبعاد في هذا، لأن الغرض الذي رتب على الأمر قد يكون شيئاً مغايراً لفعل الأمر وذلك أكثري، وقد لا يكون الغرض إلا مجرد ذلك الفعل فيوقع في جواب نفسه ليعلم أن الغرض منه ليس شيئاً آخر مغايراً له.

فقول القائل "اذهب تذهب أو فتذهب" معناه إعلام أن الغرض من الأمر هو نفس صدور الذهاب عنه لا شيء آخر، كما أن المقصود في الآية من الأمر بالوجود هو نفس الوجود، فأوقع "كان" التامة جواباً لمثلها لهذا الغرض، على أنه يمكن أن يشبه الواقع بعد الأمر بجواب الأمر وإن لم يكن جواباً له من حيث المعنى.

فإن قلت: إن قوله ﴿ فيكون ﴾ لما كان من تتمة المقول.

فالصواب أن يكون بتاء الخطاب نحو "اذهب فتذهب" قلت: هذا الحادث قد ذكر مرتين بلفظ الغيبة في قوله ﴿ أمراً ﴾ وفي قوله ﴿ له ﴾ ومرة على سبيل الخطاب فغلب جانب الغيبة، ويحتمل أن يكون من باب الالتفات تحقيراً لشأنه في سهولة تكونه، ولأن أول الكلام مع المكلفين فروعي ذلك.

وههنا بحث آخر وهو أنه لا يجوز أن يتوقف إيجاد الله  لشيء على صدور لفظة "كن" منه لوجوه: الأول أن قوله ﴿ كن ﴾ إما أن يكون قديماً أو محدثاً لا جائز أن يكون قديماً، لأن النون لكونه مسبوقاً بالكاف يكون محدثاً لا محالة، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان مقدر يكون محدثاً أيضاً، ولأن "إذا" للاستقبال فالقضاء محدث، وقوله "كن" مرتب عليه بفاء التعقيب، والمتأخر عن المحدث محدث، ولأن تكون المخلوق مرتب على قوله "كن" بالفاء والمتقدم على المحدث بزمان محصور محدث أيضاً، ولا جائز أن يكون "كن" محدثاً وإلا احتاج إلى مثله ويلزم إما الدور وإما التسلسل وإذا بطل القسمان بطل توقف الأشياء على "كن" (الثاني) إما أن يخاطب المخلوق بـ "كن" قبل دخوله في الوجود وخطاب المعدوم سفه، وإما بعد دخوله في الوجود لا فائدة فيه.

(الثالث) المخلوق قد يكون جماداً وتكليف الجماد لا يليق بالحكمة.

(الرابع) إذا فرضنا القادر المريد منفكاً عن قوله ﴿ كن ﴾ فإن تمكن من الإيجاد فلا حاجة إلى ﴿ كن ﴾ ، وإن لم يتمكن فلا يكون القادر قادراً على الفعل إلا عند تكلمه بـ ﴿ كن ﴾ فيلزم عجز القادر بالنظر إلى ذاته، أو يرجع الحاصل إلى تسمية القدرة بـ ﴿ كن ﴾ ولا نزاع في اللفظ.

(الخامس) أنا نعلم بالضرورة أنه لا تأثير لهذه الكلمة إذا تكلمنا بها وكذا إذا تكلم بها غيرنا.

(السادس) المؤثر إما مجموع الكاف والنون ولا وجود لهما مجموعين، فعند مجيء الثاني ينقضي الأول، وإما أحدهما وهذا خلاف المفروض فثبت بهذه الوجوه أن حمل الآية على الظاهر غير جائز فلا بد من تأويل، وأصحه أن يقال: المراد أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه فإنما يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، فشبه حال هذا المتكون بحال المأمور المطيع الذي يؤمر فيتمثل لا يتوقف ولا يمتنع ولا يأبى، وفيه تأكيد لاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة كانت حاله مباينة لأحوال الأجسام في توالدها وقيل: إنه علامة وضعها الله  للملائكة إذا سمعوها علموا أنه أحدث أمراً، عن أبي الهزيل.

وقيل إنه خاص بالموجودين الذين قال لهم كونوا قردة ومن يجري مجراهم من الأمم.

وقيل: أمر للأحياء بالموت وللموتى بالحياة ﴿ وقال الذين لا يعلمون ﴾ يعني الجهلة من المشركين.

وقيل: من أهل الكتاب أيضاً.

ونفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به.

فالآية الأولى فيها بيان قدحهم في التوحيد، وهذه الآية فيها بيان قدحهم في النبوة.

ولولا حرف تحضيض أي هلا يكلمنا وتقرير الشبهة أن الحكيم إذا أراد تحصيل شيء اختار أقرب الطربق المؤدية إلى المطلوب، ثم إنه  كلم الملائكة وكلم موسى وأنت تقول يا محمد إنه كلمك ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ فلم لا يكلمنا مشافهة ولا ينص على نبوتك حتى يتأكد الاعتقاد وتزول الشبهة؟

فإن لم يفعل ذلك فلم لا تأتي بآية ومعجزة؟

وهذا طعن منهم في كون القرآن آية ومعجزة فأجابهم الله  بقوله ﴿ كذلك قال الذين من قبلهم ﴾ من مكذبي الرسل ﴿ تشابهت قلوبهم ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله ﴿ أتواصوا به  ﴾ فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل ﴿ لن نصبر على طعام واحد  ﴾ ﴿ أرنا الله جهرة ﴾ } [النساء: 153] ﴿ اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة  ﴾ فكذلك هؤلاء المشركون ﴿ قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً  ﴾ ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا  ﴾ وكذلك المعاصرون من اليهود والنصارى ﴿ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء  ﴾ ﴿ قد بينا الآيات لقوم ﴾ يفقهون فـ ﴿ يوقنون ﴾ أنها آيات.

فلو كان غرضهم طلب الحق لوقع الاكتفاء بها لكونها آيات ظاهرة هي القرآن العظيم الذي أخرس شقاشق الفصحاء عن آخرهم، ومعجزات باهرة كمجيء الشجرة وحنين الجذع وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وأيضاً لو كان في معلوم الله  أنهم يؤمنون عند إنزال ما اقترحوه لفعلها، لكنه علم لجاجهم وعنادهم فلا جرم لم يفعل ذلك وأيضاً، لعل في تلك الآيات مفاسد لا يعلمها إلا علام الغيوب كإفضائها إلى حد الإلجاء المخل بالتكليف، وكإيجابها استئصاهم بالكلية إذا استمروا على التكذيب، وكخروجها عن القدر الصالح لإلزام الحجة، وأيضاً كثرة الآيات وتعاقبها ينافي كونها خوارق لعادة فلا تبقى آيات، وكل ما أدى وجوده إلى عدمه ففرض وجوده محال، فثبت بهذه البيانات أن عدم إسعافهم بما اقترحوه لا يقدح في صحة النبوة والله أعلم.

التأويل: مساجد الله التي يذكر فيها أساميها عند أهل النظر، النفس والقلب والروح، والسر والخفي - وهو سر السر - وذكر كل مسجد منها مناسب لذلك المسجد.

فذكر مسجد النفس الطاعات والعبادات ومنع الذكر فيه بترك الحسنات وملازمة السيئات، وذكر مسجد القلب التوحيد والمعرفة ومنع الذكر فيه بالتمسك بالشبهات والتعلق بالشهوات، كما أوحى الله إلى داود  : يا داود حذر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المعلقة بالشهوات عقولها عني محجوبة.

وذكر مسجد الروح الشوق والمحبة ومنع الذكر فيه بالحظوظ والمسكنات، وذكر مسجد السر المراقبة والشهود ومنع الذكر فيه بالركون إلى الكرامات والقربات، وذكر مسجد الخفي بذل الوجود ومنع الذكر فيه بالالتفات إلى المشاهدات والمكاشفات ﴿ أولئك ما كان لهم ﴾ أن يدخلوا هذه المشاهد بقدم السلوك إلا بخطوات الخوف من سوء الحساب وألم العقاب ﴿ لهم في الدنيا خزي ﴾ من ذل الحجاب ﴿ ولهم في الآخرة عذاب ﴾ الحرمان من جوار الله.

﴿ ولله المشرق والمغرب ﴾ القلوب مشارق شموس المعارف ومغاربها، والله في مشرق كل قلب ومغربه شارق وطارق، فطارق القلب من هواجس النفس يطرق بظلمات المنى عند غلبات الهوى وغروب نجم الهدى، وشارق القلب من واردات الروح يشرق بأنوار الفتوح عند غلبات الشوق وطلوع قمر الشهود، فتكون القبلة واضحة والدلالات لائحة، فإذا تحلت شمس صفات الجلال خفيت نجوم صفات الجمال، وإذا استولى سلطان الحقيقة على ممالك الخليقة طويت بأيدي سطوات الجود سرادقات الوجود، فما بقيت الأرض ولا السماء ولا الظلمة ولا الضياء، إذ ليس عند الله صباح ولا مساء.

وتلاشي العبدية في كعبة العندية، وتودوا بفناء الفناء من عالم البقاء، رفعت القبلة وما بقي إلا الله ﴿ فأينما تولوا فثم وجه الله ﴾ ﴿ إن الله واسع ﴾ يوسع قلب من يشاء من عباده ليسعه ﴿ عليم ﴾ بتوسيع القلب لسعته بلا كيف وحيف كما قال لا يسعني أرضي ولا سمائي وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً سُبْحَـٰنَهُ ﴾ .

فيه تنزيه، نزه به نفسه عما قالوا فيه بما لا يليق، ورد عليهم.

ومعناه - والله أعلم -: أَنَّ اتخاذ الولد، والتبني - في الشاهد - إنما يكون لأَحد وجوهٍ ثلاثة تحوجه إلى ذلك: إما لشهوات تغلبه؛ فيقضيها به.

وإما لوحشة تأْخذه؛ فيحتاج إلى من يستأْنس به.

أَو لدفع عدو يقهره؛ فيحتاج إلى من يستنصر به ويستغيث.

فإذا كان الله - عز وجل - يتعالى عن أَن تمسه حاجة، أَو تأْخذه وحشة، أَو يقهره عدو، فلأَي شيء يتخذ ولداً؟!.

وقوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

رد على ما قالوا: بأن من ملك السماوات وما فيها، وملك الأَرض وما فيها - لا تمسه حاجة، ولا يقهره عدو؛ إذ كل ذلك ملك له، يجري فيهم تقديره، ويمضي عليهم أَمره وتدبيره، وإنما يرغب إلى مثله إذا اعترض له شيء مما ذكرنا،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

فإن عورض بالخلة، قيل: إن الخلة تقع على غير جوهرِ مَنْ منه الخلة، والولدُ لا يكون إلا من جوهره، وإلى هذا يذهب الحسن.

والثاني: أَن الخلة تقع لأَفعال تكتسب، وتسبق منه، فيعلو أَمره، وترتفع مرتبته؛ فيستوجب بذلك الخلة بمعنى الجزاء، وأَما الولد فإنه لا يقع عن أَفعال تكتسب، بل بدو ما به استحقاقه يكون من مولده.

وقد نفى عن نفسه ما به يكون بقوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صَٰحِبَةٌ  ﴾ .

والثالث: ما قاله الراوندي: أَنه لا بد من أَن يدعى إلى التسمى، أَو إلى التحقيق؛ إذ في الخلة تحقيق ما به يسمى.

ثم لم يحتمل في هذا تحقيق ما به يسمى، والاسم لم يرد به الإذن، وبالله التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ بَل لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ وجهاً آخر، وهو أَن يقال: إن ما في السماوات وما في الأَرض، كلهم عبيده وإِماؤه، فأَنتم مع شدة حاجتكم إلى الأَولاد لا تستحسنون أَن تتخذوا عبيدكم وإِماءكم أولاداً، فكيف تستحسنون ذلك لله - عز وجل - وتنسبون إليه مع غناه عنه؟

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن كل من في السماوات والأرض من الملائكة، وعيسى، وعُزير، وغيرهم - من الذين قلتم: إنه اتخذهم ولداً - قانتون له، مُقِرُّون بالربوبية له، والعبودية لأَنفسهم له.

وقيل: ﴿ قَانِتُونَ ﴾ : مطيعون؛ أي: كلهم مطيعون متواضعون.

وقيل: القانت: هو القائم، لكن القائم على وجهين: يكون القائم المنتصب على الأَقدام، ويكون القائم بالأَمر والحفظ.

ثم لا يحتمل أَن يراد بالقانت هاهنا: المنتصب بالقدم؛ فرجع إلى الطاعة له وحفظ ما عليه، وهو كقوله: ﴿ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ  ﴾ من الحفظ والرزق.

ويحتمل: تنزيه الخلقة؛ لأَن خلقة كل أحد تنزه ربه عن جميع ما يقولون فيه.

أَو أَن يقال: ﴿ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ في الجملة؛ كقوله: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

ابتدعهما ولم يكونا شيئاً.

والبديع والمبدع واحد؛ وهو الذي لم يسبقه أَحدٌ في إنشاءِ مثله؛ ولذلك سمي صاحب الهوى: مبتدعاً؛ لمَّا لم يسبقه في مثل فعله أَحد.

ثم فيه الحجةُ على هؤلاء الذين قالوا: اتخذ الله ولداً، يقول: إن من قدر على خلق السماوات والأَرض من غير شيء، ولا سبب، كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!

والثاني: أَن يقال: إِن من له القدرةُ على خلق ما يصعب، ويعظم في أَعينكم، بأَقل الأَحرف عندكم - كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير أَب؟!

وقوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ ﴾ .

قيل: وإذا حكم حكماً: فإنما يقول له: كن فيكون.

وقيل: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً ﴾ ؛ يعني قضى بإهلاك قوم واستئصالهم ﴿ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ .

ليس هو قول من الله: أَن كُنْ - بالكاف والنون - ولكنه عبارة بأَوجز كلام، يؤدي المعنى التام المفهوم؛ إذ ليس في لغة العرب كلام التحقيق بحرفين يؤدي المعنى المفهوم أَوجز من هذا، وما سوى هذا فهو من الصِّلات، والأَدوات، فلا يفهم معناها، والله أعلم.

ثم الآية تردُّ على من يقول: بأَن خلق الشيء هو ذلك الشيء نفسه؛ لأَنه قال: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً ﴾ ذكر "قَضى" وذكر "أَمْراً"، وذكر "كُنْ فَيَكُونُ".

ولو كان التكوين والمكون واحداً لم يحتج إلى ذكر كن في موضع العبارة عن التكوين فالـ "كن" تكوينه، فيكون المكون؛ فيدل أنه غيره.

ثم لا يخلو التكوين: إما أَن لم يكن فحدث، أَو كان في الأَزل.

فإن لم يكن فحدث، فإِما أَن يحدث بنفسه - ولو جاز ذلك فى شيء لجاز في كل شيء - أَو بإِحداث آخَر، فيكون إحداث بإحداث، إِلى ما لا نهاية له.

وذلك فاسد، ثبت أَن الإِحداث والتكوين ليس بحادث، وأَن الله  موصوف في الأَزل أَنه محدث، مكون؛ ليكون كل شيء في الوقت الذي أراد كونه فيه، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الَّذِينَ لا يعلمون، يعلمون في الحقيقة، ولكن سماهم بذلك؛ لما لم ينتفعوا بعلمهم.

وقيل: لا يعلمون توحيدَ ربهم؛ وهم مشركو العرب.

قالوا للنبي  : هلا يكلمنا الله، أَو تأْتينا آية فتُخبرنا بأَنك رسوله.

وقيل: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ ﴾ ، أَي: لا يعلمون أَنهم لم يبلغوا المبلغ الذي يتمنون تكليم الله إياهم.

وقيل: ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أَنه قد كلمهم وأَخبرهم بالوحي، وإيتاء رسوله  آياتٍ على رسالته، لكنهم يعاندون.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ﴾ .

قيل: الذين من قبلهم: بنو إسرائيل؛ قالوا لموسى مثل ما قال مشركو العرب لمحمد  ، وهو قوله: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ .

وقيل: اليهود سأَلوا مثل سؤال النصارى.

وقيل: النصارى سأَلوا مثل سؤال اليهود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾ .

بالكفر والسفه.

وقيل: تشابهت قلوبهم في المقالة؛ يشبه بعضُها بعضاً في السؤال؛ لأَنهم سأَلوا سؤال تعنت، لا سؤال مسترشد.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أَحدهما: هذا القول.

والثاني: أَن يسأَلوا سؤال التعنت والعتو، لا سؤال مسترشد؛ إذ الله -  - قد أَثبت آيات الإرشاد لمن يبتغي الرشد، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ قَدْ بَيَّنَّا ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ .

قيل: بينا أَمر محمد  بالآيات، والحجج التي أقامها: أَنه رسول لمن آمن به، وصدقه، ولم يعانده.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال الذين لا يعلمون من أهل الكتاب والمشركين عنادًا للحق: لِمَ لا يكلمنا الله دون واسطة، أو تأتينا علامة حسية خاصة بنا؟

ومثل قولهم هذا قالت الأمم المكذبة من قبلُ لرسلها، وإن اختلفت أزمنتهم وأمكنتهم، قد أوضحنا الآيات لقوم يوقنون بالحق إذا ظهر لهم، لا يعتريهم شك، ولا يمنعهم عناد.

<div class="verse-tafsir" id="91.MqYgO"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام لا يزال في القرآن، وما كان من أمر الناس في الإيمان به وعد الإيمان، ذكر في الآيات المتقدمة آنفًا من شأن أهل الكتاب ما تبين به أن عدم إيمانهم بالنبي وما جاء به غير قادح فيه، ولا ينهض شبهة عليه، وأن مطاعنهم فيه متهافتة منقوضة بطعنهم في أنفسهم، وتخبطهم في أمر كتبهم، ثم انتقل إلى ذكر شبهة مشركي العرب وبين أنهم جروا فيها على الأصل المعهود من أمثالهم المشركين الذين سبقوهم بالضلال فقال ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي الجاهلون بالكتاب والشرائع من مشركي العرب.

وقال (الجلال) إن المراد بالذين لا يعلمون كفار مكة خاصة، ولا دليل على التخصيص، ويرجح العموم كون الآية مدنية ﴿ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ  ﴾ كما كلم هذا الرسول مع أنه بشر مثلنا ﴿ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ  ﴾ من الآيات التي اقترحناها، يعنون ما حكاه الله تعالى عنهم بمثل قوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا  ﴾ الآيات ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ  ﴾ أي مثل هذا القول قال الكفار الذين أرسل إليهم الرسل من قبلهم في معناه وهو أنهم أنكروا على الرسل الاختصاص بالوحي من دونهم واقترحوا عليهم الآيات تعنتًا وعنادًا ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ لأن الطغيان قد ساوى بينهم حتى كأنهم تواصلوا بما يقولون كما قال في سورة الطور ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

ويشبه هذا ما ورد من أن الكفر ملة واحدة، وذلك أن الحق واحد ومخالفته هي الباطل أو الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه.

وآثار الشيء الواحد الكلي تتشابه فيمن تصدر عنهم وإن اختلفت الجزئيات.

والتشابه هنا إنما هو مكابرة الحق واستبعاد كون واحد من البشر رسولًا يوحى إليه اقتراح الآيات تعنتًا وعنادًا.

ومثال الاختلاف في الجزئيات طلب موسى رؤية الله جهرة، وطلب قوم محمد أن يرقى في السماء أمامهم فيأتي بكتاب يقرأونه.

والطلب الذي مصدره العناد والتعنت لا تفيد إجابته لأن صاحبه لا يقصد به معرفة الحق ولذلك قال تعالى ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  ﴾ .

والدليل المعقول على هذا أنه ما من نبي إلا وقد جاء بآية أو آيات كونية أو عقلية وكانوا مع ذلك يصفونهم بالسحر ثم يقترحون عليهم الآيات، ولذلك قال تعالى بعد حكاية شبهة هؤلاء الجاهلين ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ أي إننا لم ندعك يا محمد بغير آية بل بينا الآيات على يديك بيانًا لا يدع للريب طريقًا إلى نفس من يعقلها.

وقد قال ﴿ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ  ﴾ ولم يقل أعطيناك الآية للتفرقة والفصل بين آيات القرآن التي هي من علم الله وكلامه يظهر بها الحق بطريق معقول بيِّن لا يشتبه فيه الفهم، ولا يحار فيه الذهن، وبين الآيات الكونية التي هي من صنعه يستخذي لها العقل ويخضع لها لشعوره بأنها من قوة فوق قوته.

وللناس فيما يرونه فوق ما يعقلون طريقان معهودان: منهم من يسنده إلى القوة الغيبية العليا سواء كان له سبب خفي في الواقع أم لا ومنهم من يسنده إلى الأسباب الخفية التي يسمونها السحر، وإن كان فوق قدرة البشر، ولذلك ضلت الأمم في آيات الأنبياء السابقين وليس لأحد أن يضل في آيات القرآن لأنها بينة معقولة ولذلك قال ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ .

نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم اليقين.

ولذلك قال ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ والذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانًا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولًا بلا دليل ولا برهان، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقًا لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنيًا، وإذا نهض لهم مخالفًا لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم: فسلموا من علة العناد والمكابرة لا المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى القول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي  فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل.

هؤلاء من الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت، وأما سائر الناس فتبع لهم وعيال عليهم.

ثم قال تعالى ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ  ﴾ أي بالشيء الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام، بل يكون الآخذ به سعيدًا بالطمأنينة واليقين.

الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها فهو يقول: إنا أرسلنا بالعقائد الحقة المطابقة للواقع، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ﴿ بَشِيرًا  ﴾ لمن يتبع الحق بالسعادتين ﴿ وَنَذِيرًا  ﴾ لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزي الآخرة ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ  ﴾ أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزمًا لهم ولا جبارًا عليهم فيعد عدم إيمانهم تقصيرًا منك تسأل عنه، بل بعثت معلمًا وهاديًا بالبيان والدعوة وحسن الأسوة، لا هاديًا بالفعل ولا ملزمًا بالقوة، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ .

وفي الآية تسلية للنبي  لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى.

وفي الآية من العبرة إن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعًا عن الحق لا إكراهًا عليه.

وفيها أن الله تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق الله وحقوق العباد.

وفي قراءة نافع ويعقوب ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ  ﴾ بالنهي، أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم، فمثل هذا النهي مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم: وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته وأنه خاص بنهي النبي  عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى ولو يعرف حالهما في الآخرة وقال"ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت الآية في ذلك.

والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد.

وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى.

ولاشك أن مقام النبي  في معرفة أسرار الدين، وحكم الله في الأولين والآخرين، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبي أن يكون هو المراد منه.

ثم قال  ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ فعاد إلى ذكر أهل الكتاب على ما عهدنا في أساليب القرآن من ضروب الانتقال بالمناسبات الدقيقة.

فالقرآن لم يأت على طريقة المنشئين والمؤلفين الذين يخصون كل طائفة من الكلام بموضوع معين ويسمونها فضلًا أو بابًا، ولكن للقرآن أغراضًا يبرزها بصور مختلفة، فكلما لاحت المناسبة لذكر شيء منها أو الاحتجاج عليه أو الدفاع عنه، جاء به يجذب إليه الأذهان، ويساوق به خطرات القلوب، مع مراعاة التناسق، وحفظ الأسلوب البليغ، لهذا يتكرر فيه المعنى الواحد بعبارات متعددة، ويتجلى الروح الواحد في أشكال متنوعة، فلم يذكر ههنا المشركين إلا لما بينهم وبين أهل الكتاب من التناسب والتقارب في المجاحدة والمعاندة، فكان ذكرهم من متممات الحجة على أهل الكتاب من حيث أدى غرضًا مقصودًا في ذاته.

ولما كان ذكرهم في عرض الكلام كالجملة الاعتراضية كان الرجوع إلى سرد شؤون أهل الكتاب مع النبي  رجوعًا إلى أصل الموضوع.

إن من شأن الإنسان أن يتألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه، فكان النبي  يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأن لا يرى منهم المكابرة والمجاحدة والعناد، ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن إجابة دعوته، وإسرافهم في مجاحدته، أشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض، مع موافقته لأهل الكتاب في أصل دينهم ومقصده من توحيد الله تعالى والإخلاص له وتقويم عوج الفطرة الإنسانية الذي طرأ عليها بسبب التقاليد، وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الإنسان من الارتقاء العقلي والأدبي، ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ .

الآية وغيرها من الآيات.

ولقد كان من الصعب لولا إعلام الله تعالى أن تعرف درجة فتك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم، لذلك سلى الله تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيرة عرفه فيها حقيقة حالهم، منها هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في أصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شيء إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ مراد به ما هم عليه من التقاليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين الواحد حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة.

ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى  ﴾ أي أجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى الله الذي أنزل على أنبيائه دون ما أضافه إليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شيء، أي فإن أردت استرضاءهم، فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهوائهم، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ  ﴾ التي أضافوها على كتبهم، وجعلوها أصولًا وفروعًا لدينهم ﴿ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  ﴾ اليقين، وبالوحي الإلهي المبين، الذي بين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالـتأويل، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًا مما ذكروا به، ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ  ﴾ أي فإنك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم على باطلهم، لأن الله لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى طريقًا إلى الهدى، والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله، ومجاراته على فساده، وإذا لم يكن الله هو الذي يتولى شؤونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده؟.

من تدبر هذا الإنذار الموجه من الله تعالى إلى نبي الرحمة، المؤيد منه بالكرامة والعصمة، علم أن المراد به الوعيد والتشديد على الأمة، على حد "إياك أعني واسمعي يا جارة".

فإن الله تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي  كما جرى عرف التخاطب مع الرؤساء والزعماء فقد يقال لذلك: إذا فَعَلتَ هذا كانت عاقبته كذا: والمراد إذا فَعَلَته دولتك أو أمتك، وقد تقدم غير مرة إسناد عمل بعض الأفراد إلى الأمة كلها ولكن قوله ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  ﴾ وهو يعلم جل شأنه أنه لا يتبع أهوائهم في حال من الأحوال، وقد عصمه من الزيغ والضلال، وإنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه.

فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له وعدم المبالاة بمن يخالفه مهما قوي حزبهم، واشتد أمرهم، وإنه لتهديد ترتعد منه فرائص الذين يخشون ربهم، ولا سيما إذا آنسوا من أنفسهم ضعفًا في الحق كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفًا من إنكار العامة عليهم، ولغط الناس بهم، فمن عرف الحق وعرف أن الله تعالى وليّ أهله وناصرهم لا يخاف في تأييده لومة لائم، ولا يغترن أحد بمن يسميهم الناس علماء وعارفين في سكوتهم عن الحق، ومجاراتهم لأهل الباطل، فإنهم ليسوا على شيء من العلم الحقيقي، وإن هي إلا كلمات يتلقفونها، وعادات يتقلدونها، لا حجة للأحياء فيها، سوى قولهم إن الميتين درجوا عليها!.

وليس هذا هو العلم الذي جاء به النبي  وإنما هو شيء كان يلقب بالعلم عند الضالين من أهل الكتاب والمشركين كذلك، وقد نفى عنه كونه علمًا على الحقيقة بمثل قوله ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ  ﴾ وبقوله ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  ﴾ فمن أخذ بقول القائلين، واتبع ما وجد عليه السابقين بدون بينة يعرف بها وجه الحق من ذلك -وكتاب الله بين يديه لا ينظر فيه ولا يرجع إليه- فقد اتبع الهوى بعد الذي جاء من العلم إلى النبي  وباء بالخزي في الدنيا وبالنكال في الآخرة، ولم يكن ولن يكون له من الله ولي ولا نصير، اللهم أعنا على الجهر بالحق بعد ما عرفناه، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل