الآية ١١٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٩ من سورة البقرة

إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۖ وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ ١١٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 81 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الرحمن بن صالح ، حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الفزاري عن شيبان النحوي ، أخبرني قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت علي : ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ) قال : " بشيرا بالجنة ، ونذيرا من النار " .

وقوله : ( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) قراءة أكثرهم ) ولا تسأل ) بضم التاء على الخبر .

وفي قراءة أبي بن كعب : " وما تسأل " وفي قراءة ابن مسعود : " ولن تسأل عن أصحاب الجحيم " نقلهما ابن جرير ، أي : لا نسألك عن كفر من كفر بك ، ( فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب ) [ الرعد : 40 ] وكقوله تعالى : ( فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر ) الآية [ الغاشية : 21 ، 22 ] وكقوله تعالى : ( نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) [ ق : 45 ] وأشباه ذلك من الآيات .

وقرأ آخرون " ولا تسأل عن أصحاب الجحيم " بفتح التاء على النهي ، أي : لا تسأل عن حالهم ، كما قال عبد الرزاق : أخبرنا الثوري ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليت شعري ما فعل أبواي ، ليت شعري ما فعل أبواي ، ليت شعري ما فعل أبواي ؟

" .

فنزلت : ( ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) فما ذكرهما حتى توفاه الله ، عز وجل .

ورواه ابن جرير ، عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، [ وقد تكلموا فيه عن محمد بن كعب ] بمثله .

وقد حكاه القرطبي عن ابن عباس ومحمد بن كعب قال القرطبي : وهذا كما يقال : لا تسأل عن فلان ; أي : قد بلغ فوق ما تحسب ، وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا له أبويه حتى آمنا ، وأجبنا عن قوله : ( إن أبي وأباك في النار ) .

( قلت ) : والحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها ، وإسناده ضعيف والله أعلم .

ثم قال [ ابن جرير ] وحدثني القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، أخبرني داود بن أبي عاصم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : " أين أبواي ؟

" .

فنزلت : ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ) .

وهذا مرسل كالذي قبله .

وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب [ القرظي ] وغيره في ذلك ، لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه .

واختار القراءة الأولى .

وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر ، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه قبل أن يعلم أمرهما ، فلما علم ذلك تبرأ منهما ، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار [ كما ثبت ذلك في الصحيح ] ولهذا أشباه كثيرة ونظائر ، ولا يلزم ما ذكر ابن جرير .

والله أعلم .

وقال الإمام أحمد : حدثنا موسى بن داود ، حدثنا فليح بن سليمان ، عن هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، قال : لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، فقلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة .

فقال : أجل ، والله إنه لموصوف في التوراة بصفته في القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، وأنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لا إله إلا الله .

فيفتح به أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا .

انفرد بإخراجه البخاري ، فرواه في البيوع عن محمد بن سنان ، عن فليح ، به .

وقال : تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال .

وقال سعيد : عن هلال ، عن عطاء ، عن عبد الله بن سلام .

ورواه في التفسير عن عبد الله ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن هلال ، عن عطاء ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، به .

فذكر نحوه ، فعبد الله هذا هو ابن صالح ، كما صرح به في كتاب الأدب .

وزعم أبو مسعود الدمشقي أنه عبد الله بن رجاء .

وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من البقرة ، عن أحمد بن الحسن بن أيوب ، عن محمد بن أحمد بن البراء ، عن المعافى بن سليمان ، عن فليح ، به .

وزاد : قال عطاء : ثم لقيت كعب الأحبار ، فسألته فما اختلفا في حرف ، إلا أن كعبا قال بلغته : أعينا عمومى ، وآذانا صمومى ، وقلوبا غلوفا

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا قال أبو جعفر: ومعنى قوله جل ثناؤه: ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) ، إنا أرسلناك يا محمد بالإسلام الذي لا أقبل من أحد غيره من الأديان ، وهو الحق ؛ مبشرا من اتبعك فأطاعك ، وقبل منك ما دعوته إليه من الحق - بالنصر في الدنيا ، والظفر بالثواب في الآخرة ، والنعيم المقيم فيها، ومنذرا من عصاك فخالفك، ورد عليك ما دعوته إليه من الحق - بالخزي في الدنيا ، والذل فيها ، والعذاب المهين في الآخرة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) قال أبو جعفر: قرأت عامة الْقَرَأَة: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) ، بضم " التاء " من " تسأل "، ورفع " اللام " منها على الخبر ، بمعنى: يا محمد إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، فبلغت ما أرسلت به ، وإنما عليك البلاغ والإنذار ، ولست مسئولا عمن كفر بما أتيته به من الحق ، وكان من أهل الجحيم.

وقرأ ذلك بعض أهل المدينة: (ولا تَسألْ) جزما.

بمعنى النهي ، مفتوح " التاء " من " تسأل "، وجزم " اللام " منها.

ومعنى ذلك على قراءة هؤلاء: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا لتبلغ ما أرسلت به ، لا لتسأل عن أصحاب الجحيم ، فلا تسأل عن حالهم.

وتأول الذين قرءوا هذه القراءة ما:- 1875- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن كعب قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليت شعري ما فعل أبواي؟

فنـزلت : (ولا تَسألْ عن أصحاب الجحيم).

1876- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا الثوري ، عن موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليت شعري ما فعل أبواي؟

ليت شعري ما فعل أبواي؟

ليت شعري ما فعل أبواي؟" ثلاثا ، فنـزلت: (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تَسأل عن أصحاب الجحيم) ، فما ذكرهما حتى توفاه الله.

(75) 1877- حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج قال، أخبرني داود بن أبي عاصم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: " ليت شعري أين أبواي؟" فنـزلت: ( إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم).

(76) * * * قال أبو جعفر : والصواب عندي من القراءة في ذلك قراءة من قرأ بالرفع ، على الخبر.

لأن الله جل ثناؤه قص قصص أقوام من اليهود والنصارى ، وذكر ضلالتهم ، وكفرهم بالله ، وجراءتهم على أنبيائه ، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ يا محمد بِالْحَقِّ بَشِيرًا ، من آمن بك واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم أقصص عليك أنباءه ، وَنَذِيرًا من كفر بك وخالفك ، فبلغ رسالتي ، فليس عليك من أعمال من كفر بك - بعد إبلاغك إياه رسالتي تبعة ، ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك.

ولم يجر - لمسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه عن أصحاب الجحيم ذكر ، فيكون لقوله: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) ، وجه يوجه إليه.

وإنما الكلام موجه معناه إلى ما دل عليه ظاهره المفهوم ، حتى تأتي دلالة بينة تقوم بها الحجة ، على أن المراد به غير ما دل عليه ظاهره، فيكون حينئذ مسلما للحجة الثابتة بذلك.

ولا خبر تقوم به الحجة على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن أن يسأل -في هذه الآية عن أصحاب الجحيم ، ولا دلالة تدل على أن ذلك كذلك في ظاهر التنـزيل.

والواجب أن يكون تأويل ذلك الخبر على ما مضى ذكره قبل هذه الآية ، وعمن ذكر بعدها من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر ، دون النهي عن المسألة عنهم.

(77) * * * فإن ظن ظان أن الخبر الذي روي عن محمد بن كعب صحيح ، فإن في استحالة الشك من الرسول عليه السلام - في أن أهل الشرك من أهل الجحيم ، وأن أبويه كانا منهم ، ما يدفع صحة ما قاله محمد بن كعب ، إن كان الخبر عنه صحيحا.

مع أن ابتداء الله الخبر بعد قوله: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، بـ " الواو " - بقوله: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم)، وتركه وصل ذلك بأوله بـ " الفاء " ، وأن يكون: " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا فلا تسأل عن أصحاب الجحيم " - (78) أوضح الدلالة على أن الخبر بقوله: (79) " ولا تسأل " ، أولى من النهي ، والرفع به أولى من الجزم.

وقد ذكر أنها في قراءة أبي: (وما تسأل) ، وفي قراءة ابن مسعود: (ولن تسأل) ، وكلتا هاتين القراءتين تشهد بالرفع والخبر فيه ، دون النهي.

(80) * * * وقد كان بعض نحويي البصرة يوجه قوله: (ولا تسأل عن أصحاب الجحيم) إلى الحال ، كأنه كان يرى أن معناه: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسئول عن أصحاب الجحيم.

وذلك إذا ضم " التاء " ، وقرأه على معنى الخبر ، وكان يجيز على ذلك قراءته: " ولا تسأل " ، بفتح " التاء " وضم " اللام " على وجه الخبر بمعنى: إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ، غير سائل عن أصحاب الجحيم.

وقد بينا الصواب عندنا في ذلك.

وهذان القولان اللذان ذكرتهما عن البصري في ذلك، يدفعهما ما روي عن ابن مسعود وأبي من القراءة، (81) لأن إدخالهما ما أدخلا من ذلك من " ما " و " لن " يدل على انقطاع الكلام عن أوله وابتداء قوله: (ولا تسأل).

وإذا كان ابتداء لم يكن حالا.

* * * وأما(أصحاب الجحيم) ، ف " الجحيم "، هي النار بعينها إذا شبت وقودها ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: إذا شـــبت جـــهنم ثــم دارت وأَعْــرَض عـن قوابسـها الجحـيم (82) ----------------------------- الهوامش : (75) الحديثان : 1875 ، 1876 - هما حديثان مرسلان .

فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي : تابعي .

والمرسل لا تقوم به حجة ، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا ، بضعف راويهما : موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي : ضعيف جدا ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 4 /1/ 291 ، والصغير : 172 - 173 ، وابن أبي حاتم 4 /1 /151 ، فقال البخاري : "منكر الحديث قاله أحمد بن حنبل .

وقال علي بن المديني ، عن القطان : كنا نتقيه تلك الأيام" .

وروى ابن أبي حاتم عن الجوجزاني قال : "سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا تحل الرواية عندي عن موسى بن عبيدة ، قلنا : يا أبا عبد الله ، لا يحل؟

قال : عندي ، قلت : فإن سفيان وشعبة قد رويا عنه؟

قال : لو بان لشعبة ما بان لغيره ما روى عنه" .

وقال ابن معين : "لا يحتج بحديثه" .

وقال أبو حاتم : "منكر الحديث" .

وأبوه"عبيدة" ، بالتصغير ، ووقع في المطبوعة في الإسنادين"عبدة" .

وهو خطأ .

(76) الحديث : 1877 - وهذا مرسل أيضًا ، لا تقوم به حجة .

داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي : تابعي ثقة ، ويروى عن بعض التابعين أيضًا .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/210 .

والجرح 1/2/421 .

ووقع في المطبوعة"داو عن أبي عاصم" .

وهو تحريف ، صححناه من ابن كثير 1 : 297 .

ونقل ابن كثير 1 : 296 عن القرطبي أنه قال : "وقد ذكرنا في التذكرة أن الله أحيا أبويه حتى آمنا به ، وأجبنا عن قوله : إن أبي وأباك في النار" .

ثم علق ابن كثير ، فقال : "الحديث المروي في حياة أبويه عليه السلام - ليس في شيء من الكتب الستة ولا غيرها ، وإسناده ضعيف" .

وأنا أرى أن الإفاضة في مثل هذا غير مجدية ، وما أمرنا أن نتكلف القول فيه .

(77) حجة قوية لا ترد ، وبصر بسياق معاني القرآن وتتابعها .

ولكن كثيرا من الناس يغفلون عن مواطن الحق في موضع بعينه ، لاختلاط الأمر عليهم لمشابهته لموطن آخر في موضع غيره ، كما سترى في التعليق التالي رقم : 40 .

(78) كان في المطبوعة : "بالواو يقول : فلا تسئل عن أصحاب الجحيم .

.

.

بشيرا ونذيرا ولا تسئل عن أصحاب الجحيم" وهو خطأ كما استدركه مصحح المطبوعة في تعليقه .

(79) في المطبوعة : "أوضح الدلائل" بالجمع ، والإفراد هو الصواب ، وكأنه سبق قلم من ناسخ .

(80) قال ابن كثير في تفسيره 1: 297" وقد رد ابن جرير هذا القول المروي عن محمد بن كعب وغيره في ذلك؛ لاستحالة الشك من الرسول صلى الله عليه وسلم في أمر أبويه، واختار القراءة الأولى.

وهذا الذي سلكه هاهنا فيه نظر، لاحتمال أن هذا كان في حال استغفاره لأبويه، قبل أن يعلم أمرهما، فلما علم ذلك تبرأ منهما، وأخبر عنهما أنهما من أهل النار، كما ثبت هذا في الصحيح.

ولهذا أشباه كثيرة ونظائر، ولا يلزم ما ذكره ابن جرير والله أعلم".

ينسى ابن كثير غفر الله له، ما أعاد الطبري وأبدأ من ذكر سياق الآيات المتتابعة، والسياق كما قال هو في ذكر اليهود والنصارى وقصصهم، وتشابه قلوبهم في الكفر بالله، أشــم أغــر أزهــر هــبرزي يعـــد القــاصدين لــه عيــالا وقلة معرفتهم بعظمة ربهم، وجرأتهم على رسل الله وأنبيائه، وكل ذلك موجب عذاب الجحيم، فما الذي أدخل كفار العرب في هذا السياق؟

نعم إنهم يدخلون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، كما يدخل فيه كل مشرك من العرب وغيرهم.

وقد بينا آنفًا ص: 521 تعليق: 1 أن هذه الآيات السالفة والتي تليها، دالة أوضح الدلالة على أن قصتها كلها في اليهود والنصارى، ولا شأن لمشركي العرب بها.

وإن دخل هؤلاء المشركون في معنى أنهم من أصحاب الجحيم، وإذن فسياق الآيات يوجب أن تكون في اليهود والنصارى، فتخصيص شطر من آية بأنه نـزل في أمر بعض مشركي الجاهلية.

تحكم بلا خبر ولا بينة.

(وانظر ص: 565).

إن ابن كثير غفل عن معنى الطبري، فإن الطبري أراد أن يدل على شيئين: أن خبر محمد بن كعب لا يصح، وأنه إن صح عنه من وجه، فإن نـزول الآية لم يكن لهذا الذي روي عنه.

وبيان ذلك: أن الخبر لا يصح، لأنه جاء على صيغة التشكك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر بعض أهل الجاهلية: ما فعل به، في جنة أو نار!

وهذا مما يتنـزه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفرق كبير بين أن يستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبويه اللذين كانا من أهل الجاهلية، وعلى مثل أمرها من الشرك، وبين أن يتشكك في أمرهما فيقول:"ليت شعري ما فعل أبواي؟".

وإنما يصح كلام ابن كثير، إذا كان بين هذا التشكك، وبين الاستغفار رابط يوجب أن يكون أحدهما ملازما للآخر، أو بسبب منه.

ثم يرد الخبر أيضًا، لأن سياق الآيات يدل ظاهرها البين على أنها في اليهود والنصارى نـزلت، فلا يمكن تخصيص شطر من آية من هذه الآيات المتتابعة، على خبر لا يصح، لعلة موهنة له.

فلست أدري لم أقحم ابن كثير الاستغفار والتبرؤ في هذا الموضع، مع وضوح حجة الطبري في الفقرة السالفة.

من جهة السياق، وفي هذه الفقرة من جهة العربية؟

إن بعض المشكلات التي يدور عليها جدال الناس، ربما أغفلت مثل ابن كثير عن مواطن الدقة والصواب والتحري، وهم يفسرون كتاب الله الذي لا يخالف بعضه بعضا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

اللهم إنا نسألك العصمة من الزلل، ونستهديك في البيان عن معاني كتابك.

(81) في المطبوعة : يرفعهما ما روي .

.

.

" والصواب ما أثبت .

(82) ديوانه : 53 ، وروايته : "ثم فارت" ، وكأنها هي الصواب ، وأخشى أن يكون البيت محرفا .

لم أعرف معنى"قوابسها" هناك ، وأظنه"قدامسها" جمع قدموس ، وهي الحجارة الضخمة الصلبة ، كقوله تعالى : "وقودها الناس والحجارة" ، وأعرض الشيء اتسع وعرض ، وقوله"عن" أي بسبب قذف هذه الحجارة فيها .

هذا أقرب ما اهتديت إليه من معناه ، ويرجح ذلك البيت الذي يليه ، وفيه جواب"إذا" : تحــش بصنــدل صــم صـلاب كــأن الضاحيــات لهــا قضيـم وكأنه يعني بالضاحيات : النخيل .

وشعر أمية مشكل على كل حال .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسأل عن أصحاب الجحيمقوله تعالى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا نصب على الحال ، ونذيرا عطف عليه ، قد تقدم معناهما .

ولا تسأل عن أصحاب الجحيم قال مقاتل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لو أنزل الله بأسه باليهود لآمنوا ، فأنزل الله تعالى : ولا تسأل عن أصحاب الجحيم برفع تسأل ، وهي قراءة الجمهور ، ويكون في موضع الحال بعطفه على بشيرا ونذيرا .

والمعنى إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير مسئول .

وقال سعيد الأخفش : ولا تسأل ( بفتح التاء وضم اللام ) ، ويكون في موضع الحال عطفا على بشيرا ونذيرا .

والمعنى : إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا غير سائل عنهم ، لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم .

هذا معنى غير سائل .

ومعنى غير مسئول لا يكون مؤاخذا بكفر من كفر بعد التبشير والإنذار .

وقال ابن عباس ومحمد بن كعب : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم : ليت شعري ما فعل أبواي .

فنزلت هذه الآية ، وهذا على قراءة من قرأ " ولا تسأل " جزما على النهي ، وهي قراءة نافع وحده ، وفيه وجهان :أحدهما : أنه نهي عن السؤال عمن عصى وكفر من الأحياء ; لأنه قد يتغير حاله فينتقل عن الكفر إلى الإيمان ، وعن المعصية إلى الطاعة .والثاني : وهو الأظهر ، أنه نهي عن السؤال عمن مات على كفره ومعصيته ، تعظيما لحاله وتغليظا لشأنه ، وهذا كما يقال : لا تسأل عن فلان !

أي قد بلغ فوق ما تحسب .

وقرأ ابن مسعود " ولن تسأل " .

وقرأ أبي " وما تسأل " ، ومعناهما موافق لقراءة الجمهور ، نفى أن يكون مسئولا عنهم .

وقيل : إنما سأل أي أبويه أحدث موتا ، فنزلت .

وقد ذكرنا في كتاب " التذكرة " أن الله تعالى أحيا له أباه وأمه وآمنا به ، وذكرنا قوله عليه السلام للرجل : ( إن أبي وأباك في النار ) وبينا ذلك ، والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به فقال: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا } فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها, وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله, والثاني: في سيرته وهديه ودله، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة.

فالأول والثاني, قد دخلا في قوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ } والثالث دخل في قوله: { بِالْحَقِّ } وبيان الأمر الأول وهو - نفس إرساله - أنه قد علم حالة أهل الأرض قبل بعثته صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من عبادة الأوثان والنيران, والصلبان, وتبديلهم للأديان, حتى كانوا في ظلمة من الكفر, قد عمتهم وشملتهم, إلا بقايا من أهل الكتاب, قد انقرضوا قبيل البعثة.

وقد علم أن الله تعالى لم يخلق خلقه سدى, ولم يتركهم هملا, لأنه حكيم عليم, قدير رحيم، فمن حكمته ورحمته بعباده, أن أرسل إليهم هذا الرسول العظيم, يأمرهم بعبادة الرحمن وحده لا شريك له, فبمجرد رسالته يعرف العاقل صدقه, وهو آية كبيرة على أنه رسول الله، وأما الثاني: فمن عرف النبي صلى الله عليه وسلم معرفةً تامةً, وعَرَفَ سيرته وهديه قبل البعثة, ونشوءه على أكمل الخصال, ثم من بعد ذلك, قد ازدادت مكارمه وأخلاقه العظيمة الباهرة للناظرين, فمن عرفها, وسَبَرَ أحواله, عرف أنها لا تكون إلا أخلاق الأنبياء الكاملين, لأن الله تعالى جعل الأوصاف أكبر دليل على معرفة أصحابها وصدقهم وكذبهم.

وأما الثالث: فهو معرفة ما جاء به صلى الله عليه وسلم من الشرع العظيم, والقرآن الكريم, المشتمل على الإخبارات الصادقة, والأوامر الحسنة, والنهي عن كل قبيح, والمعجزات الباهرة, فجميع الآيات تدخل في هذه الثلاثة.

قوله: { بَشِيرًا } أي لمن أطاعك بالسعادة الدنيوية والأخروية، { نَذِيرًا } لمن عصاك بالشقاوة والهلاك الدنيوي والأخروي.

{ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ } أي: لست مسئولا عنهم, إنما عليك البلاغ, وعلينا الحساب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{إنا أرسلناك بالحق} أي بالصدق كقوله {ويستنبئونك أحق هو} [53-يونس] أي صدق، قال ابن عباس رضي الله عنهما:" بالقرآن، دليله {بل كذبوا بالحق لما جاءهم} [5-ق]".

وقال ابن كيسان: "بالإسلام وشرائعه، دليله قوله عز وجل: {وقل جاء الحق} [81-الإسراء]".

وقال مقاتل: "معناه لم نرسلك عبثاً، وإنما أرسلناك بالحق كما قال: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق} [85-الحجر]".

قوله عز وجل: {بشيراً} أي مبشراً لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم.

{ونذيراً} أي منذراً مخوفاً لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم.

قرأ نافع ويعقوب (ولا تسأل) على النهي.

قال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت هذه الآية"، وقيل: هو على معنى ولا تسأل عن شر فلان فإنه فوق ما تحسب وليس على النهي.

وقرأ الآخرون (ولا تسأل) بالرفع على النفي بمعنى ولست بمسؤول عنهم كما قال الله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [20-آل عمران].

{عن أصحاب الجحيم} والجحيم معظم النار.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنا أرسلناك» يا محمد «بالحق» بالهدى «بشيرا» من أجاب إليه بالجنة «ونذيرا» من لم يجب إليه بالنار «ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم» النار، أي الكفار ما لهم لم يؤمنوا إنما عليك البلاغ، وفي قراءة بجزم تسأل نهيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنا أرسلناك -أيها الرسول- بالدين الحق المؤيد بالحجج والمعجزات، فبلِّغه للناس مع تبشير المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة، وتخويف المعاندين بما ينتظرهم من عذاب الله، ولست -بعد البلاغ- مسئولا عن كفر مَن كفر بك؛ فإنهم يدخلون النار يوم القيامة، ولا يخرجون منها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم ما يسلبه ويثبته فقال :( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً .

.

.

)قوله : ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً ) معناه : إنا أرسلناك يا محمد بالدين الصحيح المشتمل على الأحكام الصادقة ، لتبشر بالثواب من آمن وعمل صالحاً ، وتنذر بالعقاب من كفر وعصى .وصدرت الآية الكريمة بحرف التأكيد ، لمزيد الاهتمام بهذا الخبر ، وللتنويه بشأن الرسول صلى الله عليه وسلم .وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة ، تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم فكأن الله - تعالى - يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة ، ولذا لم يقل له إن الله أرسلك .وقوله : ( بالحق ) متعلق بأرسلناك .

والحق : مأخوذ من حق الشيء ، أي : واجب وثبت ، ويطلق الحق على الحكم الصادق المطابق للواقع ، ويسمى الدين الصحيح حقاً لاشتماله على الأحكام الصادقة .وقوله : ( بَشِيراً وَنَذِيراً ) حالان ، والبشير : المبشر ، وهو المخبر بالأمر السار للمخبر به الذي لم يسبق له علم به .

والنذير : المنذر ، وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه .وجملة ( وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم ) معطوف على جملة ( إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ) .والجحيم : المتأجج من النار .

وأصحابها : الملازمون لها .

والسؤال : كناية عن المؤاخذة واللوم .والمعنى : لا تذهب نفسك عليهم حسرات يا محمد ، فإن وظيفتك أن تبشر وتنذر ولست بعد ذلك مؤاخذاً ببقاء الكافرين على كفرهم ، ولست مسؤولا عن عدم اهتدائهم ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب ) وفي وصفهم بأنهم أصحاب الجحيم ، إشعار بأنهم قد طبع على قلوبهم ، فصاروا لا يرجى منها الرجوع عن الكفر .وفي هذه الجملة مع قوله : ( بَشِيراً وَنَذِيراً ) تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم حيث لم يؤمن به أولئك الجاحدون المتعنتون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القوم لما أصروا على العناد واللجاج الباطل واقترحوا المعجزات على سبيل التعنت بين الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أنه لا مزيد على ما فعله في مصالح دينهم من إظهار الأدلة وكما بين ذلك بين أنه لا مزيد على ما فعله الرسول في باب الإبلاغ والتنبيه لكي لايكثر غمه بسبب إصرارهم على كفرهم وفي قوله: ﴿ بالحق ﴾ وجوه: أحدها: أنه متعلق بالإرسال، أي أرسلناك إرسالاً بالحق.

وثانيها: أنه متعلق بالبشير والنذير أي أنت مبشر بالحق ومنذر به.

وثالثها: أن يكون المراد من الحق الدين والقرآن، أي أرسلناك بالقرآن حال كونه بشيراً لمن أطاع الله بالثواب ونذيراً لمن كفر بالعقاب، والأولى أن يكون البشير والنذير صفة للرسول صلى الله عليه وسلم فكأنه تعالى قال: إنا أرسلناك يا محمد بالحق لتكون مبشراً لمن اتبعك واهتدى بدينك ومنذراً لمن كفر بك وضل عن دينك.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُسْئَلُ عَنْ أصحاب الجحيم ﴾ ففيه قراءتان: الجمهور برفع التاء واللام على الخبر، وأما نافع فبالجزم وفتح التاء على النهي.

أما على القراءة الأولى ففي التأويل وجوه: أحدها: أن مصيرهم إلى الجحيم فمعصيتهم لا تضرك ولست بمسؤول عن ذلك وهو كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب  ﴾ ، وقوله: ﴿ عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ  ﴾ .

والثاني: أنك هاد وليس لك من الأمر شيء، فلا تأسف ولا تغتم لكفرهم ومصيرهم إلى العذاب ونظيره قوله: ﴿ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات  ﴾ .

الثالث: لا تنظر إلى المطيع والعاصي في الوقت، فإن الحال قد يتغير فهو غيب فلا تسأل عنه، وفي الآية دلالة على أن أحداً لا يسأل عن ذنب غيره ولا يؤاخذ بما اجترمه سواه سواء كان قريباً أو كان بعيداً.

أما القراءة الثانية ففيها وجهان، الأول: روي أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي؟

فنهي عن السؤال عن الكفرة وهذه الرواية بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كان عالماً بكفرهم، وكان عالماً بأن الكافر معذب، فمع هذا العلم كيف يمكن أن يقول: ليت شعري ما فعل أبواي.

والثاني: معنى هذا النهي تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية فيقال لك: لا تسأل عنه، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، والقراءة الأولى يعضدها قراءة أبي: (وما تسأل) وقراءة عبد الله (ولن تسأل).

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّا أرسلناك ﴾ لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسرية عنه، لأنه كان يغتم ويضيق صدره لإصرارهم وتصميمهم على الكفر.

ولا نسألك ﴿ عَنْ أصحاب الجحيم ﴾ ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت وبلغت جهدك في دعوتهم، كقوله: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب ﴾ [الرعد: 40] وقرئ: ﴿ ولا تَسْأَلْ ﴾ على النهي.

روي أنه قال: «ليت شعري ما فعل أبواي» .

فنهى عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله.

وقيل: معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول: كيف فلان؟

سائلاً عن الواقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه.

ووجه التعظيم أن المستخبر يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، وأنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره لإيحاشه السامع وإضجاره، فلا تسأل، وتعضد القراءة الأولى قراءة عبد الله: ﴿ ولن تسأَل ﴾ ، وقراءة أبيّ: ﴿ وما تسأل ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ مُتَلَبِّسًا مُؤَيَّدًا بِهِ.

﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ فَلا عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا وكابَرُوا.

﴿ وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَغَتْ.

وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ: « لا تَسْألُ»، عَلى أنَّهُ نَهْيٌ لِلرَّسُولِ  عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ.

أوْ تَعْظِيمٌ لِعُقُوبَةِ الكُفّارِ كَأنَّها لِفَظاعَتِها لا يَقْدِرُ أنْ يُخْبَرَ عَنْها، أوِ السّامِعُ لا يَصْبِرُ عَلى اسْتِماعِ خَبَرِها فَنَهاهُ عَنِ السُّؤالِ.

والجَحِيمُ: المُتَأجِّجُ مِنَ النّارِ.

﴿ وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ مُبالَغَةٌ في إقْناطِ الرَّسُولِ  مِن إسْلامِهِمْ، فَإنَّهم إذا لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، فَكَيْفَ يَتَّبِعُونَ مِلَّتَهُ.

ولَعَلَّهم قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فَحَكى اللَّهُ عَنْهم ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ قُلْ ﴾ تَعْلِيمًا لِلْجَوابِ.

﴿ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى ﴾ أيْ هُدى اللَّهِ الَّذِي هو الإسْلامُ هو الهُدى إلى الحَقِّ، لا ما تَدْعُونَ إلَيْهِ.

﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ آراءَهُمُ الزّائِفَةَ.

والمِلَّةُ ما شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِعِبادِهِ عَلى لِسانِ أنْبِيائِهِ، مِن أمْلَلْتُ الكِتابَ إذا أمْلَيْتَهُ، والهَوى: رَأْيٌ يَتْبَعُ الشَّهْوَةَ ﴿ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ﴾ أيِ الوَحْيِ، أوِ الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ.

﴿ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ وهو جَوابُ لَئِنْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّا أرسلناك بالحق بَشِيرًا} للمؤمنين بالثواب {وَنَذِيرًا} للكافرين بالعقاب {ولا تسأل عَنْ أصحاب الجحيم} ولا نسألك عنهم ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلّغت وبلغت جهدك فى دعوتهم وهو حال كنذير أو بشير أو بالحق أى وغير مسئول أو مستأنف قراءة نافع ولا تسئل عن النهى ومعناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب كما تقول كيف فلان سائلاً عن الواقع في بلية فيقال لك لا تسأل

البقرة (١٢٠ _ ١٢٤)

عنه وقيل نهى الله نبيه عن السؤال عن أحوال الكفرة حين قال ليت شعري ما فعل أبواي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ مُتَلَبِّسًا مُؤَيَّدًا بِهِ، فالظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ، وقِيلَ: لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا، أوْ بِما بَعْدَهُ، وفُسِّرَ الحَقُّ بِالقُرْآنِ، أوْ بِالإسْلامِ، وبَقاؤُهُ عَلى عُمُومِهِ أوْلى ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ حالانِ مِنَ الكافِ، وقِيلَ: مِنَ الحَقِّ، والآيَةُ اعْتِراضً لِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُ كانَ يَهْتَمُّ ويَضِيقُ صَدْرُهُ لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، والمُرادُ إنّا أرْسَلْناكَ لِأنْ تُبَشِّرَ مَن أطاعَ وتُنْذِرَ مَن عَصى، لا لِتُجْبِرَ عَلى الإيمانِ، فَما عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا أوْ كابَرُوا، والتَّأْكِيدُ لِإقامَةِ غَيْرِ المُنْكِرِ مَقامَ المُنْكِرِ بِما لاحَ عَلَيْهِ مِن أمارَةِ الإنْكارِ، والقَصْرُ إفْرادِيٌّ.

﴿ ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ تَذْيِيلٌ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، أوِ اعْتِراضٌ، أوْ حالٌ، أيْ أرْسَلْناكَ غَيْرَ مَسْؤُولٍ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ، ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ أنْ بَلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وألْزَمْتَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ !

وقَرَأ أُبَيٌّ (وما) بَدَلَ (ولا)، وابْنُ مَسْعُودٍ (ولَنْ) بَدَلَ (ذَلِكَ)، وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ (لا تَسْألْ) عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ إيذانًا بِكَمالِ شِدَّةِ عُقُوبَةِ الكُفّارِ وتَهْوِيلًا لَها كَما تَقُولُ: كَيْفَ حالُ فُلانٍ، وقَدْ وقَعَ في مَكْرُوهٍ، فَيُقالُ لَكَ لا تَسْألْ عَنْهُ، أيْ أنَّهُ لِغايَةِ فَظاعَةِ ما حَلَّ بِهِ، لا يَقْدِرُ المُخْبِرُ عَلى إجْرائِهِ عَلى لِسانِهِ، أوْ لا يَسْتَطِيعُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ، والجُمْلَةُ عَلى هَذا اعْتِراضٌ، أوْ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ فَبَلِّغْ والنَّهْيُ مَجازِيٌّ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ حَقِيقَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ بِالذّاتِ نَهْيُهُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ، عَلى ما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ عَنْ قَبْرَيْهِما فَدَلَّهُ عَلَيْهِما، فَذَهَبَ فَدَعا لَهُما، وتَمَنّى أنْ يَعْرِفَ حالَهُما في الآخِرَةِ، وقالَ: لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟» فَنَزَلَتْ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذِهِ الرِّوايَةِ، لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كَما في المُنْتَخَبِ عالِمٌ بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهُما، وذَكَرَ الشَّيْخُ ولِيُّ الدِّينِ العِراقِيُّ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَيْها، وقالَ الإمامُ السُّيُوطِيُّ: لَمْ يَرِدْ في هَذا إلّا أثَرٌ مُعْضَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، والَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أنَّ الآيَةَ في كُفّارِ أهْلِ الكِتابِ كالآياتِ السّابِقَةِ عَلَيْها، والتّالِيَةِ لَها، لا في أبَوَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولِتَعارُضِ الأحادِيثِ في هَذا البابِ وضَعْفِها قالَ السَّخاوِيُّ: الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ الكَفُّ عَنْهُما، وعَنِ الخَوْضِ في أحْوالِهِما، والَّذِي أدِينُ اللَّهَ تَعالى بِهِ أنّا أنَّهُما ماتا مُوَحِّدَيْنِ في زَمَنِ الكُفْرِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلامُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنْ صَحَّ بَلْ أكادُ أقُولُ: إنَّهُما أفْضَلُ مِن عَلِيٍّ القارِيِّ وأضْرابِهِ، والجَحِيمُ النّارُ بِعَيْنِها إذا شَبَّ وقُودُها، ويُقالُ: جَحَمَتِ النّارُ تَجْحَمُ جَحْمًا إذا اضْطَرَبَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً، أي بالقرآن.

ويقال بالحق يعني بالدعوة إلى الحق.

ويقال: بالحق أي لأجل الحق.

ويقال: أي بالدعوة إلى الحق.

ويقال: ببيان الحق.

بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ قرأ نافع وَلا تُسْئَلُ بنصب التاء وجزم اللام، والباقون بضم التاء واللام.

فمن قرأ بالرفع، فمعناه أنك إذا بلغت الرسالة، فإنك قد فعلت ما عليك، ولا تُسْأَلُ عن أصحاب الجحيم فيما فعلوا، وهذا كما قال في آية أخرى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ [الرعد: 4] وأما ومن قرأ بالنصب، فهو على معنى النهي، أي لا تسأل عن أصحاب الجحيم أي عما فعلوا.

قال القاضي الخليل بن أحمد: أخبرنا الديلمي قال: أخبرنا أبو عبيد الله قال: حدثنا سفيان، عن موسى بن عبيدة الربذي، عن محمد بن كعب القرظي أن رسول الله  قال: «لَيْتَ شِعْرِي مَا فُعِلَ بأَبَوَيَّ» .

فنزلت هذه الآية إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ الآية.

قوله تعالى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى، يعني أهل المدينة ونصارى أهل نجران حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، أي تصلي إلى قبلتهم.

قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، يعني إن قبلة الله هي الكعبة- وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ، أي صليت إلى قبلتهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أي من بعد ما ظهر لك: أن القبلة هي الكعبة، مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا نَصِيرٍ، أي مانعاً يمنعك.

ويقال: معناه وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، أي حتى تدخل في دينهم، وذلك أن الكفار كانوا يطلبون الصلح، وكان يرى أنهم يسلمون، فأخبره الله تعالى أنهم لا يسلمون، ولن يرضوا عنه، حتى يتبع ملتهم فنهاه الله عن الركون إلى شيء مما يدعونه إليه.

فقال تعالى: قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، يعني دين الله هو دين الإسلام.

وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ وهذا الخطاب للنبي  والمراد منه أمته، أي لئن اتبعت دينهم بعد ما جاءك من العلم، أي بعد ما ظهر أن دين الإسلام هو الحق مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ، أي من عذاب الله مِنْ وَلِيٍّ ينفعك وَلا نَصِيرٍ، أي مانع يمنعك منه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ ...

الآية: قال الربيعُ والسُّدِّيَّ: هم كفار العرب «١» ، وقد طلب عبد اللَّه بن أمية وغيره من النبيّ صلّى الله عليه وسلم نحو هذا، وقال مجاهدٌ: هم النصارى «٢» ، وقال ابن عباس: المراد من كان على عهد النبيّ صلّى الله عليه وسلم من اليهود لأنَّ رافع بن حُرَيْمِلَةَ قال للنبيّ/ صلّى الله عليه وسلم: أسمعنا كلام الله «٣» ، وقيل: الإشارة إلى ٣٤ أجميع هذه الطوائف لأنهم كلهم قالوا هذه المقالة، ولَوْلا تحضيضٌ بمعنى «هَلاَّ» ، والآية هنا العلامة الدالَّة، والَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ هم اليهودُ والنصارى في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ كفَّارَ العرب، وهم اليهودُ في قول مَنْ جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ النصارَى، وهم الأمم السالفة في قول من جعل الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ العربَ والنصارى واليهُودَ وتشابه القلوب هنا في طَلَب ما لا يصحّ أو في الكفر.

وقوله تعالى: قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ قرينة تقتضي أن اليقين صفة لعلمهم، وقرينةٌ أخرى أنَّ الكلام مدْحٌ لهم.

وقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً، أي: لمن آمن، ونذيراً لمن كفر، وقرأ نافع وحده «٤» ولا تسأل، أي: لا تسأل عن شدَّة عذابهم كما تقول: فلانٌ لا تَسْأَلْ عَنْه، تعني أنه في نهاية تشهره من خيْرٍ أو شرٍّ.

ت: وزاد في «مختصر الطبرِّي» ، قال: وتحتمل هذه القراءة معنى آخر، وهو،

واللَّه أعلم، أظهر، أي: ولا تسأل عنهم سؤالَ مكْتَرِثٍ «١» بما أصابهم، أو بما هم عليه من الكُفْر الذي يوردهم الجحيمَ نظيرَ قوله عز وجل: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ [فاطر: ٨] ، وأما ما روي عن محمَّد بن كعب القُرَظِيِّ ومن وافقه من أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم سَأَلَ، مَا فَعَلَ أَبَوَايَ؟

فنَزَلَتِ الآيةُ في ذلك، فهو بعيدٌ، ولا يتصل أيضاً بمعنى مَا قبله.

انتهى.

وقرأ باقي السبعة: «وَلاَ تسأل» بضم التاء واللام.

والْجَحِيمِ: إحدى طبقات النار.

وقوله تعالى: إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى، أي: ما أنت عليه يا محمَّد من هدى اللَّه هو الهدَى الحقيقيُّ، لا ما يدعيه هؤلاء، ثم قال تعالى لنبيِّه: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ فهذا شرط خوطب به النبيّ صلّى الله عليه وسلم وأمته معه داخلةٌ فيه.

ت: والأدب أن يقال: خوطب به صلّى الله عليه وسلم والمراد أمّته لوجود عصمته صلّى الله عليه وسلم وكذلك الجواب في سائر ما أشبه هذا المعنى من الآيِ، وقد نبَّه- رحمه اللَّه- على هذا المعنى في نظيرتها كما سيأتي، وكان الأولى أن ينبِّه على ذلك هنا أيضاً، وقد أجاب عِيَاضٌ عن الآيِ الواردةِ في القرآن ممَّا يوهمُ ظاهره إِشكالاً، فقال- رحمه اللَّه-: اعلم، وفَّقنا اللَّه وإياك، أنه- عليه السلام- لا يصحُّ ولا يجوز علَيْه ألاَّ يبلغ، وأن يخالف أمر ربه، ولا أن يشرك ولا أن يتقوَّل «٢» على اللَّه ما لا يجبُ أو يفترى عليه، أو يضل، أو يختم على قلبه «٣» ، أو يطيع الكافرين، لكن اللَّه أمره بالمكاشفةِ والبيان «٤» في البلاغ للمخالِفِينَ، وإن إِبلاغه، إِنْ لم يكُنْ بهذا البيان فكأنه ما بلَّغ، وطيَّب نفسه، وقوَّى قلبه بقوله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «٥» [المائدة: ٦٧] كما قال لموسى وهارون- عليها السلام-: لاَ تَخافا [طه: ٤٦] لتشتد بصائرهم «٦» في الإبلاغ وإظهار دين الله، ويذهب

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ ﴾ .

فِي سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ يَوْمًا: "لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ!" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: "لَوْ أنْزَلَ اللَّهُ بَأْسَهُ بِاليَهُودِ لَآَمَنُوا" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي المُرادِ (بِالحَقِّ) هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ كِيسانَ.

والثّالِثُ: الصِّدْقُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُسْألُ عَنْ ﴾ : الأكْثَرُونَ بِضَمِّ التّاءِ عَلى الخَبَرِ، والمَعْنى: لَسْتُ بِمَسْؤُولٍ عَنْ أعْمالِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ اللّامِ، عَلى النَّهْيِ عَنِ السُّؤالِ عَنْهم.

وَجَوَّزَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشِ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ: لا تَسْألُ عَنْهم فَإنَّهم في أمْرٍ عَظِيمٍ.

فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ لِما هم فِيهِ.

فَأمّا الجَحِيمُ؛ فَقالَ الفَرّاءُ: الجَحِيمُ: النّارُ، والجَمْرُ عَلى الجَمْرِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجَحِيمُ: النّارُ المُسْتَحْكِمَةُ المُتَلَظِّيَةُ.

وقالَ الزَّجّاجُ: الجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الوَقُودِ، وقَدْ جَحَمَ فَلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ وقُودَها، ويُقالُ: لَعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ تُوَقُّدِها.

ويُقالُ: لِوَقُودِ الحَرْبِ، وهو شِدَّةُ القِتالِ فِيها: جاحِمٌ.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الجاحِمُ: المَكانُ الشَّدِيدُ الحُرِّ.

قالَ الأعْشى: يُعِدُّونَ لِلْهَيْجاءِ قَبْلَ لِقائِها غَداةَ اخْتِضارِ البَأْسِ والمَوْتُ جاحِمٌ وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الجَحِيمُ.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ أحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ: إنَّما سُمِّيَتِ النّارُ جَحِيمًا، لِأنَّها أُكْثِرَ وُقُودُها، مِن قَوْلِ العَرَبِ: جَحَمْتُ النّارَ أجْحَمُها: إذا أكْثَرْتَ لَها الوَقُودَ.

قالَ عِمْرانُ بْنُ حِطّانَ: ؎ يَرى طاعَةَ اللَّهِ الهُدى وخِلافَهُ ∗∗∗ الضَّلالَةُ يُصْلِي أهْلَها جاحِمُ الجَمْرِ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عن أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ ﴿ وَلَنْ تَرْضى عنكَ اليَهُودُ ولا النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ المَعْنى: "بَشِيرًا" لِمَن آمَنَ، و"نَذِيرًا" لِمَن كَفَرَ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ "وَلا تَسْألْ" بِالجَزْمِ عَلى النَهْيِ، وفي ذَلِكَ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما لا تَسْألُ عَلى جِهَةِ التَعْظِيمِ لِحالِهِمْ مِنَ العَذابِ، كَما تَقُولُ: فُلانٌ لا تَسْألُ عنهُ، تَعْنِي أنَّهُ في نِهايَةٍ تُشْهِرُهُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ.

والمَعْنى الثانِي رُوِيَ فِيهِ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ؟" فَنَزَلَتْ: "وَلا تُسْألُ"»، وحَكى المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: «لَيْتَ شِعْرِي أيُّ أبَوَيَّ أحْدَثَ مَوْتًا؟" فَنَزَلَتْ».

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا خَطَأٌ مِمَّنْ رَواهُ أو ظَنَّهُ، لِأنَّ أباهُ ماتَ وهو فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وقِيلَ: وهو ابْنُ شَهْرٍ، وقِيلَ: ابْنُ شَهْرَيْنِ، وماتَتْ أُمُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِخَمْسِ سِنِينَ مُنْصَرِفَةً بِهِ مِنَ المَدِينَةِ مِن زِيارَةِ أخْوالِهِ، فَهَذا مِمّا لا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِ  .

وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ "وَلا تَسْألُ" بِضَمِّ التاءِ واللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ "وَلا تَسْألُ" بِفَتْحِ التاءِ وضَمِّ اللامِ، ويَتَّجِهُ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ مَعْنَيانِ: أحَدُهُما الخَبَرُ، أنَّهُ لا يَسْألُ عنهُمْ، أو لا يَسْألُ هو عنهُمْ، والآخَرُ أنْ يُرادَ مَعْنى الحالِ كَأنَّهُ قالَ: وغَيْرُ مَسْؤُولٍ أو غَيْرُ سائِلٍ عنهُمْ، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ .

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "وَما تَسْألُ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وَلَنْ تَسْألَ" وهاتانِ القِراءَتانِ تُؤَيِّدانِ مَعْنى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ في غَيْرِهِما.

والجَحِيمُ إحْدى طَبَقاتِ النارِ.

ويُقالُ: رَضِيَ يَرْضى رِضى ورِضا ورِضْوانًا، وحُكِيَ رِضاءً مَمْدُودًا، وقالَ: "مِلَّتَهُمْ" وهُما مِلَّتانِ مُخْتَلِفَتانِ بِمَعْنى لَنْ تَرْضى اليَهُودُ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ، ولَنْ تَرْضى النَصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهم فَجَمَعَهم إيجازًا لِأنَّ ذَلِكَ مَفْهُومٌ.

والمِلَّةُ: الطَرِيقَةُ، وقَدِ اخْتَصَّتِ اللَفْظَةُ بِالشَرائِعِ والدِينِ، وطَرِيقٌ مُمِلٌّ أيْ قَدْ أثَّرَ المَشْيُ فِيهِ.

ورُوِيَ أنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اليَهُودَ والنَصارى طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ  الهُدْنَةَ، ووَعَدُوهُ أنْ يَتَّبِعُوهُ بَعْدَ مُدَّةٍ خِداعًا مِنهُمْ، فَأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّ إعْطاءَ الهُدْنَةِ لا يَنْفَعُ عِنْدَهُمْ، وأطْلَعُهُ عَلى سِرِّ خِداعِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ إنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ﴾ أيْ ما أنْتَ عَلَيْهِ يا مُحَمَّدُ مِن هُدى اللهُ الَّذِي يَضَعُهُ في قَلْبِ مَن يَشاءُ هو الهُدى الحَقِيقِيُّ لا ما يَدَّعِيهِ هَؤُلاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ ﴾ الآيَةُ، فَهَذا شَرْطٌ خُوطِبَ بِهِ النَبِيُّ  ، وأُمَّتُهُ مَعَهُ داخِلَةٌ فِيهِ.

و"أهْواءُ": جَمْعُ هَوًى، ولَمّا كانَتْ مُخْتَلِفَةً جُمِعَتْ، ولَوْ حُمِلَ عَلى إفْرادِ المِلَّةِ لَقِيلَ: هَواهُمْ، والوَلِيُّ الَّذِي يَتَوَلّى الإصْلاحَ والحِياطَةَ والنَصْرَ والمَعُونَةَ، و"نَصِيرٌ" بِناءُ مُبالِغَةٍ في اسْمِ الفاعِلِ مِن نَصَرَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ الآيَةُ، "الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و ﴿ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ صِلَتُهُ، وقالَ قَتادَةُ: المُرادُ بِـ "الَّذِينَ" في هَذا المَوْضِعِ مَن أسْلَمَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

و"الكِتابَ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ التَوْراةُ، و"آتَيْناهُمُ": مَعْناهُ أعْطَيْناهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا مَخْصُوصٌ في الأرْبَعِينَ الَّذِينَ ورَدُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في السَفِينَةِ فَأثْنى اللهُ عَلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ في مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ والمُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ، ويَكُونُ "الكِتابُ" اسْمَ الجِنْسِ، و"يَتْلُونَهُ" مَعْناهُ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ بِامْتِثالِ الأمْرِ والنَهْيِ، وقِيلَ: "يَتْلُونَهُ": يَقْرَؤُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ، وهَذا أيْضًا يَتَضَمَّنُ الِاتِّباعَ والِامْتِثالَ، و"يَتْلُونَهُ" -إذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" الخُصُوصُ فِيمَنِ اهْتَدى- يَصِحُّ أنْ يَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "يَتْلُونَهُ" في مَوْضِعِ الحالِ، والخَبَرُ "أُولَئِكَ".

وإذا أُرِيدَ بِـ "الَّذِينَ" العُمُومُ لَمْ يَكُنِ الخَبَرُ إلّا "أُولَئِكَ"، و"يَتْلُونَهُ" حالٌ لا يُسْتَغْنى عنها، وفِيها الفائِدَةُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ الخَبَرُ في "يَتْلُونَهُ" لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ يَتْلُو الكِتابَ ﴿ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ .

و"حَقَّ" مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ وهو بِمَعْنى أفْعَلَ، ولا يَجُوزُ إضافَتُهُ إلى واحِدٍ مُعَرَّفٍ، وإنَّما جازَتْ هُنا لِأنْ تُعَرَّفَ التِلاوَةُ بِإضافَتِها إلى الضَمِيرِ لَيْسَ بِتَعَرُّفٍ مَحْضٍ، وإنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ واحِدٌ أُمَّةٌ، ونَسِيجٌ وحْدَهُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابَ"، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى مُحَمَّدٍ  ، لِأنَّ مُتَّبِعِي التَوْراةِ يَجِدُونَهُ فِيها فَيُؤْمِنُونَ بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الهُدى الَّذِي تَقَدَّمَ، وذَلِكَ أنَّهُ ذِكْرُ كَفّارِ اليَهُودِ والنَصارى في أوَّلِ الآيَةِ وحَذَّرَ رَسُولَهُ مِنَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، وأعْلَمَهُ ( بِأنَّ هُدى اللهِ هو الهُدى ) الَّذِي أعْطاهُ وبَعَثَهُ بِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ التالِينَ لِكِتابِ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِذاكَ الهُدى المُقْتَدُونَ بِأنْوارِهِ، والضَمِيرُ في "يَكْفُرْ بِهِ" يُحْتَمَلُ مِنَ العَوْدِ ما ذُكِرَ في الأوَّلِ.

و ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وعِمادٌ وخَبَرٌ، أوِ ابْتِداءٌ وابْتِداءٌ وخَبَرٌ، والثانِي وخَبَرُهُ خَبَرُ الأوَّلِ.

والخُسْرانُ: نُقْصانُ الحَظِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معترضة بين حكايات أحوال المشركين وأهل الكتاب، القصد منها تأنيس الرسول عليه الصلاة والسلام من أسفه على ما لقيه من أهل الكتاب مما يماثل ما لقيه من المشركين وقد كان يود أن يؤمن به أهل الكتاب فيتأيد بهم الإسلام على المشركين فإذا هو يلقى منهم ما لقي من المشركين أو أشد وقد قال «لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم» فكان لتذكير الله إياه بأنه أرسله تهدئة لخاطره الشريف وعذر له إذ أبلغ الرسالة وتطمين لنفسه بأنه غير مسؤول عن قوم رضوا لأنفسهم بالجحيم.

وفيه تمهيد للتأييس من إيمان اليهود والنصارى.

وجيء بالتأكيد وإن كان النبي لا يتردد في ذلك لمزيد الاهتمام بهذا الخبر وبيان أنه ينوه به لما تضمنه من تنويه شأن الرسول.

وجيء بالمسند إليه ضمير الجلالة تشريفاً للنبيء صلى الله عليه وسلم بعز الحضور لمقام التكلم مع الخالق تعالى وتقدس كأن الله يشافهه بهذا الكلام بدون واسطة فلذا لم يقل له إن الله أرسلك.

وقوله: ﴿ بالحق ﴾ متعلق بأرسلناك.

والحق هو الهدى والإسلام والقرآن وغير ذلك من وجوه الحق المعجزات وهي كلها ملابسة للنبيء صلى الله عليه وسلم في رسالته بعضها بملابسة التبليغ وبعضها بملابسة التأييد.

فالمعنى إنك رسول الله وإن القرآن حق منزل من الله.

وقوله: ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ حالان وهما بزنة فعيل بمعنى فاعل مأخوذان من بشر المضاعف وأنذر المزيد فمجيئهما من الرباعي على خلاف القياس كالقول في ﴿ بديع السماوات والأرض ﴾ [البقرة: 117] المتقدم آنفاً، وقيل: البشير مشتق من بشر المخفف الشين من باب نصر ولا داعي إليه.

وقوله: ﴿ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ الواو للعطف وهو إما على جملة ﴿ إنا أرسلناك ﴾ أو على الحال في قوله: ﴿ بشيراً ونذيراً ﴾ ويجوز كون الواو للحال.

قرأ نافع ويعقوب بفتح الفوقية وسكون اللام على أنَّ (لا) حرف نهي جازم للمضارع وهو عطف إنشاء على خبر والسؤال هنا مستعمل في الاهتمام والتطلع إلى معرفة الحال مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم لأن المعني بالشيء المتطلع لمعرفة أحواله يكثر من السؤال عنه، أو هو كناية عن فظاعة أحوال المشركين والكافرين حتى إن المتفكر في مصير حالهم ينهى عن الاشتغال بذلك لأنها أحوال لا يحيط بها الوصف ولا يبلغ إلى كنهها العقل في فظاعتها وشناعتها، وذلك أن النهي عن السؤال يرد لمعنى تعظيم أمر المسؤول عنه نحو قول عائشة: «يصلي أربعاً فلا تَسْأَلْ عن حسنهن وطولهن» ولهذا شاع عند أهل العلم إلقاء المسائل الصعبة بطريقة السؤال نحو (فإن قلت) للاهتمام.

وقرأه جمهور العشرة بضم الفوقية ورفع اللام على أن (لا) نافية أي لا يسألك الله عن أصحاب الجحيم وهو تقرير لمضمون ﴿ إنا أرسلناك بالحق ﴾ والسؤال كناية عن المؤاخذة واللوم مثل قوله صلى الله عليه وسلم " وكلكم مسؤول عن رعيته " أي لست مؤاخذاً ببقاء الكافرين على كفرهم بعد أن بلغت لهم الدعوة.

وما قيل إن الآية نزلت في نهيه صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن حال أبويه في الآخرة فهو استناد لرواية واهية ولوصحت لكان حمل الآية على ذلك مجافياً للبلاغة إذ قد علمت أن قوله: ﴿ إنا أرسلناك ﴾ تأنيس وتسكين فالإتيان معه بما يذكِّر المكدرات خروج عن الغرض وهو مما يعبر عنه بفساد الوضع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا أرْسَلَهُ بِدِينِ الحَقِّ.

﴿ بَشِيرًا ونَذِيرًا ﴾ يَعْنِي بَشِيرًا بِالجَنَّةِ لِمَن أطاعَ، ونَذِيرًا بِالنّارِ لِمَن عَصى.

﴿ وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ أيْ لا تَكُونُ مُؤاخَذًا بِكَفَرَةِ مَن كَفَرَ بَعْدَ البُشْرى والإنْذارِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ولا تَسَلْ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ، بِفَتْحِ التّاءِ وجَزْمِ اللّامِ، وذَكَرَ أنَّ سَبَبَ نُزُولِها، ما رَواهُ مُوسى بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ) فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ ﴾ » <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليت شعري ما فعل أبواي، فنزل ﴿ إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ فما ذكرهما حتى توفاه الله» قلت: هذا مرسل ضعيف الإِسناد.

وأخرج ابن جرير عن داود بن أبي عاصم «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: أين أبواي؟

فنزلت» قلت: والآخر معضل الإِسناد ضعيف لا يقوم به ولا بالذي قبله حجة.

وأخرج ابن المنذر عن الأعرج أنه قرأ ﴿ ولا تسأل عن أصحاب الجحيم ﴾ أي أنت يا محمد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: الجحيم ما عظم من النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ معنى الحقّ في اللغةِ: هو الواجب الصدق الموجود، وهو نقيض الباطل، يقال: حَقَّ الشيء يَحِقُّ حقًا، معناه: وجب (١) (٢) (٣) (٤) وأصل الحق ما ذكرنا من أنه الصدق الواجب، ثم يسمى كلُّ ثابت موجود غير باطل: حقًا، كالذي ذكره ابن الأعرابي.

والحقُّ من أسماء الله تعالى قال الله تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ  ﴾ ، والحقُّ: العدل في قوله.

﴿ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ  ﴾ ، والحق: الدَّين في قوله: ﴿ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ﴾ (٥) فأما تفسير الحق في هذه الآية، فقال ابن عباس: الحق: القرآن (٦) ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ  ﴾ ، (٧) (٨) ﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ  ﴾ (٩) والباء في (بالحق) بمعنى مع، أي: مع الحق (١٠) ﴿ وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ  ﴾ ، وإذا (١١) (١٢) ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ (١٣) (١٤) ﴿ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى  ﴾ .

والنذير: بمعنى المنذر، وكان الأصل: نَذَرَ، إلا أن فعل الثلاثي أميت، ومثله: السميع: بمعنى المسمع، والبديع بمعنى المبدع، وتقول: أنذرتُه فَنَذِر، أي: أعلمتُه فعلِمَ وتحرّز (١٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ سأل فِعْلٌ يتعدّى إلى مفعولين، أنشد أحمد بن يحيى (١٦) (١٧) ويجوز الاقتصارُ فيه على مفعولٍ واحد، ويكون على ضربين: أحدهما: أن يتعدّى بغير حرف.

والآخر: أن يتعدّى بحرف.

فالمتعدي بغير حرف نحو قوله: ﴿ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا  ﴾ .

وقال: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ  ﴾ .

وأما تعديه بالحرف فالحرف الذي يتعدى به حرفان.

أحدهما: (الباء)، كقوله: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ  ﴾ ، وكقول الشاعر: وسائلةٍ بثعلبةَ بْنِ بكر ...

وقد أودَتْ بثعلبةَ العَلُوقُ (١٨) والآخر: (عن)، كقولك: سل عن زيد.

وإذا تعدى إلى مفعولين فالمفعول الثاني يكون على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون الفعل واقعًا عليه من غير حرف ظاهر ولا مضمر، وذلك نحو قوله: سألتُ زيدًا بعد بكر خُفًّا (١٩) (٢٠) الثاني: أن يتعدّى الفعلُ إليه بإضمارِ حرف، وذلك قوله (٢١) ﴿ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا  ﴾ .

معناه: ولا يسأل حميمٌ عن حميمٍ، ويكون بمنزلة: اخترت الرجال زيدًا، ويجوز إظهارُ الحرف، فيكوَن كقوله: ﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ  ﴾ .

والثالث: أن يقع موقعَ المفعول الثاني استفهام، كقوله: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ  ﴾ (٢٢) وفي (سألت) لغتان: تحقيق الهمزة وهي الفاشية الكثيرة، وسِلْتُ أَسَال لغةٌ، وعليها جاء قول الشاعر: سَالَتْ هذيلُ رسولَ الله فاحشةً ...

ضلَّت هذيلُ بما قالت ولم تُصِبِ (٢٣) وحمل سيبويه (٢٤) راحَتْ بمسلمةَ البغالُ (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ وغير مسؤول، فيكون مرفوعًا في اللفظ، منصوبًا في التأويل، ويكون ذكر تُسْأَلُ وهو فعل بعد قوله: ﴿ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ﴾ (٢٩) ﴿ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ  ﴾ .

بعد ما تقدم من قوله: ﴿ وَجِيهًا ﴾ .

والوجه الثاني: أن يكون منقطعًا من الأول، مُستأنفًا به، يُراد: ولست تسأل عن أصحاب الجحيم، ويقوي هذا الوجهَ قراءة عبد الله: ولن تسألَ، وقراءة أُبي: وما تُسأل (٣٠) (٣١)  قال: لو أن الله أنزل بأسه باليهود لآمنوا، فأنزل الله عز وجل ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ (٣٢) ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ (٣٣) وقرأ نافعٌ وحدَه (ولا تَسْألْ) بفتح التاء وجزم اللام، وله وجهان: أحدهما: أن يكونَ هذا نهيًا للنبي  على ما روي عن ابن عباس، أنه قال: سأل رسول الله  جبريل عن قبر أبيه وقبرِ أمِّهِ، فدلَّه عليهما، فذهب إلى القبرين ودعا لهما، وتمنىَّ أن يعرف حالَ أبويه في الآخرة فنزلت قوله: ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ ﴾ (٣٤) وقال القرظي: قال رسول الله  ذات يوم: "ليت شعري ما فعل أبواي"، فأنزل الله هذه الآية، فما ذكرهما حتى توفاه الله (٣٥) ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ وهو علي -  -.

﴿ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ (٣٦) قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون النهي لفظًا، ويكون المعنى على تفخيم ما أَعَدَّ لهم من العقاب، كما تقولُ (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقال أبو علي: إنما تكون الفاء أحسن إذا كانت الرسالة بالبشارة والنِذارة علّةً لأن لا يسأل عن أصحاب الجحيم، كما يقول الرجل: قد حملتُك على فرس فلا تسألني غيره، فيكونُ حملُه على الفرس علّةً لئلا يَسْأل غيره، وليس البشارة والنذارة علةً لئلا يسأل (٤١) (٤٢) والجحيم عند العرب: النار المستحكمة المتلظية، يقال: جَحَمَتِ النارُ تَجْحَمُ، بفتح العين فيهما، جُحومًا فهي جاحم وجحيم، قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿ فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ  ﴾ ، أراد: النار الشديدة التأجج.

ويقال لشده القتل في معركة الحرب: جاحم، تشبيهًا بالنار العظيمة، قال: حتى إذا ذاق منها جاحِمًا بَردَا (٤٣) والجَحْم والجَحْمَة: توقُّد النار (٤٤) نحن حَبسنا بني جَدِيلةَ في ...

نارٍ من الحرب جَحْمةِ الضَّرَمِ (٤٥) (١) في (ش): (وجبت).

(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 877 (٣) نقله عن شمر كما في "تهذيب اللغة" 1/ 876 (٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 880.

(٥) ينظر: "المفردات" للراغب الأصفهاني ص 132، "اللسان" 2/ 940 (حق).

(٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1143، والواحدي في "الوسيط" 1/ 198، البغوي 1/ 142، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 137.

(٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1143.

(٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1144، والواحدي في "الوسيط" 1/ 198 البغوي 1/ 142 وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 137.

(٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1143.

(١٠) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 367.

(١١) في (ش): (فإذا).

(١٢) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 367 وذكر أنه حال من الكاف، ويحتمل أن يكون حالا من الحق؛ لأن ما جاء به من الحق يتصف أيضًا بالبشارة والنذارة، والأظهر الأول.

(١٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200، "إعراب القرآن" 1/ 209.

(١٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 338، "البحر المحيط" 1/ 367.

(١٥) "تهذيب اللغة" 4/ 3546، "اللسان " 7/ 4390.

(١٦) في "الحجة" ذكر هذا البيت ثم قال: وأنشد أحمد بن يحيى: سألت عَمْرًا بعد بكير خُفًّا ...

والدلْو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا (١٧) البيت لجرير بن عطية، يهجو فيها الراعي النميري، ينظر: "ديوانه" ص 58، "الحجة" 2/ 209.

والخلاب: المخادعة والكذب.

(١٨) البيت للمفضل النكري، في "الأصمعيات" ص 203، و"المنصفات" ص 25، و"الخصائص" 2/ 437، "الحجة" 2/ 210، "لسان العرب" 4/ 2170، (مادة: سير)، 5/ 3074، (مادة: علق)، "المعجم المفصل" 5/ 182 وروايته في بعض المصادر: (سير) بدل: بكر، و (علقت) بدل: أودت، وهذا البيت من قصيدة الشاعر المنصفة، يذكر أن ثعلبة بن سيار كان في أسره، وهو الذي ذكره في البيت: ثعلبة بن سير، ضرورة لإقامة الوزن.

والعلوق: المنية.

(١٩) البيت من الرجز لم ينسب لقائل، وبعده: والدلَو قد تُسْمَعُ كي تَخِفّا ذكره في "الحجة" 2/ 210 مرة قال: عمرًا، ومرة قال: زيدًا.

"اللسان" (مادة: خفف).

(٢٠) في "الحجة" 2/ 211 زيادة عليه، أي: سألته أن يفعل ذلك.

(٢١) من قوله: سألت زيدًا بعد بكر ...

ساقط من (ش).

(٢٢) ما تقدم منقول من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 209 - 211.

(٢٣) البيت لحسان بن ثابت هجو هذيلاً، في ملحق ديوانه ص 34، "السيرة النبوية" لابن هشام 3/ 176، "الكتاب" لسيبويه 2/ 130 "المقتضب" للمبرد 1/ 167، "الحجة" 2/ 218 "المعجم المفصل" 1/ 425.

(٢٤) "الكتاب" 3/ 468، 555.

ونقل ذلك عنه أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 218.

(٢٥) في (ش): (النعال).

(٢٦) البيت للفرزدق، في "ديوانه" 1/ 408، "الكتاب" 3/ 554، "الحجة" 2/ 218، "المعجم المفصل" 4/ 267.

(٢٧) في "معاني القرآن" 1/ 200.

(٢٨) "الحجة" 2/ 216.

(٢٩) ساقط من (ش) من قوله: (في اللفظ).

(٣٠) القراءتان في "الحجة" لابن زنجلة ص 112، "تفسير الثعلبي" 1/ 1146، و"مختصر في شواذ القرآن" لابن خالوية ص 16، و"الكاشف" 1/ 182، وتفسير ابن عطية 1/ 468.

(٣١) إلى هنا انتهى كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 216.

(٣٢) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1145، والواحدي في "أسباب النزول" ص 43، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 119، و"القرطبي" 2/ 83 ونقله ابن حجر في "العجاب" 1/ 368 عن الواحدي، ثم قال: لم أر هذا في "تفسير مقاتل بن سليمان"، فينظر في "تفسير مقاتل بن حيان" ا.

هـ.

وهذا مرسل لا يحتج به.

(٣٣) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200.

(٣٤) ذكره أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 216، وقال: وهذا إن ثبت معنى صحيح، ويذكر أن في إسناد الحديث شيئا وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1144 والواحدي في "أسباب النزول" ص 43 من طريق عطاء عن ابن عباس.

وقال ابن حجر في "العجاب" 1/ 369: وأما قول ابن عباس فنسبه الثعلبي في "تفسيره" لرواية عطاء عنه، وهي من تفسير عبد الغني بن سعيد الواهي، وقد أخرجه الطبري من مرسل محمد بن كعب القرظي، وعليه اقتصر الماوردي وابن ظفر وغيرهما، وأستبعد الرازي صحة هذا السبب، قال لأنه  يعلم من مات كافرًا.

انتهى.

وفي سنده موسى بن عبيدة وهو ضعيف.

(٣٥) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 59، الطبري 1/ 516 وأشار إلى ضعفه في 1/ 516، ابن أبي حاتم 1/ 217 من طريق موسى بن عبيدة الربذي عن محمد بن كعب، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 209، وزاد نسبته إلى وكيع، وسفيان بن عيينه، وعبد بن حميد، وابن المنذر.

قال السيوطي: هذا مرسل ضعيف الإسناد، وقال أحمد شاكر بعد أن أورده الطبري من طريقين عن موسى بن عبيدة: هما حديثان مرسلان، فإن محمد بن كعب بن سليم القرظي، تابعي، والمرسل لا تقوم به حجة، ثم هما إسنادان ضعيفان أيضًا بضعف راويهما موسى بن عبيدة بن نشيط الربذي ...

وقد أخرجه الطبري أيضًا 2/ 559 عن داود بن أبي عاصم، أن النبي -  - == قال ...

فذكره.

وقال السيوطي1/ 209: معضل الإسناد ضعيف لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة.

وقال أحمد شاكر: وهذا مرسل أيضا لا تقوم به حجة، داود بن أبي عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي: تابعي ثقة، ويروى عن بعض التابعين أيضًا.

(٣٦) أخرجه الطبري 11/ 42 من طريق عطية العوفي وسنده مسلسل بالضعفاء.

(٣٧) في "معاني القرآن": كما يقول لك القائل الذي تعلم أنت أنه يجب أن يكون من تسأل عنه في حالة جميلة، أو حالة قبيحة، فتقول: لا تسأل عن فلان، أي: قد صار إلى أكثر مما تريد.

(٣٨) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 200.

(٣٩) في "معاني القرآن" 1/ 200.

(٤٠) نقله أبو علي الفارسي في "الحجة" 2/ 217 دون نسبة.

(٤١) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 217.

(٤٢) "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 216.

(٤٣) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 545، عن الليث، ولم ينسبه وكذا في "اللسان" 1/ 553.

(٤٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 545، "المفردات" للراغب ص 95، "اللسان" 1/ 553.

(٤٥) ينظر: "ديوان الحماسة" 1/ 46.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّا أرسلناك بالحق ﴾ خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالحق التوحيد، وكل ما جاءت به الشريعة ﴿ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ تبشر المؤمنين بالجنة، وتنذر الكافرين بالنار، وهذا معناه حيث وقع ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ ﴾ بالجزم نهي، وسببها؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عن حال آبائه في الآخرة فنزلت، وقيل: إن ذلك على معنى التهويل كقولك: لا تسأل عن فلان لشدّة حاله، وقرأ غير نافع بضم التاء واللام: أي لا تسأل في القيامة عن ذنوبهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي: نافع ويعقوب.

الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر.

الوقوف: ﴿ ونذيراً ﴾ (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي لاختلاف الجملتين ﴿ الجحيم ﴾ (ه) ﴿ ملتهم ﴾ (ط) ﴿ الهدى ﴾ (ط) ﴿ من العلم ﴾ (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر ﴿ نصير ﴾ (ه) ﴿ تلاوته ﴾ (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره.

وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء ﴿ يؤمنون به ﴾ (ط) للابتداء بالشرط ﴿ الخاسرون ﴾ (ه) ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق.

والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله  ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله ﴿ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  ﴾ وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله.

وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه  مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟

والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر.

وقوله ﴿ ولن ترضى ﴾ فيه إقناط لرسول الله  عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى ﴿ قل إن هدى الله ﴾ الذي هو الإسلام ﴿ هو الهدى ﴾ الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها ﴿ ولو اتبعت أهواءهم ﴾ مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة ﴿ بعد الذي جاءك من العلم ﴾ بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل ﴿ ما لك من الله ﴾ من عقابه وسخطه ﴿ من ولي ﴾ معين يعصمك ﴿ ولا نصير ﴾ يذب عنك.

قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام.

بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران ﴿ من بعدما جاءك من العلم  ﴾ فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه ﴿ ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم  ﴾ لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه.

وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق.

وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي  لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن.

والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم.

ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله  ، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى ﴿ ومن يكفر به ﴾ من المحرفين أو من الواضعين من حقه ﴿ فأولئك هم الخاسرون ﴾ حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين.

﴿ يا بني إسرائيل ﴾ الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .

قيل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ يا محمد؛ لتدعوَهم إلى الحق، وهو التوحيد.

وقيل: بالحق: بالقرآن.

وقيل: بالحق: بالحجج والآيات.

﴿ بَشِيراً ﴾ لمن أَطاعه بالجنة، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ لمن عصاه وخالف أمره بالنار.

وقيل: بالحق الذي لله على الخلق، والحق الذي لبعضٍ على بعض؛ لتدعوهم إليه وتدلهم عليه.

وقوله: "ولا تَسْأَل عن أصحاب الجحيم".

وجائز أن يكون بمعنى: لا تَسْأَل بعد هذا عنهم.

ولم يُذكر أَنه سئل عنهم بعده؛ فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب.

قيل: إن رسول الله  - قال: "ليت شعري!

ما فعل أَبواي؟" فأَنزل الله -  - هذه الآية.

وفيها لغتان: "لا تَسأل" بنصب التاءِ وهو ما ذكرنا.

ويحتمل وجهاً آخر: أَي لا تشتغل بأَصحاب الجحيم؛ فإن ذلك تكلفٌ منك وشُغل.

وفيها لغةٌ أُخرى برفع التاءِ: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أَي: لا تُسأَل أنت يا محمد عن ذنوب أَصحاب الجحيم؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .

اختلف في الملة: قيل الملة: السنة؛ كقوله "بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، وكقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  ﴾ .

وقيل: الملة: الدين، كقوله  : "لا يتوارث أهل الملتين" وقيل: الملة هاهنا: القبلة، وهو كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ  ﴾ .

آيس - عز وجل - رسوله  عن اتباع أُولئك دينه وقبلته؛ لأَنهم يختارون الدين، والقبلة؛ بهوى أَنفسهم، لا بطلب الحق، وظهوره، ولزوم الحجة.

وذلك: أَن النصارى إنما اختاروا قبلتهم المشرق؛ لأَن مكان الجبل الذي كان فيه عيسى في ناحية المشرق بقوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  ﴾ .

واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب؛ لأَن موسى  كان بناحية المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ  ﴾ .

وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة - شرفها الله - قبلة بالأَمر، لا اتباعاً لهواهم.

والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا، فلما احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أَحَق ذلك الموضع الذي جعل للخلق مقاصد أخرى.

ثم قوله  : ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .

أخبر - عز وجل - رسوله: أن ليس في وسعك إرضاءُ هؤلاء؛ لاختلافهم في الدعاوى في الملل.

فإن قيل: كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟

قيل: لأن العصمة لا تزيل المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين: أحدهما: أن عصمته لِمَا مضى لا توجب عصمته في الحادث.

والثاني: أَن أَحق مَنْ يُنهى عن الأَشياء مَنْ أُكرم بالعصمة؛ إذ على زَوال النهي يرتفع عنه جهة العصمة؛ لأَنه يصير برفع النهي مباحاً.

فلهذا دل القول على النهي عما فيه إرضاؤهم - وإن كان في الأصل معصوماً عنه - وبالله التوفيق.

وفي إزالة الأمر والنهي إِزالةُ فائدة العصمة؛ لأَن العصمة: هي أَن يعصم في الأمر حتى يؤديَه، وفي النهي، حتى ينتهيَ عنه، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

قيل: إن دين الله - الذي اختاره أَهلُ الإِسلام؛ بالأمر، واتباع الآيات، والحجج - هو الدين، لا كما اختار أُولئك بهوى أنفسهم، واستقبال الآيات والحجج بالرد، والإنكار، والمعاندة.

ويحتمل: أن يكون الخطابُ في قوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ والبيانُ لأَصحابهِ، ومن دخل في دينه وصدقه، لا هو.

وذلك كثير في القرآن؛ يخاطَبُ هو والمراد غيره.

وقوله: ﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

ظاهره: من ولي يتولى الدفاع عنك، ولا نصير يمنعك من العذاب.

ويحتمل: ينصرك فتغلب به سلطان الله فيما يريد تعذيبك.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ .

قيل: الكتابُ: أَراد به التوراةَ أَو الإنجيلَ.

وقيل: أَراد به القرآن.

ومن حمله على التوراةِ والإِنجيل قال: فيه إِضمار واوِ كأَنه قال: الذين آتيناهم الكتاب، ويتلونه حق تلاوته، أُولئك يؤمنون به، أَي: إذا تَلَوْا حق التلاوة؛ فحينئذ يؤمنون به.

وقيل: يتلونه حق تلاوته، يعني يعملون به حق عمله، ولا يكتمون نعته  ، ولا يحرفونه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .

وهم الذين أَسلموا منهم.

وقيل: يتبعونه حق اتباعه.

وهو واحد.

ومن حمله على القرآن، قالذين يتلونه حق تلاوته أَصحاب رسول الله  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنا أرسلناك -أيها النبي- بالدين الحق الَّذي لا مرية فيه؛ لتبشر المؤمنين بالجنّة، وتنذر الكافرين بالنار، وليس عليك إلا البلاغ المبين، ولن يسألك الله عن الذين لم يؤمنوا بك من أصحاب الجحيم.

من فوائد الآيات الكفر ملة واحدة وإن اختلفت أجناس أهله وأماكنهم، فهم يتشابهون في كفرهم وقولهم على الله بغير علم.

أعظم الناس جُرْمًا وأشدهم إثمًا من يصد عن سبيل الله، ويمنع من أراد فعل الخير.

تنزه الله تعالى عن الصاحبة والولد، فهو سبحانه لا يحتاج لخلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.J9qQr"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام لا يزال في القرآن، وما كان من أمر الناس في الإيمان به وعد الإيمان، ذكر في الآيات المتقدمة آنفًا من شأن أهل الكتاب ما تبين به أن عدم إيمانهم بالنبي وما جاء به غير قادح فيه، ولا ينهض شبهة عليه، وأن مطاعنهم فيه متهافتة منقوضة بطعنهم في أنفسهم، وتخبطهم في أمر كتبهم، ثم انتقل إلى ذكر شبهة مشركي العرب وبين أنهم جروا فيها على الأصل المعهود من أمثالهم المشركين الذين سبقوهم بالضلال فقال ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ  ﴾ أي الجاهلون بالكتاب والشرائع من مشركي العرب.

وقال (الجلال) إن المراد بالذين لا يعلمون كفار مكة خاصة، ولا دليل على التخصيص، ويرجح العموم كون الآية مدنية ﴿ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ  ﴾ كما كلم هذا الرسول مع أنه بشر مثلنا ﴿ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ  ﴾ من الآيات التي اقترحناها، يعنون ما حكاه الله تعالى عنهم بمثل قوله ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا  ﴾ الآيات ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ  ﴾ أي مثل هذا القول قال الكفار الذين أرسل إليهم الرسل من قبلهم في معناه وهو أنهم أنكروا على الرسل الاختصاص بالوحي من دونهم واقترحوا عليهم الآيات تعنتًا وعنادًا ﴿ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ لأن الطغيان قد ساوى بينهم حتى كأنهم تواصلوا بما يقولون كما قال في سورة الطور ﴿ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ  ﴾ .

ويشبه هذا ما ورد من أن الكفر ملة واحدة، وذلك أن الحق واحد ومخالفته هي الباطل أو الضلال وهو واحد وإن تعددت طرقه واختلفت وجوهه.

وآثار الشيء الواحد الكلي تتشابه فيمن تصدر عنهم وإن اختلفت الجزئيات.

والتشابه هنا إنما هو مكابرة الحق واستبعاد كون واحد من البشر رسولًا يوحى إليه اقتراح الآيات تعنتًا وعنادًا.

ومثال الاختلاف في الجزئيات طلب موسى رؤية الله جهرة، وطلب قوم محمد أن يرقى في السماء أمامهم فيأتي بكتاب يقرأونه.

والطلب الذي مصدره العناد والتعنت لا تفيد إجابته لأن صاحبه لا يقصد به معرفة الحق ولذلك قال تعالى ﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ  ﴾ .

والدليل المعقول على هذا أنه ما من نبي إلا وقد جاء بآية أو آيات كونية أو عقلية وكانوا مع ذلك يصفونهم بالسحر ثم يقترحون عليهم الآيات، ولذلك قال تعالى بعد حكاية شبهة هؤلاء الجاهلين ﴿ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ أي إننا لم ندعك يا محمد بغير آية بل بينا الآيات على يديك بيانًا لا يدع للريب طريقًا إلى نفس من يعقلها.

وقد قال ﴿ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ  ﴾ ولم يقل أعطيناك الآية للتفرقة والفصل بين آيات القرآن التي هي من علم الله وكلامه يظهر بها الحق بطريق معقول بيِّن لا يشتبه فيه الفهم، ولا يحار فيه الذهن، وبين الآيات الكونية التي هي من صنعه يستخذي لها العقل ويخضع لها لشعوره بأنها من قوة فوق قوته.

وللناس فيما يرونه فوق ما يعقلون طريقان معهودان: منهم من يسنده إلى القوة الغيبية العليا سواء كان له سبب خفي في الواقع أم لا ومنهم من يسنده إلى الأسباب الخفية التي يسمونها السحر، وإن كان فوق قدرة البشر، ولذلك ضلت الأمم في آيات الأنبياء السابقين وليس لأحد أن يضل في آيات القرآن لأنها بينة معقولة ولذلك قال ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ  ﴾ .

نعم إن الآيات العلمية لا يعقلها إلا أهل الاستعداد للعلم اليقين.

ولذلك قال ﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ والذين يوقنون هم الذين خلصت نفوسهم من كل رأي وتقليد وتوجهوا إلى طلب الحق في الأمور الاعتقادية، وأخذوا على أنفسهم العهد أن يطلبوه بدليله وبرهانه، فهم إذا قام عندهم البرهان اعتقدوا وأيقنوا إيقانًا، وإنما يتوقع اليقين من مثلهم لا من قوم يعتقدون الشيء أولًا بلا دليل ولا برهان، ثم يلتمسون له الدليل لأن مقلديهم قالوا بوجوب معرفة الدليل فإذا أصابوه موافقًا لما اعتقدوا رضوا به وإن كان ظنيًا، وإذا نهض لهم مخالفًا لتقاليدهم رفضوه وتعللوا بالتعلات المنتحلة، وهؤلاء هم الجماهير من الناس الذين وصفوا في الأثر بأنهم أتباع كل ناعق: والعبرة في خطاب الشرع بأهل اليقين الذين صفت نفوسهم، ومحصت أفكارهم: فسلموا من علة العناد والمكابرة لا المانعين لشعاع الحق أن ينفذ إلى القول، ولحرارته أن تخترق الصدور إلى القلوب، هؤلاء هم أنصار الحق لأنهم بيقينهم لا يستطيعون المروق منه، ولا السكوت عن الانتصار له، ألم تر أن كبار الصحابة كانوا يراجعون النبي  فيما لم يظهر لهم دليله لأنهم طبعوا على معرفة الحق بالدليل.

هؤلاء من الناس الذين تنزل الشرائع لأجلهم، ولولا استعدادهم لها لما شرعت أو لما نجحت، وأما سائر الناس فتبع لهم وعيال عليهم.

ثم قال تعالى ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ  ﴾ أي بالشيء الثابت المتحقق الذي لا يضل من يأخذ به ولا تعبث به رياح الأباطيل والأوهام، بل يكون الآخذ به سعيدًا بالطمأنينة واليقين.

الحق في هذا المقام يشمل العلوم الاعتقادية وغيرها فهو يقول: إنا أرسلنا بالعقائد الحقة المطابقة للواقع، والشرائع الصحيحة الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة ﴿ بَشِيرًا  ﴾ لمن يتبع الحق بالسعادتين ﴿ وَنَذِيرًا  ﴾ لمن لا يأخذ به بشقاء الدنيا وخزي الآخرة ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ  ﴾ أي فلا يضرك تكذيب المكذبين الذين يساقون بجحودهم إلى الجحيم لأنك لم تبعث ملزمًا لهم ولا جبارًا عليهم فيعد عدم إيمانهم تقصيرًا منك تسأل عنه، بل بعثت معلمًا وهاديًا بالبيان والدعوة وحسن الأسوة، لا هاديًا بالفعل ولا ملزمًا بالقوة، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ .

وفي الآية تسلية للنبي  لئلا يضيق صدره كما تدل على ذلك آيات أخرى.

وفي الآية من العبرة إن الأنبياء بعثوا معلمين لا مسيطرين، ولا متصرفين في الأنفس ولا مكرهين، فإذا جاهدوا فإنما يجاهدون دفاعًا عن الحق لا إكراهًا عليه.

وفيها أن الله تعالى لا يطالب الناس بأن يأخذوا عنهم إلا العلم الذي يهديهم إلى معرفة حقوق الله وحقوق العباد.

وفي قراءة نافع ويعقوب ﴿ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ  ﴾ بالنهي، أي لا تسأل عما سيلاقون من الانتقام فإنه عظيم، فمثل هذا النهي مستعمل في التهويل لا في حقيقته وهو استعمال معروف بين الناس حتى اليوم: وزعم بعض المفسرين أن النهي على حقيقته وأنه خاص بنهي النبي  عن السؤال عن أبويه ورووا في ذلك أنه سأل جبريل عن قبريهما فدله عليهما فزارهما ودعا لهما وتمنى ولو يعرف حالهما في الآخرة وقال"ليت شعري ما فعل أبواي" فنزلت الآية في ذلك.

والحديث قال الحافظ العراقي إنه لم يقف عليه، وقال السيوطي لم يرد في ذلك إلا أثر معضل ضعيف الإسناد.

وقد فشا هذا القول ولولا ذلك لم نذكره، وإنما نريد بذكره التنبيه على أن الباطل صار يفشو في المسلمين بضعف العلم والصحيح يهجر وينسى.

ولاشك أن مقام النبي  في معرفة أسرار الدين، وحكم الله في الأولين والآخرين، ينافي صدور مثل هذا السؤال عنه، كما أن أسلوب القرآن يأبي أن يكون هو المراد منه.

ثم قال  ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ فعاد إلى ذكر أهل الكتاب على ما عهدنا في أساليب القرآن من ضروب الانتقال بالمناسبات الدقيقة.

فالقرآن لم يأت على طريقة المنشئين والمؤلفين الذين يخصون كل طائفة من الكلام بموضوع معين ويسمونها فضلًا أو بابًا، ولكن للقرآن أغراضًا يبرزها بصور مختلفة، فكلما لاحت المناسبة لذكر شيء منها أو الاحتجاج عليه أو الدفاع عنه، جاء به يجذب إليه الأذهان، ويساوق به خطرات القلوب، مع مراعاة التناسق، وحفظ الأسلوب البليغ، لهذا يتكرر فيه المعنى الواحد بعبارات متعددة، ويتجلى الروح الواحد في أشكال متنوعة، فلم يذكر ههنا المشركين إلا لما بينهم وبين أهل الكتاب من التناسب والتقارب في المجاحدة والمعاندة، فكان ذكرهم من متممات الحجة على أهل الكتاب من حيث أدى غرضًا مقصودًا في ذاته.

ولما كان ذكرهم في عرض الكلام كالجملة الاعتراضية كان الرجوع إلى سرد شؤون أهل الكتاب مع النبي  رجوعًا إلى أصل الموضوع.

إن من شأن الإنسان أن يتألم من القبيح أشد التألم إذا وقع ممن لا يتوقع منه، فكان النبي  يرجو أن يبادر أهل الكتاب إلى الإيمان به، وأن لا يرى منهم المكابرة والمجاحدة والعناد، ولهذا كبر عليه أن رأى من إعراض اليهود والنصارى عن إجابة دعوته، وإسرافهم في مجاحدته، أشد مما رأى من مشركي العرب الذين جاء لمحو دينهم من الأرض، مع موافقته لأهل الكتاب في أصل دينهم ومقصده من توحيد الله تعالى والإخلاص له وتقويم عوج الفطرة الإنسانية الذي طرأ عليها بسبب التقاليد، وترقية المعارف الدينية إلى أعلى ما استعد له الإنسان من الارتقاء العقلي والأدبي، ولذلك كان يخاطبهم بمثل قوله تعالى ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ .

الآية وغيرها من الآيات.

ولقد كان من الصعب لولا إعلام الله تعالى أن تعرف درجة فتك التقليد بعقول أهل الكتاب وإفساد الأهواء لقلوبهم، لذلك سلى الله تعالى نبيه عما كان يجده من عنادهم وإيذائهم بآيات كثيرة عرفه فيها حقيقة حالهم، منها هذه الآية الناطقة بأن كلا من اليهود والنصارى على اتحادهم في أصل الدين قد تعصب لتقاليده واتخذ الدين جنسية لا يرضيه من أحد شيء إلا الدخول فيها وقبول لقبها فقوله تعالى ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ  ﴾ مراد به ما هم عليه من التقاليد والأهواء التي غيروا بها وجه الدين الواحد حتى صار بعضهم يحكم بكفر بعض كما تقدم في الآيات السابقة.

ثم أمره تعالى في مقابلة ذلك بقوله ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى  ﴾ أي أجهر بقول الحق وهو أن الهدى الصحيح هو هدى الله الذي أنزل على أنبيائه دون ما أضافه إليه اليهود والنصارى بآرائهم وأهوائهم ففرقوا دينهم وكانوا شيعًا كل شيعة تكفر الأخرى وتقول إنها ليست على شيء، أي فإن أردت استرضاءهم، فلن يرضوا عنك إلا أن تتبع أهوائهم، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ  ﴾ التي أضافوها على كتبهم، وجعلوها أصولًا وفروعًا لدينهم ﴿ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  ﴾ اليقين، وبالوحي الإلهي المبين، الذي بين ما كان منهم من تحويل القول عن معناه بالـتأويل، وتحريفهم الكلم عن مواضعه، ونسيانهم حظًا مما ذكروا به، ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ  ﴾ أي فإنك لن تنجح ولن تصل إلى حقك بمجاراتهم على باطلهم، لأن الله لا ينصرك على ذلك إذ لا يرضيه أن يكون اتباع الهوى طريقًا إلى الهدى، والضال لا يرضيه إلا موافقته على ضلاله، ومجاراته على فساده، وإذا لم يكن الله هو الذي يتولى شؤونك وينصرك بمعونته فمن ذا الذي ينصرك ويتولاك من بعده؟.

من تدبر هذا الإنذار الموجه من الله تعالى إلى نبي الرحمة، المؤيد منه بالكرامة والعصمة، علم أن المراد به الوعيد والتشديد على الأمة، على حد "إياك أعني واسمعي يا جارة".

فإن الله تعالى يخاطب الناس كافة في شخص النبي  كما جرى عرف التخاطب مع الرؤساء والزعماء فقد يقال لذلك: إذا فَعَلتَ هذا كانت عاقبته كذا: والمراد إذا فَعَلَته دولتك أو أمتك، وقد تقدم غير مرة إسناد عمل بعض الأفراد إلى الأمة كلها ولكن قوله ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  ﴾ وهو يعلم جل شأنه أنه لا يتبع أهوائهم في حال من الأحوال، وقد عصمه من الزيغ والضلال، وإنما جاء على هذا الأسلوب ليرشد من يأتي بعده ممن يتبع سنته ويأخذ بهديه.

فهو يرشدنا بهذا التهديد العظيم إلى الصدع بالحق والانتصار له وعدم المبالاة بمن يخالفه مهما قوي حزبهم، واشتد أمرهم، وإنه لتهديد ترتعد منه فرائص الذين يخشون ربهم، ولا سيما إذا آنسوا من أنفسهم ضعفًا في الحق كأن تركوا الجهر به أو الدفاع عنه خوفًا من إنكار العامة عليهم، ولغط الناس بهم، فمن عرف الحق وعرف أن الله تعالى وليّ أهله وناصرهم لا يخاف في تأييده لومة لائم، ولا يغترن أحد بمن يسميهم الناس علماء وعارفين في سكوتهم عن الحق، ومجاراتهم لأهل الباطل، فإنهم ليسوا على شيء من العلم الحقيقي، وإن هي إلا كلمات يتلقفونها، وعادات يتقلدونها، لا حجة للأحياء فيها، سوى قولهم إن الميتين درجوا عليها!.

وليس هذا هو العلم الذي جاء به النبي  وإنما هو شيء كان يلقب بالعلم عند الضالين من أهل الكتاب والمشركين كذلك، وقد نفى عنه كونه علمًا على الحقيقة بمثل قوله ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ  ﴾ وبقوله ﴿ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  ﴾ فمن أخذ بقول القائلين، واتبع ما وجد عليه السابقين بدون بينة يعرف بها وجه الحق من ذلك -وكتاب الله بين يديه لا ينظر فيه ولا يرجع إليه- فقد اتبع الهوى بعد الذي جاء من العلم إلى النبي  وباء بالخزي في الدنيا وبالنكال في الآخرة، ولم يكن ولن يكون له من الله ولي ولا نصير، اللهم أعنا على الجهر بالحق بعد ما عرفناه، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله