الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 298 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٢٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى منبها على شرف إبراهيم خليله ، عليه السلام وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد ، حتى قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي ; ولهذا قال : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) أي : واذكر يا محمد لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملة إبراهيم وليسوا عليها ، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين ، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم ، أي : اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي ( فأتمهن ) أي : قام بهن كلهن ، كما قال تعالى : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] ، أي : وفى جميع ما شرع له ، فعمل به صلوات الله عليه ، وقال تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ النحل : 120 ، 123 ] ، وقال تعالى : ( قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) [ الأنعام : 161 ] ، وقال تعالى : ( ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين ) [ آل عمران : 67 ، 68 ] وقوله تعالى : ( بكلمات ) أي : بشرائع وأوامر ونواه ، فإن الكلمات تطلق ، ويراد بها الكلمات القدرية ، كقوله تعالى عن مريم ، عليها السلام ، : ( وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) [ التحريم : 12 ] .
وتطلق ويراد بها الشرعية ، كقوله تعالى : ( وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [ لا مبدل لكلماته ] ) [ الأنعام : 115 ] أي : كلماته الشرعية .
وهي إما خبر صدق ، وإما طلب عدل إن كان أمرا أو نهيا ، ومن ذلك هذه الآية الكريمة : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) أي : قام بهن .
قال : ( إني جاعلك للناس إماما ) أي : جزاء على ما فعل ، كما قام بالأوامر وترك الزواجر ، جعله الله للناس قدوة وإماما يقتدى به ، ويحتذى حذوه .
وقد اختلف [ العلماء ] في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل ، عليه السلام .
فروي عن ابن عباس في ذلك روايات : فقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال ابن عباس : ابتلاه الله بالمناسك .
وكذا رواه أبو إسحاق السبيعي ، عن التميمي ، عن ابن عباس .
وقال عبد الرزاق أيضا : أخبرنا معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) قال : ابتلاه الله بالطهارة : خمس في الرأس ، وخمس في الجسد ; في الرأس : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الرأس .
وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والختان ، ونتف الإبط ، وغسل أثر الغائط والبول بالماء .
قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن المسيب ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وأبي صالح ، وأبي الجلد ، نحو ذلك .
قلت : وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء اللحية ، والسواك ، واستنشاق الماء ، وقص الأظفار ، وغسل البراجم ، ونتف الإبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء " [ قال مصعب ] ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة .
قال وكيع : انتقاص الماء ، يعني : الاستنجاء .
وفي الصحيح ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " الفطرة خمس : الختان ، والاستحداد ، وقص الشارب ، وتقليم الأظفار ، ونتف الإبط " .
ولفظه لمسلم .
وقال ابن أبي حاتم : أنبأنا يونس بن عبد الأعلى ، قراءة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لهيعة ، عن ابن هبيرة ، عن حنش بن عبد الله الصنعاني ، عن ابن عباس : أنه كان يقول في هذه الآية : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) قال : عشر ، ست في الإنسان ، وأربع في المشاعر .
فأما التي في الإنسان : حلق العانة ، ونتف الإبط ، والختان .
وكان ابن هبيرة يقول : هؤلاء الثلاثة واحدة .
وتقليم الأظفار ، وقص الشارب ، والسواك ، وغسل يوم الجمعة .
والأربعة التي في المشاعر : الطواف ، والسعي بين الصفا والمروة ، ورمي الجمار ، والإفاضة .
وقال داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به كله إلا إبراهيم ، قال الله تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) قلت له : وما الكلمات التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن ؟
قال : الإسلام ثلاثون سهما ، منها عشر آيات في : براءة : ( التائبون العابدون [ الحامدون ] ) [ التوبة : 112 ] إلى آخر الآية ، وعشر آيات في أول سورة ( قد أفلح المؤمنون ) و ( سأل سائل بعذاب واقع ) وعشر آيات في الأحزاب : ( إن المسلمين والمسلمات ) [ الآية : 35 ] إلى آخر الآية ، فأتمهن كلهن ، فكتبت له براءة .
قال الله : ( وإبراهيم الذي وفى ) [ النجم : 37 ] .
هكذا رواه الحاكم ، وأبو جعفر بن جرير ، وأبو محمد بن أبي حاتم ، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند ، به .
وهذا لفظ ابن أبي حاتم .
وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن : فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم .
ومحاجته نمروذ في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه .
وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه في الله على هول ذلك من أمرهم .
والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده في الله حين أمره بالخروج عنهم ، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله ، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه ، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له : ( أسلم قال أسلمت لرب العالمين ) على ما كان من خلاف الناس وفراقهم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا إسماعيل بن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن يعني البصري : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [ فأتمهن ] ) قال : ابتلاه بالكوكب فرضي عنه ، وابتلاه بالقمر فرضي عنه ، وابتلاه بالشمس فرضي عنه ، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه ، وابتلاه بالختان فرضي عنه ، وابتلاه بابنه فرضي عنه .
وقال ابن جرير : حدثنا بشر بن معاذ ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : كان الحسن يقول : أي والله ، ابتلاه بأمر فصبر عليه : ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر ، فأحسن في ذلك ، وعرف أن ربه دائم لا يزول ، فوجه وجهه للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما كان من المشركين .
ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله ، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك .
وابتلاه الله بذبح ابنه والختان فصبر على ذلك .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عمن سمع الحسن يقول في قوله : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [ فأتمهن ] ) قال : ابتلاه الله بذبح ولده ، وبالنار ، والكوكب والشمس ، والقمر .
وقال أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا سلم بن قتيبة ، حدثنا أبو هلال ، عن الحسن ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ) قال : ابتلاه بالكوكب ، والشمس ، والقمر ، فوجده صابرا .
وقال العوفي في تفسيره ، عن ابن عباس : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) فمنهن : ( إني جاعلك للناس إماما ) ومنهن : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) ومنهن : الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم ، والرزق الذي رزق ساكنو البيت ، ومحمد بعث في دينهما .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا شبابة ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) قال الله لإبراهيم : إني مبتليك بأمر فما هو ؟
قال : تجعلني للناس إماما .
قال : نعم .
قال : ومن ذريتي ؟
( قال لا ينال عهدي الظالمين ) قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟
قال : نعم .
قال : وأمنا .
قال : نعم .
قال : وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ؟
قال : نعم .
قال : وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله ؟
قال : نعم .
قال ابن أبي نجيح : سمعته من عكرمة ، فعرضته على مجاهد ، فلم ينكره .
وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد .
وقال سفيان الثوري ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ) قال : ابتلي بالآيات التي بعدها : ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات [ فأتمهن ] ) قال : الكلمات : ( إني جاعلك للناس إماما ) وقوله : ( وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) وقوله ( واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ) وقوله : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل ) الآية ، وقوله : ( وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) الآية ، قال : فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم .
قال السدي : الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه : ( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) ، ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم [ يتلو عليهم آياتك ] ) .
[ وقال القرطبي : وفي الموطأ وغيره ، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إبراهيم ، عليه السلام ، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف ، وأول من استحد ، وأول من قلم أظفاره ، وأول من قص الشارب ، وأول من شاب فلما رأى الشيب ، قال : ما هذا ؟
قال : وقار ، قال : يا رب ، زدني وقارا .
وذكر ابن أبي شيبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن أبيه ، قال : أول من خطب على المنابر إبراهيم ، عليه السلام ، قال غيره : وأول من برد البريد ، وأول من ضرب بالسيف ، وأول من استاك ، وأول من استنجى بالماء ، وأول من لبس السراويل .
وروي عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم ، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم " قلت : هذا حديث لا يثبت ، والله أعلم .
ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية ] .
قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله : أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر ، وجائز أن يكون بعض ذلك ، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع .
قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له .
قال : غير أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران ، أحدهما ما حدثنا به أبو كريب ، حدثنا رشدين بن سعد ، حدثني زبان بن فائد ، عن سهل بن معاذ بن أنس ، قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله ( الذي وفى ) [ النجم : 37 ] ؟
لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى : ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ) [ الروم : 17 ] حتى يختم الآية " .
قال : والآخر منهما : حدثنا به أبو كريب ، أخبرنا الحسن ، عن عطية ، أخبرنا إسرائيل ، عن جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإبراهيم الذي وفى ) أتدرون ما وفى ؟
" .
قالوا : الله ورسوله أعلم .
قال : " وفى عمل يومه ، أربع ركعات في النهار " .
ورواه آدم في تفسيره ، عن حماد بن سلمة .
وعبد بن حميد ، عن يونس بن محمد ، عن حماد بن سلمة ، عن جعفر بن الزبير ، به .
ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين ، وهو كما قال ; فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما ، وضعفهما من وجوه عديدة ، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء ، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه [ والله أعلم ] .
ثم قال ابن جرير : ولو قال قائل : إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبا ، فإن قوله : ( إني جاعلك للناس إماما ) وقوله : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين ) وسائر الآيات التي هي نظير ذلك ، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم .
قلت : والذي قاله أولا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر ، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله ; لأن السياق يعطي غير ما قالوه والله أعلم .
وقوله : ( قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) لما جعل الله إبراهيم إماما ، سأل الله أن تكون الأئمة من بعده من ذريته ، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون ، وأنه لا ينالهم عهد الله ، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم ، والدليل على أنه أجيب إلى طلبته قول الله تعالى في سورة العنكبوت : ( وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب ) [ العنكبوت : 27 ] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه .
وأما قوله تعالى : ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) فقد اختلفوا في ذلك ، فقال خصيف ، عن مجاهد في قوله : ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) قال : إنه سيكون في ذريتك ظالمون .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) قال : لا يكون لي إمام ظالم [ يقتدى به ] .
وفي رواية : لا أجعل إماما ظالما يقتدى به .
وقال سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله تعالى : ( قال لا ينال عهدي الظالمين ) قال : لا يكون إمام ظالم يقتدى به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثني أبي ، حدثنا مالك بن إسماعيل ، حدثنا شريك ، عن منصور ، عن مجاهد ، في قوله : ( ومن ذريتي ) قال : أما من كان منهم صالحا فسأجعله إماما يقتدى به ، وأما من كان ظالما فلا ولا نعمة عين .
وقال سعيد بن جبير : ( لا ينال عهدي الظالمين ) المراد به المشرك ، لا يكون إمام ظالم .
يقول : لا يكون إمام مشرك .
وقال ابن جريج ، عن عطاء ، قال : ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ) فأبى أن يجعل من ذريته إماما ظالما .
قلت لعطاء : ما عهده ؟
قال : أمره .
وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إلي ، حدثنا الفريابي ، حدثنا إسرائيل ، حدثنا سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال الله لإبراهيم : ( إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ) فأبى أن يفعل ، ثم قال : ( لا ينال عهدي الظالمين ) وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة ، عن ابن عباس : ( قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده ولا ينبغي [ له ] أن يوليه شيئا من أمره وإن كان من ذرية خليله ومحسن ستنفذ فيه دعوته ، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته .
وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( لا ينال عهدي الظالمين ) قال : يعني لا عهد لظالم عليك في ظلمه ، أن تطيعه فيه .
وقال ابن جرير : حدثنا المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله ، عن إسرائيل ، عن مسلم الأعور ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، قال : ( لا ينال عهدي الظالمين ) قال : ليس للظالمين عهد ، وإن عاهدته فانتقضه .
وروي عن مجاهد ، وعطاء ، ومقاتل بن حيان ، نحو ذلك .
وقال الثوري ، عن هارون بن عنترة ، عن أبيه ، قال : ليس لظالم عهد .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله : ( لا ينال عهدي الظالمين ) قال : لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به ، وأكل وعاش .
وكذا قال إبراهيم النخعي ، وعطاء ، والحسن ، وعكرمة .
وقال الربيع بن أنس : عهد الله الذي عهد إلى عباده : دينه ، يقول : لا ينال دينه الظالمين ، ألا ترى أنه قال : ( وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ) [ الصافات : 113 ] ، يقول : ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق .
وكذا روي عن أبي العالية ، وعطاء ، ومقاتل بن حيان .
وقال جويبر ، عن الضحاك : لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني ، ولا أنحلها إلا وليا لي يطيعني .
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد ، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي ، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني ، حدثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لا ينال عهدي الظالمين ) قال : " لا طاعة إلا في المعروف " .
وقال السدي : ( لا ينال عهدي الظالمين ) يقول : عهدي نبوتي .
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، رحمهما الله تعالى .
واختار ابن جرير أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالما .
ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ، عليه السلام ، أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه ، كما تقدم عن مجاهد وغيره ، والله أعلم .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (وإذ ابتلى)، وإذا اختبر.
* * * يقال منه: " ابتليت فلانا أبتليه ابتلاء "، ومنه قول الله عز وجل: وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [سورة النساء: 6]، يعني به: اختبروهم.
(18) .
* * * وكان اختبار الله تعالى ذكره إبراهيم، اختبارا بفرائض فرضها عليه, وأمر أمره به.
وذلك هو " الكلمات " التي أوحاهن إليه، وكلفه العمل بهن، امتحانا منه له واختبارا.
* * * ثم اختلف أهل التأويل في صفة " الكلمات " التي ابتلى الله بها إبراهيم نبيه وخليله صلوات الله عليه.
* * * فقال بعضهم: هي شرائع الإسلام, وهي ثلاثون سهما.
(19) * ذكر من قال ذلك: 1907- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، قال ابن عباس: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه إلا إبراهيم, ابتلاه الله بكلمات، فأتمهن.
قال: فكتب الله له البراءة فقال: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [سورة النجم: 37].
قال: عشر منها في" الأحزاب ", وعشر منها في" براءة ", وعشر منها في" المؤمنون " و " سأل سائل "، وقال: إن هذا الإسلام ثلاثون سهما.
(20) 1908- حدثنا إسحاق بن شاهين قال، حدثنا خالد الطحان, عن داود, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله غير إبراهيم، ابتلي بالإسلام فأتمه, فكتب الله له البراءة فقال: " وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى "، فذكر عشرا في" براءة " [112] فقال: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ إلى آخر الآية، (21) وعشرا في" الأحزاب " [35]، إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ , وعشرا في" سورة المؤمنون " [1-9] إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ , وعشرا في" سأل سائل " [22-34] وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ .
1909- حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا علي بن الحسن قال، حدثنا خارجة بن مصعب, عن داود بن أبي هند, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: الإسلام ثلاثون سهما, وما ابتلي بهذا الدين أحد فأقامه إلا إبراهيم, قال الله: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ، فكتب الله له براءة من النار.
(22) * * * وقال آخرون: هي خصال عشر من سنن الإسلام.
* ذكر من قال ذلك: 1910- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس, عن أبيه, عن ابن عباس: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس, وخمس في الجسد.
في الرأس: قص الشارب, والمضمضة, والاستنشاق, والسواك, وفرق الرأس.
وفي الجسد: تقليم الأظفار, وحلق العانة, والختان, ونتف الإبط, وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
(23) 1911- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن الحكم بن أبان, عن القاسم بن أبي بزة, عن ابن عباس، بمثله- ولم يذكر أثر البول.
1912- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سليمان قال، حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه بالختان, وحلق العانة, وغسل القبل والدبر, والسواك, وقص الشارب, وتقليم الأظافر, ونتف الإبط.
قال أبو هلال: ونسيت خصلة.
1913- حدثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن مطر, عن أبي الخلد قال: ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء، هن في الإنسان: سنة: الاستنشاق, وقص الشارب, والسواك, ونتف الإبط, وقلم الأظفار, وغسل البراجم, والختان, وحلق العانة, وغسل الدبر والفرج (24) .
* * * وقال بعضهم: بل " الكلمات " التي ابتلي بهن عشر خلال; بعضهن في تطهير الجسد, وبعضهن في مناسك الحج.
*ذكر من قال ذلك : 1914- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال: حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة, عن ابن هبيرة, عن حنش, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال، ستة في الإنسان, وأربعة في المشاعر.
فالتي في الإنسان: حلق العانة, والختان, ونتف الإبط, وتقليم الأظفار, وقص الشارب, والغسل يوم الجمعة.
وأربعة في المشاعر: الطواف, والسعي بين الصفا والمروة, ورمي الجمار, والإفاضة.
(25) * * * وقال آخرون: بل ذلك: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، في مناسك الحج.
* ذكر من قال ذلك: 1915- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "، فمنهن: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وآيات النسك.
(26) 1916- حدثنا أبو السائب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت إسماعيل بن أبي خالد, عن أبي صالح مولى أم هانئ في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، منهن إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ومنهن آيات النسك: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ [سورة البقرة: 127].
1917- حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟
قال: تجعلني للناس إماما!
قال: نعم.
قال: ومن ذريتي.
قال: لا ينال عهدي الظالمين.
قال: تجعل البيت مثابة للناس.
قال: نعم.
[قال]: وأمنا.
قال: نعم.
[قال]: وتجعلنا مسلمين لك, ومن ذريتنا أمة مسلمة لك.
قال: نعم.
[قال]: وترينا مناسكنا وتتوب علينا.
قال: نعم.
قال: وتجعل هذا البلد آمنا.
قال: نعم.
قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم.
قال: نعم.
1918- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، مثله.
1919- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، أخبره به عن عكرمة، فعرضته على مجاهد فلم ينكره.
1920- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد بنحوه.
قال ابن جريج: فاجتمع على هذا القول مجاهد وعكرمة جميعا.
1921- حدثنا سفيان قال، حدثني أبي, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن " قال، ابتلي بالآيات التي بعدها: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
1922- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "، فالكلمات: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وقوله: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ، وقوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الآية, وقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ الآية.
قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم.
(27) 1923- حدثني محمد بن سعد (28) قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن "، فمنهن: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، ومنهن: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ، ومنهن الآيات في شأن النسك, والمقام الذي جعل لإبراهيم, والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد صلى الله عليه وسلم في ذريتهما عليهما السلام.
* * * وقال آخرون: بل ذلك مناسك الحج خاصة.
* ذكر من قال ذلك: 1924- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا عمر بن نبهان, عن قتادة, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، مناسك الحج.
(29) 1925- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال، كان ابن عباس يقول في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، المناسك.
1926- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قال، قال ابن عباس: ابتلاه بالمناسك.
1927- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, قال: بلغنا عن ابن عباس أنه قال: إن الكلمات التي ابتلي بها إبراهيم، المناسك.
1928- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، مناسك الحج.
1929- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن أبي إسحاق, عن التميمي, عن ابن عباس في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، منهن مناسك الحج.
(30) * * * وقال آخرون: هي أمور، منهن الختان.
* ذكر من قال ذلك: 1930- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة، عن يونس بن أبي إسحاق, عن الشعبي: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، منهن الختان.
1931- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق, قال: سمعت الشعبي يقول، فذكر مثله.
1932- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال، سمعت الشعبي - وسأله أبو إسحاق عن قول الله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " - قال، منهن الختان، يا أبا إسحاق.
* * * وقال آخرون: بل ذلك الخلال الست: الكوكب, والقمر, والشمس, والنار, والهجرة, والختان, التي ابتلي بهن فصبر عليهن.
* ذكر من قال ذلك: 1933- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن أبي رجاء, قال: قلت للحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ".
قال: ابتلاه بالكوكب، فرضي عنه؛ وابتلاه بالقمر، فرضي عنه؛ وابتلاه بالشمس، فرضي عنه؛ وابتلاه بالنار، فرضي عنه؛ وابتلاه بالهجرة, وابتلاه بالختان.
1934- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر, فأحسن في ذلك, وعرف أن ربه دائم لا يزول, فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما كان من المشركين؛ ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرا إلى الله؛ ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة، فصبر على ذلك؛ فابتلاه الله بذبح ابنه وبالختان، فصبر على ذلك.
1935- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عمن سمع الحسن يقول في قوله: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه الله بذبح ولده, وبالنار, وبالكوكب, والشمس, والقمر.
1936- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا سلم بن قتيبة قال، حدثنا أبو هلال, عن الحسن: " وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات " قال، ابتلاه بالكوكب, وبالشمس والقمر, فوجده صابرا.
* * * وقال آخرون بما: 1937- حدثنا به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم ربه: رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [سورة البقرة: 127-129] * * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أنه اختبر إبراهيم خليله بكلمات أوحاهن إليه, وأمره أن يعمل بهن فأتمهن, كما أخبر الله جل ثناؤه عنه أنه فعل.
(31) وجائز أن تكون تلك الكلمات جميع ما ذكره من ذكرنا قوله في تأويل " الكلمات ", وجائز أن تكون بعضه.
لأن إبراهيم صلوات الله عليه قد كان امتحن فيما بلغنا بكل ذلك, فعمل به، وقام فيه بطاعة الله وأمره الواجب عليه فيه.
وإذ كان ذلك كذلك, فغير جائز لأحد أن يقول: عنى الله بالكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم شيئا من ذلك بعينه دون شيء, ولا عنى به كل ذلك، إلا بحجة يجب التسليم لها: من خبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم, أو إجماع من الحجة.
ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول بنقل الواحد, ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته.
غير أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في نظير معنى ذلك خبران، لو ثبتا, أو أحدهما, كان القول به في تأويل ذلك هو الصواب.
أحدهما، ما:- 1938- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا رشدين بن سعد قال، حدثني زبّان بن فائد, عن سهل بن معاذ بن أنس, عن أبيه, قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله: الَّذِي وَفَّى ؟
[سورة النجم:37] لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ [سورة الروم: 17] حتى يختم الآية.
(32) والآخر منهما ما:- 1939- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا إسرائيل, عن جعفر بن الزبير, عن القاسم, عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال، أتدرون ما وَفَّى ؟
قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: وفي عمل يومه، أربع ركعات في النهار.
(33) * * * قال أبو جعفر: فلو كان خبر سهل بن معاذ عن أبيه صحيحا سنده، كان بينا أن الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فقام بهن، هو قوله كلما أصبح وأمسى: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ - أو كان خبر أبي أمامة عدولا نقلته, كان معلوما أن الكلمات التي أوحين إلى إبراهيم فابتلي بالعمل بهن: أن يصلي كل يوم أربع ركعات.
غير أنهما خبران في أسانيدهما نظر.
* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في معنى " الكلمات " التي أخبر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم، ما بينا آنفا.
ولو قال قائل في ذلك: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس، أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم، كان مذهبا.
لأن قوله: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ، وقوله: وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلي بهن إبراهيم.
(34) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَأَتَمَّهُنَّ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فأتمهن "، فأتم إبراهيم الكلمات.
و " إتمامه إياهن "، إكماله إياهن، بالقيام لله بما أوجب عليه فيهن، وهو الوفاء الذي قال الله جل ثناؤه: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى [سورة النجم: 37]، يعني وفى بما عهد إليه،" بالكلمات ", بما أمره به من فرائضه ومحنته فيها، (35) كما:- 1940- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا داود, عن عكرمة, عن ابن عباس: " فأتمهن "، أي فأداهن.
1941- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فأتمهن "، أي عمل بهن فأتمهن.
1942- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فأتمهن "، أي عمل بهن فأتمهن.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " إني جاعلك للناس إماما "، فقال الله: يا إبراهيم، إني مصيرك للناس إماما، يؤتم به ويقتدى به، كما:- 1943- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " إني جاعلك للناس إماما "، ليؤتم به ويقتدى به.
* * * يقال منه: " أممت القوم فأنا أؤمهم أما وإمامة "، إذا كنت إمامهم.
* * * وإنما أراد جل ثناؤه بقوله لإبراهيم: " إني جاعلك للناس إماما "، إني مصيرك تؤم من بعدك من أهل الإيمان بي وبرسلي, تتقدمهم أنت، (36) ويتبعون هديك, ويستنون بسنتك التي تعمل بها، بأمري إياك ووحيي إليك.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: قال إبراهيم- لمّا رفع الله منـزلته وكرمه, فأعلمه ما هو صانع به، من تصييره إماما في الخيرات لمن في عصره، ولمن جاء بعده من ذريته وسائر الناس غيرهم، يهتدى بهديه ويقتدى بأفعاله وأخلاقه - : يا رب، ومن ذريتي فاجعل أئمة يقتدي بهم، كالذي جعلتني إماما يؤتم بي ويقتدى بي.
مسألة من إبراهيم ربه سأله إياها، كما:- 1944- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, قال: قال إبراهيم: " ومن ذريتي"، يقول: فاجعل من ذريتي من يؤتم به ويقتدى به.
* * * وقد زعم بعض الناس أن قول إبراهيم: " ومن ذريتي"، مسألة منه ربه لعقبه أن يكونوا على عهده ودينه, كما قال: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ [سورة إبراهيم:35]، فأخبر الله جل ثناؤه أن في عقبه الظالم المخالف له في دينه، بقوله: لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ .
* * * والظاهر من التنـزيل يدل على غير الذي قاله صاحب هذه المقالة.
لأن قول إبراهيم صلوات الله عليه: " ومن ذريتي"، في إثر قول الله جل ثناؤه: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا .
فمعلوم أن الذي سأله إبراهيم لذريته، لو كان غير الذي أخبر ربه أنه أعطاه إياه، لكان مبينا.
(37) ولكن المسألة لما كانت مما جرى ذكره, اكتفى بالذكر الذي قد مضى، من تكريره وإعادته, فقال: " ومن ذريتي"، بمعنى: ومن ذريتي فاجعل مثل الذي جعلتني به، من الإمامة للناس.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) قال أبو جعفر: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماما يقتدي به أهل الخير.
وهو من الله جل ثناؤه جواب لما يتوهم في مسألته إياه (38) أن يجعل من ذريته أئمة مثله.
فأخبر أنه فاعل ذلك، إلا بمن كان من أهل الظلم منهم, فإنه غير مُصَيِّره كذلك, ولا جاعله في محل أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة.
لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به.
* * * واختلف أهل التأويل في العهد الذي حرم الله جل ثناؤه الظالمين أن ينالوه.
فقال بعضهم: ذلك " العهد "، هو النبوة.
* ذكر من قال ذلك: 1945- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " قال لا ينال عهدي الظالمين "، يقول: عهدي, نبوتي.
فمعنى قائل هذا القول في تأويل الآية: لا ينال النبوة أهل الظلم والشرك.
* * * وقال آخرون: معنى " العهد ": عهد الإمامة.
فتأويل الآية على قولهم: لا أجعل من كان من ذريتك بأسرهم ظالما، إماما لعبادي يقتدى به.
* ذكر من قال ذلك: 1946- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا يكون إمام ظالما.
1947- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: قال الله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا يكون إمام ظالما.
1948- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن عكرمة بمثله.
1949- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد في قوله: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
1950- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.
1951- حدثنا مشرَّف بن أبان الحطاب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن خصيف, عن مجاهد في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به.
(39) .
1952- حدثنا محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا أجعل إماما ظالما يقتدى به.
1953- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد: " لا ينال عهدي الظالمين ": قال: لا يكون إماما ظالم.
قال ابن جريج: وأما عطاء فإنه قال: " إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي "، فأبى أن يجعل من ذريته ظالما إماما.
قلت لعطاء: ما عهده؟
قال: أمره.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: أنه لا عهد عليك لظالم أن تطيعه في ظلمه.
* ذكر من قال ذلك: 1954- حدثنا محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: " لا ينال عهدي الظالمين "، يعني: لا عهد لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
1955- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله, عن إسرائيل, عن مسلم الأعور, عن مجاهد, عن ابن عباس: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، ليس للظالمين عهد, وإن عاهدته فانقضه.
1956- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن سفيان, عن هارون بن عنترة, عن أبيه, عن ابن عباس قال، ليس لظالم عهد.
* * * وقال آخرون: معنى " العهد " في هذا الموضع: الأمان.
فتأويل الكلام على معنى قولهم: قال الله لا ينال أماني أعدائي, وأهل الظلم لعبادي.
أي: لا أؤمنهم من عذابي في الآخرة.
* ذكر من قال ذلك: 1957- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " قال لا ينال عهدي الظالمين "، ذلكم عند الله يوم القيامة، لا ينال عهده ظالم, فأما في الدنيا، فقد نالوا عهد الله, فوارثوا به المسلمين وغازوهم وناكحوهم به.
(40) فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه.
1958- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون, فأما في الدنيا فقد ناله الظالم، وأكل به وعاش.
1959- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن, عن إسرائيل, عن منصور, عن إبراهيم: " قال لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمون.
فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وأبصر وعاش.
* * * وقال آخرون: بل " العهد " الذي ذكره الله في هذا الموضع: دين الله.
* ذكر من قال ذلك: 1960- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: قال الله لإبراهيم: " لا ينال عهدي الظالمين " فقال: فعهد الله الذي عهد إلى عباده، دينه.
يقول: لا ينال دينه الظالمين.
ألا ترى أنه قال: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ [سورة الصافات:113]، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
1961- حدثني يحيى بن جعفر قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال، لا ينال عهدي عدو لي يعصيني, ولا أنحلها إلا وليا لي يطيعني.
(41) * * * قال أبو جعفر: وهذا الكلام، وإن كان ظاهره ظاهر خبر = عن أنه لا ينال من ولد إبراهيم صلوات الله عليه عهد الله - الذي هو النبوة والإمامة لأهل الخير, بمعنى الاقتداء به في الدنيا, والعهد الذي بالوفاء به ينجو في الآخرة, من وفى لله به في الدنيا (42) - من كان منهم ظالما متعديا جائرا عن قصد سبيل الحق (43) .
فهو إعلام من الله تعالى ذكره لإبراهيم: أن من ولده من يشرك به, ويجور عن قصد السبيل, ويظلم نفسه وعباده، كالذي:- 1962- حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال، حدثنا عتاب بن بشير, عن خصيف, عن مجاهد في قوله: " لا ينال عهدي الظالمين " قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون (44) * * * وأما نصب " الظالمين ", فلأن العهد هو الذي لا ينال الظالمين.
وذكر أنه في قراءة ابن مسعود: " لا ينال عهدي الظالمون "، بمعنى: أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهد الله.
* * * وإنما جاز الرفع في" الظالمين " والنصب, وكذلك في" العهد "، لأن كل ما نال المرء فقد ناله المرء, كما يقال: " نالني خير فلان، ونلت خيره ", فيوجه الفعل مرة إلى الخير ومرة إلى نفسه.
* * * وقد بينا معنى " الظلم " فيما مضى، فكرهنا إعادته.
(45) ------------ الهوامش : (18) انظر ما سلف في الجزء 2 : 48 ، 49 .
(19) السهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر ، وهي القداح .
ثم سمى ما يفوز به الفالج سهما ، ثم كثر حتى سمى كل نصيب سهما .
وقوله هنا يدل على أنهم استعملوه في كل جزء من شيء يتجزأ وهو جملة واحدة .
فقوله : "سهما" هنا ، أي خصلة وشعبة .
وسيأتي شاهدها في الأخبار الآتية .
(20) سيأتي بيانها في الأثر التالي .
(21) في المطبوعة : "الآيات" ، والصواب ما أثبت .
(22) الخبر 1909- عبد الله بن أحمد بن شبويه : هو عبد الله بن أحمد بن محمد بن ثابت بن مسعود بن يزيد ، أبو عبد الرحمن ، عرف بابن شبويه ، وهو من أئمة الحديث ، كما قال الخطيب .
مترجم في تاريخ بغداد 9 : 371 ، وله ترجمة موجزة في ابن أبي حاتم .
ووقع في المطبوعة هنا"عبيد الله بن أحمد بن شبرمة" .
وهو تحريف وخطأ .
صححناه من التاريخ ، ومما سيأتي في التفسير .
علي بن الحسن بن شقيق بن دينار : ثقة ، من شيوح أحمد ، والبخاري ، وغيرهما .
مترجم في التهذيب ، وفي شرح المسند : 7437 .
وهذا الخبر سيأتي بهذا الإسناد ، في التفسير : 27 : 43 (بولاق) .
وكذلك رواه أبو جعفر بهذا الإسناد ، في التاريخ 1 : 144 .
وذكره ابن كثير 1 : 302 ، ونسبه أيضًا لابن أبي حاتم ، والحاكم .
وذكره السيوطي 1 : 111-112 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وابن مردويه ، وابن عساكر .
وهذا الإسناد صحيح .
(23) الخبر : 1910- وهذا الإسناد صحيح أيضًا .
وهو في تفسير عبد الرزاق (مخطوطة دار الكتب المصورة) ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه أبو جعفر في التاريخ 1 : 144 ، من تفسير عبد الرزاق .
بهذا الإسناد .
وكذلك رواه الحاكم 2 : 266 ، من طريق ابن طاوس عن أبيه ، به .
وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير 1 : 301 .
وكذلك ذكره السيوطي 1 : 111 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في سننه .
(24) الخبر : 1913- مطر : هو ابن طهمان الوراق .
وأبو الجلد : بفتح الجيم وسكون اللام ، سبق بيانه : 434 .
وفي المطبوعة"أبو الخلد" بالخاء المعجمة بدل الجيم ، وهو تصحيف تكرر فيها كثيرا .
البراجم جمع برجمة (بضم الباء وسكون الراء وضم الجيم) : وهي ظهور القصب من مفاصل الأصابع .
(25) الخبر : 1914- ابن هبيرة : هو عبد الله بن هبيرة السبائي المصري ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وغيره ، وخرج له مسلم في الصحيح .
حنش ، بفتحتين وبالشين المعجمة : هو ابن عبد الله السبائي الصنعاني ، من صنعاء دمشق -وهي قرية بالغوطة من دمشق- وهو تابعي ثقة .
وهذا الخبر رواه أيضًا ابن أبي حاتم ، عن يونس بن عبد الأعلى .
عن ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، بهذا الإسناد - كما في ابن كثير 1 : 302 .
وهو إسناد صحيح .
(26) يأتي بيان آيات النسك في الخبرين التاليين .
(27) في المطبوعة : "فذلك كلمة من الكلمات" ، والصواب من ابن كثير 1 : 303 .
(28) في المطبوعة : "محمد بن سعيد" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في الطبري ، وانظر رقم : 305 .
(29) الخبر : 1924- هذا الإسناد ضعيف من ناحيتين .
أما سلم -بفتح السين وسكون اللام- ابن قتيبة أبو قتيبة : فإنه ثقة ، خرج له البخاري في صحيحه .
وأما الضعف ، فلأن"عمر بن نبهان الغبري" بضم الغين المعجمة وفتح الباء الموحدة : ضعيف جدا ، ذمه الإمام أحمد ، وقال ابن معين : ليس بشيء .
وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/1/138 .
والوجه الآخر من الضعف : أنه منقطع ، لأن قتادة لم يدرك ابن عباس .
(30) الخبران : 1928 ، 1929- أبو إسحق : هو السبيعي ، عمرو بن عبد الله الهمداني ، الإمام التابعي الثقة ، التميمي : هو"أربدة" بسكون الراء وكسر الباء الموحدة .
ويقال"أربد" بدون هاء .
وهو تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/64 ، وابن أبي حاتم 1/1/345 ، وقد عرف بأني راوي التفسير عن ابن عباس .
وفي المسند : 2405- في حديث آخر"عن أبي إسحاق ، عن التميمي الذي يحدث التفسير" .
لم يرو عنه غير أبي إسحاق السبيعي .
(31) في المطبوعة : "وأتمهن" بالواو ، والأجود ما أثبت .
(32) الحديث : 1938- إسناده منهار لا تقوم له قائمة .
وقد ضعفه الطبري نفسه ، هو والحديث الذي بعده .
وقال ابن كثير 1 : 304- بعد إشارته إلى ذلك : "وهو كما قال ، فإنه لا يجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما ، وضعفهما من وجود عديدة ، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء ، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه" .
رشدين بن سعد : ضعيف جدا ، وقد فصلنا القول فيه في شرح المسند : 5748 ، و"رشدين" : بكسر الراء وسكون الشين المعجمة وكسر الدال وبعد الياء نون ، ووقع في المطبوعة وفي ابن كثير"راشد" .
وهو تصحيف .
زبان بن فائد المصري الحمراوي : ضعيف أيضًا .
قال أحمد : "أحاديثه مناكير" ، وضعفه ابن معين .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/405 ، وابن أبي حاتم 1/2/616 .
وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 210 مخطوطة مصور عندي) : "منكر الحديث جدا ، يتفرد عن سهل بن معاذ بنسخة كأنها موضوعة" .
و"زبان" : بالزاي المعجمة وتشديد الباء الموحدة .
ووقع في المطبوعة"ريان" بالراء والتحتية ، وهو تصحيف .
سهل بن معاذ بن أنس الجهني : ضعيف أيضًا ، ضعفه ابن معين .
وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 232) : "روى عنه زبان بن فائد ، منكر الحديث جدا .
فلست أدري أوقع التخليط في حديثه منه أو من زبان بن فائد؟
فإن كان من أحدهما فالأخبار التي رواها أحدهما ساقطة" .
وهذا الحديث -على ما فيه من ضعف شديد- رواه أحمد في المسند : 15688 (ج 3 ص 439 حلبي) .
بل إنه روى هذه النسخة ، التي كاد ابن حبان أن يجزم بأنها موضوعة .
(33) الحديث : 1939- ضعفه أيضًا الطبري ووافقه ابن كثير ، كما قلنا في الذي قبله .
الحسن بن عطية بن نجيح الكوفي : ثقة ، روى عنه البخاري في الكبير 2/1/299 ، ولم يذكر فيه جرحا ، وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة ، وقال أبو حاتم : "صدوق" .
وهو مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 1/2/27 .
وهو غير"الحسن بن عطية بن سعد العوفي ، السابق ترجمته في : 305 .
إسرائيل : هو ابن يونس بن إسحاق السبيعي ، وهو ثقة ، مضى في : 1291 .
جعفر بن الزبير الحنفي ، أو الباهلي ، الدمشقي ثم البصري : ضعيف جدا .
مترجم في التهذيب ، وفي الكبير للبخاري 1/2/191 ، وفي الضعفاء له ، ص : 7 ، وقال : "متروك الحديث ، تركوه" ، وفي ابن أبي حاتم 1/1/479 .
وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (ص : 142) : "روى عن القاسم مولى معاوية وغيره ، أشياء كأنها موضوعة" .
وقال أبو حاتم : "روى جعفر بن الزبير ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، نسخة موضوعة ، أكثر من مئة حديث" .
وأما القاسم : فهو ابن عبد الرحمن الشامي ، وكنيته أبو عبد الرحمن ، وقد اختلف فيه ، والراجح أنه ثقة ، وأن ما أنكر عليه إنما جاء من الرواة عنه الضعفاء .
وقد بينا ذلك في شرح المسند : 598 ، وما علقنا به على تهذيب السنن للمنذري : 2376 .
والحديث ذكره السيوطي في الدر المنثور 6 : 129 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، وغيرهم ، وقال : "بسند ضعيف" .
(34) وقد نقل ابن كثير في تفسيره 1 : 304 هذه الفقرة من أول قوله"ولو قال قائل" ثم عقب عليه بقوله : "قلت : والذي قاله أولا : من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر ، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله .
لأن السياق يعطى غير ما قالوه ، والله أعلم" .
لم يأت ابن كثير بشيء ، فإن قول الطبري بين ، وهو قاض بأن الصواب هو القول الأول ، وأن هذا الثاني لو قيل كان مذهبا .
وهذه كلمة تضعيف لا كلمة تقوية .
(35) في المطبوعة : "يعني : وفى بما عهد إليه بالكتاب فأمره به من فرائضه ومحنه فيها" ، وهي عبارة مضطربة لا تستقيم ، وكأن الصواب ما أثبته .
(36) في المطبوعة : "فتقدمهم أنت" ، ليست بشيء .
(37) قوله : "لكان مبينا" ، أي لجاء ما سأل إبراهيم ربه مبينا في الآية .
(38) في المطبوعة : "لما توهم" ، وهي خطأ ، والصواب ما أثبته ، بالبناء للمجهول .
(39) الخبر : 1951- مشرف بن أبان أبو ثابت الحطاب ، شيخ الطبري : ترجم له الخطيب في تاريخ بغداد 13 : 224 ، وذكر أنه يروي عن ابن عيينة ، وغيره .
مات ببغداد سنة 243 .
ولم أجد له ترجمة ولا ذكرا غير ذلك ، و"مشرف" : بوزن"محمد" ، كما نص على أنه الجادة في المشتبه للذهبي ، ص : 484 ، والتبصير للحافظ ابن حجر (مخطوط مصور) .
ووقع في المطبوعة"مسروق" ، وهو خطأ بين ، وقد مضى في : 1383 باسم"بشر بن أبان الحطاب" .
وهو خطأ أيضًا .
ثم هو سيأتي على الصواب : "مشرف" - في : 2382 .
وأما"الحطاب" ، فهكذا هو الثابت هنا بالحاء المهملة ، وفي تاريخ بغداد"الخطاب" بالمعجمة .
ولم أستطع الترجيح بينهما .
(40) في المطبوعة : "وعادوهم" ، والصواب من الدر المنثور 1 : 118 ، وقوله : "غازوهم" أي كانوا معهم في الغزو وشاركوهم في الغنائم .
(41) الأثر : 1961- يحيى بن جعفر ، هو يحيى بن أبي طالب ، وانظر الأثر رقم : 284 .
(42) سياق هذه الجملة المعترضة : " .
.
لا ينال من ولد إبراهيم عهد الله .
.
.
من كان منهم ظالما .
.
.
" .
(43) وسياق هذه الجملة التي اعترضتها الجملة الطويلة السالفة : "وإن كان ظاهره ظاهر خبر .
.
فهو إعلام من الله .
.
.
" ، وهكذا دأب أبي جعفر رضي الله عنه .
(44) الأثر : 1962- في المطبوعة"عتاب بن بشر" ، وهو خطأ .
هو عتاب بن بشير الجزري أبو الحسن ويقال أبو سهل الحراني (تهذيب التهذيب) والتاريخ الكبير للبخاري 4/1/56 .
(45) انظر ما سلف 1 : 523-524 .
قوله تعالى : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمينفيه ثلاثة وعشرون مسألة الأولى : لما جرى ذكر الكعبة والقبلة اتصل ذلك بذكر إبراهيم عليه السلام ، وأنه الذي بنى البيت ، فكان من حق اليهود - وهم من نسل إبراهيم - ألا يرغبوا عن دينه .
والابتلاء : الامتحان والاختبار ، ومعناه أمر وتعبد .
وإبراهيم تفسيره بالسريانية فيما ذكر الماوردي ، وبالعربية فيما ذكر ابن عطية : أب رحيم .
قال السهيلي : وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي أو يقاربه في اللفظ ، ألا ترى أن إبراهيم تفسيره أب راحم ، لرحمته بالأطفال ، ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لأطفال المؤمنين يموتون صغارا إلى يوم القيامة .قلت : ومما يدل على هذا ما خرجه البخاري من حديث الرؤيا الطويل عن سمرة ، وفيه : [ ص: 93 ] أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في الروضة إبراهيم عليه السلام وحوله أولاد الناس .
وقد أتينا عليه في كتاب التذكرة ، والحمد لله .وإبراهيم هو ابن تارخ بن ناخور في قول بعض المؤرخين .
وفي التنزيل : وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر وكذلك في صحيح البخاري ، ولا تناقض في ذلك ، على ما يأتي في " الأنعام " بيانه إن شاء الله تعالى .
وكان له أربع بنين : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدائن على ما ذكره السهيلي .
وقدم على الفاعل للاهتمام ، إذ كون الرب تبارك وتعالى مبتليا معلوم ، وكون الضمير المفعول في العربية متصلا بالفاعل موجب تقديم المفعول ، فإنما بني الكلام على هذا الاهتمام ، فاعلمه .
وقراءة العامة إبراهيم بالنصب ، ربه بالرفع على ما ذكرنا .
وروي عن جابر بن زيد أنه قرأ على العكس ، وزعم أن ابن عباس أقرأه كذلك .
والمعنى دعا إبراهيم ربه وسأل ، وفيه بعد ، لأجل الباء في قوله : بكلمات .الثانية : بكلمات الكلمات جمع كلمة ، ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري تعالى ، لكنه عبر عنها عن الوظائف التي كلفها إبراهيم عليه السلام ، ولما كان تكليفها بالكلام سميت به ، كما سمي عيسى كلمة ; لأنه صدر عن كلمة وهي كن .
وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز ، قاله ابن العربي .الثالثة : واختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال : أحدها : شرائع الإسلام ، وهي ثلاثون سهما ، عشرة منها في سورة براءة : التائبون العابدون إلى آخرها ، وعشرة في الأحزاب : إن المسلمين والمسلمات إلى آخرها ، وعشرة في المؤمنون : قد أفلح المؤمنون إلى قوله : على صلواتهم يحافظون وقوله في سأل سائل : إلا المصلين إلى قوله : والذين هم على صلاتهم يحافظون .
قال ابن عباس رضي الله [ ص: 94 ] عنهما : ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام ، ابتلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال : وإبراهيم الذي وفى .
وقال بعضهم : بالأمر والنهي ، وقال بعضهم : بذبح ابنه ، وقال بعضهم : بأداء الرسالة ، والمعنى متقارب .
وقال مجاهد : هي قوله تعالى : إني مبتليك بأمر ، قال : تجعلني للناس إماما ؟
قال نعم .
قال : ومن ذريتي ؟
قال : لا ينال عهدي الظالمين ، قال : تجعل البيت مثابة للناس ؟
قال نعم .
قال : وأمنا ؟
قال نعم .
قال : وترينا مناسكنا وتتوب علينا ؟
قال نعم .
قال : وترزق أهله من الثمرات ؟
قال نعم .
وعلى هذا القول فالله تعالى هو الذي أتم .
وأصح من هذا ما ذكرهعبد الرزاق عن معمر عن طاوس عن ابن عباس في قوله : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال : ابتلاه الله بالطهارة ، خمس في الرأس وخمس في الجسد : قص الشارب ، والمضمضة ، والاستنشاق ، والسواك ، وفرق الشعر .
وفي الجسد : تقليم الأظفار ، وحلق العانة ، والاختتان ، ونتف الإبط ، وغسل مكان الغائط والبول بالماء ، وعلى هذا القول فالذي أتم هو إبراهيم ، وهو ظاهر القرآن .
وروى مطرف عن أبي الجلد أنها عشر أيضا ، إلا أنه جعل موضع الفرق غسل البراجم ، وموضع الاستنجاء الاستحداد .
وقال قتادة : هي مناسك الحج خاصة .
الحسن : هي الخلال الست : الكوكب ، والقمر ، والشمس ، والنار ، والهجرة ، والختان .
قال أبو إسحاق الزجاج : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ; لأن هذا كله مما ابتلي به إبراهيم عليه السلام .قلت : وفي الموطأ وغيره عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : إبراهيم عليه السلام أول من اختتن ، وأول من أضاف الضيف ، وأول من استحد ، وأول من قلم الأظفار ، وأول من قص الشارب ، وأول من شاب ، فلما رأى الشيب قال : ما هذا ؟
قال : وقار ، قال : يا رب زدني وقارا .
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن سعيد بن إبراهيم عن أبيه [ ص: 95 ] قال : أول من خطب على المنابر إبراهيم خليل الله .
قال غيره : وأول من ثرد الثريد ، وأول من ضرب بالسيف ، وأول من استاك ، وأول من استنجى بالماء ، وأول من لبس السراويل .
وروى معاذ بن جبل قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم .قلت : وهذه أحكام يجب بيانها والوقف عليها والكلام فيها ، فأول ذلك " الختان " وما جاء فيه ، وهي المسألة :الرابعة : أجمع العلماء على أن إبراهيم عليه السلام أول من اختتن .
واختلف في السن لي اختتن فيها ، ففي الموطأ عن أبي هريرة موقوفا : وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة .
ومثل هذا لا يكون رأيا ، وقد رواه الأوزاعي مرفوعا عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن مائة وعشرين سنة ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة .
ذكره أبو عمر .
وروي مسندا مرفوعا من غير رواية يحيى من وجوه : أنه اختتن حين بلغ ثمانين سنة واختتن بالقدوم .
كذا في صحيح مسلم وغيره " ابن ثمانين سنة " ، وهو المحفوظ في حديث ابن عجلان وحديث الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال عكرمة : اختتن إبراهيم وهو ابن ثمانين سنة .
قال : ولم يطف بالبيت بعد على ملة إبراهيم إلا مختون ، هكذا قال عكرمة وقال المسيب بن رافع ، ذكره المروزي .
و " القدوم " يروى مشددا ومخففا .
قال أبو الزناد : القدوم ( مشددا ) : موضع .الخامسة : واختلف العلماء في الختان ، فجمهورهم على أن ذلك من مؤكدات السنن ومن فطرة الإسلام التي لا يسع تركها في الرجال .
وقالت طائفة : ذلك فرض ، لقوله تعالى : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا .
قال قتادة : هو الاختتان ، وإليه مال بعض المالكيين ، وهو قول الشافعي .
واستدل ابن سريج على وجوبه بالإجماع على تحريم النظر إلى العورة ، [ ص: 96 ] وقال : لولا أن الختان فرض لما أبيح النظر إليها من المختون .
وأجيب عن هذا بأن مثل هذا يباح لمصلحة الجسم كنظر الطبيب ، والطب ليس بواجب إجماعا ، على ما يأتي في " النحل " بيانه إن شاء الله تعالى .
وقد احتج بعض أصحابنا بما رواه الحجاج بن أرطأة عن أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الختان سنة للرجال مكرمة للنساء .
والحجاج ليس ممن يحتج به .قلت : أعلى ما يحتج به في هذا الباب حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الفطرة خمس الاختتان .
.
.
) الحديث ، وسيأتي .
وروى أبو داود عن أم عطية أن امرأة كانت تختن النساء بالمدينة ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : لا تنهكي فإن ذلك أحظى للمرأة وأحب للبعل .
قال أبو داود : وهذا الحديث ضعيف راويه مجهول .
وفي رواية ذكرها رزين : ولا تنهكي فإنه أنور للوجه وأحظى عند الرجل .السادسة : فإن ولد الصبي مختونا فقد كفي مؤنة الختان .
قال الميموني قال لي أحمد : إن ها هنا رجلا ولد له ولد مختون ، فاغتم لذلك غما شديدا ، فقلت له : إذا كان الله قد كفاك المؤنة فما غمك بهذا .[ ص: 97 ] السابعة : قال أبو الفرج الجوزي حدثت عن كعب الأحبار قال : خلق من الأنبياء ثلاثة عشر مختونين : آدم وشيث وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وشعيب وسليمان ويحيى وعيسى والنبي صلى الله عليه وسلم .
وقال محمد بن حبيب الهاشمي : هم أربعة عشر : آدم وشيث ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب ويوسف وموسى وسليمان وزكريا وعيسى وحنظلة بن صفوان ( نبي أصحاب الرس ) ومحمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين .قلت : اختلفت الروايات في النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر أبو نعيم الحافظ في " كتاب الحلية " بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا .
وأسند أبو عمر في التمهيد حدثنا أحمد بن محمد بن أحمد حدثنا محمد بن عيسى حدثنا يحيى بن أيوب بن بادي العلاف حدثنا محمد بن أبي السري العسقلاني حدثنا الوليد بن مسلم عن شعيب عن عطاء الخراساني عن عكرمة عن ابن عباس : أن عبد المطلب ختن النبي صلى الله عليه وسلم يوم سابعه ، وجعل له مأدبة وسماه " محمدا " .
قال أبو عمر : هذا حديث مسند غريب .
قال يحيى بن أيوب : طلبت هذا الحديث فلم أجده عند أحد من أهل الحديث ممن لقيته إلا عند ابن أبي السري .
قال أبو عمر : وقد قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم ولد مختونا .الثامنة : واختلفوا متى يختن الصبي ، فثبت في الأخبار عن جماعة من العلماء أنهم قالوا : ختن إبراهيم إسماعيل لثلاث عشرة سنة .
وختن ابنه إسحاق لسبعة أيام .
وروي عن فاطمة أنها كانت تختن ولدها يوم السابع ، وأنكر ذلك مالك وقال ذلك من عمل اليهود .
ذكره عنه ابن وهب .
وقال الليث بن سعد : يختن الصبي ما بين سبع سنين إلى عشر .
ونحوه روى ابن وهب عن مالك .
وقال أحمد : لم أسمع في ذلك شيئا .
وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس : مثل من أنت حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
قال : أنا يومئذ مختون .
قال : وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أو يقارب الاحتلام .[ ص: 98 ] واستحب العلماء في الرجل الكبير يسلم أن يختن ، وكان عطاء يقول : لا يتم إسلامه حتى يختتن وإن بلغ ثمانين سنة .
وروي عن الحسن أنه كان يرخص للشيخ الذي يسلم ألا يختتن ، ولا يرى به بأسا ولا بشهادته وذبيحته وحجه وصلاته ، قال ابن عبد البر : وعامة أهل العلم على هذا .
وحديث بريدة في حج الأغلف لا يثبت .
وروي عن ابن عباس وجابر بن زيد وعكرمة : أن الأغلف لا تؤكل ذبيحته ولا تجوز شهادته .التاسعة : [ وأول من استحد ] فالاستحداد استعمال الحديد في حلق العانة .
وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى ولي عانته بيده .
وروى ابن عباس أن رجلا طلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ إلى عانته قال له : اخرج عني ، ثم طلى عانته بيده .
وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور ، وكان إذا كثر الشعر على عانته حلقه .
قال ابن خويز منداد : وهذا يدل على أن الأكثر من فعله كان الحلق وإنما تنور نادرا ، ليصح الجمع بين الحديثين .العاشرة : في تقليم الأظفار .
وتقليم الأظفار : قصها ، والقلامة ما يزال منها .
وقال مالك : أحب للنساء من قص الأظفار وحلق العانة مثل ما هو على الرجال .
ذكره الحارث بن مسكين وسحنون عن ابن القاسم .
وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " له ( الأصل التاسع والعشرون ) : حدثنا عمر بن أبي عمر قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي عن عمر بن بلال الفزاري قال : سمعت عبد الله بن بشر المازني يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قصوا أظافيركم وادفنوا قلاماتكم ونقوا براجمكم ونظفوا لثاتكم من الطعام وتسننوا ولا تدخلوا علي قخرا بخرا ثم تكلم عليه فأحسن .
قال الترمذي : فأما قص الأظفار فمن أجل أنه يخدش ويخمش ويضر ، وهو مجتمع الوسخ ، فربما أجنب ولا يصل الماء إلى البشرة من أجل الوسخ فلا يزال جنبا .
ومن أجنب فبقي موضع إبرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله ، فلذلك ندبهم إلى قص الأظفار .
والأظافير جمع الأظفور ، والأظفار جمع الظفر .
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سها في صلاته فقال : وما لي لا أوهم ورفغ أحدكم بين ظفره وأنملته ويسألني أحدكم عن خبر السماء وفي أظافيره الجنابة والتفث .
وذكر هذا الخبر أبو الحسن علي بن محمد الطبري المعروف بإلكيا في " أحكام القرآن " له ، عن سليمان بن فرج أبي واصل قال : أتيت أبا أيوب رضي الله عنه فصافحته ، فرأى [ ص: 99 ] في أظفاري طولا فقال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن خبر السماء فقال : يجيء أحدكم يسأل عن خبر السماء وأظفاره كأظفار الطير حتى يجتمع فيها الوسخ والتفث .وأما قوله : ادفنوا قلاماتكم فإن جسد المؤمن ذو حرمة ، فما سقط منه وزال عنه فحفظه من الحرمة قائم ، فيحق عليه أن يدفنه ، كما أنه لو مات دفن ، فإذا مات بعضه فكذلك أيضا تقام حرمته بدفنه ، كي لا يتفرق ولا يقع في النار أو في مزابل قذرة .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدفن دمه حيث احتجم كي لا تبحث عنه الكلاب .
حدثنا بذلك أبي رحمه الله تعالى قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا الهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن بن ماعز قال : سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير يقول إن أباه حدثه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحتجم ، فلما فرغ قال : يا عبد الله اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد .
فلما برز عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمد إلى الدم فشربه ، فلما رجع قال : يا عبد الله ما صنعت به ؟
.
قال : جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافيا عن الناس .
قال : لعلك شربته ؟
قال نعم .
قال : لم شربت الدم ، وويل للناس منك وويل لك من الناس .
حدثني أبي قال : حدثنا مالك بن سليمان الهروي قال : حدثنا داود بن عبد الرحمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بدفن سبعة أشياء من الإنسان : الشعر ، والظفر ، والدم ، والحيضة ، والسن ، والقلفة ، والبشيمة .وأما قوله : نقوا براجمكم فالبراجم تلك الغضون من المفاصل ، وهي مجتمع الدرن ( واحدها برجمة ) وهو ظهر عقدة كل مفصل ، فظهر العقدة يسمى برجمة ، وما بين العقدتين تسمى راجبة ، وجمعها رواجب ، وذلك مما يلي ظهرها ، وهي قصبة الأصبع ، فلكل أصبع برجمتان وثلاث رواجب إلا الإبهام فإن لها برجمة وراجبتين ، فأمر بتنقيته لئلا يدرن فتبقى فيه الجنابة ، ويحول الدرن بين الماء والبشرة .وأما قوله : نظفوا لثاتكم فاللثة واحدة ، واللثات جماعة ، وهي اللحمة فوق الأسنان ودون الأسنان ، وهي منابتها .
والعمور : اللحمة القليلة بين السنين ، واحدها عمر .
فأمر بتنظيفها لئلا يبقى فيها ويضر الطعام فتتغير عليه النكهة وتتنكر الرائحة ، ويتأذى الملكان ; لأنه طريق القرآن ، ومقعد الملكين عند نابيه .
وروي في الخبر في قوله تعالى : ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد [ ص: 100 ] قال : عند نابيه .
حدثنا بذلك محمد بن علي الشقيقي قال : سمعت أبي يذكر ذلك عن سفيان بن عيينة وجاد ما قال ، وذلك أن اللفظ هو عمل الشفتين يلفظ الكلام عن لسانه إلى البراز .
وقوله : لديه أي عنده ، والدى والعند في لغتهم السائرة بمعنى واحد ، وكذلك قولهم " لدن " فالنون زائدة .
فكأن الآية تنبئ أن الرقيب عتيد عند مغلظ الكلام وهو الناب .وأما قوله : تسننوا وهو السواك مأخوذ من السن ، أي نظفوا السن .وقوله : لا تدخلوا علي قخرا بخرا فالمحفوظ عندي ( قحلا وقلحا ) .
وسمعت الجارود يذكر عن النضر قال : الأقلح الذي قد اصفرت أسنانه حتى بخرت من باطنها ، ولا أعرف القخر .
والبخر : الذي تجد له رائحة منكرة لبشرته ، يقال : رجل أبخر ، ورجال بخر .
حدثنا الجارود قال : حدثنا جرير عن منصور عن أبي علي عن أبي جعفر بن تمام بن العباس عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : استاكوا ، ما لكم تدخلون علي قلحا .الحادية عشرة : في قص الشارب .
وهو الأخذ منه حتى يبدو طرف الشفة وهو الإطار ، ولا يجزه فيمثل نفسه ، قاله مالك .
وذكر ابن عبد الحكم عنه قال : وأرى أن يؤدب من حلق شاربه .
وذكر أشهب عنه أنه قال في حلق الشارب : هذه بدع ، وأرى أن يوجع ضربا من فعله .
وقال ابن خويز منداد قال مالك : أرى أن يوجع من حلقه ضربا .
كأنه يراه ممثلا بنفسه ، وكذلك بنتفه الشعر ، وتقصيره عنده أولى من حلقه .
وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ذا لمة ، وكان أصحابه من بين وافر الشعر أو مقصر ، وإنما حلق وحلقوا في النسك .
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقص أظافره وشاربه قبل أن يخرج إلى الجمعة .
وقال الطحاوي : لم نجد عن الشافعي في هذا شيئا منصوصا ، وأصحابه الذين رأيناهم : المزني والربيع كانا [ ص: 101 ] يحفيان شواربهما ، ويدل ذلك أنهما أخذا ذلك عن الشافعي رحمه الله تعالى .
قال : وأما أبو حنيفة وزفر وأبو يوسف ومحمد فكان مذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير .
وذكر ابن خويز منداد عن الشافعي أن مذهبه في حلق الشارب كمذهب أبي حنيفة سواء .
وقال أبو بكر الأثرم : رأيت أحمد بن حنبل يحفي شاربه شديدا ، وسمعته سئل عن السنة في إحفاء الشارب فقال : يحفى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : أحفوا الشوارب .
قال أبو عمر : إنما في هذا الباب أصلان : أحدهما : أحفوا ، وهو لفظ محتمل التأويل .
والثاني : قص الشارب ، وهو مفسر ، والمفسر يقضي على المجمل ، وهو عمل أهل المدينة ، وهو أولى ما قيل به في هذا الباب .
روى الترمذي عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من شاربه ويقول : إن إبراهيم خليل الرحمن كان يفعله .
قال : هذا حديث حسن غريب .
وخرج مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الفطرة خمس الاختتان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط .
وفيه عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خالفوا المشركين أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى .
والأعاجم يقصون لحاهم ، ويوفرون شواربهم أو يوفرونهما معا ، وذلك عكس الجمال والنظافة .
ذكر رزين عن نافع أن ابن عمر كان يحفي شاربه حتى ينظر إلى الجلد ، ويأخذ هذين ، يعني ما بين الشارب واللحية .
وفي البخاري : وكان ابن عمر يأخذ من طول لحيته ما زاد على القبضة إذا حج أو اعتمر .
وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها .
قال : هذا حديث غريب .الثانية عشرة : وأما الإبط فسنته النتف ، كما أن سنة العانة الحلق ، فلو عكس جاز لحصول النظافة ، والأول أولى ; لأنه المتيسر المعتاد .[ ص: 102 ] الثالثة عشرة : وفرق الشعر : تفريقه في المفرق ، وفي صفته صلى الله عليه وسلم : إن انفرقت عقيصته فرق ، يقال : فرقت الشعر أفرقه فرقا ، يقال : إن انفرق شعر رأسه فرقه في مفرقه ، فإن لم ينفرق تركه وفرة واحدة .
خرج النسائي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسدل شعره ، وكان المشركون يفرقون شعورهم ، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ، ثم فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ، أخرجه البخاري ومسلم عن أنس .
قال القاضي عياض : سدل الشعر إرساله ، والمراد به ها هنا عند العلماء إرساله على الجبين ، واتخاذه كالقصة ، والفرق في الشعر سنة ; لأنه الذي رجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم .وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسا يجزون ناصية كل من لم يفرق شعره .
وقد قيل : إن الفرق كان من سنة إبراهيم عليه السلام ، فالله أعلم .الرابعة عشرة : وأما الشيب فنور ويكره نتفه ، ففي النسائي وأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تنتفوا الشيب ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورا يوم القيامة وكتب الله له حسنة وحط عنه خطيئة .قلت : وكما يكره نتفه كذلك يكره تغييره بالسواد ، فأما تغييره بغير السواد فجائز ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حق أبي قحافة - وقد جيء به ولحيته كالثغامة بياضا - : غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد .
ولقد أحسن من قال :يسود أعلاها ويبيض أصلها ولا خير في الأعلى إذا فسد الأصلوقال الآخر :يا خاضب الشيب بالحناء تستره سل المليك له سترا من النار[ ص: 103 ] الخامسة عشرة : وأما الثريد فهو أزكى الطعام وأكثره بركة ، وهو طعام العرب ، وقد شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل على سائر الطعام فقال : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام .
وفي صحيح البستي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت إذا ثردت غطته شيئا حتى يذهب فوره وتقول : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إنه أعظم للبركة .السادسة عشرة : قلت : وهذا كله في معنى ما ذكره عبد الرزاق عن ابن عباس ، وما قاله سعيد بن المسيب وغيره .
ويأتي ذكر المضمضة والاستنشاق والسواك في سورة " النساء " وحكم الاستنجاء في " براءة " وحكم الضيافة في " هود " إن شاء الله تعالى .
وخرج مسلم عن أنس قال : وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة ألا نترك أكثر من أربعين ليلة ، قال علماؤنا : هذا تحديد في أكثر المدة ، والمستحب تفقد ذلك من الجمعة إلى الجمعة ، وهذا الحديث يرويه جعفر بن سليمان .
قال العقيلي : في حديثه نظر .
وقال أبو عمر فيه : ليس بحجة ، لسوء حفظه وكثرة غلطه .
وهذا الحديث ليس بالقوي من جهة النقل ; ولكنه قد قال به قوم ، وأكثرهم على ألا توقيت في ذلك ، وبالله التوفيق .السابعة عشرة : قوله تعالى : قال إني جاعلك للناس إماماالإمام : القدوة ، ومنه قيل لخيط البناء : إمام ، وللطريق : إمام ; لأنه يؤم فيه للمسالك ، أي يقصد .
فالمعنى : جعلناك للناس إماما يأتمون بك في هذه الخصال ، ويقتدي بك الصالحون .
فجعله الله تعالى إماما لأهل طاعته ، فلذلك اجتمعت الأمم على الدعوى فيه - والله أعلم - أنه كان حنيفا .الثامنة عشرة : قال ومن ذريتي دعاء على جهة الرغباء إلى الله تعالى ، أي من ذريتي يا رب فاجعل .
وقيل : هذا منه على جهة الاستفهام عنهم ، أي ومن ذريتي يا رب ماذا يكون ؟
فأخبره الله تعالى أن فيهم عاصيا وظالما لا يستحق الإمامة .
قال ابن عباس : سأل [ ص: 104 ] إبراهيم عليه السلام أن يجعل من ذريته إمام ، فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي فقال : لا ينال عهدي الظالمين .التاسعة عشرة : قوله تعالى : ومن ذريتي أصل ذرية ، فعلية من الذر ; لأن الله تعالى أخرج الخلق من صلب آدم عليه السلام كالذر حين أشهدهم على أنفسهم .
وقيل : هو مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم ذرءا خلقهم ، ومنه الذرية وهي نسل الثقلين ، إلا أن العرب تركت همزها ، والجمع الذراري .
وقرأ زيد بن ثابت " ذرية " بكسر الذال و " ذرية " بفتحها .
قال ابن جني أبو الفتح عثمان : يحتمل أصل هذا الحرف أربعة ألفاظ : أحدها : ذرأ ، والثاني : ذرر ، والثالث : ذرو ، والرابع : ذري ، فأما الهمزة فمن ذرأ الله الخلق ، وأما ذرر فمن لفظ الذر ومعناه ، وذلك لما ورد في الخبر ( أن الخلق كان كالذر ) وأما الواو والياء ، فمن ذروت الحب وذريته يقالان جميعا ، وذلك قوله تعالى : فأصبح هشيما تذروه الرياح وهذا للطفه وخفته ، وتلك حال الذر أيضا .
قال الجوهري : ذرت الريح التراب وغيره تذروه وتذريه ذروا وذريا أي نسفته ، ومنه قولهم : ذرى الناس الحنطة ، وأذريت الشيء إذا ألقيته ، كإلقائك الحب للزرع .
وطعنه فأذراه عن ظهر دابته ، أي ألقاه .
وقال الخليل : إنما سموا ذرية ; لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزارع البذر .
وقيل : أصل ذرية ، ذرورة ، لكن لما كثر التضعيف أبدل من إحدى الراءات ياء ، فصارت ذروية ، ثم أدغمت الواو في الياء فصارت ذرية .
والمراد بالذرية هنا الأبناء خاصة ، وقد تطلق على الآباء والأبناء ، ومنه قوله تعالى : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم يعني آباءهم .الموفية عشرين : قوله تعالى : قال لا ينال عهدي الظالمين اختلف في المراد بالعهد ، فروى أبو صالح عن ابن عباس أنه النبوة ، وقاله السدي .
مجاهد : الإمامة .
قتادة : الإيمان .
عطاء : الرحمة .
الضحاك : دين الله تعالى .
وقيل : عهده أمره .
ويطلق العهد على الأمر ، قال الله تعالى : إن الله عهد إلينا أي أمرنا .
وقال : ألم أعهد إليكم يابني آدم يعني ألم أقدم إليكم الأمر به ، وإذا كان عهد الله هو أوامره فقوله : لا ينال عهدي الظالمين أي لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله ولا يقيمون عليها ، على ما يأتي بيانه بعد هذا آنفا إن شاء الله تعالى .
وروى معمر عن قتادة في قوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين قال : لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين ، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به ، وأكل وعاش [ ص: 105 ] وأبصر .
قال الزجاج : وهذا قول حسن ، أي لا ينال أماني الظالمين ، أي لا أؤمنهم من عذابي .
وقال سعيد بن جبير : الظالم هنا المشرك .
وقرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف لا ينال عهدي الظالمون برفع الظالمون .
الباقون بالنصب .
وأسكن حمزة وحفص وابن محيصن الياء في عهدي ، وفتحها الباقون .الحادية والعشرون : استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك ، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله ، على ما تقدم من القول فيه .
فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل ، لقوله تعالى : لا ينال عهدي الظالمين ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم .
وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج ، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم ، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة .والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه ; لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف ، وإراقة الدماء ، وانطلاق أيدي السفهاء ، وشن الغارات على المسلمين ، والفساد في الأرض .
والأول مذهب طائفة من المعتزلة ، وهو مذهب الخوارج ، فاعلمه .الثانية والعشرون : قال ابن خويز منداد : وكل من كان ظالما لم يكن نبيا ولا خليفة ولا حاكما ولا مفتيا ، ولا إمام صلاة ، ولا يقبل عنه ما يرويه عن صاحب الشريعة ، ولا تقبل شهادته في الأحكام ، غير أنه لا يعزل بفسقه حتى يعزله أهل الحل والعقد .
وما تقدم من أحكامه موافقا للصواب ماض غير منقوض .
وقد نص مالك على هذا في الخوارج والبغاة أن أحكامهم لا تنقض إذا أصابوا بها وجها من الاجتهاد ، ولم يخرقوا الإجماع ، أو يخالفوا النصوص .
وإنما قلنا ذلك لإجماع الصحابة ، وذلك أن الخوارج قد خرجوا في أيامهم ولم ينقل أن الأئمة تتبعوا أحكامهم ، ولا نقضوا شيئا منها ، ولا أعادوا أخذ الزكاة ولا إقامة الحدود التي أخذوا وأقاموا ، فدل على أنهم إذا أصابوا وجه الاجتهاد لم يتعرض لأحكامهم .الثالثة والعشرون : قال ابن خويز منداد : وأما أخذ الأرزاق من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال : إن كان جميع ما في أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه ، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره .
وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما في أيدي الأمراء اليوم فالورع تركه ، ويجوز للمحتاج أخذه ، وهو كلص في يده مال مسروق ، ومال جيد حلال وقد وكله فيه رجل فجاء اللص يتصدق به على إنسان فيجوز أن تؤخذ منه الصدقة ، وإن كان قد [ ص: 106 ] يجوز أن يكون اللص يتصدق ببعض ما سرق ، إذا لم يكن شيء معروف بنهب ، وكذلك لو باع أو اشترى كان العقد صحيحا لازما - وإن كان الورع التنزه عنه - وذلك أن الأموال لا تحرم بأعيانها وإنما تحرم لجهاتها .
وإن كان ما في أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم .
ولو كان ما في أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب ، فهو كما لو وجد في أيدي اللصوص وقطاع الطريق ، ويجعل في بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد ، فإذا لم يعرف صرفه الإمام في مصالح المسلمين .
يخبر تعالى, عن عبده وخليله, إبراهيم عليه السلام, المتفق على إمامته وجلالته, الذي كُلٌّ من طوائف أهل الكتاب تدعيه, بل وكذلك المشركون: أن الله ابتلاه وامتحنه بكلمات, أي: بأوامر ونواهٍ, كما هي عادة الله في ابتلائه لعباده, ليتبين الكاذب الذي لا يثبت عند الابتلاء, والامتحان من الصادق, الذي ترتفع درجته, ويزيد قدره, ويزكو عمله, ويخلص ذهبه، وكان من أجلِّهم في هذا المقام, الخليل عليه السلام.
فأتم ما ابتلاه الله به, وأكمله ووفاه, فشكر الله له ذلك, ولم يزل الله شكورا فقال: { إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } أي: يقتدون بك في الهدى, ويمشون خلفك إلى سعادتهم الأبدية, ويحصل لك الثناء الدائم, والأجر الجزيل, والتعظيم من كل أحد.
وهذه - لعمر الله - أفضل درجة, تنافس فيها المتنافسون, وأعلى مقام, شمر إليه العاملون, وأكمل حالة حصلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم, من كل صديق متبع لهم, داع إلى الله وإلى سبيله.
فلما اغتبط إبراهيم بهذا المقام, وأدرك هذا, طلب ذلك لذريته, لتعلو درجته ودرجة ذريته، وهذا أيضا من إمامته, ونصحه لعباد الله, ومحبته أن يكثر فيهم المرشدون، فلله عظمة هذه الهمم العالية, والمقامات السامية.
فأجابه الرحيم اللطيف, وأخبر بالمانع من نيل هذا المقام فقال: { لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } أي: لا ينال الإمامة في الدين, من ظلم نفسه وضرها, وحط قدرها, لمنافاة الظلم لهذا المقام, فإنه مقام آلته الصبر واليقين، ونتيجته أن يكون صاحبه على جانب عظيم من الإيمان والأعمال الصالحة, والأخلاق الجميلة, والشمائل السديدة, والمحبة التامة, والخشية والإنابة، فأين الظلم وهذا المقام؟
ودل مفهوم الآية, أن غير الظالم, سينال الإمامة, ولكن مع إتيانه بأسبابها.
قوله تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن} قرأ ابن عامر (إبراهام) بالألف في أكثر المواضع وهو اسم أعجمي ولذلك لا يجر وهو إبراهيم بن تارخ بن ناخور وكان مولده بالسوس من أرض الأهواز وقيل بابل وقيل: كوفي، وقيل:لشكر، وقيل حران، وكان أبوه نقله إلى أرض بابل أرض نمرود بن كنعان.
ومعنى الابتلاء: الاختبار والامتحان والأمر، وابتلاء الله العباد ليس ليعلم أحوالهم بالابتلاء، لأنه عالم بهم، ولكن ليعلم العباد أحوالهم حتى يعرف بعضهم بعضاً.
واختلفوا في الكلمات التي ابتلى الله بها إبراهيم عليه السلام؛ فقال عكرمة وابن عباس رضي الله عنهما: "هي ثلاثون سماهن شرائع الإسلام، ولم يبتل بها أحد فأقامها كلها إلا إبراهيم فكتب له البراءة، فقال تعال: {وإبراهيم الذي وفى} [37-النجم]، عشر في براءة {التائبون العابدون} إلى آخرها، وعشر في الأحزاب {إن المسلمين والمسلمات}، وعشر في سورة المؤمنين في قوله: {قد أفلح المؤمنو}" الآيات، وقوله {إلا المصلين} في سأل سائل".
وقال طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ابتلاه الله بعشرة أشياء وهي: الفطرة خمس في الرأس: قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس، وخمس في الجسد: تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء بالماء".
وفي الخبر: ((أن إبراهيم عليه السلام أول من قص الشارب، وأول من اختتن، وأول من قلم الأظافر، وأول من رأى الشيب فلما رآه قال: يا رب ما هذا؟
قال [سمة]: الوقار، قال: يارب زدني وقاراً)).
قال مجاهد: "هي الآيات التي بعدها في قوله عز وجل {إني جاعلك للناس إماماً} [124-البقرة] إلى آخر القصة.
وقال الربيع وقتادة: "مناسك الحج"، وقال الحسن: "ابتلاه الله بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس، فأحسن فيها النظر وعلم أن ربه دائم لا يزول، وبالنار فصبر عليها، وبالهجرة وبذبح ابنه وبالختان فصبر عليها".
قال سعيد بن جبير: "هو قول إبراهيم وإسماعيل إذ يرفعان البيت {ربنا تقبل منا}[(127-البقرة] الآية فرفعاها بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"، قال يمان بن رباب: "هن محاجة قومه قال الله تعالى: {وحاجه قومه} إلى قوله تعالى: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} [83-الأنعام].
وقيل هي قوله: {الذي خلقني فهو يهدين} [78-الشعراء] إلى آخر الآيات.
{فأتمهن} قال قتادة : "أداهن"، قال الضحاك: "قام بهن"، وقال نعمان: "عمل بهن".
قال الله تعالى: {قال إني جاعلك للناس إماماً} يقتدى بك في الخير.
{قال} إبراهيم.
{ومن ذريتي} أي ومن أولادي أيضاً فاجعل منهم أئمة يقتدى بهم في الخير.
{قال} الله تعالى.
{لا ينال} لا يصيب.
{عهدي الظالمين} قرأ حمزة وحفص بإسكان الياء والباقون بفتحها أي من كان منهم ظالماً لا يصيبه.
قال عطاء بن أبي رباح: "عهدي رحمتي"، وقال السدي : "نبوتي"، وقيل: الإمامة، قال مجاهد: "ليس لظالم أن يطاع في ظلمه".
ومعنى الآية: لا ينال ما عهدت إليك من النبوة والإمامة من كان ظالماً من ولدك، وقيل: أراد بالعهد الأمان من النار، وبالظالم المشرك كقوله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن} [82-الأنعام].
«و» اذكر «إذا ابتلى» اختبر «إبراهيم» وفي قراءة إبراهام.
«ربُّه بكلمات» بأوامر ونواه كلَّفه بها، قيل هي مناسك الحج، وقيل المضمضة والاستنشاق والسواك وقص الشارب وفرق الرأس وقلم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء «فأتمهن» أداهن تامات «قال» تعالى له «إني جاعلك للناس إماما» قدوة في الدين «قال ومن ذرِّيتي» أولادي اجعل أئمة «قال لا ينال عهدي» بالإمامة «الظالمين» الكافرين منهم دل على أنه ينال غير الظالم.
واذكر-أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف، فأدَّاها وقام بها خير قيام.
قال الله له: إني جاعلك قدوة للناس.
قال إبراهيم: ربِّ اجعل بعض نسلي أئمة فضلا منك، فأجابه الله سبحانه أنه لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين.
الابتلاء : الاختبار .
أي .
اختبره ربه - تعالى - بما كلفه به من الأوامر والنواهي ، ومعنى اختبار الله - تعالى - لعبده ، أن يعامله معاملة المختبر مجازاً ، إذ حقيقة الاختيار محالة عليه - تعالى - لعلمه المحيط بالأشياء والله - تعالى - تارة يختبر عباده بالضراء ليصبروا .
وتارة بالسراء ليشكروا وفي كلتا الحالتين تبدو النفس البشرية على حقيقتها .وفي إسناد الابتلاء إلى الرب إشعار للتالي أو للسامع بأنه ابتلاه بما ابتلاه به تربية له ، وتقوية لعزمه ، حتى يستطيع النهوض بعظائم الأمور .وقد اختلف المفسرون في تعيين المراد بالكلمات التي اختبر الله بها نبيه إبراهيم - عليه السلام - على أقوال كثيرة .قال ابن جرير : " ولا يجوز الجزم بشيء مما ذ كروه منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع .
قال : ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا نبقل الجماعة الذي يجب التسليم له ، ولعل أرجح الآراء في المراد بهذه الكلمات ، أنها الأوامر التي كلفه الله بها ، فأتى بها على أتم وجه " .وقوله : ( فَأَتَمَّهُنَّ ) أي أتى بهن على الوجه الأكمل ، وأداهن أداء تاماً يليق به - عليه السلام - ولذا مدحه الله بقوله : ( وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى ) وجيء بالفاء في ( فَأَتَمَّهُنَّ ) للدلالة على الفور والامتثال .
وذلك من شدة العزم ، وقوة اليقين .وفي إجمال القرآن لتلك الكلمات التي امتحن الله بها إبراهيم ، وفي وصفه له بأنه أتمهن ، إشعار بأنها من الأعمال التي لا ينهض بها إلا ذو عزم قوي يتلقى أوامر ربه بحسن الطاعة وسرعة الامتثال .وقدم المفعول وهو لفظ إبراهيم؛ لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم الرب إلى اسمه مع مراعاة الإِيجاز ، فلذلك لم يقل وإذ ابتلى الله إبراهيم .وجملة ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) مستأنفة لبيان ما من الله به على إبراهيم من الكرامة ورفعة المقام ، بعد أن ذكر - سبحانه - أنه عامله معاملة المختبر له ، إذ كلفه بأمور شاقه فأحسن القيام بها .جاعلك : من جعل يعني صير .
والإِمام : القدوة الذي يؤتم به في أقواله وأفعاله .
والمراد بالإِمامة هنا : الرسالة والنبوة ، فإنهما أكمل أنواع الإِمامة ، والرسول أكمل أفراد هذا النوع ، وقد كان إبراهيم - عليه السلام - رسولا يقتدي به الناس في أصول الدين ومكارم الأخلاق .وقال : ( قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماًْ ) ولم يقل : " إني جاعلك للناس رسولا ، ليكون ذلك دالا على أن رسالته تنفع الأمة المرسل إليها بطريق التبليغ ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء ، فإن إبراهيم - عليه السلام - قد رحل إلى آفاق كثيرة ، فانتقل من بلاد الكلدان إلى العراق ، وإلى الشام ، وإلى الحجاز ، وإلى مصر وكان في جميع منازلة أسوة حسنة لغيره .وقد مدح القرآن إبراهيم في كثير من آياته ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) وجملة ( قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ) واقعة موقع الجواب عما من شأنه أن يخطر في نفس السامع ، فكأنه قال : وماذا كان من إبراهيم عندما تلقى من ربه تلك البشارة العظمى؟
فكان الجواب أن إبراهيم قد التمس الإِمامة لبعض ذريته أيضاً .أي : قال إبراهيم : واجعل يا رب من ذريتي أئمة يقتدي بهم .وقد رد الله - تعالى - على قول إبراهيم بقولك ( قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ) .وإنما قال إبراهيم ومن ذريتي ولم يقل وذريتي ، لأنه يعلم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يقتدى بهم فلم يسأل ما هو غير مألوف عادة ، لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء .أي : قال الله لإبراهيم : قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك لكن لا يصيب عهدي الذي عهدته إليك بالإِمامة الذين ظلموا منهم ، فالعهد هنا بمعنى الإِمامة المشار إليها في قوله : ( جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) .وفي هذه الجملة الكريمة إيجاز بديع ، إذ المراد منها إجابة طلب إبراهيم من الإِنعام على بعض ذريته بالإِمامة كما قال - تعالى - :( وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النبوة والكتاب ) ولكنها تدل صراحة على أن الظالمين من ذريته ليسوا أهلا لأن يكونوا أئمة يقتدي بهم ، وتشير إلى أن غير الظالمين منه قد تنالهم النبوة ، وقد نالت من ذريته إسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وغيرهم من الأنبياء .قال - تعالى - : ( وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وعلى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ ) ثم تحدث القرآن بعد ذلك عن مكانة البيت الحرام ، وعن قصة بنائه ، وعن الدعوات الخاشعات التي كان إبراهيم يتضرع بها إلى الله عند رفعه البيت فقال :( وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ .
.
.
)
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ شرع سبحانه هاهنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته.
وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضاً مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه.
وثانيها: أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل.
وثالثها: أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك.
ورابعها: أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم.
وخامسها: أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام.
واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف.
أما التكليف فقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: العامل في ﴿ إِذَا ﴾ إما مضمر نحو: واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما ﴿ قَالَ إِنّى جاعلك ﴾ .
المسألة الثانية: أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد، وقال هشام ابن الحكم: إنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، قال: إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين ﴾ وقال: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وقال في هذه السورة بعد ذلك: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع ﴾ وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ وكلمة ﴿ لَعَلَّ ﴾ للترجي وقال: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها، أما العقل فدل على وجوه: أحدها: أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة: أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا: إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة.
وثانيها: أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر، ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات، لكان له تعالى علوم غير متناهية، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه، فالناقص متناه، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال، فإن قيل: الموجود هو العلم، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان، قلنا: العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال.
وثالثها: أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم، فإن علم عددها فهي متناهية، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي.
ورابعها: أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه فهو متناه، فإذن كل معلوم فهو متناه، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً.
وخامسها: أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة، فاستحال كونه متعلق العلم، فإن قيل: يبطل هذا بالمحالات والمركبات دخولها في الوجود، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة، قلنا: هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا، وليس جواباً عن كلامنا، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة، قال هشام: فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها، واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها، والوقوع يدل على الإمكان، وإنما قلنا: أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص، وذلك محال، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلاً وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب.
أما الشبهة الأولى: فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للقدرة، فالتابع لا ينافي المتبوع، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة.
وأما الشبهة الثانية: فالجواب عنها: أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها.
وأما الشبهة الثالثة: فالجواب عنها: أن الله تعالى لا يعلم عددها، ولا يلزم منه إثبات الجهل، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد، لم يلزم من قولنا: أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل.
وأما الشبهة الرابعة: فالجواب عنها: أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.
وأما الشبهة الخامسة: فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه، وإذا انتقضت الشبهة سقطت، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض، وبالله التوفيق.
المسألة الثالثة: اعلم أن الضمير لابد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى، وإما أن يكون بالعكس منه.
أما القسم الأول: وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز، وقال ابن جني بجوازه، واحتج عليه بالشعر والمعقول، أما الشعر فقوله: جزى ربه عني عدي بن حاتم *** جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز.
القسم الثاني: وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى، وهذا لا نزاع في صحته، كقولك: ضرب زيد غلامه.
القسم الثالث: أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك: ضرب غلامه زيد، فهاهنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير، فيصير كأنك قلت: زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً.
القسم الرابع: أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ ﴾ فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب، فيصير التقدير: وإذ ابتلى ربه إبراهيم، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في اللفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً.
المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: (إبراهام) بألف بين الهاء والميم، والباقون (إبراهيم) وهما لغتان، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه (إبراهيم ربه) برفع إبراهيم ونصب ربه، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا.
المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟
فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الأشياء أمور شاقة، أما الإمامة فلأن المراد منها هاهنا هو النبوة، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة، وأن لا يخون في أداء شيء منها، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق، ولهذا قلنا: إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية: تكاليف شاقة شديدة، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل، وقال: إني جاعلك للناس إماماً، بل قال: ﴿ إنى جاعلك ﴾ فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة، واعترض القاضي على هذا القول فقال: هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن، إلا أنه ليس كذلك، بل ذكر قوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ بعد قوله: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا مما لا يعد فيه.
القول الثاني: أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين، أحدهما: بكلمات كلفه الله بهن، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات ﴾ مما شاء كلفه بالأمر بها.
والوجه الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه، أي يبلغهم إياها، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال.
أحدها: قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا، خمس في الرأس وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والإستنشاق وفرق الرأس، وقص الشارب، والسواك، وأما التي في البدن: فالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء بالماء.
وثانيها: قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة: ﴿ التائبون العابدون ﴾ إلى آخر الآية، وعشر منها في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ إلى آخر الآية، وعشر منها في المؤمنون: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هُمُ الوارثون ﴾ وروى عشر في: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس.
وثالثها: أمره بمناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس.
ورابعها: ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس، والقمر، والكواكب، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة، فوفى بالكل فلهذا قال الله تعالى: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ عن الحسن.
وخامسها: أن المراد ما ذكره في قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين ﴾ .
وسادسها: المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم، والضيافة، والصبر عليها، قال القفال رحمه الله: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات، فوجب التوقف والله أعلم.
المسألة السادسة: قال القاضي: هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسبب، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة، وقال آخرون: إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلابد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة، وكذا الختان، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة، ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه الأشياء كان المراد من قوله: ﴿ أتمهن ﴾ أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة.
المسألة السابعة: الضمير المستكن في ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية، من غير تفريط وتوان.
ونحوه: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ وفي الأخرى لله تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينك.
وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل التحقيق: المراد من الإمام هاهنا النبي ويدل عليه وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لابد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له، فحينئذ يبطل العموم.
وثانيها: أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لابد وأن يكون نبياً.
وثالثها: أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم، قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴾ والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به.
قال عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم».
فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل، قال الله تعالى: ﴿ وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد، قال الله تعالى: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ التى يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيء ﴾ وقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ هاهنا عليه، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام هاهنا في معرض الامتنان، فلابد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة.
المسألة الثانية: أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام، وقال الله تعالى في كتابه: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا ﴾ وقال: ﴿ مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ وقال في آخر سورة الحج: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ ﴾ وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
المسألة الثالثة: القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً ﴾ فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة هاهنا النبوة، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه والجميع محال.
أما قوله: ﴿ مِن ذُرّيَّتِى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الذرية: الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وهوأن تكون منسوبة إلى الذر.
المسألة الثانية: قوله؛ ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً.
المسألة الثالثة: قال بعضهم: إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟
فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك وقال آخرون: إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة، فأجابه الله تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم، فإن قيل: هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ أو لم يكن مأذوناً فيه؟
فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه؟
وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً، قلنا: قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحفص عن عاصم: ﴿ عَهْدِي ﴾ بإسكان الياء، والباقون بفتحها، وقرأ بعضهم: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمون ﴾ أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي.
المسألة الثانية: ذكروا في العهد وجوهاً: أحدها: أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا.
وثانيها: ﴿ عَهْدِي ﴾ أي رحمتي عن عطاء.
وثالثها: طاعتي عن الضحاك.
ورابعها: أماني عن أبي عبيد، والقول الأول أولى لأن قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ فقوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة.
المسألة الثالثة: الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل، ولولا ذلك لكان الجواب: لا، أو يقول: لا ينال عهدي ذريتك، فإن قيل: أفما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين، قلنا: بلى، ولكن لم يعلم حال ذريته، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم.
المسألة الرابعة: الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه.
الأول: أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، فقد كانا حال كفرهما ظالمين، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة.
الثاني: أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة.
الثالث: قالوا: كانا مشركين، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم، وقولنا: وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين، فلا يلزم من نفى كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمناً والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلاً قبل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل، وأيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الاسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلاً، وأنه باطل قطعاً فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة؟
والجواب: كل ما ذكرتموه معارض، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، فدل على ما قلناه، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافراً والتائب عن المعصية لا يسمى عاصياً، فكذا القول في نظائره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ ﴾ فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم، وقوله: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ ﴾ معناه: ما أقاموا على الإحسان، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية: النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة.
المسألة الخامسة: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ هل يبطل الإمامة أم لا؟
واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين: الأول: ما بينا أن قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ جواب لقوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ وقوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة، فإن قيل: أليس أن يونس عليه السلام قال: ﴿ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين ﴾ وقال آدم: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام.
الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان ﴾ يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى: ﴿ قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا ﴾ يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله؛ ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق، قال عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته، قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، قال: وهذا خطأ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة، وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء، وضربه فامتنع من ذلك فحبس، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه، قال له الفقهاء: تول له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، ثم قال: وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة: أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة، والصلاة خلفه جائزة، لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً وأن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم.
المسألة السادسة: الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين: الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد: الإمامة.
ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى.
الثاني: قال: ﴿ لاَ يَنَال عَهْدِي الظالمين ﴾ فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة، فكذلك لأن كل نبي لابد وأن يكون إماماً يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم.
المسألة السابعة؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً، ولك معه عهداً، وبين أنك متى تفي بعهدك، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر، أما عهدك فقال فيه: ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا ﴾ وقال: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود ﴾ وقال: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ﴾ ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدم من قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ ثم بين كيفية عهده إلينا فقال: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم وَإِذْ أَخَذ ﴾ ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال: ﴿ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ﴾ ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل ﴾ ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول: العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول: أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهَا لاَعِبِينَ ﴾ ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ ﴾ وقال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته.
وثانيها: أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق: ﴿ وَإِن مِّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية.
وثالثها: أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا ﴾ فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ ﴾ فهو تعالى وفى بعهده، وأنت نقضت عهدك.
ورابعها: أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ ﴾ .
وخامسها: أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء: ﴿ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم: ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل ﴾ [النساء: 37].
وسادسها: أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا هاهنا، واعلم أنا لو اشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ وهذا تخويف شديد لكنا نقول: إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل، فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات ﴾ اختبره بأوامر ونواه.
واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه عن اختيار أحد الأمرين: ما يريد الله، وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.
وقرأ أبو حنيفة رضي الله عنه وهي قراءة ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ إبراهيمُ ربَّه ﴾ رفع إبراهيم ونصب ربه.
والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهنّ أم لا؟
فإن قلت: الفاعل في القراءة المشهورة يلي الفعل في التقدير، فتعليق الضمير به إضمار قبل الذكر.
قلت: الإضمار قبل الذكر أن يقال: ابتلى ربه إبراهيم.
فأما ابتلى إبراهيم ربه أو ابتلى ربه إبراهيم، فليس واحداً منهما بإضمار قبل الذكر.
أما الأوّل فقد ذكر فيه صاحب الضمير قبل الضمير ذكراً ظاهراً.
وأما الثاني فإبراهيم فيه مقدّم في المعنى، وليس كذلك: ابتلى ربه إبراهيم، فإن الضمير فيه قد تقدم لفظاً ومعنى فلا سبيل إلى صحته.
والمستكن ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى: فقام بهنّ حق القيام وأدّاهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان.
ونحو: ﴿ وإبراهيم الذى وفى ﴾ وفى الأخرى لله تعالى بمعنى فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً.
ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ [البقرة: 126] ، ﴿ واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ ، ﴿ وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ .
﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ فإن قلت: ما العامل في إذ؟
قلت: إما مضمر نحو: واذكر إذ ابتلى أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت، وإما ﴿ قَالَ إِنّى جاعلك ﴾ .
فإن قلت: فما موقع قال؟
قلت: هو على الأوّل استئناف، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟
فقيل: قال إني جاعلك للناس إماماً.
وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها.
ويجوز أن يكون بياناً لقوله: (ابتلى) وتفسيراً له فيراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده.
والإسلام قبل ذلك في قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾ وقيل في الكلمات: هنّ خمس في الرأس: الفرق، وقص الشارب، والسواك، والمضمضة والاستنشاق.
وخمس في البدن: الختان، والاستحداد، والاستنجاء، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط.
وقيل: ابتلاه من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً: عشر في براءة ﴿ التائبون العابدون ﴾ [التوبة: 122] ، وعشر في الأحزاب ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات ﴾ [الاحزاب: 35] ، وعشر في المؤمنون، و(سأل سائل) إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34] .
وقيل: هي مناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام والتعريف وغيرهنّ.
وقيل: ابتلاه بالكوكب والقمر والشمس والختان وذبح ابنه والنار والهجرة.
والإمام اسم من يؤتم به على زنة الإله، كالإزار لما يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينهم ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ عطف على الكاف، كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي، كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ وقرئ: ﴿ الظالمون ﴾ ، أي من كان ظالماً من ذرّيتك.
لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من كان عادلاً بريئاً من الظلم وقالوا: في هذا دليل على أن الفاسق لا يصلح للإمامة.
وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته.
ولا تجب طاعته؛ ولا يقبل خبره، ولا يقدّم للصلاة.
وكان أبو حنيفة رحمه الله يفتي سراً بوجوب نصرة زيد بن عليّ رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المتسمي بالإمام والخليفة، كالدوانيقي وأشباهه.
وقالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن الحسن حتى قتل.
فقال: ليتني مكان ابنك.
وكان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عدّ آجره لما فعلت.
وعن ابن عيينة: لا يكون الظالم إماماً قط.
وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة، والإمام إنما هو لكف الظلمة.
فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم.
و ﴿ البيت ﴾ اسم غالب للكعبة، كالنجم للثريا ﴿ مَثَابَةً لّلنَّاسِ ﴾ مباءة ومرجعاً للحجاج والعمار، يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه أي يثوب إليه أعيان الذين يزورونه أو أمثالهم ﴿ وَأَمْناً ﴾ موضع أمن، كقوله: ﴿ حَرَماً ءامِناً وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67] ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج.
وقرئ: ﴿ مثابات ﴾ ، لأنه مثابة لكل من الناس لا يختص به واحد منهم ﴿ سَوَاء العاكف فِيهِ والباد ﴾ ﴿ واتخذوا ﴾ على إرادة القول، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه.
وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه أخذ بيد عمر فقال: هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى يريد أفلا نؤثره لفضله بالصلاة فيه تبركاً به وتيمناً بموطئ قدم إبراهيم فقال: لم أومر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت» وعن جابر بن عبد الله: «أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة، حتى إذا فرغ، عمد إلى مقام إبراهيم، فصلى خلفه ركعتين، وقرأ: ﴿ واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى ﴾ » .
وقيل: مصلى مدعى.
ومقام إبراهيم: الحجر الذي فيه أثر قدميه، والموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع عليه قدميه، وهو الموضع الذي يسمى مقام إبراهيم.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل المطلب بن أبي وداعة: هل تدري أين كان موضعه الأوّل؟
قال: نعم، فأراه موضعه اليوم.
وعن عطاء ﴿ مَّقَامِ إبراهيم ﴾ : عرفة والمزدلفة والجمار، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها.
وعن النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم.
وقرئ ﴿ واتخذوا ﴾ بلفظ الماضي عطفا على ﴿ جعلنا ﴾ أي واتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذرّيته عنده قبلةً يصلون إليها ﴿ عَهِدْنَا ﴾ أمرناهما ﴿ أَن طَهّرَا بَيْتِىَ ﴾ بأن طهرا، أو أي طهرا.
والمعنى طهراه من الأوثان والأنجاس وطواف الجنب والحائض والخبائث كلها، أو أخلصاه لهؤلاء لا يغشه غيرهم ﴿ والعاكفين ﴾ المجاورين الذين عكفوا عنده، أي أقاموا لا يبرحون، أو المعتكفين.
ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين في الصلاة، كما قال: ﴿ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود ﴾ [الحج: 26] ، والمعنى: للطائفين والمصلين، لأن القيام والركوع والسجود هيآت المصلي.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ﴾ كَلَّفَهُ بِأوامِرَ ونَواهٍ، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ التَّكْلِيفُ بِالأمْرِ الشّاقِّ مِنَ البَلاءِ، لَكِنَّهُ لَمّا اسْتَلْزَمَ الِاخْتِبارَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَجْهَلُ العَواقِبَ ظُنَّ تَرادُفُهُما، والضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ، وحَسُنَ لِتَقَدُّمِهِ لَفْظًا وإنْ تَأخَّرَ رُتْبَةً، لِأنَّ الشَّرْطَ أحَدُ المُتَقَدِّمِينَ، والكَلِماتُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى المَعانِي فَلِذَلِكَ فُسِّرَتْ بِالخِصالِ الثَّلاثِينَ المَحْمُودَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ الآيَةَ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ كَما فُسِّرَتْ بِها في قَوْلِهِ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ وبِالعَشْرِ الَّتِي هي مِن سُنَنِهِ، وبِمَناسِكِ الحَجِّ وبِالكَواكِبِ، والقَمَرَيْنِ، والخِتانِ، وذَبْحِ الوَلَدِ، والنّارِ، والهِجْرَةِ.
عَلى أنَّهُ تَعالى عامَلَهُ بِها مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِهِنَّ وبِما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ الَّتِي بَعْدَها.
وقُرِئَ « إبْراهِيمُ رَبَّهُ» عَلى أنَّهُ دَعا رَبَّهُ بِكَلِماتٍ مِثْلِ ﴿ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ .
و ﴿ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إبْراهامَ بِالألِفِ جَمِيعَ ما في هَذِهِ السُّورَةِ.
﴿ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ فَأدّاهُنَّ كُمَّلًا وقامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ وفى القِراءَةِ الأخِيرَةِ الضَّمِيرُ لِرَبِّهِ، أيْ أعْطاهُ جَمِيعَ ما دَعاهُ.
قالَ ﴿ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ اسْتِئْنافٌ إنْ أضْمَرْتَ ناصِبَ إذْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ رَبُّهُ حِينَ أتَمَّهُنَّ، فَأُجِيبَ بِذَلِكَ.
أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ ﴿ ابْتَلى ﴾ فَتَكُونُ الكَلِماتُ ما ذَكَرَهُ مِنَ الإمامَةِ، وتَطْهِيرِ البَيْتِ، ورَفْعِ قَواعِدِهِ، والإسْلامِ.
وإنْ نَصَبْتَهُ يُقالُ فالمَجْمُوعُ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، أوْ جاعِلٌ مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ، والإمامُ اسْمٌ لِمَن يُؤْتَمُّ بِهِ وإمامَتُهُ عامَّةٌ مُؤَبَّدَةٌ، إذْ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلّا كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ.
﴿ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ عَطْفٌ عَلى الكافِ أيْ وبَعْضِ ذُرِّيَّتِي، كَما تَقُولُ: وزَيْدًا، في جَوابِ: سَأُكْرِمُكَ، والذُّرِّيَّةُ نَسْلُ الرَّجُلِ، فُعْلِيَّةٌ أوْ فَعُولَةٌ قُلِبَتْ راؤُها الثّانِيَةُ ياءً كَما في تَقَضَّيْتُ.
مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، أوْ فَعُولَةٌ أوْ فِعْلِيَّةٌ قُلِبَتْ هَمْزَتُها مِنَ الذَّرَّةِ بِمَعْنى الخَلْقِ.
وقُرِئَ « ذِرِّيَّتِي» بِالكَسْرِ وهي لُغَةٌ.
﴿ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ إجابَةٌ إلى مُلْتَمِسِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ ظَلَمَةٌ، وأنَّهم لا يَنالُونَ الإمامَةَ لِأنَّها أمانَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وعَهْدٌ، والظّالِمُ لا يَصْلُحُ لَها، وإنَّما يَنالُها البَرَرَةُ الأتْقِياءُ مِنهم.
وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وأنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ لِلْإمامَةِ.
وقُرِئَ « الظّالِمُونَ» والمَعْنى واحِدٌ إذْ كُلُّ ما نالَكَ فَقَدْ نِلْتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
{وَإِذْ} أي واذكر إذ {ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات} اختبره بأوامر ونواه والاختبار منه لظهور مالم نعلم ومن الله لإظهار ما قد علم وعاقبة الابتلاء ظهور الأمر الخفي في الشاهد والغائب جميعاً فلذا تجوز إضافته إلى الله
تعالى وقيل اختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختبار أحد الأمرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك وقرأ أبو حنيفة رضى الله عنه إبراهيم ربه
البقرة (١٢٤ _ ١٢٥)
برفع إبراهيم وهى قراءة ابن عباس رضى الله عنهما أي دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه إليهن أم لا {فَأَتَمَّهُنَّ} أي قام بهن حق القيام وأدّاهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ ونحوه وإبراهيم الذى وفى ومعناه فى قراءة ابى حنيفة رحمه الله فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً والكلمات على هذا ما سأل إبراهيم ربه في قوله رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا واجعلنا مسلمين لك وابعث فيهم رسولا منهم ربنا تقبل منا والكلمات على القراءة المشهورة خمس في الرأس الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق وخمس فى الجسد الختان وتقليم الأظافار ونتف الإبط وحلق العانة والاستنجاء وعن ابن عباس رضى الله عنهما هي ثلاثون سهماً من الشرائع عشر في براءة التائبون الآية وعشر في الأحزاب إِنَّ المسلمين والمسلمات الآية وعشر فى المؤمنين والمعارج إلى قوله يُحَافِظُونَ وقيل هي مناسك الحج {قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا} هو اسم
من يؤتم به أي يأتمون بك في دينهم {قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى} أي واجعل من ذريتي إماماً يقتدى به ذرية الرجل أولاده ذكورهم وإناثهم فيه سواء فعيلة من الذرئ أي الخلق فأبدلت الهمزة ياء {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين} بسكون الياء حمزة وحفص أي لا تصيب الإمامة أهل الظلم من ولدك أي أهل الكفر أخبر أن إمامة المسلمين لا تثبت لأهل الكفر وأن من أولاده المسلمين والكافرين قال الله تعالى {وباركنا عَلَيْهِ وعلى إسحاق وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لنفسه} مبين والمحسن المؤمن والظالم الكافر قالت المعتزلة هذا دليل على أن الفاسق ليس بأهل للإمامة قالوا وكيف يجوز نصب الظالم للإمامة والإمام إنما هو لكف الظلمة فإذا نصب من كان ظالماً في نفسه فقد جاء المثل السائر من استرعى الذئب ظلم ولكنا نقول المراد بالظالم الكافر هنا إذ هو الظالم المطلق وقيل إنه سأل أن يكون ولده نبياً كما كان هو فأخبر أن الظالم لا يكون نبيا
﴿ وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ﴾ في مُتَعَلِّقِ (إذِ) احْتِمالاتٌ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْها في نَظِيرِ الآيَةِ، واخْتارَ أبُو حَيّانَ تَعَلُّقَها بِقالَ الآتِي، وبَعْضُهم بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، والمَشْهُورُ تَعَلُّقُها بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، أوِ اذْكُرُوا وقْتَ كَذا، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، والجامِعُ الِاتِّحادُ في المَقْصِدِ، فَإنَّ المَقْصِدَ مِن تَذْكِيرِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ تَحْرِيضُهم عَلى قَبُولِ دِينِهِ واتِّباعِ الحَقِّ وتَرْكِ التَّعَصُّبِ، وحُبِّ الرِّياسَةِ، كَذَلِكَ المَقْصِدُ مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وشَرْحِ أحْوالِهِ الدَّعْوَةُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ، وتَرْكُ التَّعَصُّبِ في الدِّينِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ نالَ الإمامَةَ بِالِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ تَعالى، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَجِبْ دُعاءَهُ في الظّالِمِينَ، وأنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ مَطافًا ومَعْبَدًا في وقْتِهِ مَأْمُورًا هو بِتَطْهِيرِهِ وأنَّهُ كانَ يَحُجُّ البَيْتَ داعِيًا مُبْتَهِلًا كَما هو في دِينِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وأنَّ نَبِيَّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن دَعْوَتِهِ، وأنَّهُ دَعا في حَقِّ نَفْسِهِ وذُرِّيَّتِهِ بِمِلَّةِ الإسْلامِ، كانَ الواجِبُ عَلى مَن يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ، وأنَّهُ مِن أوْلادِهِ، ويَزْعُمُ اتِّباعَ مِلَّتِهِ، ويُباهِي بِأنَّهُ مِن ساكِنِ حَرَمِهِ، وحامِي بَيْتِهِ أنْ يَكُونَ حالُهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وذَهَبَ عِصامُ المِلَّةِ والدِّينِ إلى جَوازِ العَطْفِ عَلى (نِعْمَتِي) أيِ اذْكُرُوا وقْتَ ابْتِلاءِ إبْراهِيمَ، فَإنَّ فِيهِ ما يَنْفَعُكُمْ، ويَرُدُّ اعْتِقادَكُمُ الفاسِدَ أنَّ آباءَكم شُفَعاؤُكم يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ دُعاءَ إبْراهِيمَ في الظَّلَمَةِ، ويَدْفَعْ عَنْكم حُبَّ الرِّياسَةِ المانِعَ عَنْ مُتابَعَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ يُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنالُ الرِّياسَةُ الظّالِمِينَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ طَرِيقِ البَلاغَةِ مَعَ لُزُومِ تَخْصِيصِ الخِطابِ بِأهْلِ الكِتابِ، وتَخَلَّلَ (اتَّقُوا) بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ، والِابْتِلاءُ في الأصْلِ الِاخْتِبارُ كَما قَدَّمْنا والمُرادُ بِهِ هُنا التَّكْلِيفُ، أوِ المُعامَلَةُ مُعامَلَةُ الِاخْتِبارِ مَجازًا، إذْ حَقِيقَةُ الِاخْتِبارِ مُحالَةٌ عَلَيْهِ تَعالى، لِكَوْنِهِ عالِمُ السِّرِّ والخَفِيّاتِ، (وإبْراهِيمُ) عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ قِيلَ: مَعْناهُ قَبْلَ النَّقْلِ أبٌ رَحِيمٌ، وهو مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِإضافَةِ فاعِلِهِ إلى ضَمِيرِهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ تَشْرِيفٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ تَرْبِيَةٌ لَهُ وتَرْشِيحٌ لِأمْرٍ خَطِيرٍ، (والكَلِماتُ) جَمْعُ كَلِمَةٍ، وأصْلُ مَعْناها اللَّفْظُ المُفْرَدُ، وتُسْتَعْمَلُ في الجُمَلِ المُفِيدَةِ، وتُطْلَقُ عَلى مَعانِي ذَلِكَ، لِما بَيْنَ اللَّفْظِ والمَعْنى مِن شِدَّةِ الِاتِّصالِ، واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: إنَّها العَشَرَةُ الَّتِي مِنَ الفِطْرَةِ: المَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، وإعْفاءُ اللِّحْيَةِ، والفَرْقُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والِاسْتِطابَةُ، والخِتانُ، وقالَ عِكْرِمَةُ رِوايَةً عَنْهُ أيْضًا: لَمْ يُبْتَلَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ فَأقامَهُ كُلَّهُ إلّا إبْراهِيمُ، ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِثَلاثِينَ خَصْلَةً مِن خِصالِ الإسْلامِ عَشْرٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ (التّائِبُونَ)، إلَخْ، وعَشَرٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ إلَخْ، وعَشْرٌ في المُؤْمِنِينَ، (وسَألَ سائِلٌ) إلى ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ وفي رِوايَةِ الحاكِمِ في مُسْتَدْرَكِهِ: أنَّها ثَلاثُونَ، وعَدَّ السُّوَرَ الثَّلاثَةَ الأُوَلَ، ولَمْ يَعُدَّ السُّورَةَ الأخِيرَةَ، فالَّذِي في بَراءَةٌ: التَّوْبَةُ، والعِبادَةُ، والحَمْدُ، والسِّياحَةُ، والرُّكُوعُ، والسُّجُودُ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، والحِفْظُ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى، والإيمانُ المُسْتَفادُ مِن ﴿ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ أوْ مِن ﴿ إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ في الأحْزابِ: الإسْلامُ، والإيمانُ، والقُنُوتُ، والصِّدْقُ، والصَّبْرُ، والخُشُوعُ، والتَّصَدُّقُ، والصِّيامُ، والحِفْظُ لِلْفُرُوجِ، والذِّكْرُ، والَّذِي في المُؤْمِنِينَ: الإيمانُ، والخُشُوعُ، والإعْراضُ عَنِ اللَّغْوِ، والزَّكاةُ، والحِفْظُ لِلْفُرُوجِ إلّا عَلى الأزْواجِ أوِ الإماءِ، ثَلاثَةً، والرِّعايَةُ لِلْعَهْدِ، والأمانَةِ اثْنَيْنِ، والمُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ لُزُومَ التَّكْرارِ في بَعْضِ الخِصالِ بَعْدَ جَمْعِ العَشَراتِ المَذْكُورَةِ كالإيمانِ والحِفْظِ لِلْفُرُوجِ لا يُنافِي كَوْنَها ثَلاثِينَ تَعْدادًا، إنَّما يُنافِي تَغايُرَها ذاتًا، ومِن هُنا عُدَّتِ التَّسْمِيَةُ مِائَةً وثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها في كُلِّ سُورَةٍ، وما في رِوايَةِ عِكْرِمَةَ مَبْنِيٌّ عَلى اعْتِبارِ التَّغايُرِ بِالذّاتِ، وإسْقاطِ المُكَرَّراتِ، وعَدُّهُ العاشِرَةَ البِشارَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ في بَراءَةٌ، وجَعَلَ الدَّوامَ عَلى الصَّلاةِ والمُحافَظَةَ عَلَيْها واحِدًا، ﴿ والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ ﴾ ﴿ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ ﴾ غَيْرَ الفاعِلِينَ لِلزَّكاةِ لِشُمُولِهِ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، وصِلَةَ الأقارِبِ، وما رُوِيَ أنَّها أرْبَعُونَ، وبُيِّنَتْ بِما في السُّوَرِ الأرْبَعِ مَبْنِيٌّ عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ أيْضًا، فَلا إشْكالَ، وقِيلَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ تَعالى بِسَبْعَةِ أشْياءَ بِالكَواكِبِ، والقَمَرَيْنِ، والخِتانِ عَلى الكِبَرِ، والنّارِ، وذَبْحِ الوَلَدِ، والهِجْرَةِ مِن كُوثى إلى الشّامِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: هي ما تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ بَعْدُ مِنَ الإمامَةِ وتَطْهِيرِ البَيْتِ، ورَفْعِ قَواعِدِهِ، والإسْلامِ، وقِيلَ وقِيلَ، إلى ثَلاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ وغَيْرُهُما (إبْراهامَ)، وأبُو بَكْرَةَ (إبْراهِمَ) بِكَسْرِ الهاءِ وحَذْفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو الشَّعْثاءِ، وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِرَفْعِ (إبْراهِيمُ)، ونَصْبِ (رَبَّهُ)، فالِابْتِلاءُ بِمَعْنى الِاخْتِبارِ حَقِيقَةٌ لِصِحَّتِهِ مِنَ العَبْدِ، والمُرادُ دَعا رَبَّهُ بِكَلِماتٍ مِثْلَ ﴿ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى ﴾ و ﴿ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ، ولا حاجَةَ إلى الحَمْلِ عَلى المَجازِ، وأمّا ما قِيلَ: إنَّهُ وإنْ صَحَّ مِنَ العَبْدِ لا يَصِحُّ أوْ لا يَحْسُنُ تَعْلِيقُهُ بِالرَّبِّ، فَوَجْهُهُ غَيْرُ ظاهِرٍ سِوى ذِكْرِ لَفْظِ الِابْتِلاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في مَقامِ الأُنْسِ ومَقامِ الخُلَّةِ غَيْرَ خَفِيٍّ، ﴿ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ الضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِلْكَلِماتِ لا غَيْرُ، والمَرْفُوعُ المَسْتَكِنُّ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ لِإبْراهِيمَ، وأنْ يَعُودَ لِرَبِّهِ، عَلى كُلٍّ مِن قِراءَتَيِ الرَّفْعِ والنَّصْبِ، فَهُناكَ أرْبَعَةُ احْتِمالاتٍ الأوَّلُ: عَوْدُهُ عَلى (إبْراهِيمَ) مَنصُوبًا، ومَعْنى أتَمَّهُنَّ حِينَئِذٍ أتى بِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وأدّاهُنَّ كَما يَلِيقُ، الثّانِي: عَوْدُهُ عَلى (رَبُّهُ) مَرْفُوعًا، والمَعْنى حِينَئِذٍ: يَسَّرَ لَهُ العَمَلَ بِهِنَّ، وقَوّاهُ عَلى إتْمامِهِنَّ، أوْ أتَمَّ لَهُ أُجُورَهُنَّ، أوْ أدامَهُنَّ سُنَّةً فِيهِ وفي عَقِبِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، الثّالِثُ: عَوْدُهُ عَلى (إبْراهِيمُ) مَرْفُوعًا، والمَعْنى عَلَيْهِ: أتَمَّ إبْراهِيمُ الكَلِماتِ المَدْعُوَّ بِها بِأنْ راعى شُرُوطَ الإجابَةِ فِيها، ولَمْ يَأْتِ بَعْدَها بِما يُضَيِّعُها، الرّابِعُ: عَوْدُهُ إلى (رَبَّهُ) مَنصُوبًا، والمَعْنى عَلَيْهِ فَأعْطى سُبْحانَهُ (إبْراهِيمَ) جَمِيعَ ما دَعاهُ، وأظْهَرُ الِاحْتِمالاتِ الأوَّلُ والرّابِعُ، إذِ التَّمَدُّحُ غَيْرُ ظاهِرٍ في الثّانِي مَعَ ما فِيهِ مِن حَذْفِ المُضافِ عَلى أحَدِ مُحْتَمَلاتِهِ، والِاسْتِعْمالُ المَأْلُوفُ غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الثّالِثِ، لِأنَّ الفِعْلَ الواقِعَ في مُقابَلَةِ الِاخْتِبارِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ المُخْتَبِرِ اسْمَ مَفْعُولٍ.
﴿ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، إنَّ أُضْمِرَ ناصِبٌ، إذْ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدُ؟
فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، أوْ بَيانٌ لِابْتَلى، بِناءً عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَ الكَلِماتِ عِبارَةً عَمّا ذُكِرَ أثَرُهُ، وبَعْضُهم يَجْعَلُ ذَلِكَ مِن بَيانِ الكُلِّيِّ بِجُزْئِيٍّ مِن جُزْئِيّاتِهِ، وإذا نَصَبَتْ إذْ بِقالَ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَيّانَ، يَكُونُ المَجْمُوعُ جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى ما قَبْلَها عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ تَفْصِيلُهُ، وقِيلَ: مُسْتَطْرِدَةٌ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ لِيَقَعَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ ﴾ إنْ جُعِلَ خِطابًا لِلْيَهُودِ مَوْقِعَهُ، ويُلائِمَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى ﴾ وجاعِلٌ مِن جَعَلَ بِمَعْنى صَيَّرَ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، والثّانِي إمّا مُتَعَلِّقٌ بِجاعِلٍ أيْ لِأجْلِهِمْ، وإمّا في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَتْ، أيْ إمامًا كائِنًا لَهُمْ، والإمامُ اسْمٌ لِلْقُدْوَةِ الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ: إمامٌ، وهو مُفْرَدٌ عَلى فِعالٍ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمُ اسْمَ آلَةٍ لِأنَّ فِعالًا مِن صِيَغِها، كالإزارِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الإمامَ ما يُؤْتَمُّ بِهِ، والإزارُ ما يُؤْتَزَرُ بِهِ، فَهُما مَفْعُولانِ ومَفْعُولُ الفِعْلِ لَيْسَ بِآلَةٍ، لِأنَّها الواسِطَةُ بَيْنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ في وُصُولِ أثَرِهِ إلَيْهِ، ولَوْ كانَ المَفْعُولُ آلَةً لَكانَ الفاعِلُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ، فَلَيْسَ، ويَكُونُ جَمْعَ آمٍّ اسْمِ فاعِلٍ مِن أمَّ يَؤُمُّ كَجائِعٍ، وجِياعٍ، وقائِمٍ، وقِيامٍ، وهو بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وإنْ كانَ شامِلًا لِلنَّبِيِّ والخَلِيفَةِ، وإمامِ الصَّلاةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَقْتَدِي بِهِ في شَيْءٍ، ولَوْ باطِلًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ ﴾ إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ ها هُنا النَّبِيُّ المُقْتَدى بِهِ، فَإنَّ مَن عَداهُ لِكَوْنِهِ مَأْمُومَ النَّبِيِّ لَيْسَتْ إمامَتُهُ كَإمامَتِهِ، وهَذِهِ الإمامَةُ إمّا مُؤَبَّدَةٌ كَما هو مُقْتَضى تَعْرِيفِ النّاسِ، وصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الِاسْتِمْرارِ، ولا يَضُرُّ مَجِيءُ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ، لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا وكانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ومَأْمُورا بِاتِّباعِهِ في الجُمْلَةِ لا في جَمِيعِ الأحْكامِ، لِعَدَمِ اتِّفاقِ الشَّرائِعِ الَّتِي بَعْدَهُ في الكُلِّ، فَتَكُونُ إمامَتُهُ باقِيَةً بِإمامَةِ أوْلادِهِ الَّتِي هي أبْعاضُهُ عَلى التَّناوُبِ، وإمّا مُؤَقَّتَةٌ بِناءً عَلى أنَّ ما نُسِخَ، ولَوْ بَعْضُهُ، لا يُقالُ لَهُ مُؤَبَّدٌ، وإلّا لَكانَتْ إمامَةُ كُلِّ نَبِيٍّ مُؤَبَّدَةً، ولَمْ يَشِعْ ذَلِكَ، فالمُرادُ مِنَ النّاسِ حِينَئِذٍ أُمَّتُهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، ولَكَ أنْ تَلْتَزِمَ القَوْلَ بِتَأْبِيدِ إمامَةِ كُلِّ نَبِيٍّ، ولَكِنْ في عَقائِدِ التَّوْحِيدِ، وهي لَمْ تُنْسَخْ، بَلْ لا تُنْسَخُ أصْلًا، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ ﴾ وعَدَمُ الشُّيُوعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، ولَئِنْ سُلِّمَ لا يَضُرُّ، والِامْتِنانُ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، لا تَكادُ تَخْفى، فَتَدَبَّرْ.
ثُمَّ لا يَخْفى أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يُشِيرُ إلى أنَّ الِابْتِلاءَ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ القِيامَ بِتِلْكَ الكَلِماتِ سَبَبًا لِجَعْلِهِ إمامًا، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ بَعْدَها لِأنَّهُ يَقْتَضِي سابِقَةَ الوَحْيِ، وأُجِيبَ بِأنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ لا يَسْتَلْزِمُ البَعْثَةَ إلى الخَلْقِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ذَبْحَ الوَلَدِ والهِجْرَةَ والنّارَ إنْ كانَتْ مِنَ الكَلِماتِ يُشْكِلُ الأمْرُ، لِأنَّ هَذِهِ كانَتْ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، بِلا شُبْهَةٍ، وكَذا الخِتانُ أيْضًا بِناءً عَلى ما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ خَتَنَ نَفْسَهُ كانَ عُمْرُهُ مِائَةً وعِشْرِينَ، فَحِينَئِذٍ يَحْتاجُ إلى أنْ يَكُونَ إتْمامُ الكَلِماتِ سَبَبَ الإمامَةِ بِاعْتِبارِ عُمُومِها لِلنّاسِ، واسْتِجابَةِ دُعائِهِ في حَقِّ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ، ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ القاضِي أنَّهُ عَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يُتِمُّهُنَّ، ويَقُومُ بِهِنَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، فَلا جَرَمَ، أعْطاهُ خُلْعَةَ الإمامَةِ والنُّبُوَّةِ، ولا يَخْفى أنَّ الفاءَ يَأْبى عَنِ الحَمْلِ عَلى هَذا المَعْنى.
(قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، والضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، (ومِن ذُرِّيَّتِي) عَطْفٌ عَلى الكافِ، يُقالُ: سَأُكْرِمُكَ فَتَقُولُ: وزَيْدًا، وجَعْلُهُ عَلى مَعْنى: ماذا يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِي؟
بَعِيدٌ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيَجْعَلُ مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا، لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَهِمَ مِن ﴿ إنِّي جاعِلُكَ ﴾ الِاخْتِصاصَ بِهِ، واخْتارَهُ بَعْضُهُمْ، واعْتَرَضُوا عَلى ما تَقَدَّمَ بِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ لا يَصْلُحُ مُضافًا إلَيْهِ، فَكَيْفَ يُعْطَفُ عَلَيْهِ، وبِأنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ كَيْفَ يَصِحُّ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، وبِأنَّهُ كَيْفَ يَكُونُ المَعْطُوفُ مَقُولَ قائِلٍ آخَرَ، ودُفِعَ الأوَّلانِ بِأنَّ الإضافَةَ اللَّفْظِيَّةَ في تَقْدِيرِ الِانْفِصالِ، ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ في مَعْنى بَعْضِ ذُرِّيَّتِي، فَكَأنَّهُ قالَ: وجاعِلٌ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي، وهو صَحِيحٌ، عَلى أنَّ العَطْفَ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِدُونِ إعادَةِ الجارِّ، وإنْ أباهُ أكْثَرُ النُّحاةِ، إلّا أنَّ المُحَقِّقِينَ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ وأئِمَّةِ الدِّينِ عَلى جَوازِهِ، حَتّى قالَ صاحِبُ العُبابِ: إنَّهُ وارِدٌ في القِراءاتِ السَّبْعَةِ المُتَواتِرَةِ، فَمَن رَدَّ ذَلِكَ فَقَدْ رَدَّ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ودُفِعَ الثّالِثُ بِأنَّهُ قَبِيلِ عَطْفِ التَّلْقِينِ، فَهو خَبَرٌ في مَعْنى الطَّلَبِ، وكَأنَّ أصْلَهُ: واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي، كَما قَدَّرَهُ المُعْتَرِضُ، لَكِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ إلى المُنَزَّلِ لِما فِيهِ مِنَ البَلاغَةِ مِن حَيْثُ جَعَلَهُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ، كَأنَّهُ مُسْتَحِقٌّ مِثْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وجَعَلَ نَفْسَهُ كالنّائِبِ عَنِ المُتَكَلِّمِ، والعُدُولُ مِن صِيغَةِ الأمْرِ لِلْمُبالَغَةِ في الثُّبُوتِ ومَراعاةِ الأدَبِ في التَّفادِي عَنْ صُورَةِ الأمْرِ، وفِيهِ مِنَ الِاخْتِصارِ الواقِعِ مَوْقِعَهُ ما يَرُوقُ كُلَّ ناظِرٍ، ونَظِيرُ هَذا العَطْفِ ما رَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنَّهُ قالَ: «(اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ، قالُوا: والمُقَصِّرِينَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: والمُقَصِّرِينَ)».
وقَدْ ذَكَرَ الأُصُولِيُّونَ أنَّ التَّلْقِينَ ورَدَ بِالواوِ وغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ، وأنَّهُ وقَعَ في الِاسْتِثْناءِ كَما في الحَدِيثِ: «(إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ شَجَرَةَ الحَرَمِ، قالُوا: إلّا الإذْخِرَ يا رَسُولَ اللَّهِ)،» واعْتُرِضَ أيْضًا بِأنَّ العَطْفَ المُذَكَّرَ يَسْتَدْعِي أنْ تَكُونَ إمامَةُ ذُرِّيَّتِهِ عامَّةً لِجَمِيعِ النّاسِ عُمُومَ إمامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما قِيلَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ يَكْفِي في العَطْفِ الِاشْتِراكُ في أصْلِ المَعْنى، وقِيلَ: يَكْفِي قَبُولُها في حَقِّ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والذُّرِّيَّةُ نَسْلُ الرَّجُلِ، وأصْلُها الأوْلادُ الصِّغارُ، ثُمَّ عَمَّتِ الكِبارَ والصِّغارَ الواحِدَ وغَيْرَهُ، وقِيلَ: إنَّها تَشْمَلُ الآباءَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ ﴾ يَعْنِي نُوحًا وأبْناءَهُ، والصَّحِيحُ خِلافُهُ، وفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ، ضَمُّ الذّالِ، وفَتْحُها، وكَسْرُها، وبِها قُرِئَ، وهي إمّا فَعُولَةٌ مِن ذَرَوْتُ أوْ ذَرَيْتُ، والأصْلُ ذَرُووَةٌ، أوْ ذَرُويَةٌ فاجْتَمَعَ في الأوَّلِ واوانِ زائِدَةٌ وأصْلِيَّةٌ فَقُلِبَتِ الأصْلِيَّةُ ياءً فَصارَتْ كالثّانِيَةِ، فاجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ، فَصارَتْ ذُرِّيَّةً، أوْ فِعْلِيَّةً مِنهُما، والأصْلُ في الأُولى ذَرِيوِيَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِما سَبَقَ فَصارَتْ ذَرِيِيَةٌ كالثّانِيَةِ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في مِثْلِها فَصارَتْ ذُرِّيَّةً، أوْ فُعْلِيَّةً مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى الخَلْقِ، والأصْلُ ذَرْئِيَّةٌ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ ياءً وأُدْغِمَتْ أوْ فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ بِمَعْنى التَّفْرِيقِ، والأصْلُ ذَرِيرَةٌ قُلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً هَرَبًا مِن ثِقَلِ التَّكْرِيرِ كَما قالُوا في تَظَنَّنْتُ تَظَنَّيْتُ، وفي تَقَضَّضْتُ تَقَضَّيْتُ، أوْ فَعُولَةٌ مِنهُ، والأصْلُ ذَرُورَةُ، فَقُلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً، فَجاءَ الإدْغامُ، أوْ فِعْلِيَّةٌ مِنهُ عَلى صِيغَةِ النِّسْبَةِ، قالُوا: وهو الأظْهَرُ لِكَثْرَةِ مَجِيئِها كَحُرِّيَّةٍ، ودُرِّيَّةٍ، وعَدَمِ احْتِياجِها إلى الإعْلالِ، وإنَّما ضُمَّتْ ذالَهُ لِأنَّ الأبْنِيَةَ قَدْ تُغَيَّرُ في النِّسْبَةِ خاصَّةً، كَما قالُوا في النِّسْبَةِ إلى الدَّهْرِ: دُهْرِيٌّ.
(قالَ) اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أيْضًا، والضَّمِيرُ لِلَّهِ عَزَّ اسْمُهُ، ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ إجابَةٌ لَمّا راعى الأدَبَ في طَلَبِهِ مِن جَعْلِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ نَبِيًّا كَما جُعِلَ مَعَ تَعْيِينِ جِنْسِ البَعْضِ الَّذِي أُبْهِمَ في دُعائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ نَفى الحُكْمَ عَنْ أحَدِ الضِّدَّيْنِ مَعَ الإشْعارِ إلى دَلِيلِ نَفْيِهِ عَنْهُ، لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى الثُّبُوتِ لِلْآخَرِ، فالمُتَبادِرُ مِنَ العَهْدِ الإمامَةُ، ولَيْسَتْ هي هُنا إلّا النُّبُوَّةُ، وعَبَّرَ عَنْها بِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّها أمانَةُ اللَّهِ تَعالى، وعَهْدُهُ الَّذِي لا يَقُومُ بِهِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى مِن عِبادِهِ، وآثَرَ النَّيْلَ عَلى الجَعْلِ إيماءً إلى أنَّ إمامَةَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَّتِهِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لَيْسَتْ بِجَعْلٍ مُسْتَقِلٍّ، بَلْ هي حاصِلَةٌ في ضِمْنِ إمامَتِهِ، تَنالُ كُلًّا مِنهم في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ، ولا يَعُودُ مِن ذَلِكَ نَقْصٌ في رُتْبَةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لِأنَّهُ جارٍ مَجْرى التَّغْلِيبِ عَلى أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَوْ كانَ يَحُطُّ مِن قَدْرِها لَمّا خُوطِبَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ ﴾ والمُتَبادِرُ مِنَ الظُّلْمِ الكُفْرُ، لِأنَّهُ الفَرْدُ الكامِلُ مِن أفْرادِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ فَلَيْسَ في الآيَةِ دِلالَةٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِنَ الكَبائِرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، ولا عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَصْلُحُ لِلْخِلافَةِ، نَعَمْ فِيها قَطْعُ أطْماعِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ النُّبُوَّةَ، وسَدَّ أبْوابَ آمالِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ نَيْلِها، واسْتَدَلَّ بِها بَعْضُ الشِّيعَةِ عَلى نَفْيِ إمامَةِ الصِّدِّيقِ وصاحِبَيْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، حَيْثُ إنَّهم عاشُوا مُدَّةً مَدِيدَةً عَلى الشِّرْكِ، و ﴿ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ والظّالِمُ بِنَصِّ الآيَةِ لا تَنالُهُ الإمامَةُ، وأُجِيبَ بِأنَّ غايَةَ ما يَلْزَمُ أنَّ الظّالِمَ في حالِ الظُّلْمِ لا تَنالُهُ، والإمامَةُ إنَّما نالَتْهم رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في وقْتِ كَمالِ إيمانِهِمْ، وغايَةِ عَدالَتِهِمْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ (مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ، فَسُؤالُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الإمامَةَ، إمّا لِلْبَعْضِ العادِلِ مِن ذُرِّيَّتِهِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، أوِ الظّالِمِ حالَ الإمامَةِ، سَواءٌ كانَ عادِلًا في باقِي العُمْرِ أمْ لا، أوِ العادِلُ في البَعْضِ الظّالِمُ في البَعْضِ الآخَرِ، أوِ الأعَمُّ، فَعَلى الأوَّلِ يَلْزَمُ عَدَمُ مُطابَقَةِ الجَوابِ، وعَلى الثّانِي جَهْلُ الخَلِيلِ وحاشاهُ، وعَلى الثّالِثِ المَطْلُوبُ وحَياهُ، وعَلى الرّابِعِ إمّا المَطْلُوبُ، أوِ الفَسادُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَبْنى الِاسْتِدْلالِ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الأعَمِّ مِنَ النُّبُوَّةِ والإمامَةِ الَّتِي يَدَّعُونَها، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، وتَصْرِيحُ البَعْضِ كالجَصّاصِ لا يَبْنِي عَلَيْهِ إلْزامُ الكُلِّ، وعَلى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ يُجابُ بِأنّا نَخْتارُ أنَّ سُؤالَ الإمامَةِ بِالمَعْنى الأعَمِّ لِلْبَعْضِ المُبْهَمِ مِن غَيْرِ إحْضارِ الِاتِّصافِ بِالعَدالَةِ، والظُّلْمُ حالَ السُّؤالِ، والآيَةُ إجابَةٌ لِدُعائِهِ مَعَ زِيادَةٍ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ وكَذا، إذا اخْتِيرَ الشِّقُّ الأوَّلُ بَلِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ زِيادَةٌ، ويُمْكِنُ الجَوابُ بِاخْتِيارِ الشِّقِّ الثّالِثِ أيْضًا، بِأنْ نَقُولَ: هو عَلى قِسْمَيْنِ، أحَدُهُما مَن يَكُونُ ظالِمًا قَبْلَ الإمامَةِ ومُتَّصِفًا بِالعَدالَةِ وقْتَها اتِّصافًا مُطْلَقًا بِأنْ صارَ تائِبًا مِنَ المَظالِمِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ حالُ الإمامَةِ مُتَّصِفًا بِالعَدالَةِ المُطْلَقَةِ، والثّانِي مَن يَكُونُ ظالِمًا قَبْلَ الإمامَةِ، ومُحْتَرِزًا عَنِ الظُّلْمِ حالَها، لَكِنْ غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِالعَدالَةِ المُطْلَقَةِ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ شامِلًا لِهَذا القِسْمِ، ولا بَأْسَ بِهِ، إذْ إنَّ الرَّعِيَّةَ مِنَ الفَسادِ الَّذِي هو المَطْلُوبُ يَحْصُلُ بِهِ، فالجَوابُ بِنَفْيِ حُصُولِ الإمامَةِ لِهَذا القِسْمِ، والشَّيْخانِ وعُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لَيْسُوا مِنهُ، بَلْ هم في أعْلى مَراتِبِ القِسْمِ الأوَّلِ مُتَّصِفُونَ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ، والعَدالَةِ المُطْلَقَةِ، والإيمانِ الرّاسِخِ، والإمامُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ وقْتَ الإمامَةِ كَذَلِكَ، ومَن كَفَرَ أوْ ظَلَمَ ثُمَّ تابَ وأصْلَحَ لا يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ كافِرٌ أوْ ظالِمٌ في لُغَةٍ وعُرْفٍ وشَرْعٍ، إذْ قَدْ تَقَرَّرَ في الأُصُولِ أنَّ المُشْتَقَّ فِيما قامَ بِهِ المَبْدَأُ في الحالِ حَقِيقَةٌ، وفي غَيْرِهِ مَجازٌ، ولا يَكُونُ المَجازُ أيْضًا مُطَّرِدًا، بَلْ حَيْثُ يَكُونُ مُتَعارَفًا، وإلّا لَجازَ صَبِيٌّ لِشَيْخٍ، ونائِمٌ لِمُسْتَيْقِظٍ، وغَنِيٌّ لِفَقِيرٍ، وجائِعٌ لِشَبْعانَ، وحَيٌّ لِمَيِّتٍ، وبِالعَكْسِ، وأيْضًا لَوِ اطَّرَدَ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِن حَلَفَ لا يُسَلِّمُ عَلى كافِرٍ فَسَلَّمَ عَلى إنْسانٍ مُؤْمِنٍ في الحالِ إلّا أنَّهُ كانَ كافِرًا قَبْلُ بِسِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ أنْ يَحْنَثَ، ولا قائِلَ بِهِ، هَذا ومِن أصْحابِنا مَن جَعَلَ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَنِ الكَبائِرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وأنَّ الفاسِقَ لا يَصِحُّ لِلْخِلافَةِ، ومَبْنى ذَلِكَ حَمْلُ العَهْدِ عَلى الإمامَةِ وجَعْلُها شامِلَةً، وجَعْلُها شامِلَةً لِلنُّبُوَّةِ، والخِلافَةِ، وحَمْلُ الظّالِمِ عَلى مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً مُسْقِطَةً لِلْعَدالَةِ بِناءً عَلى أنَّ الظُّلْمَ خِلافُ العَدْلِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ حِينَئِذٍ أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ نَيْلَ الإمامَةِ لا يُجامِعُ الظُّلْمَ السّابِقَ، فَإذا تَحَقَّقَ النَّيْلُ كَما في الأنْبِياءِ عُلِمَ عَدَمُ اتِّصافِهِمْ حالَ النَّيْلِ بِالظُّلْمِ السّابِقِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ لا يَصْدُرَ مِنهم ما يُوجِبُ ذَلِكَ، أوْ بِزَوالِهِ بَعْدَ حُصُولِهِ بِالتَّوْبَةِ، ولا قائِلَ بِالثّانِي، إذِ الخِلافُ إنَّما هو في أنَّ صُدُورَ الكَبِيرَةِ هَلْ يَجُوزُ قَبْلَ البَعْثَةِ أمْ لا، فَيَتَعَيَّنُ الثّانِي وهو العِصْمَةُ، أوِ المُرادُ بِها ها هُنا عَدَمُ صُدُورِ الذَّنْبِ لا المَلَكَةِ، وكَذا إذا تَحَقَّقَ الِاتِّصافُ بِالظُّلْمِ كَما في الفاسِقِ، عُلِمَ عَدَمُ حُصُولِ الإمامَةِ بَعْدَ ما دامَ اتِّصافُهُ بِذَلِكَ، واسْتِفادَةُ عَدَمِ صَلاحِيَّةِ الفاسِقِ لِلْإمامَةِ عَلى ما قَرَّرْنا مِن مَنطُوقِ الآيَةِ، وجَعْلُها مِن دِلالَةِ النَّصِّ، أوِ القِياسِ المُحْوِجِ إلى القَوْلِ بِالمُساواةِ، ولا أقَلَّ، أوِ التِزامٌ جامِعٌ وهُما مَناطُ العَيُّوقِ، إنَّما يَدْعُو إلَيْهِ حَمْلُ الإمامَةِ عَلى النُّبُوَّةِ، وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ المَبْنى الحَمْلُ عَلى الأعَمِّ، وكانَ الظّاهِرُ أنَّ الظُّلْمَ الطّارِئَ والفِسْقَ العارِضَ يَمْنَعُ عَنِ الإمامَةِ بَقاءً، كَما مُنِعَ عَنْها ابْتِداءً، لِأنَّ المُنافاةَ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ مُتَحَقِّقَةً في كُلِّ آنٍ، وبِهِ قالَ بَعْضُ السَّلَفِ، إلّا أنَّ الجُمْهُورَ عَلى خِلافِهِ مُدَّعِينَ أنَّ المُنافاةَ في الِابْتِداءِ لا تَقْتَضِي المُنافاةَ في البَقاءِ، لِأنَّ الدَّفْعَ أسْهَلُ مِنَ الرَّفْعِ، واسْتَشْهَدُوا لَهُ بِأنَّهُ لَوْ قالَ لِامْرَأةٍ مَجْهُولَةِ النَّسَبِ يُولَدُ مِثْلُها لِمِثْلِهِ: هَذِهِ بِنْتِي، لَمْ يَجُزْ لَهُ نِكاحُها، ولَوْ قالَ لِزَوْجَتِهِ المَوْصُوفَةِ بِذَلِكَ لَمْ يَرْتَفِعِ النِّكاحُ، لَكِنْ إنْ أصَرَّ عَلَيْهِ يُفَرِّقُ القاضِي بَيْنَهُما، وهَذا الَّذِي قالُوهُ إنَّما يُسَلَّمُ فِيما إذا لَمْ يَصِلِ الظُّلْمُ إلى حَدِّ الكُفْرِ، أمّا إذا وصَلَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ يُنافِي الإمامَةَ بَقاءً أيْضًا، بِلا رَيْبٍ، ويَنْعَزِلُ بِهِ الخَلِيفَةُ قَطْعًا، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الظّالِمَ إذا عُوهِدَ لَمْ يَلْزَمِ الوَفاءُ بِعَهْدِهِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لِلظّالِمِ عَهْدًا، وهو كَما تَرى، وقَرَأ أبُو الرَّجاءِ وقَتادَةُ، والأعْمَشُ (الظّالِمُونَ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (عَهْدِي) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ عَلى الفاعِلِ اهْتِمامًا ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ، قرأ ابن عامر أبرَاهَامَ، وروي عنه أنه قرأ أَبْرَهَمَ وهي لغة بعض العرب، وقرأ غيره إِبْراهِيمَ في جميع القرآن.
وهي اللغة المعروفة وهو اسم أعجمي ولهذا لا ينصرف.
وروي عن ابن عباس أنه قال: أمر الله تعالى إبراهيم بعشر خصال من السنن خمس في الرأس، وخمس في الجسد، وروي عن النبي نحو هذا.
حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن الفضل البلخي قال: حدثنا أبو بشر محمود بن مهدي، قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن الحجاج بن أرطأة، عن عطاء قال: قال رسول الله : «عَشْرٌ مِمَّا عَلِمَهُنَّ وَعَمِلَ بِهِنَّ أَبُوكُمْ إبْرَاهِيمُ- - خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ، وَخَمْسٌ فِي الجَسَدِ فَأَمَّا الَّتِي فِي الرَّأْسِ: فَالسِّوَاكُ وَالمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَأَمَّا الَّتِي في الجَسَدِ فَالخِتَانُ وَالاسْتِحْدَادُ وَالاسْتِنْجَاءُ وَنَتْفُ الإِبْطِ وَقَصُّ الأَظْفَارِ» ويقال: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ، أي اختبره.
والاختبار من الله تعالى أن يظهر حاله ليستوجب الثواب، لأن الله تعالى لا يعطي الثواب والعقاب بما يعلم ما لم يظهر منه ما يستوجب الثواب والعقاب، كما علم من إبليس الكفر، ولم يلعنه ما لم يختبره ويظهر منه ما يستوجب به اللعنة والعقوبة.
وقوله عز وجل: فَأَتَمَّهُنَّ، يعني عمل بهن.
ويقال: كان إبراهيم أفضل الناس في زمانه، وكرم على الله تعالى فابتلاه الله عز وجل بخصال لم يبتل بها غيره، فكان من الابتلاء أن أمه ولدته في غار.
ومن الابتلاء حيث نظر إلى الكوكب فقال: هذا ربي.
وروى الحسن أنه قال: كان الابتلاء بثلاثة أشياء أولها: الابتلاء بالكوكب والشمس والقمر، والثاني: بالنار، والثالث: بأمر سارة.
ويقال: كل من كان أكرم على الله كان ابتلاؤه أشد، لكي يتبين فضله ويستوجب الثواب.
كما روي عن لقمان الحكيم أنه قال لابنه: يا بني الذهب والفضة يختبران بالنار، والمؤمن يختبر بالبلايا.
فَأَتَمَّهُنَّ، أيّ عمل بهن.
ويقال: فَأَتَمَّهُنَّ أي وفى بهن، فلما وفّى الأمر جعله الله تعالى إماماً للناس ليقتدوا به.
وفي هذا دليل: أن الإنسان لا يبلغ درجة الأخيار إلا بالتعب وجهد النفس، فلما جعله الله تعالى إماماً، قالَ له: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والإمام الذي يؤتم به فأعجبه ذلك، وتمنى أن يكون ذلك لذريته بعده مثل ذلك، ف قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي، يعني اجعلهم أئمة يقتدى بهم.
قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، يعني الكافرين، يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماماً للناس.
ويقال: لا تصيب رحمتي الكافرين.
فالله تعالى أخبره أنه يكون في ذريته كفار، وأخبره أنه لا ينال عهده من كان كافراً.
قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص: لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أي الكافرين يعني لا يصلح أن يكون الكافر إماماً للناس.
ويقال: لا تصيب الرحمة الكافر.
فالله تعالى أخبره أنه يكون في ذنبه وأخبره أنه لا ينال عهده من كفر وكان كافراً.
قرأ حمزة وعاصم رواية حفص لاَ يَنالُ عَهْدِي بسكون الياء.
وقرأ الباقون بنصب الياء عَهْدِي الظَّالِمِينَ وهما لغتان ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ...
[الحاقة: ٤٤] الآية، وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الإسراء: ٧٥] ، فمعناه: أنّ هذا جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو صلّى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١٦] فالمراد غيره، كما قال:
إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ...
الآية [آل عمران: ١٤٩] وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤] ، ولَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: ١] ، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء كما قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...
[الأنعام: ٥٢] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ- عليه السلام- ولا كَانَ من الظالمين.
انتهى من «الشِّفَا» «١» .
ص «٢» : وَلَئِنِ: هذه اللام هي الموطّئة والمؤذنة، وهي مشعرة بقسم مقدّر قبلها.
انتهى.
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)
وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ ...
الآية: قال قتادة: المراد ب «الَّذِينَ» في هذا الموضع: من أسلم من أمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، والكتابُ على هذا: التأويل القرآن «٣» ، وقال ابنُ زَيْد: المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل «٤» ، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، وآتَيْناهُمُ: معناه: أعطيناهم، ويَتْلُونَهُ: معناه: يتبعونه حقَّ اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْر الدَّاوُودِيُّ: وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ: يقال: فلانٌ يتلو فلاناً، أي: يتبعه ومنه: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: ٢] أي: تبعها.
انتهى.
وللَّه دَرُّ مَنِ اتبع كلامَ ربِّهِ، واقتفى سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِ «المدارك» : قال في ترجمة سُحْنُون «١» : كان سُحْنُون يقول: مَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة في السَّبِخَةِ تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها.
انتهى.
وقيل: يَتْلُونَهُ: يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضاً يتضمَّن الاِتّباع والامتثال، وحَقَّ «٢» : مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على «الكتاب» ، وقيل:
يعود على محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في يَكْفُرْ بِهِ يحتمل من العود ما ذكر في الأول.
وقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ...
الآية: تقدّم بيان نظيرها، ومعنى: لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ: أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحَدَّ، فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة.
ت: ولم ينبِّه- رحمه اللَّه- على هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة، وابْتَلى معناه: اختبر، وفي «مختَصَرِ الطَّبريِّ» : ابْتَلى، أي: اختبر، والاختبارُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لعباده على علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه
فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ- رضي اللَّه عنه- في قوله عز وجَلَّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: ٣١] فقال رضي اللَّه عنه: إِن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزلْ عالماً بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ، أي: حتى نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم.
انتهى، وهو كلام حسنٌ.
وقد نبه ع: على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجرى على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو.
وإِبْراهِيمَ: يقال: إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في «الكلمات» ، فقال ابن عَبَّاس: هي ثلاثُونَ سَهْماً هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملاً إلا إبراهيمُ- عليه السلام- منْها في «براءة» : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ...
الآية [التوبة: ١١٢] ، وعشرة في «الأحزاب» : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ...
الآية [الأحزاب: ٣٥] ، وعَشَرة في سَأَلَ سائِلٌ «١» [المعارج: ١] .
ت: وقيل غير هذا.
وفي «البخاريِّ» : أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ «٢» ، قال الراوي: فأوحى اللَّه إليه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والإِمام القُدْوة.
وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ لأنها/ اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن ٣٥ أ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ .
اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: في المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.
وفي الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّوْراةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الكِتابِ.
والثّانِي: عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ﴾ والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.
وفي إبْراهِيمَ سِتُّ لُغاتٍ.
أحَدُها: إبْراهِيمُ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَّةُ.
والثّانِيَةُ: إبْراهم.
والثّالِثَةُ: إبْراهَمْ والرّابِعَةُ: إبْراهِمْ، ذَكَرَهُنَّ الفَرّاءُ.
والخامِسَةُ: إبْراهامُ.
والسّادِسَةُ: إبَرَهَمُ.
قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبَرَهَمُ مُسْتَقْبِلُ الكَعْبَةِ وهْوَ قائِمٌ وَقالَ أيْضًا: نَحْنُ آَلُ اللَّهِ في كَعْبَتِهِ ∗∗∗ لَمْ يَزَلْ ذاكَ عَلى عَهْدِ إبَرِهِيمَ وَفِي الكَلِماتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ.
أمّا الَّتِي في الرَّأْسِ؛ فالفَرْقُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ.
وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظافِرِ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِطابَةُ بِالماءِ، والخِتانُ، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها عَشْرٌ، سِتٌّ في الإنْسانِ، وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ.
فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظافِرِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، والغَسْلُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.
والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.
رَواهُ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها المَناسِكُ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، والهِجْرَةِ، والنّارِ، وذَبْحِ ولَدِهِ، والخِتانِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّها كُلُّ مَسْألَةٍ في القُرْآَنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ .
ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ فَمَن قالَ: هي أفْعالٌ فَعَلَها؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: عَمِلَ بِهِنَّ.
ومَن قالَ: هي دَعَواتٌ ومَسائِلٌ؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: أجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِنَّ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قَرَأ: (إبْراهِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ (رَبَّهُ) بِنَصْبِ الباءِ، عَلى مَعْنى: اخْتَبَرَ رَبَّهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ دُعاءَهُ، ويَتَّخِذُهُ خَلِيلًا أمْ لا؟
.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ في الذُّرِّيَّةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آَدَمَ كالذَّرِّ.
والثّانِي: أنَّ أصْلَها ذَرُّورَةٌ، عَلى وزْنِ: فَعْلُولَةٌ، ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ التَّضْعِيفُ أُبْدِلَ مِنَ الرّاءِ الأخِيرَةِ ياءٌ، فَصارَتْ: ذُرْوِيَّةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، فَصارَتْ: ذُرِّيَّةً، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وصَوَّبَ الأوَّلَ.
وَفِي العَهْدِ هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الإمامَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ.
والرّابِعُ: الدِّينُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والخامِسُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والسّادِسُ: الأمانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
والسّابِعُ: المِيثاقُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والأوَّلُ أصَحُّ.
وَفِي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: العُصاةُ، قالَهُ عَطاءٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وغَيْرُهُ "نِعْمَتِي" بِتَسْكِينِ الياءِ تَخْفِيفًا؛ لِأنَّ أصْلَها التَحْرِيكُ كَتَحْرِيكِ الضَمائِرِ: لَكَ وبِكَ، ثُمَّ حَذَفَها الحَسَنُ لِلِالتِقاءِ، وفي السَبْعَةِ مَن يُحَرِّكُ الياءَ، ومِنهم مَن يُسَكِّنُها.
وإنَّ قَدَّرْنا فَضِيلَةَ بَنِي إسْرائِيلَ مَخْصُوصَةً بِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالعالَمُونَ عُمُومٌ مُطْلَقٌ، وإنَّ قَدَّرْنا تَفْضِيلَهم عَلى الإطْلاقِ فالعالِمُونَ عالِمُو زَمانِهِمْ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ أفْضَلُ مِنهم بِالنَصِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "يُنْصَرُونَ" وَمَعْنى ( لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ) أيْ لَيْسَتْ ثُمَّ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يُشَفَّعُ فِيهِمْ أحَدٌ فَيُرِدُ، وإنَّما نَفى أنْ تَكُونَ ثَمَّ شَفاعَةٌ عَلى حَدِّ ما هي في الدُنْيا، وأمّا الشَفاعَةُ الَّتِي هي في تَعْجِيلِ الحِسابِ فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في خاصَّتِهِمْ، وأمّا الأخِيرَةُ الَّتِي هي بِإذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى في أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهي بَعْدَ أنْ أخَذَ العِقابُ حَقَّهُ، ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُتَوَعِّدِينَ مِنَ الكُفّارِ مِنها شَيْءٌ.
والعامِلُ في "إذِ" فِعْلٌ، تَقْدِيرُهُ واذَّكَّرَ إذْ، و"ابْتَلى" مَعْناهُ اخْتَبَرَ، و"إبْراهِيمَ" يُقالُ: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في جَمِيعِ سُورَةِ البَقَرَةِ "أبْراهامُ".
وقُدِّمَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ إذْ كَوْنُ الرَبِّ مُبْتَلِيًا مَعْلُومٌ، فَإنَّما يَهْتَمُّ السامِعُ بِمَنِ ابْتَلى، وكَوْنُ ضَمِيرِ المَفْعُولِ مُتَّصِلًا بِالفاعِلِ مُوجِبٌ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ، فَإنَّما بُنِيَ الكَلامُ عَلى هَذا الِاهْتِمامِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في الكَلِماتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي ثَلاثُونَ سَهْمًا هي الإسْلامُ كُلُّهُ لَمْ يُتِمَّهُ أحَدٌ كامِلًا إلّا إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، عَشْرَةٌ مِنها في بَراءَةَ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ ﴾ الآيَةُ، وعَشْرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ ﴾ ، وعَشْرَةٌ فِي: ﴿ سَألَ سائِلٌ ﴾ .
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ: الكَلِماتُ عَشْرُ خِصالٍ، خُمْسٌ مِنها في الرَأْسِ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشارِبِ، والسِواكُ، وفَرْقُ الرَأْسِ، وقِيلَ بَدَلُ فَرْقِ الرَأْسِ: إعْفاءُ اللِحْيَةِ.
وخَمْسٌ في الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الظُفْرِ وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، والِاخْتِتانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي عَشَرَةُ خِصالٍ، سِتٌّ في البَدَنِ، وأرْبَعٌ في الحَجِّ: الخِتانُ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشارِبِ، والغُسْلُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، والطَوافُ بِالبَيْتِ، والسَعْيُ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هي الخِلالُ السِتُّ الَّتِي امْتُحِنَ بِها: الكَوْكَبُ، والقَمَرُ، والشَمْسُ والنارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، وقِيلَ بَدَلُ الهِجْرَةِ: الذَبْحُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً.
ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلَيْهِ أنْ تَطَهَّرَ فَتَمَضْمَضْ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فاسْتَنْشِقْ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فاسْتاكَ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فَأخَذَ مِن شارِبِهِ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَفَرَقَ شَعْرَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فاسْتَنْجى، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَحَلَقَ عانَتَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَنَتَفَ إبِطَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ فَقَلَّمَ أظَفارَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَأقْبَلَ عَلى جَسَدِهِ يَنْظُرُ ما يَصْنَعُ فاخْتُتِنَ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ اخْتُتِنَ وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً بِالقُدُومِ».
وَقالَ الراوِي فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: ﴿ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ يَأْتَمُّونَ بِكَ في هَذِهِ الخِصالِ، ويَقْتَدِي بِكَ الصالِحُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أقْوى الأقْوالِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ هو الَّذِي أتَمَّ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: إنَّ الكَلِماتِ هي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ بِأمْرٍ فَما هُوَ؟
قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُنِي إمامًا لِلنّاسِ، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وآمِنّا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وتُرِينا مَناسِكَنا وتَتُوبُ عَلَيْنا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وتُرْزَقُ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ، قالَ اللهُ: نَعَمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ فاللهُ تَعالى هو الَّذِي أتَمَّ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذا، وذَكَرُوا أشْياءَ فِيها بَعْدُ فاخْتَصَرْتُها.
وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ الخِصالُ كَلِماتٍ لِأنَّها اقْتُرِنَتْ بِها أوامِرُ هي كَلِماتٌ.
ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أتَمَّ هَذِهِ الكَلِماتِ، أو أتَمَّها اللهُ عَلَيْهِ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ البَراءَةَ مِنَ النارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ .
والإمامُ: القُدْوَةُ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ إمامٌ، وهو هُنا اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقِيلَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: هو جَمْعٌ آمٌّ، وزْنُهُ فاعِلٌ أصْلُهُ آمَمَ، فَيَجِيءُ مِثْلَ قائِمٍ وقِيامٍ، وجائِعٍ وجِياعٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ.
وجَعَلَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ إمامًا لِأهْلِ طاعَتِهِ فَلِذَلِكَ اجْتَمَعَتِ الأُمَمُ عَلى الدَعْوى فِيهِ، وأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ كانَ حَنِيفًا، وقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ هو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ والرَغْبى إلى اللهِ، أيْ: ومِن ذُرِّيَّتِي يا رَبِّ فاجْعَلْ.
وقِيلَ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ عنهُمْ، أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي يا رَبِّ ماذا يَكُونُ؟
والذُرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَرا يَذْرُو، أو مِن ذَرى يَذْرِي، أو مِن ذَرْ يَذَرُ، أو مِن ذَرَأ يَذْرَأُ، وهي أفْعالٌ تَتَقارَبُ مَعانِيها، وقَدْ طَوَّلَ في تَعْلِيلِها أبُو الفَتْحِ وشَفى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي ﴾ أيْ: قالَ اللهُ.
والعَهْدُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ: الإمامَةُ، وقالَ السُدِّيُّ: النُبُوءَةُ، وقالَ قَتادَةُ: الأمانُ مِن عَذابِ اللهِ، وقالَ الرَبِيعُ، والضَحّاكُ: العَهْدُ الدِينُ، دِينُ اللهِ تَعالى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنْ تُطِيعَهُ، ونَصْبُ "الظالِمِينَ" لِأنَّ العَهْدَ يَنالُ كَما يُنالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: "الظالِمُونَ" بِالرَفْعِ.
وإذا أوَّلْنا العَهْدَ الدِينَ أوِ الأمانَ أو ألّا طاعَةَ لِظالِمٍ، فالظُلْمُ في الآيَةِ ظُلْمُ الكَفْرِ، لِأنَّ العاصِي المُؤْمِنَ يَنالُ الدِينَ والأُمّانَ مِن عَذابِ اللهِ، وتَلْزَمُ طاعَتَهُ إذا كانَ ذا أمْرٍ.
وإذا أوَّلْنا العَهْدَ النُبُوءَةَ أوِ الإمامَةَ في الدِينِ، فالظُلْمُ ظُلْمُ المَعاصِي فَما زادَ.
لما كملت الحجج نهوضاً على أهل الكتابين ومشركي العرب في عميق ضلالهم بإعراضهم عن الإسلام، وتبين سوء نواياهم التي حالت دون الاهتداء بهديه والانتفاع بفضله، وسجل ذلك على زعماء المعاندين أعني اليهود ابتداء بقوله: ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ [البقرة: 40] مرتين، وأدمج معهم النصارى استطراداً مقصوداً، ثم أنصف المنصفون منهم الذين يتلون الكتاب حق تلاوته، انتقل إلى توجيه التوبيخ والتذكير إلى العرب الذين يزعمون أنهم أفضل ذرية إبراهيم وأنهم يتعلقون بملته، وأنهم زرع إسماعيل وسدنة البيت الذي بناه، وكانوا قد وُخزوا بجانب من التعريض في خلال المحاورات التي جرت مع أهل الكتاب للصفة التي جمعتهم وإياهم من حسد النبيء والمسلمين على ما أنزل عليهم من خير، ومن قولهم ليس المسلمون على شيء، ومن قولهم ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ [البقرة: 116]، ومن قولهم ﴿ لولا يكلمنا الله ﴾ [البقرة: 118].
فلما أخذ اليهود والنصارى حظهم من الإنذار والموعظة كاملاً فيما اختصوا به، وأخذوا مع المشركين حظهم من ذلك فيما اشتركوا فيه تهيأ المقام للتوجه إلى مشركي العرب لإعطائهم حظهم من الموعظة كاملاً فيما اختصوا به، فمناسبة ذكر فضائل إبراهيم ومنزلته عند ربه ودعوته لعقبه عقب ذكر أحوال بني إسرائيل، هي الاتحاد في المقصد، فإن المقصود من تذكير بني إسرائيل بالنعم والتخويف، تحريضهم على الإنصاف في تلقي الدعوة الإسلامية والتجرد من المكابرة والحسد وترك الحظوظ الدنيوية لنيل السعادة الأخروية.
والمقصود من ذكر قصة إبراهيم موعظة المشركين ابتداء وبني إسرائيل تبعاً له، لأن العرب أشد اختصاصاً بإبراهيم من حيث إنهم يزيدون على نسبهم إليه بكونهم حفظة حرمه، ومنتمين قديماً للحنيفية ولم يطرأ عليهم دين يخالف الحنيفية بخلاف أهل الكتابين.
فحقيق أن نجعل قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ عطفاً على قوله تعالى: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] كما دل عليه افتتاحه بإذ على نحو افتتاح ذكر خلق آدم بقوله: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ فإن الأول تذكير بنعمة الخلق الأول وقد وقع عقب التعجب من كفر المشركين بالخالق في قوله: ﴿ كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ [البقرة: 28]، عقبت تلك التذكرة بإنذار من كيفر بآيات اللهمن ذرية آدم بقوله: ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ [البقرة: 38] الآية، ثم خص من بين ذرية آدم بنو إسرائيل الذين عُهد إليهم على لسان موسى عهد الإيمان وتصديق الرسول الذي يجيء مصدقاً لما معهم، لأنهم صاروا بمنزلة الشهداء على ذرية آدم.
فتهيأ المقام لتذكير الفريقين بأبيهم الأقرب وهو إبراهيم أي وجه يكون المقصود بالخطاب فيه ابتداء العرب، ويضم الفريق الآخر معهم في قرن، ولذلك كان معظم الثناء على إبراهيم بذكر بناء البيت الحرام وما تبعه إلى أن ذكرت القبلة وسط ذلك، ثم طوي بالانتقال إلى ذكر سلف بني إسرائيل بقوله: ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ [البقرة: 133] ليفضي إلى قوله: ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا ﴾ [البقرة: 135] فيرجع إلى تفضيل الحنيفية والإعلام بأنها أصل الإسلام وأن المشركين ليسوا في شيء منها وكذلك اليهود والنصارى.
وقد افتتح ذكر هذين الطورين بفضل ذكر فضل الأبوين آدم وإبراهيم، فجاء الخبران على أسلوب واحد على أبدع وجه وأحكم نظم.
فتعين أن تقدير الكلام واذكر إذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات.
ومن الناس من زعم أن قوله: ﴿ وإذ ابتلى ﴾ عطف على قوله ﴿ نعمتي ﴾ [البقرة: 122] أي اذكروا نعمتي وابتلائي إبراهيم، ويلزمه تخصيص هاته الموعظة ببني إسرائيل، وتخلل ﴿ واتقوا يوماً ﴾ [البقرة: 123] بين المعطوفين وذلك يضيق شمول الآية، وقد أدمج في ذلك قوله: ﴿ ومن ذريتي ﴾ وقوله: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ .
وفي هذه الآية مقصد آخر وهو تمهيد الانتقال إلى فضائل البلد الحرام والبيت الحرام، لإقامة الحجة على الذين عجبوا من نسخ استقبال بيت المقدس وتذرعوا بذلك إلى الطعن في الإسلام بوقوع النسخ فيه، وإلى تنفير عامة أهل الكتاب من اتباعه لأنه غير قبلتهم ليظهر لهم أن الكعبة هي أجدر بالاستقبال وأن الله استبقاها لهذه الأمة تنبيهاً على مزية هذا الدين.
والابتلاء افتعال من البلاء، وصيغة الافتعال هنا للمبالغة والبلاء الاختبار وتقدم في قوله: ﴿ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ [البقرة: 49]، وهو مجاز مشهور فيه لأن الذي يكلف غيره بشيء يكون تكليفه متضمناً انتظار فعله أو تركه فيلزمه الاختبار فهو مجاز على مجاز، والمراد هنا التكليف لأن الله كلفه بأوامر ونواه إما من الفضائل والآداب وإما من الأحكام التكليفية الخاصة به، وليس في إسناد الابتلاء إلى الله تعالى إِشكال بعد أن عرفت أنه مجاز في التكليف، ولك أن تجعله استعارة تمثيلية، وكيفما كان فطريق التكليف وحي لا محالة، وهذا يدل على أن إبراهيم أوحى إليه بنبوءة لتتهيأ نفسه لتلقي الشريعة فلما امتثل ما أمر به أوحى إليه بالرسالة وهي في قوله تعالى: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ فتكون جملة ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ بدل بعض من جملة ﴿ وإذ ابتلى ﴾ ، ويجوز أن يكون الابتلاء هو الوحي بالرسالة ويكون قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ تفسيراً لابتلى.
والإمام الرسول والقدوة.
و (إبراهيم) اسم الرسول العظيم الملقب بالخليل وهو إبراهيم بن تارح (وتسمي العرب تارح آزر) بن ناحور بن سروج، ابن رعو، ابن فالح، ابن عابر ابن شالح ابن أرفكشاد، ابن سام ابن نوح هكذا تقول التوراة.
ومعنى إبراهيم في لغة الكلدانيين أب رحيم أو أب راحم قاله السهيلي وابن عطية، وفي التوراة أن اسم إبراهيم إبرام وأن الله لما أوحى إليه وكلمه أمره أن يسمى إبراهيم لأنه يجعله أباً لجمهور من الأمم، فمعنى إبراهيم على هذا أبو أمم كثيرة.
ولد في أور الكلدانيين سنة 1996 ست وتسعين وتسعمائة وألف قبل ميلاد المسيح، ثم انتقل به والده إلى أرض كنعان (وهي أرض الفنيقيين) فأقاموا بحاران (هي حوران) ثم خرج منها لقحط أصاب حاران فدخل مصر وزوَّجه سارة وهنالك رام ملك مصر افتكاك سارة فرأى آية صرفته عن مرامه فأكرمها وأهداها جاريةً مصريةً اسمها هاجر وهي أم ولده إسماعيل، وسماه الله بعد ذلك إبراهيم، وأسكن ابنه إسماعيل وأمه هاجر بوادي مكة ثم لما شب إسماعيل بنى إبراهيم البيت الحرام هنالك.
وتوفي إبراهيم سنة 1773 ثلاث وسبعين وسبعمائة وألف قبل ميلاد المسيح.
وفي اسمه لغات للعرب: إحداها إبراهيم وهي المشهورة وقرأ بها الجمهور، والثانية إبراهام وقعت في قراءة هشام عن ابن عامر حيثما وقع اسم إبراهيم، الثالثة إبراهِم وقعت في رجز لزيد بن عمرو بن نفيل: عذت بما عاذ به إبراهِمْ *** مستقبل الكعبة وهو قائمْ وذكر أبو شامة في ﴿ شرح حرز الأماني ﴾ عن الفراء في إبراهيم ست لغات: إبراهيم، إبراهام، إبراهوم، إبراهِم، (بكسر الهاء)، إبراهُم (بفتح الهاء) إبراهم (بضم الهاء).
ولم يقرأ جمهور القراء العشرة إلا بالأولى وقرأ بعضهم بالثانية في ثلاثة وثلاثين موضعاً سيقع التنبيه عليها في مواضعها، ومع اختلاف هذه القراءات فهو لم يكتب في معظم المصاحف الأصلية إلا إبراهيم بإثبات الياء، قال أبوعمرو الداني لم أجد في مصاحف العراق والشام مكتوباً إبراهم بميم بعد الهاء ولم يكتب في شيء من المصاحف إبراهام بالألف بعد الهاء على وفق قراءة هشام، قال أبو زرعة سمعت عبد الله بن ذكوان قال: سمعت أبا خليد القارئ يقول في القرآن ستة وثلاثون موضعاً إبراهام قال أبو خليد: فذكرت ذلك لمالك بن أنس فقال عندنا مصحف قديم فنظر فيه ثم أعلمني أنه وجدها فيه كذلك، وقال أبو بكر ابن مهران روى عن مالك بن أنس أنه قيل له: إن أهل دمشق يقرأون إبراهام ويدعون أنها قراءة عثمان رضي الله عنه فقال مالك ها مصحف عثمان عندي ثم دعا به فإذا فيه كما قرأ أهل دمشق.
وتقديمُ المفعول وهو لفظ (إبراهيم) لأن المقصود تشريف إبراهيم بإضافة اسم رب إلى اسمه مع مراعاة الإيجاز فلذلك لم يقل وإذ ابتلى اللَّهُ إبراهيم.
والكلمات الكلام الذي أوحَى الله به إلى إبراهيم إذ الكلمة لفظ يدل على معنى والمراد بها هنا الجمل كما في قوله تعالى: ﴿ كَلاَّ إنها كلمةٌ هو قائِلُها ﴾ [المؤمنون: 100]، وأَجْمَلَها هنا إذ ليس الغرض تفصيل شريعة إبراهيم ولا بسط القصة والحكاية وإنما الغرض بيان فضل إبراهيم ببيان ظهور عزمه وامتثاله لِتكاليف فأتَى بها كاملة فجوزي بعظيم الجزاء، وهذه عادة القرآن في إجمال ما ليس بمحل الحاجة، ولعل جمع الكلمات جمعَ السلامة يؤذن بأن المراد بها أصول الحنيفية وهي قليلة العدد كثيرة الكلفة، فلعل منها الأمر بذبح ولده، وأمره بالاختتان، وبالمهاجرة بِهاجَر إلى شقة بعيدة وأعظم ذلك أَمْرُه بذبح ولده إسماعيل بوحي من الله إليه في الرؤيا، وقد سمي ذلك بلاء في قوله تعالى: ﴿ إن هذا لهو البلاء المبين ﴾ [الصافات: 106].
وقوله: ﴿ فأتمهن ﴾ جيء فيه بالفاء للدلالة على الفور في الامتثال وذلك من شدة العزم.
والإتمام في الأصل الإتيان بنهاية الفعل أو إكمال آخر أجزاء المصنوع.
وتعدية فعل أَتم إلى ضمير (كلمات) مجاز عقلي، وهو من تعليق الفعل بحاوي المفعول لأنه كالمكان له وفي معنى الإتمام قوله تعالى: ﴿ وإبراهيم الذي وفَّى ﴾ [النجم: 37]، وقوله: ﴿ قد صدقت الرؤيا ﴾ [الصافات: 105]، فالإفعال هنا بمعنى إيقاع الفعل على الوجه الأتم وليس المراد بالهمز التصيير أي صيرها تامة بعد أن كانت ناقصة إذ ليس المراد أنه فعل بعضها ثم أتى بالبعض الآخر، فدل قوله: ﴿ فأتمهن ﴾ مع إيجازه على الامتثال وإتقانِه والفورِ فيه.
وهذه الجملة هي المقصود من جزء القصة فيكون عطفها للدلالة على أنه ابتُلى فامتثَل كقولك دعوت فلاناً فأجاب.
وجملة ﴿ قال إني جاعلك للناس إماماً ﴾ مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئاً عما اقتضاه قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ من تعظيم الخبر والتنويه به، لما يقتضيه ظرف (إذْ) من الإشارة إلى قصة من الأخبار التاريخية العظيمة فيترقب السامع ما يترتب على اقتصاصها، ويجوز أن يكون الفصل على طريقة المقاولة لأن هذا القول مجاوبة لما دل عليه قوله: ﴿ ابتلى ﴾ .
والإمام مشتق من الأَم بفتح الهمزة وهو القصد وهو وزن فِعَال من صيغ الآلة سماعاً كالعِمَاد والنقاب والإزار والرداء، فأصله ما يحصل به الأَم أي القصد ولما كان الدال على الطريق يقتدي به الساير دل الإمام على القدوة والهادي.
والمراد بالإمام هنا الرسول فإن الرسالة أكمل أنواع الإمامة والرسول أكمل أفراد هذا النوع.
وإنما عدل عن التعبير ﴿ برسولاً ﴾ إلى ﴿ إماماً ﴾ ليكون ذلك دالاً على أن رسالته تنفع الأمة المرسَل إليها بطريق التبليغ، وتنفع غيرهم من الأمم بطريق الاقتداء، فإن إبراهيم عليه السلام رحل إلى آفاق كثيرة فتنقل من بلاد الكلدان إلى العراق وإلى الشام والحجاز ومصر، وكان في جميع منازله محل التبجيل ولا شك أن التبجيل يبعث على الاقتداء، وقد قيل إن دين بَرْهَمَا المتَّبَع في الهند أصلُه منسوب إلى اسم إبراهم عليه السلام مع تحريف أدخل على ذلك الدين كما أدخل التحريف على الحنيفية، وليتأتَّى الإيجاز في حكاية قول إبراهيم الآتي ﴿ ومن ذريتي ﴾ ، فيكون قد سأل أن يكون في ذريته الإمامةُ بأنواعها من رسالةٍ ومُلك وقدوة على حسب التهيُّؤ فيهم، وأقل أنواع الإمامة كونُ الرجل الكامللِ قدوةً لبنيه وأهل بيته وتلاميذه.
وقوله: ﴿ قال ومن ذريتي ﴾ جواب صدر من إبراهيم فلذا حُكي بقال دون عاطف على طريق حكاية المحاورات كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] والمقول معطوف على خطاب الله تعالى إياه يسمونه عطف التلقين وهو عطف المخاطَب كلاماً على ما وقع في كلام المتكلم تنزيلاً لنفسه في منزلة المتكلم يكمِّل له شيئاً ترَكَه المتكلم إما عن غفلة وإما عن اقتصار فيُلقنه السامعُ تدارُكَه بحيث يلتئم من الكلامين كلام تام في اعتقاد المخاطب.
وفي الحديث الصحيح قال جرير بن عبد الله «بايعت النبيء على شهادة أن لا إله إلا الله إلخ فشرط عليَّ والنصححِ لكل مسلم»، ومنه قول ابن الزبير للذي سأله فلم يعطه فقال لعن الله ناقةً حملتنِي إليك فقال ابن الزبير «إِنَّ ورَاكِبهَا»، وقد لقبوه عطف التلقين كما في «شرح التفتزاني على الكشاف» وذلك لأن أكثر وقوع مثله في موقع العطف، والأَوْلى أن تحذف كلمة عطف ونُسميَ هذا الصنفَ من الكلام باسم التلقين وهو تلقين السامع المتكلمَ ما يراه حقيقاً بأن يُلحقه بكلامه، فقد يكون بطريقة العطف وهو الغالب كما هنا، وقد يكون بطريقة الاستفهام الإنكاري والحال كقول تعالى: ﴿ قالوا بل نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنَا عليه آباءنا أَوْ لَوْ كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ﴾ [البقرة: 170] فإن الواو مع (لو) الوصلية واو الحال وليس واو العطف فهو إنكار على إلحاقهم المستفهم عنه بقولهم ودعواهم، وقد يكون بطريقة الاستثناء كقول العباس لمَّا قال النبيء صلى الله عليه وسلم في حَرَم مكة «لاَ يُعْضَدُ شَجَرهُ» فقال العباس إِلاَّ الإذْخِرِ لِبيُوتنا وقَيْنِنَا، وللكلام المعطوف عطفَ التلقين من الحُكم حُكْمُ الكلام المعطوف هو عليه خبراً وطلباً، فإذا كان كما هنا على طريق العرض علم إمضاء المتكلم له إياه، بإقراره كما في الآية أو التصريح به كما وقع في الحديث «إلا الإذخر»، ثم هو في الإنشاء إذا عطف معمولُ الإنشاء يتضمن أن المعطوف له حكم المعطوف عليه، ولما كان المتكلم بالعطف في الإنشاء هو المخاطب بالإنشاء لزم تأويل عطف التلقين فيه بأنه على إرادة العطف على معمول لازم الإنشاء ففي الأمر إذا عَطَف المأمورُ مفعولاً على مفعول الآمر كان المعنى زدني من الأمر فأَنا بصدد الامتثال وكذا في المنهي.
والمعطوف محذوف دل عليه المقام أي وبعض من ذريتي أو وجاعلُ بعضضٍ من ذريتي.
والذُّريَّة نسل الرجل وما تَوَالَد منه ومن أبنائه وبناتِه، وهي مشتقة إما من الذَّرِّ اسماً وهو صغار النمل، وإما من الذَّرِّ مصدراً بمعنى التفريق، وإما من الذَّرْى والذَّرْو (بالياء والواو) وهو مصدر ذَرَتتِ الريحُ إذا سَفَت، وإما من الذرء بالهمز وهو الخَلْق، فوزنها إما فُعْلِيَّة بوزن النسب إلى ذر وضم الذال في النسب على غير قياس كما قالوا في النسب إلى دَهْر دُهْرِيّ بضم الدال، وإما فُعِّيلَة أو فُعُّولَة من الذرى أو الذرو أو الذرء بإدغام اليائين أو الياء مع الواو أو الياء مع الهمزة بعد قلبها ياء وكل هذا تصريف لاشتقاق الواضع فليس قياس التصريف.
وإنما قال إبراهيمُ: ﴿ ومن ذريتي ﴾ ولم يقل وَذُريتي لأنه يعلَم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يُقتدَى بهم فلم يسأل ما هو مستحيل عادة لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء.
وإنما سأل لذريته ولم يقصر السؤال على عقبه كما هو المتعارف في عصبية القائل لأبناء دينه على الفطرة التي لا تقتضي تفاوتاً فيرى أبناء الابن وأبناء البنت في القرب من الجد بل هما سواء في حكم القرابة، وأما مبنى القبلية فعلى اعتبارات عرفية ترجع إلى النصرة والاعتزاز فأما قول: بنونا بنو أبنائنا وبناتُنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد فَوهم جاهلي، وإلا فإن بني الأبناء أيضاً بنوهم أبناء النساء الأباعد، وهل يتكون نسل إلا من أب وأم.
وكذا قول: وإنما أمهات الناس أوْعِيَة *** فيها خلقن وللأبناء أبناء فذلك سفسطة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي سأله عن الأحق بالبر من أبويه " أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك " وقال الله تعالى: ﴿ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن ﴾ [لقمان: 14].
وقوله تعالى: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ استجابة مطوية بإيجاز وبيان للفريق الذي تتحقق فيه دعوة إبراهيم والذي لا تتحقق فيه بالاقتصار على أحدهما لأن حكم أحد الضدين يثبت نقيضه للآخر على طريقة الإيجاز، وإنما لم يُذكر الصنف الذي تحقق فيه الدعوة لأن المقصد ذكر الصنف الآخر تعريضاً بأن الذين يزعمون يومئذ أنهم أولى الناس بإبراهيم وهم أهل الكتاب ومشركو العرب هم الذين يُحرمون من دعوته، قال تعالى: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه ﴾ [آل عمران: 67، 68] ولأن المربي يقصد التحذير من المفاسد قبل الحث على المصالح، فبيان الذين لا تتحقق فيهم الدعوة أولى من بيان الآخرين.
و ﴿ ينال ﴾ مضارع نال نيلاً بالياء إذا أصاب شيئاً والتحق به أي لا يصيب عهدي الظالمين أي لا يشملهم، فالعهد هنا بمعنى الوعد المؤكد.
وسمي وعد الله عهداً لأن الله لا يخلف وعده كما أخبر بذلك فصار وعده عهداً ولذلك سماه النبيء عهداً في قوله «أَنشُدك عهدك ووعدك»، أي لاينال وعدي بإجابة دعوتك الظالمين منهم، ولا يحسن أن يفسر العهد هنا بغير هذا وإن كان في مواقع من القرآن أريد به غيره، وسيأتي ذكر العهد في سورة الأعراف.
ومن دقة القرآن اختيار هذا اللفظ هنا لأن اليهود زعموا أن الله عهد لإبراهيم عهداً بأنه مع ذريته ففي ذكر لفظ العهد تعريض بهم وإن كان صريح الكلام لتوبيخ المشركين.
والمراد بالظالمين ابتداء المشركون أي الذين ظلموا أنفسهم إذ أشركوا بالله قال تعالى: ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ [لقمان: 13] والظلم يشمل أيضاً عمل المعاصي الكبائر كما وقع في قوله تعالى: ﴿ ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين ﴾ [الصافات: 113] وقد وصف القرآن اليهود بوصف الظالمين في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾ [المائدة: 45] فالمراد بالظلم المعاصي الكبيرة وأعلاها الشرك بالله تعالى.
وفي الآية تنبيه على أن أهل الكتاب والمشركين يومئذ ليسوا جديرين بالإمامة لاتصافهم بأنواع من الظلم كالشرك وتحريف الكتاب وتأويله على حسب شهواتهم والانهماك في المعاصي حتى إذا عرضوا أنفسهم على هذا الوصف علموا انطباقه عليهم.
وإناطة الحكم بوصف الظالمين إيماء إلى علة نفي أن ينالهم عهد الله فيفهم من العلة أنه إذا زال وصف الظلم نالهم العهد.
وفي الآية أن المتصف بالكبيرة ليس مستحقاً لإسناد الإمامة إليه أعني سائر ولايات المسلمين: الخلافة والإمارة والقضاء والفتوى ورواية العلم وإمامة الصلاة ونحو ذلك.
قال فخر الدين: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له.
وفي «تفسير ابن عرفة» تسليم ذلك.
ونقل ابن عرفة عن المازري والقرطبي عن الجمهور إذا عقد للإمام على وجه صحيح ثم فسق وجار فإن كان فسقه بكفر وجب خلعه وأما بغيره من المعاصي فقال الخوارج والمعتزلة وبعض أهل السنة يخلع وقال جمهور أهل السنة لا يخلع بالفسق والظلم وتعطيل الحدود ويجب وعظه وترك طاعته فيما لا تجب فيه طاعة وهذا مع القدرة على خلعه فإن لم يقدر عليه إلا بفتنة وحرب فاتفقوا على منع القيام عليه وأن الصبر على جوره أولى من استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء انطلاق أيدي السفهاء والفساق في الأرض وهذا حكم كل ولاية في قول علماء السنة، وما نقل عن أبي حينفة من جواز كون الفاسق خليفة وعدم جواز كونه قاضياً قال أبو بكر الرازي الجصاص هو خطأ في النقل.
وقرأ الجمهور من العشرة (عهديَ) بفتح ياء المتكلم وهو وجه من الوجوه في ياء المتكلم وقرأه حمزة وحفص بإسكان الياء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذا ابْتَلى يَعْنِي اخْتَبَرَ، وإبْراهِيمُ بِالسُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، وفي الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها، ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ابْتَلى اللَّهُ أحَدًا بِهِنَّ، فَقامَ بِها كُلِّها، غَيْرَ إبْراهِيمَ، ابْتُلِيَ بِالإسْلامِ فَأتَمَّهُ، فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ البَراءَةَ فَقالَ: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ قالَ: وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشَرَةٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ ﴾ .
وَعَشَرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا ﴾ .
وعَشَرَةٌ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ .
وفي سُورَةِ (سَألَ سائِلٌ) مِن: ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ﴾ ، إلى: ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ .
والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها خِصالٌ مِن سُنَنِ الإسْلامِ، خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ، فَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ في الرَّأْسِ: قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ.
وَفي الجَسَدِ تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ أثَرِ البَوْلِ والغائِطِ بِالماءِ.
وَهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّها عَشْرُ خِصالٍ، سِتٌّ في الإنْسانِ وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ، فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.
والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ، والسَّعْيُ بَيْنالصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.
رَوى ذَلِكَ الحَسَنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ يا إبْراهِيمُ، قالَ: تَجْعَلُنِي لِلنّاسِ إمامًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي؟
قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ، قالَ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأمْنًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُنا مُسْلِمِينَ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا؟
قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَرْزُقُ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ؟
قالَ: نَعَمْ، فَهَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والخامِسُ: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها الخِلالُ السِّتُّ: الكَواكِبُ، والقَمَرُ، والشَّمْسُ، والنّارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.
والقَوْلُ السّابِعُ: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ يَقُولُ: (ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى؟
لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ)» .
والقَوْلُ الثّامِنُ: ما رَواهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ : « ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما وفّى؟
قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في النَّهارِ.
» ﴿ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ أيْ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا، ومِنهُ إمامُ المُصَلِّينَ، وهو المَتْبُوعُ في الصَّلاةِ.
﴿ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمِعَ في الإمامَةِ لِذُرِّيَّتِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لَهم.
والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِخْبارًا عَنْ حالِهِمْ، هَلْ يَكُونُونَ أهْلَ طاعَةٍ فَيَصِيرُوا أئِمَّةً؟
فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ عاصِيًا وظالِمًا، لا يَسْتَحِقُّ الإمامَةَ، فَقالَ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ وفي هَذا العَهْدِ، سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ الإمامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والخامِسُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ الجَزاءُ والثَّوابُ.
والسّابِعُ: أنَّهُ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنَّهُ تُطِيعُهُ في ظُلْمِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
*** ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَجْمَعًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ.
والثّانِي: مَرْجِعًا مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ ثابَتِ العِلَّةُ إذا رَجَعَتْ.
وَقالَ الشّاعِرُ: مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تُحِبُّ إلَيْها اليَعْمُلاتُ الذَّوامِلُ وَفِي رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.
والثّانِي: أنَّهم في كُلِّ واحِدٍ مِن نُسُكَيِ الحَجِّ والعُمْرَةِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِن حِلٍّ إلى حَرَمٍ; لِأنَّ الجَمْعَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ.
قالَ تَعالى: ﴿ وَأمْنًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأمْنِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن مَغازِي العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ ﴾ .
والثّانِي: لِأمْنِ الجُناةِ فِيهِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.
﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ رَوى حَمّادٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ » بِكَسْرِ الخاءِ مِن قَوْلِهِ: واتَّخِذُوا عَلى وجْهِ الأمْرِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ( واتَّخَذُوا ) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى وجْهِ الخَبَرِ.
واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا المَقامِ، الَّذِي أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ مُصَلًّى، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: الحَجُّ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي في المَسْجِدِ، وهو مَقامُهُ المَعْرُوفُ، وهَذا أصَحُّ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُصَلًّى ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَدْعًى يُدْعى فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُصَلًّى يُصَلّى عِنْدَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وهو أظْهَرُ التَّأْوِيلَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ قال: ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد، في الرأس قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفرق الرأس.
وفي الجسد تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونتف الابط، وغسل مكان الغائط والبول بالماء.
وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومجاجته نمرود في الله حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافهم، وصبره على قذفهم إياه في النار ليحرفوه في الله، والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها، وما ابتلي به من ذبح ولده.
فلما مضى على ذلك كله وأخلصه البلاء قال الله له أسلم ﴿ قال أسلمت لرب العالمين ﴾ [ البقرة: 131] .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الكلمات التي ابتلى بها عشر، ست في الإِنسان وأربع في المشاعر.
فأما التي في الإِنسان: فحلق العانة، ونتف الإِبط، أو الختان، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة.
والأربعة التي في المشاعر: الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإِفاضة.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عباس قال: ما ابتلي أحد بهذا الدين فقام به كله إلا إبراهيم قال: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ﴾ قيل ما الكلمات؟
قال: سهام الإِسلام ثلاثون سهماً.
عشر في براءة التائبون العابدون إلى آخر الآية، وعشر في أول سورة قد أفلح، وسأل سائل، والذين يصدقون بيوم الدين الآيات، وعشر في الأحزاب أن المسلمين والمسلمات إلى آخر الآية فأتمهن كلهن، فكتب له براءة قال تعالى ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ [ النجم: 37] .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم من طرق عن ابن عباس ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ﴾ قال: منهن مناسك الحج.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الكلمات ﴿ إني جاعلك للناس إماماً ﴾ [ البقرة: 124] .
﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد ﴾ [ البقرة: 127] والآيات في شأن المنسك، والمقام الذي جعل لإِبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، وبعث محمد في ذريتهما.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات ﴾ قال: ابتلى بالآيات التي بعدها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن الحسن قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأتمهن ﴾ قال: فأدّاهن.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطرة إبراهيم السواك» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: من فطرة إبراهيم غسل الذكر والبراجم.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد قال: ست من فطرة إبراهيم: قص الشارب، والسواك، والفرق، وقص الأظفار، والاستنجاء، وحلق العانة، قال: ثلاثة في الرأس، وثلاثة في الجسد.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الفطرة خمس، أو خمس من الفطرة: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الآباط» .
وأخرج البخاري والنسائي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من الفطرة حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عشر من الفطرة: قص الشارب، واعفاء اللحية، والسواك، والاستنشاق بالماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الآباط، وحلق العانة، وانتقاض الماء يعني الاستنجاء بالماء.
قال مصعب: نسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود وابن ماجه عن عمار بن ياسر «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الفطرة المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الابط، والاستحداد، وغسل البراجم والانتضاح، والاختتان» .
وأخرج البزار والطبراني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطهارات أربع: قص الشارب، وحلق العانة، وتقليم الأظفار، والسواك» .
وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أنس بن مالك قال: «وقَّت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب، وتقليم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإِبط، أن لا تترك أكثر من أربعين يوماً» .
وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس «قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد أبطأ عنك جبريل.
فقال: ولم لا يبطئ عني وأنتم حولي لا تستنون لا تقلمون أظفاركم، ولا تقصون شواربكم، ولا تنقون براجمكم» .
وأخرج الترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقص أو يأخذ من شاربه قال: لأن خليل الرحمن إبراهيم يفعله» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يأخذ من شاربه فليس منا» .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب» .
وأخرج البزار عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خالفوا المجوس، جزوا الشوارب واعفوا اللحى» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عبد الله بن عبيد الله قال: «جاء رجل من المجوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلق لحيته وأطال شاربه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟
قال: هذا في ديننا.
قال: ولكن في ديننا أن تجز الشارب وأن تعفي اللحية» .
وأخرج البزار عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبصر رجلاً وشاربه طويل فقال: «ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوز» .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقلم أظفاره ويقص شاربه يوم الجمعة قبل أن يخرج إلى الصلاة.
وأخرج ابن عدي بسند ضعيف عن أنس قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن يحلق الرجل عانته كل أربعين يوماً، وأن ينتف ابطه كلما طلع، ولا يدع شاربيه يطولان، وأن يقلم أظفاره من الجمعة إلى الجمعة» .
وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «قصوا أظافيركم فإن الشيطان يجري ما بين اللحم والظفر» .
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن وابصة بن معبد قال «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل شيء حتى سألته عن الوسخ الذي يكون في الأظفار فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» .
وأخرج البزار عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما لي لا أهم ورفع أحدكم بين أنملته وظفره» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن قيس بن حازم قال «صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة فأوهم فيها، فسأل فقال: ما لي لا أهم ورفع أحدكم بين ظفره وأنملته» .
وأخرج ابن ماجة والطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك حتى أني لقد خشيت أن أحفي مقادم فيَّ» .
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب، ومجلاة للبصر» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بالسواك فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب مفرحة للملائكة يزيد في الحسنات، وهو من السنة يجلو البصر، ويذهب الحفر، ويشد اللثة، ويذهب البلغم، ويطيب الفم» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» .
وأخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، وعند كل وضوء بسواك» .
وأخرج البزار وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف عن عائشة قالت «ما زال النبي صلى الله عليه وسلم يذكر السواك حتى خشينا أن ينزل فيه قرآن» .
وأخرج أحمد والحرث بن أبي أسامة والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة والدارقطني والحاكم وصححه وأبو نعيم في كتاب السواك والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فضل الصلاة بسواك على الصلاة بغير سواك سبعون ضعفاً» .
وأخرج البزار والبيهقي بسند جيد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ركعتان بسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى بسند جيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أمرت بالسواك حتى ظننت أنه ينزل عليّ به قرآن أو وحي» .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني بسند ضعيف عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك.
وأخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خفت على أضراسي» .
وأخرج البزار والترمذي الحكيم في نوادر الأصول عن كليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس من سنن المرسلين: الحياء، والحلم، والحجامة، والسواك، والتعطر» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينام ليلة ولا ينتبه إلا استن» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن زيد بن خالد الجهني قال: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشيء من الصلوات حتى يستاك» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود بسند ضعيف عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوّك قبل أن يتوضأ» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن عائشة «أنها سئلت بأي شيء كان النبي صلى الله عليه وسلم يبدأ إذا دخل بيته؟
قالت: كان إذا دخل يبدأ بالسواك» .
وأخرج ابن ماجه عن علي بن أبي طالب قال: إن أفواهكم طرق للقرآن فطيبوها بالسواك.
وأخرجه أبو نعيم في كتاب السواك عن علي مرفوعاً.
وأخرج ابن السني وأبو نعيم معاً في الطب النبوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن السواك ليزيد الرجل فصاحة» .
وأخرج ابن السني عن علي بن أبي طالب قال: قراءة القرآن والسواك يذهب البلغم.
وأخرج أبو نعيم في معرفة الصحابة عن سمويه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نام ليلة حتى استن.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأبو نعيم في كتاب السواك بسند ضعيف من طريق أبي عتيق عن جابر.
أنه كان ليستاك إذا أخذ مضجعه، وإذا قام من الليل، وإذا خرج إلى الصلاة.
فقلت له: لقد شققت على نفسك.
فقال: إن أسامة أخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك هذا السواك.
وأخرج أبو نعيم بسند حسن عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا بالأسحار» .
وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن علي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء» .
وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» .
وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط بسند حسن عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم مرضاة للرب تبارك وتعالى» .
وأخرج أحمد بسند ضعيف عن قثم أو تمام بن عباس قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما لكم تأتوني قلحاً لا تسوكون، لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء» .
وأخرج الطبراني عن جابر قال: كان السواك من أذن النبي صلى الله عليه وسلم موضع القلم من أذن الكاتب.
وأخرج العقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في السواك بسند ضعيف عن عائشة قالت «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر حمل السواك والمشط والمكحلة والقارورة والمرآة» .
وأخرج أبو نعيم بسند واهٍ عن رافع بن خديج مرفوعاً: «السواك واجب» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: لقد كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حسان بن عطية مرفوعاً: «الوضوء شطر الإِيمان، والسواك شطر الوضوء، ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ركعتان يستاك فيهما العبد أفضل من سبعين ركعة لا يستاك فيها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سليمان بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استاكوا وتنظفوا وأوتروا، فإن الله وتر يحب الوتر» .
وأخرج ابن عدي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعاهد البراجم عند الوضوء لأن الوسخ إليها سريع» .
وأخرج الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بسند فيه مجهول عن عبد الله بن بسر رفعه «قصوا أظفاركم، وادفنوا قلاماتكم، ونقوا براجمكم» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي وابن ماجة عن ابن عباس قال: «كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد» .
وأخرج ابن ماجة والبيهقي بسند جيد عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اطلى ولى عانته بيده.
وأخرج البيهقي بسند ضعيف جداً عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه.
وأخرج أحمد والبيهقي عن شداد بن أوس رفعه «الختان سنة للرجال مكرمة للنساء» .
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين وأبو الشيخ في كتاب العقيقة والبيهقي من حديث ابن عباس.
مثله.
وأخرج أبو داود عن عيثم بن كليب عن أبيه عن جده «أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد أسلمت- فقال له: ألق عنك شعر الكفر- يقول: احلق» قال: وأخبرني آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لآخر معه «ألق عنك شعر الكفر واختتن» .
وأخرج البيهقي عن الزهري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أسلم فليختتن» .
وأخرج أحمد والطبراني عن عثمان بن أبي العاص أنه دعي إلى ختان فقال: ما كنَّا نأتي الختان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ندعى له.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: سبع من السنة في الصبي يوم السابع يسمى، ويختن، ويماط عنه الأذى، ويعق عنه، ويحلق رأسه، ويلطخ من عقيقته، ويتصدق بوزن شعر رأسه ذهباً أو فضة.
وأخرج أبو الشيخ في كتاب العقيقة والبيهقي عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن والحسين وختنهما لسبعة أيام» .
وأخرج البيهقي عن موسى بن علي بن رباح عن أبيه.
أن إبراهيم عليه السلام ختن إسحاق لسبعة أيام، وختن إسماعيل عند بلوغه.
وأخرج ابن سعد عن حي بن عبد الله قال: بلغني أن إسماعيل عليه السلام اختتن وهو ابن ثلاث عشرة سنة.
وأخرج أبو الشيخ في العقيقة من طريق موسى بن علي بن رباح عن أبيه.
أن إبراهيم عليه السلام أمر أن يختتن وهو حينئذ ابن ثمانين سنة، فعجل واختتن بالقدوم فاشتد عليه الوجع، فدعا ربه فأوحى إليه أنك عجلت قبل أن نأمرك بآلته قال: «يا رب كرهت أن أؤخر أمرك» .
وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن ثلاثين سنة بالقدوم» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان إبراهيم أول من اختتن وهو ابن عشرين ومائة سنة واختتن بالقدوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة» .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والحاكم والبيهقي وصححاه من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: اختتن إبراهيم خليل الله وهو ابن عشرين ومائة سنة بالقدوم، ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة.
قال سعيد: وكان إبراهيم أول من اختتن وأول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟
قال: وقار يا إبراهيم.
قال: رب زدني وقاراً.
وأول من أضاف الضيف، وأول من جز شاربه، وأول من قص أظافيره، وأول من استحد.
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن إبراهيم أول من أضاف الضيف، وأول من قص الشارب، وأول من رأى الشيب، وأول من قص الأظافير، وأول من اختتن بقدومه» .
وأخرج البيهقي عن علي رضي الله عنه قال: كانت هاجر لسارة، فأعطت هاجر إبراهيم، فاستبق إسماعيل وإسحاق فسبقه إسماعيل فقعد في حجر إبراهيم.
قالت سارة: والله لأغيرن منها ثلاثة أشراف، فخشي إبراهيم أن تجدعها أو تخرم أذنيها، فقال لها: هل لك أن تفعلي شيئاً وتبري يمينك؟
تثقبين أذنيها وتخفضينها، فكان أول الخفاض هذا.
وأخرج البيهقي عن سفيان بن عيينة قال: شكا إبراهيم عليه السلام إلى ربه ما يلقى من رداءة خلق سارة، فأوحى الله إليه يا إبراهيم أول من تسرول، وأول من فرق، وأوّل من استحد، وأول من اختتن، وأول من قرى الضيف، وأول من شاب.
وأخرج وكيع عن واصل مولى ابن عيينة قال: أوحى الله إلى إبراهيم يا إبراهيم انك أكرم أهل الأرض إلي فإذا سجدت فلا تر الأرض عورتك.
قال: فاتخذ سراويل.
وأخرج الحاكم عن أبي أمامة قال: طلعت كف من السماء بين أصبعين من أصابعها شعرة بيضاء، فجعلت تدنو من رأس إبراهيم ثم تدنو، فالقتها في رأسه وقالت: اشعل وقاراً، ثم أوحى الله إليها أن تظهر، وكان أول من شاب واختتن، وأنزل الله على إبراهيم مما أنزل على محمد ﴿ التائبون العابدون الحامدون ﴾ [ التوبة: 112] إلى قوله: ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ [ التوبة: 112] و ﴿ قد أفلح المؤمنون ﴾ [ المؤمنون: 1] إلى قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ [ المؤمنون: 11] و ﴿ إن المسلمين والمسلمات...
﴾ [ الأحزاب: 35] الآية.
والتي في سأل، و ﴿ الذين هم على صلاتهم دائمون ﴾ [ المعارج: 23-33] إلى قوله: ﴿ قائمون ﴾ فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن سعد في الطبقات عن سلمان قال: سأل إبراهيم ربه خيراً فأصبح ثلثا رأسه أبيض، فقال: ما هذا؟!
فقيل له: عبرة في الدنيا ونور في الآخرة.
وأخرج أحمد في الزهد عن سلمان الفارسي قال: أوى إبراهيم إلى فراشه فسأل الله أن يؤتيه خيراً، فأصبح وقد شاب ثلثا رأسه، فساءه ذلك فقيل: لا يسوءنك فإنه عبرة في الدنيا ونور لك في الآخرة، وكان أول شيب كان.
وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول من خضب بالحناء والكتم إبراهيم عليه السلام» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن إبراهيم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» .
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أحسن ما غيرتم به الشيب الحناء والكتم» .
وأخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» .
وأخرج البزار عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشبهوا بالأعاجم غيروا اللحى» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف والبزار عن سعد بن إبراهيم عن أبيه قال: أول من خطب على المنبر إبراهيم عليه السلام حين أسر لوط واستأسرته الروم، فغزا إبراهيم حتى استنقذه من الروم.
وأخرج ابن عساكر عن حسان بن عطية قال: أول من رتب العسكر في الحرب ميمنة وميسرة وقلباً إبراهيم عليه السلام لما سار لقتال الذين أسروا لوطا عليه السلام.
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن أبي يزيد عن رجل قد سماه قال: أوّل من عقد الألوية إبراهيم عليه السلام، بلغه أن قوماً أغاروا على لوط فسبوه، فعقد لواء وسار إليهم بعبيده ومواليه حتى أدركهم، فاستنقذه وأهله.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الرمي عن ابن عباس قال: أوّل من عمل القسي إبراهيم عليه السلام.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان أوّل من ضيف الضيف إبراهيم عليه السلام» .
وأخرج ابن سعد وابن أبي الدنيا وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن عكرمة قال: كان إبراهيم خليل الرحمن يكنى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكي لا يفوته أحد.
وأخرج البيهقي عن عطاء قال: كان إبراهيم خليل الله عليه السلام، إذا أراد أن يتغدى طلب من يتغدى معه إلى ميل.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان والخطيب في تاريخه والديلمي في مسند الفردوس والغسولي في جزئه المشهور واللفظ له عن تميم الداري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن معانقة الرجل الرجل إذا هو لقيه؟
قال: كانت تحية الأمم.
وفي لفظ: كانت تحية أهل الإِيمان وخالص ودّهم، وإن أول من عانق خليل الرحمن، فإنه خرج يوماً يرتاد لماشيته في جبال من جبال بيت المقدس إذا سمع صوت مقدس يقدس الله تعالى، فذهل عما كان يطلب فقصد قصد الصوت، فإذا هو بشيخ طوله ثمانية عشر ذراعاً أهلب يوحد الله عز وجل، فقال له إبراهيم: يا شيخ من ربك؟
قال: الذي في السماء.
قال: من رب الأرض؟
قال: الذي في السماء.
قال: فيها رب غيره؟
قال: ما فيها رب غيره، لا إله إلا هو وحده.
قال إبراهيم: فأين قبلتك؟
قال: إلى الكعبة.
فسأله عن طعامه فقال: أجمع من هذه الثمرة في الصيف فآكله في الشتاء.
قال: هل بقي معك أحد من قومك؟
قال: لا.
قال: أين منزلك؟
قال: تلك المغارة.
قال: اعبر بنا إلى بيتك.
قال: بيني وبينها واد لا يخاض.
قال: فكيف تعبره؟
فقال: أمشي عليه ذاهباً وأمشي عليه عائداً.
قال: فانطلق بنا فلفعل الذي ذلله لك يذلله لي.
فانطلقا حتى انتهيا فمشيا جميعاً عليه كل واحد منهما يعجب من صاحبه، فلما دخلا المغارة فإذا بقبلته قبلة إبراهيم قال له إبراهيم: أي يوم خلق الله أشد؟
قال الشيخ: ذلك اليوم الذي يضع كرسيه للحساب، يوم تسعر جهنم لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلاَّ خر يهمه نفسه.
قال له إبراهيم: ادع الله يا شيخ أن يؤمني وإياك من هول ذلك اليوم.
قال الشيخ: وما تصنع بدعائي ولي في السماء دعوة محبوسة منذ ثلاث سنين؟
قال إبراهيم: ألا أخبرك ما حبس دعاءك قال: بلى.
قال: إن الله عز وجل إذا أحب عبداً احتبس مسألته يحب صوته، ثم جعل له على كل مسألة ذخراً لا يخطر على قلب بشر، وإذا أبغض الله عبداً عجل له حاجته أو ألقى الأياس في صدره ليقبض صوته، فما دعوتك التي هي في السماء محبوسة؟
قال: مر بي هاهنا شاب في رأسه ذؤابة منذ ثلاث سنين ومعه غنم، قلت: لمن هذه؟
قال: لخليل الله إبراهيم.
قلت: اللهم إن كان لك في الأرض خليل فأرنيه قبل خروجي من الدنيا.
قال له إبراهيم عليه السلام: قد أجيبت دعوتك ثم اعتنقا، فيومئذ كان أصل المعانقة، وكان قبل ذلك السجود هذا لهذا وهذا لهذا، ثم جاء الصفاح مع الإِسلام فلم يسجد ولم يعانق، ولن تفترق الأصابع حتى يغفر لكل مصافح.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن كعب قال: قال إبراهيم عليه السلام: إنني ليحزنني أن لا أرى أحداً في الأرض يعبدك غيري، فأنزل الله إليه ملائكة يصلون معه ويكونون معه.
وأخرج أحمد وأبو نعيم عن نوف البكالي قال: قال إبراهيم عليه السلام: يا رب إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، فأنزل الله عز وجل ثلاثة آلاف ملك فأمهم ثلاثة أيام.
وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: إبراهيم عليه السلام أول من أضاف الضيف، وأول من ثرد الثريد، وأول من رأى الشيب، وكان قد وسع عليه في المال والخدم.
وأخرج ابن أبي شيبة عن السدي قال: أول من ثرد الثريد إبراهيم عليه السلام.
وأخرج الديلمي عن نبيط بن شريط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أول من اتخذ الخبز المبلقس إبراهيم عليه السلام» .
وأخرج أحمد في الزهد عن مطرف قال: أول من راغم إبراهيم عليه السلام حين راغم قومه إلى الله بالدعاء.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف واللفظ له والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال «قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أول الخلائق يلقى بثوب- يعني يوم القيامة- إبراهيم عليه السلام» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: يحشر الناس عراة حفاة، فأول من يلقى بثوب إبراهيم.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عبيد بن عمير قال: يحشر الناس حفاة عراة، فيقول الله: ألا أرى خليلي عرياناً، فيكسى إبراهيم عليه السلام ثوباً أبيض، فهو أول من يكسى.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن عبد الله بن الحرث قال: أول من يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام قبطيتين، ثم يكسى النبي صلى الله عليه وسلم حلة الحيرة وهو على يمين العرش.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس قال «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا خير البرية.
قال: ذاك إبراهيم» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: انطلق إبراهيم عليه السلام يمتار فلم يقدر على الطعام، فمر بسهلة حمراء، فأخذ منها، ثم رجع إلى أهله فقالوا: ما هذا؟
قال: حنطة حمراء، ففتحوها فوجدوها حنطة حمراء، فكان إذا زرع منها شيئاً نبتت سنبلة من أصلها إلى فرعها حباً متراكباً.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن سلمان قال: أرسل على إبراهيم عليه السلام أسدان مجوّعان، فلحساه وسجدا له.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي بن كعب «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرسل إلي ربي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه يا رب هوّن على أمتي، فرد على الثانية أن أقرأ على حرفين، قلت: يا رب هوّن على أمتي، فرد على الثالثة أن أقرأ على سبعة أحرف ولك بكل ردة رددتها مسألة فسلنيها.
فقلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة إلى يوم يرغب إلي فيه الخلائق حتى إبراهيم» .
وأخرج أحمد في الزهد وأبو نعيم في الحلية عن كعب قال: كان إبراهيم عليه السلام يقري الضيف ويرحم المسكين وابن السبيل، فابطأت عليه الأضياف حتى أشرأب بذلك، فخرج إلى الطريق يطلب، فجلس فمر ملك الموت عليه السلام في صورة رجل، فسلم عليه فرد عليه السلام، ثم سأله من أنت؟
قال: أنا ابن السبيل قال: إنما قعدت هاهنا لمثلك، فأخذ بيده فقال له: انطلق.
فذهب إلى منزله، فلما رآه إسحاق عرفه فبكى إسحق، فلما رأت سارة إسحاق يبكي بكت لبكائه، فلما رأى إبراهيم سارة تبكي فبكى لبكائها، فلما رأى ملك الموت إبراهيم يبكي بكى لبكائه ثم صعد ملك الموت، فلما ارتقى غضب إبراهيم فقال: بكيتم في وجه ضيفي حتى ذهب فقال إسحق: لا تلمني يا أبت فإني رأيت ملك الموت معك لا أرى أجلك إلا قد حضر فارث في أهلك أي أوصه، وكان لإبراهيم بيت يتعبد فيه فإذا خرج أغلقه لا يدخله غيره، فجاء إبراهيم ففتح بيته الذي يتعبد فيه فإذا هو برجل جالس فقال إبراهيم: من أدخلك، بإذن من دخلت؟!
قال: بإذن رب البيت.
قال: رب البيت أحق به، ثم تنحى في ناحية البيت فصلى ودعا كما كان يصنع، وصعد ملك الموت فقيل له: ما رأيت؟
قال: يا رب جئتك من عند عبدك ليس بعده في الأرض خير.
قيل له: ما رأيت منه؟
قال: ما ترك خلقاً من خلقك إلا قد دعا له بخير في دينه وفي معيشته.
ثم مكث إبراهيم عليه السلام ما شاء الله، ثم جاء ففتح بابه فإذا هو برجل جالس قال له: من أنت؟
قال: إنما أنا ملك الموت.
قال إبراهيم: إن كنت صادقاً فأرني آية أعرف أنك ملك الموت.
قال: اعرض بوجهك يا إبراهيم.
قال: ثم أقبل فأراه الصورة التي يقبض بها المؤمنين، فرأى شيئاً من النور والبهاء لا يعلمه إلا الله، ثم قال: انظر فأراه الصورة التي يقبض فيها الكفار والفجار، فرعب إبراهيم عليه السلام رعباً حتى ألصق بطنه بالأرض، كادت نفس إبراهيم تخرج فقال: أعرف الذين أُمِرْتَ به فامض له.
فصعد ملك الموت فقيل له: تلطف بإبراهيم، فأتاه وهو في عنب له وهو في صورة شيخ كبير لم يبق منه شيء، فلما رآه إبراهيم رحمه فأخذ مكتلاً ثم دخل عنبه فقطف من العنب في مكتله، ثم جاء فوضعه بين يديه فقال: كل...
فجعل يضع ويريه أنه يأكل ويمجه على لحيته وعلى صدره، فعجب إبراهيم فقال: ما أبقت السن منك شيئاً كم أتى لك؟
فحسب مدة إبراهيم فقال: امالي كذا وكذا...
فقال إبراهيم: قد أتي لي هذا إنما انتظر أن أكون مثلك اللهم اقبضني إليك، فطابت نفس إبراهيم على نفسه وقبض ملك الموت نفسه تلك الحال.
وأخرج الحاكم عن الواقدي قال: ولد إبراهيم بغوطة دمشق في قرية يقال لها برزة، ومن جبل يقال له قاسيون.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي السكن الهجري قال: مات خليل الله فجأة، ومات داود فجأة، ومات سليمان بن داود فجأة، والصالحون، وهو تخفيف على المؤمن وتشديد على الكافر.
وأخرج «أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم عليه السلام ليقبض روحه، فقال إبراهيم: يا ملك الموت هل رأيت خليلاً يقبض روح خليله؟
فعرج ملك الموت إلى ربه فقال: قل له: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله؟
فرجع قال: فاقبض روحي الساعة» .
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير قال: «كان الله يبعث ملك الموت إلى الأنبياء عياناً، فبعثه إلى إبراهيم عليه السلام ليقبضه، فدخل دار إبراهيم في صورة رجل شاب جميل وكان إبراهيم غيوراً، فلما دخل عليه حملته الغيرة على أن قال له: يا عبد الله ما أدخلك داري؟
قال: أدخلنيها ربها.
فعرف إبراهيم أن هذا الأمر حدث قال يا إبراهيم: إني أمرت بقبض روحك.
قال: أمهلني يا ملك الموت حتى يدخل إسحاق فامهله، فلما دخل إسحاق قام إليه فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، فرق لهما ملك الموت فرجع إلى ربه فقال: يا رب رأيت خليلك جزع من الموت.
قال: يا ملك الموت فائت خليلي في منامه فاقبضه، فأتاه في منامه فقبضه» .
وأخرج أحمد في الزهد والمروزي في الجنائز عن أبي مليكة «أن إبراهيم لما لقي الله قيل له: كيف وجدت الموت؟
قال: وجدت الموت؟
قال: وجدت نفسي كأنما تنزع بالسلي.
قيل له: قد يسرنا عليك الموت» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في العزاء وابن أبي داود في البعث وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أولاد المؤمنين في جبل في الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة عليهما السلام حتى يردهم إلى آبائهم يوم القيامة» .
وأخرج سعيد بن منصور عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن ذراري المسلمين في عصافير خضر في شجر في الجنة، يكفلهم إبراهيم عليه السلام» .
أما قوله تعالى: ﴿ وقال إني جاعلك للناس إماماً ﴾ الآية.
أخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ قال: إني جاعلك للناس إماماً ﴾ يقتدى بدينك وهديك وسنتك ﴿ قال ومن ذريتي ﴾ إماماً لغير ذريتي ﴿ قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ أن يقتدى بدينهم وهديهم وسنتهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالماً، فاما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين، وغازوهم، وناكحوهم، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه.
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ إني جاعلك للناس إماما ﴾ يؤتم به ويقتدى قال إبراهيم ﴿ ومن ذريتي ﴾ فاجعل من يؤتم به ويقتدى به.
وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال الله لإِبراهيم ﴿ إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي ﴾ فأبى أن يفعل، ثم ﴿ قال لا ينال عهدي الظالمين ﴾ .
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ قال: لا اجعل اماماً ظالماً يقتدى به.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده، ولا ينبغي له أن يوليه شيئاً من أمره.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ قال: ليس لظالم عليك عهد في معصية الله أن تطيعه.
وأخرج وكيع وابن مردويه عن علي بن أبي طالب «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ قال: لا طاعة إلا في المعروف» .
وأخرج عبد بن حميد عن عمران بن حصين «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا طاعة لمخلوق في معصية الله» .
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: لا طاعة مفترضة إلا لنبي.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ﴾ الآية، الابتلاء: الاختبار والامتحان، وابتلاء الله تعالى يعود إلى إعلامه عباده لا إلى استعلامه؛ لأنه يعلم ما يكون، فلا يحتاج إلى ابتلاءٍ ليَعْلَم (١) وقوله تعالى: ﴿ بِكَلِمَاتٍ ﴾ الكلبي، عن أبي صالح (٢) (٣) وهذا أصح ما قيل في تفسير الكلمات، وعلى هذا أكثر أهل العلم (٤) وقال ابن عباس في رواية عطاء: أوحى الله إلى إبراهيم: يا خليلي، تطهّرْ، فتمضمض، فأوحى الله إليه أن تطهرْ، فاستنشقَ، فأوحى إليه أن تطهر، فاستاك، فأوحى إليه أن تطهر، فأخذ شاربه، فأوحى (٥) (٦) وقال بعض المتأولين: المراد بالكلمات في هذه الآية: انقياده لأشياء امتحن بها، وأخذت عليه، منها: الكوكب والشمس والقمر والهجرة والختان وعزمه على ذبح ابنه (٧) (٨) (٩) ﴿ وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ ﴾ ، فالكلمات تكون الشرائع التي شرع لها دون القول؛ لأن ذلك قد استغرقه قوله تعالى: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ وكان المعنى: صدقت بالشرائع فأخذت بها، وصدقت الكتب فلم تكذب بها (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ معناه: أدَّاهُنَّ تامّاتٍ غيَر ناقصات (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ .
قال ابن عباس: أوحى الله إليه إني جاعلك للناس إمامًا يقتدي بك الصالحون من بعدك (١٣) والأَمُّ في اللغة: القصد، والإمامُ: كلُّ مَنِ ائتم به قومٌ، كانوا على الصراط المستقيم (١٤) (١٥) ﴿ يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾ أي: بكتابهم الذي جعلت فيه أعمالهم في الدنيا، وقال: ﴿ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ يعنى: كتابًا، أو اللوح المحفوظ.
وقد يجعل الطريقُ إمامًا؛ لأنَّ المسافر يأتمُّ به ويستدلُّ، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ ، أي: بطريقٍ واضح.
ويقالُ للخيط الذي يُقَدَّرُ به البناء: الإمام؛ لأنه يقتدى به، ويُقْصَدُ قَصْدُه.
وإمام الغلام في المكتب: ما يتعلمه كل يوم، لأنه يتبعه، ويقصده بالتعلم، ولا يعدو ما فيه (١٦) فقال إبراهيم: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ أي: ومن أولادي أيضًا فاجعل أئمةً يُقْتدَى بهم (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ أراد: آباءهم الذين حُمِلوا مع نوح في السفينة (٢٠) ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ﴾ إلى قوله: ﴿ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾ ، فدخل فيها الآباء والأبناء (٢١) وتكون (٢٢) ﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ﴾ ، فهذا مثل قوله: ﴿ فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا ﴾ .
ألا ترى أنه قال: ﴿ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى ﴾ .
ومما جاء فيه جمعًا قوله: ﴿ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ، وهو كثير.
وأما أصل الذُّرِّيةِ ومأخذُها، فقال أبو إسحاق النحوي: فيها قولان: قال بعضهم: هي فُعْليَّةٌ، من الذَرَ؛ لأنَ الله تعالى أخرجَ الخلق من صُلْبِ آدم كالذَّرِّ، حين أشهَدَهُم على أنفسِهم (٢٣) قال: وقال بعضُ النحويين: أصلها ذرُّورَةٌ، على وزن فعلولة، ولكنَّ التضعيَف لمَّا كَثُرَ أُبْدِلَ من الراء الأخيرة ياء فصارت ذُرُّويَةً، ثم أُدغمت الواو في الياء فصارت: ذُرِّيَّة.
قال: والقول الأول أقيسُ وأجود (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وزاد ابن الأنباري الوجهين (٢٨) قال: ويجوزُ أن تكون (٢٩) (٣٠) وقال الخليل: الذرية فُعْليّة، من ذَرَرْت؛ لأن الله تعالى ذَرَّهم في الأرض، أي: نشرهم.
قال أبو على الفارسي: أمَّا مثالُ ذرية من الفعل، فيجوزُ أن يكون فُعلُولة من الذر، فأُبدلَتْ من الراء التي هي اللامُ (٣١) ﴿ تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ أُبدِلت من الواو الياء؛ لوقوع ياء قبلها (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أعلم الله إبراهيم أن في ذريته الظالم (٣٣) (٣٤) (٣٥) واختلفوا في معنى العهد هاهنا، فقال أبو عبيد: العهد هاهنا: الأمان، أي: لا ينال أماني الظالمين (٣٦) ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي ﴾ أي: نبوتي (٣٧) وقال الفراء: ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي: لا يكون للناس إمام مشرك (٣٨) (٣٩) (٤٠) (١) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 54، "تفسير الطبري" 1/ 524، "المفردات" للراغب ص 71 - 72، "تفسير البغوي" 1/ 145.
(٢) هو: باذان، ويقال: باذام، أبو صالح مولى أم هانىء، تقدمت ترجمته.
(٣) هذا الإسناد ضعيف لا تقوم به حجة، لكن ورد هذا عن ابن عباس بإسناد صحيح عند عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 57 عن معمر عن ابن طاوس، عن ابن عباس، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 524، ابن أبي حاتم == 1/ 359، والحاكم 2/ 266 وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
والبيهقي في "السنن الكبرى" 1/ 149، وذكره الثعلبي 1/ 1154، ولفظ الرُّفْغَين عند الفراء في "معاني القرآن" 1/ 76 والرُّفْغ: كل موضع اجتمع فيه الوسخُ، والمراد به الإبط.
ينظر: "المصباح المنير" ص 233.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 204، وقال ابن أبي حاتم 1/ 219: روي عن أبي صالح وأبي الجلد ومجاهد وسعيد بن المسيب والنخعي والشعبي نحو ذلك.
(٥) في (ش): (فأوحى الله).
(٦) هو بمعنى ما سبق، ولكن فيه تفصيل.
(٧) أورد هذا المعنى عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 75، الطبري في "تفسيره" 1/ 527، وابن أبي حاتم 1/ 221 (1170)، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1155 كلهم عن الحسن.
(٨) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 527 - 528 الأقوال في المسألة ثم بين أن الصواب:== أنه لا يجزم بشيء مما ذكر على أنه المراد بالكلمات إلا بحجة يجب التسليم بها، ورجح ابن كثير في "تفسيره" 1/ 177 عموم الكلمات لكل ما ذكر في أقوال المفسرين، وذكر في "البحر المحيط" 1/ 375 ثلاثة عشر قولًا ثم قال: وهذه الأقوال ينبغي أن تحمل على أن كل قائل منها ذكر طائفة مما أبتلى الله به إبراهيم إذ كلها ابتلاه الله بها، ولا يحمل ذلك على الحصر في العدد ولا على التعيين، لئلا يؤدي ذلك إلى التناقض.
(٩) في (ش): (النسخ والمنسوخ)، وفي (م): (النسخ للمنسوخ).
(١٠) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 87، و"تفسير ابن كثير" 1/ 176.
(١١) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 528، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 62، "تفسير الثعلبي" 1/ 1157.
(١٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 204.
(١٣) ذكره في "الوسيط" 1/ 203 لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في== القسم الدراسي وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 222 عن أبي العالية، أنه قال: فجعله الله إمامًا، يؤتم ويقتدى به، ثم قال: وروي عن الحسن وعطاء الخراساني ومقاتل ابن حيان وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك.
(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205.
(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205، وينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 206 (مادة: أمَ).
(١٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 206، و"المفردات" للراغب الأصفهاني ص 33 - 34.
(١٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1157.
(١٨) في (أ)، (م): (يقول).
(١٩) في (ش): (تمنى).
(٢٠) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1274 (مادة: ذرأ).
(٢١) "تهذيب اللغة" 2/ 1274 (مادة: ذرأ).
(٢٢) في (ش): (ويكون).
(٢٣) لم يذكر أبو إسحاق شيئا من ذلك في هذه الآية، لكنه أشار إلى العلة في آية الأعراف: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾ .
فقال في "معاني القرآن" 2/ 390: قال بعضهم: خلق الله الناس كالذر من صلب آدم وأشهدهم على توحيده.
(٢٤) في (م): (أجود وأقيس).
(٢٥) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1277، وعنه في "اللسان" 3/ 1491 (مادة: ذرأ).
(٢٦) في (أ) و (م): (واختيار).
(٢٧) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1277.
(٢٨) المثبتمن (ش)، وفي غيرها: (للوجهين).
(٢٩) في (أ)، (م): (يكون).
(٣٠) الدهري، بضم الدال وفتحها، الذي يقول ببقاء الدهر "القاموس" ص 395.
(٣١) ساقطة من (م).
(٣٢) ينظر: تفصيل ذرية وما فيها من اشتقاق وتصريف في: "البحر المحيط" 1/ 372 - 373، "اللسان" 3/ 1494 (ذر) ، 3/ 1491 (ذرأ).
(٣٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 205.
(٣٤) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 222 بمعناه.
(٣٥) تفسير العهد بالإمامة قال به: ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير، وبه قال كثيرون، ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 530، و"تفسير السمعاني" 2/ 45، "تفسير ابن عطية" 1/ 477، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 140، و"تفسير القرطبي" 2/ 98.
(٣٦) "غريب الحديث" 1/ 440، وذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1160 في نسخةٍ، وفي النسخة: أبو عبيدة، وليس في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة، ونسبه الرازي في "تفسيره" 4/ 45 إلى أبي عبيد، وقد أخرجه الطبري 1/ 530 عن قتادة.
(٣٧) أخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 530، وابن أبي حاتم 1/ 223، وذكره الثعلبي 1/ 1159.
(٣٨) "معاني القرآن" 1/ 76.
(٣٩) يريد ابن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة 276 هـ (٤٠) "تأويل مشكل القرآن" ص 62، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 141.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية: تقدّم الكلام على نظيرتها ﴿ وَإِذِ ابتلى ﴾ أي اختبر، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره أذكر، وقوله: ﴿ بكلمات ﴾ قيل: مناسك الحج، وقيل: خصال الفطرة العشرة، وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، ونتف الإبطين، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقيل هي ثلاثون خصلة: عشرة ذكرت في براءة من قوله: التائبون العابدون، وعشرة في الأحزاب من قوله: إن المسلمين والمسلمات، وعشرة في المعارج من قوله: إلاّ المصلين ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي عمل بهن ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ استفهام أو رغبة ﴿ عَهْدِي ﴾ الإمامة ﴿ البيت ﴾ الكعبة ﴿ مَثَابَةً ﴾ اسم مكان من قولك: ثاب إذا رجع، لأنّ الناس يرجعون إليه عاماً بعد عام ﴿ واتخذوا ﴾ بالفتح إخبار عن المتبعين لإبراهيم عليه السلام، وبالكسر إخبار لهذه الأمّة، وافق قول عمر رضي الله عنه: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقيل أمر لإبراهيم وشيعته، وقيل لبني إسرائيل فهو على هذا عطف على قوله: اذكروا نعمتي، وهذا بعيد ﴿ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هو الحجر الذي صعد به حين بناء الكعبة، وقيل المسجد الحرام ﴿ مُصَلًّى ﴾ عبارة عن الأمر والوصية ﴿ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ عبارة عن بنيانه بنية خالصة كقولهم: أسس على التقوى، وقيل: المعنى طهراه عن عبادة الصنام ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾ هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر ﴿ والعاكفين ﴾ هم المعتكفون في المسجد، وقيل: المصلون، وقيل: المجاورون من الغرباء، وقيل: أهل مكة، والعكوف في اللغة: اللزوم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف في البقرة والنساء إلا ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ وفي الأنعام ﴿ ملة إبراهام ﴾ وفي جميع براءة إلا ﴿ وقوم إبراهيم ﴾ وفي إبراهيم ﴿ وإذ قال إبراهام ﴾ وفي النحل ومريم والعنكبوت ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهام ﴾ خاصة وفي "حم عَسَقَ" وجميع المفصل وإلا قوله في المودة ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ وفي الأعلى ﴿ صحف إبراهيم ﴾ هشام وابن ذكوان وروى ابن مجاهد في هذه السورة فقط.
(واعلم) أن ذكر إبراهيم في القرآن تسعة وستون موضعاً منها ثلاثة وثلاثون "إبراهام" بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان، وستة وثلاثون "إبراهيم" بالياء، والعلة في ذلك اتباع مصحفهم.
فما كتب بالألف قرئ بالألف، وما كتب بالياء قرئ بالياء، والاختيار عند الأئمة أن يقرأ ههنا بالألف لبيان المذهب والبواقي بالياء، لأنه أحسن في اللفظ وأشهر، ويوافقه سائر الأسماء الأعجمية كإسرائيل وإسرافيل وإسماعيل ﴿ عهدي ﴾ مرسلة الياء: حمزة وحفص ﴿ وإذ جعلنا ﴾ وبابه مدغمة الذال في الجيم: أبو عمرو وهشام ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.
وحفص وهشام ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء: نافع وابن عامر الباقون بالكسر ﴿ فأمتعه ﴾ خفيفاً ابن عامر.
الباقون بالتشديد.
الوقوف: ﴿ فأتمهن ﴾ (ط) ﴿ إماماً ﴾ (ط) ﴿ ذريتي ﴾ (ط) ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ وأمنا ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ واتخذوا ﴾ بالكسر لاعتراض الأمر بين ماضيين ﴿ مصلى ﴾ (ط) كذلك ومن فتح الخاء نسق الأفعال الثلاثة فلا وقف ﴿ السجود ﴾ (ه) ﴿ واليوم الآخر ﴾ (ط) ﴿ عذاب النار ﴾ (ط) لأن "نعم" و "بئس" للمبالغة في المدح والذم فيبتدئ بهما تنبيهاً على المدح والذم ﴿ المصير ﴾ (ه).
التفسير: إنه لما استقصى في شرح نعمه على بني إسرائيل والمشركين ومقابلتهم النعمة بالكفران والعناد، شرع في نوع آخر من البيان وهو ذكر قصة إبراهيم لأن كلهم معترفون بفضله وأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخدام بيته، وفي قصته أمور توجب الاعتراف بدين محمد والانقياد لشرعه منها: أنه أمر ببعض التكاليف ثم وفى بها فنال منصب الاقتداء به، فيعلم أن الخيرات كلها لا تحصل إلا بترك التمرد والانقياد لحكم الله والتزام تكاليفه، ومنها أنه طلب الإمامة لذريته فقيل له ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فيعرف أن طالب الحق يجب أن يترك التعصب والمراء ووضع ما رفعه الله لينال رياسة الدارين، ومنها أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فأريد إزالة غيظهم بأن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي اعترفوا بتعظيمه والاقتداء به، ومنها أنه دعا بإرسال نبي من ذريته وهو محمد كما يجيء فيجب على من يعترف بإبراهيم أن يعترف بمحمد .
أما قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ العامل في "إذ" إما مضمر نحو "واذكر" وتكون بمعنى الوقت فقط، أو وإذ ابتلى كان كيت وكيت، وإما ﴿ قال إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وعلى هذين التقديرين تكون ظرفاً لكان أو قال.
وموقع "قال" على الأولين استئناف كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟
فأجيب ﴿ قال إني جاعلك ﴾ وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها من الآيات ولا يخفى أن الاستئناف أصوب ليناسب سياق الجملتين الآتيتين لورودهما أيضاً على طريقة السؤال المقدر والجواب، وليكون على منهاج ﴿ وإذا جعلنا ﴾ ﴿ وإذا قال إبراهيم ﴾ ﴿ وإذ يرفع ﴾ والابتلاء الاختبار والامتحان، عبر تكليفه إياه بالبلوى تشبيهاً لأمره بأمر المخلوقين وبناء على العرف بيننا، فإن كثيراً منا قد يأمر ليعرف ما يكون من المأمور حينئذ وإلا فكيف يجوز حقيقة الابتلاء عليه مع أنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد وقيل: مجاز عن تمكينه العبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه هو كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.
واعلم أن هشام بن الحكم ومن تابعه زعم أنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو لا يعلمها إلا عند وقوعها بدليل هذه الآية وأمثالها المذكور فيها الابتلاء.
وكلمة "لعل" والجواب عنها ما مر، وقد يستدل أيضاً على مذهبه بوجوه معقولة منها أنه لو كان عالماً بالأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق، لأن ما علم الله وقوعه استحال أن لا يقع، وما علم أنه لا يقع استحال أن يقع ولا قدرة على الواجب وعلى الممتنع بالاتفاق، والجواب أن الوجوب بالغير وكذا الامتناع بالغير لا ينافيان قدرة القادر عليه، وإنما المنافي للقدرة عليه كونه واجباً لذاته أو ممتنعاً لذاته، ومنها أنه لو كان عالماً بجميع الجزئيات لكان له علوم غير متناهية أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منها، فالناقص متناه وكذا الزائد.
ونوقض بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها، وأيضاً المجموعية والزيادة والنقصان كلها من خواص المتناهي، فأما الذي لا نهاية له ففرض هذه الأعراض فيه محال.
ومنها أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها هل يعلم الله عددها مفضلة أو لا يعلم؟
فإن علم عددها فهي متناهية، وإن لم يعلم فهو المطلوب.
والجواب الاختيار أنه لا يعلم عددها، ولا يلزم الجهل لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ثم إن الله لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها عدد في نفسها فلا جهل ومنها أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه غيره فهو متناه، وكل معلوم متناه فما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً.
والجواب أنه ليس من شرط المعلوم تميزه من غيره عند العالم، لأن العلم بتميزه عن غيره موقوف على العلم بذلك الغير، ويلزم منه أن لا يعلم الإنسان شيئاً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.
والحق أن نور الأنوار لا يتناهى ووراء لا يتناهى، ما لا يتناهى، وإحاطة غير المتناهي بغير المتناهي غير بعيد وقد يتعلق علمنا بكثير من الأشياء قبل حصولها، فإذا كان علمنا مع تناهي قوتنا ونوريتنا.
هكذا فما ظنك بالعليم الخبير الذي هو نور النور ومدبر الأمور وكل عسير عليه يسير؟
﴿ إبراهيم ﴾ بالنصب ﴿ ربه ﴾ بالرفع هو المشهور وهذه الصورة مما يجب فيه تأخير الفاعل وإزالته عن مركزه الأصلي، فإنه لو قدم الفاعل وقد اتصل به ضمير المفعول لزم الإضمار قبل الذكر لفظاً، وعن ابن عباس وأبي حنيفة رفع ﴿ إبراهيم ﴾ ونصب ﴿ ربه ﴾ فالمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيب الله إليهن أم لا؟
واختلف المفسرون في أن ظاهر لفظ التنزيل هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟
فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بابتعاث محمد ، فكل هذه تكاليف شاقة، أما الإمامة فلأن المراد بها النبوة، وأعباؤها أكثر من أن تحصى، ولهذا فإن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه.
ثم إنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره.
وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة.
واعترض على هذا القول بأن المراد من الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله ﴿ فأتمهن ﴾ بعد تعداد الجميع.
وأجيب بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك الأمور، وهذا ترتيب في غاية الحسن، إذ لو ذكر ﴿ فأتمهن ﴾ بعد هذا التفصيل لوقع ضائعاً ولانقطع النظم.
والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة، وزعم بعضهم أنها أوامر ونواهٍ.
فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة: خمس في الرأس: المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء.
وقيل: ابتلاه الله من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً، عشرة في براءة ﴿ التائبون العابدون ﴾ الآية وعشرة في الأحزاب ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ وعشرة في "المؤمنين" "وسأل سائل" إلى قوله ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون ﴾ وقيل: هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة.
وقيل: ابتلاه بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة، فوفى بالكل ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ وقيل: ما ذكره في قوله ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ﴾ وقيل: المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ وقومه، والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها.
وجملة القول أن الابتلاء بتناول إلزام كل ما في فعله كلفة، واللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء وكلاً منها إلا أن الكلام في الرواية، ثم قيل: إن هذا الابتلاء كان قبل النبوة لأنه نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماماً.
وقيل: إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي.
والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة كذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل سوى الوحي كمنام أو إلهام.
والضمير في "أتمهن" على القراءة المشهورة لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ وفي الأخرى لله أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً، ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ ﴿ واجعلنا مسلمين لك ﴾ ﴿ وابعث فيهم رسولاً ﴾ ﴿ ربنا تقبل منا ﴾ والإمام اسم لمن يؤتم به "فعال" بمعنى "مفعول" كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم.
والأكثرون على أن الإمام ههنا النبي لأنه جعله إماماً لكل الناس، فلو لم يكن مستقلاً بشرع كان تابعاً لرسول ويبطل العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء، والذي يكون كذلك لا بد أن يكون نبياً، ولأن الله سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجلّ مراتب الإمامة كقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ﴾ لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة، ولقد أنجز الله هذا الوعد فعظمه في عيون أهل الأديان كلها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ﴾ وكفى به فضلاً أن جميع أمة محمد يقولون في صلاتهم "اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة ﴾ ومنع بأن الإمام يراد به ههنا النبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص، ولا دلالة في الآية على ذلك وفي الآية دليل على أنه كان معصوماً عن جميع الذنوب، لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه مندوباً إليه وذلك محال.
والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية، ويحتمل أن يكون منسوباً إلى الذر صغار النمل، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى دهر ﴿ ومن ذريتي ﴾ عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال "سأكرمك فتقول وزيداً" ولا يخفى أن "من" التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناساً غير محصورين لا يخلو من ظالم فيهم غالباً، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق.
وقد حقق الله أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد أفضلهم وأشرفهم، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي في الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصاً في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من الظالمين.
ولو قال "ينال عهدي المؤمنين" كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ والمراد بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهداً لاشتمالها على كل عهد عهد به الله إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ﴾ ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ﴾ وإذا خرج الظالم تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني.
وذلك أن دعاءه مستجاب ألبتة فكل نبي مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماماً لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر معنى.
ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافاً لطلبته بأبلغ معنى وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف "أوص لابنك بشيء" فيقول: لا يرث مني أجنبي أي كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟
ولا يرد أن يونس نال عهده مع أنه ظالم ﴿ سبحانك إني كنت من الظالمين ﴾ لأن الظلم فيه محمول على ترك الأولى كما في حق آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ لا على الكفر والفسق.
وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم ﴿ إن الشرك لظلم عظيم ﴾ وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول: الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائماً ولهذا يسمى النائم مؤمناً لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلاً حال النوم، وأيضاً المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة.
وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى عاصياً فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فإن كل عاصٍ ظالم.
والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافاً للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهراً وباطناً، ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله قد يستعمل بمعنى الأمر ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان ﴾ أي ألم آمركم؟
لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره لازمة للظالمين كما للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى بهم فيها قال "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكماً ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي ، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته.
قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، وهذا خطأ عظيم.
نعم أنه قال: القاضي إذا كان عدلاً في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه.
وليس من شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه كان قضاؤه نافذاً وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟
قال: وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.
وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح موقعه فإنه يحط أولاً عن رتبة النبوة ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وثانياً عن درجة الولاية ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ وثالثاً عن مرتبة السلطنة "بيت الظالم خراب ولو بعد حين"، ورابعاً عن نظر الخلائق "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" وخامساً عن حظ نفسه ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ ولله در القائل: لا تظلمـن إذا مـا كنت مقتـدراً *** فـالظلـم آخـره يـأتيـك بـالنـدم نامـت عيونـك والمظلوم منتبه *** يدعو عليـك وعيـن الله لم تنم ولآخر: مـرتـع ظلـم الـورى وخيــم *** يـا صـاحـب اللـب والحجــاره لا تظلـم النـاس واخش ناراً *** وقـودهـــا النـــاس والحجــاره غيره: أيحسـب الظـالـم فـي ظلمـه *** أهملــــه القـــادر أم أمهــــلا مــا أهملـوا بـل لهـم مـوعـد *** لـن يجــدوا مـن دونه مـوئلا غيره: أتلعـب بـالـدعـاء وتـزدريه *** ومـا يدريـك مـا صنـع الدعاء سهام اللـيل لا تخطي ولكن *** لهــــا أمـــد وللأمــد انقضــاء واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد الربوبية ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين ﴾ ثم إنه لا يزال يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة المكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده.
فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير.
قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت ﴾ تقرير تكليف آخر.
والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علماً له.
ولا بد أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص به ويسمى بالعلم الاتفاقى، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علماً إلا مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل.
وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب الكعبة نفسها ومثله قوله ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ } [المائدة: 95] والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام.
وقوله ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ﴾ والمراد - والله أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى ﴿ أمناً ﴾ موضع أمن كقوله ﴿ حرماً آمناً ﴾ والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة.
وقيل: التاء للمبالغة كعلامة.
عن الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام.
وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ﴾ وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه.
وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل الله بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، أو بأن الله ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، قال "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وقال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون ﴿ حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ لا أن يكون إخباراً عن عدم وقوع القتل فيه أصلاً، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم ﴾ وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول.
إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل قال "إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله ، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق عليه بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه.
وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه قصاص الطرف.
وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه صيانة المسجد وحفظ حرمته.
وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلاً لتوفية الحق ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء معطوف على ﴿ جعلنا ﴾ أي اتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى هذا المراد بالمصلى القبلة.
وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحباباً لا وجوباً.
وفي مقام إبراهيم أقوال.
فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه.
وعن ابن عباس: أن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه.
وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند الأذان بالحج.
قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها.
وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء.
وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله وإعجاز إبراهيم، وكان أشد اختصاصاً به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما روي عن النبي أنه أخذ بيد عمر فقال:هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟
فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ "ومن" هذه تجريدية على نحو "رأيت منك أسداً" و "وهب الله لي منك ولياً مشفقاً" ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك المعنى عن غيره.
ولا ريب أن للصلاة به فضلاً علىغيره من حيث التيمن والتبرك بموطئ قدم إبراهيم ، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلاً أو نهاراً سنة عند الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف لقوله للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟
قال: لا إلا أن تطوع، وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله ﴿ واتخذوا ﴾ والأمر للوجوب، والرواية عن أبي حنيفة أيضاً مختلفة، ﴿ وعهدنا ﴾ المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت "أن" مخففة فالتقدير بأن طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهراً والمراد التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة هناك أصلاً والمراد أقراه على طهارته مثل ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة ﴾ فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر بإزالتها.
وقيل: عرّفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره.
العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجاً ومعتمراً فيطوف به، والعاكف من يقيم هناك.
ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعاً راكع وساجد أي من يصلي هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذ كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود.
ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين كما قال ﴿ للطائفين والقائمين والركع السجود ﴾ والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا لم يفصل بينهما بالواو.
ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه مدحهم بذلك.
وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.
وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة قالا ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام ﴾ ومن كان داخل المسجد لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن التوجه إلى جزئه كافٍ لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغٍ.
قوله ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود.
فقوله ﴿ وإذ يرفع ﴾ وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة في قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ إلى ﴿ فأتمهن ﴾ ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضاً، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت.
وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ مجمل، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم.
وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا.
﴿ هذا بلداً آمناً ﴾ ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك "ليل نائم" وإنما قيل ههنا بلداً آمناً على التنكير وفي سورة إبراهيم ﴿ هذا البلد آمناً ﴾ إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلداً فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلداً آمناً، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلداً فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً بلداً ذا أمن، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلداً آمناً فيفيد مبالغة زائدة كقولك "هذا اليوم يوم جار" معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله ﴿ اجعل هذا البلد آمناً ﴾ ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكراراً، وأجيب بأن التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط.
ثم إنه تعالى استجاب دعاءه فجعله آمناً من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل.
قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء؟
وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئاً آخر.
﴿ من الثمرات ﴾ "من" للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء ﴾ وإنما سأل إبراهيم الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمناً ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله ويكون سبباً لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين "نعم المال الصالح للرجل الصالح" واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم وصار ذلك مؤكداً بدعائه فقيل: نعم لما روي عن النبي "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" ولقوله ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ وقيل: إنما صارت حرماً آمناً بدعوته، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله: "إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعاً قبله بمنع الله من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمناً على ألسنة الرسل.
و ﴿ من آمن منهم ﴾ بدل من ﴿ أهله ﴾ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فعرف الفرق بينهما فقيل ﴿ ومن كفر ﴾ عطفاً على ﴿ من آمن ﴾ كما مر في ﴿ ومن ذريتي ﴾ أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه ﴿ فأمتعه ﴾ وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استسرعى الذئب فقد ظلم.
وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد و ﴿ قليلاً ﴾ أي إمتاعاً أو تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين.
ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ﴾ ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله ﴿ يوم يدعُّون إلى نار جهنم دعا ﴾ ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم ﴾ أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلاً ﴿ وبئس المصير ﴾ ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف المخصوص للعلم به.
والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان مصيراً وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل "معاش" وكلاهما مستعمل والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ .
قيل: الابتلاء والامتحان في الشاهد: استفادة علم خَفِيَ عليه من الممتحن والمبتلى به، ليقع عنه علم ما كان ملتبساً عليه.
وفي الغائب لا يحتمل ذلك؛ إِذ الله - عز وجل - عالم في الأَزل بما كان، وبما يكون في أَوقاته أبداً.
ثم يرجع الابتلاء منه إلى وجوه: أَحدها: أَن يخرج مخرج الأَمر بالشيء أَو النهي عنه، لكن الذي ذكر يظهر بالأمر والنهي؛ فسمي ابتلاء من الله .
والثاني: ليكون ما قد علم الله أَنه يوجد موجوداً، وليكون ما قد علم أنه سيكونُ كائناً.
وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ ﴾ ، حتى نعلمه موجوداً، كما علم أَنه يوجد؛ كما قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ﴾ ، علم الغيبَ، علم أنه مُوجَدٌ.
وَعلم الشهادةَ، عَلِم به موجوداً، حتى يوجد الذي علم أَنه يجاهد منهم - مجاهداً، و[الذي] يصبر منهم صابراً.
ثم اختلف في الكلمات التي ابتلاه بها: فقال بعضهم: الكلمات: هي التي ذكرت في سورة الأَنعام، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ﴾ ، ورأَى القمر بازغاً، ورأَى الشمس بازغة، هي الحجج التي أَقامها على قومه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ﴾ .
وقيل: ابتلاه بعشر ففعلهن: خمسةً في الرأْس، وخمسة في الجسد.
لكن في هذا ليس كبيرُ حكمةٍ؛ إِذ يفعل هذا كل واحد، ولكنَّ الحكمة فيه هي: ما قيل: إن ابتلاءه بالنار، حيث أُلْقي فيها، فصبر، حتى قال له جبريل: "أَتستعين بي؟
قال: أَمَّا منْك فلا".
وابتلي بإسكان ذريته الوادي، الذي لا ماءَ فيه، ولا زرع، ولا غرس.
وابتُلي بالهجرة مِن عِندهم، وتركهم هنالك - وهم صغار - ولا ماءَ معهم، ولا زرع، ولا غرس.
وابتلي بالهجرة إلى الشام.
وابتلي بذبح ولده.
ابتلى بأَشياءَ لم يبتل أَحد من الأَنبياء بمثله، فصبر على ذلك.
ففي مثل هذا يكون وجه الحكمة.
وفيه لغة أُخرى: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بالرفع ﴿ رَبُّهُ ﴾ بنصب الباء.
ومعناه - والله أعلم -: أَنه سأَل ربه بكلمات فأعطاهن.
وهو تأْويل مقاتل.
وهو أَن قال: اجعلني للناس إِماماً.
قال: نعم.
قال: ﴿ وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ ، قال: نعم قال: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
قال نعم.
قال: و ﴿ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .
قال: نعم.
قال: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
قال نعم.
مثل هذا: سأَل ربه هذا فأَعطاهن إياه.
وقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ .
يحتمل: جعله رسولاً يقتدى به؛ لأَن أَهل الأديان - مع اختلافهم - يدينون به، ويقرون نبوته.
ويحتمل: إماماً من الإمامة والخلافة.
وقوله: ﴿ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
فإن قيل: كيف كان قوله: ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ جواباً لقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وكانت الرسالة في ذريته؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ ﴾ ؟
يحتمل قوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ : أَحب أَن تكون الرسالة تدوم في ذريته أَبداً؛ حتى لا تكون بين الرسل فترات؛ فأُخبر أَن في ذريته من هو ظالم، فلا ينال الظالم عهده.
ويحتمل: أَن يكون سؤالهُ جعلَ الرسالة في أَولاد إِسماعيل؛ لأَن العرب من أَولاد إسماعيل - - فأخبر أَن في أَولاده من هو ظالم؛ فلا يناله.
والعهدُ: ما ذكرنا، هو الرسالة والوحي.
وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهدَ.
ويحتمل: أَن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أَن فيهم من لا يصلح لذلك.
ويحتمل: أَن يريد به الإمامَة لاَ النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، والنبوةُ كانت فيهم.
ويحمل: أَن يكون قصدَ خصوصاً من ذريته، ممن علم الله أَن فيهم من لا يصلح لذلك.
ولا يحتمل: أن يريد به الإمامَة لا النبوة وقد ذكر، أَو قال الإنسان: قيل له: إِنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاءِ من آمن منهم دون من كفر.
وقوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ ﴾ .
قيل: المثابة.
المجمع.
وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون.
وقيل: يحجون.
وقوله: ﴿ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ .
هو فعل العباد؛ لأَنهم يأْمنون ويثوبون.
أَخبر أَنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أَفعال العباد.
ثم بين فيه - عز وجل - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أَن الله - بلطفه وكرمه - حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأَنه جعل من آيات الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوى، لا من تدبير البشرية.
وفيه دلالة نبوة محمد ؛ إِذ أَخبر عما قد كان؛ فثبت أَنه أَخبر عن الله عز وجل.
وقوله: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لمن دخله من عذاب الآخرة.
وقيل: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لكل مجترم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ﴾ عن كل ما ارتكب.
وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلاً، ثم التجأَ إِليه، فإِنه لا يقتل ما دام فيه؛ لأَنه لا يقتل للكفر هنالك.
فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، وما روي عن رسول الله أَنه قال: "إِنَّ مَكَّةَ حَرامٌ بِتَحْرِيم الله إِيَّاهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْض، لَمْ تَحِلَّ لأَحِدٍ قَبْلي وَلاَ تَحلُّ لأحد بَعْدِي.
وَإِنَّما أُحلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهَارٍ.
لاَ يُخْتلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّر صَيْدهَا" وما روي عن ابن عمر - - أنه قال: "لو ظفرت بقاتل عمرَ في الحرم ما قتلته" وإِذا قتل في الحرم يقتل به هنالك.
والوجه فيه: أَن إِقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ لينزجر عما ارتكب، وأَحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه من المكان.
وإذا قتل في غير الحرم، التجأ إلى الحرم - قال أَبو حنيفة - رحمه الله - لا يخرج من الحرم.
وأَبو يوسف - رحمه الله - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أَنه قال: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، كما قال: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل.
[و] قيل: لم يُخرَج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يُقتل في الحرم إذا لم يقتُل فيه.
أَو نقول بالإخراج للقتل، قَصْد ما لم يَسُغْ فعله فيه كان كالصيد يخرج، يلزم فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر.
وبعد فإِنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إِذ الإخراج عقوبة، فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار - الذين نهوا عن قتلهم - إِخراجهم للقتل، كذلك القاتل.
وذهب الآخر: إلى أنه يُخْرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن لم يرتكب فيه.
وإِخراج المرتكب له، أَقل في الحكم من إِقامته عليه.
غير أنه غلط؛ لأَنَّ إِخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأَنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، وفي الإخراج عقوبتان.
ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة - وهي القتل - إِذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أَحق.
وقوله: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .
اختلف في ﴿ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : منهم من جعل الحرم كله مقامه - يصلى إليه - لمقامه هنالك بأَولاده.
ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأَنه كان مكان عبادته فهو المصلى.
ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه - وهو موضع ركوبه ونزوله - لما روي عن رسول الله : "أَنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال عمر: يار سول الله!
أَلا تتخذ مقامَ إبراهيم مصلى؟!
فأَنزل الله - -: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ " .
وعندنا: القبلةٌ البيتُ؛ كقوله - -: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ وقوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ ﴾ أي: مقاماً لقيام العبادات.
وقوله: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ .
فيه الأمر ببنائه.
وقوله: ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ .
يحتمل التطهير لوجهين: أَحدهما: عن الأَصنام والأَوثان التي كانت هنالك، وعبادةِ غير الله والأَنجاسِ.
ويحتمل: التطهير عن كل أَنواع الأَقذار، وعن كل أَنواع المكاسب، على ما روي في جملة المساجد.
وقوله: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ .
قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفاً لدخوله بطوافه.
وقيل: الاستحبابُ الطوافُ؛ لذلك قال أَصحابنا - رحمهم الله - الطوافُ للقادم أَفضل من الصلاة.
والصلاة للمقيم أَفضل.
والعاكفُ: المقيمُ.
﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ منهما جميعاً.
وقيل: العاكفون: المجاورون؛ يعني: من أهل مكة والقادمين إليها.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .
قد ذكرنا الوجه في قوله: ﴿ آمِناً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
لما علم أَن المكان ليس بمكان ثمرٍ ولا عُشب دَعَا، وَسأَل ربه: أن يرزق أَهله عَطفاً على أَهله، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق.
ثم خص المؤمنين بذلك؛ لوجوه: أَحدها: أَنه لما أَمرهما بتطهير البيت عن الأَصنام والأَوثان ظن أَنه لا يجعل لسوى أَهل الإيمان هنالك مقاماً؛ فخص لهم بالدعاءِ، وسؤال الرزق.
والثاني: أَنه أَراد أَن يجعل آية من آيات الله؛ ليرغِّب الكفار إلى دين الله، فيصيروا أُمة واحدة؛ فكان كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...
﴾ الآية [الزخرف: 33].
ووجه آخر قيل: لما كان قيل له: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ فلعله خشي أَن يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان.
وفي ذلك: أن لا بأْس ببيع الطعام من الكفرة.
ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه.
ويحتمل الدعاءُ المبهم للكفرة: القبحَ؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير الله.
وقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ﴾ .
بالنعم؛ لأن الدنيا دار محنة، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا.
وأما الآخرةُ فهي دار جزاء، ليست بدار محنة؛ فيوجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق.
ومعنى قوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ لأن الدنيا كلها قليلٌ.
ثم الامتحان على وجهين: امتحانٌ بالنعم، وامتحان بالشدائد.
وقد قرئ: "فأَمْتِعْه" على معنى دعاءِ إِبراهيم - - "ومن كفر فأمتِعْه" بالجزم.
فإن قيل: لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم.
وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل العقل، ويعلم أَن المؤمن هو المفضَّل بالعقل.
كيف لا وقع فضل ما به يمتحن - وهو النعم - لأَن العقل الذي به يدرك الحق واحد، لا تفاضل فيه لأَحد.
ثم العقل الذي به يمتحن واحد؛ فهما متساويان - فيما به دَرْكُ الحق - إلا أَن أَحدهما يدركه فيتبعه، والآخر يدركه فيعانده.
فهو - من حيث معرفته - ذو عقل، أَعرض عنه؛ فيسمى معانداً، إذ من لا عقل له يُسمى مجنوناً.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ﴾ .
ذكر الاضطرار، وهو كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ وهو السوق، وكقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ ﴾ إِنهم يساقون إليها، ويُدَعُّون، لا أنهم يأْتونها طوعاً واختياراً.
وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
أي: بئس ما صاروا إليه.
وقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ﴾ .
أُمِرَا برفع البيت وببنائه؛ فَفَعلا، ثم سأَلا ربهما: أَن يتقبل منهما.
فهكذا الواجب على كل مأْمور بعبادةٍ، أَو قُربة - إذا فرغ منها، وأَداها - أَن يتضرع إلى الله، ويبتهل؛ ليقبل منه، وأَلا يرد عليه؛ ليضيع سعيه.
وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ لدعائهم.
﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بما نَوَوْا وأَضمروا.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ .
والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أَنه يتوجه إلى وجوه: أَحدها: هو الخضوع له والتذلل.
والثاني: هو الإخلاص.
ثم اخْتَلَفَ أَهل الكلام في الإسلام: فقال بعضهم: إِنه يتجدد في كل وقت؛ لذلك سأَلوا ذلك، وهو كقوله - - ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ معناه: آمنوا بالله في حادث الوقت؛ لأَنه تارك فعل الكفر في كل وقت؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان.
وعلى ذلك: يخرج تأْويلنا في الزيادة بقولهم: زادتهم إيماناً يتجدد له، ويزداد في حادث الوقت.
وقال آخرون: كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام.
وقد ذكرنا أَن العصمة لا ترفع خوف الزوال.
ومثل هذا: الدعاء والسؤال - على قول المعتزلة - يكون عبثاً؛ لأَنه لا يملك إِعطاءَ ما سأَلوا عندهم؛ بل هم الذين يملكون ذلك، فيَخرج السؤال في هذا - عندهم - مخرج اللعب والعبث، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.
ثم الإيمان: هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت، فلا وقت يخلو القلب عنه في حال سكونٍ، أَو حال حركةٍ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ .
يحتمل: أَن الأُمةَ المسلمة هي أُمةُ محمد ؛ وذلك: أَنَّه لم يكن من أَولاد إِسماعيل رسولٌ سوى محمد ، فسألا: أَن يجعل من ذريتهما رسولاً، وأُمه مسلمة، خالصة له.
وإنما الرسل كانوا من أَولاد إِسحاق ومن نسله، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .
وقيل: في قوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ : يريد الإِراءَة إلى يوم القيامة، يدل على قراءَة عبد الله: "وأَرهم مناسكهم"، وفي قراءَة غيره على ضم الرؤية إلى نفسه.
والمنسكُ: هو القربة.
وأَفعالُ الحج سميت مناسكاً.
ثم لا يحتمل: أَن يسأَلا ذلك، من غير أَمر سبق منه - عز وجل بذلك؛ لأَنه ليس من الحكمة سؤال: إِيجاب فضل عبادة، أَو قربة بغير أَمر؛ فدل أَنه قد سبق منه بذلك أَمر، لكنه لم يبين لهما، فسأَلا: تعليم ماهيتها وكيفيتها، فعلمهما جبريل ذلك.
ففيه: دلالة تأْخير البيان عن وقت قرع السمع الخطاب؛ أَلا ترى أَنه أَمر بالنداء للحج ولم يعلم.
والثاني: أَن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم - - فدل أَن الأَمر به قد سبق.
والثالث: قوله - في نفس الحج -: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .
ثم لا يحتمل: لزوم الكلفة بالخروج قبل وجوب الحج؛ لما لم يأْمر بفعل ما له إيجاب الحقوق والفرائض.
لكنها أوجبت شكراً لما أَنعم عليه؛ فدل أَن الحج كان واجباً قبل الخروج، وقد تأَخر الإمكان؛ فمثله البيان، والله أعلم.
واحتج بقوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ : أَن ظاهره يوجب خضوعاً، لزم به ما أَداه السمع على تأَخر ما بينه، وكذلك الزكاةُ، وكذا ظاهرُ قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ ﴾ .
واحتج أَيضاً بقول القائل وسؤاله رسولَ الله عن أَوقات الصلاة ففعله في يومين، وقد كان يمكنه تعليمه وقت السؤال، لكنه أَخر؛ فدل أَن البيان يجوز تأَخره عن وقت قرع الخطابِ السمعَ.
ثم في تأْخير البيان محنة المخاطب به؛ أَمر في تعلم العلم وطلب مراد ما تضمن الخطاب، والله أعلم.
وذكر في أَمر الحج - عند كل نسك من المناسك - معاني لها، لكنها ذكرت الأَحوالِ كانت في شأْن آدم وأَمر إبراهيم، وأَمر محمد - عليهم الصلاة والسلام - وقد كان الحج قبلهم.
وقد ذكر في أَمر الرَّمَل أَنه كان من رسول الله ومن معه؛ ليُعلِم به قوتهم؛ حتى قال عمر - -: "علام أَهز كتفي، وليس أَحد إِزاءَه؟!
لكني أَتبع رسول الله، " أَو كما قال، رحمه الله .
وقد ذكر ذلك في قصة إبراهيم : أَنه رمل، ولم يكن في وقته من كان الفعلُ لأَجله، وكذلك غيرُه من الأَنبياء، صلى الله عليهم وسلم.
إلا أَنَّا نقول: جعل الله كذلك؛ لعلمه بالحاجة إلى ذلك في وقت قد جعل ذلك نسكاً، فحفظ ذلك على حق النسك، وإن لم يكن المعنى مقارناً له في كل وقت، على ما قيل: "إِن صلة الرحم تزيد في العمر" - بمعنى جعل الله أَجله ذلك بما علم أَنه يصل الرحم - فيكون صرف العمر إلى تلك المدة لذلك.
وكما يكتب شقيّاً أَو سعيداً في الأَزل للوقت الذي فيه يكون كذلك، ونحو ذلك، والله الموفق.
ثم الأَصل: أَن الله - جل ثناؤه - جعل على عباده في كل الأنواع التي يتقلب فيها البشر للمعاش، أَو لأَنواع اللذات؛ لتكون العبادة منهم في كل نوع مقابل ما يختار صاحب ذلك شكراً لما مكن من مثله، لما يتلذذ به ويتعيش؛ إِذ كل لذة، وكل ما يتعيش به نعمة خصَّ الله بها صاحبها، بلا تقدُّم سببٍ يستوجبها العبد؛ فلزمه - في الحكمة - الشكر لمن أَسدى إليه تلك النعمة.
وعلى ذلك: نجد التقلب - من حال القيام، إلى حال القعود، والاضطجاع - أَمراً عامّاً في البشر، من أَنواع اللذات، فمثله يكون العبادة بذلك النوع عامة، نحو الصلوات.
وعلى ذلك: معنى الرق، والعبودةُ لازم لا يفارق، فمثله الاعتراف به، والاعتقاد دائم لا محالة لا يخلو منه وقت.
وعلى ذلك: أَمر إِعطاءِ النفس شهواتها، من المطاعم ونحو ذلك؛ لا يعم الأَوقات عموم التقلب من حال إلى حال؛ إذ لا يخلو عنها المرءُ وإن كانت مختلفة.
فجعلت عبادة الصيام في خاص الأَوقات.
ثم لم يمتد ما بين الأَوقات امتداداً متراخياً، فعلى ذلك: جعل العفو عن الصيام، لم يجعل كذلك، بل في سنة، مع ما قد يدخل الصيام في كثير من الأُمور.
ثم للناس في الأَموال معاش، وبها تلذذ: لكن منها قوت لا بد منه؛ فالاتفاق بمثله لازمم، لا يحتمل جعل القربة فيه، سوى أَن جعل ذلك لعينه قربة؛ إذ فرض على المرء الاستمتاع به.
ومنها فضْل، به جعلت قرب التصدق؛ لأَنه له بحق التلذذ، لا بحق ما لا بد منه.
وكذلك نوع تقلب الأَحوال في النفس التي هى بحق الضرورة، لم يجعل لمثل ذلك فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته.
وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه.
وكذلك أَمر الصيام: لم يجعل عما لا بد منه للقوة، ولكن فضل قوة في الاحتمال.
لكن الزكاة هي من حقوق ما يجوز أَن يكون هي لغير من عليه، ففرض عليه البذل إلى غيره.
وحقوق الأَفعال لا تحتمل أَن يصير السبب الذي له به يجب أَن يكون لغيره فيجب عليه؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه.
وهي تجب للأَحوال لوجهين: أَحدهما: أَن فيها حقوقاً شائعة، على نحو النفقات، فأخرت هي إلى الحول؛ تخفيفاً، أَو لما هي تجب فيما له حكم الفضل.
والفضل: ما يفضل عن الحاجة.
والحاجات تتجدَّد في أَوقات - لا أَنها تتتابعُ - لا يظهر في مثله الفضل إِلا بمدةٍ بينةٍ أكثرها حول.
ثم فَرْضُ الحجِّ جُعِل في العمر مرة؛ لأَنه في حق الأَسفار المديدة، التي لا يختار مثلها للذات إلا في النوادر، فلم يوجَب مثلُه إلا خاصّاً؛ فأُوجب في جميع العمر مرة.
وقد أَوجب في الأَموال في كل سنة؛ لأَن أَرباب الأَموال قد يتقلبون في البلاد النائية رغبة في فضول اللذات؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك.
وعلى ذلك أَمر الجهاد - على أن الجهاد كالذي لا بد من الأَقوات - إذ في ترك ذلك خوف غلبة الأَعداءِ، وفيها تلف الأَبدان والأَديان، والأَموال ففرض على قدر ما فرض من الأَقوات؛ لما بينت من الخلل، ثم كانت أَحوال أَهل السفر تكون على غير المعروف من أَحوال المقيمين - في حق الرَّزانة والوقار، وحق الانبساط والنشاط - فعلى ذلك: فرائض الأَمرين - نحو الجهاد - فيه أَنواع: ما عُدَّ في غيره من اللعب، وكذلك أَمر الحج.
وعلى مثل هذا يخرج رمي الجمار والرمَل والسعي ونحو ذلك.
فجعل ذلك في حق الأَسفار سُنَّة، وإن كان مثل ذلك عُدَّ في غير ذلك عبثا؛ إِذ قد بينا مخرج العبادات، على ما عليه أَحوال العباد بأَنفسهم، لولا العبادات، والله أعلم.
ثم جعل ذلك في أَمكنة متباعدة الأَطراف؛ إِذ هو بحق أَمر الأَسفار يجب في المعهود؛ فجعل في النسك، بنفسه بالذي به يقطع الأَسفار، ولا قوة إلا بالله.
ووجه آخر: من المعتبرات: أَن العبادات جعلت أَنواعاً: منها ما يبلغ القيام بحقها العامَ فصاعداً، وهذه لم يجز أَن يجعل وقتها ينقص عن احتمال فعلها.
ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأَحوال بعد سقوط اعتبار العمر من السنة.
ثم لأَن فعل الحج قد يمتد ذلك، ويجاوز، لم يجعل ذلك وقتاً له، وإنما جعل العمر، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر، وما تقدمه وما تأَخره، ثم في العمر أَحوال، لا تحتمل إِضافتها إلى الأَعوام؛ لأَن ما يضاف إلى عام فذلك لكل عام.
وليس ما يضاف إلى العمر موجوداً بحق الأَعوام.
فجعل ذلك وقته، والله أعلم.
ثم الزكاة هي تجب للأَموال؛ صوناً لها؛ لكسب عدد، وفضل غنى، ولكن على ذلك تكتب لأَحوال الحياة لا لما يخلف؛ فلم يمتد أَمرها إلى العمر؛ على أَنها جعلت حقّاً للفقراء.
ومتى أُريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره، ويجب فيه ما يجب في الأَول؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش؛ إذ الله - بفضله - قدر أَقوات الخلق، ثم فضل الخلق في الأَملاك، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئاً، وبعضهم يجاوز ما ينالُ أَضعافَ عمره.
ثبت أَن ذلك له بما يقتضى به كفاية الفقراء؛ فلا بد أَن يجعل لذلك مدة يتوسع في ذلك الفريقان جميعاً.
ثم كانت الأَقوات - التي هي مجهولة للخلق جميعاً - تتجدد في كل عام على ذلك؛ إذ جعلت أقوات الفقراء في أموال الأَغنياء، جعلت في كل عام.
على أَنه إِذ جعلت أَقوات الخلق في بركات السماء والأَرض، جعلها الله متجددة بتجدد الأَعوام، ولا قوة إلا بالله.
والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأَبدان، فعلى ما يختلف قواهما، اختلف في الأَمر بهما والترك، وفي أَنواع الرخص.
لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات، ولا مدافعة اللذات؛ إِذ لا سبيل إلى مثلها متتابعاً لما يصير اللذة أَلما، والشهوة وجعاً؛ فيبطل حق التتابع؛ وقدر المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس.
والصيام يضاد ذلك، ويضر في البدن.
فجعل عبادة الصلوات في كل يوم، وعبادة الصيام في أَوقات متراخية؛ إذ هي تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إِقامة الأَبدان، وفي الصيام خوف فنائها؛ لذلك استعين بطول الاغتذاء على أَوقات الصيام، ولا قوة إلا بالله.
وإن شئت قلت: إن الله أَنعم على البشر بما هو غذاء وقوام، وبما هو لذة وشهوة، ثم أَنعم عليهم بما هو لهم ربه رفعة وجاه عند الخلق - وهي الأَموال - فأَلزمهم في كل نوع من هذه الأَنواع عباداتٍ.
وعلى ذلك: وقع كل نوع منها لفوت النعمة، التي هي المرغوبة المختارة في الطبيعة، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه، ثم جعلت قوى النفس بشهواتها، ونعم الأَموال بأَنواع الكد والجهد.
فعلى ذلك: خفف حقوق الأَموال؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ألا يبلغوا بالجهد ذلك، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من الترتيب، مع اليسر الذي أَخبر الله أَنه يريد بهم ذلك، لا العسر، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .
دل سؤال التوبة أَن الأَنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات والعثرات، على غير قصد منهم.
ثم فيه الدليل على أَن العبد قد يُسْأَل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها؛ لأَنهم سأَلوا التوبة مجملاً.
ولو كان سبق منهم شيء علموا به وعرفوه لذكروه؛ فدل سؤالهم التوبة مجملاً على أَن العبد مسئول عن زلات لم يتعمدها.
وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من المسلمين: لأَنه أَخبر أَن عهده لا يناله الظالم.
ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من جنسهم، من البشر؛ لأَنه أَقرب إلى المعرفة والصدق ممن كان من غير جنسهم، كقوله : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً...
﴾ الآية [الأنعام: 9].
ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي من قومهم، ومن جنسهم، وبلسانهم، لا من غيرهم، ولا بغير لسانهم - والله أعلم - كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ ﴾ .
قيل: الآيات هي الحجج.
وقيل: الآيات هي الدين.
ويحتمل: يدعوهم إلى توحيدك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .
يعني القرآن: ما أَمرهم به، ونهاهم عنه، ونحو ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ .
قيل: الفقه، يقول: يعلمهم الكتاب وما فيه من الفقه.
وقيل: الحكمة ما فيه من الأَحكام من الحلال والحرام.
وقيل: الحكمة: هي السنة ها هنا.
وقيل: الحكمة: هي الإصابة.
وبعض هذا قريب من بعض، وبالله التوفيق.
وقال الحسن: الحكمة: هي القرآن؛ أَعاد القول به.
يعني تكراراً.
وقال ابن عباس - -: الحكمة: الفقه.
وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .
قال ابن عباس - : يأْخذ زكاة أَموالهم - فذلك يزكيهم - كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ .
وقيل: يزكيهم إلى ما به زكاة أَنفسهم.
وقيل: يزكيهم بعمل الصالح.
فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أَليس الله - عز وجل - أَضاف التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه - حقيقة - فعل التزكية والهداية، ولا خلق ذلك منه - كيف لا قلتم أيضاً - فيما أَضاف ذلك إلى نفسه: أَن ليس فيه منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك إلى رسول الله سوى الدعاء والبيان؟!
قيل: كذلك على ما قلتم: أَنه أَضاف ذلك إلى رسوله بقوله: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ ، غير أَنه جعل إلى نفسه فضْلَ هدايةٍ، لم يجعل ذلك لرسوله وأَثبت زيادة تزكيةٍ، لم يثبت ذلك لرسوله ؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ﴾ .
فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أَنَّ له فضلَ فعلٍ، ليس ذلك لرسوله، وهو خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وبالله التوفيق.
وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أَن يملك قدرة فعل أَحد يُقدره عليه لو أَراده بما أَقدرهم الله على الفعل، حتى قدَروا؛ فجاز أَن يكون له عليه قدرة.
وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول الله لا يحتمل، ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ ﴾ .
أي: لا شيء يعجزه، والعزيز بذاته، وكل شيء دونَه غيرُ عزيز، ذليل.
وقيل: العزيز: المنيع.
وقيل: العزيز: المنتقم من أَعدائه.
والحكيم: هو المصيب في فعله.
والحكيمُ في أَمره ونهيه.
والحكيم هو الذي أَحكم كل شيء جعله دليلاً على وحدانيته.
ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال: سميت العرفات عرفات؛ لما قيل له: عرَفتَ,.
ومِنىً؛ لما قيل له: تمنَّهُ.
ورَمى الجمار؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان فرمى.
فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب وتنفر عنها الطباع، أَلا ترى أَنه ذكر في قصة آدم فعل ذلك جملةً؛ فزال المعنى الذي ذكر في إِبراهيم ؟!
ثم قد ذكر في الخبر أَن الملائكة قالت لآدم: حججناها قبلك بأَلفي عام؛ فثبت أَنهم قد فعلوا هذا كله.
ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل، وهو أَن الحج قصد لزيارة ذلك المكان؛ فأَمر بمختلف الأَفعال الواقع بها الزيارة.
كالصلاة: إنها الخضوع لعينة؛ ولذلك أَمر فيها بإحضار الأَفعال المختلفة من حال الخضوع.
ثم المرءُ قد يخضع مرة بالقيام، ومرة بالركوع، ومرة بالسجود.
أَمر بإحضار مختلف الأَفعال التي فيها الزورة.
غير أَن الصلاة تخالف الحج؛ فلأَن أَفعالها فعل المعاش أَمر فيها بإِحضار حالة تذكره الخضوع، والوقوف لله، مفرقاً بين تلك الحالة وحالة المعاش؛ ولهذا تُقْضَى في كل مكان.
ثم أَفعال الحج في ظاهرها إلى أَفعال المعاش، وما إليه وَقع القصد - لا عينها - غير أن فيه تكلف المعاش؛ ولهذا ما لا يقضى في كل مكان.
<div class="verse-tafsir"
واذكر حين اختبر الله إبراهيم بما أمره به من أحكام وتكاليف، فقام بها وأتم أداءها على أكمل وجه، قال الله لنبيه إبراهيم: إني جاعلك للناس قدوة يُقْتدَى بك في أفعالك وأخلاقك، قال إبراهيم: واجعل -يا رب- من ذريتي كذلك أئمة يقتدي بهم الناس، قال الله مجيبًا إياه: لا ينال عهدي لك بالإمامة في الدين الظالمين من ذريتك.
<div class="verse-tafsir" id="91.0j7P4"
كان الكلام من أول السورة إلى هذه الآية بأسلوب واحد في سياق واحد: ذكر حقية الكتاب وكونه من نصوع البرهان بحيث يدفع ريب المرتابين أن يدنو منه أو يتسامى إليه، ثم ذكر أصناف الناس في أمر الإيمان به، وأطال الحجج والمناظرة في خطاب أهل الكتاب خاصة لما تقدم من أنهم كانوا موضع الرجاء في المبادرة إلى الإيمان بالنبي وما جاء به لأنه وافقهم في أصل الدين وصدق أنبياءهم وكتبهم، وذكرهم بما نسوا، وعلمهم ما جهلوا، وأصلح لهم ما حرفوا، وزادهم معرفة بأسرار الدين وحكمته، كما أنهم كانوا في موضع الشبهة عند المشركين، والمنافقين بما كفروا، وفي موضع الحجة عليهم بما آمنوا، قال تعالى في الاحتجاج على المشركين ﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ ؟
وقد جاءت محاجة أهل الكتاب على طريقة الإطناب لما كانوا عليه من جمود القرائح والبعد عن البلاغة كما حكى عنهم أنهم قالوا ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ ومن فساد الإذغان بالتعود على التأويل والتحريف، فكان يبدأ لهم المعنى ويعاد، ويساق إليهم القول بطرق بينة، ويؤكد بضروب من التأكيد، تبعد به عن قبول التأويل والتحويل، وكان مما حجوا به التذكير بحال سلفهم الأنبياء وبحالهم معهم من عصيانهم وإيذائهم بل قتلهم على عهدهم، والغرور بانتظار شفاعتهم والاستغناء بها من بعدهم.
ثم إن الكلام في هذه الآية ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ ﴾ وما بعدها موجه إلى مشركي العرب، ووجه الاتصال بينها وبين ما قبلها أن ذلك كان يتضمن الاحتجاج على أهل الكتاب بسلفهم الصالح، وهذا يتضمن الاحتجاج على مشركي قريش وأمثالهم بسلفهم الصالح، فإنهم ينتسبون إلى إسماعيل وإبراهيم ويفتخرون بأنهما بنيا لهم الكعبة معبدهم الأكبر، وكانوا في عهد التنزيل قد اختلطوا بالأمم المجاورة التي تعرف لهم هذا النسب.
وإنك لترى الكلام هنا جاريًا على طريقة الإيجاز والإشارة لما كان عليه العرب من حدة الفكر وصفاء الأذهان، ودقة الفهم ورقة الوجدان على أن هذه الآيات تصلح حجة على الفريقين، لأن أهل الكتاب كافة يجلون إبراهيم ويعتقدون نبوته، والإسرائيليون منهم ينتسبون إليه، ولكن الخطاب في قصته موجه إلى العرب أولًا وبالذات، فتلك حجج القرآن على أهل الكتاب الذي جاء لإصلاح دينهم وترقيتهم فيه ودين الله واحد في جوهره، وهذه حججه على أهل الشرك والوثنية الخالصة التي جاء لمحوها من الأرض وإثبات نقيضها وهو التوحيد والتنزيه وإثبات البعث والنشور، وقد أقام الحجج على هذين الأصلين من الطرق العقلية والكونية في مواضع كثيرة ولا سيما في السور المكية.
قال تبارك اسمه ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أقول أشهر الأقوال وأظهرها في متعلق ﴿ إِذ ﴾ هنا قولان: أنه مقدر معلوم من السياق ومن أمثاله وهو "اذكر" وإذا جعل الخطاب للرسول أي "واذكر" لأهل الكتاب ولقومك وغيرهم ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّه ﴾ إلخ وإذا جعل الخطاب للمكلفين ﴿ وَاذْكُرُوا ﴾ وتقدم نظيره في خطاب بني إسرائيل.
أنه متعلق ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ والكلمات جمع كلمة وتطلق على اللفظ المفرد وعلى الجمل المفيدة من الكلام.
والمراد منها هنا مضمونها من أمر ونهي، روى عكرمة عن ابن عباس قال: لم يبتل أحد بهذا الدين فأقامه كله إلا إبراهيم ابتلاه الله بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، واستنبطها ابن عباس بالعدد من أربع سور ليس فيها خطاب له .
جعل التكليف بالكلمات لأنها تدل عليها وتعرف بها عادة ولم يذكر الكلمات ما هي ولا الإتمام كيف كان لأن العرب تفهم المراد بهذا الإبهام والإجمال، وإن المقام مقام إثبات أن الله تعالى عامل إبراهيم معاملة المبتلي أي المختبر له لتظهر حقيقة حاله ويترتب عليها ما هو أثر لها، فظهر بهذا الابتلاء والاختبار فضله بإتمامه ما كلفه الله تعالى إياه وإتيانه به على وجه الكمال.
هذا هو المبادر ولكن المفسرين لم يألوا في تفسير الكلمات والخبط في تعيينها فقال بعضهم إنها مناسك الحج، وقال آخرون إنها خصال الإيمان واستخرجوها من آيات من القرآن، وذهب بعضهم إلى أن الإشارة بالكلمات إلى الكواكب والقمر والشمس التي رآها واستدل بأفولها على وحدانية الله تعالى، وكأن قائل هذا يعتقد أن إبراهيم كان يظن أن هذه الكواكب أرباب، وحاش الله ما كان منه إلا أن قال (هذا ربي) تمهيدًا للحجة والبرهان، ولذلك قال تعالى بعد حكاية ذلك عنه ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ﴾ وذهب قوم إلى أن المراد بها جعل الله إياه إمامًا وتكليفه بإقامة البيت وتطهيره وأن بقية الآية مفسر للإبهام فيها.
وادعى بعضهم أن المراد أمره في المنام بذبح ولده وإنما هذا الأمر كلمة واحدة فكيف جعلوها عشرًا؟
وزعم آخرون أن الكلمات هي الخصال العشر التي تسمى خصال الفطرة وهي قص الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرأس وتقليم الأظافر وحلق العانة والختان ونتف الإبط والاستنجاء.
وقيل غير ذلك.
ومن الذين قالوا الخصال العشر المفسر (الجلال)، وهذا من الجراءة الغريبة على القرآن، ولا شك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين ليتخذوا دينهم هزوًا، وأي سخافة أشد من سخافة من يقول إن الله تعالى ابتلى نبيًا من أَجَل الأنبياء بمثل هذه الأمور، وأثنى عليه بإتمامها، وجعل ذلك كالتمهيد لجعله إمامًا للناس وأصلًا لشجرة النبوة؟!
وإن هذه الخصال لو كلف بها صبي مميز لسهل عليه إتمامها ولم يُعَد ذلك منه أمرًا عظيمًا؟!
والحق أن مثل هذا يؤخذ كما أخبر الله تعالى به ولا ينبغي تعيين المراد به إلا بنص عن المعصوم.
ذكر تعالى أن إبراهيم أتم الكلمات وأنه تعالى قال له ﴿ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ ، وقد فصلت الجملة عما قبلها لأنها جواب عن سؤال مقدر تدل عليه القرينة، ولم يقل: فقال إني جاعلك، للإشعار بأن هذه الإمامة بمحض فضل الله تعالى واصطفائه لا بسبب إتمام الكلمات فإن الإمامة هنا عبارة عن الرسالة وهي لا تنال بكسب الكاسب.
وليس في الكلام دليل على أن الابتلاء كان قبل النبوة.
وأما فائدة الابتلاء فهي تعريف إبراهيم بنفسه وأنه جدير بما اختصه الله به، وتقوية له على القيام بما يوجه إليه، وقد تحققت إمامته للناس بدعوته إياهم إلى التوحيد الخالص - وكانت الوثنية قد عمتهم وأحاطت بهم- فقام على عهده بالحنيفية وهي الإيمان بتوحيد الله والبراءة من الشرك وإثبات الرسالة، وتسلسل ذلك في ذريته خاصة فلم ينقطع منها دين التوحيد، ولذلك وصف الله الإسلام بأنه ملة إبراهيم.
وماذا قال إبراهيم لما بشره الله تعالى بجعله إمامًا للناس ﴿ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ أي قال واجعل من ذريتي أئمة للناس، وهو إيجاز في الحكاية عنه لا يعهد مثله إلا في القرآن.
وقد جرى إبراهيم على سنة الفطرة في دعائه هذا فإن الإنسان لما يعلم من أن بقاء ولده بقاء له يحب أن تكون ذريته على أحسن حال يكون هو عليها ليكون له حظ من البقاء جسدًا وروحًا.
ومن دعاء إبراهيم الذي حكاه الله عنه في السورة المسماة باسمه ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ﴾ وقد راعى الأدب في طلبه فلم يطلب الإمامة لجميع ذريته بل لبعضها لأنه الممكن وفي هذا مراعاة لسنن الفطرة أيضًا وذلك من شروط الدعاء وآدابه فمن خالف في دعائه سنن الله في خليقته أو في شريعته فهو غير جدير بالإجابة بل هو سيء الأدب مع الله تعالى لأنه يدعوه لأن يبطل لأجله سنته التي لا تتبدل ولا تتحول أو ينسخ شريعته بعد ختم النبوة وإتمام الدين.
وبماذا أجاب الله إبراهيم حين دعاه هذا الدعاء؟
﴿ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي أنني أعطيك ما طلبت وسأجعل من ذريتك أئمة للناس ولكن عهدي بالإمامة لا ينال الظالمين لأنهم ليسوا بأهل لأن يقتدي بهم، ففي العبارة من الإيجاز ما يناسب ما قبلها.
وإنما اكتفى في الجواب بذكر المانع من منصب الإمامة مطلقًا وهو الظلم لتنفير ذرية إبراهيم من الظلم وتبغيضه إليهم ليتحاموه وينشئوا أولادهم على كراهته، ويربوهم على التباعد عنه لكيلا يقعوا فيه فيحرموا من هذا المنصب العظيم الذي هو أعلى المناصب وأشرفها، ولتنفير سائر الناس من الظالمين وترغيبهم عن الاقتداء بهم، فإن الناس قد اعتادوا الاقتداء بالرؤساء والملوك الظالمين لأنفسهم ولغيرهم بالخروج عن الشريعة إلا ما يوافق أهواءهم، ويحرفون أو يؤولون الأحكام لتطابق شهواتهم، وقد درجوا على ذلك في كل عصر ما عدا عصر النبوة وما قاربه كعصر خلافة النبوة كما يعلم من شهادة التاريخ التي لا ترد.
والإمامة الصحيحة والأسوة الحسنة هي فيما تكون عليه الأرواح من الصفات الفاضلة والملكات العلمية التي تملك على صاحبها طرق العمل فتسوقه إلى خيرها وتنزعه عن شرها، ولا حظ للظالمين في شيء منها، وإنما هم أصحاب الرسم وأهل الخداع والانخداع بالظاهر، ولذلك يصفون أعمالهم وأحكامهم بالرسمية.
وقد جعل الله إبراهيم إمامًا للناس وذكر لنا في كتابه كثيرًا من صفاته الجليلة كقوله تعالى ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ﴾ الآيات وقوله ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ ولم يذكر لنا شيئًا من زيه وصفة ثيابه، ولا وصف أنواع طعامه وشرابه، بل أرشدنا إلى أن دعوته الصالحة لا يدخل فيها ولا ينتفع بها أحد من ذريته إلا من اجتنب الظلم لنفسه وللناس.
وقد أخذوا من هذه الآية حكمًا أصوليًا وهو أن الظالم لا يجوز أن يولي منصب الإمامة العظمى، واشترطوا لصحة الخلافة فيما اشترطوا العلم والعدل، ونقل أن أبا حنيفة رحمه الله كان يفتي سرًا بجواز الخروج على المنصور ويساعد عليًا بن الحسن على ما كان ينزع إليه من الخروج عليه.
ولكن الناس لم يرعووا عن الاقتداء بالظالمين حتى بعد هذا التحذير الذي أوحاه الله إلى إبراهيم ثم أعلم به محمدًا عليهما الصلاة والسلام، فإنهم ظلوا على دين ملوكهم، وهم اليوم وقبل اليوم يدعون الاقتداء بالأئمة الأربعة وهم كاذبون في هذه الدعوى فإنهم ليسوا على شيء من سيرتهم في التخلق بأخلاق القرآن، وتحري إتباع الكتاب والسنة في جميع الأعمال.
<div class="verse-tafsir"