الآية ١٢٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٦ من سورة البقرة

وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًۭا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلًۭا ثُمَّ أَضْطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ۖ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ١٢٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 191 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار قال : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها " .

وهكذا رواه النسائي ، عن محمد بن بشار عن بندار به .

وأخرجه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري ، عن سفيان الثوري .

وقال ابن جرير أيضا : حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا : حدثنا ابن إدريس ، وحدثنا أبو كريب ، حدثنا عبد الرحيم الرازي ، قالا جميعا : سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبد الله ورسوله ، وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها ، عضاهها وصيدها ، لا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير " .

وهذه الطريق غريبة ، ليست في شيء من الكتب الستة ، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمر ، جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم بارك لنا في ثمرنا ، وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مدنا ، اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه " ثم يدعو أصغر وليد له ، فيعطيه ذلك الثمر .

وفي لفظ : " بركة مع بركة " ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان .

لفظ مسلم .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا بكر بن مضر ، عن ابن الهاد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم ما بين لابتيها " .

انفرد بإخراجه مسلم ، فرواه عن قتيبة ، عن بكر بن مضر ، به .

ولفظه كلفظه سواء .

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طلحة : " التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني " فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه ، فكنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما نزل .

وقال في الحديث : ثم أقبل حتى إذا بدا له أحد قال : " هذا جبل يحبنا ونحبه " .

فلما أشرف على المدينة قال " اللهم إني أحرم ما بين جبليها ، مثلما حرم به إبراهيم مكة ، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم " .

وفي لفظ لهما : " اللهم بارك لهم في مكيالهم ، وبارك لهم في صاعهم ، وبارك لهم في مدهم " .

زاد البخاري : يعني : أهل المدينة .

ولهما أيضا عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلته بمكة من البركة " وعن عبد الله بن زيد بن عاصم ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها ، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة " رواه البخاري وهذا لفظه ، ومسلم ولفظه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها .

وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة " .

وعن أبي سعيد ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما ، وإني حرمت المدينة حراما ما بين مأزميها ، لا يهراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف .

اللهم بارك لنا في مدينتنا ، اللهم بارك لنا في صاعنا ، اللهم بارك لنا في مدنا ، اللهم اجعل مع البركة بركتين " .

الحديث رواه مسلم .

والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة ، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم ، عليه السلام ، لمكة ، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة .

[ وتمسك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل ، وقيل : إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى ] .

وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السماوات والأرض ، كما جاء في الصحيحين ، عن عبد الله بن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة .

وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار ، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة .

لا يعضد شوكه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ، ولا يختلى خلاها " فقال العباس : يا رسول الله ، إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم .

فقال : " إلا الإذخر " وهذا لفظ مسلم .

ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك .

ثم قال البخاري بعد ذلك : قال أبان بن صالح ، عن الحسن بن مسلم ، عن صفية بنت شيبة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله .

وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجه ، عن محمد بن عبد الله بن نمير ، عن يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن أبان بن صالح ، عن الحسن بن مسلم بن يناق ، عن صفية بنت شيبة ، قالت : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح ، فقال : " يا أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام إلى يوم القيامة ، لا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها ، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد " فقال العباس : إلا الإذخر ; فإنه للبيوت والقبور .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إلا الإذخر " .

وعن أبي شريح العدوي أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولا قال به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح ، سمعته أذناي ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا : إن الله أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم ولم يأذن لكم .

وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد الغائب " .

فقيل لأبي شريح : ما قال لك عمرو ؟

قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن الحرم لا يعيذ عاصيا ، ولا فارا بدم ، ولا فارا بخربة .

رواه البخاري ومسلم ، وهذا لفظه .

فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم ، عليه السلام ، حرمها ; لأن إبراهيم بلغ عن الله حكمه فيها وتحريمه إياها ، وأنها لم تزل بلدا حراما عند الله قبل بناء إبراهيم ، عليه السلام ، لها ، كما أنه قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مكتوبا عند الله خاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، ومع هذا قال إبراهيم ، عليه السلام : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم ) وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقدره .

ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا : يا رسول الله ، أخبرنا عن بدء أمرك .

فقال : " دعوة أبي إبراهيم ، وبشرى عيسى ابن مريم ، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام " .

أي : أخبرنا عن بدء ظهور أمرك .

كما سيأتي قريبا ، إن شاء الله .

وأما مسألة تفضيل مكة على المدينة ، كما هو قول الجمهور ، أو المدينة على مكة ، كما هو مذهب مالك وأتباعه ، فتذكر في موضع آخر بأدلتها ، إن شاء الله ، وبه الثقة .

وقوله : تعالى إخبارا عن الخليل أنه قال : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) أي : من الخوف ، لا يرعب أهله ، وقد فعل الله ذلك شرعا وقدرا .

كقوله تعالى ( ومن دخله كان آمنا ) [ آل عمران : 97 ] وقوله ( أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم ) [ العنكبوت : 67 ] إلى غير ذلك من الآيات .

وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها .

وفي صحيح مسلم عن جابر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح " .

وقال في هذه السورة : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا ) أي : اجعل هذه البقعة بلدا آمنا ، وناسب هذا ; لأنه قبل بناء الكعبة .

وقال تعالى في سورة إبراهيم : ( وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا ) [ إبراهيم : 35 ] وناسب هذا هناك لأنه ، والله أعلم ، كأنه وقع دعاء ثانيا بعد بناء البيت واستقرار أهله به ، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة ; ولهذا قال في آخر الدعاء : ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ) [ إبراهيم : 39 ] وقوله تعالى : ( وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : ( قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) قال : هو قول الله تعالى .

وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير ، رحمه الله تعالى : قال : وقرأ آخرون : ( قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم ، كما رواه أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : كان ابن عباس يقول : ذلك قول إبراهيم ، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا .

وقال أبو جعفر ، عن ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد : ( ومن كفر فأمتعه قليلا ) يقول : ومن كفر فأرزقه أيضا ( ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) وقال محمد بن إسحاق : لما عزل إبراهيم ، عليه السلام ، الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية انقطاعا إلى الله ومحبته ، وفراقا لمن خالف أمره ، وإن كانوا من ذريته ، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهده ، بخبر الله له بذلك قال الله : ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا .

وقال حاتم بن إسماعيل عن حميد الخراط ، عن عمار الدهني ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ) قال ابن عباس : كان إبراهيم يحجرها على المؤمنين دون الناس ، فأنزل الله ومن كفر أيضا أرزقهم كما أرزق المؤمنين ، أأخلق خلقا لا أرزقهم ؟

!

أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير .

ثم قرأ ابن عباس : ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ) [ الإسراء : 20 ] .

رواه ابن مردويه .

وروي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضا .

وهذا كقوله تعالى : ( إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون ) [ يونس : 69 ، 70 ] ، وقوله تعالى : ( ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ) [ لقمان : 23 ، 24 ] ، وقوله : ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين ) [ الزخرف : 33 ، 35 ] وقوله ( ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ) أي : ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير .

ومعناه : أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، كقوله تعالى : ( وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير ) [ الحج : 48 ] ، وفي الصحيحين : " لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله ; إنهم يجعلون له ولدا ، وهو يرزقهم ويعافيهم " وفي الصحيح أيضا : " إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " .

ثم قرأ قوله تعالى : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) [ هود : 102 ] .

وقرأ بعضهم "قال ومن كفر فأمتعه قليلا" الآية جعله من تمام دعاء إبراهيم وهي قراءة شاذة مخالفة للقراء السبعة وتركيب السياق يأبى معناها واللّه أعلم فإن الضمير في قال راجع إلى اللّه تعالى في قراءة الجمهور والسياق يقتضيه وعلى هذه القراءة الشاذة يكون الضمير في قال عائدا على إبراهيم وهذا خلاف نظم الكلام واللّه سبحانه هو العلام.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا "، واذكروا إذ قال إبراهيم: رب اجعل هذا البلد بلدا آمنا.

* * * قال أبو جعفر: يعني بقوله: "آمنا ": آمنا من الجبابرة وغيرهم، أن يسلطوا عليه, ومن عقوبة الله أن تناله, كما تنال سائر البلدان, من خسف, وائتفاك, وغرق، (78) وغير ذلك من سخط الله ومثلاته التي تصيب سائر البلاد غيره، كما: 2026- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حُرِّم بحياله إلى العرش.

وذكر لنا أن البيت هبط مع آدم حين هبط.

قال الله له: أهبط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي.

فطاف حوله آدم ومن كان بعده من المؤمنين, حتى إذا كان زمان الطوفان -حين أغرق الله قوم نوح- رفعه وطهره، ولم تصبه عقوبة أهل الأرض.

فتتبع منه إبراهيم أثرا، فبناه على أساس قديم كان قبله.

* * * فإن قال لنا قائل: أوما كان الحرم آمنا إلا بعد أن سأل إبراهيم ربه له الأمان؟

قيل له: لقد اختلف في ذلك.

فقال بعضهم: لم يزل الحرم آمنا من عقوبة الله وعقوبة جبابرة خلقه, منذ خلقت السموات والأرض.

واعتلوا في ذلك بما:- 2027- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير, عن محمد بن إسحاق قال، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري, قال سمعت أبا شريح الخزاعي يقول: لما افتتحت مكة قتلت خزاعة رجلا من هذيل, فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فقال: " يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأض, فهي حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما, أو يعضد بها شجرا.

ألا وإنها لا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا هذه الساعة، غضبا علي أهلها.

ألا فهي قد رجعت على حالها بالأمس.

ألا ليبلغ الشاهد الغائب, فمن قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل بها!

فقولوا: إن الله قد أحلها لرسوله ولم يُحِلَّها لك ".

(79) 2028- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان - وحدثنا ابن حميد وابن وكيع قالا حدثنا جرير - جميعا, عن يزيد بن أبي زياد, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمكة حين افتتحها: هذه حرم حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، ووضع هذين الأخشبين, لم تحل لأحد قبلي, ولا تحل لأحد بعدي, أُحِلَّت لي ساعة من نهار.

(80) * * * قالوا: فمكة منذ خلقت حرم آمن من عقوبة الله وعقوبة الجبابرة.

قالوا: وقد أخبرت عن صحة ما قلنا من ذلك الرواية الثانية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذكرناها.

قالوا: ولم يسأل إبراهيم ربه أن يؤمنه من عقوبته وعقوبة الجبابرة, ولكنه سأله أن يؤمن أهله من الجدوب والقحوط, وأن يرزق ساكنه من الثمرات, كما أخبر ربه عنه أنه سأله بقوله " وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ".

قالوا: وإنما سأل ربه ذلك لأنه أسكن فيه ذريته, وهو غير ذي زرع ولا ضرع, فاستعاذ ربه من أن يهلكهم بها جوعا وعطشا, فسأله أن يؤمنهم مما حذر عليهم منه.

قالوا: وكيف يجوز أن يكون إبراهيم سأل ربه تحريم الحرم, وأن يؤمنه من عقوبته وعقوبة جبابرة خلقه, وهو القائل - حين حله, ونـزله بأهله وولده: رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم: 37]؟

قالوا: فلو كان إبراهيم هو الذي حرم الحرم أو سأل ربه تحريمه لما قال: " عند بيتك المحرم " عند نـزوله به, ولكنه حُرِّم قبله, وحُرِّم بعده.

* * * وقال آخرون: كان الحرم حلالا قبل دعوة إبراهيم كسائر البلاد غيره, وإنما صار حراما بتحريم إبراهيم إياه, كما كانت مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم حلالا قبل تحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.

قالوا: والدليل على ما قلنا من ذلك، ما:- 2029- حدثنا به ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال، حدثنا سفيان, عن أبي الزبير, عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه, وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها، ولا تقطع عضاهها.

(81) 2030- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا [حدثنا ابن إدريس - وأخبرنا أبو كريب قال]، حدثنا عبد الرحيم الرازي, [قالا جميعا]: سمعنا أشعث, عن نافع, عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إبراهيم كان عبد الله وخليله, وإني عبد الله ورسوله, وإن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهها وصيدها, ولا يحمل فيها سلاح لقتال, ولا يقطع منها شجر إلا لعلف بعير.

(82) 2031- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا قتيبة بن سعيد قال، حدثنا بكر بن مضر, عن ابن الهاد, عن أبي بكر بن محمد, عن عبد الله بن عمرو بن عثمان, عن رافع بن خديج, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن إبراهيم حرم مكة, وإني أحرم المدينة ما بين لابيتها.

(83) وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب.

* * * قالوا: وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه أن إبراهيم قال: " رب اجعل هذا بلدا آمنا "، ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأشياء دون بعض, فليس لأحد أن يدعي أن الذي سأله من ذلك، الأمان له من بعض الأشياء دون بعض، إلا بحجة يجب التسليم لها.

قالوا: وأما خبر أبي شريح وابن عباس، فخبران لا تثبت بهما حجة، لما في أسانيدهما من الأسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها, كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم،" أنه حرمها يوم خلق السموات والأرض "، بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله, ولكن بمنعه من أرادها بسوء, وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات, وعن ساكنيها، ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات.

فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله, وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل.

فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه, ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه, يستنون به فيها, إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا وأخبره أنه جاعله, للناس إماما يقتدى به, فأجابه ربه إلى ما سأله, وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه, فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده, ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله - (84) فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه السلام, وواجب على عباده الامتناع من استحلالها, واستحلال صيدها وعضاهها لها بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه بذلك إليهم.

فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حرم مكة ".

لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به - دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك - (85) كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه, [وهو الذي] لزم العباد فرضه دون غيره.

(86) فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين - أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر " - وخبر جابر وأبى هريرة ورافع بن خديج وغيرهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم إن إبراهيم حرم مكة "؛ وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر، كما ظنه بعض الجهال.

وغير جائز في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا، إذا ثبت صحتها.

وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه.

وأما قول إبراهيم عليه السلام (87) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ [سورة إبراهيم: 37] فإنه، إن يكن قاله قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه، (88) فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته، (89) من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد، لهم بذلك - وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على خلقه على وجه التعبد فلا مسألة لأحد علينا في ذلك.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قال أبو جعفر: وهذه مسألة من إبراهيم ربه: أن يرزق مؤمني أهل مكة من الثمرات، دون كافريهم.

وخص, بمسألة ذلك للمؤمنين دون الكافرين، لما أعلمه الله -عند مسألته إياه أن يجعل من ذريته أئمة يقتدى بهم- أن منهم الكافر الذي لا ينال عهده, والظالم الذي لا يدرك ولايته.

فلما أن علم أن من ذريته الظالم والكافر, خص بمسألته ربه أن يرزق من الثمرات من سكان مكة، المؤمن منهم دون الكافر.

وقال الله له: إني قد أجبت دعاءك, وسأرزق مع مؤمني أهل هذا البلد كافرهم, فأمتعه به قليلا.

* * * وأما " من " من قوله: " من آمن منهم بالله واليوم الآخر "، فإنه نصبٌ على الترجمة والبيان عن " الأهل "، (90) كما قال تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ [سورة البقرة: 217]، بمعنى: يسألونك عن قتال في الشهر الحرام, وكما قال تعالى ذكره: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا [سورة آل عمران: 97]: بمعنى: ولله حج البيت على من استطاع إليه سبيلا.

* * * وإنما سأل إبراهيم ربه ما سأل من ذلك، لأنه حل بواد غير ذي زرع ولا ماء ولا أهل, فسأل أن يرزق أهله ثمرا, وأن يجعل أفئدة الناس تهوي إليهم.

فذكر أن إبراهيم لما سأل ذلك ربه، نقل الله الطائف من فلسطين.

2032- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج قال، حدثنا هشام قال، قرأت على محمد بن مسلم أن إبراهيم لما دعا للحرم: " وارزق أهله من الثمرات "، نقل الله الطائف من فلسطين.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في قائل هذا القول، وفي وجه قراءته.

فقال بعضهم: قائل هذا القول ربنا تعالى ذكره, وتأويله على قولهم: قال: ومن كفر فأمتعه قليلا برزقي من الثمرات في الدنيا، إلى أن يأتيه أجله.

وقرأ قائل هذه المقالة ذلك: " فأمتعه قليلا "، بتشديد " التاء " ورفع " العين ".

* ذكر من قال ذلك: 2033- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع, قال، حدثني أبو العالية, عن أبي بن كعب في قوله: " ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار "، قال هو قول الرب تعالى ذكره.

2034- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، قال ابن إسحاق: لما قال إبراهيم: رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، وعدل الدعوة عمن أبى الله أن يجعل له الولاية, = انقطاعا إلى الله، (91) ومحبة وفراقا لمن خالف أمره, وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم ظالم لا ينال عهده, بخبره عن ذلك حين أخبره (92) = فقال الله: ومن كفر - فإني أرزق البر والفاجر - فأمتعه قليلا.

(93) * * * وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيم خليل الرحمن، على وجه المسألة منه ربه أن يرزق الكافر أيضا من الثمرات بالبلد الحرام, مثل الذي يرزق به المؤمن ويمتعه بذلك قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ - بتخفيف " التاء " وجزم " العين "، وفتح " الراء " من اضطره, وفصل " ثم أضطره " بغير قطع ألفها (94) - على وجه الدعاء من إبراهيم ربه لهم والمسألة.

* ذكر من قال ذلك: 2035- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع قال، قال أبو العالية: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.

* * * 2036- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن ليث, عن مجاهد: " ومن كفر فأمتعه قليلا "، يقول: ومن كفر فأرزقه أيضا، ثم أضطره إلى عذاب النار.

(95) * * * قال أبو جعفر: والصواب من القراءة في ذلك عندنا والتأويل, ما قاله أبي بن كعب وقراءته, لقيام الحجة بالنقل المستفيض دراية بتصويب ذلك, وشذوذ ما خالفه من القراءة.

وغير جائز الاعتراض بمن كان جائزا عليه في نقله الخطأ والسهو, على من كان ذلك غير جائز عليه في نقله.

وإذ كان ذلك كذلك, فتأويل الآية: قال الله: يا إبراهيم، قد أجبت دعوتك, ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم، متاعا لهم إلى بلوغ آجالهم, ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.

* * * وأما قوله: " فأمتعه قليلا " يعني: فأجعل ما أرزقه من ذلك في حياته متاعا يتمتع به إلى وقت مماته.

(96) وإنما قلنا إن ذلك كذلك، لأن الله تعالى ذكره إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة.

فكان معلوما بذلك أن الجواب إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره.

وبالذي قلنا في ذلك قال مجاهد, وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه.

(97) وقال بعضهم: تأويله: فأمتعه بالبقاء في الدنيا.

وقال غيره: فأمتعه قليلا في كفره ما أقام بمكة, حتى أبعث محمدا صلى الله عليه وسلم فيقتله، إن أقام على كفره، أو يجليه عنها.

وذلك وإن كان وجها يحتمله الكلام، فإن دليل ظاهر الكلام على خلافه، لما وصفنا.

(98) * * * القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ قال أبو جعفر: يعنى تعالى ذكره بقوله: " ثم أضطره إلى عذاب النار "، ثم أدفعه إلى عذاب النار وأسوقه إليها, كما قال تعالى ذكره: يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [سورة الطور: 13].

(99) * * * ومعنى " الاضطرار "، الإكراه.

يقال: " اضطررت فلانا إلى هذا الأمر "، إذا ألجأته إليه وحملته عليه.

فذلك معنى قوله: " ثم أضطره إلى عذاب النار "، أدفعه إليها وأسوقه، سحبا وجرا على وجهه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) قال أبو جعفر: قد دللنا على أن " بئس " أصله " بِئس " من " البؤس " سُكِّن ثانيه، ونقلت حركة ثانيه إلى أوله, كما قيل للكَبد كِبْد, وما أشبه ذلك.

(100) * * * ومعنى الكلام: وساء المصيرُ عذابُ النار, بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها.

* * * وأما " المصير "، فإنه " مَفعِل " من قول القائل: " صرت مصيرا صالحا "،, وهو الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله من عذاب النار.

(101) * * * --------------------------- الهوامش : (78) في المطبوعة : "وانتقال" مكان"وائتفاك" ، وذاك لفظ بلا معنى هنا وبلا دلالة .

والائتفاك الانقلاب ، وهو عذاب الله الشديد الذي أنزله بقوم لوط ، فقال سبحانه في سورة هود : "فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها" ، وهذا هو الائتفاك ، ائتفكت بهم الأرض : أي انقلبت فصار عاليها سافلها ، فسمى الله هذه القرى ، قرى لوط"المؤتفكات" في سورة التوبة : 70 ، وفي سورة الحاقة : 9 ، وقال في سورة النجم : 52-53"والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى" (79) الحديث : 2027- هذا مختصر من حديث صحيح مطول : فرواه أحمد في المسند : 16448 (ج 4 ص 32 حلبي) ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، بهذا الإسناد .

ورواية ابن إسحاق ثابتة أيضًا -مطولة- في سيرة ابن هشام 4 : 57-58 (حلبي) ، و 823- 824 أوربة ، 2 : 277-278 (من الروض الأنف) .

ورواه أيضًا ، بنحوه ، أحمد : 16444 (ج 4 ص 31) ، والبخاري 1 : 176-177 ، و 4 : 35-39 (فتح ) ، ومسلم 1 : 383-384 كلهم من طريق الليث بن سعد ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح .

وقوله في الحديث : "أو يعضد بها شجرا" ، أي يقطعه ، يقال"عضد الشجر" ، من باب"ضرب" قطعه .

وقوله : "غضبا على أهلها" : هذا هو الصحيح الثابت في رواية ابن إسحاق ، في المسند ، وسيرة ابن هشام ، وفي المطبوعة : "عصى على أهلها" .

وهو تصحيف .

(80) الحديث : 2028- هذا الحديث رواه الطبري بإسنادين ، عن ثلاثة شيوخ : فرواه عن أبي كريب محمد بن العلاء ، عن عبد الرحيم بن سليمان الرازي .

ثم رواه عن ابن حميد - وهو محمد بن حميد الرازي ، وعن ابن وكيع - وهو سفيان بن وكيع ، كلاهما : أعني ابن حميد وابن وكيع ، عن جرير بن عبد الحميد الضبي .

ثم يجتمع الإسنادان : فيرويه عبد الرحيم بن سليمان وجرير بن عبد الحميد"جميعا عن يزيد بن أبي زياد" .

وهذه الأسانيد ظاهرها الصحة ، وإن كان سفيان بن وكيع ضعيفا ، كما بينا في : 1692- فإن الطبري لم يفرده بالرواية عنه ، بل قرن به محمد الرازي ، وهو ثقة - إلا أن في الحديث انقطاعا ، بين مجاهد وابن عباس .

وقد سمع مجاهد من ابن عباس حديثا كثيرا ، ولكن هذا الحديث بعينه رواه"عن طاوس عن ابن عباس" .

و"يزيد بن أبي زياد الكوفي مولى بني هاشم" : صدوق ، في حفظه شيء بعد ما كبر ، قال ابن سعد 6 : 237"كان ثقة في نفسه ، إلا أنه اختلط في آخر عمره ، فجاء بالعجائب" .

وقال يعقوب بن سفيان : "ويزيد -وإن كانوا يتكلمون فيه لتغييره- فهو على العدالة والثقة ، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور" .

وهو مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/334 ، وابن أبي حاتم 4/2/265 .

فلعله وهم في حذف"طاوس" بين مجاهد وابن عباس .

والحديث في ذاته صحيح .

فرواه أحمد بنحوه مطولا : 2353 ، 2898 ، من طريق منصور بن المعتمر ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس .

وكذلك رواه البخاري 4 : 40-42 ، ومسلم 1 : 383 ، من طريق منصور .

ومنصور بن المعتمر : سبق توثيقه 177 .

وهو أثبت حفظا من مئة مثل يزيد بن أبي زياد .

بل قال يحيى القطان : "ما أحد أثبت عن مجاهد وإبراهيم - من منصور" .

وقدمه الأئمة -في الحفظ- على الأعمش والحكم .

بل إن هذا الحديث نفسه : ذكر الحافظ في الفتح أنه رواه الأعمش عن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم - مرسلا ، يعني بحذف طاوس وابن عباس ، ثم قال : "ومنصور ثقة حافظ ، فالحكم لوصله" .

أي أن هذه الزيادة زيادة ثقة ، يجب قبولها والحكم لها بالترجيح .

وقوله في هذه الرواية : "ووضع هذين الأخشبين" .

هذه الزيادة لم أجدها في شيء من الروايات الأخر .

و"الأخشبان" ، بلفظ التثنية : هما جبلا مكة المطيفان بها .

انظر النهاية لابن الأثير ، ومعجم البلدان لياقوت .

(81) الحديث : 2029- إسناده صحيح .

عبد الرحمن بن مهدي : هو الإمام الحافظ العلم .

سفيان : هو الثوري .

أبو الزبير : هو المكي ، محمد بن مسلم بن تدرس ، تابعي ثقة .

أخرج له الجماعة .

جابر : هو ابن عبد الله ، الصحابي المشهور .

والحديث رواه مسلم 1 : 385 ، بنحوه ، من طريق محمد بن عبد الله الأسدي ، عن سفيان ، بهذا الإسناد .

بلفظ"إن إبراهيم حرم مكة" إلخ .

ونقله ابن كثير 1 : 316 ، وقال : "وهكذا رواه النسائي ، عن محمد بن بشار بندار ، به" .

و"بندار" : لقب محمد بن بشار .

اللابتان : هما الحرتان بجانبي المدينة ، وهي الأرض ذات الحجارة السود التي قد ألبستها لكثرتها .

العضاه ، بكسر العين وتخفيف الضاد المعجمة وآخره هاء : كل شجر عظيم له شوك .

(82) الحديث : 2030- أبو السائب : هو مسلم بن جنادة ، مضت ترجمته : 48 .

ابن إدريس : هو عبد الله بن إدريس الأودي .

سبقت ترجمته في : 438 .

عبد الرحيم الرازي : هو عبد الرحيم بن سليمان الرازي الأشل الكناني - الذي مضت له رواية في الحديث 2028- وهو ثقة كثير الحديث .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2/2/239 .

أشعث : هو ابن سوار الكندي ، ضعفه بعضهم ، ووثقه آخرون .

وقد رجحنا توثيقه في شرح المسند : 661 .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/430 ، وابن أبي حاتم 1/1/271-272 .

نافع : هو مولى ابن عمر ، الثقة الثبت الحجة .

وقد كان هذا الإسناد : مغلوطا في المطبوعة هكذا : "حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا حدثنا عبد الرحيم الرازي : سمعت أشعث .

.

.

" نقص منه"ابن إدريس" .

فكان ظاهره أن أبا كريب وأبا السائب روياه عن عبد الرحيم الرازي عن أشعث .

والصواب ما أثبتناه ، نقلا عن ابن كثير 1 : 316 ، عن هذا الموضع من الطبري .

فصحة الإسناد : أنه يرويه الطبري عن أبي كريب وأبي السائب .

كلاهما عن عبد الله بن إدريس ، ثم يرويه الطبري عن أبي كريب وحده ، عن عبد الرحيم الرازي -وأن عبد الله بن إدريس وعبد الرحيم الرازي سمعاه جميعا من أشعث .

وهذا الحديث من هذا الوجه ، قال فيه ابن كثير : "وهذه الطريق غريبة ، ليست في شيء من الكتب الستة" .

وأزيد عليه : أني لم أجدها في المسند أيضًا ، ولا في غيره مما استطعت الرجوع إليه من المراجع .

ثم أشار ابن كثير إلى أن أصل معناه ثابت عن أبي هريرة ، من وجه آخر ، في صحيح مسلم .

وهو حديث مالك في الموطأ ، ص : 885 ، عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة : "كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ، اللهم بارك لنا في ثمرنا وبارك لنا في مدينتنا ، وبارك لنا في صاعنا ، وبارك لنا في مدنا .

اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك ، وإني عبدك ونبيك ، وإنه دعاك لمكة ، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة ، ومثله معه" .

وهو في صحيح مسلم 1 : 387 ، عن قتيبة ، عن مالك .

(83) الحديث : 2031- بكر من مضر بن محمد بن حكيم المصري : ثقة ، أخرج له الشيخان وغيرهما .

مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 1/2/95 ، وابن أبي حاتم 1/1/392-393 ، وتذكرة الحفاظ ، وقال : "الإمام المحدث الصادق العابد" .

ابن الهاد : هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المدني .

وهو ثقة كثير الحديث ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/344 ، وابن أبي حاتم 4/2/275 .

أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري : تابعي ثقة حجة ، لا يسأل عن مثله .

عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان : تابعي ثقة ، وكان شريفا جوادا ممدحا .

جده لأمه : عبد الله بن عمر بن الخطاب .

والحديث رواه مسلم في صحيحه 1 : 385 ، عن قتيبة بن سعيد ، بهذا الإسناد .

ونقله ابن كثير 1 : 316 ، وقال : "انفرد بإخراجه مسلم" .

يعني دون البخاري .

(84) سياق هذه الجملة المعترضة : "بعد أن كانت ممنوعة .

.

.

، ومحرمة .

.

.

" ، وسياق الجملة التي دخلها الاعتراض : "فصارت مكة .

.

.

فرض تحريمها .

.

.

وواجب على عباده .

.

.

" (85) كلأه الله يكلؤه كلاء (بفتح فسكون) وكلأ (بكسر فسكون) وكلاءة (بكسر الكاف) : حرسه وحفظه .

وكان في المطبوعة"الكلاء" بهمزة مفردة مع المد ، وليس صوابا .

هذا ، وسياق العبارة : "لأن فرض تحريمها .

.

.

كان عن مسألة إبراهيم ربه" .

(86) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام .

(87) في الأصول : "وقول إبراهيم" ، والصواب زيادة"أما" كما يدل عليه السياق .

(88) وفيها : "إن يكن قال قبل إيجاب الله" .

والصواب ما أثبت .

(89) وفيها : "وكلائه" ، والصواب ما أثبت ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 .

(90) الترجمة : هي عطف البيان أو البدل عند الكوفيين ، كما سلف 2 : 340 ، 420 .

(91) يعني أن إبراهيم قال ذلك ، وصرف الدعوة : "انقطاعا إلى الله .

.

.

" (92) في المطبوعة : "أنه كان منهم ظالم .

.

.

" والصواب ما أثبت من تفسير ابن كثير .

قوله : "بخبره عن ذلك .

.

" سياقه ، أنه : عدل الدعوة عمن أبي .

.

بخبر الله عن ذلك حين أخبره .

وفي المطبوعة : "فقال الله .

.

" ، والفاء مفسدة للسياق ، فإنه : "لما قال إبراهيم .

.

وعدل الدعوة .

.

قال الله .

.

" .

(93) الأثر : 2034- في تفسير ابن كثير 1 : 319 ، وفيه اختلاف في بعض اللفظ ، ولم أجده في سيرة ابن هشام .

(94) هذا رسم القراءة {فأمتعه قليلا ثم اضطره} ، على أنهما فعلا أمر ، يراد بهما الدعاء والسؤال .

(95) الأثر : 2036- كان ينبغي أن يقدم هذا الأثر على ذكر هذه القراءة التي سوف يردها الطبري .

وبين من نقل ابن كثير عن الطبري أن موقعه قبل الأثر رقم : 2034 ، وسيأتي في كلام الطبري بعد قليل ما يقطع بأن هذا الخبر عن مجاهد ، بمعزل عن هذه القراءة .

فأخشى أن يكون الناسخ قد أسقط الخبر عند النسخ ، ثم عاد فوضعه هنا حين انتبه إلى أنه قد أسقطه .

وكدت أرده إلى مكانه ، ولكني آثرت تركه على حاله مع التنبيه على الخطأ ، وفصلته عن الذي قبله بالنجوم الفاصلة .

(96) انظر تفسير"المتاع" فيما سلف 1 : 539-541 .

(97) انظر الأثر : رقم : 2036 ، والتعليق عليه .

(98) ما أحسن ما قال أبو جعفر فإن أكثر الكلام ، يحتمل وجوها ، ولكن سياق المعاني وترابطها يوجب معنى واحدا مما يحتمله الكلام .

وهذا ما يعنيه بقوله : "دليل ظاهر الكلام" .

وانظر تفسير"الظاهر" فيما سلف 2 : 15 والمراجع قبله وبعده .

(99) قال أبو جعفر في تفسير هذه الآية (27 : 13-14 ، بولاق) : "يدفعون بإرهاق وإزعاج .

يقال منه .

دععت في قفاه : إذا دفعت فيه" .

(100) انظر ما سلف 2 : 338-340 .

(101) يريد الطبري أنه المنزل الذي ينتهى إليه ، من قولهم : "أين مصيركم؟" ، أي منزلكم .

والمصير : العاقبة وما يصير إليه الشيء .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصيروفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : بلدا آمنا يعني مكة ، فدعا لذريته وغيرهم بالأمن ورغد العيش .

فروي أنه لما دعا بهذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل فاقتلع الطائف من الشام فطاف بها حول البيت أسبوعا ، فسميت الطائف لذلك ، ثم أنزلها تهامة ، وكانت مكة وما يليها حين ذلك قفرا لا ماء ولا نبات ، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيرها ، وأنبت فيها أنواع الثمرات ، على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم " إن شاء الله تعالى .الثانية : اختلف العلماء في مكة هل صارت حرما آمنا بسؤال إبراهيم أو كانت قبله كذلك على قولين :أحدهما : أنها لم تزل حرما من الجبابرة المسلطين ، ومن الخسوف والزلازل ، وسائر المثلات التي تحل بالبلاد ، وجعل في النفوس المتمردة من تعظيمها والهيبة لها ما صار به أهلها متميزين بالأمن من غيرهم من أهل القرى .

ولقد جعل فيها سبحانه من العلامة العظيمة على توحيده ما شوهد من أمر الصيد فيها ، فيجتمع فيها الكلب والصيد فلا يهيج الكلب الصيد ولا ينفر منه ، حتى إذا خرجا من الحرم عدا الكلب عليه وعاد إلى النفور والهرب .[ ص: 113 ] وإنما سأل إبراهيم ربه أن يجعلها آمنا من القحط والجدب والغارات ، وأن يرزق أهله من الثمرات ، لا على ما ظنه بعض الناس أنه المنع من سفك الدم في حق من لزمه القتل ، فإن ذلك يبعد كونه مقصودا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم حتى يقال : طلب من الله أن يكون في شرعه تحريم قتل من التجأ إلى الحرم ، هذا بعيد جدا .الثاني : أن مكة كانت حلالا قبل دعوة إبراهيم عليه السلام كسائر البلاد ، وأن بدعوته صارت حرما آمنا كما صارت المدينة بتحريم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنا بعد أن كانت حلالا .احتج أهل المقالة الأولى بحديث ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا تلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاها فقال العباس : يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لقينهم ولبيوتهم ، فقال : إلا الإذخر .

ونحوه حديث أبي شريح ، أخرجهما مسلم وغيره .وفي صحيح مسلم أيضا عن عبد الله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلي ما دعا به إبراهيم لأهل مكة .

قال ابن عطية : " ولا تعارض بين الحديثين ; لأن الأول إخبار بسابق علم الله فيها وقضائه ، وكون الحرمة مدة آدم وأوقات عمارة القطر بإيمان .

والثاني إخبار بتجديد إبراهيم لحرمتها وإظهاره ذلك بعد الدثور ، وكان القول [ ص: 114 ] الأول من النبي صلى الله عليه وسلم ثاني يوم الفتح إخبارا بتعظيم حرمة مكة على المؤمنين بإسناد التحريم إلى الله تعالى ، وذكر إبراهيم عند تحريم المدينة مثالا لنفسه ، ولا محالة أن تحريم المدينة هو أيضا من قبل الله تعالى ومن نافذ قضائه وسابق علمه " .

وقال الطبري : كانت مكة حراما فلم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها .الثالثة : وارزق أهله من الثمرات من آمن تقدم معنى الرزق .

والثمرات جمع ثمرة ، قد تقدم .

من آمن بدل من أهل ، بدل البعض من الكل .

والإيمان : التصديق ، وقد تقدم .قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصيرقال ومن كفر من في قوله ومن كفر في موضع نصب ، والتقدير وارزق من كفر ، ويجوز أن يكون في موضع رفع بالابتداء ، وهي شرط والخبر فأمتعه وهو الجواب .واختلف هل هذا القول من الله تعالى أو من إبراهيم عليه السلام ؟

فقال أبي بن كعب وابن إسحاق وغيرهما : هو من الله تعالى ، وقرءوا فأمتعه بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التاء .

ثم أضطره بقطع الألف وضم الراء ، وكذلك القراء السبعة خلا ابن عامر فإنه سكن الميم وخفف التاء .

وحكى أبو إسحاق الزجاج أن في قراءة أبي " فنمتعه قليلا ثم نضطره " بالنون .

وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : هذا القول من إبراهيم عليه السلام .

وقرءوا " فأمتعه " بفتح الهمزة وسكون الميم ، ثم اضطره بوصل الألف وفتح الراء ، فكأن إبراهيم عليه السلام دعا للمؤمنين وعلى الكافرين ، وعليه فيكون الضمير في قال لإبراهيم وأعيد قال لطول الكلام ، أو لخروجه من الدعاء لقوم إلى الدعاء على آخرين .

والفاعل في قال على قراءة الجماعة اسم الله تعالى ، واختاره النحاس وجعل القراءة بفتح الهمزة وسكون الميم ووصل الألف شاذة ، قال : ونسق الكلام والتفسير جميعا يدلان على غيرها ، أما نسق الكلام فإن الله تعالى خبر عن إبراهيم عليه السلام أنه قال : رب اجعل هذا بلدا آمنا ثم جاء بقوله عز وجل : وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر ولم يفصل بينه بقال ، ثم قال بعد : قال ومن كفر فكان هذا جوابا من الله ، ولم يقل بعد : قال إبراهيم .

وأما التفسير فقد صح عن ابن عباس وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب .

وهذا لفظ ابن عباس : دعا إبراهيم عليه السلام لمن آمن دون الناس خاصة ، فأعلم الله عز وجل أنه يرزق من كفر كما يرزق من آمن ، وأنه يمتعه قليلا ثم يضطره إلى عذاب النار .

قال أبو جعفر : وقال الله عز وجل : كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وقال جل ثناؤه : وأمم سنمتعهم .

[ ص: 115 ] قال أبو إسحاق : إنما علم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته كفارا فخص المؤمنين ; لأن الله تعالى قال : لا ينال عهدي الظالمين .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: وإذ دعا إبراهيم لهذا البيت, أن يجعله الله بلدا آمنا, ويرزق أهله من أنواع الثمرات، ثم قيد عليه السلام هذا الدعاء للمؤمنين, تأدبا مع الله, إذ كان دعاؤه الأول, فيه الإطلاق, فجاء الجواب فيه مقيدا بغير الظالم.

فلما دعا لهم بالرزق, وقيده بالمؤمن, وكان رزق الله شاملا للمؤمن والكافر, والعاصي والطائع, قال تعالى: { وَمَنْ كَفَرَ } أي: أرزقهم كلهم, مسلمهم وكافرهم، أما المسلم فيستعين بالرزق على عبادة الله, ثم ينتقل منه إلى نعيم الجنة، وأما الكافر, فيتمتع فيها قليلا { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } أي: ألجئه وأخرجه مكرها { إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا} يعني مكة، وقيل: الحرم.

{بلداً آمناً} أي ذا أمن يأمن فيه أهله.

{وارزق أهله من الثمرات} إنما دعا بذلك لأنه كان بواد غير ذي زرع، وفي القصص أن الطائف كانت من مداين الشام بأردن فلما دعا إبراهيم عليه السلام هذا الدعاء أمر الله تعالى جبريل عليه السلام حتى قلعها من أصلها وأدارها حول البيت سبعاً ثم وضعها موضعها الذي هي الآن فيه، فمنها أكثر ثمرات مكة.

{من آمن منهم بالله واليوم الآخر} دعاء للمؤمنين خاصة.

{قال} الله تعالى.

{ومن كفر فأمتعه قليلاً} قرأ ابن عامر فأمتعه خفيفاً بضم الهمزة والباقون مشدداً ومعناهما واحد قليلاً أي سأرزق الكافر أيضاً قليلاً إلى منتهى أجله، وذلك أن الله تعالى وعد الرزق للخلق كافة مؤمنهم وكافرهم، وإنما قيده بالقلة لأن متاع الدنيا قليل.

{ثم أضطره} أي ألجئه في الآخرة.

{إلى عذاب النار وبئس المصير} أي المرجع يصير إليه، قال مجاهد: "وجد عند المقام كتاب فيه: أن الله ذو بكة صنعتها يوم خلقت الشمس والقمر، وحرمتها يوم خلقت السموات والأرض، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، مبارك لها في اللحم والماء".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا قال إبراهيم رب اجعل هذا» المكان «بلدا آمنا» ذا أمن وقد أجاب الله دعاءه فجعله حرما لا يسفك فيه دم إنسان ولا يظلم فيه أحد ولا يصاد صيده ولا يختلي خلاه «وارزق أهله من الثمرات» وقد فعل بنقل الطائف من الشام إليه وكان أقفر لا زرع فيه ولا ماء «من آمن منهم بالله واليوم الآخر» بدل من أهله وخصهم بالدعاء لهم موافقة لقوله لا ينال عهدي الظالمين «قال» تعالى «و» ارزق «من كفر فَأُمَتِّعُهُ» بالتشديد والتخفيف في الدنيا بالرزق «قليلا» مدة حياته «ثم أضطره» ألجئه في الآخرة «إلى عذاب النار» فلا يجد عنها محيص «وبئس المصير» المرجع هي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها النبي- حين قال إبراهيم داعيًا: ربِّ اجعل "مكة" بلدًا آمنًا من الخوف، وارزق أهله من أنواع الثمرات، وخُصَّ بهذا الرزق مَن آمن منهم بالله واليوم الآخر.

قال الله: ومن كفر منهم فأرزقه في الدنيا وأُمتعه متاعًا قليلا ثم أُلجئُه مرغمًا إلى عذاب النار.

وبئس المرجع والمقام هذا المصير.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن بعد ذلك نماذج من الدعوات التي تضرع بها إبراهيم إلى ربه فقال : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً ) أي : أضرع إليك يا إلهي أن تجعل الموضع الذي فيه بيتك مكانا يأنس إليه الناس ، ويأمنون فيه من الخوف ، ويجدون فيه كل ما يرجون من أمان واطمئنان .والمشار إليه بقوله : ( هذا ) مكة المكرمة .

والبلد كل قطعة من الأرض عامرة أو غامرة .والمقصود بالدعاء إنما هو أمن أهله لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد ، وإنما يلحقان أهل البلد .قال الإِمام الرازي : وإنما قال هنا ( بَلَداً آمِناً ) على التنكير ، وقال في سورة إبراهيم ( رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً ) على التعريف لوجهين :الأول : أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً ، كأنه قال : اجعل هذا الوادي بلداً آمناً .والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً ، فكأنه قال : اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة .والثاني : أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً ، فقوله : ( اجعل هذا بَلَداً آمِناً ) تقديره : أجعل هذا البلد بلداً آمنا كقولك : كان اليوم يوماً حاراً ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفة بالحرارة ، لأأن التنكير يدل على المبالغة فقوله : رب اجعل هذا البلد بلداً آمنا معناه : اجعله من البلدان الكاملة في الأمن .

وأما قوله : ( رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً ) فليس فيه إلا طلب الامن لا طلب المبالغة .أما الدعوة الثانية التي توجه بها إبراهيم إلى ربه من أجل أهل مكة فقد حكاها القرآن في قوله :( وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر ) .أي : كما أسألك يا إلهي أن تجعل هذا لبلد بلداً آمنا .

أسألك كذلك أن ترزق المؤمنين من أهله من الثمرات ما يسد حاجاتهم ، ويغنيهم من الاحتياج إلى غيرك .وقوله : " ارزق " مأخوذ من رزقه يرزقه إذا أعطاه ما ينتفع به من مأكول وغيره .والثمرات : جمع ثمرة ، وهي ما يحمله شجر أو زرع أو غيره من النبات .

وإنما طلب إبراهيم - عليه السلام - من الله أن يجعل مكة بلدا آمناً ، وأن يرزق أهلها من الثمرات بما يغنيهم لأن البلد إذا امتدت إليه ظلال الأمن ، وكانت مطالب الحياة فيه ميسرة ، أقبل أهله على طاعة الله بقلوب مطمئنة وتفرغوا لذلك بنفوس مستقرة .وقال في دعائه : ( مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر ) لأن أهل مكة قد يكون من بينهم كافرون ، فأراد تخصيص المؤمنين منهم بدعائه ، لذا أتبع قوله : ( وارزق أَهْلَهُ ) بقوله : ( مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ ) على وجه البدل فصار المعنى وارزق المؤمنين من أهله على ما تقتضيه القاعدة العربية من أن البدل وهو هنا ( مَنْ آمَنَ ) هو المقصود بطلب الرزق .وخص إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصاً على شيوع الإِيمان بين سكان مكة ، لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم إنما هي خاصة بالمؤمنين تجنبوا ما يبعدهم عن الإِيمان ، أو أنه خص المؤمنين بذلك تأدباً مع الله - تعالى - إذ سأله سؤالا أقرب إلى الإِجابة ، ولعله استشعر من رد الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال : ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) فقال : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ) أن غير المؤمنين ليسوا أهلا لإِجراء رزق الله عليهم .واقتصر على ذكر الإِيمان بالله واليوم الآخر في التعبير عن المؤمنين لأن الإِيمان بالله واليوم الآخر لا يقع على الوجه الحق إلا إذا صاحبه الإِيمان بكتب الله ورسله وملائكته .ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال : ( فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير ) .الضمير في ( قال ) يعود إلى الله - تعالى - ومن في قوله ( من كفر ) منصوب بفعل مقدر دلي عليه " فأمتعه " والمعنى : قال الله وأرزق من كفر وايراد المتكلم قولا من عنده معطوفاً على قول متكلم آخر مألوف في اللغة العربية ، ويحسن موقعه عندما يقتضي المقام إيجازاً في القول ، ولولا هذا العطف لكان المعنى متطلباً لأن يقال : قال الله أرزق من آمن ومن كفر .( فَأُمَتِّعُهُ ) : من التمتع وهو إعطاء ما ينتفع به .

و ( قَلِيلاً ) : وصف لمصدر محذوف في النظم ، والمعنى : أمتعه تمتيعاً قليلا .

ووصف التمتع في الدنيا بالقلة ، لأنه صائر إلى نفاد وانقطاع .و ( أَضْطَرُّهُ ) أي الجثة وأسوقه بعد متاعه في الدنيا إلى عذاب لا يمكنه الإِنفكاك عنه وجملة " ثم اضطره إلى عذاب النار " احتراس من أن يغتر الكافر بأن تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضا الله فلذلك ذكر العذاب هنا .( وَبِئْسَ ) فعل يستعمل لذم المرفوع بعده ، وهو ما يسميه النحاة بالمخصوص بالذم ، ووردت هنا لذم النار المقدرة في الجملة ، والمعنى : بئس المصير النار .

أي أنها مصير سيء كما قال تعالى في آية أخرى .( إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ) وقد أفادت الآية الكريمة أن الله يرزق الكافر في الدنيا كما يرزق المؤمن وإذا كان إمتاع المؤمن بالرزق لأنه أهل لأن ينعم عليه بكل خير ، فإمتاع الكافر بالرزق له حكم منها استدراجه المشار إليه بقوله تعالى :( سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ ) ولو خص الله المؤمنين بالتوسعة في الرزق وحرم منها الكافرين لكان هذا التخصيص سائقا للكافرين إلى الإِيمان على وجه يشبه الإِلجاء .

وقد قضت حكمته - تعالى - أن يكون الإِيمان اختيارياً حتى ينساق الإِنسان من طريق النظر في أدلة عقلية يبصر بها أقوام ولا يبصر بها آخرون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى هاهنا، قال القاضي: في هذه الآيات تقديم وتأخير، لأن قوله: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود، والذي ذكره من بعد وهو قوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت  ﴾ وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم في المعنى، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها.

ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمناً من الآفات، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل، وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك؟

الجواب: لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها، بل كان مقصوده شيئاً آخر.

السؤال الثاني: المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها.

والجواب عنه من وجوه، أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك.

وثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة.

وثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة.

المسألة الثانية: ﴿ بَلَدًا آمِنًا ﴾ يحتمل وجهين.

أحدهما: مأمون فيه كقوله تعالى: ﴿ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  ﴾ أي مرضية.

والثاني: أن يكون المراد أهل البلد كقوله: ﴿ واسئل القرية  ﴾ أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد.

المسألة الثالثة: اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه: أحدها: سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع.

وثانيها: سأله الأمن من الخسف والمسخ.

وثالثها: سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولاً، ثم سأله الرزق ثانياً، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكراراً فقال في هذه الآية: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا  ﴾ ثم قال في آخر القصة: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وارزقهم مّنَ الثمرات  ﴾ واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول: لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ، أو لعله الأمن من القحط، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون: إنها كانت كذلك أبداً لقوله عليه السلام: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» وأيضاً قال إبراهيم: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم  ﴾ وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء، وقال آخرون: إنها إنما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام: «اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة».

والقول الثالث: إنها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة.

فالأول: يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم.

والثاني: بالأمر على ألسنة الرسل.

المسألة الخامسة: إنما قال في هذه السورة: ﴿ بَلَدًا آمِنًا ﴾ على التنكير وقال في سورة إبراهيم: ﴿ هذا البلد آمِنًا ﴾ على التعريف لوجهين: الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلداً، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلداً آمناً لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: ﴿ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ  ﴾ فقال: هاهنا اجعل هذا الوادي بلداً آمناً، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلداً، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً ذا أمن وسلامة، كقولك: جعلت هذا الرجل آمناً.

الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلداً، فقوله: ﴿ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ تقديره: اجعل هذا البلد بلداً آمناً، كقولك: كان اليوم يوماً حاراً، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة، لأن التنكير يدل على المبالغة، فقوله: ﴿ رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن، وأما قوله: ﴿ رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا ﴾ فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة، وأما قوله: ﴿ وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات ﴾ فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء، أما قوله: ﴿ من آمن منهم ﴾ فهو يدل من قوله: ﴿ أَهْلِهِ ﴾ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة، وهو كقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قوماً كفاراً بقوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس، أما النص فقوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين  ﴾ وأما القياس فمن وجهين: الوجه الأول: أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال الله تعالى: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ فصار ذلك تأديباً في المسألة، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله: ﴿ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ﴾ الفرق بين النبوة ورزق الدنيا، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لابد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه.

الوجه الثاني: يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب، أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر ﴿ فَأُمَتّعُهُ ﴾ بسكون الميم خفية من أمتعت، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف.

المسألة الثانية: أمتعه قيل: بالرزق، وقيل: بالبقاء في الدنيا، وقيل: بهما إلى خروج محمد صلى الله عليه وسلم فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر، والمعنى أن الله تعالى كأنه قال: إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلاً، إذ كان واقعاً في مدة عمره، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد، وهو بالنسبة إليهما قليل جداً، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة، أما قوله: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار ﴾ فاعلم أن في الإضطرار قولين: أحدهما: أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وهاهنا كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا  ﴾ و ﴿ يَوْمٍ يَسْبَحُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ  ﴾ يقال: اضطررته إلى الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارهاً له، وقالوا: إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها.

والثاني: أن الإضطرار هو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً، كقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ  ﴾ [الأنعام: 145] [النحل: 115] فوصفه بأنه مضطر إلى تناول الميتة، وإن كان ذلك الأكل فعله فيكون المعنى: أن الله تعالى يلجئه إلى أن يختار النار والإستقرار فيها بأن أعلمه بأنه لو رام التخلص لمنع منه، لأن من هذا حاله يجعل ملجأ إلى الوقوع في النار، ثم بين تعالى أن ذلك بئس المصير، لأن نعم المصير ما ينال فيه النعيم والسرور، وبئس المصير ضده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أي اجعل هذا البلد أو هذا المكان ﴿ بَلَدًا آمِنًا ﴾ ذا أمن، كقوله ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ ﴾ [الحاقة: 21] .

أو آمنا من فيه، كقوله: ليل نائم.

و ﴿ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم ﴾ بدل من أهله، يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة.

﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ عطف على من آمن كما عطف ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ على الكاف في جاعلك فإن قلت: لم خصّ إبراهيم صلوات الله عليه المؤمنين حتى ردّ عليه؟

قلت: قاس الرزق على الإمامة فعرّف الفرق بينهما، لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعى، وأبعد الناس عن النصيحة الظالم، بخلاف الرزق فإنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة له.

والمعنى: وأرزق من كفر فأمتعه.

ويجوز أن يكون ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ مبتدأ متضمناً معنى الشرط.

وقوله: ﴿ فَأُمَتّعُهُ ﴾ جواباً للشرط، أي ومن كفر فأنا أمتعه.

وقرئ: ﴿ فأمتعه فأضطره ﴾ فألزه إلى عذاب النار لزّ المضطر الذي لا يملك الامتناع مما اضطر إليه، وقرأ أبيّ: ﴿ فنمتعه قليلاً ثم نضطره ﴾ .

وقرأ يحيى بن وثاب: ﴿ فإضطره ﴾ ، بكسر الهمزة.

وقرأ ابن عباس: ﴿ فأَمْتْعهُ قليلاً ثم اضطرَّه ﴾ ، على لفظ الأمر.

والمراد: الدعاء من إبراهيم دعا ربّه بذلك.

فإن قلت: فكيف تقدير الكلام على هذه القراءة؟

قلت: في (قال): ضمير إبراهيم، أي قال إبراهيم بعد مسئلته اختصاص المؤمنين بالرزق: ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم اضطره.

وقرأ ابن محيصن: ﴿ فأطره ﴾ ، بإدغام الضاد في الطاء كما قالوا: اطجع، وهي لغة مرذولة، لأنّ الضاد من الحروف الخمسة التي يدغم هي فيها ما يجاورها ولا تدغم هي فيما يجاورها، وهي حروف (ضم شفر).

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا ﴾ يُرِيدُ بِهِ البَلَدَ، أوِ المَكانَ.

﴿ بَلَدًا آمِنًا ﴾ ذا أمْنٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ .

أوْ آمِنًا أهْلُهُ كَقَوْلِكَ: لَيْلٌ نائِمٌ ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ أبْدَلَ مِن ﴿ مَن آمَنَ ﴾ ﴿ أهْلَهُ ﴾ بَدَلَ البَعْضِ لِلتَّخْصِيصِ ﴿ قالَ ومَن كَفَرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ آمَنَ ﴾ والمَعْنى وارْزُقْ مِن كَفَرَ، قاسَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ، فَنَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ تَعُمُّ المُؤْمِنَ والكافِرَ، بِخِلافِ الإمامَةِ والتَّقَدُّمِ في الدِّينِ.

أوْ مُبْتَدَأٌ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ ﴿ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ﴾ خَبَرُهُ، والكُفْرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمْتِيعِ لَكِنَّهُ سَبَبٌ لِتَقْلِيلِهِ، بِأنْ يَجْعَلَهُ مَقْصُورًا بِحُظُوظِ الدُّنْيا غَيْرَ مُتَوَسَّلٍ بِهِ إلى نَيْلِ الثَّوابِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهِ ﴿ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ ﴾ أيْ ألَزُّهُ إلَيْهِ لَزَّ المُضْطَرِّ لِكُفْرِهِ وتَضْيِيعِهِ ما مَتَّعْتُهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ، وقَلِيلًا نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ أوِ الظَّرْفِ.

وقُرِئَ بِلَفْظِ الأمْرِ فِيهِما عَلى أنَّهُ مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ وفي قالَ ضَمِيرُهُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَأمْتَعَهُ مَن أمْتَعَ.

وقُرِئَ « فَنُمَتِّعُهُ» ثُمَّ نَضْطَرُّهُ، و « إضْطَرُّهُ» بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ حُرُوفَ المُضارَعَةِ، و « أطَّرُّهُ» بِإدْغامِ الضّادِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ حُرُوفَ « ضم شفر» يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها دُونَ العَكْسِ.

﴿ وَبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، وهو العَذابُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)

{وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِ اجعل هذا} أي اجعل هذا اليلد أو هذا المكان {بَلَدًا آمِنًا} ذا أمن كعيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك ليل نائم فهذا مفعول أول وبلدا مفعول ثان وآمنا صفة له {وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات} لأنه لم يكن لهم ثمرة ثم أبدل من آمن منهم بالله واليوم الآخر من أهل بدل البعض من الكل أي وارزق المؤمنين من أهله خاصة قاس الرزق على الإمامة فخص المؤمنين به قال الله تعالى جواباً له {قال وَمَن كَفَرَ} أي وارزق من كفر {فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً} تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً إلى حين أجله فأمتعه شامي {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ} ألجئه {إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير} المرجع الذي يصير إليه النار فالمخصوص بالذم محذوف

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ الإشارَةُ إلى الوادِي المَذْكُورِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ﴾ أيِ اجْعَلْ هَذا المَكانَ القَفْرَ بَلَدًا إلَخْ، فالمَدْعُوُّ بِهِ البَلَدِيَّةُ مَعَ الأمْنِ، وهَذا بِخِلافِ ما في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ ولَعَلَّ السُّؤالَ مُتَكَرِّرٌ، وما في تِلْكَ السُّورَةِ كانَ بَعْدُ، والأمْنُ المَسْؤُولُ فِيها إمّا هو الأوَّلُ، وأعادَ سُؤالَهُ دُونَ البَلَدِيَّةِ رَغْبَةً في اسْتِمْرارِهِ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ، أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ بِخِلافِهِ، وإمّا غَيْرُهُ بِأنْ يَكُونَ المَسْؤُولُ أوَّلًا مُجَرَّدُ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسُّكْنى، وثانِيًا الأمْنُ المَعْهُودُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ هَذا البَلَدَ في تِلْكَ السُّورَةِ إشارَةً إلى أمْرٍ مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ ﴾ إلَخْ، فَتَطابَقُ الدَّعْوَتانِ حِينَئِذٍ، وإنْ جُعِلَتِ الإشارَةُ هُنا إلى البَلَدِ تَكُونُ الدَّعْوَةُ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ بَلَدًا، والمَطْلُوبُ كَوْنُهُ آمِنًا عَلى طِبْقِ ما في السُّورَةِ مِن غَيْرِ تَكَلُّفٍ، إلّا أنَّهُ يُفِيدُ المُبالَغَةَ أيْ بَلَدًا كامِلًا في الأمْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اجْعَلْهُ بَلَدًا مَعْلُومَ الِاتِّصافِ بِالأمْنِ مَشْهُورًا بِهِ، كَقَوْلِكَ: كانَ هَذا اليَوْمُ يَوْمًا حارًّا، والوَصْفُ بِآمِنٍ إمّا عَلى مَعْنى النَّسَبِ أيْ ذا أمْنٍ عَلى حَدِّ ما قِيلَ في ﴿ عِيشَةٍ راضِيَةٍ ﴾ وإمّا عَلى الِاتِّساعِ، والإسْنادِ المَجازِيِّ، والأصْلُ آمِنًا أهْلُهُ، فَأُسْنِدَ ما لِلْحالِ لِلْمَحَلِّ، لِأنَّ الأمْنَ والخَوْفَ مِن صِفاتِ ذَوِي الإدْراكِ، وهَلِ الدُّعاءُ بِأنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُتَغَلِّبِينَ، أوْ مِن أنْ يَعُودَ حَرَمُهُ حَلالًا، أوْ مِن أنْ يَخْلُوَ مِن أهْلِهِ، أوْ مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ، أوْ مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ، أوْ مِن دُخُولِ الدَّجّالِ، أوْ مِن دُخُولِ أصْحابِ الفِيلِ؟

أقْوالٌ، والواقِعُ يَرُدُّ بَعْضَها، فَإنَّ الجَبابِرَةَ دَخَلَتْهُ، وقَتَلُوا فِيهِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الجُرْهُمِيِّ، والحَجّاجِ الثَّقَفِيِّ، والقَرامِطَةِ وغَيْرِهِمْ، وكَوْنُ البَعْضِ لَمْ يَدْخُلْهُ لِلتَّخْرِيبِ بَلْ كانَ غَرَضُهُ شَيْئًا آخَرَ لا يُجْدِي نَفْعًا، كالقَوْلِ بِأنَّهُ ما آذى أهْلَهُ جَبّارٌ إلّا قَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى، فَفي المَثَلِ: إذا مُتُّ عَطْشانًا فَلا نَزَلَ القَطْرُ.

وكانَ النِّداءُ بِلَفْظِ الرَّبِّ مُضافًا لِما في ذَلِكَ مِنَ التَّلَطُّفِ بِالسُّؤالِ والنِّداءِ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى قَبُولِ السّائِلِ، وإجابَةِ ضَراعَتِهِ، وقَدْ أشَرْنا مِن قَبْلُ إلى ما يَنْفَعُكَ هُنا، فَتَذَكَّرْ.

﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ أيْ مِن أنْواعِها بِأنْ تَجْعَلَ قَرِيبًا مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ، أوْ تَجِيءُ إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ، وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما حَتّى أنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ والصَّيْفِيَّةُ والخَرِيفِيَّةُ في يَوْمٍ واحِدٍ، رُوِيَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ فاقْتَلَعَ بُقْعَةً مِن فِلَسْطِينَ وقِيلَ: مِنَ الأُرْدُنِّ، وطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا، فَوَضَعَها حَيْثُ وضَعَها رِزْقًا لِلْحَرَمِ، وهي الأرْضُ المَعْرُوفَةُ اليَوْمَ بِالطّائِفِ، وسُمِّيَتْ بِهِ لِذَلِكَ الطَّوافِ، وهَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ غَيْرُ بَعِيدٍ عَنْ قُدْرَةِ المَلِكِ القادِرِ جَلَّ جَلالُهُ، وإنْ أبَيْتَ إبْقاءَهُ عَلى ظاهِرِهِ فَبابُ التَّأْوِيلِ واسِعٌ، وجَمْعُ القِلَّةِ إظْهارًا لِلْقَناعَةِ، وقَدْ أشَرْنا إلى أنَّهُ كَثِيرًا ما يَقُومُ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ، ﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ بَدَلٌ مِن (أهْلَهُ) بَدَلُ البَعْضِ، وهو مُخَصِّصٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ المُبْدَلُ مِنهُ، واقْتُصِرَ في مُتَعَلِّقِ الإيمانِ بِذِكْرِ المَبْدَإ والمَعادِ لِتَضَمُّنِ الإيمانِ بِهِما الإيمانَ بِجَمِيعِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، قالَ: أيِ اللَّهُ تَعالى ﴿ ومَن كَفَرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ مَن آمَنَ ﴾ أيْ وارْزُقْ مَن كَفَرَ أيْضًا، فالطَّلَبُ بِمَعْنى الخَبَرِ عَلى عَكْسِ، ومِن ذُرِّيَّتِي، وفائِدَةُ العُدُولِ تَعْلِيمُ تَعْمِيمِ دُعاءِ الرِّزْقِ، وأنْ لا يُحْجَرَ في طَلَبِ اللُّطْفِ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قاسَ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ، فَنَبَّهَهَ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الرِّزْقَ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لا تَخُصُّ المُؤْمِنَ بِخِلافِ الإمامَةِ، أوْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ ﴿ لا يَنالُ ﴾ إلَخِ، احْتَرَزَ مِنَ الدُّعاءِ لِمَن لَيْسَ مَرْضِيًّا عِنْدَهُ تَعالى، فَأرْشَدَهُ إلى كَرَمِهِ الشّامِلِ، وبِما ذَكَرْنا انْدَفَعَ ما في البَحْرِ مِن أنَّ هَذا العَطْفَ لا يَصِحُّ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ في العامِلِ، فَيَصِيرُ قالَ إبْراهِيمُ: وارْزُقْ فِينا فِيهِ ما بَعْدُ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ العَطْفَ عَلى مَحْذُوفٍ، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ ومَن كَفَرَ بِلَفْظِ الخَبَرِ، ومَن لا يَقُولُ بِالعَطْفِ التَّلْقِينِيِّ يُوجِبُ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (مَن) مُبْتَدَأً شَرْطِيَّةً أوْ مَوْصُولَةً، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ﴾ عَلى الأوَّلِ مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرَ)، وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ أنا، لِأنَّ ابْنَ الحاجِبِ نَصَّ عَلى أنَّ المُضارِعَ في الجَزاءِ يَصِحُّ اقْتِرانُهُ بِالفاءِ، إلّا أنْ يَكُونَ اسْتِحْسانًا، وإلى عَدَمِ التَّقْدِيرِ ذَهَبَ المُبَرِّدُ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ وُجُوبُ التَّقْدِيرِ، وأُيِّدَ بِأنَّ المُضارِعَ صالِحٌ لِلْجَزاءِ بِنَفْسِهِ، فَلَوْلا أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ الفاءُ، ثُمَّ الكُفْرُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمَتُّعِ المُطْلَقِ لَكِنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَقْلِيلِهِ، وكَوْنِهِ مَوْصُولًا بِعَذابِ النّارِ، (وقَلِيلًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ مَتاعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَأُمْتِعُهُ) مُخَفَّفًا عَلى الخَبَرِ، وكَذا قَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، إلّا أنَّهُ كَسَرَ الهَمْزَةَ، وقَرَأ أُبَيٌّ (فَنُمَتِّعُهُ) بِالنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ (فَأمْتِعْهُ) عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في (قالَ) عائِدًا إلى إبْراهِيمَ، وحَسَّنَ إعادَةَ (قالَ) طُولُ الكَلامِ، وأنَّهُ انْتَقَلَ مِنَ الدُّعاءِ لِقَوْمٍ إلى الدُّعاءِ عَلى آخَرِينَ، فَكَأنَّهُ أخَذَ في كَلامٍ آخَرَ، وكَوْنُهُ عائِدًا إلَيْهِ تَعالى، أيْ قالَ اللَّهُ: فَأمْتِعْهُ يا قادِرُ يا رَزّاقُ، خِطابًا لِنَفْسِهِ عَلى طَرِيقِ التَّجْرِيدِ، بَعِيدٌ جِدًّا، لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

﴿ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ ﴾ الِاضْطِرارُ ضِدُّ الِاخْتِيارِ، وهو حَقِيقَةٌ في كَوْنِ الفِعْلِ صادِرًا مِنَ الشَّخْصِ مِن غَيْرِ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِهِ، كَمَن أُلْقِيَ مِنَ السَّطْحِ مَثَلًا، مَجازٌ في كَوْنِ الفِعْلِ بِاخْتِيارِهِ لَكِنْ بِحَيْثُ لا يَمْلِكُ الِامْتِناعَ عَنْهُ، بِأنْ عَرَضَ لَهُ عارِضٌ يَقْسِرُهُ عَلى اخْتِيارِهِ كَمَن أكَلَ المَيْتَةَ حالَ المَخْمَصَةِ، وبِكِلا المَعْنَيَيْنِ قالَ بَعْضٌ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ و ﴿ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ﴾ و ﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ ﴾ ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها ﴾ ﴿ وإنْ مِنكم إلا وارِدُها ﴾ الآيَةَ و ﴿ إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ ﴾ والتَّحْقِيقُ أنَّ أحْوالَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ إدْخالِهِمُ النّارَ شَتّى، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ، وإنَّ الِاضْطِرارَ مَجازٌ عَنْ كَوْنِ العَذابِ واقِعًا بِهِ وُقُوعًا مُحَقَّقًا، حَتّى كَأنَّهُ مَرْبُوطٌ بِهِ، قِيلَ: إنَّ هَذا الِاضْطِرارَ في الدُّنْيا، وهو مَجازٌ أيْضًا، كَأنَّهُ شَبَّهَ حالَ الكافِرِ الَّذِي أدَرَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ النِّعْمَةَ الَّتِي اسْتَدْناهُ بِها قَلِيلًا إلى ما يُهْلِكُهُ بِحالِ مَن لا يَمْلِكُ الِامْتِناعَ مِمّا اضْطُرَّ إلَيْهِ، فاسْتَعْمَلَ في المُشَبَّهِ ما اسْتَعْمَلَ في المُشَبَّهِ بِهِ، وهو كَلامٌ حَسَنٌ، لَوْلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي ظاهِرًا حَمْلَ ثُمَّ عَلى التَّراخِي الرُّتَبِيِّ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (إضْطَرُّهُ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ (أضْطُرُّهُ) بِضَمِّ الطّاءِ، وأُبَيٌّ (نَضْطَرُّهُ) بِالنُّونِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (أطَّرُّهُ) بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ خَبَرًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي لُغَةٌ مَرْذُولَةٌ، لِأنَّ حُرُوفَ (ضُمَّ شَفَرَ)، يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها دُونَ العَكْسِ، وفِيهِ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ أُدْغِمَتْ في غَيْرِها، فَأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو الرّاءَ في اللّامِ في ﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ والضّادَ في الشِّينِ في ﴿ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ ﴾ والشِّينَ في السِّينِ في ﴿ العَرْشِ سَبِيلا ﴾ والكِسائِيُّ: الفاءُ في الباءِ في ﴿ نَخْسِفْ بِهِمُ ﴾ ونَقَلَ سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ أنَّهم قالُوا: مُضْطَجِعٌ ومُطَّجِعٌ، إلّا أنَّ عَدَمَ الإدْغامِ أكْثَرُ، وأصْلُ اضْطَرَّ عَلى هَذا عَلى ما قِيلَ: اضْتَرَّ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً ثُمَّ وقَعَ الإدْغامُ، ﴿ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ وبِئْسَ المَصِيرُ النّارُ، إنْ كانَ المَصِيرُ اسْمَ مَكانٍ، وإنْ كانَ مَصْدَرًا عَلى مَن أجازَ ذَلِكَ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَتِ الصَّيْرُورَةُ صَيْرُورَتُهُ إلى العَذابِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، يعني الحرم.

وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، فاستجاب الله تعالى دعاءه، فتحمل الثمار إلى مكة من كل جهة، فيوجد فيها في كل وقت من كل نوع واشترط إبراهيم في دعائه فقال: مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.

وإنما اشترط هذا الشرط، لأنه قد سأل ربه الإمامة لذريته، فلم يستجب له في الظالمين، فخشي إبراهيم أن يكون أمر الرزق هكذا، فسأل الرزق للمؤمنين خاصة، فأخبره الله تعالى: أنه يرزق الكافر والمؤمن، وأن أمر الرزق ليس كأمر الإمامة.

قالوا: لأن الأمامة فضل، والرزق عدل، فالله تعالى يعطي بفضله من يشاء من عباده من كان أهلاً لذلك، وعدله لجميع الناس لأنهم عباده، وإن كانوا كفاراً.

فذلك قوله تعالى: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا، قرأ ابن عامر ومن تابعه من أهل الشام «فَأُمَّتِعَهُ» بالتخفيف من أمتعت، وقرأ الباقون بالتشديد من متَّعت، يعني سأرزقه في الدنيا يسيراً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ أي مصيره، ويقال: ملجأه إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ صاروا إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إبراهيم، لما أتمَّ هذه الكلماتِ أو أتمَّها اللَّه عليه، كتب اللَّه له البراءة من النَّار، فذلك قوله تعالى: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى [النجم: ٣٧] .

وقول إبراهيم عليه السلام: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي هو على جهةِ الرغباءِ إلى اللَّه، أي: ومن ذريتي، يا ربِّ، فاجعل.

وقوله تعالى: قالَ لاَ يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، أي: قال الله، والعهد فيما قال مجاهد: الإمامة «١» .

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)

وقوله تعالى: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ، أي: الكعبة مَثابَةً «٢» ، يحتملُ مِنْ ثَابَ إِذا رجع، ويحتمل أن تكون من الثواب، أي: يثابون هناك، وَأَمْناً للناسِ والطيرِ والوُحُوشِ إذ جعل اللَّه لها حرمةً في النفوس بحيث يَلْقَى الرجُلُ بها قاتِلَ أبيه، فلا يهيجه، وقَرَأَ جمهور الناس: «واتخذوا» ، بكسر الخاء على جهة الأمر لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، «واتخذوا» «٣» بفتح الخاء على جهة الخبر عن مَنِ اتخذه مِنْ متبعي إبراهيم- عليه السلام- ومقام إبراهيم في قول ابن عَبَّاس، وقتادة، وغيرهما، وخرَّجه البُخَارِيُّ هو الحَجَر الذي ارتفع عليه إِبراهيم حينَ ضَعُف عن رفْع الحجارةِ الَّتي كان إِسماعيلُ يناوله إِياها في بنَاء البَيْت، وغَرِقَتْ قدماه فيه، ومُصَلًّى: موضع صلاة.

ص «٤» : مِنْ مَقامِ: مِنْ تبعيضيةٌ على الأظهر، أو بمعنى: «في» أو زائدة

على مذهب الأخفش، والمقامُ: مَفْعَلٌ من القيامِ، والمراد به هنا المكانُ، انتهى، يعني:

المكانَ الذي فيه الحَجَر المسمى بالمقام.

وقوله تعالى: وَعَهِدْنا: العَهْدُ في اللغة: على أقسام، هذا منها، الوصية بمعنى الأمر، وطَهِّرا: قيل: معناه: ابنياه وأسِّساه على طَهَارَةٍ ونيَّةِ طَهَارَةٍ، وقال مجاهدٌ: هو أمر بالتطهير من عبادة الأوثان «١» ، ولِلطَّائِفِينَ ظاهره: أهل الطوافِ، وَقَالَهُ عطاء وغيره «٢» ، وقال ابن جُبَيْر: معناه: للغرباءِ الطارئِينَ على مكَّة «٣» ، وَالْعاكِفِينَ: قال ابن جُبَيْر: هم أهل البلد المقيمُونَ «٤» ، وقال عطاء: هم المجاورُونَ بمكَّة «٥» ، وقال ابنُ عبَّاس:

المصَلُّون «٦» ، وقال غيره المعتكفُونَ، والعكُوف في اللغة: الملازمة.

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً، أيْ: من الجبابرة والعدُوِّ المستأصل، وروي أن اللَّه تعالى، لما دعاه إِبراهيم، أمر جبريل، فاقتلع فِلَسْطِينَ، وقيل:

بقعة من الأرْدُنِّ «٧» ، فطاف بها حَوْلَ البيتِ سبْعاً، وأنزلها بِوَج «٨» ، فسمِّيت الطَّائِفَ «٩» بسبب الطواف.

وقوله تعالى: قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ...

الآية: قال أبيُّ بن كَعْب، وابن إسحاقَ، وغيرهما: هذا القَوْلُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لإِبراهيم «١٠» ، وقال ابنُ عَبَّاس، وغيره:

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا ﴾ البَلَدُ: صَدْرُ القُرى، والبالِدُ: المُقِيمُ بِالبَلَدِ، والبَلْدَةُ: الصَّدْرُ، ووَضَعَتِ النّاقَةُ بَلْدَتَها: إذا بَرَكَتْ، والمُرادُ بِالبَلَدِ هاهُنا: مَكَّةُ.

ومَعْنى ﴿ آمِنًا ﴾ : ذا أمْنٍ.

وأمْنُ البَلْدَةِ مَجازٌ، والمُرادُ: أمِنَ مِن فِيهِ.

وفي المُرادِ بِهَذا الأمْنِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ سَألَهُ الأمْنَ مِنَ القَتْلِ.

والثّانِي: مِنَ الخَسْفِ والقَذْفِ.

والثّالِثُ: مِنَ القَحْطِ والجَدْبِ.

قالَ مُجاهِدٌ: قالَ إبْراهِيمَ: لِمَن آَمَنَ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ومَن كَفَرَ فَسَأرْزُقُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأُمَتِّعُهُ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (فَأُمَتِّعُهُ) بِالتَّخْفِيفِ، مِن أمْتَعْتَ.

وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ.

مِن: مُتِّعْتُ.

والإمْتاعُ: إعْطاءُ ما تَحْصُلُ بِهِ المُتْعَةُ.

والمُتْعَةُ: أخْذُ الحَظِّ مِن لَذَّةِ ما يَشْتَهِي.

وبِماذا يُمَتِّعُهُ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِالأمْنِ.

والثّانِي: بِالرِّزْقِ.

والِاضْطِّرارُ: الإلْجاءُ إلى الشَّيْءِ، والمَصِيرُ: ما يَنْتَهِي إلَيْهِ الأمْرُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُكَّعِ السُجُودِ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ مِنَ آمَنَ مِنهم بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ قالَ ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النارِ وبِئْسَ المَصِيرُ ﴾ "وَإذْ" عَطْفٌ عَلى "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ، و"البَيْتَ" الكَعْبَةُ، و"مَثابَةً" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ثابَ إذا رَجَعَ لِأنَّ الناسَ يَثُوبُونَ إلَيْها أيْ يَنْصَرِفُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِنَ الثَوابِ أيْ يُثابُونَ هُناكَ.

قالَ الأخْفَشُ: دَخَلَتِ الهاءُ فِيها لِلْمُبالَغَةِ لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ أيْ يَرْجِعُ، لِأنَّهُ قَلَّ ما يُفارِقُ أحَدٌ البَيْتَ إلّا وهو يَرى أنَّهُ لَمْ يَقْضِ مِنهُ وطَرًا، فَهي كَنَسّابَةٌ وعَلّامَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ، هي هاءُ تَأْنِيثِ المَصْدَرِ فَهي مَفْعَلَةٌ أصْلُها مَثُوبَةٌ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الثاءِ فانْقَلَبَتِ الواوُ ألْفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: هو عَلى تَأْنِيثِ البُقْعَةِ كَما يُقالُ: مَقامٌ ومَقامَةٌ.

وقَرَأ الأعْمَشُ "مَثاباتٌ" عَلى الجَمْعِ، وقالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ في الكَعْبَةِ: مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الطَلائِحُ و"أمْنًا" مَعْناهُ: أنَّ الناسَ يَغِيرُونَ ويَقْتُلُونَ حَوْلَ مَكَّةَ وهي آمِنَةٌ مِن ذَلِكَ، يَلْقى الرَجُلُ بِها قاتِلَ أبِيهِ فَلا يُهَيِّجُهُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ لَها في النُفُوسِ حُرْمَةً، وجَعَلَها أمْنًا لِلنّاسِ والطَيْرِ والوُحُوشِ.

وخَصَّصَ الشَرْعُ مِن ذَلِكَ الخَمْسَ الفَواسِقَ عَلى لِسانِ النَبِيِّ  .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "واتَّخِذُوا" بِكَسْرِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الأمْرِ، فَقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وغَيْرُهُ: مَعْنى ذَلِكَ ما رُوِيَ «عن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ: في الحِجابِ، وفي ﴿ عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ  ﴾ ، وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ فَهَذا أمْرٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  »، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "اذْكُرُوا" فَهَذا أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: ذَلِكَ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ ومُتَّبِعِيهِ فَهي مِنَ الكَلِماتِ كَأنَّهُ قالَ: ( إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا واتَّخِذُوا ) وذَكَرَ المَهْدَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ذَلِكَ عَطْفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً ﴾ ، لِأنَّ المَعْنى ثُوبُوا.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "واتَّخَذُوا" بِفَتْحِ الخاءِ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ عَمَّنِ اتَّخَذَهُ مِن مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ، وذَلِكَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: "وَإذْ جَعَلْنا"، كَأنَّهُ قالَ: وإذِ اتَّخَذُوا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "جَعَلْنا" دُونَ تَقْدِيرِ إذْ، فَهي جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وعَلى تَقْدِيرِ إذْ فَهي جُمْلَتانِ.

واخْتُلِفَ في ﴿ مَقامِ إبْراهِيمَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، وخَرَّجَهُ البُخارِيُّ: إنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي ارْتَفَعَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ حِينَ ضَعُفَ عن رَفْعِ الحِجارَةِ الَّتِي كانَ إسْماعِيلُ يُناوِلُهُ إيّاها في بِناءِ البَيْتِ وغَرِقَتْ قَدَماهُ فِيهِ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هو حَجْرٌ ناوَلَتْهُ إيّاهُ امْرَأتُهُ فاغْتَسَلَ عَلَيْهِ وهو راكِبٌ، جاءَتْهُ بِهِ مَن شَقٍّ ثُمَّ مِن شَقٍّ فَغَرِقَتْ رَجُلاهُ فِيهِ حِينَ اعْتَمَدَ عَلَيْهِ.

وَقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ: المَقامُ: المَسْجِدُ الحَرامُ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: المَقامُ: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَقامُهُ: مَواقِفُ الحَجِّ كُلُّها.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَقامُهُ: الحَرَمُ كُلُّهُ، و"مُصَلًّى" مَوْضِعُ صَلاةٍ، هَذا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: المَقامُ الحَجَرُ، ومَن قالَ بِغَيْرِهِ قالَ: "مُصَلًّى" مُدَّعًى، عَلى أصْلِ الصَلاةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَهِدْنا"، العَهْدُ في اللُغَةِ عَلى أقْسامٍ هَذا مِنها الوَصِيَّةُ بِمَعْنى الأمْرِ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ بِأنْ وحُذِفَ الخافِضُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها بِمَعْنى أيْ مُفَسَّرَةً فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

و"طَهِّرا" قِيلَ: مَعْناهُ ابْنِياهُ وأسِّساهُ عَلى طَهارَةٍ ونِيَّةِ طَهارَةٍ فَيَجِيءُ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ أُسِّسَ عَلى التَقْوى  ﴾ .

وقالَ مُجاهِدٌ: هو أمْرٌ بِالتَطْهِيرِ مِن عِبادَةِ الأوثانِ، وقِيلَ: مِنَ الفَرْثِ والدَمِ، وهَذا ضَعِيفٌ لا تُعَضِّدُهُ الأخْبارُ، وقِيلَ: مِنَ الشِرْكِ.

وأضافَ اللهُ البَيْتَ إلى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لِلْبَيْتِ، وهي إضافَةُ مَخْلُوقٍ إلى خالِقٍ ومَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ، و"لِلطّائِفِينَ" ظاهِرُهُ أهْلُ الطَوافِ، وقالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ لِلْغُرَباءِ الطارِئِينَ عَلى مَكَّةَ.

و"العاكِفِينَ" قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: هم أهْلُ البَلَدِ المُقِيمُونَ، وقالَ عَطاءٌ: هُمُ المُجاوِرُونَ بِمَكَّةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُصَلُّونَ.

وقالَ غَيْرُهُ: المُعْتَكِفُونَ.

والعُكُوفُ في اللُغَةِ، اللُزُومُ لِلشَّيْءِ والإقامَةُ عَلَيْهِ، كَما قالَ الشاعِرُ: ......................................

∗∗∗ عَكَفَ النَبِيطُ يَلْعَبُونَ الفَنْزَجا فَمَعْناهُ لِمُلازِمِي البَيْتِ إرادَةُ وجْهِ اللهِ العَظِيمِ.

﴿ والرُكَّعِ السُجُودِ ﴾ المُصَلُّونَ، وخُصَّ الرُكُوعُ والسُجُودُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُما أقْرَبُ أحْوالِ المُصَلِّي إلى اللهِ تَعالى.

وكُلُّ مُقِيمٍ عِنْدَ بَيْتِ اللهِ إرادَةُ ذاتِ اللهِ، فَلا يَخْلُو مِن إحْدى هَذِهِ الرُتَبِ الثَلاثِ: إمّا أنْ يَكُونَ في صَلاةٍ، أو في طَوافٍ، فَإنْ كانَ في شُغْلٍ مِن دُنْياهُ فَحالُ العُكُوفِ عَلى مُجاوَرَةِ البَيْتِ لا يُفارِقُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ ﴾ الآيَةُ، دَعا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ لِذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ بِمَكَّةَ بِالأمْنِ ورَغَدِ العَيْشِ، و"اجْعَلْ" لَفْظُهُ الأمْرُ وهو في حَقِّ اللهِ تَعالى رَغْبَةٌ ودُعاءٌ، و"آمِنًا" مَعْناهُ مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ والعَدُوِّ المُسْتَأْصِلِ والمُثُلاتِ الَّتِي تَحِلُّ بِالبِلادِ، وكانَتْ مَكَّةُ وما يَلِيها حِينَ ذَلِكَ قَفْرًا لا ماءَ فِيهِ ولا نَباتَ، فَبارَكَ اللهُ فِيما حَوْلَها كالطائِفِ وغَيْرِهِ ونَبَتَتْ فِيها أنْواعُ الثَمَراتِ.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى لَمّا دَعاهُ إبْراهِيمُ أمَرَ جِبْرِيلَ -صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ- فاقْتَلَعَ فِلَسْطِينَ وقِيلَ قِطْعَةً مِنَ الأُرْدُنِ، فَطافَ بِها حَوْلَ البَيْتِ سَبْعًا وأنْزَلَها بِوَجٍّ، فَسُمِّيَتِ الطائِفَ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَوافِ.

واخْتَلَفَ في تَحْرِيمِ مَكَّةَ مَتى كانَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: جَعَلَها اللهُ حَرامًا يَوْمَ خَلَقَ السَمَواتِ والأرْضَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: حَرَّمَها إبْراهِيمُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ قالَهُ النَبِيُّ  في خُطْبَتِهِ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ، والثانِي قالَهُ أيْضًا النَبِيُّ  ، فَفي الصَحِيحِ عنهُ: «اللهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، ما بَيْنَ لابَّتَيْها حَرامٌ».

ولا تَعارُضَ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ لِأنَّ الأوَّلَ إخْبارٌ بِسابِقِ عِلْمِ اللهِ فِيها وقَضائِهِ، وكَوْنُ الحُرْمَةِ مُدَّةَ آدَمَ، وأوقاتُ عِمارَةِ القُطْرِ بِإيمانٍ، والثانِي إخْبارٌ بِتَجْدِيدِ إبْراهِيمَ لِحُرْمَتِها، وإظْهارُهُ ذَلِكَ بَعْدَ الدُثُورِ.

وكُلُّ مُقالٍ مِن هَذَيْنَ الإخْبارَيْنِ حَسَنٌ في مَقامِهِ، عَظَّمَ الحُرْمَةَ ثانِي يَوْمِ الفَتْحِ عَلى المُؤْمِنِينَ، بِإسْنادِ التَحْرِيمِ إلى اللهِ تَعالى، وذَكَرَ إبْراهِيمُ عِنْدَ تَحْرِيمِهِ المَدِينَةَ مِثالًا لِنَفْسِهِ، ولا مَحالَةَ أنَّ تَحْرِيمَ المَدِينَةِ هو أيْضًا مِن قِبَلِ اللهِ تَعالى، ومِن نافِذِ قَضائِهِ وسابِقِ عِلْمِهِ.

و"مَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "أهْلَهُ"، وخَصَّ إبْراهِيمُ المُؤْمِنِينَ بِدُعائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ الآيَةُ، قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُما: هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِإبْراهِيمَ.

وقَرَؤُوا "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّ التاءِ "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِقَطْعِ الألِفِ وضَمِّ الراءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ السَبْعَةُ حاشا ابْنُ عامِرٍ فَإنَّهُ قَرَأ "فَأُمَتِّعُهُ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المِيمِ وتَخْفِيفِ التاءِ "ثُمَّ أضْطَرَّهُ" بِقَطْعِ الألِفِ.

وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ "فَأُمَتِّعُهُ" كَما قَرَأ ابْنُ عامِرٍ "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: لا إخالُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "فَنُمَتِّعُهُ" "ثُمَّ نَضْطَرُّهُ" ومِنَ شَرْطٌ، والجَوابُ في "فَأُمَتِّعُهُ".

وَمَوْضِعُ "مَن" رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.

ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا عَلى تَقْدِيرِ: وأرْزَقُ مَن كَفَرَ، فَلا تَكُونُ شَرْطًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: هَذا القَوْلُ هو مِن إبْراهِيمَ  ، وقَرَؤُوا: "فَأُمَتِّعُهُ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ المِيمِ، "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ الراءِ.

وقُرِئَتْ بِالكَسْرِ، ويَجُوزُ فِيها الضَمُّ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "ثُمَّ اطَّرُّهُ" بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: "ثُمَّ اضْطَرَّهُ" بِضَمِّ الطاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ دَعا لِلْمُؤْمِنِينَ وعَلى الكافِرِينَ.

وقَلِيلًا مَعْناهُ مُدَّةُ العُمْرِ، لِأنَّ مَتاعَ الدُنْيا قَلِيلٌ، وهو نَعْتٌ إمّا لِمَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: مَتاعًا قَلِيلًا، وإمّا لِزَمانٍ كَأنَّهُ قالَ: وقْتًا قَلِيلًا، أو زَمَنًا قَلِيلًا.

و"المَصِيرُ" مُفْعِلٌ كَمَوْضِعٌ مِن صارَ يَصِيرُ، وبِيسَ أصْلُها بِئْسَ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ في بِيسَما، وأُمَتِّعُهُ مَعْناهُ: أُخَوِّلُهُ الدُنْيا وأُبْقِيهِ فِيها بَقاءً قَلِيلًا، لِأنَّهُ فانٍ مُنْقَضٍ.

وأصْلُ المَتاعِ الزادُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَكُونُ آخِرَ أمْرِ الإنْسانِ أو عَطائِهِ أو أفْعالِهِ، قالَ الشاعِرُ: وقَفْتُ عَلى قَبْرٍ غَرِيبٍ بِقَفْرَةٍ ∗∗∗ مَتاعُ قَلِيلٌ مِن حَبِيبٍ مُفارِقٍ وَمِنهُ تَمْتِيعُ الزَوْجاتِ ويَضْطَرُّ اللهُ الكافِرَ إلى النارِ جَزاءً عَلى كُفْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة ﴾ [البقرة: 125] لإفادة منقبة ثالثة لإبراهيم عليه السلام في استجابة دعوته بفضل مكة والنعمة على ساكنيها إذا شكروا، وتنبيه ثالث لمشركي مكة يومئذ ليتذكروا دعوة أبيهم إبراهيم المشعرة بحرصه على إيمانهم بالله واليوم الآخر حتى خص من ذريته بدعوته المؤمنين فيعرض المشركون أنفسهم على الحال التي سألها أبوهم فيتضح لهم أنهم على غير تلك الحالة، وفي ذلك بعث لهم على الاتصاف بذلك لأن للناس رغبة في الاقتداء بأسلافهم وحنيناً إلى أحوالهم، وفي ذلك كله تعريض بهم بأن ما يدلون به من النسب لإبراهيم ومن عمارة المسجد الحرام ومن شعائر الحج لا يغني عنهم من الإشراك بالله، كما عرض بالآيات قبل ذلك باليهود والنصارى وذلك في قوله هنا: ﴿ ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾ وبه تظهر مناسبة ذكر هذه المنقبة عقب قوله تعالى: ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ [البقرة: 125].

واسم الإشارة في قوله: ﴿ هذا بلداً ﴾ مراد به الموضع القائم به إبراهيم حين دعائه وهو المكان الذي عليه امرأته وابنه وعزم على بناء الكعبة فيه إن كان الدعاء قبل البناء، أوا لذي بني فيه الكعبة إن كان الدعاء بعد البناء، فإن الاستحضار بالذات مغن عن الإشارة الحسية باليد لأن تمييزه عند المخاطب مغن عن الإشارة إليه فإطلاق اسم الإشارة حينئذ واضح.

وأصل أسماء الإشارة أن يستغنى بها عن زيادة تبيين المشار إليه تبييناً لفظياً لأن الإشارة بيان، وقد يزيدون الإشارة بياناً فيذكرون بعد اسم الإشارة اسماً يعرب عطف بيان أو بدلاً من اسم الإشارة للدلالة على أن المشار إليه قصد استحضاره من بعض أوصافه كقولك هذا الرجل يقول كذا، ويتأكد ذلك إن تركت الإشارة باليد اعتماداً على حضور المراد من اسم الإشارة.

وقد عدل هنا عن بيان المشار إليه اكتفاء عنه بما هو الواقع عند الدعاء، فإن إبراهيم دعا دعوته وهو في الموضع الذي بنى فيه الكعبة لأن الغرض ليس تفصيل حالة الدعاء إنما هو بيان استجابة دعائه وفضيلة محل الدعوة وجعل مكة بلداً آمناً ورزق أهله من الثمرات، وتلك عادة القرآن في الإعراض عما لا تعلق به بالمقصود ألا ترى أنه لما جعل البلد مفعولاً ثانياً استغنى عن بيان اسم الإشارة، وفي سورة إبراهيم (35) لما جعل ﴿ آمناً ﴾ مفعولاً ثانياً بين اسم الإشارة بلفظ (البلد)، فحصل من الآيتين أن إبراهيم دعا لبلد بأن يكون آمناً.

والبلد المكان المتسع من الأرض المتحيز عامراً أو غامراً، وهو أيضاً الأرض مطلقاً، قال صَنَّان اليشكري: لَكِنَّه حَوْضُ مَن أَوْدَى بإخْوَتِهِ *** رَيْبُ المَنوننِ فأضحى بَيْضَة البلد يريد بيضة النعام في أدحيّ النعام أي محل بيضه، ويطلق البلد على القرية المكونة من بيوت عدة لسكنى أهلها بها وهو إطلاق حقيقي هو أشهر من إطلاق البلد على الأرض المتسعة والظاهر أن دعوة إبراهيم المحكية في هذه الآية كانت قبل أن تتقرى مكة حيث لم يكن بها إلا بيت إسماعيل أو بيت أو بيتان آخران لأن إبراهيم ابتدأ عمارته ببناء البيت من حجر، ولأن إلهام الله إياه لذلك لإرادته تعالى مصيرها مهيع الحضارة لتلك الجهة إرهاصاً لنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن ذلك المكان كان مأهولاً بسكان وقت مجيء إبراهيم وامرأته وابنه، والعرب يذكرون أنه كان في تلك الجهة عشائر من جرهم وقطوراً والعمالقة والكركر في جهات أجياد وعرفات.

والآمن اسم فاعل من أمن ضد خاف، وهو عند الإطلاق عدم الخوف من عدو ومن قتال وذلك ما ميز الله مكة به من بين سائر بلاد العرب، وقد يطلق الأمن على عدم الخوف مطلقاً فتعين ذكر متعلقه، وإنما يوصف بالأمن ما يصح اتصافه بالخوف وهو ذو الإدراكية، فالإخبار بآمنا عن البلد إما بجعل وزن فاعل هنا للنسبة بمعنى ذا أمن كقول النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب *** أي ذي نصب، وإما على إرادة آمنا أهله على طريقة المجاز العقلي لملابسة المكان.

ثم إن كان المشار إليه في وقت دعاء إبراهيم أرضاً فيها بيت أو بيتان.

فالتقدير في الكلام اجعل هذا المكان بلداً آمناً أي قرية آمنة فيكون دعاء بأن يصير قرية وأن تكون آمنة.

وإن كان المشار إليه في وقت دعائه قرية بنى أناس حولها ونزلوا حذوها وهو الأظهر الذي يشعر به كلام «الكشاف» هنا وفي سورة إبراهيم كان دعاء للبلد بحصول الأمن له وأما حكاية دعوته في سورة إبراهيم (35) بقوله: ﴿ اجعل هذا البلد آمناً ﴾ فتلك دعوة له بعد أن صار بلداً.

ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوءة فإن أمن البلاد والسبُللِ يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبالَ على ما ينفع والثروةَ فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام.

والثَّمَرات جمع ثَمَرة وهي ما تحمل به الشجرة وتنتجه مما فيه غذاء للإنسان أو فاكهة له، وكأن اسمه منتسب من اسم التمر بالمثناة فإن أهل الحجاز يريدون بالثمر بالمثلثة التمرَ الرَّطب وبالمثناة التمر اليابس.

وللثمرة جموع متعددة وهي ثَمَر بالتحريك وثِمَار، وثُمر، بضمتين، وأَثمار، وأثامير، قالوا: ولا نظير له في ذلك إلا أَكمة جُمعت على أَكَم وإِكَاممٍ وأُكُم وآكام وأكاميم.

والتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عُرفي أي من جميع الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء مِن التي للتبعيض، وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه.

وقوله: من آمن منهم بالله } بدل بعضضٍ من قوله ﴿ أهله ﴾ يفيد تخصيصه لأن أهله عام إذ هو اسم جمع مضاف وبَدل البعض مخصص.

وخَصَّ إبراهيم المؤمنين بطلب الرزق لهم حرصاً على شيُوع الإيمان لساكِنيه لأنهم إذا علموا أن دعوة إبراهيم خصت المؤمنين تجنبوا ما يحيد بهم عن الإيمان، فجَعل تيسير الرزق لهم على شرط إيمانهم باعثاً لهم على الإيمان، أو أراد التأدب مع الله تعالى فسأله سؤالاً أقرب إلى الإجابة ولعله استشعر من رد الله عليه عموم دعائه السابق إذ قال: ﴿ ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124] فقال: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ [البقرة: 124] أن غير المؤمنين ليسوا أهلاً لإجراء رزق الله عليهم وقد أعقب الله دعوته بقوله: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ﴾ .

ومقصد إبراهيم من دعوته هذه أن تتوفر لأهل مكة أسباب الإقامة فيها فلا تضطرهم الحاجة إلى سكنى بلد آخر لأنه رجا أن يكونوا دعاة لما بنيت الكعبة لأجله من إقامة التوحيد وخصال الحنيفية وهي خصال الكمال، وهذا أول مظاهر تكوين المدينة الفاضلة التي دعا أفلاطون لإيجادها بعد بضعة عشر قرناً.

وجملة؛ ﴿ قال ومن كفر فأمتعه ﴾ جاءت على سنن حكاية الأقوال في المحاورات والأجوبة مفصولة، وضمير ﴿ قال ﴾ عائد إلى الله، فمن جوز أن يكون الضمير في ﴿ قال ﴾ لإبراهيم وأن إعادة القول لطول المقول الأول فقد غفل عن المعنى وعن الاستعمال وعن الضمير في قوله: ﴿ فأمتعه ﴾ .

وقوله: ﴿ ومن كفر ﴾ الأظهر أنه عطف على جملة: ﴿ وارزق أهلَه ﴾ باعتبار القَيد وهو قوله: ﴿ من آمن ﴾ فيكون قوله: ﴿ ومن كفر ﴾ مبتدأ وضُمن الموصول معنى الشرط فلذلك قرن الخبر بالفاء على طريقة شائعة في مثله، لما قدمناه في قوله: ﴿ ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124] أن عطف التلقين في الإنشاء إذا كان صادراً من الذي خوطب بالإنشاء كان دليلاً على حصول الغرض من الإنشاء والزيادة عليه، ولذلك آل المعنى هنا إلى أن الله تعالى أظهر فضله على إبراهيم بأنه يرزق ذريته مؤمنهم وكافرَهم، أو أظهر سعة رحمته برزق سكان مكة كلهم مؤمنهم وكافرهم.

ومعنى (أمتعه) أَجعلُ الرزقَ له متاعاً، و ﴿ قليلاً ﴾ صفة لمصدر محذوف لبعد قوله: ﴿ فأمتعه ﴾ والمتاع القليل متاع الدنيا كما دلت عليه المقابلة بقوله: ﴿ ثم أضطره إلى عذاب النار ﴾ .

وفي هذه الآية دليل لقول الباقلاني والماتريدية والمعتزلة بأن الكفار منعم عليهم بنِعَم الدنيا، وقال الأشعري لم ينعم على الكافر لا في الدنيا ولا في الآخرة وإنما أعطاهم الله في الدنيا ملاذ على وجه الاستدراج، والمسألة معدودة في مسائل الخلاف بين الأشعري والماتريدي، ويشبه أن يكون الخلاف بينهما لفظياً وإن عده السبكي في عداد الخلاف المعنوي.

وقوله: ﴿ ثم أضطره إلى عذاب النار ﴾ احتراس من أن يَغتر الكافر بأنَّ تخويله النعم في الدنيا يؤذن برضى الله فلذلك ذُكر العذاب هنا.

و (ثم) للتراخي الرتبي كشأنها في عطف الجُمل من غير التفات إلى كون مصيره إلى العذاب متأخراً عن تمتيعه بالمتاع القليل.

والاضطرار في الأصل الالتجاء وهو بوزن افتعل مطاوع أَضره إذا صيره ذا ضرورة أي حاجة، فالأصل أن يكون اضطر قاصراً لأن أصل المطاوعة عدم التعدي ولكن الاستعمال جاء على تعديته إلى مفعول وهو استعمال فصيح غيرُ جار على قياسسٍ يقال اضطرَّهُ إلى كذا أي ألجأه إليه، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة لقمان (24): ﴿ نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ ﴾ .

وقوله: ﴿ وبئس المصير ﴾ تذييل والواو للاعتراض أو للحال والخبر محذوف هو المخصوص بالذم وتقديره هي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ أمَرْنا.

والثّانِي: أيْ أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.

﴿ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الأصْنامِ.

والثّانِي: مِنَ الكُفّارِ.

والثّالِثُ: مِنَ الأنْجاسِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْتِيَ ﴾ يُرِيدُ البَيْتَ الحَرامَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ، قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ بَيْتٌ يُطَهَّرُ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنِ ابْنِيا بَيْتِي مُطَهَّرًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنْ طَهِّرا مَكانَ البَيْتِ.

﴿ لِلطّائِفِينَ ﴾ فِيهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الغُرَباءُ الَّذِينَ يَأْتُونَ البَيْتَ مِن غُرْبَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ والعاكِفِينَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُعْتَكِفُونَ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُجاوِرُونَ لِلْبَيْتِ الحَرامِ بِغَيْرِ طَوافٍ، وغَيْرِ اعْتِكافٍ، ولا صَلاةٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ يُرِيدُ أهْلَ الصَّلاةِ، لِأنَّها تَجْمَعُ رُكُوعًا وسُجُودًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ لِيُجْمَعَ لِأهْلِهِ الأمْنُ والخِصْبُ، فَيَكُونُوا في رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ.

﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ مُتَّصِلًا بِسُؤالِهِ، أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ أنَّ فِيهِمْ ظالِمًا هو بِالعِقابِ أحَقُّ مِنَ الثَّوابِ، فَلَمْ يَسْألْ أهْلَ المَعاصِي سُؤالَ أهْلِ الطّاعاتِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ سُؤالُهُ كانَ عامًّا مُرْسَلًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الإجابَةَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ حالِ الكافِرِينَ، بِأنْ قالَ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

﴿ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ ﴾ يَعْنِي بِذُنُوبِهِ إنْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ.

واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، هَلْ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤالِ إبْراهِيمَ أوْ كانَتْ فِيهِ كَذَلِكَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، ومِنَ الخُسُوفِ والزَّلازِلِ، وإنَّما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ: أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، لِرِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ المَقْبُرِيِّ، قالَ: سَمِعْتُ أبا شُرَيْحٍ الخُزاعِيَّ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزاعَةُ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  خَطِيبًا فَقالَ: (يَأيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ فِيها دَمًا أوْ يُعَضِّدَ بِها شَجَرًا، وأنَّها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا هَذِهِ السّاعَةَ غَضَبًا عَلى أهْلِها، ألا وهي قَدْ رَجَعَتْ عَلى حالِها بِالأمْسِ، ألا لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ.

فَمَن قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَتَلَ بِها فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّها لِرَسُولِهِ ولَمْ يُحِلَّها لَكَ» .والثّانِي: أنَّ مَكَّةَ كانَتْ حَلالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَسائِرِ البِلادِ، وأنَّها بِدَعْوَتِهِ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا، وبِتَحْرِيمِهِ لَها، كَما صارَتِ المَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ  حَرامًا، بَعْدَ أنْ كانَتْ حَلالًا، لِرِوايَةِ أشْعَبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ وخَلِيلَهُ، وإنِّي عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها عَضاها وصَيْدُها، لا يُحْمَلُ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا يُقْطَعُ مِنها شَجَرٌ لَعَلَفٍ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ﴾ أوَّلُ مَن دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَكانِ البَيْتِ إبْراهِيمُ، وهو أوَّلُ مَن بَناهُ مَعَ إسْماعِيلَ، وأوَّلُ مَن حَجَّهُ، وإنَّما كانُوا قَبْلُ يُصَلُّونَ نَحْوَهُ، ولا يَعْرِفُونَ مَكانَهُ.

والقَواعِدُ مِنَ البَيْتِ واحِدَتُها قاعِدَةٌ، وهي كالأساسِ لِما فَوْقَها.

﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ﴾ والمَعْنى: يَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وهي كَذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ( وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ) وتَفْسِيرُ (إسْماعِيلَ): اسْمَعْ يا اللَّهُ، لِأنَّ إيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ هو اللَّهُ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا رَبَّهُ قالَ: اسْمَعْ يا إيلُ، فَلَمّا أجابَهُ ورَزَقَهُ بِما دَعا مِنَ الوَلَدِ، سَمّى بِما دَعا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ عَوْفٌ الأعْرابِيُّ: مُسْلِمَيْنِ لَكَ عَلى الجَمْعِ.

وَيُقالُ: أنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ إلّا لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ دَعا مَعَ دُعائِهِ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ والمُسْلِمُ هو الَّذِي اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعَ لَهُ، وهو في الدِّينِ القابِلُ لِأوامِرِ اللَّهِ سِرًّا وجَهْرًا.

﴿ وَأرِنا مَناسِكَنا ﴾ أيْ عَرِّفْنا مَناسِكَنا، وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ ومَعالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها مَناسِكُ الذَّبائِحِ الَّتِي تُنْسَكُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ مَنسَكًا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُعْتادٌ ويَتَرَدَّدُ النّاسُ إلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ لِفُلانٍ مَنسَكًا، إذا كانَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعْتادٌ لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَناسِكُ الحَجِّ لِاعْتِيادِها.

والثّانِي: أنَّ النُّسُكَ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الزّاهِدُ ناسِكًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ مَناسِكَ لِأنَّها عِباداتٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن جرير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها» .

وأخرج مسلم وابن جرير عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها» .

وأخرج أحمد عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم صلى بأرض سعد بأرض الحرة عند بيوت السقيا، ثم قال: اللهم إن إبراهيم خليلك وعبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا محمد عبدك ورسولك أدعوك لأهل المدينة مثل ما دعاك إبراهيم بمكة، أدعوك أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم وثمارهم، اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة واجعل ما بها من وراء خم، اللهم إني حرمت ما بين لابتيها كما حرمت على لسان إبراهيم الحرم .

وأخرج البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف على المدينة فقال: «اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما أحرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم» .

وأخرج مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك وإني عبدك ونبيك، وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكة، ومثله معه» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك دعاك لأهل مكة بالبركة، وأنا محمد عبدك ورسولك، وإني أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في صاعهم ومدهم مثل ما باركت لأهل مكة، واجعل مع البركة بركتين» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة» .

وأخرج البخاري والجندي في فضائل مكة عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم إن إبراهيم عبدك ونبيك دعاك لأهل مكة، وأنا أدعوك لأهل المدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لأهل مكة» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما بمكة من البركة» .

وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة والجندي عن محمد بن الأسود.

أن إبراهيم عليه السلام هو أوّل من نصب أنصاب الحرم، أشار له جبريل إلى مواضعها.

وأخرج الجندي عن ابن عباس قال: إن في السماء لحرماً على قدر حرم مكة.

وأخرج الأزرقي والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستة لعنتهم وكل نبي مجاب.

الزائد في كتاب الله، والمكذب بقدر الله، والمتسلط بالجبروت ليذل من أعز الله ويعز من أذل الله، والتارك لسنتي، والمستحل من عترتي ما حرم الله عليه، والمستحل لحرم الله» .

وأخرج البخاري تعليقاً وابن ماجة عن صفية بنت شيبة قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب عام الفتح فقال: «يا أيها الناس إن الله تعالى حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وهي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يأخذ لقطتها إلا منشد، فقال العباس: إلا الإِذخر فإنه للبيوت والقبور.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإِذخر» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والأزرقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض والشمس والقمر، ووضع هذين الاخشبين فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يلتقط لقطتها إلا من عرفها.

قال العباس: إلا إلإِذخر فإنه لقينهم وبيوتهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إلا الإِذخر» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: «لما فتح الله على رسوله مكة قام فيهم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنما أحلت لي ساعة من النهار ثم هي حرام إلى يوم القيامة، لا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقمتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، أما أن يفدى وإما أن يقتل.

فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبو شاه فقال له: يا رسول الله اكتب لي.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه.

فقال العباس: يا رسول الله إلا الإِذخر فإنه لقبورنا وبيوتنا.

فقال: إلا الإِذخر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مكة حرم حرمها الله، لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها» .

وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن الزهري في قوله: ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس لم يحرموا مكة ولكن الله حرمها فهي حرام إلى يوم القيامة، وإن من أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله، ورجل أخذ بذحول الجاهلية» .

وأخرج الأزرقي عن قتادة قال: ذكر لنا أن الحرم حرم بحياله إلى العرش.

وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: إن هذا الحرم حرم مناه من السموات السبع والأرضين السبع، وإن هذا البيت رابع أربعة عشر بيتاً في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت، ولو وقعن وقعن بعضهن على بعض.

وأخرج الأزرقي عن الحسن قال: البيت بحذاء البيت المعمور، وما بينهما بحذائه إلى السماء السابعة، وما أسفل منه بحذائه إلى الأرض السابعة حرام كله.

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيت المعمور الذي في السماء يقال له الضراح، وهو على بناء الكعبة يعمره كل يوم سبعون ألف ملك لم تزره قط، وإن للسّماء السابعة لحرما على منى حرم مكة» .

وأخرج ابن سعد والأزرقي عن ابن عباس قال: أوّل من نصب أنصاب الحرم إبراهيم عليه السلام يريه ذلك جبريل عليه السلام، فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم بن أسد الخزاعي فجدد ما رث منها.

وأخرج الأزرقي عن حسين بن القاسم قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: إنه لما خاف آدم على نفسه من الشيطان استعاذ بالله، فأرسل الله ملائكته حفوا بمكة من كل جانب ووقفوا حواليها قال: فحرم الله الحرم من حيث كانت الملائكة وقفت.

قال: ولما قال إبراهيم عليه السلام: ربنا أرنا مناسكنا نزل إليه جبريل، فذهب به فأراه المناسك ووقفه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يرضم الحجارة وينصب الأعلام ويحثي عليها التراب، فكان جبريل يقفه على الحدود.

قال: وسمعت أن غنم إسماعيل كانت ترعى في الحرم ولا تجاوزه ولا تخرج، فإذا بلغت منتهاه من ناحية رجعت صابة في الحرم.

وأخرج الأزرقي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة قال: «إن إبراهيم عليه السلام نصب أنصاب الحرم يريه جبريل عليه السلام، ثم لم تحرك حتى كان قُصَيْ فجددها، ثم لم تحرك حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث عام الفتح تميم بن أسد الخزاعي فجددها» .

وأخرج البزار والطبراني عن محمد بن الأسود بن خلف عن أبيه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجدد أنصاب الحرم...» .

وأخرج الأزرقي عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال: أيها الناس ان هذا البيت لاق ربه فسائله عنكم، ألا فانظروا فيما هو سائلكم عنه من أمره، ألا واذكروا الله إذ كان أحدكم ساكنه، لا تسفكون فيه دماء ولا تمشون فيه بالنميمة.

وأخرج البزار عن عبدالله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من قريش وهم جلوس بفناء الكعبة فقال: «انظروا ما تعملون فيها فإنها مسؤولة عنكم فتخبر عن أعمالكم، واذكروا إذ ساكنها من لا يأكل الربا ولا يمشي بالنميمة» .

وأخرج الأزرقي عن أبي نجيح قال: لم يكن كبار الحيتان تأكل صغارها في الحرم زمن الغرق.

وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي عن جويرية بن أسماء عن عمه قال: حججت مع قوم، فنزلنا منزلاً ومعنا امرأة، فانتبهت وحية عليها لا تضرها شيئاً حتى دخلنا انصاب الحرم فانسابت، فدخلنا مكة فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتى إذا كنا بالمكان الذي تطوقت عليها فيه الحية وهو المنزل الذي نزلنا، فنامت فاستيقظت والحية منطوية عليها، ثم صفرت الحية فإذا بالوادي يسيل علينا حيات، فنهشنها حتى بقيت عظاماً، فقلت لجارية كانت لها: ويحك اخبرينا عن هذه المرأة؟!

قال: بغت ثلاث مرات كل مرة تلد ولداً، فإذا وضعته سجرت التنور ثم ألقته فيه.

وأخرج الأزرقي عن مجاهد قال: من أخرج مسلماً من ظله في حرم الله من غير ضرورة أخرجه الله من ظل عرشه يوم القيامة.

وأخرج ابن أبي شيبة والأزرقي عن عبد الله بن الزبير قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيماً للحرم.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن مجاهد قال: كان يحج من بني إسرائيل مائة ألف، فإذا بلغوا أنصاب الحرم خلعوا نعالهم ثم دخلوا الحرم حفاة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: كانت الأنبياء إذا أتت علم الحرم نزعوا نعالهم.

وأخرج الأزرقي وابن عساكر عن ابن عباس قال: حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا تعظيماً للحرم.

وأخرج الأزرقي عن عبد الرحمن بن سابط قال: «لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينطلق إلى المدينة استلم الحجر وقام وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال: إني لأعلم ما وضع الله في الأرض بيتاً أحب إليه منك، وما في الأرض بلد أحب إليه منك، وما خرجت عنك رغبة ولكن الذين كفروا هم أخرجوني» .

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة «أما والله اني لأخرج وإني لأعلم أنك أحب البلاد إلى الله وأكرمها على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت» .

وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة «ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني ما سكنت غيرك» .

وأخرج ابن سعد وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والأزرقي والجندي عن عبدالله بن عدي بن الحمراء قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول لمكة: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أخرجت منك ما خرجت» .

وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: كان بمكة حي يقال لهم العماليق، فكانوا في عز وثروة وكثرة، فكانت لهم أموال كثيرة من خيل وإبل وماشية، فكانت ترعى مكة وما حواليها من مر ونعمان وما حول ذلك، فكانت الحرف عليهم مظلة، والأربعة مغدقة، والأودية بحال، والعضاه ملتفة، والأرض مبقلة، فكانوا في عيش رخى، فلم يزل بهم البغي والإِسراف على أنفسهم بالظلم والجهار بالمعاصي والاضطهاد لمن قاربهم حتى سلبهم الله ذلك، فنقصهم بحبس المطر وتسليط الجدب عليهم، وكانوا يكرون بمكة الظل ويبيعون الماء، فأخرجهم الله من مكة بالذي سلطه عليهم حتى خرجوا من الحرم فكانوا حوله، ثم ساقهم الله بالجدب يضع الغيث أمامهم ويسوقهم بالجدب حتى ألحقهم بمساقط رؤوس آبائهم، وكانوا قوماً غرباء من حمير، فلما دخلوا بلاد اليمن تفرقوا وهلكوا، فأبدل الله الحرم بعدهم جرهم، فكانوا سكانه حتى بغوا فيه واستخفوا بحقه، فأهلكهم الله جميعاً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط قال: كان إذا كان الموسم بالجاهلية خرجوا، فلم يبق أحد بمكة، وإنه تخلف رجل سارق فعمد إلى قطعة من ذهب ثم دخل ليأخذ أيضاً، فلما أدخل رأسه سرة البيت فوجدوا رأسه في البيت واسته خارجه، فألقوه للكلاب واصلحوا البيت.

وأخرج الأزرقي والطبراني عن حويطب بن عبد العزى قال: كنا جلوساً بفناء الكعبة في الجاهلية، فجاءت امرأة إلى البيت تعوذ به من زوجها، فجاء زوجها فمد يده إليها فيبست يده، فلقد رأيته في الإِسلام وإنه لأشل.

وأخرج الأزرقي عن ابن جريرج قال: الحطيم ما بين الركن والمقام وزمزم والحجر، وكان أساف ونائلة رجلاً وامرأة دخلا الكعبة فقبلها فيها فمسخا حجرين، فأخرجا من الكعبة فنصب أحدهما في مكان زمزم ونصب الآخر في وجه الكعبة ليعتبر بهما الناس ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا، فسمي هذا الموضع الحطيم لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالإِيمان ويستجاب فيه الدعاء على الظالم المظلوم، فقلّ من دعا هنالك على ظالم إلا هلك وقلّ من حلف هنالك آثماً إلا عجلت عليه العقوبة، وكان ذلك يحجز بين الناس عن الظلم ويتهيب الناس الإِيمان هنالك، فلم يزل ذلك كذلك حتى جاء الله بالإِسلام، فأخر الله ذلك لما أراد إلى يوم القيامة.

وأخرج الأزرقي عن أيوب بن موسى.

أن امرأة كانت في الجاهلية معها ابن عم لها صغير تكسب عليه، فقالت له: يا بني إني أغيب عنك، وإني أخاف عليك أن يظلمك ظالم، فإن جاءك ظالم بعدي فإن لله بمكة بيتاً لا يشبهه شيء من البيوت ولا يقاربه مفاسد وعليه ثياب، فإن ظلمك ظالم يوماً فعذبه فإن له رباً يسمعك.

قال: فجاءه رجل فذهب به فاسترقه، فلما رأى الغلام البيت عرف الصفة فنزل يشتد حتى تعلق بالبيت، وجاءه سيده فمد يده إليه ليأخذه فيبست يده، فمد الأخرى فيبست، فاستفتى في الجاهلية فافتي ينحر عن كل واحدة من يديه بدنة، ففعل فانطلقت له يداه وترك الغلام وخلى سبيله.

وأخرج الأزرقي عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث قال: غدا رجل من بني كنانة من هذيل في الجاهلية علي ابن عم له يظلمه واضطهده، فناشده بالله والرحم فأبى إلا ظلمه، فلحق بالحرم فقال: اللهم إني أدعوك دعاء جاهد مضطر على فلان ابن عمي لترمينه بداء لا دواء له.

قال: ثم انصرف فوجد ابن عمه قد رمي في بطنه فصار مثل الزق، فما زالت تنتفخ حتى اشتق، قال عبد المطلب: فحدثت هذا الحديث ابن عباس فقال: أنا رأيت رجلاً دعا على ابن عم له بالعمى فرأيته يقاد أعمى.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا أهل مكة اتقوا الله في حرمكم هذا، أتدرون من كان ساكن حرمكم هذا من قبلكم؟

كان فيه بنو فلان فاحلوا حرمته فهلكوا، وبنو فلان فاحلوا حرمته فهلكوا، حتى عد ما شاء الله ثم قال: والله لأن أعمل عشر خطايا بغيره أحب إلي من أن أعمل واحدة بمكة.

وأخرج الجندي عن طاوس قال: إن أهل الجاهلية لم يكونوا يصيبون في الحرم شيئاً إلا عجل لهم، ويوشك أن يرجع الأمر إلى ذلك.

وأخرج الأزرقي والجندي وابن خزيمة عن عمر بن الخطاب، أنه قال لقريش: إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم، فاستخفوا بحقه واستحلوا حرمته فأهلكهم الله، ثم ولى بعدهم جرهم فاستخفوا بحقه واستحلوا حرمته فأهلكهم الله، فلا تهاونوا به وعظموا حرمته.

وأخرج الأزرقي والجندي عن عمر بن الخطاب قال: لأن أخطئ سبعين خطيئة مزكية أحب إلي من أن أخطئ خطيئة واحدة بمكة.

وأخرج الجندي عن مجاهد قال: تضعف بمكة السيئات كما تضعف الحسنات.

وأخرج الأزرقي عن ابن جريج قال: بلغني أن الخطيئة بمكة مائة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك.

وأخرج أبو بكر الواسطي في فضائل بيت المقدس عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن مكة بلد عظمه الله وعظم حرمته، خلق مكة وحفها بالملائكة قبل أن يخلق شيئاً من الأرض يومئذ كلها بألف عام ووصل المدينة ببيت المقدس، ثم خلق الأرض كلها بعد ألف عام خلقاً واحداً» .

أما قوله تعالى: ﴿ وارزق أهله من الثمرات ﴾ .

أخرج الأزرقي عن محمد بن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم «لما وضع الله الحرم نقل له الطائف من فلسطين» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم ﴿ وارزق أهله من الثمرات ﴾ نقل الله الطائف من فلسطين.

وأخرج ابن أبي حاتم والأزرقي عن الزهري قال: إن الله نقل قرية من قرى الشام فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيم عليه السلام.

وأخرج الأزرقي عن سعيد بن المسيب بن يسار قال: سمعت بعض ولد نافع بن جبير بن مطعم وغيره؛ يذكرون أنهم سمعوا: أنه لما دعا إبراهيم بمكة أن يرزق أهله من الثمرات نقل الله أرض الطائف من الشام فوضعها هنالك رزقاً للحرم.

وأخرج الأزرقي عن محمد بن كعب القرظي قال: دعا إبراهيم للمؤمنين وترك الكفار لم يدع لهم بشيء فقال: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير ﴾ .

وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد في قوله: ﴿ وارزق أهله من الثمرات من آمن ﴾ قال: استرزق إبراهيم لمن آمن بالله واليوم الآخر قال الله: ومن كفر فأنا أرزقه.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ من آمن منهم بالله ﴾ قال: كان إبراهيم احتجرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله: ﴿ ومن كفر ﴾ أيضاً فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقاً لأرزقهم ﴿ أمتعهم قليلاً ثم اضطرهم إلى عذاب النار ﴾ ثم قرأ ابن عباس ﴿ كلاًّ نمد هؤلاء ﴾ [ الإِسراء: 20] الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال أبي بن كعب في قوله: ﴿ ومن كفر ﴾ : إن هذا من قول الرب قال: ﴿ ومن كفر فأمتعه قليلاً ﴾ وقال ابن عباس: هذا من قول إبراهيم يسأل ربه أن من كفر فامتعه قليلاً.

قلت: كان ابن عباس يقرأ ﴿ فامتعه ﴾ بلفظ الأمر، فلذلك قال هو من قول إبراهيم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ﴾ .

(البلد) يجوز في اللغة أن يكون جمع بلدة، ويجوز أن يكون واحدًا، وجمعه بلدان وبلاد (١) (٢) (٣) (٤) (٥) وقال أهل اللغة: أصلُ البلد: هو الأثر.

من ذلك قولهم لكِرْكِرَةِ (٦) قال ذو الرمة: أُنِيخَتْ فألقَتْ بلدةً فوقَ بلدةٍ ...

قليلٍ بها الأصواتُ إلا بُغَامُها (٧) ويقال للأثر: بلد، وجمعه أبلادٌ.

قال القُطامي [[هو عمير بن شييم التغلبي القطامي، شاعر إسلامي، تقدمت ترجمته [البقرة: 61].]]: وبالنُحورِ كُلومٌ ذاتُ أبلادٍ (٨) وقال ابنُ الرِّقاع [[هو عدي بن الرقاع بن عاملة حي من قضاعة، تقدمت ترجمته [البقرة: 60].]]: عرَف الديارَ توهُّمًا فاعتادَها ...

مِنْ بعدِ ما شَمِلَ البِلَى أبلادَها (٩) وإنما سُمِّيت البلادُ لأنها مواضعُ مواطن الناس وتأثيرهم.

والبلد: المقبرة، ويقال: هو نفس القبر، قال خُفَاف (١٠) كلُّ امرئ تاركٌ أحبَّتَه ...

ومُسْلِمٌ وجهَه إلى البلَد (١١) ألا لا تَلُمْهُ اليومَ أن يتبلَّدا ...

فقد غُلِبَ المحزونُ أن يتجلَّدا (١٢) وبلد أيضا: إذا ضَعُفَ في العملِ وغيره، حتى قيل في الجرِي قال: جَرَى طَلَقًا حتى إذا قيلَ سابقٌ ...

تداركَه أعراقُ (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ آمِنًا ﴾ قال الزجاج: ذا أَمْنٍ (١٥) (١٦) ونمتُ وما ليلُ المطيِّ بنائمٍ (١٧) ويقولون: همٌّ ناصب، أي: ينصبُ فيه الإنسان، وينصبُ لأجلِه (١٨) كِلِيني لَهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ (١٩) فأما التفسير فقال ابن عباس: يريد حرامًا محرمًا، لا يصاد طيره، ولا يقطع شجره، ولا يختلى خلاه، ولا يدخلها أحد إلا بإحرام، ولا تحلُّ لأحدٍ من الخلق إلا الساعة التي حلّت للنبي  ، هذا كلامه (٢٠) (٢١) (٢٢)  : "إن الله حبس الفيل عن مكة، وسلَّطَ عليها رسولَه والمؤمنين، وإنهَّا لم تَحِلُّ لأحدٍ كان قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ كان بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعة من النهار" (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ ﴾ الثمرات: جمع ثمرة، وهو حمل الشجرة من أي نوع كان، ويأتي الكلام فيها عند اختلاف القراء في (ثمره) [الكهف: 42].

قال المفسرون: استجاب الله دعاء إبراهيم، فقال في موضع آخر: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ (٢٥) قال عطاء عن ابن عباس: ذكروا أن الله عز وجل بعث جبريل إلى الشام، حتى اقتلع الطائف من موضع الأردن، ثم طاف بها حول الكعبة أسبوعًا، لذلك سميت الطائف، ثم أنزلها تهامة، ومنها تجْبَى إلى مكة الثمرات (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ (من) بَدَلٌ من أهله (٢٧) ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ .

والأخفش يسمي هذا بدل التبيان؛ لأنَّ الأول دلَّ على العموم، ثم بان بالبدل أن المراد به البعض، كما تقول: أخذت المال ثلثيه، ورأيت القوم ناسًا منهم (٢٨)  بطلب الرزق المؤمنين؛ لأن الله تعالى أدبه بقوله: ﴿ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ فتوهَّم أنه كما لا يعطيهم النبوة إلا إذا كانوا مؤمنين، كذلك لا يرزق أهل مكة إلا أن يكونوا مؤمنين (٢٩) قال ابن عباس: وكانت دعوةُ إبراهيم يومئذ وأهلها مؤمنون (٣٠) (٣١)  : "رأيته في جهنم يجُرّ قُصْبَه (٣٢) (٣٣) (٣٤) ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ﴾ فسأرزقه إلى منتهى أجله (٣٥) (٣٦) ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا  ﴾ وقال: ﴿ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  ﴾ وقال: ﴿ وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ  ﴾ .

وأمّا التخفيف فإن أَفْعَل قد يكون بمعنى فَعَّل في كثير من المواضع، نحو: فَرَّحْتُه وأفرحْتُه، وأنزلته ونَزَّلته، قال الراعي (٣٧) خَلِيطَين من شعبين شتّى تجاورا ...

قديمًا وكانا بالتفرُّقِ أمتعا (٣٨) وأما قوله: (قليلا) قال أبو علي الفارسي (٣٩) ﴿ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا  ﴾ فوصف به المصدر.

قال سيبويه (٤٠) ﴿ فَأُمَتِعُهُ قَلِيلًا ﴾ ، وهلا كان قولُ ابن عامر أرجحَ؛ لأنَّ هذا السؤال لا يعترض فيه.

والجواب: أن هذا لا يدل على ترجيح قراءته، وإنما وصفه الله سبحانه بالقليلِ من حيثُ كان إلى نَفادٍ ونقصٍ وتناهٍ، ألا ترى أن (٤١) ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ  ﴾ فعلى هذا وُصِفَ المتاع بالقلة في قوله: ﴿ فَأُمَتِعُهُ قَلِيلاً ﴾ .

وأما جواز أن يكون (قليل) صفة للزمان فيدل عليه قوله: ﴿ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ  ﴾ بعد زمان قليل، كما تقول: أطعمه عن جوعٍ وكساه عن عُري (٤٢) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ ﴾ أي: ألجئه في الآخرة إلى عذاب النار ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ مُختصر، أي: بئس المصير النار أو عذاب النار (٤٣) (١) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 383.

(٢) عبارة في "التهذيب" البلد: كل موضع مُسْتَحِييزٍ من الأرض.

(٣) في (م): (أو غير عامر) وهو كذلك في "تهذيب اللغة" والغامر: ضد عامر.

(٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 1/ 383.

(٥) نقل في "تهذيب اللغة" 1/ 383 عن الليث: والبلدة في السماء موضع لا نجوم فيه بين النعائم وسعد الذباح، وليست كواكب عظامًا تكون علمًا، وهي من منازل القمر وهي آخر البروج سميت بلدةً، وهي من برج القوس، خالية إلا من كواكب صغار.

(٦) الكِركِرة: بالكسر: رحى زور البعير، أو صدر كل ذي خف.

"القاموس" 469.

(٧) البيت لذي الرمة، في "ديوانه" ص 1004، "تهذيب اللغة" 1/ 383، "لسان العرب" 1/ 341، "المعجم المفصل" 7/ 135.

(٨) هذا عجز بيت، وصدره: ليست تجرح فُرّارًا ظهورهم.

وهو للقطامي في "ديوانه" ص 12، ينظر: "اللسان" مادة: بلد.

ويروى: وفي النجوم، كما في "عمدة الحفاظ"1/ 258، وكذا في "المشوف المعلم" 1/ 117، و"البصائر" 2/ 273، وينظر: "مفردات ألفاظ القرآن" للراغب ص 143.

(٩) البيت في "ديوانه" ص 33، "لسان العرب" 1/ 341 مادة: بلد.

(١٠) هو خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد السلمي، من مضر، أبو خراشة، شاعر فارس، كان أسود اللون، وعاش زمنًا في الجاهلية، وأدرك الإسلام فأسلم، وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف، وثبت في الردة على إسلامه، توفي سنة 20 هـ.

ينظر: "أسد الغابة" 2/ 138، "الأعلام" 2/ 309.

(١١) البيت بلا نسبة في "المخصص" 6/ 133، وانظر: "المعجم المفصل" 2/ 429.

(١٢) البيت للأحوص الأنصاري في "ديوانه" ص 98، وانظر: "المعجم المفصل" 2/ 201.

(١٣) في (ش): (أعواق).

(١٤) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 383، "لسان العرب" 1/ 342 و 5/ 2904، "المعجم المفصل" 2/ 201.

(١٥) "معاني القرآن" 1/ 207.

(١٦) زيادة من (م).

(١٧) البيت لجرير بن عطية، ومطلعه: لقد لُمتِنا يا أمَّ غيلان في السُّرى ينظر: "ديوانه" ص 454.

(١٨) وليس هذا بقياس عند سيبويه، وعن المبرد أن فاعلاً بمعنى صاحب، كذا قياس، وفي شرح المفصل: وكثر فعال حتى لا يبعد دعوى القياس فيه، وقل فاعل، فلا يمكن دعوى القياس فيه لندوره.

ينظر: "حاشية ابن جماعة الكناني على شرح الجاربردي للشافية لابن الحاجب" 1/ 125، "همع الهوامع" للسيوطي 2/ 198.

(١٩) البيت للنابغة الذبياني، وعجزه: وليلٍ أقاسيه بطيءِ الكواكبِ ينظر: "ديوانه" ص 45، و"المعجم المفصل" 1/ 450.

(٢٠) ينظر مرفوعًا عن ابن عباس بنحوه عند البخاري (1349) كتاب الحج باب: الأذخر والحشيش في القبر، ومسلم (1353) كتاب الحج؛ باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها.

(٢١) في (م): (شجر).

(٢٢) ينظر في المسألة: "مشكل الآثار" للطحاوي 4/ 176 ط دار الكتب العلمية، "المجموع شرح المهذب" 7/ 425 و 7/ 444 ط المنيرية، "تفسير ابن كثير" 1/ 180.

(٢٣) تقدم تخريجه آنفًا.

(٢٤) لأنها لا تثار ولا تهاج.

ينظر: "مجمع الأمثال" للميداني 1/ 87، "جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 199، "المستقصى" للزمخشري 1/ 7.

(٢٥) ينظر: "الوسيط" 1/ 210.

(٢٦) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 210 ذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 149 دون نسبة، وبعضه يذكر عن الزهري ومحمد بن مسلم الطائفي.

ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 544، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 229 - 230، "البحر المحيط" 1/ 383.

(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 207.

(٢٨) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 147.

(٢٩) ينظر: "الوسيط" 1/ 210.

(٣٠) لعله من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي.

(٣١) هو عمرو بن لحي بن حارثة بن عمرو بن عامر الأزدي وقيل: عمرو بن لحي بن قَمَعَة، وقيل غير ذلك، من قحطان، أول من غير دين إسماعيل، ودعا العربَ إلى عبادة الأوثان حيث دعا إلى تعظيمها.

ينظر: "البداية والنهاية" 2/ 187، "الأعلام" 5/ 84.

(٣٢) قصبه أي: أمعاءه، ينظر: "صحيح مسلم" (2856) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون.

(٣٣) رواه البخاري (4623) كتاب تفسير القرآن، باب: ما جعل الله من بحيرة، ومسلم (2856) كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون.

(٣٤) السائبة: قيل: من الإبل، وقيل من جميع الأنعام وتكوم من النذر للأصنام، فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا يركبها أحد، كان الرجل ينذر إن برىء أو قدم من سفره ليُسيبن بعيرًا.

والبحيرة: هي التي بحرت أذنها أي خرمت، قيل من الإبل وقيل من الشاة، إذا ولدت خمسة أبطن بحروا أذنها وتركت فلا يمسها أحد.

والحامي: هو فحل الإبل، إذا انتجوا منه عشرة أبطن، قالوا قد حمى ظهره، فلم يركب وقيل: غير ذلك ينظر: "فتح الباري" 8/ 284.

(٣٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1177، "تفسير البغوي" 1/ 149.

(٣٦) ينظر: "السبعة" ص 170، "معاني القراءات" للأزهري ص 63.

(٣٧) هو: أبو جندل عبيد بن حصين النميري، والراعي لقبه؛ لكثرة وصفه للإبل، وهو شاعر من المحدثين الفحول، عاصر جريرًا والفرزدق، توفي سنة 90 هـ.

ينظر: "الشعر والشعراء" 265، "الأعلام" 4/ 188.

(٣٨) ينظر: "ديوانه" ص 166، "لسان العرب" 7/ 4129، "المعجم المفصل" 4/ 199.

(٣٩) في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 222.

(٤٠) "الكتاب" 1/ 124.

(٤١) زيادة من (م).

(٤٢) انتهى كلام أبي علي الفارسي من "الحجة" 2/ 222.

(٤٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1177، "تفسير ابن كثير" 1/ 186 - 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بَلَداً ﴾ يعني مكة ﴿ آمِناً ﴾ أي مما يصيب غيره من الخسف والعذاب، وقيل: آمناً من إغارة الناس على أهله، لأن العرب كان يغير بعضهم على بعض، وكانوا لا يتعرضون لأهل مكة، وهذا أرجح لقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً ﴾ [القصص: 57] ويتخطف الناس من حولهم.

فإن قيل: لم قال في البقرة ﴿ بَلَداً آمِناً ﴾ فعرّف في إبراهيم [35] ونكّر في البقرة؟

أجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة الجواب الأول: قاله استاذنا الشيخ أبو جعفر بن الزبير، وهو أنه تقدّم في البقرة ذكر البيت في قوله: القواعد من البيت، وذكر البيت يقتضي بالملازمة ذكر البلد ولا المعرفة به، فذكره بلام التعريف.

الجواب الثاني: قاله السهيلي: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة حين نزلت آية إبراهيم، لأنها مكية فلذلك قال فيه: البلد بلام التعريف التي للحضور: كقولك: هذا الرجل، وهو حاضر، بخلاف آية البقرة، فإنها مدنية، ولم تكن مكة حاضرة حي نزولها، فلم يعرفها بلام الحضور، وفي هذا نظر؛ لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم عليه السلام، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة.

الجواب الثالث: قاله بعض المشارقة أنه قال: هذا بلداً آمناً قبل أن يكون بلداً، فكأنه قال اجعل هذا الموضع بلداً آمناً، وقال: هذا البلد بعد ما صار بلداً.

وهذا يقتضي أن إبراهيم دعا بهذا الدعاء مرتين، والظاهر أنه مرة واحدة حُكي لفظه فيها على وجهين ﴿ مَنْ آمَنَ ﴾ بدل بعض من كل ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ : أي قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إبراهام ﴾ بالألف في البقرة والنساء إلا ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم ﴾ وفي الأنعام ﴿ ملة إبراهام ﴾ وفي جميع براءة إلا ﴿ وقوم إبراهيم ﴾ وفي إبراهيم ﴿ وإذ قال إبراهام ﴾ وفي النحل ومريم والعنكبوت ﴿ ولما جاءت رسلنا إبراهام ﴾ خاصة وفي "حم عَسَقَ" وجميع المفصل وإلا قوله في المودة ﴿ إلا قول إبراهيم ﴾ وفي الأعلى ﴿ صحف إبراهيم ﴾ هشام وابن ذكوان وروى ابن مجاهد في هذه السورة فقط.

(واعلم) أن ذكر إبراهيم في القرآن تسعة وستون موضعاً منها ثلاثة وثلاثون "إبراهام" بالألف في قراءة ابن عامر عن ابن ذكوان، وستة وثلاثون "إبراهيم" بالياء، والعلة في ذلك اتباع مصحفهم.

فما كتب بالألف قرئ بالألف، وما كتب بالياء قرئ بالياء، والاختيار عند الأئمة أن يقرأ ههنا بالألف لبيان المذهب والبواقي بالياء، لأنه أحسن في اللفظ وأشهر، ويوافقه سائر الأسماء الأعجمية كإسرائيل وإسرافيل وإسماعيل ﴿ عهدي ﴾ مرسلة الياء: حمزة وحفص ﴿ وإذ جعلنا ﴾ وبابه مدغمة الذال في الجيم: أبو عمرو وهشام ﴿ بيتي ﴾ بالفتح: أبو جعفر ونافع.

وحفص وهشام ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء: نافع وابن عامر الباقون بالكسر ﴿ فأمتعه ﴾ خفيفاً ابن عامر.

الباقون بالتشديد.

الوقوف: ﴿ فأتمهن ﴾ (ط) ﴿ إماماً ﴾ (ط) ﴿ ذريتي ﴾ (ط) ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ وأمنا ﴾ (ط) لمن قرأ ﴿ واتخذوا ﴾ بالكسر لاعتراض الأمر بين ماضيين ﴿ مصلى ﴾ (ط) كذلك ومن فتح الخاء نسق الأفعال الثلاثة فلا وقف ﴿ السجود ﴾ (ه) ﴿ واليوم الآخر ﴾ (ط) ﴿ عذاب النار ﴾ (ط) لأن "نعم" و "بئس" للمبالغة في المدح والذم فيبتدئ بهما تنبيهاً على المدح والذم ﴿ المصير ﴾ (ه).

التفسير: إنه  لما استقصى في شرح نعمه على بني إسرائيل والمشركين ومقابلتهم النعمة بالكفران والعناد، شرع في نوع آخر من البيان وهو ذكر قصة إبراهيم  لأن كلهم معترفون بفضله وأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخدام بيته، وفي قصته أمور توجب الاعتراف بدين محمد  والانقياد لشرعه منها: أنه أمر ببعض التكاليف ثم وفى بها فنال منصب الاقتداء به، فيعلم أن الخيرات كلها لا تحصل إلا بترك التمرد والانقياد لحكم الله والتزام تكاليفه، ومنها أنه طلب الإمامة لذريته فقيل له ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فيعرف أن طالب الحق يجب أن يترك التعصب والمراء ووضع ما رفعه الله لينال رياسة الدارين، ومنها أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فأريد إزالة غيظهم بأن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي اعترفوا بتعظيمه والاقتداء به، ومنها أنه دعا بإرسال نبي من ذريته وهو محمد  كما يجيء فيجب على من يعترف بإبراهيم أن يعترف بمحمد  .

أما قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ العامل في "إذ" إما مضمر نحو "واذكر" وتكون بمعنى الوقت فقط، أو وإذ ابتلى كان كيت وكيت، وإما ﴿ قال إني جاعلك للناس إماماً ﴾ وعلى هذين التقديرين تكون ظرفاً لكان أو قال.

وموقع "قال" على الأولين استئناف كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟

فأجيب ﴿ قال إني جاعلك ﴾ وعلى الثاني جملة معطوفة على ما قبلها من الآيات ولا يخفى أن الاستئناف أصوب ليناسب سياق الجملتين الآتيتين لورودهما أيضاً على طريقة السؤال المقدر والجواب، وليكون على منهاج ﴿ وإذا جعلنا ﴾ ﴿ وإذا قال إبراهيم ﴾ ﴿ وإذ يرفع  ﴾ والابتلاء الاختبار والامتحان، عبر تكليفه إياه بالبلوى تشبيهاً لأمره بأمر المخلوقين وبناء على العرف بيننا، فإن كثيراً منا قد يأمر ليعرف ما يكون من المأمور حينئذ وإلا فكيف يجوز حقيقة الابتلاء عليه  مع أنه عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد وقيل: مجاز عن تمكينه العبد من اختيار أحد الأمرين ما يريد الله وما يشتهيه هو كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك.

واعلم أن هشام بن الحكم ومن تابعه زعم أنه  كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، وأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو  لا يعلمها إلا عند وقوعها بدليل هذه الآية وأمثالها المذكور فيها الابتلاء.

وكلمة "لعل" والجواب عنها ما مر، وقد يستدل أيضاً على مذهبه بوجوه معقولة منها أنه  لو كان عالماً بالأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق، لأن ما علم الله وقوعه استحال أن لا يقع، وما علم أنه لا يقع استحال أن يقع ولا قدرة على الواجب وعلى الممتنع بالاتفاق، والجواب أن الوجوب بالغير وكذا الامتناع بالغير لا ينافيان قدرة القادر عليه، وإنما المنافي للقدرة عليه كونه واجباً لذاته أو ممتنعاً لذاته، ومنها أنه لو كان عالماً بجميع الجزئيات لكان له علوم غير متناهية أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منها، فالناقص متناه وكذا الزائد.

ونوقض بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها، وأيضاً المجموعية والزيادة والنقصان كلها من خواص المتناهي، فأما الذي لا نهاية له ففرض هذه الأعراض فيه محال.

ومنها أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها هل يعلم الله عددها مفضلة أو لا يعلم؟

فإن علم عددها فهي متناهية، وإن لم يعلم فهو المطلوب.

والجواب الاختيار أنه لا يعلم عددها، ولا يلزم الجهل لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين ثم إن الله لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن لها عدد في نفسها فلا جهل ومنها أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه غيره فهو متناه، وكل معلوم متناه فما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً.

والجواب أنه ليس من شرط المعلوم تميزه من غيره عند العالم، لأن العلم بتميزه عن غيره موقوف على العلم بذلك الغير، ويلزم منه أن لا يعلم الإنسان شيئاً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.

والحق أن نور الأنوار لا يتناهى ووراء لا يتناهى، ما لا يتناهى، وإحاطة غير المتناهي بغير المتناهي غير بعيد وقد يتعلق علمنا بكثير من الأشياء قبل حصولها، فإذا كان علمنا مع تناهي قوتنا ونوريتنا.

هكذا فما ظنك بالعليم الخبير الذي هو نور النور ومدبر الأمور وكل عسير عليه يسير؟

﴿ إبراهيم ﴾ بالنصب ﴿ ربه ﴾ بالرفع هو المشهور وهذه الصورة مما يجب فيه تأخير الفاعل وإزالته عن مركزه الأصلي، فإنه لو قدم الفاعل وقد اتصل به ضمير المفعول لزم الإضمار قبل الذكر لفظاً، وعن ابن عباس وأبي حنيفة رفع ﴿ إبراهيم ﴾ ونصب ﴿ ربه ﴾ فالمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيب الله  إليهن أم لا؟

واختلف المفسرون في أن ظاهر لفظ التنزيل هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟

فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بابتعاث محمد  ، فكل هذه تكاليف شاقة، أما الإمامة فلأن المراد بها النبوة، وأعباؤها أكثر من أن تحصى، ولهذا فإن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه.

ثم إنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل بالشيطان في الموقف كرمي الجمار وغيره.

وأما الاشتغال بالدعاء ببعث نبي آخر الزمان فيحتاج فيه إلى الإخلاص وإزالة الحسد عن القلب وذلك في غاية الصعوبة.

واعترض على هذا القول بأن المراد من الكلمات لو كانت هذه لناسب أن يذكر قوله ﴿ فأتمهن ﴾ بعد تعداد الجميع.

وأجيب بأنه أخبر أنه ابتلاه بكلمات على الإجمال ثم أخبر أنه أتمها ثم فصل تلك الأمور، وهذا ترتيب في غاية الحسن، إذ لو ذكر ﴿ فأتمهن ﴾ بعد هذا التفصيل لوقع ضائعاً ولانقطع النظم.

والقائلون بأن ظاهر الآية لا دلالة فيه على الكلمات زعم بعضهم أنها الكلمات التي تكلم بها إبراهيم مع قومه وقت تبليغ الرسالة، وزعم بعضهم أنها أوامر ونواهٍ.

فعن ابن عباس هي عشر خصال كانت فريضة في شرعه وهي عندنا سنة: خمس في الرأس: المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك، وخمس في الجسد: الختان وحلق العانة ونتف الإبط وتقليم الأظفار والاستنجاء بالماء.

وقيل: ابتلاه الله  من شرائع الإسلام بثلاثين سهماً، عشرة في براءة ﴿ التائبون العابدون  ﴾ الآية وعشرة في الأحزاب ﴿ إن المسلمين والمسلمات  ﴾ وعشرة في "المؤمنين" "وسأل سائل" إلى قوله ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ وقيل: هن مناسك الحج كالطواف والسعي والرمي والإحرام والوقوف بعرفة.

وقيل: ابتلاه بسبعة أشياء: بالكواكب والقمر والشمس والختان على الكبر والنار وذبح الولد والهجرة، فوفى بالكل ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ وقيل: ما ذكره في قوله ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ وقيل: المناظرات التي جرت بينه وبين أبيه ونمروذ وقومه، والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم والضيافة والصبر عليها.

وجملة القول أن الابتلاء بتناول إلزام كل ما في فعله كلفة، واللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء وكلاً منها إلا أن الكلام في الرواية، ثم قيل: إن هذا الابتلاء كان قبل النبوة لأنه  نبه على أن قيامه بهن كالسبب لأن جعله إماماً.

وقيل: إنه بعد النبوة لأنه لم يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي.

والحق أن هذا يختلف باختلاف تفسير التكاليف، فمنها ما يعلم بالضرورة كونها قبل النبوة كحديث الكوكب والشمس والقمر، ومنها ما ثبت أنه كان بعد النبوة كذبح الولد والهجرة والنار، وكذا الختان فإنه يروى أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين، ومنها ما هو بصدد الاحتمال فقد يمكن أن يكون إلى معرفته سبيل سوى الوحي كمنام أو إلهام.

والضمير في "أتمهن" على القراءة المشهورة لإبراهيم  بمعنى فقام بهن حق القيام وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوانٍ وفي الأخرى لله  أي فأعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً، ويعضده ما روي عن مقاتل أنه فسر الكلمات بما سأل إبراهيم ربه في قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ ﴿ واجعلنا مسلمين لك  ﴾ ﴿ وابعث فيهم رسولاً  ﴾ ﴿ ربنا تقبل منا  ﴾ والإمام اسم لمن يؤتم به "فعال" بمعنى "مفعول" كالإزار لما يؤتزر به أي يأتمون بك في دينهم.

والأكثرون على أن الإمام ههنا النبي لأنه جعله إماماً لكل الناس، فلو لم يكن مستقلاً بشرع كان تابعاً لرسول ويبطل العموم ولأن إطلاق الإمام يدل على أنه إمام في كل شيء، والذي يكون كذلك لا بد أن يكون نبياً، ولأن الله  سماه بهذا الاسم في معرض الامتنان فينبغي أن يحمل على أجلّ مراتب الإمامة كقوله ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا  ﴾ لا على من هو دونه ممن يستحق الاقتداء به في الدين كالخليفة والقاضي والفقيه وإمام الصلاة، ولقد أنجز الله  هذا الوعد فعظمه في عيون أهل الأديان كلها، وقد اقتدى به من بعده من الأنبياء في أصول مللهم ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ وكفى به فضلاً أن جميع أمة محمد  يقولون في صلاتهم "اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم" ثم القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية وأمثالها من نحو ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة  ﴾ ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة  ﴾ ومنع بأن الإمام يراد به ههنا النبي سلمنا أن المراد به مطلق الإمام لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه لا طريق للإمامة سوى النص، ولا دلالة في الآية على ذلك وفي الآية دليل على أنه  كان معصوماً عن جميع الذنوب، لأنه لو صدرت عنه معصية لوجب علينا الاقتداء به وذلك يؤدي إلى كون الفعل الواحد ممنوعاً منه مندوباً إليه وذلك محال.

والذرية نسل الثقلين من ذرأ الله الخلق ذرأ خلقهم إلا أن العرب تركت همزها كما في البرية، ويحتمل أن يكون منسوباً إلى الذر صغار النمل، والضم من تغيير النسب كالدهري في النسبة إلى دهر ﴿ ومن ذريتي ﴾ عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال "سأكرمك فتقول وزيداً" ولا يخفى أن "من" التبعيضية تدل على أنه طلب الإمامة لبعض ذريته لعلمه بأن كلهم قد لا يليق بذلك لأن ناساً غير محصورين لا يخلو من ظالم فيهم غالباً، ولعلمه بأن بعضهم يليق بها كإسماعيل وإسحق.

وقد حقق الله  أمله فجعل في أولاده وأحفاده كإسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وموسى وهارون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ثم محمد  أفضلهم وأشرفهم، ولأنه لم يطلب الإمامة إلا للبعض فكان يكفي في الجواب نعم إلا أنه لم يكن حينئذ نصاً في أن ذلك البعض من المؤمنين أم من الظالمين.

ولو قال "ينال عهدي المؤمنين" كان غاية ذلك خروج الظالمين بالمفهوم لا بالنص، فلمكان التنصيص على إخراج الظالم قال ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ والمراد بالعهد هو الإمامة المطلوبة، سميت عهداً لاشتمالها على كل عهد عهد به الله  إلى بنى آدم إذ لا رياسة أعظم من ذلك كقوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل  ﴾ ﴿ وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم  ﴾ وإذا خرج الظالم تعين الصالح للإمامة بطريق برهاني.

وذلك أن دعاءه مستجاب ألبتة فكل نبي مجاب، ولأنه لو لم يكن الصالح إماماً لم يكن لإخراج الظالم وتخصيصه بالذكر معنى.

ويحتمل أن يقال: إنه أراد الإمامة لأولاده المؤمنين لا محالة لعلمه بأن الكفرة والظلمة لا تصلح لذلك، فأجيب بما أجيب إسعافاً لطلبته بأبلغ معنى وأتمه كما إذا قيل لمن أشرف "أوص لابنك بشيء" فيقول: لا يرث مني أجنبي أي كل ما يبقى مني فهو لابني، فكيف أوصي له بشيء؟

ولا يرد أن يونس نال عهده مع أنه ظالم ﴿ سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ لأن الظلم فيه محمول على ترك الأولى كما في حق آدم ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ لا على الكفر والفسق.

وقد يستدل الإمامية على إبطال غير إمامة علي كرم الله وجهه قالوا: إنهم كانوا مشركين قبل الإسلام بالاتفاق، وكل مشرك ظالم ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وكل ظالم فإنه لا ينال عهد الإمامة قالوا: لا يقال إنهم كانوا ظالمين حال كفرهم، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول: الظالم من ثبت له الظلم، وهذا المعنى صادق عليه دائماً ولهذا يسمى النائم مؤمناً لأنه ثبت له الإيمان وإن لم يكن التصديق حاصلاً حال النوم، وأيضاً المتكلم والماشي حقيقة في مفهومهما مع أن أجزاء التكلم والمشي لا توجد دفعة، فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة.

وعورض بأنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، وبأن التائب عن المعصية لا يسمى عاصياً فكذا التائب عن الكفر، وإن قيل: لعل هذا المانع شرعي هو تعظيم الصحابة أو لمانع عرفي فهذا القدر يكفينا على أنا بينا أن المراد من الإمامة في الآية النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة وكذا الفاسق حال الفسق لا يجوز عقد الإمامة له باتفاق الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فإن كل عاصٍ ظالم.

والعبرة بالعدالة الظاهرة فنحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر خلافاً للشيعة فإنهم يقولون بوجوب العصمة ظاهراً وباطناً، ومما يدل على بطلان إمامة الفاسق أن العهد في كتاب الله  قد يستعمل بمعنى الأمر ﴿ ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان  ﴾ أي ألم آمركم؟

لكن المراد في الآية لا يمكن أن يكون ذلك فإن أوامره  لازمة للظالمين كما للمطيعين، فثبت أن المراد كونهم غير مؤتمنين على أوامر الله وغير مقتدى بهم فيها قال  "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" فالفاسق لا ينبغي أن يكون حاكماً ولا تنفذ أحكامه إذا ولي الحكم، ولا تقبل شهادته ولا خبره إذا أخبر عن النبي  ، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان بحيث لو اقتدى به لم تفسد صلاته.

قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، وهذا خطأ عظيم.

نعم أنه قال: القاضي إذا كان عدلاً في نفسه وتولى القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة والصلاة خلفه جائزة، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه.

وليس من شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً، ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه كان قضاؤه نافذاً وإن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان؟

قال: وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على قضائه وضربه فامتنع من ذلك فحبس فلج ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه قال له الفقهاء: اقبل له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولى له عد أحمال التبن التي تدخل عليه فخلاه ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور المدينة، وذلك أنه كان يقول في المنصور وأشياعه: لو أرادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت، وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وحمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن.

وفي الآية إنذار بليغ وتخويف شديد عن وخامة عاقبة الظلم وقبح موقعه فإنه يحط أولاً عن رتبة النبوة ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وثانياً عن درجة الولاية ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وثالثاً عن مرتبة السلطنة "بيت الظالم خراب ولو بعد حين"، ورابعاً عن نظر الخلائق "جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها" وخامساً عن حظ نفسه ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون  ﴾ ولله در القائل: لا تظلمـن إذا مـا كنت مقتـدراً *** فـالظلـم آخـره يـأتيـك بـالنـدم نامـت عيونـك والمظلوم منتبه *** يدعو عليـك وعيـن الله لم تنم ولآخر: مـرتـع ظلـم الـورى وخيــم *** يـا صـاحـب اللـب والحجــاره لا تظلـم النـاس واخش ناراً *** وقـودهـــا النـــاس والحجــاره غيره: أيحسـب الظـالـم فـي ظلمـه *** أهملــــه القـــادر أم أمهــــلا مــا أهملـوا بـل لهـم مـوعـد *** لـن يجــدوا مـن دونه مـوئلا غيره: أتلعـب بـالـدعـاء وتـزدريه *** ومـا يدريـك مـا صنـع الدعاء سهام اللـيل لا تخطي ولكن *** لهــــا أمـــد وللأمــد انقضــاء واعلم أن عهد الله الذي أخذ على عباده هو بالحقيقة عهد العبودية ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ والعهد الذي التزمه لعباده هو عهد الربوبية ﴿ ربكم ورب آبائكم الأولين  ﴾ ثم إنه  لا يزال يلاحظك بنظر الربوبية فيربيك ويربيك وبعد نعمة الوجود يعطيك نعم الصحة المكنة والعافية والسلامة والإيمان والأمان والإخوان والأخدان ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها  ﴾ وأنك لا تنفك عن تقصير ونسيان وجهل وعدوان وإيذاء لملائكة الله وعبيده وإرضاء لحزب الشيطان وجنوده.

فيا أيها المغرور ما هذا التقصير فإن لله المصير وما للظالمين من نصير.

قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت ﴾ تقرير تكليف آخر.

والبيت اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا وهذا من الأسماء التي كانت في الأصل للجنس، ثم كثر استعماله في واحد من ذلك الجنس لخصلة مختصة به من بين سائر الأفراد حتى صار علماً له.

ولا بد أن يكون وقت استعماله لذلك الواحد قبل العلمية مع لام العهد ليفيد الاختصاص به ويسمى بالعلم الاتفاقى، وإنما لزمت اللام في مثله لأنه لم يصر علماً إلا مع اللام فصارت كبعض حروفه، إلا أنه  لم يرد بالبيت نفس الكعبة فقط بل جميع الحرم لأن حكم الأمن يشمل الكل.

وصح هذا الإطلاق لأن الحرمة نشأت بسبب الكعبة نفسها ومثله قوله  ﴿ هدياً بالغ الكعبة ﴾ } [المائدة: 95] والمراد الحرم كله لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام.

وقوله ﴿ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا  ﴾ والمراد - والله أعلم - منعهم من الحج وحضور مواضع النسك، ويحتمل أن يكون المراد جعلنا البيت سبب الأمن، وعلى هذا يكون البيت نفس الكعبة، وعلى الأول يكون معنى ﴿ أمناً ﴾ موضع أمن كقوله ﴿ حرماً آمناً  ﴾ والمثابة المباءة والمرجع قيل: إن مثاباً ومثابة لغتان مثل مقام ومقامة.

وقيل: التاء للمبالغة كعلامة.

عن الحسن: أي يثوبون إليه في كل عام.

وعن ابن عباس ومجاهد: لا ينصرف عنه أحد إلا وهو يتمنى العود إليه وذلك لدعاء إبراهيم  ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم  ﴾ وقيل: مثابة أي يحجون فيثابون عليه.

وكون البيت مثابة إنما يكون بجعل الله  بناء على أن فعل العبد مخلوق لله، أو بأن الله  ألقى تعظيمه في القلوب ليصير ذلك داعياً لهم إلى العود إليه مرة بعد أخرى وذلك لمنافع دينية ودنيوية، قال  "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" وقال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" ثم إن قطان الخافقين يجتمعون هناك للتجارات وضروب المكاسب فيعظم فيه النفع لمن أراد ولا شك أن قوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً  ﴾ خبر فتارة تتركه على ظاهره وتقول إنه خبر بأن يكون ﴿ حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ لا أن يكون إخباراً عن عدم وقوع القتل فيه أصلاً، فإن الموجود بخلافه فقد يقع القتل الحرام وكذا المباح قال  ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم  ﴾ وتارة تصرفه عن ظاهره وتقول.

إنه أمر بأن يجعلوا ذلك الموضع أمناً من الغارة والقتل قال  "إن الله حرم مكة وإنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وقد عادت حرمتها كما كانت، فذهب الشافعي إلى أن المعنى أنها لم تحل لأحد أن ينصب الحرب عليها وأن ذلك أحل لرسول الله  ، فأما من دخل البيت من الذين وجبت عليهم الحدود فقال الشافعي: إن الإمام يأمر بالضيق عليه بما يؤدي إلى خروجه، فإذا خرج أقيم عليه الحد في الحل، فإن لم يخرج جاز قتله فيه، وكذلك من قاتل في الحرم جاز قتاله فيه.

وعند أبي حنيفة لا يستوفى قصاص النفس في الحرم إلا أن ينشئ القتل فيه، ولكن يضيق الأمر عليه ولا يكلم ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل وسلم أن يستوفى منه قصاص الطرف.

وعند أحمد: لا يستوفى من الملتجئ واحد من القصاصين، ولو التجأ إلى المسجد الحرام قال الإمام: أو مسجد آخر يخرج منه ويقتل لأنه تأخير يسير، وفيه صيانة المسجد وحفظ حرمته.

وقيل: تبسط الأنطاع ويقتل في المسجد تعجيلاً لتوفية الحق ﴿ واتخذوا ﴾ بفتح الخاء معطوف على ﴿ جعلنا ﴾ أي اتخذ الناس من مكان إبراهيم الذي وسم به لاهتمامه به وإسكان ذريته عنده قبلة يصلون إليها، وعلى هذا المراد بالمصلى القبلة.

وأما من قرأ بالكسر على الأمر فعلى إرادة القول أي وقلنا اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه استحباباً لا وجوباً.

وفي مقام إبراهيم أقوال.

فعن الحسن وقتادة والربيع بن أنس: أنه لما جاء إبراهيم من الشام إلى مكة قالت له امرأة إسماعيل: انزل حتى تغسل رأسك فلم ينزل، لأن سارة شرطت عليه أن لا ينزل غيرة على هاجر فجاءته بحجر فوضعته على شقه الأيمن فوضع قدمه عليه حتى غسلت شق رأسه ثم حولته إلى شقه الأيسر حتى غسلت الشق الآخر فبقي أثر قدميه عليه.

وعن ابن عباس: أن إبراهيم  كان يبني البيت وإسماعيل يناوله الحجارة، فلما ارتفع البنيان وضعف إبراهيم عن رفع الحجارة قام على حجر فغاصت فيه قدماه.

وقيل: إنه الحجر الذي قام عليه إبراهيم عند الأذان بالحج.

قال القفال: ويحتمل أن يكون إبراهيم  قام على هذا الحجر في هذه الأمور كلها.

وعن مجاهد: مقام إبراهيم الحرم كله، فعلى هذا يراد بالمصلى المدعى من الصلاة بمعنى الدعاء.

وعن عطاء: مقام إبراهيم عرفة ومزدلفة والجمار لأنه قام في هذه المواضع ودعا بها، والقول بأن مقام إبراهيم الحجر الذي فيه أثر قدميه أولى، لأن هذا الاسم في العرب مختص بذلك الموضع يعرفه المكي وغيره، ولأن الحجر صار تحت قدميه في رطوبة الطين حتى غاصت فيه رجله وذلك من أظهر الدلائل على صنع الله  وإعجاز إبراهيم، وكان أشد اختصاصاً به، فإطلاق مقام إبراهيم عليه أولى، ولما روي عن النبي  أنه أخذ بيد عمر فقال:هذا مقام إبراهيم، فقال عمر: أفلا نتخذه مصلى؟

فقال: لم أؤمر بذلك، فلم تغب الشمس حتى نزلت.

وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله  استلم الحجر ورمل ثلاثة أشواط ومشى أربعة حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ ﴿ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ "ومن" هذه تجريدية على نحو "رأيت منك أسداً" و "وهب الله لي منك ولياً مشفقاً" ففيه بيان المتخذ والمرئي والموهوب وتمييزه في ذلك المعنى عن غيره.

ولا ريب أن للصلاة به فضلاً علىغيره من حيث التيمن والتبرك بموطئ قدم إبراهيم  ، وركعتا الطواف خلف المقام ثم في الحجر ثم في المسجد أي مسجد كان حيث شاء متى شاء ليلاً أو نهاراً سنة عند الشافعي في أصح قوليه بعد الفراغ من الطواف لقوله  للأعرابي حين قال هل علي غيرها؟

قال: لا إلا أن تطوع، وفي قوله الآخر فرض لظاهر قوله ﴿ واتخذوا ﴾ والأمر للوجوب، والرواية عن أبي حنيفة أيضاً مختلفة، ﴿ وعهدنا ﴾ المراد بالعهد هنا الأمر أي ألزمناهما ذلك وأمرناهما أمراً ووثقنا عليهما فيه أن طهرا إن كانت "أن" مخففة فالتقدير بأن طهرا وإن كانت مفسرة فمعناه أي طهراً والمراد التطهير من كل أمر لا يليق بالبيت، أما من الأنجاس والأقذار فلأن موضع البيت وحواليه مصلى، وأما من الشرك ومظانه فلأنه مقام العبادة والإخلاص وكل هذه إما أن لا تكون موجودة هناك أصلاً والمراد أقراه على طهارته مثل ﴿ ولهم فيها أزواج مطهرة  ﴾ فمعلوم أنهن لم يطهرن بل خلقن طاهرات، وإما أن تكون موجودة فأمر بإزالتها.

وقيل: عرّفا الناس أن بيتي طهر لهم متى حجوه للطائفين إلى آخره.

العطف يقتضي مغايرة، فالطائف من يقصد البيت حاجاً ومعتمراً فيطوف به، والعاكف من يقيم هناك.

ويجاور أو يعتكف، والركع السجود جمعاً راكع وساجد أي من يصلي هناك، وعن عطاء، إذا كان طائفاً فهو من الطائفين، وإذ كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود.

ويجوز أن يريد بالعاكفين الواقفين يعني القائمين كما قال ﴿ للطائفين والقائمين والركع السجود  ﴾ والمعنى للطائفين والمصلين لأن القيام والركوع والسجود هيئات للمصلي، ولعل الوجه الأول أولى ليكون الركع والسجود كلاهما فقط بمعنى المصلين ولهذا لم يفصل بينهما بالواو.

ثم إذا فسرنا الطائعين بالغرباء دلت الآية على أن الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنه  مدحهم بذلك.

وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وعطاء أن الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.

وفي إطلاق الآية دليل على جواز الصلاة في البيت فرضاً كانت أو نفلاً خلافاً لأحمد ومالك في الفريضة قالا ﴿ فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام  ﴾ ومن كان داخل المسجد لم يكن متوجهاً إلى المسجد بل إلى جزء من أجزائه، وأجيب بأن التوجه إلى جزئه كافٍ لأن المتوجه الواحد لا يكون إلا كذلك وإن كان خارج المسجد، وبأن الفرق بين الفرض والنفل لاغٍ.

قوله  ﴿ وإذ قال إبراهيم ﴾ قيل: في الآية تقديم وتأخير لأن قوله ﴿ رب اجعل هذا بلداً آمناً ﴾ لا يمكن لا بعد دخول البلد في الوجود.

فقوله ﴿ وإذ يرفع  ﴾ وإن كان متأخراً في التلاوة فهو متقدم من حيث المعنى قلت: في ترتيب القصة فوائد منها: أنه أجمل القصة في قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ إلى ﴿ فأتمهن ﴾ ثم فسر، وفي التفسير قدم الأهم فالأهم، ولا ريب أن ذكر جعل إبراهيم إماماً أولى بالتقديم لعموم نفعه للخلائق ولتقدمه في الوجود أيضاً، ثم ذكر جعل البيت مثابة للناس وأمناً لأنه المقصود من عمارة البيت ثم حكاية عمارة البيت.

وقد حصل في ضمن رعاية الأهم فوائد أخر منها: أنه كما كان مبنى القصة على الإجمال والتفسير وقع كل من أجزائها أيضاً كذلك فقوله ﴿ وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمناً ﴾ مجمل، ثم فسر ذلك بأن جعله ذا أمن كان بسبب دعاء إبراهيم.

وذكر البيت أولاً وقع مجملاً ثم فسر بأنه كيف بني ومنها أنه وقع ختم الكلام بأدعية إبراهيم  ووقع ختم الأدعية بذكر خاتم النبيين، وهذا ترتيب لا يتصور أحسن منه ولعل ما فاتنا من أسرار هذا الترتيب أكثر مما أحصينا.

﴿ هذا بلداً آمناً ﴾ ذا أمن مثل عيشة راضية أو آمناً من فيه كقولك "ليل نائم" وإنما قيل ههنا بلداً آمناً على التنكير وفي سورة إبراهيم ﴿ هذا البلد آمناً ﴾ إما لأن هذا الدعاء صدر منه قبل جعل المكان بلداً فكأنه قال: واجعل هذا الوادي بلداً آمناً، وذاك الدعاء صدر وقد جعل بلداً فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلداً بلداً ذا أمن، وإما لأن الدعوتين واحدة والمراد اجعل هذا البلد بلداً آمناً فيفيد مبالغة زائدة كقولك "هذا اليوم يوم جار" معناه اجعله من البلدان الكاملة من الأمن بخلاف قوله ﴿ اجعل هذا البلد آمناً  ﴾ ففيه طلب الأمن نفسه قيل: سأل الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي ضرع ولا زرع وقيل: من الخسف والمسخ، وقيل: من القتل كيلا يكون سؤال الرزق بعده تكراراً، وأجيب بأن التوسعة في الرزق مغايرة لطلب إزالة القحط.

ثم إنه تعالى استجاب دعاءه فجعله آمناً من الآفات فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل.

قيل: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء؟

وأجيب بأن مقصوده لم يكن تخريب الكعبة نفسها وإنما كان غرضه شيئاً آخر.

﴿ من الثمرات ﴾ "من" للابتداء لا للتبعيض بدليل قوله ﴿ يجبى إليه ثمرات كل شيء  ﴾ وإنما سأل إبراهيم  الأمن وأن يجبى إليه الثمرات وإن كان يتعلق بالدنيا لأن البلد إذا كان آمناً ذا خصب تفرغ أهله لطاعة الله  ويكون سبباً لاجتماع الناس وإتيانهم إليه من كل أوب زائرين وعاكفين، وطلب الدنيا لأجل الدين من سنن الصالحين "نعم المال الصالح للرجل الصالح" واختلف في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم وصار ذلك مؤكداً بدعائه فقيل: نعم لما روي عن النبي  "إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض" ولقوله ﴿ عند بيتك المحرم  ﴾ وقيل: إنما صارت حرماً آمناً بدعوته، وقبلها كانت كسائر البلاد بدليل قوله: "إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة" وقيل بالجمع بينهما، وذلك أنه كان ممنوعاً قبله بمنع الله  من الاصطلام وبما أوقع في النفوس من التعظيم ثم صار آمناً على ألسنة الرسل.

و ﴿ من آمن منهم ﴾ بدل من ﴿ أهله ﴾ يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة كأنه قاس الرزق على الإمامة حيث ميز هناك بين المؤمن والكافر فقيل: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ فعرف الفرق بينهما فقيل ﴿ ومن كفر ﴾ عطفاً على ﴿ من آمن ﴾ كما مر في ﴿ ومن ذريتي ﴾ أو هو مبتدأ مضمن معنى الشرط جوابه ﴿ فأمتعه ﴾ وذلك أن الاستخلاف استرعاء يختص بمن ينصح للمرعي فيؤدي عن الله أمره ونهيه ولا يأخذه في الدين لومة لائم ولا سطوة جبار وظالم وأبعد الناس عن النصيحة الظالم ولهذا قيل: من استسرعى الذئب فقد ظلم.

وأما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المؤمن والكافر والصالح والفاجر لعموم الرحمة، ولأنه قد يكون استدراجاً للمرزوق وإلزاماً للحجة على أنه متاع قليل وأمد يسير فيما بين الأزل والأبد و ﴿ قليلاً ﴾ أي إمتاعاً أو تمتيعاً قليلاً أو زماناً قليلاً فنعمة المؤمنين في العاجل موصولة بنعيمهم في الآجل، ونعمة الكافرين مقطوعة عنهم بعد الموت، والزائل لا يجدي بطائل ﴿ أفرأيت إن متعناهم سنين.

ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون  ﴾ ومعنى الاضطرار أن يفعل به ما يلجئه إلى النار كقوله ﴿ يوم يدعُّون إلى نار جهنم دعا  ﴾ ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم  ﴾ أو أن يصير الفاعل بالتخويف والتهديد إلى أن يفعل ذلك الفعل اختياراً كالاضطرار إلى أكل الميتة مثلاً ﴿ وبئس المصير ﴾ ذلك الذي اضطر إليه أو ذلك الاضطرار، فحذف المخصوص للعلم به.

والمصير إما مصدر بمعنى الصيرورة يقال: صرت إلى فلان مصيراً وإما موضع وكلاهما شاذ والقياس مصار مثل "معاش" وكلاهما مستعمل والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ .

قيل: الابتلاء والامتحان في الشاهد: استفادة علم خَفِيَ عليه من الممتحن والمبتلى به، ليقع عنه علم ما كان ملتبساً عليه.

وفي الغائب لا يحتمل ذلك؛ إِذ الله - عز وجل - عالم في الأَزل بما كان، وبما يكون في أَوقاته أبداً.

ثم يرجع الابتلاء منه إلى وجوه: أَحدها: أَن يخرج مخرج الأَمر بالشيء أَو النهي عنه، لكن الذي ذكر يظهر بالأمر والنهي؛ فسمي ابتلاء من الله  .

والثاني: ليكون ما قد علم الله أَنه يوجد موجوداً، وليكون ما قد علم أنه سيكونُ كائناً.

وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ ، حتى نعلمه موجوداً، كما علم أَنه يوجد؛ كما قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ  ﴾ ، علم الغيبَ، علم أنه مُوجَدٌ.

وَعلم الشهادةَ، عَلِم به موجوداً، حتى يوجد الذي علم أَنه يجاهد منهم - مجاهداً، و[الذي] يصبر منهم صابراً.

ثم اختلف في الكلمات التي ابتلاه بها: فقال بعضهم: الكلمات: هي التي ذكرت في سورة الأَنعام، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً  ﴾ ، ورأَى القمر بازغاً، ورأَى الشمس بازغة، هي الحجج التي أَقامها على قومه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

وقيل: ابتلاه بعشر ففعلهن: خمسةً في الرأْس، وخمسة في الجسد.

لكن في هذا ليس كبيرُ حكمةٍ؛ إِذ يفعل هذا كل واحد، ولكنَّ الحكمة فيه هي: ما قيل: إن ابتلاءه بالنار، حيث أُلْقي فيها، فصبر، حتى قال له جبريل: "أَتستعين بي؟

قال: أَمَّا منْك فلا".

وابتلي بإسكان ذريته الوادي، الذي لا ماءَ فيه، ولا زرع، ولا غرس.

وابتُلي بالهجرة مِن عِندهم، وتركهم هنالك - وهم صغار - ولا ماءَ معهم، ولا زرع، ولا غرس.

وابتلي بالهجرة إلى الشام.

وابتلي بذبح ولده.

ابتلى بأَشياءَ لم يبتل أَحد من الأَنبياء بمثله، فصبر على ذلك.

ففي مثل هذا يكون وجه الحكمة.

وفيه لغة أُخرى: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بالرفع ﴿ رَبُّهُ ﴾ بنصب الباء.

ومعناه - والله أعلم -: أَنه سأَل ربه بكلمات فأعطاهن.

وهو تأْويل مقاتل.

وهو أَن قال: اجعلني للناس إِماماً.

قال: نعم.

قال: ﴿ وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ ، قال: نعم قال: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

قال نعم.

قال: و ﴿ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .

قال: نعم.

قال: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

قال نعم.

مثل هذا: سأَل ربه هذا فأَعطاهن إياه.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ .

يحتمل: جعله رسولاً يقتدى به؛ لأَن أَهل الأديان - مع اختلافهم - يدينون به، ويقرون نبوته.

ويحتمل: إماماً من الإمامة والخلافة.

وقوله: ﴿ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

فإن قيل: كيف كان قوله: ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ جواباً لقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وكانت الرسالة في ذريته؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ  ﴾ ؟

يحتمل قوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ : أَحب أَن تكون الرسالة تدوم في ذريته أَبداً؛ حتى لا تكون بين الرسل فترات؛ فأُخبر أَن في ذريته من هو ظالم، فلا ينال الظالم عهده.

ويحتمل: أَن يكون سؤالهُ جعلَ الرسالة في أَولاد إِسماعيل؛ لأَن العرب من أَولاد إسماعيل -  - فأخبر أَن في أَولاده من هو ظالم؛ فلا يناله.

والعهدُ: ما ذكرنا، هو الرسالة والوحي.

وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهدَ.

ويحتمل: أَن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أَن فيهم من لا يصلح لذلك.

ويحتمل: أَن يريد به الإمامَة لاَ النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، والنبوةُ كانت فيهم.

ويحمل: أَن يكون قصدَ خصوصاً من ذريته، ممن علم الله أَن فيهم من لا يصلح لذلك.

ولا يحتمل: أن يريد به الإمامَة لا النبوة وقد ذكر، أَو قال الإنسان: قيل له: إِنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاءِ من آمن منهم دون من كفر.

وقوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ ﴾ .

قيل: المثابة.

المجمع.

وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون.

وقيل: يحجون.

وقوله: ﴿ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ .

هو فعل العباد؛ لأَنهم يأْمنون ويثوبون.

أَخبر أَنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أَفعال العباد.

ثم بين فيه - عز وجل - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أَن الله  - بلطفه وكرمه - حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأَنه جعل من آيات الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوى، لا من تدبير البشرية.

وفيه دلالة نبوة محمد  ؛ إِذ أَخبر عما قد كان؛ فثبت أَنه أَخبر عن الله عز وجل.

وقوله: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لمن دخله من عذاب الآخرة.

وقيل: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لكل مجترم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً  ﴾ عن كل ما ارتكب.

وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلاً، ثم التجأَ إِليه، فإِنه لا يقتل ما دام فيه؛ لأَنه لا يقتل للكفر هنالك.

فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ ، وما روي عن رسول الله  أَنه قال: "إِنَّ مَكَّةَ حَرامٌ بِتَحْرِيم الله إِيَّاهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْض، لَمْ تَحِلَّ لأَحِدٍ قَبْلي وَلاَ تَحلُّ لأحد بَعْدِي.

وَإِنَّما أُحلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهَارٍ.

لاَ يُخْتلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّر صَيْدهَا" وما روي عن ابن عمر -  - أنه قال: "لو ظفرت بقاتل عمرَ في الحرم ما قتلته" وإِذا قتل في الحرم يقتل به هنالك.

والوجه فيه: أَن إِقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ لينزجر عما ارتكب، وأَحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه من المكان.

وإذا قتل في غير الحرم، التجأ إلى الحرم - قال أَبو حنيفة - رحمه الله - لا يخرج من الحرم.

وأَبو يوسف - رحمه الله - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أَنه قال: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، كما قال: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل.

[و] قيل: لم يُخرَج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يُقتل في الحرم إذا لم يقتُل فيه.

أَو نقول بالإخراج للقتل، قَصْد ما لم يَسُغْ فعله فيه كان كالصيد يخرج، يلزم فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر.

وبعد فإِنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إِذ الإخراج عقوبة، فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار - الذين نهوا عن قتلهم - إِخراجهم للقتل، كذلك القاتل.

وذهب الآخر: إلى أنه يُخْرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن لم يرتكب فيه.

وإِخراج المرتكب له، أَقل في الحكم من إِقامته عليه.

غير أنه غلط؛ لأَنَّ إِخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأَنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، وفي الإخراج عقوبتان.

ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة - وهي القتل - إِذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أَحق.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .

اختلف في ﴿ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : منهم من جعل الحرم كله مقامه - يصلى إليه - لمقامه هنالك بأَولاده.

ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأَنه كان مكان عبادته فهو المصلى.

ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه - وهو موضع ركوبه ونزوله - لما روي عن رسول الله  : "أَنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال عمر: يار سول الله!

أَلا تتخذ مقامَ إبراهيم مصلى؟!

فأَنزل الله -  -: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ " .

وعندنا: القبلةٌ البيتُ؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ  ﴾ أي: مقاماً لقيام العبادات.

وقوله: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ .

فيه الأمر ببنائه.

وقوله: ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ .

يحتمل التطهير لوجهين: أَحدهما: عن الأَصنام والأَوثان التي كانت هنالك، وعبادةِ غير الله والأَنجاسِ.

ويحتمل: التطهير عن كل أَنواع الأَقذار، وعن كل أَنواع المكاسب، على ما روي في جملة المساجد.

وقوله: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ .

قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفاً لدخوله بطوافه.

وقيل: الاستحبابُ الطوافُ؛ لذلك قال أَصحابنا - رحمهم الله - الطوافُ للقادم أَفضل من الصلاة.

والصلاة للمقيم أَفضل.

والعاكفُ: المقيمُ.

﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ منهما جميعاً.

وقيل: العاكفون: المجاورون؛ يعني: من أهل مكة والقادمين إليها.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .

قد ذكرنا الوجه في قوله: ﴿ آمِناً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

لما علم أَن المكان ليس بمكان ثمرٍ ولا عُشب دَعَا، وَسأَل ربه: أن يرزق أَهله عَطفاً على أَهله، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق.

ثم خص المؤمنين بذلك؛ لوجوه: أَحدها: أَنه لما أَمرهما بتطهير البيت عن الأَصنام والأَوثان ظن أَنه لا يجعل لسوى أَهل الإيمان هنالك مقاماً؛ فخص لهم بالدعاءِ، وسؤال الرزق.

والثاني: أَنه أَراد أَن يجعل آية من آيات الله؛ ليرغِّب الكفار إلى دين الله، فيصيروا أُمة واحدة؛ فكان كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33].

ووجه آخر قيل: لما كان قيل له: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ فلعله خشي أَن يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان.

وفي ذلك: أن لا بأْس ببيع الطعام من الكفرة.

ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه.

ويحتمل الدعاءُ المبهم للكفرة: القبحَ؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير الله.

وقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ﴾ .

بالنعم؛ لأن الدنيا دار محنة، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا.

وأما الآخرةُ فهي دار جزاء، ليست بدار محنة؛ فيوجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق.

ومعنى قوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ لأن الدنيا كلها قليلٌ.

ثم الامتحان على وجهين: امتحانٌ بالنعم، وامتحان بالشدائد.

وقد قرئ: "فأَمْتِعْه" على معنى دعاءِ إِبراهيم -  - "ومن كفر فأمتِعْه" بالجزم.

فإن قيل: لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم.

وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل العقل، ويعلم أَن المؤمن هو المفضَّل بالعقل.

كيف لا وقع فضل ما به يمتحن - وهو النعم - لأَن العقل الذي به يدرك الحق واحد، لا تفاضل فيه لأَحد.

ثم العقل الذي به يمتحن واحد؛ فهما متساويان - فيما به دَرْكُ الحق - إلا أَن أَحدهما يدركه فيتبعه، والآخر يدركه فيعانده.

فهو - من حيث معرفته - ذو عقل، أَعرض عنه؛ فيسمى معانداً، إذ من لا عقل له يُسمى مجنوناً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ﴾ .

ذكر الاضطرار، وهو كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وهو السوق، وكقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ  ﴾ إِنهم يساقون إليها، ويُدَعُّون، لا أنهم يأْتونها طوعاً واختياراً.

وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

أي: بئس ما صاروا إليه.

وقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ﴾ .

أُمِرَا برفع البيت وببنائه؛ فَفَعلا، ثم سأَلا ربهما: أَن يتقبل منهما.

فهكذا الواجب على كل مأْمور بعبادةٍ، أَو قُربة - إذا فرغ منها، وأَداها - أَن يتضرع إلى الله، ويبتهل؛ ليقبل منه، وأَلا يرد عليه؛ ليضيع سعيه.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ لدعائهم.

﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بما نَوَوْا وأَضمروا.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ .

والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أَنه يتوجه إلى وجوه: أَحدها: هو الخضوع له والتذلل.

والثاني: هو الإخلاص.

ثم اخْتَلَفَ أَهل الكلام في الإسلام: فقال بعضهم: إِنه يتجدد في كل وقت؛ لذلك سأَلوا ذلك، وهو كقوله -  - ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ معناه: آمنوا بالله في حادث الوقت؛ لأَنه تارك فعل الكفر في كل وقت؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان.

وعلى ذلك: يخرج تأْويلنا في الزيادة بقولهم: زادتهم إيماناً يتجدد له، ويزداد في حادث الوقت.

وقال آخرون: كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام.

وقد ذكرنا أَن العصمة لا ترفع خوف الزوال.

ومثل هذا: الدعاء والسؤال - على قول المعتزلة - يكون عبثاً؛ لأَنه لا يملك إِعطاءَ ما سأَلوا عندهم؛ بل هم الذين يملكون ذلك، فيَخرج السؤال في هذا - عندهم - مخرج اللعب والعبث، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

ثم الإيمان: هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت، فلا وقت يخلو القلب عنه في حال سكونٍ، أَو حال حركةٍ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ .

يحتمل: أَن الأُمةَ المسلمة هي أُمةُ محمد  ؛ وذلك: أَنَّه لم يكن من أَولاد إِسماعيل رسولٌ سوى محمد  ، فسألا: أَن يجعل من ذريتهما رسولاً، وأُمه مسلمة، خالصة له.

وإنما الرسل كانوا من أَولاد إِسحاق ومن نسله، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .

وقيل: في قوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ : يريد الإِراءَة إلى يوم القيامة، يدل على قراءَة عبد الله: "وأَرهم مناسكهم"، وفي قراءَة غيره على ضم الرؤية إلى نفسه.

والمنسكُ: هو القربة.

وأَفعالُ الحج سميت مناسكاً.

ثم لا يحتمل: أَن يسأَلا ذلك، من غير أَمر سبق منه - عز وجل بذلك؛ لأَنه ليس من الحكمة سؤال: إِيجاب فضل عبادة، أَو قربة بغير أَمر؛ فدل أَنه قد سبق منه بذلك أَمر، لكنه لم يبين لهما، فسأَلا: تعليم ماهيتها وكيفيتها، فعلمهما جبريل ذلك.

ففيه: دلالة تأْخير البيان عن وقت قرع السمع الخطاب؛ أَلا ترى أَنه أَمر بالنداء للحج ولم يعلم.

والثاني: أَن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم -  - فدل أَن الأَمر به قد سبق.

والثالث: قوله - في نفس الحج -: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ .

ثم لا يحتمل: لزوم الكلفة بالخروج قبل وجوب الحج؛ لما لم يأْمر بفعل ما له إيجاب الحقوق والفرائض.

لكنها أوجبت شكراً لما أَنعم عليه؛ فدل أَن الحج كان واجباً قبل الخروج، وقد تأَخر الإمكان؛ فمثله البيان، والله أعلم.

واحتج بقوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ  ﴾ : أَن ظاهره يوجب خضوعاً، لزم به ما أَداه السمع على تأَخر ما بينه، وكذلك الزكاةُ، وكذا ظاهرُ قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

واحتج أَيضاً بقول القائل وسؤاله رسولَ الله  عن أَوقات الصلاة ففعله في يومين، وقد كان يمكنه تعليمه وقت السؤال، لكنه أَخر؛ فدل أَن البيان يجوز تأَخره عن وقت قرع الخطابِ السمعَ.

ثم في تأْخير البيان محنة المخاطب به؛ أَمر في تعلم العلم وطلب مراد ما تضمن الخطاب، والله أعلم.

وذكر في أَمر الحج - عند كل نسك من المناسك - معاني لها، لكنها ذكرت الأَحوالِ كانت في شأْن آدم وأَمر إبراهيم، وأَمر محمد - عليهم الصلاة والسلام - وقد كان الحج قبلهم.

وقد ذكر في أَمر الرَّمَل أَنه كان من رسول الله  ومن معه؛ ليُعلِم به قوتهم؛ حتى قال عمر -  -: "علام أَهز كتفي، وليس أَحد إِزاءَه؟!

لكني أَتبع رسول الله،  " أَو كما قال، رحمه الله .

وقد ذكر ذلك في قصة إبراهيم  : أَنه رمل، ولم يكن في وقته من كان الفعلُ لأَجله، وكذلك غيرُه من الأَنبياء، صلى الله عليهم وسلم.

إلا أَنَّا نقول: جعل الله كذلك؛ لعلمه بالحاجة إلى ذلك في وقت قد جعل ذلك نسكاً، فحفظ ذلك على حق النسك، وإن لم يكن المعنى مقارناً له في كل وقت، على ما قيل: "إِن صلة الرحم تزيد في العمر" - بمعنى جعل الله أَجله ذلك بما علم أَنه يصل الرحم - فيكون صرف العمر إلى تلك المدة لذلك.

وكما يكتب شقيّاً أَو سعيداً في الأَزل للوقت الذي فيه يكون كذلك، ونحو ذلك، والله الموفق.

ثم الأَصل: أَن الله - جل ثناؤه - جعل على عباده في كل الأنواع التي يتقلب فيها البشر للمعاش، أَو لأَنواع اللذات؛ لتكون العبادة منهم في كل نوع مقابل ما يختار صاحب ذلك شكراً لما مكن من مثله، لما يتلذذ به ويتعيش؛ إِذ كل لذة، وكل ما يتعيش به نعمة خصَّ الله بها صاحبها، بلا تقدُّم سببٍ يستوجبها العبد؛ فلزمه - في الحكمة - الشكر لمن أَسدى إليه تلك النعمة.

وعلى ذلك: نجد التقلب - من حال القيام، إلى حال القعود، والاضطجاع - أَمراً عامّاً في البشر، من أَنواع اللذات، فمثله يكون العبادة بذلك النوع عامة، نحو الصلوات.

وعلى ذلك: معنى الرق، والعبودةُ لازم لا يفارق، فمثله الاعتراف به، والاعتقاد دائم لا محالة لا يخلو منه وقت.

وعلى ذلك: أَمر إِعطاءِ النفس شهواتها، من المطاعم ونحو ذلك؛ لا يعم الأَوقات عموم التقلب من حال إلى حال؛ إذ لا يخلو عنها المرءُ وإن كانت مختلفة.

فجعلت عبادة الصيام في خاص الأَوقات.

ثم لم يمتد ما بين الأَوقات امتداداً متراخياً، فعلى ذلك: جعل العفو عن الصيام، لم يجعل كذلك، بل في سنة، مع ما قد يدخل الصيام في كثير من الأُمور.

ثم للناس في الأَموال معاش، وبها تلذذ: لكن منها قوت لا بد منه؛ فالاتفاق بمثله لازمم، لا يحتمل جعل القربة فيه، سوى أَن جعل ذلك لعينه قربة؛ إذ فرض على المرء الاستمتاع به.

ومنها فضْل، به جعلت قرب التصدق؛ لأَنه له بحق التلذذ، لا بحق ما لا بد منه.

وكذلك نوع تقلب الأَحوال في النفس التي هى بحق الضرورة، لم يجعل لمثل ذلك فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته.

وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه.

وكذلك أَمر الصيام: لم يجعل عما لا بد منه للقوة، ولكن فضل قوة في الاحتمال.

لكن الزكاة هي من حقوق ما يجوز أَن يكون هي لغير من عليه، ففرض عليه البذل إلى غيره.

وحقوق الأَفعال لا تحتمل أَن يصير السبب الذي له به يجب أَن يكون لغيره فيجب عليه؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه.

وهي تجب للأَحوال لوجهين: أَحدهما: أَن فيها حقوقاً شائعة، على نحو النفقات، فأخرت هي إلى الحول؛ تخفيفاً، أَو لما هي تجب فيما له حكم الفضل.

والفضل: ما يفضل عن الحاجة.

والحاجات تتجدَّد في أَوقات - لا أَنها تتتابعُ - لا يظهر في مثله الفضل إِلا بمدةٍ بينةٍ أكثرها حول.

ثم فَرْضُ الحجِّ جُعِل في العمر مرة؛ لأَنه في حق الأَسفار المديدة، التي لا يختار مثلها للذات إلا في النوادر، فلم يوجَب مثلُه إلا خاصّاً؛ فأُوجب في جميع العمر مرة.

وقد أَوجب في الأَموال في كل سنة؛ لأَن أَرباب الأَموال قد يتقلبون في البلاد النائية رغبة في فضول اللذات؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك.

وعلى ذلك أَمر الجهاد - على أن الجهاد كالذي لا بد من الأَقوات - إذ في ترك ذلك خوف غلبة الأَعداءِ، وفيها تلف الأَبدان والأَديان، والأَموال ففرض على قدر ما فرض من الأَقوات؛ لما بينت من الخلل، ثم كانت أَحوال أَهل السفر تكون على غير المعروف من أَحوال المقيمين - في حق الرَّزانة والوقار، وحق الانبساط والنشاط - فعلى ذلك: فرائض الأَمرين - نحو الجهاد - فيه أَنواع: ما عُدَّ في غيره من اللعب، وكذلك أَمر الحج.

وعلى مثل هذا يخرج رمي الجمار والرمَل والسعي ونحو ذلك.

فجعل ذلك في حق الأَسفار سُنَّة، وإن كان مثل ذلك عُدَّ في غير ذلك عبثا؛ إِذ قد بينا مخرج العبادات، على ما عليه أَحوال العباد بأَنفسهم، لولا العبادات، والله أعلم.

ثم جعل ذلك في أَمكنة متباعدة الأَطراف؛ إِذ هو بحق أَمر الأَسفار يجب في المعهود؛ فجعل في النسك، بنفسه بالذي به يقطع الأَسفار، ولا قوة إلا بالله.

ووجه آخر: من المعتبرات: أَن العبادات جعلت أَنواعاً: منها ما يبلغ القيام بحقها العامَ فصاعداً، وهذه لم يجز أَن يجعل وقتها ينقص عن احتمال فعلها.

ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأَحوال بعد سقوط اعتبار العمر من السنة.

ثم لأَن فعل الحج قد يمتد ذلك، ويجاوز، لم يجعل ذلك وقتاً له، وإنما جعل العمر، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر، وما تقدمه وما تأَخره، ثم في العمر أَحوال، لا تحتمل إِضافتها إلى الأَعوام؛ لأَن ما يضاف إلى عام فذلك لكل عام.

وليس ما يضاف إلى العمر موجوداً بحق الأَعوام.

فجعل ذلك وقته، والله أعلم.

ثم الزكاة هي تجب للأَموال؛ صوناً لها؛ لكسب عدد، وفضل غنى، ولكن على ذلك تكتب لأَحوال الحياة لا لما يخلف؛ فلم يمتد أَمرها إلى العمر؛ على أَنها جعلت حقّاً للفقراء.

ومتى أُريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره، ويجب فيه ما يجب في الأَول؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش؛ إذ الله - بفضله - قدر أَقوات الخلق، ثم فضل الخلق في الأَملاك، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئاً، وبعضهم يجاوز ما ينالُ أَضعافَ عمره.

ثبت أَن ذلك له بما يقتضى به كفاية الفقراء؛ فلا بد أَن يجعل لذلك مدة يتوسع في ذلك الفريقان جميعاً.

ثم كانت الأَقوات - التي هي مجهولة للخلق جميعاً - تتجدد في كل عام على ذلك؛ إذ جعلت أقوات الفقراء في أموال الأَغنياء، جعلت في كل عام.

على أَنه إِذ جعلت أَقوات الخلق في بركات السماء والأَرض، جعلها الله متجددة بتجدد الأَعوام، ولا قوة إلا بالله.

والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأَبدان، فعلى ما يختلف قواهما، اختلف في الأَمر بهما والترك، وفي أَنواع الرخص.

لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات، ولا مدافعة اللذات؛ إِذ لا سبيل إلى مثلها متتابعاً لما يصير اللذة أَلما، والشهوة وجعاً؛ فيبطل حق التتابع؛ وقدر المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس.

والصيام يضاد ذلك، ويضر في البدن.

فجعل عبادة الصلوات في كل يوم، وعبادة الصيام في أَوقات متراخية؛ إذ هي تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إِقامة الأَبدان، وفي الصيام خوف فنائها؛ لذلك استعين بطول الاغتذاء على أَوقات الصيام، ولا قوة إلا بالله.

وإن شئت قلت: إن الله أَنعم على البشر بما هو غذاء وقوام، وبما هو لذة وشهوة، ثم أَنعم عليهم بما هو لهم ربه رفعة وجاه عند الخلق - وهي الأَموال - فأَلزمهم في كل نوع من هذه الأَنواع عباداتٍ.

وعلى ذلك: وقع كل نوع منها لفوت النعمة، التي هي المرغوبة المختارة في الطبيعة، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه، ثم جعلت قوى النفس بشهواتها، ونعم الأَموال بأَنواع الكد والجهد.

فعلى ذلك: خفف حقوق الأَموال؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ألا يبلغوا بالجهد ذلك، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من الترتيب، مع اليسر الذي أَخبر الله أَنه يريد بهم ذلك، لا العسر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

دل سؤال التوبة أَن الأَنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات والعثرات، على غير قصد منهم.

ثم فيه الدليل على أَن العبد قد يُسْأَل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها؛ لأَنهم سأَلوا التوبة مجملاً.

ولو كان سبق منهم شيء علموا به وعرفوه لذكروه؛ فدل سؤالهم التوبة مجملاً على أَن العبد مسئول عن زلات لم يتعمدها.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من المسلمين: لأَنه أَخبر أَن عهده لا يناله الظالم.

ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من جنسهم، من البشر؛ لأَنه أَقرب إلى المعرفة والصدق ممن كان من غير جنسهم، كقوله  : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً...

﴾ الآية [الأنعام: 9].

ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي من قومهم، ومن جنسهم، وبلسانهم، لا من غيرهم، ولا بغير لسانهم - والله أعلم - كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ ﴾ .

قيل: الآيات هي الحجج.

وقيل: الآيات هي الدين.

ويحتمل: يدعوهم إلى توحيدك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

يعني القرآن: ما أَمرهم به، ونهاهم عنه، ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قيل: الفقه، يقول: يعلمهم الكتاب وما فيه من الفقه.

وقيل: الحكمة ما فيه من الأَحكام من الحلال والحرام.

وقيل: الحكمة: هي السنة ها هنا.

وقيل: الحكمة: هي الإصابة.

وبعض هذا قريب من بعض، وبالله التوفيق.

وقال الحسن: الحكمة: هي القرآن؛ أَعاد القول به.

يعني تكراراً.

وقال ابن عباس -  -: الحكمة: الفقه.

وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس -  : يأْخذ زكاة أَموالهم - فذلك يزكيهم - كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  ﴾ .

وقيل: يزكيهم إلى ما به زكاة أَنفسهم.

وقيل: يزكيهم بعمل الصالح.

فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أَليس الله - عز وجل - أَضاف التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه - حقيقة - فعل التزكية والهداية، ولا خلق ذلك منه - كيف لا قلتم أيضاً - فيما أَضاف ذلك إلى نفسه: أَن ليس فيه منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك إلى رسول الله سوى الدعاء والبيان؟!

قيل: كذلك على ما قلتم: أَنه أَضاف ذلك إلى رسوله بقوله: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، غير أَنه جعل إلى نفسه فضْلَ هدايةٍ، لم يجعل ذلك لرسوله  وأَثبت زيادة تزكيةٍ، لم يثبت ذلك لرسوله  ؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ  ﴾ .

فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أَنَّ له فضلَ فعلٍ، ليس ذلك لرسوله، وهو خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وبالله التوفيق.

وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أَن يملك قدرة فعل أَحد يُقدره عليه لو أَراده بما أَقدرهم الله على الفعل، حتى قدَروا؛ فجاز أَن يكون له عليه قدرة.

وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول الله  لا يحتمل، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ ﴾ .

أي: لا شيء يعجزه، والعزيز بذاته، وكل شيء دونَه غيرُ عزيز، ذليل.

وقيل: العزيز: المنيع.

وقيل: العزيز: المنتقم من أَعدائه.

والحكيم: هو المصيب في فعله.

والحكيمُ في أَمره ونهيه.

والحكيم هو الذي أَحكم كل شيء جعله دليلاً على وحدانيته.

ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال: سميت العرفات عرفات؛ لما قيل له: عرَفتَ,.

ومِنىً؛ لما قيل له: تمنَّهُ.

ورَمى الجمار؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان فرمى.

فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب وتنفر عنها الطباع، أَلا ترى أَنه ذكر في قصة آدم فعل ذلك جملةً؛ فزال المعنى الذي ذكر في إِبراهيم  ؟!

ثم قد ذكر في الخبر أَن الملائكة قالت لآدم: حججناها قبلك بأَلفي عام؛ فثبت أَنهم قد فعلوا هذا كله.

ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل، وهو أَن الحج قصد لزيارة ذلك المكان؛ فأَمر بمختلف الأَفعال الواقع بها الزيارة.

كالصلاة: إنها الخضوع لعينة؛ ولذلك أَمر فيها بإحضار الأَفعال المختلفة من حال الخضوع.

ثم المرءُ قد يخضع مرة بالقيام، ومرة بالركوع، ومرة بالسجود.

أَمر بإحضار مختلف الأَفعال التي فيها الزورة.

غير أَن الصلاة تخالف الحج؛ فلأَن أَفعالها فعل المعاش أَمر فيها بإِحضار حالة تذكره الخضوع، والوقوف لله، مفرقاً بين تلك الحالة وحالة المعاش؛ ولهذا تُقْضَى في كل مكان.

ثم أَفعال الحج في ظاهرها إلى أَفعال المعاش، وما إليه وَقع القصد - لا عينها - غير أن فيه تكلف المعاش؛ ولهذا ما لا يقضى في كل مكان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكر -أيها النبي- حين قال إبراهيم وهو يدعو ربه: رب اجعل مكة بلدًا آمنًا، لا يُتعرض فيه لأحد بسوء، وارزق أهله من أنواع الثمرات، واجعله رزقًا خاصًّا بالمؤمنين بك وباليوم الآخر، قال الله: ومن كفر منهم فإني أمتعه بما أرزقه في الدنيا متاعًا قليلًا، ثم في الآخرة ألجِئه مُكرهًا إلى عذاب النار، وبئس المصير الَّذي يرجع إليه يوم القيامة.

من فوائد الآيات أن المسلمين مهما فعلوا من خير لليهود والنصارى؛ فلن يرضوا حتَّى يُخرجوهم من دينهم، ويتابعوهم على ضلالهم.

الإمامة في الدين لا تُنَال إلا بصحة اليقين والصبر على القيام بأمر الله تعالى.

بركة دعوة إبراهيم  للبلد الحرام، حيث جعله الله مكانًا آمنًا للناس، وتفضّل على أهله بأنواع الأرزاق.

<div class="verse-tafsir" id="91.mpeRD"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

قوله تعالى ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا  ﴾ معطوف على ما قبله والمعنى واذكر أيها الرسول -أو أيها الناس- إذ جعلنا البيت الحرام مثابة للناس وأمنا أي ذا أمن، بأن خلقنا بما لنا من القدرة في قلوب الناس من الميل إلى حجه والرحلة إليه المرة بعد المرة من كل فج وصوب ما كان به مثابة لهم، ومن احترامه وتعظيمه وعدم سفك دم فيه ما كان به أمنًا، ولفظ البيت من الأعلام الغالبة على بيت الله تعالى الحرام بمكة كالنجم على الثريا، كان كل عربي يفهم هذا من إطلاق الكلمة.

يذكر الله تعالى العرب بهذه النعمة أو النعم العظيمة وهي جعل البيت الحرام مرجعًا للناس يقصدونه ثم يثوبون إليه، ومأمنًا لهم في تلك البلاد، بلاد المخاوف التي يتخطف الناس فيها من كل جانب، وبدعوة إبراهيم  للبيت وأهله المؤمنين، وفي هذا التذكير ما فيه من الفائدة في تقرير دعوة النبي  وبيان بنائها على أصول ملة إبراهيم الذي تحترمه قريش وغيرها من العرب.

وقد اختار المثابة على نحو المقصد والمزار لأن لفظ المثابة يتضمن هذا وزيادة، فإنه لا يقال ثاب المرء إلى الشيء إلا إذا كان قصده أولًا ثم رجع إليه.

ولما كان البيت معبدًا وشعارًا عامًا كان الناس الذين يدينون بزيارته والقصد إليه للعبادة يشتاقون الرجوع إليه، فمن سهل عليه أن يثوب إليه فعل، ومن لم يتمكن من الرجوع إليه بجثمانه، رجع إليه بقلبه ووجدانه، وكونه مثابة للناس أمر معروف في الجاهلية والإسلام، وهو يصدق برجوع بعض زائريه إليه، وحنين غيرهم وتمنيهم له عند عجزهم عنه.

وكذلك جعله أمنًا معروف عندهم فقد كان الرجل يرى قاتل أبيه في الحرم فلا يزعجه على ما هو معروف عندهم من حب الانتقام والتفاخر بأخذ الثأر.

قد يقال: ما وجه المنة على العرب عامةً بكون البيت أمنًا للناس، والفائدة فيه إنما هي للجناة والضعفاء الذين لا يقدرون على المدافعة عن أنفسهم؟

والجواب عن هذا: أنه ما من قوي غلا ويوشك أن يضطر في يوم من الأيام إلى مفزع يلجأ إليه لدفع عدو أقوى منه أو لهدنة يصطلح في غضونها مع خصم يرى سلمه خيرًا من حربه، وولاءه أولى من عدائه، فبلاد كلها أخطار ومخاوف لا راحة فيها لأحد.

وقد بيّن الله المنة على العرب إذ جعل لهم مكانًا آمنًا بقوله في سورة العنكبوت ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ  ﴾ .

قال تعالى ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى  ﴾ قرأ نافع وابن عامر ﴿ وَاتَّخِذُوا  ﴾ بفتح الخاء على أنه فعل ماضٍ معطوف على جعلنا، والباقون بكسرها على أنه أمر، أي وقلنا اتخذوا أو قائلين اتخذوا من مقام إبراهيم مصلي.

فحذف القول للإيجار، وفائدته أن يستحضر ذهن التالي أو السامع المأمورين حاضرين والأمر يوجه إليهم، فهو تصوير للماضي بصورة الحاضر ليقع في نفوس المخاطبين بالقرآن أن الأمر يتناولهم، وأنه موجه إليهم كما وجه إلى سلفهم في عهد أبيهم إبراهيم، وهم ولده إسماعيل وآل بيته ومن أجاب دعوتهما إلى حج البيت، لا أنه حكاية تاريخية سيقت للفكاهة والتسلية بل شريعة ودين.

وهذا القول أحسن من قول بعضهم: إن ﴿ وَاتَّخِذُوا  ﴾ أمر لأمة محمد  لأن ذلك القول يقتصر على معنى الأمر وما قلنا يتضمن مع ذلك معنى القراءة بصيغة الماضي الدالة على أن إبراهيم ومن آمن معه قد اتخذوا مقامه مصلى، لأنه أبلغ لما فيه من تحريك شعور الخلف بشرف عمل السلف وبعثهم على الإقتداء بهم.

ومقام اسم مكان من القيام، وقد اختلف المفسرون في مقام إبراهيم فقال بعضهم أنه الحِجْر الذي كان يقوم عليه عند بناء الكعبة قاله ابن عباس وجابر وقتادة وغيرهم ورواه البخاري وعليه مفسرنا (الجلال).

وقال آخرون إنه الحرم كله وهو مروي عن النخعي ومجاهد.

وروي عن ابن عباس وعطاء، أنه مواقف الحج كلها، وقال الشعبي إنه عرفة ومزدلفة والجمار.

واختلفوا أيضًا في تفسير المصلى فقال من فسر المقام بالحجر إنه مكان الصلاة أي صلاتنا المخصوصة وعليه (الجلال) واستدلوا له بحديث جابر عند مسلم قال: إن رسول الله  لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ الآية: وذهب الآخرون إلى أن المراد بالمصلى موضع الصلاة بمعناها اللغوي العام وهو الدعاء والتوجه إلى الله تعالى وعبادته مطلقًا.

وهذا هو الأرجح لأن الحِجْر لا يسع الصلاة المخصوصة، ولذلك قال جابر إن النبي صلى خلفه فكيف يتخذ منه محلًا للصلاة؟

أما حديث مسلم المتقدم وحديث أبي نعيم: "هذا مقام إبراهيم" فإنه ليس فيهما ما يدل على أن الحِجْر هو المراد بمقام إبراهيم في الآية دون غيره، وإنما صلاته تدل على أن الصلاة هناك مشروعة.

على أن في سند حديث أبي نعيم مقالًا والخطاب في الأصل للمؤمنين في زمن إبراهيم  ولم تكن صلاتنا هذه صلاتهم فحمل المقام على جميع شعائر الحج التي قام فيها إبراهيم والصلاة على معناها اللغوي الذي يشمل صلاة إبراهيم ومن كان معه على عبادته كما يشمل صلاتنا ومناسكنا أظهر.

قال تعالى: ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ  ﴾ إلخ عهد إليه بالشيء وصاه به والمراد أن الله كلفهما أن يطهر ذلك المكان الذي نسبه إليه وسماه بيته لأنه جعله معبدًا يعبد فيه العبادة الصحيحة.

ولم يذكر ما يجب أن يطهراه منه ليشمل جميع الرجس الحسي والمعنوي كالشرك وأصنامه واللغو والرفث والتنازع.

وتخصيص الله تعالى ذلك البيت بالنسبة إلى ذاته المنزهة عن صفات الأجسام ليس لخصوصية في موقعه ولا في أحجاره وإنما كان بيتًا لله تعالى سماه بيته وأمر بأن يتوجه إليه المصلون وبأن يعبد فيه عبادة خاصة.

والحكمة في ذلك أن البشر يعجزون عن التوجه إلى موجود غيبي مطلق لا يتقيد بمكان ولا ينحصر في جهة وهم في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم وشكره والتوسل إليه والثناء عليه واستمداد رحمته ومعونته لما في ذلك من الفائدة لهم لأنه يعلي مداركهم عن التقيد في دائرة الأسباب المعروفة على ضيقها وعن الاستخذاء لما لا يعرفون له سببًا، ويرفع نفوسهم عن الرضي بالحياة الحيوانية.

فله الحمد والمنة أن عين لهم مكانًا نسبه إليه فسماه بيته رمزًا إلى أن ذاته المقدسة تحضره، فإذا كان الحضور الحقيقي محالًا عليها، فإنها تحضره رحمته الإلهية، ولذلك كان التوجه إليه بمنزلة التوجه إلى تلك الذات العلية، لو وجد العبد إلى ذلك سبيلًا.

ولو كلف الله عباده بعبادته مطلقًا -وقد علمهم بنظر العقل وإرشاد الشرع أنه ليس كمثله شيء- لوقعوا في الحيرة والاضطراب لا يدرون كيف يتوجهون إلى ذات غيبية مطلقة.

ولو اختار بعضهم لنفسه عبادة تليق بهذا التنزيه الذي أرشد إليه الكتاب وصدقه العقل لما اهتدى إليه الآخرون وبذلك يفقد المؤمنون الجامعة التي تجمعهم على أفضل الأعمال التي تؤلف بين قلوبهم، لذلك قلنا إن الله رحمهم إذ جعل لنفسه بيتًا يقصدونه ويثوبون إليه عند الإمكان، ويتوجهون إليه في صلاتهم وإن بَعُدَ المكان، ولا يخشى على المؤمن توهم الحلول في ذات الله بنسبة البيت إليه بعدما ...

سبحانه كل إيهام بقوله ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ  ﴾ يؤيد ما رجحناه من جعل المصلى بالمعنى العام، أي المعبد، فإنه بعد أمر الناس باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، بيّن لنا أن إبراهيم وإسماعيل طهراه بأمره لأداء أنواع من العبادات فيه كالطواف وفي معناه السعي بين الصفا والمروة والعكوف في المسجد والركوع والسجود وهما من أعمال الصلاة.

والركع السجود جمع الراكع والساجد، والآية تدل على أن إبراهيم كان مأمورًا هو ومن آمن بهذه العبادات، ولكن لا دليل فيها على أنهم كانوا يؤدونها على الوجه المشروع عندنا.

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا  ﴾ هذه الآية معطوفة على ما قبلها مسوقة لبيان منة أو منن أخرى على أهل الحرم وهي ما تضمنه دعاء إبراهيم من جعل البلد آمنًا في نفسه، وغير ما سبقت به المنة من جعل البيت آمنًا.

وقد فسر الجلال ﴿ آَمِنًا  ﴾ بقوله ذا أمن: مع أن المعنى ظاهر وهو أن يكون محفوظًا من الأعداء الذين يقصدونه بالسوء، وهو غير معنى كونه ذا أمن، أي من يكون فيه يكون آمنًا ممن يسطو عليه فيظلمه أو ينتقم منه.

وقد استجاب الله دعاء إبراهيم في ذلك، ومن تعدى على البيت لم يطل زمن تعديه بحيث يقال إنه قد مر زمن طويل لم يكن البيت فيه آمنًا، بل لم ينجح أحد تعدى عليه لذاته، وإنما كان التعدي القصير هو التعدي العارض على بعض من اعتصم فيه.

﴿ وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ  ﴾ فسر ( الجلال) الرزق من الثمرات بنقل جبريل (الطائف) من حوران في بلاد الشام أو من فلسطين إلى مكانه الآن في أرض الحجاز.

مع أن الكلام في البيت وبلده "مكة" لا في "الطائف".

ورزق أهل هذا البلد الأمين من الثمرات ظاهر معروف بالمشاهدة والاختبار المصدقين لما جاء به الكتاب في سورة القصص بقوله ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ  ﴾ فالثمرات تجبى وتجمع من حيث تكون وتساق إلى مكة، ولا فرق في ذلك بين كونها من "الطائف" أو من الشام أو مصر أو الروم مثلًا، وكونها تجمع من أقطار متفرقة أظهر الآية وأدل على التسخير.

وحديث نقل الطائف لا يصح ولكنهم ألصقوه بكتاب الله وجعلوه تفسيرًا له وهو بريء منه وغير محتاج في صدقة إليه.

وقد خص إبراهيم بدعائه المؤمنين كما هو اللائق به، ولكن الله واسع الرحمة وقد جعل رزق الدنيا عامًا للمؤمن والكافر ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا  ﴾ ولكن تمتيع الكافر محدود بهذا العمر القصير، ومصيره في الآخرة إلى شر مصير، وذلك جواب الله تعالى لإبراهيم قال ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  ﴾ أي وأرزق من كفر أيضًا فأمتعه بهذا الرزق قليلًا وهو مدة وجوده في الدنيا ثم أسوقه إلى عذاب النار سوقًا اضطراريًا لا يقصده هو ولا يعلم أن كفره ينتهي به إليه، وذلك أن لجميع أعمال البشر الاختيارية غايات وآثارًا اضطرارية تفضي وتنتهي إليها بطبيعتها بحسب نظام الأسباب المسببات، كما يفضي الإسراف في الشهوات أو التعب أو الراحة إلى بعض الأمراض في الدنيا.

فالكفار والفساق مختارون في كفرهم وفسقهم فعاقبهم عليها إنما هو عقاب على أعمال اختيارية، وهو أن كفرهم بآيات الله سيسوقهم إلى عذاب الله بما أقام الله تعالى عليه الإنسان من السنن الحكيمة، وأساسها أن علم الإنسان وأعماله النفسية والبدنية لها الأثر الذي يفضي به إلى سعادته أو شقائه اضطرارًا، ولما كانت هذه السنة بقضاء الله وتقديره صح أن يقال إن الله قد اضطر الكافر إلى العذاب وألجأه إليه إذ جعل الأرواح المدنسة بالعقائد الفاسدة والأخلاق المذمومة محل سخطه وموضع انتقامه في الآخرة كما جعل أصحاب الأجساد القذرة عرضة للأمراض في الدنيا.

ولما كانت هذه العقائد والمعارف والأخلاق والأعمال كسبية وكان الإنسان متمكنًا من اختيار الحق على الباطل والطيب على الخبيث وقد هداه الله إلى ذلك بما أعطاه من العقل، وما نزله من الوحي، صح أن يقال إنه ظلم نفسه وعرضها للعذاب والشقاء بأعماله التي مبدأها كسبي، وأثرها ضروري.

وفي قوله تعالى ﴿ وَمَنْ كَفَرَ  ﴾ إلخ إيجاز بالعطف على محذوف علم منه أنه تعالى استجاب دعاء إبراهيم في المؤمنين فجعل لهم هذا الخير في الدنيا وأعد لهم ما هو أفضل منه في الآخرة.

وهو إيجاز لم يكن يعهد في غير القرآن، جار على الأصل الذي تقدم بيانه في خطاب القرآن للعرب خاصة دون ما كان يخاطب به بني إسرائيل، وإن كان كل ما في القرآن عبرة عامة لجميع المعتبرين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد