الآية ١٦٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٨ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُوا۟ مِمَّا فِى ٱلْأَرْضِ حَلَـٰلًۭا طَيِّبًۭا وَلَا تَتَّبِعُوا۟ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ ۚ إِنَّهُۥ لَكُمْ عَدُوٌّۭ مُّبِينٌ ١٦٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٦٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٦٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ما بين تعالى أنه لا إله إلا هو ، وأنه المستقل بالخلق ، شرع يبين أنه الرزاق لجميع خلقه ، فذكر [ ذلك ] في مقام الامتنان أنه أباح لهم أن يأكلوا مما في الأرض في حال كونه حلالا من الله طيبا ، أي : مستطابا في نفسه غير ضار للأبدان ولا للعقول ، ونهاهم عن اتباع خطوات الشيطان ، وهي : طرائقه ومسالكه فيما أضل أتباعه فيه من تحريم البحائر والسوائب والوصائل ونحوها مما زينه لهم في جاهليتهم ، كما في حديث عياض بن حمار الذي في صحيح مسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله تعالى : إن كل ما أمنحه عبادي فهو لهم حلال " وفيه : " وإني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم " .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا محمد بن عيسى بن شيبة المصري ، حدثنا الحسين بن عبد الرحمن الاحتياطي ، حدثنا أبو عبد الله الجوزجاني رفيق إبراهيم بن أدهم حدثنا ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم : ( ياأيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ) فقام سعد بن أبي وقاص ، فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ، فقال .

" يا سعد ، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، والذي نفس محمد بيده ، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوما ، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به " .

وقوله : ( إنه لكم عدو مبين ) تنفير عنه وتحذير منه ، كما قال : ( إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ) [ فاطر : 6 ] وقال تعالى : ( أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ) [ الكهف : 50 ] .

وقال قتادة ، والسدي في قوله : ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان .

وقال عكرمة : هي نزغات الشيطان ، وقال مجاهد : خطاه ، أو قال : خطاياه .

وقال أبو مجلز : هي النذور في المعاصي .

وقال الشعبي : نذر رجل أن ينحر ابنه فأفتاه مسروق بذبح كبش .

وقال : هذا من خطوات الشيطان .

وقال أبو الضحى ، عن مسروق : أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح ، فجعل يأكل ، فاعتزل رجل من القوم ، فقال ابن مسعود : ناولوا صاحبكم .

فقال : لا أريده .

فقال : أصائم أنت ؟

قال : لا .

قال : فما شأنك ؟

قال : حرمت أن آكل ضرعا أبدا .

فقال ابن مسعود : هذا من خطوات الشيطان ، فاطعم وكفر عن يمينك .

رواه ابن أبي حاتم ، وقال أيضا : حدثنا أبي ، حدثنا حسان بن عبد الله المصري ، عن سليمان التيمي ، عن أبي رافع ، قال : غضبت على امرأتي ، فقالت : هي يوما يهودية ويوما نصرانية ، وكل مملوك لها حر ، إن لم تطلق امرأتك .

فأتيت عبد الله بن عمر فقال : إنما هذه من خطوات الشيطان .

وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة ، وهي يومئذ أفقه امرأة في المدينة .

وأتيت عاصما وابن عمر فقالا مثل ذلك .

وقال عبد بن حميد : حدثنا أبو نعيم عن شريك ، عن عبد الكريم ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : ما كان من يمين أو نذر في غضب ، فهو من خطوات الشيطان ، وكفارته كفارة يمين .

[ وقال سعيد بن داود في تفسيره : حدثنا عبادة بن عباد المهلبي عن عاصم الأحول ، عن عكرمة في رجل قال لغلامه : إن لم أجلدك مائة سوط فامرأته طالق ، قال : لا يجلد غلامه ، ولا تطلق امرأته ، هذا من خطوات الشيطان ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيّها الناسُ كلوا مما أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم فطيَّبْته لكم - مما تُحرِّمونه عَلى أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل وما أشبه ذلك مما لم أحرِّمه عليكم = دون مَا حرَّمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجَّسته من مَيتة ودم ولحم خنـزير وما أهِلّ به لغيري.

ودَعوا خُطوات الشيطان - الذي يوبقكم فيهلككم، ويوردكم مَوارد العطب، ويحرّم عليكم أموالكم - فلا تتبعوها ولا تعملوا بها, إنه = يعني بقوله: " إنه " إنّ الشيطان, و " الهاء " في قوله: " إنه " عائدة على الشيطان = لكم أيها الناس " عدو مُبين "، يعني: أنه قد أبان لكم عَداوته، بإبائه عن السجود لأبيكم، وغُروره إياه حَتى أخرجه من الجنة، واستزله بالخطيئة, وأكل من الشجرة.

يقول تعالى ذكره: فلا تنتصحوه، أيها الناس، مع إبانته لكم العداوة, ودعوا ما يأمركم به, والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه مما أحللته لكم وحرَّمته عليكم, دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم وحللتموه، طاعة منكم للشيطان واتباعًا لأمره.

* * * ومعنى قوله: " حَلالا "، طِلْقًا.

(62) وهو مصدر من قول القائل: " قد حَلَّ لك هذا الشيء ", أي صار لك مُطلقًا، (63) " فهو يَحِلُّ لك حَلالا وحِلا "، ومن كلام العرب: " هو لك حِلٌّ", أي: طِلْق.

(64) .

* * * وأما قوله: " طيبًا " فإنه يعني به طاهرًا غير نَجس ولا محرَّم.

* * * وأما " الخطوات " فإنه جمع " خُطوة ", و " الخطوة " بعد ما بين قدمي الماشي.

و " الخطوة " بفتح " الخاء "" الفعلة " الواحدة من قول القائل: " خَطوت خَطوة واحدةً".

وقد تجمع " الخُطوة "" خُطًا " و " الخَطْوة " تجمع " خَطوات "،" وخِطاء ".

* * * والمعنى في النهي عن اتباع خُطواته, النهي عن طريقه وأثره فيما دعا إليه، مما هو خلاف طاعة الله تعالى ذكره.

* * * واختلف أهل التأويل في معنى " الخطوات ".

فقال بعضهم: خُطُوات الشيطان: عمله.

* ذكر من قال ذلك: 2438- حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " خطوات الشيطان "، يقول: عمله.

* * * وقال بعضهم: " خطوات الشيطان "، خَطاياه.

* ذكر من قال ذلك: 2439- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " خُطُوات الشيطان " قال، خطيئته.

2440- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: خَطاياه.

2441- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولا تتَّبعوا خُطُوات الشيطان " قال، خطاياه.

2442- حدثني يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك قوله: " خطوات الشيطان " قال، خطايا الشيطان التي يأمرُ بها.

* * * وقال آخرون: " خطوات الشيطان "، طاعته.

* ذكر من قال ذلك: 2443- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال: حدثنا أسباط, عن السدي: " ولا تتبعوا خطوات الشيطان "، يقول: طاعته.

* * * وقال آخرون: " خطوات الشيطان "، النذورُ في المعاصي.

* ذكر من قال ذلك: 2444- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن سليمان, عن أبي مجلز في قوله: " ولا تتّبعوا خُطوات الشيطان " قال، هي النذور في المعاصي.

* * * قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه في تأويل قوله: " خطوات الشيطان "، قريبٌ معنى بعضها من بعض.

لأن كل قائلٍ منهم قولا في ذلك، فإنه أشار إلى نَهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله.

غيرَ أن حقيقة تأويل الكلمة هو ما بينت، من أنها " بعد ما بين قَدميه "، ثم تستعمل في جميع آثاره وطُرقه، على ما قد بينت.

------------- الهوامش : (62) الطلق (بكسر فسكون) .

الحلال .

يقال : هو لك طلق ، أي حلال .

وفي الحديث : "الخيل طلق" ، أي أن الرهان عليها حلال .

(63) هكذا في المطبوعة ، وأخشى أن يكون الصواب فيما كتب الطبري"طلقًا" كما سلف ، وكما سيأتي في عبارته .

(64) في المطبوعة : "من كلام العرب .

.

.

" ، وأثبت الواو ، وحذفها جيد أيضًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبينفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الناس الآية .

قيل : إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الأنعام ، واللفظ عام .

والطيب هنا الحلال ، فهو تأكيد لاختلاف اللفظ ، وهذا قول مالك في الطيب .

وقال الشافعي : الطيب المستلذ ، فهو تنويع ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القذر .

وسيأتي بيان هذا في " الأنعام " و " الأعراف " إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : حلالا طيبا حلالا حال ، وقيل مفعول .

وسمي الحلال حلالا لانحلال عقدة الخطر عنه .

قال سهل بن عبد الله : النجاة في ثلاثة : أكل الحلال ، وأداء الفرائض ، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم .

وقال أبو عبد الله الساجي واسمه سعيد بن يزيد : خمس خصال بها تمام العلم ، وهي : معرفة الله عز وجل ، ومعرفة الحق وإخلاص العمل لله ، والعمل على السنة ، وأكل الحلال ، فإن فقدت واحدة لم يرفع العمل .

قال سهل : ولا يصح أكل الحلال إلا بالعلم ، ولا يكون المال حلالا حتى يصفو من ست خصال : الربا والحرام والسحت - وهو اسم مجمل - والغلول والمكروه والشبهة .الثالثة : ولا تتبعوا نهي خطوات الشيطان " خطوات " جمع خطوة وخطوة بمعنى واحد .

قال الفراء : الخطوات جمع خطوة ، بالفتح .

وخطوة ( بالضم ) : ما بين القدمين .

وقال الجوهري : وجمع القلة خطوات وخطوات وخطوات ، والكثير خطا .

والخطوة [ ص: 196 ] ( بالفتح ) : المرة الواحدة ، والجمع خطوات ( بالتحريك ) وخطاء ، مثل ركوة وركاء ، قال امرؤ القيس :لها وثبات كوثب الظباء فواد خطاء وواد مطروقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير " خطوات " بفتح الخاء والطاء .

وروي عن علي بن أبي طالب وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون والأعمش " خطؤات " بضم الخاء والطاء والهمزة على الواو .

قال الأخفش : وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة ، من الخطأ لا من الخطو .

والمعنى على قراءة الجمهور : ولا تقفوا أثر الشيطان وعمله ، وما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان .

قال ابن عباس : خطوات الشيطان أعماله مجاهد : خطاياه .

السدي : طاعته .

أبو مجلز : هي النذور في المعاصي .قلت : والصحيح أن اللفظ عام في كل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي .

وتقدم القول في " الشيطان " مستوفى .الرابعة : قوله تعالى : إنه لكم عدو مبين أخبر تعالى بأن الشيطان عدو ، وخبره حق وصدق .

فالواجب على العاقل أن يأخذ حذره من هذا العدو الذي قد أبان عداوته من زمن آدم وبذل نفسه وعمره في إفساد أحوال بني آدم وقد أمر الله تعالى بالحذر منه فقال جل من قائل : ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وقال : الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء وقال : ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وقال : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون وقال : إنه عدو مضل مبين وقال : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير .

وهذا غاية في التحذير ، ومثله في القرآن كثير .

وقال عبد الله بن عمر : إن إبليس موثق في الأرض السفلى ، فإذا تحرك فإن كل شر في الأرض بين اثنين فصاعدا من تحركه .

وخرج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه : وآمركم أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعا حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز [ ص: 197 ] نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله الحديث .

وقال فيه : حديث حسن صحيح غريب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا خطاب للناس كلهم, مؤمنهم وكافرهم، فامتن عليهم بأن أمرهم أن يأكلوا من جميع ما في الأرض، من حبوب, وثمار, وفواكه, وحيوانات, حالة كونها { حَلَالًا } أي: محللا لكم تناوله، ليس بغصب ولا سرقة, ولا محصلا بمعاملة محرمة أو على وجه محرم، أو معينا على محرم.

{ طَيِّبًا } أي: ليس بخبيث, كالميتة والدم, ولحم الخنزير, والخبائث كلها، ففي هذه الآية, دليل على أنَّ الأصل في الأعيان الإباحة، أكلا وانتفاعا, وأنَّ المحرم نوعان: إما محرم لذاته, وهو الخبيث الذي هو ضد الطيب، وإما محرم لما عرض له, وهو المحرم لتعلق حق الله, أو حق عباده به, وهو ضد الحلال.

وفيه دليل على أن الأكل بقدر ما يقيم البنية واجب, يأثم تاركه لظاهر الأمر، ولما أمرهم باتباع ما أمرهم به - إذ هو عين صلاحهم - نهاهم عن اتباع { خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي: طرقه التي يأمر بها, وهي جميع المعاصي من كفر, وفسوق, وظلم، ويدخل في ذلك تحريم السوائب, والحام, ونحو ذلك، ويدخل فيه أيضا تناول المأكولات المحرمة، { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } أي: ظاهر العداوة, فلا يريد بأمركم إلا غشكم, وأن تكونوا من أصحاب السعير،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً} نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام.

فالحلال ما أحله الشرع طيباً، قيل: ما يستطاب ويستلذ، والمسلم يستطيب الحلال ويعاف الحرام، وقيل: الطيب الطاهر.

{ولا تتبعوا خطوات الشيطان} قرأ أبو جعفر وابن عامر والكسائي وحفص ويعقوب بضم الطاء والباقون بسكونها.

وخطوات الشيطان: آثاره وزلاته، وقيل: هي النذر في المعاصي.

وقال أبو عبيدة: "هي المحقرات من الذنوب"، وقال الزجاج: "طرقه".

{إنه لكم عدو مبين} بين العداوة، وقيل: مظهر العداوة، وقد أظهر عداوته بإبائه السجود لآدم وغروره إياه حتى أخرجه من الجنة.

(وأبان) يكون لازما ومتعديا.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل فيمن حرَّم السوائب ونحوها: «يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا» حال «طيبا» صفة مؤكدة أي مستلذاً «ولا تتبعوا خطوات» طرق «الشيطان» أي تزيينه «إنه لكم عدو مبين» بَيِّنُ العداوة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الناس كلوا من رزق الله الذي أباحه لكم في الأرض، وهو الطاهر غير النجس، النافع غير الضار، ولا تتبعوا طرق الشيطان في التحليل والتحريم، والبدع والمعاصي.

إنه عدو لكم ظاهر العداوة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه القرآن نداء عاما إلى البشر أمرهم فيه بأن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات ، ونهاهم عن اتباع وساوس الشيطان فقال - تعالى - :( ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً .

.

.

)( كُلُواْ ) صيغة أمر واردة في معنى الإِباحة .و ( حَلاَلاً ) ما أذن الله في تناوله من مطعومات أو مشروبات .قال الرازي : وأصله الذي هو نقيض العقد ، ومنه حل بالمكان إذا نزل ، لأنه حل شد الارتحال للنزول ، وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة ، وحل من إحرامه ، لأنه حل عقدة الإِحرام .

.

ثم قال : واعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه - في ذاته - كالميتة والدم ولحم الخنزير ، وقد يكون حراماً لوصف عارض كملك الغير إذل لم يأذن في أكله - فحرمته لتعلق حق الغير به - فالحلال هو الخالي عن هذين القيدين .( طَيِّباً ) : هو المستلذ المستطاب الذي تقبل عليه النفوس الطاهرة وتنبسط لتناوله ، وإنما تنبسط النفوس الطاهرة لتناول طعام غير قذر ولا موقع في تهلكة ، إذ القذر ينفر منه الطبع السليم ، والموقع في تهلكة يمجه العقل القويم .و ( من ) في قوله : ( مِمَّا فِي الأرض ) للتبعيض ، لأن بعض ما في الأرض كالحجارة - مثلا - لا يؤكل ، ولأنه ليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك قال : ( حَلاَلاً طَيِّباً .

.

) .وقوله : ( حَلاَلاً ) مفعول به لقوله : " كلوا " أو حال مما في الأرض ، أي : كلوه حال كونه حلالا .

أو صفة لمصدر محذوف ، أي : كلوه أكلا حلالا .وقوله : ( طَيِّباً ) صفة مقررة ومؤكداً لمعنى يستفاد من قوله : ( حَلاَلاً ) وهو طهارة المأكول وخلوه من القذارة ، وعدم إيقاعه في ضرر .قال الآلوسي : " وفائدة وصف الحلال بالطيب تعميم الحكم كما في قوله - تعالى - : ( وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض ) ليحصل الرد على من حرم بعض الحلالاةت فإن النكرة الموصوفة بصفة عامة تعم ، بخلاف غير الموصوفة " .والمعنى : يأيها الناس لقد أباح الله لكم أن تأكلوا من كل ما تحويه الأرض من المطعومات التي أحلت لكم ، والتي تستلذها النفوس الكريمة ، والقلوب الطاهرة ، فتمتعوا بهذه الطيبات في غير سرف أو غرور ، واشكروا الله - تعالى - على ما رزقكمو من نعم .ولقد أمر الله عباده في كثير من الآيات أن يتمتعوا بما أحله لهم من طيبات ومن ذلك قوله - تعالى - : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) وفي صحيح مسلم عن عياض المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته : " ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني ، يومي هذا .

يقول الله - تعالى - : كل ما نحلته - أي منحته - عبادي فهو لهم حلال ، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم ، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً .

.

"وعن ابن عباس قال : " تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم ( ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً ) فقام سعد بن أبي وقاص فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة ، فقال : يا سعد!

أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ، والذي نفس محمد بيده ، إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه أربعين يوماً ، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به " .وليس من الورع ولا الزهد المرضي عنه شرعا ترك بعض المباحاث ، فإن الله سوى في المباح بين الفعل والترك ، ومن يجعل ترك المباح من الورع ، والورع مندوب ، فكأنه يقول : إن الترك راجح على الفعل ، وهو غير ما حكم الله به .وكان الحسن البصري - وهو من أجل التابعين - يقوم عوج من يعدون من الزهد المحمود الامتناع عن تناول بعض المباحات كالأطعمة اللذيذة .يحكى عنه أنه شهد يوما وليمة ، فرأى رجلا يرفع يده عندما قدمت الحلوى فقال له الحسن : كل يا لكع فلنعمة الله عليك في الماء البارد أعظم من نعمته في هذه الحلوى .ودخل عيه مرة أحد الزهاد فقال له الحسن : أتحب الخبيص - وهو طعام لذيذ - فقال الزاهد : لا أحبه ولا أحب من يحبه!!

فأقبل الحبسن على جلسائه وقال لهم : أترونه مجنونا .والخلاصة : أنه لا ورع في ترك المباح الذي أحله الله من حيث فيه متعة للنفس ، فذلك هو التنطع في الدين ، وإنما الورع في ترك الإِكثار من تناول تلك المباحات ، لأن الإِكثار منها قد يؤدي إلى الوقوع فيما نهى الله عنه .هذا ، وقد أورد بعض المفسرين آثاراً تدل على أن هذه الآية نزلت في قوم معينين .قال الآلوسي : نزلت في المشركين الذين حرموا على أنفسهم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وقيل نزلت في قوم من ثقيف وبني عامر ابن صعصعة وخزاعة وبين مدلج حيث حرموا التمر والاقط على أنفسهم .والذي نراه أن الخطاب في الآية لجميع المكلفين من البشر ، وأنها واردة لتفنيد آراء الذين يحرمون على أنفسهم مطعومات لم يقم دليل من الشارع على تحريمها ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .ثم قال - تعالى - ( وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان ) .الخطوات : جمع خطوة كغرفة وقيل جمع خطوة كقبضة ، وهي في الأصل سما بين القدمين عند المشي ، وتستعمل على وجه المجاز في الآثار .أي : كلوا أيها الناس من الطيبات التي أحلها الله لكم .

ولا تتبعوا آثار الشيطان وزلاته ووساوسه وطرقه التي يحرم بها الحلال ويحلل الحرام والتي يقذفها في صدور بعض الناس فتجعلهم يتنقلون من الطاعات إلى المعاصي .وفي الجملة الكريمة استعارة تمثيلية ، إذ أن السائر في طريق إذا رأى آثار خطوات السائرين تتبع ذلك المسلك ظناً منه بأن ما سار فيه السائر قبله إلا لأنه موصل للمطلوب ، فشبه المقتدي الذي لا دليل معه سوى المقتدي به وهو يظن مسلكه موصلا ، بالذي يتبع خطوات السائرين ، وشاعت هذه الاستعارة حتى صاروا يقولون هو يتبع خطا فلان بمعنى يقتدي به .وقوله : ( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) تعليل للنهي عن اتباع الشيطان و " مبين " من أبان بمعنى بان وظهر ، وقيل : من أبان بمعنى أظهر ، أي : مظهر للعداوة .والمعنى : " ولا تتبعوا خطواته لأن عداوته ظاهرة لكم بحيث لا تخفى على أي عاقل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب وأتبعه بذكر الشرك ومن يتخذ من دون الله أنداداً، ويتبع رؤساء الكفر أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين وإحسانه إليهم وأن معصية من عصاه وكفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال: ﴿ يا أيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب، الوصائل والبحائر وهم قوم من ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج.

المسأل الثانية: الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد ومنه: حل بالمكان إذا نزل به، لأنه حل شد الارتحال للنزول وحل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة، وحل من إحرامه، لأنه حل عقدة الإحرام، وحلت عليه العقوبة، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب والحلة الإزار والرداء، لأنه يحل عن الطي للبس، ومن هذا تحلة اليمين، لأنه عقدة اليمين تنحل به، واعلم أن الحرام قد يكون حراماً لخبثه كالميتة والدم والخمر، وقد يكون حراماً لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ حلالاً طيبا ﴾ إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض وإن شئت نصبته على أنه مفعول.

المسألة الرابعة: الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر والحلال يوصف بأنه طيب، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب  ﴾ والطيب في الأصل هو ما يستلذ به ويستطاب ووصف به الطاهر والحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه والحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه وفي المراد بالطيب في الآية وجهان الأول: أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيباً إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراماً وإن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة والثاني: المرادمنه المباح وقوله يلزم التكرار قلنا: لا نسلم فإن قوله: ﴿ حلالا ﴾ المراد منه ما يكون جنسه حلالاً وقوله: ﴿ طَيّباً ﴾ المراد منه لا يكون متعلقاً به حق الغير فإن أكل الحرام وإن اسطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة ولا يكون مستطاباً، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عامر والكسائي، وهي إحدى الروايتين عن ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿ خطوات ﴾ بضم الخاء والطاء والباقون بسكون الطاء، أما من ضم العين فلأن الواحدة خطوة فإذا جمعت حركت العين للجمع، كما فعل بالإسماء التي على هذا الوزن نحو غرفة وغرفات، وتحريك العين للجمع كما فعل في نحو هذا الجمع للفصل بين الإسم والصفة، وذلك أن ما كان اسماً جمعته بتحريك العين نحو تمرة وتمرات وغرفة وغرفات وشهوة وشهوات، وما كان نعتاً جمع بسكون العين نحو ضخمة وضخمات وعبلة وعبلات، والخطوة من الأسماء لا من الصفات فيجمع بتحريك العين، وأما من خفف العين فبقاه على الأصل وطلب الخفة.

المسألة الثانية: قال ابن السكيت فيما رواه عنه الجبائي الخطوة والخطوة بمعنى واحد وحكى عن الفراء: خطوت خطوة والخطوة ما بين القدمين كما يقال: حثوت حثوة، والحثوة اسم لما تحثيت، وكذلك غرفت غرفة والغرفة اسم لما اغترفت، وإذا كان كذلك فالخطوة المكان المتخطى كما أن الغرفة هي الشيء المغترف بالكف فيكون المعنى: لا تتبعوا سبيله ولا تسلكوا طريقه لأن الخطوة اسم مكان، وهذا قول الزجاج وابن قتيبة فانهما قالا: خطوات الشيطان طرفه وإن جعلت الخطوة بمعنى الخطوة كما ذكره الجبائي فالتقدير: لا تأتموا به ولا تقفوا أثره والمعنيان مقاربان وإن اختلف التقديران هذا ما يتعلق باللغة، وأما المعنى فليس مراد الله هاهنا ما يتعلق باللغة بل كأنه قيل لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان وزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه كما زجره عن تخطيه إلى الحرام لأن الشيطان إنما يلقي إلى المرء ما يجري مجرى الشبهة فيزين بذلك ما لا يحل له فزجر الله تعالى عن ذلك، ثم بين العلة في هذا التحذير، وهو كونه عدواً مبيناً أي متظاهر بالعداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى: ﴿ وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله  ﴾ وثلاثة منها في قوله تعالى: ﴿ قَالَ فَبِمَآ أَغْوَيْتَنِى لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَٰطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ  ثُمَّ لَءَاتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَٰكِرِينَ  ﴾ فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك.

وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة أولها: السوء، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب.

وثانيها: الفحشاء وهي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي.

وثالثها: ﴿ أَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن أمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي نجدها من أنفسنا، وقد اختلفت الناس في هذه الخواطر من وجوه: أحدها: اختلفوا في ماهياتها فقال بعضهم إنها حروف وأصوات خفية، وقال الفلاسفة: إنها تصورات الحروف والأصوات وتخيلاتها على مثال الصور المنطبعة في المرايا، فإن تلك الصور تشبه تلك الأشياء من بعض الوجوه، وإن لم تكن مشابهة لها في كل الوجوه.

ولقائل أن يقول: صور هذه الحروف وتخيلاتها هل تشبه هذه الحروف في كونها حروفاً أولاً تشبهها؟

فإن كان الأول فصور الحروف حروف، فعاد القول إلى أن هذه الخواطر أصوات وحروف خفية، وإن كان الثاني لم تكن تصورات هذه الحروف حروفاً، لكني أجد من نفسي هذه الحروف والأصوات مترتبة منتظمة على حسب انتظامها في الخارج، والعربي لا يتكلم في قلبه إلا بالعربية، وكذا العجمي، وتصورات هذه الحروف وتعاقبها وتواليها لا يكون إلا على مطابقة تعاقبها وتواليها في الخارج، فثبت أنها في أنفسها حروف وأصوات خفية.

وثانيها: أن فاعل هذه الخواطر من هو؟

أما على أصلنا وهو أن خالف الحوادث بأسرها هو الله تعالى، فالأمر ظاهر وأما على أصل المعتزلة فهم لا يقولون بذلك، وأيضاً فلأن المتكلم عندهم من فعل الكلام فلو كان فاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وفيها ما يكون كذباً وسخفاً، لزم كون الله موصوفاً بذلك تعالى الله عنه، ولا يمكن أن يقال: إن فاعلها هو العبد، لأن العبد قد يكره حصول تلك الخواطر، ويحتال في دفعها عن نفسه مع أنها ألبتة لا تندفع، بل ينجر البعض إلى البعض على سبيل الاتصال، فإذن لابد هاهنا من شيء آخر، وهو إما الملك وإما الشيطان، فلعلهما يتكلمان بهذا الكلام في أقصى الدماغ، وفي أقصى القلب، حتى إن الإنسان وإن كان في غاية الصمم، فإنه يسمع هذه الحروف والأصوات ثم إن قلنا بأن الشيطان والملك ذوات قائمة بأنفسها، غير متحيزة ألبتة، لم يبعد كونها قادرة على مثل هذه الأفعال، وإن قلنا بأنها أجسام لطيفة لم يبعد أيضاً أن يقال: إنها وإن كانت لا تتولج بواطن البشر إلا أنهم يقدرون على إيصال هذا الكلام إلى بواطن البشر، ولا بعد أيضاً أن يقال إنها لغاية لطافتها تقدر على النفوذ في مضايق باطن البشر ومخارق جسمه وتوصل الكلام إلى أقصى قلبه ودماغه، ثم إنها مع لطافتها تكون مستحكمة التركيب، بحيث يكون اتصال بعض أجزائه بالبعض اتصالاً لا ينفصل، فلا جرم لا يقتضي نفوذها في هذه المضايق والمخارق انفصالها وتفرق أجزائها وكل هذه الاحتمالات مما لا دليل على فسادها والأمر في معرفة حقائقها عند الله تعالى، ومما يدل على إثبات إلهام الملائكة بالخير قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ الذين ءَامَنُواْ  ﴾ أي ألهموهم الثبات وشجعوهم على أعدائهم، ويدل عليه من الأخبار قوله عليه الصلاة والسلام إن للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة وفي الحديث أيضاً إذا ولد المولود لبني آدم قرن إبليس به شيطاناً وقرن الله به ملكاً، فالشيطان جاثم على أذن قلبه الأيسر، والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن فهما يدعوانه ومن صوفية والفلاسفة من فسر الملك الداعي إلى الخير بالقوة العقلية، وفسر الشيطان الداعي إلى الشر بالقوة والشهوانية والغضبية.

المسألة الثاني: دلت الآية على أن الشيطان لا يأمر إلا بالقبائح لأنه تعالى ذكره بكلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ وهي للحصر، وقال بعض العارفين: إن الشيطان قد يدعو إلى الخير لكن لغرض أن يجره منه إلى الشر وذلك يدل على أنواع: إما أن يجره من الأفضل إلى الفاضل ليتمكن من أن يخرجه من الفاضل إلى الشر، وإما أن يجره من الفاضل الأسهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ يتناول جميع المذاهب الفاسدة بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلمه فصار مستحقاً للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية.

المسألة الرابعة: تمسك نفاة القياس بقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ والجواب عنه: أنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب كان العمل بالقياس قولا على الله بما يعلم لا بما لا يعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ حَلاَلاً ﴾ مفعول كلوا، أو حال مما في الأرض ﴿ طَيِّبَاتِ ﴾ طاهراً من كل شبهة ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان ﴾ فتدخلوا في حرام، أو شبهة، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، و(من) للتبعيض؛ لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول.

وقرئ: ﴿ خطوات ﴾ بضمتين، و ﴿ خطوات ﴾ بضمة وسكون، و ﴿ خطؤات ﴾ بضمتين وهمزة جعلت الضمة على الطاء كأنها على الواو، و ﴿ خطوات ﴾ بفتحتين و ﴿ خطوات ﴾ بفتحة وسكون.

والخطوة: المرة من الخطو.

والخطوة: ما بين قدمي الخاطي.

وهما كالغرفة والغرفة، والقبضة والقبضة.

يقال: اتبع خطواته، ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مُّبِينٌ ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم ﴾ بيان لوجوب الإنهاء عن اتباعه وظهور عداوته.

أي لا يأمركم بخير قط إنما يأمركم ﴿ بالسوء ﴾ بالقبيح ﴿ والفحشاء ﴾ وما يتجاوز الحدّ في القبح من العظائم، وقيل: السوء ما لا حدّ فيه.

والفحشاء: ما يجب الحدّ فيه ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ وهو قولكم: هذا حلال وهذا حرام، بغير علم.

ويدخل فيه كل ما يضاف إلى الله تعالى مما لا يجوز عليه.

فإن قلت: كيف كان الشيطان آمراً مع قوله: ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان ﴾ [الحجر: 42] قلت: شبه تزيينه وبعثه على الشر بأمر الآمر، كما تقول: أمرتني نفسي بكذا.

وتحته رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم له وقبولكم وساوسه؛ ولذلك قال: ﴿ وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءاذَانَ الأنعام وَلاَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله ﴾ [النساء: 119] وقال الله تعالى: ﴿ إِنَّ النفس لأَمّارَةٌ بالسوء ﴾ [يوسف: 53] لما كان الإنسان يطيعها فيعطيها ما اشتهت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا ﴾ نَزَلَتْ في قَوْمٍ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ رَفِيعَ الأطْعِمَةِ والمَلابِسِ، وحَلالًا مَفْعُولُ كُلُوا، أوْ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِمّا في الأرْضِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ إذْ لا يُؤْكَلُ كُلُّ ما في الأرْضِ طَيِّبًا يَسْتَطِيبُهُ الشَّرْعُ، أوِ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ.

إذِ الحَلالُ دَلَّ عَلى الأوَّلِ.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ لا تَقْتَدُوا بِهِ في اتِّباعِ الهَوى فَتُحَرِّمُوا الحَلالَ وتُحَلِّلُوا الحَرامَ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والبِزِّيُّ وأبُو بَكْرٍ حَيْثُ وقَعَ بِتَسْكِينِ الطّاءِ وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي.

وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ جُعِلَتْ ضَمَّةُ الطّاءِ كَأنَّها عَلَيْها، وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ خُطْوَةٍ وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ وإنْ كانَ يُظْهِرُ المُوالاةَ لِمَن يُغْوِيهِ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ ولِيًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الناس كُلُواْ} أمر إباحة {مِمَّا فِى الأرض} من للتبعيض لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول {حلالا} مفعول كلوا أو حال مما في الأرض {طَيِّباً} طاهراً من كل شبهة {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان} طرقه التي يدعوكم إليها بسكون الطاء أبو عمرو غير عباس ونافع وحمزة وأبو بكر والخطوة في الأصل ما بين قدمي الخاطي يقال اتبع خطواته إذا افتدى به واسن بسنته {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} ظاهر العداوة لاخفاء به

البقرة (١٦٩ _ ١٧٢)

وأبان متعدٍ ولازم ولا يناقض هذه الآية قوله تعالى {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} أى الشيطان لأنه عدوا للناس

حقيقة ووليهم ظاهراً فإنه يريهم في الظاهر الموالاة ويزين لهم أعمالهم ويريد بذلك هلاكهم في الباطن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا ﴾ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ البَحِيرَةَ والسّائِبَةَ والوَصِيلَةَ والحامَ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما- وقِيلَ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ؛ حَيْثُ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لَحْمَ الإبِلِ لَمّا كانَ حَرامًا في دِينِ اليَهُودِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن ثَقِيفٍ، وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وخُزاعَةَ، وبَنِي مُدْلِجٍ؛ حَيْثُ حَرَّمُوا التَّمْرَ والأقِطَ عَلى أنْفُسِهِمْ، و(حَلالًا) إمّا مَفْعُولُ (كَلُّوا) أوْ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا.

ومِن عَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ لِـ ( كُلُوا ) وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِـ (كلوا) أوْ حالًا مِن (حَلّالًا) وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِتَنْكِيرِهِ، وأنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً، بَلْ هي مُتَعَيِّنَةٌ كَما في الكَشْفِ عَلى مَذْهَبِ مَن جَعَلَ الأصْلَ في الأشْياءِ الإباحَةَ، وأنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً بِناءً عَلى ما ارْتَضاهُ الرِّضِيُّ مِن أنَّ التَّبْعِيضِيَّةَ في الأصْلِ ابْتِدائِيَّةٌ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ هُناكَ شَيْءٌ ظاهِرٌ أوْ مُقَدَّرٌ هو بَعْضُ المَجْرُورِ بِـ ( مِن ) ولا يَلْزَمُ صِحَّةُ إقامَةِ لَفْظِ البَعْضِ مَقامَها، والعَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ مَنَعَ كَوْنَها تَبْعِيضِيَّةً عَلى هَذا التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّها في مَوْقِعِ المَفْعُولِ بِهِ حِينَئِذٍ، والفِعْلُ لا يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ وهو مَبْنِيٌّ، عَلى ما في التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ، أنَّ التَّبْعِيضَ مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لِـ ( مِن ) وعَلامَتُهُ صِحَّةُ إقامَةِ لَفْظِ البَعْضِ مَقامَها، والأمْرُ لِلْوُجُوبِ فِيما إذا كانَ الأكْلُ لِقِوامِ البِنْيَةِ ولِلنَّدْبِ، كَما إذا كانَ لِمُؤانَسَةِ الضَّيْفِ ولِلْإباحَةِ فِيما عَدا ذَلِكَ، ( ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها ): أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا بَيَّنَ التَّوْحِيدَ ودَلائِلَهُ وما لِلتّائِبِينَ والعاصِينَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إنْعامِهِ وشُمُولِ رَحْمَتِهِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الكُفْرَ لا يُؤَثِّرُ في قَطْعِ الإنْعامِ، وقَوْلُهُ تَعالى: (طَيِّبًا) صِفَةٌ (حَلالًا) ومَعْناهُ كَما قالَ الإمامُ مالِكٌ ما يَجِدُهُ فَمُ الشَّرْعِ لَذِيذًا لا يَعافُهُ ولا يَكْرَهُهُ، أوْ تَراهُ عَيْنُهُ طاهِرًا عَنْ دَنَسٍ الشُّبْهَةِ، وفائِدَةُ وصْفِ الحَلالِ بِهِ تَعْمِيمُ الحُكْمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ﴾ لِيَحْصُلَ الرَّدُّ عَلى مَن حَرَّمَ بَعْضَ الحَلالاتِ، فَإنَّ النَّكِرَةَ المَوْصُوفَةَ بِصِفَةٍ عامَّةٍ تَعُمُّ بِخِلافِ غَيْرِ المَوْصُوفَةِ، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: المُرادُ بِهِ ما تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ النّاشِئَةُ مِنَ المِزاجِ الصَّحِيحِ، ورُدَّ بِأنَّ ما لا تَسْتَطِيبُهُ إمّا حَلالٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ فَلا مَنعَ، وإلّا خَرَجَ بِقَيْدِ الحَلالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ المُرادَ بِالحَلالِ ما نَصَّ الشّارِعُ عَلى حِلِّهِ وبِهَذا ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ ولَكِنَّهُ مِمّا يَسْتَلِذُّ ويَشْتَهِيهِ الطَّبْعُ المُسْتَقى ولَمْ يَكُنْ في الشَّرْعِ ما يَدُلُّ عَلى حُرْمَتِهِ كَإسْكارٍ وضَرَرٍ، والأوْلى نَظَرًا لِلْمَقامِ أنْ يُقالَ: إنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ لِلِاحْتِرازِ عَمّا تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ الفاسِدَةُ، بَلْ لِكَوْنِهِ مُعْتَبَرًا في مَفْهُومِهِ؛ إذْ لا يُقالُ الطَّيِّبُ واللَّذِيذُ إلّا عَلى ما تَسْتَلِذُّهُ الشَّهْوَةُ المُسْتَقِيمَةُ، وتَكُونُ فائِدَةُ التَّوْصِيفِ حِينَئِذٍ التَّنْصِيصُ عَلى إباحَةِ ما حَرَّمُوهُ، والقَوْلُ بِأنَّ في الآيَةِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ إشارَةً إلى النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ عَلى امْتِلاءِ المَعِدَةِ والشَّهْوَةِ الكاذِبَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَسْتَطِيبُ؛ لِأنَّ الطَّعامَ اللَّذِيذَ المَأْكُولَ كَذَلِكَ مِمّا تَسْتَطِيبُهُ الشَّهْوَةُ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ مَأْكُولًا بِالشَّهْوَةِ المُسْتَقِيمَةِ، وبَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بُعْدٌ بَعِيدٌ، كَما قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ مَن حَرَّمَ طَعامًا مَثَلًا فَهو لاغٍ ولا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ، وفِيهِ خَفاءٌ لا يَخْفى ﴿ ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ أيْ: آثارَهُ - كَما حُكِيَ عَنِ الخَلِيلِ - أوْ أعْمالَهُ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أوْ خَطاياهُ - كَما نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ - وحاصِلُ المَعْنى: لا تَعْتَقِدُوا بِهِ وتَسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَتُحَرِّمُوا الحَلالَ وتُحَلِّلُوا الحَرامَ، وعَنِ الصّادِقِ: ”مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ الحَلِفُ بِالطَّلاقِ والنُّذُورُ في المَعاصِي، وكُلُّ يَمِينٍ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى -“ وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بِتَسْكِينِ الطّاءِ، وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ ( خُطْوَةٍ ) وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الماشِي، وقَرَأ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ، وفي تَوْجِيهِها وجْهانِ؛ الأوَّلُ: ما قِيلَ: إنَّ الهَمْزَةَ أصْلِيَّةٌ مِنَ ( الخَطَأِ ) بِمَعْنى ( الخَطِيئَةِ )، والثّانِي: إنَّ الواوَ قُلِبَتْ هَمْزَةً؛ لِأنَّ الواوَ المَضْمُومَةَ تُقْلَبُ لَها، نَحْوَ ( أُجُوهٍ )، وهَذِهِ لَمّا جاوَرَتِ الضَّمَّةَ جُعِلَتْ كَأنَّها عَلَيْها، قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، وعَنْ أبِي السِّمالِ، أنَّهُ قَرَأ بِفَتْحَتَيْنِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ ( خُطْوَةٍ ) وهي المَرَّةُ مِنَ الخَطْوِ.

﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ 168﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، و(مُبِين) مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ وظَهَرَ؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ، وإنْ كانَ يُظْهِرُ الوَلايَةَ لِمَن يُغْوِيهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ولِيًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ تَحِيَّتِهِمُ السَّيْفُ، وقِيلَ: ( أبانَ ) بِمَعْنى أظْهَرَ؛ أيْ: مُظْهِرُ العَداوَةَ، والأوَّلُ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّعْلِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً، وذلك أن قوماً من العرب مثل بني عامر وبني مدلج وخزاعة وغيرهم، حرموا على أنفسهم أشياء مما أحل الله من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة وغير ذلك، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً من الحرث والأنعام، وحلالاً نصب على الحال.

وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، يعني طاعات الشيطان.

وقال مقاتل: يعني تزيين الشيطان.

ويقال: وساوس الشيطان.

وقال القتبي: الخطوات جمع الخطوة.

وقال الزجاج: خطواته أي طرقه، ومعناه: لا تسلكوا الطريق الذي يدعوكم إليه الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، أي ظاهر العداوة.

إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ، يعني بالإثم والقبيح من العمل.

ويقال: السوء الذي يجب به الحبس والحساب، والفحشاء: التي يستوجب بها العقوبة في النار.

ويقال: السوء الذي يجب به التعزير في الدنيا، والفحشاء التي يجب بها الحد.

وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني أن الشيطان يأمركم بأن تكذبوا على الله، لأنهم كانوا يقولون هذه الأشياء حرم الله علينا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أن يكون من رؤية البَصَر، ويحتمل رؤية القلب، أي: يريهم اللَّه أعمالهم الفاسدة الَّتي ارتكبوها.

وقال ابنُ مَسْعود: أعمالهم الصالحة التي تركوها «١» ، والحَسْرَة: أعلى درجات النَّدامة، والهَمِّ بما فات، وهي مشتقَّة من الشيء الحَسِيرِ الذي انقطع، وذهبت قوَّته، وقيل:

من حَسَر، إِذا كشف.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً ...

الآية: الخطابُ عامٌّ، و «ما» بمعنى «الَّذِي» ، «وحَلاَلاً» : حال من الضمير العائد على «مَا» ، و «طَيِّباً» :

نعتٌ، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في «كُلُواْ» ، تقديره: مستطيبِينَ، والطَّيِّبُ عند مالك: الحلال فهو هنا تأكيدٌ لاختلاف اللفظِ، وهو عند الشافعيِّ: المستَلَذُّ، ولذلك يمنع أكل الحيوان القَذِرِ.

قال الفَخْر «٢» : الحلالُ هو المباحُ الذي انحلَّتْ عقدة الحَظْر عنه، وأصله من الحَلِّ الذي هو نقيضُ العَقْد.

انتهى.

وخُطُواتِ: جمع خطوةٍ، والمعنى: النهْيُ عن اتباع الشيطان، وسلوكِ سبله، وطرائقه.

قال ابن عَبَّاس: خطواته: أَعماله «٣» ، وقال غيره: آثاره «٤» .

ع «٥» : وكلُّ ما عدا السنَنَ والشرائعَ من البِدَعِ والمعاصِي، فهي خطوات الشيطان.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ﴾ نَزَلْتُ في ثَقِيفٍ، وخُزاعَةَ، وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فِيما حَرَّمُوا عَلى أُنْفِسِهِمْ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ، وحَرَّمُوا البَحِيرَةَ، والسّائِبَةَ، والِحامِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (خُطُواتِ) مُثَقَّلَةً.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ (خُطْواتٍ) ساكِنَةَ الطّاءِ خَفِيفَةً.

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو الجَوْزاءِ (خَطْواتٍ) بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الطّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ.

وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ مَعَ الهَمْزِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: خُطُواتُهُ: سَبِيلُهُ ومَسْلَكُهُ، وهي جَمْعُ خُطْوَةٍ، والخُطْوَةُ بِضَمِّ الخاءِ: ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ، وبِفَتْحِها: الفِعْلَةُ الواحِدَةُ.

واتِّباعُهم خُطُواتِهِ: أنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ أشْياءَ قَدْ أحَلَّها اللَّهُ، ويُحِلُّونَ أشْياءَ قَدْ حَرَّمَها اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ أيْ: بَيِّنٌ.

وقِيلَ: أبانَ عَداوَتَهُ بِما جَرى لَهُ مَعَ آَدَمَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُوءِ والفَحْشاءِ وأنْ تَقُولُوا عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ ﴾ ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ ﴾ الخِطابُ عامٌّ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي، و"حَلالًا" حالٌ مِنَ الضَمِيرِ العائِدِ عَلى "ما".

وقالَ مَكِّيُّ: نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: شَيْئًا حَلالًا، وهَذا يَبْعُدُ، وكَذَلِكَ مَقْصِدُ الكَلامِ لا يُعْطِي أنْ يَكُونَ "حَلالًا" مَفْعُولًا بِـ "كُلُوا".

وتَأمَّلَ.

و"طَيِّبًا" نَعْتٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "طَيِّبًا" حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "كُلُوا" تَقْدِيرُهُ: مُسْتَطِيبِينَ.

والطَيِّبُ عِنْدَ مالِكٍ: الحَلالُ فَهو هُنا تَأْكِيدٌ لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، وهو عِنْدَ الشافِعِيِّ المُسْتَلَذُّ، ولِذَلِكَ يَمْنَعُ أكْلَ الحَيَوانِ القَذِرِ وكُلَّ ما هو خَبِيثٌ.

و"خُطُواتِ" جَمْعُ خُطْوَةٍ، وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ، فالمَعْنى: النَهْيُ عَنِ اتِّباعِ الشَيْطانِ وسُلُوكِ سُبُلِهِ وطَرائِقِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُطُواتُهُ: أعْمالُهُ، قالَ غَيْرُهُ: آثارُهُ قالَ مُجاهِدٌ: خَطاياهُ، قالَ أبُو مِجْلَزٍ: هي النُذُورُ والمَعاصِي، قالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ فِيما سَنُّوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِهِ، قالَ النَقّاشُ: نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: "خُطُواتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وابْنِ كَثِيرٍ بِخِلافٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الطاءِ، فَإمّا أرادُوا ضَمَّ الخاءِ والطاءِ وخَفَّفُوها إذْ هو البابُ في جَمْعِ فِعْلَةٍ كَغُرْفَةِ وغُرُفاتِ، وإمّا أنَّهم تَرَكُوها في الجَمْعِ عَلى سُكُونِها في المُفْرَدِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "خَطَواتٍ" بِفَتْحِ الخاءِ والطاءِ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقَتادَةَ، والأعْمَشِ، وسَلامٍ: "خُطُؤاتٍ" بِضَمِّ الخاءِ والطاءِ وهَمْزَةٍ عَلى الواوِ، وذَهَبَ بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطَأةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.

وكُلُّ ما عَدا السُنَنَ والشَرائِعَ مِنَ البِدَعِ والمَعاصِي فَهي خُطُواتُ الشَيْطانِ.

و"عَدُوَ" يَقَعُ لِلْمُفْرَدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما يَأْمُرُكُمْ ﴾ الآيَةُ، "إنَّما تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ، وقَدْ تَجِيءُ غَيْرَ حاصِرَةٍ بَلْ لِلْمُبالَغَةِ، كَقَوْلِكَ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ.

كَأنَّكَ تُحاوِلُ الحَصْرَ أو تُوهِمُهُ، فَإنَّما يُعْرَفُ مَعْنى "إنَّما" بِقَرِينَةِ الكَلامِ الَّذِي هي فِيهِ، فَهي في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ.

وأمَرَ الشَيْطانُ إمّا بِقَوْلِهِ في زَمَنِ الكَهَنَةِ وحَيْثُ يَتَصَوَّرُ، وإمّا بِوَسْوَسَتِهِ، فَإذا أُطِيعَ نَفَّذَ أمْرَهُ.

و"السُوءِ": مَصْدَرٌ مِن ساءَ يَسُوءُ، وهي المَعاصِي وما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ، و"الفَحْشاءِ" قالَ السُدِّيُّ: هي الزِنا، وقِيلَ: كُلُّ ما بَلَغَ حَدًّا مِنَ الحُدُودِ، لِأنَّهُ يَتَفاحَشُ حِينَئِذٍ، وقِيلَ: ما تَفاحَشَ ذِكْرُهُ، وأصْلُ الفُحْشِ قُبْحُ المَنظَرِ كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: وجِيدٍ كَجِيدِ الرِئْمِ لَيْسَ بِفاحِشٍ إذا هي نَصَّتْهُ ولا بِمُعَطَّلِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ اللَفْظَةُ فِيما يُسْتَقْبَحُ مِنَ المَعانِي.

والشَرْعُ هو الَّذِي يُحَسِّنُ ويُقَبِّحُ، فَكُلُّ ما نَهَتْ عنهُ الشَرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.

و ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: يُرِيدُ بِهِ ما حَرَّمُوا مِنَ البَحِيرَةِ والسائِبَةِ ونَحْوِها وجَعَلُوهُ شَرْعًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا قِيلَ لَهُمُ ﴾ ، يَعْنِي كُفّارَ العَرَبِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: الضَمِيرُ في "لَهُمُ" عائِدٌ عَلى "الناسِ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها الناسُ كُلُوا ﴾ ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى "مِنَ" في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللهِ أنْدادًا  ﴾ .

و"اتَّبِعُوا" مَعْناهُ بِالعَمَلِ والقَبُولِ.

و ﴿ ما أنْزَلَ اللهُ ﴾ هو القُرْآنُ والشَرْعُ، و"ألْفَيْنا" مَعْناهُ وجَدْنا، قالَ الشاعِرُ: فَألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ∗∗∗ ولا ذاكِرَ اللهِ إلّا قَلِيلًا والألِفُ في قَوْلِهِ: "أوَلَوْ" لِلِاسْتِفْهامِ، والواوُ لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، لِأنَّ غايَةَ الفَسادِ في الِالتِزامِ أنْ يَقُولُوا: نَتَّبِعُ آباءَنا ولَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ، فَقَرَّرُوا عَلى التِزامِهِمْ هَذا، إذْ هَذِهِ حالُ آبائِهِمْ.

وقُوَّةُ ألْفاظِ هَذِهِ الآيَةِ تُعْطِي إبْطالَ التَقْلِيدِ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى إبْطالِهِ في العَقائِدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الآيَةُ، المُرادُ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ وداعِيهِمْ، والكافِرِينَ المَوْعُوظِينَ، بِالراعِي الَّذِي يَنْعَقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا تَسْمَعُ إلّا دُعاءَهُ ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، وسِيبَوَيْهِ، فَذَكَرَ بَعْضَ هَذِهِ الجُمْلَةِ وبَعْضَ هَذِهِ، ودَلَّ المَذْكُورُ عَلى المَحْذُوفِ، وهَذِهِ نِهايَةُ الإيجازِ.

والنَعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِياحُ بِها، قالَ الأخْطَلُ: انْعَقْ بِضَأْنِكَ يا جَرِيرُ فَإنَّما ∗∗∗ مَنَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالًا وقالَ قَوْمٌ: إنَّما وقَعَ هَذا التَشْبِيهُ بِراعِي الضَأْنِ لِأنَّها مِن أبْلَدِ الحَيَوانِ، فَهي تَحْمُقُ راعِيها، وفي المَثَلِ: "أحْمَقُ مِن راعِي ضَأْنٍ ثَمانِينَ" وقَدْ قالَ دُرَيْدُ لِمالِكِ بْنِ عَوْفٍ في يَوْمِ هَوازِنَ: "راعِي ضَأْنٍ واللهِ"، وقالَ الشاعِرُ: أصْبَحْتُ هَزْءًا لِراعِي الضَأْنِ يَهْزَأُ بِي ∗∗∗ ماذا يُرِيبُكَ مِنِّي راعِيَ الضَأْنِ؟

فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ يَمُرُّ الدُعاءُ عَلى آذانِهِمْ صَفْحًا يَسْمَعُونَهُ ولا يَفْقَهُونَهُ، إذْ لا يَنْتَفِعُونَ بِفِقْهِهِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى في الآيَةِ: ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في اتِّباعِهِمْ آلِهَتَهم وعِبادَتَهم إيّاها، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِما لا يَسْمَعُ مِنهُ شَيْئًا، إلّا دَوِيًّا غَيْرَ مُفِيدٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ الصَدى الَّذِي يَسْتَجِيبُ مِنَ الجِبالِ.

ووَجْهُ الطَبَرِيُّ في الآيَةِ مَعْنًى آخَرُ وهو أنَّ المُرادَ: ومَثَلُ الكافِرِينَ في عِبادَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعَقُ بِشَيْءٍ بَعِيدٍ مِنهُ، فَهو لا يَسْمَعُ مِن أجْلِ البُعْدِ، فَلَيْسَ لِلنّاعِقِ مِن ذَلِكَ إلّا النِداءُ الَّذِي يُتْعِبُهُ ويَنْصِبُهُ، فَإنَّما شَبَّهَ في هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ الكَفّارَ بِالناعِقِ، والأصْنامَ بِالمَنعُوقِ بِهِ، وشُبِّهُوا في الصَمَمِ والبُكْمِ والعَمى بِمَن لا حاسَّةَ لَهُ، لِما لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَواسِّهِمْ، ولا صَرَفُوها في إدْراكِ ما يَنْبَغِي، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................

∗∗∗ أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعٌ ولَمّا تَقَرَّرَ فَقْدُهم لِهَذِهِ الحَواسِّ قَضى بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ، إذِ العَقْلُ -كَما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ- عُلُومٌ ضَرُورِيَّةٌ تُعْطِيها هَذِهِ الحَواسَّ، إذْ لا بُدَّ في كَسْبِها مِنَ الحَواسِّ.

وتَأمَّلْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي هو كالخاتمة لتشويه أحوال أهل الشرك من أصول دينهم وفروعه التي ابتدأ الكلام فيها من قوله تعالى: ﴿ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ﴾ [البقرة: 161] الآية، إذْ ذَكر كفرهم إجمالاً ثم أبطله بقوله: ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ [البقرة: 163] واستدل على إبطاله بقوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض ﴾ [البقرة: 164] الآيات ثم وصف كفرهم بقوله: ﴿ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله ﴾ [البقرة: 165]، ووصف حالهم وحسرتهم يوم القيامة، فوصف هنا بعض مساوئ دين أهل الشرك فيما حرموا على أنفسهم مما أخرج الله لهم من الأرض، وناسب ذكره هنا أنه وقع بعد ما تضمنه الاستدلال على وحدانية الله والامتنان عليهم بنعمته بقوله: ﴿ إن في خلق السموات والأرض إلى قوله: وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابةٍ ﴾ [البقرة: 164] الآية، وهو تمهيد وتلخيص لما يعقبه من ذكر شرائع الإسلام في الأطعمة وغيرها التي ستأتي من قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ [البقرة: 172].

فالخطاب بيأيها الناس موجه إلى المشركين كما هو شأن خطاب القرآن بيأيها الناس.

والأمر في قوله: ﴿ كلوا مما في الأرض ﴾ مستعمل في التوبيخ على ترك ذلك وليس للوجوب ولا للإِباحة، إذ ليس الكفار بأهل للخطاب بفروع الشريعة فقوله: ﴿ كلوا ﴾ تمهيد لقوله بعده ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ .

وقوله: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ تعريض بتحميقهم فيما أعنتوا به أنفسهم فحرَموها من نعم طيبة افتراء على الله، وفيه إيماء إلى علة إباحته في الإِسلام وتعليم للمسلمين بأوصاف الأفعال التي هي مناط الحِل والتحريم.

والمقصود إبطال ما اختلقوه من منع أكل البَحِيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، وما حكي الله عنهم في سورة الأنعام من قوله: ﴿ وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم ﴾ [الأنعام: 138] الآيات.

قيل نزلت في ثقيف وبني عامر بن صعصعة وخزاعة وبني مدلج حرَّموا على أنفسهم من الأنعام أي مما ذكر في سورة الأنعام.

ومِن في قوله: ﴿ مما في الأرض ﴾ للتبعيض، فالتبعيض راجع إلى كون المأكول بعضاً من كل نوع وليس راجعاً إلى كون المأكول أنواعاً دون أنواع، لأنه يفوت غرض الآية، فما في الأرض عام خصصه الوصف بقوله: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ فخرجت المحرمات الثابت تحريمها بالكتاب أو السنة.

وقوله: ﴿ حلالاً طيباً ﴾ حالان من (ما) الموصولة، أولهما لبيان الحكم الشرعي والثاني لبيان علته لأن الطيب من شأنه أن تقصده النفوس للانتفاع به فإذا ثبت الطيب ثبتت الحلِّية لأن الله رفيق بعباده لم يمنعهم مما فيه نفعهم الخالص أو الراجح.

والمراد بالطيب هنا ما تستطيبه النفوس بالإدراك المستقيم السليم من الشذوذ وهي النفوس التي تشتهي الملائم الكامل أو الراجح بحيث لا يعود تناوله بضر جثماني أو روحاني وسيأتي معنى الطيب لغة عند قوله تعالى: ﴿ قل أحل لكم الطيبات ﴾ [المائدة: 4] في سورة المائدة.

وفي هذا الوصف معنى عظيم من الإيماء إلى قاعدة الحلال والحرام فلذلك قال علماؤنا: إن حكم الأشياء التي لم ينص الشرع فيها بشيء أن أصل المضار منها التحريم وأصل المنافع الحل، وهذا بالنظر إلى ذات الشيء بقطع النظر عن عوارضه كتعلق حق الغير به الموجب تحريمه، إذ التحريم حينئذٍ حكم للعارض لا للمعروض.

وقد فسر الطيب هنا بما يبيحه الطشرع وهو بعيد لأنه يفضي إلى التكرار، ولأنه يقتضي استعمال لفظ في معنى غير متعارف عندهم.

وقوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ الضمير للناس لا محالة وهم المشركون المتلبسون بالمنهي عنه دوماً، وأما المؤمنون فحظهم منه التحذير والموعظة.

واتباع الخطوات تمثيلية، أصلها أن السائر إذا رأى آثار خطوات السائرين تبع ذلك المسلك علماً منه بأنه ما سار فيه السائر قبله إلاّ لأنه موصل للمطلوب، فشبه المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدي به وهو يظن مسلكه موصلاً، بالذي يتبع خطوات السائرين وشاعت هاته التمثيلية حتى صاروا يقولون هو يتبع خُطا فلان بمعنى يقتدي به ويمتثل له.

والخطوات بضم فسكون جمع خطوة مثل الغرفة والقبضة بضم أولهما بمعنى المخطو والمغروف والمقبوض، فهي بمعنى مخطوة اسم لمسافة ما بين القدمين عند مشي الماشي فهو يخطوها، وأما الخَطوة بفتح الخاء فهي المرة من مصدر الخطو وتطلق على المخطو من إطلاق المصدر على المفعول.

وقرأ الجمهور (خطوات) بضم فسكون على أصل جمع السلامة، وقرأه ابن عامر وقنبل عن ابن كثير وحفصٌ عن عاصم بضم الخاء والطاء على الإتباع، والإتباع يساوي السكون في الخفة على اللسان.

والاقتداء بالشيطان إرسال النفس على العمل بما يوسوسه لها من الخواطر الشرية، فإن الشياطين موجودات مدركة لها اتصال بالنفوس البشرية لعله كاتصال الجاذبية بالأفلاك والمغناطيس بالحديد، فإذا حصل التوجه من أحدهما إلى الآخر بأسباب غير معلومة حدثت في النفس خواطر سيئة، فإن أرسل المكلف نفسه لاتباعها ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة حققها في فاعله، وإن كبحها وصدها عن ذلك غلبها.

ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة والقدرة وكمَّل لنا ذلك بالهدى الديني عوناً وعصمة عن تلبيتها لئلا تضلنا الخواطر الشيطانية حتى نرى حسناً ما ليس بالحسن، ولهذا جاء في الحديث «من هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة» لأنه لما هم بها فذلك حين تسلطت عليه القوة الشيطانية ولما عدل عنها فذلك حين غلب الإرادة الخيرية عليها، ومثل هذا يقال في الخواطر الخيرية وهي الناشئة عن التوجهات الملكية، فإذا تنازع الداعيان في نفوسنا احتجنا في التغلب إلى الاستعانة بعقولنا وآرائنا وقدرتنا، وهُدى الله تعالى إيانا وذلك هو المعبر عنه عند الأشعري بالكسب، وعنه يترتب الثواب والعقاب.

واللام في ﴿ الشيطان ﴾ للجنس، ويجوز أن تكون للعهد، ويكون المراد إبليسَ وهو أصل الشياطين وآمرهم فكل ما ينشأ من وسوسة الشياطين فهو راجع إليه لأنه الذي خطا الخطوات الأولى.

وقوله: ﴿ إنه لكم عدوٌ مبين ﴾ ، (إنَّ) لمجرد الاهتمام بالخبر لأن العداوة بين الشيطان والناس معلومة متقررة عند المؤمنين والمشركين وقد كانوا في الحج يرمون الجمار ويعتقدون أنهم يرجمون الشيطان، أو تجعل (إن) للتأكيد بتنزيل غير المتردد في الحكم منزلة المتردد أو المنكِر لأنهم لاتباعهم الإشارات الشيطانية بمنزلة من ينكر عداوته كما قال عبدة: إن الذين تُرونهم إخوانَكم *** يشفى غليل صدورهم أن تُصرعوا وأياً ما كان فإن تفيد معنى التعليل والربط في مثل هذا وتغني غناء الفاء وهو شأنها بعد الأمر والنهي على ما في «دلائل الإعجاز» ومثله قول بشار: بكِّرا صَاحِبَيَّ قبلَ الهجير *** إنَّ ذاك النجاحَ في التبكير وقد تقدم ذلك.

وإنما كان عدواً لأن عنصر خلقته مخالف لعنصر خلقة الإنسان فاتصاله بالإنسان يؤثر خلاف ما يلائمه، وقد كثر في القرآن تمثيل الشيطان في صورة العدو المتربص بنا الدوائر لإثارة داعية مخالفته في نفوسنا كي لا نغتر حين نجد الخواطر الشريرة في أنفسنا فنظنها ما نشأت فينا إلاّ وهي نافعة لنا لأنها تولدت من نفوسنا، ولأجل هذا أيضاً صورت لنا النفس في صورة العدو في مثل هاته الأحوال.

ومعنى المبين الظاهر العداوة من أبان الذي هو بمعنى بان وليس من أبان الذي همزته للتعدية بمعنى أظهر لأن الشيطان لا يُظهر لنا العداوة بل يلبس لنا وسوسته في لباس النصيحة أو جلب الملائم، ولذلك سماه الله وليّاً فقال: ﴿ ومن يتخذ الشيطان ولياً من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً ﴾ [النساء: 119]، إلاّ أن الله فضحه فلم يبق مسلم تروج عليه تلبيساته حتى في حال اتِّباعه لخطواته فهو يعلم أنها وساوسه المضرة إلاّ أنه تغلبه شهوته وضعف عزيمته ورقة ديانته.

وقوله: ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ استئناف بياني لقوله: ﴿ إنه لكم عدو مبين ﴾ فيئول إلى كونه علة للعلة إذ يسأل السامع عن ثبوت العداوة مع عدم سبق المعرفة ومع بُعد ما بيننا وبينه فقيل ﴿ إنما يأمركم ﴾ أي لأنه لا يأمركم إلاّ بالسوء الخ أي يحسِّن لكم ما فيه مضرتكم لأن عداوته أمر خفي عرفناه من آثار أفعاله.

والأمر في الآية مجاز عن الوسوسة والتزيين إذ لا يسمع أحد صيغ أمرٍ من الشيطان.

ولك أن تجعل جملة: ﴿ إنما يأمركم ﴾ تمثيلية بتشبيه حاله وحالهم في التسويل والوسوسة وفي تلقيهم ما يوسوس لهم بحال الآمِر والمأمور ويكون لفظ يأمر مستعملاً في حقيقته مفيداً مع ذلك الرمزَ إلى أنهم لا إرادة لهم ولا يملكون أمر أنفسهم وفي هذا زيادة تشنيع لحالهم وإثارة للعداوة بين الشيطان وبينهم.

والسوء الضُّرّ من ساءه سَوْءاً، فالمصدر بفتح السين وأما السُّوء بضم السين فاسم للمصدر.

والفحشاء اسم مشتق من فحُش إذا تجاوز الحد المعروف في فعله أو قوله واختص في كلام العرب بما تجاوز حد الآداب وعظُم إنكاره، لأن وساوس النفس تئول إلى مضرة كشرب الخمر والقتل المفضي للثأر أو إلى سَوْأَة وعار كالزنا والكذب، فالعطف هنا عطف لمتغايرين بالمفهوم والذات لا محالة بشهادة اللغة وإن كانا متحدين في الحكم الشرعي لدخول كليهما تحت وصف الحرام أو الكبيرة وأما تصادقهما معاً في بعض الذنوب كالسرقة فلا التفات إليه كسائر الكليات المتصادقة.

وقوله: ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ يشير إلى ما اختلقه المشركون وأهلُ الضلال من رسوم العبادات ونسبة أشياء لدين الله ما أَمَر الله بها.

وخصه بالعطف مع أنه بعض السوء والفحشاء لاشتماله على أكبر الكبائر وهو الشرك والافتراء على الله.

ومفعولُ ﴿ تعلمون ﴾ محذوف وهو ضمير عائد إلى (ما) وهو رابط الصلة، ومعنى ﴿ ما لا تعلمون ﴾ لا تعلمون أنه من عند الله بقرينة قوله: ﴿ على الله ﴾ أي لا تعلمون أنه يرضيه ويأمر به، وطريق معرفة رضا الله وأمرِه هو الرجوع إلى الوحي وإلى ما يتفرع عنه من القياس وأدلة الشريعة المستقرَاةِ من أدلتها، ولذلك قال الأصوليون: يجوز للمجتهد أن يقول فيما أداه إليه اجتهاده بطريق القياس: إنه دينُ الله ولا يجوز أن يقول قاله الله، لأن المجتهد قد حصلت له مقدمة قطعية مستقرَاةٌ من الشريعة انعقد الإِجماع عليها وهي وجوب عمله بما أداه إليه اجتهاده بأن يعمل به في الفتوى والقضاء وخاصةِ نفسه فهو إذا أفتى به وأخبر فقد قال على الله ما يعلم أنه يُرضي الله تعالى بحسب ما كُلف به من الظن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفَ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ والزَّرْعِ، فَأباحَ لَهُمُ اللَّهُ تَعالى أكْلَهُ وجَعَلَهُ لَهم حَلالًا طَيِّبًا.

﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ﴾ وهي جَمْعُ خُطْوَةٍ، واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ بِها عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ خُطُواتِ الشَّيْطانِ أعْمالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها خَطاياهُ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّها طاعَتُهُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والرّابِعُ: أنَّها النُّذُورُ في المَعاصِي.

﴿ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ.

﴿ إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: السُّوءُ في هَذا المَوْضِعِ مَعاصِي اللَّهِ، سُمِّيَتْ سُوءًا لِأنَّها تَسُوءُ صاحِبَها بِسُوءِ عَواقِبِها.

وَفي الفَحْشاءِ هَهُنا ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: الزِّنى.

والثّانِي: المَعاصِي.

والثّالِثُ: كُلُّ ما فِيهِ الحَدُّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفُحْشِ فِعْلِهِ وقُبْحِ مَسْمُوعِهِ.

﴿ وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِكم ما لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ عَلَيْكم.

والثّانِي: أنْ تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «تليت هذه الآية عند النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة.

فقال: يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه فما يتقبل منه أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من السحت والربا فالنار أولى به» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ قال: عمله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ قال: خطاه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ نزعات الشيطان.

وأخرج أبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ خطوات الشيطان ﴾ قال: تزيين الشيطان.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة قال: كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من خطوات الشيطان، وكفارته كفارة يمين.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود.

أنه أتى بضرع وملح فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم.

فقال: لا أريد.

فقال: أصائم أنت؟

قال: لا.

قال: فما شأنك؟

قال: حرمت أن آكل ضرعاً أبداً.

فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فاطعم وكفر عن يمينك.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز في قوله: ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ قال: النذور في المعاصي.

وأخرج عبد بن حميد عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي قال: جاء رجل إلى الحسن فسأله وأنا عنده فقال له: حلفت إنْ لم أفعل كذا وكذا أن أحج حبواً.

فقال: هذا من خطوات الشيطان، فحج واركب وكفر عن يمينك.

وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن غياث قال: سألت جابر بن زيد عن رجل نذر أن يجعل في أنفه حلقة من ذهب فقال: هي من خطوات الشيطان، ولا يزال عاصياً لله فليكفر عن يمينه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إنما سمي الشيطان لأنه يشيطن.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ إنما يأمركم بالسوء ﴾ قال: المعصية ﴿ والفحشاء ﴾ قال: الزنا ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ قال: هو ما كانوا يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي، ويزعمون أن الله حرم ذلك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ قال ابن عباس، في رواية أبي صالح: نزلت في الذين حَرَّموا على أنفسهم السوائب والوصائل والبحائر (١) (٢) وقوله تعالى: ﴿ حَلَالًا ﴾ إن شئت نصبته على الحال: ﴿ مِمَّا فِي الْأَرْضِ ﴾ ، وإن شئت نصبته على أنه مفعول: ﴿ مِمَّا فِي الْأَرْضِ ﴾ .

قال الفراء: يقال: قد حَلَّ الشيء فهو يَحِلُّ حَلالًا وحلًا، وحَلَّ من إحرامه يَحِلُّ حلالًا، وأصله: من الحَلِّ الذي هو نقيض العَقْد، ومعنى الحلال: المباح الذي انحلت عُقْدة الحظر عنه.

ومنه: حلَّ بالمكان، إذا نزل به؛ لأنه حلّ شدّ الارتحال للنزول.

وحَلّ الدَّين: إذا وجب؛ لانحلال العُقْدة بانقضاءِ المدة، وحَلَّ من إحرامه؛ لأنه حل عقدة الإحرام.

وحلت عليه العقوبة، أي: وجبت، لانحلال العقدة المانعة من العذاب، والحُلّة: الإزار والرداء؛ لأنها تحل عن الطي للبس، ومن هذا: تَحِلَّةُ اليمين؛ لأن عقدة اليمين تنحلّ به (٣) والطيب في اللغة يكون بمعنى: الطاهر، والحلال يوصف بأنه طيب؛ لأن الحرام يوصف بأنه خبيث، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ  ﴾ .

والأصل في الطيب: هو ما يُسْتَلَذُّ ويستطاب، وَوُصفَ به الطاهر والحلال على جهة التشبيه؛ لأن النجسَ تكرهُهُ النفس فلا يُسْتَلَذّ، والحرام غير مستلَذّ؛ لأن الشرع يزجر عنه (٤) قال ابن عباس: يريد: قد غَنَّمْتُكم مال أعدائكم (٥) وقال أهل المعاني: أراد كل ما يغتذى به من المطاعم، ولهذا جمع بين الوصفين لاختلاف الفائدتين، إذ وصْفُه بأنه حلال يفيد أنه طِلْقٌ، ووصفه بأنه طيب أنه يغتذى به، وهو مُستلَذّ في العاجل والآجل.

فعلى هذا: التراب والخشب طاهر، ولا يحل أكلهما؛ لأنهما ليسا من الطيّب الذي يغتذى به (٦) وقال الزجاج: الأجود أن يكون المعنى: من حيث يطيب لكم، أي: لا تأكلوا مما يحرم (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ قال ابن السِّكِّيت فيما رواه عن اللحياني: الخُطوة والخَطْوة بمعنى، وحكى عن الفراء: خَطَوْتُ خَطْوَةً، والخَطْوَة ما بين القدمين.

وقالوا: خطوتُ خُطوةً، كما قالوا: حَسَوتُ حَسْوَةً، والحُسْوة: اسم ما تحسيت، وكذلك غَرفتُ غَرْفةً، والغُرفة: اسم ما اغترفت (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) وقال الوالبي عن ابن عباس: خُطوات الشيطان: عمله (١٣) وقال الكلبي (١٤) (١٥) (١٦) وفي الخطوات قراءتان: ضَمُّ العين وإسكانها (١٧) (١٨) (١٩) وأما من أسكن العين، فإنهم نووا الضمة، وأسكنوا الكلمة عنها؛ لثقل الضمة، وحذفوها من اللفظ وهم يقدرون ثباتها، ولا يجوز أن يكون جمع فعلة، فتركوها في الجمع على ما كان عليه في الواحد؛ لأن ذلك إنما يجئ في ضرورة الشعر، دون حال السعة والاختيار، كما قال ذو الرُّمَّة: ورَفْضاتُ الهوى في المفاصل (٢٠) وإذا كان كذلك، علمتَ أنهم أسكنوا تخفيفًا وهم يريدون الضمة، لأنّ تحريكَ العين فصلٌ بين الاسم والصفة كما ذكرنا، فلا بد من أن يكون التحريك الذي يختصّ بالأسماء دون الصفات منويًّا هاهنا (٢١) ووجه آخر لمن سكن: وهو أنه أجرى الواو في خُطْوَة مجرى الياء في نحو: مُدْيَة وكُلية وزُبية، فإنها تجمع بإسكان العين، فيقولون: مُدْيات وكُلْيات.

وذلك أنهم لو جمعوا بتحريك العين؛ للزم انقلاب الياء واوا لانضمام ما قبلها، فلما لزم الإسكان في الياء جَعَل من أسكن خطوات الواو بمنزلة الياء، كما جعل الياء بمنزلة الواو (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ قال المفسرون: قد أبان عداوته لكم بإبائه السجود لآدم، وهو الذي أخرجه من الجنة (٢٥) (٢٦) ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ ﴾ الكلام في إنما نذكره في قوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ  ﴾ .

(١) روى البخاري (4623) كتاب: التفسير، باب: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبةٍ، عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة: التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: التي كانوا يسيبونها لآلهتهم فلا يحمل عليها شيء، والوصيلة: الناقة البكر في أول نتاج الإبل بانثى، ثم تثني بعد بانثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بأخرى ليس بينهما ذكر.

(٢) ينظر: "العجاب" 1/ 417، وفي "البحر المحيط" 1/ 478: قال الحسن: نزلت في كل من حرم على نفسه شيئًا لم يحرمه الله عليه، وروى الكلبي ومقاتل وغيرهما: أنها نزلت في ثقيف وخزاعة وبني الحارث بن كعب، قاله النقاش.

وقيل: في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، قيل: وبني مدلج فإن صح هذا كان السبب خاصًّا واللفظ عامًّا، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

انتهى.

وينظر: "زاد المسير" 1/ 172.

(٣) ينظر في الحلال "تفسير الطبري" 2/ 76، "تهذيب اللغة" 1/ 902 - 904 (حل)، "المفردات" ص 135، "تاج العروس" 14/ 158 - 168.

(٤) ينظر في الطيب: "تفسير الطبري" 2/ 76، "تهذيب اللغة" 3/ 2147 - 2148 (طاب)، "المفردات" 314 - 315، "تفسير البغوي" 1/ 180، "تاج العروس" 2/ 188 - 192، "البحر المحيط" 1/ 479.

(٥) هذا من رواية عطاء، وتقدم الحديث عنها.

(٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 241، "البحر المحيط" 1/ 479.

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 241.

(٨) نقل الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1052 (خطا): وقال الفراء: العرب تجمع فُعلة من الأسماء على فُعُلات، مثل: حجرة وحجرات، فرقًا بين الاسم والنعت، النعت يخفف، مثل حلوة وحُلْوات، فلذلك صار التثقيل الاختيار، وربما خفف الاسم، وربما فتح ثانيه فقيل: حُجَرات ولنظر في معاني الخطوة "تفسير الطبري" 2/ 76، "المفردات" ص 158، "اللسان" 2/ 1205 (خطا).

(٩) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 64.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 241.

(١١) ما تقدم في معنى الخطوة من قوله.

وقالوا: خطوت خطوة، من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 267.

(١٢) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1328، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 479.

(١٣) أخرجه عنه الطبري 2/ 76، وذكره الثعلبي 1/ 1327.

(١٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1327.

(١٥) أخرجه عنه الطبري 2/ 77، وذكره الثعلبي 1/ 1327.

(١٦) ذكر الطبري 2/ 77: أن هذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض؛ لأن كل قائل منهم قولًا في ذلك فإنه أشار إلى نهي اتباع الشيطان في آثاره وأعماله.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 479: وهذه أقوال متقاربة.

(١٧) قرأ: نافع وأبو عمرو وشعبة وحمزة بإسكان الطاء، والباقون: بضمها.

ينظر: "السبعة" ص 174، "النشر" 2/ 216، "البدور الزاهرة" ص 54.

(١٨) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 267.

(١٩) "الحجة" 2/ 268.

(٢٠) تمام البيت: أبتْ ذِكَرٌ عَوَّدن أحشاءَ قلبه ...

خفوقًّا ورَفْضاتُ الهوى في المفاصلِ لذي الرمة يتغزل بخرقاء، ويصف الإبل، في: "ديوانه" ص 417.

(٢١) من "الحجة" 2/ 268 بتصرف.

(٢٢) من قوله: (الياء كما ..) ساقط من (ش).

(٢٣) ضبطت في (ش): (اتسَّروا).

(٢٤) من "الحجة" 2/ 269 بتصرف.

(٢٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1328، والقرطبي 2/ 192 - 193.

(٢٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 1328، وينظر: "اللسان" 1/ 406 بين، "المفردات" ص 45 - 46، "زاد المسير" 1/ 172.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ كُلُواْ ﴾ أمر محمول على الإباحة ﴿ حلالا ﴾ حال مما في الأرض، أو مفعول بكلوا أو صفة لمفعول محذوف أي: شيئاً حلالاً ﴿ طَيِّباً ﴾ يحتمل أن يريد الحلال ﴿ خطوات الشيطان ﴾ ما يأمر به، وأصله من خطوت الشيء.

وقال المنذر بن سعيد: يحتمل أن يكون من الخطيئة ثم سهلت همزته، وقرئ بضم الطاء وإسكانها وهي لغتان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خطوات ﴾ ساكنة الطاء حيث كان: أبو عمرو وغير عباس ونافع وحمزة وخلف الهاشمي وأبو ربيعة عن البزي والقواس والحماد وأبو بكر غير البرجمي.

الباقون: بالضم.

﴿ بل نتبع ﴾ .

وبابه مثل ﴿ هل ننبئكم  ﴾ و ﴿ بل نقذف  ﴾ مدغماً حيث كان: علي وهشام.

الوقوف: ﴿ طيباً ﴾ ز والوصل أجوز لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ الشيطان ﴾ ط ﴿ مبين ﴾ ه ﴿ ما لا تعلمون ﴾ ه ﴿ آباءنا ﴾ ط لابتداء الاستفهام ﴿ ولا يهتدون ﴾ ه ﴿ ونداء ﴾ ط لحق المحذوف أي هم صم ﴿ لا يعقلون ﴾ ه.

التفسير: قال الكلبي: نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام وحرموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.

والآية مسوقة لتقرير طرف من جهالات المشركين المتخذين من دون الله أنداداً.

وحلالاً مفعول كلوا أو حال مما في الأرض وهو المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه من الحل الذي يقابل العقد.

ومنه حل بالمكان إذا نزل، وحل عقد الرحال، وحل الدين وجب لانحلال العقدة بانقضاء المدة، والحلة لأنها تحل عن الطي للبس.

وتحلة القسم لأن عقدة اليمين تنحل به.

ثم الحرام قد يكون حراماً في جنسه كالميتة والدم، وقد يكون حراماً لعرض كملك الغير إذا لم يأذن في أكله، فالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب إن أريد به ما يقرب من الحلال لأن الحرام يوصف بالخبيث ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب  ﴾ فالوصف لتأكيد المدح مثل ﴿ نفخة واحدة  ﴾ أي الطاهر من كل شبهة.

ويمكن أن يراد بالطيب اللذيذ، أو يراد بالحلال ما يكون بجنسه حلالاً وبالطيب ما لا يتعلق به حق الغير.

والخطوة بالضم ما بين قدمي الخاطي كالغرفة بالضم اسم لما يغترف والفعلة بالضم والسكون إذا كانت اسماً تجمع في الصحيح بسكون العين وضمها.

يقال: اتبع خطواته ووطئ على عقبه إذا اقتدى به واستن بسنته ﴿ مبين ﴾ ظاهر العداوة لا خفاء به ﴿ قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين  ﴾ ﴿ لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم  ﴾ ﴿ إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ﴾ السوء متناول جميع المعاصي من أفعال الجوارح وأفعال القلوب، والفحشاء هي التي جاوزت الحد في القبح فلهذا قد تحقق الأول بما لم يجب فيه الحد والثاني بما يجب فيه الحد ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ وهذا أقبح الكل لأن وصف الله  بما لا ينبغي من أعظم الكبائر فهذه الآية كالتفسير لقوله ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان ﴾ والصغائر والكبائر والكفر والجهل كلها من مأمورات الشيطان، بل لا يأمر الشيطان إلا بهذه الأمور بدليل "إنما" وهي للحصر وقد يدعو الشيطان إلى الخير ظاهراً وغرضه أن يجرّه إلى الشر آخراً مثل أن يجرّه من الأفضل إلى الفاضل فيتمكن بعد ذلك أن يجرّه إلى الشر.

ومثل أن يجره من الفاضل السهل إلى الأفضل الأشق ليصير ازدياد المشقة سبباً لتنفره عن الطاعة.

ويدخل في قوله ﴿ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ﴾ جميع المذاهب الباطلة والعقائد الفاسدة وقول الرجل هذا حلال وهذا حرام بغير علم بل يتناول مقلد الحق لأنه وإن كان مقلداً للحق لكنه قال ما لا يعلم فصار مستحقاً للذم من جهة أنه قادر على تحصيل العلم بالحق، ثم إنه قنع بالظن والتخمين.

ومعنى أمر الشيطان وسوسته وقد سلف في شرح الاستعاذة، وفي التعبير عن وسوسته بالأمر رمز إلى أنكم منه بمنزلة المأمورين لطاعتكم أو قبولكم وساوسه.

وإذا كان الآمر المطاع مرجوماً مذموماً فكيف حال المأمور المطيع؟

وفي هذا معتبر للبصراء ومزدجر للعقلاء أعاذنا الله بحوله وأيده من مكر الشيطان وكيده.

﴿ وإذا قيل لهم ﴾ أي للمتخذين من دون الله أنداداً أو للناس.

والالتفات إلى الغيبة للنداء على ضلالتهم كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون: وعن ابن عباس: نزلت في اليهود حين دعاهم رسول الله  إلى الإسلام فقالوا: نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا، فإنهم كانوا خيراً منا وأعلم.

وقد يعود الضمير إلى المعلوم كما يعود إلى المذكور، وعلى هذا فالآية مستأنفة.

وإنما خص هذا الموضع بقوله ﴿ ألفينا ﴾ لأن "ألفيت" يتعدى إلى مفعولين ألبتة فكان نصاً في ذلك فورد في الموضع الأول على الأصل.

واقتصر في المائدة ولقمان على لفظ "وجدنا" المشترك بين المتعدي إلى واحد والمتعدي إلى اثنين اكتفاء بما ورد في الأول مع تغيير العبارة عارضوا ما أنزل الله من الدلائل الباهرة بالتقليد فما أغفلهم وأنفسهم فلا جرم أجاب الله  بقوله ﴿ أو لو كان ﴾ الواو للعطف لا للحال على ما وقع في الكشاف، والهمزة للرد والتعجب وفعل الاستفهام، محذوف وكذا جواب الشرط، أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً من الدين ولا يهتدون للثواب، أيتبعونهم أيضاً؟

وتقرير الجواب أن يقال للمقلد: أعرفت أن المقلد محق أم لا.

فإن لم تعرف فكيف قلدته مع احتمال كونه مبطلاً، وإن عرفت فإما بتقليد آخر ويستلزم التسلسل، أو بالعقل فذلك كافٍ في معرفة الحق والتقليد ضائع.

وأيضاً علم المقلد إن حصل بالتقليد تسلسل، وإن حصل بالدليل فإنما يتبعه المقلد إذا علم ذلك الدليل أيضاً وإلا كان مخالفاً فظهر......

فقال وضلال ﴿ ومثل الذين كفروا ﴾ فيه للعلماء طريقان: أحدهما تصحيح المعنى بإضمار إما في المشبه أي مثل من يدعو الحق كمثل الذي ينعق يقال: نعق الراعي بالضأن إذا صاح بها.

وأما نغق الغراب فبالغين المعجمة شبه الداعي إلى الحق براعي الغنم والكفرة بالغنم ووجه التشبيه أن البهيمة تسمع الصوت ولا تعلم المراد، وهؤلاء الكفار يسمعون صوت الرسول وألفاظه وما كانوا ينتفعون بها فكأنهم لا يفهمون معانيها.

وإما بإضمار في المشبه به أي مثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق الطريق.

الثاني: التصحيح بغير إضمار أي مثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع، لكن قوله ﴿ لا دعاء ونداء ﴾ لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئاً.

أو مثلهم في دعائهم آلهتهم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل فإنه لا يسمع إلا صدى صوته.

فإذا قال: يا زيد.

يسمع من الصدى يا زيد، فكذلك هؤلاء الكفار إذا دعوا الأوثان لا يسمعون إلا ما تلفظوا به من الدعاء والنداء.

أو مثلهم في قلة عقلهم حيث عبدوا الأوثان كمثل الراعي إذا تكلم مع البهائم.

فكما أن الكلام مع البهائم دليل سخافة العقل فكذلك عبادتهم لها أي ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل الذي يتكلم مع البهائم، فكما أن ذلك عبث ضائع فكذا تقليدهم واتباعهم ﴿ صم ﴾ عن استماع الحق والانتفاع به ﴿ بكم ﴾ عن إجابة الداعي إلى سبيل الخير ﴿ عمي ﴾ عن النظر في الدلائل ﴿ فهم لا يعقلون ﴾ العقل المسموع ولا المطبوع وذلك أن طريق الاكتساب الاستعانة بالحواس ولهذا قيل: من فقد حساً فقد علماً.

فلما فقدوا فائدة الحواس فكأنهم عدموها خلقة، قال شابور بن أردشير: العقل نوعان: مطبوع ومسموع.

فلا يصلح واحد منهما إلا بصاحبه فإن أحدهما بمنزلة العين والآخر بمثابة الشمس ولا يكمل الإبصار إلا بتعاونهما.

وقال النبي  "إن لكل شيء دعامة ودعامة عمل المرء عقله" فبقدر عقله تكون عبادته لربه.

أما سمعتم قول الله عز وجلّ حكاية عن الفجار؟

﴿ لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير  ﴾ وقال: "ما اكتسب المرء مثل عقل يهدي صاحبه إلى هدى ويرده عن ردى" التأويل: الذين كفروا لم يسمعوا إذ خاطبهم الحق بقوله ﴿ ألست بربكم  ﴾ إلا دعاء ونداء لأنهم كانوا في الصف الأخير من الأرواح المجندة في أربعة صفوف: الأول للأنبياء، والثاني للأولياء، والثالث للمؤمنين، والرابع للكافرين فما شاهدوا شيئاً من أنوار الحق ولكنهم قالوا بالتقليد بلى فبقوا على التقليد ﴿ بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إنهم كانوا يحرمون التناول من أشياء والانتفاع من نحو البحائر، والسوائب، والوصائل، والحوامي، فيقولون: حرم الانتفاع؛ فأنزل الله  فقال: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ وانتفعوا بها؛ فإن الله لم يحرمها عليكم، كقوله: ﴿ مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ  ﴾ .

وقيل: خلق في الأرض ما هو حلال وما هو حرام؛ فأباح التناول من الحلال ونهى عن الحرام.

وقيل: إن قوماً يحرمون التناول من الرفيع من الطعام والرفيع من الملبوس، ويتناولون من الدرن والرثة، فنهوا عن ذلك.

ولا يحتمل أن يراد بالطيبات الحلال منها، ولكن ما تطيب النفس من التناول؛ لأن النفس لا تتلذذ بالتناول من كل حلال، ولكن إنما تطيب بما هو لها ألذ وأوفق.

والله أعلم.

وعلى ذلك قوله: ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيۤ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ...

﴾ الآيات [الأعراف: 32-33].

فيكون كأنه الذي في الأرض حلالاً وحراماً، ثم فما حل طيب دون ما حرم.

فأمر بأكل ما طاب من ذلك إذا قدر عليه؛ لأنه على قدر طيبه يعظم محله في القلب، وعلى ذلك يرغب نفسه بالشكر لمن أنعم به عليه، والتعظيم لمن أكرمه بالذي طابت له به النفس.

والله أعلم.

واختلف في قوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ .

قيل: آثار الشيطان.

وقيل: وساوس الشيطان.

وقيل: سبل الشيطان؛ كقوله: ﴿ وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ  ﴾ .

فهو يرجع إلى واحد.

وقوله: ﴿ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ ، وذكر في موضع آخر، وسماه وليّاً بقوله: ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّاغُوتُ  ﴾ .

فالوجه فيه أنه يريهم في الظاهر الموالاة ولكنه يريد في الباطن إهلاكهم، فإذا كان كذلك فهو في الحقيقة عدو.

وجائز أن يكون ﴿ أَوْلِيَآؤُهُمُ  ﴾ أي هو أولى بهم إذ عملوا ما عملوا بأمره، أو أولياؤهم بما وافقوهم في الفعل، وشاركوهم في الأمر، وكانوا في الحقيقة لهم أعداء، إذ ذلك هلاكهم.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً  ﴾ ؛ لأنه يوسوس ويدعو فإن أطاعه - وإلا ليس له عليه سلطان سوى ذلك - فهو ضعيف؛ لأن من لا ينفذ على رعيته سوى قوله فهو ضعيف، يوصف بالضعف - والله أعلم - ويكون ضعيفا على من يتأمل مكائده ويتحفظ أحواله.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِٱلسُّوۤءِ وَٱلْفَحْشَآءِ ﴾ .

قيل: يحتمل: أن يكون السوء هو الفحشاء، والفحشاء هو السوء.

لما أن كل واحد منهما يشتمل على كل نوع من الآثام.

ويحتمل: أن يكون السوء ما خفي من المعاصي، والفحشاء ما ظهر منها.

وقيل: السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه حد من نحو الزنى وشرب الخمر وغيره.

وقيل: الفحشاء ما فحش في العقل، والسوء ما ينتهي بالنهي عنه.

وقوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

يخرج على الأول وهو السوء والفحشاء، يأمرهم بذلك فيقولوا: الله أمرنا بها.

ويحتمل قوله: ﴿ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ما قالوا: إن الله حرم هذه الأشياء، أو القول على الله ما لا يعلمون بما لا يليق به من الولد وإشراك غيره فى عبادته.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس كلوا مما في الأرض من حيوان ونبات وأشجار، مما كان كسبه حلالًا وكان طيبًا في نفسه غير خبيث، ولا تتبعوا مسالك الشيطان التي يستدرجكم بها، إنه لكم عدو واضح العداوة، ولا يجوز لعاقل أن يتبع عدوه الَّذي يحرص على إيذائه وضلاله!

<div class="verse-tafsir" id="91.Z91nB"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر (الجلال) أن الآية الأولى نزلت فيمن حرم السوائب ونحوها، ولكنه لم يذكر ذلك في أسباب النزول، وقد كان هذا في طوائف من العرب كمدلج وبني صعصعة.

ولو صح أن الآية نزلت في ذلك لما كان مقتضيًا فصل الآية مما قبلها وجعلها كلامًا مستأنفًا، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، على أن الظاهر من السياق أن الكلام متصل بما قبله أتم الاتصال، فإن الآيات الأولى بينت حال متخذي الأنداد وما سيلاقون من عذاب الله تعالى، وقد قلنا في تفسيرها إن الأنداد قسمان: قسم يتخذ شارعًا يؤخذ برأيه في التحليل والتحريم من غير أن يكون بلاغًا عن الله ورسوله، بل يجعل قوله وفعله حجة بذاته لا يسأل من أين أخذه وهل هو فيه على هدى من ربه أم لا.

وقسم يعتمد عليه ويُدعى في دفع المضار وجلب المنافع من طريق السلطة الغيبية لا من الأسباب، حتى إنهم ليعتمدون على إغاثة هؤلاء الأنداد للناس بعد موتهم وخروجهم من عالم الأسباب، ثم بينت أن الناس يتبع بعضهم بعضًا في ذلك، وأن سيتبرأ الذين اتبعوا من الذين اتَّبعوا عند رؤية العذاب وتقطع الأسباب بينهم، وقلنا في تفسيرها إن الأسباب هي المنافع التي يجنيها الرؤساء من المرؤوسين والمصالح الدنيوية التي تصل بعضهم ببعض.

وفي هذه الآيات يبين تعالى أن تلك الأسباب محرمة لأنها ترجع إلى أكل الخبائث واتباع خطوات الشيطان، ونهى عنها، وبيَّن سبب جمودهم على الباطل والضلال وهو الثقة بما كان عليه الآباء من غير عقل ولا هدى، فالكلام متمم لما قبله قطعًا.

قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا  ﴾ هو غير الحرام الذي نص عليه في قوله تعالى ﴿ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ  ﴾ فما عدا هذا فكله مباح بشرط أن يكون طيبًا أي غير خبيث.

وفسر (الجلال) الطيب بالحلال على أنه تأكيد أو بالمستلذ، والأول لا محل له والتأسيس مقدم على التأكيد، والثاني لا يُظْهِر تقييد الإباحة العامة لما في الأرض به.

وعندي أن الطيب هو ما لا يتعلق به حق الغير، وهو الظاهر، لأن المراد بحصر المحرم فيما ذكر المحرم لذاته الذي لا يحل إلا للمضطر، بقي المحرم لعارض فتعين بيانه وهو ما يتعلق به حق الغير ويؤخذ بغير وجه صحيح، كما يكون في أكل الرؤساء من المرؤوسين بلا مقابل إلا أنهم رؤساؤهم المسيطرون عليهم، وكذلك أكل المرؤوسين بجاه الرؤساء، فإن كلًا منهما يمد الآخر ليستمد منه فى غير الوجوه المشروعة التي يتساوى فيها جميع الناس ويخرج بذلك الربا والرشوة والسحت والغصب والغش والسرقة فكل ذلك خبيث، وكذا ما عرض له الخبث بتغيره كالعام المنتن، وبهذا التفسير يتحرر ما أباحه الدين وتلتئم الآية مع ما قبلها.

أتبع الأمر النهي فقال: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ  ﴾ قرأ الأئمة: خُطُوات بضمتين جمع خطوة بالضم وهي ما بين القدمين، وبفتحتين جمع خَطْوة وهي المرة من خطا يخطو في مشيه، والمعنى لا تتبعوا سيرته في الإغواء، ووسوسته في الأمر بالسوء والفحشاء، وهو ما يبينه في الآية التالية.

وعلل النهي بكونه عدوًا للناس بَيِّن العداوة.

والعلم بعداوته لنا لا يتوقف على معرفة ذاته، وإنما يعرف الشيطان بهذا الأثر الذي ينسب إليه وهو وحي الشر، وخواطر الباطل والسوء في النفس فهو منشأ هذا الوحي والخواطر الرديئة، قال تعالى ﴿ شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  ﴾ ولا أبين وأظهر من عداوة داعية الشر والضلال، فعلى الإنسان أن يلتفت إلى خواطره ويضع لها ميزانًا، فإذا مالت نفسه إلى بذل المال لمصلحة عامة، أو عرض له سبب معاونة عامل على خير، أو صدقة على بائس فقير، فعارضه خاطر التوفير والاقتصاد، فليعلم أنه من وحي الشيطان، ولا ينخدع لما يسوله من إرجاء هذا العطاء لأجل وضعه في موضع أنفع، أو بذله لفقير أحوج، وإذا هم بدفاع عن حق أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر فخطر له ما يثبط عزمه أو يمسك لسانه، فليعلم أنه من وسواس الشيطان.

وأظهر وحي الشياطين ما يجري على التحريم والتحليل لأجل المنافع التي تلبس على المتجرئ عليها بالمصلحة وسياسة الناس، كأنه قال: لا تتبعوا وحي الباطل والشر وخواطرهما تلم بكم وتطوف بنفوسكم، فإنها من إغواء الشيطان عدوكم.

ثم بين ذلك بما يفيد إثبات العداوة من تعليل النهي فقال: ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ  ﴾ دون غيرهما من الحق والخير، فأما السوء فهو كل ما يسوؤك وقوعه أو عاقبته، فمن الشرور ما يقدم عليه المرء مندفعًا بتزيين الشيطان له، حتى إذا فعل الشر فاجأه السوء وعاجله الضرر، ومن الأعمال ما لا يظهر السوء في بدايته، ولكنه يتصل بنهايته، كمن يصده عن طلب العلم أن بعض المتعلمين أضاع وقته وبذل كثيرًا من ماله ثم لم يستفد من التعلم شيئًا، فهذا قياس شيطاني يصرف بعض الناس عن طلب العلم بأنفسهم، وبعض الآباء عن تعليم أولادهم، فتكون عاقبتهم السوءى ذات ناحيتين: سلبية وهي الحرمان من فوائد العلم، وإيجابية وهي مصائب الجهل، وكل منهما ديني ودنيوي.

فلا بد من البصيرة والتأمل في تمييز بعض الخواطر من بعض، فإن الشيطانية منها ربما لا تظهر بادي الرأي.

وأما الفحشاء فكل ما يفحش قبحه في أعين الناس من المعاصي والآثام، ولا يختص بنحو الزنا كما قال بعضهم، والفحشاء في الغالب أقبح وأشد من السوء وأسوأ السوء مبدأ وعاقبة ترك الأسباب الطبيعة التي قضت حكمة الباري بربط المسببات بها اعتمادًا على أشخاص من الموتى أو الأحياء يظن بل يتوهم أن لهم نصيبًا من السلطة الغيبية والتصرف في الأكوان بدون اتخاذ الأسباب، ومثله اتخاذ رؤساء في الدين يؤخذ بقولهم ويعتمد على فعلهم، من غير أن يكون بيانًا وتبليغًا لما جاء عن الله ورسوله فإن في هذين النوعين من السوء إهمالًا لنعمة العقل وكفرًا بالمنعم بها، وإعراضًا عن سنن الله تعالى وجهلًا باطرادها، وصاحبه كمن يطلب من السراب الماء، أو ينعق بما لا يسمع غير الدعاء والنداء، وهذا شأن متخذي الأنداد ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ  ﴾ وأما الرؤساء الذين يحملون العامة على هذا التقليد في الأمرين فقد بين تعالى اتباعهم لوحي الشيطان بقوله ﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه الذي دان به عباده ما لا تعلمون علم اليقين أن الله شرعه لهم من عقائد وأوراد وأعمال تعبدية، وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، وتحريم ما الأصل فيه الإباحة، ولا يثبت شيء من ذلك بالرأي والاجتهاد من قياس واستحسان، لأنهما ظن لا علم، فالقول على الله بغير علم اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهو شرك صريح، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان فإنه الأصل في إفساد العقائد، وتحريف الشرائع، واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.

أليس من القول على الله بغير علم زعم هؤلاء الرؤساء أن لله وسطاء بينه وبين خلقه لا يفعل سبحانه شيئًا بدون وساطتهم، فحولوا بذلك قلوب عباده عنه وعن سنته في خلقه ووجهوها إلى قبور لا تعد ولا تحصى، وإلى عبيد ضعفاء لا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا؟

وقد يسمون هذا توسلًا إليه أي يتقربون إليه بالشرك به، ودعاء غيره من دونه أو معه، وهو يقول ﴿ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا  ﴾ ويقول ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ  ﴾ أي دون غيره.

أليس من القول على الله بغير علم ما اختلقوه من الحيل لهدم ركن الزكاة وهو من أعظم أركان الإسلام؟

أليس من القول على الله بغير علم ما زادوه في العبادة وأحكام الحلال والحرام عما ورد في الكتاب والسنة المبينة له، والنبي  يقول عن الله تعالى: "وسكت عن أشياء رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها"؟.

كل من يزيد في الدين عقيدة أو حكمًا من غير استناد إلى كتاب الله أو كلام المعصوم فهو من الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.

ومن ذلك الزائرات للقبور وما يأتينه هناك من البدع والمنكرات باسم الدين.

وتشييع الجنائز بقراءة البردة ونحوها بالنغمة المعروفة، وبحمل المباخر الفضية والاعلام أمامها.

والاجتماع لقراءة الدلائل ونحوها من الأرواد بالصياح الخاص.

إن كل هذا جاء من استحسان ما عند الطوائف الأخر، وليس في الإسلام صيحة غير صيحة الأذان، وقد قال تعالى في الصلاة ﴿ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ ، وأما التلبية فلم يشرع فيها رفع الصوت والصياح الشديد وإنما يكون العجيج من كثرة الناس واختلاف أصواتهم، وإن لم يرفعوا عقيرتهم جهد المستطاع كما يفعل مقلدة التصوف.

وإن كثيرًا من البدع في العقائد والأحكام قد دخلت على المسلمين بتساهل رؤساء الدين وتوهمهم أنها تقوي أصل العقيدة وتخضع العامة لسلطان الدين -أو لسلطانهم المستند إلى الدين- ولقد دخلت كنيسة "بيت لحم" فسمعت هناك أصواتًا خيل إلي أنها أصوات طائفة من أهل الطريق يقرأون "حزب البر" مثلًا ثم علمت أنهم قسيسون.

فهذه البدع قد سرت إلينا منهم كما سرت إليهم من الوثنيين، استحسنا منهم ما استحسنوه من أولئك توهمًا أنه يفيد الدين أبهة وفخامة، ويزيد الناس به استمساكًا فكان أن ترك الناس مهمات الدين اكتفاء بهذه البدع، فإن أكثر الصائحين في الأضرحة وقباب الأولياء وفي الطرق والأسواق بالأوراد والأحزاب لا يقيمون الصلاة، ومن عساه يصلي منهم فإنه لا يحرص على الجماعة بعض حرصه على الاجتماع للصياح بقراءة الحزب في ليلة الولي فلان.

ولقد أنس الناس بهذه البدع، واستوحشوا من شعائر الدين والسنن، حتى ظهر فيهم تأويل قوله  : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا  ﴾ أي وإذا قيل لمتبعي خطوات الشيطان، الذين يقولون على الله بغير علم ولا برهان، ﴿ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ  ﴾ قالوا: لا، نحن لا نعرف ما أنزل الله، بل نتبع ما ألفينا أي وجدنا عليه آباءنا وهو ما تقلدوه من سادتنا وكبرائنا، وشيوخ علمائنا.

لم يخاطب هؤلاء ببطلان ما هم عليه وتشنيعه خطابًا لهم بل حكى عنهم حكاية بَيَّن فساد مذهبهم فيها، كأنه أنزلهم منزلة من لا يفهم الخطاب، ولا يعقل الحجج والدلائل كما بين ذلك بالتمثل الآتي.

ولو كان للمقلدين قلوب يفقهون بها لكانت هذه الحكاية كافية بأسلوبها لتنفيرهم من التقليد، فإنهم في كل ملة وجيل يرغبون عن اتباع ما أنزل الله استئناسًا بما ألفوه مما ألفوا آباءهم عليه، وحسبك بهذا شناعة، إذ العاقل لا يؤثر على ما أنزل الله تقليد أحد من الناس وإن كبر عقله وحسن سيره، إذ ما من عاقل إلا وهو عرضة للخطأ في فكره، وما من مهتد إلا ويحتمل أن يضل في بعض سيره، فلا ثقة في الدين إلا بما أنزل الله، ولا معصوم إلا من عصم الله، فكيف يرغب العاقل عما أنزل الله إلى اتباع الآباء مع دعواه الإيمان بالتنزيل، على أنه لو لم يكن مؤمنًا بالوحي لوجب أن ينفره عن التقليد قوله تعالى ﴿ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ  ﴾ فإن هذا حجة عقلية لا تنقض.

وقال (الجلال) وغيره: لا يعقلون شيئًا من أمر الدين.

وعقل الشيء معرفته بدلائله، وفهمه بأسبابه ونتائجه، وأقرب الناس إلى معرفة الحق الباحثون الذين ينظرون في الدلائل بقصد صحيح ولو في غير الحق، لأن الباحث المستدل إذا أخطأ يومًا في طريق الاستدلال أو في موضوع البحث فقد يصيب في يوم آخر، لأن عقله يتعود الفكر الصحيح، واستفادة المطالب من الدلائل، وأبعد الناس عن معرفة الحق المقلدون، الذين لا يبحثون ولا يستدلون، لأنهم قطعوا على أنفسهم طريق العلم، وسجلوا على عقولهم الحرمان من الفهم، فهم لا يوصفون بإصابة، لأن المصيب هو من يعرف أن هذا هو الحق، والمقلد إنما يعرف أن فلانًا يقول إن هذا هو الحق، فهو عارف بالقول فقط، ولذلك ضرب لهم المثل في الآية الآتية بعد ما سجل عليهم الضلالة بعدم استعمال عقولهم.

(فإن قيل) إن الآية إنما تمنع اتباع غير من يعقل الحق، ويهتدي إلى حسن العمل والصواب في الحكم، ولكنها لا تمنع من تقليد العاقل المهتدي "نقول": ومن أين يعرف المقلد أن متبوعه يعقل ويهتدي إذا هو لم يقف على دليله ؟

فإن هو اتبعه في طريقة الاستدلال حتى وصل إلى ما وصل على بصيرة فإن الآية لا تنعى عليه هذا، إذ هو استفادة للعلم محمودة لا تقليد في المعلوم أو المظنون لغيره.

رأيت لبعض السلف أنه قال: لو أن شخصًا رأى النبي  في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدى إلى الوصول إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعد مقلدًا، ولم يكن على بصيرة كما أمر الله المؤمن أن يكون.

هذا وإن في قوله تعالى ﴿ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا  ﴾ بحثًا فقد يشكل هذا العموم فيه على بعض الأفهام، وهو عندنا على ثلاثة أوجه: أحدها: أن معناه لا يستعملون عقولهم في شيء مما يجب العلم به بل يكتفون فيه كله بالتسليم من غير نظر ولا بحث وهو ما مر.

وثانيها: أنه جار على طريقة البلغاء في المبالغة بجعل الغالب أمرًا كليًا عامًا.

يقولون في الضال في عامة شؤونه: إنه لا يعقل شيئًا ولا يهتدي إلى الصواب.

ويقولون في البليد: إنه لا يفهم شيئًا، وهذا لا ينافي أن يعقل الأول بعض الأشياء ويفهم الثاني بعض المسائل.

وثالثها: أنه ليس الغرض من العبارة نفي العقل عن آبائهم بالفعل، وإنما المراد منها: أيتبعون آباءهم لذواتهم كيفما كان حالهم حتى لو كانوا لا يعقلون ولا يهتدون؟

كأنه يقول إن اتباع الشخص لذاته منكر لا ينبغي، وهذا قول مألوف، فمن يقول أنا أتبع فلانًا في كل ما يعمل، يقال له أتتبعه ولو كان لا يعمل خيرًا؟

أي أن من شأن من يتبع آخر لذاته لا لكونه محسنًا ومصيبًا أن يتبعه في كل شيء وإن كان كل عمله باطلًا، لأنه لا يفرق بين الحق والباطل والخير والشر إلا من ينظر ويميز، وهذا لا يتبع أحدًا لذاته كيفما كان حاله.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده