الآية ١٧٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٣ من سورة البقرة

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ۖ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍۢ وَلَا عَادٍۢ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌ ١٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 206 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولما امتن تعالى عليهم برزقه ، وأرشدهم إلى الأكل من طيبه ، ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة ، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية ، وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو قد عدا عليها السبع .

وقد خصص الجمهور من ذلك ميتة البحر لقوله تعالى : ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) [ المائدة : 96 ] على ما سيأتي ، وحديث العنبر في الصحيح ، وفي المسند والموطأ والسنن قوله ، عليه السلام ، في البحر : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وروى الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر مرفوعا : " أحل لنا ميتتان ودمان : السمك والجراد ، والكبد والطحال " وسيأتي تقرير ذلك في سورة المائدة .

ولبن الميتة وبيضها المتصل بها نجس عند الشافعي وغيره ; لأنه جزء منها .

وقال مالك في رواية : هو طاهر إلا أنه ينجس بالمجاورة ، وكذلك أنفحة الميتة فيها الخلاف والمشهور عندهم أنها نجسة ، وقد أوردوا على أنفسهم أكل الصحابة من جبن المجوس ، فقال القرطبي في تفسيره هاهنا : يخالط اللبن منها يسير ، ويعفى عن قليل النجاسة إذا خالط الكثير من المائع .

وقد روى ابن ماجه من حديث سيف بن هارون ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء ، فقال : " الحلال ما أحل الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه " .

وكذلك حرم عليهم لحم الخنزير ، سواء ذكي أو مات حتف أنفه ، ويدخل شحمه في حكم لحمه إما تغليبا أو أن اللحم يشمل ذلك ، أو بطريق القياس على رأي .

و [ كذلك ] حرم عليهم ما أهل به لغير الله ، وهو ما ذبح على غير اسمه تعالى من الأنصاب والأنداد والأزلام ، ونحو ذلك مما كانت الجاهلية ينحرون له .

[ وذكر القرطبي عن ابن عطية أنه نقل عن الحسن البصري : أنه سئل عن امرأة عملت عرسا للعبها فنحرت فيه جزورا فقال : لا تؤكل لأنها ذبحت لصنم ; وأورد القرطبي عن عائشة أنها سئلت عما يذبحه العجم في أعيادهم فيهدون منه للمسلمين ، فقالت : ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوه ، وكلوا من أشجارهم ] .

ثم أباح تعالى تناول ذلك عند الضرورة والاحتياج إليها ، عند فقد غيرها من الأطعمة ، فقال : ( فمن اضطر غير باغ ولا عاد ) أي : في غير بغي ولا عدوان ، وهو مجاوزة الحد ( فلا إثم عليه ) أي : في أكل ذلك ) إن الله غفور رحيم ) وقال مجاهد : فمن اضطر غير باغ ولا عاد ، قاطعا للسبيل ، أو مفارقا للأئمة ، أو خارجا في معصية الله ، فله الرخصة ، ومن خرج باغيا أو عاديا أو في معصية الله فلا رخصة له ، وإن اضطر إليه ، وكذا روي عن سعيد بن جبير .

وقال سعيد في رواية عنه ومقاتل بن حيان : غير باغ : يعني غير مستحله .

وقال السدي : غير باغ يبتغي فيه شهوته ، وقال عطاء الخراساني في قوله : ( غير باغ ) [ قال ] لا يشوي من الميتة ليشتهيه ولا يطبخه ، ولا يأكل إلا العلقة ، ويحمل معه ما يبلغه الحلال ، فإذا بلغه ألقاه [ وهو قوله : ( ولا عاد ) يقول : لا يعدو به الحلال ] .

وعن ابن عباس : لا يشبع منها .

وفسره السدي بالعدوان .

وعن ابن عباس ( غير باغ ولا عاد ) قال : ( غير باغ ) في الميتة ( ولا عاد ) في أكله .

وقال قتادة : فمن اضطر غير باغ ولا عاد في أكله : أن يتعدى حلالا إلى حرام ، وهو يجد عنه مندوحة .

وحكى القرطبي عن مجاهد في قوله : ( فمن اضطر ) أي : أكره على ذلك بغير اختياره .

مسألة : ذكر القرطبي إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى ، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير بلا خلاف .

كذا قال ، ثم قال : وإذا أكله ، والحالة هذه ، هل يضمنه أم لا ؟

فيه قولان هما روايتان عن مالك ، ثم أورد من سنن ابن ماجه من حديث شعبة عن أبي إياس جعفر بن أبي وحشية : سمعت عباد بن العنزي قال : أصابتنا عاما مخمصة ، فأتيت المدينة .

فأتيت حائطا ، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته ، وجعلت منه في كسائي ، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال للرجل : " ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساعيا ، ولا علمته إذ كان جاهلا " .

فأمره فرد إليه ثوبه ، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق ، إسناد صحيح قوي جيد وله شواهد كثيرة : من ذلك حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق ، فقال : " من أصاب منه من ذي حاجة بفيه غير متخذ خبنة فلا شيء عليه " الحديث .

وقال مقاتل بن حيان في قوله : ( فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم ) فيما أكل من اضطرار ، وبلغنا والله أعلم أنه لا يزاد على ثلاث لقم .

وقال سعيد بن جبير : غفور لما أكل من الحرام .

رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار .

وقال وكيع : حدثنا الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق قال : من اضطر فلم يأكل ولم يشرب ، ثم مات دخل النار .

[ وهذا يقتضي أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة .

قال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي رفيق الغزالي في الاشتغال : وهذا هو الصحيح عندنا ; كالإفطار للمريض في رمضان ونحو ذلك ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْـزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: لا تُحرموا على أنفسكم ما لم أحرمه عليكم أيها المؤمنون بالله وبرسوله منَ البحائر والسوائب ونحو ذلك, بَل كلوا ذلك، فإني لم أحرم عليكم غير الميتة والدم ولحم الخنـزير، ومَا أهلّ به لغيري.

* * * ومعنى قوله: " إنما حَرَّم عليكم الميتة "، ما حرَّم عليكم إلا الميتة.

" وإنما ": حرف واحدٌ, ولذلك نصبت " الميتة والدم ", وغير جائز في" الميتة " إذا جعلت " إنما " حرفًا واحدًا - إلا النصب.

ولو كانت " إنما " حرفين، وكانت منفصلة من " إنّ"، لكانت " الميتة " مرفوعة وما بعدها.

وكان تأويل الكلام حينئذ: إنّ الذي حرم الله عليكم من المطاعم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنـزير، لا غير ذلك.

(22) وقد ذُكر عن بعض القراء أنه قرأ ذلك كذلك، على هذا التأويل.

ولست للقراءة به مستجيزًا =وإن كان له في التأويل والعربية وَجه مفهومٌ- لاتفاق الحجة من القراء على خلافه.

فغيرُ جائز لأحد الاعتراض عليهم فيما نقلوه مجمعين عليه.

* * * ولو قرئ في" حرّم " بضم الحاء من " حرّم "، لكان في" الميتة " وجهان من الرفع.

أحدهما: من أن الفاعل غير مسمى," وإنما " حرفٌ واحد.

والآخر: " إن " و " ما " في معنى حرفين, و " حرِّم " من صلة " ما "," والميتة " خبر " الذي" مرفوع على الخبر.

ولست، وإن كان لذلك أيضًا وجه، مستجيزًا للقراءة به، لما ذكرت.

* * * وأما " الميتة "، فإن القرأةَ مختلفة في قراءتها.

فقرأها بعضهم بالتخفيف، ومعناه فيها التشديد, ولكنه يُخففها كما يخفف القائلون في: " هو هيّن ليّن "" الهيْن الليْن "، (23) كما قال الشاعر: (24) لَيْسَ مَــنْ مَـاتَ فَاسْـتَرَاحَ بِمَيْـتٍ إِنَّمَــا المَيْــتُ مَيِّــتُ الأحْيَـــاءِ (25) فجمع بين اللغتين في بيت واحد، في معنى واحد.

وقرأها بعضهم بالتشديد، وحملوها على الأصل, وقالوا: إنما هو " مَيْوِت "," فيعل "، من الموت.

ولكن " الياء " الساكنة و " الواو " المتحركة لما اجتمعتا،" والياء " مع سكونها متقدمة، قلبت " الواو "" ياء " وشددت، فصارتا " ياء " مشددة, كما فعلوا ذلك في" سيد وجيد ".

قالوا: ومن خففها، فإنما طلب الخفة.

والقراءةُ بها على أصلها الذي هو أصلها أولى.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أن التخفيف والتشديد في" ياء "" الميتة " لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب, فبأيهما قرأ ذلك القارئ فمصيب.

لأنه لا اختلاف في معنييهما.

* * * وأما قوله: " وَمَا أهِلَّ به لغير الله "، فإنه يعني به: وما ذُبح للآلهة والأوثان يُسمى عليه بغير اسمه، أو قُصد به غيرُه من الأصنام.

وإنما قيل: " وما أهِلَّ به "، لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قرَّبوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها، وجَهروا بذلك أصْواتَهم, فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح، سمَّى أو لم يُسمِّ، (26) جهر بالتسمية أو لم يجهر-: " مُهِلٌّ".

فرفعهم أصواتهم بذلك هو " الإهلال " الذي ذكره الله تعالى فقال: " وما أهِلَّ به لغير الله ".

ومن ذلك قيل للملبِّي في حَجة أو عمرة " مُهِلّ", لرفعه صوته بالتلبية.

ومنه " استهلال " الصبي، إذا صاح عند سقوطه من بَطن أمه," واستهلال " المطر، وهو صوت وُقوعه على الأرض, كما قال عمرو بن قميئة: ظَلَـمَ البِطَـاحَ لَـهُ انْهِـلالُ حَرِيصَـةٍ فَصَفَـا النِّطَـافُ لَـــهُ بُعَيْــدَ المُقْلَــعِ (27) واختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم: يعني بقوله: " وما أهِلَّ به لغير الله "، ما ذبح لغير الله.

* ذكر من قال ذلك: 2468- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وما أهِلّ به لغير الله " قال، ما ذبح لغير الله.

2469- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " وما أهلّ به لغير الله " قال، ما ذبح لغير الله مما لم يُسم عليه.

2470- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " وما أهلّ به لغير الله "، ما ذبح لغير الله.

2471- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال ابن عباس في قوله: " وما أهِلّ به لغير الله " قال، ما أهِلّ به للطواغيت.

2472- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبو خالد الأحمر, عن جويبر, عن الضحاك قال: " وما أُهلّ به لغير الله " قال، ما أهل به للطواغيت.

2473- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس: " وما أهِلّ به لغير الله "، يعني: ما أهِل للطواغيت كلّها.

يعني: ما ذبح لغير الله من أهل الكفر، غير اليهود والنصارى.

2474- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عطاء في قول الله: " وما أهِلّ به لغير الله " قال، هو ما ذبح لغير الله.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: ما ذكر عليه غير اسم الله.

* ذكر من قال ذلك: 2475- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " وما أهلّ به لغير الله "، يقول: ما ذكر عليه غير اسم الله.

2476- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد -وسألته عن قوله الله: " وما أهلّ به لغير الله "- قال: ما يذبح لآلهتهم، الأنصابُ التي يعبدونها أو يسمُّون أسماءَها عليها.

قال: يقولون: " باسم فلان ", كما تقول أنت: " باسم الله " قال، فذلك قوله: " وما أهلّ به لغير الله ".

2477- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثنا حيوة، عن عقبة بن مسلم التُّجيبي وقيس بن رافع الأشجعي أنهما قالا أحِل لنا ما ذُبح لعيد الكنائس, وما أهدي لها من خبز أو لحم, فإنما هو طعام أهل الكتاب.

قال حيوة، قلت: أرأيت قَول الله: " وما أهِلّ به لغير الله "؟

قال: إنما ذلك المجوسُ وأهلُ الأوثان والمشركون.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فمن اضطر "، فمن حَلَّت به ضَرورة مجاعة إلى ما حرَّمت عليكم من الميتة والدم ولحم الخنـزير وما أهل به لغير الله -وهو بالصفة التي وصفنا- فلا إثم عليه في أكله إن أكله.

* * * وقوله: فمن " اضطر "" افتعل " من " الضّرورة ".

* * * و " غيرَ بَاغ " نُصِب على الحال مِنْ" مَنْ", فكأنه.

قيل: فمن اضطرّ لا باغيًا ولا عاديًا فأكله, فهو له حلال.

* * * وقد قيل : إن معنى قوله: " فمن اضطر "، فمن أكره على أكله فأكله, فلا إثم عليه.

* ذكر من قال ذلك: 2478- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا إسرائيل, عن سالم الأفطس, عن مجاهد قوله: " فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد " قال: الرجل يأخذُه العدو فيدعونه إلى معصية الله.

* * * وأما قوله: " غيرَ بَاغ ولا عَاد "، فإن أهل التأويل في تأويله مختلفون.

فقال بعضهم: يعني بقوله: " غير باغ "، غيرَ خارج على الأئمة بسيفه باغيًا عليهم بغير جَور, ولا عاديًا عليهم بحرب وعدوان، فمفسدٌ عليهم السبيلَ.

* ذكر من قال ذلك: 2479- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن مجاهد: " فمن اضطر غيرَ بَاغٍ ولا عاد " قال، غيرَ قاطع سبيل, ولا مفارق جماعة, ولا خارج في معصية الله, فله الرخصة.

2480- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد "، يقول: لا قاطعًا للسبيل, ولا مفارقًا للأئمة, ولا خارجًا في معصية الله, فله الرخصة.

ومن خرج بَاغيًا أو عاديًا في معصية الله, فلا رخصة له وإن اضطُرَّ إليه.

2481- حدثنا هناد بن السري قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد: " غير باغ ولا عاد " قال، هو الذي يقطع الطريق, فليس له رخصة إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشربَ الخمر.

2482- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال: أخبرنا ابن المبارك, عن شريك، عن سالم -يعني الأفطس- عن سعيد في قوله: " فمن اضطُر غير باغ ولا عاد " قال، الباغي العادي الذي يقطع الطريق، فلا رخصة له ولا كرامة.

2483- حدثني المثنى قال، حدثنا الحماني قال، حدثنا شريك, عن سالم, عن سعيد في قوله: " فمن اضطُر غير باغ ولا عاد " قال، إذا خرج في سبيل من سُبُل الله فاضطر إلى شرب الخمر شرب, وإن اضطر إلى الميتة أكل.

وإذا خرج يقطع الطريق، فلا رخصة له.

2484- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حفص بن غياث, عن الحجاج, عن القاسم بن أبي بزة, عن مجاهد قال: " غيرَ باغ " على الأئمة،" ولا عاد " قال، قاطع السبيل.

2485- حدثنا هناد قال، حدثنا ابن أبي زائدة, عن ورقاء, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد " قال، غير قاطع السبيل, ولا مفارق الأئمة, ولا خارج في معصية الله فله الرخصة.

2486- حدثنا هناد قال، حدثنا أبو معاوية, عن حجاج, عن الحكم, عن مجاهد : " فمن اضطُر غير بَاغ ولا عاد " قال، غير باغ على الأئمة, ولا عاد على ابن السبيل.

* * * وقال آخرون في تأويل قوله: " غيرَ باغ ولا عاد ": غيرَ باغ الحرامَ في أكله, ولا معتدٍ الذي أبيحَ له منه.

* ذكر من قال ذلك.

2487- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيدعن قتادة قوله: " فمن اضطُرَّ غير باغ ولا عاد " قال، غير باغ في أكله, ولا عادٍ: أن يتعدى حلالا إلى حرام، وهو يجد عنه مَندوحة.

2488- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن في قوله: " فمن اضطر غيرَ باغ ولا عاد " قال، غير باغ فيها ولا معتدٍ فيها بأكلها، وهو غنيٌّ عنها.

2489- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عمن سمع الحسن يقول ذلك.

2490- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال حدثنا أبو تميلة، (28) عن أبي حمزة, عن جابر, عن مجاهد وعكرمة قوله: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد "،" غير باغ " يَبتغيه," ولا عادٍ": يتعدى على ما يُمسك نفسه.

2491- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد "، يقول: من غير أن يبتغي حرامًا ويتعداه, ألا ترى أنه يقول: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [سورة المؤمنون: 7 سورة المعارج: 31] 2492- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فمن اضطُرّ غير باغٍ ولا عادٍ" قال، أن يأكل ذلك بَغيًا وتعديًا عن الحلال إلى الحرام, ويترك الحلال وهو عنده, ويتعدى بأكل هذا الحرام.

هذا التعدي.

ينكر أن يكونا مختلفين, ويقول: هذا وهذا واحد!

* * * وقال آخرون تأويل ذلك: فمن اضطر غير باغ في أكله شهوة، ولا عاد فوق ما لا بُدَّ له منه.

* ذكر من قال ذلك: 2493- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فمن اضطر غير باغ ولا عاد ".

أمَّا " باغ "، فيبغي فيه شهوته.

وأما " العادي"، فيتعدى في أكله, يأكل حتى يشبع, ولكن يأكل منه قدر ما يُمسك به نفسه حتى يبلغ به حاجته.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: فمن اضطر غير باغ بأكله ما حُرم عليه من أكله، ولا عاد في أكله, وله عن ترك أكله -بوجود غيره مما أحله الله له- مندوحة وغنى.

وذلك أن الله تعالى ذكره لم يرخّصْ لأحد في قتل نفسه بحال.

وإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أن الخارجَ على الإمام والقاطعَ الطريقَ، وإن كانا قد أتيا ما حرَّم الله عليهما =: من خروج هذا على من خرج عليه، وسَعي هذا بالإفساد في الأرض, = فغيرُ مبيح لهما فعلهما ما فعلا مما حرّم الله عليهما -ما كان حرّم الله عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من ذلك- من قتل أنفسهما.

[ورَدُّهما إلى محارم الله عليهما بعد فعلهما، ما فعلا وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصا لهما قبل ذلك من فعلهما، وإن لم نرَ رَدَّهما إلى محارم الله عليهما تحريما، (29) فغير مرخِّص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حرامًا].

فإذ كان ذلك كذلك, فالواجبُ على قُطاع الطريق والبغاة على الأئمة العادلة, الأوبةُ إلى طاعة الله, والرجوعُ إلى ما ألزمهما الله الرجوع إليه, والتوبةُ من معاصي الله - لا قتلُ أنفسهما بالمجاعة, فيزدادان إلى إثمهما إثمًا, وإلى خلافهما أمرَ الله خلافًا.

(30) وأما الذي وجَّه تأويل ذلك إلى أنه غيرُ باغ في أكله شهوة, فأكل ذلك شهوة، لا لدفع الضرورة المخوف منها الهلاك -مما قد دخل فيما حرمه الله عليه- فهو بمعنى ما قلنا في تأويله, وإن كان للفظه مخالفًا.

فأما توجيه تأويل قوله: " ولا عاد "، و لا آكل منه شبعه، ولكن ما يمسك به نفسه، فإن ذلك، بعض معاني الاعتداء في أكله.

ولم يخصص الله من معاني الاعتداء في أكله معنى، فيقال عنى به بعض معانيه.

فإذ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول ما قلنا: من أنه الاعتداء في كل معانيه المحرّمة.

* * * وأما تأويل قوله: " فلا إثم عليه "، يقول: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك ولا حَرج.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره: " إنّ الله غَفور رحيم "،" إنّ الله غَفورٌ" =إن أطعتم الله في إسلامكم، فاجتنبتم أكل ما حرم عليكم، وتركتم اتباعَ الشيطان فيما كنتم تحرمونه في جاهليتكم- طاعةً منكم للشيطان واقتفاءً منكم خُطواته - مما لم أحرمه عليكم = لما سلف منكم، في كفركم وقبل إسلامكم، في ذلك من خطأ وذنب ومعصية, فصافحٌ عنكم, وتارك عقوبتكم عليه," رحيم " بكم إن أطعتموه.

------------------- الهوامش : (22) انظر تفصيل هذا في معاني القرآن للفراء 1 : 102-103 .

(23) في المطبوعة : "القائلون وهو هين لين .

.

.

" ، وكأن الصواب ما أثبت .

(24) هو عدي بن الرعلاء الغساني ، والرعلاء أمه .

(25) الأصمعيات : 5 ، ومعجم الشعراء : 252 ، وتهذيب الألفاظ : 448 ، واللسان (موت) وحماسة ابن الشجرى : 51 ، والخزانة 4 : 187 ، وشرح شواهد المغني : 138 .

من أبيات جيدة صادقة ، يقول بعده : إِنَّمَــا المَيْــتُ مَــنْ يَعِيشُ ذَلِيـلاً كَاسِــفًا بَالُــهُ قَلِيـــلَ الرّجَــاءِ فَأُنَـــاسٌ يُمَصَّصُـــونَ ثِمَـــادًا وَأُنَــاسٌ حُــلُوقُهُمْ فِــي المَــاء الثماد الماء القليل يبقى في الحفر .

وما أصدق ما قال هذا الأبي الحر .

(26) في المطبوعة : "يسمي بذلك أو لم يسم" ، والصواب ما أثبت ، فعل ماض كالذي يليه .

(27) سلف تخريج هذا البيت في 1 : 523-524 ، وأن صواب نسبته إلى الحادرة الذبياني .

(28) في المطبوعة : "أبو نميلة" ، والصواب بالتاء .

مضت ترجمته برقم : 392 ، 461 .

(29) في المطبوعة : "وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريمًا" .

وهو تصحيف مفسد قد آذى من أراد أن يفهم عن الطبري ما يقول .

و"المحارم" : كل ما حرم الله سبحانه علينا فهو من محارم الله .

وانظر التعليق التالي .

(30) هذه الفقرة رد على القول الأول ، قول من ذهب إلى أن"الباغي" هو الخارج على الأئمة ، وأن"العادي" هو قاطع الطريق ، وأنهما لفعلهما ذلك مستثنيان من حكم الآية في الترخيص للمضطر أن يأكل مما حرم الله عليه .

ولكن العبارة في الأصل فاسدة ، لا يكاد يكون لها معنى .

ولم أستجز أن أدعها في الأصل على ما هي عليه .

وهكذا كانت في الأصل : [بل ذلك من فعلهما ، وإن لم يؤدهما إلى محارم الله عليهما تحريمًا ، فغير مرخص لهما ما كان عليهما قبل ذلك حراما] .

وهو كلام لا يستقيم ، وقد اجتهدت فرأيت أنه سقط من ناسخ كلامه سطر كامل فيما أرجح ، بين قوله : "من قتل أنفسهما" وقوله : "قبل ذلك من فعلهما" فبقيت"قبل" وحدها ، فجاء ناسخ آخر فلم يستبن معنى ما يكتب ، فجعل"قبل""بل" ، ظنًا منه أن ذلك يقيم المعنى على وجه من الوجوه .

فاضطرب الكلام كما ترى اضطرابًا لا يخلص إلى شيء مفهوم .

وزاده فسادًا واضطرابًا تصحيف قوله : "وإن لم نر ردهما" بما كتب : "وإن لم يؤدهما" ، فخلص إلى كلام ضرب عليه التخليط ضربًا!

وقد ساق الطبري في هذه الفقرة حجتين لرد قول من قال إن الباغي هو الخارج على الإمام ، وإن العادي هو قاطع السبيل .

فالحجة الأولى : أن الباغي والعادي ، وإن كان كلاهما قد أتى فعلا محرمًا ، فإن إتيان هذا الفعل المحرم ، لا يجعل قتل أنفسهما مباحًا لهما ، إذ هو محرم عليهما قبل إتيانهما ما أتيا من محارم الله عليهما .

والحجة الأخرى : أن الله قد رخص لكل مضطر أن يأكل مما حرم عليه ، فاستثناء الباغي والعادي من رخصة الله للمضطر .

لا يعد عنده تحريمًا ، بل هو رد إلى ما كان محرمًا عليهما قبل البغي أو العدوان .

ومع ذلك فإن هذا الرد إلى ما كان محرمًا عليهما ، وإن كان قد حرم عليهما ما كان مرخصًا لهما ولكل مضطر قبل البغي والعدوان ، فإنه لا يرخص لهما قتل أنفسهما ، وهو حرام عليهما قبل البغي والعدوان .

وإذن ، فالواجب عليهما أن يتوبا ، لا أن يقتلا أنفسهما بالمجاعة ، فيزدادان إثمًا إلى إثمهما ، وخلافًا إلى خلافهما بالبغي والعدوان أمر الله .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيمفيه أربع وثلاثون مسألة :الأولى : قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة إنما كلمة موضوعة للحصر ، تتضمن [ ص: 203 ] النفي والإثبات ، فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه ، وقد حصرت ها هنا التحريم ، لا سيما وقد جاءت عقيب التحليل في قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم فأفادت الإباحة على الإطلاق ، ثم عقبها بذكر المحرم بكلمة إنما الحاصرة ، فاقتضى ذلك الإيعاب للقسمين ، فلا محرم يخرج عن هذه الآية ، وهي مدنية ، وأكدها بالآية الأخرى التي روي أنها نزلت بعرفة : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلى آخرها ، فاستوفى البيان أولا وآخرا ، قاله ابن العربي .

وسيأتي الكلام في تلك في " الأنعام " إن شاء الله تعالى .الثانية : الميتة نصب ب حرم ، و " ما " كافة .

ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي ، منفصلة في الخط ، وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير على خبر " إن " وهي قراءة ابن أبي عبلة .

وفي حرم ضمير يعود على الذي ، ونظيره قوله تعالى : إنما صنعوا كيد ساحر .

وقرأ أبو جعفر " حرم " بضم الحاء وكسر الراء ورفع الأسماء بعدها ، إما على ما لم يسم فاعله ، وإما على خبر إن .

وقرأ أبو جعفر بن القعقاع أيضا " الميتة " بالتشديد .

الطبري : وقال جماعة من اللغويين : التشديد والتخفيف في ميت ، وميت لغتان .

وقال أبو حاتم وغيره : ما قد مات فيقالان فيه ، وما لم يمت بعد فلا يقال فيه " ميت " بالتخفيف ، دليله قوله تعالى : إنك ميت وإنهم ميتون .

وقال الشاعر :ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياءولم يقرأ أحد بتخفيف ما لم يمت ، إلا ما روى البزي عن ابن كثير " وما هو بميت " والمشهور عنه التثقيل ، وأما قول الشاعر :إذا ما مات ميت من تميم فسرك أن يعيش فجئ بزادفلا أبلغ في الهجاء من أنه أراد الميت حقيقة ، وقد ذهب بعض الناس إلى أنه أراد من شارف الموت ، والأول أشهر .الثالثة : الميتة : ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح ، وما ليس بمأكول فذكاته كموته ، كالسباع وغيرها ، على ما يأتي بيانه هنا وفي " الأنعام " إن شاء الله تعالى .[ ص: 204 ] الرابعة : هذه الآية عامة دخلها التخصيص بقوله عليه السلام : أحلت لنا ميتتان الحوت والجراد ودمان الكبد والطحال .

أخرجه الدارقطني وكذلك حديث جابر في العنبر يخصص عموم القرآن بصحة سنده .

خرجه البخاري ومسلم مع قوله تعالى : أحل لكم صيد البحر ، على ما يأتي بيانه هناك ، إن شاء الله تعالى .وأكثر أهل العلم على جواز أكل جميع دواب البحر حيها وميتها ، وهو مذهب مالك .

وتوقف أن يجيب في خنزير الماء وقال : أنتم تقولون خنزيرا قال ابن القاسم : وأنا أتقيه ولا أراه حراما .الخامسة : وقد اختلف الناس في تخصيص كتاب الله تعالى بالسنة ، ومع اختلافهم في ذلك اتفقوا على أنه لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف ، قاله ابن العربي .

وقد يستدل على تخصيص هذه الآية أيضا بما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه .

وظاهره أكله كيف ما مات بعلاج أو حتف أنفه ، وبهذا قال ابن نافع وابن عبد الحكم وأكثر العلماء ، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما .

ومنع مالك وجمهور أصحابه من أكله إن مات حتف أنفه ; لأنه من صيد البر ، ألا ترى أن المحرم يجزئه إذا قتله ، فأشبه الغزال .

وقال أشهب : إن مات من قطع رجل أو جناح لم يؤكل ; لأنها حالة قد يعيش بها وينسل .

وسيأتي لحكم الجراد مزيد بيان في " الأعراف " عند ذكره ، إن شاء الله تعالى .[ ص: 205 ] السادسة : واختلف العلماء هل يجوز أن ينتفع بالميتة أو بشيء من النجاسات ، واختلف عن مالك في ذلك أيضا ، فقال مرة : يجوز الانتفاع بها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميمونة فقال : ( هلا أخذتم إهابها ) الحديث .

وقال مرة : جملتها محرم ، فلا يجوز الانتفاع بشيء منها ، ولا بشيء من النجاسات على وجه من وجوه الانتفاع ، حتى لا يجوز أن يسقى الزرع ولا الحيوان الماء النجس ، ولا تعلف البهائم النجاسات ، ولا تطعم الميتة الكلاب والسباع ، وإن أكلتها لم تمنع .

ووجه هذا القول ظاهر قوله تعالى : حرمت عليكم الميتة والدم ولم يخص وجها من وجه ، ولا يجوز أن يقال : هذا الخطاب مجمل ; لأن المجمل ما لا يفهم المراد من ظاهره ، وقد فهمت العرب المراد من قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " ، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تنتفعوا من الميتة بشيء .

وفي حديث عبد الله بن عكيم لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب .

وهذا آخر ما ورد به كتابه قبل موته بشهر ، وسيأتي بيان هذه الأخبار والكلام عليها في " النحل " إن شاء الله تعالى .السابعة : فأما الناقة إذا نحرت ، أو البقرة أو الشاة إذا ذبحت ، وكان في بطنها جنين ميت فجائز أكله من غير تذكية له في نفسه ، إلا أن يخرج حيا فيذكى ، ويكون له حكم نفسه ، وذلك أن الجنين إذا خرج منها بعد الذبح ميتا جرى مجرى العضو من أعضائها ، ومما يبين ذلك أنه لو باع الشاة واستثنى ما في بطنها لم يجز ، كما لو استثنى عضوا منها ، وكان ما في بطنها تابعا لها كسائر أعضائها ، وكذلك لو أعتقها من غير أن يوقع على ما في بطنها عتقا مبتدأ ، ولو كان منفصلا عنها لم يتبعها في بيع ولا عتق ، وقد روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن البقرة والشاة تذبح ، والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت ، فقال : إن شئتم فكلوه لأن ذكاته ذكاة أمه .

خرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي سعيد الخدري وهو نص لا يحتمل ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " المائدة " إن شاء الله تعالى .[ ص: 206 ] الثامنة : واختلفت الرواية عن مالك في جلد الميتة هل يطهر بالدباغ أو لا ، فروي عنه أنه لا يطهر ، وهو ظاهر مذهبه ، وروي عنه أنه يطهر ، لقوله عليه السلام أيما إهاب دبغ فقد طهر ، ووجه قوله : لا يطهر ، بأنه جزء من الميتة لو أخذ منها في حال الحياة كان نجسا ، فوجب ألا يطهره الدباغ قياسا على اللحم ، وتحمل الأخبار بالطهارة على أن الدباغ يزيل الأوساخ عن الجلد حتى ينتفع به في الأشياء اليابسة وفي الجلوس عليه ، ويجوز أيضا أن ينتفع به في الماء بأن يجعل سقاء ; لأن الماء على أصل الطهارة ما لم يتغير له وصف على ما يأتي من حكمه في سورة " الفرقان " ، والطهارة في اللغة متوجهة نحو إزالة الأوساخ كما تتوجه إلى الطهارة الشرعية ، والله تعالى أعلم .التاسعة : وأما شعر الميتة وصوفها فطاهر ، لما روي عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ وصوفها وشعرها إذا غسل ; ولأنه كان طاهرا لو أخذ منها في حال الحياة فوجب أن يكون كذلك بعد الموت ، إلا أن اللحم لما كان نجسا في حال الحياة كان كذلك بعد الموت ، فيجب أن يكون الصوف خلافه في حال الموت كما كان خلافه في حال الحياة استدلالا بالعكس ، ولا يلزم على هذا اللبن والبيضة من الدجاجة الميتة ; لأن اللبن عندنا طاهر بعد الموت ، وكذلك البيضة ، ولكنهما حصلا في وعاء نجس فتنجسا بمجاورة الوعاء لا أنهما نجسا بالموت .

وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة والتي قبلها وما للعلماء فيهما من الخلاف في سورة " النحل " إن شاء الله تعالى .العاشرة : وأما ما وقعت فيه الفأرة فله حالتان : حالة تكون إن أخرجت الفأرة حية فهو طاهر ، وإن ماتت فيه فله حالتان : حالة يكون مائعا فإنه ينجس جميعه ، وحالة يكون جامدا فإنه ينجس ما جاورها ، فتطرح وما حولها ، وينتفع بما بقي وهو على طهارته ; لما رويأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تقع في السمن فتموت ، فقال عليه السلام : إن كان جامدا فاطرحوها وما [ ص: 207 ] حولها وإن كان مائعا فأريقوه ، واختلف العلماء فيه إذا غسل ، فقيل : لا يطهر بالغسل ; لأنه مائع نجس فأشبه الدم والخمر والبول وسائر النجاسات ، وقال ابن القاسم : يطهر بالغسل ; لأنه جسم تنجس بمجاورة النجاسة فأشبه الثوب ، ولا يلزم على هذا الدم ; لأنه نجس بعينه ، ولا الخمر والبول لأن الغسل يستهلكهما ولا يتأتى فيه .الحادية عشرة : فإذا حكمنا بطهارته بالغسل رجع إلى حالته الأولى في الطهارة وسائر وجوه الانتفاع ، لكن لا يبيعه حتى يبين ; لأن ذلك عيب عند الناس تأباه نفوسهم .

ومنهم من يعتقد تحريمه ونجاسته ، فلا يجوز بيعه حتى يبين العيب كسائر الأشياء المعيبة ، وأما قبل الغسل فلا يجوز بيعه بحال ، لأن النجاسات عنده لا يجوز بيعها ، ولأنه مائع نجس فأشبه الخمر ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ثمن الخمر فقال : لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها وأن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهذا المائع محرم لنجاسته فوجب أن يحرم ثمنه بحكم الظاهر .الثانية عشرة : واختلف إذا وقع في القدر حيوان ، طائر أو غيره [ فمات ] فروى ابن وهب عن مالك أنه قال : لا يؤكل ما في القدر ، وقد تنجس بمخالطة الميتة إياه ، وروى ابن القاسم عنه أنه قال : يغسل اللحم ويراق المرق ، وقد سئل ابن عباس عن هذه المسألة فقال : يغسل اللحم ويؤكل ، ولا مخالف له في المرق من أصحابه ، ذكره ابن خويز منداد .الثالثة عشرة : فأما إنفحة الميتة ولبن الميتة فقال الشافعي : ذلك نجس لعموم قوله تعالى حرمت عليكم الميتة ، وقال أبو حنيفة بطهارتهما ، ولم يجعل لموضع الخلقة أثرا في تنجس ما جاوره مما حدث فيه خلقة ، قال : ولذلك يؤكل اللحم بما فيه من العروق ، مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير تطهير ولا غسل إجماعا .

وقال مالك نحو قول أبي حنيفة [ ص: 208 ] إن ذلك لا ينجس بالموت ، ولكن ينجس بمجاورة الوعاء النجس وهو مما لا يتأتى فيه الغسل ، وكذلك الدجاجة تخرج منها البيضة بعد موتها ; لأن البيضة لينة في حكم المائع قبل خروجها ، وإنما تجمد وتصلب بالهواء .قال ابن خويز منداد فإن قيل : فقولكم يؤدي إلى خلاف الإجماع ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بعده كانوا يأكلون الجبن وكان مجلوبا إليهم من أرض العجم ، ومعلوم أن ذبائح العجم وهم مجوس ميتة ، ولم يعتدوا بأن يكون مجمدا بإنفحة ميتة أو ذكي .

قيل له : قدر ما يقع من الإنفحة في اللبن المجبن يسير ، واليسير من النجاسة معفو عنه إذا خالط الكثير من المائع .

هذا جواب على إحدى الروايتين .

وعلى الرواية الأخرى إنما كان ذلك في أول الإسلام ، ولا يمكن أحد أن ينقل أن الصحابة أكلت الجبن المحمول من أرض العجم ، بل الجبن ليس من طعام العرب ، فلما انتشر المسلمون في أرض العجم بالفتوح صارت الذبائح لهم ، فمن أين لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أكلت جبنا فضلا عن أن يكون محمولا من أرض العجم ومعمولا من إنفحة ذبائحهم .وقال أبو عمر : ولا بأس بأكل طعام عبدة الأوثان والمجوس وسائر من لا كتاب له من الكفار ما لم يكن من ذبائحهم ولم يحتج إلى ذكاة إلا الجبن لما فيه من إنفحة الميتة .

وفي سنن ابن ماجه " الجبن والسمن " حدثنا إسماعيل بن موسى السدي حدثنا سيف بن هارون عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء .

فقال : الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا عنه .الرابعة عشرة : قوله تعالى : والدم اتفق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به .

قال ابن خويز منداد : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوى ، ومعفو عما تعم به البلوى ، والذي تعم به البلوى هو الدم في اللحم وعروقه ، ويسيره في البدن والثوب يصلى فيه .

وإنما قلنا ذلك لأن الله تعالى قال : حرمت عليكم الميتة والدم وقال في موضع آخر قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا .

فحرم المسفوح من الدم ، وقد روت عائشة رضي الله عنها قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد [ ص: 209 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة ، والإصر والمشقة في الدين موضوع ، وهذا أصل في الشرع ، أن كلما حرجت الأمة في أداء العبادة فيه وثقل عليها سقطت العبادة عنها فيه ، ألا ترى أن المضطر يأكل الميتة ، وأن المريض يفطر ويتيمم في نحو ذلك .قلت : ذكر الله سبحانه وتعالى الدم ها هنا مطلقا ، وقيده في الأنعام بقوله مسفوحا وحمل العلماء ها هنا المطلق على المقيد إجماعا .

فالدم هنا يراد به المسفوح ; لأن ما خالط اللحم فغير محرم بإجماع ، وكذلك الكبد والطحال مجمع عليه ، وفي دم الحوت المزايل له اختلاف ، وروي عن القابسي أنه طاهر ، ويلزم على طهارته أنه غير محرم ، وهو اختيار ابن العربي ، قال : لأنه لو كان دم السمك نجسا لشرعت ذكاته .قلت : وهو مذهب أبي حنيفة في دم الحوت ، سمعت بعض الحنفية يقول : الدليل على أنه طاهر أنه إذا يبس ابيض بخلاف سائر الدماء فإنه يسود ، وهذه النكتة لهم في الاحتجاج على الشافعية .الخامسة عشرة : قوله تعالى : ولحم الخنزير خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير ليدل على تحريم عينه ذكي أو لم يذك ، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها .السادسة عشرة : أجمعت الأمة على تحريم شحم الخنزير ، وقد استدل مالك وأصحابه على أن من حلف ألا يأكل شحما فأكل لحما لم يحنث بأكل اللحم .

فإن حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما حنث لأن اللحم مع الشحم يقع عليه اسم اللحم ، فقد دخل الشحم في اسم اللحم ولا يدخل اللحم في اسم الشحم ، وقد حرم الله تعالى لحم الخنزير فناب ذكر لحمه عن شحمه ; لأنه دخل تحت اسم اللحم ، وحرم الله تعالى على بني إسرائيل الشحوم بقوله : حرمنا عليهم شحومهما فلم يقع بهذا عليهم تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم ، فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم ، إلا أن يكون للحالف نية في اللحم دون الشحم فلا يحنث والله تعالى أعلم ، ولا يحنث في قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل شحما ، وقال أحمد : إذا حلف ألا يأكل لحما فأكل الشحم لا بأس به إلا أن يكون أراد اجتناب الدسم .[ ص: 210 ] السابعة عشرة : لا خلاف أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه يجوز الخرازة به ، وقد روي أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخرازة بشعر الخنزير ، فقال : لا بأس بذلك ذكره ابن خويز منداد ، قال : ولأن الخرازة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ، وبعده موجودة ظاهرة ، لا نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكرها ولا أحد من الأئمة بعده .

وما أجازه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كابتداء الشرع منه .الثامنة عشرة : لا خلاف في تحريم خنزير البر كما ذكرنا ، وفي خنزير الماء خلاف ، وأبى مالك أن يجيب فيه بشيء ، وقال : أنتم تقولون خنزيرا وقد تقدم ، وسيأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى .التاسعة عشرة : ذهب أكثر اللغويين إلى أن لفظة الخنزير رباعية .

وحكى ابن سيده عن بعضهم أنه مشتق من خزر العين ; لأنه كذلك ينظر ، واللفظة على هذا ثلاثية ، وفي الصحاح : وتخازر الرجل إذا ضيق جفنه ليحدد النظر ، والخزر : ضيق العين وصغرها .

رجل أخزر بين الخزر ، ويقال : هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها ، وجمع الخنزير خنازير .

والخنازير أيضا علة معروفة ، وهي قروح صلبة تحدث في الرقبة .الموفية عشرين : قوله تعالى : وما أهل به لغير الله أي ذكر عليه غير اسم الله تعالى ، وهي ذبيحة المجوسي والوثني والمعطل .

فالوثني يذبح للوثن ، والمجوسي للنار ، والمعطل لا يعتقد شيئا فيذبح لنفسه ، ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني لوثنه لا يؤكل ، ولا تؤكل ذبيحتهما عند مالك والشافعي وغيرهما وإن لم يذبحا لناره ووثنه ، وأجازهما ابن المسيب وأبو ثور إذا ذبح لمسلم بأمره ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى في سورة " المائدة " ، والإهلال : رفع الصوت ، يقال : أهل بكذا ، أي رفع صوته .

قال ابن أحمر يصف فلاة :يهل بالفرقد ركبانها كما يهل الراكب المعتمروقال النابغة :أو درة صدفية غواصها بهج متى يرها يهل ويسجدومنه إهلال الصبي واستهلاله ، وهو صياحه عند ولادته ، وقال ابن عباس وغيره : المراد ما ذبح للأنصاب والأوثان ، لا ما ذكر عليه اسم المسيح ، على ما يأتي بيانه في سورة " المائدة " [ ص: 211 ] إن شاء الله تعالى ، وجرت عادة العرب بالصياح باسم المقصود بالذبيحة ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النية التي هي علة التحريم ، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه راعى النية في الإبل التي نحرها غالب أبو الفرزدق فقال : إنها مما أهل لغير الله به ، فتركها الناس .

قال ابن عطية : ورأيت في أخبار الحسن بن أبي الحسن أنه سئل عن امرأة مترفة صنعت للعبها عرسا فنحرت جزورا ، فقال الحسن : لا يحل أكلها فإنها إنما نحرت لصنم .قلت : ومن هذا المعنى ما رويناه عن يحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم قال : أخبرنا جرير عن قابوس قال : أرسل أبي امرأة إلى عائشة رضي الله عنها وأمرها أن تقرأ عليها السلام منه ، وتسألها أية صلاة كانت أعجب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدوم عليها .

قالت : كان يصلي قبل الظهر أربع ركعات يطيل فيهن القيام ويحسن الركوع والسجود ، فأما ما لم يدع قط ، صحيحا ولا مريضا ولا شاهدا ، ركعتين قبل صلاة الغداة .

قالت امرأة عند ذلك من الناس : يا أم المؤمنين ، إن لنا أظآرا من العجم لا يزال يكون لهم عيد فيهدون لنا منه ، أفنأكل منه شيئا ؟

قالت : أما ما ذبح لذلك اليوم فلا تأكلوا ولكن كلوا من أشجارهم .الحادية والعشرون : قوله تعالى : فمن اضطر قرئ بضم النون للاتباع وبالكسر وهو الأصل لالتقاء الساكنين ، وفيه إضمار ، أي فمن اضطر إلى شيء من هذه المحرمات أي أحوج إليها ، فهو افتعل من الضرورة ، وقرأ ابن محيصن " فمن اطر " بإدغام الضاد في الطاء ، وأبو السمال " فمن اضطر " بكسر الطاء ، وأصله اضطرر فلما أدغمت نقلت حركة الراء إلى الطاء .الثانية والعشرون : الاضطرار لا يخلو أن يكون بإكراه من ظالم أو بجوع في مخمصة ، والذي عليه الجمهور من الفقهاء والعلماء في معنى الآية هو من صيره العدم والغرث وهو الجوع إلى ذلك ، وهو الصحيح ، وقيل : معناه أكره وغلب على أكل هذه المحرمات .

قال مجاهد : يعني أكره عليه كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى ، إلا أن الإكراه يبيح ذلك إلى آخر الإكراه .وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة أو لا ، فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع من الميتة إلا أنه لا يحل له أكلها وهو يجد مال مسلم لا يخاف فيه قطعا ، كالتمر المعلق وحريسة الجبل ، ونحو ذلك مما لا قطع فيه ولا أذى ، وهذا مما لا اختلاف فيه ، لحديث أبي [ ص: 212 ] هريرة رضي الله عنه قال : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة بعضاه الشجر فثبنا إليها فنادانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجعنا إليه فقال : إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو قوتهم ويمنهم بعد الله أيسركم لو رجعتم إلى مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب به أترون ذلك عدلا قالوا لا ، فقال : إن هذه كذلك .

قلنا : أفرأيت إن احتجنا إلى الطعام والشراب ؟

فقال : كل ولا تحمل واشرب ولا تحمل .

خرجه ابن ماجه رحمه الله ، وقال : هذا الأصل عندي ، وذكره ابن المنذر قال : قلنا يا رسول الله ، ما يحل لأحدنا من مال أخيه إذا اضطر إليه ؟

قال : يأكل ولا يحمل ويشرب ولا يحمل .

قال ابن المنذر : وكل مختلف فيه بعد ذلك فمردود إلى تحريم الله الأموال .

قال أبو عمر : وجملة القول في ذلك أن المسلم إذا تعين عليه رد رمق مهجة المسلم ، وتوجه الفرض في ذلك بألا يكون هناك غيره قضي عليه بترميق تلك المهجة الآدمية ، وكان للممنوع منه ما له من ذلك محاربة من منعه ومقاتلته ، وإن أتى ذلك على نفسه ، وذلك عند أهل العلم إذا لم يكن هناك إلا واحد لا غير ، فحينئذ يتعين عليه الفرض ، فإن كانوا كثيرا أو جماعة وعددا كان ذلك عليهم فرضا على الكفاية ، والماء في ذلك وغيره مما يرد نفس المسلم ويمسكها سواء .

إلا أنهم اختلفوا في وجوب قيمة ذلك الشيء على الذي ردت به مهجته ورمق به نفسه ، فأوجبها موجبون ، وأباها آخرون ، وفي مذهبنا القولان جميعا ، ولا خلاف بين أهل العلم متأخريهم ومتقدميهم في وجوب رد مهجة المسلم عند خوف الذهاب والتلف بالشيء اليسير الذي لا مضرة فيه على صاحبه وفيه البلغة .الثالثة والعشرون : خرج ابن ماجه أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة أنبأنا شبابة ( ح ) وحدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر جعفر بن إياس قال : سمعت عباد بن شرحبيل - رجلا من بني غبر - قال : أصابنا عاما مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي ، فجاء [ ص: 213 ] صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال للرجل : ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا ولا علمته إذ كان جاهلا فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فرد إليه ثوبه ، وأمر له بوسق من طعام أو نصف وسق .قلت : هذا حديث صحيح اتفق على رجاله البخاري ومسلم ، إلا ابن أبي شيبة فإنه لمسلم وحده وعباد بن شرحبيل الغبري اليشكري لم يخرج له البخاري ومسلم شيئا ، وليس له عن النبي صلى الله عليه وسلم غير هذه القصة فيما ذكر أبو عمر رحمه الله ، وهو ينفي القطع والأدب في المخمصة .

وقد روى أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له فليحتلب وليشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل .

وذكر الترمذي عن يحيى بن سليم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة .

قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم وذكر من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق ، فقال : من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه .

قال فيه : حديث حسن .

وفي [ ص: 214 ] حديث عمر رضي الله عنه : إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا يتخذ ثبانا .

قال أبو عبيد قال أبو عمر : وهو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء ، فإن حملته بين يديك فهو ثبان ، يقال : قد تثبنت ثبانا ، فإن حملته على ظهرك فهو الحال ، يقال منه : قد تحولت كسائي إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك ، فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ، ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع ولا يتخذ خبنة .

يقال منه : خبنت أخبن خبنا .

قال أبو عبيد : وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته .قلت : لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه ، فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام ، أو كما هو الآن في بعض البلدان ، فذلك جائز ، ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة ، كما تقدم والله أعلم .وإن كان الثاني وهو النادر في وقت من الأوقات ، فاختلف العلماء فيها على قولين : أحدهما : أنه يأكل حتى يشبع ويتضلع ، ويتزود إذا خشي الضرورة فيما بين يديه من مفازة وقفر ، وإذا وجد عنها غنى طرحها .

قال معناه مالك في موطئه ، وبه قال الشافعي وكثير من العلماء ، والحجة في ذلك أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا ومقدار الضرورة إنما هو في حالة عدم القوت إلى حالة وجوده ، وحديث العنبر نص في ذلك ، فإن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما رجعوا من سفرهم وقد ذهب عنهم الزاد ، انطلقوا إلى ساحل البحر فرفع لهم على ساحله كهيئة الكثيب الضخم ، فلما أتوه إذا هي دابة تدعى العنبر ، فقال أبو عبيدة أميرهم : ميتة .

ثم قال : لا ، بل نحن رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، وقد اضطررتم فكلوا .

قال : فأقمنا عليها شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا ، الحديث ، فأكلوا وشبعوا - رضوان الله عليهم - مما اعتقدوا أنه ميتة وتزودوا منها إلى المدينة ، وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه حلال وقال : هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله ، وقالت طائفة .

يأكل بقدر سد الرمق .

وبه قال ابن الماجشون وابن حبيب وفرق أصحاب الشافعي بين حالة المقيم والمسافر فقالوا : المقيم يأكل بقدر ما يسد رمقه ، والمسافر يتضلع ويتزود : فإذا وجد غنى عنها طرحها ، وإن وجد مضطرا أعطاه إياها ولا يأخذ منه عوضا ، فإن الميتة لا يجوز بيعها .الرابعة والعشرون : فإن اضطر إلى خمر فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف ، وإن كان [ ص: 215 ] بجوع أو عطش فلا يشرب ، وبه قال مالك في العتبية قال : ولا يزيده الخمر إلا عطشا .

وهو قول الشافعي ، فإن الله تعالى حرم الخمر تحريما مطلقا ، وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة ، وقال الأبهري : إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها ; لأن الله تعالى قال في الخنزير فإنه رجس ثم أباحه للضرورة ، وقال تعالى في الخمر إنها رجس فتدخل في إباحة الخنزير للضرورة بالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس ، ولا بد أن تروي ولو ساعة ، وترد الجوع ولو مدة .الخامسة والعشرون : روى أصبغ عن ابن القاسم أنه قال : يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر ، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل - وقاله ابن وهب - ويشرب البول ولا يشرب الخمر ; لأن الخمر يلزم فيها الحد فهي أغلظ .

نص عليه أصحاب الشافعي .السادسة والعشرون : فإن غص بلقمة فهل يسيغها بخمر أو لا ، فقيل : لا ، مخافة أن يدعي ذلك ، وأجاز ذلك ابن حبيب ; لأنها حالة ضرورة .

ابن العربي : " أما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى ، وأما فيما بيننا فإن شاهدناه فلا تخفى علينا بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها ، فيصدق إذا ظهر ذلك ، وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا ، ثم إذا وجد المضطر ميتة وخنزيرا ولحم ابن آدم أكل الميتة ; لأنها حلال في حال ، والخنزير وابن آدم لا يحل بحال ، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل ، كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية ، وطئ الأجنبية لأنها تحل له بحال ، وهذا هو الضابط لهذه الأحكام ، ولا يأكل ابن آدم ولو مات ، قاله علماؤنا ، وبه قال أحمد وداود .

احتج أحمد بقوله عليه السلام : كسر عظم الميت ككسره حيا ، وقال الشافعي : يأكل لحم ابن آدم ، ولا يجوز له أن يقتل ذميا لأنه محترم الدم ، ولا مسلما ولا أسيرا لأنه مال الغير ، فإن كان حربيا أو زانيا محصنا جاز قتله والأكل منه ، وشنع داود على المزني بأن قال : قد أبحت أكل لحوم الأنبياء فغلب عليه ابن شريح بأن قال : فأنت قد تعرضت لقتل الأنبياء إذ منعتهم من أكل الكافر .

قال ابن العربي : الصحيح عندي ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه ، والله أعلم .[ ص: 216 ] السابعة والعشرون : سئل مالك عن المضطر إلى أكل الميتة وهو يجد مال الغير تمرا أو زرعا أو غنما ، فقال : إن أمن الضرر على بدنه بحيث لا يعد سارقا ويصدق في قوله ، أكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا ، وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة ، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى ، وإن هو خشي ألا يصدقوه وأن يعدوه سارقا فإن أكل الميتة أجوز عندي ، وله في أكل الميتة على هذه المنزلة سعة .الثامنة والعشرون : روى أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده ، فقال رجل : إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها ، فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت ، فقالت امرأته : انحرها ، فأبى فنفقت ، فقالت : اسلخها حتى نقدد لحمها وشحمها ونأكله ، فقال : حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله ، فقال : هل عندك غنى يغنيك قال لا ، قال : فكلوها قال : فجاء صاحبها فأخبره الخبر ، فقال : هلا كنت نحرتها فقال : استحييت منك .

قال ابن خويز منداد : في هذا الحديث دليلان : أحدهما : أن المضطر يأكل من الميتة وإن لم يخف التلف ، لأنه سأله عن الغنى ولم يسأله عن خوفه على نفسه ، والثاني : يأكل ويشبع ويدخر ويتزود ; لأنه أباحه الادخار ولم يشترط عليه ألا يشبع .

قال أبو داود : وحدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا الفضل بن دكين قال أنبأنا عقبة بن وهب بن عقبة العامري قال : سمعت أبي يحدث عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما يحل لنا الميتة ؟

قال : ما طعامكم قلنا : نغتبق ونصطبح .

قال أبو نعيم : فسره لي عقبة : قدح غدوة وقدح عشية قال : ذاك وأبي الجوع .

قال : فأحل لهم الميتة على هذه الحال .

قال أبو داود : الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار ، وقال الخطابي : الغبوق العشاء ، والصبوح الغداء ، والقدح من اللبن بالغداة ، والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس ، وإن كان لا يغذي البدن ولا يشبع الشبع التام ، وقد أباح لهم مع ذلك تناول الميتة ، فكان دلالته أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت .

وإلى هذا ذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي .

قال ابن خويز منداد : إذا جاز أن يصطبحوا ويغتبقوا جاز أن يشبعوا ويتزودوا ، وقال أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر : لا يجوز له أن يتناول من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه ، وإليه ذهب المزني .

قالوا : لأنه لو كان في الابتداء بهذه الحال لم يجز له أن يأكل منها شيئا ، فكذلك إذا بلغها بعد تناولها ، وروي [ ص: 217 ] نحوه عن الحسن .

وقال قتادة : لا يتضلع منها بشيء ، وقال مقاتل بن حيان : لا يزداد على ثلاث لقم ، والصحيح خلاف هذا ، كما تقدم .التاسعة والعشرون : وأما التداوي بها فلا يخلو أن يحتاج إلى استعمالها قائمة العين أو محرقة ، فإن تغيرت بالإحراق فقال ابن حبيب : يجوز التداوي بها والصلاة ، وخففه ابن الماجشون بناء على أن الحرق تطهير لتغير الصفات ، وفي العتبية من رواية مالك في المرتك يصنع من عظام الميتة إذا وضعه في جرحه لا يصلي به حتى يغسله .

وإن كانت الميتة قائمة بعينها فقد قال سحنون : لا يتداوى بها بحال ولا بالخنزير ; لأن منها عوضا حلالا بخلاف المجاعة ، ولو وجد منها عوض في المجاعة لم تؤكل ، وكذلك الخمر لا يتداوى بها ، قاله مالك ، وهو ظاهر مذهب الشافعي ، وهو اختيار ابن أبي هريرة من أصحابه ، وقال أبو حنيفة : يجوز شربها للتداوي دون العطش ، وهو اختيار القاضي الطبري من أصحاب الشافعي ، وهو قول الثوري ، وقال بعض البغداديين من الشافعية : يجوز شربها للعطش دون التداوي ، لأن ضرر العطش عاجل بخلاف التداوي ، وقيل : يجوز شربها للأمرين جميعا ، ومنع بعض أصحاب الشافعي التداوي بكل محرم إلا بأبوال الإبل خاصة ، لحديث العرنيين ، ومنع بعضهم التداوي بكل محرم ، لقوله عليه السلام : إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم ، ولقوله عليه السلام لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال ، إنما أصنعها للدواء ، فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء .

رواه مسلم في الصحيح ، وهذا يحتمل أن يقيد بحالة الاضطرار ، فإنه يجوز التداوي بالسم ولا يجوز شربه ، والله أعلم .الموفية ثلاثين : غير باغ غير نصب على الحال ، وقيل : على [ ص: 218 ] الاستثناء ، وإذا رأيت غير يصلح في موضعه " في " فهي حال ، وإذا صلح موضعها " إلا " فهي استثناء ، فقس عليه .

وباغ أصله باغي ، ثقلت الضمة على الياء فسكنت والتنوين ساكن ، فحذفت الياء والكسرة تدل عليها ، والمعنى فيما قال قتادة والحسن والربيع وابن زيد وعكرمة غير باغ في أكله فوق حاجته ، ولا عاد بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها وقال السدي : غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا ، ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع ، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما : المعنى غير باغ على المسلمين ولا عاد عليهم ، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق والخارج على السلطان والمسافر في قطع الرحم والغارة على المسلمين وما شاكله ، وهذا صحيح ، فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد ، يقال : بغت المرأة تبغي بغاء إذا فجرت ، قال الله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد .

والعرب تقول : خرج الرجل في بغاء إبل له ، أي في طلبها ، ومنه قول الشاعر :إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائمالحادية والثلاثون : قوله تعالى : ولا عاد أصل عاد عائد ، فهو من المقلوب ، كشاكي السلاح وهار ولاث ، والأصل شائك وهائر ولائث ، من لثت العمامة ، فأباح الله في حالة الاضطرار أكل جميع المحرمات لعجزه عن جميع المباحات كما بينا ، فصار عدم المباح شرطا في استباحة المحرم .الثانية والثلاثون : واختلف العلماء إذا اقترن بضرورته معصية بقطع طريق وإخافة سبيل ، فحظرها عليه مالك والشافعي في أحد قوليه لأجل معصيته ; لأن الله سبحانه أباح ذلك عونا ، والعاصي لا يحل أن يعان ، فإن أراد الأكل فليتب وليأكل .

وأباحها له أبو حنيفة والشافعي في القول الآخر له ، وسويا في استباحته بين طاعته ومعصيته .

قال ابن العربي : وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية ، وما أظن أحدا يقوله ، فإن قاله فهو مخطئ قطعا .قلت : الصحيح خلاف هذا ، فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه ، قال الله تعالى : ولا تقتلوا أنفسكم وهذا عام ، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان ، وقد قال مسروق : من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار ، إلا أن يعفو الله عنه .

قال أبو الحسن الطبري المعروف بإلكيا : وليس [ ص: 219 ] أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة ، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا ، وليس تناول الميتة من رخص السفر أو متعلقا بالسفر بل هو من نتائج الضرورة سفرا كان أو حضرا ، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضا ، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء .

قال : وهو الصحيح عندنا .قلت : واختلفت الروايات عن مالك في ذلك ، فالمشهور من مذهبه فيما ذكره الباجي في المنتقى : أنه يجوز له الأكل في سفر المعصية ولا يجوز له القصر والفطر وقال ابن خويز منداد : فأما الأكل عند الاضطرار فالطائع والعاصي فيه سواء ; لأن الميتة يجوز تناولها في السفر والحضر ، وليس بخروج الخارج إلى المعاصي يسقط عنه حكم المقيم بل أسوأ حالة من أن يكون مقيما ، وليس كذلك الفطر والقصر ; لأنهما رخصتان متعلقتان بالسفر ، فمتى كان السفر سفر معصية لم يجز أن يقصر فيه ، لأن هذه الرخصة تختص بالسفر ، ولذلك قلنا : إنه يتيمم إذا عدم الماء في سفر المعصية ; لأن التيمم في الحضر والسفر سواء .

وكيف يجوز منعه من أكل الميتة والتيمم لأجل معصية ارتكبها ، وفي تركه الأكل تلف نفسه ، وتلك أكبر المعاصي ، وفي تركه التيمم إضاعة للصلاة .

أيجوز أن يقال له : ارتكبت معصية فارتكب أخرى ؟

أيجوز أن يقال لشارب الخمر : ازن ؟

وللزاني : اكفر ؟

أو يقال لهما : ضيعا الصلاة ؟

ذكر هذا كله في أحكام القرآن له ، ولم يذكر خلافا عن مالك ولا عن أحد من أصحابه .

وقال الباجي : " وروى زياد بن عبد الرحمن الأندلسي أن العاصي بسفره يقصر الصلاة ، ويفطر في رمضان ، فسوى بين ذلك كله ، وهو قول أبي حنيفة ، ولا خلاف أنه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل ، وأنه مأمور بالأكل على وجه الوجوب ، ومن كان في سفر معصية لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصيام والصلاة ، بل يلزمه الإتيان بها ، فكذلك ما ذكرناه .

وجه القول الأول أن هذه المعاني إنما أبيحت في الأسفار لحاجة الناس إليها ، فلا يباح له أن يستعين بها على المعاصي وله سبيل إلى ألا يقتل نفسه .

قال ابن حبيب : وذلك بأن يتوب ثم يتناول لحم الميتة بعد توبته ، وتعلق ابن حبيب في ذلك بقوله تعالى : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فاشترط في إباحة الميتة للضرورة ألا يكون باغيا ، والمسافر على وجه الحرابة أو القطع ، أو في قطع رحم أو طالب إثم - باغ ومعتد ، فلم توجد فيه شروط الإباحة ، والله أعلم .قلت : هذا استدلال بمفهوم الخطاب ، وهو مختلف فيه بين الأصوليين ، ومنظوم الآية أن المضطر غير باغ ولا عاد لا إثم عليه ، وغيره مسكوت عنه ، والأصل عموم الخطاب ، فمن ادعى زواله لأمر ما فعليه الدليل .[ ص: 220 ] الرابعة والثلاثون : قوله تعالى : فإن الله غفور رحيم أي يغفر المعاصي ، فأولى ألا يؤاخذ بما رخص فيه ، ومن رحمته أنه رخص .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولما ذكر تعالى إباحة الطيبات ذكر تحريم الخبائث فقال { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ } وهي: ما مات بغير تذكية شرعية, لأن الميتة خبيثة مضرة, لرداءتها في نفسها, ولأن الأغلب, أن تكون عن مرض, فيكون زيادة ضرر واستثنى الشارع من هذا العموم, ميتة الجراد, وسمك البحر, فإنه حلال طيب.

{ وَالدَّمَ } أي: المسفوح كما قيد في الآية الأخرى.

{ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } أي: ذبح لغير الله, كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار, والقبور ونحوها, وهذا المذكور غير حاصر للمحرمات، جيء به لبيان أجناس الخبائث المدلول عليها بمفهوم قوله: { طَيِّبَاتِ } فعموم المحرمات, تستفاد من الآية السابقة, من قوله: { حَلَالًا طَيِّبًا } كما تقدم.

وإنما حرم علينا هذه الخبائث ونحوها, لطفا بنا, وتنزيها عن المضر، ومع هذا { فَمَنِ اضْطُرَّ } أي: ألجئ إلى المحرم, بجوع وعُدْمٍ, أو إكراه، { غَيْرَ بَاغٍ } أي: غير طالب للمحرم, مع قدرته على الحلال, أو مع عدم جوعه، { وَلَا عَادٍ } أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له, اضطرارا، فمن اضطر وهو غير قادر على الحلال، وأكل بقدر الضرورة فلا يزيد عليها، { فَلَا إِثْمَ } [أي: جناح] عليه، وإذا ارتفع الجناح الإثم رجع الأمر إلى ما كان عليه، والإنسان بهذه الحالة, مأمور بالأكل, بل منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة, وأن يقتل نفسه.

فيجب, إذًا عليه الأكل, ويأثم إن ترك الأكل حتى مات, فيكون قاتلا لنفسه.

وهذه الإباحة والتوسعة, من رحمته تعالى بعباده, فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ولما كان الحل مشروطا بهذين الشرطين, وكان الإنسان في هذه الحالة, ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها - أخبر تعالى أنه غفور, فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال, خصوصا وقد غلبته الضرورة, وأذهبت حواسه المشقة.

وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة: " الضرورات تبيح المحظورات " فكل محظور, اضطر إليه الإنسان, فقد أباحه له, الملك الرحمن.

فله الحمد والشكر, أولا وآخرا, وظاهرا وباطنا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( إنما حرم عليكم الميتة ) قرأ أبو جعفر الميتة في كل القرآن بالتشديد والباقون يشددون البعض والميتة كل ما لم تدرك ذكاته مما يذبح ( والدم ( أراد به الدم الجاري يدل عليه قوله تعالى أو دما مسفوحا " ( 145 - الأنعام ) واستثنى الشرع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال فأحلها أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع بن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحلت لنا ميتتان ودمان الميتتان الحوت والجراد والدمان أحسبه قال الكبد والطحال .

.

.

" ( ولحم الخنزير ) أراد به جميع أجزائه فعبر عن ذلك باللحم لأنه معظمه ( وما أهل به لغير الله ) أي ما ذبح للأصنام والطواغيت وأصل الإهلال رفع الصوت وكانوا إذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون أصواتهم بذكرها فجرى ذلك من أمرهم حتى قيل لكل ذابح وإن لم يجهر بالتسمية مهل وقال الربيع بن أنس وغيره ( وما أهل به لغير الله ) قال ما ذكر عليه اسم غير الله ( فمن اضطر ) بكسر النون وأخواته قرأ عاصم وحمزة ، ووافق أبو عمرو إلا في اللام والواو مثل " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " ( 110 - الإسراء ) ويعقوب إلا في الواو ووافق ابن عامر في التنوين ، والباقون كلهم بالضم فمن كسر قال لأن الجزم يحرك إلى الكسر ، ومن ضم فلضمة أول الفعل نقل حركتها إلى ما قبلها وأبو جعفر بكسر الطاء ، ومعناه فمن اضطر إلى أكل ميتة أي أحوج وألجئ إليه ( غير ) نصب على الحال ، وقيل على الاستثناء وإذا رأيت ( غير ) يصلح في موضعها ( لا ) فهي حال وإذا صلح في موضعها ( إلا ) فهي استثناء ( باغ ولا عاد ) أصل البغي قصد الفساد ، يقال بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد وأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد ، يقال عدا عليه عدوا وعدوانا إذا ظلم واختلفوا في معنى قوله ( غير باغ ولا عاد ) فقال بعضهم ( غير باغ ) أي خارج على السلطان ولا عاد معتد عاص بسفره ، بأن خرج لقطع الطريق أو لفساد في الأرض وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير .

وقالوا لا يجوز للعاصي بسفره أن يأكل الميتة إذا اضطر إليها ولا أن يترخص برخص المسافر حتى يتوب وبه قال الشافعي رحمه الله لأن إباحته له إعانة له على فساده وذهب جماعة إلى أن البغي والعدوان راجعان إلى الأكل واختلفوا في تفصيله فقال الحسن وقتادة ( غير باغ ) لا تأكله من غير اضطرار ( ولا عاد ) أي لا يعدو لشبعه وقيل ( غير باغ ) أي غير طالبها وهو يجد غيرها ( ولا عاد ) أي غير متعد ما حد له فما يأكل حتى يشبع ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقه وقال مقاتل بن حيان ( غير باغ ) أي مستحل لها ( ولا عاد ) أي متزود منها وقيل ( غير باغ ) أي غير مجاوز للقدر الذي أحل له ( ولا عاد ) أي لا يقصر فيما أبيح له فيدعه قال مسروق : من اضطر إلى الميتة ، والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار واختلف العلماء في مقدار ما يحل للمضطر أكله من الميتة فقال بعضهم مقدار ما يسد رمقه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه .

والقول الآخر يجوز أن يأكل حتى يشبع وبه قال مالك رحمه الله تعالى وقال سهل بن عبد الله ( غير باغ ) مفارق للجماعة ( ولا عاد ) مبتدع مخالف للسنة ولم يرخص للمبتدع في تناول المحرم عند الضرورة ( فلا إثم عليه ) أي فلا حرج عليه في أكلها ( إن الله غفور ) لمن أكل في حال الاضطرار ( رحيم ) حيث رخص للعباد في ذلك

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إنما حرم عليكم الميتة» أي أكلها إذا الكلام فيه وكذا ما بعدها وهي ما لم يذك شرعا، وألحق بها بالسنة ما أبين من حيِّ وخُص منها السمك والجراد «والدم» أي المسفوح كما في الأنعام «ولحم الخنزير» خص اللحم لأنه معظم المقصود وغيره تبع له «وما أهل به لغير الله» أي ذبح على اسم غيره والإهلال رفع الصوت وكانوا يرفعونه عند الذبح لآلهتهم «فمن اضطر» أي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء مما ذكر فأكله «غير باغ» خارج على المسلمين «ولا عاد» متعد عليهم بقطع الطريق «فلا إثم عليه» في أكله «إن الله غفور» لأوليائه «رحيم» بأهل طاعته حيث وسع لهم في ذلك وخرج الباغي والعادي ويلحق بهما كل عاص بسفره كالآبق والماكس فلا يحل لهم أكل شيء من ذلك ما لم يتوبوا وعليه الشافعي.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إنما حرم الله عليكم ما يضركم كالميتة التي لم تذبح بطريقة شرعية، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والذبائح التي ذبحت لغير الله.

ومِنْ فَضْلِ الله عليكم وتيسيره أنه أباح لكم أكل هذه المحرمات عند الضرورة.

فمن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء منها، غير ظالم في أكله فوق حاجته، ولا متجاوز حدود الله فيما أُبيح له، فلا ذنب عليه في ذلك.

إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ) بيان لما حرمه الله - تعالى - علينا من المطاعم رعاية لمنفعتنا .و ( الميتة ) في عرف الشرع : ما مات حتف أنفه ، أو قتل على هيئة غير مشروعة ، فيدخل فيها : المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما عدا عليها السبع ، ويدخل في حكم الميتة ما قطع من جسم الحيوان الحي للحديث الذي أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي واقد الليثي ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " .وكان الأكل من الميتة محرماً ، لفساد جسمها بذبول أجزائه وتعفنها ، ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها .قال الآلوسي : وأضاف - سبحانه - الحرمة إلى العين - مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان - إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة من جميع الوجوه بأخصر طريق وأوكده ، حيث جعل العين غير قابلة لتعلق فعل المكلف بها إلا ما خصه الدليل كالتصرف بالمدبوغ ، وخرج عن حكم الميتة السمك والجراد ، للحديث الذي أخرجه ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أحلت لنا ميتتان ودمان : السمك والجراد والكبد والطحال " وللعرف أيضاً ، فإنه إذا ما قال القائل : أكل فلان الميتة لم يسبق الوهم إليهما نعم حرم بعضهم ميتة السمك الطافي وما مات من الجراد بغير سبب ، واستدل بعموم الآية على تحريم الأجنة وتحريم ما لا نفس له سائلة خلافاً لمن أباحه " .والدم المحرم : ما يسيل من الحيوان الحي كثيراً كان أم قليلا وكذلك يحرم من دم الحيوان ما جرى منه بعد تذكيته ، وهو الذي عبر عنه القرآن بالمسفوح في قوله - تعالى - : ( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً .

.

.

) والدم المسفوح : هو الدم الجاري المهراق من البهيمة بعد ذبحها .أما الدم المتبقي في أجزاء لحم البهيمة بعد تذكيتها فلا شيء فيه .قال القرطبي : وأما الدم فمحرم ما لم تعم به البلوي ، ومعفو عما تعم به البلوي .

والذي تعم به البلوي هو الدم في اللحم وعروقه .

.

.

وقد روت عائشة - رضي الله عنها - قالت : كنا نطبخ البرمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلوها الصفرة من الدم فنأكل ولا ننكره لأن التحفظ من هذا إصر وفيه مشقة ، والإصر والمشقة في الدين موضوع ، وهذا أصل في الشرع .وقد عرف عن بعض العرب في الجاهلية أنهم كانوا يأخذون الدم من البهائم عند ذبحها ، فيضعونه في أمعائها ثم يشوونها بالنار ويأكلونها ويسمون ذلك بالفصد .قال بعضهم : والحكمة في تحريم الدم أنه تستقذره النفوس الكريمة ، ويفضي شربه أو أكله إلى الإِضرار بالنفس ، وفضلا عن ذلك فإن تعاطيه يورث ضراروة في الإِنسان ، وغلظة في الطباع فيصير كالحيوان المفترس ، وهذا مناف لمقصد الشريعة التي جاءت لإتمام مكارم الأخلاق .وحرمة الخنزير شاملة للحمة وشحمه وجلده .

وإنما خص لحمه بالذكر ، لأنه الذي يقصد بالأكل ، ولأن سائر أجزاء الخنزير كالتابعة للحمه .

وبعض الفقهاء يرى أنه لا بأس من الانتفاع بشعر الخنزير في الخرازة - أي : خياطة الجلود وغيرها - ، وبعضهم كره ذلك .ومن الحكم في تحريم لحم الخنزير قذاراته ، واشتماله على دودة تضر ببدن آكله وقد أثبت ذلك العلم الحديث .وما يقوله قوم من أن وسائل العلم الحديث قد تقدمت ، وصار في الإِمكان التغلب على ما في لحم الخنزير من أضرار هذا القول مردود بأن العلم الحديث قد احتاج إلى ثلاثة عشر قرناً ليكتشف آفة واحدة في لحم الخنزير ، فمن ذا الذي يجزم بأنه ليس هناك آفات أخرى في هذا اللحم لم يعرفها العلم حتى الآن؟إن الشريعة التي سبقت العلم الحديث بأكثر من ثلاثة عشر قرناً أولى بالاتباع ، وأجدر بالطاعة فيما أحلته وحرمته مما يقوله الناس ، لأنها من عند الله العليم بشئون عباده ، الخبير بما ينفعهم وبما يضرهم .وقوله : ( وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ) معطوف على ما قبله من المحرمات .

و ( أُهِلَّ ) من الإِهلال ، وهو رفع الصوت عند رؤية الهلال ، ثم استعمل لرفع الصوت مطلقاً ، ومنه إهلال الصبي ، والإِهلال بالحج .

وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم سموا عليها أسماءها - كاللات والعزى - ورفعوا بها أصواتهم ، وسمى ذلك إهلالا .فالمراد بما أهل به لغير الله : ما ذبح للأصنام وغيرها ، ومنه ما يذبحه المجوسي للنار .

ومنه عند جمهور العلماء : ذبائح أهل الكتاب إذا ذكر عليها اسم عزير أو عيسى ، لأنها مما أهل به لغير الله .وذهب جماعة من التابعين إلى تخصيص الغير بالأصنام ، وإلى حل ذبائح أهل الكتاب مطلقاً ، لعموم قوله - تعالى - في سورة المائدة سوهي من آخر سورة نزولا : ( وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ ) أي ذبائحهم ، وهو - سبحانه - يعلم ما يقولون .وروى الحسن عن علي - رضي الله عنه - أنه قال : إذا ذكر الكتابي اسم غير الله على ذبيحته وأنت تسمع فلا تأكل ، فإن غاب عنك فكل ، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون .وقد روى البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " إن قوماً قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن قوماً يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟

فقال : سموا عليه أنتم وكلوه .

قالت : وكانوا حديثي عهد بكفر " .فكأن المحرم ليس ما لم يعلم أن اسم الله ذكر عليه ، بل المحرم ما علم أن غير اسم الله من الأوثان والأنداد ونحو ذلك قد ذكر عليه .فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لاستقذار الأكل من هذه الثلاثة ، أي : لعله ذاتية فيها ، أما تحريم ما أهل به لغير الله فليس لعلة فيه ، ولكن للتوجه به إلى غير الله .وهي علة روحية تنافي سلامة القلب ، وطهارة الروح ، ووحدة المتجه فما ذكر عليه سوى اسم الله من الذبائح ملقح بالنجاسة المادية والقذارة الحقيقية ، وفي ذلك حض للناس على إخلاص العبادة لله - تعالى - ، وزجدر لهم عن التقرب إلى أحد سواه .وقوله - تعالى : ( فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) بيان لحالات الضرورة التي يباح للإِنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات .و ( اضطر ) من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشيء .

يقال : اضطره إلى هذا الشيء .

أي : أحوجه وألجأه إليه مأخوذ من الإضرار ، وهو حمل الإِنسان على أمر بكرهه ، وقهره عليه بقوة يناله بدفعها الهلاك .و ( بَاغٍ ) من البغاء وهو الطلب .

تقول : بغيته بغاء وبغيا وبغية أي : طلبته .و ( عَادٍ ) اسم فاعل بمعنى متعد ، تقول .

عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غير فهو عاد ، ومنه قوله - تعالى - في شأن قوم لوط ( بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ ) و ( غَيْرَ ) منصوب على الحال من الضمير المستتر في ( اضطر ) وهي هنا بمعنى النفي ولذا عطف عليها لا .والمعنى : فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات : حالة كونه غير باغ : أي غير طالب للمحرم وهو يجد غيره ، أو غير طالب له لإِشباع لذته ، أو غير طالب له على جهة الاستئثار به على مضطر آخر ، أو غير ساع في فساد ( وَلاَ عَادٍ ) أي : وغير متجاوز ما يسد الجوع ، ويحفظ الحياة ( فلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) أي : فلا إثم عليه في أكله من هذه المحرمات .وبهذا نرى لونا من ألوان سماحهة الإِسلام ويسره في تشريعاته ، التي أقامها الله - تعالى - على رفع الحرج ، ودفع الضرر ، قال - تعالى - ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين مِنْ حَرَجٍ ) وقال - تعالى - : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) وقوله : ( إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تذييل قصد به الامتنان .

أي : إن الله - تعالى - موصوف بهذين الوصفين الجليلين ، ومن كان كذلك كان من شأنه أن يعفو عن الخطايا ، ويغفر الذنوب ، ويشرع لعباده ما فيه يسر لا ما فيه عسر .هذا ، وظاهر هذه الآية الكريمة يقتضي أنه ليس هناك محرم من المطعومات سوى هذه الأربعة ، لكنا نعلم في الشرع أن هناك مطعومات أخرى قد حرم على المسلم تناولها كلحوم الحمر الأهلية ، فعلى هذا تكون لفظة " إنما " متروكة الظاهر في العمل - كما قال الإِمام الرازي - أي : أن الحصر فيها غير مقصود وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في سورة الأنعام :( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام، والكلام فيها على نوعين النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني: ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية فالنوع الأول فيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ على وجهين: أحدهما: أن تكون حرفاً واحداً، كقولك: إنما داري دارك، وإنما مالي مالك الثاني: أن تكون (ما) منفصلة من: إن، وتكون (ما) بمعنى الذي، كقولك: إن ما أخذت مالك، وإن ما ركبت دابتك، وجاء في التنزيل على الوجهين، أما على الأول فقوله: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد وَإِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ  ﴾ وأما على الثاني فقوله: ﴿ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ  ﴾ ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل ﴿ إِنَّمَا ﴾ حرفاً واحداً كان صواباً، وقوله: ﴿ إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ  ﴾ تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول، فمنهم من قال: ﴿ إِنَّمَا ﴾ تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن والشعر والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الله إله واحد  ﴾ أي ما هو إلا إله واحد، وقال: ﴿ إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ والمساكين  ﴾ أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ  ﴾ أي ما أنا إلا بشر مثلكم، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ  ﴾ فصارت الآيتان واحدة فقوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ﴾ في هذه الآية مفسر لقوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ إلا كذا في تلك الآية، وأما الشعر فقوله الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر وقول الفرزق: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما *** يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى وأما القياس، فهو أن كلمة ﴿ إن ﴾ للإثبات وكلمة ﴿ مَا ﴾ للنفي فإذا اجتمعا فلابد وأن يبقيا على أصليهما؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق، أو ثبوت المذكور، ونفي غير المذكور وهو المطلوب، واحتج من قال: إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ ولقد كان غيره نذيراً، وجوابه معناه: ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر، ولا ينفي وجود نذير آخر.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ حَرَّمَ ﴾ على البناء للفاعل و ﴿ حُرِمَ ﴾ للبناء للمفعول و ﴿ حَرَّمَ ﴾ بوزن كرم.

المسألة الثالثة: قال الواحدي: الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم وقوله: ﴿ لَحْمَ الخنزير ﴾ أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ قال الأصمعي: الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل، وقال ابن أحمر: يهل بالفدفد ركبانها *** كما يهل الراكب المعتمر هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام، هذا معنى الإهلال، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابح مهل، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه: استهل الصبي، فمعنى قوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ يعني ما ذبح للاصنام، وهو قول مجاهد، والضحاك وقتادة، وقال الربيع بن أنس وابن زيد: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله، وهذا القول أولى، لأنه أشد مطابقة للفظ، قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً وذبيحته ذبيحة مرتد، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائح أهل الكتاب، فتحل لنا لقوله تعالى: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر والكسائي: ﴿ فَمَنِ اضطر ﴾ بضم النون والباقون بالكسر، فالضم للاتباع، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين.

المسألة الثانية: اضطر: أحوج وألجئ، وهو افتعل من الضرورة، وأصله من الضرر، وهو الضيق.

المسألة الثالثة: لما حرم الله تعالى تلك الأشياء، استثنى عنها حال الضرورة، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق، فعند ذلك يكون مضطراً الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره، فيحل له تناوله.

المسألة الرابعة: أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف، حتى يقال إنه ﴿ لا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فإذن لابد هاهنا من إضمار وهو الأكل والتقدير: فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف هاهنا كالحذف في قوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ  ﴾ ومعناه فحلق ففدية، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف، ولدلالة الخطاب عليه.

أما قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الفراء ﴿ غَيْرِ ﴾ هاهنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء، لأن غير هاهنا بمعنى النفي، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى: لا، وهي هاهنا حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر باغياً، ولا عادياً فهو له حلال.

المسألة الثانية: أصل البغي في اللغة الفساد، وتجاوز الحد قال الليث: البغي في عدو الفرس اختيال ومروح، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال: فرس باغ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى: ﴿ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ  ﴾ وقال الأصمعي: بغي الجرح يبغي بغيا، إذا بدأ بالفساد، وبغت السماء، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد، وبغى الجرح والبحر والسحاب إذا طغى.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ فالعدو هو التعدي في الأمور، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه، يقال عدا عليه عدوا، وعدوانا، واعتداء وتعديا، إذا ظلمه ظلماً مجاوزاً للحد، وعدا طوره: جاوز قدره.

المسألة الثالثة: لأهل التأويل في قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ قولان أحدهما: أن يكون قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ مختصاً بالأكل والثاني: أن يكون عاما في الأكل وغيره، أما على القول الأول ففيه وجوه: الأول: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ وذلك بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ أي متجاوز قدر الرخصة الثاني: غير باغ للذة أي طالب لها، ولا عاد متجاوز سد الجوعة، عن الحسن، وقتاد، والربيع، ومجاهد، وابن زيد الثالث: غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه، ولا عاد في سد الجوعة.

القول الثاني: أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى.

أما قوله: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ففيه سؤالان أحدهما: أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله: ﴿ لا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ يفيد الإباحة الثاني: أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه، قلنا: قد بينا في تفسير قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا  ﴾ أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح، وأيضاً فقوله تعالى: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ معناه رفع الحرج والضيق، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار، وهاهنا يتحقق معنى الوجوب.

أما قوله تعالى: في آخر الآية: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه إشكال وهو أنه لما قال: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ فكيف يليق أن يقول بعده: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم.

والجواب: من وجوه: أحدها: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة، ثم ذكر بعده أنه رحيم، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك.

وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة.

وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفوراً رحيماً لأنه غفور للعصاة إذا تابوا، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى.

النوع الثاني: من الكلام في هذه الآية المسائل الفقهية التي استنبطها العلماء منها وهي مرتبة على فصول: الفصل الأول: فيما يتعلق بالميتة: والكلام فيه مرتب على مقدمة ومقاصد: أما المقدمة: ففيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن التحريم المضاف إلى الأعيان، هل يقتضي الإجمال؟

فقال الكرخي: إنه يقتضي الإجمال، لأن الأعيان لا يمكن وصفها بالحل والحرمة، فلابد من صرفهما إلى فعل من أفعالنا فيها، وليست جميع أفعالنا فيها محرمة لأن تبعيدها عن النفس وعما يجاوز المكان فعل من الأفعال فيها، وهو غير محرم، فإذن لابد من صرف هذا التحريم إلى فعل خاص، وليس بعض الأفعال أولى من بعض فوجب صيرورة الآية مجملة، وأما أكثر العلماء فإنهم أصروا على أنه ليس من المجملات بل هذه اللفظة تفيد في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما أن الذوات لا تملك وإنما يملك التصرفات فيها، فإذا قيل فلان يملك جارية فهم كل أحد أنه يملك التصرف فيها فكذا هنا، وقد استقصينا الكلام فيه من كتاب المحصول في علم الأصول.

المسألة الثانية: لما ثبت الأصل الذي قدمناه وجب أن تدل الآية على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص، فإن قيل: لم لا يجوز تخصيص هذا التحريم بالأكل، والذي يدل عليه وجوه: أحدها: أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها.

وثانيها: أنه ورد عقيب قوله: ﴿ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم  ﴾ .

وثالثها: ما روي عن الرسول عليه السلام في خبر شاة ميمونة، إنما حرم من الميتة أكلها.

والجواب عن الأول: لا نسلم أن المتعارف من تحريم الميتة تحريم أكلها وعن الثاني: أن هذه الآية مستقلة بنفسها فلا يجب قصرها على ما تقدم، بل يجب إجراؤها على ظاهرها وعن الثالث: أن ظاهر القرآن مقدم على خبر الواحد، لكن هذا إنما يستقيم إذا لم يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد، ويمكن أن يجاب عنه بأن المسلمين إنما رجعوا في معرفة وجوه الحرمة إلى هذه الآية، فدل إنعقاد اجماعهم على أنها غير مخصوصة ببيان حرمة الأكل، وللسائل أن يمنع هذا الإجماع.

المسألة الثالثة: الميتة من حيث اللغة هو الذي خرج من أن يكون حيا من دون نقض بنية ولذلك فرقوا بين المقتول والميت، وأما من جهة الشرع فهو غير المذكي إما لأنه لم يذبح أو أنه ذبح ولكن لم يكن ذبحه ذكاة وسنذكر حد الزكاة في موضعه، فإن قيل: كيف يصح ذلك وقد قال تعالى في سورة المائدة: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم  ﴾ ثم ذكر من بعده المنخنقة والموقوذة والمتردية فدل هذا على أن غير المذكى منه ما هو ميتة ومنه ما ليس كذلك، قلنا لعل الأمر كان في ابتداء الشرع على أصل اللغة، وأما بعد استقرار الشرع فالميتة ما ذكرناه والله أعلم.

أما المقاصد فاعلم أن الخطأ في المسائل المستنبطة من هذه الآية من وجهين: أحدهما: ما أخرجوه عن الآية وهو داخل فيها والثاني: ما أدخلوه فيها وهو خارج عنها.

أما القسم الأول ففيه مسائل: المسألة الأولى: ذهب الشافعي رضي الله عنه في أظهر أقواله إلى أنه يحرم الانتفاع بصوف الميتة وشعرها وعظمها وقال مالك: يحرم الانتفاع بعظمها خاصة وجل الفقهاء اتفقوا على تحريم الانتفاع بشعر الخنزير، واحتج هؤلاء بأن هذه الأشياء ميتة فوجب أن يحرم الانتفاع بها، إنما قلنا إنها ميتة لقوله عليه السلام: «ما أبين من حي فهو ميت» وهذا الخبر يعم الشعر والعظم والكل وأما الذي يدل على أن العظم ميتة خاصة فقوله تعالى: ﴿ مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ  ﴾ فثبت أنها كانت حية فعند الموت تصير ميتة وإذا ثبت أنها ميتة وجب أن يحرم الانتفاع بها لقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ اعترض المخالف عليه بأن الشعر والصوف لا حياة فيه، لأن حكم الحياة الإدراك والشعور وذلك مفقود في الشعر ولأجل هذا الكلام ذهب مالك إلى تنجيس العظام دون الشعور.

والجواب: أن الحياة ليست عبارة عن المعنى المقتضى للإدراك والشعور بدليل الآية والخبر أما الآية فقوله تعالى: ﴿ كَيْفَ يُحْىِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا  ﴾ وأما الخبر فقوله عليه السلام: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له».

والأصل في الإطلاق الحقيقة، فعلمنا أن الحياة في أصل اللغة ليست عبارة عما ذكرتموه، بل عن كون الحيوان أو النبات صحيحا في مزاجه معتدلا في حاله غير معترض للفساد والتعفن والتفرق، وإذا ثبت ذلك ظهر اندراجه تحت الآية، واحتج أبو حنيفة بالقرآن والخبر والإجماع والقياس، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أثاثا ومتاعا إلى حِينٍ  ﴾ حيث ذكرها في معرض المنة، والامتنان لا يقع بالنجس الذي لا يحل الانتفاع به، وأما الخبر فقوله عليه السلام في شاة ميمونة إنما حرم من الميتة أكلها وأما الإجماع، فهو أنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ويجعلون منها القلانس، وعن النخعي: كانوا لا يرون بجلود السباع وجلود الميتة إذا دبغت بأساً، وما خصوا حال الشعر وعدمه وقول الشافعي: كانوا إشارة إلى الصحابة وليس لأحد أن يقول الثعلب عند الشافعي رضي الله عنه حلال، فلهذا يقول بإباحته لأن الزكاة شرط بالاتفاق وهو غير حاصل في هذه الثعالب، وأما القياس فلأن هذه الشعور والعظام أجسام منتفع بها غير متعرضة للتعفن والفساد، فوجب أن يقضي بطهارتها كالجلود المدبوغة، وأما النفع بشعر الخنزير: ففي الفقهاء من منع نجاسته وهو الأسلم، ثم قالوا: هب أن عموم قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ يقتضي حرمة الانتفاع بالصوف والعظم وغيرهما إلا أن هذه الدلائل تنتج الانتفاع بها، والخاص مقدم على العام فكان هذا الجانب أولى بالرعاية.

المسألة الثانية: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا مات في الماء دابة ليس لها نفس سائلة لم يفسد الماء قل أو كثر، وللشافعي رضي الله عنه قولان في الماء القليل، واحتجوا للشافعي، بأنها حيوانات فإذا ماتت صارت ميتة فيحرم استعمالها بمقتضى الآية، وإذا حرم استعمالها بمقتضى الآية وجب الحكم بنجاستها، وإذا ثبت الحكم بنجاستها، وجب الحكم بنجاسة الماء القليل الذي وقعت هي فيه، وأجابوا عنه بأنه ميتة، ويحرم الانتفاع بها ولكن لم قلتم إنها متى كانت كذلك كانت نجسة، ثم لم يلزم من نجاستها تنجس الماء بها، واحتجوا على القول الثاني للشافعي رضي الله عنه بقوله عليه السلام: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» وأمر بالمقل فربما كان الطعام حاراً فيموت الذباب فيه فلو كان ذلك سبباً للتنجيس لما أمر النبي عليه السلام به.

المسألة الثالثة: للفقهاء مذاهب سبعة في أمر الدباغ، فأوسع الناس فيه قولا الزهري، فإنه يجوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ويليه داود فإنه قال تطهر كلها بالدباغ، ويليه مالك فإنه قال يطهر ظاهرها دون باطنها، ويليه أبو حنيفة فإنه قال يطهر كلها إلا جلد الخنزير، ويليه الشافعي فإنه قال يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير، ويليه الأوزاعي وأبو ثور فإنهما يقولان: يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط، ويليه أحمد بن حنبل رضي الله عنهم فإنه قال: لا يطهر منها شيء بالدباغ، واحتج أحمد بالآية والخبر أما الآية فقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة  ﴾ أطلق التحريم وما قيده بحال دون حال، وأما الخبر فقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، أجابوا عن التمسك بالآية، بأن تخصيص العموم بخبر الواحد وبالقياس جائز، وقد وجدا هاهنا خبر الواحد فقوله عليه الصلاة والسلام: «أيما إهاب دبغ فقد طهر».

وأما القياس: فهو أن الدباغ يعود الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة وكما كان حال الحياة طاهراً كذلك بعد الدباغ وهذا القياس والخبر هما معتمد الشافعي رحمه الله.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة، بإطعام البازي والبهيمة، فمنهم من منع منه لأنه إذا أطعم البازي ذلك فقد انتفع بتلك الميتة والآية دالة على تحريم الانتفاع بالميتة فاما إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة فهل يجب علينا منعه أم لا فيه احتمالان.

المسألة الخامسة: اختلفوا في دهن الميتة وودكها هل يجوز الاستصباح به أم لا، وهذا ينظر فيه فإن كان ذلك مما حلته الحياة، أو في جملته ما هو هذا حاله، فالظاهر يقتضي المنع منه وإن لم يكن كذلك فهو خارج من جملة الميتة، وإنما يحرم ذلك الدليل سوى الظاهر، وعن عطاء بن جابر قال لما قدم الرسول صلى الله عليه وسلم مكة أتاه الذين يجمعون الأوداك، فقالوا يا رسول الله إنا نجمع الأوداك وهي من الميتة وغيرها وإنما هي للأديم والسفن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها فنهاهم عن ذلك» وأخبرهم بأن تحريمه إياها على الإطلاق أوجب تحريم بيعها كما أوجب تحريم أكلها.

المسألة السادسة: الظاهر يقتضي حرمة السمك والجراد إلا أنهما خصا بالخبر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والنون وأما الدمان فالطحال والكبد» وعن جابر في قصة طويلة: أن البحر ألقى إليهم حوتاً فأكلوا منه نصف شهر، فلما رجعوا أخبروا النبي عليه الصلاة والسلام بذلك فقال: هل عندكم منه شيء تطعموني، وقال عليه الصلاة والسلام في صفة البحر هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأيضاً فإنه ثبت بالتواتر عن الرسول عليه الصلاة والسلام: حل السمك، واختلفوا في السمك الظافي وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه، فقال مالك والشافعي رضي الله عنهما لا بأس به، وقال أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح إنه مكروه واختلف الصحابة في هذه المسألة فعن علي رضي الله عنه أنه قال: ما طفا من صيد البحر فلا نأكله، وهذا أيضاً مروي عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، وروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأبي أيوب إباحته، وروى أبو بكر الرازي روايات مختلفة عن جابر بن عبد الله أنه عليه الصلاة والسلام قال: ما ألقى البحر أو جرد عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه وأما الشافعي رضي الله عنه فقد احتج بالآية والخبر والمعقول، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ  ﴾ وهذا السمك الطافي من طعام البحر فوجب حله، وأما الخبر فقوله عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان السمل والجراد» وهذا مطلق، وقوله في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وهذا عام وروي عن أنس رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «كل ما طفا على البحر».

المسألة السابعة: قال الشافعي وأبو حنيفة رضي الله عنهما: لا بأس بأكل الجراد كله ما أخذته وما وجدته، وروي عن مالك رضي الله عنه أن ما وجد ميتاً لا يحل، وأما ما أخذ حيا ثم قطع رأسه وشوي أكل، وما أخذ حيا فغفل عنه حتى يموت لم يؤكل حجة مالك ظاهر الآية، وحجة الشافعي وأبي حنيفة قوله عليه السلام: «أحلت لنا ميتتان السمك والجراد» فوجب حملهما على الإطلاق فتبين بذلك أن قطع رأسه إن جعل له ذكاة فهو كالشاة المذكاة في أنه لا يكون ميتة، فلا يكون لقوله عليه السلام أحلت لنا ميتتان فائدة وقال عبد الله بن أبي أوفى: غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد ولا نأكل غيره، فلم يفرق بين ميتة وبين مقتولة.

المسألة الثامنة: اختلفوا في الجنين إذا خرج ميتاً بعد ذبح الأم، فقال أبو حنيفة، لا يؤكل إلا أن يخرج حيا فيذبح، وهو قول حماد، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: أنه يؤكل وهذا هو المروى عن علي، وابن مسعود، وابن عمر، وقال مالك: إن تم خلقه ونبت شعره أكل، وإلا لم يؤكل، وهو قول سعيد بن المسيب، واحتج أبو حنيفة بظاهر هذه الآية وهو أنه ميتة، فوجب أن يحرم، قال الشافعي، أخصص هذا العموم بالخبر والقياس، أما الخبر فهو أنا أجمعنا على أن المذكى مباح وهذا مذكى، لما روى أبو سعيد الخدري، وأبو الدرداء، وأبو أمامة، وكعب بن مالك، وابن عمر وأبو أيوب، وأبو هريرة رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ذكاه الجنين ذكاة أمه» وتقريره أن كون الذكاة سبباً للإباحة حكم شرعي، فجاز أن تكون ذكاة الجنين حاصلة شرعاً بتحصيل ذكاة أمه، أجاب الحنفيون بأن قوله ذكاة الجنين ذكاة أمه، يحتمل أن يريد به أن ذكاة أمه ذكاة له، ويحتمل أن يريد به إيجاب تذكيته كما تذكي أمه، وأنه لا يؤكل بغير ذكاة، كقوله تعالى: ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض  ﴾ ومعناه كعرض السموات والأرض، وكقول القائل: قولي قولك، ومذهبي مذهبك، وإنما المعنى: قولي كقولك، ومذهبي كمذهبك، وقال الشاعر: فعيناك عيناها *** وجيدك جيدها وإذا ثبت ما ذكرنا كان أحد، الإحتمالين إيجاب تذكيته، وأنه لا يؤكل غير مذكى في نفسه، والآخر أن ذكاة أمه تبيح أكله، وإذا كان كذلك لم يجز تخصيص الأمر بل يجب حمله على المعنى الموافق للآية، أجاب الشافعي رضي الله عنه من وجوه: أحدها: أن على الإحتمال الذي ذكرتموه لابد فيه من إضمار وهو أن ذكاة الجنين كذكاة أمه، والإضمار خلاف الأصل.

وثانيها: أنه لا يسمى جنيناً إلا حال كونه في بطن أمه، ومتى ولد لا يسمى جنيناً، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أثبت له الذكاة حال كونه جنيناً، فوجب أن يكون في تلك الحالة مذكي بذكاتها.

وثالثها: أن حمل الخبر على ما ذكرت من إيجاب ذكاته إذا خرج حياً تسقط فائدته، لأن ذلك معلوم قبل وروده.

ورابعها: ما روي عن أبي سعيد أنه عليه الصلاة والسلام سئل عن الجنين يخرج ميتاً، قال: إن شئتم فكلوه، فإن ذكاته ذكاة أمه، وأما القياس فمن وجوه أحدهما: أنا أجمعنا على أن من ضرب بطن امرأته فماتت وألقيت جنيناً ميتاً، لم ينفرد الجنين بحكم نفسه، ولو خرج الولد حيا ثم مات انفرد بحكم نفسه دون أمه في إيجاب الغرة، فكذلك جنين الحيوان إذا مات عن ذبح أمه وخرج ميتاً، كان تبعاً للأم في الذكاة، وإذا خرج حياً لم يؤكل حتى يذكى.

وثانيها: أن الجنين حال اتصاله بالأم في حكم عضو من أعضائها فوجب أن يحل بذكاتها كسائل الأعضاء.

وثالثها: الواحب في الولد أن يتبع الأم في الذكاة، كما يتبع الولد الأم في العتاق والإستيلاد والكتابة ونحوها.

المسألة التاسعة: ما قطع من الحي من الأبعاض فهو محرم لأنه ميتة، فوجب أن يكون حراماً إنما قلنا: إنه ميتة، للنص والمعقول، أما النص فقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أبين من حي فهو ميت».

وأما المعقول فهو أن ذلك البعض كان حياً لأنه يدرك الألم واللذة، وبالقطع زال ذلك الوصف فصار ميتاً، فوجب أن يحرم لقوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة  ﴾ .

المسألة العاشرة: اختلفوا في أن ذبح ما لا يؤكل لحمه هل يستعقب طهارة الجلد، فعند الشافعي رضي الله عنه، لا يستعقبه، لأن هذا الذبح لا يستعقب حل الأكل فوجب أن لا يستعقب الطهارة كذبح المجوسي، وعند أبي حنيفة يستعقبه.

القسم الثاني: مما دخل في الآية وليس منها، وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ و ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ لا يقتضي تحريم ما مات فيه من المائعات، وإنما يقتضي تحريم عين الميتة، وما جاور الميتة فلا يسمى ميتة، فلا يتناوله لفظ التحريم، كالسمن إذا وقعت فيه فأرة وماتت فإنه لا يتناولها، هذا الظاهر وجملة الكلام في هذا الباب تدور على فصلين أحدهما: أما الذي ينجس بمجاورته الميتة فيحرم، وأما الذي لا ينجس فلا يحرم والثاني: أن الذي ينجس كيف الطريق إلى تطهيره؟

المسألة الثانية: سأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات، فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟

فذكروا له عن ابن عباس: أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل ويراق المرق، فقال أبو حنيفة بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها كما في هذه الرواية وإن كان وقع في حال غليانها: لم يؤكل اللحم ولا المرق، قال ابن المبارك: ولم ذاك؟

قال: لأنه إذا سقط فيها في غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها حال سكونها فمات فإنما رشحت الميتة اللحم، قال ابن المبارك وعقد بيده ثلاثين: هذا زرين، بالفارسية يعني المذهب، وروى ابن المبارك مثل هذا عن الحسن.

المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة لبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهرتان، وقال الشافعي ومالك: لا يحل هذا اللبن والأنفحة، وقال الليث: لا تؤكل البيضة التي تخرج من دجاجة ميتة، واعلم أن الشافعي رضي الله عنه لا يتمسك في هذه المسألة بظاهر قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة  ﴾ لأن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، فوجب الرجوع فيه نفياً وإثباتاً إلى دليل آخر، ومعتمد الشافعي أن اللبن لو كان مجموعاً في إناء فسقط فيه شيء من الميتة ينجس فكذلك إذا ماتت وهو في ضرعها، وهكذا الخلاف في الأنفحة، أما البيض إذا أخرج من جوف الدجاج فهو طاهر إذا غسل، ويحل أكله لأن القشرة إذا صلبت حجزت بين المأكول وبين الميتة فتحل، ولذلك لو كانت البيضة غير منعقدة لحرمت.

ولنختم هذا الفصل بمسائل مشتركة بين القسمين.

المسألة الأولى: اختلف المتكلمون في أن الميتة هل تكون ميتة بمعنى الموت، فمنهم من أثبت الموت بمعنى مضاد للحياة، على ما قال تعالى: ﴿ الذى خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ ومنهم من قال: إنه عدم الحياة عما من شأنه أن يقبل الحياة وهذا أقرب.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن حرمة الميتة هل تقتضي نجاستها، والحق أن حرمة الانتفاع لا تقتضي النجاسة، لأن لا يمتنع في العقل أن يحرم الانتفاع بها، ويحل الانتفاع بما جاورها، إلا أنه قد ثبت بالإجماع أن الميتة نجسة.

الفصل الثاني: في تحريم الدم: وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الشافعي رضي الله عنه حرم جميع الدماء سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، أما الشافعي فإنه تمسك بظاهر هذه الآية، وهو قوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير ﴾ وهذا دم فوجب أن يحرم، وأبو حنيفة تمسك بقوله تعالى: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا  ﴾ فصرح بأنه لم يجد شيئاً من المحرمات إلا هذه الأمور، فالدم الذي لا يكون مسفوحاً وجب أن لا يكون محرماً بمقتضى هذه الآية فإذن هذه الآية خاصة وقوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ عام والخاص مقدم على العام، أجاب الشافعي رضي الله عنه بأن قوله: ﴿ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ﴾ ليس فيه دلالة على تحليل غير هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية، بل على أنه تعالى ما بين له إلا تحريم هذه الأشياء، وهذا لا ينافي أن يبين له بعد ذلك تحريم ما عداها، فلعل قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة ﴾ نزلت بعد ذلك، فكان ذلك بياناً لتحريم الدم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح، إذا ثبت هذا وجب الحكم بحرمة جيمع الدماء ونجاستها فتجب إزالة الدم عن اللحم ما أمكن، وكذا في السمك، وأي دم وقع في الماء والثوب فإنه ينجس ذلك المورود.

المسألة الثانية: اختلفوا في قوله عليه الصلاة والسلام: «أحلت لنا ميتتان ودمان الطحال والكبد».

هل يطلق اسم الدم عليهما فيكون استثناء صحيحاً أم لا؟

فمنهم من منع ذلك لأن الكبد يجري مجرى اللحم وكذا الطحال وإنما يوصفان بذلك تشبيهاً، ومنهم من يقول هو كالدم الجامد ويستدل عليه بالحديث.

الفصل الثالث: في الخنزير: وفيه مسائل: المسألة الأولى: أجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وإنما ذكر الله تعالى لحمه لأن معظم الإنتفاع متعلق به، وهو كقوله: ﴿ إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وذروا البيع  ﴾ فخص البيع بالنهي لما كان هو أعظم المهمات عندهم، أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمة وتنجيسه، واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز، فقال أبو حنيفة ومحمد: يجوز، وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز، وقال أبو يوسف: أكره الخرز به، وروي عنه الإباحة، حجة أبي حنيفة ومحمد أنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير ظهر منهم، ولأن الحاجة ماسة إليه، وإذا قال الشافعي في دم البراغيث، أنه لا ينجس الثوب لمشقة الإحتراز فهلا جاز مثله في شعر الخنزير إذا خرز به؟.

المسألة الثانية: اختلفوا في خنزير الماء، قال ابن أبي ليلى ومالك والشافعي والأوزاعي: لا بأس بأكل شيء يكون في البحر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يؤكل، حجة الشافعي قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ  ﴾ وحجة أبي حنيفة أن هذا خنزيرفيحرم لقوله تعالى: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمُ الخنزير  ﴾ وقال الشافعي: الخنزير إذا أطلق فإنه يتبادر إلى الفهم خنزير البر لا خنزير البحر، كما أن اللحم إذا أطلق يتبادر إلى الفهم لحم غير السمك لا لحم السمك بالاتفاق ولأن خنزير الماء لا يسمى خنزيراً على الإطلاق بل يسمى خنزير الماء.

المسألة الثالثة: للشافعي رضي الله عنه قولان: في أنه هل يغسل الإناء من ولغ الخنزير سبعاً؟

أحدها: نعم تشبيها له بالكلب والثاني: لا لأن ذلك التشديد إنما كان فطما لهم عن مخالطة الكلاب وهم ما كانوا يخالطون الخنزير فظهر الفرق.

الفصل الرابع: في تحريم ما أهل به لغير الله: من الناس من زعم أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان الذين كانوا يذبحون لأوثانهم، كقوله تعالى: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب  ﴾ وأجازوا ذبيحة النصراني إذا سمى عليها باسم المسيح، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب، وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه لا يحل ذلك والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله، فوجب أن يحرم وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فقلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله تعالى قد أحل ذبائحهم، وهو يعلم ما يقولون، واحتج المخالف بوجوه: الأول: إنه تعالى قال: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ  ﴾ وهذا عام.

الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ فدل على أن المراد بقوله: ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ هو المراد بقوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ الثالث: أن النصراني إذا سمى الله تعالى وإنما يريد به المسيح فإذا كانت إرادته لذلك لم تمنع حل ذبيحته مع أنه يهل به لغير الله فكذلك ينبغي أن يكون حكمه إذا أظهر ما يضمره عند ذكر الله وإرادته المسيح.

والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ ﴾ عام وقوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ خاص والخاص مقدم على العام وعن الثاني: أن قوله: ﴿ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب ﴾ لا يقتضي تخصيص قوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ لأنهما آيتان متباينتان ولا مساواة بينهما وعن الثالث: أنا إنما كلفنا بالظاهر لا بالباطن، فإذا ذبحه على اسم الله وجب أن يحل، ولا سبيل لنا إلى الباطن.

الفصل الخامس: القائلون بأن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر اتفقوا على أن ظاهر الآية يقتضي أن لا يحرم سوى هذه الأشياء لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات فتصير كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ متروكة الظاهر في العمل ومن قال إنها لا تفيد الحصر فالإشكال زائل.

الفصل السادس: في المضطر: وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رضي الله عنه: قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ معناه أن من كان مضطراً ولا يكون موصوفاً بصفة البغي، ولا بصفة العدوان ألبتة فأكل، فلا إثم عليه وقال أبو حنيفة معناه فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد في الأكل فلا إثم عليه فخصص صفة البغي والعدوان بالأكل ويتفرع على هذا الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟

فقال الشافعي رضي الله عنه لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان فلا يندرج تحت الآية وقال أبو حنيفة بل يترخص لأنه مضطر غير باغ ولا عاد في الأكل فيندرج تحت الآية، واحتج الشافعي على قوله بهذه الآية وبالمعقول، أما الآية فهي أنه سبحانه وتعالى حرم هذه الأشياء على الكل بقوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم  ﴾ ثم أباحها للمضطر الذي يكون موصوفاً بإنه غير باغ ولا عاد، والعاصي بسفره غير موصوف بهذه الصفة لأن قولنا: فلان ليس بمتعد نقيض لقولنا: فلان متعد ويكفي في صدقة كونه متعدياً في أمر ما من الأمور سواء كان في السفر، أو في الأكل، أو في غيرهما، وإذا كان اسم المتعدي يصدق بكونه متعدياً في أمر ما أي أمر كان وجب أن يكون قولنا: فلان غير معتدلا يصدق إلا إذا لم يكن متعدياً في شيء من الأشياء ألبتة، فاذن قولنا: غير باغ ولا عاد لا يصدق إلا إذا انتفى عنه صفة التعدي من جميع الوجوه، والعاصي بسفره متعد بسفره، فلا يصدق عليه كونه غير عاد، وإذا لم يصدق عليه ذلك وجب بقاؤه تحت الآية وهو قوله: ﴿ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة والدم ﴾ أقصى ما في الباب أن يقال: هذا يشكل بالعاصي في سفره، فإنه يترخص مع أنه موصوف بالعدوان لكنا نقول: إنه عام دخله التخصيص في هذه الصورة، والفرق بين الصورتين أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية، أما إذا لم يكن السفر في نفسه معصية لم تكن الإعانة عليه إعانة على المعصية فظهر الفرق، واعلم أن القاضي وأبا بكر الرازي نقلاً عن الشافعي أنه قال في تفسير قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ أي باغ على إمام المسلمين، ولا عاد بأن لا يكون سفره في معصية، ثم قالا.

تفسير الآية غير باغ ولا عاد في الأكل أولى مما ذكره الشافعي رضي الله عنه، وذلك لأن قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ شرط والشرط بمنزلة الاستثناء في أنه لا يستقل بنفسه فلابد من تعلقه بمذكور وقد علمنا أنه لا مذكور إلا الأكل لأنا بينا أن معنى الآية فمن اضطر فأكل غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه وإذا كان كذلك وجب أن يكون متعلقاً بالأكل الذي هو في حكم المذكور دون السفر الذي هو ألبتة غير مذكور.

واعلم أن هذا الكلام ضعيف، وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ لا يصدق إلا إذا انتفى عنه البغي والعدوان في كل الأمور، فيدخل فيه نفي العدوان بالسفر ضمنا، ولا نقول: اللفظ يدل على التعيين وأما تخصيصه بالأكل فهو تخصيص من غير ضرورة، فكان على خلاف الأصل، ثم الذي يدل على أنه لا يجوز صرفه إلى الأكل وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ حال من الاضطرار، فلابد وأن يكون وصف الاضطرار باقيا مع بقاء كونه غير باغ ولا عاد فلو كان المراد بكونه غير باغ ولا عاد كونه كذلك في الأكل لاستحال أن يبقى وصف الاضطرار معه لأن حال الأكل لا يبق وصف الاضطرار.

وثانيها: أن الإنسان ينفر بطبعه عن تناول الميتة والدم، وما كان كذلك لم يكن هناك حاجة إلى النهي عنه فصرف هذا الشرط إلى التعدي في الأكل يخرج الكلام عن الفائدة.

وثالثها: أن كونه غير باغ ولا عاد يفيد نفي ماهية البغي ونفي ماهية العدوان، وهذه الماهية إنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها والعدوان في الأكل أحد أفراد هذه الماهية وكذا العدوان في السفر فرد آخر من أفرادها فاذن نفي العدوان يقتضي نفي العدوان من جميع هذه الجهات فكان تخصيصه بالأكل غير جائز، وأما الشافعي رضي الله عنه فإنه لا يخصصه بنفي العدوان في السفر بل يحمله على ظاهره، وهو نفي العدوان من جميع الوجوه، ويستلزم نفي العدوان في السفر وحينئذ يتحقق مقصوده.

ورابعها: أن الاحتمال الذي ذكرناه متأيد بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضطر فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ  ﴾ وهو الذي قلناه من أن الآية تقتضي أن لا يكون موصوفاً بالبغي والعدوان في أمر من الأمور، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجوه: أحدها: قوله تعالى في آية أخرى ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ  ﴾ وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة  ﴾ والامتناع من الأكل سعى في قتل النفس وإلقاء النفس في التهلكة، فوجب أن يحرم.

وثالثها: روي أنه عليه السلام رخص للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليها ولم يفرق فيه بين العاصي والمطيع.

ورابعها: أن العاصي بسفره إذا كان نائماً فأشرف على غرق أو حرق يجب على الحاضر الذي يكون في الصلاة أن يقطع صلاته لإنجائه من الغرق أو الحرق فلأن يجب عليه في هذه الصورة أن يسعى في إنقاذ المهجة أولى.

وخامسها: أن يدفع أسباب الهلاك، كالفيل، والجمل الصؤل، والحية، والعقرب، بل يجب عليه، فكذا هاهنا.

وسادسها: أن العاصي بسفره إذا اضطر فلو أباح له رجل شيئا من ماله فإنه يحل له ذلك بل يجب عليه فكذا هاهنا والجامع دفع الضرر عن النفس.

وسابعها: أن المؤنة في دفع ضرر الناس أعظم في الوجوب من كل ما يدفع المرء من المضار عن نفسه، فكذلك يدفع ضررالهلاك عن نفسه بهذا الأكل وإن كان عاصياً.

وثامنها: أن الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا هاهنا أجاب الشافعي عن التمسك بالعمومات بأن دليلنا النافي للترخص أخص من دلائلهم المرخصة والخاص مقدم على العام، وعن الوجوه القياسية بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة وإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه، ثم عارض هذه الوجوه بوجه قوي وهو أن الرخصة إعانة على السفر فإذا كان السفر معصية كانت الرخصة إعانة على المعصية وذلك محال لأن المعصية ممنوع منها والإعانة سعي في تحصيلها والجمع بينهما متناقص والله أعلم.

المسألة الثانية: قال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: لا يأكل المضطر من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه، وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعه، وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود، فإن وجد غني عنها طرحها، والأقرب في دلالة الآية ما ذكرناه أولا لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يجز له تناول الميتة لارتفاع الإلجاء إلى أكلها لوجود الحلال، فكذلك إذا زال الاضطرار بأكل قدر منه فالزائد محرم، ولا اعتبار في ذلك بسد الجوعة على ما قاله العنبري، لأن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه، فكذا هاهنا، ويدل عليه أيضاً أنه لو كان معه من الطعام مقدار ما إذا أكله أمسك رمقه لم يجز له أن يتناول الميتة، فإذا أكل ذلك الطعام وزال خوف التلف لم يجز له أن يأكل الميتة، فكذا إذا أكل من الميتة ما زال معه خوف الضرر وجب أن يحرم عليه الأكل بعد ذلك.

المسألة الثالثة: اختلفوا في المضطر إذا وجد كل ما يعد من المحرمات، فالأكثرون من العلماء خيروه بين الكل لأن الميتة والدم ولحم الخنزير سواء في التحريم والاضطرار، فوجب أن يكون مخيراً في الكل وهذا هو الأليق بظاهر هذه الآية وهو أولى من قول من أوجب أن يتناول الميتة دون لحم الخنزير أعظم شأناً في التحريم.

المسألة الرابعة: اختلفوا في المضطر إلى الشرب إذا وجد خمراً، أو من غص بلقمة فلم يجد ماء يسيغه ووجد الخمر، فمنهم من أباحه بالقياس على هذه الصورة، فإن الله تعالى إنما أباح هذه المحرمات إبقاء للنفس ودفعاً للهلاك عنها، فكذلك في هذه الصورة وهذا هو الأقرب إلى الظاهر، والقياس وهو قول سعيد بن جبير وأبي حنيفة، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يشرب لأنه يزيده عطشاً وجوعاً ويذهب عقله، وأجيب عنه بأن قوله: لا يزيده إلا عطشاً وجوعاً مكابرة، وقوله: يزيل العقل فكلامنا في القليل الذي لا يكون كذلك.

المسألة الخامسة: اختلفوا إذا كانت الميتة يحتاج إلى تناولها للعلاج إما بانفرادها أو بوقوعها في بعض الأدوية المركبة، فأباحه بعضهم للنص والمعنى، أما النص فهو أنه أباح للعرنيين شرب أبوال الإبل وألبانها للتداوي، وأما المعنى فمن وجوه: الأول: أن الترياق الذي جعل فيه لحوم الأفاعي مستطاب فوجب أن يحل لقوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات  ﴾ غاية ما في الباب أن هذا العموم مخصوص ولكن لا يقدح في كونه حجة الثاني: أن أبا حنيفة لما عفا عن قدر الدرهم من النجاسة لأجل الحاجة، والشافعي عفا عن دم البراغيث للحاجة فلم لا يحكمان بالعفو في هذه الصورة للحاجة الثالث: أنه تعالى أباح أكل الميتة لمصلحة النفس فكذا هاهنا، ومن الناس من حرمه واحتج بقوله عليه السلام: «إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليهم».

وأجاب الأولون بأن التمسك بهذا الخبر إنما يتم لو ثبت أنه يحرم عليه تناوله، والنزاع ليس إلا فيه.

المسألة السادسة: اختلفوا في التداوي بالخمر، واعلم أن الحاجة إلى ذلك التداوي إن انتهت إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الرابعة، فإن لم تنته إلى حد الضرورة فقد تقدم حكمه في المسألة الخامسة: الحكم الثاني: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: ﴿ حَرّم ﴾ على البناء للفاعل، و ﴿ حُرِّم ﴾ على البناء للمفعول، و ﴿ حَرُم ﴾ بوزن كرم ﴿ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله ﴾ أي رفع به الصوت للصنم، وذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ على مضطرّ آخر بالاستيثار عليه ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ سدَّ الجوعة.

فإن قلت: في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان» قلت: قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة.

ألا ترى أنّ القائل إذا قال: أكل فلان ميتة، لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد، كما لو قال: أكل دماً، لم يسبق إلى الكبد والطحال.

ولاعتبار العادة والتعارف قالوا: من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث- وإن أكل لحماً في الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا ﴾ [النحل: 14] وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث- وإن سماه الله تعالى دابة في قوله: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ ﴾ [الأنفال: 55] .

فإن قلت: فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه؟

قلت: لأنّ الشحم داخل في ذكر اللحم، لكونه تابعاً له وصفه فيه، بدليل قولهم: لحم سمين، يريدون أنه شحيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ ﴾ أكْلَها، أوِ الِانْتِفاعَ بِها.

وهي الَّتِي ماتَتْ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.

والحَدِيثُ أُلْحِقَ بِها ما أبْيَنَ مِن حَيٍّ.

والسَّمَكُ والجَرادُ أخْرَجَهُما العُرْفُ عَنْها، أوِ اسْتَثْناهُ الشَّرْعُ.

والحُرْمَةُ المُضافَةُ إلى العَيْنِ تُفِيدُ عُرْفًا حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ فِيها مُطْلَقًا إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، كالتَّصَرُّفِ في المَدْبُوغِ.

﴿ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ ﴾ إنَّما خَصَّ اللَّحْمَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ وسائِرِ أجْزائِهِ كالتّابِعِ لَهُ.

﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ رُفِعَ بِهِ الصَّوْتُ عِنْدَ ذَبْحِهِ لِلصَّنَمِ.

والإهْلالُ أصْلُهُ رُؤْيَةُ الهِلالِ، يُقالُ: أهَلَّ الهِلالُ وأهْلَلْتُهُ.

لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ أنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِالتَّكْبِيرِ إذا رُئِيَ سُمِّيَ ذَلِكَ إهْلالًا، ثُمَّ قِيلَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ﴾ بِالِاسْتِيثارِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ.

وقَرَأ عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو حَمْزَةُ بِكَسْرِ النُّونِ.

﴿ وَلا عادٍ ﴾ سَدِّ الرَّمَقِ، أوِ الجَوْعَةِ.

وقِيلَ غَيْرِ باغٍ عَلى الوالِي.

ولا عادٍ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ.

فَعَلى هَذا لا يُباحُ لِلْعاصِي بِالسَّفَرِ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ وقَوْلُ أحْمَدَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى.

﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تَناوُلِهِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ لِما فَعَلَ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِالرُّخْصَةِ فِيهِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّما تُفِيدُ قَصْرَ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ وكَمْ مِن حَرامٍ لَمْ يُذْكَرْ.

قُلْتُ: المُرادُ قَصْرُ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ لا مُطْلَقًا، أوْ قَصْرُ حُرْمَتِهِ عَلى حالِ الِاخْتِيارِ كَأنَّهُ قِيلَ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءَ ما لَمْ تَضْطَرُّوا إلَيْها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ثم بين المحرم فقال {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة} وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة مما يذبح وإنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه أي ما حرم عليكم إلا الميتة {والدم} يعني السائل لقوله في موضع آخر أو دما مسفوحا وقد حلت الميتتان والدمان بالحديث أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال {وَلَحْمَ الخنزير} يعني الخنزير بجميع أجزائه وخص اللحم لأنه المقصود بالأكل {وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله} أي ذبح للأصنام فذكر عليه غير اسم الله وأصل الإهلال رفع الصوت أي رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى {فمن اضطر} أى ألجئ بكسر النون بصري وحمزة وعاصم لالتقاء الساكنين أعني النون والضاد وبضمها غيرهم لضمة الطاء {غير} حال أى فأكل غير {بَاغٍ} للذة وشهوة {وَلاَ عَادٍ} متعد مقدار الحاجة وقول من قال غير باغ على الإمام ولا عادٍ في سفر حرام ضعيف لأن سفر الطاعة لا يبيح بلا ضرورة والحبس بالحضر يبيح بلا سفر ولأن بغيه لا يخرج عن الإيمان فلا يستحق الحرمان

والمضطر يباح له قدر ما يقع به القوام وتبقى معه الحياة دون ما فيه حصول الشبع لأن الإباحة للاضطرار فتقدر بقدر ما تندفع الضرورة {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} في الأكل {أَنَّ الله غَفُورٌ} للذنوب الكبائر فأنى يؤاخذ بتناول الميتة عند الاضطرار {رَّحِيمٌ} حيث رخص ونزل في رؤساء اليهود وتغييرهم نعت النبي عليه السلام وأخذهم على ذلك الرشا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ ﴾ أيْ: أكْلَها والِانْتِفاعَ بِها، وأضافَ الحُرْمَةَ إلى العَيْنِ - مَعَ أنَّ الحُرْمَةَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي هي مِن صِفاتِ فِعْلِ المُكَلَّفِ، ولَيْسَتْ مِمّا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ - إشارَةً إلى حُرْمَةِ التَّصَرُّفِ في المَيْتَةِ، وهي الَّتِي ماتَتْ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ بِأخْصَرِ طَرِيقٍ وأوْكَدِهِ؛ حَيْثُ جَعَلَ العَيْنَ غَيْرَ قابِلَةٍ لِتَعَلُّقِ فِعْلِ المُكَلَّفِ بِها إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ كالتَّصَرُّفِ بِالمَدْبُوغِ وألْحَقَ بِـ (المَيِّتَة) ما أُبِينَ مِن حَيٍّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وحَسَّنَهُ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «ما قُطِعَ مِنَ البَهِيمَةِ وهي حَيَّةٌ فَهي مَيْتَةٌ”،» وخَرَجَ عَنْها السَّمَكُ والجَرادُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - مَرْفُوعًا: «“أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ؛ السَّمَكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِّحالُ» ولِلْعُرْفِ أيْضًا فَإنَّهُ إذا قالَ القائِلُ: أكَلَ فُلانٌ المَيْتَةَ لَمْ يَسْبِقِ الوَهْمُ إلَيْهِما، نَعَمْ حَرَّمَ بَعْضُهم مَيْتَةَ السَّمَكِ الطّافِي وما ماتَ مِنَ الجَرادِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المالِكِيَّةِ، واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الأجِنَّةِ، وتَحْرِيمِ ما لا نَفْسَ لَهُ سائِلَةً، خِلافًا لِمَن أباحَهُ مِنَ المالِكِيَّةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( المَيِّتَةُ ) مُشَدِّدَةً، ﴿ والدَّمَ ﴾ قُيِّدَ في سُورَةِ الأنْعامِ بِالمَسْفُوحِ وسَيَأْتِي، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِهِ عَلى تَحْرِيمِ نَجاسَةِ دَمِ الحُوتِ، وما لا نَفْسَ لَهُ تَسِيلُ.

﴿ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ ﴾ خُصَّ اللَّحْمُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ بَقِيَّةَ أجْزائِهِ أيْضًا حَرامٌ خِلافًا لِلظّاهِرِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ وسائِرِ أجْزائِهِ كالتّابِعِ لَهُ، وقِيلَ: خُصَّ اللَّحْمُ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ ذُكِّيَ أوْ لَمْ يُذَكَّ، وفِيهِ ما لا يَخْفى، ولَعَلَّ السِّرَّ في إقْحامِ لَفْظِ اللَّحْمِ هُنا إظْهارُ حُرْمَةِ ما اسْتَطْيَبُوهُ وفَضَّلُوهُ عَلى سائِرِ اللُّحُومِ واسْتَعْظَمُوا وُقُوعَ تَحْرِيمِهِ، واسْتَدَلَّ أصْحابُنا بِعُمُومِ الخِنْزِيرِ عَلى حُرْمَةِ خِنْزِيرِ البَحْرِ، وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: لا بَأْسَ بِهِ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ مالِكٍ، أنَّهُ قالَ لَهُ شَخْصٌ: ما تَقُولُ في خِنْزِيرِ البَحْرِ؟

فَقالَ: حَرامٌ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ لَهُ: ما تَقُولُ في حَيَوانٍ في البَحْرِ عَلى صُورَةِ الخِنْزِيرِ؟

فَقالَ: حَلالٌ، فَقِيلَ لَهُ فِيَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ الخِنْزِيرَ ولَمْ يُحَرِّمْ ما هو عَلى صُورَتِهِ، والسُّؤالُ مُخْتَلِفٌ في الصُّورَتَيْنِ.

﴿ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ أيْ: ما وقَعَ مُتَلَبِّسًا بِهِ؛ أيْ: بِذَبْحِهِ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - وأصْلُ الإهْلالِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ رُؤْيَةُ الهِلالِ، لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ أنْ يُرْفَعَ الصَّوْتُ بِالتَّكْبِيرِ إذا رُؤِيَ سُمِّي بِذَلِكَ إهْلالًا، ثُمَّ قِيلَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ وإنْ كانَ بِغَيْرِهِ، والمُرادُ بِغَيْرِ اللَّهِ - تَعالى - الصَّنَمُ وغَيْرُهُ كَما هو الظّاهِرُ، وذَهَبَ عَطاءٌ ومَكْحُولٌ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ إلى تَخْصِيصِ الغَيْرِ بِالأوَّلِ، وأباحُوا ذَبِيحَةَ النَّصْرانِيِّ إذا سُمِّيَ عَلَيْها بِاسْمِ المَسِيحِ، وهَذا خِلافُ ما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الأئِمَّةُ مِنَ التَّحْرِيمِ، وإنَّما قَدِمَ بِهِ هُنا؛ لِأنَّهُ أمَسُّ بِالفِعْلِ وأُخِّرَ في مَواضِعَ أُخَرَ نَظَرًا لِلْمَقْصُودِ فِيها مِن ذِكْرِ المُسْتَنْكَرِ، وهو الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - .

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ﴾ بِالِاسْتِتارِ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ بِأنْ يَنْفَرِدَ بِتَناوُلِهِ فَيَهْلِكَ الآخَرُ، ﴿ ولا عادٍ ﴾ أيْ: مُتَجاوِزٍ ما يَسُدُّ الرَّمَقَ والجُوعَ، وهو ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ الشِّبَعِ، وهو مَذْهَبُ الأكْثَرِينَ، فَعَنِ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -: ”لا يَأْكُلُ المُضْطَرُّ مِنَ المَيْتَةِ إلّا قَدْرُ ما يُمْسِكُ رَمَقَهُ؛ لِأنَّ الإباحَةَ لِلِاضْطِرارِ، وقَدِ انْدَفَعَ بِهِ“، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ العِبْرِيُّ: يَأْكُلُ مِنها قَدْرَ ما يَسُدُّ جَوْعَتَهُ؛ وخالَفَ في ذَلِكَ الإمامُ مالِكٌ فَقالَ: يَأْكُلُ مِنها حَتّى يَشْبَعَ ويَتَزَوَّدَ، فَإنْ وجَدَ غِنًى عَنْها طَرَحَها، ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ المُرادَ غَيْر باغٍ عَلى الوالِي ولا عاد بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وجَعَلَ مِن ذَلِكَ السَّفَرِ في مَعْصِيَةٍ، فالعاصِي في سَفَرِهِ لا يُباحُ لَهُ الأكْلُ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ أيْضًا، وهو خِلافُ مَذْهَبِنا، ويَحْتاجُ حُكْمُ الرُّخْصَةِ عَلى هَذا إلى التَّقْيِيدِ بِأنَّ لا يَكُونَ زائِدًا عَلى قَدْرِ الضَّرُورَةِ مِن خارِجٍ، واسْتَدِلُّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى جَوازِ أكْلِ المُضْطَرِّ مَيْتَةَ الخِنْزِيرِ والآدَمِيِّ، خِلافًا لِمَن مَنَعَ ذَلِكَ، وقَرَأ أهْلُ الحِجازِ والشّامِ والكِسائِيُّ ( فَمَنُ اضْطُرَّ ) بِضَمِّ النُّونِ، وأبُو جَعْفَرٍ مِنهم بِكَسْرِ الطّاءِ مَنِ ( اضْطِرَّ ) .

﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: في تَناوُلِهِ، بَلْ رُبَّما يَأْثَمُ بِتَرْكِ التَّناوُلِ.

﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 137﴾ فَلِذا أسْقَطَ الحُرْمَةَ في تَناوُلِهِ ورَخَّصَ، وقِيلَ: الحُرْمَةُ باقِيَةٌ إلّا أنَّهُ سَقَطَ الإثْمُ عَنِ المُضْطَرِّ وغُفِرَ لَهُ لِاضْطِرارِهِ كَما هو الظّاهِرُ مِن تَقْيِيدِ الإثْمِ بِـ ( عَلَيْهِ )، واسْتُدِلَّ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ ﴾ حَيْثُ اسْتُثْنِيَ مِنَ الحُرْمَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ قَصْرَ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مُطْلَقًا كَما هو الظّاهِرُ حَتّى يَرِدَ مَنعُ الحَصْرِ بِحُرْمَةِ أشْياءَ لَمْ تَذْكُرْ، بَلْ مُقَيَّدٌ بِما اعْتَقَدُوهُ حَلالًا بِقَرِينَةِ أنَّهم كانُوا يَسْتَحِلُّونَ ما ذُكِرَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم ما ذُكِرَ مِن جِهَةِ ما اسْتَحْلَلْتُمُوهُ لِأشْياءَ أُخَرَ، والمَقْصُودُ مِن قَصْرِ الحُرْمَةِ عَلى ما ذَكَرُوهُ اعْتِقادُهم حِلِّيَتَهُ بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَيَكُونُ قَصْرَ قَلْبٍ إلّا أنَّ الجُزْءَ الثّانِيَ لَيْسَ لِرَدِّ اعْتِقادِ الحُرْمَةِ؛ إذْ لَمْ يَعْتَقِدُوا حُرْمَةَ شَيْءٍ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ، بَلْ تَأْكِيدُ الجُزْءِ الأوَّلِ، والخِطابُ لِلنّاسِ بِاعْتِبارِ دُخُولِ المُشْرِكِينَ فِيهِمْ، فَيَكُونُ مُفادُ الآيَةِ الزَّجْرَ عَنْ تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ، كَما أنَّ ﴿ يا أيُّها النّاسُ كُلُوا ﴾ زَجْرٌ عَنْ تَحْرِيمِ الحَلالاتِ، أوِ المُرادُ قَصْرُ حُرْمَةِ ما ذُكِرَ عَلى حالِ الِاخْتِيارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ( إنَّما حَرُمَ عَلَيْكم ) هَذِهِ الأشْياءُ ما لَمْ تَضْطَرُّوا إلَيْها، والأنْسَبُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَكُونَ مَحَطُّ الفائِدَةِ هو القَيْدُ حَيْثُ كانُوا مُعْتَقِدِينَ لِحُرْمَةِ هَذِهِ الأُمُورِ، وفائِدَةُ الحُكْمِ التَّرْخِيصُ بَعْدَ التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ بِطَلَبِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، أوْ تَشْرِيفُهم بِالِامْتِنانِ بِهَذا التَّرْخِيصِ بَعْدَ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ بِإباحَةِ المُسْتَلَذّاتِ، واخْتارَ بَعْضُهم أنَّ المُرادَ مِنَ الحَصْرِ رَدُّ المُشْرِكِينَ في تَحْرِيمِهِمْ ما أحَلَّهُ اللَّهُ - تَعالى - مِنَ البَحِيرَةَ والوَصِيلَةِ والحامِ وأمْثالِها لِأكْلِهِمْ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: تِلْكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنا، ولَكِنَّ هَذِهِ أُحِلَّتْ لَنا، فَقِيلَ: ما حُرِّمَتْ إلّا هَذِهِ - فَهو إذًا إضافِيٌّ - وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ قَصْرُ إفْرادٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما حَرَّمَهُ المُؤْمِنُونَ مَعَ المَذْكُوراتِ مِنَ المُسْتَلَذّاتِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَعْتَقِدُوا حُرْمَةَ المُسْتَلَذّاتِ، بَلْ حَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ لِما سَمِعُوا مِن شَدائِدِ المُحاسَبَةِ والسُّؤالِ عَنِ النِّعَمِ، قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ فَلْيُتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ، يعني من الحلال من الحرث والأنعام.

وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، يعني إن كنتم تريدون بترك أكله رضاء الله تعالى فكلوه، فإن رضي الله تعالى أن تحلوا حلاله وتحرموا حرامه.

ويقال: إن محرم ما أحل الله مثل محل ما حرم الله.

ويقال: في هذه الآية بيان فضل هذه الأمة، لأنه تعالى خاطبهم بما خاطب به أنبياءه- عليهم الصلاة والسلام- لأنه قال لأنبيائه: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ [المؤمنون: 51] ، وقال لهذه الأمة كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ وقال في أول الآية: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً [البقرة: 168] .

فلما أمر الله تعالى بأكل هذه الأشياء التي كانوا يحرمونها على أنفسهم.

قالوا للنبي  : إن لم يكن هذه الأشياء محرمة فالمحرمات ما هي؟

فبيّن الله تعالى المحرمات، فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ.

والميتة سوى السمك والجراد، والدم يعني الدم المسفوح أي الجاري.

كما قال في آية أخرى: أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [الأنعام: 145] ، يعني حرم عليكم، ولحم الخنزير فذكر اللحم خاصة والمراد به اللحم والشحم وجميع أجزائه.

وهذا شيء قد أجمع المسلمون على تحريمه فقد ذكر الميتة وإنما انصرف إلى بعض منها وأحل البعض منها وهو السمك والجراد وذكر الدم وإنما المراد به بعض الدم، لأنه لم يدخل فيه الكبد والطحال وذكر لحم الخنزير فانصرف النهي إلى اللحم وغيره.

وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، يعني ما ذبح بغير اسم الله تعالى.

والإهلال في اللغة: هو رفع الصوت.

وكان أهل الجاهلية إذا ذبحوا، رفعوا الصوت بذكر آلهتهم فحرم الله تعالى على المؤمنين أكل ما ذبح لغير اسم الله تعالى.

وفي الآية دليل: أنه إذا ترك التسمية عمداً لا يؤكل، لأنه قد ذبح بغير اسم الله تعالى.

ثم إن الله تعالى علم أن بعض الناس يبتلون بأكل الميتة عند الضرورة، فرخص لهم في ذلك بقوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ.

قرأ حمزة وعاصم وأبو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون وقرأ الباقون بالضم وهما لغتان ومعناهما واحد.

يقول: فمن أجهد إلى شيء مما حرم الله إلى أكل الميتة غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، يعني غير مفارق الجماعة ولا عاد على المسلمين بالسيف فمن خرج لقطع الطريق، أو خرج على إمام المسلمين فلا رخصة له عند بعضهم.

وقال بعضهم: من خرج في معصية فلا رخصة له.

وقال بعضهم: كل من اضطر إلى أكل الميتة رخص له أن يأكل سواء أخرج للمعصية أو غيرها.

وهذا قول أصحابنا.

ومعنى قوله: غَيْرَ باغٍ، أي غير طالب للحرام ولا راض بأكله.

وَلا عادٍ، يعني لا يعود إلى أكله بعد أكل مقدار ما يسد به الرمق.

وروي عن ابن عباس نحو هذا.

قال: حدّثنا محمد بن سعيد الترمذي قال: حدثنا أبو جعفر الطحاوي قال: حدثنا محمد بن الحجاج الحضرمي قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال: من أكل شيئاً من هذه الأشياء وهو مضطر، فلا حرج عليه ومن أكله وهو غير مضطر، فقد بغى واعتدى.

ثم اختلفوا في حد الاضطرار الذي يحل له أكل الميتة.

قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف وهو قول الشافعي.

وروي عن ابن المبارك أنه قال: إذا كان بحال لو دخل السوق لا ينظر إلى شيء سوى الخبز.

وقال بعضهم: إذا كان بحال يضعفه عن أداء الفرائض.

وقد اختلفوا أيضاً في أكله: قال بعضهم: أكله حرام إلا أنه لا إثم عليه، ألا ترى أنه قال في سياق الآية: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

وقال بعضهم: هو حلال ولا يسعه تركه، لأنه قال في آية أخرى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: 119] ، فلما استثني منه ثبت أنه حلال.

وروي عن مسروق أنه قال: من اضطر إلى ميتة فلم يأكل حتى مات، دخل النار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ ...

الآية: الطَّيِّب:

هنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض «مِنْ» إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنى: في كل حالةٍ، وفي «مصابيح البَغَوِيِّ» عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قال: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» «١» .

انتهى.

قال القُشَيْرِيُّ: قال أهل العلْمِ بالأصول: نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن: نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ: ما أولاهم، ونعمةُ الدفع: ما زوى عنهم، وليس كلّ إنعامه

سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا.

انتهى من «التَّحْبير» .

وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمى ب «بهجة المجالس» .

قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً على ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حتى يُغْفَرَ لَهُ» «١» قال أبو عُمَر: مكتوبٌ في التوراةِ: «اشكر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ، إِذَا شُكِرَتْ، وَلاَ مُقَامَ لَهَا، إِذَا كُفِرَتْ» .

انتهى.

«وإِنْ» من قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس كما تقول: افعل كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلاً، و «إِنَّمَا» هاهنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنى مخصِّص لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البزّار عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَثَمَنَهُ» «٢» انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» للإمام أبي العباس أحمد بن سعد التّجيبيّ.

وَالدَّمَ يراد به المسفوحُ لأن ما خالط اللحْمَ، فغير محرَّم بإِجماع.

ت: بل فيه خلافٌ شاذٌّ، ذكره ابن الحاجبِ، وغيره، والمشهورُ: أظهر لقول

عائشةَ- رضي اللَّه عنها-: «لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ» .

انتهى.

قال ابن عبَّاس وغيره: المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان «١» ، وأُهِلَّ بِهِ: معناه صِيحِ به ومنه: استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ باسم المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم.

فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال قتادة وغيره: غيْرَ قاصدِ فسادٍ «٢» وتعدٍّ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره: المعنى: غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم، فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي الرخصة «٣» .

قال مالك «١» - رحمه اللَّه-: يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي «الموطّإ» وهو لكثير من ٤٢ ب العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة فيما بين يديه/ من مفازةٍ وقَفْرٍ.

قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» «٢» ، وقد قال العلماء: إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ، دخل النَّار إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له.

انتهى.

والمعنى: أنه لم يأكلْ حتى مات جوعاً، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ...

[النساء: ٢٩] الآية إِلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً [النساء: ٣٠] قال ابن العربيِّ: وإذا دامتِ المَخْمَصة «٣» ، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ: أحدهما لمالك: يأكل حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره: يأكل بمقدارِ سدّ الرّمق، وبه قال ابن حبيب «٤» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ ﴾ .

قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ "المَيِّتَةَ" هاهُنا، وفي المائِدَةِ، والنَّحْلِ: و(بَلْدَةً مَيِّتًا) [ ق: ١١ ] .

بِالتَّشْدِيدِ، حَيْثُ وقَعَ.

والمَيِّتَةُ في عُرْفِ الشَّرْعِ: اسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ خَرَجَتْ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.

وقِيلَ إنَّ الحِكْمَةَ في تَحْرِيمِ المَيِّتَةِ أنَّ جُمُودَ الدَّمِ فِيها بِالمَوْتِ يُحْدِثُ، أذًى لِلْآَكِلِ، وقَدْ يُسَمّى المَذْبُوحُ في بَعْضِ الأحْوالِ: مَيِّتَةً حُكْمًا، لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ المَيِّتَةِ، كَذَبِيحَةِ المُرْتَدِّ.

فَأمّا الدَّمُ؛ فالمُحَرَّمُ مِنهُ: المَسْفُوحُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ دَمًا مَسْفُوحًا  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَأمّا الدَّمُ الَّذِي يَبْقى في خَلَلِ اللَّحْمِ بَعْدَ الذَّبْحِ، وما يَبْقى في العُرُوقِ؛ فَهو مُباحٌ.

فَأمّا لَحْمُ الخِنْزِيرِ؛ فالمُرادُ: جُمْلَتُهُ، وإنَّما خَصَّ اللَّحْمَ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ.

قالَ الزَّجّاجُ: الخِنْزِيرُ يَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى.

ومَعْنى ﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ  ﴾ .

ما رُفِعَ فِيهِ الصَّوْتُ بِتَسْمِيَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ومِثْلُهُ الإهْلالُ بِالحَجِّ، إنَّما هو رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أيْ: أُلْجِئَ بِضَرُورَةٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (فَمَنِ اضْطِرَّ) بِكَسْرِ الطّاءِ حَيْثُ كانَ.

وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ الضّادَ في الطّاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ باغٍ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: البَغْيُ: قَصْدُ الفَسادٍ، يُقالُ: بَغى الجُرْحُ: إذا تَرامى إلى الفَسادِ.

وفي قَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ غَيْرُ باغٍ عَلى الوُلاةِ، ولا عادٍ يَقْطَعُ السَّبِيلَ، هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: غَيْرُ باغٍ في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ، ولا مُتَعَدٍّ بِأكْلِها وهو يَجِدُ غَيْرَها، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ.

والثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ، أيْ: مُسْتَحِلٍّ، ولا عادٍ: غَيْرُ مُضْطَّرٍّ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٍ.

والرّابِعُ: غَيْرُ باغٍ شَهْوَتَهُ بِذَلِكَ، ولا عادٍ بِالشِّبَعِ مِنهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

* فَصْلٌ مَعْنى الضَّرُورَةِ في إباحَةِ المَيِّتَةِ: أنْ يَخافَ عَلى نَفْسِهِ أوْ بَعْضِ أعْضائِهِ.

سُئِلَ أحْمَدُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ المُضْطَّرِّ إذا لَمْ يَأْكُلِ المَيِّتَةَ، فَذَكَرَ عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ: مَنِ اضْطُّرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ فَماتَ دَخَلَ النّارَ.

فَأمّا مِقْدارُ ما يَأْكُلُ؛ فَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَأْكُلُ مِقْدارَ ما يُقِيمُهُ عَنِ المَوْتِ.

ونَقَلَ ابْنُ مَنصُورٍ: يَأْكُلُ بِقَدْرِ ما يَسْتَغْنِي.

فَظاهِرُ الأُولى: أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الشِّبَعُ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والشّافِعِيِّ، وظاهِرُ الثّانِيَةِ: جَوازُ الشِّبَعِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الطَيِّبُ هُنا يَجْمَعُ الحَلالَ المُسْتَلِذَّ، والآيَةُ تُشِيرُ بِتَبْعِيضِ "مِن" إلى أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ.

وحَضَّ تَعالى عَلى الشُكْرِ، والمَعْنى في كُلِّ حالَةٍ، و"إنْ" شَرْطٌ، والمُرادُ بِهَذا الشَرْطِ التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ﴾ ، "إنَّما" هُنا حاصِرَةٌ.

و"المَيْتَةَ" نُصِبَ بـِ "حَرُمَ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ "المَيِّتَةَ" بِالتَشْدِيدِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: التَشْدِيدُ والتَخْفِيفُ مِن "مَيْتٍ" و"مَيِّتٍ" لُغَتانِ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُ: ما قَدْ ماتَ فَيُقالانِ فِيهِ، وما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ فَلا يُقالُ فِيهِ "مَيْتٌ" بِالتَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا هو اسْتِعْمالُ العَرَبِ، ويَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ اسْتَراحَ: مِنَ الراحَةِ، وقِيلَ: مِنَ الرائِحَةِ.

ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِتَخْفِيفٍ فِيما لَمْ يَمُتْ، إلّا ما رَوى البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ "وَما هو بِمَيِّتٍ" والمَشْهُورُ عنهُ التَثْقِيلُ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ما ماتَ مَيِّتٌ مِن تَمِيمٍ ∗∗∗ فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِيءَ بِزادِ فالأبْلَغُ في الهِجاءِ أنْ يُرِيدَ المَيِّتَ حَقِيقَةً، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ أرادَ مَن شارَفَ المَوْتَ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

وقَرَأ قَوْمٌ "المَيْتَةُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي وإنَّ عامِلَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "حَرَّمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ورَفْعِ ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ، فَإنْ كانَتْ ما كافَّةً، فالمَيْتَةُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فالمَيْتَةُ خَبَرٌ.

ولَفْظُ "المَيْتَةَ" عُمُومٌ، والمَعْنى مُخَصَّصٌ لِأنَّ الحُوتَ والجَرادَ لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ في هَذا العُمُومِ.

و"المَيْتَةَ": ما ماتَ دُونَ ذَكاةٍ مِمّا لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ، والطافِي مِنَ الحُوتِ، جَوَّزَهُ مالِكٌ وغَيْرُهُ، ومَنَعَهُ العِراقِيُّونَ.

وفي المَيِّتِ دُونَ تَسَبُّبٍ مِنَ الجَرادِ خِلافٌ.

مَنَعَهُ مالِكٌ، وجُمْهُورُ أصْحابِهِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ نافِعٍ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ.

وقالَ ابْنُ وهْبٍ: إنْ ضَمَّ في غَرائِرَ فَضَمُّهُ ذَكاتُهُ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا، حَتّى يَصْنَعَ بِهِ شَيْءٌ يَمُوتُ مِنهُ كَقَطْعِ الرُؤُوسِ والأجْنِحَةِ والأرْجُلِ، أوِ الطَرْحِ في الماءِ، وقالَ سَحْنُونُ: لا يُطْرَحُ في ماءٍ بارِدٍ، وقالَ أشْهَبُ: إنْ ماتَ مِن قَطْعِ رَجْلٍ أو جَناحٍ لَمْ يُؤْكَلْ لِأنَّها حالَةٌ قَدْ يَعِيشُ بِها ويَنْسَلُّ.

و"الدَمَ" يُرادُ بِهِ المَسْفُوحُ، لِأنَّ ما خالَطَ اللَحْمَ فَغَيْرُ مُحَرَّمٍ بِإجْماعٍ.

وفي دَمِ الحُوتِ المُزايِلِ لِلْحُوتِ اخْتِلافٌ، رُوِيَ عَنِ القابِسِيِّ أنَّهُ طاهِرٌ، ويَلْزَمُ مِن طَهارَتِهِ أنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

وخُصَّ ذِكْرُ اللَحْمِ مِنَ الخِنْزِيرِ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ؛ ذُكِّيَ أو لَمْ يُذْكَّ، ولِيَعُمَّ الشَحْمَ وما هُنالِكَ مِنَ الغَضارِيفِ وغَيْرِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ.

وَفِي خِنْزِيرِ الماءِ كَراهِيَةُ أبِي مالِكٍ أنْ يُجِيبَ فِيهِ، وقالَ: أنْتُمْ تَقُولُونَ: خِنْزِيرًا.

وذَهَبَ أكْثَرُ اللُغَوِيِّينَ إلى أنَّ لَفْظَةَ الخِنْزِيرِ رُباعِيَّةٌ، وحَكى ابْنُ سِيدَهْ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن خَزْرِ العَيْنِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَنْظُرُ، فاللَفْظَةُ عَلى هَذا ثُلاثِيَّةٌ.

﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: المُرادُ ما ذُبِحَ لِلْأنْصابِ والأوثانِ، و"أُهِلَّ" مَعْناهُ: صِيحَ، ومِنهُ اسْتِهْلالُ المَوْلُودِ، وجَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِالصِياحِ بِاسْمِ المَقْصُودِ بِالذَبِيحَةِ، وغَلَبَ ذَلِكَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى عَبَّرَ بِهِ عَنِ النِيَّةِ الَّتِي هي عِلَّةُ التَحْرِيمِ، ألا تَرى أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ راعى النِيَّةَ في الإبِلِ الَّتِي نَحَرَها غالِبُ أبُو الفَرَزْدَقِ، فَقالَ: إنَّها مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، فَتَرَكَها الناسُ ورَأيْتُ في أخْبارِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةٍ مُتْرَفَةٍ صَنَعَتْ لِلِعَبِها عُرْسًا، فَذَبَحَتْ جَزُورًا، فَقالَ الحَسَنُ: لا يَحِلُّ أكْلُها، فَإنَّها إنَّما ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ.

وفي ذَبِيحَةِ المَجُوسِيِّ اخْتِلافٌ، ومالكٌ لا يُجِيزُها البَتَّةَ.

وذَبِيحَةُ النَصْرانِيِّ واليَهُودِيِّ جائِزَةٌ.

واخْتُلِفَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ كالطَرِيفِ والشَحْمِ وغَيْرِهِ بِالإجازَةِ والمَنعِ.

وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ ؛ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِالكِتابِ فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبْحِهِمْ، وما حَرَّمُوهُ بِاجْتِهادِهِمْ فَذاكَ لَنا حَلالٌ.

وعِنْدَ مالِكٍ كَراهِيَةٌ فِيما سَمّى عَلَيْهِ الكِتابِيُّ المَسِيحَ أو ذَبَحَهُ لِكَنِيسَتِهِ، ولا يُبَلِّغُ بِذَلِكَ التَحْرِيمِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ الآيَةُ، ضَمَّتِ النُونَ لِلِالتِقاءِ إتْباعًا لِلضَّمَّةِ في الطاءِ حَسَبَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَمالِ: "فَمَنِ اضْطُرَّ" بِكَسْرِ الطاءِ، وأصْلُهُ "اضْطَرَرَ" فَلَمّا أُدْغِمَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الراءِ إلى الطاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَمَنِ اطُّرَّ" بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ، وكَذَلِكَ حَيْثُ ما وقَعَ في القُرْآنِ.

ومَعْنى "اضْطُرَّ": ضَمَّهُ عُدْمٌ وغَرْثٌ، هَذا هو الصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ أُكْرِهَ وغَلَبَ عَلى أكْلِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

و" غَيْرَ باغٍ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى فِيما قالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ: غَيْرُ قاصِدٍ فَسادَ وتَعَدٍّ، بِأنْ يَجِدَ عن هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَندُوحَةً ويَأْكُلَها، وهَؤُلاءِ يُجِيزُونَ الأكْلَ مِنها في كُلِّ سِفْرٍ مَعَ الضَرُورَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما: المَعْنى غَيْرُ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ وعادَ عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والمُعادِي قَطّاعُ السُبُلِ، والخارِجُ عَلى السُلْطانِ، والمُسافِرُ في قَطْعِ الرَحِمِ والغارَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وما شاكَلَهُ، ولِغَيْرِ هَؤُلاءِ هي الرُخْصَةُ.

وقالَ السُدِّيُّ: " غَيْرَ باغٍ " أيْ غَيْرَ مُتَزَيِّدٍ عَلى حَدِّ إمْساكِ رَمَقِهِ، وإبْقاءِ قُوَّتِهِ، فَيَجِيءُ أكْلُهُ شَهْوَةً، "وَلا عادٍ" أيْ مُتَزَوِّدٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْكُلُ المُضْطَرُّ شِبَعَهُ، وفي المُوَطَّأِ -وَهُوَ لِكَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ- أنَّهُ يَتَزَوَّدُ إذا خَشِيَ الضَرُورَةَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن مَفازَةٍ وقَفْرٍ.

وعادٍ مَعْناهُ: عائِدٌ، فَهو مِنَ المَقْلُوبِ كَشاكِي السِلاحِ، أصْلُهُ شائِكٌ، وكَهارٍ أصْلُهُ هائِرٌ، وكَلاثٍ أصْلُهُ لائِثٌ.

وَباغٍ أصْلُهُ باغِي، اسْتُثْقِلَتِ الكَسْرَةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، والتَنْوِينُ ساكِنٌ، فَحُذِفَتِ الياءُ، والكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، ورَفَعَ اللهُ الإثْمَ لَمّا أحَلَّ المَيْتَةَ لِلْمُضْطَرِّ، لِأنَّ التَحْرِيمَ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلَّقُهُ التَصَرُّفَ بِالأكْلِ، لا عَيْنَ المُحَرَّمِ، ويُطْلَقُ التَحْرِيمُ عَلى العَيْنِ تَجَوُّزًا.

ومَنَعَ قَوْمٌ التَزَوُّدَ مِنَ المَيْتَةِ وقالُوا: لَمّا اسْتَقَلَّتْ قُوَّةُ الآكِلِ صارَ كَمَن لَمْ تُصِبْهُ ضَرُورَةٌ قَبْلُ.

ومِنَ العُلَماءِ مَن يَرى أنَّ المَيْتَةَ مِنِ ابْنِ آدَمَ والخِنْزِيرِ لا تَكُونُ فِيها رُخْصَةَ اضْطِرارٍ لِأنَّهُما لا تَصِحُّ فِيهِما ذَكاةٌ بِوَجْهٍ، وإنَّما الرُخْصَةُ فِيما تَصِحُّ الذَكاةُ في نَوْعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ الآيَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: المُرادُ أحْبارُ اليَهُودِ، الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  ، و"الكِتابُ": التَوْراةُ والإنْجِيلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما" وهو جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ فِيهِ أمْرُ مُحَمَّدٍ  ، وفِيهِ وقْعُ الكَتْمِ لا في جَمِيعِ الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتْمانِ.

والثَمَنُ القَلِيلُ: الدُنْيا والمَكاسِبُ، ووَصْفُ بِالقِلَّةِ لِانْقِضائِهِ ونَفادِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ؛ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في الأحْبارِ، فَإنَّها تَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.

وَذُكِرَتِ البُطُونُ في أكْلِهِمُ المُؤَدِّي إلى النارِ، دَلالَةً عَلى حَقِيقَةِ الأكْلِ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ أكَلَ فُلانٌ أرْضِي ونَحْوَهُ، وفي ذِكْرِ البَطْنِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى مَذَمَّتِهِمْ، لِأنَّهم باعُوا آخِرَتَهم بِحَظِّهِمْ مِنَ المَطْعَمِ، الَّذِي لا خَطَرَ لَهُ، وعَلى هُجْنَتِهِمْ بِطاعَةِ بُطُونِهِمْ.

وقالَ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ: سُمِّيَ مَأْكُولُهم نارًا لِأنَّهُ يَؤُولُ بِهِمْ إلى النارِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُعاقِبُهم عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ ﴾ ، قِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وإزالَةُ الرِضى عنهُمْ، إذْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ ما ظاهِرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يُكَلِّمُ الكافِرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ  ﴾ ونَحْوَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُهُ السُلْطانُ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وأنْتَ إنَّما تُعَبِّرُ عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَحِيَّةِ.

" ولا يُزَكِّيهِمْ " مَعْناهُ: لا يُطَهِّرُهم مِن مُوجِباتِ العَذابِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُسَمِّيهِمْ أزْكِياءَ، و"ألِيمٌ" اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني، ذلك أن الإذْن بأكْللِ الطيبات يثير سؤال مَن يسأل ما هي الطيبات فجاء هذا الاستئناف مبيِّناً المحرماتتِ وهي أضداد الطيبات، لتُعرف الطيبات بطريق المضادة المستفادة من صيغة الحصر، وإنما سُلك طريق بيان ضد الطيبات للاختصار؛ فإن المحرمات قليلة، ولأن في هذا الحصر تعريضاً بالمشركين الذين حرموا على أنفسهم كثيراً من الطيبات وأحلوا الميتة والدم، ولما كان القصر هنا حقيقياً لأن المخاطب به هم المؤمنون وهم لا يعتقدون خلاف ما يُشرع لهم، لم يكن في هذا القصر قلبُ اعتقادِ أحدٍ وإنما حصل الرد به على المشركين بطريقة التعريض.

و ﴿ إنما ﴾ بمعنى مَا وإلاّ أي ما حَرَّم عليكم إلاّ الميتة وما عطف عليها، ومعلوم من المقام أن المقصود ما حَرَّم من المأكولات.

والحرام: الممنوع منعاً شديداً.

والمَيْتَة بالتخفيف هي في أصل اللغة الذَّات التي أصابها الموت فمخففها ومشدَّدها سواء كالميْتتِ والميِّت، ثم خُص المخفف مع التأنيث بالدابة التي تقصد ذكاتها إذا ماتت بدون ذكاة، فقيل: إن هذا من نقل الشرع وقيل: هو حقيقة عرفية قبل الشرع وهو الظاهر بدليل إطلاقها في القرآن على هذا المعنى.

وقرأ الجمهور (الميتة) بتخفيف الياء وقرأه أبو جعفر بتشديد الياء.

وإضافةُ التحريم إلى ذات الميتة وما عطف عليها هو من المسألة الملقبة في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأَعيان، ومحمله على تحريم ما يُقصد من تلك العَين باعتبار نوعها نحو ﴿ حرمت عليكم الميتة ﴾ [المائدة: 3] أو باعتبار المقام نحو ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23] فيقدر في جميع ذلك مضاف يدل عليه السياق، أو يقال: أقيم اسم الذات مُقام الفعل المقصود منها للمبالغة، فإذا تعين ما تقصد له قُصر التحريم والتحليل على ذلك، وإلاَّ عُمِّم احتياطاً، فنحو ﴿ حُرمت عليكم أمهاتكم ﴾ متعين لحرمة تزوجهن وما هو من توابع ذلك كمات اقتضاه السياق، فلا يخطر بالبال أن يحرم تقبيلهن أو محادثتهن، ونحو: ﴿ فاجتنِبُوه ﴾ [المائدة: 90] بالنسبة إلى الميسِر والأزلام متعينٌ لاجتناب اللعب بها دون نجاسة ذواتها.

والميتة هنا عام؛ لأنه معرَّف بلام الجنس، فتحريم أكل الميتة هو نصُّ الآية وصريحُها لوقوع فعل ﴿ حَرَّم ﴾ بعد قوله: ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم ﴾ [البقرة: 172] وهذا القدر متفق عليه بين علماء الإسلام، واختلفوا فيما عدا الأكل من الانتفاع بأجزاء الميتة كالانتفاع بصُوفها وما لا يتصل بلحمها مما كان يُنتزع منها في وقت حياتها فقال مالك: يجوزُ الانتفاع بذلك، ولا ينتفع بقرنها وأَظلافها وريشها وأنيابها لأن فيها حياة إلاَّ نابَ الفيل المسمى العَاج، وليس دليله على هذا التحريم منتزعاً من هذه الآية ولكنه أخذَ بدلالة الإشارة؛ لأن تحريم أكل الميتة أَشارَ إلى خباثة لحمها وما في معناها، وقال الشافعي: يحرم الانتفاع بكل أجزاء الميتة، ولا دليل له من فعل ﴿ حَرَّم ﴾ ؛ لأن الفعل في حيز الإثبات لا عموم له، ولأن لفظ ﴿ الميتة ﴾ كُلٌّ وليس كليّاً فليس من صيغ العموم، فيرجع الاستدلال به إلى مسألة الخلاف في الأَخذ بأوائل الأسماء أو أواخرها وهي مسألة ترجع إلى إعمال دليل الاحتياط وفيه مراتب وعليه قرائن ولا أحسبها متوافرة هنا، وقال أبو حنيفة لا يجوز الانتفاع بالميتة بوجهٍ ولا يُطَعمُها الكلابُ ولا الجوارح، لأن ذلك ضرب من الانتفاع بها وقد حرمها الله تحريماً مطلقاً معلقاً بعينها مؤكداً به حكم الحظر، فقوله موافق لقول مالك فيما عدا استدلاله.

وأما جلد الميتة فله شبه من جهة ظاهره كشبه الشعر والصوف، ومن جهة باطنه كشبه اللحم، ولتعارض هذين الشبهين اختلف الفقهاء في الانتفاع بجلد الميتة إذا دُبغ فقال أحمد ابن حنبل: لا يطهر جلد الميتة بالدبغ، وقال أبو حنيفة والشافعي: يطهر بالدبغ ما عدا جلد الخنزير لأنه محرم العين، ونسب هذا إلى الزهري، وألحق الشافعي جلد الكلب بجلد الخنزير، وقال مالك يطهر ظاهر الجلد بالدبغ لأنه يصير صلباً لا يداخله ما يجاوره، وأما باطنه فلا يطهر بالدبغ ولذلك قال: يجوز استعمال جلد الميتة المدبوغ في غير وضع الماء فيه، ومنع أن يصلي به أو عليه، وقول أبي حنيفة أرجح للحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شاة ميتة كانت لميمونة أم المؤمنين فقال «هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» ولما جاء في الحديث الآخر من قوله: «أيُّما إهَاببٍ دُبغَ فقد طَهُر» ()، ويظهر أن هذين الخبرين لم يبلغا مبلغ الصحة عند مالك ولكن صحتهما ثبتت عند غيره، والقياس يقتضي طهارة الجلد المدبوغ لأن الدبغ يزيل ما في الجلد من توقع العُفونة العارضة للحيوان غير المذكى فهو مزيل لمعنى القذارة والخباثة العارضتين للميتة.

ويستثنى من عموم الميتة ميتة الحوت ونحوه من دواب البحر التي لا تعيش في البر وسيأتي الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ أحل لكم صيد البحر وطعامه ﴾ [المائدة: 96] في سورة العقود.

واعلم أن حكمة تحريم الميتة فيما أرى هي أن الحيوان لا يموت غالباً إلاّ وقد أصيب بعلة والعلل مختلفة وهي تترك في لحم الحيوان أجزاء منها فإذا أكلها الإنسان قد يخالط جزءاً من دمه جراثيم الأمراض، مع أن الدم الذي في الحيوان إذا وقفت دورته غلبت فيه الأجزاء الضارة على الأجزاء النافعة، ولذلك شرعت الذكاة لأن المذكى مات من غير علة غالباً ولأن إراقة الدم الذي فيه تجعل لحمه نقياً مما يخشى منه أضرار.

ومن أجل هذا قال مالك في الجنين: إن ذكاته ذكاة أمه؛ لأنه لاتصاله بأجزاء أمه صار استفراغ دم أمه استفراغاً لدمه ولذلك يموت بموتها فسلم من عاهة الميتة وهو مدلول الحديث الصحيح " ذكاة الجنين ذكاة أمه " وبه أخذ الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يؤكل الجنين إذا خرج ميتاً فاعتبر أنه ميتة لم يذكَّ، وتناول الحديث بما هو معلوم في الأصول، ولكن القياس الذي ذكرناه في تأييد مذهب مالك لا يقبل تأويلاً.

وقد ألحق بعض الفقهاء بالحوت الجراد تؤكل ميتته لأنه تتعذر ذكاته وهو قول ابن نافع وابن عبد الحكم من المالكية تمسكاً بما في «صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي أوفى " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات كنا نأكل الجراد معه " اه.

وسواء كان معه ظرفاً لغواً متعلقاً بنأكل أم كان ظرفاً مستقراً حالاً من ضمير «كنا» فهو يقتضي الإباحة إما بأكله صلى الله عليه وسلم إياه وإما بتقريره ذلك فتخص به الآية لأنه حديث صحيح، وأما حديث " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد " فلا يصلح للتخصيص لأنه ضعيف كما قال ابن العربي في «الأحكام»، ومنعه مالك وجمهور أصحابه إلاّ أن يذكى ذكاة أمثاله كالطرح في الماء السخن أو قطع ما لا يعيش بقطعه.

ولعل مالك رحمه الله استضعف الحديث الذي في مسلم أو حمله على الاضطرار في السفر أو حمله على أنهم كانوا يصنعون به ما يقوم مقام الذكاة قال ابن وهب: إن ضم الجراد في غرائر فضمه ذلك ذكاة له، وقد ذكر في «الموطأ» حديث عمر وقول كعب الأحبار في الجراد إنه من الحوت وبينت توهم كعب الأحبار في كتابي المسمى «كشف المغطى على الموطأ».

وأما الدَّم فإنما نص الله على تحريمه لأن العرب كانت تأكل الدم، كانوا يأخذون المباعر فيملأونها دماً ثم يشوونها بالنار ويأكلونها، وحكمة تحريم الدم أن شربه يورث ضراوة في الإنسان فتغلظ طباعه ويصير كالحيوان المفترس، وهذا مناف لمقصد الشريعة، لأنها جاءت لإتمام مكارم الأخلاق وإبعاد الإنسان عن التهور والهمجية، ولذلك قيد في بعض الآيات بالمسفوح أي المُهراق، لأنه كثير لو تناوله الإنسان اعتاده ولو اعتاده أورثه ضراوة، ولذا عفت الشريعة عما يبقى في العروق بعد خروج الدم المسفوح بالذبح أو النحر، وقاس كثير من الفقهاء نجاسة الدم على تحريم أكله وهو مذهب مالك، ومداركهم في ذلك ضعيفة، ولعلهم رأوا مع ذلك أن فيه قذارة.

والدم معروف مدلولهُ في اللغة وهو إفراز من المفرزات الناشئة عن الغذاء وبه الحياة وأصل خلقته في الجسد آتتٍ من انقلاب دم الحيض في رحم الحامل إلى جسد الجنين بواسطة المصران المتصل بين الرحم وجسد الجنين وهو الذي يقطع حين الولادة، وتجددُه في جسد الحيوان بعد بروزه من بطن أمه يكون من الأغذية بواسطة هضم الكبد للغذاء المنحدر إليها من المعدة بعد هضمه في المعدة ويخرج من الكبد مع عرق فيها فيصعد إلى القلب الذي يدفعه إلى الشرايين وهي العروق الغليظة وإلى العروق الرقيقة بقُوَّةِ حركة القلب بالفَتْح والإغلاق حركةً ماكينية هوائية، ثم يدور الدم في العروق منتقلاً من بعضها إلى بعض بواسطة حركات القلب وتنفس الرئة وبذلك الدوران يسلم من التعفن فلذلك إذا تعطلت دورته حصة طويلة مات الحيوان.

ولحم الخنزير هو لحم الحيوان المعروف بهذا الاسم.

وقد قال بعض المفسرين: إن العرب كانوا يأكلون الخنزير الوحشي دون الإنسي، أي لأنهم لم يعتادوا تربية الخنازير وإذا كان التحريم وارداً على الخنزير الوحشي فالخنزير الإنسي أوْلى بالتحريم أو مساوٍ للوحشي.

وذِكر اللحم هنا لأنه المقصود للأكل فلا دلالة في ذكره على إباحة شيء آخر منه ولا على عدمها، فإنه قد يعبر ببعض الجسم على جميعه كقوله تعالى عن زكرياء ﴿ رب إني وهن العظْم مني ﴾ [مريم: 4]، وأما نجاسته ونجاسة شعره أو إباحتها فذلك غرض آخر ليس هو المراد من الآية.

وقد قيل في وجه ذكر اللحم هنا وتركه في قوله: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ وجوه قال ابن عطية: إن المقصد الدلالة على تحريم عينه ذُكِّيَ أم لم يُذَكَّ اه.

ومراده بهذا ألا يتوهم متوهم أنه إنما يحرم إذا كان ميتة وفيه بعد، وقال الألوسي خصه لإظهار حرمته، لأنهم فضلوه على سائر اللحوم فربما استعظموا وقوع تحريمه اه.

يريد أن ذكره لزيادة التغليظ أي ذلك اللحم الذي تذكرونه بشراهة، ولا أحسب ذلك، لأن الذين استجادوا لحم الخنزير هم الروم دون العرب، وعندي أن إقحام لفظ اللحم هنا إما مجرد تفنن في الفصاحة وإما للإيماء إلى طهارة ذاته كسائر الحيوان، وإنما المحرم أكله لئلا يفضي تحريمه بالناس إلى قتله أو تعذيبه، فيكون فيه حجة لمذهب مالك بطهارة عين الخنزير كسائر الحيوان الحي، وإما للترخيص في الانتفاع بشعره لأنهم كانوا يغرزون به الجلد.

وحكمة تحريم لحم الخنزير أنه يتناول القاذورات بإفراط فتنشأ في لحمه دودة مما يقتاته لا تهضمها معدته فإذا أصيب بها آكله قتلته.

ومن عجيب ما يتعرض له المفسرون والفقهاء البحث في حرمة خنزير الماء وهي مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء والألقاب في الأحكام الشرعية وفي «المدونة» توقَّف مالك أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزير.

قال ابن شَأْس: رأى غير واحد أن توقُّف مالك حقيقة لعموم ﴿ أحل لكم صيد البحر ﴾ [المائدة: 96] وعموم قوله تعالى: ﴿ ولحم الخنزير ﴾ ورأى بعضهم أنه غير متوقِّف فيه حقيقة، وإنما امتنع من الجواب إنكاراً عليهم تسميتهم إياه خنزيراً ولذلك قال أنتم تسمونه خنزيراً يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزيراً وأنه لا ينبغي تسميته خنزيراً ثم السؤال عن أكله حتى يقول قائلون أكلوا لحم الخنزير، أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يُتَلاعَب بها، وعن أبي حنيفة أنه منع أكل خنزير البحر غير متردد أخذاً بأنه سمي خنزيراً، وهذا عجيب منه وهو المعروف بصاحب الرأي، ومن أين لنا ألا يكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب فيكون أكله محرماً على فريق ومباحاً لفريق.

وقوله تعالى: ﴿ وما أهل به لغير الله ﴾ أي ما أعلن به أو نودي عليه بغير اسم الله تعالى، وهو مأخوذ من أهل إذا رفع صوته بالكلام ومثله استهل ويقولون: استهل الصبي صارخاً إذا رفع صوته بالبكاء، وأهلَّ بالحج أو العمرة إذا رفع صوته بالتلبية عند الشروع فيهما، والأقرب أنه مشتق من قول الرجل: هلا لقصد التنبيه المستلزم لرفع الصوت وهلا أيضاً اسم صوت لزجر الخيل، وقيل مشتق من الهلال، لأنهم كانوا إذا رأوا الهلال نادى بعضهم بعضاً وهو عندي من تلفيقات اللغويين وأهل الاشتقاق، ولعل اسم الهلال إن كان مشتقاً وكانوا يصيحون عند رؤيته وهو الذي اشتق من هلَّ وأهلَّ بمعنى رفع صوته، لأن تصاريف أهلَّ أكثر، ولأنهم سموا الهلال شهراً من الشهرة كما سيأتي.

وكانت العرب في الجاهلية إذا ذبحت أو نحرت للصنم صاحوا باسم الصنم عند الذبح فقالوا باسم اللات أو باسم العزَّى أو نحوهما، وكذلك كان عند الأمم التي تعبد آلهة إذا قربت لها القرابين، وكان نداء المعبود ودعاؤه عند الذبح إليه عادة عند اليونان كما جاء في «الإلياذة» لهوميروس.

فأُهِلَّ في الآية مبني للمجهول أي ما أهل عليه المهل غير اسم الله، وضمن (أهل) معنى تقرب فعدي لمتعلقه بالباء وباللام مثل تقرب، فالضمير المجرور بالباء عائد إلى ﴿ ما أهل ﴾ ، وفائدة هذا التضمين تحريم ما تقرب به لغير الله تعالى سواء نودي عليه باسم المتقرب إليه أم لا، والمراد بغير الله الأصنام ونحوها.

وأما ما يذبحه سودان بلدنا بنية أن الجن تشرب دمه ولا يذكرون اسم الله عليه زعماً بأن الجن تفر من نورانية اسم الله فالظاهر أنه لا يجوز أكله وإن كان الذين يفعلونه مسلمين ولا يخرجهم ذلك عن الإسلام.

وقال ابن عرفة في «تفسيره»: الأظهر جواز أكله لأنه لم يهل به لغير الله.

وقوله: «فمن اضطر» الخ الفاء فيه لتفريع الإخبار لا لتفريع المعنى، فإن معنى رفع الحرج عن المضطر لا ينشأ عن التحريم، والمضطر هو الذي ألجأته الضرورة أي الحاجة أي اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرمات فلا إثم عليه، وقوله: ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ حال، والبغي الظلم، والعدوان المحاربة والقتال، ومجيء هذه الحال هنا للتنويه بشأن المضطر في حال إباحة هاته المحرمات له بأنه بأكلها يكون غير باغ ولا عاد، لأن الضرورة تلجئ إلى البغي والاعتداء فالآية إيماء إلى علة الرخصة وهي رفع البغي والعدوان بين الأمة، وهي أيضاً إيماء إلى حد الضرورة وهي الحاجة التي يشعر عندها من لم يكن دأبه البغي والعدوان بأنه سيبغي ويعتدي وهذا تحديد منضبط، فإن الناس متفاوتون في تحمل الجوع ولتفاوت الأمزجة في مقاومته، ومن الفقهاء من يحدد الضرورة بخشية الهلاك ومرادهم الإفضاء إلى الموت والمرض وإلاّ فإن حالة الإشراف على الموت لا ينفع عندها الأكل، فعلم أن نفي الإثم عن المضطر فيما يتناوله من هذه المحرمات منوط بحالة الاضطرار، فإذا تناول ما أزال به الضرورة فقد عاد التحريم كما كان، فالجائع يأكل من هاته المحرمات إن لم يجد غيرها أكلاً يغنيه عن الجوع وإذا خاف أن تستمر به الحاجة كمن توسط فلاة في سفر أن يتزود من بعض هاته الأشياء حتى إن استغنى عنها طرحها، لأنه لا يدري هل يتفق له وجدانها مرة أخرى.

ومن عجب الخلاف بين الفقهاء أن ينسب إلى أبي حنيفة والشافعي أنّ المضطرّ لا يشبع ولا يتزود خلافاً لمالك في ذلك والظاهر أنه خلاف لفظي والله تعالى يقول: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ في معرض الامتنان فكيف يأمر الجائع بالبقاء على بعض جوعه ويأمر السائر بالإلقاء بنفسه إلى التهلكة إن لم يتزود، وقد فسر قوله ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ بتفاسير أخرى فعن الشافعي أنه غير الباغي والعادي على الإمام لا عاص بسفره فلا رخصة له فلا يجوز له أكل ذلك عند الاضطرار فأجاب المالكية: بأن عصيانه بالسفر لا يقتضي أن يؤمر بمعصية أكبر وهي إتلاف نفسه بترك أكل ما ذكر وهو إلجاء مكين.

ومما اختلفوا في قياسه على ضرورة الجوع ضرورة التداوي، فقيل لا يتداوى بهاته المحرمات ولا بشيء مما حرم الله كالخمر وهذا قول مالك والجمهور، ولم يزل الناس يستشكلونه لاتحاد العلة وهي حفظ الحياة، وعندي أن وجهه أن تحقق العلة فيه منتف إذ لم يبلغ العلم بخصائص الأدوية ظن نفعها كلها إلاّ ما جرب منها، وكم من أغلاط كانت للمتطببين في خصائص الدواء، ونقل الفخر عن بعضهم إباحة تناول المحرمات في الأدوية، وعندي أنه إذا وقع قوة ظن الأطباء الثقات بنفع الدواء المحرم من مرض عظيم وتعينه أو غلب ذلك في التجربة فالجواز قياساً على أكل المضطر وإلاّ فلا.

وقرأ بو جعفر: ﴿ فمن اضطر ﴾ بكسر الطاء، لأن أصله اضطرر براءين أولاهما مكسورة فلما أريد إدغام الراء الأولى في الثانية نقلت حركتها إلى الطاء بعد طرح حركة الطاء.

وقوله: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ تذييل قصد به الامتنان، أي إن الله موصوف بهذين الوصفين فلا جرم أن يغفر للمضطر أكل الميتة لأنه رحيم بالناس، فالمغفرة هنا بمعنى التجاوز عما تمكن المؤاخذة عليه لا بمعنى تجاوز الذنب، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم في رؤيا القليب «وفي نزعه ضعف والله يغفر له».

ومعنى الآية: أن رفع الإثم عن المضطر حكم يناسب من اتصف بالمغفرة والرحمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ ﴾ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِما حَرَّمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ﴾ لِيَدُلَّ عَلى تَخْصِيصِ التَّحْرِيمِ مِن عُمُومِ الإباحَةِ، فَقالَ: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ ﴾ وهو ما فاتَ رُوحُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ.

( والدَّمَ ) هو الجارِي مِنَ الحَيَوانِ بِذَبْحٍ أوْ جُرْحٍ.

﴿ وَلَحْمَ الخِنْزِيرِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: التَّحْرِيمُ مَقْصُورٌ عَلى لَحْمِهِ دُونَ غَيْرِهِ اقْتِصارًا عَلى النَّصِّ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ بْنِ عَلِيٍّ.

والثّانِي: أنَّ التَّحْرِيمَ عامٌّ في جُمْلَةِ الخِنْزِيرِ، والنَّصُّ عَلى اللَّحْمِ تَنْبِيهٌ عَلى جَمِيعِهِ لِأنَّهُ مُعْظَمُهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ( أُهِلَّ ) أيْ ذُبِحَ وإنَّما سُمِّيَ الذَّبْحُ إهْلالًا لِأنَّهم كانُوا إذا أرادُوا ذَبْحَ ما قَرَّبُوهُ لِآلِهَتِهِمْ ذَكَرُوا عِنْدَهُ اسْمَ آلِهَتِهِمْ وجَهَرُوا بِهِ أصْواتَهُمْ، فَسُمِّيَ كُلُّ ذابِحٍ جَهَرَ بِالتَّسْمِيَةِ أوْ لَمْ يَجْهَرْ مُهِلًّا، كَما سُمِّيَ الإحْرامُ إهْلالًا لِرَفْعِ أصْواتِهِمْ عِنْدَهُ بِالتَّلْبِيَةِ حَتّى صارَ اسْمًا لَهُ وإنْ لَمْ يُرْفَعْ عِنْدَهُ صَوْتٌ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والرَّبِيعِ.

﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ اضْطُرَّ افْتُعِلَ مِنَ الضَّرُورَةِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: فَمَن أُكْرِهَ عَلى أكْلِهِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: فَمَنِ احْتاجَ إلى أكْلِهِ لِضَرُورَةٍ دَعَتْهُ مِن خَوْفٍ عَلى نَفْسٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: غَيْرُ باغٍ عَلى الإمامِ ولا عادٍ عَلى الأُمَّةِ بِإفْسادِ شَمْلِهِمْ، فَيَدْخُلُ الباغِي عَلى الإمامِ وأُمَّتِهِ والعادِي: قاطِعُ الطَّرِيقِ، وهو مَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: غَيْرُ باغٍ في أكْلِهِ فَوْقَ حاجَتِهِ ولا عادٍ يَعْنِي مُتَعَدِّيًا بِأكْلِها وهو يَجِدُ غَيْرَها، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: غَيْرُ باغٍ في أكْلِها شَهْوَةً وتَلَذُّذًا ولا عادٍ بِاسْتِيفاءِ الأكْلِ إلى حَدِّ الشِّبَعِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

وَأصْلُ البَغْيِ في اللُّغَةِ: قَصْدُ الفَسادِ يُقالُ: بَغَتِ المَرْأةُ تَبْغِي بِغاءً إذا فَجَرَتْ.

وَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا  ﴾ ورُبَّما اسْتُعْمِلَ البَغْيُ في طَلَبِ غَيْرِ الفَسادِ، والعَرَبُ تَقُولُ: خَرَجَ الرَّجُلُ في بِغاءِ إبِلٍ لَهُ، أيْ في طَلَبِها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ لا يَمْنَعَنَّكَ مِن بِغا ءِ الخَيْرِ تَعْقادُ التَّمائِمِ ∗∗∗ إنَّ الأشائِمَ كالأيا ∗∗∗ مِنِ، والأيامِنَ كالأشائِمِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال» .

أما قوله تعالى: ﴿ وما أهل به ﴾ الآية.

أخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أهل ﴾ قال: ذبح.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما أهل به لغير الله ﴾ يعني ما أهلّ للطواغيت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ وما أهل ﴾ قال: ما ذبح لغير الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ وما أهل به لغير الله ﴾ يقول: ما ذكر عليه اسم غير الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن اضطر ﴾ يعني إلى شيء مما حرم ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ يقول: من أكل شيئاً من هذه وهو مضطر فلا حرج، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ غير باغ ﴾ قال: في الميتة.

قال: في الأكل.

وأخرج سفيان بن عيينة وآدم بن أبي إياس وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في المعرفة وفي السنن عن مجاهد في قوله: ﴿ غير باغ ولا عاد ﴾ قال: غير باغ على المسلمين ولا متعد عليهم، من خرج يقطع الرحم، أو يقطع السبيل، أو يفسد في الأرض، أو مفارقاً للجماعة والأئمة، أو خرج في معصية الله، فاضطر إلى الميتة لم تحل له.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ﴾ قال: العادي الذي يقطع الطريق لا رخصة له ﴿ فلا إثم عليه ﴾ يعني في أكله حين اضطر إليه ﴿ إن الله غفور ﴾ يعني لما أكل من الحرام ﴿ رحيم ﴾ به إذ أحل له الحرام في الاضطرار.

وأخرج وكيع عن إبراهيم والشعبي قالا: إذا اضطر إلى الميتة أكل منها قدر ما يقيمه.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وأبو الشيخ عن مسروق قال: من اضطر إلى الميتة والدم ولحم الخنزير فتركه تقذراً ولم يأكل ولم يشرب ثم مات دخل النار.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فمن اضطر غير باغ ولا عاد ﴾ قال: غير باغ في أكله ولا عاد بتعدي الحلال إلى الحرام، وهو يجد عنه بلغة ومندوحة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

ثم بين أن المحرَّم ما هو (١) ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ﴾ الآية.

﴿ إِنَّمَا ﴾ تكون على وجهين (٢) والوجه الآخر: أن تكون حرفين: ما منفصلة عن إنّ، وتكون بمعنى الذي (٣) (٤) كقوله (٥) ﴿ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ  ﴾ ، ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ  ﴾ ، فهذه حرفٌ واحد؛ لأن (الذي) لا يصلح في موضع (ما).

وأما التي (٦) ﴿ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ  ﴾ ، ولو نصب كيدَ ساحر على أن تجعل (إنما) حرفًا واحدًا كان صوابًا، وقوله تعالى: ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ  ﴾ ، تنصب المودة وترفع، على ما ذكرنا من الوجهين، هذا كله قول الفراء (٧) وقال الزجاج: ﴿ إِنَّمَا ﴾ إذا جعلته كلمةً واحدةً كان إثباتًا لما يذكر بعده ونفيًا لما سواه، فقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ﴾ معناه: ما حرم عليكم إلا ما ذكر، كقول الشاعر: وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي (٨) المعنى: ما يدافع عن أحسابهم إلا أنا أو مثلي، وإنما صارت كلمة إنما إثباتًا للشيء ونفيًا لما سواه؛ لأن كلمة (إنّ) للتوكيد في الإثبات، و (ما) تكون نفيًا، وإذا قال (٩) (١٠) والميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يُذبح (١١) وتحريم الميتة مخصوص بالسنة لقوله  : "أُحِلّتْ لنا ميتتان" (١٢) وكذلك الدم يخصه قوله تعالى: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا  ﴾ ، فقيد هناك، وأطلق هاهنا، والمطلق يحمل على المقيد (١٣)  : "وَدَمَان" وكانت العرب تجعل الدَّمَ في المباعر، وتشويها ثم تأكلها (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ ﴾ أراد: الخنزيرَ بجميع أجزائه، وخص اللحم؛ لأنه المقصود بالأكل (١٥) ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ أبو عبيد: قال الأصمعي: الإهلال أصله: رفع الصوت، وكل رافع صوتَه فهو مُهِلّ، قال ابن أحمر (١٦) (١٧) (١٨) هذا معنى الإهلال في اللغة، ثم قيل للمُحْرِم: مُهِل، لرفعه الصوت بالتلبية، يقال: أهَلّ فلانٌ بحَجَّةٍ أو عُمْرةٍ، أي: أحْرَم بها؛ وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام، والذابحُ مُهِلّ، وذلك لأنه كان يسمي الأوثان عند الذبح، ويرفع صوته بذكرها (١٩) فمعنى قوله: ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: يعني: ما ذبح للأصنام (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقال الربيع (٢٤) (٢٥) قال الكلبي (٢٦) (٢٧) ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ أي: أُحْوِجَ وألجئ، وهو افتُعِل من الضرورة، قال الأزهري: معناه ضُيق عليه الأمر بالجوع، وأصله: من الضرر وهو الضيق (٢٩) وقرئ: برفع النون وكسرها في ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ (٣٠) (٣١) ﴿ اضْطُرَّ ﴾ : أن يحوج إليه لبؤس، أو يضطر (٣٢) (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ يصلح أن يكون ﴿ غَيْرَ ﴾ حالًا للمضطر، ولا يصلح أن يكون استثناءً؛ لأن ﴿ غَيْرَ ﴾ هاهنا بمعنى: النفي؛ ولذلك عطف عليها بلا؛ لأنها في معنى لا (٣٤) قال الفراء: (غير) في هذا الموضع حال للمضطر، كأنك قلت: فمن اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فهو له حلال (٣٥) وقوله: ﴿ بَاغٍ ﴾ أصل البغي في اللغة: الفساد وتجاوز الحد، قال الليث: البغي في عدو الفرس: اختيال ومرح، وإنه ليبغي في عدوه.

ولا يقال: فرس باغ، والبغي: الظلم والخروج عن النَّصَفة، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ  ﴾ .

الأصمعي: يقال: بغى الجرح يبغي بغيًا: إذا ترامى بالفساد، وبغت السماء: إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد.

الفراء: يقال للجرح إذا تورّم واشتد: بغى يبغي بغيًا، وبَغَى الجرح والبحر والحساب سواء: إذا طغى وزاد (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا عَادٍ ﴾ العدْو: هو التعدي وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، يقال: عدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوانًا وعدًا واعتداءً وتعديًا: ظلمه ظلمًا مجاوزًا للقدر، وعدا طورَه: جاوز قدره (٣٧) ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ ﴾ طريقان (٣٨) أحدهما وهو قول ابن عباس في رواية عطاء: غير باغ على المسلمين، ولا عاد عليهم (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) والثاني: أن هذا البغي والعدوان يرجعان إلى الأكل، ومعناه: غير آكلها تلذُّذًا من غير اضطرار، ﴿ وَلَا عَادٍ ﴾ ولا مجاوز ما يدفع به عن نفسه الجوع، وهذا قول السدي (٤٦) وقال الحسن (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) والتأويل الأول أولى؛ من حيث اللفظ والمعنى.

أما اللفظ: فرجوع البغي والعدوان إلى حال المضطر أولى من رجوعهما إلى أكله، وهو المفهوم من اللفظ؛ لأنه لم يسبق للأكل ذكر حتى يكون البغي والعدوان صفةً له، راجعًا إليه، ومثله من الكلام أن يقال: قد حرم الأمير ركوب الخيل، ولبس السلاح، فمن أُحوِج (٥٢) وأما من حيث المعنى: فإن نفس المؤمن يعاف الميتة والدم، ويستقذرهما (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله غَفُوُرُ ﴾ أي: للمعاصي، وفيه إشارة إلى أنه إذا كان يغفر المعصية فإنه لا يأخذُ بما جعل فيه الرخصة.

﴿ رَحِيمٌ ﴾ حيث رَخَّصَ للمضطر في أكل الميتة (٥٤) (١) سقطت: (هو) في (ش).

(٢) ينظر في (إنما) وإعرابها: "تفسير الطبري" 2/ 84، "الكتاب" لسيبويه 2/ 138، و3/ 116 - 131، "التبيان" 1/ 140 - 141.

(٣) في (ش): (الذين).

(٤) في (م): (وإن).

(٥) في (م): (زيادة إنما الله إله).

(٦) في (م): (الذي).

(٧) "معاني القرآن" للفراء، وينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 229.

(٨) مطلع البيت: أنا الذائد الحامي الذمار وإنما والبيت للفرزدق في "ديوانه" ص 712، "معاني القرآن" للزجاج، "معاهد التنصيص" 1/ 89.

(٩) في (م): (وإذا كان قال).

(١٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 342 - 343.

(١١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1343، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 132، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 52، "تفسير القرطبي" 2/ 203 - 204، وتعريف المؤلف رحمه الله ناقص؛ فإنه لم يدخل فيه أيضًا ما ذبح بطريقة غير شرعية، قال الجصاص 1/ 132: "الميتة في الشرع: اسم حيوان الميت غير المذكى، وقد يكون ميتة بأن يموت حتف أنفه من غير سبب لأدمي فيه، وقد يكون ميتة لسبب فعل آدمي إذا لم يكن فعله على وجه الذكاة المبيحة له".

(١٢) أخرجه ابن ماجه (3218) كتاب الصيد، باب: صيد الحيتان والجراد، وأحمد في "المسند" 2/ 97، وعبد بن حميد في "المنتخب من مسنده" ص260، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" 2/ 331، والدارقطني في "سننه" 4/ 272، وابن عدي في "الكامل" 4/ 271، والبيهقي في "سننه" 1/ 254، كلهم من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه عن ابن عمر مرفوعًا وأخرجه ابن عدي في "الكامل" == 1/ 397، من طريق عبد الرحمن وأسامة وعبد الله بني زيد بن أسلم وبنو زيد متكلم فيهم.

وقد صحح الحديث موقوفًا أبو زرعة في "علل الحديث" 2171، والبيهقي وهو موقوف له حكم الرفع.

ينظر: "حاشية أبي الطيب على سنن الدارقطني" 4/ 272، "السلسلة الصحيحة" 3/ 111، وتحقيق "تفسير الثعلبي" للدكتور خالد العنزي 1/ 1346.

(١٣) ينظر: "تفسير الطبري" 8/ 71، الثعلبي 1/ 1343، "أحكام القرآن" للكيا الهراسي 1/ 71 - 72، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 52، "تفسير القرطبي" 2/ 199.

(١٤) في (م): (وتأكلها).

(١٥) وقد حكي الإجماع على هذا، وممن حكاه: السمرقندي 1/ 177، وابن حزم في "المحلى" 7/ 391، وابن رشد في "بداية المجتهد" 1/ 452، وابن عطية 2/ 69، والرازي 5/ 22، والقرطبي 2/ 205، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 262.

(١٦) هو عمرو بن أحمر بن العمرو بن تميم بن ربيعة الباهلي، أبو الخطاب، أدرك الإسلام فأسلم، وغزا مغازي الروم، وأصيبت إحدى عينيه هناك، ونزل الشام، وتوفي على عهد عثمان، وهو صحيح الكلام، كثير الغرائب.

ينظر: "طبقات فحول الشعراء" 2/ 571، و 580، و"الشعر والشعراء" ص 223.

(١٧) في (م): (هل).

(١٨) البيت في "ديوانه" ص 66، "مجاز القرآن" 1/ 150، "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 173، "تفسير السمعاني" 2/ 130، الثعلبي 1/ 1346، "لسان العرب" 3/ 1595، و 1714، 5/ 3102.

(١٩) ينظر في الإهلال: "تفسير الطبري" 2/ 85، والثعلبي 1/ 1345، "المفردات" ص 522، "اللسان" 8/ 4689.

(٢٠) رواه عنه الطبري 2/ 85.

(٢١) رواه عنه الطبري 2/ 85.

(٢٢) رواه عنه الطبري 2/ 85.

(٢٣) رواه عنه الطبري 2/ 85.

(٢٤) رواه عنه الطبري 2/ 85.

(٢٥) رواه عنه الطبري 2/ 86.

وقد حكى الإجماع الواحدي في "الوسيط" 1/ 257 على أن ما أهل به لغير الله يشمل ما ذبح للأصنام، وذكر عليه غير اسم الله، وحكاه الجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 154، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 86، 8/ 71، "النكت والعيون" للماوردي، "معالم التنزيل" 1/ 183، "فتح القدير" 1/ 262، "روح المعاني" 2/ 42.

(٢٦) لم أجده.

(٢٧) ينظر: "إعلام الموقعين" 4/ 404،، "المغني" 12/ 276، و"القول المفيد شرح كتاب التوحيد" 1/ 214.

(٢٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1348، القرطبي 2/ 208 - 214.

(٢٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1350، "المفردات" ص 296 - 297، "البحر المحيط" 1/ 490، "القاموس" ص 428.

(٣٠) قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم وحمزة بكسر النون وضم الطاء، وأبو جعفر بضم النون وكسر الطاء، والباقون بضمهما معًا.

ينظر: "النشر" 2/ 225، "البدور الزاهرة" ص 54.

(٣١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1350، "التبيان" ص 110، "البحر المحيط" 1/ 490.

(٣٢) ليست في: (أ) ، (ش).

(٣٣) رواه عنه الطبري 2/ 86.

(٣٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 86، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 230، "تفسير الثعلبي" 1/ 1350، "التبيان" ص 110 قال الثعلبي: وإذا رأيت (غير) تصلح في موضعها (لا)، فهي: حال، وإذا صلح في موضعها (إلا)، فهي: استثناء، فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب.

(٣٥) "معاني القرآن" للفراء 1/ 102 - 103.

(٣٦) ينظر في معاني البغي: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 244، "تفسير الثعلبي" 1/ 1351، "المفردات" ص 65 - 66، "البحر المحيط" 1/ 490.

(٣٧) ينظر في التعدي: "تفسير الثعلبي" 1/ 1351، "المفردات" ص 328 - 329، "البحر المحيط" 1/ 490.

(٣٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 86، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 243 - 244، "تفسير الثعلبي" 1/ 1351، "تفسير البغوي" 1/ 183، "المحرر الوجيز" 2/ 72 - 73، "تفسير القرطبي" 2/ 214، "البحر المحيط" 1/ 490 - 491.

(٣٩) تقدم الحديث عن هذا هذه الرواية ص 92.

(٤٠) رواه عنه الطبري 2/ 86، 87، وابن أبي حاتم 1/ 283.

(٤١) رواه عنه الطبري 2/ 86، 87، وابن أبي حاتم 1/ 284.

(٤٢) ذكره الثعلبي 1/ 1351.

(٤٣) ذكره الثعلبي 1/ 1351.

(٤٤) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 58، "تفسير القرطبي" 2/ 214، "المغني" 13/ 333، وقال الكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 74: اختلف قول الشافعي في إباحة أكل الميتة للمضطر العاصي بسفره، ويشهد لأحد القولين قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ ، فإنه عام، ويشهد للقول الآخر قوله: ولا تقتلوا أنفسكم، وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، وليس تناول الميتة من رخص السفر، أو متعلقًا بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا، وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء، وهو الصحيح عندنا.

ا.

هـ == وقال القرطبي في "تفسيره" 2/ 214 - معقبا على قول ابن العربي-: وعجبا ممن يبيح له ذلك مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله، فإن قاله فهو مخطئ قطعا، قلت: الصحيح خلاف هذا؛ فإن إتلاف المرء نفسه في سفر المعصية أشد معصية مما هو فيه، قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقتُلُواْ أَنفُسَكُم ﴾ ، وهذا عام، ولعله يتوب في ثاني حال فتمحو التوبة عنه ما كان، وقد قال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه.

(٤٥) "الأم" 2/ 226، وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1352.

(٤٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 88، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 284، ورواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

(٤٧) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 65، والطبري 2/ 87 (٤٨) رواه عنه الطبري 2/ 87، وابن أبي حاتم 1/ 285.

(٤٩) رواه عنه الطبري 2/ 87، وذكره الثعلبي 1/ 1353.

(٥٠) رواه عنه الطبري 2/ 87، وذكره الثعلبي 1/ 1353.

(٥١) يعني به الحنفية، ينظر: "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 156، وقد ناقش هذه القضية بتوسع وأجاب على أدلة المانعين، فلينظر: "أحكام القرآن" للتهانوي 1/ 120.

(٥٢) في (ش): (أخرج).

(٥٣) في (ش): (تعاف وتستقذرهما).

(٥٤) "تفسير الثعلبي" 1/ 1355.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ واشكروا ﴾ الآية: دليل على وجوب الشكر لقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ الميتة ﴾ ما مات حتف أنفه، وهو عموم خص منه الحوت والجراد، وأجاز مالك أكل الطافي من الحوت، ومنعه أبو حنيفة، ومنع مالك الجراد حتى تسيب في بيوتها بقطع عضو منها أو وضعها في الماء وغير ذلك، وأجازه عبد الحكم دون ذلك ﴿ والدم ﴾ يريد المسفوح لتقييده بذلك في سورة الأنعام، ولا خلاف في إباحة ما خالط اللحم من الدم ﴿ وَلَحْمَ الخنزير ﴾ هو حرام سواء ذُكِّي أو لم يذكَّ، وكذلك من حلف أن لا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث بخلاف العكس ﴿ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ ﴾ أي: صيح لأنهم كانوا يصيحون باسم من ذبح له، ثم استعمل في النية في الذبح ﴿ لِغَيْرِ الله ﴾ الأصنام وشبهها ﴿ اضطر ﴾ بالجوع أو بالإكراه، وهو مشتق من الضرورة ووزنه افتعل، وأبدل من التاء طاء ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ قيل: باغ على المسلمين، وعاد عليهم، ولذلك لم يرخص مالك في رواية عنه للعاصي بسفره أن يأكل لحم الميتة، والمشهور عنه الترخيص له، وقيل: غير باغ باستعمالها من غير اضطرار وقيل: باغ أي متزايد على إمساك رمقه.

ولهذا لم يجز الشافعي للمضطر أن يشبع من الميتة.

قال مالك: بل يشبع ويتزوّد ﴿ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ رفع للحرج، ويجب على المضطر أكل الميتة لئلا يقتل نفسه بالجوع وإنما تدل الآية على الإباحة لا على الوجوب، وقد اختلف هل يباح له ميتة بني آدم أم لا؟

فمنعه مالك وأجازه الشافعي لعموم الآية.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الميتة ﴾ بتشديد الياء: يزيد.

الباقون: بالسكون؛ ﴿ فمن اضطر ﴾ بكسر النون وضم الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد.

الباقون: بضمهما.

الوقوف: ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله ﴾ ج الشرط مع فاء التعقيب ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ تزكيهم ﴾ ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بالمغفرة ﴾ ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار.

﴿ على النار ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط للابتداء بأن ﴿ بعيد ﴾ ربع الجزء.

التفسير: إنه  تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلاً من ذلك بما يناسبه، ومن ههنا شرع في بيان الأحكام الشرعية.

الحكم الأول: إباحة الأكل للمؤمنين بعد ما عمم للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل.

وقد يصير واجباً العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوباً كموافقة الضيف واستدل بقوله ﴿ من طيبات ما رزقناكم ﴾ على أن الرزق قد يكون حراماً فإن الطيب هو الحلال.

ولو كان الرزق حلالاً ألبتة لم يبق في ذكر الطيب فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج.

﴿ واشكروا لله ﴾ الذي رزقكموها ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من الشكر.

وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: أوليتنـي نعمـاً أبـوح بشكـرهـا *** وكفيتنـي كـل الأمـور بـأسرهـا فلأشكـرنك ما حييت فـإن أمـت *** فلتشكـرنك أعظمـي فـي قبرهـا عن النبي  "يقول الله  إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري" ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي.

وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة.

وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: فلان يملك جارية.

فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها.

وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله  "أحلت لنا ميتتان ودمان.

أما الميتتان فالجراد والنون.

وأما الدمان فالطحال والكبد" .

وقال  في صفة البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة.

ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي.

وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله  ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً  ﴾ وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله  ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ وفيه نظر.

لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه.

وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي  وابن مسعود وابن عمر لقوله  "ذكاة الجنين ذكاة أمه" وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد "أنه  سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال: إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله  في معرض الامتنان ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ ولقوله  في شاة ميمونة "إنما حرم من الميتة أكلها" ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، وا لصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور.

ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله  "ما أبين من حي فهو ميت" ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم.

وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة.

فأوسع الناس قولاً الزهري.

جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها بالدباغ لقوله  "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد.

ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها.

ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته.

ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير.

ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط.

ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله  قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.

واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة؟

فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه.

وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله  .

وسئل  عن الفأرة تقع في السمن فقال: " استصبحوا به ولا تأكلوه" .

والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه.

وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة.

وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف.

وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان.

ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة.

وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به.

وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟

فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق.

فقال أبو حنيفة: بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق.

قال ابن المبارك: ولم ذلك؟

قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم.

فاستحسنه ابن المبارك.

وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة.

وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم.

ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة.

وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا.

أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص.

وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به.

أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه.

واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز؟

فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز.

واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه.

وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى.

وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية.

قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد.

وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول.

ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله  ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  ﴾ ولأن النصراني إذا سمي الله  فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب.

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم.

وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح.

وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله  قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.

واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم ﴿ فمن اضطر ﴾ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ.

استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم.

الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه.

والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل.

أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به.

"وغير" ههنا بمعنى "لا" النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً.

والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف.

بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد.

وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي.

والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد.

وللأئمة في الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ﴿ ولا عاد ﴾ أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة.

والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين.

ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟

فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل.

وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى ﴿ فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم  ﴾ وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار.

وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل.

وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا.

وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل.

حجة أبي حنيفة قوله  في آية أخرى ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه  ﴾ وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص.

وأيضاً قال  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ﴾ والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية.

وأيضاً الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا.

أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه.

ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع.

وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته.

وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها.

والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه.

وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة.

وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذٍ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول.

وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه.

ولا يشترط في جميع ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن.

ومعنى قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج والضيق كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار.

ومعنى قوله ﴿ أن الله غفور رحيم ﴾ أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو  غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة.

أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة.

﴿ إن الذين يكتمون ﴾ عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم - كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما - كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله  فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة.

فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة النبي  فلا يتبعونه ﴿ ويشترون به ﴾ أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل.

وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل ﴿ في بطونهم ﴾ حال أي ملء بطونهم.

أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿ إلا النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم "أكل الدم" أي الدية التي هي بدل منه: قال: أكلـت دمـاً إن لـم أرعـك بضـرة *** بعيـدة مهـوى القـرط طيبـة النشـر وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق.

ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو لا يكلمهم الله أصلاً لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ﴿ ولا يزكيهم ﴾ بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها الضلال والجهل.

وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي الآخرة أضر الأشياء بأنفعها.

﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجب من حالهم في تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان "ما أصبرك على القيد والسجن" وهذا التعجب منهم في حال التكليف واشترائهم الضلالة بالهدى.

وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم ﴿ اخسؤا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص.

وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة.

وقيل: إن "ما" في ﴿ ما أصبرهم ﴾ للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟

وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب كما في حق الله  ﴿ ذلك ﴾ الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان وسوء معاملتهم إنما هو بسبب ﴿ إن الله نزل الكتاب ﴾ يعني جنس الكتب السماوية أو القرآن ﴿ بالحق ﴾ بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه  ختم على قلوبهم ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ جنسه فقالوا في البعض حق وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لفي شقاق ﴾ خلاف ﴿ بعيد ﴾ عن الحق، أو الذين اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل منهما للآيات الدالة على نبوة محمد  تأويلاً آخر فاسداً، أو حرفوا كلاً منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ ومنازعةٍ شديدةٍ.

فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة، فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة.

وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل ﴿ إن في اختلاف الليل والنهار  ﴾ أي تعاقبهما.

واعلم أن الآية وإن نزلت في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئاً من باب الدين فيكون حكماً ثانياً للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر.

وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضاً بصنعهم وتصريحاً بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم.

التأويل: الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" وقال أيضاً  "سدوا مجاري الشيطان بالجوع" ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به إلى الله رياء وسمعة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ .

[يتوجه وجهين: أحدهما: الإذن في الأكل ما تستطيبه النفس وتتلذذ به، ليكون أرضى وأشكر لله فيما أنعم عليه، ويكون على إرادة الحلال بقوله: ﴿ طَيِّبَاتِ ﴾ ، فيكون في الآية دليل كون المرزوق حلالاً وحراماً، إذ قيل: "من ذا"، ولم يقل: "كلوا ذا"، ولو كان كل الرزق حلالاً لكان يقول: "كلوا مما رزقناكم".

والله أعلم.

ثم حق المحنة التمكين مما يحرم ويحل، ومما ترغب إليه النفس وتزهد.

فجائز جميع ذلك كله في الملك وفي الرزق ليمكن لكم من الأمرين بالمحنة، إذ ذلك حق المحنة.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ ] يدل على أن الذي كان لهم الأكل وأمرهم بالتناول منه هو الحلال.

ثم فيه الدليل على أن من الرزق ما هو طيب حلال، وما هو خبيث حرام؛ إذ لو لم يكن منه طيبٌ وخبيثٌ لكان لا يشترط فيه ذكر الطيب، بل يقول: "كلوا مما رزقناكم".

فإن قيل: فما وجه الحكمة في الامتحان بجعل الخبيث رزقاً لهم؟

قيل: هذا أصل المحنة في كل شيء، يجعل لهم الغذاء؛ فلا يأمرهم بالامتناع عنه، ويجعل لهم قضاء الشهوة في المحرم ويأمرهم بالكف.

وهو الظاهر من المحن.

وقوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ ﴾ .

على ما أباح لكم من الطيبات.

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ .

أي: إن كنتم منه ترون ذلك.

ويحتمل: ﴿ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ أي إياه توحدون.

ويحتمل: ﴿ إِن كُنْتُمْ ﴾ مِمَّن تعبدونه - أياه تقصدون - فاجعلوا عبادتكم له خالصة، لا تعبدوا غيره ليكون له.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: "إن" بمعنى: إذ آثرتم عبادته فاشكروا له.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ ﴾ على جميع ما أنعم عليكم من الدين، والنبي، والقرآن وغير ذلك من النعم، أي: كونوا له شاكرين.

وقوله: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ ﴾ .

ذكر "الميتة" فمعناه: حرم عليكم الأكل من الميتة والتناول منها، فإذا كان كذلك فليس فيه حرمة ما لا يؤكل والانتفاع به من نحو الصوف، والشعر، والعظم ونحوه.

ألا ترى أن هذا إذا أريد من الشاة وهي حية وأبين منها لم تصر ميتة لا يجوز الانتفاع به، وغيره من اللحم إذا أبين منها صار ميتة؛ لما روي في الخبر: "ما أبين من الحي فهو ميت" ولأن الصوف واللبن وغيرهما ليسوا بذوي الروح فيموت باستخراج الروح منها؛ كالحيوان على ما ذكرنا من الخبر.

وروي عن عمر، رضي الله  عنه، أنه سئل عن الأنفحة استخرجت من الميتة، فقال: أفيها دم؟

فقيل: لا.

فقال: لا بأس، كلوا؛ فإن اللبن على ذكاة فيه.

أو كلام نحو هذا.

وكذلك روي عن ابن عمر، رضي الله  عنهما، أنه قال: لا بأس.

فإن قيل: ألا فسد بنجاسة الضرع؛ كالوعاء النجس يكون فيه اللبن يفسد بفساده؟

قيل: إن الشيء إذا كان موضعاً للشيء ومعدنه في الأصل فإن فساد ذلك الموضع لا يوجب فساد ما فيه.

ألا ترى أن الدم الذي يجري بين الجلد واللحم إذا ذبح لا يفسد اللحم لما كان ذلك موضعه ومظانه؟!

فعلى ذلك اللبن في الضرع.

وأما الإهاب: فإنه إذا دبغ فقد طهر؛ لما روي عن رسول الله  أنه قال: "أيما إهاب دبغ فقد ظهر" والدم المذكور في هذه الآية هو الدم المسفوح.

دليله قوله  : ﴿ قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً  ﴾ ، فالمحرم من الدماء المسفوح وهو السائل.

ألا ترى أن الشاة إذا ماتت صارت ميتة بهلاك ذلك المحرم من الدم فيها؟!

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

واختلف فيه على أوجه: قيل: قوله: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ هو تفسير قوله: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ ﴾ ، وهو كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ  ﴾ ، فصار قوله: ﴿ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ وَلاَ مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ ﴾ تفسير قوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ ﴾ ؛ لأنها إن كانت محصنة كانت غير مسافحة ولا متخذة الأخذان.

فعلى ذلك إن كان مضطرّاً كان غير باغ ولا عاد.

والله أعلم.

وقيل: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ أي غير مستحل لتناوله، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ بعدو على أكله للجوع.

وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ غير متجاوز حده، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ ولا مقتصر نهايته.

[وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ فيه ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ على حد الله إذ حرمه عليه في غير حال الاضطرار، فيصير باغياً في الأكل، عاديا على حد الله.

وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ ﴾ في مجاوزته في أكل الحد المجعول له من إقامة المهجة ودفع الضرورة، فأكل بشهوة أو لحاجة غير حاجة الجوع خاصة.

وقيل: ﴿ غَيْرَ بَاغٍ ﴾ على المسلمين، ﴿ وَلاَ عَادٍ ﴾ عليهم].

[لكن تصريح النهي عن الانتفاع بالشيء وحرمة هتكها صاحبها نهي عما هتك لا عما كان مباحا لهم كما روي عن نبي الله  "لا صلاة للمرأة الناشزة ولا للعبد الآبق" وذلك نهي عن الإباق والنشوز لا عن الصلاة، فمثله لو كان نهيا، فكيف ولا نهى؟!

ولكن ذكر إباحة على صفة لم يذكر الحل والتحريم في الابتداء مع تلك الصفة وجملته أن بغيه لا يحرم ما قد أحل بالخبر هو بالاتفاق؛ فكذلك ما أحل بالسبب، دليل ذلك: أمر الكفرة وسائر الفسقة أنه لم يحرم بينهم شيء من ذلك.

والثاني النهي عن قتله].

ثم اختلف في حرمة عين الميتة في حال الاضطرار وحلها: قال بعضهم: عينها حلال ليس بمحرم.

وقال آخرون: عينها محرمة لكن التناول منها مباح.

وهو قول أصحابنا رحمهم الله.

فمن قال بحل عينها للضرورة ذهب إلى أن الحظر والإباحة لا يقع في الأصل لعين الشيء، ولا يتكلم فيها بحل ولا حرمة بحيث العين، بل الحرمة والحل هي الواردة عليها، موجبة حق الحرمة، ثم الحرمة ترتفع بالضرورة.

فيبقى عينه على ما كان في الأصل.

ومن قال بحرمة عينها وبحل التناول منها ذهب إلى أن الحرمة حدثت لما كانت ميتة ومهلاًّ لغير وجه الله.

فحدوث الحل للضرورة يدل على أن العلة كانت هي الضرورة في حق رفع حرمة التناول، ولم ترفع حرمة عينها إلا أنه أبيح التناول منها للضرورة على بقاء الحرمة.

ولكن يجب ألا يتكلم في هذا ومثله بحرمة العين وحلها بعد أن تكون الإباحة للضرورة؛ إذ لله أن يحل عيناً محرمة في حال الاضطرار، وله أن يحرم عينها ويحل التناول منها للاضطرار.

فالتكلم فيه فضل وتكلف.

وبالله التوفيق.

ثم المسألة في الباغي والعادي: يحرم عليه التناول منها في حال الاضطرار أم لا؟

قال بعض أهل العلم: محرم ذلك عليه لأوجه: أحدها: لأنه ظالم.

وفي المنع عن التناول منها زجر عن الظلم، وفي إباحة التناول منها إعانة على الظلم، لذلك حرم عليه.

والثاني: أن القاتل عوقب عندما يأوى إلى الحرم بترك المؤاكلة والمشاربة والمجالسة إلى أن يضطر فيخرج عقوبة له.

فكذلك هذا يحرم عليه التناول منه عقوبة له إلى أن ينزجر.

وقال: إنه قد استحق بالبغي على أهل الإسلام العقوبة العظيمة، ويعاقب بهذا أيضاً.

ثم من قول هذا الرجل في الباغي: أنه إذا أتلف أموال أهل العدل لا يتعرض له بها ولا يغرم.

وكذلك العادل إذا أتلف أموال أهل البغي لا غرامة عليه.

والغرامة نوع من العقوبات، فإذا استويا في سقوط الغرامة - وإن كان أحدهما ظالماً - كيف لا استويا أيضاً في هذا؟

وما الذي يوجب التفرقة بينهما؟

ثم نقول لهذا المخالف لنا: إن الباغي المقيم يمسح يوماً وليلة، وإذا سافر لم يرخص له المسح.

وهو في الحضر رخصة كهي في السفر.

فما باله حرم إحدى الرخصتين على إباحة الأخرى مع وجود الظلم والبغي؟

فقال: لأن الضرورة طريق التناول فيه رخصة، لا ترخص الظالم، إذ هو تخفيف.

والأصل في المسألة أن الباغي على أهل الإسلام لا يأتمر بأحكام أهل الإسلام؛ إذ لو ائتمر أمر بالكف عن بغيه.

وإذا لم يأتمر في ذا، لا شك أنه لا يأتمر في الثاني، ولا يؤمر بما فيه العبث، ولا يزجره التحريم عن التناول، إذ على العلم بحرمة البغي بغى ما اشتهت نفسه، فكيف ينتهي للحرمة فيما اضطرت إليه نفسه؟

ولم يملك الغلبة عليها في شهوتها إيثاراً لها، كذلك إنظاراً لها للكف لا معنى لإحداث الحرمة عليه ببغيه.

وأصله قوله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ  ﴾ ، حرم عليهم إلقاء أنفسهم إلى المهالك، وقتلهم الأنفس.

وفي دفع هذه الرخصة عنه إباحة محرم، وهو أعظم منه عليه.

فلم يفعل؟

وأما [من] قال: بأن من قتل فأوى إلى الحرم، فإن أهله نهوا عن مؤاكلته ومشاربته، ولم ينه في نفسه الأكل والشرب، إذ لا يقدر أحد منعه عن ذلك.

فالقول في مثله تكلف.

فكذا الأول.

والله أعلم.

ثم المسألة في القدر الذي يجوز أن يتناول منها.

فعندنا: أن الإباحة كانت للاضطرار، فهو على القدر الذي له الدفع والإزالة، وذلك بدون ما فيه شدة المجاعة، وذلك الأصل في انتفاء الضرورة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إنما حرم الله عليكم من الأطعمة ما مات بغير ذكاة شرعية، والدم المسفوح السائل، ولحم الخنزير، وما ذُكِر عليه غيرُ اسم الله عند تذكيته، فإذا اضطر الإنسان إلى أَكْل شيء وهو غير ظالم بالأكل منها دون حاجة، ولا متجاوز لحد الضرورة؛ فلا إثم عليه ولا عقوبة، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم، ومن رحمته أنَّه تجاوز عن أَكْل هذه المحرمات عند الاضطرار.

<div class="verse-tafsir" id="91.LZ3KM"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بين الله تعالى حال الذين يتخذون الأنداد من دونه، وأشار إلى أن سبب ذلك حب الحطام، وارتباط مصالح المرؤوسين بمصالح الرؤساء في الرزق والجاه، وخاطب الناس كلهم بأن يأكلوا مما في الأرض إذ أباح لهم جميع خيراتها وبركاتها بشرط أن تكون حلالًا طيبًا.

وبين سوء حال الكافرين المقلدين الذين يقودهم الرؤساء كما يقوم الراعي الغنم لأنهم لا استقلال لهم في عقل ولا فهم -ثم وجه الخطاب إلى المؤمنين خاصة لأنهم أحق بالفهم، وأجدر بالعلم، وأحرى بالاهتداء، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ الأمر هنا للوجوب لا للإباحة، والطيبات ما طاب كسبه من الحلال، ويستلزم عدم تحريم شيء منها والامتناع عنها تدينًا لتعذيب النفس، وهذا تنبيه بعد ما تقدم إلى عدم الالتفات إلى أولئك الحمقى الذين أبيحت لهم خيرات الأرض، فطفقوا يحلون بعضها ويحرمون بعضًا بوساوس شيطانهم وتقليد رؤسائهم، وأُعطوا ميزانًا يميزون به الخواطر الشيطانية الضارة من غيرها، فما أقاموا به ولا له وزنًا، وبين لهم الحرام من الحلال، ولكنهم نفضوا أيديهم من عز الاستقلال بالاستدلال، وهون عليهم التقليد ذل القيود والأغلال، فهو يقول كلوا من هذه الطيبات ولا تضيقوا على أنفسكم مثلهم ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ  ﴾ الذى خلقها لكم وسهل عليكم أسبابها، بأن تتبعوا سنته الحكيمة في طلب هذه الطيبات واستخراجها، وفي استعمالها فيما خلقت لأجله، وبالثناء عليه  وعم نواله، واعتقاد أن هذه الطيبات من فضله وإحسانه، ليس لمن اتخذوا أندادًا له تأثير فيها، ولذلك قال ﴿ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ  ﴾ أي إن كنتم تحصونه بالعبادة، وتؤمنون بانفراده بالسلطة والتدبير، فاشكروا له خلق هذه النعم وإباحتها لكم، ولا تجعلوا له أندادًا تطلبون منهم الرزق أو ترجعون إليهم بالتحليل والتحريم، فإن ذلك له وحده، وإلا كنتم مشركين به، كافرين لنعمه، كالذين من قبلكم جهلوا معنى عبادة الله تعالى فاتخذوا بينهم وبينه وسطاء في طلب الرزق، ورؤساء يشرعون لهم من الدين ما لم يشرعه، ويحلون لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه لهم.

ومن الشكر له تعالى استعمال القوى التي غذيت بتلك الطيبات في نفع أنفسكم وأمتكم وجنسكم.

وليس من الطيبات ما يأخذه شيوخ الطريق من مريديهم بل هو من الخبائث والسحت.

لا يفهم هذه الآية حق فهمها إلا من كان عارفًا بتاريخ الملل عند ظهور الإسلام وقبله، فإن المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقًا وأصنافًا، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبَحِيرة والسَّائبة عند العرب، وكبعض الحيوانات عند غيرهم، وكان المذهب الشائع في النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى الله تعالى تعذيب النفس واحتقارها وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة، واحتقار الجسد ولوازمه، واعتقاد أن لا حياة للروح إلا بذلك، وأن الله تعالى لا يرضى منا إلا إحياء الروح.

وكان الحرمان من الطيبات على أنواع، منها ما هو خاص بالقديسين، أو بالرهبان والقسيسين، ومنها ما هو عام كأنواع الصوم الكثيرة كصوم العذراء وصوم القديسين، وفي بعضها يحرمون اللحم والسمن دون السمك، وفي بعضها يحرمون السمك واللبن والبيض أيضًا.

وكل هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء وليس لها أثر ينقل عن التوراة أو عن المسيح  ، وبذلك كانوا أندادًا، ونزل في شأنهم ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ وتقدم بيان ذلك، وقد سرت إليهم هذه الأحكام بالوراثة عن آبائهم الوثنيين الذين كانوا يحرمون كثيرًا من الطيبات ويرون أن التقرب إلى الله محصور في تعذيب النفس وترك حظوظ الجسد، إذ رأوا في دينهم وفي سيرة المسيح وحواريه من طلب المبالغة في الزهد ما يؤيدها.

وقد تفضل الله تعالى على هذه الأمة بجعلها أمة وسطًا تعطي الجسد حقه والروح حقها كما تقدم في تفسير ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا  ﴾ فأحل لنا الطيبات لتتسع دائرة نعمه الجسدية علينا، وأمرنا بالشكر عليها ليكون لنا منها فوائد روحانية عقلية، فلم نكن جسمانيين محضًا كالأنعام ولا روحانيين خلصًا كالملائكة، وإنما جعلنا أناسي كملة، بهذه الشريعة المعتدلة، فله الحمد والشكر والثناء الحسن.

ظهر بهذا التقرير أن الآية متصلة بما قبلها ومتممة له.

وقال بعض المفسرين -وله وجه فيما قال-: إن ما تقدم من أول السورة إلى ما قبل هذه الآية كله في القرآن والرسالة وأحوال المنكرين للداعي، وما جاء فيها من الأحكام فإنما جاء بطريق العرض والاستطراد، وهذه الآية ابتداء قسم جديد من الكلام، وهو سرد الأحكام، فإنه يذكر بعدها أحكام محرمات الطعام وأحكام الصوم والحج والقصاص والوصية والنكاح والطلاق والرجعة والعدة والإيلاء والرضاع وغير ذلك وينتهي هذا القسم بما قبل قوله تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَٰرِهِمْ  ﴾ الآية.

ولا غرو فإن بين كل قسم وآخر في القرآن من التناسب مثل ما بين كل آية وأخرى في القسم الواحد ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ  ﴾ .

بعد ذكر إباحة الطيبات ذكر المحرمات فقال تبارك اسمه ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ  ﴾ هذا حصر لمحرمات الطعام من الحيوان بصيغة ﴿ إِنَّمَا  ﴾ الدالة على ما سبق الإعلام به وهو آية سورة الأنعام التي ورد فيها حصر التحريم في هذه الأربعة بصيغة الإثبات بعد النفي.

وإنما حرم الميتة لما في الطباع السليمة من استقذارها، ولما يتوقع من ضررها، فإنها إما أن تكون ماتت بمرض سابق أو بعلة عارضة، وكلاهما لا يؤمن ضرره، لأن المرض قد يكون معديًا، والموت الفجائي يقتضي بقاء بعض الأشياء الضارة في الجسم كالكربون الذي يكون سبب الاختناق.

﴿ وَالدَّمَ  ﴾ أي المسفوح كما في آية الأنعام، فإنه قذر لا طيب وضار كالميتة ﴿ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ  ﴾ فإنه قذر، لأن أشهى غذاء الخنزير إليه القاذورات والنجاسات، وهو ضار في جميع الأقاليم ولا سيما الحارة كما ثبت بالتجربة، وأكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القتالة ويقال إن له تأثيرًا سيئًا في العفة والغيرة ﴿ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ  ﴾ وهو ما يذبح ويقدم للأصنام أو غيرها مما يعبد.

والمنع من هذا ديني محض لحماية التوحيد، لأنه من أعمال الوثنية، فكل من أَهَلَّ لغير الله على ذبيحة، فإنه يتقرب إلى من أهَلَّ باسمه تقرب عبادة، وذلك من الإشراك والاعتماد على غير الله تعالى.

وقد ذكر الفقهاء أن كل ما ذكر عليه اسم غير الله ولو مع اسم الله فهو محرم، ومنه ما يجري في الأرياف كثيرًا من قولهم عند الذبح -لا سيما ذبح المندور- بسم الله، الله أكبر، يا سيد.

يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه.

وكيفما أَوَّلْتَه فهو محرم.

ومثل ذكر السيد ذكر الرسول أو المسيح إذ لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه، ولا يتقرب بها إلى من عداه، ممن لم يخلق ولم ينعم ولم يبح ذلك لأنه غير واضع للدين ﴿ فَمَنْ اضْطُرَّ  ﴾ إلى الأكل مما ذكر بأن لم يجد ما يسد به رمقه سواه ﴿ غَيْرَ بَاغٍ  ﴾ له أي غير طالب له، راغب فيه لذاته ﴿ وَلا عَادٍ  ﴾ متجاوز قدر الضرورة ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ  ﴾ لأن الإلقاء بنفسه إلى التهلكة بالموت جوعًا أشد ضررًا من أكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير، بل الضرر في ترك الأكل محقق، وهو في فعله مظنون، وربما كانت شدة الحاجة إلى الأكل مع الاكتفاء بسد الرمق مانعة من الضرر.

وأما ما أُهِلّ به لغير الله فمن أكل منه مضطرًا فهو لا يقصد إجازة عمل الوثنية ولا استحسانه ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ إذ حرم على عباده الضار، وجعل الضرورات بقدرها، لينتفي الحرج والعسر عنهم، ووكل تحديدها إلى اجتهادهم، فهو يغفر لهم خطأهم فيه لتعذر ضبطه.

وفسر (الجلال) كلمة ﴿ بَاغٍ  ﴾ بالخارج على المسلمين، و ﴿ عَادٍ  ﴾ بالمعتدي عليهم بقطع الطريق، ويلحق بهم كل عاص بسفره كالآبق والمكاس، وعليه الشافعي.

ولا خلاف بين المسلمين في أن العاصي كغيره يحرم عليه إلقاء نفسه في التهلكة، ويجب عليه توقي الضرر ويجب علينا دفعه عنه إن استطعنا، فكيف لا تتناوله إباحة الرخص؟!

ثم إن المناسب للسياق أن تحدد الضرورة التي تجيز أكل المحرم وتفسير الباغي والعادي بما ذكرنا هو المحدد لها، وهو موافق للغة كقوله تعالى حكاية عن أخوة يوسف ﴿ مَا نَبْغِي  ﴾ وفى الحديث الصحيح :"يا باغي الخير هلم"، وفي التنزيل ﴿ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ  ﴾ أي لا تتجاوزهم إلى غيرهم.

فالكلام في تحديد الضرورة وتمام بيان حكم ما يحل ويحرم من الأكل، لا في السياسة وعقوبة الخارجين على الدولة والمؤذين للأمة، وإنما كان هذا التحديد لازمًا لئلا يتبع الناس أهواءهم في تفسير الاضطرار إذا هو وكل إليهم بلا حد ولا قيد، فيزعم هذا أنه مضطر وليس بمضطر، ويذهب ذلك بشهوته إلى ما وراء حد الضرورة فعلم من قوله ﴿ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ  ﴾ كيف تقدر الضرورة بقدرها، والأحكام عامة يخاطب بها كل مكلف لا يصح استثناء أحد إلا بنص صريح من الشارع.

ويذكر بعض المفسرين في هذا المقام مسائل خلافية في الميتة كحل الانتفاع بجلدها وغير ذلك مما ليس بأكل، وقد قلنا إننا لا نتعرض في بيان القرآن إلى المسائل الخلافية التي لا تدل عليها عبارته إذ يجب أن يبقى دائمًا فوق كل خلاف.

ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر ﴿ غَفُورٌ  ﴾ له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية.

وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات.

والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًا ومرجعه إلى اجتهاد المضطر ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد