الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٢ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 114 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( فمن خاف من موص جنفا أو إثما ) قال ابن عباس ، وأبو العالية ، ومجاهد ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، والسدي : الجنف : الخطأ .
وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها ، بأن زاد وارثا بواسطة أو وسيلة ، كما إذا أوصى ببيعه الشيء الفلاني محاباة ، أو أوصى لابن ابنته ليزيدها ، أو نحو ذلك من الوسائل ، إما مخطئا غير عامد ، بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر ، أو متعمدا آثما في ذلك ، فللوصي والحالة هذه أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي .
ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي .
وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل في شيء .
ولهذا عطف هذا فبينه على النهي لذلك ، ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل ، والله أعلم .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد ، قراءة ، أخبرني أبي ، عن الأوزاعي ، قال الزهري : حدثني عروة ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : " يرد من صدقة الحائف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته " .
وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه ، من حديث العباس بن الوليد ، به .
قال ابن أبي حاتم : وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد .
وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط .
وقد رواه الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي ، فلم يجاوز به عروة .
وقال ابن مردويه أيضا : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن يوسف ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا عمر بن المغيرة ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحيف في الوصية من الكبائر " .
وهذا في رفعه أيضا نظر .
وأحسن ما ورد في هذا الباب ما قال عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن أشعث بن عبد الله ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة ، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله ، فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة ، فيعدل في وصيته ، فيختم له بخير عمله ، فيدخل الجنة " .
قال أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم : ( تلك حدود الله فلا تعتدوها ) [ البقرة : 229 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية.
فقال بعضهم: تأويلها: فمن حضر مريضًا وهو يوصي عند إشرافه على الموت, فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو أن يعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له الأمر به, فلا حرج على من حَضره فسمع ذلك منه أنْ يصلح بينه وبين وَرَثته، بأن يأمره بالعدل في وصيته, وأن ينهاهم عن مَنعه مما أذن الله له فيه وأباحه له.
* ذكر من قال ذلك: 2690- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " فمن خَافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه "، قال: هذا حين يُحْضَر الرجلُ وهو يموت, فإذا أسرف أمروه بالعدل، وإذا قصَّر قالوا: افعل كذا, أعطِ فلانًا كذا.
2691- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قوله: " فمن خَافَ من مُوص جَنفا أو إثما "، قال: هذا حين يُحْضَر الرجلُ وهو في الموت, فإذا أشرف على الجور أمروه بالعدل, (1) وإذا قصر عن حق قالوا : افعل كذا, أعط فلانًا كذا.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن خافَ - من أولياء ميت، (2) أو وَالِي أمر المسلمين - من مُوص جنفا في وصيته التي أوصى بها الميت, فأصلح بين وَرَثته وبين الموصى لهم بما أوصَى لهم به, فرد الوصية إلى العدل والحقّ، فلا حرج ولا إثم.
* ذكر من قال ذلك: 2692- حدثني المثنى, حدثنا أبو صالح كاتب الليث, حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله: " فمن خاف من مُوص جَنفًا " -يعني: إثْمًا- يقول: إذا أخطأ الميت في وصيته أو حاف فيها, فليس على الأولياء حرجٌ أن يردوا خطأه إلى الصواب.
2693- حدثنا الحسن بن يحيى، (3) حدثنا عبد الرزاق, أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا "، قال: هو الرجل يُوصي فيحيف في وصيته، فيردها الوليّ إلى الحقّ والعدل.
(4) 2694- حدثنا بشر بن معاذ, حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة قوله: " فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا "، وكان قتادة يقول: من أوصى بجورٍ أو حيْف في وصيته فردها وَليّ المتوفى أو إمام من أئمة المسلمين، إلى كتاب الله وإلى العدل, فذاك له.
2695- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فمن خَافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا "، فمن أوصى بوصية بجور، فردَّه الوصيُّ إلى الحق بعد موته، فلا إثم عليه - قال عبد الرحمن في حديثه: " فاصلح بينهم "، يقول: رده الوصيّ إلى الحق بعد موته، فلا إثم عليه.
2696- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن أبيه, عن إبراهيم: " فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصْلح بينهم "، قال: رده إلى الحق.
2697- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا إسرائيل, عن سعيد بن مسروق, عن إبراهيم قال، سألته عن رجل أوصى بأكثر من الثلث؟
قال: اردُدها.
ثم قرأ: " فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا ".
2698- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا خالد بن يزيد صاحب اللؤلؤ قال، حدثنا أبو جعفر الرازي, عن الربيع بن أنس: " فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه "، قال: رده الوصي إلى الحق بعد موته، فلا إثم على الوصي.
* * * وقال بعضهم: بل معنى ذلك: فمن خاف من موص جنفًا أو إثمًا في عطيته عند حضور أجله بعضَ ورثته دون بعض, فلا إثم على من أصلح بينهم = يعني: بين الورثة.
* ذكر من قال ذلك: 2699- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال: قلت لعطاء قوله: " فمن خاف من موص جَنفًا أو إثمًا "، قال: الرجل يحيف أو يأثم عند موته، فيعطي ورثته بعضَهم دون بعض, يقول الله: فلا إثم على المصلح بينهم.
فقلت لعطاء: أله أن يُعطي وارثه عند الموت, إنما هي وصية, ولا وصية لوارث؟
قال: ذلك فيما يَقسم بينهم.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فمن خاف من مُوص جنفًا أو إثمًا في وصيته لمن لا يرثه، بما يرجع نفعه على من يَرثه، فأصلح بينَ وَرَثته، فلا إثم عليه.
* ذكر من قال ذلك: 2700- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني ابن طاوس, عن أبيه أنه كان يَقول: جَنفُه وإثمه، أنْ يوصي الرجل لبني ابنه ليكونَ المالُ لأبيهم, وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها؛ وذو الوارث الكثير والمالُ قليل، فيوصي بثلث ماله كله، فيصلح بينهم الموصَى إليه أو الأمير.
قلت: أفي حياته أم بعد موته؟
قال: ما سمعنا أحدًا يقول إلا بعد موته, وإنه ليوعظ عند ذلك.
2701- حدثني الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة, عن ابن طاوس, عن أبيه في قوله: " فمن خافَ من موص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم "، قال: هو الرجل يوصي لولد ابنته.
* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جَنفًا على بعضهم لبعض، فأصلح بين الآباء والأقرباء، فلا إثم عليه.
* ذكر من قال ذلك: 2702- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه ".
أما " جنفًا ": فخطأ في وصيته، وأما " إثمًا ": فعمدًا يَعمد في وصيته الظلم.
فإن هذا أعظمُ لأجره أن لا يُنفذها, ولكن يصلح بينهم على ما يرى أنه الحق، ينقص بعضًا ويزيد بعضًا.
قال: ونـزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين.
2703- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فمن خافَ من مُوص جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم فلا إثم عليه "، قال: " الجنَف " أن يحيف لبعضهم على بعض في الوصية," والإثم " أن يكون قد أثم في أبويه بعضهم على بعض," فأصلح بينهم " الموصَى إليه بين الوالدين والأقربين - الابن والبنون هُم " الأقربون " - فلا إثم عليه.
فهذا الموصَى الذي أوْصى إليه بذلك، وجعل إليه، فرأى هذا قد أجنفَ لهذا على هذا، فأصلح بينهم فلا إثم عليه, فعجز الموصِي أن يوصي كما أمره الله تعالى، وعجز الموصَى إليه أن يصلح، فانتزع الله تعالى ذكره ذلك منهم، ففرضَ الفرائض.
* * * قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: فمن خاف من مُوصٍ جَنفًا أو إثمًا = وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثمًا في وصيته، بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله, وغير ما أذن الله له به مما جاوز الثلث أو بالثلث كله، وفي المال قلة, وفي الوَرَثة كثرةٌ = فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يُوصَى لهم، وبين ورثة الميت، وبين الميت, بأن يأمرَ الميت في ذلك بالمعروف ويعرِّفه ما أباح الله له في ذلك وأذن له فيه من الوصية في ماله, وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ، وذلك هو " الإصلاح " الذي &; 3-404 &; قال الله تعالى ذكره: " فأصلح بينهم فلا إثم عليه ".
وكذلك لمن كان في المال فَضْل وكثرةٌ وفي الورثة قِلة, فأراد أن يقتصر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه, فأصلح من حَضرَه بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصى لهم، بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم, ويبلغ بها ما رَخّص الله فيه من الثلث.
فذلك أيضًا هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.
وإنما اخترنا هذا القول، لأن الله تعالى ذكره قال: " فمن خَاف من موص جَنفًا أو إثمًا "، يعني بذلك: فمن خاف من موص أن يَجْنَف أو يَأثم.
فخوفُ الجنف والإثم من الموصي، إنما هو كائن قبل وقوع الجنف والإثم, فأما بعد وجوده منه، فلا وجه للخوف منه بأن يَجنف أو يأثم, بل تلك حال مَنْ قد جَنفَ أو أثم, ولوْ كان ذلك معناه لقيل: فمن تبيّن من مُوص جَنفًا أو إثمًا -أو أيقن أو علم- ولم يقل: فمن خَافَ منه جَنفًا.
* * * فإن أشكل ما قلنا من ذلك على بعض الناس فقال: فما وجه الإصلاح حينئذ، والإصلاح إنما يكون بين المختلفين في الشيء؟
قيل: إنّ ذلك وإن كان من معاني الإصلاح, فمن الإصلاح الإصلاحُ بين الفريقين، (5) فيما كان مخوفًا حدوثُ الاختلاف بينهم فيه، بما يؤمن معه حُدوث الاختلاف.
لأن " الإصلاح "، إنما هو الفعل الذي يكون معه إصلاحُ ذات البين, فسواء كان ذلك الفعل الذي يكون معه إصلاح ذات البين - قبلَ وقوع الاختلاف أو بعد وقوعه.
فإن قال قائل: فكيف قيل: " فأصلح بينهم ", ولم يجر للورثة ولا للمختلفين، أو المخوف اختلافهم، ذكرٌ؟
قيل: بل قد جرى ذكر الذين أمر تعالى ذكره بالوصية لهم, وهم والدا المُوصي وأقربوه، والذين أمروا بالوصية في قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ، ثم قال تعالى ذكره: " فمن خافَ من مُوص " -لمن أمرته بالوصية له-" جَنفًا أو إثمًا فأصلح بينهم " -وبين من أمرته بالوصية له-" فلا إثم عليه ".
والإصلاح بينه وبينهم، هو إصلاح بينهم وبين ورثة الموصي.
* * * قال أبو جعفر: وقد قرئ قوله: " فمنْ خَافَ منْ مُوص " بالتخفيف في" الصاد " والتسكين في" الواو " - وبتحريك " الواو " وتشديد " الصاد ".
فمن قرأ ذلك بتخفيف " الصاد " وتسكين " الواو "، فإنما قرأه بلغة من قال: " أوصيتُ فلانًا بكذا ".
ومن قرأ بتحريك " الواو " وتشديد " الصاد "، قرأه بلغة من يقول: " وصَّيت فلانًا بكذا ".
وهما لغتان للعرب مشهورتان: " وصَّيتك، وأوصيتك " (6) وأما " الجنف "، فهو الجورُ والعدول عن الحق في كلام العرب, ومنه قول الشاعر: (7) هُــمُ المَــوْلَى وَإِنْ جَـنَفُوا عَلَيْنَـا وَإِنَّـــا مِـــنْ لِقَــائِهِمُ لَــزُورُ (8) يقال منه: " جَنف الرجل على صاحبه يَجنَف " -إذا مال عليه وجَار-" جَنفًا ".
* * * فمعنى الكلام من خاف من موص جَنفًا له بموضع الوصية, وميلا عن الصواب فيها, وجورًا عن القصد أو إثمًا بتعمده ذلك على علم منه بخطأ ما يأتي من ذلك، فأصلح بينهم, فلا إثم عليه.
* * * وبمثل الذي قلنا في معنى " الجنف "" والإثم "، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 2704- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس في قوله: " فمن خاف من موص جَنفًا "، يعني بالجنف: الخطأ.
2705- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح, عن عبد الملك, عن عطاء: " فمن خاف من موص جَنفًا "، قال: ميلا.
2706- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء مثله.
2707- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا خالد بن الحارث ويزيد بن هارون قالا حدثنا عبد الملك, عن عطاء مثله.
2708- حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك قال: الجنفُ الخطأ, والإثم العمد.
2709- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا [أبو أحمد] الزبيري قال، حدثنا هشيم, عن جويبر, عن عطاء مثله.
2710- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا "، أما " جَنفًا " فخطأ في وصيته، وأما " إثمًا ": فعمدًا، يعمد في وصيته الظلم.
(9) 2711- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " فمن خَافَ من مُوص جنفًا أو إثمًا "، قال: خطأً أو عمدًا.
(10) 2712- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرحمن بن سعد وابن أبي جعفر، عن أبي جعفر, عن الربيع: " فمن خَاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا "، قال: الجنف الخطأ, والإثم العمد.
2713- حدثنا عمرو بن علي قال، حدثنا خالد بن يزيد صاحب اللؤلؤ قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع بن أنس مثله.
2714- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان، عن أبيه, عن إبراهيم: " فمن خاف من مُوص جَنفًا أو إثمًا "، قال: الجنف: الخطأ, والإثم العمد.
2715- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل بن مرزوق, عن عطية: " فمن خاف من مُوص جَنفًا "، قال: خطأ," أو إثمًا " متعمدًا.
2716- حدثني المثنى قال: حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن ابن عيينة, عن ابن طاوس, عن أبيه: " فمن خَافَ من مُوص جَنفًا "، قال: ميلا.
2717- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " جَنفًا " حَيْفًا," والإثم " ميله لبعض على بعض.
وكلّه يصير إلى واحد، كما يكون " عفوًّا غَفورًا " و " غَفورًا رَحيمًا ".
2718- حدثنا القاسم قال حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: الجنف الخطأ, والإثم: العمد.
2719- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، حدثنا الفضل بن خالد قال، حدثنا عبيد بن سليمان, عن الضحاك قال: الجنف الخطأ, والإثم العمد.
(11) * * * وأما قوله: " إنّ الله غَفورٌ رَحيم "، فإنه يعني: والله غَفورٌ للموصي (12) = فيما كان حدَّث به نفسه من الجنف والإثم, إذا تَرَك أن يأثم ويَجنف في وصيته, فتجاوزَ له عما كان حدَّث به نفسه من الجور, إذ لم يُمْضِ ذلك فيُغْفِل أن يؤاخذه به (13) =" رحيمٌ" بالمصلح بينَ المُوصي وبين من أراد أن يَحيف عليه لغيره، أو يَأثَم فيه له.
---------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : "فإذا أشرف على الموت أمروه بالعدل" ، وهو لا يستقيم مع سياق الخبر ، ولا مع الخبر الذي قبله عن مجاهد أيضًا .
ورجحت أن يكون الناسخ صحف"الجور" فجعلها"الموت" أو سها أو سبق قلمه .
أو لعله أخطأ وصحف وزاد ، وأن أصل عبارته كالسياق قبله : "فإذا أسرف أمروه بالعدل" .
وكلاهما جائز ، وصواب في المعنى .
(2) في المطبوعة : "أوصياء ميت" ، وهما سواء .
(3) في المطبوعة : "الحسن بن عيسى" وهو خطأ صرف ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه إلينا رقم : 2684 .
(4) في المطبوعة : "الوالي" ، والصواب ما أثبت ، أي ولي الميت .
(5) في المطبوعة : "فمن الإصلاح بين الفريقين .
.
" ، والصواب زيادة ، "الإصلاح" ، كما يدل عليه السياق .
(6) انظر تفسير (وصى) فيما سلف من هذا الجزء 3 : 93-96 .
(7) هو عامر الخصفي ، من بني خصفة بن قيس عيلان .
(8) مجاز القرآن لأبي عبيدة : 66 ، 67 ، ومشكل القرآن : 219 ، واللسان (جنف) (ولي) .
والمولى : ابن العم ، وأقام المفرد مقام الجمع ، وأراد"المولى" ، قال أبو عبيدة هو كقوله تعالى : (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) وزور جمع أزور : وهو المائل عن الشيء .
يقول : هم أبناء عمنا ، ونحن نكره أن نلاقيهم فنقاتلهم ، لما لهم من حق الرحم .
(9) الأثر : 2710- مضى رقم : 2702 مطولا .
(10) الأثر : 2711- كان في المطبوعة : "فمن خاف من موص جنفًا" قال : جنفًا إثما" ، وهي عبارة مضطربة فاسدة ، فلم أستجز تركها على فسادها ونقلت قول مجاهد الذي أخرجه سفيان بن عيينة وعبد بن حميد فيما نقله السيوطي في الدر المنثور 1 : 175 .
(11) الخبر : 2719- الحسين بن الفرج الخياط البغدادي : شيخ لا يعبأ بروايته ، قال فيه ابن معين : "كذاب ، صاحب سكر ، شاطر"؛ مترجم في ابن أبي حاتم 1/2/62-63 ، وتاريخ إصبهان 1 : 266-267 ، وتاريخ بغداد 8 : 84-86 ، ولسان الميزان 2 : 307 .
والطبري يروي عنه في التفسير كثيرًا بإسناد مجهول ، يقول : "حدثت عن الحسين بن الفرج" .
ولعل ذلك من أجل ضعف حديثه ، فلا يصل الإسناد إليه .
وصرح في بعض مرات في التاريخ باسم من حدثه عنه ، انظر التاريخ 1 : 30 ، 42 .
ويقع اسمه في المطبوعة على الصواب ، كما في 2898 .
وكثيرًا ما يقع خطأ مصفحًا : "الحسن بن الفرج" ، كما في هذا الموضع ، وكما في : 2750 .
ومن ذلك ما مضى : 691 ، وقلت هناك : "لم أعرف من هو؟" .
فيصحح في ذاك الموضع ، وحيثما جاء في التفسير .
الفضل بن خالد : مضت ترجمته : 691 .
(12) كان في المطبوعة : "غفور رحيم للموصى .
.
" ، وليس صوابًا ، وسياق عبارته دال على صواب ما أثبتنا .
(13) في المطبوعة : "فيفعل أن يؤاخذه به" ، ولعل الصواب ما أثبت .
قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيمفيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : فمن خاف من شرط ، وخاف بمعنى خشي ، وقيل : علم ، والأصل خوف ، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها ، وأهل الكوفة يميلون خاف ليدلوا على الكسرة من فعلت .
" من موص " بالتشديد قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ، وخفف الباقون ، والتخفيف أبين ; لأن أكثر النحويين يقولون " موص " للتكثير ، وقد يجوز أن يكون مثل كرم وأكرم .
جنفا من جنف يجنف إذا جار ، والاسم منه جنف وجانف ، عن النحاس ، وقيل : الجنف الميل .
قال الأعشى :تجانف عن حجر اليمامة ناقتي وما قصدت من أهلها لسوائكاوفي الصحاح : " الجنف " الميل ، وقد جنف بالكسر يجنف جنفا إذا مال ، ومنه قوله تعالى : فمن خاف من موص جنفا .
قال الشاعر [ هو عامر الخصفي ] : [ ص: 252 ]هم المولى وإن جنفوا علينا وإنا من لقائهم لزورقال أبو عبيدة : المولى ها هنا في موضع الموالي ، أي بني العم ، كقوله تعالى : ثم يخرجكم طفلا ، وقال لبيد :إني امرؤ منعت أرومة عامر ضيمي وقد جنفت علي خصوميقال أبو عبيدة : وكذلك الجانئ ( بالهمز ) وهو المائل أيضا ، ويقال : أجنف الرجل ، أي جاء بالجنف .
كما يقال : ألام ، أي أتى بما يلام عليه ، وأخس ، أي أتى بخسيس ، وتجانف لإثم ، أي مال ، ورجل أجنف ، أي منحني الظهر ، وجنفى ( على فعلى بضم الفاء وفتح العين ) : اسم موضع ، عن ابن السكيت ، وروي عن علي أنه قرأ " حيفا " بالحاء والياء ، أي ظلما ، وقال مجاهد : فمن خاف أي من خشي أن يجنف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الأذية ، أو يأتيها دون تعمد ، وذلك هو الجنف دون إثم ، فإن تعمد فهو الجنف في إثم ، فالمعنى من وعظ في ذلك ورد عنه فأصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وبين الورثة في ذاتهم فلا إثم عليه .
إن الله غفور رحيم عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الأذية ، وقال ابن عباس وقتادة والربيع وغيرهم : معنى الآية من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه بعد موت الموصي أن الموصي جنف وتعمد أذية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من الاضطراب والشقاق .
فلا إثم عليه أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل ، وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد ، ولكنه تبديل لمصلحة ، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى .الثانية : الخطاب بقوله : فمن خاف لجميع المسلمين .
قيل لهم : إن خفتم من موص ميلا في الوصية وعدولا عن الحق ووقوعا في إثم ولم يخرجها بالمعروف ، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته أو لولد ابنته لينصرف المال إلى ابنته ، أو إلى ابن ابنه ، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه ، أو أوصى لبعيد وترك القريب ، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم ، فإذا وقع الصلح سقط الإثم عن المصلح .
والإصلاح فرض على الكفاية ، فإذا قام أحدهم به سقط عن الباقين ، وإن لم يفعلوا أثم الكل .الثالثة : في هذه الآية دليل على الحكم بالظن ، لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح ، وإذا تحقق الفساد لم يكن صلحا إنما يكون حكما بالدفع وإبطالا للفساد وحسما له .[ ص: 253 ] قوله تعالى : فأصلح بينهم عطف على " خاف " ، والكناية عن الورثة ، ولم يجر لهم ذكر لأنه قد عرف المعنى ، وجواب الشرط فلا إثم عليه .الرابعة : لا خلاف أن الصدقة في حال الحياة والصحة أفضل منها عند الموت ، لقوله عليه السلام وقد سئل : أي الصدقة أفضل ؟
فقال : أن تصدق وأنت صحيح شحيح الحديث ، أخرجه أهل الصحيح ، وروى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة ، وروى النسائي عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل الذي ينفق أو يتصدق عند موته مثل الذي يهدي بعدما يشبع .الخامسة : من لم يضر في وصيته كانت كفارة لما ترك من زكاته .
روى الدارقطني عن معاوية بن قرة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من حضرته الوفاة فأوصى فكانت وصيته على كتاب الله كانت كفارة لما ترك من زكاته ، فإن ضر في الوصية وهي :السادسة : فقد روى الدارقطني أيضا عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الإضرار في الوصية من الكبائر ، وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار .
وترجم النسائي " الصلاة على من جنف في وصيته " أخبرنا علي بن حجر أنبأنا هشيم عن منصور وهو ابن زاذان عن الحسن عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته ولم يكن له مال غيرهم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فغضب من ذلك وقال : لقد هممت ألا أصلي عليه [ ثم دعا مملوكيه ] فجزأهم ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين وأرق أربعة ، وأخرجه مسلم بمعناه إلا أنه قال في آخره : وقال له قولا شديدا ، بدل قوله : لقد هممت ألا أصلي عليه .
وأما الوصية التي فيها حيف وجنف, وإثم، فينبغي لمن حضر المُوصي وقت الوصية بها, أن ينصحه بما هو الأحسن والأعدل, وأن ينهاه عن الجور والجَنَفِ, وهو: الميل بها عن خطأ, من غير تعمد, والإثم: وهو التعمد لذلك.
فإن لم يفعل ذلك, فينبغي له أن يصلح بين الموصى إليهم, ويتوصل إلى العدل بينهم على وجه التراضي والمصالحة, ووعظهم بتبرئة ذمة ميتهم فهذا قد فعل معروفا عظيما, وليس عليهم إثم, كما على مبدل الوصية الجائزة، ولهذا قال: { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } أي: يغفر جميع الزلات, ويصفح عن التبعات لمن تاب إليه, ومنه مغفرته لمن غض من نفسه, وترك بعض حقه لأخيه, لأن من سامح, سامحه الله، غفور لميتهم الجائر في وصيته, إذا احتسبوا بمسامحة بعضهم بعضا لأجل براءة ذمته، رحيم بعباده, حيث شرع لهم كل أمر به يتراحمون ويتعاطفون، فدلت هذه الآيات على الحث على الوصية, وعلى بيان من هي له, وعلى وعيد المبدل للوصية العادلة, والترغيب في الإصلاح في الوصية الجائرة.
قوله تعالى : ( فمن خاف ) أي علم كقوله تعالى : " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله " ( 229 - البقرة ) أي علمتم ( من موص ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب بفتح الواو وتشديد الصاد كقوله تعالى : " ما وصى به نوحا " ( 13 - الشورى ) " ووصينا الإنسان " ( 8 - العنكبوت ) وقرأ الآخرون بسكون الواو وتخفيف الصاد كقوله تعالى : " يوصيكم الله في أولادكم " ( 11 - النساء ) " من بعد وصية يوصي بها أو دين " ( 12 - النساء ( جنفا ) أي جورا وعدولا عن الحق ، والجنف الميل ( أو إثما ) أي ظلما قال السدي وعكرمة والربيع : الجنف الخطأ والإثم العمد ( فأصلح بينهم فلا إثم عليه ) واختلفوا في معنى الآية قال مجاهد : معناها أن الرجل إذا حضر مريضا وهو يوصي فرآه يميل إما بتقصير أو إسراف أو وضع الوصية في غير موضعها فلا حرج على من حضره أن يأمره بالعدل وينهاه عن الجنف فينظر للموصى وللورثة وقال آخرون إنه أراد به أنه إذا أخطأ الميت في وصيته أو جار متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصى لهم ويرد الوصية إلى العدل والحق فلا إثم عليه أي فلا حرج عليه ( إن الله غفور رحيم ) وقال طاوس : جنفة توليجة وهو أن يوصي لبني بنيه يريد ابنه ولولد ابنته ولزوج ابنته يريد بذلك ابنته قال الكلبي : كان الأولياء والأوصياء يمضون وصية الميت بعد نزول قوله تعالى " فمن بدله بعدما سمعه " الآية وإن استغرق المال كله ولم يبق للورثة شيء ثم نسخها قوله تعالى : " فمن خاف من موص جنفا " الآية قال ابن زيد : فعجز الموصي أن يوصي للوالدين والأقربين كما أمر الله تعالى وعجز الموصي أن يصلح فانتزع الله تعالى ذلك منهم ففرض الفرائض روي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار ، " ثم قرأ أبو هريرة : ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) إلى قوله ( غير مضار ) .
«فمن خاف من موص» مخففا ومثقلا «جنفا» ميلا عن الحق خطأ «أو إثما» بأن تعمَّد ذلك بالزيادة على الثلث أو تخصيص غني مثلا «فأصلح بينهم» بين الموصي والموصى له بالأمر بالعدل «فلا إثم عليه» في ذلك «إن الله غفور رحيم».
فمَن علم مِن موصٍ ميلا عن الحق في وصيته على سبيل الخطأ أو العمد، فنصح الموصيَ وقت الوصية بما هو الأعدل، فإن لم يحصل له ذلك فأصلح بين الأطراف بتغيير الوصية؛ لتوافق الشريعة، فلا ذنب عليه في هذا الإصلاح.
إن الله غفور لعباده، رحيم بهم.
ثم استثنى - سبحانه - حالة يجوز فيها التغيير فقال ، ( فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ) .خاف : من الخوف ، وهو في الأصل حالة تعتري النفس عند الانقباض من شر يتوقع حصوله على سبيل الظن أو على سبيل العلم .والجنف : الميل والجور .
يقال : جنف في وصيته وأجنف ، مال وجار ، فهو جنف وأجنف .
وقيل : أجنف مختص بالوصية وجنف في مطلق الميل عن الحق .
ويقال : جنف وجنف عن طريقة جنفاً وجنوفاً .والإِثم : العمل الذي يبغضه الله .
يقال : أثم فهو آثم وأثيم .قال بعضهم : والمراد بالجنف هنا : الميل عن الحق في الوصية خطأ ، بقرينة مقابلته بالإِثم وهو الميل عن الحق فيها عمداً .هذا ، ويرى جمهور العلماء أن هذه الآية الكريمة واردة في الوصي يرى أن الموصي قد حاد في وصيته عن حدود العدل ، فللوصي حينئذ أن يصلح فيها بحيث يجعلها متفقة مع ما شرعه الله ، وهو في هذه الحالة لا إثم عليه لأنه قد غير الباطل بالحق وعلى هذا الرأي يكون المعنى : أن الوصي إذا رأى في الوصية ميلا عن الحق خطأ أو عمداً وأصلح بين الموصي لهم يردهم إلى الوجه المشروع فلا إثم عليه في التغيير في الوصية .والضمير في قوله : ( بَيْنَهُمْ ) عائد على الموصي لهم .ويرى آخرون أن هذه الآية واردة في شأن كل من يبغي الإِصلاح من الناس ، بأن يرى الموصِي يوصِي ، فظهر له - أي هذا المصلح - أن الموصِي قد جانب العدل والصواب في وصيته ، فيأخذ في الإِصلاح ، بأن يرشده بأن فعله هذا لا يتفق مع شريعة العدل التي أمر بها الله ، ويحاول قدر استطاعته أن يزيل ما حدث من خلاف بين الموصِي والموصَى لهم .وعلى هذا الرأي يكون المعنى : إن خرج الموصِي في وصيته عن حدود العدالة ، ورأى أمارات ذلك منه من يريد الإِصلاح من الناس ، وتوقع أن شراً سيترتب على هذه الوصية التي فيها جور ، أو شاهد نزاعاً بين الموصى لهم بسبب ذلك ، فلا إثم على هذا المصلح في أن يصلح بين الموصِى والموصَى لهم ، وأن يرشد الموصى إلى سلوك طريق العدل والحق .
وعليه فيكون الضمير في قوله : ( بَيْنَهُمْ ) يعود على الموصى والموصى لهم .ويبدو لنا أن الرأي الأول أقرب إلى الصواب ، لأن سياق الآية يؤيده ، إذ هي بمنزلة الاستثناء من قوله - تعالى - : ( فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ ) .
.
وهذا إنما يكون بعد موت الموصِى لا في حياته .وقوله : ( إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) تذييل أتى به - سبحانه - للوعد بالثواب للمصلح على إصلاحه ، فإن من يغفر الذنوب ويرحم المذنبين تكون مغفرته ورحمته أقرب إلى من يقصد بعمله الإِصلاح ولو اعتمد عغلى ظن غالب أو أخطأ وجه الصواب فيما أتى من أعمال .وبهذا تكون الآيات الكريمة قد بينت للناس حكما آخر من أحكامها السامية ، يتعلق بالوصية في الأموال ، وفي هذا الحكم دجعوة إلى التراحم والتكافل ، وغرس لأواصر المودة والمحبة بين الأبناء والآباء وبين الأقارب بعضهم مع بعض .
اعلم أنه تعالى لما توعد من يبدل الوصية، بين أن المراد بذلك التبديل أن يبدله عن الحق إلى الباطل، أما إذا غيره عن باطل إلى حق على طريق الإصلاح فقد أحسن، وهو المراد من قوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ لأن الإصلاح يقتضي ضرباً من التبديل والتغيير فذكر تعالى الفرق بين هذا التبديل وبين ذلك التبديل الأول بأن أوجب الإثم في الأول وأزاله عن الثاني بعد اشتراكهما في كونهما تبديلين وتغييرين، لئلا يقدر أن حكمهما واحد في هذا الباب، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ مُّوصٍ ﴾ بالتشديد، والباقون بالتخفيف وهما لغتان: وصى وأوصى بمعنى واحد.
المسألة الثانية: الجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء، يقال: جنف يجنف بكسر النون في الماضي، وفتحها في المستقبل، جنفاً، وكذلك: تجانف، ومنه قوله تعالى: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ ﴾ والفرق بين الجنف والإثم أن الجنف هو الخطأ من حيث لا يعلم به والإثم هو العمد.
المسألة الثالثة: في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ قولان: أحدهما: أن المراد منه هو الخوف والخشية.
فإن قيل: الخوف إنما يصح في أمر منتظر، والوصية وقعت فكيف يمكن تعلقها بالخوف.
والجواب من وجوه: أحدها: أن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريقة الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد منه تعمداً بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق حقه، أو يعدل عن المستحق، فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقيق الوصية يأخذ في الإصلاح، لأن إصلاح الأمر عند ظهور أمارت فساده وقبل تقرير فساده يكون أسهل، فلذلك علق تعالى بالخوف من دون العلم، فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة، أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب وأن أزيد فلاناً مع أنه لا يكون مستحقاً للزيادة، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من حنث وإثم لا قاطعاً عليه، ولذلك قال تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا ﴾ فعلقه بالخوف الذي هو الظن ولم يعلقه بالعلم.
الوجه الثاني: في الجواب أنه إذا أوصى على الوجه الذي ذكرناه لكنه يجوز أن لا يستمر الموصي على تلك الوصية بل يفسخها ويجوز أن يستمر لأن الموصي ما لم يمت فله الرجوع عن الوصية وتغييرها بالزيادة والنقصان فلما كان كذلك لم يصر الجنف والإثم معلومين، لأن تجويز فسخة يمنع من أن يكون مقطوعاً عليه، فلذلك علقه بالخوف.
الوجه الثالث: في الجواب أن بتقدير أن تستقر الوصية ومات الموصي، فمن ذلك يجوز أن يقع بين الورثة والموصي لهم مصالحة على وجه ترك الميل والخطأ، فلما كان ذلك منتظراً لم يكن حكم الجنف والإثم ماضياً مستقراً، فصح أن يعلقه تعالى بالخوف وزوال اليقين، فهذه الوجوه يمكن أن تذكر في معنى الخوف وإن كان الوجه الأول هو الأقوى.
القول الثاني: في تفسير قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ أي فمن علم والخوف والخشية يستعملان بمعنى العلم وذلك لأن الخوف عبارة عن حالة مخصوصة متولدة من ظن مخصوص وبين العلم وبين الظن مشابهة في أمور كثيرة فلهذا صح إطلاق اسم كل واحد منهما على الآخر، وعلى هذا التأويل يكون معنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يغيره ويرده إلى الصلاح بعد موته، وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.
المسألة الرابعة: قد ذكرنا أن الجنف هو الخطأ والإثم هو العمد ومعلوم أن الخطأ في حق الغير في أنه يجب إبطاله بمنزلة العمد فلا فصل بين الخطأ والعمد في ذلك، فمن هذا الوجه سوى عز وجل بين الأمرين.
أما قوله تعالى: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: هذا المصلح من هو؟
الظاهر أنه هو الوصي الذي لابد منه في الوصية وقد يدخل تحته الشاهد، وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته من وال أو ولي أو وصي، أو من يأمر بالمعروف.
فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ ﴾ إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والاسم في الوصية، أو علموا ذلك فلا وجه للتخصيص في هذا الباب، بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف وذلك لأن بهم تثبت الوصية فكان تعلقهم بها أشد.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: الضمير في قوله: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ لابد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق فما ذلك المذكور السابق؟
وجوابه: أن لا شبهة أن المراد بين أهل الوصايا، لأن قوله: ﴿ مِن مُّوصٍ ﴾ دل على من له الوصية فصار كأنهم ذكروا فصلح أن يقول تعالى فأصلح بينهم كأنه قال: فأصلح بين أهل الوصية وقال القائلون: المراد فأصلح بين أهل الوصية والميراث، وذلك هو أن يزيد الموصي في الوصية على قدر الثلث، فالمصلح يصلح بين أهل الوصايا والورثة في ذلك، وهذا القول ضعيف من وجوه: أحدها: أن لفظ الموصي إنما يدل على أهل الوصية لا على الورثة.
وثانيها: أن الجنف والإثم لا يدخل في أن يوصي بأكثر من الثلث لأن ذلك لما لم يجز إلا بالرضا صار ذكره كلا ذكر، ولا يحتاج في إبطاله إلى إصلاح لأنه ظاهر البطلان.
المسألة الثالثة: في بيان كيفية هذا الإصلاح وهاهنا بحثان: البحث الأول: في بيان كيفية هذا الإصلاح قبل أن صارت هذه الآية منسوخة، فنقول بينا أن ذلك الجنف والإثم كان إما بزيادة أو نقصان أو بعدول فاصلاحها إنما يكون بإزالة هذه الأمور الثلاثة ورد كل حق إلى مستحقه.
البحث الثاني: في كيفية هذا الإصلاح بعد أن صارت هذه الآية المنسوخة فنقول الجنف والإثم هاهنا يقع على وجوه منها أن يظهر من المريض ما يدل على أنه يحاول منع وصول المال إلى الوارث، إما بذكر إقرار، أو بالتزام عقد، فهاهنا يمنع منه ومنها أن يوصي بأكثر من الثلث ومنها أن يوصي للأباعد وفي الأقارب شدة حاجة، ومنها أن يوصي مع قلة المال وكثرة العيال إلى غير ذلك من الوجوه.
أما قوله تعالى: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لقائل أن يقول: هذا المصلح قد أتي بطاعة عظيمة في هذا الإصلاح وهو يستحق الثواب عليه، فكيف يليق به أن يقال: فلا إثم عليه.
وجوابه من وجوه: الأول: أنه تعالى لما ذكر إثم المبدل في أول الآية، وهذا أيضاً من التبديل بين مخالفته للأول، وأنه لا إثم عليه لأنه رد الوصية إلى العدل والثاني: لما كان المصلح ينقص الوصايا وذلك يصعب على الموصي له ويوهم فيه إثماً أزال الشبهة وقال: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ والثالث: بين أن بالوصية والإشهاد لا يتحتم ذلك، وأنه متى غير إلى الحق وإن كان خالف الوصية فلا إثم عليه، وإن حصل فيه مخالفة لوصية الموصي وصرف لماله عمن أحب إلى من كره، لأن ذلك يوهم القبح، فبين الله عز وجل أن ذلك حسن لقوله: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ والرابع: أن الإصلاح بين الجماعة يحتاج فيه إلى الإكثار من القول ويخاف فيه أن يتخلله بعض ما لا ينبغي من القول والفعل، فبين تعالى أنه لا إثم على المصلح في هذا الجنس إذا كان قصده في الإصلاح جميلاً.
المسألة الثانية: دلت هذه الآية على جواز الصلح بين المتنازعين إذا خاف من يريد الصلح إفضاء تلك المنازعة إلى أمر محذور في الشرع.
أما قوله: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه أيضاً سؤال: وهو أن هذا الكلام إنما يليق بمن فعل فعلاً لا يجوز، أما هذا الإصلاح فهو من جملة الطاعات فكيف به هذا الكلام وجوابه من وجوه: أحدها: أن هذا من باب تنبيه الأدنى على الأعلى كأنه قال أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب فبأن أوصل رحمتي وثوابي إليك مع أنك تحملت المحن الكثيرة في إصلاح هذا المهم كان أولى.
وثانيها: يحتمل أن يكون المراد أن ذلك الموصي الذي أقدم على الجنف والإثم متى أصلحت وصيته فإن الله غفور رحيم يغفر له ويرحمه بفضله.
وثالثها: أن المصلح ربما احتاج في إيتاء الإصلاح إلى أقوال وأفعال كان الأولى تركها فإذا علم تعالى منه أن غرضه ليس إلا الإصلاح فإنه لا يؤاخذه بها لأنه غفور رحيم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ إذا دنا منه وظهرت أماراته ﴿ خَيْر ﴾ مالاً كثيراً.
عن عائشة رضي الله عنها: أنّ رجلاً أراد الوصية وله عيال وأربعمائة دينار، فقالت: ما أرى فيه فضلاً.
وأراد آخر أن يوصي فسألته: كم مالك؟
فقال: ثلاثة آلاف.
قالت: كم عيالك؟
قال: أربعة.
قالت: إنما قال الله ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وإنّ هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، وعن عليّ رضي الله عنه: أنّ مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة فمنعه.
وقال: قال الله تعالى: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ والخير هو المال، وليس لك مال.
والوصية فاعل كتب، وذكر فعلها للفاصل، ولأنها بمعنى أن يوصى، ولذلك ذكر الراجع في قوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا مَا سَمِعَهُ ﴾ والوصية للوارث كانت في بدء الإسلام فنسخت بآية المواريث، وبقوله عليه السلام: «إنّ الله أعطى كلّ ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث» وبتلقي الأمّة إياه بالقبول حتى لحق بالمتواتر وإن كان من الآحاد، لأنهم لا يتلقون بالقبول إلا الثبت الذي صحت روايته.
وقيل: لم تنسخ، والوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين.
وقيل: ما هي بمخالفة لآية المواريث.
ومعناها: كتب عليكم ما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين من قوله تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم ﴾ [النساء: 11] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم ﴿ بالمعروف ﴾ بالعدل، وهو أن لا يوصي للغني ويدع الفقير ولا يتجاوز الثلث ﴿ حَقّاً ﴾ مصدر مؤكد، أي حق ذلك حقاً ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ فمن غير الإيصاء عن وجهه إن كان موافقاً للشرع من الأوصياء والشهود ﴿ بَعْدِ مَا سَمِعَهُ ﴾ وتحققه ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ ﴾ فما إثم الإيصاء المغير أو التبديل إلا على مبدّليه دون غيرهم من الموصي والموصى له، لأنهما بريان من الحيف ﴿ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعيد المبدّل ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ فمن توقع وعلم، وهذا في كلامهم شائع يقولون: أخاف أن ترسل السماء، يريدون التوقع والظنّ الغالب الجاري مجرى العلم ﴿ جَنَفًا ﴾ ميلاً عن الحق بالخطأ في الوصية ﴿ أَوْ إِثْماً ﴾ أو تعمداً للحيف ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ بين الموصى لهم وهم الوالدان والأقربون بإجرائهم على طريق الشرع ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ حينئذ، لأنّ تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدّل بالباطل ثم من يبدّل بالحق ليعلم أنّ كل تبديل لا يؤثم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ غَيْرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ والشُّهُودِ.
﴿ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ أيْ وصَلَ إلَيْهِ وتَحَقَّقَ عِنْدِهِ، ﴿ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ فَما إثْمُ الإيصاءِ المُغَيَّرِ أوِ التَّبْدِيلِ إلّا عَلى مُبْدِلِيهِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ خافُوا وخالَفُوا الشَّرْعَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعِيدٌ لِلْمُبَدِّلِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ ﴾ أيْ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، مِن قَوْلِهِمْ أخافُ أنْ تُرْسَلَ السَّماءُ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ وأبُو بَكْرٍ « مُوصٍّ» مُشَدَّدًا.
﴿ جَنَفًا ﴾ مَيْلًا بِالخَطَأِ في الوَصِيَّةِ.
﴿ أوْ إثْمًا ﴾ تَعَمُّدًا لِلْحَيْفِ.
﴿ فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ.
﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في هَذا التَّبْدِيلِ، لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ الأوَّلِ.
﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ، وذَكَرَ المَغْفِرَةَ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.
<div class="verse-tafsir"
{فَمَنْ خَافَ} علم وهذا شائع في كلامهم يقولون أخاف أن ترسل السماء ويريدون الظن الغالب الجاري مجرى العلم {مِن مُّوصٍ} موصّ كوفي غير حفص {جَنَفًا} ميلاً عن الحق بالخطإ في الوصية {أَوْ إِثْماً} تعمداً للحيف {فأصلح بينهم} بين الموصى لهم وهم الولدان والأجر اقربون بإئهم على طريق الشرع {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} حينئذ لأن تبديله تبديل باطل إلى حق ذكر من يبدل بالباطل ثم من يبدل بالحق ليعلم أن كل تبديل لا يؤثم
وقيل هذا في حال حياة الموصي أي فمن حضر وصيته فرآه على خلاف الشرع فنهاه عن ذلك وحمله على الصلاح فلا إثم على هذا الموصي بما قال أولاً {إِنَّ الله غفور رحيم}
﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا ﴾ الجَنَفُ مَصْدَرُ جَنِفَ كَفَرِحَ مُطْلَقُ المَيْلِ والجَوْرِ، والمُرادُ بِهِ المَيْلُ في الوَصِيَّةِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِقَرِينَةِ مُقابَلَتِهِ بِالإثْمِ، فَإنَّهُ إنَّما يَكُونُ بِالقَصْدِ، ومَعْنى خافَ تَوَقَّعَ وعَلِمَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إذا مِتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبِ كَرْمَةٍ تَرْوِي عِظامِي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها ولا تَدْفِنَنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي أخافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقَها وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الخَوْفَ حالَةٌ تَعْتَرِي عِنْدَ انْقِباضٍ مِن شَرٍّ مُتَوَقَّعٍ، فَلِتِلْكَ المُلابَسَةِ اسْتُعْمِلَ في التَّوَقُّعِ، وهو قَدْ يَكُونُ مَظْنُونَ الوُقُوعِ، وقَدْ يَكُونُ مَعْلُومُهُ، فاسْتُعْمِلَ فِيهِما بِمَرْتَبَةٍ ثانِيَةٍ، ولِأنَّ الأوَّلَ أكْثَرُ كانَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ أظْهَرَ، ثُمَّ أصْلُهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الظَّنِّ والعِلْمِ بِالمَحْذُورِ، وقَدْ يَتَّسِعُ في إطْلاقِهِ عَلى المُطْلَقِ، وإنَّما حُمِلَ عَلى المَجازِ هُنا؛ لِأنَّهُ لا مَعْنًى لِلْخَوْفِ مِنَ المَيْلِ والإثْمِ بَعْدَ وُقُوعِ الإيصاءِ، وقَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ غَيْرُ حَفْصٍ ويَعْقُوبَ: ( مِن مُوَصٍّ ) بِالتَّشْدِيدِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ، ﴿ فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ المُوصى لَهم مِنَ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِإجْرائِهِمْ عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: المُرادُ فِعْلُ ما فِيهِ الصَّلاحُ بَيْنَ المُوصِي والمُوصى لَهُ، بِأنْ يَأْمُرَ بِالعَدْلِ والرُّجُوعِ عَنِ الزِّيادَةِ، وكَوْنِها لِلْأغْنِياءِ وعَلَيْهِ لا يُرادُ الصُّلْحُ المُرَتَّبُ عَلى الشِّقاقِ، فَإنَّ المُوصِي والمُوصى لَهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُما شِقاقٌ ﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في ذَلِكَ التَّبْدِيلِ؛ لِأنَّهُ تَبْدِيلٌ باطِلٌ إلى حَقٍّ بِخِلافِ السّابِقِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ إذا أوْصى بِأكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ لا تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ كُلُّها خِلافًا لِزاعِمِهِ، وإنَّما يَبْطُلُ مِنها ما زادَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - لَمْ يُبْطِلِ الوَصِيَّةَ جُمْلَةً بِالجَوْرِ فِيها، بَلْ جَعَلَ فِيها الوَجْهَ الأصْلَحَ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ 182﴾ تَذْيِيلٌ أتى بِهِ لِلْوَعْدِ بِالثَّوابِ لِلْمُصْلِحِ عَلى إصْلاحِهِ وذِكْرِ المَغْفِرَةِ، مَعَ أنَّ الإصْلاحَ مِنَ الطّاعاتِ، وهي إنَّما تَلِيقُ مِن فِعْلِ ما لا يَجُوزُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الإثْمِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ المَغْفِرَةُ، ولِذَلِكَ حَسُنَ ذِكْرُها، وفائِدَتُها التَّنْبِيهُ عَلى الأعْلى بِما دُونَهُ، يَعْنِي أنَّهُ - تَعالى - غَفُورٌ لِلْآثامِ، فَلِأنْ يَكُونَ رَحِيمًا مَن أطاعَهُ مِن بابِ الأوْلى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُها وعْدًا لِلْمُصْلِحِ بِمَغْفِرَةِ ما يَفْرُطُ مِنهُ في الإصْلاحِ؛ إذْ رُبَّما يَحْتاجُ فِيهِ إلى أقْوالٍ كاذِبَةٍ وأفْعالٍ تَرْكُها أوْلى، وقِيلَ: المُرادُ غَفُورٌ لِلْجَنَفِ والإثْمِ الَّذِي وقَعَ مِنَ المُوصِي بِواسِطَةِ إصْلاحِ الوَصِيِّ وصِيَّتَهُ، أوْ غَفُورٌ لِلْمُوصِي بِما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ الخَطَأِ والعَمَلِ إذْ رَجَعَ إلى الحَقِّ، أوْ غَفُورٌ لِلْمُصْلِحِ بِواسِطَةِ إصْلاحِهِ بِأنْ يَكُونَ الإصْلاحُ مُكَفِّرًا لِسَيِّئاتِهِ والكُلُّ بَعِيدٌ.
<div class="verse-tafsir"
كُتِبَ عَلَيْكُمْ، أي فرض عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً، أي مالاً.
الخير في القرآن على وجوه، أحدها: المال كقوله تعالى: إِنْ تَرَكَ خَيْراً وقوله: مآ أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 215] ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ [البقرة: 272] أي المال.
والثاني: الإيمان كقوله تعالى: وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً [الأنفال: 23] أي إيماناً، وكقوله تعالى: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً [هود: 31] .
والثالث الخير: الفضل كقوله تعالى: وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون: 109 و 118] .
والرابع: العافية كقوله: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ [الأنعام: 17] وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ [يونس: 107] .
والخامس: الأجر كقوله: لَكُمْ فِيها خَيْرٌ [الحج: 36] أي أجر.
وقال بعضهم: الوصية واجبة على كل مسلم، لأن الله تعالى قال: كُتِبَ عَلَيْكُمُ، أي فرض عليكم الوصية.
وروي عن ابن عمر، عن رسول الله أنه قال: «مَا حَقُّ امرئ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَةً وَعِنْدَهُ مَالٌ يُوَصِي بِهِ، إلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَه» وقال بعضهم: هي مباحة وليست بواجبة.
وقد روي عن الشعبي أنه قال: الوصية ليست بواجبة فمن شاء أوصى ومن شاء لم يوص.
وقال إبراهيم النخعي: مات رسول الله ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر- - فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فليس عليه شيء.
وقال بعضهم: إن كان عليه حج أو كفارة أي شيء من الكفارات فالوصية واجبة، وإن لم يكن عليه شيء من الواجبات فهو بالخيار إن شاء أوصى وإن شاء لم يوص.
وبهذا القول نأخذ.
ثم بيّن مواضع الوصية فقال تعالى: الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ.
قال مجاهد: كان الميراث للولد والوصية للوالدين والأقربين، فصارت الوصية للوالدين منسوخة.
وروى جويبر، عن الضحاك أنه قال: نسخت الوصية للوالدين والأقربين ممن يرث، وثبتت الوصية لمن لا يرث من القرابة.
ويقال: في الآية تقديم وتأخير، معناه كتب عليكم الوصية للوالدين والأقربين إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت وكانوا يوصون للأجنبيين ولم يوصوا للقرابة شيئاً، فأمرهم الله تعالى بالوصية للوالدين والأقربين.
ثم نسخت الوصية للوالدين بآية الميراث في قوله: بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، أي واجباً عليهم.
وقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، أي غيّره بعد ما سمع الوصية فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، أي وزره على الذين يبدلونه ويغيرونه لا على الموصي، لأن الموصي قد فعل ما عليه.
إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بالوصية عَلِيمٌ بثوابها وبجزاء من غيّر الوصية.
فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً، أي علم من الموصي الجنف وهو الميل عن الحق فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، إذا غيّر وصيَّته فردها إلى الحق، لأن تبديله كان للإصلاح ولم يكن للجور.
وقال الكلبي: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً، أي علم من الميت الخطأ في الوصية، أَوْ إِثْماً، يعني تعمداً للجور في وصيته فزاد على الثلث فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، أي رد ما زاد على الثلث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
هكذا قال مقاتل: وروي عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الإضرار في الوصية من الكبائر.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر: «فَمَنْ خَافَ مِنْ موَصّ» بنصب الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون: بسكون الواو وتخفيف الصاد فمن قرأ بالنصب والتشديد، فهو من وصّى يوصي ومن قرأ بالتخفيف، فهو من أوصى يوصي.
وهما لغتان ومعناهما واحد ف إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، معناه غفور لمن جنف رحيم لمن أصلح.
<div class="verse-tafsir"
الآية، هو أنْ يأخذ الرجُلُ ديةَ وليِّه، ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم.
واختلف في العذابِ الأليم الَّذي يلحقه، فقال فريقٌ من العلماء، منهم مالك: هو كَمَنْ قتل ابتداءً، إِن شاء الوليُّ قتله، وإِن شاء، عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وغيره: يقتل البتَّةَ، ولا عَفْوَ فيه «١» ، ورُوِيَ في ذلك حديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ: المعنى: أن القصاص إِذا أقيم، وتحقَّق الحكْمُ به، ازدجر مَنْ يريد قتْلَ أحدٍ مخافَةَ أن يقتصَّ منه، فَحَيِيَا بذلك معاً، وأيضاً: فكانت العربُ إِذا قتل الرجلُ الآخَر، حمي قبيلاَهُما «٢» ، وتقاتلوا، وكان ذلك داعياً إلى موت العددِ الكثيرِ، فلمَّا شرَعَ اللَّه سبحانه القِصَاص، قنع الكلُّ به، ووقَف عنده، وتركوا الاقتِتال، فلهم في ذلك حياةٌ، وخُصَّ أولو الألباب بالذِّكْر، تنبيهاً عليهم لأنهم العارفون القابلُون للأوامر والنواهِي، وغيرهم تبع لهم.
وتَتَّقُونَ معناه: القتل، فتسلمون من القصاص، ثم يكون ذلك داعية لأنواع ٤٤ أالتقوى في غير ذلك، فإن اللَّه سبحانه/ يثيبُ على الطاعة بالطاعة.
وقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...
الآية: كُتِبَ: معناه:
فُرِضَ وأُثْبِتَ، وفي قوله تعالى: إِذا حَضَرَ مجازٌ لأن المعنى: إِذا تخوَّف وحضرتْ علاماتُهُ.
والخير في هذه الآية: المالُ، واختُلِفَ في هذه الآية، هل هي مُحْكَمَةٌ، أو منسوخةٌ، فقال ابنُ عبَّاس، وقتادةُ، والحَسَن: الآيةُ عامَّة، وتقرَّر الحكم بها برهةً، ونسخ منها كلّ من يرث بآية الفرائض «٣» ، وقال بعضُ العلماء: إِن الناسخ لهذه الآية هي السّنّة المتواترة، وهو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمٍ (مُوصٍ) ساكِنَةَ الواوِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ "مُوصٍ" مَفْتُوحَةَ الواوِ مُشَدَّدَةَ الصّادِ.
وفي المُرادِ بِالخَوْفِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ العِلْمُ.
والثّانِي: نَفْسُ الخَوْفِ.
فَعَلى الأوَّلِ؛ يَكُونُ الجَوْرُ قَدْ وُجِدَ.
وعَلى الثّانِي: يَخْشى وُجُودَهُ.
و "الجَنَفُ": المَيْلُ عَنِ الحَقِّ.
قالَ الزَّجّاجُ: جَنَفًا، أيْ: مَيْلًا، أوْ إثْمًا، أيْ: قَصَدَ الإثْمَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الجَنَفُ: الخَطَأُ، والإثْمُ: العَمْدُ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: الجَنَفُ: الخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ يُسَمّى بِهِ المُخْطِئُ والعامِدُ، إلّا أنَّ المُفَسِّرِينَ عَقَلُوا الجَنَفَ عَلى المُخْطِئِ، والإثْمَ عَلى العامِدِ.
وَفِي تَوْجِيهِ هَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ مَعْناها: مَن حَضَرَ رَجُلًا يَمُوتُ، فَأسْرَفَ في وصِيَّتِهِ، أوْ قَصَّرَ عَنْ حَقٍّ؛ فَلْيَأْمُرْهُ بِالعَدْلِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناها: مَن أوْصى بِجَوْرٍ، فَرْدَّ ولَيُّهُ وصِيَّتَهُ، أوْ رَدَّها إمامٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ؛ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ أيْ: بَيْنَ الَّذِينَ أوْصى لَهم، ولَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، غَيْرَ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ المُوصِي أفادَ مَفْهُومَ الخِطابِ أنَّ هُناكَ مُوصًى لَهُ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ: وما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي؟!
∗∗∗ أألْخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ∗∗∗ أمِ الشَّرُّ الَّذِي هو يَبْتَغِينِي فَكَنّى في البَيْتِ الأوَّلِ عَنِ الشَّرِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الخَيْرَ وحْدَهُ، لِما في مَفْهُومِ اللَّفْظِ مِنَ الدَّلالَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ.
والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.
والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى: تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ: هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.
و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ.
و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................
أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.
والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ والشَرابِ مُقْتَرِنَةً بِهِ قَرائِنُ، مِن مُراعاةِ أوقاتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ في قَوْلِ الحُذّاقِ، والكافِ مِن قَوْلِهِ: "كَما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَعْتِ تَقْدِيرُهُ: كَتَبا كَما، أو صَوْمًا كَما، أو عَلى الحالِ، كَأنَّ الكَلامَ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الصِيامَ مُشَبَّهًا ما كَتَبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى النَعْتِ لِلصِّيامِ، إذْ لَيْسَ تَعْرِيفُهُ بِمَحْضٍ لِمَكانِ الإجْمالِ الَّذِي فِيهِ مِمّا فَسَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ، فَلِذَلِكَ جازَ نَعْتُهُ بِـ "كَما"، إذْ لا تُنْعَتُ بِها إلّا النَكِراتُ، فَهو بِمَنزِلَةِ: "كُتِبَ عَلَيْكم صِيامٌ" وقَدْ ضَعُفَ هَذا القَوْلُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَوْضِعِ التَشْبِيهِ، فَقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: كُتِبَ عَلَيْكم رَمَضانُ كَما كُتِبَ عَلى النَصارى، قالَ: فَإنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضانُ فَبَدَّلُوهُ لِأنَّهُمُ احْتاطُوا لَهُ، بِزِيادَةِ يَوْمٍ في أوَّلِهِ، ويَوْمٍ في آخِرِهِ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، حَتّى بَلَغُوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ في الحَرِّ فَنَقَلُوهُ إلى الفَصْلِ الشِتْوِيِّ.
قالَ النَقّاشُ: "وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عن دُغْفُلِ بْنِ حَنْظَلَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والسُدِّيِّ.
وقِيلَ: بَلْ مَرِضَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ، فَنَذَرَ إنَّ بَرِئَ أنْ يَزِيدَ فِيهِ عَشَرَةَ أيّامٍ، ثُمَّ آخِرُ سَبْعَةٍ، ثُمَّ آخِرُ ثَلاثَةٍ، ورَأوا أنَّ الزِيادَةَ فِيهِ حَسَنَةٌ بِإزاءِ الخَطَأِ في نَقْلِهِ.
وقالَ السُدِّيُّ، والرَبِيعُ: التَشْبِيهُ هو أنَّ مِنَ الإفْطارِ إلى مِثْلِهِ، لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَطَأُ، فَإذا حانَ الإفْطارُ فَلا يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مَن نامَ، وكَذَلِكَ كانَ في النَصارى أوَّلًا، وكانَ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ بِسَبَبِ عُمَرَ وقَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ بِما يَأْتِي مِنَ الآياتِ في ذَلِكَ وقالَ عَطاءٌ: التَشْبِيهُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي بَعْضِ الطُرُقِ: ويَوْمَ عاشُوراءَ، كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ ويَوْمَ عاشُوراءَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا في هَذِهِ الأُمَّةِ بِشَهْرِ رَمَضانَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَشْبِيهُ كُتِبَ عَلَيْكم كَصِيامٍ بِالإطْلاقِ، أيْ: قَدْ تَقَدَّمَ في شَرْعِ غَيْرِكُمْ، فِـ " الَّذِينَ " عامٌّ في النَصارى وغَيْرِهِمْ.
و" لَعَلَّكم " تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، و" تَتَّقُونَ " قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ تَتَّقُونَ الأكْلَ والشُرْبَ والوَطْءَ بَعْدَ النَوْمِ عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ.
وقِيلَ: تَتَّقُونَ عَلى العُمُومِ لِأنَّ الصِيامَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ جُنَّةٌ ووِجاءٌ وسَبَبُ تَقْوى لِأنَّهُ يُمِيتُ الشَهَواتِ.
و" أيّامًا " مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "كُتِبَ" قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: هي نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: نَصْبُها بِـ "الصِيامِ"، وهَذا لا يَحْسُنُ إلّا عَلى أنْ يَعْمَلَ الصِيامُ في الكافِ مِن "كَما" عَلى قَوْلِ مَن قَدَّرَ صَوْمًا كَما، وإذا لَمْ يَعْمَلْ في الكافِ قُبِّحَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وبَيْنَ ما عَمِلَ فِيهِ -بِما عَمِلَ فِيهِ غَيْرُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ العامِلُ في الكافِ "كُتِبَ".
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ "أيّامًا" ظَرْفًا يَعْمَلُ فِيهِ "الصِيامُ".
و"مَعْدُوداتٍ" قِيلَ: رَمَضانُ، وقِيلَ: الثَلاثَةُ الأيّامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ ﴾ التَقْدِيرُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، وهَذا يُسَمُّونَهُ فَحْوى الخِطابِ.
واخْتُلِفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَرَضِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الفِطْرُ؛ فَقالَ قَوْمٌ: مَتى حَصَلَ الإنْسانُ في حالٍ يَسْتَحِقُّ بِها اسْمَ المَرِيضِ صَحَّ الفِطْرُ قِياسًا عَلى المُسافِرِ أنَّهُ يُفْطِرُ لِعِلَّةِ السَفَرِ، وإنْ لَمْ تَدَعْهُ إلى الفِطْرِ ضَرُورَةً، وقالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: إذا كانَ بِهِ مَرَضٌ يُؤْذِيهِ ويُؤْلِمُهُ أو يَخافُ تَمادِيهِ، أو يَخافُ مِنَ الصَوْمِ تَزِيدُهُ.
صَحَّ لَهُ الفِطْرُ، وهَذا مَذْهَبُ حُذّاقِ أصْحابِ مالِكٍ وبِهِ يُناظِرُونَ، وأمّا لَفْظُ مالِكٍ فَهُوَ: المَرَضُ الَّذِي يُشَقُّ عَلى المَرْءِ ويَتَبَلَّغُ بِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: إذا لَمْ يَقْدِرْ مِنَ المَرَضِ عَلى الصَلاةِ قائِمًا أفْطَرَ وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُفْطِرُ بِالمَرَضِ إلّا مَن دَعَتْهُ ضَرُورَةُ المَرَضِ نَفْسِهِ إلى الفِطْرِ، ومَتى احْتَمَلَ الضَرُورَةَ مَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ، وهَذا قَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأفْضَلِ مِنَ الفِطْرِ أوِ الصَوْمِ في السَفَرِ، فَقالَ قَوْمٌ، والشافِعِيُّ، ومالكٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ الصَوْمُ أفْضَلُ لِمَن قَوِيَ، وجُلُّ مَذْهَبِ مالِكٍ التَخْيِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وغَيْرُهُما: الفِطْرُ أفْضَلُ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُما: أيْسَرُهُما أفْضَلُهُما، وكَرِهَ ابْنُ حَنْبَلٍ وغَيْرُهُ الصَوْمَ في السَفَرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: مَن صامَ في السَفَرِ قَضى في الحَضَرِ وهو مَذْهَبُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ومَذْهَبُ مالِكٍ في اسْتِحْبابِهِ الصَوْمَ لِمَن قَدِرَ عَلَيْهِ، وتَقْصِيرُ الصَلاةِ حَسَنٌ.
لِأنَّ الذِمَّةَ تَبْرَأُ في رُخْصَةِ الصَلاةِ وهي مَشْغُولَةٌ في أمْرِ الصِيامِ، والصَوابُ المُبادَرَةُ بِالأعْمالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الفِطْرُ في السَفَرِ عَزْمَةٌ، وذَهَبَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى الصَوْمِ وقالَ: إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ ونَحْنُ جِياعٌ، نَرُوحُ إلى جُوعٍ، ونَغْدُو إلى جُوعٍ.
والسَفَرُ سَفَرُ الطاعَةِ، كالحَجِّ والجِهادِ بِإجْماعٍ، ويَتَّصِلُ بِهَذَيْنَ سَفَرُ صِلَةِ الرَحِمِ وطَلَبِ المَعاشِ الضَرُورِيِّ، وأمّا سَفَرُ التِجارَةِ والمُباحاتِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالمَنعِ والجَوازِ، والقَوْلُ بِالجَوازِ أرْجَحُ.
وأمّا سَفَرُ المَعاصِي فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالجَوازِ والمَنعِ، والقَوْلُ بِالمَنعِ أرْجَحُ.
ومَسافَةُ سَفَرِ الفِطْرِ عِنْدَ مالِكٍ حَيْثُ تَقْصُرُ الصَلاةُ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ مالِكٌ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا، ورُوِيَ عنهُ: يَوْمانِ، ورُوِيَ عنهُ في العُتْبِيَّةِ: خَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا، وفي المَبْسُوطِ: أرْبَعُونَ مِيلًا، وفي المَذْهَبِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِيلًا، وفِيهِ: ثَلاثُونَ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ والثَوْرِيُّ: الفِطْرُ في سَفَرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وفي غَيْرِ المَذْهَبِ يَقْصُرُ في ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَصاعِدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ ﴾ ، مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: فالحَكَمُ أو فالواجِبُ عِدَّةٌ، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى ابْتِداءٍ والخَبَرُ بَعْدَهُ، والتَقْدِيرُ: فَعِدَّةُ أمْثَلِ لَهُ، ويَصِحُّ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ.
واخْتُلِفَ في وُجُوبِ تَتابُعِها عَلى قَوْلَيْنِ، و" أُخَرَ " لا يَنْصَرِفُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الألِفِ واللامِ، لِأنَّ هَذا البِناءَ إنَّما يَأْتِي بِالألِفِ واللامِ كَما تَقُولُ: الفَضْلُ والكِبَرُ اجْتَمَعَ فِيهِ العَدْلُ والصِفَةُ.
وجاءَ في الآيَةِ "أُخَرَ" ولَمْ يَجِئْ أُخْرى لِئَلّا تُشْكَلَ بِأنَّها صِفَةٌ لِلْعِدَّةِ والبابِ أنَّ جَمْعَ ما لا يُعْقَلُ يَجْرِي في مِثْلِ هَذا مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " يُطِيقُونَهُ " بِكَسْرِ الطاءِ وسُكُونِ الياءِ، والأصْلُ: "يُطَوِّقُونَهُ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الطاءِ وقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَطُوقُونَهُ"، وذَلِكَ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ الإعْلالُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "يُطَوَّقُونَهُ" بِمَعْنى يُكَلَّفُونَهُ، وقَرَأتْ عائِشَةُ، وطاوُسُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "يَطَّوَّقُونَهُ" بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الطاءِ مَفْتُوحَةً.
وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُطَيَّقُونَهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّ الياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "يُطَّيَّقُونَهُ" بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الطاءِ وشَدِّ الياءِ المَفْتُوحَةِ بِمَعْنى يَتَكَلَّفُونَهُ، وحَكاها النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ، وتَشْدِيدُ الياءِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ ضَعِيفٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ ذَكْوانَ: "فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ" بِإضافَةِ الفِدْيَةِ.
وقَرَأ هاشِمٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ" بِتَنْوِينِ الفِدْيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "فِدْيَةٌ" بِالتَنْوِينِ "طَعامُ مِسْكِينٍ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِأنَّها بَيَّنَتِ الحُكْمَ في اليَوْمِ.
وجَمْعُ المَساكِينِ لا يُدْرى كَمْ مِنهم في اليَوْمِ إلّا مِن غَيْرِ الآيَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ فْرَدُوا المِسْكِينَ والمَعْنى عَلى الكَثْرَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ جَمْعٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَلْزَمُهُ مِسْكِينٌ، فَكَأنَّ الوَجْهَ أنْ يَجْمَعُوا كَما جَمَعَ المُطِيقُونَ؟
فالجَوابُ أنَّ الإفْرادَ حَسَنٌ، لِأنَّهُ يُفْهَمُ بِالمَعْنى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِسْكِينًا.
ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ﴾ فَلَيْسَتِ الثَمانُونَ مُتَفَرِّقَةً في جَمِيعِهِمْ، بَلْ لِكُلِّ واحِدٍ ثَمانُونَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِالآيَةِ.
فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وعَلْقَمَةُ، والنَخْعِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، والشَعْبِيُّ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وابْنُ شِهابٍ: كانَ فَرْضُ الصِيامِ هَكَذا عَلى الناسِ، مَن أرادَ صامَ، ومَن أرادَ أطْعَمَ مِسْكِينًا وأفْطَرَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ : أيْ عَلى الشُيُوخِ والعُجَّزِ الَّذِينَ يُطِيقُونَ لَكِنْ بِتَكَلُّفٍ شَدِيدٍ، فَأباحَ اللهُ لَهُمُ الفِدْيَةَ والفِطَرَ، وهي مَحْكَمَةٌ عِنْدَ قائِلِي هَذا القَوْلُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَجِيءُ قِراءَةُ "يَطُوقُونَهُ" و"يُطَوَّقُونَهُ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الرُخْصَةُ لِلشُّيُوخِ والعُجَّزِ خاصَّةً، إذا أفْطَرُوا وهم يُطِيقُونَ الصَوْمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ ﴾ فَزالَتِ الرُخْصَةُ، إلّا لِمَن عَجَزَ مِنهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ أيْ: عَلى الَّذِينَ كانُوا يُطِيقُونَهُ وهم بِحالَةِ الشَبابِ، ثُمَّ اسْتَحالُوا بِالشَيْخِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ الصَوْمَ، وهي عِنْدُهُ مَحْكَمَةٌ، ويَلْزَمُ الشُيُوخَ عِنْدَهُ الفِدْيَةُ إذا أفْطَرُوا، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مالِكٌ: لا أرى الفِدْيَةَ عَلى الشَيْخِ الضَعِيفِ واجِبَةٌ، وتُسْتَحَبُّ لِمَن قَدِرَ عَلَيْها، والآيَةُ عِنْدَهُ إنَّما هي فِيمَن يُدْرِكُهُ رَمَضانُ وعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنَ المُتَقَدِّمِ، فَقَدْ كانَ يُطِيقُ في تِلْكَ المُدَّةِ الصَوْمَ فَتَرَكَهُ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ، وقالَ الشافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: عَلى الشَيْخِ العاجِزِ الإطْعامُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: "وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فَأفْطَرُوا".
ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّ قَدْرَ الدِيَةِ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وقالَ قَوْمٌ: قُوتُ يَوْمٍ، وقالَ قَوْمٌ: عَشاءٌ وسَحُورٌ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: نِصْفُ صاعٍ مِن قَمْحٍ، أو صاعٍ مِن تَمْرٍ أو زَبِيبٍ.
والضَمِيرُ في "يُطِيقُونَهُ" عائِدٌ عَلى "الصِيامِ"، وقِيلَ: عَلى الطَعامِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
واخْتُلِفَ في الحامِلِ؛ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ: تَفِدِي وتُفْطِرُ ولا قَضاءَ عَلَيْها.
وقالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، والضَحّاكُ، والزُهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ: تَقْضِي الحامِلُ إذا أفْطَرَتْ، ولا فِدْيَةَ عَلَيْها.
وقالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ومُجاهِدٌ: تَقْضِيَ وتَفِدِي إذا أفْطَرَتْ، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ في المُرْضِعِ: إنَّها إذا أفْطَرَتْ تَقْضِيَ وتَفِدِي، هَذا هو المَشْهُورُ، وقالَ في مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ: لا إطْعامَ عَلى المُرْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسُ، وعَطاءٌ، والسُدِّيُّ، المُرادُ مَن أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ فَصاعِدًا وقالَ ابْنُ شِهابٍ: مَن زادَ الإطْعامَ عَلى الصَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَن زادَ في الإطْعامِ عَلى المُدِّ.
و"خَيْرٌ" الثانِي صِفَةُ تَفْضِيلٍ، وكَذَلِكَ الثالِثُ، وخَيْرٌ الأوَّلُ قَدْ نَزَلَ مَنزِلَةَ: مالًا أو نَفْعًا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "والصَوْمُ خَيْرٌ لَكُمْ" بَدَلٌ: ﴿ وَأنْ تَصُومُوا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الصَوْمِ، أيْ فاعْلَمُوا ذَلِكَ وصُومُوا.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على الحكم الذي تقدمه وهو تحريم التبديل، فكما تفرع عن الأمر بالعدل في الوصية وعيدُ المبدل لها، وتفرع عن وعيد المِّبدل الإذنُ في تبديللٍ هو من المعروف وهو تبديل الوصية التي فيها جور وحيف بطريقةِ الإصلاح بين الموصَي لهم وبين من ناله الحيف من تلك الوصية بأن كان جديراً بالإيصاء إليه فتركه الموصي أو كان جديراً بمقدارٍ فأجحف به الموصي؛ لأن آية الوصية حضرت قسمة تركة الميت في اتباع وصيته وجعلت ذلك موكولاً إلى أمانته بالمعروف، فإذا حاف حيفاً واضحاً وجَنَف عن المعروف أُمِر ولاة الأمور بالصلح.
ومعنى خاف هنا الظن والتوقع؛ لأن ظن المكروه خَوف فأطلق الخوف على لازمه وهو الظن والتوقعُ إشارة إلى أن ما توقعه المتوقع من قبيل المكروه، والقرينة هي أن الجنف والإثم لا يخيفان أحداً ولا سيما من ليس من أهل الوصية وهو المصلح بين أهلها، ومن إطلاق الخوف في مثل هذا قول أبي مِحْجن الثقفي: أخَافُ إذا ما مِتُّ أنْ لا أذُوقها *** أي أظن وأَعلم شيئاً مكروها ولذا قال قبله: تُرَوِّي عِظَامي بَعْدَ مَوْتِي عُرُوقُها والجنف الحيف والميل والجور وفعله كفرح.
والإثم المعصية، فالمراد من الجنف هنا تفضيل من لا يستحق التفضيل على غيره من القرابة المساوي له أو الأحق، فيشمل ما كان من ذلك عن غير قصد ولكنه في الواقع حيف في الحق، والمراد بالإثم ما كان قصد الموصي به حرمان من يستحق أو تفضيل غيره عليه.
والإصلاح جعل الشيء صالحاً يقال: أصلحه أي جعله صالحاً، ولذلك يطلق على الدخول بين الخصمين بالمراضاة؛ لأنه يجعلهم صالحين بعد أن فسدوا، ويقال: أصلح بينهم لتضمينه معنى دخل، والضمير المجرور ببين في الآية عائد إلى الموصي والموصى لهم المفهومين من قوله ﴿ موص ﴾ إذ يقتضي موصَى لهم، ومعنى ﴿ فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 173] أنه لا يلحقه حرج من تغيير الوصية؛ لأنه تغيير إلى ما فيه خير.
والمعنى: أن من وجد في وصية الموصي إضراراً ببعض أقربائه، بأن حرمه من وصيته أو قدم عليه من هو أبعد نسباً، أو أوصى إلى غني من أقربائه وترك فقيرهم فسعى في إصلاح ذلك وطلب من الموصي تبديل وصيته، فلا إثم عليه في ذلك؛ لأنه سعى في إصلاح بينهم، أو حدث شقاق بين الأقربين بعد موت الموصي لأنه آثر بعضهم، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ وفيه تنويه بالمحافظة على تنفيذ وصايا الموصين حتى جعل تغيير جورهم محتاجاً للإذن من الله تعالى والتنصيص على أنه مغفور.
وقرأ الجمهور: «موص» على أنه اسم فاعل أو أوصى وقرأه أبو بكر عن عاصم وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف «موصٍ» بفتح الواو وتشديد الصاد على أنه اسم فاعل وصى المضاعف.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ ﴾ أيْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وقَوْلُهُ: ﴿ إذا حَضَرَ ﴾ لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ذِكْرَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُلُولِ المَوْتِ، لِأنَّهُ في شُغْلٍ عَنْهُ، ولَكِنْ تَكُونُ العَطِيَّةُ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ ﴾ ، والخَيْرُ: المالُ في قَوْلِ الجَمِيعِ، قالَ مُجاهِدٌ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ.
﴿ وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [العادِياتِ: ٨] أيِ المالِ، ﴿ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي ﴾ .
﴿ فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ ﴾ يَعْنِي الغِنى والمالَ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ثُبُوتِ حُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ التّابِعِينَ والفُقَهاءِ إلى أنَّ العَمَلَ بِها كانَ واجِبًا قَبْلَ فَرْضِ المَوارِيثِ لِئَلّا يَضَعَ الرَّجُلُ مالَهُ في البُعَداءِ طَلَبًا لِلسُّمْعَةِ والرِّياءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ في تَعْيِينِ المُسْتَحِقِّينَ، وتَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّونَ، نُسِخَ بِها وُجُوبُ الوَصِيَّةِ ومَنَعَتِ السُّنَّةُ مِن جَوازِها لِلْوَرَثَةِ، وقالَ آخَرُونَ: كانَ حُكْمُها ثابِتًا في الوَصِيَّةِ لِلْوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ حَقٌّ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ آيُ المَوارِيثِ وفُرِضَ مِيراثُ الأبَوَيْنِ نُسِخَ بِها الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وكُلِّ وارِثٍ، وبَقِيَ فَرْضُ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ عَلى حالَةٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وطاوُسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
فَإنْ أوْصى بِثُلُثِهِ لِغَيْرِ قَرابَتِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا القَوْلِ في حُكْمِ وصِيَّتِهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنْ يَرُدَّ ثُلُثَ الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنْ يَرُدَّ ثُلُثا الثُّلُثِ عَلى قَرابَتِهِ ويَكُونَ ثُلُثا الثُّلُثِ لِمَن أوْصى لَهُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يَرُدُّ الثُّلُثَ كُلَّهُ عَلى قَرابَتِهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ المالِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُوصِيَ مِنهُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ ألْفُ دِرْهَمٍ، تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أنَّ الخَيْرَ ألْفُ دِرْهَمٍ وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ.
والثّانِي: مِن ألْفِ دِرْهَمٍ إلى خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ وأنَّ الوَصِيَّةَ تَجِبُ في قَلِيلِ المالِ وكَثِيرِهِ، وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ بِالمَعْرُوفِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالعَدْلِ الوَسَطِ الَّذِي لا بَخْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.
والثّانِي: يَعْنِي بِالمَعْرُوفِ مِن مالِهِ دُونَ المَجْهُولِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ يَعْنِي بِالتَّقْوى مِنَ الوَرَثَةِ أنْ لا يُسْرِفَ، والأقْرَبِينَ أنْ لا يَبْخَلَ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأجِلُ فالأجِلُ، يَعْنِي الأحْوَجَ فالأحْوَجَ.
وَغايَةُ ما لا سَرَفَ فِيهِ: الثُّلُثُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ : « (الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثِيرٌ)» .
ورَوى الحَسَنُ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وصَّيا بِالخُمُسِ وقالا: يُوصِي بِما رَضِيَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، بِالخُمُسِ، وكانَ يَقُولُ: الخُمُسُ مَعْرُوفٌ، والرُّبُعُ جُهْدٌ، والثُّلُثُ غايَةُ ما تُجِيزُهُ القُضاةُ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ ﴾ يَعْنِي فَمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ بَعْدَما سَمِعَها، وإنَّما جُعِلَ اللَّفْظُ مُذَكَّرًا وإنْ كانَتِ الوَصِيَّةُ مُؤَنَّثَةً لِأنَّهُ أرادَ قَوْلَ المُوصِي، وقَوْلُهُ مُذَكَّرٌ.
﴿ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ أيْ يَسْمَعُونَهُ ويَعْدِلُونَ بِهِ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ، إمّا مَيْلًا أوْ خِيانَةً، ولِلْمَيِّتِ أجْرُ قَصْدِهِ وثَوابُ وصِيَّتِهِ، وإنْ غُيِّرَتْ بَعْدَهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أيْ سَمِيعٌ لِقَوْلِ المُوصِي، عَلِيمٌ بِفِعْلِ الوَصِيِّ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ تَأْوِيلَهُ فَمَن حَضَرَ مَرِيضًا، وهو يُوصِي عِنْدَ إشْرافِهِ عَلى المَوْتِ، فَخافَ أنْ يُخْطِئَ في وصِيَّتِهِ، فَيَفْعَلُ ما لَيْسَ لَهُ أوْ أنْ يَتَعَمَّدَ جَوْرًا فِيها، فَيَأْمُرَ بِما لَيْسَ لَهُ، فَلا حَرَجَ عَلى مَن حَضَرَهُ فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنهُ، أنْ يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، بِأنْ يَأْمُرَهُ بِالعَدْلِ في وصِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن أوْصِياءِ المَيِّتِ جَنَفًا في وصِيَّتِهِ، فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ وبَيْنَ المُوصى لَهم فِيما أُوصِيَ بِهِ لَهم حَتّى رَدَّ الوَصِيَّةَ إلى العَدْلِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ.
والثّالِثُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا في عَطِيَّتِهِ لِوَرَثَتِهِ عِنْدَ حُضُورِ أجَلِهِ، فَأعْطى بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ أنْ يُصْلِحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ في ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
والرّابِعُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا، أوْ إثْمًا في وصِيَّتِهِ لِغَيْرِ ورَثَتِهِ، بِما يَرْجِعُ نَفْعُهُ إلى ورَثَتِهِ فَأصْلَحَ بَيْنَ ورَثَتِهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ.
والخامِسُ: أنَّ تَأْوِيلَها: فَمَن خافَ مِن مُوصٍ لِآبائِهِ وأقْرِبائِهِ جَنَفًا عَلى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَأصْلَحَ بَيْنَ الآباءِ والأقْرِباءِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَنَفًا أوْ إثْمًا ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَنَفَ الخَطَأُ، والإثْمَ العَمْدُ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ الجَنَفَ المَيْلُ، والإثْمَ أنْ يَكُونَ قَدْ أثِمَ في أثَرَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ وابْنِ زَيْدٍ.
والجَنَفُ في كَلامِ العَرَبِ هو الجَوْرُ والعُدُولُ عَنِ الحَقِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ هُمُ المَوْلى وهم جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِن لِقائِهِمُ لَزُورُ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه ﴾ وقد وقع أجر الموصي على الله وبرئ من إثمه في وصيته، أو حاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب.
وأخرج ابن جرير عن قتاده في قوله: ﴿ فمن بدله ﴾ قال: من بدل الوصيه بعدما سمعها، فإثم ما بدل عليه.
أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فمن بدله ﴾ يقول: للأوصياء من بدل وصية الميت ﴿ من بعد ما سمعه ﴾ يعني من بعد ما سمع من الميت فلم يمض وصيته إذا كان عدلاً ﴿ فإنما إثمه ﴾ يعني إثم ذلك ﴿ على الذين يبدلونه ﴾ يعني الوصي وبرئ منه الميت ﴿ إن الله سميع ﴾ يعني للوصية ﴿ عليم ﴾ بها ﴿ فمن خاف ﴾ يقول: فمن علم ﴿ من موص ﴾ يعني من الميت ﴿ جنفاً ﴾ ميلاً ﴿ أو إثماً ﴾ يعني أو خطأ فلم يعدل ﴿ فأصلح بينهم ﴾ رد خطأه إلى الصواب ﴿ إن الله غفور ﴾ للوصي حيث أصلح بين الورثة ﴿ رحيم ﴾ به رخص له في خلاف جور وصية الميت.
وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ جنفاً ﴾ قال: الجور والميل في الوصية قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول عدي بن زيد وهو يقول: وأمك يا نعمان في اخواتها ** يأتين ما يأنينه جنفا وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ جنفاً أو إثماً ﴾ قال: الجنف الخطأ، والإثم العمد.
وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ جنفاً أو إثماً ﴾ قال: خطأ أو عمداً.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله: ﴿ جنفاً ﴾ قال: حيفاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فمن خاف من موص...
﴾ الآية.
قال: هذا حين يحضر الرجل وهو يموت، فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصر عن حق قالوا له: افعل كذا وكذا، واعط فلاناً كذا وكذا.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ خاف من موص...
﴾ الآية.
قال: من أوصى بحيف أو جار في وصية فيردها ولي الميت أو إمام من أئمة المسلمين إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه كان له ذلك.
وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: الجنف في الوصية، والإِضرار فيها من الكبائر.
وأخرج أبو داود في مراسيله وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية المجنف عند موته» .
وأخرج عبد الرزاق عن الثوري في قوله: ﴿ فمن بدله بعدما سمعه ﴾ قال: بلغنا أن الرجل إذا أوصى لم تغير وصيته حتى نزلت ﴿ فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم ﴾ فرده إلى الحق.
<div class="verse-tafsir"
قال الكلبي: كان الأولياءُ والأوصياءُ يمضون وصية الميت بعد نزول هذه الآية وإن كانت مستغرقة للمال، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا ﴾ (١) والخوف (٢) (٣) ﴿ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا ﴾ أي: علمنا، ومنه ﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ وقوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا ﴾ (٤) وقوله: ﴿ جَنَفًا ﴾ أي: ميلًا، يقال: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا: إذا مال، وكذلك تجانف، ومنه قوله: ﴿ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ ﴾ ، (٥) قال ابن عباس: يريد: خطأ من غير تعمدٍ (٦) قال عطاء: هو أن يُعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض (٧) وقال طاوس: جنفُه: توليجه، وهو أن يوصي لولد ولده، يريدُ ولدَه (٨) وقوله تعالى: ﴿ أَوْ إِثْمًا ﴾ أي: قصدًا للميل، قال السُدّي (٩) (١٠) (١١) فمن قال: (خاف) معناه: خشي قال: تأويل الآية: من حَضَر مَرِيضًا وهو يُوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته فيفعل ما ليس له، أو يتعمد جورًا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حَرَجَ عليه أن يُصلح بينه وبين ورثته، بأن يأمره بالعدل وهذا قول مجاهد (١٢) ومن قال خاف: معناه علم، قال: الميت إذا أخطأ في وصيته، أو حاف فيها متعمدًا، فلا حَرَجَ على من علم ذلك أن يُغَيِّرَه، ويصلح بعد موتِه بين ورثته وبين المُوصَى لهم، من وليّ أو وصيّ أو والي أمر المسلمين، ويردَّ الوصيَة إلى العدل.
وهذا معنى قول ابن عباس (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ يريد: بين الورثة والمختلفين في الوصية، وهم المُوصَى لهم.
وسياق الآية وذكر الوصية يدل عليهم، فكنى عنهم (١٦) وقال الكسائي والفراء (١٧) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ إنما قال للمتوسط للإصلاح: ليس عليه إثم، ولم يقل فله الأجر؛ لأنه ذكر إثم التبديل، ونفى الإثم عن المصلح، ليبين أنه ليس بمبدل (١٨) (١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 217، لكنه قال: ثم نسختها هذه الآية: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا ﴾ .
وذكره البغوي 1/ 194، وروى عبد الرزاق في "المصنف" 9/ 89 عن سفيان الثوري نحوه.
(٢) في (ش): (فالحوف).
(٣) في (م): (قال).
(٤) ينظر: "تفسير غريب القرآن" ص 67، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 301، "الثعلبي" 2/ 208، "المحرر الوجيز" 2/ 98، "البغوي" 1/ 194، "التفسير الكبير" 5/ 66.
(٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، "المفردات" ص108، "التفسير الكبير" 5/ 65.
(٦) رواه الطبري 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 302، وقال: وروي عن أبي العالية ومجاهد والضحاك والسدي والربيع بن أنس نحو ذلك.
(٧) رواه عنه الطبري بنحوه 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 301.
(٨) رواه عنه الطبري بنحوه 2/ 125، وابن أبي حاتم 1/ 301.
(٩) رواه عنه الطبري 2/ 125.
(١٠) رواه عنه الطبري2/ 127.
(١١) رواه عنه الطبري 2/ 127.
(١٢) "تفسير مجاهد" 1/ 96، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 123، وعزاه في "الدر" 1/ 320 إلى عبد بن حميد، وهذا اختيار الطبري.
(١٣) رواه عنه الطبري 2/ 124، وابن أبي حاتم 1/ 303، وروي عن أبي العالية وطاوس والحسن وإبراهيم وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس ومقاتل نحو ذلك.
(١٤) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 69، والطبري 2/ 124، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 171.
(١٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 124، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 303.
(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، "تفسير الثعلبي" 2/ 216، "التفسير الكبير" 5/ 67، "البحر المحيط" 1/ 24.
(١٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 111.
(١٨) "التفسير الكبير" 5/ 67، وذكر أربعة أوجه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الوصية للوالدين والأقربين ﴾ كانت فرضاً قبل الميراث ثم نسختها آية الميراث مع قوله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث» وبقيت الوصية مندوبة لمن لا يرث من الأقربين، وقيل معناها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض، فلا تعارض بينها وبين المواريث، ولا نسخ، والأول أشهر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ خاف ﴾ بالإمالة حيث كان: حمزة.
﴿ موصٍ ﴾ بالتشديد: يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص وجبلة الباقون: بالتخفيف من الإيصاء.
الوقوف: ﴿ خيراً ﴾ ج لأن قوله ﴿ الوصية ﴾ مفعول ﴿ كتب ﴾ وإنما لم يؤنث الفعل لتقدمه ولاعتراض ظرف وشرط بينهما، أو "الوصية" مبتدأ "وللوالدين" خبره، ومفعول "كتب" محذوف أي كتب عليكم أن توصوا.
ثم بين لمن الوصية والوصل أولى لئلا يحتاج إلى الحذف.
﴿ بالمعروف ﴾ ح لأن التقدير حق ذلك حقاً أو كتب الوصية حقاً.
﴿ المتقين ﴾ ط وإن كان بعدها فاء التعقيب لأنه حكم آخر ﴿ يبدلونه ﴾ ط عليم كذلك ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ (ه).
التفسير: وهذا حكم آخر.
قوله ﴿ كتب عليكم ﴾ يقتضي الوجوب كما مر.
والمراد من حضور الموت ليس معاينة الموت لأنه في ذلك الوقت يكونه عاجزاً عن الإيصاء والأكثرون قالوا: المراد ظهور أمارة الموت وهو المرض المخوف كما يقال لمن قارب البلد: إنه وصل.
وعن الأصم: المراد فرض عليكم في حال الصحة الوصية بأن تقولوا إذا حضرنا الموت فافعلوا كذا، وزيف بأنه ترك للظاهر.
ولا شك أن الخير قد ورد في القرآن بمعنى المال ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ ﴿ وإنه لحب الخير لشديد ﴾ ﴿ من خير فقير ﴾ لكن الأئمة اختلفوا في المراد بالخير ههنا بعد اتفاقهم على أنه المال.
فعن الزهري: أنه المال مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً بدليل قوله ﴿ من خير فقير ﴾ ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ﴾ وأنه اعتبر أحكام المواريث فيما يبقى من المال قل أم كثر قال ﴿ وللنساء نصيبٌ مما ترك الولدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيباً مفروضاً ﴾ فكذا الوصية، ولأن كل ما ينتفع به فهو خير.
والأكثرون على أن لفظ الخير في الآية مختص بالمال الكثير كما لو قيل "فلان ذو مال" يفهم منه أن ماله قد جاوز حد أهل الحاجة وإن كان اسم المال يقع في الحقيقة على ما يتموله الإنسان من قليلٍ أو كثير.
وكما إذا قيل "فلان في نعمة من الله " فإنه يراد تكثير النعمة وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله وهو باب من المجاز مشهور ينفون الاسم عن الشيء لنقصه ومن قوله "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ولو كانت الوصية واجبة في كل ما يترك لم يكن لقوله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ فائدة لندرة من يموت فاقداً أقل ما يتمول.
ثم القائلون بهذا اختلفوا في أن المسمى بالخير في الآية مقدر بمقدار معين أم لا.
فمنهم من قال: إنه غير مقدّر ويختلف ذلك باختلاف حال الرجل.
فقد يوصف المرء لمقدار من المال بأنه غنيّ ولا يوصف غيره بالغنى لذلك المقدار لأجل كثرة العيال وتوسع النفقة، فيكون التعيين في كل صورة موكولاً إلى الاجتهاد، وهذا لا ينافي أصل الإيجاب.
ومنهم من قال: إنه مقدر.
ثم اختلفوا فعن علي كرم الله وجهه: أنه دخل على مولى في مرض الموت وله سبعمائة درهم فقال: ألا أوصي؟
قال: لا قال الله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وليس لك كثير مال.
وعن عائشة أن رجلاً قال لها: إني أريد أن أوصي.
قالت: كم مالك؟
قال: ثلاثة آلاف.
قالت: كم عيالك؟
قال أربعة.
قالت: قال الله ﴿ إن ترك خيراً ﴾ وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.
وعن ابن عباس: أنه إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإذا بلغ ثمانمائة درهم أوصى.
وعن قتادة: ألف درهم.
وعن النخعي من ألف إلى خمسمائة درهم.
قال أبو البقاء: جواب الشرط عند الأخفش الوصية بحذف الفاء أي فالوصية للوالدين على الابتداء والخبر واحتج بقول الشاعر: من يفعل الحسنات اللَّه يشكرها *** وقال غيره: جواب الشرط في المعنى ما تقدم من كتب الوصية كما تقول "لك كذا إن فعلت" ويجوز أن يكون جواب الشرط معنى الإيصاء لا معنى الكتب بناء على رفع الوصية بكتب وهو الوجه.
وقيل: المرفوع بكتب الجار والمجرور وهو ﴿ عليكم ﴾ وليس بشيء وأما إذا فهو ظرف لمعنى الوصية ولا يحتاج إلى جواب.
والأقربين قيل هم الأولاد عن ابن زيد.
وقيل من عدا الولد عن ابن عباس ومجاهد.
وقيل: جميع القرابات.
وقيل: غير الوارث.
وقوله ﴿ بالمعروف ﴾ أمر بأن يسلك في الوصية الطريقة الجميلة.
فلو حرم الفقير ووصى للغني لم يكن معروفاً، ولو سوّى بين الوالدين مع عظم حقهما وبين بني العم لم يكن معروفاً، ولو أوصى لأولاد الجد البعيد مع حضور الإخوة لم يكن ما يأتيه معروفاً.
﴿ وحقاً ﴾ مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً على المتقين على الذين آثر والتقوى وجعلوها مذهباً لهم وسيرة.
واعلم أن الأئمة القائلين بوجوب هذه الوصية اختلفوا في أنها منسوخة أم لا.
أما أبو مسلم فإنه اختار عدم نسخها وقال: معناها كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين في قوله : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى الله به لهم عليهم وأن لا ينقص من أنصبائهم، أو لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء مع ثبوت الوصية.
فالميراث عطية من الله والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث يجمع له بين الوصية والميراث بحكم الآيتين، ولو قدرنا حصول المنافاة فهذه الآية توجب الوصية للوالدين والأقربين.
ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث ويبقى القريب الذي لا يكون وارثاً داخلاً في الآية.
وذلك أن من الوالدين من لا يرث بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب من يسقط في حال ويثبت في حال، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم.
فآية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها.
وأكثر المفسرين والمعتبرين من الفقهاء على أن الآية منسوخة قالوا: نسخت بآية المواريث أو بالإجماع أو بقوله "أن الله أعطى كل ذي حقٍ حقه ألا لا وصية لوارث" وهذا وإن كان خبر واحد إلا أن الأمة تلقته بالقبول حتى التحق بالمتواتر فيجوز نسخ القرآن به عند الجمهور.
ومن أئمة الأمة من قال: هي منسوخة في حق من يرث، ثابتة فيمن لا يرث وهو مذهب ابن عباس والحسن البصري ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد حتى قال الضحاك: من مات من غير أن يوصي لأقربائه فقد ختم عمله بمعصية.
وقال طاوس: إن أوصى للأجانب وترك الأقارب نزع منهم ورد إلى الأقارب.
قالوا: الآية دلت على وجوب الوصية للقريب ترك العمل به في حق القريب الوارث، إما بآية المواريث أو بقوله "لا وصية لوارث" أو بإجماع الأمة.
فبقيت الآية دالة على وجوب الوصية للقريب الذي لا يكون وارثاً.
وأيضاً قال "ما من حق امرئٍ مسلم له شيء يوصي فيه" وفي رواية "له شيء يريد أن يوصي به أن يبيت ليلتين" وفي رواية "ثلاث ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده" لكن الوصية لغير الأقارب غير واجبة بالإجماع فوجب أن تختص بالأقارب.
وهؤلاء القائلون بأن الآية صارت منسوخة في حق القريب الذي لا يكون وارثاً اختلفوا في موضعين: الأول: نقل عن ابن مسعود أنه جعل هذه الوصية للأفقر فالأفقر من الأقرباء.
وقال الحسن البصري والأغنياء سواء.
الثاني: عن الحسن وجابر بن زيد وعبد الملك بن معلى أنهم قالوا فيمن يوصي لغير قرابته وله قرابة لا ترثه: يجعل ثلثي الثلث لذوي القرابة، وثلث الثلث لمن أوصى له.
وعن طاوس: أن الأقارب إن كانوا محتاجين انتزعت الوصية من الأجانب وردت إلى الأقارب ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير الإيصاء أو ما قاله الميت وأوصى به عن وجهه إن كان موافقاً للشرع ﴿ بعد ما سمعه ﴾ وتحققه فلا معنى للسماع لو لم يقع العلم به والمبدل إما الوصي بأن يغير الوصية في الكتابة، أو في قسمة الحقوق، وإما الشاهد بأن يغير شهادته أو يكتمها غيرهما بأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، وقيل: المنهي عن التغيير هو الموصي، نهي عن تغيير الوصية عن الموضع الذي بيّن الله الوصية فيه.
فإنهم كانوا يوصون في الجاهلية للأبعدين طلباً للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الضر والفقر، فأمرهم بالوصية للأقربين وأوعدهم على تركها.
﴿ فإنما إثمه ﴾ ما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على الذين يبدلونه، فإن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره.
ومنه يعلم أن الطفل لا يعذب بكفر أبيه، وأن الإنسان إذا أمر الوارث بقضاء دينه فإن الميت لا يعذب بتقصير ذلك الوارث، وأن الميت لا يعذب بنياحة غيره عليه ﴿ إن الله سميعٌ عليم ﴾ يسمع الوصية على حدها ويعلمها على صفتها فلا تخفى عليه خافية من التغيير الواقع فيها، وفي ذلك وعيد للمبدّل وأيّ وعيد.
ثم إنه لما أطلق الإيعاد على التبديل أتبعه قوله ﴿ فمن خاف ﴾ ليعلم أن التغيير من الباطل إلى الحق على طريق الإصلاح مستحسن شرعاً كما هو حسن عقلاً، وللخوف ههنا تفسيران: أحدهما: الخشية فيسأل أنه إنما يصح في أمر منتظر مظنون والوصية وقعت وعلمت.
وأجيب بأن المراد أن هذا المصلح إذا شاهد الموصي يوصي فظهرت منه أمارات الجنف الذي هو الميل عن طريق الحق مع ضرب من الجهالة، أو مع التأويل أو شاهد فيه إثماً أي تعمداً بأن يزيد غير المستحق، أو ينقص المستحق أو يعدل عن المستحق.
فعند ظهور أمارات ذلك وقبل تحقق الوصية يأخذ في الإصلاح بينهم أي بين أهل الوصية، لأن قوله ﴿ من موصٍ ﴾ يدل على سائر ملابساته.
فكأن الموصي يقول وقد حضر الوصي والشاهد على وجه المشورة: أريد أن أوصي للأباعد دون الأقارب، أو أن أزيد فلاناً مع أنه غير مستحق للزيادة، أو أنقص فلاناً مع أنه مستحق للزيادة، فعند ذلك يصير السامع خائفاً من جنف أو إثم لا قاطعاً به، وأيضاً الجائز أن لا يستمر الموصي على وصيته فإن له الفسخ ما دام في حياته، فمن أين يحصل الثقة بما فعل وقد يعدل عن الحق في آخر الأمر؟
وبتقدير أن تستقر الوصية ومات الوصي على ذلك لم يبعد أن يقع بين الورثة والموصى لهم تنازع فيما نسب إلى الموصي، وقد يعزى حينئذٍ إلى الجنف أو الإثم فيحتاج إلى الإصلاح بينهم بإجرائهم على قانون الشرع.
والتفسير الثاني إن ﴿ خاف ﴾ بمعنى علم.
وقد يستعمل الخوف والخشية مقام العلم، لأن الخوف منشؤه ظن مخصوص، وبين العلم والظن مشابهة من وجوه كثيرة، فصح إطلاق أحدهما على الآخر استعمالاً شائعاً من ذلك قولهم "أخاف أن ترسل السماء" يريدون التوقع.
والظن الغالب الجاري مجرى العلم.
فمعنى الآية أن الميت إذا أخطأ في وصيته أو جار فيها متعمداً فلا حرج على من علم ذلك أن يرده إلى الصلاح بعد موته وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع.
وفي الآية دليل على جواز الإصلاح بين المتنازعين إذا خاف المصلح إفضاء المنازعة إلى محذور شرعاً.
والغرض من قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج حتى لا ينافي الوجوب.
وفيه مع ذلك نكتة هي أن الإصلاح بين القوم يحتاج إلى الإكثار من القول وذلك قد يفضي إلى الإسهاب والتكلم ببعض ما لا ينبغي فبين أنه لا مؤاخذة على المصلح من هذا الجنس إذا كان غرضه الأصلي صحيحاً ولهذا أتبعه قوله ﴿ أن الله غفورٌ رحيم ﴾ وأيضاً كأنه قيل: أنا الذي أغفر الذنوب ثم أرحم المذنب، فلأن أوصل رحمتي إليك أيها المصلح مع تحمل أعباء الإصلاح أولى.
أو المراد أن الموصي الذي أقدم على الجنف أو الإثم متى أصلح خلل وصيته فإن الله يغفر له ويرحمه بفضله.
وبهذا التأويل يجوز أن يرجع الضمير في قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ إلى الموصي.
واعلم أن أكثر الأئمة وإن ذهبوا إلى أن وجوب الوصية منسوخ بآية المواريث إلا أنهم اتفقوا على أنها الآن جائزة في الثلث لما روي أنه عاد سعد ابن أبي وقاص فقال للنبي : إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأوصي بثلثي مالي؟
قال: لا.
قال: فبشطره؟
قال: لا قال: فبالثلث؟
قال: الثلث والثلث كثير.
لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
فأفاد الحديث المنع من الزيادة واستحباب النقصان عن الثلث إن كانت الورثة فقراء.
والوصية أوسع مجالاً من الإرث، فإذا أراد الوصية فالأفضل أن يقدم من لا يرث من أقاربه لأن الله أعطى الأقربين الميراث ويقدم منهم المحارم ثم يقدم بالرضاع ثم بالمصاهرة ثم بالولاء ثم بالجوار كما في الصدقات المنجزة.
فإن أوصى للورثة بعضهم جاز لكن بالإجازة من سائر الورثة كما لو زاد على الثلث للأجنبي، فإن الزائد يحتاج إلى إجازة الورثة.
التأويل: كتب على الأغنياء الوصية بالمال وعلى الولياء الوصية بالحال، والأغنياء يوصون في آخر أعمارهم بالثلث والأولياء يخرجون في مبادئ أحوالهم عن الكل.
والمعنى إذا حضر قلب أحدكم مع الله وأمات نفسه عن الصفات الحيوانية، فعليه أن يوصي للوالدين.
وهما الروح العلوي والبدن السفلي، فإن النفس تولدت من ازدواجهما، وللأقربين - وهم القلب - والسر بترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية والجسمانية بالمعروف من غير إسراف يفضي غلى الإتلاف معرضاً عن الشهوات مجتنباً عن الرسوم والعادات كما قال : "بعثت لرفع العادات وترك الشهوات بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ومن مكارم الأخلاق أن يجعل المشارب مشرباً واحداً والمذاهب مذهباً واحداً.
وكـل لـه سـؤل ودين ومذهب *** ووصلكم سـؤلي وديني هواكم وأنتم من الدنيا مرادي وهمتي *** مناي مناكم واختياري رضاكم ﴿ حقاً على المتقين ﴾ من الشرك الخفي ولهذا لم يقل على المسلمين أو المؤمنين لأنهم أهل الظواهر والمتقون هم أهل البواطن كما قال "التقوى ههنا" وأشار إلى صدره.
وأحكام الظواهر يحتمل النسخ وأحكام البواطن وهي الحكم والحقائق لا تحتمل النسخ.
فحكم الوصية في حق المتقين غير منسوخ أبداً ﴿ فمن بدله ﴾ فمن غير من الروح والقلب والسر والوصية الصادرة من نفسه الميتة ﴿ فإنما إثمه ﴾ عليهم.
وسبب هذا التوكيد أن السر والقلب والروح كلهم من العالم الروحاني، وصفاتهم حميدة باقية فترك مشاربها والخروج عنها صعب جداً ﴿ فمن خاف ﴾ تفرس ﴿ من موصٍ جنفاً ﴾ في ترك المشارب بأن يبالغ في المجاهدات لنيل المشاهدات ﴿ أو إثماً ﴾ تجاوزاً عن حد الشرع في رفع الطبع ﴿ فأصلح ﴾ بينهم بين الروح والبدن والقلب والسر ولكن بنظر شيخ كامل ومرب عارف، فلا حرج على المصلح والله الموفق.
وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
تكلموا فيه بأوجه: قيل: إنه منسوخ بما بين عز وجل في آية أخرى من حق الميراث.
ومنهم من قال: لم ينسخ.
ثم قيل: فيه بوجهين: قيل: إنه قد كان ذلك؛ لأن الناس كانوا حديثي عهد في الإسلام، يسلم الرجل ولا يسلم أبواه.
فقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ إنما وقع على من كان لا يرث.
ومنهم من يقول: بأنها كانت للوارث ولم ينسخ، وإنما يقع الأمر في غير من يرث ممن ذكر.
لكن في ذلك ذكر (كتب)، وذلك إيجاب.
ولا يحتمل أن يفرض عليهم صلتهم مع التحذير عن اتخاذهم أولياء بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُوۤاْ آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْكُفْرَ عَلَى ٱلإِيمَانِ ﴾ ، وقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوۤاْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾ ، وفي إلزام الفرضية من حيث المعروف إبقاء الموالاة وإلزام المحبة، وقد حذر وجود ذلك؛ فثبت أن الآية فيمن يتوارثون اليوم لكنها نسخت.
والله أعلم.
ومنهم من يقول: لا، ولكنه وقع على من كان يرث وعلى من كان لا يرث بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، فهو كان مكتوباً عليهم مفروضاً في حق الوصاية.
ثم من رأى نسخه استدل بقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ ، ذكر فيه الوصاية على بيان كل ذي حق حقه.
فليس الذي أوصى الله يمنع وصايته التي كتب عليهم.
لكن في الآية دليل لم ينسخ بهذه لوجهين: أحدهما: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ .
فهو وصيته ذكره كذكر الوصاية في الأول، ففيه جعل حق كالحق المجعول لهم إذا لم يذكر ذلك الوصية مع الميراث ثم نفاه.
والوجه الآخر: أنه قال: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ﴾ ، فجعل حكم الإرث على ذكر الوصية، والإرث بعد الوصية؛ فبان أن لها حكم البقاء.
ثم قيل: فيه بوجهين: قال قائلون: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيۤ أَوْلَٰدِكُمْ ﴾ ، لم يكن ميراثاً، ولا هو من أهل الميراث.
فحدوث الإرث لا يمنع حق القطع عنه بالمكتوب الأول.
ومنهم من جعل ذلك فيمن كان وارثاً.
فورود البيان من بعد يقطع عنه المكتوب له.
ثم من الناس من ادعى نسخ هذا بقوله: ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَالِدَانِ وَٱلأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ ، ولو جعل الوصية له ما جعل الله لهم فيه من النصيب خص به الكثير دون القليل؛ فثبت أن ذلك (الكتاب) رفع عنهم مما جعل لهم الحق في الذي قل أو كثر.
ثم الوجه فيه عندنا: فهو أنه إن لم يكن نسخ بهذه الآيات، على ما قاله بعض الناس، فهو منسوخ بقوله : "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" .
فبين أنه قد كان أعطى ذا حق حقه على رفع ما كانت لهم من الوصاية فيه.
ثم اختلفوا في الخبر الذي روي: "إن الله تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" قال قائلون: فلا يجوز ورود النسخ على الآية؛ إذ السنة لا ترد على نسخ الكتاب.
وقال آخرون: لا، ولكنه من أخبار الآحاد.
وأخبار الآحاد، على قولكم، لا ترد على نسخ خبر مثله، فكيف على كتاب رب العالمين؟
فأما الأول - في أن السنة لا تعمل في نسخ الكتاب-: فقد سبق القول فيه، أن الذي حملهم على هذا هو جهلهم بموقع النسخ، وإلا لو علموه ما أنكروه.
وهو ما قلنا: إن النسخ بيان منتهى الحكم إلى الوقت المجعول له.
فأما من قال: بأنه من أخبار الآحاد، فإن الأصل في هذا أن يقال: إنه من حيث الرواية من الآحاد، ومن حيث علم العمل به متواتر.
ومن أصلنا: أن المتواتر بالعمل هو أرفع خبر يعمل، إذ المتواتر المتعارف قرناً بقرنٍ مما عمل الناس به لم يعملوا به، إلا لظهوره، وظهوره يغني الناس عن روايته، لما علموا خلوة عن الخفاء.
ولهذا يقول في الخبر جاء عن رسول الله : "أنه نهى عن كل ذي ناب من السباع" ، فترد به الخبر المروي عن رسول الله أنه من أخبار الآحاد.
هو من حيث الرواية من الآحاد، ولكنه من حيث تواتر الناس للعمل به صار بحيث يوجب علم العمل.
فما لم يجز أن يجتمع الأمة على شيء علموا كله من كتاب أو سنة غير ما ورد، فيكونوا قد اجتمعوا على تضييع كتاب أو سنة، فكذا هذا، لا يجوز أن يجتمع الناس على ترك الوصية للوارث، وثم كتاب نسخه أو سنة أخرى يلزم العمل به؛ فلهذا قضينا بنسخه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: يحتمل: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ هذه الوصاية المكتوبة للوالدين، إن كان هذا أراد بقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً ٱلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ ﴾ الآية، فإنما إثمه عليه.
ويحتمل: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ ﴾ الوصية ﴿ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ ﴾ من الموصي ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ .
ثم يحتمل بعد هذا وجهين: يحتمل: أنه أراد تبديل الوصي بعد موت الموصي.
ويحتمل: تبديل من حضر الوصي ذلك الوقت من الشهود وغيره.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ أي: سميع لمقالته ووصايته.
و ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجوره وظلمه.
أو ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بتبديله.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: فيه بوجهين: يحتمل: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ أي: علم من الموصي ظلمًا وجورًا على الورثة بالزيادة على الثلث، ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تبديله ومنعه ورده إلى الثلث وقت وصاية الموصي.
ويحتمل: ﴿ فَمَنْ خَافَ ﴾ ، أي: علم من الموصي خطأ وجورًا بعد وفاته بالوصية، ﴿ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في تبديله ورده إلى ما يجوز من ذلك ويصح، وهو الواجب على الأوصياء أن يعملوا بما يجوز في الحكم، وإن كان الموصي أوصى بخلاف ما يجيزه الحكم ويوجبه.
قال الشيخ - رحمه الله -: وكان صرف (الخوف) إلى (العلم) أولى؛ إذ هو تبديل الوصية وقد نهى عنه وأذن به للجور، فإذا لم يعلم فهو تبديل بلا عذر، وقد يخفف للخوف حق العلم إذا غلب الوجه فيه، كما أن أذن للإكراه إظهار الكفر، وذلك في حقيقته خوف عما في التحقيق على العلم بغلبته وجه الوفاء في ذلك.
وقوله: ﴿ فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ﴾ ، يعني بين الورثة بعد موت الموصي، ورد ما زاد على الثلث بين الورثة على قدر أنصبائهم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، لجور الموصي وظلمه إذا بدل الوصي ذلك ورده إلى الحق.
ويحتمل: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ، لمن رد على الموصي جنفه وميله في حال وصايته.
والله أعلم.
والأصل في أمر الوصاية للوارث، أن آيات المواريث لم تكن نزلت في أول ما بهم حاجة إلى معرفة ذلك، فيجوز أن يكون في الابتداء كانت الوصايا بالحق الذي اليوم هو ميراث، يبين ذلك ما روي عن رسول الله في ابنتي سعد، الذي قتل بأحد، وقد كان استولى عمهما على ميراثه، فسألت أمهما عن ذلك، فقال: لم ينزل فيه شيء.
ثم دعاهما، وأعطاهما ما بين الله في كتابه في قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ..
﴾ الآية [النساء: 11].
وكذلك كان للنساء الحول في ترك الأزواج وصية لهن؛ فعلى ذلك كان الأمر بالوصية، فقال الله عز وجل: ﴿ يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ ﴾ كالمبين بما كان قد أوجب النبيين على الميت، فقال رسول الله : "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" ، ومما يبين ذلك أنه معلوم أن تكون الوصية للوارث ليست تثبت فيما هي له؛ لأنه اليوم فيكون حصول الوصية بنصيب بعض الورثة على ذلك الوجه لا يجوز وصية الميت لأحد، فكذلك للورثة.
وهذا يبين أنها كانت في وقت لم يبين الميراث، فلا يكون الوصية لمن تثبت له وصية بنصيب غيره في التحقيق، فكان يجوز، ثم بطل ببيان السنة، إذ ليس في متلو القرآن حقيقة ذلك، وإنما يكون بحق الانتزاع منه والنسخ، ومعناه بالانتزاع أبعد عن الاحتمال منه بالسنة.
ولا قوة إلا بالله.
ثم حق التواتر عندنا يقع بظهور العمل بالشيء على غير المنع منهم، والتكثير عليهم في الفعل، وفي هذا وجود ذلك من طريق الفعل.
ثم القول أيضًا من الأئمة بالفتوى بلا تنازع ظهر فيهم ما قد ذكر الله في المواريث: ﴿ فَإِن كَانُوۤاْ أَكْثَرَ مِن ذٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، وتخصيص الورثة قصد مضارة بغيره، واستعمال الرأي فيما قد تولى قسمه على غير الذي قسم.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فمن علم من صاحب الوصية ميلًا عن الحق، أو جَوْرًا في الوصية؛ فأصلح ما أفسد الموصِي بنصحه، وأصلح بين المختلفين على الوصية، فلا إثم عليه، بل هو مأجور على إصلاحه، إن الله غفور لمن تاب من عباده، رحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.dvMeE"
وجه التناسب والاتصال بين هذه الآيات وما قبلها هو أن القصاص في القتل ضرب من ضروب الموت يذكر بما يطلب ممن يحضره الموت وهو الوصية.
والخطاب فيه موجه إلى الناس كلهم بأن يوصوا بشيء من الخير ولا سيما في حال حضور أسباب الموت وظهور أماراته لتكون خاتمة أعمالهم خيرًا، وهو على نسق ما تقدم في الخطاب بالقصاص من اعتبار الأمة متكافلة يخاطب المجموع منها بما يطلب من الأفراد، وقيام الأفراد بحقوق الشريعة لا يتم إلا بالتعاون والتكافل والائتمار والتناهي؛ فلو لم يأتمر البعض وجب على الباقين حمله على الائتمار - ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ ﴾ أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين إذا حضرت الواحد منكم أسباب الموت وعلاماته ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أي إن كان له مال كثير يتركه لورثته ﴿ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي كتب عليكم في هذه الحالة أن توصوا للوالدين والأقربين بشيء من هذا الخير بالوجه المعروف الذي لا يستنكر لقلته بالنسبة إلى ذلك الخير ولا بكثرته الضارة بالورثة بأن لا يزيد الموصي به لهم ولغيرهم من الأجانب عن ثلث المتروك الوارثين.
والوصية الاسم من الإيصاء والتوصية، وتطلق على الموصي به من عين أو عمل، وهي مندوبة في حال الصحة وتتأكد في المرض، وظاهر الآية أنها تجب عند حضور أمارات الموت للوالدين والأقربين، وفيه الخلاف الآتي.
يقال أوصى ووصى فلانًا بكذا من العمل أو المال، ووصى بفلان، وأوصى له بكذا من مال أو منفعة.
وأوصاه فيه - أي في شأنه.
وإيصاء الله بالشيء وفيه أمره وفسروا الخير بالمال وقيده الأكثرون بالكثير أخذًا من التنكير، ولم يقيده (الجلال) بذلك.
ولم يقتصر أحد من المفسرين على ذكر المال فقط إلا مفسرنا وقوله صادق فيما ذكروه وجهًا وذكروا معه قول من قيده بالكثير كالبيضاوي، وجزم المفسر بأن الآية منسوخة بآية المواريث وحديث الترمذي "لا وصية لوارث" ورده بعضهم، فكلام الجلالين في المسألتين غير مسلم.
أما الأولى فقد قالوا إن المال لا يسمى في العرف خيرًا إلا إذا كان كثيرًا كما لا يقال فلان ذو مال إلا إذا كان كثيرًا، وإن تناول اللفظ صاحب المال القليل، وأيدوا هذا بما رواه ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها قال لها رجل أريد أن أوصي، قالت كم مالك؟
قال ثلاثة آلاف.
قالت كم عيالك؟
قال أربعة، قالت قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل.
وروى البهيقي وغيره أن عليًا دخل على مولى له في الموت وله سبعمائة درهم أو ستمائة درهم فقال ألا أوصي؟
قال لا، إنما قال الله تعالى ﴿ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا ﴾ وليس لك كثير مال فدع مالك لورثتك - فعبارتهما تدل على أنهم ما كانوا يفهمون من الخير إلا المال الكثير، واختلفوا في تقدير الكثير فروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه قال: من لم يترك ستين دينارًا لم يترك خيرًا.
وأنا أختار عدم التقدير، لاختلافه باختلاف العرف، فهو موكول إلى اعتقاد الشخص وحاله.
ولا يخفى أن العرف يختلف باختلاف الزمان والأشخاص والبيوت، فمن يترك سبعين دينارًا في منزل قفر، وبلد فقر، وهو من الدهماء فقد ترك خيرًا.
ولكن الأمير أو الوزير، إذا تركا مثل ذلك في المصر الكبير، فهما لم يتركا إلا العدم والفقر، وما لا يفي بتجهيزهما إلى القبر.
وأما الثانية فهي خلافية، والجمهور على أن الآية منسوخة بآية المواريث أو بحديث: "لا وصية لوارث" أو بهما جميعًا، على أن الحديث مبين للآية.
قال البيضاوي: "وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله "إن الله أعطى كل ذي حق حقه ألا لا وصية لوارث".
وفيه نظر لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقًا، والحديث من الآحاد، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر".
وبأنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، وبأن السياق ينافي النسخ، فإن الله تعالى إذا شرع للناس حكمًا وعلم أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن قريب فإنه لا يؤكده ويوثقه بمثل ما أكد به أمر الوصية هنا من كونه حقًا على المتقين، ومن وعيد من بدله، وبإمكان الجمع بين الآيتين إذا قلنا إن الوصية في آية المواريث مخصوصة بغير الوارث، بأن يخص القريب هنا بالممنوع من الإرث ولو بسبب اختلاف الدين، فإذا أسلم الكافر وحضرته الوفاة ووالداه كافران فله أن يوصي لهما بما يؤلف به قلوبهما، وقد أوصى الله تعالى بحسن معاملة الوالدين وإن كانا كافرين ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا ﴾ الآية، وفي آية لقمان بعد الأمر بالشكر لله ولهما ﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾ الآية.
أفلا يحسن أن يختم هذه المصاحبة بالمعروف بالوصية لهما بشيء من ماله الكثير؟..
وجوز بعض السلف الوصية للوارث نفسه بأن يخص بها من يراه أحوج من الورثة كأن يكون بعضهم غنيًا والبعض الآخر فقيرًا: مثال ذلك أن يُطلِّق أبوه أمه وهو غني وهي لا عائل لها إلا ولدها ويرى أن ما يصيبها من التركة لا يكفيها.
ومثله أن يكون بعض ولده أو إخوته -إن لم يكن له ولد- عاجزًا عن الكسب فنحن نرى أن الحكيم الخبير اللطيف بعباده، الذي وضع الشريعة والأحكام لمصلحة خلقه، لا يحتم أن يساوي الغني الفقير، والقادر على الكسب من يعجز عنه، فإذا كان قد وضع أحكام المواريث العادلة على أساس التساوي بين الطبقات باعتبار أنهم سواسية في الحاجة، كما أنهم سواء في القرابة، فلا غرو أن يجعل أمر الوصية مقدمًا على أمر الإرث، أو يجعل نفاذ هذا مشروطًا بنفاذ ذلك قبله، ويجعل الوالدين والأقربين في آية أخرى أولى بالوصية لهم من غيرهم لعلمه ٠ بما يكون من التفاوت بينهم في الحاجة أحيانًا، فقد قال في آيات الإرث من سورة النساء ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ﴾ فأطلق أمر الوصية وقال في آية الوصية هنا ما هو تفصيل لتلك.
فقد علم مما تقدم أن آية المواريث لا تعارض آية الوصية فيقال بأنها ناسخة لها إذا علم أنها بعدها، وأما الحديث فقد أرادوا أن يجعلوا له حكم المتواتر أو يلصقوه به بتلقي الأمة له بالقبول ليصلح ناسخًا، على أنه لم يصل إلى درجة ثقة الشيخين به فلم يروه أحد منهما مسندًا، ورواية أصحاب السنن محصورة في عمرو بن خارجة وأبي أمامة وابن عباس وفي إسناد الثاني إسماعيل بن عياش تكلموا فيه، وإنما حسنه الترمذي لأن إسماعيل يرويه عن الشاميين، وقد قوى بعض الأئمة روايته عنهم خاصة.
وحديث ابن عباس معلول إذ هو من رواية عطاء عنه وقد قيل إنه عطاء الخراساني، وهو لم يسمع من ابن عباس، وقيل عطاء بن أبي رباح، فإن أبا داود أخرجه في مراسيله عنه، وما أخرجه البخاري من طريق عطاء بن أبي رباح موقوف على ابن عباس، وما روي غير ذلك فلا نزاع في ضعفه، فعلم أنه ليس لنا رواية للحديث صححت إلا رواية عمرو بن خارجة، والذي صححها هو الترمذي وهو من المتساهلين في التصحيح، وقد علمت أن البخاري ومسلم لم يرضياها، فهل يقال إن حديثًا كهذا تلقته الأمة بالقبول؟
إن النسخ في الشرائع جائز موافق للحكمة وواقع، فإن شرع موسى نسخ بعض الأحكام التي كان عليها إبراهيم، وشرع عيسى نسخ بعض أحكام التوراة، وشريعة الإسلام نسخت جميع الشرائع السابقة، لأن الأحكام العملية التي تقبل النسخ إنما تشرع لمصلحة البشر، والمصلحة تختلف باختلاف الزمان.
فالحكيم العليم يشرع لكل زمن ما يناسبه، وكما تنسخ شريعة بأخرى يجوز أن تنسخ بعض أحكام شريعة بأحكام أخرى في تلك الشريعة، فالمسلمون كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس في صلاتهم فنسخ ذلك بالتوجه إلى الكعبة وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين.
ولكن هناك خلافًا في نسخ أحكام القرآن ولو بالقرآن، فقد قال أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهاني المفسر الشهير ليس في القرآن آية منسوخة، وهو يخرج كل ما قالوا إنه منسوخ على وجه صحيح بضرب من التخصيص أو التأويل، وظاهر أن مسألة القبلة ليس فيها نسخ القرآن، وإنما هي نسخ لحكم لا ندري هل فعله النبي باجتهاده أم بأمر من الله تعالى غير القرآن؟
فإن الوحي غير محصور في القرآن.
ولكن الجمهور على أن القرآن ينسخ بالقرآن بناء على أنه لا مانع من نسخ حكم آية مع بقائها في الكتاب يعبد الله تعالى بتلاوتها ويتذكر نعمته بالانتقال من حكم كان موافقًا للمصلحة ولحال المسلمين في أول الإسلام إلى حكم يوافق المصلحة في كل زمان ومكان.
فإنه لا ينسخ حكم إلا بأمثل منه كالتخفيف في تكليف المؤمنين قتال عشر أمثالهم بالاكتفاء بمقاتلة الضعف بأن تقاتل المئة مئتين.
واتفقوا على أنه لا يقال بالنسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الآيتين من آيات الأحكام العملية، وعلم تاريخهما، فعند ذلك يقال إن الثانية ناسخة للأولى.
وأما آيات العقائد والفضائل والأخبار فلا نسخ فيها.
ونسخ السنة بالسنة كنسخ الكتاب بالكتاب، بل هو أولى وأظهر وكذلك نسخ السنة بالكتاب كما في مسألة القبلة ولا خلاف فيهما.
ومن قبيل هذا نسخ الحديث المتواتر لحديث الآحاد.
وأما الخلاف القوي فهو في نسخ القرآن بالحديث ولو متواترًا، أو الحديث المتواتر بأخبار الآحاد، والذي عليه المحققون الأولون أن الظني (وهو خبر الآحاد) لا ينسخ القطعي كالقرآن والحديث المتواتر.
والحنفية وكثير من محققي الشافعية صرحوا بجواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة، لأن النبي معصوم في تبليغ الأحكام، فمتى أيقنا بالرواية عنه واستوفت شروط النسخ تعتبر ناسخة للكتاب كما إذا نسخت آية آية.
وذهب آخرون ومنهم الإمام الشافعي كما في رسالته المشهورة في الأصول بأنه لا يجوز نسخ حكم من كتاب الله بحديث مهما تكن درجته لأن للقرآن مزايا لا يشاركه فيها غيره.
وقد أورد الشافعي كثيرًا من الأحاديث التي زعموا أنها ناسخة لأحكام القرآن وبين أنها غير ناسخة بل بين أنها مفسرة ومبينة..
ولا أعرف لأبي حنيفة قولًا في هذه المسائل، والأصوليون المتقدمون من الحنفية والشافعية لا يقولون بنسخ القرآن بغير المتواتر من الأحاديث وإن اشتهر بنحو رواية الشيخين وأصحاب السنن له، والدليل ظاهر فإن القرآن منقول بالتواتر فهو قطعي وأحاديث الآحاد ظنية يحتمل أن تكون مكذوبة من بعض رجال السند المتظاهرين بالصلاح لخداع الناس.
وقال بعضهم: بنسخ الكتاب بالسنة ولو خبر آحاد لأن دلالة الآية على الحكم ظنية فكأن الحديث لم ينسخ إلا حكمًا ظنيًا، وفاتهم أن دلالة الحديث أيضًا ظنية فكأننا ننسخ حكمًا ظنيًا إسناده إلى الشارع قطعي بحكم ظني إسناده إليه غير قطعي، بل يحتمل أنه لم يقل به أو قاله رأيًا لا تشريعًا.
ولما كان الخلاف هنا ضعيفًا جدًا احتاج القائلون بنسخ حديث "لا وصية لوارث" لآية الوصية إلى زعم تواتره بتلقي الأمة له بالقبول، وقد علمت أن هذا غير صحيح.
وقد صرح بعض الشافعية بأن الخلاف في نسخ الكتاب بالسنة إنما هو في الجواز وأنه غير واقع قطعًا.
وقالوا أيضًا إن السنة لا تنسخ الكتاب إلا ومعها كتاب يؤيدها، والظاهر في مثل هذه الحال أن يقال إن الكتاب نسخ الكتاب لأنه الأصل، وكأنهم أرادو تصحيح قول من قال بالنسخ تعظيمًا له أن يرد قوله، وتعظيم الله تعالى أولى، ثم تعظيم رسوله يتلو تعظيمه ولا يبلغه، وإنما يطاع الرسول ويتبع بإذن الله تعالى.
ومن أغرب مباحث النسخ أن الشافعية -الذين يبالغ إمامهم في الاتباع فيمنع نسخ الكتاب بالسنة، ثم هو يبالغ في تعظيم السنة واتباعها ولا يبالي برأي أحد يخالفها، ثم هو يقول إن القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة كأكل الميتة كما رواه عنه الإمام أحمد- يقول بعضهم إن القياس الجلي ينسخ السنة، مع أن البحث في العلة أمر عقلي يجوز أن يخطئ فيه كل أحد، ويجوز أن يكون ما فهمناه من عموم العلة غير مراد للشارع، فإذا جاء حديث ينافي هذا العموم وصح عندنا فالواجب أن نجعله مخصصًا لعلة عموم الحكم، ولا نقول رجمًا بالغيب إنه منسوخ لمخالفته للعلة التي ظنناها.
فإذا كانت المجازفة في القياس قد وصلت إلى هذا الحد وقد تجرأ الناس على القول بنسخ مئات من الآيات، وإلى إبطال اليقين بالظن، وترجيح الاجتهاد على النص، فعلينا أن لا نحفل بكل ما قيل، وأن نعتصم بكتاب الله قبل كل شيء، ثم بسنة رسوله التي جرى عليها أصحابه والسلف الصالحون، وليس في ذلك شيء يخالف الكتاب العزيز.
وصفوة القول أن الآية غير منسوخة بآية المواريث لأنها لا تعارضها بل تؤيدها، ولا دليل على أنها بعدها، ولا بالحديث لأنه لا يصلح لنسخ الكتاب، فهي محكمة وحكمها باق، ولك أن تجعله خاصًا بمن لا يرث من الوالدين والأقربين كما روي عن بعض الصحابة وأن تجعله على إطلاقه، ولا تكن من المجازفين الذين يخاطرون بدعوى النسخ فتنبذ ما كتبه الله عليه بغير عذر، ولا سيما بعد ما أكده بقوله ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ أي حق ذلك الذي كتب عليك من الوصية أو حققته حقًا على المتقين لي، المطيعين لكتابي.
والمتبادر أن معنى المكتوب المفروض وبه قال بعضهم هنا، وقال أخرون إنه للندب، ويؤيد الفرضية قوله تعالى في وعيد المبدلين له ﴿ فَمَنْ بَدَّلَهُ ﴾ أي بدل ما أوصى به الموصي ﴿ بَعْدَمَا سَمِعَهُ ﴾ من الموصي أو علم به علمًا صحيحًا، من كتابة الوصية، وهو مشروع كما سيأتي، ومن الحكم بها ﴿ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ﴾ من ولي ووصي وشاهد وقد برئت منه ذمة الموصي وثبت أجره عند الله تعالى ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لما يقوله المبدلون في ذلك ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بأعمالهم فيه فيجازيهم عليها، وهو يتضمن تأكيد الوعيد، والضمير في المواضع الثلاثة راجع إلى الحق أو الإيصاء أي أثره ومتعلقة.
وقد قال بوجوب الوصية بعض علماء السلف واستدلوا عليه بالآية وبحديث "ما حق أمرئ مسلم بيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي به إلا ووصيته عند رأسه".
وقال الجمهور: مندوبة وتقدم قولهم في الآية.
ثم قال ﴿ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الجنف بالتحريك الخطأ، والإثم يراد به تعمد الإجحاف والظلم، والموصي فاعل الإيصاء.
وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ﴿ مُوصّ ﴾ بالتشديد من التوصية.
والمعنى إن خرج الموصي في وصيته عن المعروف والعدل خطأ أو عمدًا فتنازع الموصى لهم فيه أو تنازعوا مع الورثة فينبغي أن يتوسط بينهم من يعلم بذلك ويصلح بينهم، ولا إثم عليه في هذا الإصلاح إذا وجد فيه شيء من تبديل الجنف والحيف لأنه تبديل باطل إلى حق وإزالة مفسدة بمصلحة، فقلما يكون إصلاح إلا بترك بعض الخصوم شيئًا مما يراه حقًا له للآخر.
والآية استثناء مما قبلها أي أن المبدل للوصية آثم إلا من رأى إجحافًا أو جنفًا في الوصية فبدل فيها لأجل الإصلاح وإزالة التخاصم والتنازع والتعادي بين الموصي لهم، فعبر بخاف بدلًا عن رأى أو علم تبرئة للموصي من القطع بجنفه وإثمه واحتماء من تقييد التصدي للإصلاح بالعلم بذلك يقينًا، يعني أن من يتوقع النزاع للجنف أو الإثم فله أن يتصدى للإصلاح وإن لم يكن موقنًا بذلك، والتعبير عن مثل هذا العلم بالخوف شواهد في كلام العرب.
والمصلح مثاب مأجور، ونفي الإثم عن تبديل الوصية المحرم تبديلها يشعر بذلك إذ لو لم يكن التبديل للإصلاح مطلوبًا لم ينف الإثم عنه.
وختم الكلام بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ للإشعار بما في هذه الأحكام من المصلحة والمنفعة وبأن من خالف لأجل المصلحة مع الإخلاص فهو مغفور له.
<div class="verse-tafsir"