الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٩٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم أمر تعالى بقتال الكفار : ( حتى لا تكون فتنة ) أي : شرك .
قاله ابن عباس ، وأبو العالية ، ومجاهد ، والحسن ، وقتادة ، والربيع ، ومقاتل بن حيان ، والسدي ، وزيد بن أسلم .
( ويكون الدين لله ) أي : يكون دين الله هو الظاهر [ العالي ] على سائر الأديان ، كما ثبت في الصحيحين : عن أبي موسى الأشعري ، قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء ، أي ذلك في سبيل الله ؟
فقال : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " .
وفي الصحيحين : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله " وقوله : ( فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ) يقول : فإن انتهوا عما هم فيه من الشرك ، وقتال المؤمنين ، فكفوا عنهم ، فإن من قاتلهم بعد ذلك فهو ظالم ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وهذا معنى قول مجاهد : لا يقاتل إلا من قاتل .
أو يكون تقديره ; فإن انتهوا فقد تخلصوا من الظلم ، وهو الشرك .
فلا عدوان عليهم بعد ذلك ، والمراد بالعدوان هاهنا المعاقبة والمقاتلة ، كقوله : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) وقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) [ الشورى : 40 ] ، ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) [ النحل : 126 ] .
ولهذا قال عكرمة وقتادة : الظالم : الذي أبى أن يقول : لا إله إلا الله .
وقال البخاري : قوله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة [ ويكون الدين لله ] ) الآية : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب ، حدثنا عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا : إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج ؟
قال : يمنعني أن الله حرم دم أخي .
قالا : ألم يقل الله : ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) ؟
قال : قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله ، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله .
زاد عثمان بن صالح عن ابن وهب قال : أخبرني فلان وحيوة بن شريح ، عن بكر بن عمرو المعافري أن بكير بن عبد الله حدثه ، عن نافع : أن رجلا أتى ابن عمر فقال [ له ] : يا أبا عبد الرحمن ، ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما ، وتترك الجهاد في سبيل الله ، وقد علمت ما رغب الله فيه ؟
فقال : يا ابن أخي ، بني الإسلام على خمس : الإيمان بالله ورسوله ، والصلوات الخمس ، وصيام رمضان ، وأداء الزكاة ، وحج البيت .
قال : يا أبا عبد الرحمن ، ألا تسمع ما ذكر الله في كتابه : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ) [ الحجرات : 9 ] ، ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) قال : فعلنا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه : إما قتلوه أو عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة ، قال : فما قولك في علي وعثمان ؟
قال : أما عثمان فكان الله عفا عنه ، وأما أنتم فكرهتم أن تعفوا عنه ، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه ، وأشار بيده فقال : هذا بيته حيث ترون .
القول في تأويل قوله تعالى : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وقاتلوا المشركين الذين يقاتلونكم حتى لا تكون فتنة = يعني: حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يُعبد دونه أحدٌ، وتضمحلَّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكونَ العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان، كما قال قتادة فيما: 3113- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " قال: حتى لا يكون شرك.
3114- حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " وقاتلوهم حَتى لا تكون فتنة " قال: حتى لا يكون شرك.
3115 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " قال: الشرك " ويكون الدِّين لله ".
3116- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
3117 - حدثني موسى بن هارون، قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " قال: أما الفتنة فالشرك.
3118 - حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي، قال، حدثني عمي، قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنة "، يقول: قاتلوا حتى لا يكون شِرك.
&; 3-571 &; 3119 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " وقاتلوهم حَتى لا تكونَ فتنة " أي شركٌ.
3120- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " قال: حتى لا يكون كفر، وقرأ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [سورة الفتح: 16].
3121- حدثني علي بن داود قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة " يقول: شركٌ.
* * * وأما " الدين "، الذي ذكره الله في هذا الموضع (4) فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، من ذلك قول الأعشى: هُـوَ دَانَ الرِّبَـابَ, إِذْ كَرِهُـوا الـدِّي نَ, دِرَاكًـــا بِغَـــزْوَةٍ وَصِيَــالِ (5) يعني بقوله: " إذ كرهوا الدين "، إذ كرهوا الطاعة وأبوْها.
* * * &; 3-572 &; وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 3122- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " ويكونَ الدِّينُ لله " يقول: حتى لا يُعبد إلا الله، وذلك " لا إله إلا الله "، عليه قاتل النبيُّ صلى الله عليه وسلم وإليه دعا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنّي أمرتُ أن أقاتِل الناسَ حتى يَقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك فقد عَصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقِّها وحسابهم على الله ".
3123- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ويكون الدِّينُ لله " أن يقال: " لا إله إلا الله ".
ذُكِر لنا أن نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إنّ الله أمرَني أن أقاتِل الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله ".
ثم ذكر مثل حديث الربيع.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فإن انتهوا " فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودَخلوا في ملّتكم، وأقرُّوا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداءَ عليهم وقتالَهم وجهادَهم، فإنه لا ينبغي أن يُعتدى إلا على الظالمين -وهم المشركون بالله، والذين تركوا عبادته وعبدوا غيرَ خالقهم.
* * * &; 3-573 &; فإن قال قائل: وهل يجوز الاعتداء على الظالم فيقال: " فَلا عُدوان إلا على الظالمين "؟
(6) .
قيل: إن المعنى في ذلك على غير الوجه الذي إليه ذهبتَ، وإنما ذلك على وَجه المجازاة، لما كان من المشركين من الاعتداء، يقول: افعلوا بهم مثل الذي فعلوا بكم، كما يقال: " إن تَعاطيتَ منّي ظلما تعاطيته منك "، والثاني ليس بظلم، كما قال عمرو بن شأس الأسديّ: جَزَيْنَـا ذَوِى العُـدْوَانِ بِالأمْسِ قَرْضَهُمْ قِصَاصًـا, سَـواءً حَذْوَكَ النَّعْلَ بِالنَّعْلِ (7) وإنما كان ذلك نظير قوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [سورة البقرة: 15] و فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [سورة التوبة: 79] وقد بينا وجه ذلك ونظائره فيما مَضى قبلُ (8) .
* * * وبالذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة من أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 3124 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فلا عُدوان إلا على الظالمين " والظالم الذي أبى أن يقول: " لا إله إلا الله ".
3125 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع." فلا عُدوان إلا على الظالمين " قال: هم المشركون.
3126 - حدثني المثنى، قال، ثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عثمان بن غياث، قال، سمعت عكرمة في هذه الآية: " فلا عدوان إلا على الظالمين "، &; 3-574 &; قال: هُم من أبى أن يقول: " لا إله إلا الله ".
* * * وقال آخرون: معنى قوله: " فلا عدوان إلا على الظالمين " فلا تقاتل إلا من قاتل.
* ذكر من قال ذلك: 3127 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " فإن انتهوا فلا عُدوان إلا على الظالمين " يقول: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.
3128- حدثني المثنى، قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
3129 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: " فإن انتهوا فلا عُدوان إلا على الظالمين " فإنّ الله لا يحب العُدوان على الظالمين ولا على غيرهم، ولكن يقول: اعتدُوا عليهم بمثل ما اعتدوْا عليكم.
* * * قال أبو جعفر: فكان بعض أهل العربية من أهل البصرة يقول في قوله: " فإن انتهوْا فلا عُدوان إلا على الظالمين " لا يجوز أن يقول: " فإن انتهوا " إلا وقد علم أنهم لا يَنتهون إلا بعضهم، فكأنه قال: فإن انتهى بعضُهم، فلا عُدوان إلا على الظالمين منهم، فأضمر كما قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [سورة البقرة: 196] يريد: فعليه ما استيسر من الهدي، وكما يقول: " إلى مَن تقصد أقصد " يعني: إليه.
وكان بعضهم ينكر الإضمار في ذلك ويتأوله: فإن انتهوا فإن الله غفورٌ رحيم لمن انتهى، ولا عُدوان إلا على الظالمين الذين لا ينتهون.
----------- الهوامش: وأما شيخه -في هذا الإسناد-"أبو حماد" : فلا ندري من هو؟
والظن أنه زيادة خطأ من الناسخين .
وهكذا ظن أخي السيد محمود ، أيضًا .
(4) انظر معنى"الدين" فيما سلف 1 : 155 ، 221 .
(5) ديوانه : 12 وسيأتي في التفسير 3 : 141 (بولاق) ، قالها في مدح الأسود بن المنذر اللخمي ، أخي النعمان بن المنذر لأمه ، وأم الأسود من تيم الرباب .
هذا قول أبي عبيدة ، والصواب ما قال غيره : أنه قالها في مدح المنذر بن الأسود ، وكان غزا الحليفين أسدا وذبيان ، ثم أغار على الطف ، فأصاب نعما وأسرى وسبيا من رهط الأعشى بني سعد بن ضبيعة بن ثعلبة ، والأعشى غائب .
فلما قدم وجد الحي مباحا .
فأتاه فأنشده ، وسأله أن يهب له الأسرى ويحملهم ، ففعل .
والرباب (بكسر الراء) هم بنو عبد مناة بن أد : تيم وعدي وعوف وثور ، اجتمعوا فتحالفوا مع بني عمهم ضبة بن أد ، على بني عمهم تميم بن أد .
فجاؤوا برب (تمر مطبوخ) فغمسوا فيه أيديهم ، فسموا"الرباب" ، ثم خرجت ضبة عنهم ، واكتفت بعددها .
وقوله : "دان الرباب" أي أذلهم واستعبدهم وحملهم على الطاعة .
وقوله : "دراكا" ، متتابعا يدرك بعضه بعضا .
والصيال : السطرة .
صال على عدوه : وثب عليه وسطا .
يقول تابع غزوهم والسطو حتى دانو بالطاعة .
(6) انظر معنى"العدوان" فيما سلف 2 : 307 ، وهذا الجزء 3 : 376 ، 564 .
(7) لم أجد البيت ، وشعر عمرو بن شأس على كثرته وجودته ، قد ضاع أكثره .
(8) انظر ما سلف 1 : 301-306 .
قوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين فيه مسألتان :الأولى : وقاتلوهم أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع ، على من رآها ناسخة ، ومن رآها غير ناسخة قال : المعنى قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم : فإن قاتلوكم والأول أظهر ، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار .
دليل ذلك قوله تعالى : " ويكون الدين لله " ، وقال عليه السلام : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر ; لأنه قال : حتى لا تكون فتنة أي كفر ، فجعل الغاية عدم الكفر ، وهذا ظاهر .
قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم : الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين ، وأصل الفتنة : الاختبار والامتحان مأخوذ من فتنت الفضة إذا أدخلتها في النار لتميز رديئها من جيدها .
وسيأتي بيان محاملها إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : فإن انتهوا أي عن الكفر ، إما بالإسلام كما تقدم في الآية قبل ، أو بأداء الجزية في حق أهل الكتاب ، على ما يأتي بيانه في " براءة " وإلا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم ، وسمي ما يصنع بالظالمين عدوانا من حيث هو جزاء عدوان ، إذ الظلم [ ص: 330 ] يتضمن العدوان ، فسمي جزاء العدوان عدوانا ، كقوله : وجزاء سيئة سيئة مثلها .
والظالمون هم على أحد التأويلين : من بدأ بقتال ، وعلى التأويل الآخر : من بقي على كفر وفتنة .
ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله, وأنه ليس المقصود به, سفك دماء الكفار, وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن { يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ } تعالى, فيظهر دين الله [تعالى], على سائر الأديان, ويدفع كل ما يعارضه, من الشرك وغيره, وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود, فلا قتل ولا قتال، { فَإِنِ انْتَهَوْا } عن قتالكم عند المسجد الحرام { فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ } أي: فليس عليهم منكم اعتداء, إلا من ظلم منهم, فإنه يستحق المعاقبة, بقدر ظلمه.
( وقاتلوهم ) يعني المشركين ( حتى لا تكون فتنة ) أي شرك يعني قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثني إلا الإسلام فإن أبى قتل ( قال نافع : جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزبير فقال ما يمنعك أن تخرج ؟
قال يمنعني أن الله تعالى قد حرم دم أخي ، قال ألا تسمع ما ذكره الله عز وجل " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " ( 9 - الحجرات ) قال يا ابن أخي لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل أحب إلي من أن أعير بالآية التي يقول الله عز وجل فيها " ومن يقتل مؤمنا متعمدا " ( 93 - النساء ) قال ألم يقل الله ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) قال قد فعلنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان الإسلام قليلا وكان الرجل يفتن في دينه إما يقتلونه أو يعذبونه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة وكان الدين كله لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله وعن سعيد بن جبير قال قال رجل لابن عمر : كيف ترى في قتال الفتنة فقال هل تدري ما الفتنة كان محمد صلى الله عليه وسلم يقاتل المشركين وكان الدخول عليهم فتنة وليس بقتالكم على الملك ( فإن انتهوا ) عن الكفر وأسلموا ( فلا عدوان ) فلا سبيل ( إلا على الظالمين ) قاله ابن عباس .
يدل عليه قوله تعالى " أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي " ( 28 - القصص ) وقال أهل المعاني العدوان الظلم أي فإن أسلموا فلا نهب ولا أسر ولا قتل ( إلا على الظالمين ) الذين بقوا على الشرك وما يفعل بأهل الشرك من هذه الأشياء لا يكون ظلما وسماه عدوانا على طريق المجازاة ، والمقابلة كما قال ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) وكقوله تعالى " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ( 40 - الشورى ، وسمي الكافر ظالما لأنه يضع العبادة في غير موضعها
«وقاتلوهم حتى لا تكون» توجد «فتنة» شرك «ويكون الدين» العبادة «لله» وحده لا يعبد سواه «فإن انتهوا» عن الشرك فلا تعتدوا عليهم دل على هذا «فلا عدوان» اعتداء بقتل أو غيره «إلا على الظالمين» ومن انتهى فليس بظالم فلا عدوان عليه.
واستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين، حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله، ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره.
فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم؛ فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم.
وقوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدين للَّهِ ) معطوف على جملة ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ ) والضمير " هم " يعود على الذين يقاتلون المسلمين وهم من سبق الحديث عنهم .والمراد من ( والفتنة ) الشرك وما يتبعه من أذى المشركين للمسلمين واضطهادهم وتعذيبهم .قال الآلوسي : ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإِسلام أو السيف .لقوله - سبحانه - : ( تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ) وفي الصحيحين عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإِسلام وحسابهم على الله " .والدين في اللغة : العادة والطاعة ثم استعمل فيما يتعبد به الله - تعالى - سواء أكان ما تعبد الصلاح في الحال والفلاح في المآل .والمعنى : قالتوا أولئك المشركين حتى تزيلوا الشرك ، وحتى تكسروا شوكتهم ولا يستطيعوا أن يفتنوا طائفة من أهل الدين الحق ، وحتى يكون الدين الظاهر في الأرض هو الدين الذي شرعه الله - تعالى - على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .وقد تحقق ذلك بالقتال الذي دار المسلمين والمشركين في أكثر من عشرين غزوة قادها النبي صلى الله عليه وسلم وفي أكثر من أربعين سرية بعث فيها أصحابه ، وكانت ثمار هذه المعارك أن انتصر الحق وزهق الباطل ، وقبل أن يلتحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى كان الدين الظاهر في جزية العرب هو الدين الإِسلام الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( فَإِنِ انتهوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) والعدوان في أصل اللغة : الاعتداء والظلم الذي هو من الأفعال المحرمة والمراد به في الآية القتل حيث يرتكب جزاء للظالمين .والفاء في قوله : ( فَإِنِ انتهوا ) للتعقيب .
وقوله : ( فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) قائم مقام جواب الشرط ، لأنه علة الجواب المحذوف .والمعنى : فإن امتنعوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه ، وأذعنوا لتعاليم الإِسلام ، فكفوا عن قتالهم ، لأنهم قد انتفى عنهم وصف الظلم ، وما دام قد انتفى عنهم هذا الوصف فلا يصح أن تقاتلوهم ، إذ القتال إنما يكون للظالمين تأديباً لهم ليرجعوا عن ظلمهم .ففي الجملة الكريمة إيجاز بالحذف ، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه .قال الإِمام الرازي : أما قوله - تعالى - : ( فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظالمين ) ففيه وجهان :الأول : فإن انتهوا فلا عدوان أي : فلا قتل إلا على الذين لا ينتهون عن الكفر ، فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم قال - تعالى - ( إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) فإن قيل : لم يسمى ذلك القتل عدوانا مع أنه في نفسه صواب؟
قلنا : لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه ، كقوله - تعالى - : ( وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ) الثاني : إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين ، فتسلط عليكم من يعتدى عليكم .
فيه مسائل: المسألة الأولى: قال القوم: هذه الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ ﴾ والصحيح أنه ليس كذلك لأن البداية بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته أقصى ما في الباب أن هذه الصفة عامة ولكن مذهب الشافعي رضي الله عنه وهو الصحيح أن العام سواء كان مقدماً على المخصص أو متأخراً عنه فإنه يصير مخصوصاً به والله أعلم.
المسألة الثانية: في المراد بالفتنة هاهنا وجوه أحدهما: أنها الشرك والفكر، قالوا: كانت فتنتهم أنهم كانوا يضربون ويؤذون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بمكة حتى ذهبوا إلى الحبشة ثم واظبوا على ذلك الإيذاء حتى ذهبوا إلى المدينة وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ويرجعوا كفاراً، فأنزل الله تعالى هذه الآية، والمعنى: قاتلوهم حتى تظهروا عليهم فلا يفتنوكم عن دينكم فلا تقعوا في الشرك.
وثانيها: قال أبو مسلم: معنى الفتنة هاهنا الجرم قال: لأن الله تعالى أمر بقتالهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدؤا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.
فإن قيل: كيف يقال: ﴿ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ مع علمنا بأن قتالهم لا يزيل الكفر وليس يلزم من هذا أن خبر الله لا يكون حقاً.
قلنا الجواب من وجهين: الأول: أن هذا محمول على الأغلب لأن الأغلب عند قتالهم زوال الكفر والشرك، لأن من قتل فقد زال كفره، ومن لا يقتل يخاف منه الثبات على الكفر فإذا كان هذا هو الأغلب جاز أن يقال ذلك.
الجواب الثاني: أن المراد قاتلوهم قصداً منكم إلى زوال الكفر، لأن الواجب على المقاتل للكفار أن يكون مراده هذا، ولذلك متى ظن أن من يقاتله يقلع عن الكفر بغير القتال وجب عليه العدول عنه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدين للَّهِ ﴾ فهذا يدل على حمل الفتنة على الشرك، لأنه ليس بين الشرك وبين أن يكون الدين كله لله واسطة والمراد منه أن يكون تعالى هو المعبود المطاع دون سائر ما يعبد ويطاع غيره، فصار التقدير كأنه تعالى قال: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويثبت الإسلام، وحتى يزول ما يؤدي إلى العقاب ويحصل ما يؤدي إلى الثواب، ونظيره قوله تعالى: ﴿ تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ وفي ذلك بيان أنه تعالى إنما أمر بالقتال لهذا المقصود.
أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ فالمراد: فإن انتهوا عن الأمر الذي لأجله وجب قتالهم، وهو إما كفرهم أو قتالهم، فعند ذلك لا يجوز قتالهم، وهو كقوله تعالى: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ ففيه وجهان الأول: فإن انتهوا فلا عدوان، أي فلا قتل إلاعلى الذين لا ينتهون على الكفر فإنهم بإصرارهم على كفرهم ظالمون لأنفسهم على ما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ .
فإن قيل: لم سمي ذلك القتل عدواناً مع أنه في نفسه حق وصواب؟.
قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان فصح إطلاق اسم العدوان عليه كقوله تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُم ﴾ ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ ﴿ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ الله مِنْهُمْ ﴾ والثاني: إن تعرضتم لهم بعد انتهائهم عن الشرك والقتال كنتم أنتم ظالمين فنسلط عليكم من يعتدي عليكم.
<div class="verse-tafsir"
المقاتلة في سبيل الله: هو الجهاد لإعلاء كلمة الله وإعزاز الدين ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين.
وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً ﴾ [التوبة: 36] .
وعن الربيع بن أنس رضي الله عنه: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة فكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء.
أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادّون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم، فهم في حكم المقاتلة، قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وقيل: لما صدّ المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وعلى آله وسلم عام الحديبية وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة ثلاثة أيام فرجع لعمرة القضاء، خاف المسلمون أن لايفي لهم قريش ويصدّوهم ويقاتلوهم في الحرم وفي الشهر الحرام وكرهوا ذلك نزلت وأطلق لهم قتال الذين يقاتلونهم منهم في الحرم والشهر الحرام، ورفع عنهم الجناح في ذلك ﴿ وَلاَ تَعْتَدُواْ ﴾ بابتداء القتال أو بقتال من نهيتم عن قتاله من النساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة ﴿ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ حيث وجدتموهم في حلّ أو حرم.
والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة.
ومنه: رجل ثقف، سريع الأَخذ لأقرانه.
قال: فَإمَّا تَثْقَفُونِي فَاقْتُلُونِي ** فَمَنْ أَثْقَفْ فَلَيْسَ إلَى خُلُود ﴿ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.
﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشدّ عليه من القتل.
وقيل لبعض الحكماء: ما أشد من الموت؟
قال: الذي يتمنى فيه الموت، جعل الإخراج من الوطن من الفتن والمحن التي يتمنى عندها الموت.
ومنه قول القائل: لَقَتْلٌ بِحَدِّ السَّيْفِ أَهْوَنُ مَوْقِعا ** عَلَى النَّفْسِ مِنْ قَتْلٍ بِحَدِّ فِرَاقِ وقيل: (الفتنة) عذاب الآخرة ﴿ وَذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ ﴾ [الذاريات: 13] وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون به المسلمين، فقيل: والشرك الذي هم عليه أشدّ وأعظم مما يستعظمونه.
ويجوز أن يراد: وفتنتهم إياكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشدّ من قتلكم إياهم في الحرم، أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم فلا تبالوا بقتالهم.
وقرئ: (ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم): جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.
يقال: قتلتنا بنو فلان.
وقال: فإن تقتلونا نقتلكم ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك والقتال، كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ [الأنفال: 38] ﴿ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي شرك ﴿ وَيَكُونَ الدين للَّهِ ﴾ خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك ﴿ فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ فلا تعدوا على المنتهين لأنّ مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى الظالمين ﴾ موضع على المنتهين.
أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين، سمي جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة، كقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ أو أريد أنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيسلط عليكم من يعدو عليكم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ القِتالِ والكُفْرِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ شِرْكٌ ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ خالِصًا لَهُ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ.
﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ الشِّرْكِ.
﴿ فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ ﴾ أيْ فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُظْلَمَ إلّا مِن ظَلَمَ، فَوَضَعَ العِلَّةَ مَوْضِعَ الحُكْمِ.
وسُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ بِاسْمِهِ لِلْمُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ .
أوْ أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُنْتَهِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ ويَنْعَكِسُ الأمْرُ عَلَيْكُمْ، والفاءُ الأُولى لِلتَّعْقِيبِ والثّانِيَةُ لِلْجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} شرك وكان تامة وحتى بمعنى كي أو إلى أن {وَيَكُونَ الدين للَّهِ} خالصاً ليس للشيطان فيه نصيب أي لا يعبدونه شيء {فَإِنِ انتهوا فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين} فإن امتنعوا عن الكفر فلا تقاتلوهم فإنه لا عدوان إلا على الظالمين ولم يبقوا ظالمين أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المتهين سمى جزاء الظالمين ظلماً للمشاكلة كقوله فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتم القتال وذلك في ذي القعدة
﴿ وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ( قاتَلُوا الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ) والأوَّلُ مَسُوقٌ لِوُجُوبِ أصْلِ القِتالِ، وهَذا لِبَيانِ غايَتِهِ، والمُرادُ مِنَ ( الفِتْنَةِ ) الشِّرْكُ عَلى ما هو المَأْثُورُ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لَيْسَ في حَقِّهِمْ إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ ﴾ ، ﴿ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ أيْ: خالِصًا لَهُ كَما يُشْعِرُ بِهِ اللّامُ، ولَمْ يَجِئْ هُنا كَلِمَةُ كُلِّهِ، كَما في آيَةِ الأنْفالِ؛ لِأنَّ ما هُنا في مُشْرِكِي العَرَبِ، وما هُناكَ في الكُفّارِ عُمُومًا، فَناسَبَ العُمُومُ هُناكَ وتَرْكُهُ هُنا، ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَفْهُومِ الغايَةِ، فالمُتَعَلِّقُ الشِّرْكُ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ 193﴾ عِلَّةً لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أُقِيمَتْ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ ( فَإنَّ انتهوا ) وأسْلَمُوا فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ( العُدْوانَ عَلى الظّالِمِينَ ) والمُنْتَهُونَ لَيْسُوا بِظالِمِينَ، والمُرادُ نَفْيُ الحُسْنِ والجَوازِ لا نَفْيَ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ ( العُدْوانَ ) واقِعٌ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ، والمُرادُ مِنَ ( العُدْوانِ ) العُقُوبَةُ بِالقَتْلِ، وسُمِّيَ القَتْلُ عُدْوانًا مِن حَيْثُ كانَ عُقُوبَةً (لِلْعُدْوانِ) وهو الظُّلْمُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ ﴿ وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها ﴾ وحَسُنَ ذَلِكَ لِازْدِواجِ الكَلامِ والمُزاوَجَةُ هُنا مَعْنَوِيَّةٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ سُمِّيَ جَزاءُ الظُّلْمِ ظُلْمًا؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ عَدْلًا مِنَ المُجازِي، لَكِنَّهُ ظُلْمٌ في حَقِّ الظّالِمِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ ظُلْمٌ بِالسَّبَبِ لِإلْحاقِ هَذا الجَزاءِ بِهِ، وقِيلَ: لا حَذْفَ، والمَذْكُورُ هو الجَزاءُ عَلى مَعْنى فَلا تَعْتَدُوا عَلى المُنْتَهِينَ إمّا بِجَعْلِ ﴿ فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ ﴾ بِمَعْنى: ( فَلا عُدْوانَ عَلى غَيْرِ الظّالِمِينَ ) المُكَنّى بِهِ عَنِ المُنْتَهِينَ، أوْ جَعْلِ اخْتِصاصِ العُدْوانِ بِالظّالِمِينَ، كِنايَةً عَنْ عَدَمِ جَوازِ العُدْوانِ عَلى غَيْرِهِمْ، وهُمُ المُنْتَهُونَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَصِيرُ الحُكْمُ الثُّبُوتِيُّ المُسْتَفادُ مِنَ القَصْرِ زائِدًا، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي يَصِيرُ المُكَنّى عَنْهُ مِنَ المُكَنّى بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَذْكُورُ هو الجَزاءُ ومَعْنى ( الظّالِمِينَ ) المُتَجاوِزِينَ عَنْ حَدِّ حُكْمِ القِتالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنِ الشِّرْكِ ﴿ فَلا عُدْوانَ إلا عَلى ﴾ المُتَجاوِزِينَ عَمّا حَدَّهُ اللَّهُ - تَعالى - لِلْقِتالِ، وهُمُ المُتَعَرِّضُونَ لِلْمُنْتَهِينَ، ويُؤَوَّلُ المَعْنى إلى أنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُتَّقِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ، وتَنْعَكِسُ الحالُ عَلَيْكُمْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ قِتالِ المُنْتَهِينَ ما لا يَخْفى، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ هَذا المَعْنى يَسْتَدْعِي حَذْفَ الجَزاءِ، وجَعْلَ المَذْكُورِ عِلَّةً لَهُ عَلى مَعْنى ( فَإنَّ انتهوا ) فَلا تَتَعَرَّضُوهُمْ؛ لِئَلّا تَكُونُوا ظالِمِينَ، فَيُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْكم مَن يَعْدُوا عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ (العُدْوانَ) لا يَكُونُ ﴿ إلا عَلى الظّالِمِينَ ﴾ أوْ فَإنَّ انتهوا يُسَلِّطُ عَلَيْكم مَن يَعْدُوا عَلَيْكم عَلى تَقْدِيرِ تَعَرُّضِكم لَهم لِصَيْرُورَتِكم ظالِمِينَ بِذَلِكَ، وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا، وذلك أن رسول الله خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة، فنزل بالحديبية بقرب مكة، والحديبية: اسم بئر فسمي ذلك الموضع باسم تلك البئر، فصده المشركون عن البيت، فأقام بالحديبية شهراً، فصالحه المشركون على أن يرجع من عامه كما جاء، على أن تخلى له مكة في العام المقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على أن لا يكون بينهم قتال إلى عشر سنين، فرجع إلى المدينة وخرج في العام الثاني للقضاء، فخاف أصحاب رسول الله أن يقاتلهم المشركون وكرهوا القتال في الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في طاعة الله الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، يعني في الحرم أو في الشهر الحرام، وَلا تَعْتَدُوا بأن تنقضوا العهد وتبدؤوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم.
إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، يعني من يبدأ بالظلم.
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ، أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم، والشهر الحرام.
فأمرهم الله تعالى بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله: وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ من مكة وَالْفِتْنَةُ، أي الشرك بالله أَشَدُّ، أي أعظم عند الله مِنَ الْقَتْلِ في الشهر الحرام.
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي في الحرم، حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي يبدؤوكم بالقتال.
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ، أي بدءوكم بالقتال فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ، أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره.
قرأ حمزة والكسائي: وَلا تُقاتِلُوهُمْ بغير ألف حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ، فَإِنْ قاتَلُوكُمْ وقرأ الباقون في هذه المواضع الثلاثة: بالألف.
فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي إذا أسلموا.
وهذا كقوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ [الأنفال: 38] .
وَقاتِلُوهُمْ، يعني أهل مكة حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ، يعني الشرك بالله، وَيَكُونَ الدِّينُ كله لِلَّهِ، يعني الإسلام.
فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم وتركوا الشرك فَلا عُدْوانَ، يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل، إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الذين بدءوكم بالقتال.
وقال القتبي: أصل العدوان الظلم، يعني لا جزاء للظلم إلا على الظالمين.
فسار رسول الله وأصحابه حتى دخلوا مكة، وطافوا بالبيت، ونحروا الهدي، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ، يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم.
ويقال: إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ، يعني قتالكم يكون لِقتالهم قصاصاً، فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون أيضاً ذلك.
ويقال: إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا: في أي شهر يحرم عليكم القتال؟
وأرادوا أن يقفوا على ذلك، حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين، فنزل قوله: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ، أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم.
ثم قال تعالى: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ، أي قاتلكم في الشهر الحرام فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ، أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء، لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه.
وهذا كقوله عز وجل: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: 126] ثم صارت هذه الآية حكماً في جميع الجنايات.
إن من جنى على إنسان أو في ماله، فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ.
ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ عن الاعتداء قبل أن يعتدوا عليكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ، يعني يعين من اتقى الاعتداء.
<div class="verse-tafsir"
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: الفتنة: هنا الشِّرْك، وما تابعه من أذى المؤمنين.
قاله ابن عبّاس وغيره «١» .
والدِّينُ هنا: الطاعةُ، والشَّرْعُ، والانتهاءُ في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفار أنْ يكون الدُّخُولَ في الإِسلام ويصحُّ أن يكون أداء الجزية.
وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ...
الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: نزلَتْ في عمرة القَضِيَّةِ، وعامِ الحديبيَةِ سنَةَ ستٍّ، حين صدَّهم المشركون، أي: الشهرُ الحرام الذي غلّبكم الله فيه، وأدخلكم الحرام عليهم سنَةَ سَبْعٍ- بالشهر الحرامِ الذي صدُّوكم فيه، والحرمات قصاصٌ «٢» .
وقالتْ فرقةٌ: قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: مقطوعٌ مما قبله «٣» ، وهو ابتداء أمر كان في أول الإِسلام أنَّ من انتهك حرمَتَكَ، نِلْتَ منه مثْلَ ما اعتدى عليك.
وَاتَّقُوا اللَّهَ: قيل: معناه في أَلاَّ تعتدوا، وقيل: في ألاَّ تزيدُوا على المثل.
وقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ...
الآية:
سبيلُ اللَّهِ هنا: الجهادُ، واللفظ يتناوَلُ بَعْدُ جميعَ سُبُلِهِ، وفي الصحيح أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ «٤» كان على القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فحمل رجُلٌ على عَسْكَر العدُوِّ، فقال قومٌ: ألقى هذا بيده إِلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إِنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الأنصار، حين أرادوا، لمَّا ظهر الإِسلام أن يتركوا الجهادَ، ويَعْمُروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال الله تعالى
فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ «١» [البقرة: ٢٠٧] .
وقال ابن عبَّاس، وحذيفةُ بْنُ اليَمَانِ، وجمهورُ الناس: المعنى: لا تُلْقُوا بأيديكم بأنْ تتركُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّه، وتخافوا العَيْلَةَ «٢» .
وَأَحْسِنُوا: قيل: معناه: في أعمالكم بامتثال الطَّاعات روي ذلك عن بعض الصحابة «٣» ، وقيل: المعنى: وأحسنوا في الإِنفاق في سبيل اللَّهِ، وفي الصَّدَقَات، قاله زَيْدُ بْنُ أَسْلَم «٤» ، وقال عِكْرِمَة: المعنى: وأحْسِنُوا الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ «٥» .
ت: ولا شَكَّ أن لفظ الآية عامٌّ يتناول جميعَ ما ذكر، والمخصَّص يفتقر إِلى دليل.
فأما حُسْن الظن باللَّه سبحانه، فقد جاءَتْ فيه أحاديثُ صحيحةٌ، فمنها: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» «٦» ، وفي «صحيح مسلم» ، عن جابر، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة ٤٩ أأيّام يَقُولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» «٧» انتهى/.
وأخرج أبو بكر بن الخطيب، بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٨» .
انتهى.
قال عبد الحَقِّ في «العاقبة» : أَمَّا حسْنُ الظنِّ باللَّهِ عزَّ وجلَّ عند الموت، فواجبٌ للحديث.
انتهى.
ويدخل في عموم الآية أنواعُ المعروف قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» «١» ، قَالَ أبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ «٢» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنْ تُفَرِّغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تلقى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ» «٣» ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام: «أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ» «٤» ، وقال عليه الصلاة والسّلام: «إنّ لله
عِبَاداً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» .
انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المجالس وأنس المجالس» .
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ: الفِتْنَةُ هاهُنا: الشِّرْكُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: يُخْلِصُ لَهُ التَّوْحِيدَ.
والعُدْوانُ: الظُّلْمُ، وأُرِيدَ بِهِ هاهُنا: الجَزاءُ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ عُدْوانًا مُقابَلَةً لِلشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ والظّالِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
* فَصْلٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، مِنهم قَتادَةُ، أنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ ﴾ مَنسُوخٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ هَذا إذا قُلْنا: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنْ قِتالِكم مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى دِينِهِمْ، فَأمّا إذا قُلْنا: إنَّ مَعْناهُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنْ دِينِهِمْ؛ فالآَيَةُ مَحْكَمَةٌ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكم والفِتْنَةُ أشَدُّ مِن القَتْلِ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا فَإنِ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظالِمِينَ ﴾ ﴿ الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ والحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾ قالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في شَأْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ وواقِدٍ، وهي سَرِيَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَعْناهُ: أحْكَمْتُمْ غَلَبَهُمْ، ولَقِيتُمُوهم قادِرِينَ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: رَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ، إذا كانَ مُحْكَمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ، و"أخْرِجُوهُمْ"قالَ الطَبَرِيُّ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: بَلِ الخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ويُقالُ: "أخْرِجُوكُمْ" إذا أخْرَجُوا بَعْضَهُمُ الأجَلَّ قَدْرًا.
وهُمُ النَبِيُّ والمُهاجِرِينَ.
﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ أيِ: الفِتْنَةُ الَّتِي حَمَلُوكم عَلَيْها، ورامُوكم بِها عَلى الرُجُوعِ إلى الكُفْرِ، أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
قالَ مُجاهِدٌ: أيْ مِن أنْ يَقْتُلَ المُؤْمِنُ، فالقَتْلُ أخْفُّ عَلَيْهِ مِنَ الفِتْنَةِ.
قالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَعْنى: الفِتْنَةُ الَّتِي فَعَلُوا أشَدَّ في هَتْكِ حُرُماتِ الحَقِّ مِنَ القَتْلِ الَّذِي أُبِيحَ لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تُوقِعُوهُ بِهِمْ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: والفِتْنَةُ أيِ الكُفْرُ والضَلالُ، الَّذِي هم فِيهِ أشَدُّ في الحَرَمِ، وأعْظَمُ جُرْمًا مِنَ القَتْلِ الَّذِي عَيَّرُوكم بِهِ في شَأْنِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ الآيَةُ، قالَ الجُمْهُورُ: كانَ هَذا ثُمَّ نُسِخَ، وأُمِرَ بِالقِتالِ في كُلِّ مَوْضِعٍ.
قالَ الرَبِيعُ: نَسَخَهُ: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ .
وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ ﴾ .
وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، ولا يَجُوزُ قِتالُ أحَدٍ في المَسْجِدِ الحَرامِ إلّا بَعْدَ أنْ يُقاتِلَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ: ولا تَقْتُلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يَقْتُلُوكم فِيهِ فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم بِالقَتْلِ في الأرْبَعَةِ، ولا خِلافَ في الأخِيرَةِ أنَّها "فاقْتُلُوهُمْ"، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيُّ، والأعْمَشُ فَإنْ قَتَلُوا مِنكم فاقْتُلُوهم أيُّها الباقُونَ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا ﴾ أيْ: فَما وهَنَ الباقُونَ.
والِانْتِهاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: هو الدُخُولُ في الإسْلامِ، لِأنَّ غُفْرانَ اللهِ ورَحْمَتَهُ إنَّما تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أمَرَ بِالقِتالِ لِكُلِّ مُشْرِكٍ في كُلِّ مَوْضِعٍ، عَلى قَوْلِ مَن رَآها ناسِخَةً، ومَن رَآها غَيْرَ ناسِخَةٍ قالَ: المَعْنى: قاتِلُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿ فَإنْ قاتَلُوكُمْ ﴾ ، والأوَّلُ أظْهَرُ، وهو أمْرٌ بِقِتالٍ مُطْلَقٍ، لا بِشَرْطِ أنْ يَبْدَأ الكُفّارُ، دَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ وَيَكُونَ الدِينُ لِلَّهِ ﴾ ، والفِتْنَةُ هُنا: الشِرْكُ وما تابَعَهُ مِن أذى المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والسُدِّيُّ، و"الدِينُ" هُنا الطاعَةُ والشَرْعُ.
وقالَ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: هو دانِ الرَبابِ إذْ كَرِهُوا الدِيـ ـنَ دِراكًا بِغَزْوَةٍ وصِيالِ والِانْتِهاءُ في هَذا المَوْضِعِ يَصِحُّ مَعَ عُمُومِ الآيَةِ في الكُفّارِ أنْ يَكُونَ الدُخُولُ في الإسْلامِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ أداءَ الجِزْيَةِ.
وسَمّى ما يُصْنَعُ بِالظالِمِينَ عُدْوانًا مِن حَيْثُ هو جَزاءُ عُدْوانٍ، إذِ الظُلْمُ يَتَضَمَّنُ العُدْوانَ، والعُقُوبَةُ تُسَمّى باسِمِ الذَنْبِ في غَيْرِ ما مَوْضِعٍ والظالِمُونَ: هم -عَلى أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ- مَن بَدَأ بِقِتالٍ، وعَلى التَأْوِيلِ الآخَرِ مَن بَقِيَ عَلى كُفْرٍ وفِتْنَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقْسِمٌ والسُدِّيُّ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، وغَيْرُهُمْ: نَزَلَتْ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ وَعامِ الحُدَيْبِيَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتّى بَلَغَ الحُدَيْبِيَةَ سَنَةَ سِتٍّ، فَصَدَّهُ كُفّارُ قُرَيْشٍ عَنِ البَيْتِ، فانْصَرَفَ، ووَعَدَهُ اللهُ أنَّهُ سَيُدْخِلُهُ عَلَيْهِمْ فَدَخَلَهُ سَنَةَ سَبْعٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيِ: الشَهْرُ الحَرامُ الَّذِي غَلَّبَكُمُ اللهُ فِيهِ وأدْخَلَكُمُ الحَرَمَ عَلَيْهِمْ، بِالشَهْرِ الحَرامِ الَّذِي صَدُّوكم فِيهِ.
ومَعْنى ( الحُرُماتُ قِصاصٌ ) عَلى هَذا التَأْوِيلِ أيْ: حُرْمَةُ الشَهْرِ، وحُرْمَةُ البَلَدِ، وحُرْمَةُ المُحْرِمِينَ حِينَ صَدَدْتُمْ بِحُرْمَةِ البَلَدِ والشَهْرِ والقِطّانِ حِينَ دَخَلْتُمْ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: نَزَلَتِ الآيَةُ في «أنَّ الكُفّارَ سَألُوا النَبِيَّ : هَلْ يُقاتَلُ في الشَهْرِ الحَرامِ؟
فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يُقاتَلُ فِيهِ، فَهَمُّوا بِالهُجُومِ عَلَيْهِ فِيهِ، وقُتِلَ مَن مَعَهُ حِينَ طَمِعُوا أنَّهُ لا يُدافِعُ فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ الشَهْرُ الحَرامُ بِالشَهْرِ الحَرامُ والحُرُماتُ قِصاصٌ ﴾ » أيْ هو عَلَيْكم في الِامْتِناعِ مِنَ القِتالِ أوِ الِاسْتِباحَةِ بِالشَهْرِ الحَرامِ عَلَيْهِمْ في الوَجْهَيْنِ، فَأيَّةً سَلَكُوا فاسْلُكُوا.
و"الحُرُماتُ" عَلى هَذا جَمْعُ حُرْمَةٍ عُمُومًا: النَفْسُ، والمالُ، والعِرْضُ، وغَيْرُ ذَلِكَ.
فَأباحَ اللهُ بِالآيَةِ مُدافَعَتَهم.
والقَوْلُ الأوَّلُ أكْثَرُ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ: ﴿ والحُرُماتُ قِصاصٌ ﴾ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، وهو ابْتِداءُ أمْرِ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ أنَّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَكَ نِلْتَ مِنهُ مِثْلَ ما اعْتَدى عَلَيْكَ بِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالقِتالِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: ما تَناوَلَ مِنَ الآيَةِ التَعَدِّي بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ والجِناياتِ ونَحْوِها لَمْ يُنْسَخْ، وجائِزٌ لِمَن تَعَدّى عَلَيْهِ في مالٍ أو جُرْحٍ أنْ يَتَعَدّى بِمِثْلِ ما تُعُدِّيَ عَلَيْهِ بِهِ إذا خَفِيَ ذَلِكَ لَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ في ذَلِكَ شَيْءٌ، قالَهُ الشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ، وهي رِوايَةٌ في مَذْهَبِ مالِكٍ.
وقالَتْ طائِفَةٌ -مِنهم مالِكٌ -: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وأُمُورُ القَصاصِ وقْفٌ عَلى الحُكّامِ.
والأمْوالُ يَتَناوَلُها قَوْلُ النَبِيِّ : «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ».
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "والحُرْماتُ" بِسُكُونِ الراءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ ﴾ الآيَةُ.
اخْتُلِفَ في نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ حَسَبَ ما تَقَدَّمَ، وسُمِّيَ الجَزاءُ عَلى العُدْوانِ عُدْوانًا كَما قالَ: ﴿ اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ في ألّا تَعْتَدُوا، وقِيلَ: في ألّا تَزِيدُوا عَلى المِثْلِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وما هو في مَعْناها بِمَكَّةَ والإسْلامِ لَمْ يُعَزْ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ وعَزَّ دِينُهُ أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِرَفْعِ أُمُورِهِمْ إلى حُكّامِهِمْ، وأُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ عُمْرَةِ القَضاءِ، وهي مِنَ التَدْرِيجِ في الأمْرِ بِالقِتالِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على جملة ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] وكان مقتضى الظاهر ألا تعطف هذه الجملة؛ لأنها مبينة لما أجمل من غاية الأمر بقتال المشركين ولكنها عطفت لما وقع من الفصل بينها وبين الجملة المبيَّنة.
وقد تضمنت الجمل السابقة من قوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ [البقرة: 191] إلى هنا تفصيلاً لجملة ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ﴾ ؛ لأن عموم ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ تنشأ عنه احتمالات في الأحوال والأزمنة والبقاع وقد انقضى بيان أحوال البقاع وأفضت التوبة الآن إلى بيان تحديد الأحوال بغاية ألا تكون فتنة.
فإذا انتهت الفتنة فتلك غاية القتال، أي إن خاسوا بالعهد وخفروا الذمة في المدة التي بينكم على ترك القتال فقد أصبحتم في حل من عهدهم فلكم أن تقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أخرى من بعد يفتنونكم بها وحتى يدخلوا في الإسلام، فهذا كله معلق بالشرط المتقدم في قوله: ﴿ فإن قاتلوكم فاقتلوهم ﴾ [البقرة: 191]، فإعادة فعل ﴿ وقاتلوهم ﴾ لتبنى عليه الغاية بقوله: ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ وبتلك الغاية حصلت المغايرة بينه وبين ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ وهي التي باعتبارها ساغ عطفه على مثله.
ف (حتى) في قوله: ﴿ حتى لا تكون ﴾ إما أن تجعل للغاية مرادفة إلى، وإما أن تجعل بمعنى كي التعليلية وهما متلازمان؛ لأن القتال لما غيي بذلك تعين أن الغاية هي المقصد، ومتى كانت الغاية غير حسية نشأ عن (حتى) معنى التعليل، فإن العلة غاية اعتبارية كقوله تعالى: ﴿ ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم ﴾ [البقرة: 217].
وأيَّا ما كان فالمضارع منصوب بعد (حتى) بأن مضمرة للدلالة على ترتب الغاية.
والفتنة تقدمت قريباً.
والمراد بها هنا كالمراد بها هنالك، ولما وقعت هنا في سياق النفي عمت جميع الفتن فلذلك ساوت المذكورة هنا المذكورة في قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ [البقرة: 191] فإعادة الفتنة منكرة هنا لا يدل على المغايرة كما هو الشائع بين المعربين في أن المعرفة إذا أعيدت نكرة فهي غير الأولى؛ لأن وقوعها في سياق النفي أفاد العموم فشمل جميع أفراد الفتنة مساوياً للفتنة المعرفة بلام الاستغراق إلاّ أنه استغراق عرفي بقرينة السياق فتقيد بثلاثة قيود بالقرينة أي حتى لا تكون فتنة منهم للمسلمين في أمر الدين وإلاّ فقد وقعت فتن بين المسلمين أنفسهم كما في حديث: «ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلاّ دخلته».
وانتفاء الفتنة يتحقق بأحد أمرين: إما بأن يدخل المشركون في الإسلام فتنزل فتنتهم فيه، وإما بأن يقتلوا جميعاً فتزول الفتنة بفناء الفاتنين.
وقد يُفرض انتفاء الفتنة بظهور المسلمين عليهم ومصير المشركين ضعفاء أمام قوة المسلمين، بحيث يخشون بأسهم، إلاّ أن الفتنة لما كانت ناشئة عن التصلب في دينهم وشركهم لم تكن بالتي تضمحل عند ضعفهم، لأن الإقدام على إرضاء العقيدة يصدر حتى من الضعيف كما صدر من اليهود غير مرة في المدينة في مثل قصة الشاة المسمومة، وقتلهم عبد الله بن سهل الحارثي في خيبر، ولذلك فليس المقصود هنا إلاّ أحد أمرين: إما دخولهم في الإسلام وإما إفناؤهم بالقتل، وقد حصل كلا الأمرين في المشركين ففريق أسلموا، وفريق قتلوا يوم بدر وغيره من الغزوات، ومن ثم قال علماؤنا: لا تقبل من مشركين العرب الجزية، ومن ثم فسر بعض المفسرين الفتنة هنا بالشرك تفسيراً باعتبار المقصود من المعنى لا باعتبار مدلول اللفظ.
وقوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ عطف على ﴿ لا تكون فتنة ﴾ فهو معمول لأن المضمرة بعد (حتى) أي وحتى يكون الدين لله، أي حتى لا يكون دين هنالك إلاّ لله أي وحده.
فالتعريف في الدين تعريف الجنس، لأن الدين من أسماء المواهي التي لا أفراد لها في الخارج فلا يحتمل تعريفه معنى الاستغراق.
واللام الداخلة على اسم الجلالة لام الاختصاص أي حتى يكون جنس الدين مختصاً بالله تعالى على نحو ما قرر في قوله: ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 2]، وذلك يئول إلى معنى الاستغراق ولكنه ليس عينه، إذ لا نظر في مثل هذا للأفراد، والمعنى: ويكون دين الذين تقاتلونهم خالصاً لله لاحظ للإشراك فيه.
والمقصود من هذا تخليص بلاد العرب من دين الشرك وعموم الإسلام لها؛ لأن الله اختارها لأن تكون قلب الإسلام ومنبع معينه فلا يكون القلب صالحاً إذا كان مخلوط العناصر.
وقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر أثراً جيداً قال: جاءَ رجلان إلى ابن عمر أيام فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا ما ترى وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم فما يمنعك أن تخرج؟
فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي، فقالا: ألم يقل الله تعالى: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكزن فتنة ويكون الدين لله ﴾ فقال ابن عمر: قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله، قال ابن عمر: كان الإسلام قليلاً فكان الرجل يفتن في دينه إما قتلوه وإما عذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة.
وسيأتي بيان آخر في نظير هذه الآية من سورة الآنفال.
وقوله: ﴿ فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ﴾ ، أي فإن انتهوا عن نقض الصلح أو فإن انتهوا عن الشرك بأن آمنوا فلا عدوان عليهم، وهذا تصريح بمفهوم قوله: ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ [البقرة: 190] واحتيج إليه لبعد الصفة بطول الكلام ولاقتضاء المقام التصريحَ بأهم الغايتين من القتال؛ لئلا يتوهم أن آخر الكلام نسخ أوله وأوجب قتال المشركين في كل حال.
وقوله: ﴿ فلا عدوان إلا على الظالمين ﴾ قائم مقام جواب الشرط لأنه علة الجواب المحذوف، والمعنى فإن انتهوا عن قتالكم ولم يقدموا عليه فلا تأخذوهم بالظنة ولا تبدءوهم بالقتال، لأنهم غير ظالمين؛ وإذ لا عدوان إلاّ على الظالمين، وهو مجاز بديع.
والعدوان هنا إما مصدر عدا بمعنى وثب وقاتل أي فلا هجوم عليهم، وإما مصدر عدا بمعنى ظلم كاعتدى فتكون تسميته عدواناً مشاكلة لقوله: ﴿ على الظالمين ﴾ كما سمي جزاء السيئة بالسوء سيئة.
وهذه المشاكلة تقديرية.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَهم مِنَ المُشْرِكِينَ، والكَفِّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِسُورَةِ بَراءَةٌ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ.
والثّانِي: أنَّها ثابِتَةٌ في الحُكْمِ، أُمِرَ فِيها بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً، والِاعْتِداءِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ: قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، ومُجاهِدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْتَدُوا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الِاعْتِداءَ قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ.
والثّانِي: أنَّهُ قَتْلُ النِّساءِ والوِلْدانِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ القِتالُ عَلى غَيْرِ الدِّينِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ يَعْنِي حَيْثُ ظَفِرْتُمْ بِهِمْ، ﴿ وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ ﴾ يَعْنِي مِن مَكَّةَ.
﴿ والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ ﴾ يَعْنِي بِالفِتْنَةِ الكُفْرَ في قَوْلِ الجَمِيعِ، وإنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً، لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كالفِتْنَةِ.
﴿ وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَهى عَنْ قِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُحْكَمَةٌ وأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ نَبْدَأ بِقِتالِ أهْلِ الحَرَمِ إلّا أنْ يَبْدَؤُوا بِالقِتالِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ يقول: شرك بالله ﴿ ويكون الدين ﴾ ويخلص التوحيد لله.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ قال: الشرك ﴿ فإن انتهوا فلا عدوان إلى على الظالمين ﴾ قال: لا تقاتلوا إلا من قاتلكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ عن قتادة ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه، فكان هذا كذا حتى نسخ، فأنزل الله: ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ أي شرك ﴿ ويكون الدين لله ﴾ قال: حتى يقال: لا إله إلا الله، عليها قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإليها دعا.
وذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله أمرني أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ﴿ فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ﴾ قال: وإن الظالم الذي أبى أن يقول: لا إله إلا الله، يقاتل حتى يقول: لا إله إلا الله» .
وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ ويكون الدين لله ﴾ يقول: حتى لا يعبد إلا الله.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة ﴿ فلا عدوان إلا على الظالمين ﴾ قال: هم من أبى أن يقول لا إله إلا الله.
وأخرج البخاري وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أنه أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا: إن الناس صنعوا، وأنت ابن عمر وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فما يمنعك أن تخرج؟
قال: يمنعني إن الله حرم دم أخي.
قالا: ألم يقل الله ﴿ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ﴾ قال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي: شرك (١) (٢) ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ ﴾ ، أي: الطاعة والعبادة ﴿ لله ﴾ وحده، ولا يُعبد دونه شيء (٣) ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ أي: عن الكفر (٤) ﴿ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ أي: الكافرين الواضعين العبادة في غير موضعها (٥) ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾ وذلك أنه في صورة العدوان من حيث إنه قَتلٌ ونهبٌ واسترقاقٌ (٦) (١) ينظر: "تأويل مشكل القرآن" 374، "تفسير الطبري" 2/ 194، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 327 حيث ذكر الآثار في ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والربيع وابن زيد.
وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 411.
(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 411، وقد ذكر عن المفضل بن سلمة الحكمةَ في أخذ الجزية == من أهل "الكتاب" دون غيرهم، قال القرطبي في "تفسيره" 2/ 353: وقاتلوهم، أمر بالقتال لكل مشرك في كل موضع، على من رآها ناسخة، ومن رآها غير ناسخة قال: المعنى: قاتلوا هؤلاء الذين قال الله فيهم: فإن قاتلوكم، والأول أظهر، وهو أمر بقتال مطلق لا بشرط أن يبدأ الكفار، وقد بين في "زاد المسير" 1/ 200 بأن القول بالنسخ إنما يستقيم إذا قلنا إن معنى الكلام: فإن انتهوا عن قتالكم مع إقامتهم على دينهم، وأما إذا قلنا: إن معناه: فإن انتهوا عن دينهم، فالآية محكمة.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 195، "تفسير الثعلبي" 2/ 412.
(٤) في "تفسير الثعلبي" 2/ 413: فإن انتهوا عن القتال والكفر.
(٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 413، "تفسير البغوي" 1/ 214، أو من بدأ بقتال على التأويل الثاني.
ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 354.
(٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 195، 196، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 265، "تفسير الثعلبي" 2/ 413، "تفسير القرطبي" 2/ 332.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ كان القتال غير مباح في أوّل الإسلام، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ﴾ [التوبة: 36] ﴿ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ فهذه الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وأنّ المعنى: قالوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذي لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة، لأن قريشاً أخرجوا منها المسلمين ﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد ﴿ عِنْدَ المسجد الحرام ﴾ منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم ﴿ فَإِنِ انتهوا ﴾ عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم ﴿ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي لا يبقى دين كفر ﴿ الشهر الحرام ﴾ الآية: نزلت لما صدّ الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها ﴿ والحرمات قِصَاصٌ ﴾ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها ﴿ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن دخول مكة ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ قال أبو أيوب الأنصاري: املعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الدهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل: لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير؛ لا تلقوا أنفسكم بأيديكم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ﴾ حمزة وعلي وخلف.
الباقون: من باب المفاعلة.
وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن.
الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ من القتل ﴾ ج للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ فيه ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فاقتلوهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الدين لله ﴾ ط لتبدل الحكم ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ قصاص ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ﴿ ما اعتدى عليكم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ التهلكة ﴾ ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق ﴿ وأحسنوا ﴾ ج لاحتمال تقدير الفاء واللام ﴿ المحسنين ﴾ ه.
التفسير: لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله.
عن أبي موسى أن النبي سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة" ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين.
قيل: وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة ﴾ ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل.
وكذا ما روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.
أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا.
وقيل في سبب نزول الآية إنه خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة.
وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم.
وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم.
فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا ﴾ بابتداء القتال.
وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق.
أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام.
وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ .
﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ المتجاوزين عما شرع الله لهم.
في الصحاح: ثقفته أي صادفته.
وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال: فـإمـا تثقفـونـي فـاقتلـونـي *** فمـن أثقـف فليـس إلـى خلـود أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.
واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراماً لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع ﴿ من حيث أخرجوكم ﴾ أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.
أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله المشركين من المدينة بل قال: " لا يجمع دينان في جزيرة العرب" والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهراً أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج ﴿ والفتنة ﴾ عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة.
وأيضاً الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل.
روي أن صحابياً قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت.
أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك.
وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسماً لكل محنة.
والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هرباً من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها.
لقتل بحد السيف أهون موقعاً *** على النفس من قتل بحد فراق وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: ﴿ يوم هم على النار يفتنون ﴾ وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم.
وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقاً.
فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم.
يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟
فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.
﴿ فإن انتهوا ﴾ قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس.
وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن.
قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعاً ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران.
وقد يستدل بقوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب.
مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى.
وأيضاً الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى.
ويمكن أن يجاب بأن حق الله مبني على المساهلة فظهر الفرق.
وأيضاً الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم.
قوله : ﴿ وقاتلوهم ﴾ وقيل: إنه ناسخ لقوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته.
غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ قيل: أي شرك وكفر.
وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب.
فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفاً من الثبات على كفره.
والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضاً من قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال : ﴿ ليظهره على الدين كله ﴾ ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه.
وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم.
وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.
ولا يخفى أن قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال ﴿ فلا عدوان إلاّ على الظالمين ﴾ أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله ﴿ إلاّ على الظالمين ﴾ قائماً مقام على المنتهين.
لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين.
أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين.
وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلماً للمشاكلة كما يجيء في قوله : ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم.
قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت.
فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه.
فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعاً لشروركم وإصلاحاً لفسادكم؟
والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة.
والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا.
ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ﴾ حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم.
قوله عز من قائل ﴿ وأنفقوا ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزاً عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعداداً للرجال وتجهيزاً للأبطال ويروى أنه لما نزل ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا.
فأمر أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول .
والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح.
فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر.
وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك.
الأقرب في هذه الآية.
وقد تقدم ذكر القتال.
أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه عبر عنه بقوله ﴿ في سبيل الله ﴾ ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق.
فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه.
والباء في ﴿ بأيديكم ﴾ مزيدة مثلها في "أعطى بيده للمنقاد" والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم.
وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ ﴿ بما قدمت يداك ﴾ أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة.
وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال "أهلك فلان نفسه بيده" إذا تسبب لهلاكها.
عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد.
لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم "التضرة" "والتسرة" ونحوها في الأعيان "التنضبة" لشجر و "التتفلة" لولد الثعلب.
ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار.
وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه.
وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه.
وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق.
وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة.
وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهياً عن التقتير والإسراف وعنهما جميعاً ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ﴾ أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلاً وفقراً.
نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين.
وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.
" روى الشافعي أن رسول الله ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتلتُ صابراً محتسباً؟
قال: لك الجنة" .
فانغمس في جماعة العدو فقتلوه.
وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه حين ذكر النبي الجنة.
ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول.
وروي أن رجلاً من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه.
فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك.
فذكروا للنبي فقال فيه قولاً حسناً.
وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة!
فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار.
لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه.
فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها.
فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.
وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال.
وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله هذه الآية.
وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله ﴿ وأحسنوا ﴾ في الإنفاق بأن يكون مقروناً بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير.
التأويل: ﴿ وقاتلوا ﴾ من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقة من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم ﴿ ولا تعتدوا ﴾ لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، ﴿ واقتلوا ﴾ كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها.
﴿ وأخرجوهم ﴾ من صفات النفس ﴿ كما أخرجوكم ﴾ من جمعية القلب وحضوره ﴿ والفتنة ﴾ أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله ﴿ أشد من ﴾ قتل النفس بمخالفة هواها ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى؛ فإن نازعوكم في الجمعية والحضور ﴿ فاقتلوهم ﴾ بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله ﴿ فإن انتهوا ﴾ بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها.
﴿ الشهر الحرام ﴾ أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم ﴿ فمن اعتدى ﴾ فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، ﴿ واتقوا الله ﴾ في الإفراط والتفريط ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .
يحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ، أي: سألوك عن الأهلة.
ويحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ \[أنهم يسألونك\] من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له.
ثم معنى السؤال عن الأهلة - والله أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائماً على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عز وجل - أنه جعل الهلال معرفاً للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام.
فجعل - عز وجل - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلباً للتخفيف والتيسير عليهم.
ثم قال: ﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ ، جعل الأهلة كلها وقتاً للحج.
ولهذا قال أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها.
وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ﴾ ، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ ﴾ ، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه سمى الإحرام على الانفراد حجّاً، وسمى الطواف بالبيت حجّاً، والوقوف حجّاً، وقال: "الحج عرفة" وسمى الذبح حجّاً، حيث قال: "أفضل الحج العج والثج" .
وإنما سمى كلاًّ منها حجّاً؛ لما جعل لها أوقاتاً معلومة يؤدى فيها.
وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتاً له بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ﴾ .
لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان البيوت من ظهورها.
﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .
ثم اختلف في القصة هذا الكلام: قال بعضهم: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه.
وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح - يتطيرون به - ويتفاءلون قضاءها ثانياً.
فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ فما تصنعون ، ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، واتبع أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي ﴿ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ .
ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، وكقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ﴾ ، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام الله ولا يعبئون به.
وكذلك كلام رسول الله : لا يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ في ترك اتباع محمد والائتمار بأمره، أي: ليس فعلى البر مخالفة محمد [فيما يأمر]، ولكن البر فب الاتباع له والائتمار بأمره.
وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والبيوت بيوت رسول الله .
أمروا بإتيان رسول الله من عند علي، رضي الله عنه، على ما جاء أنه قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".
فمن أراد الدخول في البيت، لا بد من أن يأتي الباب فيدخل من الباب.
لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب أيضاً والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضاً، فعليٌّ وغيره من الصحابة من نحو أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى أنه قال: "أنا مدينة الحكمة"، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في علي، رضي الله عنه، خاصة، لا يصح.
وبالله العصمة.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
أي: اتقوا الله ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه.
وقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ ﴾ .
﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه.
قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال.
وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ ﴾ .
ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولاً ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل الله أنه أذن لهم إخباراً.
فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، والنهي عن الاعتداء هاهنا: قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليداً ولا شيخاً.
وقيل: نهاهم أن يقتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .
أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى.
وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ .
قيل: لفظ ﴿ حَيْثُ ﴾ يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقاً.
وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام.
والله أعلم.
ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية.
ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعاً.
وقال أصحابنا - رحمهم الله : يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم.
وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل.
وإذا قتل في الحرم يقتل.
فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فعند ذلك يحل القتل.
وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به، وإن كان ظاهر قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ ، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن.
وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيراً، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.
فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة - وهو الشرك - إذ هو أكبر وأعظم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ ﴾ من مكة كما ﴿ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ عام الحديبية.
ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم.
ويحتمل: الإخراج على ما جاء: "ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا" ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ﴾ ، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ ﴾ ، المنع عن الشرك إخراجاً.
وقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .
أي: الشرك أعظم جرماً عند الله من القتل فيه.
وقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ .
كما ذكرنا أن هذا وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، كله يخرج على المجازاة لهم.
وفيه لغة أخرى: "ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه".
فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟
قيل: يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ ، أي: إذا قتلوا واحداً منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلونهم حتى يبدءوا هم بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر.
ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم الله برحمته.
ويحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن بدء القتال، وأسلموا، فإن الله يرحمهم ويغفر ذنوبهم.
وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .
أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا.
فإن قيل: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟
قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإذا أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبداً؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة.
ويحتمل: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك.
وقال قوم: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ ﴾ هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار.
وقوله: ﴿ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .
أي: ليكون ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ دين الله في الأرض لا الشرك.
و ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ : الحكم.
وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
فإن قيل: فإذا صار الدين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟
قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد.
ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم.
فإن قيل: فلم سمي عدواناً، والعدوان هو ما لا يحل؟
قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدواناً، فسمي باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، وكما سمى جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء؛ فكذلك الأول.
وقوله: ﴿ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ .
قيل: خرج النبي في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثاً، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ، هذه الثانية صارت قصاصاً بالأول.
وقيل: إن [في] الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضاً، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ ﴾ ، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا.
وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .
يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ مخالفة الله.
أو: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ عذاب الله.
وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .
يعني: مع المؤمنين جملة.
ويحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، فـ ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ في النصر والمعونة لهم.
وقوله: ﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: [أمر بالإنفاق ترتيباً] على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكلٌّ منفق على نفسه بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق.
وقيل: في قوله : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، هو أن يذنب ذنباً ثم ييأس عن العفو عنه.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ فإنه يخلف لكم ما أنفقتم.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم.
وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم.
وقوله: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ .
قيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق.
وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بالله في الإنفاق.
وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بربكم في الخروج إلى الغزو.
ويحتمل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ أي أسلموا.
وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يعني: المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
وقاتلوا الكفار حتَّى لا يكون منهم شرك ولا صَدٌّ للناس عن سبيل الله ولا كفر، ويكون الدين الظاهر دين الله، فإن انتهوا عن كفرهم وصدهم عن سبيل الله فاتركوا قتالهم، فإنه لا عدوان إلا على الظالمين بالكفر والصد عن سبيل الله.
<div class="verse-tafsir" id="91.pRBpA"
وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيًا وعدوانًا.
فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عباداتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة، وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتال فيها محرمًا في الجاهلية.
وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صُدَّ عن البيت ثم صالحه المشركون فرضى على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء، فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام، فأنزل الله تعالى ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾ يقول أيها المؤمنون الذين تخافون أن يمنعكم مشركو مكة عن زيارة بيت الله والاعتمار فيه نكثًا منهم للعهد وفتنة لكم في الدين، وتكرهون أن تدافعوا عن أنفسكم بقتالهم في الإحرام والشهر الحرام، إنني أذنت لكم في القتال على أنه دفاع في سبيل الله للتمكن من عبادته في بيته، وتربية لمن يفتنكم عن دينكم وينكث عهدكم، لا لحظوظ النفس وأهوائها، والضراوة بحب التسافك، فقاتلوا في هذه السبيل الشريفة من يقاتلكم ﴿ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾ بالقتال فتبدأوهم -ولا في القتال فتقتلوا من لا يقاتل كالنساء والصبيان والشيوخ والمرضى أو من ألقى إليكم السلم وكف عن حربكم- ولا بغير ذلك من أنواع الاعتداء كالتخريب وقطع الأشجار، وقد قالوا إن الفعل المنفي يفيد العموم.
علل الإذن بأن مدافعة في سبيل الله وسيأتي تفصيله في الآية التالية، وعلل النهي بقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ أي أن الاعتداء من السيئات المكروهة عند الله تعالى لذاتها فكيف إذا كان في حال الإحرام، وفي أرض الحرم والشهر الحرام؟
ثم قال: ﴿ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي إذا نشب القتال فاقتلوهم أينما أدركتموهم وصادفتموهم، ولا يصدنكم عنهم أنكم في أرض الحرام إلا ما يستثنى في الآية بشرطه ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من المكان الذي أخرجوكم منه وهو مكة فقد كان المشركون أخرجوا النبي وأصحابه المهاجرين منها بما كانوا يفتنونهم في دينهم، ثم صدوهم عن دخولها لأجل العبادة، فرضي النبي والمؤمنون على شرط أن يسمحوا لهم في العام القابل بدخولها لأجل النسك والإقامة فيها ثلاثة أيام كما تقدم، فلم يكن من المشركين إلا أن نقضوا العهد أليس من رحمة الله تعالى بعباده أن يقوي هؤلاء المؤمنين ويأذن لهم بأن يعودوا إلى وطنهم ناسكين مسالمين، وأن يقاوموا من يصدهم عنه من أولئك المشركين الخائنين؟
وهل يصح أن يقال فيهم إنهم أقاموا دينهم بالسيف والقوة دون الإرشاد والدعوة؟
كلا لا يقول هذا إلا غر جاهل، أو عدو متجاهل.
ثم زاد التعليل بيانًا فقال ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ أي أن فتنتهم إياكم في الحرم عن دينكم بالإيذاء والتعذيب، والإخراج من الوطن، والمصادرة في المال، أشد قبحًا من القتل، إذ لا بلاء على الإنسان أشد من إيذائه واضطهاده وتعذيبه على اعتقاده الذي تمكن من عقله ونفسه، ورآه سعادة له في عاقبة أمره.
والفتنة في الأصل مصدر فتن الصائغ الذهب والفضة إذا أذابهما بالنار ليستخرج الزَّغل منهما، ويسمى الحجر الذي يختبرهما به أيضًا فتانة (كجبانة) ثم استعملت الفتنة في كل اختبار شاق، وأشده الفتنة في الدين وعن الدين ومنه قوله تعالى ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وغير ذلك من الآيات.
وما تقرر في هذه الآيات على هذا الوجه مطابق لقوله تعالى في سورة الحج ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ﴾ الآيات.
وهي أول ما نزل من القرآن في شرع القتال معللًا بسببه مقيدًا بشروطه العادلة.
وفسر بعضهم الفتنة هنا وفي الآية الآتية بالشرك وجرى عليه "الجلال" وهو مردود لأنه يخرج الآيات عن سياقها، وذكره البيضاوي هنا بصيغة التضعيف (قيل).
ومردود قولهم أيضًا إن هذه الآية ناسخة لما قبلها، وذلك أنه كبر على هؤلاء القائلين بالنسخ أن يكون الإذن بالقتال مشروطًا باعتداء المشركين، ولأجل أمن المؤمنين في الدين فأرادوا أن يجعلوه مطلوبًا لذاته.
ونحن نرى أن هذه الآيات نزلت مرة واحدة في نسق واحد وقصة واحدة فلا معنى لكون بعضها ناسخًا للآخر، وأما ما يؤخذ من العمومات فيها بحكم أن القرآن شرع ثابت عام فذلك شيء آخر.
ثم استثنى من الأمر بقتل هؤلاء المحاربين في كل مكان أدركوا فيه المسجد الحرام فقال ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ أي أن من دخل منهم المسجد الحرام يكون آمنًا إلا أن يقاتل هو فيه وينتهك حرمته فلا أمان له حينئذٍ.
ولما كان القتل في المسجد الحرام أمرًا عظيمًا يتحرج منه أكد الإذن فيه بشرطه ولم يكتف بما فهم من الغاية فقال ﴿ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ﴾ ولا تستسلموا لهم، فالبادئ هو الظالم، والمدافع غير آثم ﴿ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ أي إن من سنة اله تعالى أن يجازي الكافرين مثل هذا الجزاء فيعذبهم في مقابلة تعرضهم للعذاب بتعدي حدوده فيكونوا هم الظالمين لأنفسهم.
وقرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم فاقتلوهم.
من قتل الثلاثي ويخرج على أن قتل بعض الأمة كقتل جميعها لتكافلها.
والمراد حتى لا يقتلوا أحدًا منكم فإن قتلوا أحدًا فاقتلوهم وهو أسلوب عربي بليغ.
ثم قال: ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ عن القتال فكفوا عنهم، أو عن الكفر فإن الله يقبل منهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يمحو عن العبد ما سلف إذا هو تاب عما اقترف، ويرحمه فيما بقى إذا هو أحسن وأتقى، ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ .
﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ عطف على ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾ في الآية الأولى فتلك بينت بداية القتال، وهذه بينت غايته وهي ألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنوكم بها ويؤذونكم لأجل الدين ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ وفي آية سورة الأنفال ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ أي يكون دين كل شخص خالصًا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذي فيه، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حر في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته، قال ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْا ﴾ أي في هذه المرة عما كانوا عليه ﴿ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ أي فلا عدوان عليهم لأن العدوان إنما يكون على الظالمين تأديبًا لهم ليرجعوا عن ظلمهم، ففي الكلام إيجاز بالحذف واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه، ويجوز أن يكون المعنى فإن انتهوا عما كانوا عليه من القتال والفتنة فلا عدوان بعد ذلك إلا على من كان منهم ظالمًا بارتكابه ما يوجب القصاص.
أي فلا يُحَاربَون عامة وإنما يؤخذ المجرم بجريمته، ثم زاد تعليل الإذن بالقتال بيانًا ببنائه على قاعدة عادلة معقوله فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"