الآية ١٩٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٩٥ من سورة البقرة

وَأَنفِقُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا۟ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوٓا۟ ۛ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ١٩٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 160 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٩٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٩٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال البخاري : حدثنا إسحاق ، أخبرنا النضر ، أخبرنا شعبة عن سليمان قال : سمعت أبا وائل ، عن حذيفة : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) قال : نزلت في النفقة .

ورواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن أبي معاوية عن الأعمش ، به مثله .

قال : وروي عن ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، والسدي ، ومقاتل بن حيان ، نحو ذلك .

وقال الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران قال : حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ، ومعنا أبو أيوب الأنصاري ، فقال ناس : ألقى بيده إلى التهلكة .

فقال أبو أيوب : نحن أعلم بهذه الآية ، إنما نزلت فينا ، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهدنا معه المشاهد ونصرناه ، فلما فشا الإسلام وظهر ، اجتمعنا معشر الأنصار نجيا ، فقلنا : قد أكرمنا الله بصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصره ، حتى فشا الإسلام وكثر أهله ، وكنا قد آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد ، وقد وضعت الحرب أوزارها ، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما .

فنزل فينا : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فكانت التهلكة [ في ] الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد .

رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وعبد بن حميد في تفسيره ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير وابن مردويه ، والحافظ أبو يعلى في مسنده ، وابن حبان في صحيحه ، والحاكم في مستدركه ، كلهم من حديث يزيد بن أبي حبيب ، به .

وقال الترمذي : حسن صحيح غريب .

وقال الحاكم : على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

ولفظ أبي داود عن أسلم أبي عمران : كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ; وعلى أهل الشام رجل ، يريد فضالة بن عبيد فخرج من المدينة صف عظيم من الروم ، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم : ثم خرج إلينا فصاح الناس إليه فقالوا : سبحان الله ، ألقى بيده إلى التهلكة .

فقال أبو أيوب : يا أيها الناس ، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل ، وإنما نزلت فينا معشر الأنصار ، وإنا لما أعز الله دينه ، وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا : لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها .

فأنزل الله هذه الآية .

وقال أبو بكر بن عياش ، عن أبي إسحاق السبيعي قال : قال رجل للبراء بن عازب : إن حملت على العدو وحدي فقتلوني أكنت ألقيت بيدي إلى التهلكة ؟

قال : لا .

قال الله لرسوله : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ) [ النساء : 84 ] ، إنما هذا في النفقة .

رواه ابن مردويه وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، به .

وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

ورواه الثوري ، وقيس بن الربيع ، عن أبي إسحاق ، عن البراء فذكره .

وقال بعد قوله : ( لا تكلف إلا نفسك ) ولكن التهلكة أن يذنب الرجل الذنب ، فيلقي بيده إلى التهلكة ولا يتوب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث حدثني الليث ، حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام : أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أخبره : أنهم حاصروا دمشق ، فانطلق رجل من أزد شنوءة ، فأسرع إلى العدو وحده ليستقبل ، فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص ، فأرسل إليه عمرو فرده ، وقال عمرو : قال الله : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وقال عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ليس ذلك في القتال ، إنما هو في النفقة أن تمسك بيدك عن النفقة في سبيل الله .

ولا تلق بيدك إلى التهلكة .

وقال حماد بن سلمة ، عن داود ، عن الشعبي ، عن الضحاك بن أبي جبيرة قال : كانت الأنصار يتصدقون وينفقون من أموالهم ، فأصابتهم سنة ، فأمسكوا عن النفقة في سبيل الله فنزلت : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وقال الحسن البصري : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) قال : هو البخل .

وقال سماك بن حرب ، عن النعمان بن بشير في قوله : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) أن يذنب الرجل الذنب ، فيقول : لا يغفر لي ، فأنزل الله : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) رواه ابن مردويه .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عبيدة السلماني ، والحسن ، وابن سيرين ، وأبي قلابة نحو ذلك .

يعني : نحو قول النعمان بن بشير : إنها في الرجل يذنب الذنب فيعتقد أنه لا يغفر له ، فيلقي بيده إلى التهلكة ، أي : يستكثر من الذنوب فيهلك .

ولهذا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : التهلكة : عذاب الله .

وقال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعا : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني أبو صخر ، عن القرظي : أنه كان يقول في هذه الآية : ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) قال : كان القوم في سبيل الله ، فيتزود الرجل .

فكان أفضل زادا من الآخر ، أنفق البائس من زاده ، حتى لا يبقى من زاده شيء ، أحب أن يواسي صاحبه ، فأنزل الله : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) .

وقال ابن وهب أيضا : أخبرني عبد الله بن عياش عن زيد بن أسلم في قول الله : ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) وذلك أن رجالا كانوا يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بغير نفقة ، فإما يقطع بهم ، وإما كانوا عيالا فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ، ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة ، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع أو العطش أو من المشي .

وقال لمن بيده فضل : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) ومضمون الآية : الأمر بالإنفاق في سبيل الله في سائر وجوه القربات ووجوه الطاعات ، وخاصة صرف الأموال في قتال الأعداء ، وبذلها فيما يقوى به المسلمون على عدوهم ، والإخبار عن ترك فعل ذلك بأنه هلاك ودمار إن لزمه واعتاده .

ثم عطف بالأمر بالإحسان ، وهو أعلى مقامات الطاعة ، فقال : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل هذه الآية، ومن عَنى بقوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

فقال بعضهم: عنى بذلك: " وأنفقوا في سبيل الله " - و " سبيل الله " (16) طريقه الذي أمر أن يُسلك فيه إلى عدوِّه من المشركين لجهادهم وَحرْبهم =" ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " - يقول: ولا تتركوا النفقة في سبيل الله، فإن الله يُعوِّضكم منها أجرًا ويرزقكم عاجلا (17) .

* ذكر من قال ذلك: 3144 - حدثني أبو السائب سلم بن جُنادة والحسن بن عرفة قالا حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن سفيان، عن حذيفة: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: يعني في ترك النفقة.

3145- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة = وحدثنا ابن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة = وحدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الأعمش = وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن عاصم = جميعا، عن شقيق، عن حذيفة، قال: هو ترك النفقة في سبيل الله.

&; 3-584 &; 3146- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن منصور، عن أبي صالح، عن عبد الله بن عباس أنه قال في هذه الآية: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: تنفق في سبيل الله، وإن لم يكن لك إلا مِشْقَصٌ - أو: سَهمٌ - شعبة الذي يشك في ذلك (18) .

3147- حدثنا ابن المثنى، قال، حدثنا ابن أبي عديّ، عن شعبة، عن منصور، عن أبي صالح الذي كان يحدث عنه الكلبي، عن ابن عباس قال: إن لم يكن لَكَ إلا سَهم أو مشقصٌ أنفقته.

3148- حدثني ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن أبي صالح، عن ابن عباس: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: في النفقة.

3149- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن عمرو بن أبي قيس، عن عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، قال: ليس التهلكة أن يُقتل الرجل في سبيل الله، ولكن الإمساك عن النفقة في سبيل الله.

3150 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن عكرمة، قال: نـزلت في النفقات في سبيل الله، يعني قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

3151- حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال، حدثنا ابن وهب، قال، أخبرني أبو صخر، عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول في هذه الآية: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التَّهلكة " قال: كان القوم في سبيل الله، فيتزوَّد الرجل، فكان أفضل زادًا من الآخر.

أنفقَ البائس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء، أحبَّ أن &; 3-585 &; يواسيَ صاحبه، فأنـزل الله: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

3152- حدثني محمد بن خلف العسقلاني قال، حدثنا آدم قال، حدثنا شيبان، عن منصور بن المعتمر، عن أبي صالح مولى أم هانئ، عن ابن عباس في قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: لا يقولنَّ أحدكم إنّي لا أجد شيئًا، إن لم يجد إلا مشقصا فليتجهَّز به في سبيل الله.

3153 - حدثنا ابن عبد الأعلى الصنعاني قال، حدثنا المعتمر، قال: سمعت داود - يعني: ابنَ أبي هند - عن عامر: أن الأنصارَ كان احتبس عليهم بعضُ الرزق، وكانوا قد أنفقوا نَفقاتٍ، قال: فَساءَ ظنُّهم (19) وأمسكوا.

قال: فأنـزل الله: " وأنفقوا في سَبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: وكانت التهلكة سوء ظنهم وإمساكهم.

3154 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: تمنعكم نَفقةً في حقٍّ خيفةُ العَيْلة (20) .

3155 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: وكان قتادة يحدِّث أن الحسن حَدَّثه - : أنهم كانوا يُسافرون ويَغزُون ولا ينفقون من أموالهم = أو قال: ولا ينفقون في ذلك = فأمرهم الله أن يُنفقوا في مَغازيهم في سبيل الله.

&; 3-586 &; 3156 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال، أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يقول: لا تمسكوا بأيديكم عن النفقة في سبيل الله.

3157 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وأنفقوا في سبيل الله " = أنفق في سبيل الله ولو عقالا =" ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " - تقول: ليس عندي شيء (21) .

3158 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو غسان قال، حدثنا زهير قال، حدثنا خصيف، عن عكرمة في قوله: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: لما أمر الله بالنفقة، فكانوا - أو بَعضُهم - يقولون: ننفق فيذهبُ مالنا ولا يبقى لما شيء!

قال: فقال: أنفقوا ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، قال: أنفقوا وأنا أرزقكم.

3159 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم، عن يونس، عن الحسن، قال: نـزلت في النفقة.

3160 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، أخبرنا ابن همام الأهوازي، قال، أخبرنا يونس، عن الحسن في" التهلكة " قال: أمرهم الله بالنفقة في سبيل الله، وأخبرهم أن تَرك النفقة في سبيل الله التهلكة.

3161 - حدثنا القاسم، قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن قوله: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: يقول: أنفقوا في سبيل الله ما قل وكثر - قال: وقال لي عبد الله بن كثير: نـزلت في النفقة في سبيل الله.

3162- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن أبي &; 3-587 &; صالح، عن ابن عباس، قال: لا يقولنّ الرجل لا أجد شيئا!

قد هَلكتُ!

فليتجهَّز ولو بمشقَص.

3163- حدثني محمد بن سعد، قال، حدثني أبي قال، حدثنى عمي، قال، حدثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " يقول: أنفقوا مَا كان من قليل أو كثير.

ولا تستسلموا ولا تنفقوا شيئا فتهلكوا.

3164- حدثني المثنى، قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: " التهلكة ": أن يمسك الرجل نفسه وماله عن النفقة في الجهاد في سبيل الله.

3165- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس، عن الحسن في قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، فتدعوا النفقة في سبيل الله.

* * * وقال آخرون ممن وجَّهوا تأويل ذَلك إلى أنه معنيَّة به النفقة: معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، فتخرجوا في سبيل الله بغير نفقة ولا قوة.

* ذكر من قال ذلك: 3166- حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد في قوله: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: إذا لم يكن عندك ما تنفق، فلا تخرج بنفسك بغير نفقة ولا قوة: فتلقي بيدَيك إلى التهلكة.

* * * وقال آخرون: بل معناه: أنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم - فيما أصبتم من الآثام - إلى التهلكة، فتيأسوا من رحمة الله، ولكن ارجوا رَحمته واعملوا الخيرات.

&; 3-588 &; * ذكر من قال ذلك: 3167 - حدثني محمد بن عبيد المحاربي قال، حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب في قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: هو الرجل يُصيبُ الذنوبَ فيُلقي بيده إلى التهلكة، يقول: لا توبة لي.

3168- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر بن عياش قال، حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: سأله رجل: أحْمل على المشركين وَحدي فيقتلوني، أكنت ألقيتُ بيدي إلى التهلكة؟

فقال: لا إنما التهلكة في النفقة.

بعثَ الله رسوله، فقال: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ [سورة النساء: 84].

3169- حدثنا الحسن بن عرفة وابن وكيع، قالا حدثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب في قول الله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: هو الرجل يُذنب الذنبَ فيقول: لا يغفر الله لهُ.

3170- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء = وسأله رجل فقال: يا أبا عُمارة، أرأيتَ قول الله: " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، أهو الرجل يتقدم فيقاتل حَتى يُقتل؟

= قال: لا ولكنه الرجل يعمل بالمعاصي، ثم يلقي بيده ولا يتوب.

3171- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين، عن أبي إسحاق، قال: سمعت البراء، وسأله رَجل فقال: الرجلُ يحمل على كتيبةٍ وحده فيقاتل، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟

فقال: لا ولكن التهلكة أن يُذنب الذنبَ فيلقي بيده، فيقول: لا تقبل لي توبة.

3172- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام، عن الجراح، عن أبي إسحاق، قال: قلت للبراء بن عازب: يا أبا عمارة، الرجل يَلقى ألفًا من العدو فيحمل عليهم، وإنما هو وحده، أيكون ممن قال: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ؟

&; 3-589 &; فقال: لا ليقاتل حتى يُقتل!

قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ .

3173 - حدثنا مجاهد بن موسى، قال، أخبرنا يزيد، قال، أخبرنا هشام = وحدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن هشام = عن محمد قال: وسألت عبيدة عن قول الله: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " الآية.

فقال عبيدة: كان الرجل يذنب الذنبَ - قال: حسبْته قال: العظيم - فيلقي بيده فيستهلك = زاد يعقوب في حديثه: فنُهوا عن ذلك، فقيل: " أنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

3174- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم، قال، أخبرنا هشام، عن ابن سيرين، قال: سألت عبيدة السلماني عن ذلك، فقال: هو الرجل يذنب الذنبَ فيستسلم، ويلقي بيده إلى التهلكة، ويقول: لا توبة له!

يعني قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

3175- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، قال، أخبرنا أيوب، عن محمد، عن عبيدة في قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: كان الرجل يصيب الذنب فيلقي بيده.

3176- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن ابن عون، عن ابن سيرين، عن عبيدة: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: القُنوط.

3177- حدثنا المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون، قال: أخبرنا هشيم، عن يونس وهشام، عن ابن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: هو الرجل يذنب الذنب فيستسلم، يقول: لا توبة لي!

فيلقي بيده.

3178- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال، أخبرنا معمر، قال، حدثني أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة أنه قال: هي في الرجل يصيبُ الذنبَ العظيم فيلقي بيده، ويَرى أنه قد هلك.

* * * &; 3-590 &; وقال آخرون: بل معنى ذلك: وأنفقوا في سبيل الله، ولا تتركوا الجهاد في سبيله.

* ذكر من قال ذلك: 3179 - حدثني يونس، قال، أخبرنا ابن وهب، قال، أخبرني حَيْوَة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أسلم أبي عمران، قال: غَزونا المدينة، يريد بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عُقبة بن عامر، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.

قال: فصففنا صفَّين لم أر صَفين قط أعرضَ ولا أطولَ منهما، والروم مُلصقون ظهورهم بحائط المدينة، قال: فحمل رجل منا على العدو، فقال الناس: مَهْ!

لا إله إلا الله، يلقي بيده إلى التهلكة!

قال أبو أيوب الأنصاري: إنما تتأوّلونَ هذه الآية هكذا، أنْ حَمل رجلٌ يُقاتل يلتمس الشهادة، أو يُبلي من نفسه!

إنما نـزلت هذه الآية فينا مَعشرَ الأنصار!

إنا لما نَصرَ الله نبيه وأظهرَ الإسلام، قُلنا بَيننا معشرَ الأنصار خَفيًّا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها!

فأنـزل الله الخبرَ من السماء: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " الآية، فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نُقيم في أموالنا ونُصلحها، وندعُ الجهاد.

قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يُجاهدُ في سبيل الله حتى دُفن بالقسطنطينية (22) .

3180- حدثني محمد بن عمارة الأسدي، وعبد الله بن أبي زياد قالا حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، قال، أخبرني حيوة وابن لهيعة، قالا حدثنا يزيد بن أبي حبيب، قال، حدثني أسلم أبو عمران مولى تُجِيب، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله صلى الله &; 3-591 &; عليه وسلم، وعلى أهل الشام فَضالة بن عبيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج من المدينة صفٌّ عظيم من الروم، قال: وصففنا صفًّا عظيمًا من المسلمين، فحمل رجل من المسلمين على صَفّ الروم حتى دخلَ فيهم، ثم خرج إلينا مقبلا فصاح الناس وقالوا: سبحان الله!

ألقى بيده إلى التهلكة!

فقام أبو أيوب الأنصاري صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية على هذا التأويل!

وإنما أنـزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار!

إنا لما أعزّذ الله دينه وكثَّر ناصريه، قلنا فيما بيننا بعضُنا لبعض سرًّا من رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها، فأصلحنا ما ضَاع منها!

فأنـزل الله في كتابه يرُدُّ علينا ما هممنا به، فقال: " وأنفقوا في سبيل الله ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، بالإقامة التي أردنا أن نقيم في الأموال ونصلحها، فأمرنا بالغزو.

فما زال أبو أيوب غازيًا في سبيل الله حتى قبضَه الله (23) .

* * * &; 3-592 &; قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندي أنْ يُقال: إنّ الله جل ثناؤه أمرَ بالإنفاق في سبيله بقوله: " وأنفقوا في سبيل الله " - وسبيلُه: طريقه الذي شَرَعه لعباده وأوضحه لهم.

ومعنى ذلك: وأنفقوا في إعزاز ديني الذي شرعتُه لكم، بجهاد عدوّكم الناصبين لكم الحربَ على الكفر بي، ونَهاهم أن يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، فقال: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة ".

* * * وذلك مثلٌ، والعرب تقول للمستسلم للأمر: " أعطَى فلان بيديه "، وكذلك &; 3-593 &; يقال للممكن من نفسه مما أريد به: " أعطى بيديه ".

* * * فمعنى قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة "، ولا تستسلموا للهلكة، فتُعطوها أزمَّتكم فتهلكوا.

والتارك النفقةَ في سبيل الله عند وجوب ذلك عليه، مستسلم للهلكة بتركه أداءَ فرضِ الله عليه في ماله.

وذلك أن الله جل ثناؤه جَعل أحد سِهام الصدقات المفروضات الثمانية " في سبيله "، فقال: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إلى قوله: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [سورة التوبة: 60] فمن ترك إنفاق ما لزمه من ذلك في سبيل الله على ما لزمه، كان للهلكة مستسلما، وبيديه للتهلكة ملقيا.

وكذلك الآئسُ من رحمة الله لذنب سلف منه، مُلق بيديه إلى التهلكة، لأن الله قد نهى عن ذلك فقال: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [سورة يوسف: 87].

وكذلك التارك غزوَ المشركين وجهادَهم، في حال وجوب ذلك عليه، في حال حاجة المسلمين إليه، مُضيعٌ فرضا، مُلقٍ بيده إلى التهلكة.

فإذ كانت هذه المعاني كلها يحتملها قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ولم يكن الله عز وجلّ خصَّ منها شيئًا دون شيء، فالصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة - وهي العذاب - بترك ما لزمنا من فرائضه، فغيرُ جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا، مما نستوجب بدخولنا فيه عَذابَه.

غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإن الأغلب من تأويل الآية: وأنفقوا أيها المؤمنون في سبيل الله، ولا تتركوا النفقة فيها، فتهلكوا باستحقاقكم - بترككم ذلك -عذابي.

كما: 3181 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية، عن &; 3-594 &; علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم إلى التهلكة " قال: التهلكة عذابُ الله.

* * * قال أبو جعفر: فيكون ذلك إعلاما منه لهم - بعد أمره إياهم بالنفقة - ما لمن ترك النفقة المفروضة عليه في سبيله، منَ العقوبة في المعاد.

* * * فإنْ قال قائل: فما وجه إدخال الباء في قوله: " ولا تلقوا بأيديكم "، وقد علمت أن المعروف من كلام العرب: " ألقيت إلى فلان درهما "، دون " ألقيتُ إلى فلان بدرهم "؟

قيل: قد قيل إنها زيدت نحو زيادة القائل " الباء " في قوله: " جذبتُ بالثوب، وجذبت الثوب "" وتعلَّقتُ به وتَعلَّقته "، و تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [سورة المؤمنون: 20] وإنما هو: تُنبت الدهنَ (24) .

* * * وقال آخرون: " الباء " في قوله: " ولا تُلقوا بأيديكم " أصلٌ للكنية (25) لأن كل فعل وَاقع كُنِي عنه فهو مضطرٌّ إليها (26) نحو قولك في رجل " كلَّمته " فأردت الكناية عن فعله، فإذا أردت ذلك قلت: " فعلت به " قالوا: فلما كان " الباء " هي الأصل، جاز إدخال " الباء " وإخراجها في كل " فعلٍ" سبيلُه سبيلُ كُنْيته (27) .

* * * وأما " التهلكة " فإنها " التفعُلة " من " الهلاك ".

* * * &; 3-595 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وأحسنوا " أحسنوا أيها المؤمنون في أداء ما ألزمتكم من فرائضي، وتجنُّب ما أمرتكم بتجنبه من معاصيَّ، ومن الإنفاق في سبيلي، وَعَوْدِ القوي منكم على الضعيف ذي الخَلَّة (28) فإنّي أحبّ المحسنين في ذلك (29) كما: 3182 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا زيد بن الحباب، قال، أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل من الصحابة في قوله: " وأحسنوا إنّ الله يُحب المحسنين " قال: أداء الفرائض.

* * * وقال بعضهم: معناه: أحسنوا الظن بالله.

* ذكر من قال ذلك: 3183 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة: " وأحسنوا إنّ الله يُحب المحسنين ": قال: أحسنوا الظن بالله، يبرَّكم.

* * * وقال آخرون: أحسنوا بالعَوْد على المحتاج.

* ذكر من قال ذلك: 3184 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وأحسنوا إنّ الله يحب المحسنين " عودوا على من ليس في يده شيء.

---------------------- الهوامش: (17) هكذا في المطبوعة : "أجرًا" وأخشى أن تكون محرفة عن"آجلا" ، ليكون السياق مطردا على وجهه ، وذلك أحب إلي .

(18) المشقص : نصل السهم ، إذا كان طويلا غير عريض .

(19) قوله : "ساء ظنهم" ، أي خامرتهم الظنون السيئة القبيحة ، وشكوا .

والعرب تستعمل"ساء ظنه" في مواضع كثيرة للدلالة على معاني مختلفة ، وقد بينت ذلك في مجلة الرسالة ، العدد : 910 (20 صفر سنة 1370 ، ديسمبر 1950) وفي طبقات فحول الشعراء : 510 ، تعليق : 1 .

(20) عال الرجل يعيل عيلا وعيلة : افتقر .

وفي كتاب الله : (وَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) العائل : الفقير المحتاج .

(21) العقال : الحبل الذي يعقل به البعير ، أي يشد به وظيفه مع ذراعه ، حتى لا يقدر على الحركة .

(22) الحديث : 3179- حيوة : هو ابن شريح .

أسلم أبو عمران : نسبه التهذيب بأنه"أسلم بن يزيد" وهو تابعي ثقة ، كان وجيها بمصر .

وهو مولى تجيب .

وسيأتي تخريج الحديث ، في الرواية التالية .

(23) الحديث : 3180- أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقرئ : ثقة معروف ، من شيوخ أحمد والبخاري ، وكان إماما في الحديث ، مشهورا في القراءات ، أقرأ القرآن بالبصرة 36 سنة ، ثم بمكة 35 سنة .

وهو مولى آل عمر بن الخطاب .

ووهم ابن حزم فيه وهمًا عجيبًا ، فأخطأ خطأ طريفا : جعله عربيا حميريا ، ثم من"بني سبيع"!

ثم نسبه إلى حي زعم أن اسمه"مقر" ، بضم الميم وسكون القاف!

فقال في جمهرة الأنساب ، ص : 409"ومن ولد سبيع المذكور : مقر ، حي ضخم ، إليه ينسب عبد الله بن يزيد المقري (يعني بدون همزة) ، ولم يكن مقرئا للقراءات ، وإنما كان محدثا"!!

وأخطأ ابن حزم وشبه له ، فأتى بقبيلة لم يذكرها أحد قط - فيما نعلم .

وإنما انتقل نظره إلى شيء آخر بعيد ، إلى"عبد الرحمن بن عبد القاري" بتشديد الياء دون همزة ، من ولد"القارة بن الديش" .

وهو تابعي ، ولم يك مقرئا .

فإلى هذا ذهب وهمه .

ثم لا ندري كيف وضع القبيل الذي اخترعه ، في"بني سبيع"!!

ووقع في المطبوعة هنا"ثنا أبو عبد الرحمن عن عبد الله بن يزيد" .

وهو خطأ في زيادة"عن" .

و"أبو عبد الرحمن" كنية"عبد الله بن يزيد" ، ليس راويا آخر .

والحديث رواه أبو داود الطيالسي في مسنده : 599 ، عن عبد الله بن المبارك ، عن حيوة .

ورواه أبو داود السجستاني : 2512 ، من طريق ابن وهب ، عن حيوة وابن لهيعة .

ورواه الترمذي 4 : 72-73 ، من طريق أبي عاصم النبيل ، عن حيوة .

وقال : "حديث حسن غريب صحيح" .

ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 275 ، من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن حيوة ، وحده .

وقال : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي .

ورواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر : 269-270 ، بإسنادين : رواه عن عبد الله بن صالح ، عن الليث بن سعد .

ورواه عن عبد الله بن يزيد المقرئ ، عن حيوة بن شريح - كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب ، به .

وقوله في الرواية الماضية"غزونا المدينة ، يريد القسطنطينية" - هكذا ثبت في المطبوعة هنا .

ولفظ أبي داود السجستاني : "غزونا من المدينة ، نريد القسطنطينية" .

ولعل ما هنا أجود وأصح ، فإن أسلم أبا عمران مصري .

والظاهر من السياق أن الجيش كان من مصر والشام .

وقوله في تلك الرواية : "وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد" يدل على أن هذه الغزوة كانت في سنة 46 أو قبلها ، لأن عبد الرحمن مات تلك السنة .

وهذه الغزوة غير الغزوة المشهورة التي مات فيها أبو أيوب الأنصاري .

وقد غزاها يزيد بن معاوية بعد ذلك سنة 49 ، ومعه جماعات من سادات الصحابة .

ثم غزاها يزيد سنة 52 ، وهي التي مات فيها أبو أيوب رضي الله عنه ، وأوصى إلى يزيد أن يحملوه إذا مات ، ويدخلوه أرض العدو ، ويدفنوه تحت أقدامهم حيث يلقون العدو .

ففعل يزيد ما أوصى به أبو أيوب .

وقبره هناك إلى الآن معروف .

انظر طبقات ابن سعد 3/2/49-50 ، وتاريخ الطبري 6 : 128 ، 130 ، وتاريخ ابن كثير 8 : 30-31 ، 32 ، 58-59 .

وتاريخ الإسلام للذهبي 2 : 231 ، 327-328 .

وقوله في هذه الرواية الثانية"وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد" - هذا هو الصواب الثابت في رواية الطيالسي ، وابن عبد الحكم ، والحاكم .

ووقع في رواية الترمذي"وعلى الجماعة فضالة بن عبيد" .

وهو وهم ، لعله من الترمذي أو من شيخه عبد بن حميد .

والحديث ذكره ابن كثير 1 : 437-438 ، من رواية الليث بن سعد ، ولم ينسبها .

ثم خرجه من أبي داود ، والترمذي ، والنسائي ، وعبد بن حميد في تفسيره ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وابن مردويه ، وأبي يعلى ، وابن حبان ، والحاكم .

ثم ذكر رواية منه ، على أنها لفظ أبي داود - ولا توافق لفظه ، وفيها تحريف كثير .

وذكره السيوطي 1 : 207-208 ، وزاد نسبته للطبراني ، والبيهقي في سننه .

(24) انظر الإنصاف لابن الأنباري : 128 .

(25) في المطبوعة : "أصل للكلمة" ، وهو تحريف ، وانظر التعليقات الآتية .

(26) الفعل الواقع : هو الفعل المتعدي ، ضريع الفعل اللازم .

ويقال له أيضًا "الفعل المجاوز" (انظر بغية الوعاة 2 : 81) .

(27) في المطبوعة : "سبيل كلمته" ، وهو تحريف كأخيه السالف .

وأراد الطبري بالكناية عن الفعل : أن تستبدل به لفظ"فعل" .

و"الفعل" : كناية عن كل عمل .

تقول : "ضربت الرجل" ثم تريد الكناية عن الفعل فتقول : "فعلت به" ، وهذا الذي تقوله هو"الكنية" .

(28) ذو الخلة : المحتاج والفقير ، والمختل الحال بفساد أو وهن .

(29) انظر ما سلف في معنى"الإحسان" 2 : 292 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنينفيه ثلاث مسائل :الأولى : روى البخاري عن حذيفة : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : نزلت في النفقة ، وروى يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران قال : غزونا القسطنطينية ، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن الوليد والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة ، فحمل رجل على العدو ، فقال الناس : مه مه !

لا إله إلا الله ، يلقي بيديه إلى التهلكة !

فقال أبو أيوب : سبحان الله !

أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر دينه ، قلنا : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأنزل الله عز وجل : وأنفقوا في سبيل الله الآية ، والإلقاء باليد إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد ، فلم يزل أبو أيوب مجاهدا في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ، فقبره هناك ، فأخبرنا أبو أيوب أن [ ص: 337 ] الإلقاء باليد إلى التهلكة هو ترك الجهاد في سبيل الله ، وأن الآية نزلت في ذلك .

وروي مثله عن حذيفة والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك .قلت : وروى الترمذي عن يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران هذا الخبر بمعناه فقال : " كنا بمدينة الروم ، فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم ، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر ، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر ، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد ، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة ، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس ، إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معاشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم يرد عليه ما قلنا : وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة .

فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو ، فما زال أبو أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب صحيح .

وقال حذيفة بن اليمان وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس : المعنى لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة ، فيقول الرجل : ليس عندي ما أنفقه ، وإلى هذا المعنى ذهب البخاري إذ لم يذكر غيره ، والله أعلم .

قال ابن عباس : أنفق في سبيل الله ، وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ، ولا يقولن أحدكم : لا أجد شيئا ، ونحوه عن السدي : أنفق ولو عقالا ، ولا تلقي بيدك إلى التهلكة فتقول : ليس عندي شيء ، وقول ثالث قاله ابن عباس ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد قام إليه أناس من الأعراب حاضرين بالمدينة فقالوا : بماذا نتجهز !

فوالله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد ، فنزل قوله تعالى : وأنفقوا في سبيل الله يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل الله ، يعني في طاعة الله .

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا ، وهكذا قال مقاتل ، ومعنى ابن عباس : ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا ، أي لا تمسكوا عن النفقة على الضعفاء ، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلبكم العدو فتهلكوا ، وقول رابع - قيل للبراء بن عازب في هذه الآية : أهو الرجل يحمل على الكتيبة ؟

فقال لا ، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول : قد بالغت في المعاصي ولا فائدة في التوبة ، فييأس من الله فينهمك بعد ذلك في [ ص: 338 ] المعاصي ، فالهلاك : اليأس من الله ، وقال عبيدة السلماني .

وقال زيد بن أسلم : المعنى لا تسافروا في الجهاد بغير زاد ، وقد كان فعل ذلك قوم فأداهم ذلك إلى الانقطاع في الطريق ، أو يكون عالة على الناس ، فهذه خمسة أقوال .

سبيل الله هنا : الجهاد ، واللفظ يتناول بعد جميع سبله ، والباء في بأيديكم زائدة ، التقدير تلقوا أيديكم ، ونظيره : ألم يعلم بأن الله يرى .

وقال المبرد : بأيديكم أي بأنفسكم ، فعبر بالبعض عن الكل ، كقوله : فبما كسبت أيديكم ، بما قدمت يداك ، وقيل : هذا ضرب مثل ، تقول : فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم ; لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه ، فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان ، ومنه قول عبد المطلب : [ والله إن إلقاءنا بأيدينا للموت لعجز ] وقال قوم : التقدير لا تلقوا أنفسكم بأيديكم ، كما تقول : لا تفسد حالك برأيك .

التهلكة بضم اللام مصدر من هلك يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة ، أي لا تأخذوا فيما يهلككم ، قاله الزجاج وغيره .

أي إن لم تنفقوا عصيتم الله وهلكتم ، وقيل : إن معنى الآية لا تمسكوا أموالكم فيرثها منكم غيركم ، فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم ، ومعنى آخر : ولا تمسكوا فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة .

ويقال : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة يعني لا تنفقوا من حرام فيرد عليكم فتهلكوا ، ونحوه عن عكرمة قال : ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قال : ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون وقال الطبري : قوله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة عام في جميع ما ذكر لدخوله فيه ، إذ اللفظ يحتمله .الثانية : اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدو وحده ، فقال القاسم ابن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا : لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة ، وكان لله بنية خالصة ، فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة ، وقيل : إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل ; لأن مقصوده واحد منهم ، وذلك بين [ ص: 339 ] في قوله تعالى : ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، وقال ابن خويز منداد : فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج فلذلك حالتان : إن علم وغلب على ظنه أن سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن ، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أن يقتل ولكن سينكى نكاية أو سيبلى أو يؤثر أثرا ينتفع به المسلمون فجائز أيضا ، وقد بلغني أن عسكر المسلمين لما لقي الفرس نفرت خيل المسلمين من الفيلة ، فعمد رجل منهم فصنع فيلا من طين وأنس به فرسه حتى ألفه ، فلما أصبح لم ينفر فرسه من الفيل فحمل على الفيل الذي كان يقدمها فقيل له : إنه قاتلك ، فقال : لا ضير أن أقتل ويفتح للمسلمين .

وكذلك يوم اليمامة لما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة ، قال رجل من المسلمين : ضعوني في الحجفة وألقوني إليهم ، ففعلوا وقاتلهم وحده وفتح الباب .قلت : ومن هذا ما روي أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرا محتسبا ؟

قال : فلك الجنة ، فانغمس في العدو حتى قتل .

وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش ، فلما رهقوه قال : من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل ، ثم رهقوه أيضا فقال : من يردهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة ، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل .

فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما أنصفنا أصحابنا .

هكذا الرواية ( أنصفنا ) بسكون الفاء ( أصحابنا ) بفتح الباء ، أي لم ندلهم للقتال حتى قتلوا .

وروي بفتح الفاء ورفع الباء ، ووجهها أنها ترجع لمن فر عنه من أصحابه ، والله أعلم ، وقال محمد بن الحسن : لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده ، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ; لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين ، فإن كان قصده تجرئة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه فلا يبعد جوازه ; ولأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه ، وإن كان قصده إرهاب العدو وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه ، وإذا كان فيه نفع [ ص: 340 ] للمسلمين فتلفت نفسه لإعزاز دين الله وتوهين الكفر فهو المقام الشريف الذي مدح الله به المؤمنين في قوله : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم الآية ، إلى غيرها من آيات المدح التي مدح الله بها من بذل نفسه ، وعلى ذلك ينبغي أن يكون حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه متى رجا نفعا في الدين فبذل نفسه فيه حتى قتل كان في أعلى درجات الشهداء ، قال الله تعالى : وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور .

وقد روى عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله ، وسيأتي القول في هذا في [ آل عمران ] إن شاء تعالى .الثالثة : قوله تعالى : وأحسنوا أي في الإنفاق في الطاعة ، وأحسنوا الظن بالله في إخلافه عليكم ، وقيل : أحسنوا في أعمالكم بامتثال الطاعات ، روي ذلك عن بعض الصحابة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله، وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله، وهي كل طرق الخير، من صدقة على مسكين، أو قريب، أو إنفاق على من تجب مؤنته.

وأعظم ذلك وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله، فإن النفقة فيه جهاد بالمال، وهو فرض كالجهاد بالبدن، وفيها من المصالح العظيمة، الإعانة على تقوية المسلمين، وعلى توهية الشرك وأهله، وعلى إقامة دين الله وإعزازه، فالجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على ساق النفقة، فالنفقة له كالروح، لا يمكن وجوده بدونها، وفي ترك الإنفاق في سبيل الله، إبطال للجهاد، وتسليط للأعداء، وشدة تكالبهم، فيكون قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} كالتعليل لذلك، والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: ترك ما أمر به العبد، إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة، فمن ذلك، ترك الجهاد في سبيل الله، أو النفقة فيه، الموجب لتسلط الأعداء، ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة أو سفر مخوف، أو محل مسبعة أو حيات، أو يصعد شجرا أو بنيانا خطرا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك، فهذا ونحوه، ممن ألقى بيده إلى التهلكة.

ومن الإلقاء باليد إلى التهلكة الإقامة على معاصي الله، واليأس من التوبة، ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض، التي في تركها هلاك للروح والدين.

ولما كانت النفقة في سبيل الله نوعا من أنواع الإحسان، أمر بالإحسان عموما فقال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال كما تقدم.

ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك، الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملا والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضا، الإحسان في عبادة الله تعالى، وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك " فمن اتصف بهذه الصفات، كان من الذين قال الله فيهم: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} وكان الله معه يسدده ويرشده ويعينه على كل أموره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وأنفقوا في سبيل الله ) أراد به الجهاد وكل خير هو في سبيل الله ولكن إطلاقه ينصرف إلى الجهاد ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) قيل الباء في قوله تعالى ( بأيديكم ) زائدة يريد ولا تلقوا أيديكم أي أنفسكم ( إلى التهلكة ) عبر عن النفس بالأيدي كقوله تعالى " بما كسبت أيديكم " ( 30 - الشورى ) أي بما كسبتم وقيل الباء في موضعها وفيه حذف ، أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة أي الهلاك وقيل التهلكة كل شيء يصير عاقبته إلى الهلاك أي ولا تأخذوا في ذلك وقيل التهلكة ما يمكن الاحتراز عنه والهلاك ما لا يمكن الاحتراز عنه والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلا في الشرك واختلفوا في تأويل هذه الآية فقال بعضهم هذا في البخل وترك الإنفاق يقول ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) بترك الإنفاق في سبيل الله وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء .

وقال ابن عباس : في هذه الآية أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم إني لا أجد شيئا وقال السدي بها أنفق في سبيل الله ولو عقالا ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) ولا تقل ليس عندي شيء ، وقال سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان : لما أمر الله تعالى بالإنفاق قال رجل أمرنا بالنفقة في سبيل الله ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء فأنزل الله هذه الآية وقال مجاهد فيها لا يمنعنكم من نفقة في حق خيفة العيلة أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أحمد بن الحسن الحيري أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني أخبرنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة أخبرنا أبو غسان أخبرنا خالد بن عبد الله الواسطي أخبرنا واصل مولى أبي عيينة عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غضيف قال أتينا أبا عبيدة نعوده قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة ومن أنفق نفقة على أهله فالحسنة بعشر أمثالها " وقال زيد بن أسلم : كان رجال يخرجون في البعوث بغير نفقة فإما أن يقطع بهم وإما أن كانوا عيالا فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله ومن لم يكن عنده شيء ينفقه فلا يخرج بغير نفقة ولا قوت فيلقي بيده إلى التهلكة فالتهلكة أن يهلك من الجوع والعطش أو بالمشي ، وقيل أنزلت الآية في ترك الجهاد قال أبو أيوب الأنصاري : نزلت فينا معشر الأنصار وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله تعالى ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) فالتهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك ودفن في أصل سور القسطنطينية وهم يستسقون به وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق " .

وقال محمد بن سيرين وعبيدة السلماني : الإلقاء إلى التهلكة هو القنوط من رحمة الله تعالى قال أبو قلابة : هو الرجل يصيب الذنب فيقول قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي فنهاهم الله تعالى عن ذلك قال الله تعالى : " إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون " ( 87 - يوسف ) قوله تعالى : ( وأحسنوا ) [ أي أحسنوا أعمالكم وأخلاقكم وتفضلوا على الفقراء ( إن الله يحب المحسنين ) ] .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأنفقوا في سبيل الله» طاعته بالجهاد وغيره «ولا تلقوا بأيديكم» أي أنفسكم والباء زائدة «إلى التهلكة» الهلاك بالإمساك عن النفقة في الجهاد أو تركه لأنه يقوي العدو عليكم «وأحسنوا» بالنفقة وغيرها «إن الله يحب المحسنين» أي يثيبهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واستمروا- أيها المؤمنون- في إنفاق الأموال لنصرة دين الله تعالى، والجهاد في سبيله، ولا توقعوا أنفسكم في المهالك بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق فيه، وأحسنوا في الانفاق والطاعة، واجعلوا عملكم كله خالصًا لوجه الله تعالى.

إن الله يحب أهل الإخلاص والإحسان.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أمر الله - تعالى - المؤمنين ببذل المال من أجل إعلاء كلمته ، ونصرة دينه ، فقال : ( وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ) .قال الإِمام الرازي : الإِنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح فلذلك لا يقال في المضيع : إنه منفق .

فإذا قيد الإِنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به طريق الدين ، لأن السبيل هو الطريق ، وسبيل الله هو دينه ، فكل ما أمر الله به في دينه من الإِنفاق فهو داخل في الآية سواء أكان إنفاقاً في حج أو في صلة رحم أو غير ذلك ، إلا أن الأقرب في هذه الآية - وقد تقدم ذكر الجهاد - أنه يراد به الإِنفاق في الجهاد ، وقوله ( فِي سَبِيلِ الله ) كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإِنفاق ، وذلك لأن المال مال الله فيجب انفاقه في سبيله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال .و ( تُلْقُواْ ) من الإِلقاء وهو طرح الشيء من اليد .قال الجمل : والباء في قوله : ( بِأَيْدِيكُمْ ) تحتمل وجهين :أحدهما : أنها زائدة في المفعول به لأن ألقى يتعدى بنفسه ، قال - تعالى - ( فألقى عَصَاهُ ) والثاني : أن يضمن ألقى معنى فعل يتعدى بالباء فيتعدى تعديته فيكون المفعول به في الحقيقة هو المجرور بالباء تقديره ، ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة كقوله : أفضيت بجنبي إلى الأرض أي : طرحته على الأرض " .والمراد بالأيد : الأنفس ، من باب ذكر الجزء وإرادة الكل ، لأن أكثر ظهور أفعال النفس تكون عن طريق اليد .والتهلكة : الهلاك والموت .

أو كل شيء تصير عاقبته إليه .

مصدر هلك يهلك هكلاً وهلاكاً وتهلكه .والجملة الكريمة معطوفة على جملة ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ .

.

.

) ألخ ، لأنهم لما أمروا بقتال عدوهم ، وكان أوفر منهم عدة وعدداً ، كلفهم بالاستعداد له عن طريق إنفاق الكثير من أموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله لأن هذا الإِنفاق من أقوى الوسائل التي توصل إلى النصر .والمعنى : عليكم ، أيها المؤمنون - أن تقاتلوا في سبيل الله من قاتلكم ، وأن تنفقوا من أجل إعلاء كلمة الله أموالكم ، ولا تقلوا أنفسكم فيما فيه هلاككم في دين أو دنيا ، بسبب ترككم الجهاد وبخلكم عن الإِنفاق فيه مق القدرة على ذلك .ويشهد لهذا المعنى ما أخرجه الترمذي وغيره عن أبي عمران قال : كنا بمدينة الروم القسطنطينية - فأخرجوا إلينا صفا عظيماً من الروم .

فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم ، فصاح الناس وقالوا : سبحان الله يلقى بيديه إلى التهلكة!!

فقام أبو أيوب الأنصاري فقال : يا أيها الناس إنكم لتؤولون هذه الآية هذا التأويل ، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار .لما أعز الله الإِسلام وكثر ناصروه ، فقال بعضنا لبعض سراً - دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت ، وإن الله قد أعز الإِسلام ، وكثر ناصروه ، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها ، فأنزل الله - تعالى - على نبيه يرد علينا ما قلناه ( وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ) .

فكانت التهلكة الإِقامة على الأموال ، وإصلاحها ، وتركنا الغزو .قال الراوي : فمازال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم .فالآية الكريمة تأمر المؤمنين بأن ببذلوا أموالهم في الجهاد في سبيل الله بصفة خاصة ، وفي كل موطن من مواطن الخير بصفة عامة ، لأن عدم البذل في سبيل الخير يؤدي إلى ضعف الأمة واضملالها .ثم ختم - سبحانه - الآية بالترغيب في الإِحسان فقال : ( وأحسنوا إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ) أي : أحسنوا كل أعمالكم وأتقنوها ، لأنه - سبحانه - يحب المحسنين في كل شئونهم ، ويثيبهم على ذلك بما يسعدهم في دينهم ودنياهم .هذا ، وتأمل معي - أيها القارئ الكريم - في هذه الآيات تراها قد رسمت أحكم منهاج وأعدله في شأن الحرب والسلم .إنها تأمر المؤمنين أن يجاهدوا أعداءهم الذين بدأوهم بالقتال ، وأن يقتلوهم حيث وجدوهم ، ويخرجوهم من حيث أخرجوهم ، كما تأمرهم أن يبذلوا أموالهم في سبيل الله بدون إمساك أو بخل ، وهذا من أقوى أنواع الحض على الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله .ولكنها في الوقت نفسه تنهاهم عن الاعتداء ، وتنهاهم عن القتال في الأشهر الحرام وفي الأماكن المقدسة إلا إذا قاتلهم المشركون فيها ، كما تنهاهم عن قتالهم إذا ما انتهوا عن عدوانهم وكفرهم ، لأن شريعة القرآن تستجيب لداعي السلم متى كف المعتدون عن العدوان ، واحترموا كلمة الإِسلام .وبذلك نرى أن القتال في الإِسلام ليس من أجل الغنائم ، أو الاستغلال أو الاستعباد ، أو التباهي .

.

كلا ليس لأجل شيء من هذا ، وإنما هو من أجل الدفاع عن الحق وأهله ، حتى تكون كلمته هي العليا وكلمة الباطل هي السفلى ، وبهذا تسعد الإِنسانية ، وتنال ما تصبوا إليه من عزة وفلاح .وبعد هذا الحديث المحكم عن القتال في سبيل الله ، وبيان أحكامه بالنسبة للأشهر الحرام وللبيت الحرام ، ساق القرآن في بضع آيات جملة من الأحكام والآداب التي تتعلق بفريضة الحج ، إذ القتال جهاد لحماية الأمة الإِسلامية من الخارج ، والحج جهاد لتذهيب النفس وحماية الأمة من الداخل عن طريق تجميع أبنائها على اختلاف ديارهم في مكان واحد ليشهدوا منافع لهم ، وليتعاونوا على البر والتقوى لا على الإِثم والعدوان .

استمع إلى سورة البقرة وهي تحدثك عن بعض أحكام الحج وآدابه فتقول :( وَأَتِمُّواْ الحج والعمرة للَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين: الأول: أنه تعالى لما أمر بالقتال والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال، وربما كان ذو المال عاجزاً عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال فقيراً عديم المال، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال والثاني: يروى أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ  ﴾ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا، فنزلت هذه الآية على وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح، فلذلك لا يقال في المضيع: إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله، فالمراد به في طريق الدين، لا السبيل هو الطريق، وسبيل الله هو دينه.

فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقاً في حج أو عمرة أو كان جهاداً بالنفس، أو تجهيزاً للغير، أو كان إنفاقاً في صلة الرحم، أو في الصدقات أو على العيال، أو في الزكوات والكفارات، أو عمارة السبيل وغير ذلك، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد، بل قال: ﴿ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ لوجهين: الأول: أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق، وذلك لأن المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال الثاني: أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة لقضاء العمرة، وكانت تلك العمرة لابد من أن تفضى إلى القتال إن منعهم المشركون، فكانت عمرة وجهاداً، واجتمع فيه المعنيان، فلما كان الأمر كذلك، لا جرم قال تعالى: ﴿ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ ولم يقل: وأنفقوا في الجهاد والعمرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو عبيدة والزجاج ﴿ التهلكة ﴾ الهلاك يقال: هلك يهلك هلاكاً وهلكاً وتهلكة: قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدراً على تفعلة بضم العين إلا هذا، قال أبو علي: قد حكى سيبويه: التنصرة والتسترة، وقد جاء هذا المثال اسماً غير مصدر، قال: ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب الكشاف: ويجوز أن يقال أصله التهلكة، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة، كما جاء الجوار في الجوار.

وأقول: إني لأتعجب كثيراً من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع، وذلك أنهم لو وجدوا شعراً مجهولاً يشهد لما أرادوه فرحوا به، واتخذوه حجة قوية، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها.

المسألة الثانية: اتفقوا على أن الباء في قوله: ﴿ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ تقتضي إما زيادة أو نقصاناً فقال قوم: الباء زائدة والتقدير: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة.

وهو كقوله: جذبت الثوب بالثوب، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ أو ﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم  ﴾ فالتقدير: ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة، وقال آخرون: بل هاهنا حذف.

والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ اختلف المفسرون فيه، فمنهم من قال: إنه راجع إلى نفس النفقة، ومنهم من قال: إنه راجع إلى غيرها، أما الأولون فذكروا فيه وجوه: الأول: أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، وكأنه قيل: إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني: أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره في قوله: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً  ﴾ وفي قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  ﴾ وأما الذين قالوا: المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوهاً أحدها: أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله: ﴿ لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ  ﴾ .

وثانيها: المراد من قوله: ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل، فأما إذا كان آيساً من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب، ونقل عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه: الأول: روي أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا وتصالحنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد والثاني: روى الشافعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابراً محتسباً؟

قال عليه الصلاة والسلام: لك الجنة فانغمس في جماعة العدو فقتلوه بين يدي رسول الله، وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كانت عليه حين ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الجنة ثم انغمس في العدو فقتلوه والثالث: روي أن رجلاً من الأنصار تخلف عن بني معاوية فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه، فقال لبعض من معه سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي، ففعل ذلك فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولا حسناً الرابع: روي أن قوماً حاصروا حصناً، فقاتل رجل حتى قتل فقيل ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك فقال: كذبوا أليس يقول الله تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ابتغاء مَرْضَاتِ الله  ﴾ ولمن نصر ذلك التأويل أن يجيب عن هذه الوجوه فيقول: إنا إنما حرمنا إلقاء النفس في صف العدو إذا لم يتوقع إيقاع نكاية منهم، فإما إذا توقع فنحن نجوز ذلك، فلم قلتم أنه يوجد هذا المعنى في هذه الوقائع الوجه الثالث: في تأويل الآية أن يكون هذا متصلاً بقوله: ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ  ﴾ أي فإن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فيه فإن الحرمات قصاص، فجازوا اعتداءهم عليكم ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال فإنكم بذلك تكونون ملقين بأيديكم إلى التهلكة الوجه الرابع: في التأويل أن يكون المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إنا نخاف الفقر إن أنفقنا فنهلك ولا يبقى معنا شيء، فنهوا أن يجعلوا أنفسهم هالكين بالإنفاق، والمراد من هذا الجعل والإلقاء الحكم بذلك كما يقال جعل فلان فلاناً هالكاً وألقاه في الهلاك إذا حكم عليه بذلك الوجه الخامس: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو إلقاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الإنسان على ترك العبودية والإصرار على الذنب الوجه السادس: يحتمل أن يكون المراد وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط، وذلك بأن تفعلوا بعد ذلك الإنفاق فعلاً يحبط ثوابه إما بتذكير المنة أو بذكر وجوه الرياء والسمعة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختفلوا في أن المحسن مشتق من ماذا وفيه وجوه: الأول: أنه مشتق من فعل الحسن وأنه كثر استعماله فيمن ينفع غيره بنفع حسن من حيث أن الإحسان حسن في نفسه، وعلى هذا التقدير فالضرب والقتل إذا حسناً كان فاعلهما محسناً الثاني: أنه مشتق من الإحسان، ففاعل الحسن لا يوصف بكونه محسناً إلا إذا كان فعله حسناً وإحساناً معاً، فالإشتقاق إنما يحصل من مجموع الأمرين.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ وَأَحْسِنُواْ ﴾ فيه وجوه: أحدها: قال الأصم: أحسنوا في فرائض الله.

وثانيها: وأحسنوا في الإنفاق على من تلزمكم مؤنته ونفقته، والمقصود منه أن يكون ذلك الإنفاق وسطاً فلا تسرفوا ولا تقتروا، وهذا هو الأقرب لاتصاله بما قبله ويمكن حمل الآية على جميع الوجوه.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ فهو ظاهر وقد تقدم تفسيره مراراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الباء في ﴿ بِأَيْدِيكُمْ ﴾ مزيدة مثلها في أعطى بيده للمنقاد.

والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة بأيديكم، أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم.

وقيل: (بأيديكم) بأنفسكم: وقيل تقديره: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، كما يقال: أهلك فلان نفسه بيده، إذا تسبب لهلاكها.

والمعنى: النهي عن ترك الإنفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك، أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله.

أو عن الاستقتال والإخطار بالنفس، أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدوّ.

وروي: أن رجلاً من المهاجرين حمل على صف العدوّ فصاح به الناس: ألقى بيده إلى التهلكة.

فقال أبو أيوب الأنصاري: نحن أعلم بهذه الآية، وإنما أنزلت فينا، صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصرناه.

وشهدنا معه المشاهد، وآثرناه على أهالينا وأموالنا وأولادنا، فلما فشا الإسلام وكثر أهله ووضعت الحرب أوزارها، رجعنا إلى أهالينا وأولادنا وأموالنا نصلحها ونقيم فيها.

فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.

وحكى أبو علي في (الحلبيات) عن أبي عبيدة، التهلكة والهلاك والهلك واحد.

قال: فدلّ هذا من قول أبي عبيدة على أن التهلكة مصدر.

ومثله ما حكاه سيبويه من قولهم التضرة والتسرة ونحوها في الأعيان: التنضبة والتنفلة.

ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة كالتجربة والتبصرة ونحوهما، على أنها مصدر من هلك فأبدلت من الكسرة ضمة، كما جاء الجوار في الجوار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ولا تُمْسِكُوا كُلَّ الإمْساكِ.

﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ بِالإسْرافِ وتَضْيِيعِ وجْهِ المَعاشِ، أوْ بِالكَفِّ عَنِ الغَزْوِ والإنْفاقِ فِيهِ، فَإنَّ ذَلِكَ يُقَوِّي العَدُوَّ ويُسَلِّطُهم عَلى إهْلاكِكم.

ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وكَثُرَ أهْلُهُ رَجَعْنا إلى أهالِينا وأمْوالِنا نُقِيمُ فِيها ونُصْلِحُها فَنَزَلَتْ، أوْ بِالإمْساكِ وحُبِّ المالِ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُخْلُ هَلاكًا وهو في الأصْلِ انْتِهاءُ الشَّيْءِ في الفَسادِ، والإلْقاءُ: طَرْحُ الشَّيْءِ، وعُدِّيَ بِإلى لِتَضَمُّنِ مَعْنى الِانْتِهاءِ، والباءُ مَزِيدَةٌ والمُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ، والتَّهْلُكَةُ والهَلاكُ والهَلَكُ واحِدٌ فَهي مَصْدَرٌ كالتَّضِرَّةِ والتَّسِرَّةِ، أيْ لا تُوقِعُوا أنْفُسَكم في الهَلاكِ وقِيلَ: مَعْناهُ لا تَجْعَلُوها آخِذَةً بِأيْدِيكُمْ، أوْ لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسِكم إلَيْها فَحُذِفَ المَفْعُولُ.

﴿ وَأحْسِنُوا ﴾ أعْمالَكم وأخْلاقَكُمْ، أوْ تَفَضَّلُوا عَلى المَحاوِيجِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله} تصدقوا في رضا الله وهو عام في الجهاد وغيره {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة} أي أنفسكم والباء زائدة أو ولا تقتلوا أنفسكم بأيديكم كما يقال أهلك فلان نفسه بيده إذا تسبب لهلاكها والمعنى النهى عن ترك الاتفاق في سبيل الله لأنه سبب الهلاك أو عن الإسراف في النفقة حتى يفقر نفسه ويضيع عياله أو عن الإخطار بالنفس أو عن ترك الغزو الذي هو تقوية للعدو والتهلكة والهلاك والهلك واحد {وَأَحْسِنُواْ} الظن بالله في الإخلاف {إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين} إلى المحتاجين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأنْفِقُوا ﴾ إلَخْ، فَكانَتِ ( التَّهْلُكَةُ ) الإقامَةُ في الأمْوالِ وإصْلاحُها وتَرْكُ الغَزْوِ.

وقالَ الجِبّائِيُّ: ( التَّهْلُكَةُ ) الإسْرافُ في الإنْفاقِ، فالمُرادُ بِالآيَةِ النَّهْيُ عَنْهُ بَعْدَ الأمْرِ بِالإنْفاقِ؛ تَحَرِّيًا لِلطَّرِيقِ الوَسَطِ بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فِيهِ، ورَوى البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّها البُخْلُ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ، فَيَكُونُ النَّهْيُ مُؤَكِّدًا لِلْأمْرِ السّابِقِ، واخْتارَ البَلْخِيُّ أنَّها اقْتِحامُ الحَرْبِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، وإيقاعُ النَّفْسِ في الخَطَرِ والهَلاكِ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُتَعَلِّقًا بِـ قاتَلُوا نَهْيًا عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الشَّجاعَةِ، وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وجَماعَةٌ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ هو الرَّجُلُ يَلْقى العَدُوَّ فَيُقاتِلُ حَتّى يُقْتَلَ، قالَ: لا، ولَكِنْ هو الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: لا يَغْفِرُ اللَّهُ - تَعالى - لِي أبَدًا، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ، وعَلَيْهِ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وهو في غايَةِ البُعْدِ، ولَمْ أرَ مَن صَحَّحَ الخَبَرَ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - سِوى الحاكِمِ، وتَصْحِيحُهُ يُوثَقُ بِهِ، وظاهِرُ اللَّفْظِ العُمُومُ والإلْقاءُ تَصْيِيرُ الشَّيْءِ إلى جِهَةِ السُّفْلِ وأُلْقِيَ عَلَيْهِ مَسْألَةٌ مَجازٌ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن أخَذَ في عَمَلٍ ألْقى يَدَيْهِ إلَيْهِ وفِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ في الشَّمْسِ: حَتّى إذا ألْقَتْ يَدًا في كافِرٍ وأجَنَّ عَوْراتِ الثُّغُورِ ظَلامُها وعُدِّيَ ( بِإلى ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ أوِ الإنْهاءِ، ( والباءُ ) مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّهْيِ؛ لِأنَّ ( ألْقى ) يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ كَما في ﴿ فَألْقى مُوسى عَصاهُ ﴾ وزِيادَتُها في المَفْعُولِ لا تَنْقاسُ، والمُرادُ بِالأيْدِي الأنْفُسُ مَجازًا، وعَبَّرَ بِها عَنْها؛ لِأنَّ أكْثَرَ ظُهُورِ أفْعالِها بِها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ زائِدَةً، والأيْدِي بِمَعْناها، والمَعْنى لا تَجْعَلُوا التَّهْلُكَة آخِذَةً بِأيْدِيكم قابِضَةً إيّاها، وأنْ تَكُونَ غَيْرَ مَزِيدَةٍ، ( والأيْدِي ) أيْضًا عَلى حَقِيقَتِها، ويَكُونُ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا؛ أيْ: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسَكم إلى ﴿ التَّهْلُكَةِ ﴾ وفائِدَةُ ذِكْرِ ( الأيْدِي ) حِينَئِذٍ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنِ الإلْقاءِ إلَيْها بِالقَصْدِ والِاخْتِيارِ، والتَّهْلُكَة مَصْدَرٌ كالهَلَكِ والهَلاكِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مَصْدَرٌ عَلى تَفْعُلَةٍ ( بِضَمِّ العَيْنِ ) إلّا هَذا في المَشْهُورِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ عَنِ العَرَبِ: ( تَضُرَّةٌ وتَسُرَّةٌ ) أيْضًا بِمَعْنى الضَّرَرِ والسُّرُورِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُها ( تَهْلِكَةً بِكَسْرِ اللّامِ ) مَصْدَرُ هَلَكَ مُشَدَّدًا كالتَّجْرِبَةِ والتَّبْصِرَةِ، فَأُبْدِلَتِ الكَسْرَةُ ضَمَّةً، وفِيهِ أنَّ مَجِيءَ تَفْعِلَةٍ بِالكَسْرِ مِن فِعْلِ المُشَدَّدِ الصَّحِيحِ الغَيْرِ المَهْمُوزِ شاذٌّ، والقِياسُ تَفْعِيلٌ، وإبْدالُ الكَسْرَةِ بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ في غايَةِ الشُّذُوذِ، وتَمْثِيلُهُ بِالجُوارِ مَضْمُومِ الجِيمِ في جِوارٍ مَكْسُورِها لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ إذْ لَيْسَ ذَلِكَ نَصًّا في الإبْدالِ، لِجَوازِ أنْ يَكُونَ بِناءُ المَصْدَرِ فِيهِ عَلى فُعالٍ مَضْمُومِ الفاءِ شُذُوذًا، يُؤَيِّدُهُ ما في الصِّحاحِ جاوَرْتُهُ مُجاوَرَةً وجِوارًا وجُوارًا، والكَسْرُ أفْصَحُ، وفَرَّقَ بَعْضُهم بَيْنَ ( التَّهْلُكَةِ ) والهَلاكِ، بِأنَّ الأوَّلَ ما يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، والثّانِي ما لا يُمْكِنُ، وقِيلَ: الهَلاكُ مَصْدَرٌ، و( التَّهْلُكَةُ ) نَفْسُ الشَّيْءِ المُهْلِكِ، وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ المَشْهُورِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ الإقْدامِ عَلى ما يُخافُ مِنهُ تَلَفُ النَّفْسِ، وجَوازِ الصُّلْحِ مَعَ الكُفّارِ والبُغاةِ إذا خافَ الإمامُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى المُسْلِمِينَ ﴿ وأحْسِنُوا ﴾ أيْ: بِالعَوْدِ عَلى المُحْتاجِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقِيلَ: أحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ تَعالى، وأحْسَنُوا في أعْمالِكم بِامْتِثالِ الطّاعاتِ، ولَعَلَّهُ أوْلى.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ 195﴾ ويُثِيبُهم.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أي في طاعة الله.

قال ابن عباس: وذلك أن رسول الله  لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد، قام إليه ناس من الأعراب حاضري المدينة فقالوا: بماذا نجهز؟

فو الله ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد.

فنزل قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يعني تصدقوا يا أهل الميسرة فِى سَبِيلِ الله أي في طاعة الله.

وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال مقاتل.

ومعنى قول ابن عباس ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا، أي لا تمسكوا عن النفقة والعون للضعفاء، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلب عليكم العدو فتهلكوا.

ومعنى آخر: ولا تمسكوا، فيرث منكم غيركم فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم.

معنى آخر: ولا تمسكوا، فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة.

ويقال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، يعني لا تنفقوا من حرام، فيرد عليكم فتهلكوا.

وقال الزجاج: التهلكة: معناه الهلاك.

يقال: هلك يهلك هلاكاً وتهلكة.

معناه إن لم تنفقوا عصيتم الله فهلكتم.

وروي عن البراء بن عازب، أن رجلاً سأله عن التهلكة فقال: أهو الرجل إذا التقى الجمعان، فحمل فيقاتل حتى يقتل؟

قال: لا ولكن الرجل يذنب ثم لا يتوب.

وقال قتادة قيل لأبي هريرة: ألم تر سعد بن هشام لما التقى الصفان حمل فقاتل حتى قتل، ألقى بيده إلى التهلكة؟

فقال أبو هريرة: كلا والله ولكنه تأويل آية من كتاب الله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [البقرة: 207] وقال أبو عبيدة السلماني: التهلكة أن يذنب الرجل فيقنط من رحمة الله فيهلك.

وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثرنا قلنا فيما بيننا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها وأصلحنا منها ما ضاع فأنزل الله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها، فأمرنا بالغزو.

ثم قال تعالى: وَأَحْسِنُوا، أي أحسنوا النفقة من الصدقة.

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في النفقة ويقال: وأحسنوا في النفقة، أي أخلصوا النية في النفقة.

ويقال: أحسنوا الظن بالله تعالى فيما أنفقتم، إنه يخلف عليكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ: الفتنة: هنا الشِّرْك، وما تابعه من أذى المؤمنين.

قاله ابن عبّاس وغيره «١» .

والدِّينُ هنا: الطاعةُ، والشَّرْعُ، والانتهاءُ في هذا الموضع يصحُّ مع عموم الآية في الكفار أنْ يكون الدُّخُولَ في الإِسلام ويصحُّ أن يكون أداء الجزية.

وقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ...

الآية: قال ابن عبَّاس وغيره: نزلَتْ في عمرة القَضِيَّةِ، وعامِ الحديبيَةِ سنَةَ ستٍّ، حين صدَّهم المشركون، أي: الشهرُ الحرام الذي غلّبكم الله فيه، وأدخلكم الحرام عليهم سنَةَ سَبْعٍ- بالشهر الحرامِ الذي صدُّوكم فيه، والحرمات قصاصٌ «٢» .

وقالتْ فرقةٌ: قوله: وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ: مقطوعٌ مما قبله «٣» ، وهو ابتداء أمر كان في أول الإِسلام أنَّ من انتهك حرمَتَكَ، نِلْتَ منه مثْلَ ما اعتدى عليك.

وَاتَّقُوا اللَّهَ: قيل: معناه في أَلاَّ تعتدوا، وقيل: في ألاَّ تزيدُوا على المثل.

وقوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ...

الآية:

سبيلُ اللَّهِ هنا: الجهادُ، واللفظ يتناوَلُ بَعْدُ جميعَ سُبُلِهِ، وفي الصحيح أنَّ أبا أيُّوب الأنصاريَّ «٤» كان على القُسْطَنْطِينِيَّةِ، فحمل رجُلٌ على عَسْكَر العدُوِّ، فقال قومٌ: ألقى هذا بيده إِلى التهلكة، فقال أبو أيوب: لا، إِنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في الأنصار، حين أرادوا، لمَّا ظهر الإِسلام أن يتركوا الجهادَ، ويَعْمُروا أموالهم، وأما هذا، فهو الذي قال الله تعالى

فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ «١» [البقرة: ٢٠٧] .

وقال ابن عبَّاس، وحذيفةُ بْنُ اليَمَانِ، وجمهورُ الناس: المعنى: لا تُلْقُوا بأيديكم بأنْ تتركُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّه، وتخافوا العَيْلَةَ «٢» .

وَأَحْسِنُوا: قيل: معناه: في أعمالكم بامتثال الطَّاعات روي ذلك عن بعض الصحابة «٣» ، وقيل: المعنى: وأحسنوا في الإِنفاق في سبيل اللَّهِ، وفي الصَّدَقَات، قاله زَيْدُ بْنُ أَسْلَم «٤» ، وقال عِكْرِمَة: المعنى: وأحْسِنُوا الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ «٥» .

ت: ولا شَكَّ أن لفظ الآية عامٌّ يتناول جميعَ ما ذكر، والمخصَّص يفتقر إِلى دليل.

فأما حُسْن الظن باللَّه سبحانه، فقد جاءَتْ فيه أحاديثُ صحيحةٌ، فمنها: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» «٦» ، وفي «صحيح مسلم» ، عن جابر، قال: سمعت النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة ٤٩ أأيّام يَقُولُ: «لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» «٧» انتهى/.

وأخرج أبو بكر بن الخطيب، بسنده، عن أنس أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» «٨» .

انتهى.

قال عبد الحَقِّ في «العاقبة» : أَمَّا حسْنُ الظنِّ باللَّهِ عزَّ وجلَّ عند الموت، فواجبٌ للحديث.

انتهى.

ويدخل في عموم الآية أنواعُ المعروف قال أبو عمر بن عَبْدِ البَرِّ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» «١» ، قَالَ أبُو جُرَيٍّ الْهُجَيْمِيُّ «٢» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ شَيْئاً مِنَ المَعْرُوفِ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنْ تُفَرِّغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ المُسْتَسْقِي، وَلَوْ أَنْ تلقى أَخَاكَ، وَوَجْهُكَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ» «٣» ، وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلام: «أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ» «٤» ، وقال عليه الصلاة والسّلام: «إنّ لله

عِبَاداً خَلَقَهُمْ لِحَوَائِجِ النَّاسِ، هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ» «١» .

انتهى من كتابه المسمى ب «بهجة المجالس وأنس المجالس» .

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ، وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ  لَمّا أمَرَ بِالتَّجَهُّزِ إلى مَكَّةَ، قالَ ناسٌ مِنَ الأعْرابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

بِماذا نَتَجَهَّزُ؟

فَواللَّهِ ما لَنا زادَ ولا مالَ!

فَنَزَلَتْ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الأنْصارَ كانُوا يُنْفِقُونَ ويَتَصَدَّقُونَ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ، فَأمْسَكُوا؛ فَنَزَلَتْ، قالَهُ أبُو جَبِيرَةَ بْنُ الضَّحّاكِ.

والسَّبِيلُ في اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ.

وإنَّما اسْتُعْمِلَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ في الجِهادِ، لِأنَّهُ السَّبِيلُ الَّذِي يُقاتِلُ فِيهِ عَلى عَقْدِ الدِّينِ.

والتَّهْلُكَةُ: بِمَعْنى الهَلاكِ، يُقالُ: هَلَكَ الرَّجُلُ يَهْلَكُ هَلاكًا وهَلْكًا وتَهْلُكَةً.

قالَ المُبَرِّدُ: وأرادَ بِالأيْدِي: الأنْفُسُ؛ فَعَبَّرَ بِالبَعْضِ عَنِ الكُلِّ.

وفي المُرادِ بِالتَّهْلُكَةِ هاهُنا أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْكُ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ حُذَيْفَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّها القُعُودُ عَنِ الغَزْوِ شَغْلًا بِالمالِ، قالَهُ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها القُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ قالَهُ البَراءُ، والنُّعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ، وعُبَيْدَةُ.

والرّابِعُ: أنَّها عَذابُ اللَّهِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحْسِنُوا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: أحْسَنُوا الإنْفاقَ، وهو قَوْلُ أصْحابِ القَوْلِ الأوَّلِ.

والثّانِي: أحْسَنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وسُفْيانُ، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: التَّهْلُكَةُ: القُنُوطُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: أدَّوُا الفَرائِضَ، رَواهُ سُفْيانُ عَنْ أبِي إسْحاقَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ فارِسٍ: الحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، والِاعْتِمارُ في الحَجِّ أصْلُهُ: الزِّيارَةُ.

قالَ ثَعْلَبٌ: الحَجُّ بِفَتْحِ الحاءِ: المَصْدَرُ، وبِكَسْرِها: الِاسْمُ قالَ: ورُبَّما قالَ الفَرّاءُ: هُما لُغَتانِ.

وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في العُمْرَةِ قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: الزِّيارَةُ.

والثّانِي: القَصْدُ.

وفي إتْمامِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْنى إتْمامِها: أنْ يَفْصِلَ بَيْنَهُما، فَيَأْتِيَ بِالعُمْرَةِ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّانِي: أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وطاوُوسُ، وابْنُ جُبَيْرٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إذا شَرَعَ في أحَدِهِما لَمْ يَفْسَخْهُ حَتّى يَتِمَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ فَعَلَ ما أمَرَ اللَّهُ فِيهِما، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وجُمْهُورُ القُرّاءِ عَلى نَصْبِ "العُمْرَةَ" بِإيقاعِ الفِعْلِ عَلَيْها.

وقَرَأ الأصْمَعِيُّ عَنْ نافِعٍ والقَزّازِ عَنْ أبِي عَمْرٍو، والكِسائِيِّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِرَفَعُها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي رَزِينٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.

وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِها.

ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّ العُمْرَةَ واجِبَةٌ عَلِيٌّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، وطاوُوسُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وأحْمَدُ، والشّافِعِيُّ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وجابِرٍ، والشَّعْبِيِّ، وإبْراهِيمَ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ، أنَّها سُنَّةٌ وتَطَوُّعٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أحْصَرَهُ المَرَضُ والعَدْوُ: إذا مَنَعَهُ مِنَ السَّفَرِ، ومِنهُ هَذِهِ الآَيَةُ.

وحَصَرَهُ العَدُوُّ: إذا ضَيَّقَ عَلَيْهِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ: إذا حُبِسَ: قَدْ حُصِرَ، فَهو مَحْصُورٌ.

ولِلْعُلَماءِ في هَذا الإحْصارِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بِالعَدْوِ، ولا يَكُونُ المَرِيضُ مُحْصَرًا.

وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسٍ، ومالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ.

ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ والثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ حابِسٍ مِن مَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ عَذْرٍ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي حَنِيفَةَ.

وفي الكَلامِ اخْتِصارٌ وحَذْفٌ، والمَعْنى: فَإنْ أُحْصِرْتُمْ دُونَ تَمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ فَحَلَلْتُمْ؛ فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

ومِثْلُهُ: ﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ تَقْدِيرُهُ: فَحَلْقٌ، فَفِدْيَةٌ.

والهَدْيُ: ما أُهْدِيَ إلى البَيْتِ.

وأصْلُهُ: هَدْيٌ مُشَدَّدٌ، فَخَفَّفَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وبِالتَّشْدِيدِ يَقْرَأُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وفي المُرادِ ( بِما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ) ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شاةٌ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما تَيَسَّرَ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ لا غَيْرَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وعائِشَةُ، والقاسِمُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلى قَدْرِ المَيْسَرَةِ، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ قالا: أعْلاهُ بَدَنُهُ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأخَسُّهُ شاةٌ.

وقالَ أحْمَدُ: الهَدْيُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ، مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، والغَنَمِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، رَحِمَهُما اللَّهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ قالَ ابُنُ قُتَيْبَةَ: المَحَلُّ: المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ بِهِ نَحْرُهُ، وهو مِن: حَلَّ يَحُلُّ.

وفي المَحَلِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الحَرَمُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ سِيرِينَ، والثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ المَوْضِعُ الَّذِي أُحْصِرَ بِهِ فَيَذْبَحُهُ ويَحُلُّ، قالَهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ هَذا نَزَلَ عَلى سَبَبٍ، وهو أنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ كَثُرَ قَمْلُ رَأْسِهِ حَتّى تَهافَتَ عَلى وجْهِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ فِيهِ، فَكانَ يَقُولُ: في نَزَلَتْ خاصَّةً.

* فَصْلٌ قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: اقْتَضى قَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ تَحْرِيمُ حَلْقِ الشَّعْرِ، سَواءٌ وُجَدَ بِهِ الأذى، أوْ لَمْ يَجِدْ، حَتّى نَزَلَ: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ﴾ فاقْتَضى هَذا إباحَةُ حَلْقِ الشَّعْرِ عِنْدَ الأذى مَعَ الفِدْيَةِ، فَصارَ ناسِخًا لِتَحْرِيمِهِ المُتَقَدِّمِ.

وَمَعْنى الآَيَةِ: فَمَن كانَ مِنكم - أيْ: مِنَ المُحَرِّمِينَ، مُحْصِرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُحْصِرٍ - مَرِيضًا، واحْتاجَ إلى لَبْسٍ أوْ شَيْءٍ يَحْظَرُهُ الإحْرامُ، فَفَعَلَهُ، أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَحَلَقَ، فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ.

وفي الصِّيامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، رُوِيَ في حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ  وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: أنَّهُ صِيامُ عَشْرَةِ أيّامٍ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ، ونافِعٍ.

وفي الصَّدَقَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، رُوِيَ في حَدِيثِ كَعْبٍ، وهو قَوْلُ مَن قالَ الصَّوْمُ ثَلاثَةُ أيّامٍ.

والثّانِي: أنَّها إطْعامُ عَشْرَةِ مَساكِينَ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَ صَوْمَ عَشْرَةِ أيّامٍ.

والنُّسُكُ: ذَبْحُ شاةٍ، يُقالُ: نَسَكْتُ لِلَّهِ، أيْ: ذَبَحْتُ لَهُ.

وفي النُّسُكِ لُغَتانِ.

ضَمَّ النُّونَ والسِّينَ، وبِها قَرَأ الجُمْهُورُ، وضَمَّ النُّونَ مَعَ تَسْكِينِ السِّينِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ، أيْ: مِنَ العَدُوِّ.

إذِ المَرَضُ لا تُؤْمَنُ مُعاوَدَتُهُ وقالَ عَلْقَمَةُ في آَخَرِينَ: فَإذا أمِنتُمْ مِنَ الخَوْفِ والمَرَضِ.

﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ مَعْناهُ: مَن بَدَأ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وأقامَ الحَجَّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ.

وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ فِيما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ ﴾ قالَ الحَسَنُ: هي قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمِ و [يَوْمُ ] التَّرْوِيَةِ، و [يَوْمُ ] عَرَفَةَ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وطاوُوسٍ، وإبْراهِيمَ، وقَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وعَطاءٍ قالا: في أيِّ العَشْرِ شاءَ صامَهُنَّ.

ونُقِلَ عَنْ طاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، أنَّهم قالُوا: في أيِّ أشْهُرِ الحَجِّ شاءَ فَلْيَصُمْهُنَّ.

ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: مِن حِينِ يَحْرُمُ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ.

* فَصْلٌ فَإنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، ولَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ أيّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَماذا يَصْنَعُ؟

قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُوسُ، وإبْراهِيمَ: لا يُجَزِّئُهُ إلّا الهَدْيَ ولا يَصُومُ.

وقالَ ابْنُ عُمَرَ وعائِشَةُ: يَصُومُ أيّامَ مِنى.

ورَواهُ صالِحٌ عَنْ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ.

وذَهَبَ آَخَرُونَ إلى أنَّهُ لا يَصُومُ أيّامَ التَّشْرِيقِ، بَلْ يَصُومُ بَعْدَهُنَّ.

رُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ.

ورَواهُ المَرْوَذِيُّ عَنْ أحْمَدَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيُّ.

* فَصْلٌ فَإنْ وُجَدَ الهَدْيَ بَعْدَ الدُّخُولِ في صَوْمِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ الخُرُوجُ مِنهُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ الخُرُوجُ، وعَلَيْهِ الهَدْيُ.

وقالَ عَطاءٌ: إنْ صامَ يَوْمَيْنِ ثُمَّ أيْسَرَ؛ فَعَلَيْهِ الهَدْيُ.

وإنْ صامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ أيْسَرَ؛ فَلْيَصُمِ السَّبْعَةَ، ولا هَدْيَ عَلَيْهِ.

وفي مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فِي الحَجِّ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: في أشْهُرِ الحَجِّ.

والثّانِي: في زَمانِ الإحْرامِ بِالحَجِّ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ، والشَّعْبِيُّ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: إذا رَجَعْتُمْ مِن حَجِّكم، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، ومالِكٍ.

قالَ الأثْرَمُ: قُلْتُ لِأبِي عُبَيْدِ اللهِ، يَعْنِي: أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ: فَصِيامُ السَّبْعَةِ أيّامٍ إذا رَجَعَ مَتى يَصُومُهُنَّ؟

أفِي الطَّرِيقِ، أمْ في أهْلِهِ؟

قالَ: كُلُّ ذَلِكَ قَدْ تَأوَّلَهُ النّاسُ.

قِيلَ لِأبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَفَرَّقَ بَيْنَهُنَّ، فَرَخَّصَ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: كامِلَةٌ في قِيامِها مَقامَ الهَدْيِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ الثَّلاثَةَ قَدْ قامَتْ مَقامَ الهَدْيِ في بابِ اسْتِكْمالِ الثَّوابِ، فَأعْلَمَنا اللَّهُ تَعالى أنَّ العَشْرَةَ بِكَمالِها هي القائِمَةُ مَقامَهُ.

.

والثّانِي: أنَّ الواوَ قَدْ تَقُومُ مَقامَ "أوْ" في مَواضِعَ، مِنها قَوْلُهُ: ﴿ فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ﴾ فَأزالَ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ احْتِمالَ التَّخْيِيرِ في هَذِهِ الآَيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنْ ذَلِكَ لِلتَّوْكِيدِ وأنْشَدُوا لِلْفَرَزْدَقَ: ثَلاثٌ واثْنَتانِ فَهُنَّ خَمْسٌ وسادِسَةٌ تَمِيلُ إلى شَمامِي وَقالَ آَخَرُ: هَلّا سَألْتَ جُمُوعَ كِنْدَةَ ∗∗∗ يَوْمَ ولَّوْا أيْنَ أيُّنا وَقالَ آَخَرُ: كَمْ نِعْمَةٍ كانَتْ لَهُ ∗∗∗ كَمْ كَمْ وكَمْ والقُرْآَنُ نَزَلَ بِلُغَةِ العَرَبِ، وهي تُكَرِّرُ الشَّيْءَ لِتَوْكِيدِهِ.

والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: تِلْكَ عَشْرَةٌ كامِلَةٌ في الفَصْلِ، وإنْ كانَتِ الثَّلاثَةُ في الحَجِّ، والسَّبْعَةُ بَعْدُ، لِئَلّا يَسْبِقُ إلى وهْمِ أحَدٍ أنَّ السَّبْعَةَ دُونَ الثَّلاثَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والخامِسُ: أنَّها لَفْظَةُ خَبَرٍ ومَعْناها: الأمْرُ، فَتَقْدِيرُهُ: تِلْكَ عَشَرَةٌ فَأكْمَلُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الجَزاءُ بِالنُّسُكِ والصِّيامِ.

واللّامُ مَن "لِمَن" في هَذا القَوْلِ بِمَعْنى: "عَلى" .

فَأمّا حاضِرُوا المَسْجِدِ الحَرامِ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُوسٌ، ومُجاهِدٌ: هم أهْلُ الحَرَمِ.

وقالَ عَطاءٌ: مَن كانَ مَنزِلُهُ دُونَ المَواقِيتِ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ومَعْنى الآَيَةِ: أنَّ هَذا الفَرْضَ لِمَن كانَ مِنَ الغُرَباءِ، وإنَّما ذَكَرَ أهْلَهُ وهو المُرادُ بِالحُضُورِ، لِأنَّ الغالِبَ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَسْكُنَ حَيْثُ أهْلُهُ ساكِنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَهْلُكَةِ وأحْسِنُوا إنَّ اللهِ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو بِهِ أذًى مِنَ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنَ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجَّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجَّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ "سَبِيلِ اللهِ" هُنا: الجِهادُ، واللَفْظُ يَتَناوَلُ بَعْدَ- جَمِيعِ سُبُلِهِ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَوْمٌ: الباءُ في قَوْلِهِ: "بِأيْدِيكُمْ" زائِدَةٌ.

التَقْدِيرُ: "تُلْقُوا أيْدِيَكُمْ".

وقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ ضَرْبٌ مَثَلٍ.

تَقُولُ: ألْقى فَلانٌ بِيَدِهِ في أمْرِ كَذا إذا اسْتَسْلَمَ، لِأنَّ المُسْتَسْلِمَ في القِتالِ يُلْقِي سِلاحَهُ بِيَدِهِ، فَكَذَلِكَ فَعَلَ كُلُّ عاجِزٍ في أيِّ فِعْلٍ كانَ، ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: "واللهِ إنَّ إلْقاءَنا بِأيْدِينا إلى المَوْتِ لَعَجْزٌ".

وقالَ قَوْمٌ: التَقْدِيرُ: لا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكُمْ، كَما تَقُولُ: لا تُفْسِدُ حالَكَ بِرَأْيِكَ.

و"التَهْلُكَةُ" بِضَمِّ اللامِ مَصْدَرٌ مَن هَلَكَ.

وقَرَأ الخَلِيلُ: "التَهْلِكَةِ" بِكَسْرِ اللامِ، وهي مُفْعِلَةٌ مَن هَلَّكَ بِشَدِّ اللامِ.

ورُوِيَ عن أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ أنَّهُ كانَ عَلى القُسْطَنْطِينِيَّةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلى عَسْكَرِ العَدُوِّ، فَقالَ قَوْمٌ: ألْقى بِيَدِهِ إلى التَهْلُكَةِ، فَقالَ أبُو أيُّوبٍ: لا.

إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأنْصارِ حِينَ أرادُوا -لَمّا ظَهَرَ الإسْلامُ- أنْ يَتْرُكُوا الجِهادَ، ويَعْمُرُوا أمْوالَهُمْ، وأمّا هَذا فَهو الَّذِي قالَ اللهُ فِيهِ: ﴿ وَمِنَ الناسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ  ﴾ .

وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، وجُمْهُورُ الناسِ: المَعْنى: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم بِأنْ تَتْرُكُوا النَفَقَةَ في سَبِيلِ اللهِ، وتَخافُوا العَيْلَةَ، فَيَقُولُ الرَجُلُ: لَيْسَ عِنْدِي ما أُنْفِقُ.

وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى، لا تَقْنَطُوا مِنَ التَوْبَةِ.

وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: الآيَةُ في الرَجُلِ يَقُولُ: قَدْ بَلَغْتُ في المَعاصِي، فَلا فائِدَةَ في التَوْبَةِ، فَيَنْهَمِكُ بَعْدَ ذَلِكَ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: المَعْنى: لا تُسافِرُوا في الجِهادِ بِغَيْرِ زادٍ، وقَدْ كانَ فِعْلُ ذَلِكَ قَوْمٌ فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الِانْقِطاعِ في الطَرِيقِ، أوِ الكَوْنِ عالَةً عَلى الناسِ.

وقَوْلُهُ: "وَأحْسِنُوا" قِيلَ: مَعْناهُ: في أعْمالِكم بِامْتِثالِ الطاعاتِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عن بَعْضِ الصَحابَةِ.

وقِيلَ: المَعْنى: وأحْسِنُوا في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللهِ، وفي الصَدَقاتِ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: المَعْنى: وأحْسِنُوا الظَنَّ بِاللهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، والشَعْبِيُّ، وغَيْرُهُما: إتْمامُهُما ألّا يَفْسَخا، وأنْ تُتِمَّهُما إذا بَدَأْتَ بِهِما.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إتْمامُهُما أنْ تَحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ، وفَعَلَهُ عِمْرانُ بْنُ حُصَيْنٍ.

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: إتْمامُهُما أنْ تَخْرُجَ قاصِدًا لَهُما، لا لِتِجارَةٍ، ولا لِغَيْرِ ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: "لِلَّهِ" وقالَ قَتادَةُ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِالعُمْرَةِ وتَقْضِيَها في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وأنْ تُتِمَّ الحَجَّ دُونَ نَقْصٍ ولا جَبْرٍ بِدَمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الدَمَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ جَبْرُ نَقْصٍ، وهو قَوْلُ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ.

وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ يَرَوْنَ أنَّ كَثْرَةَ الدَمِ كَمالٌ وزِيادَةٌ، وكُلَّما كَثُرَ عِنْدَهم لُزُومُ الدَمِ فَهو أفْضَلُ، واحْتَجُّوا بِأنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ  : «ما أفْضَلَ الحَجَّ؟

فَقالَ: العَجُّ والثَجُّ» ومالِكٌ ومَن قالَ بِقَوْلِهِ يَراهُ ثَجُّ التَطَوُّعِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: إتْمامُهُما أنْ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ ولا تَقْرِنُ، وهَذا عَلى أنَّ الإفْرادَ أفْضَلُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: القُرْآنُ أفْضَلُ وذَلِكَ هو الإتْمامُ عِنْدَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ، وغَيْرُهُمْ: إتْمامُهُما أنْ تَقْضِيَ مَناسِكَهُما كامِلَةً بِما كانَ فِيها مِن دِماءٍ.

وفُرُوضُ الحَجِّ: النِيَّةُ، والإحْرامُ، والطَوافُ المُتَّصِلُ بِالسَعْيِ، والسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةِ عِنْدَنا، خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ، والوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، والجَمْرَةُ عَلى قَوْلِ ابْنِ الماجِشُونَ.

وأمّا أعْمالُ العُمْرَةِ: فَنِّيَّةٌ وإحْرامٌ، وطَوافٌ وسَعْيٌ، واخْتُلِفَ في فَرْضِ العُمْرَةِ.

فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: هي سُنَّةٌ واجِبَةٌ لا يَنْبَغِي أنْ تُتْرَكَ كالوِتْرِ، وهي عِنْدُنا مَرَّةٌ واحِدَةٌ في العامِ وهَذا قَوْلُ جُمْهُورِ أصْحابِهِ.

وحَكى ابْنُ المُنْذِرِ في "الإشْرافِ" عن أصْحابِ الرَأْيِ أنَّها عِنْدَهم غَيْرُ واجِبَةٍ.

وحَكى بَعْضُ القُرَوِيِّينَ والبَغْدادِيِّينَ عن أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُوجِبُها كالحَجِّ، وبِأنَّها سُنَّةٌ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ النَصَّ عَلى ذَلِكَ عن رَسُولِ اللهِ  .

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، والشافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، والشَعْبِيِّ وجَماعَةٍ تابِعِينَ أنَّها واجِبَةٌ كالفَرْضِ، وقالَهُ ابْنُ الجَهْمِ مِنَ المالِكِيِّينَ.

وقالَ مَسْرُوقٌ: الحَجُّ والعُمْرَةُ فَرْضٌ، نَزَلَتِ العُمْرَةُ مِنَ الحَجِّ مَنزِلَةَ الزَكاةِ مِنَ الصَلاةِ.

وقَرَأ الشَعْبِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "والعُمْرَةُ لِلَّهِ" بِرَفْعِ العُمْرَةِ عَلى القَطْعِ والِابْتِداءِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "الحِجُّ" بِكَسْرِ الحاءِ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ لِلَّهِ"، ورُوِيَ عنهُ: "وَأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ إلى البَيْتِ"، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو كالتَفْسِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ﴾ ، قالَ عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، وغَيْرُهُما: الآيَةُ فِيمَن أُحْصِرَ بِالمَرَضِ لا بِالعَدُوِّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ مِنَ اللُغَةِ: أحُصِرَ بِالمَرَضِ وحُصِرَ بِالعَدُوِّ، وفي "المُجْمَلِ" لِابْنِ فارِسٍ: حُصِرَ بِالمَرَضِ وأُحْصِرَ بِالعَدُوِّ.

وقالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المَرَضِ والعَدُوِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ أنَّ "حُصِرَ" إنَّما هي فِيما حاطَ وجاوَرَ، فَقَدْ يُحْصَرُ العَدُوُّ والماءُ ونَحْوُهُ، ولا يُحْصُرُ المَرَضُ.

وأُحْصِرَ مَعْناهُ: جُعِلَ الشَيْءُ ذا حَصْرٍ كَأقْبَرَ وأحْمى وغَيْرِ ذَلِكَ، فالمَرَضُ والماءُ والعَدُوُّ وغَيْرُ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مُحْصَرًا لا حاصِرًا، ألا تَرى أنَّ العَدُوَّ كانَ مُحْصَرًا في عامِ الحُدَيْبِيَةَ ؟

وفي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ التَأْوِيلِ.

وأجْمَعَ جُمْهُورُ الناسِ عَلى أنَّ المُحْصَرَ بِالعَدُوِّ يَحِلُّ حَيْثُ أُحْصِرَ ويَنْحَرُ هَدْيَهُ إنْ كانَ ثَمَّ هَدْيٌ ويَحْلِقُ رَأْسَهُ.

وقالَ قَتادَةُ، وإبْراهِيمُ: يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إنْ أمْكَنَهُ، فَإذا بَلَغَ مَحِلَّهُ صارَ حَلالًا، ولا قَضاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الجَمِيعِ، إلّا أنْ يَكُونَ ضَرُورَةً فَعَلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ الماجِشُونَ: لَيْسَتْ عَلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ وقَدْ قَضاها حِينَ أُحْصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ لا وجْهَ لَهُ.

وقالَ أشْهَبُ: يَهْدِي المُحْصَرَ بِعَدُوٍّ هَدْيًا مِن أجْلِ الحَصْرِ..

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا يَهْدِي شَيْئًا إلّا إنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَأرادَ نَحْرَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي زَيْدٍ، وقالَ عَطاءٌ وغَيْرُهُ: المَحْصَرُ بِالمَرَضِ كالمُحْصَرِ بِالعَدُوِّ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: المَحْصَرُ بِالمَرَضِ لا يَحِلُّهُ إلّا البَيْتُ، ويُقِيمُ حَتّى يَفِيقَ وإنْ أقامَ سِنِينَ، فَإذا وصَلَ البَيْتَ بَعْدَ فَوْتِ الحَجِّ قَطَعَ التَلْبِيَةَ في أوائِلِ الحَرَمِ وحَلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِ حُجَّةُ قَضاءٍ، وفِيها يَكُونُ الهَدْيُ، وقِيلَ: إنَّ الهَدْيَ يَجِبُ في وقْتِ الحَصْرِ أوَّلًا.

ولَمْ يَرَ ابْنُ عَبّاسٍ مَن أحْصُرَهُ المَرَضُ داخِلًا في هَذِهِ الآيَةِ، وقالَ: إنَّ المَرِيضَ إنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَّ حَيْثُ حُبِسَ، وإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَمْ يَحِلَّ حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ ثُمَّ لا قَضاءَ عَلَيْهِ.

قالَ: وإنَّما قالَ اللهُ: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ، والأمْنُ إنَّما هو مِنَ العَدُوِّ فَلَيْسَ المَرِيضُ في الآيَةِ.

و"ما" في مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيْ فالواجِبُ، أو فَعَلَيْكم ما اسْتَيْسَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ فانْحَرُوا، أو فاهْدُوا.

و ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ ﴾ -عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ-: شاةٌ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ: "ما اسْتَيْسَرَ": جَمَلٌ دُونَ جَمَلٍ، وبَقْرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ.

وقالَ الحَسَنُ: أعْلى الهَدْيِ بِدَنَةٌ، وأوسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأخَسُّهُ شاةٌ.

و"الهَدْيُ": جَمْعُ هَدْيَةٍ كَجَدْيَةِ السَرْجِ، وهي البُرادُ جَمْعُها جُدْيٌ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الهَدْيُ" مَصْدَرًا سُمِّيَ بِهِ كالرَهْنِ ونَحْوِهِ، فَيَقَعُ لِلْإفْرادِ ولِلْجَمْعِ.

وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: لا أعْرِفُ لِهَذِهِ اللَفْظَةِ نَظِيرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ الآيَةُ، الخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ: مُحْصَرٌ ومُخْلى: ومِنَ العُلَماءِ مَن يَراها لِلْمُحْصِرِينَ خاصَّةُ.

وَمَحِلُّ الهَدْيِ حَيْثُ يَحِلُّ نَحْرُهُ، وذَلِكَ لِمَن لَمْ يُحْصَرْ بِمِنى، ولِمَن أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ حَيْثُ أُحْصِرَ إذا لَمْ يُمْكِنْ إرْسالُهُ.

وأمّا المَرِيضُ فَإنْ كانَ لَهُ هَدْيٌ فَيُرْسِلُهُ إلى مَحِلِّهِ.

والتَرْتِيبُ: أنْ يَرْمِيَ الحاجُّ الجَمْرَةَ، ثُمَّ يَنْحَرُ، ثُمَّ يَحْلِقُ، ثُمَّ يَطُوفُ طَوافَ الإفاضَةِ، فَإنْ نَحَرَ رَجُلٌ قَبْلَ الرَمْيِ أو حَلَقَ قَبْلَ النَحْرِ فَلا حَرَجَ حَسَبَ الحَدِيثِ ولا دَمَ.

وقالَ قَوْمٌ: لا حَرَجَ في الحَجِّ ولَكِنْ يُهْرِقُ دَمًا.

وقالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ الماجِشُونَ - مِن أصْحابِنا -: إذا حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَنْحَرَ فَلْيَهْدِ.

وإنْ حَلَقَ رَجُلٌ قَبْلَ أنْ يَرْمِيَ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَوْلًا واحِدًا في المَذْهَبِ.

قالَ ابْنُ المَوّازِ، عن مالِكٍ: ويَمُرُّ المُوسى عَلى رَأْسِهِ بَعْدَ الرَمْيِ، ولا دَمَ في ذَلِكَ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وجَماعَةٍ مَعَهُ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ: "الهَدِيَّ" بِكَسْرِ الدالِ وشَدِّ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ واحِدَتُهُ هَدِيَّةٌ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عن عاصِمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا ﴾ الآيَةُ، والمَعْنى: فَحَلَقَ لِإزالَةِ الأذى "فَفِدْيَةٌ"، وهَذا هو فَحْوى الخِطابِ عِنْدَ أكْثَرِ الأُصُولِيِّينَ.

«وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ حِينَ رَآهُ رَسُولُ اللهِ  ورَأسُهُ يَتَناثَرُ قَمْلًا فَأمَرَهُ بِالحَلّاقِ»، ونَزَلَتِ الرُخْصَةُ.

و"فِدْيَةٌ" رُفِعَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ.

والصِيامُ عِنْدَ مالِكٍ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ، وغَيْرِهِمْ، وجَمِيعِ أصْحابِ مالِكٍ: ثَلاثَةُ أيّامٍ.

والصَدَقَةُ: سِتَّةُ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، وذَلِكَ مُدّانِ بِمُدٍّ النَبِيُّ  ، والنُسُكُ: شاةٌ بِإجْماعٍ، ومَن ذَبَحَ أفْضَلَ مِنها فَهو أفْضَلُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وعِكْرِمَةُ: الصِيامُ عَشْرَةُ أيّامٍ، والإطْعامُ عَشَرَةُ مَساكِينَ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أو نُسْكٌ" بِسُكُونِ السِينِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: النُسُكُ: شاةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْها فَقِيمَتُها يُشْتَرى بِها طَعامٌ فَيُطْعَمُ مِنهُ مُدّانِ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدِ القِيمَةَ عَرَّفَها، وعَرَّفَ ما يُشْتَرى بِها مِنَ الطَعامِ، وصامَ عن كُلِّ مَدِينٍ يَوْمًا.

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ذَلِكَ كُلُّهُ حَيْثُ شاءَ، وقالَهُ إبْراهِيمُ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، إلّا ابْنَ الجَهْمِ فَإنَّهُ قالَ: لا يَكُونُ النُسُكُ إلّا بِمَكَّةَ.

وقالَ عَطاءٌ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ- وأصْحابُ الرَأْيِ: النُسُكُ بِمَكَّةَ، والصِيامُ والإطْعامُ حَيْثُ شاءَ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وطاوُوسٌ وعَطاءٌ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، والشافِعِيٌّ: النُسُكُ والإطْعامُ بِمَكَّةَ، والصِيامُ حَيْثُ شاءَ.

والمُفْتَدِي مُخَيَّرٌ في أيِّ هَذِهِ الثَلاثَةِ شاءَ، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ في كُلِّ ما في القُرْآنِ، أو فَإنَّهُ عَلى التَخْيِيرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ ، قالَ عَلْقَمَةُ، وعُرْوَةُ: المَعْنى: إذا بَرِئْتُمْ مِن مَرَضِكُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إذا أمِنتُمْ مِن خَوْفِكم مِنَ العَدُوِّ المُحْصَرِ، وهَذا أشْبَهُ بِاللَفْظِ، إلّا أنْ يَتَخَيَّلَ الخَوْفَ مِنَ المَرَضِ، فَيَكُونُ الأمْنُ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ الآيَةُ.

قالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ، وعَلْقَمَةُ، وإبْراهِيمُ: الآيَةُ في المُحْصِرِينَ دُونَ المُخْلى سَبِيلُهُمْ، وصُورَةُ المُتَمَتِّعِ عِنْدَ ابْنِ الزُبَيْرِ أنْ يُحْصَرَ الرَجُلُ حَتّى يَفُوتَهُ الحَجُّ، ثُمَّ يَصِلُ إلى البَيْتِ، فَيَحِلُّ بِعُمْرَةٍ، ويَقْضِي الحَجَّ مِن قابِلٍ، فَهَذا قَدْ تَمَتَّعَ بِما بَيْنَ العُمْرَةِ إلى حَجِّ القَضاءِ.

وصُورَةُ المُتَمَتِّعِ المَحْصَرِ عِنْدَ غَيْرِهِ أنْ يُحْصَرَ فَيَحِلُّ دُونَ عُمْرَةٍ ويُؤَخِّرُها حَتّى يَأْتِيَ مِن قابِلٍ فَيَعْتَمِرُ في أشْهُرِ الحَجِّ ويَحُجُّ مِن عامِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الآيَةُ في المُحْصِرِينَ وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ.

وصُورَةُ المُتَمَتِّعِ أنْ تَجْتَمِعَ فِيهِ سِتَّةُ شُرُوطٍ: أنْ يَكُونَ مُعْتَمِرًا في أشْهُرِ الحَجِّ، وَهُوَ مِن غَيْرِ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، ويَحِلُّ، ويُنْشِئُ الحَجَّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، دُونَ رُجُوعٍ إلى وطَنِهِ، أو ما ساواهُ بُعْدًا.

هَذا قَوْلُ مالِكٍ وأصْحابِهِ.

واخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا؟

فَقالَ ابْنُ القاسِمِ: لِأنَّهُ تَمَتَّعَ بِكُلِّ ما لا يَجُوزُ لِلْمُحَرَّمِ فِعْلُهُ، مِن وقْتٍ حِلِّهِ في العُمْرَةِ إلى وقْتِ إنْشائِهِ الحَجَّ، وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ مُتَمَتِّعًا لِأنَّهُ تَمَتَّعَ بِإسْقاطِ أحَدِ السَفَرَيْنِ، وذَلِكَ أنَّ حَقَّ العُمْرَةِ أنْ تُقْصَدَ بِسَفْرَةٍ، وحَقُّ الحَجِّ كَذَلِكَ، فَلَمّا تَمَتَّعَ بِإسْقاطِ أحَدِهِما ألْزَمَهُ اللهُ هَدْيًا، كالقارِنِ الَّذِي يَجْمَعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ في سَفَرٍ واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ شِدَّةٌ عَلى القادِمِ مَكَّةَ مِن سائِرِ الأقْطارِ لِما أسْقَطَ سَفَرًا، والمَكِّيُّ لا يَقْتَضِي حالُهُ سَفَرًا، في عُمْرَةٍ ولا حَجٍّ، لِأنَّهُ في بُقْعَةِ الحَجِّ.

فَلَمْ يَلْزَمْ شَيْئًا لِأنَّهُ لَمْ يُسْقِطْ شَيْئًا، ومَن قالَ إنَّ اسْمَ التَمَتُّعِ وحُكْمَهُ إنَّما هو مِن جِهَةِ التَمَتُّعِ بِالنِساءِ والطِيبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّهُ يَسْتَغْرِقُ قَوْلَهُ: ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ﴾ المَكِّيُّ وغَيْرُهُ عَلى السَواءِ في القِياسِ، فَكَيْفَ يَشْتَدُّ مَعَ ذَلِكَ عَلى الغَرِيبِ الَّذِي هو أعْذَرُ، ويُلْزِمُ هَدْيًا ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالمَكِّيِّ؟

فَيَتَرَجَّحُ بِهَذا النَظَرِ أنَّ التَمَتُّعَ إنَّما هو مِن أجْلِ إسْقاطِ أحَدِ السَفَرَيْنِ.

إلّا أنَّ أبا عُبَيْدٍ قالَ -فِي كِتابِ الناسِخِ والمَنسُوخِ لَهُ-: إنَّ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ مَمْنُوعَةٌ لِلْمَكِّيِّ، لا تَجُوزُ لَهُ، ورَخَّصَ اللهُ تَعالى لِلْقادِمِ، لِطُولِ بَقائِهِ مُحْرِمًا، وقَرَنَ الرُخْصَةَ بِالهَدْيِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذِهِ شِدَّةٌ عَلى أهْلِ مَكَّةَ، وبِهَذا النَظَرِ يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ التَمَتُّعُ مِن جِهَةِ اسْتِباحَةٍ ما لا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ، لَكِنَّهُ قَوْلٌ شاذٌّ لا يَعَوَّلُ عَلَيْهِ.

وجُلُّ الأُمَّةِ عَلى جَوازِ العُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ لِلْمَكِّيِّ، ولا دَمَ عَلَيْهِ، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ القَوْلَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، واسْتَنَدَ إلَيْهِ في الَّذِي وافَقَهُ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وَقالَ: إنَّهُ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، لا مُتْعَةَ لَكُمْ، إنَّ اللهَ قَدْ أحَلَّها لِأهْلِ الآفاقِ، وحَرَّمَها عَلَيْكُمْ، إنَّما يَقْطَعُ أحَدُكم وادِيًا ثُمَّ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ، فَمَعْنى هَذا أنَّهم مَتى أحْرَمُوا دامُوا إلى الحَجِّ.

وقالَ السُدِّيُّ: المُتَمَتِّعُ هو الَّذِي يَفْسَخُ الحَجَّ في العُمْرَةِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ مالِكٍ.

وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ حَدِيثُ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ.

قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ.

فَسْخُ الحَجِّ في العُمْرَةِ؛ ألَنا خاصَّةً أمْ لِلْأبَدِ؟

فَقالَ: "بَلْ لِأبَدَ أبَدَ"» وإنَّما شَرْطٌ في المُتَمَتِّعِ أنْ يَحِلَّ في أشْهُرِ الحَجِّ، لِأنَّها مُدَّةٌ يَمْلِكُها الحَجُّ، فَمَن كانَ فِيها مُحْرِمًا فَحَقُّهُ أنْ يَصِلَ الإحْرامَ إلى الحَجِّ.

وفي كِتابِ مُسْلِمٍ إيعابُ الأحادِيثِ في هَذا المَعْنى، ومَذْهَبُ عُمَرَ، وقَوْلُ أبِي ذَرٍّ: إنَّ مُتْعَةَ النِساءِ ومُتْعَةَ الحَجِّ خاصَّتانِ لِأصْحابِ النَبِيِّ  .

وقالَ طاوُسٌ: مَنِ اعْتَمَرَ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ أقامَ حَتّى حَجَّ مِن عامِهِ فَهو مُتَمَتِّعٌ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "مَنِ اعْتَمَرَ بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ في بَقِيَّةِ العامِ فَهو مُتَمَتِّعٌ".

وهَذانَ قَوْلانِ شاذّانِ لَمْ يُوافِقْهُما أحَدٌ مِنَ العُلَماءِ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ فِيما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذه الجملة معطوفة على جملة ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ [البقرة: 190] الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين.

ووجه الحاجة إلى هذا الأمر.

مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيماناً بالله وثقة به، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيراً بقوله: ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب ناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها، فتطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى ﴿ فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ﴾ [المائدة: 24] فالمسلمون إذا بذلوا وسعهم، ولم يفرطوا في شيء ثم ارتبكوا في أمر بعد ذلك فالله ناصرهم، ومؤيدهم فيما لا قبل لهم بتحصيله ولقد نصرهم الله ببدر هم أذلة، إذ هم يؤمئذٍ جملة المسلمين وإذ لم يقصروا في شيء، فأما أقوام يتلفون أموال المسلمين في شهواتهم، ويفيتون الفرص وقت الأمن فلا يستعدون لشيء ثم يطلبون بعد ذلك من الله النصر والظفر فأولئك قوم مغرورون، ولذلك يسلط الله عليهم أعداءهم بتفريطهم، ولعله يتداركهم في خلال ذلك بلطفه فيما يرجع إلى استبقاء الدين.

والإنفاق تقدم في قوله تعالى: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [البقرة: 3].

و (سبيل الله) طريقه، والطريق إذا أضيف إلى شيء فإنما يضاف إلى ما يوصل إليه، ولما علم أن الله لا يصل إليه الناس تعيَّن أن يكون المراد من الطريق العمل الموصل إلى مرضاة الله وثوابه، فهو مجاز في اللفظ ومجاز في الإسناد، وقد غلب (سبيل الله) في اصطلاح الشرع في الجهاد.

أي القتال للذب عن دينه وإعلاء كلمته، و(في) للظرفية لأن النفقة تكون بإعطاء العَتاد، والخيل، والزاد، وكل ذلك مظروف للجهاد على وجه المجاز وليست (في) هنا مستعملة للتعليل.

وقوله تعالى: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ عطف غرض على غرض، عُقِّب الأمر بالإنفاق في سبيل الله بالنهي عن الأعمال التي لها عواقب ضارة إبلاغاً للنصيحة والإرشاد لئلا يدفع بهم يقينهم بتأييد الله إياهم إلى التفريط في وسائل الحذر من غلبَة العدو، فالنهي عن الإلقاء بالنفوس إلى التهلكة يجمع معنى الأمر بالإنفاق وغيره من تصاريف الحرب وحفظ النفوس، ولذلك فالجملة فيها معنى التذييل وإنما عطفت ولم تفصل باعتبار أنها غرض آخر من أغراض الإرشاد.

والإلقاء رمي الشيء من اليد وهو يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى المرمى إليه بإلى وإلى المرمى فيه بفي.

والظاهر أن الأيدي هي المفعول إذ لم يذكر غيره، وأن الباء زائدة لتوكيد اتصال الفِعل بالمفعول كما قالوا للمنقاد «أَعطى بيده» أي أعطى يده لأن المستسلم في الحرب ونحوه يُشَد بيده، فزيادة الباء كزيادتها في ﴿ وهُزى إليك بجِذْع النخلة ﴾ [مريم: 25] وقول النابغة لَك الخَيْرُ إِنْ وارتْ بك الأرضُ وَاحِدا *** والمعنى ولا تعطوا الهلاكَ أيديَكم فيأخذكم أخذ الموثَققِ، وجل التهلكة كالآخِذِ والآسِرِ استعارة بجامع الإحاطة بالملقى، ويجوز أن تُجعل اليد مع هذا مجازاً عن الذات بعلاقة البعضية لأن اليد أَهم شيء في النفس في هذا المعنى، وهذا في الأمرين كقول لبيد: حَتَّى إذَا أَلْقَتْ يَداً في كَافِرٍ أي ألقت الشمس نفسها.

وقيل الباء سببية والأيدي مستعملة في معنى الذات كناية عن الاختيار والمفعول محذوف أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة باختياركم.

والتهلكة بضم اللام اسم مصدر بمعنى الهلاك، وإنما كان اسم مصدر لأنه لم يعهد في المصادر وزن التَّفْعلة بضم العين وإنما في المصادر التفعلة بكسر العين لكِنَّه مصدرُ مضاعففِ العين المعتل اللام كزكَّى وغطَّى، أو المهموز اللام كَجزَّأَ وهيأ، وحكى سيبويه له نظيرين في المشتقات التَّضُرَّة والتَّسُرَّة بضم العين من أضر وأَسر بمعنى الضُّر والسُّرور، وفي الأسماء الجامدة التَّنْضُبة والتَّتْفُلة (الأول اسم شجر، والثاني ولَدُ الثعلب).

وفي «تاج العروس» أن الخليل قرأها (التهلِكة) بكسر اللام ولا أحسب الخليل قرأ كذلك؛ فإن هذا لم يرو عن أحد من القراء في المشهور ولا الشاذ فإن صح هذا النقل فلعل الخليل نطق به على وجه المثال فلم يضبط من رواه عنه حق الضبط، فإن الخليل أجل من أن يقرأ القرآن بحرف غير مأثور.

ومعنى النهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة النهي عن التسبب في إتلاف النفس أو القوممِ عن تحقق الهلاك بدون أن يجتنَى منه المقصودُ.

وعُطِف على الأمر بالإنفاق للإشارة إلى علة مشروعية الإنفاق وإلى سبب الْامر به فإنَّ ترك الإنفاق في سبيل الله والخروجَ بدون عُدة إلقاءٌ باليد للهلاك كما قيل: كساععٍ إلى الهَيْجَا بغير سِلاَح *** فلذلك وجب الإنفاق، ولأن اعتقاد كفاية الإيمان بالله ونصر دينه في هزم الأعداء اعتقادٌ غير صحيح، لأنه كالذي يلقي بنفسه للهلاك ويقول سينجيني الله تعالى، فهذا النهي قد أفاد المعنيين جميعاً وهذا من أبدع الإيجاز.

وفي البخاري عن ابن عباس وجماعة من التابعين في معنى ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ لا تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العَيْلة وإن لم إلاَّ يكز سهم أو مشقص فأْتتِ به.

وقد قيل في تفسير ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ أقوال: الأول أَنَّ ﴿ أنفقوا ﴾ أمرٌ بالنفقة على العيال، والتهلكة: الإسراف فيها أو البخل الشديد رواه البخاري عن حذيفة، ويبعده قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ وأن إطلاق التهلكة على السرف بعيد وعلى البخل أبعد.

الثاني أنها النفقة على الفقراء أي الصدقة والتهلكة الإمساك وببعده عدم مناسبة العطف وإطلاق التهلكة على الإمساك.

الثالث الإنفاق في الجهاد، والإلقاء إلى التهلكة الخروج بغير زاد.

الرابع الإلقاء باليد إلى التهلكة: الاستسلام في الحرب أي لا تستسلموا للأسر.

الخامس أنه الاشتغال عن الجهاد وعن الإنفاق فيه بإصلاح أموالهم.

روى الترمذي عن أسلم أبي عمران قال: كنا بمدينة الروم (القسطنطينية) فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم فخرج إليهم من المسلمين مثلهم فحمل رجل من المسلمين على صف للروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل وإنما أنزلت فينا معاشر الأنصار لما أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا: ﴿ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو اه، والآية تتحمل جميع المعاني المقبولة.

ووقوع فعل ﴿ تلقوا ﴾ في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد للتهلكة أي كل تسبب في الهلاك عن عمد فيكون منهياً عنه محرماً ما لم يوجد مقتض لإزالة ذلك التحريم وهو ما يكون حفظه مقدماً على حفظ النفس مع تحقق حصول حفظه بسبب الإلقاء بالنفس إلى الهلاك أو حفظ بعضه بسبب ذلك.

فالتفريط في الاستعداد للجهاد حرام لا محالة لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة، وإلقاء بالأمة والدين إليها بإتلاف نفوس المسلمين.

وقد اختلف العلماء في مثل هذا الخبر الذي رواه الترمذي عن أبي أيوب وهو اقتحام الرجل الواحد على صف العدو فقال القاسم بن محمد (من التابعين) وعبد الملك بن الماجشون وابن خويز منداد (من المالكية) ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: لا بأس بذلك إذا كان فيه قوة وكان بنية خالصة لله تعالى وطمع في نجاة أو في نكاية العدو أو قصد تجرئة المسلمين عليهم، وقد وقع ذلك من بعض المسلمين يوم أحد بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن كذلك كان من الإلقاء إلى التهلكة.

وقوله تعالى: ﴿ وأحسنوا ﴾ الإحسان فعل النافع الملائم، فإذا فعل فعلاً نافعاً مؤلماً لا يكون محسناً فلا تقول إذا ضربت رجلاً تأديباً: أحسنت إليه ولا إذا جاريته في ملذات مضرة أَحسنت إليه، وكذا إذا فعل فعلاً مضراً ملائماً لا يسمى محسناً.

وفي حذف متعلق ﴿ أحسنوا ﴾ تنبيه على أن الإحسان مطلوب في كل حال ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: " إن الله كتب الإحسان على كل شيء ".

وفي الأمر بالإحسان بعد ذكر الأمر بالاعتداء على المعتدي والإنفاق في سبيل الله والنهي عن الإلقاء باليد إلى التهلكة إشارة إلى أنّ كلّ هاته الأحوال يلابسها الإحسان ويحفّ بها، ففي الاعتداء يكون الإحسان بالوقوف عند الحدود والاقتصاد في الاعتداء والاقتناع بما يحصل به الصلاح المطلوب، وفي الجهاد في سبيل الله يكون الإحسان بالرفق بالأسير والمغلوب وبحفظ أموال المغلوبين وديارهم من التخريب والتحريق، والعرب تقول: «ملكت فأسجح»، والحذر من الإلقاء باليد إلى التهلكة إحسان.

وقوله: ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ تذييل للترغيب في الإحسان، لأن محبة الله عبده غاية ما يطلبه الناس إذ محبة الله العبد سبب الصلاح والخير دنيا وآخرة، واللام للاستغراق العرفي والمراد المحسنون من المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ يَعْنِي الجِهادَ.

﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ وفي الباءِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولا تُلْقُوا أيْدِيَكم إلى التَّهْلُكَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها غَيْرُ زائِدَةٍ أيْ ولا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ، والتَّهْلُكَةِ والهَلاكُ واحِدٌ.

وَفِي: ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، فَتَهْلِكُوا بِالإثْمِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وحُذَيْفَةَ.

والثّانِي: أيْ لا تَخْرُجُوا بِغَيْرِ زادٍ، فَتَهْلِكُوا بِالضَّعْفِ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ ابْنِ أسْلَمَ.

والثّالِثُ: أيْ تَيْأسُوا مِنَ المَغْفِرَةِ عِنْدَ ارْتِكابِ المَعاصِي، فَلا تَتُوبُوا، وهَذا قَوْلُ البَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والرّابِعُ: أنْ تَتْرُكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَتَهْلِكُوا، وهَذا قَوْلُ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ.

والخامِسُ: أنَّها التَّقَحُّمُ في القِتالِ مِن غَيْرِ نِكايَةٍ في العَدُوِّ، وهَذا قَوْلُ أبِي القاسِمِ البَلْخِيِّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ عامٌّ مَحْمُولٌ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِهِ الإحْسانَ في أداءِ الفَرائِضِ، وهو قَوْلُ بَعْضِ الصَّحابَةِ.

والثّانِي: وأحْسِنُوا الظَّنَّ بِالقَدَرِ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: عُودُوا بِالإحْسانِ عَلى مَن لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن حذيفة في قوله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ قال: هو ترك النفقة في سبيل الله مخافة العيلة.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ قال: ترك النفقة في سبيل الله، أنفق ولو مشقصاً.

وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: ليس التهلكة أن يقتل الرجل في سبيل الله ولكن الإِمساك عن النفقة في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ قال: نزلت في النفقات في سبيل الله.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن مجاهد قال: إنما أنزلت هذه الآية ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ في النفقة في سبيل الله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: كان القوم في سبيل الله فيتزوّد الرجل، فكان أفضل زاداً من الآخر، أنفق اليابس من زاده حتى لا يبقى من زاده شيء أحب أن يواسي صاحبه، فأنزل الله: ﴿ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الحسن في الآية قال: كانوا يسافرون ويقترون ولا ينفقون من أموالهم، فأمرهم أن ينفقوا في مغازيهم في سبيل الله.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في الشعب عن الحسن في قوله: ﴿ بأيديكم إلى التهلكة ﴾ قال: هو البخل.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في الآية قال: كان رجال يخرجون في بعوث يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة، فإما يقطع بهم وإما كانوا عيالاً، فأمرهم الله أن يستنفقوا مما رزقهم الله ولا يلقوا بأيديهم إلى التهلكة، والتهلكة أن يهلك رجال من الجوع والعطش ومن المشي، وقال لمن بيده فضل ﴿ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير والبغوي في معجمه وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وابن قانع والطبراني عن الضحاك بن أبي جبيرة أن الأنصار كانوا ينفقون في سبيل الله ويتصدقون، فأصابتهم سنة فساء ظنهم وأمسكوا عن ذلك، فأنزل الله: ﴿ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ .

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن مجاهد ﴿ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ قال: لا يمنعنكم النفقة في حق خيفة العيلة.

وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه عن أسلم أبي عمران قال: كنا بالقسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد، فخرج صف عظيم من الروم، فصففنا لهم فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله!

يلقي بيديه إلى التهلكة، فقام أبو أيوب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إنكم تتأوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإِسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع فيها، فأنزل الله على نبيه يرد علينا ما قلنا ﴿ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ فكانت التهلكة الإِقامة في الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن البراء بن عازب أنه قيل له ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ هو الرجل يلقى العدّو فيقاتل حتى يقتل قال: لا، ولكن هو الرجل يذنب فيلقي بيديه فيقول: لا يغفر الله لي أبداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه والطبراني والبيهقي في الشعب عن النعمان بن بشير قال: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر الله لي.

فأنزل الله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن عبيدة السلماني في قوله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ قال: القنوط.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: التهلكة عذاب الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث أنهم حاصروا دمشق، فأسرع رجل إلى العدوّ وحده، فعاب ذلك عليه المسلمون ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، فأرسل إليه فرده وقال: قال الله: ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن رجل من الصحابة في قوله: ﴿ وأحسنوا ﴾ قال: أدوا الفرائض.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي إسحق.

مثله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ﴾ قال: أحسنوا الظن بالله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ كل ما أمر الله به من الخير فهو في سبيل الله، وأكثر ما استعمل في الجهاد؛ لأنه السبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدين (١) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ قال أبو عبيدة (٢) (٣) قال الخارزنجي (٤) (٥) قال أبو علي: قد حكى سيبويه التَّضُرَّةُ والتَّسُرَّة وقد جاء هذا المثال اسما غير مصدر، حكى سيبويه: التتفل والتنضُب قال: ولا نعلمه جاء صفةً (٦) وقال الليث: التَّهْلُكَة: كل شيء تصيرُ عَاقبتُه إلى الهلاك.

ومعنى الهَلاكِ: الضياعُ، وهو مصير الشيء بحيث لا يُدْرى أين هو (٧) ومعنى قوله: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ ﴾ ، لا تأخذوا في ذلك، يقال لكل من أخذ في عمل: قد ألقى يديه فيه (٨) (٩) أي: بدأت (١٠) (١١) وقال المبرد: عبر بالأيدي عن النفس، أراد: لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، فعبر بالبَعْضِ عن الكُلِّ، كقوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ  ﴾ ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ (١٢) والباء زائدة، أراد: لا تلقوا أيديكم، يدل عليه قوله ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ  ﴾ .

فعدّى بغير الباء (١٣) وقال أبو علي: المعنى لا تقربوا مما يهلككم؛ لأن من ألقى يَدَهُ إلى الشيء فقد قَرُبَ منه، وهذا مبالغة (في الزجر) (١٤) (١٥) (١٦) وأكثر أهل التفسير على أن معنى قول ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ ، أي: لا تمسكوا ولا تبخلوا عن الإنفاق في سبيل الله.

والمراد بهذه الآية: النَّهْيُ عن ترك النفقة في الجهاد، إما أن ينفق على نفسه ويخرج، وإما أن ينفق على من يغزو من المسلمين (١٧) (١٨) وقال السدي، في هذه الآية: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا.

{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} لا تقل: ليس عندي شيء (١٩) وقال أبو إسحاق معناه: أنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم بتقوّي عدوكم عليكم (٢٠) فعلى هذا معنى التهلكة: الهلاك بالعصيان بترك النفقة، والهلاك بقوة العدو عند ترك النفقة في الجهاد.

وقال أبو أيوب الأنصاري (٢١) (٢٢) فعلى هذا، التهلكة: الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.

والمعنى: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، فسمى ترك الجهاد تَهُلكة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان (٢٣) وفي الآية قول ثالث، وهو ما روي عن البراء بن عازب (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وهذا القول اختيار يمان (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقال الفضيل: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ بإساءة الظن بالله (٣٣) (٣٤) قال أبو علي الفارسي: الباء في قوله: (بأيديكم) زيادة، المعنى: (ولا تلقوا أيديكم) يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ  ﴾ ﴿ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ  ﴾ و ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ  ﴾ ، وزيادتها ههنا كزيادتها في قوله: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى  ﴾ (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِنُوا ﴾ معناه على القول الأول في التهلكة: أنفقوا في سبيل الله، فمن أنفق في سبيل الله فهو محسن.

قال ابن عباس: أي (٣٦) (٣٧) (٣٨) (١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 265، "تفسير البغوي" 1/ 215.

(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 68.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 266.

(٤) هو: أحمد بن محمد البشتي، أبو حامد المعروف بالخارْزَنجي، إمام الأدب بخراسان في عصره بلا مدافعة، صنف تكملة كتاب العين، وشرح أبيات أدب الكاتب توفي سنة 348 هـ.

ينظر: "الأنساب" 2/ 304 "بغية الوعاة" 1/ 388.

(٥) رواه عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 417، والحيري في "الكفاية" 1/ 136، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 59، "الدر المصون" 2/ 312.

(٦) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 270 - 271، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 59.

(٧) ينظر في التهلكة: "تفسير الثعلبي" 2/ 417، "المفردات" ص 522، "البحر المحيط" 1/ 59، "اللسان" 8/ 4686 (هلك)، وقال الحافظ في "الفتح" 8/: وقيل: التهلكة: ما أمكن التحرز منه، والهلاك بخلافه، وقيل: التهلكة: نفس الشيء المهلك، وقيل ما تضر عاقبته، والمشهور الأول.

وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 215، "البحر المحيط" 2/ 60، وقد تكلم كثيرا، يحسن تلخيص كلامه.

(٨) "تفسير الطبري" 2/ 204، 205، "تفسير الثعلبي" 2/ 418.

(٩) عجز البيت: وأَجَنَّ عوراتِ الثُّغُورِ ظَلاَمُها والبيت للبيد في "ديوانه" ص 316، و"شرح المعلقات السبع" لأبي عبد الله الزورني ص 220، و"شرح المعلقات العشر" للتبريزي ص 246، و"إصلاح المنطق" ص 127، "تفسير الثعلبي" 2/ 418.

والكافر: الليل، والكفر: الستر، والإجنان: الستر أيضًا.

"لسان العرب" 7/ 3897 (كفر).

(١٠) في (م): (بدت).

(١١) "تفسيرالثعلبي" 2/ 418.

(١٢) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 418، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 203.

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 419، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 353، "الإنصاف في مسائل الخلاف" لابن الأنباري 244.

(١٤) سقطت من (م).

(١٥) في (ش): (من).

(١٦) ينظر في ذكر الأقوال في الآية "تفسير الطبري" 2/ 200 - 202، "البغوي" == 1/ 215 - 217، "زاد المسير" 1/ 203، "البحر المحيط" 2/ 70، وذكر تسعة أقوال ثم قال: وهذه الأقوال كلها تحتمل هذه الآية، والظاهر أنهم نهوا عن كل ما يؤول بهم إلى الهلاك في غير طاعة الله، وقال الطبري في "تفسيره" 3/ 593: فالصواب أن يقال: إن الله نهى عن الإلقاء بأيدينا لما فيه هلاكنا، والاستسلام للهلكة وهي العذاب بترك ما لزمنا من فرائضه، فغير جائز لأحد منا الدخول في شيء يكرهه الله منا مما نستوجب بدخولنا فيه عذابه، ثم ذكر أثر ابن عباس: التهلكة: عذاب الله.

(١٧) ذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 200 - 202، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 331 الآثار في ذلك عن حذيفة، وابن عباس وعكرمة والحسن ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وأبي صالح والضحاك والسدي ومقاتل بن حيان وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، وينظر: "صحيح البخاري" 5/ 185، و"تفسير سفيان الثوري" ص 59، وسعيد بن منصور في "السنن" 3/ 710، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 74، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 262.

(١٨) رواه عنه سفيان الثوري في "تفسيره" 59، والإمام أحمد في "العلل ومعرفة الرجال" 2/ 395، والطبري 2/ 200، وابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 331، والبيهقي 9/ 45.

(١٩) رواه عنه الطبري 2/ 201، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 331.

(٢٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 266.

(٢١) هو: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري، من بني النجار، صحابي شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وسائر المشاهد، رحل إلى الشام وغزا مع جيش معاوية القسطنطينية، وتوفي هناك سنة 52 هـ.

ينظر: "الإصابة" 1/ 405، "الأعلام" 2/ 295.

(٢٢) الحديث رواه الترمذي في التفسير، باب: ومن سورة البقرة 5/ 212 وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في "تفسيره" 1/ 236، وأبو داود في الجهاد، باب: في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ 3/ 12 برقم 2512، وصححه الألباني كما في صحيح سنن أبي داود برقم 2193، ولهذا الحديث قصة، عن أسلم بن عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة!

فقال أبو أيوب: إنما نزلت في الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد.

هذا لفظ أبي داود.

قال الحافظ في "الفتح" 8/ 34: وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الحسنة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور == فممنوع، ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين.

(٢٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 205، "الثعلبي" 2/ 426، "البحر المحيط" 2/ 70.

(٢٤) هو: البراء بن عازب بن حارث الأنصاري الأوسي، صحابي غزا مع رسول الله  أربع عشرة غزوة، وهو الذي افتتح الرَّيَّ، وشهد الجمل وصفين مع علي  ، ومات في إمارة مصعب بن الزبير.

ينظر: "أسد الغابة" 1/ 205، "الإصابة" 1/ 278.

(٢٥) في (ش): (أهوالٌ).

(٢٦) في (م): (بيده).

(٢٧) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 202، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 332، والحاكم 2/ 302، وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 407، والخطابي في "غريب الحديث" 1/ 536، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 8/ 185، وروى الطبري في "تفسيره" 2/ 202، وأحمد في "مسنده" 4/ 281 عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق قال: قلت للبراء: الرجل يحمل على المشركين، أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة؟

قال: لا؛ لأن الله عز وجل بعث رسوله  فقال: فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك، إنما ذلك في النفقة، وذكر الحافظ في "الفتح" 8/ 185 أنه إن كان محفوظا، فلعل للبراء فيه جوابين، والأول من رواية الثوري وأبي إسرائيل وأبي الأحوص ونحوهم، وكلٌّ منهم أتقن من أبي بكر بن عياش، فكيف مع اجتماعهم وانفراده.

(٢٨) ذكره عنه الثعلبي 2/ 437.

(٢٩) في (ش): (ريمان بن زيّات).

وفي (م): (رباب).

(٣٠) هو: اليمان بن رباب أو ابن رئاب البصري من رؤساء الخوارج، تقدمت ترجمته.

(٣١) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 437.

وهذا القول مروي أيضًا عن محمد بن سيرين وعبيدة السلماني وأبي قلابة البصري.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 203، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 332، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 332، "تفسير الثعلبي" 2/ 436 - 437.

(٣٢) في (م): (بيده).

(٣٣) رواه سفيان الثوري في "تفسيره" 59، ورواه ابن أبي الدنيا في "حسن الظن بالله" ص 117، وذكره الثعلبي 2/ 443، وروى الطبري 2/ 205 عن عكرمة نحوه.

(٣٤) وروى الطبري 2/ 205، وابن أبي حاتم 1/ 232 عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: التهلكة: عذاب الله، وهذا قول رابع في معنى الآية.

(٣٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 205، "تفسير البغوي" 1/ 215، وقال: وقيل: الباء في موضعها، وفيه حذف، أي: لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة، واختار أبو== حيان في "البحر المحيط" 2/ 71 أن المفعول في المعنى هو بأيديكم، لكنه ضمن ألقى معنى ما يتعدى بالباء فعداه بها، كأنه قيل: ولا تفضوا بأيديكم إلى التهلكة، ويكون إذ ذاك قد عبر عن الأنفس بالأيدي؛ لأن بها الحركة والبطش والامتناع.

(٣٦) ليست في (م).

(٣٧) رواه الطبري في "تفسيره" عن عكرمة 2/ 602، وذكر في "البحر المحيط" 2/ 71.

(٣٨) ينظر: "زاد المسير" 1/ 303، وذكر أن القول الثاني: أحسنوا الظن بالله، قاله عكرمة وسفيان، وهو يخرج على قول من قال: التهلكة: القنوط، والثالث: معناه: أدوا الفرائض، رواه سفيان عن أبي إسحاق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ كان القتال غير مباح في أوّل الإسلام، ثم أمر بقتال الكفار الذين يقاتلون المسلمين دون من لم يقاتل، وذلك مقتضى هذه الآية، ثم أمر بقتال جميع الكفار في قوله: ﴿ قَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً ﴾ [التوبة: 36] ﴿ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ فهذه الآية منسوخة، وقيل: إنها محكمة وأنّ المعنى: قالوا الرجال الذين هم بحال من يقاتلونكم، دون النساء والصبيان الذي لا يقاتلونكم، والأوّل أرجح وأشهر ﴿ وَلاَ تعتدوا ﴾ أي بقتال من لم يقاتلكم على القول الأول، وبقتال النساء والصبيان على القول الثاني ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ أي من مكة، لأن قريشاً أخرجوا منها المسلمين ﴿ والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل ﴾ أي فتنة المؤمن عن دينه أشدّ عليه من قتله، وقيل: كفر الكفار أشدّ من قتل المؤمنين لهم في الجهاد ﴿ عِنْدَ المسجد الحرام ﴾ منسوخ بقوله: حيث وجدتموهم، وهذا يقوّي نسخ الذين يقاتلونكم ﴿ فَإِنِ انتهوا ﴾ عن الكفر فأسلموا بدليل قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وإنما يغفر للكافر إذا أسلم ﴿ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ أي لا يبقى دين كفر ﴿ الشهر الحرام ﴾ الآية: نزلت لما صدّ الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول مكة للعمرة، عام الحديبية في شهر ذي الحجة، فدخلها في العام الذي بعده في شهر ذي القعدة، أي: الشهر الحرام الذي دخلتم فيه مكة بالشهر الحرام الذي صددتم فيه عن دخولها ﴿ والحرمات قِصَاصٌ ﴾ أي حرمة الشهر والبلد حين دخلتموها قصاص بحرمة الشهر، والبلد حين صددتم عنها ﴿ فاعتدوا عَلَيْهِ ﴾ تسمية للعقوبة باسم الذنب، أي: قاتلوا من قاتلكم، ولا تبالوا بحرمة من صدّكم عن دخول مكة ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة ﴾ قال أبو أيوب الأنصاري: املعنى لا تشتغلوا بأموالكم عن الدهاد، وقيل: لا تتركوا النفقة في الجهاد خوف العيلة وقيل: لا تقنطوا من التوبة، وقيل: لا تقتحموا المهالك، والباء في بأيديكم زائدة، وقيل: التقدير؛ لا تلقوا أنفسكم بأيديكم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم فإن قتلوكم ﴾ حمزة وعلي وخلف.

الباقون: من باب المفاعلة.

وقيل: إنه من جملة ما يكتب في المصحف بغير ألف كالرحمن.

الوقوف: ﴿ ولا تعتدوا ﴾ ط ﴿ المعتدين ﴾ ه ﴿ من القتل ﴾ ج للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ فيه ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فاقتلوهم ﴾ ط ﴿ الكافرين ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ الدين لله ﴾ ط لتبدل الحكم ﴿ الظالمين ﴾ ه ﴿ قصاص ﴾ ط لأن الاعتداء خارج عن أصل الموجب وفرعه ﴿ ما اعتدى عليكم ﴾ ص لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ التهلكة ﴾ ج لاختلاف المعنى أي لا تقتحموا في الحرب فوق ما يطاق ﴿ وأحسنوا ﴾ ج لاحتمال تقدير الفاء واللام ﴿ المحسنين ﴾ ه.

التفسير: لما أمر في الآية المتقدمة بالتقوى، أمر في هذه الآية بأشق أقسامها على النفس وهو المقاتلة في سبيل الله.

عن أبي موسى أن النبي  سئل عمن يقاتل في سبيل الله فقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ولا يقاتل رياء ولا سمعة" ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ الذين يناجزونكم القتال دون المحاجزين أعني الذين هم بصدد القتال بالفعل دون التاركين.

قيل: وعلى هذا يكون منسوخاً بقوله: ﴿ وقاتلوا المشركين كافة  ﴾ ومنع بأن الأمر بقتال من يقاتل لا يدل على المنع من قتال من لا يقاتل.

وكذا ما روي عن الربيع بن أنس: هي أول آية نزلت في القتال بالمدينة، فكان رسول الله  يقاتل من قاتل ويكف عمن كف.

أو الذين يناصبونكم القتال دون من ليس من أهل المناصبة من الشيوخ والصبيان والرهبان والنساء أي المستعدين للقتال سوى من جنح للسلم، أو الكفرة كلهم لأنهم جميعاً مضادون للمسلمين قاصدون لمقاتلتهم مستحلون لها فهم في حكم المقاتلة قاتلوا أو لم يقاتلوا.

وقيل في سبب نزول الآية إنه  خرج مع أصحابه لإرادة الحج، فلما نزل بالحديبية وهو موضع كثير الشجر والماء صدهم المشركون عن دخول البيت فأقام شهراً لا يقدر على ذلك، فصالحوه على أن يرجع ذلك العام ويعود إليهم في العام القابل ويتركوا له مكة ثلاثة أيام حتى يطوف وينحر الهدى ويفعل ما يشاء، فرضي  بذلك وصالحهم عليه وعاد إلى المدينة.

وتجهز في السنة القابلة ثم خاف أصحابه من قريش أن لا يفوا بالوعد ويصدوهم عن المسجد الحرام وأن يقاتلوهم.

وكانوا كارهين لقتالهم في الشهر الحرام وفي الحرم.

فأنزل الله هذه الآيات وبيّن له كيفية المقاتلة إن احتاجوا إليها فقال: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا ﴾ بابتداء القتال.

وإنما كان ذلك في أول الأمر لقلة المسلمين ولكون الصلاح في استعمال الرفق واللين، فلما قوي الإسلام وكثر الجمع وأقام من أقام منهم على الشرك بعد ظهور المعجزات وتكررها عليهم حصل اليأس من إسلامهم، فأمروا بالقتال على الإطلاق.

أو لا تعتدوا بقتال من نهيتم عن قتاله من غير المستعدين كالنساء والشيوخ والصبيان والذين بينكم وبينهم عهد، أو بالمثلة، أو المفاجأة من غير دعوة إلى الإسلام.

وهذه المعاني الثلاثة بإزاء التفاسير الثلاثة في ﴿ الذين يقاتلونكم ﴾ .

﴿ إن الله لا يحب المعتدين ﴾ المتجاوزين عما شرع الله لهم.

في الصحاح: ثقفته أي صادفته.

وفي الكشاف، الثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف أي سريع الأخذ لأقرانه قال: فـإمـا تثقفـونـي فـاقتلـونـي *** فمـن أثقـف فليـس إلـى خلـود أمر في الآية الأولى بالجهاد بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية زاد في التكليف فأمر بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا.

واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام، وسمي حراماً لأنه ممنوع أن يفعل فيه ما منع من فعله وأصل الحرمة المنع ﴿ من حيث أخرجوكم ﴾ أي من الموضع الذي أخرجوكم وهو مكة، وقد فعل رسول الله  بمن لم يسلم منهم يوم الفتح.

أو أخرجوهم من منازلهم كما أخرجوكم من منازلكم، وقد أجلى رسول الله  المشركين من المدينة بل قال: " لا يجمع دينان في جزيرة العرب" والمراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهراً أو تخويفهم وتشديد الأمر عليهم حتى اضطروا إلى الخروج ﴿ والفتنة ﴾ عن ابن عباس أنها الكفر بالله لأنه فساد في الأرض يؤدي إلى الظلم والهرج وفيه الفتنة.

وأيضاً الكفر ذنب يستحق العقاب الدائم بالاتفاق والقتل ليس كذلك والكفر يخرج به صاحبه عن الأمة دون القتل.

روي أن صحابياً قتل رجلاً من الكفار في الشهر الحرام فعابه المؤمنون على ذلك فنزلت.

أن لا تستعظموا الإقدام على القتل في الشهر الحرام، فإن إقدام الكفار على الكفر في الشهر الحرام أعظم من ذلك.

وقيل الفتنة أصلها عرض الذهب على النار للخلاص من الغش، ثم صار اسماً لكل محنة.

والمعنى إن إقدام الكفار على تخويف المؤمنين وعلى تشديد الأمر عليهم حتى صاروا ملجئين إلى ترك الأهل والأوطان هرباً من إضلالهم في الدين وإبقاء على مهجهم وحرمهم، أشد من القتل الذي أوجبته عليكم جزاء عن تلك الفتنة لأنه يقتضي التخلص، من غموم الدنيا وآفاتها.

لقتل بحد السيف أهون موقعاً *** على النفس من قتل بحد فراق وقيل: الفتنة العذاب الدائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم، فكأنه قيل: اقتلوهم حيث ثقفتموهم، واعلموا أن وراء ذلك من عذاب الله ما هو أشد منه قال عز من قائل: ﴿ يوم هم على النار يفتنون  ﴾ وقيل: فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام لأنه سعي في المنع عن الطاعة التي ما خلق الجن والإنس إلا لها، أشد من قتلكم إياهم في الحرم.

وقيل: ارتداد المؤمن أشد من أن يقتل محقاً.

فالمعنى وأخرجوهم من حيث أخرجوكم ولو أتى ذلك على أنفسكم فإنكم إن قتلتم وأنتم على الحق كان ذلك أولى بكم من أن ترتدوا على أدباركم أو تتكاسلوا عن طاعة معبودكم.

يروى أن الأعمش قال لحمزة: أرأيت قراءتك إذا صار الرجل مقتولاً فبعد ذلك كيف يصير قاتلاً لغيره؟

فقال حمزة: إن العرب إذا قتل منهم رجل قالوا قتلنا، وإذا ضرب منهم واحد قالوا ضربنا، وذلك أن وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم.

﴿ فإن انتهوا ﴾ قيل: أي عن القتال لأن المقصود من الإذن في القتال منع المقاتلة عن ابن عباس.

وقيل: أي عن الشرك بدليل قوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ الدال على أنه يغفر لهم ويرحهم والكافر لا ينال غفران الله ورحمته بترك القتال بل بترك الكفر، عن الحسن.

قلت: إن أريد بالقتال استحلالهم قتل المسلمين تلازم القولان، والانتهاء عن الكفر ظاهره التلفظ بكلمة الإسلام وأنه مؤثر في حقن الدم وعصمة المال، وباطنه هو التشبث بأركان الإسلام جميعاً ويؤثر في استحقاق الرحمة والغفران.

وقد يستدل بقوله: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ على أن التوبة عن قتل العمد بل من كل ذنب.

مقبولة لأن الشرك أعظم الذنوب، فإذا قبل الله  توبة الكافر فقبول توبة القاتل أولى.

وأيضاً الكافر القاتل مقبول التوبة بالاتفاق إذا أسلم، فالقاتل غير الكافر أولى.

ويمكن أن يجاب بأن حق الله  مبني على المساهلة فظهر الفرق.

وأيضاً الإيمان يجب ما قبله، فلا يلزم من عدم مؤاخذة الكافر بقتله إذا أسلم أن لا يؤاخذ المسلم بقتله، ولهذا يجب قضاء الصلوات الفائتة على المسلم إذا تاب عن ترك الصلاة، ولا يجب على الكافر إذا أسلم.

قوله  : ﴿ وقاتلوهم ﴾ وقيل: إنه ناسخ لقوله: ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ وهو وهم لأن البداءة بالمقاتلة عند المسجد الحرام نفت حرمته.

غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها وهذا جائز، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا لجواز نزول الخاص قبل العام عندنا وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدل عليه الخاص غير مقطوع بها فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما ﴿ حتى لا تكون فتنة ﴾ قيل: أي شرك وكفر.

وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب.

فإن قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنما الغالب الإزالة لأن من قتل منهم فقد زال كفره ومن لم يقتل كان خائفاً من الثبات على كفره.

والحاصل قاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا وهو المراد أيضاً من قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ أي ليس للشيطان فيه نصيب لوضوح شأنه وسطوع برهانه كما قال  : ﴿ ليظهره على الدين كله  ﴾ ولا يعبأ بالمخالف لقلة شوكته وسقوطه عن درجة الاعتداد به، أو محمولة على قصد إزالة الكفر فترتب هذا العزم على القتال كلي لا يتخلف عنه.

وقيل: فتنتهم أنهم كانوا يضربون أصحاب النبي  ويؤذونهم حتى ذهب بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة، أي قاتلوهم حتى تظهروا عليهم ولا يفتنوكم عن دينكم.

وعن أبي مسلم: معناه قاتلوهم حتى لا يكون منهم القتال الذي إذا بدأوا به كان فتنة على المؤمنين لما يخافون عنده من أنواع المضار.

ولا يخفى أن قوله: ﴿ ويكون الدين لله ﴾ يرجح القول الأول ليكون المعنى: وقاتلوهم حتى يزول الكفر ويظهر الإسلام ﴿ فإن انتهوا ﴾ عن الأمر الذي وجب قتالهم لأجله وهو إما الكفر أو القتال ﴿ فلا عدوان إلاّ على الظالمين ﴾ أي فلا تعدوا على المنتهين فيكون مجموع قوله ﴿ إلاّ على الظالمين ﴾ قائماً مقام على المنتهين.

لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فنهوا عنه بدليل انحصاره في غير المنتهين.

أو فلا تظلموا إلا الظالمين غير المنتهين.

وعلى الوجهين سمي جزاء الظلم ظلماً للمشاكلة كما يجيء في قوله  : ﴿ فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ﴾ أو أريد إنكم إن تعرضتم لهم بعد الانتهاء كنتم ظالمين فيتسلط عليكم من يعدو عليكم.

قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة سنة ست من الهجرة وصدّوهم عن البيت.

فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذاك في ذي القعدة سنة سبع ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ أي هذا الشهر بذاك الشهر، وهتكه بهتكه.

فلما لم تمنعكم حرمته عن الكفر والأفعال القبيحة فكيف تمنعنا عن القتال معكم دفعاً لشروركم وإصلاحاً لفسادكم؟

والحرمة ما لا يحل انتهاكه، والقصاص المساواة أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أيّ حرمة كانت، اقتص منه بأن يهتك له حرمة.

والحرمات الشهر الحرام والبيت الحرام والإحرام، فلما أضاعوا هذه الحرمات في سنة ست فقد وفقتكم حتى قضيتموها على رغمهم في سنة سبع، وإن أقدموا على مقاتلتكم فقد أذنت لكم في قتالهم فافعلوا بهم مثل ما فعلوا ولا تبالوا.

ثم أكد ذلك بقوله: ﴿ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ﴾ حين تنتصرون ممن اعتدى عليكم حتى لا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم ﴿ واعلموا أن الله مع المتقين ﴾ بالنصر والتأييد والتقوية والتسديد، فإن الاستصحاب بالعلم أو بالمكان إن جاز شامل للمتقين وغيرهم.

قوله عز من قائل ﴿ وأنفقوا ﴾ وجه اتصاله بما قبله أنه  لما أمر بالقتال وأنه يفتقر إلى العدد والعدد قد يكون ذو المال عاجزاً عن القتال، وقد يكون القوي على القتال عديم المال فلهذا أمر الله الأغنياء بالإنفاق في سبيله إعداداً للرجال وتجهيزاً للأبطال ويروى أنه لما نزل ﴿ الشهر الحرام بالشهر الحرام ﴾ قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا.

فأمر  أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة ولو بمشقص يحمل في سبيل الله فيهلكوا فنزلت هذه الآية على وفق قول الرسول  .

والإنفاق صرف المال في وجوه المصالح.

فلا يقال للمضيع: إنه منفق وإنما يقال: مبذر.

وسبيل الله دينه فيشمل الإنفاق فيه الإنفاق في الحج والعمرة والجهاد والتجهيز والإنفاق في صلة الرحم وفي الصدقات أو على العيال أو في الزكاة والكفارات أو في عمارة بقاع الخير وغير ذلك.

الأقرب في هذه الآية.

وقد تقدم ذكر القتال.

أن يراد به الإنفاق في الجهاد، ولكنه  عبر عنه بقوله ﴿ في سبيل الله ﴾ ليكون كالتنبيه على السبب في وجوب هذا الإنفاق.

فالمال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز نفسه ونشط وهان عليه ما دعي إليه.

والباء في ﴿ بأيديكم ﴾ مزيدة مثلها في "أعطى بيده للمنقاد" والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم أي لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم.

وقيل: الأيدي الأنفس كقوله: ﴿ فبما كسبت أيديكم  ﴾ ﴿ بما قدمت يداك  ﴾ أي لا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة.

وقيل: بل ههنا حذف أي لا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة كما يقال "أهلك فلان نفسه بيده" إذا تسبب لهلاكها.

عن أبي عبيدة والزجاج: إن التهلكة والهلاك والهلك واحد.

لم يوجد مصدر على تفعلة بضم العين سوى هذا، إلا ما حكاه سيبويه من قولهم "التضرة" "والتسرة" ونحوها في الأعيان "التنضبة" لشجر و "التتفلة" لولد الثعلب.

ويجوز أن يقال: أصلها التهلكة بالكسر كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر من هلك مشدد العين، فأبدلت من الكسرة ضمة كما جاء الجوار في الجوار.

وليس الغرض من هذا التكلف على ما ظن تصحيح لفظ القرآن كيلا تنخرم فصاحته فإنه أجل من أن يحتاج في تصحيحه إلى الاستشهاد بكلام الفصحاء من البشر، وكيف لا وهو حجة على غيره وليس لغيره أن يكون حجة عليه.

وإنما الغرض الضبط والتسهيل ما أمكن فتنبه.

وللمفسرين في هذا الإلقاء خلاف فمنهم من قال إنه راجع إلى الإنفاق.

وروى البخاري في صحيحه عن حذيفة قال: نزلت هذه الآية في النفقة.

وذلك أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم فيستولي العدو عليهم ويهلكهم، أو ينفقوا كل مالهم فيحتاجوا ويجتاحوا فيكون نهياً عن التقتير والإسراف وعنهما جميعاً ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً  ﴾ أو المعنى: أنفقوا في سبيل الله ولا تقولوا إن أنفقنا نهلك ذلاً وفقراً.

نهوا عن أن يحكموا على أنفسهم بالهلاك للإنفاق، أو أنفقوا ولا تلقوا ذلك الإنفاق في التهلكة والإحباط منا أو أذى أو رياء وسمعة مثل ﴿ ولا تبطلوا أعمالكم  ﴾ ومنهم من قال: إنه راجع إلى غير الإنفاق أي لا تخلوا بالجهاد فتتعرضوا للهلاك الذي هو سخط الله وعذاب النار، أو لا تقحموا في الحرب حيث لا ترجون النفع ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل كما روي عن البراء بن عازب أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقتل بين الصفين.

وإنما يجب أن يتقحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل.

" روى الشافعي أن رسول الله  ذكر الجنة فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قُتلتُ صابراً محتسباً؟

قال: لك الجنة" .

فانغمس في جماعة العدو فقتلوه.

وأن رجلاً من الأنصار ألقى درعاً كان عليه حين ذكر النبي  الجنة.

ثم انغمس في العدو فقتلوه بين يدي الرسول.

وروي أن رجلاً من الأنصار تخلف من أصحاب بئر معونة فرأى الطير عكوفاً على من قتل من أصحابه.

فقال لبعض من معه: سأتقدم إلى العدو فيقتلونني ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابي ففعل ذلك.

فذكروا للنبي  فقال فيه قولاً حسناً.

وروى أسلم أبو عمران قال: كنا بمدينة الروم فأخرجوا لنا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة!

فقام أبو أيوب الأنصاري فقال: أيها الناس، إنكم تؤوّلون هذه الآية هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار.

لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه فقال بعضنا لبعض سراً دون النبي  : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه.

فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها.

فأنزل الله  على نبيه يرد علينا ما قلنا، فكانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم.

وقيل: إن الآية من تمام ما قبلها أي إن قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم فإن الحرمات قصاص، ولا تحملنكم حرمة الشهر على أن تستسلموا لمن قاتلكم فتهلكوا بترككم القتال.

وعن النعمان بن بشير: كان الرجل يذنب فيقول: لا يغفر لي فأنزل الله  هذه الآية.

وذلك أنه يرى أنه لا ينفعه معه عمل فيترك العبودية ويصر على الذنب فنهى عن القنوط من رحمة الله ﴿ وأحسنوا ﴾ في الإنفاق بأن يكون مقروناً بطلاقة الوجه أو على قضية العدالة بين التقتير والإسراف أو في فرائض الله عن الحسن ﴿ إن الله يحب المحسنين ﴾ إذ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

وهذا مقام القرب، والقرب يقتضي الإرادة الذاتية وهذا رمز والله ولي كل خير.

التأويل: ﴿ وقاتلوا ﴾ من يمنعكم عن السير في سبيل الله أو أراد أن يقطع عليكم طريقة من شياطين الإنس والجن حتى نفوسكم التي هي أعدى عدوكم ﴿ ولا تعتدوا ﴾ لا تتجاوزوا عن حد الشرع فتجاهدوا بالطبع، ولكن كونوا ثابتين على قدم الاستقامة بقدر الاستطاعة من غير إفراط وتفريط، ﴿ واقتلوا ﴾ كفار النفس بسيف الرياضة حيث ظفرتم بهم، ومجاهدتها مخالفة هواها.

﴿ وأخرجوهم ﴾ من صفات النفس ﴿ كما أخرجوكم ﴾ من جمعية القلب وحضوره ﴿ والفتنة ﴾ أي المحنة التي ترد على القلب من طوارق صفات النفس الحاجبة عن الله ﴿ أشد من ﴾ قتل النفس بمخالفة هواها ﴿ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ﴾ لا تلتفتوا إلى النفس وصفاتها إذا كنتم آمنين مطمئنين في مقامات القلب والروح حتى يزاحموكم في الحضور وداعية الهوى؛ فإن نازعوكم في الجمعية والحضور ﴿ فاقتلوهم ﴾ بسيف الصدق واقطعوا مادة تلك الدواعي عن نفوسكم بكل ما أمكن لئلا يبقى لكم علاقة تصدكم عن الله ﴿ فإن انتهوا ﴾ بأن قنعت بما لا بد لها فلا تغلوا في مجاهدتها.

﴿ الشهر الحرام ﴾ أي ما يفوتكم من الأوقات والأوراد بتواني النفس ونزاعها وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم ﴿ فمن اعتدى ﴾ فكل صفة غلبت واستولت فعالجوها بضدها البخل بالسخاء، والغضب بالحلم، والحرص بالزهد، والشهوة بالعفة، ﴿ واتقوا الله ﴾ في الإفراط والتفريط ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ﴾ بالتفريط في الحقوق والإفراط في الحظوظ أو بموافقة النفوس ومخالفة النصوص، أو بالركوب إلى الفتور بالحسبان والغرور والله المستعان على ما يصفون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .

يحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ ، أي: سألوك عن الأهلة.

ويحتمل: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ \[أنهم يسألونك\] من بعد، فإن كان على هذا ففيه دليل رسالته؛ لأنه كان كما أخبر من السؤال له.

ثم معنى السؤال عن الأهلة - والله أعلم - هو أنهم لما رأوا الشمس تطلع دائماً على حالة واحدة، ورأوا القمر مختلف الأحوال من الزيادة والنقصان فحملهم ذلك على السؤال عن حال القمر، فأخبر - عز وجل - أنه جعل الهلال معرفاً للخلق الأوقات والآجال والمدد ومعرفة وقت الحج؛ لأنه لو جعل معرفة ذلك بالأيام لاشتد حساب ذلك عليهم، ولتعذر معرفة السنين والأوقات بالأيام.

فجعل - عز وجل - بلطفه وبرحمته، الأهلة ليعرفوا بذلك الأوقات والآجال، ويعرفوا وقت الحج، ووقت الزكاة؛ طلباً للتخفيف والتيسير عليهم.

ثم قال: ﴿ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ ، جعل الأهلة كلها وقتاً للحج.

ولهذا قال أصحابنا: إنه يجوز الإحرام في الأوقات كلها، على ما يجوز بقاء الإحرام في الأوقات كلها.

وأما أفعال الحج: فإنها لا تجوز إلا في وقت فعل الحج، وهو قوله: ﴿ ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ  ﴾ ، فإنما هي على أفعال فيه، دليله قوله: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ  ﴾ ، ولا تفرض من الحج في غير الإحرام؛ دل أنه عنى به أفعال الحج، وقد جاء: أنه سمى الإحرام على الانفراد حجّاً، وسمى الطواف بالبيت حجّاً، والوقوف حجّاً، وقال: "الحج عرفة" وسمى الذبح حجّاً، حيث قال: "أفضل الحج العج والثج" .

وإنما سمى كلاًّ منها حجّاً؛ لما جعل لها أوقاتاً معلومة يؤدى فيها.

وأما الإحرام فإنه جعل الأشهر كلها وقتاً له بقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا ﴾ .

لا معنى لعطف هذا على الأول إلا على إضمار السؤال، كأنهم سألوه عن الأهلة وعن إتيان البيوت من ظهورها، فأخبر: أن ليس البر في إتيان البيوت من ظهورها.

﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

ثم اختلف في القصة هذا الكلام: قال بعضهم: إن بعض العرب إذا أحرم أحدهم لم يدخل بيته من بابه، ولكن يدخل من ظهر البيت؛ مخافة تغطية الرأس إذا دخل من بابه.

وقيل: إن بعض العرب إذا خرج أحدهم لحاجة ولم يقض حاجته، فرجع لم يدخل البيت من بابه، ولكن يدخل من وراء ظهره، يكره دخول بيت غير منجح - يتطيرون به - ويتفاءلون قضاءها ثانياً.

فقال الله عز وجل: ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ فما تصنعون ، ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، واتبع أمر الله، وانتهى عما نهى عنه، ويأتي ﴿ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ .

ويحتمل: أن يكون على التمثيل والرمز، ليس على التحقيق؛ كقوله: ﴿ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ  ﴾ ، فهو ليس على حقيقة الطرح وراء الظهر، ولكن كانوا لا يسمعون كلام الله ولا يعبئون به.

وكذلك كلام رسول الله  : لا يسمعونه ولا يكترثون إليه، فأخبر أنه كالمنبوذ والمطروح وراء الظهر لما لم يعملوا به؛ فعلى ذلك الأول، أخبر أنه ﴿ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ ﴾ في ترك اتباع محمد  والائتمار بأمره، أي: ليس فعلى البر مخالفة محمد  [فيما يأمر]، ولكن البر فب الاتباع له والائتمار بأمره.

وقال القرامطة: إن المراد من الأبواب هو علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، والبيوت بيوت رسول الله  .

أمروا بإتيان رسول الله  من عند علي، رضي الله  عنه، على ما جاء أنه قال: "أنا مدينة العلم وعلي بابها".

فمن أراد الدخول في البيت، لا بد من أن يأتي الباب فيدخل من الباب.

لكن الجواب لقولهم على قدر ما تأولوا - أنه ذكر البيوت، وذكر الأبواب أيضاً والبيوت كثيرة، والأبواب كذلك أيضاً، فعليٌّ وغيره من الصحابة من نحو أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضوان الله  عليهم أجمعين، فيه شرع سواء؛ ألا ترى أنه قال: "أنا مدينة الحكمة"، والمدينة لا يعرف لها باب واحد، بل يكون لها أبواب؛ فدل أن تأويلهم في علي، رضي الله  عنه، خاصة، لا يصح.

وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

أي: اتقوا الله ولا تعصوه، ولا تتركوا أمره، وانتهوا عن مناهيه.

وقوله: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوۤاْ ﴾ .

﴿ سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ : دينه وطاعته، أي: في إظهار دينه.

قيل: هي أول آية نزلت في الأمر بالقتال.

وقيل: أول آية نزلت في الأمر بالقتال قوله: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ  ﴾ .

ويحتمل: أنه أخبر كأنهم نهوا أولاً ثم أذن لهم فقاتلوا فأنكر عليهم، فأنزل الله أنه أذن لهم إخباراً.

فلا يدري أيتهما أول، ولكن فيه الأمر بالقتال، والنهي عن الاعتداء هاهنا: قيل: هو نهي عن قتل الذراري والنساء والشيخ الفاني، على ما جاء أنه بعث سرية أوصى لهم ألا يقتلوا وليداً ولا شيخاً.

وقيل: نهاهم أن يقتلوهم في الشهر الحرام إلا أن يبدأهم المشركون بالقتال.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ ﴾ .

أي أنه لا يحب الاعتداء، لم يحب من اعتدى.

وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ .

قيل: لفظ ﴿ حَيْثُ ﴾ يعبر عن المكان؛ ففيه إذن بقتلهم في جميع الأمكنة، وفي تعميم الأمكنة تعميم الأوقات، فهو على عموم المكان إلا فيما استثنى من المسجد الحرام مطلقاً.

وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ ، فالاستثناء فيه مقيد، فلا يخرج عن ذلك العام.

والله أعلم.

ثم منهم من جعل لهم القتال في الحرم وفي أشهر الحج بظاهر هذه الآية.

ومنهم من قال: لا يقتل فيهما جميعاً.

وقال أصحابنا - رحمهم الله  : يقتل في الشهر الحرام، ولا يقتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فحينئذ يقتلهم.

وكذلك يقولون فيمن قتل آخر ثم التجأ إلى الحرم: لم يقتل فيه، ولكن لا يؤاكل ولا يشارب ولا يجالس حتى يضطر فيخرج، فيقتل.

وإذا قتل في الحرم يقتل.

فعلى ذلك لا يقاتل في الحرم إلا أن يبدأهم بالقتال، فعند ذلك يحل القتل.

وإنما لم يحل القتال في الحرم إلا أن يبدءوهم به، وإن كان ظاهر قوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم ﴾ يبيح القتل في الأمكنة كلها، بقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ﴾ ، استثنى الحرم دون غيره من الأماكن.

وأما قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ  ﴾ ظاهر هذه الآية يحرم القتال في أشهر الحج، لكن فيه دليل حل القتال بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ  ﴾ ، يعني بالفتنة الشرك، جعل القتل فيه كبيراً، ثم أخبر أن الشرك فيه أكبر وأعظم من القتل.

فالأصل عندنا: أن الابتلاء إذا كان من وجهين يختار الأيسر منهما والأخف؛ فلذلك قلنا: إنه يختار القتل في الحرم على بقاء الفتنة - وهو الشرك - إذ هو أكبر وأعظم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ ﴾ من مكة كما ﴿ أَخْرَجُوكُمْ ﴾ عام الحديبية.

ويحتمل: أن أمرهم بأن يضيقوا عليهم ويضطروهم إلى الخروج كما فعل أهل مكة بهم.

ويحتمل: الإخراج على ما جاء: "ألا لا يحجن مشرك بعد عامي هذا" ويحتمل: أن يمنعوهم عن الدخول فيه؛ كقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ ٱلْمَسْجِدَ ٱلْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وكقوله: ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ  ﴾ ، المنع عن الشرك إخراجاً.

وقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ .

أي: الشرك أعظم جرماً عند الله من القتل فيه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ .

كما ذكرنا أن هذا وقوله: ﴿ وَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، كله يخرج على المجازاة لهم.

وفيه لغة أخرى: "ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه".

فإذا قتلونا لا سبيل لنا أن نقتلهم، فما معنى هذا؟

قيل: يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ ﴾ ، أي: إذا قتلوا واحداً منكم فحينئذ تقتلونهم، أو لا تقتلونهم حتى يبدءوا هم بالقتل، أو أن يقول: لا تقتلوهم حتى يقتلوا بعضكم، فإذا فعلوا ذلك فحينئذ تقتلونهم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ جَزَآءُ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

أي هكذا جزاء من لم يقبل نعم الله، ولم يستقبلها بالشكر.

ويحتمل: كذلك جزاء من بدأ بالقتال في الحرم أن يقتل.

وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن الشرك، وأسلموا يتغمدهم الله برحمته.

ويحتمل: ﴿ فَإِنِ ٱنتَهَوْاْ ﴾ عن بدء القتال، وأسلموا، فإن الله يرحمهم ويغفر ذنوبهم.

وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .

أنه أمرنا بالقتال مع الكفرة ليسلموا.

فإن قيل: أيش الحكمة في قتل الكفرة، وهو في الظاهر غير مستحسن في العقل؟

قيل: إنا نقاتلهم ليسلموا، ولا نقتلهم إلا أن يأبوا الإسلام، فإذا أبوا ذلك ثم لم نقتلهم لا يسلمون أبداً؛ لذلك قتلناهم، إذ في القتل ذهاب الفتنة.

ويحتمل: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ، على وجه الأرض، أي تطهر من الشرك.

وقال قوم: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ ﴾ هاهنا العذاب، أي: قاتلوا حتى لا يقدروا عليه كفار.

وقوله: ﴿ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ للَّهِ ﴾ .

أي: ليكون ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ دين الله في الأرض لا الشرك.

و ﴿ ٱلدِّينُ ﴾ : الحكم.

وقوله: ﴿ فَإِنِ ٱنْتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

فإن قيل: فإذا صار الدين كله لله، فلا ظالم هنالك، فما معنى هذا الكلام؟

قيل: يحتمل: أن لا عدوان إلا على الظالم الذي أحدث الظلم من بعد.

ويحتمل: أن لا عدوان إلا على من بقي منهم مع الظلم.

فإن قيل: فلم سمي عدواناً، والعدوان هو ما لا يحل؟

قيل: لأنه جزاء العدوان، وإن لم يكن هو في الحقيقة عدواناً، فسمي باسمه كما سمى جزاء السيئة سيئة وإن لم يكن هو سيئة في الحقيقة؛ كقوله: ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا  ﴾ ، وكما سمى جزاء الاعتداء اعتداء وإن لم يكن هو في الحقيقة اعتداء؛ فكذلك الأول.

وقوله: ﴿ ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ .

قيل: خرج النبي  في الشهر الحرام يريد مكة فصده المشركون عن دخولها، فجاء من عام قابل في الشهر الحرام فدخلها وأقام ثلاثاً، وقضى عمرته التي فاتته في العام الأول، فسميت عمرة القضاء، فذلك تأويل قوله: ﴿ وَٱلْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ ، هذه الثانية صارت قصاصاً بالأول.

وقيل: إن [في] الجاهلية كانوا يعظمون الشهر الحرام، ولا يقاتلون فيه، فلما أن ظهر الإسلام عظمه أهل الإسلام أيضاً، ولم يقاتلوا فيه، حتى جعل الكفار يغيرون على أهل الإسلام ويستنصرون عليهم، حتى نسخ ذلك وأمروا بالقتال فيه بقوله: ﴿ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُواْ  ﴾ ، كأنه قال: ما هتكتم من حرمة الشهر قصاص لما هتكوا.

وقوله: ﴿ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ مخالفة الله.

أو: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ عذاب الله.

وقوله: ﴿ وَٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

يعني: مع المؤمنين جملة.

ويحتمل: ﴿ وَٱتَّقُواْ ﴾ القتال في الحرم قبل أن يبدءوا هم، فـ ﴿ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ في النصر والمعونة لهم.

وقوله: ﴿ وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: [أمر بالإنفاق ترتيباً] على الخروج إلى الجهاد، وإلا فكلٌّ منفق على نفسه بما يعلم حاجته إليه، ولا يلقي نفسه في الهلاك من حيث منع الإنفاق.

وقيل: في قوله  : ﴿ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ ﴾ ، هو أن يذنب ذنباً ثم ييأس عن العفو عنه.

وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: لا تضنوا بالإنفاق مخافة الفوت في الوقت الثاني؛ فإنه يخلف لكم ما أنفقتم.

وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: أعينوا أصحابكم، ولا تلقوهم إلى التهلكة بترك المعونة لهم بالإنفاق والتجهيز لهم.

وقيل: ﴿ وَأَنْفِقُواْ ﴾ أي: تصدقوا، فإن فيه حياة أبدانكم وأنفسكم.

وقوله: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ .

قيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ إلى أصحابكم بالإعانة والتصدق.

وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بالله في الإنفاق.

وقيل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ الظن بربكم في الخروج إلى الغزو.

ويحتمل: ﴿ وَأَحْسِنُوۤاْ ﴾ أي أسلموا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ يعني: المؤمنين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وأنفقوا المال في طاعة الله من الجهاد وغيره، ولا تلقوا بأنفسكم إلى الهلاك، بأن تتركوا الجهاد والبذل في سبيله، أو بأن تلقوا بأنفسكم فيما يكون سببًا لهلاككم، وأحسنوا في عباداتكم ومعاملاتكم وأخلاقكم، إن الله يحب المحسنين في كل شؤونهم، فيعظم لهم الثواب، ويوفقهم للرشاد.

<div class="verse-tafsir" id="91.X1BZa"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

لما خرج المؤمنون مع النبي  للنسك عام الحديبية صدهم المشركون وقاتلوهم رميًا بالسهام والحجارة، وكان ذلك في ذي القعدة من الأشهر الحرام سنة ست، ولو قابلهم المسلمون عامئذٍ بالمثل ولم يرض النبي بالصلح لاحتدام القتال، ولما خرجوا في العام الآخر لعمرة القضاء، وكرهوا قتال المشركين وإن اعتدوا ونكثوا العهد في الشهر الحرام، بين لهم أن المحظور في الأشهر الحرم إنما هو الاعتداء بالقتال دون المدافعة، وأن ما عليه المشركون من الإصرار على الفتنة وإيذاء المؤمنين لأنهم مؤمنون هو أشد قبحًا من القتل لإزالة الضرر العام وهو منعهم الحق وتأييدهم الشرك.

ثم بيّن قاعدة عظيمة معقولة وهي أن الحرمات أي ما يجب احترامه والمحافظة عليه يجب أن يجري فيه القصاص والمساواة فقال ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ  ﴾ ذكر هذه القاعدة حجة لوجوب مقاصة المشركين على انتهاك الشهر الحرام بمقابلتهم بالمثل، ليكون شهر بشهر جزاء وفاقًا.

وفي جملة والحرمات قصاص من الإيجاز ما ترى حسنه وإبداعه.

ثم صرح بالأمر بالاعتداء على المعتدي مع مراعاة المماثلة وإن كان يفهم مما قبله لمكان كراهتهم للقتال في الحرم والشهر الحرام فقال تفريعًا على القاعدة وتأييدًا للحكم ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ  ﴾ وإنما يتحقق هذا فيما تتأتى فيه المماثلة، وسمي الجزاء اعتداء للمشاكلة ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ فلا تعتدوا على أحد ولا تبغوا ولا تظلموا في القصاص بأن تزيدوا في الإيذاء، وأكد الأمر بالتقوى بما بين من مزيتها وفائدتها فقال ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ  ﴾ بالمعونة والتأييد، فإن المتقي هو صاحب الحق وبقاؤه هو الأصلح، والعاقبة له في كل ما ينازعه به الباطل، لأن من أصول التقوى اتقاء جميع أسباب الفشل والخذلان.

ولما كان الجهاد بالنفس وهو القتال، يتوقف على الجهاد بالمال، أمرهم به فقال ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّه  ﴾ وهو عطف على قاتلوا رابط لأحكام القتال والحج بحكم الأموال السابق، فهناك ذكر ما يحرم من أكل المال مجملًا، وههنا ذكر ما يجب من إنفاقه منه كذلك، وسبيل الله هو طريق الخير والبر والدفاع عن الحق ثم ذكر علة هذا الأمر وحكمته على ما هو سنته في ضمن حكم آخر فقال: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ  ﴾ بالإمساك عن الإنفاق في الاستعداد للقتال، فإن ذلك يضعفكم ويمكن الأعداء من نواصيكم فتهلكون.

ويدخل في النهي التطوح في الحرب بغير علم بالطريق الحربية التي يعرفها العدو كما يدخل فيه كل مخاطرة غير مشروعة بأن تكون لأتباع الهوى لا لنصر الحق وتأييد حزبه.

وقال بعضهم يدخل فيه الإسراف الذي يوقع صاحبه في الفقر المدقع فهو من قبيل ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا  ﴾ .

وفسر (الجلال) سبيل الله "بطاعته" الجهاد وغيره "والتهلكة" بالإمساك عن النفقة وترك الجهاد.

قال: لأنه يقوي العدو عليكم.

ولقد أصاب مفسرنا وأجاد في تفسير هذه الآية، وقال بعضهم في تفسير النهي عن التهلكة أي لا تقاتلوا إلا حيث يغلب على ظنكم النصر وعدم الهزيمة، وهذا لا معنى له إذ لا يلتئم مع ما سبقه، وقال بعضهم إنه نهى عن الإسراف ولا يلتئم مع الأسلوب قبله وبعده، وإنما الذي يلتئم ويناسب هو ما قاله الجلال وآخرون، فالمعنى إذا لم تبذلوا في سبيل الله وتأييد دينه كل ما تستطيعون من مال واستعداد فقد أهلكتم أنفسكم.

وفي أسباب النزول عن أبي أيوب الأنصاري قال نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه قال بعضنا لبعض سرًا إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام فلو أقمنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله يرد علينا ما قلنا ﴿ وَأَنْفِقُوا  ﴾ الآية فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.

ثم قال تعالى ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ  ﴾ الأمر بالإحسان على عمومه أي أحسنوا أعمالكم وأتقنوها فلا تهملوا إتقان شيء منها، ويدخل فيه التطوع بالإنفاق.

وقد زعم بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بآية سورة ﴿ التَّوْبَةُ  ﴾ التي يسمونها آية السيف.

وعندي أن محصل تفسير الآيات ينطبق على ما ورد من سبب نزولها وهو إباحة القتال للمسلمين في الإحرام بالبلد الحرام والشهر الحرام إذا بدأهم المشركون بذلك وأن لا يبقوا عليهم إذا نكثوا عهدهم واعتدوا في هذه المرة، وحكمها باق مستمر لا ناسخ ولا منسوخ، فالكلام فيها متصل بعضه ببعض في واقعة واحدة فلا حاجة إلى تمزيقه، ولا إدخال آية براءة فيه، وقد نقل عن ابن عباس أنه لا نسخ فيها، ومن حمل الأمر بالقتال فيها على عمومه ولو مع انتفاء الشرط فقد أخرجها عن أسلوبها وحملها ما لا تحمل.

وآيات سورة آل عمران نزلت في غزوة أحد.

وكان المشركون هم المعتدين.

وآيات الأنفال نزلت في غزوة بدر الكبرى وكان المشركون عم المعتدين أيضًا، وكذلك آيات سورة براءة نزلت في ناكثي العهد من المشركين ولذلك قال: ﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ  ﴾ وقال بعد ذكر نكثهم: ﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ  ﴾ الآيات.

كان المشركون يبدأون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدأوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذائهم ومنع الدعوة، كل ذلك كافيًا في اعتبارهم معتدين.

فقتال النبي  كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق ولذلك كان تقديم الدعوة شرطًا لجواز القتال، وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ  ﴾ ويقول ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويعتدي على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإرهاق الأرواح ولا لأجل الطمع في الكسب.

ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان.

فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياءهم من العرب المنتصرة ومن يظفرون به من المسلمين، وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد مزقوا كتاب النبي  ورفضوا دعوته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون.

وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقًا لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن يبسط القوى يده على جاره الضعيف، ولم تعرف أمة أرحم في فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك.

وجملة القول في القتال أنه شرع للدفاع عن الحق وأهلة وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرب ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتهم يعرف ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا العصر.

وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام -حتى من المنتمين إليه- من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين إنه ليس دينًا إلهيًا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء وإن العقائد الإسلامية خطر على المدنية- كل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد