الآية ٢١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 168 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته ، بأنه تعالى هو المنعم على عبيده ، بإخراجهم من العدم إلى الوجود وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قال أبو جعفر: فأمرَ جل ثناؤه الفريقين - اللذين أخبرَ الله عن أحدهما أنه سواءٌ عليهم أأنذروا أم لم يُنذروا أنهم لا يؤمنون (113) ، لطبْعِه على قلوبهم وعلى سمعهم (114) ، وعن الآخرِ أنه يُخادع اللهَ والذين آمنوا بما يبدي بلسانه من قيله: آمنّا بالله وباليوم الآخر, مع استبطانه خلافَ ذلك, ومرض قلبه, وشكّه في حقيقة ما يُبدي من ذلك; وغيرهم من سائر خلقه المكلَّفين - بالاستكانة، والخضوع له بالطاعة, وإفراد الربوبية له والعبادة دون الأوثان والأصنام والآلهة.

لأنه جلّ ذكره هو خالقهم وخالقُ مَنْ قبلهم من آبائهم وأجدادهم, وخالقُ أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم.

فقال لهم جل ذكره: فالذي خلقكم وخلق آباءكم وأجدادَكم وسائرَ الخلق غيرَكم، وهو يقدرُ على ضرّكم ونَفعكم - أولى بالطاعة ممن لا يقدر لكم على نَفع ولا ضرّ (115) .

وكان ابن عباس: فيما رُوي لنا عنه، يقول في ذلك نظيرَ ما قلنا فيه, غير أنه ذُكر عنه أنه كان يقول في معنى " اعبُدوا ربكم ": وحِّدوا ربكم.

وقد دللنا -فيما مضى من كتابنا هذا- على أن معنى العبادة: الخضوعُ لله بالطاعة، &; 1-363 &; والتذلل له بالاستكانة (116) .

والذي أراد ابن عباس -إن شاء الله- بقوله في تأويل قوله: " اعبدوا ربكم " وحِّدوه، أي أفردُوا الطاعة والعبادة لربكم دون سائر خلقه (117) .

472- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: قال الله: " يا أيها الناسُ اعبدُوا رَبكم "، للفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين, أي وَحِّدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم (118) .

473- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, عن أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس اعبدُوا ربّكم الذي خَلقكم والذين منْ قبلكم " يقول: خَلقكم وخَلق الذين من قبلكم (119) .

قال أبو جعفر: وهذه الآيةُ من أدلّ دليل على فساد قول من زعم: أنّ تكليف ما لا يطاق إلا بمعونة الله غيرُ جائز، إلا بَعد إعطاء الله المكلف المعُونةَ على ما كلَّفه.

وذلك أنّ الله أمرَ من وَصفنا، بعبادته والتوبة من كفره, بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم عن ضَلالتهم لا يَرْجعون.

القول في تأويل قوله : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: لعلكم تتقون بعبادتكم ربَّكم الذي خلقكم, وطاعتِكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه, وإفرادكُم له العبادة (120) لتتقوا سَخَطه وغضَبه أن يَحلّ عليكم, وتكونُوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.

وكان مجاهدٌ يقولُ في تأويل قوله: " لعلكم تتقون ": تُطيعون.

474- حدثنا ابن وكيع, قال: حدثني أبي، عن سفيان, عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد، في قوله: " لعلكم تتقون "، قال: لعلكم تطيعون (121) .

قال أبو جعفر: والذي أظن أنّ مجاهدًا أراد بقوله هذا: لعلكم أنْ تَتقوا رَبَّكم بطاعتكم إياه، وإقلاعِكم عن ضَلالتكم.

قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال جل ثناؤه: " لعلكم تتقون "؟

أو لم يكن عالمًا بما يصيرُ إليه أمرُهم إذا هم عبدوه وأطاعُوه, حتى قال لهم: لعلكم إذا فعلتم ذلك أن تتقوا, فأخرج الخبر عن عاقبة عبادتهم إياه مخرج الشكّ؟

قيل له: ذلك على غير المعنى الذي توهَّمتَ, وإنما معنى ذلك: اعبدُوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم, لتتقوه بطاعته وتوحيده وإفراده بالربوبية والعبادة (122) ، كما قال الشاعر: وَقُلْتُــمْ لَنَـا كُفُّـوا الْحُـرُوبَ, لَعَلَّنَـا نَكُــفُّ!

وَوَثَّقْتُـمْ لَنَـا كُـلَّ مَـوْثِقِ (123) فَلَمَّـا كَفَفْنَـا الْحَـرْبَ كَـانَتْ عُهُودُكُمْ كَــلَمْحِ سَـرَابٍ فِـي الْفَـلا مُتَـأَلِّقِ (124) يريد بذلك: قلتم لنا كُفُّوا لنكفّ.

وذلك أن " لعل " في هذا الموضع لو كان شَكًّا، لم يكونوا وثقوا لهم كل مَوْثق.

------------------ الهوامش : (113) في المخطوطة : "أأنذرتهم أم لم تنذرهم" ، وهما سواء في المعنى .

(114) في المطبوعة : " .

.

وعلى سمعهم وأبصارهم" ، والصواب حذف"وأبصارهم" ، لأنها غير داخلة في معنى الطبع ، كما مضى في تفسير الآية .

(115) في المخطوطة : "على ضرر ولا نفع" ، وهما سواء .

(116) مضى في تفسير قوله تعالى"إياك نعبد" ص : 160 .

(117) في المخطوطة"وحدوه له أفردوا .

.

" ، وليس لها معنى .

(118) الخبر 472- في الدر المنثور 1 : 33 ، وابن كثير 1 : 105 ، والشوكاني 1 : 38 .

وفي الدر والشوكاني : "من الكفار والمؤمنين" ، ووافق ابن كثير أصول الطبري .

(119) الخبر 473- في الدر المنثور 1 : 33 ، ولم ينسب إخراجه لابن جرير .

وفي المخطوطة : "خلقكم والذين .

.

" .

(120) في المطبوعة : "له بالعبادة" وهو خطأ .

(121) الأثر 474- في الدر المنثور 1 : 34 .

(122) يريد الطبري أن العرب تستعمل"لعل" مجردة من الشك ، بمعنى لام كي ، كما قال ابن الشجري في أماليه 1 : 51 .

(123) لم أعرف قائلهما ، ورواهما ابن الشجري نقلا عن الطبري ، فيما أرجح ، في أماليه 1 : 51 .

(124) رواية ابن الشجري"في الملا" .

والفلا جمع فلاة : وهي الأرض المستوية ليس فيها شيء والصحراء الواسعة .

والملا : الصحراء والمتسع من الأرض - فهما سواء في المعنى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون قوله سبحانه وتعالى : يا أيها الناس اعبدوا قال علقمة ومجاهد : كل آية أولها يا أيها الناس فإنما نزلت بمكة ، وكل آية أولها يا أيها الذين آمنوا فإنما نزلت بالمدينة .

قلت : وهذا يرده أن هذه السورة والنساء مدنيتان وفيهما يا أيها الناس .

وأما قولهما في يا أيها الذين آمنوا فصحيح .

وقال عروة بن الزبير : ما كان من حد أو فريضة فإنه نزل بالمدينة ، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة .

وهذا واضح .

و " يا " في قوله : يا أيها - حرف نداء .

" أي " منادى مفرد مبني على الضم ; لأنه منادى في اللفظ ، و " ها " للتنبيه .

" الناس " مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين ، ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسا على جوازه في : يا هذا الرجل .

وقيل : ضمت " أي " كما ضم المقصود المفرد ، وجاءوا ب " ها " عوضا عن ياء أخرى ، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا ب " ها " حتى يبقى الكلام متصلا .

قال سيبويه : كأنك كررت " يا " مرتين وصار الاسم بينهما ، كما قالوا : ها هو ذا .

وقيل : لما تعذر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادى مجرد عن حرف تعريف ، وأجروا عليه المعرف باللام المقصود بالنداء ، والتزموا رفعه ; لأنه المقصود بالنداء ، فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيها على أنه المنادى ، فاعلمه .واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما : الكفار الذين لم يعبدوه ، يدل عليه قوله وإن كنتم في ريب الثاني : أنه عام في جميع الناس ، فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة ، وللكافرين بابتدائها .

وهذا حسن .قوله تعالى : " اعبدوا " أمر بالعبادة له .

والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه .

وأصل العبادة الخضوع والتذلل ، يقال : طريق معبدة إذا كانت موطوءة بالأقدام .[ ص: 217 ] قال طرفة :وظيفا وظيفا فوق مور معبدوالعبادة : الطاعة .

والتعبد : التنسك .

وعبدت فلانا : اتخذته عبدا .قوله تعالى الذي خلقكم خص تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها ، فذكر ذلك حجة عليهم وتقريعا لهم .

وقيل : ليذكرهم بذلك نعمته عليهم .

وفي أصل الخلق وجهان : أحدهما : التقدير ، يقال : خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع ، قال الشاعر :ولأنت تفري ما خلقت وبع ض القوم يخلق ثم لا يفريوقال الحجاج : ما خلقت إلا فريت ، ولا وعدت إلا وفيت .

الثاني : الإنشاء والاختراع والإبداع ، قال الله تعالى : وتخلقون إفكا .قوله تعالى : والذين من قبلكم فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم ، فالجواب : أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة ، فذكرهم من قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خلقهم يميتهم ، وليفكروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا ، وعلى أي الأمور مضوا من إهلاك من أهلك ، وليعلموا أنهم يبتلون كما ابتلوا .

والله أعلم .قوله تعالى : لعلكم تتقون " لعل " متصلة ب " اعبدوا " لا ب " خلقكم " ; لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي .

وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله : لعلكم تعقلون ، لعلكم تشكرون ، لعلكم تذكرون ، لعلكم تهتدون فيه ثلاث تأويلات : الأول : أن " لعل " على بابها من الترجي والتوقع ، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر ، فكأنه قيل لهم : افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا .

هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان قال سيبويه في قوله عز وجل : " اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " قال معناه : اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكر أو يخشى .

واختار هذا القول أبو المعالي .[ ص: 218 ] الثاني : أن العرب استعملت " لعل " مجردة من الشك بمعنى لام كي .

فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا ، وعلى ذلك يدل قول الشاعر :وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكمكلمع سراب في الملا متألقالمعنى : كفوا الحروب لنكف ، ولو كانت " لعل " هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق ، وهذا القول عن قطرب والطبري .الثالث : أن تكون " لعل " بمعنى التعرض للشيء ، كأنه قيل : افعلوا ذلك متعرضين لأن تعقلوا ، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا .

والمعنى في قوله لعلكم تتقون أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار .

وهذا من قول العرب : اتقاه بحقه إذا استقبله به ، فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة ، ومنه قول علي رضي الله عنه : كنا إذا احمر البأس اتقينا بالنبي صلى الله عليه وسلم ، أي جعلناه وقاية لنا من العدو .

وقال عنترة :ولقد كررت المهر يدمى نحره حتى اتقتني الخيل بابني حذيم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا أمر عام لكل الناس, بأمر عام, وهو العبادة الجامعة, لامتثال أوامر الله, واجتناب نواهيه, وتصديق خبره, فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }.....

وقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يحتمل أن المعنى: أنكم إذا عبدتم الله وحده, اتقيتم بذلك سخطه وعذابه, لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم الله, صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى, وكلا المعنيين صحيح, وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة, كان من المتقين، ومن كان من المتقين, حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {يا أيها الناس} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يا أيها الناس خطاب أهل مكة، ويا أيها الذين آمنوا خطاب أهل المدينة وهو هاهنا عام إلا من حيث أنه لا يدخله الصغار والمجانين".

{اعبدوا} وحدوا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كل ما ورد في القرآن من العبادة فمعناها التوحيد".

{ربكم الذي خلقكم} الخلق: اختراع الشيء على غير مثال سبق.

{والذين من قبلكم} أي وخلق الذين من قبلكم.

{لعلكم تتقون} لكي تنجوا من العذاب، وقيل: معناه كونوا على رجاء التقوى بأن تصيروا في ستر ووقاية من عذاب الله، وحكم الله من ورائكم يفعل ما يشاء كما قال: {فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى} [44-طه] أي ادعواه إلى الحق وكونا على رجاء التذكر، وحكم الله من ورائه يفعل ما يشاء، قال سيبويه: "(لعل) و(عسى) حرفا ترج وهما من الله واجب".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيُّها الناس» أي أهل مكة «اعبدوا» وحِّدوا «ربَّكم الذي خلقكم» أنشأكم ولم تكونوا شيئاً «و» خلق «الذين من قبلكم لعلكم تتقون» بعبادته عقابَه، ولعل: في الأصل للترجي، وفي كلامه تعالى للتحقيق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

نداء من الله للبشر جميعًا: أن اعبدوا الله الذي ربَّاكم بنعمه، وخافوه ولا تخالفوا دينه؛ فقد أوجدكم من العدم، وأوجد الذين من قبلكم؛ لتكونوا من المتقين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بينت السورة الكريمة أقسام الناس الثلاثة ، وعاقبة كل قسم منهم ، ساقت لهم نداء عاماً دعتهم فيه إلى عبادة الله وحده ، قال تعالى :( يَاأَيُّهَا الناس اعبدوا .

.

.

)في هاتين الآيتين توجيه للناس إلى الأمر الذي خلقوا من أجله وهو عبادة الله دون ما سواه ، وبيان البراهين الساطعة التي تدل على وحدانية الله وعظيم قدرته .و " يا " حرف نداء وهو أكثر حروف النداء استعمالا ، فهو أصل حروف النداء .و " أي " اسم مبهم لكن يزول إبهامه بالاسم المقصود بالنداء الذي يأتي بعده .و " ها " المتصلة به مؤكدة للتنبيه المستفاد من النداء .و " العبادة " الخضوع البالغ الغاية .وقد كثر النداء في القرآن الكريم بهذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيراً ما يقتضيه المقام .وفي ذكره تعالى باسم الرب ، وإضافته إلى المخاطبين ، تقوية لداعية إقبالهم على عبادته .فإن الإِنسان إذا اتجه بفكره إلى معنى كون الله مالكاً له ، أو مربياً له وتذكر ما يحفه به من رفق ، وما يجود به عليه من إنعام ، لم يلبث أن يخصه بأقصى ما يستطيع من الخضوع والخشوع والإِجلال .وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى ، إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإِفراد والإِضافة إلى جميع الناس إلا الله .ثم بين - سبحانه - الموجبات التي من شأنها أن تحملهم على عبادته وحده فقال ( الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ ) .والخلق : أصله الإِيجاد على تقدير وتسوية ، ويطلق في القرآن وفي عرف الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة ، فهو إخراجها من العدم إلى الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر .والمعنى : اجعلوا أيها الناس عبادتكم لله تعالى وحده ، لأنه هو الذي أوجدكم في أحسن تقويم بعد أن كنتم في عدم ، كما أوجد الذين تقدموكم .وقدم وصفه بخلق المخاطبين مع أنه متأخر بالزمان عن خلق من تقدموهم ، لأن علم الإِنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره .وقوله تعالى : ( والذين مِن قَبْلِكُمْ ) فيه رد على الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر .فكان قوله : ( والذين مِن قَبْلِكُمْ ) تذكيرا لهم بأن آباءهم الأولين لابد أن ينتهوا إلى أب أول قد خلقه الله تعالى .وجملة " لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " تعليل للأمر بالعبادة ، ولذلك فصلت .و " لعل " حرف موضوع ليدل على الترجي ، وهو توقع حصول الشيء عندما يحصل سيبه وتنتفى موانعه .

والشيء المتوقع حصوله في الآية هو التقوى وسببه العبادة ، إذ بالعبادة يستعد الإِنسان لأن يبلغ درحة التقوى وهي الفوز بالهدى والفلاح ، والترجي قد يكون من جهة المتكلم وهو الشائع وقد تستعمل لعل في الكلام على أن يكون الترجي مصروفاً للمخاطب ، فيكون المترجي هو المخاطب لا المتكلم ، وعلى هذا الوجه يحمل الترجي في هذه الآية ، لاستحالة توقع حصول الشيء من عالم الغيب والشهادة ، لأن توقع الإِنسان لحصول الشيء هو أن يكون متردداً بين الوقوع وعدمه مع رجحان الوقوع ، وعليه فيكون المعنى : اعبدوا ربكم راجين أن تكونوا من المتقين ، الذين بلغوا الغاية في الهدى والفلاح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد: اعلم أن في هذه الآيات مسائل: المسألة الأولى: أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين.

أقبل عليهم بالخطاب، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وفيه فوائد: أحدها: أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث: إن فلاناً من قصته كيت وكيت، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث.

وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة، شرف المخاطبة والمكالمة.

وثالثها: أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلاً بالعبودية فإنه يكون أبداً في الترقي، بدليل أنه في هذه الآية، انتقل من الغيبة إلى الحضور.

ورابعها: أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف، ففيه كلفة ومشقة فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، كما أن العبد إذا ألزم تكليفاً شاقاً فلو شافهه المولى وقال: أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل ذلك الخطاب.

المسألة الثانية: حكي عن علقمة والحسن أنه قال: كل شيء في القرآن: ﴿ يا أيها الناس ﴾ فإنه مكي، وما كان ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ ﴾ فبالمدينة، قال القاضي: هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فهذا ضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم، ومرة باسم جنسهم، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن.

المسألة الثالثة: اعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي: إما الألفاظ أو غيرها، أما الألفاظ فهي: كالاسم والفعل والحرف، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء، هو في نفسه لفظ مخصوص، وغير الألفاظ: فكالحجر والسماء والأرض، ولفظ النداء لم يجعل دليلاً على شيء آخر، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه.

فأما الذين فسروا قولنا: يا زيد بأنادي زيداً، أو أخاطب زيداً فهو خطأ من وجوه: أحدها: أن قولنا: أنادي زيداً، خبر يحتمل التصديق والتكذيب، وقولنا يا زيد، لا يحتملها.

وثانيها: أن قولنا يا زيد، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال، وقولنا أنادي زيداً، لا يقتضي ذلك.

وثالثها: أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطباً بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيداً لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنساناً آخر بأني أنادي زيداً.

ورابعها: أن قولنا أنادي زيداً، إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء، والنداء هو قولنا: يا زيد، فإذن قولنا: أنادي زيداً، غير قولنا يا زيد، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول.

ثم هاهنا نكتة نذكرها وهي: أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى، وأضعفها البشر.

﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً  ﴾ فقالت الملائكة: أي مناسبة بينهما ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا  ﴾ فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  ﴾ ، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ .

المسألة الرابعة: ياء حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جداً، وأما نداء القريب فله: أي والهمزة، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة البعيد.

فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الله وهو تعالى يقول: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي.

المسألة الخامسة: أي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن ذو والذي وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلابد وأن يردفه اسم جنس، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان: الأولى: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه.

والثانية: وقوعها عوضاً مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد.

المسألة السادسة: اعلم أن قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصاً للعموم.

وهاهنا أبحاث.

البحث الأول: أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُون  ﴾ ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله: ﴿ كُلُّهُمْ ﴾ تأكيداً بل بياناً ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه.

البحث الثاني: لما ثبت أن قوله تعالى: ﴿ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس ﴾ يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟

والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز، وأيضاً فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً وما لا يكون إنساناً لا يدخل تحت قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ فإن قيل: فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعاً.

قلنا: لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم.

البحث الثالث: قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة؟

الحق لا، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آتٍ بالعبادة، والآتي بالعبادة آتٍ بتمام ما اقتضاه قوله: ﴿ اعبدوا ﴾ وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالاً على العموم نقول: الأمر بالعبادة لابد وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، وهاهنا كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول، وإذا ثبت أن كونه عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون مأموراً بها، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة.

البحث الرابع: لقائل أن يقول: قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ﴾ لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة، أما أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفاً بالله تعالى، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفاً بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وذلك تكليف ما لا يطاق، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفاً بالله فذالك محال، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير ممكن.

فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأموراً بتحصيل المعرفة، وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأموراً بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفاً على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعاً كان الأمر بالعبادة أيضاً ممتنعاً، وأيضاً يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال.

والجواب: من الناس من قال: الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب، وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال: الأمر بالعبادة حاصل، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجباً، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى، فوجبت، والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها، فكان السعي واجباً، فكذا هاهنا يصح أن يكون الكافر مخاطباً بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولاً ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك.

بقي لهم: الأمر بتحصيل المعرفة محال، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول هاهنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمراً على العلم به، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات.

فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك؟

سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر يتناول المؤمنين؟

قوله لأنه يصير ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة، فصح تفسير قوله: اعبدوا بالزيادة في العبادة.

البحث الخامس: قال منكرو التكليف: لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه: أحدها: أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر، فإن كان الأول فهو محال، لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق، وإن كان الثاني فالراجح واجب الوقوع؛ لأن المرجوح حال ما كان مساوياً للراجح كان ممتنع الوقوع، وإلا فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف تكليفاً بإيجاد ما يجب وقوعه، وإن وقع بالمرجوح كان التكليف تكليفاً بما يمتنع وقوعه، وكلاهما تكليف ما لا يطاق.

وثانيها: أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به، وإن علم لا وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم، فكان الأمر بإيقاعه أمراً بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله تعالى وهو محال، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي، وحينئذٍ لا يكون في الطاعة فائدة.

وثالثها: أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده، وأما إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم.

ورابعها: أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل.

وخامسها: أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنساناً مشتغل القلب دائماً بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر.

والجواب: عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين: الأول: أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه متناقض.

الثاني: أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك، والمالك لا اعتراض ع <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

لما عدّد الله تعالى فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم ومصارف أمورهم، وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها، ويحظيها عند الله ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات المذكور عند قوله: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ ﴾ ، وهو فنّ من الكلام جزل، فيه هزّ وتحريك من السامع، كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث لكما: إنّ فلاناً من قصته كيت وكيت، فقصصت عليه ما فرط منه، ثم عدلت بخطابك إلى الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تلزم الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، وتستوي على جادّة السداد في مصادرك ومواردك.

نبهته بالتفاتك نحوه فضل تنبيه، واستدعيت إصغاءه إلى إرشادك زيادة استدعاء، وأوجدته بالانتقال من الغيبة إلى المواجهة هازاً من طبعه ما لاً يجده إذا استمررت على لفظ الغيبة، وهكذا الافتنان في الحديث والخروج فيه من صنف إلى صنف، يستفتح الآذان للاستماع، ويستهش الأنفس للقبول، وبلغنا بإسناد صحيح عن إبراهيم عن علقمة: أنّ كل شيء نزل فيه: (يا أيها الناس) فهو مكي، و(يا أيها الذين آمنوا) فهو مدني، فقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) خطاب لمشركي مكة، و (يا) حرف وضع في أصله لنداء البعيد، صوت يهتف به الرجل بمن يناديه.

وأما نداء القريب فله أي والهمزة، ثم استعمل في مناداة من سها وغفل وإن قرب.

تنزيلاً له منزلة من بعد، فإذا نودي به القريب المفاطن فذلك للتأكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً.

فإن قلت: فما بال الداعي يقول في جؤاره: يا رب، ويا ألله، وهو أقرب إليه من حبل الوريد، وأسمع به وأبصر؟

قلت: هو استقصار منه لنفسه، واستبعاد لها من مظانّ الزلفى وما يقرّبه إلى رضوان الله ومنازل المقرّبين، هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتفريط في جنب الله، مع فرط التهالك على استجابة دعوته والإذن لندائه وابتهاله، و (أي) وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أنّ (ذو) و (الذي) وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل.

وهو اسم مبهم مفتقر إلى ما يوضحه ويزيل إبهامه، فلا بد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يصح المقصود بالنداء، فالذي يعمل فيه حرف النداء هو (أي) والاسم التابع له صفته، كقولك: يا زيد الظريف؛ إلا أن (أيا) لا يستقل بنفسه استقلال (زيد) فلم ينفك من الصفة.

وفي هذا التدرّج من الإبهام إلى التوضيح ضرب من التأكيد والتشديد.

وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لفائدتين: معاضدة حرف النداء ومكانفته بتأكيد معناه، ووقوعها عوضاً مما يستحقه أيّ من الإضافة.

فإن قلت: لم كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة ما لم يكثر في غيره؟

قلت: لاستقلاله بأوجه من التأكيد وأسباب من المبالغة: لأن كل ما نادى الله له عباده من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الدارجة عليهم، وغير ذلك مما أنطق به كتابه أمور عظام، وخطوب جسام، ومعان عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون.

فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ.

فإن قلت: لا يخلو الأمر بالعبادة من أن يكون متوجهاً إلى المؤمنين والكافرين جميعاً، أو إلى كفار مكة خاصة، على ما روي عن علقمة والحسن، فالمؤمنون عابدون ربهم فكيف أمروا بما هم ملتبسون به؟

وهل هو إلا كقول القائل: فلَو أنِّي فعلت كُنْتُ مَنْ ** تَسْأَلُهُ وهُوَ قائمٌ أنْ يَقُوما وأما الكفار فلا يعرفون الله، ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟

قلت: المراد بعبادة المؤمنين: ازديادهم منها وإقبالهم وثباتهم عليها.

وأما عبادة الكفار فمشروط فيها ما لا بدلها منه وهو الإقرار، كما يشترط على المأمور بالصلاة شرائطها من الوضوء والنية وغيرهما وما لابد للفعل منه، فهو مندرج تحت الأمر به وإن لم يذكر، حيث لم ينفعل إلا به، وكان من لوازمه.

على أنّ مشركي مكة كانوا يعرفون الله ويعترفون به ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله ﴾ [الزخرف: 87] .

فإن قلت: فقد جعلت قوله ﴿ اعبدوا ﴾ متناولاً شيئين معاً: الأمر بالعبادة، والأمر بازديادها.

قلت: الازدياد من العبادة عبادة وليس شيئاً آخر.

فإن قلت: ﴿ رَبَّكُمُ ﴾ ما المراد به؟

قلت: كان المشركون معتقدين ربوبيتين: ربوبية الله، وربوبية آلهتهم.

فإن خصوا بالخطاب فالمراد به اسم يشترك فيه رب السموات والأرض والآلهة التي كانوا يسمونها أرباباً وكان قوله: ﴿ الذى خَلَقَكُمْ ﴾ صفة موضحة مميزة.

وإن كان الخطاب للفرق جميعاً، فالمراد به (ربكم) على الحقيقة.

والذي خلقكم: صفة جرت عليه على طريق المدح والتعظيم.

ولا يمتنع هذا الوجه في خطاب الكفرة خاصة، إلا أن الأول أوضح وأصح.

والخلق: إيجاد الشيء على تقدير واستواء.

يقال: خلق النعل، إذا قدره وسواها بالمقياس.

وقرأ أبو عمرو: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ بالإدغام.

وقرأ ابن السميفع: وخلق من قبلكم.

وفي قراءة زيد بن علي: (والذين مِن قَبْلِكُمْ) وهي قراءة مشكلة، ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبَالَكُمُ تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافة بين المضاف والمضاف إليه في: لا أبالك: ولعل للترجي أو الإشفاق.

تقول: لعل زيداً يكرمني.

ولعله يهينني.

وقال الله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ [طه: 44] ، ﴿ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ ﴾ [الشورى: 17] .

ألا ترى إلى قوله: ﴿ والذين ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا ﴾ [الشورى: 18] .

وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم، إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، لجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به.

قال من قال: إن (لعل) بمعنى (كي)، و (لعل) لا تكون بمعنى (كي).

ولكن الحقيقة ما ألقيت إليك.

وأيضاً فمن ديدن الملوك وما عليه أوضاع أمرهم ورسومهم أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا: عسى، ولعل، ونحوهما من الكلمات أو يخيلوا إخالة.

أو يظفر منهم بالرمزة أو الابتسامة أو النظرة الحلوة، فإذا عثر على شيء من ذلك منهم، لم يبق للطالب ما عندهم شك في النجاح والفوز بالمطلوب.

فعلى مثله ورد كلام مالك الملوك ذي العز والكبرياء.

أو يجيء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد، كقوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم ﴾ [التحريم: 8] ، فإن قلت: ف (لعل) التي في الآية ما معناها وما موقعها؟

قلت: ليست مما ذكرناه في شيء، لأن قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ ، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ، لا يجوز أن يحمل على رجاء الله تقواهم لأن الرجاء لا يجوز على عالم الغيب والشهادة: وحمله على أن يخلقهم راجين للتقوى ليس بسديد أيضاً.

ولكن (لعل) واقعة في الآية موقع المجاز لا الحقيقة، لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلة في أقدارهم وتمكينهم وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الاختيار، وأراد منهم الخير والتقوى.

فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتقوا يترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله عز وجل: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ [هود: 7] ، [الملك: 2] وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار.

فإن قلت: كما خلق المخاطبين لعلهم يتقون، فكذلك خلق الذين من قبلهم لذلك، فلم قصره عليهم دون من قبلهم؟

قلت: لم يقصره عليهم، ولكن غلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادتهم جميعاً.

فإن قلت: فهلا قيل تعبدون لأجل اعبدوا؟

أو اتقوا لمكان تتقون ليتجاوب طرفا النظم.

قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّي ذلك إلى تنافر النظم.

وإنما التقوى قصارى أمر العابد ومنتهى جهده.

فإذا قال: ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ الذى خَلَقَكُمْ ﴾ للاستيلاء على أقصى غايات العبادة كان أبعث على العبادة، وأشدّ إلزاماً لها، وأثبت لها في النفوس.

ونحوه أن تقول لعبدك: احمل خريطة الكتب، فما ملكتك يميني إلا لجرّ الأثقال.

ولو قلت: لحمل خرائط الكتب لم يقع من نفسه ذلك الموقع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ لَمّا عَدَّدَ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ وذَكَرَ خَواصَّهم ومَصارِفَ أُمُورِهِمْ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ هَزًّا لِلسّامِعِ وتَنْشِيطًا لَهُ واهْتِمامًا بِأمْرِ العِبادَةِ، وتَفْخِيمًا لِشَأْنِها، وجَبْرًا لِكُلْفَةِ العِبادَةِ بِلَذَّةِ المُخاطَبَةِ.

و (يا) حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ، وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ.

إمّا لِعَظَمَتِهِ كَقَوْلِ الدّاعِي: يا رَبِّ، ويا اللَّهُ، هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ.

أوْ لِغَفْلَتِهِ وسُوءِ فَهْمِهِ.

أوْ لِلِاعْتِناءِ بِالمَدْعُوِّ لَهُ وزِيادَةِ الحَثِّ عَلَيْهِ.

وهو مَعَ المُنادى جُمْلَةٌ مُفِيدَةٌ، لِأنَّهُ نائِبٌ مَنابَ فَعَلَ.

وأيُّ: جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ، فَإنَّ إدْخالَ « يا» عَلَيْهِ مُتَعَذِّرٌ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّعْرِيفِ فَإنَّهُما كَمَثَلَيْنِ وأُعْطِيَ حُكْمَ المُنادى وأُجْرِيَ عَلَيْهِ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ وصْفًا مُوَضِّحًا لَهُ، والتِزامُ رَفْعِهِ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ، وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما هاءُ التَّنْبِيهِ تَأْكِيدًا وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ، أيْ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، وإنَّما كَثُرَ النِّداءُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في القُرْآنِ لِاسْتِقْلالِهِ بِأوْجُهٍ مِنَ التَّأْكِيدِ، وكُلُّ ما نادى اللَّهُ لَهُ عِبادَهُ مِن حَيْثُ إنَّها أُمُورٌ عِظامٌ، مِن حَقِّها أنْ يَتَفَطَّنُوا إلَيْها، ويُقْبِلُوا بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْها، وأكْثَرُهم عَنْها غافِلُونَ، حَقِيقٌ بِأنْ يُنادى لَهُ بِالآكَدِ الأبْلَغِ، والجُمُوعُ وأسْماؤُها المُحَلّاةُ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ حَيْثُ لا عَهْدَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ صِحَّةُ الِاسْتِثْناءِ مِنها.

أوِ التَّأْكِيدُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ بِعُمُومِها شائِعًا وذائِعًا، فالنّاسُ يَعُمُّ المَوْجُودِينَ وقْتَ النُّزُولِ لَفْظًا ومَن سَيُوجَدُ، لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْقَبِيلَيْنِ، ثابِتٌ إلى قِيامِ السّاعَةِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والحَسَنِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ (يا أيُّها النّاسُ) فَمَكِّيٌّ و (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) فَمَدَّنِيٌّ، إنْ صَحَّ رَفَعَهُ فَلا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ بِالكَفّارِ، ولا أمَرَهم بِالعِبادَةِ، فَإنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ بَدْءِ العِبادَةِ، والزِّيادَةِ فِيها، والمُواظَبَةِ عَلَيْها، فالمَطْلُوبُ مِنَ الكَفّارِ هو الشُّرُوعُ فِيها بَعْدَ الإتْيانِ بِما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والإقْرارِ بِالصّانِعِ، فَإنَّ مِن لَوازِمَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وُجُوبَ ما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وكَما أنَّ الحَدَثَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الصَّلاةِ، فالكُفْرُ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ العِبادَةِ، بَلْ يَجِبُ رَفْعُهُ والِاشْتِغالُ بِها عَقِيبَهُ.

ومِنَ المُؤْمِنِينَ ازْدِيادُهم وثَباتُهم عَلَيْها وإنَّما قالَ: ﴿ رَبَّكُمُ ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْعِبادَةِ هي الرُّبُوبِيَّةُ.

﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ صِفَةٌ جَرَتْ عَلَيْهِ تَعالى لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْلِيلِ، ويُحْتَمَلُ التَّقْيِيدُ والتَّوْضِيحُ إنْ خُصَّ الخِطابُ بِالمُشْرِكِينَ، وأُرِيدُ بِالرَّبِّ أعَمُّ مِنَ الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ، والآلِهَةُ الَّتِي يُسَمُّونَها أرْبابًا.

والخَلْقُ إيجادُ الشَّيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ، وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالمِقْياسِ.

﴿ والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ مُتَناوِلٌ كُلَّ ما يَتَقَدَّمُ الإنْسانُ بِالذّاتِ أوْ بِالزَّمانِ.

مَنصُوبٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ .

والجُمْلَةُ أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المُقَرَّرِ عِنْدَهُمْ، إمّا لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ أوْ لِتَمَكُّنِهم مِنَ العِلْمِ بِهِ بِأدْنى نَظَرٍ!

وقُرِئَ « مَن قَبْلَكم» عَلى إقْحامِ المَوْصُولِ الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ تَأْكِيدًا، كَما أقْحَمَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ: يا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبا لَكُمُو تَيْمًا الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ.

﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في اعْبُدُوا كَأنَّهُ قالَ: اعْبُدُوا رَبَّكم راجِينَ أنْ تَنْخَرِطُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ الفائِزِينَ بِالهُدى والفَلاحِ، المُسْتَوْجَبِينَ جِوارَ اللَّهِ تَعالى.

نَبَّهَ بِهِ عَلى أنَّ التَّقْوى مُنْتَهى دَرَجاتِ السّالِكِينَ وهو التَّبَرِّي مِن كُلِّ شَيْءٍ سِوى اللَّهِ تَعالى إلى اللَّهِ، وأنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَغْتَرَّ بِعِبادَتِهِ، ويَكُونَ ذا خَوْفٍ وَرَجاءٍ قالَ تَعالى: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ﴾ ، ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ ﴾ .

أوْ مِن مَفْعُولِ ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَلى مَعْنى أنَّهُ خَلَقَكم ومَن قَبْلَكم في صُورَةِ مَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى لِتَرَجُّحِ أمْرِهِ بِاجْتِماعِ أسْبابِهِ وكَثْرَةِ الدَّواعِي إلَيْهِ.

وغَلَّبَ المُخاطِبِينَ عَلى الغائِبِينَ في اللَّفْظِ، والمَعْنى عَلى إرادَتِهِمْ جَمِيعًا.

وقِيلَ تَعْلِيلٌ لِلْخَلْقِ أيْ خَلَقَكم لِكَيْ تَتَّقُوا كَما قالَ: ﴿ وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ ﴾ .

وهو ضَعِيفٌ إذْ لَمْ يَثْبُتْ في اللُّغَةِ مِثْلُهُ.

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ النَّظَرُ في صُنْعِهِ والِاسْتِدْلالُ بِأفْعالِهِ، وأنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ بِعِبادَتِهِ عَلَيْهِ ثَوابًا، فَإنَّها لَمّا وجَبَتْ عَلَيْهِ شُكْرًا لِما عَدَّدَهُ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ السّابِقَةِ فَهو كَأجِيرٍ أخَذَ الأجْرَ قَبْلَ العَمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم وأحوالهم وما اختصت به كل فرقة مما يسعدها ويشقيها ويحظيها عند الله ويرديها أقبل عليهم بالخطاب وهو من الالتفات المذكور فقال {يا أَيُّهَا الناس} قال علقمة ما في القرآن يا أيها الناس فهو خطاب لأهل مكة وما فيه يا أيها الذين آمنوا فهو خطاب لأهل المدينة وهذا خطاب لمشركى مكة ويا حرف وضع لنداء البعيد وأي والهمزة للقريب ثم استعمل فى مناداة من غفل وسها وإن قرب ودنا تنزيلاً له منزلة من بعد ونأى فإذا نودي به القريب المقاطن فذاك للتوكيد المؤذن بأن الخطاب الذي يتلوه معتنى به جداً وقول الداعي يا رب ووهأفرب إليه من حبل الوريد استقصار منه لنفسه واستبعاد لها عن مظان الزلفى هظما لنفسه

البقرة (٢١ _ ٢٢)

وإقراراً عليها بالتفريط مع فرط التهالك على استجابة دعوته وأى وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن ذو والذى وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهمامه فلا بد أن

يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يتضح المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه يا أي والتابع له صفته نحويا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فمم ينفك عن الصفة وكلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها لتأكيد معنى النداء وللعوض عما يستحقه أي من الإضافة وكثر النداء في القرآن على هذه الطريقة لأن ما نادى الله به عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده أمور عظام وخطوب جسام يجب عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم إليها وهم عنها غافلون فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ {اعبدوا رَبَّكُمُ} وحدوه قال ابن عباس رضى الله عنهما كل عبادة في القرآن فهي توحيد {الذي خَلَقَكُمْ} صفة موضحة مميزة لأنهم كانوا يسمون الآلهة أرباباً والخلق إيجاد المعدوم على تقدير واستواء وعند المعتزلة إيجاد الشيء على تقدير واستواء وهذا بناء على أن المعدوم شيء عندهم لأن الشيء ما صح أن يعلم ويخبر عنه عندهم وعندنا هو اسم للموجود خلقكم بالادغام أبو عمرو {والذين مِن قَبْلِكُمْ} احتج عليهم بأنه خالقهم وخالق من قبلهم لأنهم كانوا مقرين بذلك فقيل لهم إن كنتم مقرين بأنه خالقكم فاعبدوه ولا تعبدوا الأصنام {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي اعبدوا على رجاء أن تتقوا فتنجوا بسببه من العذاب ولعل للترجي والإطماع ولكنه إطماع من كريم فيجري مجرى وعده المحتوم وفاؤه وبه قال سيبويه وقال قطرب هو بمعنى كي أي لكي تتقوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ، وقَسَّمَهم إلى مُؤْمِنِينَ، وكُفّارٍ، ومُذَبْذَبِينَ، وقالَ في الطّائِفَةِ الأُولى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، وفي الثّانِيَةِ: سَواءٌ عَلَيْهِمْ، وفي الثّالِثَةِ: يُخادِعُونَ اللَّهَ، وشَرَحَ ما تَرْجِعُ إلَيْهِ أحْوالُهم دُنْيا وأُخْرى، فَقالَ سُبْحانَهُ في الأُولى: ”أُولَئِكَ عَلى هُدى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هم المُفْلِحُونَ“ وفي الثّانِيَةِ: ”خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ولهِمَ عَذاب عَظِيم“ وفي الثّالِثَةِ: ”في قُلُوبِهِمْ مَرَض ولِهمَ عَذاب ألِيم بِما كانُوا يَكْذِبُونَ“ أقْبَلَ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ هَزًّا لَهم إلى الإصْغاءِ وتَوْجِيهًا لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ التَّلَقِّي، وجَبْرًا لِما في العِبادَةِ مِنَ الكُلْفَةِ بِلَذِيذِ المُخاطَبَةِ، ويَكْفِي لِلنُّكْتَةِ الوُجُودُ في البَعْضِ، و(يا) حَرْفٌ لا اسْمُ فِعْلٍ عَلى الصَّحِيحِ، وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ، وقِيلَ: لِمُطْلَقِ النِّداءِ أوْ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ أقْسامِهِ، وعَلى الأوَّلِ يُنادى بِها القَرِيبُ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ غَيْرِهِ، إمّا لِعُلُوِّ مَرْتَبَةِ المُنادِي، أوِ المُنادى، وقَدْ يُنْزِلُ غَفْلَةَ السّامِعِ وسُوءَ فَهْمِهِ مَنزِلَةَ بُعْدِهِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ المَدْعُوِّ لَهُ، والحَثِّ عَلَيْهِ، لِأنَّ نِداءَ البَعِيدِ وتَكْلِيفَهُ الحُضُورَ لَأمْرٌ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ والحَثَّ، فاسْتُعْمِلَ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى أنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ، أوِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في الحَرْفِ، أوْ مَكْنِيَّةٌ وتَخْيِيلِيَّةٌ، وهو مَعَ المُنادى المَنصُوبِ لَفْظًا أوْ تَقْدِيرًا بِهِ لِنِيابَتِهِ عَنْ نَحْوِ نادَيْتُ الإنْشائِيِّ أوْ بِنادَيْتُ اللّازِمِ الإضْمارِ، لِظُهُورِ مَعْناهُ مَعَ قَصْدِ الإنْشاءِ، كَلامٌ يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ، كَما يَحْسُنُ في نَحْوِ لا ونَعَمْ، وأيْ لَها مَعانٍ شَهِيرَةٌ، والواقِعَةُ في النِّداءِ نَكِرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِبَعْضٍ مِن كُلٍّ، ثُمَّ تَعَرَّفَتْ بِالنِّداءِ، وتُوُصِّلَ بِها لِنِداءِ ما فِيهِ ألْ، (يا) لا يَدْخُلُ عَلَيْها في غَيْرِ اللَّهِ إلّا شُذُوذًا لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّعْرِيفِ، فَإنَّهُما كَمِثْلَيْنِ، وهُما لا يَجْتَمِعانِ إلّا فِيما شَذَّ مِن نَحْوِ: فَلا واللَّهِ لا يَلْفى لِما بِي ولا لِلِما بِهِمْ أبَدًا دَواءُ وأُعْطِيَتْ حُكْمَ المُنادى، وجُعِلَ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ وصْفًا لَها، والتُزِمَ فِيهِ هَذِهِ الحَرَكَةُ الخاصَّةُ المُسَمّاةُ بِالضَّمَّةِ خِلافًا لِلْمازِنِيِّ، فَإنَّهُ أجازَ نَصْبَهُ، ولَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ سَلَفٌ، ولا خَلَفٌ، لِمُخالَفَتِهِ لِلْمَسْمُوعِ، وإنَّما التَزَمَ ذَلِكَ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ، ولا يُنافِي هَذا كَوْنَ الوَصْفِ تابِعًا غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَتْبُوعِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ الوَضْعِ الأصْلِيِّ حَيْثُ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما يَجْعَلُهُ مَقْصُودًا في حَدِّ ذاتِهِ، كَكَوْنِهِ مُفَسِّرًا لِمُبْهَمٍ، ومِن هُنا لَمْ يَشْتَرِطُوا في هَذا الوَصْفِ الِاشْتِقاقَ مَعَ أنَّ النَّحْوِيِّينَ إلّا النَّذْرَ كابْنِ الحاجِبِ اشْتَرَطُوا ذَلِكَ في النُّعُوتِ عَلى ما بُيِّنَ في مَحَلِّهِ، و(ها) التَّنْبِيهِيَّةُ زائِدَةٌ لازِمَةٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّعْوِيضِ عَمّا تَسْتَحِقُّ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، أوْ ما في حُكْمِهِ مِنَ التَّنْوِينِ كَما في ﴿ أيًّا ما تَدْعُوا ﴾ وإنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ هُنا مُضافًا أصْلًا، وكَثُرَ النِّداءُ في الكِتابِ المَجِيدِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِما فِيها مِنَ التَّأْكِيدِ الَّذِي كَثِيرًا ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ بِتَكَرُّرِ الذِّكْرِ، والإيضاحِ بَعْدَ الإبْهامِ، والتَّأْكِيدِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ واجْتِماعِ التَّعْرِيفَيْنِ، هَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ وقَطَعَ الأخْفَشُ لِضَعْفِ نَظَرِهِ بِأنَّ أيًّا الواقِعَةَ في النِّداءِ مَوْصُولَةٌ حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها وُجُوبًا لِمُناسَبَةِ التَّخْفِيفِ لِلْمُنادى، وأُيِّدَ بِكَثْرَةِ وُقُوعِها في كَلامِهِمْ مَوْصُولَةً، ونُدْرَةِ وُقُوعِها مَوْصُوفَةً، واعْتَذَرَ عَنْ عَدَمِ نَصْبِها حِينَئِذٍ مَعَ أنَّها مُضارِعَةٌ لِلْمُضافِ بِأنَّهُ إذا حُذِفَ صَدْرُ صِلَتِها كانَ الأغْلَبُ فِيها البِناءُ عَلى الضَّمِّ، فَحَرْفُ النِّداءِ عَلى هَذا يَكُونُ داخِلًا عَلى مَبْنِيٍّ عَلى الضَّمِّ، ولَمْ يُغَيِّرْهُ، وإنْ كانَ مُضارِعًا لِلْمُضافِ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى الحَذْفِ، وصِدْقُ تَعْرِيفِ النَّعْتِ، والمُوافَقَةُ مَعَ هَذا، وأنَّها لَوْ كانَتْ مَوْصُولَةٌ لَجازَ أنْ تُوصَلَ بِجُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ أوْ ظَرْفِيَّةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا يَقْطَعُ المُنْصِفُ مَعَهُ بِأرْجَحِيَّةِ مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، نَعَمْ أُورِدَ عَلَيْهِ إشْكالٌ اسْتَصْعَبَهُ بَعْضٌ مِن سَلَفَ مِن عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، وقالَ: إنَّهُ لا جَوابَ لَهُ، وهو أنَّ ما ادَّعَوْا كَوْنَهُ تابِعًا مُعْرَبٌ بِالرَّفْعِ، وكُلُّ حَرَكَةٍ إعْرابِيَّةٍ إنَّما تَحْدُثُ بِعامِلٍ، ولا عامِلَ يَقْتَضِي الرَّفْعَ هُناكَ، لِأنَّ مَتْبُوعَهُ مَبْنِيٌّ لَفْظًا، ومَنصُوبٌ مَحَلًّا، فَلا وجْهَ لِرَفْعِهِ، وأقُولُ: إنَّ هَذا مِنَ الأبْحاثِ الواقِعَةِ بَيْنَ أبِي نِزارٍ وابْنِ الشَّجَرِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ سُؤالٌ عَنْ ضَمَّةِ هَذا التّابِعِ، فَكَتَبَ أبُو نِزارٍ أنَّها ضَمَّةُ بِناءٍ، ولَيْسَتْ ضَمَّةَ إعْرابٍ، لِأنَّ ضَمَّةَ الإعْرابِ لا بُدَّ لَها مِن عامِلٍ يُوجِبُها، ولا عامِلَ هُنا يُوجِبُ هَذِهِ الضَّمَّةَ، وكَتَبَ الشَّيْخُ مَنصُورٌ مَوْهُوبُ بْنُ أحْمَدَ أنَّها ضَمَّةُ إعْرابٍ ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ضَمَّةَ بِناءٍ، ومَن قالَ ذَلِكَ فَقَدْ غَفَلَ عَنِ الصَّوابِ، وذَلِكَ لِأنَّ الواقِعَ عَلَيْهِ النِّداءُ أيُّ المَبْنِيُّ عَلى الضَّمِّ، لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ الحَرْفِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدُ وإنْ كانَ مَقْصُودًا بِالنِّداءِ إلّا أنَّهُ صِفَةُ أيُّ، فَمُحالٌ أنْ يُبْنى أيْضًا، لِأنَّهُ مَرْفُوعٌ رَفْعًا صَحِيحًا، ولِهَذا أجازَ فِيهِ المازِنِيُّ النَّصْبَ عَلى المَوْضِعِ كَما يَجُوزُ في يا زَيْدُ الظَّرِيفَ، وعِلَّةُ الرَّفْعِ أنَّهُ لَمّا اسْتَمَرَّ الضَّمُّ في كُلِّ مُنادًى مَعْرِفَةٍ أشْبَهَ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ، فَأُجْرِيَتْ صِفَتُهُ عَلى اللَّفْظِ، فَرُفِعَتْ، وأجابَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ بِما أجابَ بِهِ الشَّيْخُ، وكَتَبَ أنَّها ضَمَّةُ إعْرابٍ، لِأنَّ ضَمَّةَ المُنادى المُفْرَدِ لَها بِاطِّرادِها مَنزِلَةٌ بَيْنَ مَنزِلَتَيْنِ، فَلَيْسَتْ كَضَمَّةِ حَيْثُ، لِأنَّها غَيْرُ مُطَّرِدَةٍ لِعَدَمِ اطِّرادِ العِلَّةِ الَّتِي أوْجَبَتْها، ولا كَضَمَّةِ زَيْدٍ في نَحْوِ: خَرَجَ زَيْدٌ، لِأنَّها حَدَثَتْ بِعامِلٍ لَفْظِيٍّ، ولَمّا اطَّرَدَتِ الضَّمَّةُ في نَحْوِ: يا زَيْدُ، يا عَمْرُو، وكَذَلِكَ اطَّرَدَتْ في نَحْوِ: يا رَجُلُ، يا غُلامُ، إلى ما لا يُحْصى نَزَلَ الِاطِّرادُ فِيها مَنزِلَةَ العامِلِ المَعْنَوِيِّ الواقِعِ لِلْمُبْتَدَإ مِن حَيْثُ اطَّرَدَتِ الرِّفْعَةُ في كُلِّ اسْمٍ ابْتُدِئَ بِهِ مُجَرَّدًا عَنْ عامِلٍ لَفْظِيٍّ، وجِيءَ لَهُ بِخَبَرٍ، كَـعَمْرٌو مُنْطَلِقٌ، وزَيْدٌ ذاهِبٌ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَمّا اسْتَمَرَّتْ ضَمَّةُ المُنادى في مُعْظَمِ الأسْماءِ كَما اسْتَمَرَّتْ في الأسْماءِ المُعْرَبَةِ الضَّمَّةُ الحادِثَةُ عَنِ الِابْتِداءِ شَبَّهَتْها العَرَبُ بِضَمَّةِ المُبْتَدَإ، فَأتْبَعَتْها ضَمَّةَ الإعْرابِ في صِفَةِ المُنادى في نَحْوِ: يا زَيْدُ الطَّوِيلُ، وجَمَعَ بَيْنَهُما أيْضًا أنَّ الِاطِّرادَ مَعْنًى كَما أنَّ الِابْتِداءَ كَذَلِكَ، ومِن شَأْنِ العَرَبِ أنْ تَحْمِلَ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ مَعَ حُصُولِ أدْنى مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، حَتّى أنَّهم قَدْ حَمَلُوا أشْياءَ عَلى نَقائِضِها، ألا تَرى أنَّهم أتْبَعُوا حَرَكَةَ الإعْرابِ حَرَكَةَ البِناءِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (الحَمْدُ لُلَّهِ) بِضَمِّ اللّامِ، وكَذَلِكَ أتْبَعُوا حَرَكَةَ البِناءِ حَرَكَةَ الإعْرابِ في نَحْوِ: يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، في قَوْلِ مَن فَتَحَ الدّالَ مِن زَيْدٍ انْتَهى مُلَخَّصًا، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الشَّجَرِيِّ في أمالِيهِ، وأكْثَرَ في الحَطِّ عَلى ابْنِ نِزارٍ، وبَيَّنَ ما وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مُشافَهَةً، ولَوْلا مَزِيدُ الإطالَةِ لَذَكَرْتُهُ بِعُجَرِهِ وبُجَرِهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ ما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ الوَهَنِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الحَقَّ أنَّها حَرَكَةُ إتْباعٍ ومُناسَبَةٍ لِضَمَّةِ المُنادى كَكَسْرِ المِيمِ مِن غُلامِي، وحِينَئِذٍ يَنْدَفِعُ الإشْكالُ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الكَمالِ.

بَقِيَ الكَلامُ في اللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى هَذا النَّعْتِ هَلْ هي لِلتَّعْرِيفِ أمْ لا؟

والَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وهو المَشْهُورُ أنَّها لِلتَّعْرِيفِ، كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ولَمّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ أبُو نِزارٍ قالَ: إنَّها هُناكَ لَيْسَتْ لِلتَّعْرِيفِ، لِأنَّ التَّعْرِيفَ لا يَكُونُ إلّا بَيْنَ اثْنَيْنِ في ثالِثٍ، واللّامُ فِيما نَحْنُ فِيهِ داخِلَةٌ في اسْمِ المُخاطَبِ، ثُمَّ قالَ: والصَّحِيحُ إنَّها دَخَلَتْ بَدَلًا مِن يا وأيُّ، وإنْ كانَ مُنادًى إلّا أنَّ نِداءَهُ لَفْظِيٌّ، والمُنادى عَلى الحَقِيقَةِ هو المَقْرُونُ بِألْ، ولَمّا قَصَدُوا تَأْكِيدَ التَّنْبِيهِ، وقَدَّرُوا تَكْرِيرَ حَرْفِ النِّداءِ، كَرِهُوا التَّكْرِيرَ، فَعَوَّضُوا عَنْ حَرْفِ النِّداءِ ثانِيًا (ها) وثالِثًا (ألْ)، وتَعَقَّبَهُ ابْنُ الشَّجَرِيِّ قائِلًا: إنَّ هَذا قَوْلٌ فاسِدٌ بَلِ اللّامُ هُناكَ لِتَعْرِيفِ الحُضُورِ، كالتَّعْرِيفِ في قَوْلِكَ: جاءَ هَذا الرَّجُلُ مَثَلًا، ولَكِنَّها لَمّا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ المُخاطَبِ صارَ الحُكْمُ لِلْخِطابِ مِن حَيْثُ كانَ قَوْلُنا: يا أيُّها الرَّجُلُ مَعْناهُ: يا رَجُلُ، ولَمّا كانَ الرَّجُلُ هو المُخاطَبُ في المَعْنى، غَلَبَ حُكْمُ الخِطابِ، فاكْتَفى بِاثْنَيْنِ لِأنَّ أسْماءَ الخِطابِ لا تَفْتَقِرُ في تَعْرِيفِها إلى حُضُورِ ثالِثٍ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَكَ: خَرَجْتُ يا هَذا، وانْطَلَقْتُ وأكْرَمْتُكَ، لا حاجَةَ بِهِ إلى ثالِثٍ، ولَيْسَ كُلُّ وُجُوهِ التَّعْرِيفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ في ثالِثٍ، فَإنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ في أنا، خَرَجَتْ مُعَرَّفَةً إجْماعًا، ولا يَتَوَقَّفُ تَعْرِيفُهُ عَلى حُضُورِ ثالِثٍ، وأيْضًا ما قُصَّ مِن حَدِيثِ التَّعْوِيضِ يَسْتَدْعِي بِظاهِرِهِ أنْ يَكُونَ أصْلُ يا أيُّها الرَّجُلُ مَثَلًا، (يا أيُّ يا يا رَجُلُ)، وأنَّهم عَوَّضُوا مِن يا الثّانِيَةِ ها، ومِنَ الثّالِثَةِ الألِفَ واللّامَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا مَعَ مُخالَفَتِهِ لِقَوْلِ الجَماعَةِ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ يَمُجُّهُ السَّمْعُ ويُنْكِرُهُ الطَّبْعُ فَلْيُفْهَمْ.

(والنّاسُ) اسْمُ جَمْعٍ عَلى ما حَقَّقَهُ جَمْعٌ، والجُمُوعُ وأسْماؤُها المُحَلّاةُ بِالعُمُومِ حَيْثُ لا عَهْدٌ خارِجِيٌّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ وُقُوعُ الِاسْتِثْناءِ، والأصْلُ فِيهِ الِاتِّصالُ، وهو يَقْتَضِي الدُّخُولَ يَقِينًا، ولا يُتَصَوَّرُ إلّا بِالعُمُومِ، ونَحْوُ: ضَرَبْتُ زَيْدًا إلّا رَأْسَهُ، وصُمْتُ رَمَضانَ إلّا عُشْرَهُ الأخِيرَ، عامٌّ تَأْوِيلًا، وكَذا التَّأْكِيدُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ عُمُومٌ كانَ التَّأْكِيدُ تَأْسِيسًا، والِاتِّفاقُ عَلى خِلافِهِ، وشُيُوعُ اسْتِدْلالِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِالعُمُومِ كَما في حَدِيثِ السَّقِيفَةِ، وهم أئِمَّةُ الهُدى، ثُمَّ هَذا الخِطابُ في نَحْوِ: يا أيُّها النّاسُ، يُسَمّى بِالخِطابِ الشِّفاهِيِّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، قالُوا: ولَيْسَ عامًّا لِمَن بَعْدَ المَوْجُودِينَ في زَمَنِ الوَحْيِ، أوْ لِمَن بَعْدَ الحاضِرِينَ مَهابِطَ الوَحْيِ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ، وإنَّما يَثْبُتُ حُكْمُهُ لَهم بِدَلِيلٍ آخَرَ مِن نَصٍّ أوْ قِياسٍ أوْ إجْماعٍ، وأمّا بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ فَلا، وقالَتِ الحَنابِلَةُ: بَلْ هو عامٌّ لِمَن بَعْدَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْتَدَلَّ الأوَّلُونَ بِأنّا نَعْلَمُ أنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَعْدُومِينَ نَحْوُ يا أيُّها النّاسُ، قالَ العَضُدُ: وإنْكارُهُ مُكابَرَةٌ، وبِأنَّهُ امْتَنَعَ خِطابُ الصَّبِيِّ، والمَجْنُونُ بِنَحْوِهِ، وإذا لَمْ نُوَجِّهْهُ نَحْوَهم مَعَ وُجُودِهِمْ لِقُصُورِهِمْ عَنِ الخِطابِ فالمَعْدُومُ أجْدَرُ أنْ يُمْنَعَ، لِأنَّ تَناوُلَهُ أبْعَدُ، واسْتَدَلَّ الآخَرُونَ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ  مُخاطِبًا بِهِ لِمَن بَعْدَهُمْ، لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ، واللّازِمُ مُنْتَفٍ، وبِأنَّهُ لَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يَحْتَجُّونَ عَلى أهْلِ الأعْصارِ مِمَّنْ بَعْدَ الصَّحابَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وهو إجْماعٌ عَلى العُمُومِ لَهم.

وأُجِيبَ: أمّا عَنِ الأوَّلِ، فَبِأنَّ الرِّسالَةَ إنَّما تَسْتَدْعِي التَّبْلِيغَ في الجُمْلَةِ، وهو لا يَتَوَقَّفُ عَلى المُشافَهَةِ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ حُصُولُهُ لِلْبَعْضِ شِفاهًا، ولِلْبَعْضِ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ والأماراتِ، عَلى أنَّ حُكْمَهم حُكْمُ الَّذِينَ شافَهَهُمْ، وأمّا عَنِ الثّانِي فَبِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَناوُلِهِ لَهُمْ، بَلْ قَدْ يَكُونُ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ حُكْمَهُ ثابِتٌ عَلَيْهِمْ بِدَلِيلٍ آخَرَ، قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

وفِي شَرْحِ العَلّامَةِ الثّانِي لِلشَّرْحِ العَضُدِيِّ، أنَّ القَوْلَ بِعُمُومِ الشِّفاهِيِّ وإنْ نُسِبَ إلى الحَنابِلَةِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ، وقالَ بَعْضُ أجِلَّةِ المُحَقِّقِينَ: إنَّهُ المَشْهُورُ، حَتّى قالُوا: إنَّ الحَقَّ أنَّ العُمُومَ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، وهو الأقْرَبُ، وقَوْلُ العَضُدِ: إنَّ إنْكارَهُ مُكابَرَةٌ حَقٌّ، لَوْ كانَ الخِطابُ لِلْمَعْدُومِينَ خاصَّةً، أمّا إذا كانَ لِلْمَوْجُودِينَ والمَعْدُومِينَ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ، فَلا، ومِثْلُهُ فَصِيحٌ شائِعٌ، وكُلُّ ما اسْتَدَلَّ بِهِ عَلى خِلافِهِ ضَعِيفٌ انْتَهى، وإلى العُمُومِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الشّافِعِيَّةِ عَلى أنَّهُ عِنْدَهم عامٌّ، بِحاقِّ لَفْظِهِ ومَنطُوقِهِ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى دَلِيلٍ آخَرَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن قَبِيلِ الخِطابِ العامِّ الَّذِي أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ ظاهِرِهِ كَما في قَوْلِهِ: إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ ∗∗∗ وإنْ أنْتَ أكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدا هَذا، وعَلى كُلِّ حالٍ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وعَلْقَمَةَ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ نَزَلَ فِيهِ: يا أيُّها النّاسُ، مَكِّيٌّ، ويا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا، مَدَنِيٌّ، إنَّ صَحَّ، ولَمْ يُؤَوَّلْ، لا يُوجِبُ تَخْصِيصَ هَذا العامِّ بِوَجْهٍ بِالكُفّارِ، بَلْ هم أيْضًا داخِلُونَ فِيهِ، ومَأْمُورُونَ بِأداءِ العِبادَةِ كالِاعْتِقادِ، والأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وكَوْنُ الإيمانِ أصْلَ العِباداتِ، ولَوْ وجَبَ بِوُجُوبِها انْقَلَبَ الأصْلُ تَبَعًا، مَرْدُودٌ بِأنَّ الأصالَةَ بِحَسَبِ الصِّحَّةِ لا تُنافِي التَّبَعِيَّةَ في الوُجُوبِ، عَلى أنَّهُ واجِبٌ اسْتِقْلالًا أيْضًا، والعَجَبُ كَيْفَ خَفِيَ عَلى مَشايِخِ سَمَرْقَنْدَ !

وهَذا ما ذَهَبَ إلَيْهِ العِراقِيُّونَ، والشّافِعِيَّةُ، ويُؤَيِّدُهُ ظَواهِرُ الآياتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ما سَلَكَكم في سَقَرَ ﴾ ﴿ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ﴾ وذَهَبَ البُخارِيُّونَ إلى أنَّهم مُكَلَّفُونَ في حَقِّ الِاعْتِقادِ فَقَطْ، وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمْ يَنُصَّ ظاهِرًا عَلى شَيْءٍ في المَسْألَةِ، لَكِنْ في كَلامِ صاحِبِهِ الثّانِي ما يَدُلُّ عَلَيْها، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنَ الإمامِ، لِأنَّهُ لا ثَمَرَةَ لِلْخِلافِ في الدُّنْيا، لِلِاتِّفاقِ عَلى أنَّهم ما دامُوا كُفّارًا يَمْتَنِعُ مِنهُمُ الإقْدامُ عَلَيْها، ولا يُؤْمَرُونَ بِها، وإذا أسْلَمُوا لَمْ يَجِبْ قَضاؤُها عَلَيْهِمْ، وإنَّما ثَمَرَتُهُ في الآخِرَةِ، وهو أنَّهم يُعَذَّبُونَ عَلى تَرْكِها، كَما يُعَذَّبُونَ عَلى تَرْكِ الإيمانِ عِنْدَ مَن قالَ بِوُجُوبِها عَلَيْهِمْ، وعَلى تَرْكِ الإيمانِ فَقَطْ عِنْدَ مَن لَمْ يَقُلْ، وهَذا في غَيْرِ العُقُوباتِ والمُعامَلاتِ، أمّا هي فَمُتَّفَقٌ عَلى خِطابِهِمْ بِها، والأمْرُ بِالعِبادَةِ هُنا لِلطَّوائِفِ الثَّلاثِ بِاعْتِبارِ أنَّ المُرادَ بِها الشّامِلُ لِإيجادِ أصْلِها، والزِّيادَةُ والثَّباتُ، (فاعْبُدُوا) يَدُلُّ عَلى طَلَبٍ في الحالِ لِعِبادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، وهي مِنَ الكُفّارِ ابْتِداءً عِبادَةٌ، ومِن بَعْضِ المُؤْمِنِينَ زِيادَةٌ، ومِن آخَرِينَ مُواظَبَةٌ، ولَيْسَ الِابْتِداءُ والزِّيادَةُ والمُواظَبَةُ داخِلًا في المَفْهُومِ وضْعًا، فَلا مَحْذُورَ في شَيْءٍ أصْلًا خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَهُ، فَتَكَلَّفَ في دَفْعِهِ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ الرَّبَّ لِيُشِيرَ إلى أنَّ المُوجِبَ القَرِيبَ لِلْعِبادَةِ هي نِعْمَةُ التَّرْبِيَةِ، وإنْ كانَتْ عِبادَةُ الكامِلِينَ لِذاتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أصْلًا، سِوى أنَّهُ هو هُوَ، فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ، ما أعْظَمَهُ، ومِن رَبٍّ ما أكْرَمَهُ.

﴿ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ المَوْصُولُ صِفَةٌ مادِحَةٌ لِلرَّبِّ، وفِيها أيْضًا تَعْلِيلُ العِبادَةِ، أوِ الرُّبُوبِيَّةِ عَلى ما قِيلَ، فَإنْ كانَ الخِطابُ في (رَبِّكُمْ) شامِلًا لِلْفِرَقِ الثَّلاثِ، فَذاكَ، وإنْ خُصَّ بِالمُشْرِكِينَ، وأُرِيدَ بِالرَّبِّ ما تُعُورِفَ بَيْنَهم مِن إطْلاقِهِ عَلى غَيْرِهِ تَعالى احْتَمَلَ أنْ تَكُونَ مُقَيِّدَةً إنْ حُمِلَتِ الإضافَةُ عَلى الجِنْسِ، ومُوَضِّحَةً إنْ حُمِلَتْ عَلى العَهْدِ، ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ تَكُونَ مادِحَةً لِأنَّ المُطْلَقَ يَتَبادَرُ مِنهُ رَبُّ الأرْبابِ، إلّا أنَّ جَعْلَها لِلتَّقْيِيدِ والتَّوْضِيحِ أظْهَرُ بِناءً عَلى ما كانُوا فِيهِ، وتَعْرِيضًا بِما كانُوا عَلَيْهِ، ولِأنَّهُ الأصْلُ، فَلا يُتْرَكُ إلّا بِدَلِيلٍ، والخَلْقُ الِاخْتِراعُ بِلا مِثالٍ، ويَكُونُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، وعَلى الأوَّلِ لا يَتَّصِفُ بِهِ سِواهُ سُبْحانَهُ، وعَلى الثّانِي قَدْ يَتَّصِفُ بِهِ غَيْرُهُ، ومِنهُ ﴿ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ ﴾ ﴿ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ ﴾ وقَوْلُ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي ومِنَ العَجَبِ أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيَّ أُسْتاذَ القاضِي عَبْدِ الجَبّارِ قالَ: إطْلاقُ الخالِقِ عَلَيْهِ تَعالى مُحالٌ، لِأنَّ التَّقْدِيرَ يَسْتَدْعِي الفِكْرَ والحُسْبانَ، وهي مَسْألَةٌ خِلافِيَّةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى القائِلِ: ”هو الخالِقُ البارئ“ وبِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى أقُولُ، والمَوْصُولُ الثّانِي عَطْفٌ عَلى المَنصُوبِ في (خَلَقَكُمْ)، وقَبْلُ، ظَرْفُ زَمانٍ بِكَثْرَةٍ، ومَكانٍ بِقِلَّةٍ، ويُتَجَوَّزُ بِها عَنِ التَّقَدُّمِ بِالشَّرَفِ والرُّتْبَةِ، والخِطابُ إنْ شَمِلَ المُؤْمِنِينَ وغَيْرَهُمْ، فالمُرادُ بِالَّذِينِ قَبْلَهم مَن تَقَدَّمَهم في الوُجُودِ، ومَن هو مَوْجُودٌ، وهو أعْلى مَنزِلَةً مِنهُمْ، وفي هَذا تَذْكِيرٌ لِكَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى ورُبُوبِيَّتِهِ، وفِيهِ مِن تَأْكِيدِ أمْرِ العِبادَةِ ما لا يَخْفى، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ التَّنْبِيهَ عَلى خَلْقِهِمْ، وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا بِالزَّمانِ لِأنَّ عِلْمَ الإنْسانِ بِأحْوالِ نَفْسِهِ أظْهَرُ، ولِأنَّهُمُ المُواجَهُونَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، فَتَنْبِيهُهم أوَّلًا عَلى أنْفُسِهِمْ آكَدُ، وأهَمُّ، وأتى بِالخَلْقِ صِلَةً والصِّلاتُ لا بُدَّ مِن كَوْنِها مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ عِنْدَ المُخاطَبِ، ولِذا يُعْرَفُ المَوْصُولُ عِنْدَهُ بِما فِيها مِنَ العَهْدِ، واشْتُرِطَتْ خَبَرِيَّتُها إشارَةً إلى أنَّهُ لَيْسَ في المُخاطَبِينَ مَن يُنْكِرُ كَوْنَ الخالِقِ هو اللَّهُ تَعالى، ﴿ ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهُمْ ﴾ أوْ ﴿ مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ وانْفِهامُ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِناءً عَلى ما قالُوا، الإخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، والأوْصافُ قَبْلَ العِلْمِ بِها إخْبارٌ مِمّا قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وإنْ كانَ هُناكَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُهُ وخالِقُ مَن قَبْلَهُ احْتِيجَ إلى ادِّعاءِ التَّغْلِيبِ أوْ تَنْزِيلِ غَيْرِ العالِمِ مَنزِلَةَ العالِمِ، لِوُضُوحِ البَراهِينِ، فَتَخْرُجُ الجُمْلَةُ مَخْرَجَ المَعْلُومِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (وخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ) وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (والَّذِينَ مَن قَبْلَكُمْ) بِفَتْحِ المِيمِ، واسْتُشْكِلَ لِتَوالِي مَوْصُولَيْنِ، والصِّلَةُ واحِدَةٌ، وخُرِّجَتْ عَلى جَعْلِ (مَن) تَأْكِيدًا (لِلَّذِينِ)، فَلا يَحْتاجُ إلى صِلَةٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: مَنِ النَّفَرُ اللّائِي الَّذِينَ إذا هم ∗∗∗ تَهابُ اللِّئامُ حَلْقَةَ البابِ قَعْقَعُوا واعْتُرِضَ بِأنَّ الحَرْفَ لا يُؤَكَّدُ بِدُونِ إعادَةِ ما اتَّصَلَ بِهِ، فالمَوْصُولُ أوْلى بِذَلِكَ، إذْ يَكادُ أنْ يَكُونَ تَأْكِيدُهُ كَتَأْكِيدِ بَعْضِ الِاسْمِ، فَمَن حِينَئِذٍ مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، وهي خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مُقَدَّرٍ، وما بَعْدَها صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وهي مَعَ المُقَدَّرِ صِلَةُ المَوْصُولِ الأوَّلِ، ويَكُونُ عَلى أحَدِ الِاحْتِمالَيْنِ نَظِيرُ: فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ.

وتَخْرِيجُ البَيْتِ عَلى نَحْوِ هَذا وقِيلَ: (مَن)، زائِدَةٌ، وقَدْ أجازَ بَعْضُ النُّحاةِ زِيادَةَ الأسْماءِ، والكِسائِيُّ زِيادَةَ (مَنِ) المَوْصُولَةِ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ: وكَفى بِنا فَضْلًا عَلى مَن غَيْرِنا ∗∗∗ حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إيّانا وبَعْضُهُمُ اسْتَشْكَلَ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ أيْضًا بِأنَّ الَّذِينَ أعْيانٌ، و ﴿ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ، ناقِصٌ لَيْسَ في الإخْبارِ بِهِ عَنْها فائِدَةٌ، فَكَذَلِكَ الوَصْلُ بِهِ إلّا عَلى تَأْوِيلٍ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ إذا وُصِفَ لَفْظًا، أوْ تَقْدِيرًا مَعَ القَرِينَةِ صَحَّ الإخْبارُ، والوَصْلُ بِهِ، تَقُولُ نَحْنُ في يَوْمٍ طَيِّبٍ، وما هُنا في تَقْدِيرِ: والَّذِينَ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكُمْ، وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ: والَّذِينَ خَلَقَهم مِن قَبْلِ خَلْقِكُمْ، فَحُذِفَ الفِعْلُ الَّذِي هو صِلَةٌ، وأُقِيمَ مُتَعَلِّقُهُ مَقامَهُ فَتَدَبَّرْ، ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ لَعَلَّ في المَشْهُورِ مَوْضُوعَةٌ لِلتَّرَجِّي، وهو الطَّمَعُ في حُصُولِ أمْرٍ مَحْبُوبٍ مُمْكِنِ الوُقُوعِ، والإشْفاقُ وهو تَوَقُّعُ مَخُوفٍ مُمْكِنٍ، والظّاهِرُ التَّقابُلُ، فَتَكُونُ مُشْتَرَكَةً، وذَكَرَ الرَّضِيُّ أنَّها لِلتَّرَجِّي، وهو ارْتِقابُ شَيْءٍ لا وُثُوقَ بِحُصُولِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الطَّمَعُ والإشْفاقُ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، إنَّها لِإنْشاءِ تَوَقُّعِ أمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ، إمّا مَحْبُوبٌ فَيُسَمّى رَجاءً، أوْ مَكْرُوهٌ فَيُسَمّى إشْفاقًا، وذَلِكَ قَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالفِعْلِ، إمّا مِن جِهَةِ المُتَكَلِّمِ وهو الشّائِعُ، لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ، وإمّا مِن جِهَةِ المُخاطَبِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُتَكَلِّمِ في التَّلَبُّسِ التّامِّ بِالكَلامِ الجارِي بَيْنَهُما، ومِنهُ ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى ﴾ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ في نَفْسِهِ مَئِنَّةٌ لِلتَّوَقُّعِ مُتَّصِفٌ بِحَيْثِيَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَوَقُّعٌ بِالفِعْلِ مِن مُتَوَقِّعٍ أصْلًا، فَفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إنْ جَعَلْتَ الجُمْلَةَ حالًا مِن مَفْعُولِ (خَلَقَكُمْ) وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ، لِأنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالعِبادَةِ امْتَنَعَ حَمْلُ لَعَلَّ عَلى حَقِيقَتِها لا بِالنَّظَرِ إلى المُتَكَلِّمِ لِاسْتِحالَةِ التَّرَجِّي عَلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الفاعِلِ لِما يَشاءُ، ولا بِالنَّظَرِ إلى المُخاطَبِينَ لِأنَّهم حِينَ الخَلْقِ لَمْ يَكُونُوا عالِمِينَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ الرَّجاءُ مِنهُمْ؟!

ولا يَجُوزُ جَعْلُها حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّ المُقَدَّرَ حالَ الخَلْقِ التَّقْوى لا رَجاؤُها، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى المَعْنى المَجازِيِّ بِأنْ يُشَبِّهَ طَلَبَ التَّقْوى مِنهم بَعْدَ اجْتِماعِ أسْبابِهِ ودَواعِيهِ بِالتَّرَجِّي في أنَّ مُتَعَلِّقَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَفْعَلَ وأنْ لا يَفْعَلَ مَعَ رُجْحانِ ما بِجانِبِ الفِعْلِ، فَيَسْتَعْمِلُ كَلِمَةَ لَعَلَّ المَوْضُوعَ لَهُ فِيهِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً أوْ تُشَبُّهُ صُورَةٌ مُنْتَزَعَةٌ مِن حالِ خالِقِهِمْ بِالقِياسِ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ مَكَّنَهم عَلى التَّقْوى، وتَرَكَها مَعَ رُجْحانِها مِنهم بِحالِ المُرْتَجِي بِالقِياسِ إلى المُرْتَجى مِنهُ القادِرِ عَلى المُرْتَجى وتَرْكِهِ مَعَ رُجْحانِ وُجُودِهِ، فَيَكُونُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ ما هو العُمْدَةُ فِيهِ أعْنِي كَلِمَةَ لَعَلَّ، أوْ تُشَبَّهَ ذَواتُهم بِمَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى فَيُثْبِتُ لَهُ بَعْضَ لَوازِمِهِ أعْنِي الرَّجاءَ فَيَكُونُ اسْتِعارَةً بِالكِنايَةِ، وجَعْلُ المُشَبَّهِ إرادَتَهُ تَعالى في الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ نَزْغَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ مُؤَسَّسَةٌ عَلى القاعِدَةِ القائِلَةِ بِجَوازِ تَخَلُّفِ المُرادِ عَنْ إرادَتِهِ تَعالى شَأْنُهُ، وبَعْضُهم قالَ بِالتَّرَجِّي هُنا إلّا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المُتَكَلِّمِ، ولا مِنَ المُخاطَبِ، بَلْ مِن غَيْرِهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ ﴾ لِأنَّهُ لَمّا وُلِدَ كُلُّ مَوْلُودٍ عَلى الفِطْرَةِ كانَ بِحَيْثُ إنَّ تَأمُّلَهُ مُتَأمَّلٌ تُوُقِّعَ مِنهُ رَجاءَ أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وإنْ جُعِلَتْ حالًا مِن فاعِلِ (خَلَقَكُمُ) امْتَنَعَتِ الحَقِيقَةُ أيْضًا، وتَعَيَّنَتْ بَعْضُ الوُجُوهِ، وإنْ جُعِلَتْ حالًا مِن ضَمِيرِ (اعْبُدُوا) جازَ إبْقاءُ التَّرَجِّي عَلى حَقِيقَتِهِ مَصْرُوفًا إلى المُخاطَبِينَ، أيْ راجِينَ التَّقْوى، والمُرادُ بِها حِينَئِذٍ مُنْتَهى دَرَجاتِ السّالِكِينَ، وهو طَرْحُ الهَوى، ونَبْذُ السِّوى، والفَوْزُ بِالمَحْبُوبِ الأعْلى، وفي ذَلِكَ غايَةُ المُبْتَغى، والعُرُوجُ فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وقَدْ شاعَ ذَلِكَ عِنْدَ الأقْصى، والأدْنى، وبِذَلِكَ يَصِحُّ التَّرْغِيبُ ويَنْدَفِعُ ما قِيلَ: إنَّ اللّائِقَ بِالبَلاغَةِ القُرْآنِيَّةِ أنْ يُعْتَبَرَ مِن أوَّلِ الأمْرِ غايَةُ عِبادَتِهِمْ، وما هو لَذَّةٌ لَهم أعْنِي الثَّوابَ، لا ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وهو التَّقْوى، وإنْ كانَ مُفْضِيًا إلَيْهِ، ووَجْهُ الدَّفْعِ ظاهِرٌ، وما قالَهُ المَوْلى التَّفْتازانِيُّ مِن أنَّ تَقْيِيدَ العِبادَةِ بِتَرَجِّي التَّقْوى لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ مَعْنًى، إنَّما المُناسِبُ تَقْيِيدُها بِالتَّقْوى، أوِ اقْتِرانُها بِرَجاءِ ثَوابِها، يَدْفَعُهُ أنَّ في التَّرَجِّي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ لا يَفْتَرِقَ في عِبادَتِهِ، ويَكُونَ ذا خَوْفٍ ورَجاءٍ، نَعَمْ قالُوا: الحالُ قَيْدٌ لِعامِلِها، وهو هُنا الأمْرُ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ أعَمُّ مِنَ الوُجُوبِ، فَلا إشْكالَ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ حَقِيقَةٌ في الوُجُوبِ، اقْتَضى وُجُوبَ الرَّجاءِ المُقَيَّدِ بِهِ العِبادَةُ المَأْمُورُ بِها، ولَعَلَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يَقْتَضِي وُجُوبَ المُقَيِّدِ دُونَ القَيْدِ فِيهِ كَلامٌ في الأُصُولِ لا يَخْفى عَلى ذَوِيِهِ، وما أوْرَدَ مِن أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ التَّوَسُّطُ بَيْنَ العَصا ولِحائِها، فَإنَّ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَوْصُولٌ بِرَبِّكم صِفَةٌ لَهُ، يُجابُ عَنْهُ بِأنَّ القَطْعَ يُهَوِّنُ الفَصْلَ، وإنْ كانَ هُناكَ اتِّصالٌ مَعْنَوِيٌّ، وإنْ جَعَلَ (الَّذِي جَعَلَ) مُبْتَدَأً خَبَرُهُ (لا تَجْعَلُوا) كادَ يَزُولُ الإشْكالُ، ويَرْتَفِعُ المَقالُ، ومَعَ هَذا لا شَكَّ في مَرْجُوحِيَّةِ هَذا الوَجْهِ، وإنْ أشْعَرَ كَلامُ مَوْلانا البَيْضاوِيِّ بِأرْجَحِيَّتِهِ، ثُمَّ لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ المَعْنى في الآيَةِ عَلى التَّعْلِيلِ، إمّا لِأنَّ لَعَلَّ تَجِيءُ بِمَعْنى كَيْ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ: فَقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا ∗∗∗ نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مَوْثِقِ أوْ لِأنَّها لِلْأطْماعِ، فَيُكَنّى بِهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ عَنْ تَحَقُّقِ ما بَعْدَها عَلى عادَةِ الكُبَراءِ، ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ كُلِّ مُتَحَقِّقٍ كَتَحَقُّقِ العِلَّةِ، سَواءٌ كانَ مَعَهُ أطْماعٌ أمْ لا، عَلى ما قِيلَ، ولا يَرِدُ أنَّ تَعْلِيلَ الخَلْقِ وهو فِعْلُهُ تَعالى مِمّا لَمْ يُجَوِّزْهُ أكْثَرُ الأشاعِرَةِ، حَيْثُ مَنَعُوا تَعْلِيلَ أفْعالِهِ سُبْحانَهُ بِالأغْراضِ، لِئَلّا يَلْزَمَ اسْتِكْمالُهُ عَزَّ شَأْنُهُ بِالغَيْرِ، وهو مُحالٌ، لِأنّا نَقُولُ: الحَقُّ الَّذِي لا مَحِيصَ عَنْهُ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى مُعَلَّلَةٌ بِمَصالِحِ العِبادِ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ الأصْلَحُ، ومَن أنْكَرَ تَعْلِيلَ بَعْضِ الأفْعالِ لا سِيَّما الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ كالحُدُودِ، فَقَدْ كادَ أنْ يُنْكِرَ النُّبُوَّةَ كَما قالَهُ مَوْلانا صَدْرُ الشَّرِيعَةِ، والوُقُوفُ عَلى ذَلِكَ في كُلِّ مَحَلٍّ مِمّا لا يَلْزَمُ، عَلى أنَّ بَعْضَهم يَجْعَلُ الخِلافَ في المَسْألَةِ لَفْظِيًّا، لِأنَّ العِلَّةَ إنْ فُسِّرَتْ بِما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ويَسْتَكْمِلُ بِهِ الفاعِلُ امْتَنَعَ ذَلِكَ في حَقِّهِ سُبْحانَهُ، وإنْ فُسِّرَتْ بِالحِكْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْفِعْلِ ظاهِرًا مَعَ الغِنى الذّاتِيِّ فَلا شُبْهَةَ في وُقُوعِها ولا يُنْكِرُ ذَلِكَ إلّا جَهُولٌ أوْ مُعانِدٌ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ في النَّظْمِ (تَعْبُدُونَ)، لِأجْلِ (اعْبُدُوا)، أوِ (اتَّقُوا) لِأجْلِ (تَتَّقُونَ)، لِيَتَجاوَبَ طَرَفاهُ مَعَ اشْتِمالِهِ عَلى صَنْعَةٍ بَدِيعَةٍ مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ، لِأنَّ التَّقْوى قُصارى أمْرِ العابِدِ، فَيَكُونُ الكَلامُ أبْعَثَ عَلى العِبادَةِ، وأشَدَّ إلْزامًا، كَذا قِيلَ، وفي القَلْبِ مِنهُ شَيْءٌ، وسَبَبُ حَذْفِ مَفْعُولِ (تَتَّقُونَ) مِمّا لا يَخْفى، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُقَدِّرُهُ الشِّرْكَ، والضَّحّاكُ النّارَ، وأظُنُّكَ لا تُقَدِّرُ شَيْئًا، ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ المُكَلَّفِينَ بِعِبادَةِ الرَّبِّ الواجِدِ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِما وصَفَهُ، ومَعْلُومٌ أنَّ الصِّفَةَ آلَةٌ لِتَمْيِيزِ المَوْصُوفِ عَمّا عَداهُ، وأنَّ تَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ، أشْعَرَتِ الآيَةُ أنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى والعِلْمِ بِوَحْدانِيَّتِهِ واسْتِحْقاقِهِ العِبادَةَ النَّظَرُ في صُنْعِهِ، ولَمّا كانَ التَّرْبِيَةُ والخَلْقُ اللَّذانِ نِيطَ بِهِما العِبادَةُ سابِقَيْنِ عَلى طَلَبِها، فُهِمَ أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ ثَوابًا حَيْثُ أُنْعِمَ عَلَيْهِ قَبْلَ العِبادَةِ بِما لا يُحْصى، مِمّا لا تَفِي الطّاقَةُ البَشَرِيَّةُ بِشُكْرِهِ، ولا تُقاوِمُ عِبادَتُهُ عُشْرَ عُشْرِهِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ واقِعٌ حَيْثُ أمَرَ سُبْحانَهُ بِعِبادَتِهِ مَن آمَنَ بِهِ ومَن كَفَرَ، بَعْدَ إخْبارِهِ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وأنَّهم عَنْ ضَلالَتِهِمْ لا يَرْجِعُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في ذَلِكَ، فارْجِعْ إلَيْهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، أي أطيعوا ربكم ويقال: وحّدوا ربكم.

وهذه الآية عامة، وقد تكون كلمة يا أَيُّهَا النَّاسُ خاصة لأهل مكة وقد تكون عامة لجميع الخلق، فهاهنا يا أَيُّهَا النَّاسُ لجميع الخلق.

يقول للكفار: وحدوا ربكم، ويقول للعصاة: أطيعوا ربكم، ويقول للمنافقين: أخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم، ويقول للمطيعين: اثبتوا على طاعة ربكم.

واللفظ يحتمل هذه الوجوه كلها، وهو من جوامع الكلم.

واعلم أن النداء في القرآن على ست مراتب: نداء مدح، ونداء ذم، ونداء تنبيه، ونداء إضافة، ونداء نسبة، ونداء تسمية.

فأما نداء المدح فمثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ يا أَيُّهَا الرُّسُلُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا.

ونداء الذم مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا.

ونداء التنبيه مثل قوله تعالى: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ يا أَيُّهَا النَّاسُ.

ونداء الإضافة مثل قوله تعالى: يا عِبادِيَ .

ونداء النسبة مثل قوله: يا بَنِي آدَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ ونداء التسمية مثل قوله تعالى: يا داوُدُ يا إِبْراهِيمُ فهاهنا ذكر نداء التنبيه فقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ، أخبر بالنداء أنه يريد أن يأمر أمراً أو ينهى عن شيء.

ثم بيّن الأمر فقال: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، يعني وحدوا وأطيعوا الَّذِي خَلَقَكُمْ، معناه: أطيعوا ربكم الذي هو خالقكم، فخلقكم ولم تكونوا شيئاً وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني وخلق الذين من قبلكم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ المعصية وتنجون من العقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...

الآيَةَ: «يَا» : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ «١» .

قال ع «٢» : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ:

يا أَيُّهَا النَّاسُ.

وأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح.

اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ» : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون «٣» ، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ» ، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل]

وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ...

نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق «٤»

انتهى.

قال ع «١» : وقال سيبويه «٢» : ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و «لَعَلَّ» : متعلِّقة بقوله: «اعبدوا» ، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ» : مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]

إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ...

رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «٣»

فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ» .

وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا:

وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا

ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ «١» : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.

قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ:

الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن «٢» ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس «٣» : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته.

ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / ١٢ ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١] ، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن.

وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر «٤» ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ» ، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة.

وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ .

اخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيمَن عُنِيَ بِهَذا الخِطابِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ النّاسِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْيَهُودِ دُونَ غَيْرِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

و"النّاسُ" اسْمٌ لِلْحَيَوانِ الآَدَمِيِّ.

وسُمُّوا بِذَلِكَ لِتَحَرُّكِهِمْ في مُراداتِهِمْ.

والنَّوْسُ: الحَرَكَةُ.

وقِيلَ: سُمُّوا أُناسًا لِما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ.

وَفِي المُرادِ بِالعِبادَةِ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: التَّوْحِيدُ، .

والثّانِي: الطّاعَةُ، رُوِيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخَلْقُ: والإيجادُ.

وإنَّما ذَكَرَ مَن قَبْلَهم، لِأنَّهُ أبْلُغُ في التَّذْكِيرِ، وأقْطَعُ لِلْجَحْدِ، وأحْوَطُ في الحُجَّةِ.

وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ مَن قَبْلَهم، لِيُنَبِّهَهم عَلى الِاعْتِبارِ بِأحْوالِهِمْ مِن إثابَةِ مُطِيعٍ، ومُعاقِبَةِ عاصٍ.

وَفِي "لَعَلَّ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى كَيْ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: وقُلْتُمْ لَنا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنا نَكُفُّ ووَثَّقْتُمْ لَنا كُلَّ مُوَثِّقِ فَلْمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُكم ∗∗∗ كَلَمْعِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ يُرِيدُ: لِكَيْ نَكُفَّ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ مُقاتِلٌ وقُطْرُبٌ وابْنُ كَيْسانَ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى التَّرَجِّي، ومَعْناها: اعْبُدُوا اللَّهَ راجِينَ لِلتَّقْوى، ولِأنْ تَقُوا أنْفُسَكم بِالعِبادَةِ - عَذابُ رَبِّكم.

وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ الشِّرْكَ، وقالَ الضَّحّاكُ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ النّارَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: لَعَلَّكم تُطِيعُونَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكُمُ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ "يا" حَرْفُ نِداءٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ، و"أيْ" هو المُنادى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اجْتُلِبَتْ "أيْ" بَعْدَ حَرْفِ النِداءِ فِيما فِيهِ الألِفُ واللامُ لِأنَّ في حَرْفِ النِداءِ تَعْرِيفًا، فَكانَ يَجْتَمِعُ تَعْرِيفانِ، و"ها" تَنْبِيهٌ وإشارَةٌ إلى المَقْصُودِ، وهي بِمَنزِلَةِ ذا في الواحِدِ.

و"الناسُ" نَعْتٌ لازِمٌ لِأيْ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "يا أيُّها الناسُ" حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ مَكِّيٌّ، و( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) مَدَنِيٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُورَةِ أنَّها كُلُّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ يَجِيءُ في المَدَنِيِّ "يا أيُّها الناسُ"، وأمّا قَوْلُهُ في ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) فَصَحِيحٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ مَعْناهُ: وحَّدُوهُ وخَصُّوهُ بِالعِبادَةِ، وذَكَرَ تَعالى خَلْقَهُ لَهم مِن بَيْنِ سائِرِ صِفاتِهِ، إذْ كانَتِ العَرَبُ مُقِرَّةً بِأنَّ اللهَ خَلَقَها، فَذَكَرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.

و"لَعَلَّ" في هَذِهِ الآيَةِ قالَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي بِمَعْنى إيجابِ التَقْوى، ولَيْسَتْ مِنَ اللهِ تَعالى بِمَعْنى تَرَجٍّ وتَوَقُّعٍ.

وقالَ سِيبَوَيْهِ، ورُؤَساءُ اللِسانِ: هي عَلى بابِها، والتَرَجِّي والتَوَقُّعُ إنَّما هو في حَيِّزِ البَشَرِ، أيْ إذا تَأمَّلْتُمْ حالَكم مَعَ عِبادَةِ رَبِّكم رَجَوْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ التَقْوى و"لَعَلَّكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ ، ويَتَّجِهُ تَعَلُّقُها بِخَلْقِكُمْ، أيْ لَمّا وُلِدَ كُلُّ مَوْلُودٍ عَلى الفِطْرَةِ فَهو إنْ تَأمُّلُهُ مُتَأمِّلٌ تَوَقَّعَ لَهُ ورَجا أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا.

و"تَتَّقُونَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الوِقايَةِ، وأصْلُهُ "تُوتَقَيُونَ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى القافِ وَحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ مَعَ الواوِ الساكِنَةِ، وأُدْغِمَتِ الواوُ الأُولى في التاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ ﴾ نُصِبَ عَلى إتْباعِ "الَّذِي" المُتَقَدِّمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى القَطْعِ، وما ذَكَرَ مَكِّيُّ: مِن إضْمارِ أعْنِي، أو مَفْعُولٍ بـِ "تَتَّقُونَ" فَضَعِيفٌ.

و"جَعَلَ" بِمَعْنى صَيَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِتَعَدِّيها إلى مَفْعُولَيْنِ، و"فِراشًا" مَعْناهُ: تَفْتَرِشُونَها وتَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها، وما في الأرْضِ مِمّا لَيْسَ بِفِراشٍ كالجِبالِ والبِحارِ فَهو مِن مَصالِحِ ما يُفْتَرَشُ مِنها، لِأنَّ الجِبالَ كالأوتادِ، والبِحارَ يَرْكَبُ فِيها إلى سائِرِ مَنافِعِها.

و"السَماءَ" قِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ، جَمْعُهُ "سَماواتٌ"، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ "سَماوَةٌ".

وكُلُّ ما ارْتَفَعَ عَلَيْكَ في الهَواءِ فَهو "سَماءُ"، والهَواءُ نَفْسُهُ عُلُوًّا يُقالُ لَهُ: "سَماءٌ"، ومِنهُ الحَدِيثُ «خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُهُ في السَماءِ سِتُّونَ ذِراعًا».

واللَفْظَةُ مِنَ السُمُوِّ وتَصارِيفُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِناءً" تَشْبِيهٌ بِما يُفْهَمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ  ﴾ ، وقالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: بَناها عَلى الأرْضِ كالقُبَّةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ السَحابَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ تَجَوُّزًا لِما كانَ يَلِي السَماءَ ويُقارِبَها، وقَدْ سَمُّوا المَطَرَ سَماءً لِلْمُجاوَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا فَتَجُوزُ أيْضًا في رَعَيْناهُ، فَبِتَوَسُّطِ المَطَرِ جَعَلَ السَماءَ عُشْبًا.

وأصْلُ "ماءً" مَوَهَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في الجَمْعِ: مِياهٌ وأمْواهٌ، وفي التَصْغِيرِ: مُوَيْهٌ، وانْطَلَقَ اسْمُ الرِزْقِ عَلى ما يَخْرُجُ مِنَ الثَمَراتِ قَبْلَ التَمَلُّكِ أيْ هي مُعَدَّةٌ أنْ يَصِحَّ الِانْتِفاعُ بِها فَهي رِزْقٌ، ورَدَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الناسِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الرِزْقَ ما يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، ولَيْسَ الحَرامُ بِرِزْقٍ.

وواحِدُ الأنْدادِ: نِدٌّ.

وهو المُقاوِمُ والمُضاهِي كانَ مَثَلًا أو خِلافًا أو ضِدًّا، ومِن حَيْثُ قاوَمَ وضاهى فَقَدْ حَصَلَتْ مُماثَلَةٌ ما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ، والمُفَضَّلُ: الضِدُّ: النِدُّ، وهَذا التَخْصِيصُ مِنهُما تَمْثِيلٌ لا حَصْرَ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟

فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُخاطَبُ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، فَقَوْلُهُ عَلى هَذا ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ الخاصَّ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ وأنْزَلَ الماءَ، وأخْرَجَ الرِزْقَ، ولَمْ تَنْفِ الآيَةُ الجَهالَةَ عَنِ الكُفّارِ.

وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ، فالمَعْنى: تَعْلَمُونَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي عِنْدَكُمْ، أنَّ اللهَ لا نِدَّ لَهُ.

وَقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أنْ تَتَناوَلَ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى لا تَرْتَدُّوا أيُّها المُؤْمِنُونَ وتَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا بَعْدَ عِلْمِكُمُ الَّذِي هو نَفْيُ الجَهْلِ بِأنَّ اللهَ واحِدٌ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ اللهَ تَعالى أغْنى الإنْسانَ بِنِعَمِهِ هَذِهِ عن كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَمَن أحْوَجَ نَفْسَهُ إلى بَشَرٍ مِثْلِهِ بِسَبَبِ الحِرْصِ والأمَلِ والرَغْبَةِ في زُخْرُفِ الدُنْيا، فَقَدْ أخَذَ بِطُرُقِ مَن جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا.

عَصَمَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلِهِ، وقَصَّرَ آمالَنا عَلَيْهِ بِمَنِّهِ وطَوْلِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي ثني به العِنان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله، ومثلت حال كل فريق وضربت له أمثاله فإنه لما استوفى أحوالاً للمؤمنين وأضدادِهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ينفعهم إرشاداً لهم ورحمة بهم لأنه لا يرضى لهم الضلال ولم يكن ما ذكر آنفاً من سوء صنعهم حائلاً دون إعادة إرشادهم والإقبال عليهم بالخطاب ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ عليهم ليس إلا حرصاً على صلاحهم وأنه غني عنهم كما يفعله المربي الناصح حين يزجر أو يوبخ فيرى انكسار نفس مرباه فيجبر خاطره بكلمة لينة ليريه أنه إنما أساء إليه استصلاحاً وحباً لخيره فلم يترك من رحمته لخلقه حتى في حال عتوهم وضلالهم وفي حال حملهم إلى مصالحهم.

وبعد فهذا الاستئناس وجبر الخواطر يزداد به المحسنون إحساناً وينكف به المجرمون عن سوء صنعهم فيأخذ كل فريق من الذين ذكروا فيما سلف حظَّه منه.

فالمقصود بالنداء من قوله: ﴿ يأيها الناس ﴾ الإقبال على موعظة نبذ الشرك وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب بيأيها الناس، وقرينة ذلك هنا قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ [البقرة: 22] وافتتح الخطاب بالنداء تنويهاً به.

و (يا) حرف للنداء وهو أكثر حروف النداء استعمالاً فهو أصل حروف النداء ولذلك لا يقدر غيره عند حذف حرف النداء ولكونه أصلاً كان مشتركاً لنداء القريب والبعيد كما في «القاموس».

قال الرضي في «شرح الكافية»: إن استعمال يا في القريب والبعيد على السواء ودعوى المجاز في أحدهما أو التأويل خلافُ الأصل، وهو يريد بذلك الرد على الزمخشري إذ قال في «الكشاف»: «ويا حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة من سها أو غفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة من بعد» وكذلك فعل في كتاب «المفصل».

و (أيٌّ) في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها بطريق الإضافة، نحو أيُّ رجل أو بطريق الإبدال نحو يأيها الرجل، ومنه ما في الاختصاص كقولك لجليسك أنا كفيت مهمك أيها الجالس عندك وقد ينادون المنادى باسم جنسه أو بوصفه لأنه طريق معرفته أو لأنه أشمل لإحضاره كما هنا فربما يؤتى بالمنادى حينئذٍ نكرة مقصودة أو غير مقصودة، وربما يأتون باسم الجنس أو الوصف معرفاً باللام الجنسية إشارة إلى تطرق التعريف إليه على الجملة تفنناً فجرى استعمالهم أن يأتوا حينئذٍ مع اللام باسم إشارة إغراقاً في تعريفه ويفصلوا بين حرف النداء والاسم المنادى حينئذٍ بكلمة أيّ وهو تركيب غير جار على قياس اللغة ولعله من بقايا استعمال عتيق.

وقد اختصروا اسم الإشارة فأبقوا (هَا) التنبيهية وحذفوا اسم الإشارة، فأصل يأيها الناس يأيهؤلاء وقد صرحوا بذلك في بعض كلامهم كقول الشاعر الذي لا نعرفه: أيهذَاننِ كُلا زاديكما *** وربما أرادوا نداء المجهول الحاضر الذات أيضاً بما يدل على طريق إحضاره من حالة قائمة به باعتبار كونه فرداً من جنس فتوصلوا لذلك باسم الموصول الدال على الحالة بصلته والدال على الجنسية لأن الموصول يأتي لما تأتي له اللام فيقحمون أيًّا كذلك نحو: ﴿ يأيها الذي نزل عليه الذكر ﴾ [الحجر: 6].

و (الناس) تقدم الكلام في اشتقاقه عند قوله تعالى: ﴿ ومن الناس ﴾ [البقرة: 8] وهو اسم جمع نودي هنا وعرف بأل يشمل كل أفراد مسماه لأن الجموع المعرفة باللام للعموم ما لم يتحقق عهد كما تقرر في الأصول واحتمالها العهد ضعيف إذ الشأن عهد الأفراد فلذلك كانت في العموم أنص من عموم المفرد المحلى بأل.

فإن نظرت إلى صورة الخطاب فهو إنما واجه به ناساً سامعين فعمومه لمن لم يحضر وقت سماع هذه الآية، ولمن سيوجد من بعد يكون بقرينة عموم التكليف وعدم قصد تخصيص الحاضرين وذلك أمر قد تواتر نقلاً ومعنى فلا جرم أن يعم الجميع من غير حاجة إلى القياس، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك وهذا شأن الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم يا قوم، ويا فتى، وأنتَ ترى، وبهذا تعلم، ونحو ذلك فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاماً لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة بدليل آخر.

وهذا هو تحقيق المسألة التي يفرضها الأصوليون ويعبرون عنها بخطاب المشافهة والمواجهة هل يعم أم لا؟

والجمهور وإن قالوا إنه يتناول الموجودين دون مَن بعدهم بناء على أن ذلك هو مقتضى المخاطبة حتى قال العضد إن إنكار ذلك مكابرة، وبحث فيه التفتزاني، فهم قالوا إن شمول الحكم لمن يأتي بعدهم هو مما تواتر من عموم البعثة وأن أحكامها شاملة للخلق في جميع العصور كما أشار إليه البيضاوي.

قلت: الظاهر أن خطابات التشريع ونحوها غير جارية على المعروف في توجه الخطاب في أصل اللغات لأن المشرع لا يقصد لفريق معين، وكذلك خطاب الخلفاء والولاة في الظهائر والتقاليد، فقرينة عدم قصد الحاضرين ثابتة واضحة، غاية ما في الباب أن تعلقه بالحاضرين تعلق أصلي إلزامي وتعلقه بالذين يأتون من بعد تعلق معنوي إعلامي على نحو ما تقرر في تعلق الأمر في علم أصول الفقه فنفرض مثلَه في توجه الخطاب.

والعبادة في الأصل التذلل والخضوع وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى: ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5] ولما كان التذلل والخضوع إنما يحصل عن صدق اليقين كان الإيمان بالله وتوحيده بالإلهية مبدأ العبادة لأن من أشرك مع المستحق ما ليس بمستحق فقد تباعد عن التذلل والخضوع له.

فالمخاطب بالأمر بالعبادة المشركون من العرب والدهريون منهم وأهل الكتاب والمؤمنون كل بما عليه من واجب العبادة من إثبات الخالق ومن توحيده، ومن الإيمان بالرسول، والإسلام للدين والامتثال لما شرعه إلى ما وراء ذلك كله حتى منتهى العبادة ولو بالدوام والمواظبة بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه فإنهم مشمولون للخطاب على ما تقرر في الأصول، فالمأمورية هو القدر المشترك حتى لا يلزم استعمال المشترك في معانيه عند من يأبى ذلك الاستعمال وإن كنا لا نأباه إذا صلح له السياق بدليل تفريع قوله بعد ذلك: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ [البقرة: 22] على قوله: ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ الآية.

فليس في هذه الآية حجة للقول بخطاب الكفار بفروع الشريعة لأن الأمر بالعبادة بالنسبة إليهم إنما يُعنَى به الإيمان والتوحيد وتصديق الرسول، وخطابهم بذلك متفق عليه وهي مسألة سمجة.

وقد مضى القول في معنى الرب عند قوله تعالى: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ في سورة الفاتحة (2).

ووجه العدول عن غير طريق الإضافة من طرق التعريف نحو العلمية إذ لم يقل اعبدوا الله، لأن في الإتيان بلفظ الرب إيذاناً بأحقية الأمر بعبادته فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج.

وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله، فإن المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص ببعض الأصنام، كما كان لثقيف مزيد اختصاص باللات كما تقدم في سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي في تفسير قوله تعالى: ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ [البقرة: 158] في هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا لأنها أخصر طريق في الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصُول فلو أريد غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله: ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ صريحاً في أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله: ﴿ الذي خلقكم ﴾ زيادة بيان لموجب العبادة، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة.

وقوله: ﴿ والذين من قبلكم ﴾ يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا ﴿ نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24] فكان قوله: ﴿ والذين من قبلكم ﴾ تذكيراً لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى.

ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف (من) في قوله: ﴿ من قبلكم ﴾ الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه خلَق الأديمَ إذا هيأه ليقطعه ويخرزه، قال جبير في هرم بن سنان: ولأَنْتَ تفري ما خَلَقْتَ وبَعْ *** ض القوم يَخْلقُ ثم لا يفري وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر فإن إيجاد البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير مطلوبة منها كصانع الخزف فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها وتولد بعضها عن بعض بما أودعت الخلقة الإلهية فيها من نظام الإيجاد مثل تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في حبوب الزريعة وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزوج وإلقاء الحب والنوى في الأرض للإنبات، فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل بشري خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع، لأن لفظ الخلق هو أقرب الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام فلذلك خص إطلاقه في لسان الإسلام بالله تعالى: ﴿ أفمن يخلُق كمن لا يخلُق أفلا تذكرون ﴾ [النحل: 17] وقال: ﴿ هل من خالق غير الله ﴾ [فاطر: 3] وخص اسم الخالق به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بناء على الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ينبه على تركه.

وقال الغزالي في «المقصد الأسنى»: لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم (أي الخالق) عليه مجازاً ا ه.

فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطاً بهذه الحالة النادرة ومع ذلك جعله مجازاً بعيداً فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام: ﴿ إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله ﴾ [آل عمران: 49] وقول الله تعالى: ﴿ وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ﴾ [المائدة: 110] فإن ذلك مراعىً فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى.

ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال الله تعالى: ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ [المؤمنون: 14].

وجملة: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ تعليل للأمر باعبدوا فلذلك فصلت، أي أمرتكم بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا.

«ولعل» حرف يدل على الرجاء، والرجاء هو الإخبار عن تهيئ وقوع أمر في المستقبل وقوعاً مؤكداً، فتبين أن لعل حرف مدلوله خبري لأنها إخبار عن تأكد حصول الشيء ومعناها مركب من رجاء المتكلم في المخاطب وهو معنى جزئي حرفي.

وقد شاع عند المفسرين وأهل العلوم الحيرة في محمل لعل الواقعة من كلام الله تعالى لأن معنى الترجي يقتضي عدم الجزم بوقوع المرجو عند المتكلم فللشك جانب في معناها حتى قال الجوهري: «لعل كلمة شك» وهذا لا يناسب علم الله تعالى بأحوال الأشياء قبل وقوعها ولأنها قد وردت في أخبار مع عدم حصول المرجو لقوله تعالى: ﴿ ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ﴾ [الأعراف: 13] مع أنهم لم يتذكروا كما بينته الآيات من بعد.

ولهم في تأويل لعل الواقعة في كلام الله تعالى وجوه: أحدها قال سيبويه: «لعل على بابها والترجي أو التوقع إنما هو في حيز المخاطبين ا ه.

يعني أنها للإخبار بأن المخاطب يكون مرجواً، واختاره الرضي قائلاً لأن الأصل أن لا تخرج عن معناها بالكلية.

وأقول لا يعني سيبويه أن ذلك معنى أصل لها ولكنه يعني أنها مجاز قريب من معنى الحقيقة لوقوع التعجيز في أحد جزأي المعنى الحقيقي لأن الرجاء يقتضي راجياً ومرجواً منه فحرف الرجاء على معنى فعل الرجاء إلا أنه معنى جزئي، وكل من الفاعل والمفعول مدلول لمعنى الفعل بالالتزام، فإذا دلت قرينة على تعطيل دلالة حرف الرجاء على فاعل الرجاء لم يكن في الحرف أو الفعل تمجز، إذ المجاز إنما يتطرق للمدلولات اللغوية لا العقلية وكذلك إذا لم يحصل الفعل المرجو.

ثانيها: أن لعل للإطماع تقول للقاصد لعلك تنال بغيتك، قال الزمخشري: «وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن».

والإطماع أيضاً معنى مجازي للرجاء لأن الرجاء يلزمه التقريب والتقريب يستلزم الإطماع فالإطماع لازم بمرتبتين.

ثالثها: أنها للتعليل بمعنى كي قاله قطرب وأبو علي الفارسي وابن الأنباري؛ وأحسب أن مرادهم هذا المعنى في المواقع التي لا يظهر فيها معنى الرجاء، فلا يرد عليهم أنه لا يطرد في نحو قوله: ﴿ وما يدريك لعل الساعة قريب ﴾ [الشورى: 17] لصحة معنى الرجاء بالنسبة للمخاطب ولا يرد عليهم أيضاً أنه إثبات معنى في (لعل) لا يوجد له شاهد من كلام العرب وجعله الزمخشري قولاً متفرعاً على قول من جعلها للإطماع فقال: «ولأنه إطماع من كريم إذا أطمع فعل» قال من قال: إن لعل بمعنى كي، يعني فهو معنى مجازي ناشيء عن مجاز آخر، فهو من تركيب المجاز على اللزوم بثلاث مراتب.

رابعها: ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» أنها استعارة فقال: «ولعل واقعة في الآية موقع المجاز لأن الله تعالى خلق عباده ليتعبدهم ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل ومصداقه قوله تعالى: ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ [هود: 7] وإنما يبلي ويختبر من تخفي عنه العواقب ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار فكلام «الكشاف» يجعل لعل في كلامه تعالى استعارة تمثيلية لأنه جعلها تشبيه هيئة مركبة من شأن المزيد والمراد منه والإرادة بحال مركبة من الراجي والمرجو منه والرجاء فاستعير المركب الموضوع للرجاء لمعنى المركب الدال على الإرادة.

وعندي وجه آخر مستقل وهو: «أن لعل الواقعة في مقام تعليل أمر أو نهي لها استعمال يغاير استعمال لعل المستأنفة في الكلام سواء وقعت في كلام الله أم في غيره، فإذا قلت افتقد فلاناً لعلك تنصحه كان إخباراً باقتراب وقوع الشيء وأنه في حيز الإمكان إن تم ما علق عليه فأما اقتضاؤه عدم جزم المتكلم بالحصول فذلك معنى التزامي أغلبي قد يعلم انتفاؤه بالقرينة وذلك الانتفاء في كلام الله أوقع، فاعتقادنا بأن كل شيء لم يقع أو لا يقع في المستقبل هو القرينة على تعطيل هذا المعنى الالتزامي دون احتياج إلى التأويل في معنى الرجاء الذي تفيده لعل حتى يكون مجازاً أو استعارة لأن لعل إنما أتى بها لأن المقام يقتضي معنى الرجاء فالتزام تأويل هذه الدلالة في كل موضع في القرآن تعطيل لمعنى الرجاء الذي يقتضيه المقام والجماعة لجأوا إلى التأويل لأنهم نظروا إلى لعل بنظر متحد في مواقع استعمالها بخلاف لعل المستأنفة فإنها أقرب إلى إنشاء الرجاء منها إلى الإخبار به.

وعلى كل فمعنى لعل غير معنى أفعال المقاربة.

والتقوى هي الحذر مما يكره، وشاعت عند العرب والمتدينين في أسبابها، وهو حصول صفات الكمال التي يجمعها التدين، وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ [البقرة: 2].

ولما كانت التقوى نتيجة العبادة جعل رجاؤها أثراً للأمر بالعبادة وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ فالمعنى اعبدوا ربكم رجاء أن تتقوا فتصبحوا كاملين متقين، فإن التقوى هي الغاية من العبادة فرجاء حصولها عند الأمر بالعبادة وعند عبادة العابد أو عند إرادة الخلق والتكوين واضحُ الفائدة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأنْدادَ الأكْفاءُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: الأشْباهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الأضْدادُ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ.

﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: مَعْناهُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ ولا ضِدَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ وأنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَعَبَّرَ عَنِ العَقْلِ بِالعِلْمِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البزار والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: ما كان ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ أنزل بالمدينة، وما كان ﴿ يا أيها الناس ﴾ فبمكة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قرأنا المفصل ونحن بمكة حجيجاً، ليس فيها ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وابن شيبة وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن علقمة قال: كل شيء في القرآن ﴿ يا أيها الناس ﴾ فهو مكي، وكل شيء في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فهو مدني.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك.

مثله.

وأخرج أبو عبيد عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن ﴿ يا أيها الناس، ويا بني آدم ﴾ فإنه مكي.

وما كان ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فإنه مدني.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن عروة قال: ما كان ﴿ يا أيها الناس ﴾ بمكة، وما كان ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ بالمدينة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن عروة قال: ما كان من حج، أو فريضة، فإنه نزل بالمدينة، أو حد، أو جهاد، فإنه نزل بالمدينة.

وما كان من ذكر الأمم، والقرون، وضرب الأمثال، فإنه نزل بمكة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: كل سورة فيها ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فهي مدنيه.

وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ فهي للفريقين جميعاً من الكفار والمؤمنين ﴿ اعبدوا ﴾ قال: وحدوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ يقول: خلقكم، وخلق الذين من قبلكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله: ﴿ لعلكم ﴾ يعني كي غير آية في الشعراء ﴿ لعلكم تخلدون ﴾ [ الشعراء: 129] يعني كأنكم تخلدون.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عون بن عبدالله بن غنية قال: ﴿ لعل ﴾ من الله واجب.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قال: تطيعون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قال: تتقون النار.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا اَلنَّاسُ أعبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ الآية.

(يا) حرف ينادي به (١) و (أي) (٢) ﴿ النَّاسُ ﴾ صفة لأي لازمة، تقول: يا أيها الرجل أقبل، ولا يجوز (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) قال أبو إسحاق: وقوله قياس؛ لأن موضوع المنادى المفرد نصب، فحمل (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ عموم في كل مكلف من مؤمن وكافر (١٦) (١٧) ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ خطاب أهل مكة، و ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ خطاب أهل المدينة (١٨) وقوله تعالى: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ أي اخضعوا له بالطاعة، ولا يجوز ذلك إلا لمالك الأعيان (١٩) وقوله تعالى: ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ .

(الخلق): ابتداع شيء لم يسبق إليه (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وَلَأنْتَ تَفْرِي (٢٤) (٢٥) وقيل للمقدر: خالق على الاستعارة لا على استحقاق اسم الخلق، وذلك أن المقدر إنما يقدر ليفعل، فسمى الفعل باسم التقدير، كما يسمى الشيء باسم الشيء إذا كان معه أو من سببه، فالخلق الحقيقي هو خلق الله الذي أبتدع ما خلق وأنشأ ما أراد على غير مثال، وخلق غيره [قياس وتشبيه وافتراء ومحاكاة وتقدير على قدر قدرة غيره، فخلق الله ذاتي وخلق غيره] (٢٦) (٢٧) ومعنى الآية: أن الله تعالى احتج على العرب بأنه خالقهم وخالق من قبلهم، لأنهم كانوا مُقِرّين بأنه خالقهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ  ﴾ ، فقيل لهم: إذ (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

قال ابن الأنباري: (لعل) يكون (٣٠) (٣١) وقال يونس (٣٢) (٣٣) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (٣٤) ﴿ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ (٣٥) (٣٦) قال (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وقال سيبويه: (لعل) كلمة ترجية وتطميع للمخاطبين (٤١) (٤٢) ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى  ﴾ ، كأنه قال: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما (٤٣) (١) قال أبو حيان: زعم بعضهم: أنها اسم فعل معناها (أنادي).

"البحر" 1/ 92، وانظر "الدر المصون" 1/ 184.

(٢) نقله من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64.

(٣) في (أ)، (ج): (لا يجوز) بسقوط الواو.

(٤) انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 23.

(٥) في "المعاني" (للتنبيه) 1/ 64.

(٦) في (أ)، (ج): (يكون) وما في (ب) أصح للسياق.

(٧) في (أ)، (ج): (تخير) واخترت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64.

(٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 64، وحذف الواحدي بعض كلام الزجاج ونص عبارة الزجاج: (وزعم سيبويه عن الخليل أن المنادي المفرد مبني، وصفته مرفوعة رفعاً صحيحاً لأن النداء يطرد في كل اسم مفرد، فلما كانت البنية مطردة في المفرد خاصة، شبه المرفوع فرفعت صفته، والمازني يجيز في (يا أيها الرجل) النصب في (الرجل) ولم يقل بهذا القول أحد من البصريين غيره).

وانظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 62 "الإملاء" 1/ 23، قال العبكري -بعد أن ذكر قول المازني-: وهو ضعيف.

وقد رد الزجاج نفسه هذا القول في موضوع آخر فقال: (فهذا مطروح مرذول).

انظر "معاني القرآن" 1/ 211.

(٩) في "المعاني" (فحملت) وفي الهامش: (في الأصل) (فحمل) أي: (المازني) "معاني القرآن" 1/ 64.

(١٠) في (ب): (غيره).

(١١) (الظريف) ساقط من (ب).

(١٢) في (ب): (في غيره).

والمعنى: النحويون غير المازني.

(١٣) انتهى كلام الزجاج.

"معاني القرآن" 1/ 64، 65، نقله بتصرف.

(١٤) (له) ساقطة من (ب).

(١٥) وعليه فلا يجوز النصب (للناس) حملا على الموضع كما سبق، انظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 147، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 62، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 23، "البحر المحيط" 1/ 94، "الدر المصون" 1/ 185.

(١٦) انظر "تفسير الطبري" 1/ 160، "تفسير الثعلبي" 1/ 65 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 101.

(١٧) الإمام الحافظ، أبو شبل، علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، لازم ابن مسعود حتى رأس في العلم، وحدث عن عدد من الصحابة، اختلف في سنة وفاته.

فقيل سنة إحدى وستين وقيل: خمس وستين، وقيل: غير ذلك.

انظر "تاريخ بغداد" 13/ 296، "حلية الأولياء" 2/ 68، "سير أعلام النبلاء" 4/ 53.

(١٨) أخرجه الواحدي بسنده في كتابه "أسباب نزول القرآن" عن علقمة، ص 26، وذكره في (الوسيط) 1/ 53، وذكره السيوطي في "الدر" وغزاه لأبي عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الضريس وابن المنذر، وأبي الشيخ أبن حيان في "التفسير".

وورد في "الدر" نحوه عن ابن مسعود، والضحاك، وميمون بن مهران، وعروة وعكرمة.

"الدر" 1/ 73، وذكره الثعلبي في "تفسيره" عن ابن عباس 1/ 56، وابن عطية عن مجاهد، وقال: وقد يجيء في المدني ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ وأما ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ فصحيح.

"تفسير ابن عطية" 1/ 179، ونحوه قال "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 194، وانظر "البرهان" 1/ 189 - 190.

(١٩) انظر: "الطبري" 1/ 160، "تفسير ابن عطية" 1/ 197، "تفسير القرطبي" 1/ 194.

(٢٠) انظر: "تهذيب اللغة" (خلق) 1/ 1093.

(٢١) انظر: كتاب "الزينة" 2/ 52، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 101، 102، (رسالة ماجستير).

(٢٢) في (ب): (قدته).

(٢٣) "تهذيب اللغة" (خلق)، 1/ 1093.

(٢٤) في (ب): (تقوى).

(٢٥) في (ب): (لا يقوى).

ورد البيت في "الكتاب" 4/ 185، "الزاهر" 1/ 184، "الجمهرة" 2/ 240، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 36، "اشتقاق أسماء الله" ص 166، "إعراب ثلاثين سورة" ص 45، "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 292، "تأويل مشكل القرآن" ص 507، "تهذيب اللغة" (خلق) 1/ 1093، "معجم مقاييس اللغة" (خلق) 2/ 214، (فرى) 4/ 497، "البحر" 1/ 93، "القرطبي" 1/ 195، "ديوان زهير" ص 94.

ومعناه: أنت مضاء العزيمة، وغيرك ليس بماضي العزم.

(٢٦) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج).

(٢٧) انظر: كتاب "الزينة" 2/ 53،52، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 101، 102، "تفسير أسماء الله" للزجاج ص 35، "اشتقاق أسماء الله" للزجاجي ص 166، "معجم مقاييس اللغة" (خلق) 2/ 214، "الجمهرة" (خ ق ل) 1/ 619، "تهذيب اللغة"، خلق1/ 1093، "مفردات الراغب" ص 157.

(٢٨) كذا وردت في جميع النسخ، ولعلها (إذا).

(٢٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 160، "القرطبي" 1/ 195.

(٣٠) في (ب): (تكون) في المواضع الثلاثة.

(٣١) ذكره الأزهري حيث قال: (وأثبت عن ابن الأنباري ...) ثم ذكر لها خمسة وجوه، ذكر الواحدي منها ثلاثة، والرابع: بمعنى: (عسى)، والخاص: بمعنى: (الاستفهام)، "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553.

(٣٢) ذكره الأزهري بسنده قال: (أخبرني المنذري عن الحسين بن فهم أن محمد بن سلام أخبره عن يونس ..)، "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553.

ويونس: هو يونس بن حبيب أو عبد الرحمن الضبي بالولاء، كان النحو يغلب عليه، أخذ عن أبي عمرو بن == العلاء وحماد بن سلمة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة، انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي ص 51، "إنباه الرواة" 4/ 68، "وفيات الأعيان" 7/ 244، "معجم الأدباء" 2/ 64.

(٣٣) في (ب): (من قولك).

(٣٤) الآية:21، 179،63، 183 من سورة البقرة، و171 من سورة الأعراف.

وفي "تهذيب اللغة" (لعلهم يتقون).

(٣٥) (لعلهم يذكرون) جزء من آية في الأعراف: 26، 130، وفي الأنفال: 57.

وفي (ب): (لعلكم تذكرون) وكذا في "تهذيب اللغة"، وهي جزء من آية في الأنعام: 152، والأعراف: 57 والنحل: 90، والنور:1، 27، والذاريات 49.

(٣٦) كذا وردت في (أ)، (ج)، وفي (ب) بدون نقط، وفي "تهذيب اللغة" (كقولك) والأولى (تقول).

(٣٧) (قال) ساقط من (ب).

(٣٨) في (أ)، (ج): (ويقول) وأثبت ما في (ب).

(٣٩) آخر ما نقله الواحدي من كلام يونس، وانظر بقية كلامه في "تهذيب اللغة" (عل) 3/ 2553، وانظر معاني (لعل) في "الأزهية في علم الحروف" للهوري ص 217، "مغني اللبيب" 1/ 287.

(٤٠) قال أبو حيان لا تكون بمعنى (كي) خلافا لقطرب وابن كيسان.

"البحر" 1/ 93، (٤١) في "الكتاب": فإذا قلت: (لعل) فأنت ترجوه أو تخافه في حال ذهابه 2/ 148، وقال: (لعل وعسى طمع واشفاق) 4/ 233.

وانظر "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب.

(٤٢) فتكون لعل على بابها للترجي، كما هو رأي سيبويه، وبعض المفسرين يقول: إذا == جاءت من الله فهي واجبة.

انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56ب، "وتفسير ابن عطية" 1/ 179، قال السيين الحلبي: إذا وردت في كلام الله فللناس فيها ثلاثة أقوال.

أحدها: أنها على بابها من الترجي والطمع، قاله سيبويه، الثاني: للتعليل، قاله قطرب و"الطبري" وغيرهما، والثالث.

أنها للتعرض للشيء، وإليه مال المهدوي وأبو البقاء.

"الدر المصون" 1/ 189، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 161، (الإملاء) 1/ 23.

(٤٣) ذكره "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 195، وذكر ابن هشام في "مغني اللبيب": أن بعضهم جعل من معاني "لعل" التعليل كالأخفش والكسائي، وحملوا عليه قوله: ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ ومن لم يثبت لها معنى "التعليل" يحمله على الرجاء ويصرفه للمخاطبين، أي: اذهبا على رجائكما، 1/ 288.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَاأَيُّهَا الناس ﴾ الآية لما قدّم اختلاف الناس في الدين وذكر ثلاث طوائف: المؤمنين، والكافرين والمنافقين: أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى عبادة الله، وجاء بالدعوة عامة للجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ يدخل في الإيمان به سبحانه وتوحيده وطاعته، فالأمر بالإيمان به لمن كان جاحداً، والأمر بالتوحيد لمن كان مشركاً، والأمر بالطاعة لمن كان مؤمناً ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ يتعلق بخلقكم: أي خلقكم لتتقوه كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] أو بفعل مقدّر من معنى الكلام أي: دعوتكم إلى عبادة الله لعلكم تتقون، وهذا أحسن.

وقيل يتعلق بقوله: ﴿ اعبدوا ﴾ وهذا ضعيف.

وإن كانت لعل للترجي؛ فتأويله أنه في حق المخلوقين، جرياً على عادة كلام العرب، وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال، والأظهر فيها أنها لمقاربة الأمر نحو: عسى، فإذا قالها الله: فمعناها أطباع العباد وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى: ﴿ الأرض فراشا ﴾ تمثيل لما كانوا يقعدون وينامون عليها؛ كالفراش فهو مجاز وكذلك السماء بناء ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ من للتبعيض أو لبيان الجنس، لأن الثمرات هو المأكول من الفواكه وغيرها والباء في به سببية، أو كقولك: كتبت بالقلم؛ لأنّ الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ ﴾ لا ناهية أو نافية، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا، والأول أظهر ﴿ أَندَاداً ﴾ يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جلّ وعلا ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعولة حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي: وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق، ويتعلق قوله بلا تجعلوا بما تقدّم من البراهين، ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ اعبدوا ﴾ والأول أظهر.

فوائد ثلاث الأولى: هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين: أحدهما: إقامة البراهين بخلقتهم وخلقه السموات.

والآخر: ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أوّلاً ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم، لأن الخالق يستحق أن يعبد، ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشاً والسماء بناء، ومن إنزال المطر، وإخراج الثمرات، لأنّ المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: جعل لكم، ورزقاً لكم: يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع.

الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها: فلا تجعلوا لله أنداداً، وذلك هو الذين يترجم عنه بقولنا: لا إله إلاّ الله، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، وقول لا إله إلاّ الله تكون في القرآن ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار، وذلك أنها تدّل بالعقل على عشرة أمور.

وهي: أن الله موجود، لأنّ الصنعة دليل على الصانع لا محالة، وأنه واحد لا شريك له، لأنه لا خالق إلاّ هو ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ [النحل: 17] وأنه حيّ قدير عالم مريد، لأنّ هذه الصفات الأربع من شروط الصانع.

إذ لا تصدر صنعته عمن عدم صفة منها، وأنه رحيم، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم سخر لهم ما في السموات وما في الأرض.

وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته.

فإن قيل: لم قصر الخطاب بقوله لعلكم تتقون على المخاطبين دون الذين من قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟

فالجواب: أنه لم يقصره عليهم ولكنه غلَّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع.

فإن قيل: هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا؟

فالجواب: أنّ التقوى غاية العبادة وكمالها، فكان قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أبلغ وأوقع في النفوس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "خلقكم" مدغماً: أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك.

وازاد عباس كل ما كان قبلها ساكن مثل ﴿ ما خلقكم ﴾ ﴿ وصديقكم ﴾ و ﴿ بورقكم ﴾ و ﴿ ميثاقكم ﴾ وأشباه ذلك.

قال ابن مجاهد: يدغمها بإظهار صوت القاف.

وقال غيره - وهو ابن مهران - لا يظهر ذلك وكل صواب.

الوقوف: "تتقون" (ه) لأن "الذي" صفة الرب  .

"بناء" (ص) لعطف الجملتين المتفقتين "لكم" (ج) لانقطاع النظم مع فاء التعيب.

"تعلمون" (ه).

التفسير: لما قدم الله  أحكام فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم ومجاري أمورهم عاجلاً وآجلاً، أقبل عليهم بالخطاب وهو من جملة الالتفات الذي يورث الكلام رونقاً وبهاء ويزيد السامع هزة ونشاطاً.

ومن لطائف المقام أنه  كأنه يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة.

وفيه إشعار بأن العبد مهما اشتغل بالعبودية زاد قرباً وحضوراً.

وأيضاً الآيات المتقدمة حكايات أحوالهم وهذه أمر وتكليف وفيه كلفة ومشقة، فلا بد من راحة وهي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، فيستطاب التكليف بالتكليم حينئذ ويستلذ هذا.

وقد صح الإسناد عن علقمة أن كل شيء نزل فيه "يا أيها الناس" فهو مكي و "يا أيها الذين آمنوا" فهو مدني فقوله ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ خطاب لمشركي مكة بحسب هذا النقل، وإن كان من الجائز أن يخاطب المؤمنون باسم جنسهم ويؤمروا بالاستمرار على العبادة والازدياد منها.

"ويا" حرف وضع لأجل التخفيف مقام أنادي الإنشائية لا الإخبارية.

وههنا نكتة وهي أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أقوى الموجودات هو الحق  وأضعفها البشر ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً  ﴾ فقالت الملائكة: ما للتراب ورب الأرباب ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ فقيل لهم: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لحضرة الرب حال التضرع والدعاء ﴿ ادعوني أستجب لكم  ﴾ ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب  ﴾ ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ و "يا" وضع في أصله لنداء ما ليس بقريب حقيقة أو تقديراً لكونه ساهياً أو غافلاً أو نائماً، أو لتبعيد المنادي نفسه عن ساحة عزة المنادى هضماً واستقصاراً كقول الداعي في جؤاره: يا رب يا الله.

مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ليتحقق الإجابة بمقتضى قوله "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" وقد ينادي القريب.

(3) المقاطن في غير هذه الصورة بيا ويكون المراد به أن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً نحو ﴿ يا أيها الذين آمنوا  ﴾ ﴿ يا عبادي  ﴾ ﴿ يا أيها النبي  ﴾ لأن ما يعقبها أمور عظام وخطوب جسام من الأوامر والنواهي والعظات، عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها.

وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم يوصف باسم جنس ليصح المقصود بالنداء مع ضرب من التأكيد المستفاد من الإبهام ثم التوضيح.

وفي حرف التنبيه المقحم فائدتان: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ووقوعها عوضاً مما يستحقه أي من الإضافة.

ثم إن قلنا: إن الخطاب عام لجميع المكلفين لأن الجمع المعرف باللام يفيد العموم بدليل صحة تأكيده "بكل" و "أجمعون" في مثل قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ ، بدليل صحة الاستثناء، فالأقرب أنه لا يتناول إلا الموجودين في ذلك العصر، وإنما يتناول الذين سيوجدون بدليل منفصل هو ما عرف بالتواتر من دين محمد  ، أن حكم الموجودين في عصره حكم من سيوجد إلى قيام الساعة.

وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة فيدخل سائر الناس بالتبعية على قياس ما قلنا.

والمراد من قوله "اعبدوا" صححوا نسبة العبادة، وذلك بأن يعرف نفسه بالإمكان ليعرف ربه بالوجوب، ويعرف نفسه بالمملوكية ليعرف ربه بالمالكية، ويعرف نفسه بالمقهورية والمقدورية ليعرف ربه بالقاهرية والقادرية، ويعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة، فلا يتجاوز حده ولا يعكس هذه القضايا فلا يرى لنفسه تصرفاً بوجه من الوجوه ولا قدرة بنوع من الأنواع، وإنما يكون عبداً ذليلاً ماثلاً بين يدي مولاه، طائعاً له بكل ما يأمره وينهاه، لأنه إذا تصور كونه عبداً فلا بد أن يطلب لنفسه سيداً، وإذا وجد السيد فلا محالة يوطن نفسه لطاعته وانقياده، ولا يرى مخالفته في شيء أصلاً ﴿ إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ وإلا لم تصح نسبة عبوديته.

عن الأصمعي أنه أتى بغلام ليشتريه فقال له: ما اسمك؟

قال: ما تسميني قال: أي شيء تأكل؟

قال: ما تطعمني.

قال: ما تشرب؟

قال: ما تسقيني قال: تريد أن أشتريك؟

قال: العبد لا يكون له إرادة والأمر بالعبادة بهذا المعنى يشمل الكافر والمؤمن وكل من فيه أهلية الخطاب، ويندرج فيه المبادي والنهايات والأصول والفروع.

ثم إنه  لما علم القصور البشري وضعف قواهم الفطرية والفكرية أرشدهم إليه ونبههم عليه بقوله ﴿ ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ واعلم أن الطريق إلى معرفة الواجب  وتعالى بعد ما قلنا من الرجوع إلى النفس والتنبه لسمة العبودية، إما الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما، وكل منهما في الجواهر أو في الأعراض أما الاستدلال بإمكان الذوات فإليه الإشارة بقوله  { ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء  ﴾ ﴿ وأن إلى ربك المنتهى  ﴾ وأما الاستدلال بإمكان الصفات فإليه الإشارة بقوله ﴿ خلق الله السموات والأرض  ﴾ ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ وبحدوث الأجسام قول إبراهيم  ﴿ لا أحب الآفلين  ﴾ وبحدوث الأعراض دلائل الأنفس ودلائل الآفاق، فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه كان معدوماً قبل ذلك، والموجود بعد العدم له موجد وليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس لعجز الكل، ولا طبائع الفصول والأفلاك الآفلات في أفق الإمكان فهو شيء غير متسم بسمة الحدوث والنقصان، وهذا الطريق هو أقرب الطرق إلى الأفهام، فلهذا أورده الله  في فاتحة كتابه لينتفع به الخاص والعام مع أن فيه تذكيراً لنعمه السابقة وعطيته السابغة عليهم وعلى آبائهم، وتذكير النعم مما يوجب المحبة والميل إلى الإنصاف وترك الجدال.

وأما قوله "لعلكم تتقون" ففيه بحثان: الأول: كلمة "لعل" للترجي أو الإشفاق ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وهو على الله محال والجواب أن الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله  كقوله ﴿ لعله يتذكر أو يخشى ﴾ أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله عالم بما يؤول إليه أمره.

وأيضاً فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم لإنجازها على أن يقولوا "عسى" و "لعل"، وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز والنجاح بالمطلوب، أو جاء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد مثل ﴿ توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيآتكم  ﴾ وقع "لعل" موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة في إقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المترجي بين أن يفعل وبين أن لا يفعل، ونظيره ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً  ﴾ وهذا الجواب مبني على أن قوله "لعلكم" متعلق "بخلفكم" مثل ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ لا بـ "اعبدوا" وقيل: "لعل" بمعنى "كي" ووجه بأنها للأطماع والكريم الرحيم إذا أطمع فعل، فجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم فلهذا قيل: إنها بمعنى "كي" قال القفال: في "لعل" معنى التكرير والتأكيد إذ اللام للإبتداء نحو "لقد"، ولقولهم علك أن تفعل كذا و "عل" يفيد التكرير ومنه العلل بعد النهل.

فقول القائل "افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك" معناه افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه.

(البحث الثاني): إذا كانت العبادة تقوى فقوله "لعلكم تتقون" جار مجرى قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون واتقوا ربكم لعلكم تتقون.

والجواب المنع من اتحاد مفهوميهما وخصوصاً على ما فسرنا إذ المعنى يعود إلى قولنا صححوا نسبة العبودية لتتصفوا بصفة التقوى وهي الاجتناب عن المعاصي فقط، أو هو مع الإتيان بالأوامر، وأما قوله: ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ الآية.

فنقول: فيه لفظ "الذي" مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلاً من "الذي خلقكم" أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على المدح أيضاً أي "هو الذي"، وكلمة "الذي" موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة.

فقوله "جعل لكم الأرض فراشاً" قضية معلومة فأدخل عليها "الذي" كي ينتبهوا للجاعل ويعترفوا به.

والحاصل أنه  عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل: اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشاً والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم.

وأيضاً خلق المكلفين أحياء قادرين، أصل لجميع النعم.

وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع.

وأيضاً كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.

(وههنا مسائل): الأولى في منافع الأرض: الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستوياً كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها.

ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا  ﴾ ومما منَّ الله  به على عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار.

ومنها أنها لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها.

ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفاً، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين.

تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر.

ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.

ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها.

ومنها أن يتخمر الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات.

ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات  ﴾ ومنها اختلاف ألوانها ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود  ﴾ ومنها انصداعها بالنبات ﴿ والأرض ذات الصدع  ﴾ ومنها جذبها للماء المنزل من السماء ﴿ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها ﴿ والأرض مددناها  ﴾ ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد سبعمائة ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة  ﴾ ومنها حياتها وموتها ﴿ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها  ﴾ ومنها الدواب المختلفة ﴿ وبث فيها من كل دابة  ﴾ ومنها النباتات المتنوعة ﴿ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج  ﴾ فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم  ﴾ ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود.

ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير.

ومنها ما أودع الله  فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة.

والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، ومن ههنا اشتهر في الألسنة "من طلب المال بالكيمياء أفلس".

ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ.

ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر.

الثانية في منافع السماء: البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً.

ثم إن الله  زين السماء الدنيا بالمصابيح ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح  ﴾ وبالقمر ﴿ وجعل القمر فيهن نوراً  ﴾ وبالشمس ﴿ وجعل الشمس سراجاً  ﴾ وبالعرش ﴿ رب العرش العظيم  ﴾ وبالكرسي ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض  ﴾ وباللوح ﴿ في لوح محفوظ  ﴾ وبالقلم ﴿ ن والقلم  ﴾ وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً.

وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً  ﴾ ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا  ﴾ وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا.

فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله  يقول: لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه.

أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله سبباً لإقامة الفصول الأربعة.

ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن.

وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد.

وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة.

وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلاً قليلاً للشتاء.

وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله  في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة.

يحكى أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال: إن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك، فلا أعلم مزيداً أساله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ثم أنشأ يقول: ماذا أقــول وقولـي فيـك ذو قصـر *** وقد كفيتني التفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعاً فأنت كذا *** أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول: القمر يدرك الهارب، ويهتك العاشق، ويبلي الكتان، ويهرم الشاب، وينسي ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين.

وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات أوضاعها وعلل كل منها، فن برأسه لا يحتمل إيراده ههنا.

قال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه.

فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيآت لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية.

الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض: قال بعضهم: السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم  بتلك المعصية أهبط من الجنة وقال الله  : لا يسكن في جواري من عصاني.

وقال  : ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً  ﴾ وقال: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا  ﴾ وورد في الأكثر ذكر السماء مقدماً على ذكر الأرض.

والسماويات مؤثرة والأرضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر.

وقال آخرون: بل الأرض أفضل لأنه  وصف بقاعاً من الأرض بالبركة ﴿ إن أوّل بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً  ﴾ ﴿ في البقعة المباركة  ﴾ ﴿ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله  ﴾ ﴿ مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها  ﴾ يعني أرض الشام.

ووصف جملة الأرض بالبركة ﴿ وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام  ﴾ فإن قيل: وأيّ بركة في المفاوز المهلكة؟

قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله  ، فلهذه البركات قال  : ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين  ﴾ تشريفاً لهم لأنهم هم المنتفعون بها كما قال: ﴿ هدى للمتقين ﴾ وخلق الأنبياء من الأرض ﴿ منها خلقناكم  ﴾ وأودعهم فيها ﴿ وفيها نعيدكم  ﴾ وأكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجداً وطهوراً.

ولما خلق الله الأرض وكانت كالصدفة والدرة المودعة فيها آدم  وأولاده، ثم علم الله أصناف حاجاتهم قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال: ﴿ أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً  ﴾ ﴿ وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم  ﴾ ياعبدي إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟

ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة؟

فالحاصل أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك نوعاً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك ألواناً من الأطعمة.

ثم قال: ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم  ﴾ معناه نردكم إلى هذه الأم وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يتوعد بأمه وذلك لأن مقامك من الأم التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم الصغرى تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى؟

ولكن الشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة فضلاً من أن يكون لك كبيرة، بل كنت مطيعاً لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك.

الرابعة: معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرة الله ومشيئته أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب ومواد كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في هذا التدريج والتسبب حكماً يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن بها من يعتبر و "من" في "من الثمرات" للتبعيض.

كما أنه قصد بتنكير "ماء" و "رزقاً" معنى البعضية لأنه مفرد في سياق الإثبات، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهذا معنى صحيح، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات فيكون كل الثمرات بعض الرزق فضلاً عن بعضها.

ويجوز أن تكون للبيان كقولك "أنفقت من الدراهم ألفاً".

ثم إن كانت "من" للتبعيض كان انتصاب "رزقا" بأنه مفعول له، وإن كانت للبيان كان مفعولاً لا "خرج" و "لكم" صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل مصدراً فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقاً إياكم.

وإنما قيل: "الثمرات" على لفظ القلة وإن كان الثمر المخرج بماء السماء جماً كثيراً لأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك "فلان أدركت ثمرة بستانه" تريد ثماره كقولهم للقصيدة "كلمة" وللقرية "مدرة"، أو لأن القلة وضعت موضع الكثرة نحو ﴿ ثلاثة قروء  ﴾ أو تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا في جنب ثمار الآخرة.

الخامسة: قوله "فلا تجعلوا" إما أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك، أو بـ "لعل" فتنصب "تجعلوا" بعده مثل ﴿ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع  ﴾ في رواية حفص عن عاصم.

أو "بالذي جعل لكم" إذا رفعته على الابتداء، أي هو الذي نصب لكم هذه الأدلة القاطعة والآيات الناطقة بالوحدانية فلا تتخذوا له  شركاء.

والند المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المنادّ من ناددت الرجل خالفته ونافرته، وندّ ندوداً إذا نفر.

ومعنى قول الموحد "ليس لله ند ولا ضد" نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه.

وقوله "وأنتم تعلمون" بترك المفعول معناه وأنتم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال.

وهكذا كانت العرب خصوصاً قطان الحرم من قريش وكنانة، لا يشق غبارهم في الدهاء والفطنة.

والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرافون المميزون، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.

ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء  ﴾ واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجوب والعلم والقدرة والحكمة، ولكن الثنوية يثبتون إلهين: حكيم يفعل الخير، وسفيه يفعل الشر.

أما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثرة: الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة فإنهم يقولون: إن الله  خلق هذه الكواكب وهي المدبرات في هذا العلم، فيجب علينا أن نعبد الكواكب والكواكب تعبد الله  .

والفريق الثاني: عبدة المسيح  .

والفريق الثالث: عبدة الأوثان.

فنقول: لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح  ، وهو إنما جاء بالرد عليهم ﴿ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً  ﴾ ودينهم باقٍ إلى الآن.

والدين الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيمتنع إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك.

و العلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وكذا الملائكة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى إلى الله  وملائكته، فعلى هذا السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه.

وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها.

فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها.

ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة.

ولما طالت المدة تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء بالحقيقة عبدة الكواكب.

وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يرتقبون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها.

ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله  ، اتخذوا صنماً على صورته وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله  ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله  ﴾ وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلاتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن جهال القوم أنه يجب عبادتها.

وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل.

فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة.

فإن قيل: لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟

قلنا: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بهم بلفظ الند، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين.

واعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة، واتخذوها معبودة لهم على حدة.

وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي، وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور مدورات كلها، وكان هيكل زحل مسدساً، وهيكل المشتري مثلثاً، وهيكل المريخ مستطيلاً، وهيكل الشمس مربعاً، وهيكل الزهرة مثلثاً في جوفه مربع، وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمناً.

وزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحيّ لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا: هذه أوثان نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقي، فالتمس منهم أن يأتوا بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل، فصار به إلى مكة ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف.

ومن بيوت الأصنام المشهورة (غمدان) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان.

ومنها (نوبهار) الذي بناه منوجهير الملك على اسم القمر.

ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل (ود) بدومة الجندل لكلب، و (سواع) لبني هذيل، و (يغوث) لمذحج، و (يعوق) لهمدان، و (نسر) بأرض حمير لذي الكلاع، و (اللات) بالطائف لثقيف، و (منات) بيثرب للخزرج، و (العزى) لكنانة بنواحي مكة، و (أساف) و (نائلة) على الصفا والمروة.

وكان قصي جد رسول الله  ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله  وتعالى، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق قومه وهو الذي يقول: أربــــاً واحـــداً أم ألــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .

فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم.

وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ : وحدوا ربكم.

جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد.

ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أي: أَطيعوا له؛ اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة.

ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أَي: أَطيعوا له.

والعبادة جعل العبد كُلِّيته لله قولاً، وعملاً، وعقداً، وكذلك التوحيد، والإسلام.

والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أَن يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ  ﴾ ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وبالله نستعين.

ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصاً، فقال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .

والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟!

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم.

فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل قوله: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة.

قال الشيخ: الأَحسن في الأَمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّاً، وفي الخبر عن التقوى خاصّاً.

﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أي: كي تتقوا.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها.

﴿ وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ أي: رفع السماء بناء.

والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.

وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة.

ثم بين بقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .

أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقاً لكم.

بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقاً تأْكلونه، وماء عذباً تشربونه.

وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ  ﴾ ، ومنه: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ  ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ  ﴾ مما يكثر من الآيات.

أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئاً إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعمل أَن منشىء السماءِ هو منشىء الأَرض؛ لأَنه لو كان منشىء هذا غير منشىء الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر.

فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند.

ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِلٌّ لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجىء ما يحْظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: ﴿ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً  ﴾ .

وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِرْ لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأَسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل ويُبيح.

أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ فُتنَّا بها؛ وكقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...

﴾ الآية [البقرة: 155]، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأَشياء كلها على الإِباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم.

فبين لِكل منه مِلْكاً على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وبالله نستعين.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً ﴾ .

أي: أَعدالاً، وأَشكالاً في العبادة، وكله واحد.

ند الشيء: هو عِدْلُهُ، وشكلُه: هو مثلُه.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئاً.

والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لما أَنشأَ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِدَّ له ولا شكل له؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ .

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ .

من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ  ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى  ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .

أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أَنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق.

وقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .

أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى.

ويقال: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم ﴾ .

يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله.

ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.

وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم أَقروا على أَثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظماً، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول  : أَنه كلام رب العالمين.

فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العاليمن، مُنَزَّل على نبيه ورسوله  .

وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .

الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النَّار.

أَخبر عز وجل أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدِّلوا؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا  ﴾ .

والحجارة فيه وجهان: قيل: هي الكبريت.

وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقاً، وأكثر إحماءً.

وقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.

وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  ﴾ .

فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم.

وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.

ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.

فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.

وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.

وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ ﴾ .

الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات.

ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب.

وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .

يعني بساتين.

وقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستاناً.

وقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار.

وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل.

وقيل أَيضاً: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها [من القصور والغرف]، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض.

دليله [قوله  ]: "تحت كل شعرة جنابة" ؛ أي: تحت ما علا، لا تحت الجلد؛ فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ .

قيل فيه وجوه: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ في الدنيا.

وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أَنَّ في الجنة هذا.

وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، في الجنة قبل هذا.

وقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في المنظر، مختلفاً في الطعم.

وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الطعم مختلفاً في رأْي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها.

وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الحسن والبهاءِ.

وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الأَمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخَّ ساقيها من كذا وكذا.

وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ مختارة مهذبة.

وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

أي: يقيمون أَبدا.

فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله  هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.

لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله  هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.

ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.

وأيضاً: فإن الله  جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.

ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الناس اعبدوا ربكم وحده دون سواه؛ لأنه الَّذي خلقكم وخلق الأمم السابقة لكم، رجاء أن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية؛ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

<div class="verse-tafsir" id="91.oMDWV"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

في الناس المنادَون هنا وجهان: الوجه الأول - أنهم الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بؤمنين ذلك الإيمان الذي يملك القلب ويصرف النفس في الأعمال وهو المقبول عند الله تعالى، وإنما هم آخذون بتقاليد ظاهرية ليس لها ذلك الأثر الصالح في أخلاقهم وأعمالهم فهم يخادعون الله تعالى بالتلبس ببعض صور العبادات والأقوال و"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"والكلام على هذا لا يزال في الصنف الرابع من أصناف البشر المخاطبين بالقرآن كما تقدم فلا حاجة إلى بيان وجه الاتصال بين الآيات.

الوجه الثاني-وهو الراجح - أن الخطاب عام للناس كافة، ووجه الاتصال بين الآيات على هذا إنه لما بين تعالى في أصناف الناس هذا الصنف الذي احتقر أفراده نعم الله تعالى عليهم، واستعظموها وأكبروها على من قبلهم، فحرموا أنفسهم من أَجَلَّ المزايا الإنسانية، وأجَلّوا سلفهم حتى رفعوهم إلى مرتبة الربوبية، خاطب الناس عامة بأن يعبدوه ملاحظين معنى الربوبية والخالقية التي تشملهم ومن قبلهم من السلف فتنظمهم جميعًا في سلك العبودية للخالق تعالى شأنه، ولا يكونوا كذلك الصنف الخاسر الكفور بنعم المشاعر والعقل وهداية الدين، إذ لم يستعملوا عقولهم في فهم ما أنزل عليهم، بل اكتفوا بتقليد بعض رؤسائهم وعلمائهم، زاعمين أنه لا يقوى على فهم كتاب الله تعالى غيرهم، كأن الله تعالى أنزل كتبه وخاطب بها نفرًا معدودين في وقت محدود، ولم يجعلها هداية عامة للأمة، وإنما ألزم سائر الناس في سائر الأوقات الاكتفاء باتباع أولئك الرؤساء وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلمجرا ثم تركوا أتباعهم اتكالًا على شفاعتهم واكتفاء بالانتساب إليهم، وزعمًا أن الله أعطاهم ما لا يعطي مثله لأحد سواهم، وإن عملوا مثل عملهم، تعالى الله على الظلم والمحاباة وهو ذو الرحمة التي تنتهي وذو الفضل العظيم.

هذا النداء الإلهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة: - هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعون،- حجة علينا وعلى جميع من استن بسنة ذلك الصنف من قبلنا ..

وأنا أخص طلاب علوم الدين بالذكر، فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام التي أشار إليها الرسول  بقوله"أدبني ربي فأحسن تأديبي"وإنما كان أدبه القرآن، ومن اشتغل بهذا حق الاشتغال وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك.

وإن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علمًا إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى، وذلك هو الضلال البعيد.

كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن، فإذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والأسرار، وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ  وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ  ﴾ وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا كما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ وأمثال ذلك كثير.

لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهروبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن.

قال الإمام أبو بكر الباقلاني: من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل.

فهل يصح لمسلم بلغ ورشد وطلب العلم أن لا يجعل القرآن إمامه ويتخذه نورًا يمشي به في الناس ويهتدي به في ظلمات البدع.

أمامنا عقبتان كؤودان لا نرتقي عما نحن فيه إلا باقتحامهما، وهم الكسل وتسجيل القصور على أنفسنا بجهل قيمة نعم الله تعالى علينا، وصاحب هاتين الخلتين يمقت كل من يرشده إلى الخير ويهديه للحق، لأنه يكلفه ضد طبعه، فلا يرى مهربًا من الاعتراف بضلاله وغيه، إلا بالقدح بمرشده وناصحه.

على كل منا أن ينظر في نفسه وينظر في القرآن العظيم ويزن به ما هو عليه من العقائد والأخلاق والأعمال، فإن رجح به ميزانه فهو مسلم حقيقي فليحمد الله تعالى، وإلا فليسع فيما يكون به الرجحان.

لا بد لنا من النظر الطويل والفكر القويم فيما نحن فيه، فمن لم يتفكر لم يهتد إلى الحق، ومن لم يهتدِ إليه فهو ضال، (فماذا بعد الحق إلا الضلال).

يقول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ  ﴾ الذين يدّعون الإيمان بالله قولًا بأفواههم ولم يمس الإيمان الحق سواد قلوبهم، ولا كان له سلطان على أرواحهم، ويدَّعون الإيمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم وإصلاح أعمالهم، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة، وقلوبهم مشغولة عن الله الذي لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته، والشعور بعظمته وجلاله، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التي لا معنى لها، والصور التي لا روح فيها، وإنما يخدعون في الحقيقة أنفسهم لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة.

ويا أيها الناس الذين لم يرزؤا بهذا الخذلان، ولم يبتلوا بهذا الافتتان، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، (اعبدوا ربكم) جميعًا عبادة خشوع وإخلاص وأدب وحضور كأنكم تنظرون إليه وترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم، وينظر دائمًا إلى محل الإخلاص منكم وهو قلوبكم، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والإخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ  ﴾ وغذاكم بنعمه، ونماكم بكرمه، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية، ومعظمين لهذه المنة، فليدع ذلك الصنف احتقار النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة الله على السلف فقط فإن هذا الرب العظيم ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ  ﴾ وخلق ﴿ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ  ﴾ قد رَبَّاكم كما ربى سلفكم، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبهم، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعمًا، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقمًا، ليكون عبرة ومثلًا للآخرين، وذلك من رحمته بالعالمين، وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد فقال ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ  ﴾ وفي القصاص حياة لأولي الألباب، وما يتذكر إلا من أناب.

هكذا أمر الله تعالى عباده أجمعين، بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين، وأرشدهم -بإعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية- إلى الاستقلال بالعمل، وقدر نعمته عليهم قدرها، ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر وهي ما عدا النبوة- مقدورة لهم، كما كانت مقدورة لمن قبلهم، وأنهم إذا زادوا على سلفهم شكرًا يزدادون نعمًا، وما الشكر إلا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله، فالذين يقولون إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة، وإنما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا، لأن عقولهم كانت أقوى، وكانوا على فهم الدين أقدر، بل لا يمكن أن يفهمه غيرهم، أولئك كافرون بنعمة العقل، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمن والفضل.

وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين الله تعالى لأجل التقرب إليه زلفى.

بغير ما شرعه لهم من الدين وما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -وهم الوسائل في الهداية والرشاد -أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين، من غير طريق العمل به واتباع المرسلين- قد احتقروا نعم الله تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية لأنهم قد جعلوا لله أندادًا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ماحكم الله بأن يطلبه الناس بإيمانهم وأعمالهم، فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء لله يغنونهم عن شريعته، شعروا بذلك أم لم يشعروا.

يقول تعالى لجميع عباده، ﴿ اعْبُدُونِي  ﴾ ، ملاحظين معنى الربوبية، والمساواة في المواهب الخلقية التي تؤهلكم للسعادة الحقيقية ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ غاية الكمال القصوى.

..

الشائع أن لعل للترجي في ذاتها وإذا وقعت في كلام الله تعالى يكون معناها التحقيق، وغرض القائلين بهذا تنزيه الله سبحانه عن الترجي بمعناه اللغوي الآتي، ولكنه رمي للكلام بدون بيان، وحقيقته أن لعل للترجي ولكنها تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، فحيث وقعت ﴿ لَعَلَّ  ﴾ في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناها به آنفًا، وهو يستلزم التحقيق، لأن الإعداد بما تأتي"لعل"بعده أمر محقق لا ريبة فيه، فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية الخ ما تقدم شرحه تطبع في النفس ملكة خشية الله وتعظيمه ومراقبته، وتعلي همة العابد وتقوي عزيمته وإرادته، فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل، وتألف الطاعات والفضائل، وهذه هي التقوى، وإذا قلنا إن الرجاء متعلق بالناس فالإعداد فيه ظاهر ومتحقق، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد.

ومعنى الترجي في أصل اللغة توقع حصول الشيء القريب بحصول سببه والاستعداد له، سواء كان الاستعداد كسبيًا أو طبيعيًا، فاستعملنا"لعل"المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الإعداد الذي هو جعل المرء مستعدًا، والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع في استعمال اللغة، وقد عدوا الترجي والتمني من الأخبار وصيغهما صيغ إنشاء فقط.

لما ذكّر الله عباده بنعمة الإيجاد ونعمة المساواة في المواهب التي تقتضي التقوى وعدم إطراء السلف برفعهم إلى مقام الربوبية كما وقع من الذين ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ذكرهم ثانيًا ببعض خصائص الربوبية التي تقتضي الاختصاص بالعبودية، فقال ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا  ﴾ بما مهدها وجعلها صالحة للافتراش والإقامة عليها والارتفاق بها، أي فهو القادر على جلائل الفعال، العظيم الذي يستحق العبادة والإجلال، المنعم بجميع النعم، الجدير بأعلى مراتب الشكر، جعل الأرض بقدرته فراشًا لأجل منفعتكم"والسماء بناء"متماسكًا لكيلا تقع على الأرض فتسحقكم.

السماء مجموع ما فوقنا من العالم، والبناء وضع شيء على شيء بحيث يتكون من ذلك شيء بصورة مخصوصة: وقد كون الله السماء بنظام كنظام البناء، وسوى أجرامها على هذه الصفة المشاهدة وأمسكها بسنة الجاذبية فلا تقع على الأرض، ولا يصطدم بعضها ببعض، إلا إذا جاء يوم الوعيد، وبطل نظام هذا العالم ليعود في خلق جديد، والواجب ملاحظته في هذا المقام هو تصور قدرة الله تعالى وعظمته وسعة فضله ورحمته.

ثم بعد أن امتن بنعمة الإيجاد، ونعمة الفراش والمهاد، ونعمة السماء، التي هي كالبناء، وذكر نعمة الإمداد، الذي تحفظ به هذه الأجساد، وهي مادة الغذاء، التي بها النمو والبقاء، فقال ﴿ وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ  ﴾ والثمرات ما يحصل من النبات نجمًا كان أو شجرًا: يصلح الزارع والغارس الأرض، ويبذر البذر، ويغرس الفسيل ويتعاهد ذلك بالسقي والعذق، فيكون له كسب في رزقه، ولكنه ليس له كسب في إنزال المطر الذي يسقي به، ولا في تغذية النبات بماء المطر أو النهر المجتمع من المطر، وبأجزاء الأرض، وعناصرها الأُخر، ولا في تولد خلاياه التي بها نموه، ولا في إثماره إذا أثمر، وإنما كل ذلك بيد الله القدير - فعلينا أن نتفكر في ذلك لنزداد تعظيمًا له وإجلالًا فلا نعبد معه أحدًا.

وبعد أن عرفنا الله تعالى بأنفسنا، وبنعمته علينا وعلى سلفنا، وبعد أن عرفنا ذاته الكريمة، بآثار رحمته ومنته العظيمة، وصرنا جديرين بأن نعرف أن العبد عبد فلا يعبد، وأن الرب رب فلا يشرك به ولا يجحد، قال تفريعًا وترتيبًا على ما سبق ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا  ﴾ من سلفكم المخلوقين مثلكم، تطلبون منهم ما لا يطلب إلا منه، وهو كل ما تعجزون عنه، ولا يصل كسبكم إليه، لا تفعلوا ذلك فإنهم في الخلق والعبودية مثلكم.

الأنداد جمع ند (بكسر النون) وفسر بالشريك، وهو في اللغة المضارع والكفؤ، يقال فلان ند فلان ومن أنداد فلان أي يضارعه ويماثله ولو في بعض الشؤون.

والأنداد الذين اتخذوا في جانب الله هم الذين خضع الناس لهم وصمدوا إليهم في بعض الحاجات، لمعنى يعتقده فيهم الخاضعون المخاطبون بترك الأنداد أولًا وبالذات، وهم مشركو العرب وأهل الكتاب، فالعرب كانت تسمي ذلك الخضوع والصمد عبادة إذ لم يكن عندهم وحي ينهاهم عن عبادة غير الله فيتحاموا هذا اللفظ"العبادة"ويستبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسل مثلًا تأويلًا لظاهر نص التنزيل.

وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادًا وأربابًا فكانوا يؤولون فلا يسمون هذا الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادًا أو أربابًا.

وفرق بين الاتخاذ بالفعل والتسمية بالقول، والجميع متفقون على أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله وإنما كانوا يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلًا واستشفاعًا، ويسمون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات، وتحريمهم عليهم بعض الطيبات، فقهًا واستنباطًا من التوراة.

إلا أن من النصارى من لا يتحامون التصريح بعبادة السيدة مريم وبعض القديسين استعمالًا للفظ في مدلوله اللغوي.

وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافًا عظيمًا وأعلاها عند المسلمين الأركان الخمسة والدعاء.

وقالوا كل عمل غير محظور تحسن فيه النية لله تعالى فهو عبادة، كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، ولها عند أهل الكتاب صور أخرى، والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها به، ولكنهم لا يخرجون بالتسمية أو التأويل عن حيز من يتخذ من دون الله أندادًا كما ذكر الله عنهم في قوله ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ  ﴾ ولم يكن منهم سوى التوسل بهم والأخذ في الدين بقولهم تقليدًا لهم بدون فهم لما جاء على لسان الوحي كما صح ذلك عن رسول الله  ، وقدماء الفرس جعلوا لله ندًا في الخلق والإيجاد فقالوا: إن للخير إلهًا هو الإله الأول، وإن للشر إلهًا يضاده، وليس النهي في الآية عن هذا الند الشريك لأن المخاطبين لا يدينون به كما قلنا وتدل عليه الآيات الكثيرة.

لذلك وصل النهي بقوله  ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ أي والحال أنكم تعلمون أنه لا ند له لأنكم إذا سئلتم مَنْ خلقكم وخلق من قبلكم؟

تقولون الله، وإذا سئلتم من يرزقكم من السموات والأرض ومن يدبر الأمر؟

تقولون الله.

فلماذا تستغيثون إذن بغير الله وتدعون غير الله؟

ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع وادعيتم أنهم شفعاؤكم عند الله؟

ومن أين جاءكم أن التقرب والتوسل إلى الله يكون بغير ما شرعه من الدين حتى قلتم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله)؟

يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، وخلق وسطاءكم وشفعاءكم، وأعدكم جميعًا للتقوى، التي تقربكم إليه زلفى، وساوى بينكم أنواع المواهب إلا أنه خص الأنبياء عليهم السلام بالوحي ليعلموكم ما أخطأ نظركم ورأيكم فيه، فعليكم أن تهتدوا بما جاؤوا به فإن صد المرؤوسين عن ترك تقاليدهم واتباع الوحي من غير زيادة فيه ولا نقصان من خَوْفُهم الرؤساء فقد آثروا رؤساءهم على الله وجعلوهم له أندادًا، وإن صد الرؤساءَ عن هذا الاتباع توقعُ زوال المنفعة والجاه لدى المرؤوسين فقد اتخذوهم أندادًا، فالند هو المكافيء والمثل، وأنتم بترككم الحق لخوفهم ورجائهم تفضلونهم على الله تعالى وتجعلونه أقل الأنداد تعظيمًا، ففروا رحمكم الله إلى الله، ولا تخافوا غيره ولا ترجوا سواه، فعار على من يعرف الله، أن يؤثر رضاء أحد على رضاه، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وتابع ومتبوع، بل هذا لا يقع من مؤمن حقيقي لأن الله تعالى يقول ﴿ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل