الآية ٢١٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٢ من سورة البقرة

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ ۗ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍۢ ٢١٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 125 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها ، وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم ، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها ، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم ، وبذلوا ابتغاء وجه الله ; فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم ، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ، ومسيرهم ومأواهم ، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين ، وخلد أولئك في الدركات في أسفل السافلين ; ولهذا قال تعالى : ( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) أي : يرزق من يشاء من خلقه ، ويعطيه عطاء كثيرا جزيلا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة كما جاء في الحديث : " ابن آدم ، أنفق أنفق عليك " ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا " .

وقال تعالى : ( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه ) [ سبأ : 39 ] ، وفي الصحيح أن ملكين ينزلان من السماء صبيحة كل يوم ، يقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا .

ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا .

وفي الصحيح " يقول ابن آدم : مالي ، مالي !

وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت ، وما لبست فأبليت ، وما تصدقت فأمضيت ؟

وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس " .

وفي مسند الإمام أحمد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: زيِّن للذين كفروا حبُّ الحياة الدنيا العاجلة اللذات، (4) فهم يبتغون فيها المكاثرة والمفاخرة، ويطلبون فيها الرياسات والمباهاة، ويستكبرون عن اتباعك يا محمد، والإقرار بما جئت به من عندي، تعظُّمًا منهم على من صدَّقك واتبعك، ويسخرون بمن تبعك من أهل، الإيمان، والتصديق بك، في تركهم المكاثرة، والمفاخرة بالدنيا وزينتها من الرياش والأموال، &; 4-274 &; بطلب الرياسات وإقبالهم على طلبهم ما عندي برفض الدنيا وترك زينتها، والذين عملوا لي= وأقبلوا على طاعتي، ورفضوا لذات الدنيا وشهواتها، اتباعًا لك، وطلبًا لما عندي، واتقاءً منهم بأداء فرائضي، وتجنُّب معاصيَّ = فوق الذين كفروا يوم القيامة، بإدخال المتقين الجنة، وإدخال الذين كفروا النار.

وبنحو الذي قلنا في ذلك من التأويل قال جماعة منهم.

* ذكر من قال ذلك: 4046 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " زُيِّن للذين كفروا الحياة الدنيا "، قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها =" ويسخرون من الذين آمنوا "، في طلبهم الآخرة - قال ابن جريج: لا أحسبه إلا عن عكرمة، قال: قالوا: لو كان محمد نبيًا كما يقول، لاتبعه أشرافنا وساداتنا‍!

والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود!

4047 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة "، قال: " فوقهم " في الجنة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212) قال أبو جعفر: ويعني بذلك: والله يعطي الذين اتقوا يوم القيامة من نعمه وكراماته وجزيل عطاياه، بغير محاسبة منه لهم على ما منّ به عليهم من كرامته.

* * * فإن قال لنا قائل: وما في قوله: " يرزق من يشاء بغير حساب " من المدح ؟

قيل: المعنى الذي فيه من المدح، الخيرُ عن أنه غير خائف نفادَ خزائنه، &; 4-275 &; فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم قَدْر العطاء الذي يخرج من ملكه إلى غيره، لئلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يُجحف به، فربنا تبارك وتعالى غيرُ خائف نفادَ خزائنه، ولا انتقاصَ شيء من ملكه، بعطائه ما يعطي عبادَه، فيحتاج إلى حساب ما يعطي، وإحصاء ما يبقي.

فذلك المعنى الذي في قوله: " والله يرزق من يشاء بغير حساب " ---------------- الهوامش : (4) في المطبوعة : "العاجلة في الذنب" وهو كلام بلا معنى .

وقد سمى الله الدنيا"العاجلة" لتعجيله الذين يحبونها ما يشاء من زينتها ولذتها ، وهو يشير بذلك إلى قوله تعالى : { مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا } [سورة الإسراء : 18] .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حسابقوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا على ما لم يسم فاعله .

والمراد رؤساء قريش .

وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل .

قال النحاس : وهي قراءة شاذة ؛ لأنه لم يتقدم للفاعل ذكر .

وقرأ ابن أبي عبلة : " زينت " بإظهار العلامة ، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي ، والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه .

وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها .

وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة ، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها .

وقد قال أبو [ ص: 29 ] بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا .قوله تعالى : ويسخرون من الذين آمنوا إشارة إلى كفار قريش ، فإنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا ويغتبطون بها ، ويسخرون من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

قال ابن جريج : في طلبهم الآخرة .

وقيل : لفقرهم وإقلالهم ، كبلال وصهيب وابن مسعود وغيرهم ، رضي الله عنهم ، فنبه سبحانه على خفض منزلتهم لقبيح فعلهم بقوله : والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة .

وروى علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره وقلة ذات يده شهره الله يوم القيامة ثم فضحه ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه أقامه الله تعالى على تل من نار يوم القيامة حتى يخرج مما قال فيه وإن عظم المؤمن أعظم عند الله وأكرم عليه من ملك مقرب وليس شيء أحب إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة وإن الرجل المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده .ثم قيل معنى والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة أي في الدرجة ؛ لأنهم في الجنة والكفار في النار .

ويحتمل أن يراد بالفوق المكان ، من حيث إن الجنة في السماء ، والنار في أسفل السافلين .

ويحتمل أن يكون التفضيل على ما يتضمنه زعم الكفار ، فإنهم يقولون : وإن كان معاد فلنا فيه الحظ أكثر مما لكم ، ومنه حديث خباب مع العاص بن وائل ، قال خباب : كان لي على العاص بن وائل دين فأتيته أتقاضاه ، فقال لي : لن أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم .

قال فقلت له : إني لن أكفر به حتى تموت ثم تبعث .

قال : وإني لمبعوث من بعد الموت ؟

!

فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد ، الحديث .

وسيأتي بتمامه إن شاء الله تعالى .

ويقال : سخرت منه وسخرت به ، وضحكت منه وضحكت به ، وهزئت منه وبه ، كل ذلك يقال ، حكاه الأخفش .

والاسم السخرية والسخري والسخري ، وقرئ بهما قوله تعالى : ليتخذ بعضهم بعضا سخريا وقوله : فاتخذتموهم سخريا .

[ ص: 30 ] ورجل سخرة .

يسخر منه ، وسخرة - بفتح الخاء - يسخر من الناس .

وفلان سخرة يتسخر في العمل ، يقال : خادمه سخرة ، وسخره تسخيرا كلفه عملا بلا أجرة .قوله تعالى : والله يرزق من يشاء بغير حساب قال الضحاك : يعني من غير تبعة في الآخرة .

وقيل : هو إشارة إلى هؤلاء المستضعفين ، أي يرزقهم علو المنزلة ، فالآية تنبيه على عظيم النعمة عليهم .

وجعل رزقهم بغير حساب من حيث هو دائم لا يتناهى ، فهو لا ينعد .

وقيل : إن قوله : " بغير حساب " صفة لرزق الله تعالى كيف يصرف ، إذ هو جلت قدرته لا ينفق بعد ، ففضله كله بغير حساب ، والذي بحساب ما كان على عمل قدمه العبد ، قال الله تعالى : جزاء من ربك عطاء حسابا .

والله أعلم .

ويحتمل أن يكون المعنى بغير احتساب من المرزوقين ، كما قال : ويرزقه من حيث لا يحتسب .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا فيه من الوعيد الشديد والتهديد ما تنخلع له القلوب، يقول تعالى: هل ينتظر الساعون في الفساد في الأرض, المتبعون لخطوات الشيطان, النابذون لأمر الله إلا يوم الجزاء بالأعمال, الذي قد حشي من الأهوال والشدائد والفظائع, ما يقلقل قلوب الظالمين, ويحق به الجزاء السيئ على المفسدين.

وذلك أن الله تعالى يطوي السماوات والأرض, وتنثر الكواكب, وتكور الشمس والقمر, وتنزل الملائكة الكرام, فتحيط بالخلائق, وينزل الباري [تبارك] تعالى: { فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ } ليفصل بين عباده بالقضاء العدل.

فتوضع الموازين, وتنشر الدواوين, وتبيض وجوه أهل السعادة وتسود وجوه أهل الشقاوة, ويتميز أهل الخير من أهل الشر، وكل يجازى بعمله، فهنالك يعض الظالم على يديه إذا علم حقيقة ما هو عليه.

وهذه الآية وما أشبهها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة, المثبتين للصفات الاختيارية, كالاستواء, والنزول, والمجيء, ونحو ذلك من الصفات التي أخبر بها تعالى, عن نفسه, أو أخبر بها عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، فيثبتونها على وجه يليق بجلال الله وعظمته, من غير تشبيه ولا تحريف، خلافا للمعطلة على اختلاف أنواعهم, من الجهمية, والمعتزلة, والأشعرية ونحوهم, ممن ينفي هذه الصفات, ويتأول لأجلها الآيات بتأويلات ما أنزل الله عليها من سلطان, بل حقيقتها القدح في بيان الله وبيان رسوله, والزعم بأن كلامهم هو الذي تحصل به الهداية في هذا الباب، فهؤلاء ليس معهم دليل نقلي, بل ولا دليل عقلي، أما النقلي فقد اعترفوا أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة, ظاهرها بل صريحها, دال على مذهب أهل السنة والجماعة, وأنها تحتاج لدلالتها على مذهبهم الباطل, أن تخرج عن ظاهرها ويزاد فيها وينقص، وهذا كما ترى لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

وأما العقل فليس في العقل ما يدل على نفي هذه الصفات، بل العقل دل على أن الفاعل أكمل من الذي لا يقدر على الفعل, وأن فعله تعالى المتعلق بنفسه والمتعلق بخلقه هو كمال، فإن زعموا أن إثباتها يدل على التشبيه بخلقه، قيل لهم: الكلام على الصفات, يتبع الكلام على الذات، فكما أن لله ذاتا لا تشبهها الذوات, فلله صفات لا تشبهها الصفات، فصفاته تبع لذاته, وصفات خلقه, تبع لذواتهم, فليس في إثباتها ما يقتضي التشبيه بوجه.

ويقال أيضا, لمن أثبت بعض الصفات, ونفى بعضا, أو أثبت الأسماء دون الصفات: إما أن تثبت الجميع كما أثبته الله لنفسه, وأثبته رسوله، وإما أن تنفي الجميع, وتكون منكرا لرب العالمين، وأما إثباتك بعض ذلك, ونفيك لبعضه, فهذا تناقض، ففرق بين ما أثبته, وما نفيته, ولن تجد إلى الفرق سبيلا، فإن قلت: ما أثبته لا يقتضي تشبيها، قال لك أهل السنة: والإثبات لما نفيته لا يقتضي تشبيها، فإن قلت: لا أعقل من الذي نفيته إلا التشبيه، قال لك النفاة: ونحن لا نعقل من الذي أثبته إلا التشبيه، فما أجبت به النفاة, أجابك به أهل السنة, لما نفيته.

والحاصل أن من نفى شيئا وأثبت شيئا مما دل الكتاب والسنة على إثباته, فهو متناقض, لا يثبت له دليل شرعي ولا عقلي, بل قد خالف المعقول والمنقول.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( زين للذين كفروا الحياة الدنيا ) الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها وقال الزجاج : زين لهم الشيطان قيل نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ويكذبون بالمعاد ( ويسخرون من الذين آمنوا ) أي يستهزئون بالفقراء من المؤمنين .

قال ابن عباس : أراد بالذين آمنوا عبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وصهيبا وبلالا وخبابا وأمثالهم وقال مقاتل : نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه كانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ويقولون : انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم وقال عطاء : نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وبني قينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال ( ويسخرون من الذين آمنوا ) لفقرهم ( والذين اتقوا ) يعني هؤلاء الفقراء ( فوقهم يوم القيامة ) لأنهم في أعلى عليين وهم في أسفل السافلين .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري أخبرنا جدي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار أخبرنا أبو بكر محمد بن زكريا العذافري أخبرنا إسحاق الدبري أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقفت على باب الجنة فرأيت أكثر أهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت أكثر أهلها النساء وإذا أهل الجد محبوسون إلا من كان منهم من أهل النار فقد أمر به إلى النار " .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال : مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس : ما رأيك في هذا؟

فقال : رجل من أشراف الناس : هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما رأيك في هذا؟

فقال : يا رسول الله إن هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خير من ملء الأرض مثل هذا " .

( والله يرزق من يشاء بغير حساب ) قال ابن عباس : يعني كثيرا بغير مقدار لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل يريد : يوسع على من يشاء ويبسط لمن يشاء من عباده وقال الضحاك : يعني من غير تبعة يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة وقيل : هذا يرجع إلى الله تعالى معناه : يقتر على من يشاء ويبسط لمن يشاء ولا يعطي كل أحد بقدر حاجته بل يعطي الكثير من لا يحتاج إليه ولا يعطي القليل من يحتاج إليه فلا يعترض عليه ولا يحاسب فيما يرزق ولا يقال لم أعطيت هذا وحرمت هذا؟

ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟

وقيل معناه لا يخاف نفاد خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها لأن الحساب من المعطي إنما يكون بما يخاف من نفاد خزائنه .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«زُيِّن للَّذين كفروا» من أهل مكة «الحياة الدنيا» بالتمويه فأحبوها «و» هم «يسخرون من الذين آمنوا» لفقرهم كبلال وعمَّار وصهيب أي يستهزءون بهم ويتعالوْن عليهم بالمال «والذين اتقوا» الشرك وهم هؤلاء «فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب» أي رزقا واسعا في الآخرة أو الدنيا بأن يملك المسخور منهم أموال الساخرين ورقابهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

حُسِّن للذين جحدوا وحدانية الله الحياةُ الدنيا وما فيها من الشهوات والملذات، وهم يستهزئون بالمؤمنين.

وهؤلاء الذين يخشون ربهم فوق جميع الكفار يوم القيامة؛ حيث يدخلهم الله أعلى درجات الجنة، وينزل الكافرين أسفل دركات النار.

والله يرزق مَن يشاء مِن خلقه بغير حساب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أولئك الأشقياء على البقاء في كفرهم وجحودهم فقال - تعالى - : ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا ) ..

.

الآية .التزيين : جعل الشيء زينا أي ، شديد الحسن .

والحياة نائب فاعل ، زين ، ولم تلحق تاء التأنيث بالفعل لأن نائب الفاعل مجازي التأنيث ولوجود الفاصل بين الفعل ونائب الفاعل .والمعنى ، أن الحياة الدنيا قد زينت للكافرين فأحبوها وتهافتوا عليها تهافت الفراش على النار ، وصارت متعها وشهواتها كل تفكيرهم ، أما الآخرة فلم يفكروا فيها ، ولم يهيئوا أنفسهم للقائها .قال القرطبي : والمزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها أيضاً للشيطان بوسوسته وإغوائه وخص الين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها .

وقد جعل الله ما على الأرض زينة لهاليبلو الخلق أيهم أحسن عملا ، فالمؤمنون الذين هم على سنن الشرع لم تفتنهم الزينة ، والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها " .وقوله : ( وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ) معطوف على جملة ( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ .

.

.

) .أو خبر لمبتدأ محذوف أي وهم يسخرون وتكون الواو للحال .ويسخرون : يضحكون ويهزأون .

يقال .

سخرت منه وسخرت به وضحكت منه وضحكت به .أي أن الذين كفروا لا يكتفون بحبهم الشديد لزينة الدنيا وشهواتها وإنما هم بجانب ذلك يسخرون من المؤمنين لزهد هم في متع الحياة ، لأن الكفار يعتقدون أن ما يمضى من حياتهم في غير متعة فهو ضياع منها ، وأنهم لن يبعثوا ولن يحاسبوا على ما فعلوه في دنياهم ، أما المؤمنون فهم يتطلعون إلى نعيم الآخرة الذي هو أسمى وأبقى من نعيم الدنيا .وجيء بقوله : ( زُيِّنَ ) ماضيا للدالة على أنه قد وقع وفرغ منه .

وجيء بقوله ( وَيَسْخَرُونَ ) مضارعاً للدالة على تجدد سخريتهم من المؤمنين وحدوثها بين وقت آخر .

قال - تعالى - : ( إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ .

وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ .

.

.

) وقد ذكر بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية رويات منها : أنها نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وحزبه ، كانوا يتنعمون في الدنيا أو يسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين ، ويقولون : أنظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أنه يغلب بهم .

ومنها .

أنها نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعمار وخاببا وابن مسعود وغيرهم بسبب ما كانوا فيه من الفقر والصبر على البلاء .

والحق أنه لا مانع من نزولها في شأن كل الكافرين الذين يسخرون من المؤمنين .وقوله : ( والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة ) رد منه - سبحانه - على هؤلاء الكفار الذين يسخرون من المؤمنين ، والذين يرون أنفسهم أنهم في زينتهم ولذاتهم أفضل من المؤمنين في نزاهتهم وصبرهم على بأساء الحياة وضرائها .أي ، والذين اتقوا الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل سوء فوق أولئك الكافرين مكانة ومكانا يوم القيامة ، لأن تقواهم قد رفعتهم إلى أعلى عليين ، أما الذين كفروا فإن كفرهم قد هبط بهم إلأى النار وبئس القرار .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : لم قال ( مِنَ الذين آمَنُواْ ) ثم قال : ( والذين اتقوا ) ؟

قلت : ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن التقى ، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك .وقيدت الفوقية بيوم القيامة للننصيص على دوامها ، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية ، ولإِدخال السرور والتسلية على قلوب المؤمنين حتى لا يتسرب اليأس إلى قلوبهم بسبب إيذاء الكافرين لهم في الدنيا .وقوله : ( والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) تذييل قصد به تشريف المؤمنين ، وبيان عظم ثوابهم .أي : والله يرزق من يشاء بغير حساب من المرزوق .

أو بلا حصر وعد لما يعطيه .

أو أنه لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى يحتاج إلى حساب لما يخرج منها .

فهو - سبحانه - الذي يعطي ويمنع ، وليس عطاؤه في الدنيا دليل رضاه عن المعطي فقد يعطي الكافر وهو غير راض عنه ، أما عطاؤه في الآخرة فهو دليل رضاه عمن أعطاه .قال الأستاذ الإِمام : إن الرزق بلا حساب ولا سعي في الدنيا إنما يصح بالنسبة إلى الأفراد ، فإنك ترى كثيراً من الأبرار وكثيراً من الفجار أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق ، وكثيراً من الفريقين فقراء معسرين ، والمتقى يكون دائماً أسعد حالاً وأكثر احتمالا ، ومحلا لعناية الله به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلمه الفاجر لأنه يجد في التقوى مخرجاً من كل ضيق .

.

.

وأما الأمم فأمرها على غير هذا ، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه .

.

وليس من سنة الله أن يرزق الأمة العزة والثروة وهي لا تعمل ، وإنما يعطيها بعملها ويسلبها بزللها .

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل حال من يبدل نعمة الله من بعدما جاءته وهم الكفار الذين كذبوا بالدلالة والأنبياء وعدلوا عنها أتبعه الله تعالى بذكر السبب الذي لأجله كانت هذه طريقتهم فقال: ﴿ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا ﴾ ومحصول هذا الكلام تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار والمشركين في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من درجات الآخرة.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: إنما لم يقل: زينت لوجوه: أحدها: وهو قول الفراء: أن الحياة والإحياء واحد، فإن أنث فعلى اللفظ، وإن ذكر فعلى المعنى كقوله: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ  ﴾ ، ﴿ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة  ﴾ .

وثانيها: وهو قول الزجاج أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأنه ليس حيواناً بإزائه ذكر، مثل امرأة ورجل، وناقة وجمل، بل معنى الحياة والعيش والبقاء واحد فكأنه قال: زين للذين كفروا الحياة الدنيا والبقاء.

وثالثها: وهو قول ابن الأنباري: إنما لم يقل: زينت، لأنه فصل بين زين وبين الحياة الدنيا، بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الإسم بفاصل، حسن تذكير الفعل، لأن الفاصل يغني عن تاء التأنيث.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب النزول وجوهاً: فالرواية الأولى: قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ورؤساء قريش، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين، كعبد الله بن مسعود، وعمار، وخباب، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن فهيرة وأبي عبيدة بن الجراح بسبب ما كانوا فيه من الفقر والضرر والصبر على أنواع البلاء مع أن الكفار كانوا في التنعم والراحة.

والرواية الثانية: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، سخروا من فقراء المسلمين المهاجرين، حيث أخرجوا من ديارهم وأموالهم.

والرواية الثالثة: قال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يسخرون من ضعفاء المسلمين وفقراء المهاجرين، واعلم أنه لا مانع من نزولها في جميعهم.

والمسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية هذا التزيين، أما المعتزلة فذكروا وجوهاً أحدها: قال الجبائي: المزين هو غواة الجن والإنس، زينوا للكفار الحرص على الدنيا، وقبحوا أمر الآخرة في أعينهم، وأوهموا أن لا صحة لما يقال من أمر الآخرة، فلا تنغصوا عيشتكم في الدنيا قال: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه تعالى زين ذلك فهو باطل، لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فإن كان المزين هو الله تعالى، فإما أن يكون صادقاً في ذلك التزين، وإما أن يكون كاذباً، فإن كان صادقاً وجب أن يكون مازينه حسناً، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً وذلك يوجب أن الكافر مصيب في كفره ومعصيته، وهذا القول كفر، وإن كان كاذباً في ذلك التزيين أدى ذلك إلى أن لا يوثق منه تعالى بقول ولا خبر، وهذا أيضاً كفر، قال: فصح أن المراد من الآية أن المزين هو الشيطان، هذا تمام كلام أبي علي الجبائي في تفسيره.

وأقول هذا ضعيف لأن قوله تعالى: ﴿ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ يتناول جميع الكفار، فهذا يقتضي أن يكون لجميع الكفار مزين، والمزين لجميع الكفار لابد وأن يكون مغايراً لهم، إلا أن يقال: إن كل واحد منهم كان يزين للآخر، وحينئذ يصير دوراً فثبت أن الذين يزين الكفر لجميع الكفار لابد وأن يكون مغايراً لهم، فبطل قوله: إن المزين هم غواة الجن والإنس، وذلك لأن هؤلاء الغواة داخلون في الكفار أيضاً، وقد بينا أن المزين لابد وأن يكون غيرهم، فثبت أن هذا التأويل ضعيف، وأما قوله: المزين للشيء هو المخبر عن حسنه فهذا ممنوع، بل المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالزينة، وهي صفات قائمة بالشيء باعتبارها يكون الشيء مزيناً، وعلى هذا التقدير سقط كلامه، ثم إن سلمنا أن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، فلم لا يجوز أن يقال: الله تعالى أخبر عن حسنه، والمراد أنه تعالى أخبر عما فيها من اللذات والطيبات والراحات، والإخبار عن ذلك ليس بكذب، والتصديق بها ليس بكفر، فسقط كلام أبي علي في هذا الباب بالكلية.

التأويل الثاني: قال أبو مسلم: يحتمل في ﴿ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ أنهم زينوا لأنفسهم والعرب يقولون لمن يبعد منهم: أين يذهب بك لا يريدون أن ذاهباً ذهب به وهو معنى قوله تعالى في الآي الكثيرة: ﴿ أنى يُؤْفَكُونَ  ﴾ ، ﴿ أنى يُصْرَفُونَ  ﴾ إلى غير ذلك، وأكده بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله  ﴾ فأضاف ذلك إليهما لما كانا كالسبب، ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان في الحقيقة هو الذي زين لنفسه، واعلم أن هذا ضعيف، وذلك لأن قوله: ﴿ زُيّنَ ﴾ يقضي أن مزيناً زينه، والعدول عن الحقيقة إلى المجاز غير ممكن.

التأويل الثالث: أن هذا المزين هو الله تعالى ويدل على صحة هذا التأويل وجهان: أحدهما: قراءة من قرأ ﴿ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا ﴾ على البناء للفاعل الثاني: قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ثم القائلون بهذا التأويل ذكروا وجوهاً الأول: يمتنع أن يكون تعالى هو المزين بما أظهره في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب واللذة، وإنما فعل ذلك ابتلاء لعباده، ونظيره قوله تعالى: ﴿ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات  ﴾ إلى قوله: ﴿ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلاً  ﴾ وقالوا: فهذه الآيات متوافقة، والمعنى في الكل أن الله جل جلاله جعل الدنيا دار ابتلاء وامتحان، فركب في الطباع الميل إلى اللذات وحب الشهوات لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل على سبيل التحبيب الذي تميل إليه النفس مع إمكان ردها عنه ليتم بذلك الإمتحان، وليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام الثاني: أن المراد من التزيين أنه تعالى أمهلهم في الدنيا، ولم يمنعهم عن الإقبال عليها، والحرص الشديد في طلبها، فهذا الإمهال هو المسمى بالتزيين.

واعلم أن جملة هذه الوجوه التي نقلناها عن المعتزلة يتوجه عليها سؤال واحد وهو أن حصول هذه الزينة في قلوب الكفار لابد له من محدث وإلا فقد وقع المحدث لا عن مؤثر وهذا محال ثم هذا التزيين الحاصل في قلوب الكفار هل رجح جانب الكفر والمعصية على جانب الإيمان والطاعة أو ما رجح فإن لم يرجح ألبتة بل الإنسان مع حصول هذه الزينة في قلبه كهو لا مع حصولها في قلبه فهذا يمنع كونه تزييناً في قلبه، والنص دل على أنه حصل هذا التزيين، وإن قلنا بأن حصول هذا التزيين في قلبه يرجح جانب الكفر والمعصية، على جانب الإيمان والطاعة، فقد زال الاختيار لأن حال الإستواء لما امتنع حصول الرجحان، فحال صيرورة أحد الطرفين مرجوحاً كان أولى بامتناع الوقوع، وإذا صار المرجح ممتنع الوقوع صار الراجح واجب الوقوع، ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين فهذا هو توجيه السؤال ومعلوم أنه لا يندفع بالوجوه التي ذكرها هؤلاء المعتزلة.

الوجه الثالث: في تقرير هذا التأويل أن المراد: أن الله تعالى زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات، وعلى هذا الوجه سقط الإشكال، وهذا أيضاً ضعيف، وذلك لأن الله تعالى خص بهذا التزيين الكفار، وتزيين المباحات لا يختص به الكافر، فيمتنع أن يكون المراد بهذا التزيين تزيين المباحات، وأيضاً فإن المؤمن إذا تمتع بالمباحات من طيبات الدنيا يكون تمتعه بها مع الخوف والوجل من الحساب في الآخرة فهو وإن كثر ماله وجاهه فعيشه مكدر منغص، وأكثر غرضه أجر الآخرة وإنما يعد الدنيا كالوسيلة إليها، وليس كذلك الكافر، فإنه وإن قلت ذات يده فسروره بها يكون غالباً على ظنه، لاعتقاده أنها كمال المقصود دون غيرها، وإذا كان هذا حاله صح أنه ليس المراد من الآية تزيين المباحات، وأيضاً أنه تعالى أتبع تلك الآية بقوله: ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ وذلك مشعر بأنهم كانوا يسخرون منهم في تركهم اللذات المحظورة، وتحملهم المشاق الواجبة، فدل على أن ذلك التزيين ما وقع في المباحات بل وقع في المحظورات.

وأما أصحابنا فإنهم حملوا التزيين على أنه تعالى خلق في قلبه إرادة الأشياء والقدرة على تلك الأشياء، بل خلق تلك الأفعال والأحوال، وهذا بناء على أن الخالق لأفعال العباد ليس إلا الله سبحانه، وعلى هذا الوجه ظهر المراد من الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ فقد روينا في كيفية تلك السخرية وجوهاً من الروايات، قال الواحدي: قوله: ﴿ وَيَسْخُرُونَ ﴾ مستأنف غير معطوف على زين، ولا يبعد استئناف المستقبل بعد الماضي، وذلك لأن الله أخبر عنهم بزين وهو ماض، ثم أخبر عنهم بفعل يديمونه فقال: ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ ومعنى هذه السخرية أنهم كانوا يقولون هؤلاء المساكين تركوا لذات الدنيا وطيباتها وشهواتها ويتحملون المشاق والمتاعب لطلب الآخرة مع أن القول بالآخرة قول باطل، ولا شك أنه لو بطل القول بالمعاد لكانت هذه السخرية لازمة أما لو ثبت القول بصحة المعاد كانت السخرية منقلبة عليهم لأن من أعرض عن الملك الأبدي بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة لم يوجد في الخلق أحد أولى بالسخرية منه، بل قال بعض المحققين الإعراض عن الدنيا، والإقبال على الآخرة هو الحزم على جميع التقديرات فإنه إن بطل القول بالآخرة لم يكن الفائت إلا لذات حقيرة وأنفاساً معدودة وإن صح القول بالآخرة كان الإعراض عن الدنيا والإقبال على الآخرة أمراً متعيناً فثبت أن تلك السخرية كانت باطلة وأن عود السخرية عليهم أولى.

أما قوله تعالى: ﴿ والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال: ﴿ مّنَ الذين ءَامَنُوا ﴾ ثم قال: ﴿ والذين اتقوا ﴾ ؟.

الجواب: ليظهر به أن السعادة الكبرى لا تحصل إلا للمؤمن التقي، وليكون بعثاً للمؤمنين على التقوى.

السؤال الثاني: ما المراد بهذه الفوقية؟.

الجواب: فيه وجوه: أحدها: أن يكون المراد بالفوقية الفوقية بالمكان، لأن المؤمنين يكونون في عليين من السماء والكافرين يكونون في سجين من الأرض.

وثانيها: يحتمل أن يكون المراد بالفوقية الفوقية في الكرامة والدرجة.

فإن قيل: إنما يقال: فلان فوق فلان في الكرامة، إذا كان كل واحد منهما في الكرامة ثم يكون أحدهما أزيد حالاً من الآخر في تلك الكرامة، والكافر ليس له شيء من الكرامة فكيف يقال: المؤمن فوقه في الكرامة.

قلنا: المراد أنهم كانوا فوقهم في سعادات الدنيا ثم في الآخرة ينقلب الأمر، فالله تعالى يعطي المؤمن من سعادات الآخرة ما يكون فوق السعادات الدنيوية التي كانت حاصلة للكافرين.

وثالثها: أن يكون المراد: أنهم فوقهم في الحجة يوم القيامة، وذلك لأن شبهات الكفار ربما كانت تقع في قلوب المؤمنين، ثم إنهم كانوا يردونها عن قلوبهم بمدد توفيق الله تعالى، وأما يوم القيامة فلا يبقى شيء من ذلك، بل تزول الشبهات، ولا تؤثر وساوس الشيطان، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين ءَامَنُواْ يَضْحَكُونَ  ﴾ إِلَى قَوله: ﴿ فاليوم الذين ءَامَنُواْ  ﴾ الآية.

ورابعها: أن سخرية المؤمنين بالكفار يوم القيامة فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لأن سخرية الكافر بالمؤمن باطلة، وهي مع بطلانها منقضية، وسخرية المؤمن بالكافر في الآخرة حقة ومع حقيتها هي دائمة باقية.

السؤال الثالث: هل تدل الآية على القطع بوعيد الفساد فإن لقائل أن يقول: إنه تعالى خص الذين اتقوا بهذه الفوقية فالذين لا يكونون موصوفين بالتقوى وجب أن لا تحصل لهم هذه الفوقية وإن لم تحصل هذه الفوقية كانوا من أهل النار.

الجواب: هذا تمسك بالمفهوم، فلا يكون أقوى في الدلالة من العمومات التي بينا أنها مخصوصة بدلائل العفو.

أما قوله تعالى: ﴿ والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ فيحتمل أن يكون المراد منه ما يعطي الله المتقين في الآخرة من الثواب، ويحتمل أن يكون المراد ما يعطي في الدنيا أصناف عبيده من المؤمنين والكافرين فإذا حملناه على رزق الآخرة احتمل وجوهاً أحدها: أنه يرزق من يشاء في الآخرة، وهم المؤمنون بغير حساب، أي رزقاً واسعاً رغداً لا فناء له، ولا انقطاع، وهو كقوله: ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ فإن كل ما دخل تحت الحساب والحصر والتقدير فهو متناه، فما لا يكون متناهياً كان لا محالة خارجاً عن الحساب.

وثانيها: أن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال: ﴿ فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ  ﴾ فالفضل منه بلا حساب.

وثالثها: أنه لا يخاف نفادها عنده، فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم لمقدار ما يعطي وما يبقي، فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته.

ورابعها: أنه أراد بهذا رزق أهل الجنة، وذلك لأن الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً انتقص قدر الواجب عما كان، والثواب ليس كذلك فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً، فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.

وخامسها: أراد أن الذي يعطي لا نسبة له إلى ما في الخزانة لأن الذي يعطي في كل وقت يكون متناهياً لا محالة، والذي في خزانة قدرة الله غير متناه والمتناهي لا نسبة له إلى غير المتناهي فهذا هو المراد من قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ وهو إشارة إلى أنه لا نهاية لمقدورات الله تعالى.

وسادسها: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بغير استحقاق يقال لفلان على فلان حساب إذا كان له عليه حق، وهذا يدل على أنه لا يستحق عليه أحد شيئاً، وليس لأحد معه حساب بل كل ما أعطاه فقد أعطاه بمجرد الفضل والإحسان، لا بسبب الاستحقاق.

وسابعها: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي يزيد على قدر الكفاية، يقال: فلان ينفق بالحساب إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية، فأما إذا زاد عليه فإنه يقال: ينفق بغير حساب.

وثامنها: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي يعطي كثيراً لأن ما دخله الحساب فهو قليل.

واعلم أن هذه الوجوه كلها محتملة وعطايا الله لها منتظمة فيجوز أن يكون المراد كلها والله أعلم.

أما إذا حملنا الآية على ما يعطي في الدنيا أصناف عباده من المؤمنين والكافرين ففيه وجوه: أحدها: وهو أليق بنظم الآية أن الكفار إنما كانوا يسخرون من فقراء المسلمين لأنهم كانوا يستدلون بحصول السعادات الدنيوية على أنهم على الحق ويحرمون فقراء المسلمين من تلك السعادات على أنهم على الباطل، فالله تعالى أبطل هذه المقدمة بقوله: ﴿ والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئاً عن كون المعطي محقاً أو مبطلاً أو محسناً أو مسيئاً وذلك متعلق بمحض المشيئة، فقد وسع الدنيا على قارون، وضيقها على أيوب عليه السلام، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصولها لفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ  ﴾ .

وثانيها: أن المعنى: أن الله يرزق من يشاء في الدنيا من كافر ومؤمن بغير حساب يكون لأحد عليه، ولا مطالبة، ولا تبعة، ولا سؤال سائل، والمقصود منه أن لا يقول الكافر: لو كان المؤمن على الحق فلم لم يوسع عليه في الدنيا؟

وأن لا يقول المؤمن إن كان الكافر مبطلاً فلم وسع عليه في الدنيا؟

بل الإعتراض ساقط، والأمر أمره، والحكم حكمه ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابي، فعلى هذا الوجه يكون معنى الآية: أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم، فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين، قال القفال رحمه الله: وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما فتح على رسوله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر.

فإن قيل: قد قال تعالى في صفة المتقين وما يصل إليهم ﴿ عَطَاء حِسَاباً  ﴾ أليس ذلك كالمناقض لما في هذه الآية.

قلنا: أما من حمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ على التفضل، وحمل قوله: ﴿ عَطَاء حِسَاباً ﴾ على المستحق بحسب الوعد على ما هو قولنا، أو بحسب الإستحقاق على ما هو قول المعتزلة، فالسؤال ساقط، وأما من حمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ على سائر الوجوه، فله أن يقول: إن ذلك العطاء إذا كان يتشابه في الأوقات ويتماثل، صح من هذا الوجه أن يوصف بكونه عطاء حساباً، ولا ينقضه ما ذكرناه في معنى قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

المزين هو الشيطان، زين لهم الدنيا وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها.

ويجوز أن يكون الله قد زينها لهم بأن خذلهم حتى استحسنوها وأحبوها، أو جعل إمهال المزين له تزيينا، ويدل عليه قراءة من قرأ ﴿ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا ﴾ على البناء للفاعل ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ كانت الكفرة يسخرون من المؤمنين الذين لا حظ لهم من الدنيا كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم، أي لا يريدون غيرها.

وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها، أو ممن يطلب غيرها ﴿ والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة ﴾ لأنهم في عليين من السماء، وهم في سجين من الأرض، أو حالهم عالية لحالهم؛ لأنهم في كرامة وهم في هوان.

أو هم عالون عليهم متطاولون يضحكون منهم كما يتطاول هؤلاء عليهم في الدنيا ويرون الفضل لهم عليهم، ﴿ فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ ﴾ [المطففين: 34] ﴿ والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ بغير تقدير، يعني أنه يوسع على من توجب الحكمة التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره، فهذه التوسعة عليكم من جهة الله لما فيها من الحكمة وهي استدراجكم بالنعمة.

ولو كانت كرامة لكان أولياؤه المؤمنون أحق بها منكم.

فإن قلت: لم قال: ﴿ مِنَ الذين ءَامَنُواْ ﴾ ثم قال: ﴿ والذين اتقوا ﴾ ؟

قلت: ليريك أنه لا يسعد عنده إلا المؤمن المتقي، وليكون بعثا للمؤمنين على التقوى إذا سمعوا ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ حَسُنَتْ في أعْيُنِهِمْ وأُشْرِبَتْ مَحَبَّتُها في قُلُوبِهِمْ حَتّى تَهالَكُوا عَلَيْها وأعْرَضُوا عَنْ غَيْرِها، والمُزَيِّنُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى إذْ ما مِن شَيْءٍ إلّا وهو فاعِلُهُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ « زَيَّنَ» عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وكُلٌّ مِنَ الشَّيْطانِ والقُوَّةِ الحَيَوانِيَّةِ وما خَلَقَهُ اللَّهُ فِيها مِنَ الأُمُورِ البَهِيَّةِ والأشْياءِ الشَّهِيَّةِ مُزَيَّنٌ بِالعَرْضِ.

﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يُرِيدُ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ كَبِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ، أيْ يَسْتَرْذِلُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى، ومِن لِلِابْتِداءِ كَأنَّهم جَعَلُوا السُّخْرِيَةَ مُبْتَدَأةً مِنهم ﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ وهم في أسْفَلِ السّافِلِينَ، أوْ لِأنَّهم في كَرامَةٍ وهم في مَذَلَّةٍ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، وإنَّما قالَ والَّذِينَ اتَّقَوْا بَعْدَ قَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم مُتَّقُونَ وأنَّ اسْتِعْلاءَهم لِلتَّقْوى.

﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ ﴾ في الدّارَيْنِ.

﴿ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ بِغَيْرِ تَقْدِيرٍ فَيُوَسِّعُ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا تارَةً وابْتِلاءً أُخْرى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)

{زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا} المزين هو الشيطان زين لهم الدنيا

وحسنها في أعينهم بوساوسه وحببها إليهم فلا يريدون غيرها أو الله تعالى بخلق الشهوات فيهم ولأن جميع الكائنات منه ويدل عليه قراءة من قرأ زين للذين كفروا الحيوة الدنيا {ويسخرون من الذين آمنوا} كانو يسخرون من فقراء المؤمنين كابن مسعود وعمار وصهيب ونحوهم أي لا يريدون غير الدنيا وهم يسخرون ممن لا حظ له فيها أو ممن يطلب غيرها {والذين اتقوا} عن الشرك وهم هؤلاء الفقراء {فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة} لأنهم في جنة عالية وهم في نار هاوية {والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} بغير تقتير بعنى أنه يوسع على من أراد التوسعة عليه كما وسع على قارون وغيره وهذه التوسعة عليكم من الله لحكمة وهى استدراجكم بالنعمة ولو كانت كرامة لكان المؤمنون أحق بها منكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ أيْ: أُوجِدَتْ حَسَنَةً وجُعِلَتْ مَحْبُوبَةً في قُلُوبِهِمْ، فَتَهافَتُوا عَلَيْها تَهافُتَ الفِراشِ عَلى النّارِ، وأعْرَضُوا عَمّا سِواها، ولِذا أعْرَضَ أهْلُ الكِتابِ عَنِ الآياتِ وبَدَّلُوها، وفاعِلُ التَّزْيِينِ بِهَذا المَعْنى حَقِيقَةً هو اللَّهُ - تَعالى -، وإنْ فُسِّرَ بِالتَّحْسِينِ بِالقَوْلِ ونَحْوِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهُمْ ﴾ كانَ فاعِلُ ذَلِكَ هو الشَّيْطانُ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِمَعْنَيَيْنِ، والتَّزْيِينُ حَقِيقَةً فِيهِما عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الرّاغِبِ.

﴿ ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ كَصُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ؛ أيْ: يَسْتَهْزِءُونَ بِهِمْ عَلى رَفْضِهِمُ الدُّنْيا وإقْبالِهِمْ عَلى العُقْبى، ومَن لِلتَّعْدِيَةِ، وتُفِيدُ مَعْنى الِابْتِداءِ، كَأنَّهم جَعَلُوا لِفَقْرِهِمْ ورَثاثَةِ حالِهِمْ مَنشَأً لِلسُّخْرِيَةِ، وقَدْ يُعَدّى السَّخْرُ بِالباءِ، إلّا أنَّها لُغَةٌ رَدِيئَةٌ، والعَطْفُ عَلى زَيْن وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، ( ويُسَخِّرُونَ ) خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهم يَسْخَرُونَ، والآيَةُ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ مِن رُؤَساءِ قُرَيْشٍ، بُسِطَتْ لَهُمُ الدُّنْيا، وكانُوا يَسْخَرُونَ مِن فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - نَبِيًّا لاتَّبَعَهُ أشْرافُنا، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وقِيلَ: في رُؤَساءِ اليَهُودِ، ومِن بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ، سَخِرُوا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ.

وعَنْ عَطاءٍ: لا مانِعَ مِن نُزُولِها في جَمِيعِهِمْ.

﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعَيْنِهِمْ، وآثَرَ التَّعْبِيرَ بِهِ مَدْحًا لَهم بِالتَّقْوى وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ العُمُومُ، ويَدْخُلُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿ فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ مَكانًا؛ لِأنَّهم في عِلِّيِّينَ، وأُولَئِكَ في أسْفَلِ السّافِلِينَ، أوْ مَكانَةً؛ لِأنَّهم في أوْجِ الكَرامَةِ، وهم في حَضِيضِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، أوْ لِأنَّهم يَتَطاوَلُونَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ، فَيَسْخَرُونَ مِنهم كَما سَخِرُوا مِنهم في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها، وفي ذَلِكَ مِن تَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى، ﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ ﴾ في الآخِرَةِ ﴿مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ 212﴾ أيْ: بِلا نِهايَةٍ لِما يُعْطِيهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: هَذا الرِّزْقُ في الدُّنْيا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَمَلُّكِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَهْزَأِ بِهِمْ أمْوالَ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في الدّارَيْنِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِكِلا الحُكْمَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا، قال الكلبي: نزلت في شأن رؤساء قريش، زين لهم ما بسط لهم في الدنيا من الخير.

وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا في أمر المعيشة، لأنهم كانوا فقراء.

وَالَّذِينَ اتَّقَوْا، أي أطاعوا الله وهم فقراء المؤمنين.

فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي فوق المشركين في الجنة والحجة في الدنيا.

وقد اختلفوا في قوله: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا.

قال بعضهم: يعني زينها لهم إبليس، لأن الله تعالى قد زهد فيها وأعلم أنها متاع الغرور، ولكن الشيطان زيَّن لهم الأشياء، كما قال في آية أخرى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [النمل: 24] وقال في آية أخرى: زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ [النمل: 4] ، فكان ذلك مجازاة لكفرهم.

وقال بعضهم: معناه أن الله تعالى زين لهم، لأنه خلق فيهم الأشياء العجيبة، فنظر إليها الذين كفروا فاغتروا بها.

وروي، عن ابن عباس، عن النبيّ  أنه قال: «يَقُولُ الله تعالى لملائكته: لَوْلا أَنْ يَحْزَنَ عَبْدِي المُؤْمِنُ، لَعَصَبْتُ الكَافِرَ بِعِصَابَةٍ مِنْ ذَهَبٍ وَلَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا صَبّاً» .

ومصداق ذلك في القرآن وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً [الزخرف: 33] الآية.

وقال عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ما سَقَى الكافِرَ مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» .

ثم قال تعالى: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، أي يرزق من يشاء رزقاً كثيراً لا يعرف حسابه.

ويقال: أي يرزقه ولا يطلب منه حسابه بما يرزقه.

ويقال: بغير حساب أي ليس له أحد يحاسبه منه بما يرزقه ويقال: بغير حساب أي بغير احتساب.

كما قال في آية أخرى وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [الطلاق: 3] .

وكل ما في القرآن: يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فهو على هذه الوجوه الأربعة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وأما الْمَلائِكَةُ، فالوعيد بإِتيانهم عنْدَ المَوْت والغمامُ: أرقُّ السحابِ، وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظُلِّلَ به بنو إِسرائيل.

وقال النَّقَّاش: هو ضَبَابٌ أبيض، وقُضِيَ الأمرُ: معناه وقع الجزاء، وعُذِّبَ أهل العصيان، وقرأ معاذ بن جَبَلٍ «١» : «وقضاء الأمر» .

وإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ: هي راجعةٌ إِليه سبحانه قَبْل وبَعْد، وإِنما نبه بذكْر ذلك في يَوْم القيامة على زوالِ ما كان منها إلى الملوك في الدنيا.

سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢)

وقوله سبحانه: سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: معنى الآية: توبيخُهم على عنادهم بعد الآياتِ البيِّناتِ، والمراد بالآيةِ: كم جاءَهُمْ في أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم من آية معرّفة به دالّة عليه، ونِعْمَةَ اللَّهِ: لفْظٌ عامٌّ لجميع إِنعامه ولكنْ يقوِّي من حال النبيّ صلّى الله عليه وسلم معهم أنَّ المشار إِليه هنا هو محمَّد صلّى الله عليه وسلم فالمعنى: ومن يبدِّلْ من بني إِسرائيل صفةَ نعمة اللَّه، ثم جاء اللفظ منسحباً على كلِّ مبدِّل نعمةً للَّه، ويدخل في اللفظ كفّار قريش/، والتوراة أيضا نعمة ٥٢ ب على بني إِسرائيل، فبدَّلوها بالتحريفِ لها، وجَحْدِ أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ: خبرٌ يتضمنُ الوعيد.

وقوله تعالى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا ...

الآية: الإِشارة إِلى كفار قريشٍ لأنهم كانوا يعظمون حالهم من الدنيا، ويغتبطون بها، ويسخرون من أتْبَاعِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم كبلالٍ «٢» ، وصُهَيْبٍ، وابنِ مَسْعودٍ، وغيرهم، فذكر اللَّه قبيح فعلهم، ونبه على خفض

منزلتهم بقوله: وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ، ومعنى الفوقيَّة هنا في الدرجَةِ والقَدْر ويحتمل أن يريد أنَّ نعيم المتَّقِينَ في الآخرة فوق نعيم هؤلاء الآن.

قلت: وحكى الداوديّ عن قتادة: فوقهم يوم القيامة.

قال: فَوْقَهُم في الجنّة «١» .

انتهى.

ومهما ذكرت الداوديّ في هذا «المختصر» ، فإِنما أريد أحمد بن نَصْرٍ الفقيهَ المَالِكِيَّ، ومن تفسيره أنا أنقل.

انتهى.

فإِن تشوَّفَتْ نفسُك أيها الأخُ إِلى هذه الفوقيَّة، ونَيْلِ هذه الدرجة العَليَّة، فارفض دنياك الدنيَّة، وازهَدْ فيها بالكليَّة لتسلَمَ من كل آفة وبليَّة، واقتد في ذلك بخَيْر البريَّهْ.

قال عِيَاضٌ في «شِفَاهُ» «٢» : فانظُرْ- رحمك الله- سيرة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وخُلُقَه في المال، تجده قد أوتي خزائنَ الأرْض [ومفاتيح البلاد، وأُحلّت له الغنائم «٣» ، ولم تحلَّ لنبي قبله، وفتح عليه في حياته صلّى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق] «٤» ، وجُبِيَتْ إِلَيْه الأخماس، [وصدقاتها ما لا يجبى «٥» للملوك إِلاَّ بعضه] «٦» ، وهادَتْه جماعةٌ من الملوك، فما استأثر بشيء من ذلك، ولا أمْسَكَ دِرْهَماً منْه، بل صرفه مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين، ومات صلّى الله عليه وسلم، ودِرْعُهُ مرهُونَةٌ في نفقةِ عيَالِهِ، واقتصر من نفقته ومَلْبَسِهِ على ما تدْعُوه ضرُورتُهُ إِليه، وزهد فيما سواه، فكان- عليه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ في نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّالِثُ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما جازَ في "زُيِّنَ" لَفْظُ التَّذْكِيرِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الحَياةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، إذْ مَعْنى الحَياةِ ومَعْنى العَيْشِ واحِدٌ.

وَإلى مَن يُضافُ هَذا التَّزْيِينُ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يُضافُ إلى اللَّهِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "زَيَّنَ" بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ، عَلى مَعْنى: زَيَّنَها اللَّهُ لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ يُضافُ إلى الشَّيْطانِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: والتَّزْيِينُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: هو التَّرْكِيبُ الطَّبِيعِيُّ، فَإنَّهُ وضَعَ في الطَّبائِعِ مَحَبَّةَ المَحْبُوبِ، لِصُورَةٍ فِيهِ تَزَيَّنَتْ لِلنَّفْسِ، وذَلِكَ مِن صُنْعِهِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِإذْكارِ ما وقَعَ مِن إغْفالِهِ مِمّا مِثْلُهُ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ لِزِينَتِهِ، فاللَّهُ تَعالى يُزَيِّنُ بِالوَضْعِ، والشَّيْطانُ يُزَيِّنُ بِالإذْكارِ.

وَما السَّبَبُ في سُخْرِيَةِ الكُفّارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِلْفَقْرِ.

والثّانِي: لِتَصْدِيقِهِمْ بِالآَخِرَةِ.

والثّالِثُ: لِاتِّباعِهِمْ لِلنَّبِيِّ،  .

وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يُوهِمُونَهم أنَّكم عَلى الحَقِّ، سُخْرِيَةً مِنهم بِهِمْ.

وَفِي مَعْنى كَوْنِهِمْ "فَوْقَهُمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ في عِلِّيِّينَ، والكُفّارَ في سِجِّينٍ.

والثّانِي: أنَّ حُجَجَ المُؤْمِنِينَ فَوْقَ شُبَهِ الكافِرِينَ، فَهُمُ المَنصُورُونَ.

والثّالِثُ: في أنَّ نَعِيمَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ فَوْقَ نَعِيمِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ رِزْقًا واسِعًا غَيْرَ ضَيِّقٍ.

والثّانِي: يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِلا مُحاسَبَةٍ في الآَخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ وقُضِيَ الأمْرُ وإلى اللهُ تُرْجَعُ الأُمُورُ ﴾ ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ومَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإنَّ اللهِ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ واللهُ يَرْزُقُ مِنَ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "زَلَلْتُمْ" بِفَتْحِ اللامِ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ: "زَلَلْتُمْ" بِكَسْرِها.

وأصْلُ الزَلَلِ في القِدَمِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في الِاعْتِقاداتِ والآراءِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

والمَعْنى: ضَلَلْتُمْ وعِجْتُمْ عَنِ الحَقِّ.

و"البَيِّناتُ" مُحَمَّدٌ وآياتُهُ ومُعْجِزاتُهُ إذا كانَ الخِطابُ أوَّلًا لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، وإذا كانَ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ فالبَيِّناتُ ما ورَدَ في شَرائِعِهِمْ مِنَ الإعْلامِ بِمُحَمَّدٍ  والتَعْرِيفِ بِهِ.

و"عَزِيزٌ" صِفَةٌ مُقْتَضِيَةٌ أنَّهُ قادِرٌ عَلَيْكُمْ، لا تُعْجِزُونَهُ، ولا تَمْتَنِعُونَ مِنهُ.

"حَكِيمٌ" أيْ مُحْكَمٌ فِيما يُعاقِبُكم بِهِ لِزَلَلِكم.

وحَكى النَقّاشُ أنَّ كَعْبَ الأحْبارِ لَمّا أسْلَمَ، كانَ يَتَعَلَّمُ القُرْآنَ، فَأقْرَأهُ الَّذِي كانَ يَعْلَمُهُ "فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَقالَ كَعْبٌ: إنِّي لَأسْتَنْكِرُ أنْ يَكُونَ هَكَذا، ومَرَّ بِهِما رَجُلٌ، فَقالَ كَعْبٌ: كَيْفَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ؟

فَقَرَأ الرَجُلُ: ﴿ فاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ فَقالَ كَعْبٌ: هَكَذا يَنْبَغِي.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ يَنْظُرُونَ ﴾ الآيَةُ.

الخِطابُ لِلنَّبِيِّ  ، و"هَلْ" مِن حُرُوفِ الِابْتِداءِ كَأمّا، و"يَنْظُرُونَ" مَعْناهُ: يَنْتَظِرُونَ، والمُرادُ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزِلُّونَ.

والظُلَلُ جَمْعُ ظُلَّةٍ، وهِيَ: ما أظَلَّ مِن فَوْقٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: "فِي ظِلالِ" وكَذَلِكَ رَوى هارُونُ بْنُ حاتِمٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمٍ هُنا، وفي الحَرْفَيْنِ في الزُمَرِ.

وقالَ عِكْرِمَةُ: "ظُلَلٌ": طاقاتٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَيْوَةَ والمَلائِكَةِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الغَمامِ".

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى "اللهُ"، والمَعْنى يَأْتِيهِمْ حُكْمُ اللهِ وأمْرُهُ ونَهْيُهُ وعِقابُهُ إيّاهُمْ، وذَهَبَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُ إلى أنَّ هَذا التَوَعُّدَ هو بِما يَقَعُ في الدُنْيا.

وقالَ قَوْمٌ: بَلْ هو تَوَعُّدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ: ﴿ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ ﴾ وعِيدٌ بِيَوْمِ القِيامَةِ وأمّا المَلائِكَةُ فالوَعِيدُ هو بِإتْيانِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.

و"الغَمامِ" أرَقُّ السَحابِ وأصْفاهُ وأحْسَنُهُ، وهو الَّذِي ظَلَّلَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ.

وقالَ النَقّاشُ: هو ضَبابٌ أبْيَضُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ والمَلائِكَةُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ".

و"قُضِيَ الأمْرُ" مَعْناهُ: وقَعَ الجَزاءُ وعُذِّبَ أهْلُ العِصْيانِ.

وقَرَأ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: "وَقَضاءُ الأمْرِ".

وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "وَقَضى الأُمُورَ" بِالجَمْعِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَرْجِعُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ.

وقَرَأ الباقُونَ: "تَرْجِعُ" عَلى بِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ وهي راجِعَةٌ إلَيْهِ تَعالى قَبْلُ وبَعْدُ، وإنَّما نُبِّهَ بِذِكْرِ ذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ عَلى زَوالِ ما كانَ مِنها إلى المُلُوكِ في الدُنْيا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةُ.

الخِطابُ لِمُحَمَّدٍ  ، وفِيهِ إباحَةُ السُؤالِ لِمَن شاءَ مِن أُمَّتِهِ: ومَعْنى الآيَةِ تَوْبِيخُهم عَلى عِنادِهِمْ بَعْدَ الآياتِ البَيِّنَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ: "اسْألْ" عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ قَوْمٌ: "أسَلُ" عَلى نَقْلِ الحَرَكَةِ إلى السِينِ وتَرْكِ الِاعْتِدادِ بِذَلِكَ في إبْقاءِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ الحُمْرُ ومَن قَرَأ "سَلَّ" فَإنَّهُ أزالَ ألِفَ الوَصْلِ، حِينَ نَقَلَ واسْتَغْنى عنها.

و"كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ إمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَها لِأنَّ لَها صَدْرُ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: كَمْ آتَيْنا "آتَيْناهُمْ" وإمّا بِـ "آتَيْناهُمْ".

وقَوْلُهُ: "مِن آيَةٍ" هو عَلى التَقْدِيرِ الأوَّلِ مَفْعُولٌ ثانٍ لـ "آتَيْناهُمْ"، وعَلى الثانِي في مَوْضِعِ التَمْيِيزِ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "كَمْ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في "آتَيْناهُمْ" ويَصِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى "كَمْ" تَقْدِيرُهُ: "كَمْ آتَيْناهُمُوهُ".

والمُرادُ بِالآيَةِ: كَمْ جاءَهم في أمْرِ مُحَمَّدٍ  مِن آيَةٍ مُعَرَّفَةٍ بِهِ دالَّةٍ عَلَيْهِ.

و"نِعْمَةَ اللهِ" لَفْظٌ عامٌّ لِجَمِيعِ إنْعامِهِ ولَكِنْ يُقَوِّي مِن حالِ النَبِيِّ مَعَهم أنَّ المُشارَ إلَيْهِ هَنا مُحَمَّدٌ  ، فالمَعْنى: ومَن يُبَدِّلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ صِفَةَ نِعْمَةِ اللهِ، ثُمَّ جاءَ اللَفْظُ مُنْسَحِبًا عَلى كُلِّ مُبَدِّلِ نِعْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى.

وقالَ الطَبَرِيُّ: النِعْمَةُ هُنا؛ الإسْلامُ، وهَذا قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ.

ويَدْخُلُ في اللَفْظِ أيْضًا كُفّارُ قُرَيْشٍ الَّذِينَ بُعِثَ مُحَمَّدٌ مِنهم نِعْمَةً عَلَيْهِمْ، فَبَدَّلُوا قَبُولَها والشُكْرَ عَلَيْها كَفْرًا، والتَوْراةُ أيْضًا نِعْمَةٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، أرْشَدَتْهم وهَدَتْهُمْ، فَبَدَّلُوها بِالتَحْرِيفِ لَها وجَحْدِ أمْرِ مُحَمَّدٍ  .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي ويَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ.

و"العِقابِ": مَأْخُوذٌ مِنَ العَقِبِ، كَأنَّ المُعاقَبَ يَمْشِي بِالمُجازاةِ لَهُ في آثارِ عَقِبِهِ.

ومِنهُ عَقَبَةُ الراكِبِ، وعَقَبَةُ القَدَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُنْيا ﴾ المُزَيَّنُ هو خالِقُها ومُخْتَرِعُها وخالِقُ الكُفْرِ.

ويُزَيِّنُها أيْضًا الشَيْطانُ بِوَسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحَمِيدُ بْنُ قَيْسٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "زَيَّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ ونَصْبِ "الحَياةِ".

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "زَيَّنَتْ" بِإظْهارِ العَلامَةِ، والقِراءَةِ دُونَ عَلامَةٍ هي لِلْحائِلِ، ولِكَوْنِ التَأْنِيثُ غَيْرَ حَقِيقِيٍّ.

وخُصَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِكْرِ لِقَبُولِهِمُ التَزْيِينَ جُمْلَةً، وإقْبالِهِمْ عَلى الدُنْيا، وإعْراضِهِمْ عَنِ الآخِرَةِ بِسَبَبِها.

والتَزْيِينُ مِنَ اللهِ تَعالى واقِعٌ لِلْكُلِّ، وقَدْ جَعَلَ اللهُ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِيَبْلُوَ الخَلْقَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، فالمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم عَلى سُنَنِ الشَرْعِ لَمْ تَفْتِنْهُمُ الزِينَةُ، والكُفّارُ تَمَلَّكَتْهم لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَ غَيْرَها، وقَدْ قالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ -حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ بِالمالِ-: "اللهُمَّ إنّا لا نَسْتَطِيعُ إلّا أنْ نَفْرَحَ بِما زَيَّنْتَ لَنا.

وقَوْلُهُ: "وَيَسْخَرُونَ"، إشارَةٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ لِأنَّهم كانُوا يُعَظِّمُونَ حالَهم مِنَ الدُنْيا، ويَغْتَبِطُونَ بِها، ويَسْخَرُونَ مِن أتْباعِ النَبِيِّ  : كَبِلالٍ، وصُهَيْبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وغَيْرِهِمْ.

فَذِكْرُ اللهِ قَبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَبَّهَ عَلى خَفْضِ مَنزِلَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ ومَعْنى الفَوْقِ هُنا في الدَرَجَةِ والقَدْرِ، فَهي تَقْتَضِي التَفْضِيلَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْكُفّارِ مِنَ القَدْرِ نَصِيبٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ .

وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنَّ المُتَّقِينَ هم في الآخِرَةِ في التَنَعُّمِ والفَوْزِ بِالرَحْمَةِ فَوْقَ ما هم هَؤُلاءِ فِيهِ في دُنْياهُمْ، وكَذَلِكَ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا، مِن هَؤُلاءِ في نِعْمَةِ الدُنْيا.

فَعَلى هَذا الِاحْتِمالِ وقَعَ التَفْضِيلُ في أمْرٍ فِيهِ اشْتِراكٌ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُرادَ بِالفَوْقِ المَكانُ مِن حَيْثُ الجَنَّةُ في السَماءِ والنارُ في أسْفَلِ السافِلِينَ، فَيَعْلَمُ مِن تَرْتِيبِ الأمْكِنَةِ أنَّ هَؤُلاءِ في الجَنَّةِ وهَؤُلاءِ في النارِ.

وتَحْتَمِلُ الآيَتانِ أنْ يَكُونَ التَفْضِيلُ عَلى ما يَتَضَمَّنُهُ زَعْمُ الكُفّارِ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: وإنْ كانَ مَعاذٌ فَلَنا فِيهِ الحَظُّ أكْثَرُ مِمّا لَكُمْ، ومِنهُ حَدِيثُ خِبابٍ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ.

وهَذا كُلُّهُ مِنَ التَحْمِيلاتِ حِفْظٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ في أنَّ التَفْضِيلَ إنَّما يَجِيءُ فِيما فِيهِ شَرِكَةً، والكُوفِيُّونَ يُجِيزُونَهُ حَيْثُ لا اشْتِراكَ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واللهُ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ في الدُنْيا فَلا تَسْتَعْظِمُوا ذَلِكَ، ولا تَقِيسُوا عَلَيْهِ الآخِرَةَ، فَإنَّ الرِزْقَ لَيْسَ عَلى قَدْرِ الكُفْرِ والإيمانِ بِأنْ يَحْسَبَ لِهَذا عَمَلَهُ، ولِهَذا عَمَلَهُ، فَيُرْزَقانِ بِحِسابِ ذَلِكَ، بَلِ الرِزْقُ بِغَيْرِ حِسابِ الأعْمالِ، والأعْمالُ ومُجازاتُها مُحاسَبَةٌ ومُعادَةٌ إذْ إجْزاءُ الجَزاءِ تُقابِلُ إجْزاءَ الفِعْلِ المُجازى عَلَيْهِ، فالمَعْنى أنَّ المُؤْمِنَ -وَإنْ لَمْ يُرْزَقْ في الدُنْيا- فَهو فَوْقُ يَوْمِ القِيامَةِ وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّ اللهَ يَرْزُقُ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ عُلُوَّ المَنزِلَةِ بِكَوْنِهِمْ فَوْقَ، وما في ضِمْنِ ذَلِكَ مِنَ النَعِيمِ بِغَيْرِ حِسابٍ، فالآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ النِعْمَةِ عَلَيْهِمْ، وجَعْلِ رِزْقِهِمْ بِغَيْرِ حِسابٍ حَيْثُ هو دائِمٌ لا يَتَناهى فَهو لا يَنْفَدُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "بِغَيْرِ حِسابٍ" صِفَةٌ لِرِزْقِ اللهِ تَعالى كَيْفَ تَصَرَّفَ إذْ هو جَلَّتْ قُدْرَتُهُ لا يُنْفِقُ بَعْدُ، فَفَضْلُهُ كُلُّهُ بِغَيْرِ حِسابٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في الآيَةِ: مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ هَذا الَّذِي يَشاؤُهُ اللهُ، كَأنَّهُ قالَ: بِغَيْرِ احْتِسابٍ مِنَ المَرْزُوقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ  ﴾ .

وإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ فالمَعْنى في ذَلِكَ: مُحْسِبًا، وأيْضًا فَلَوْ كانَ عَدًّا لَكانَ الحِسابُ في الجَزاءِ والمَثُوبَةِ لِأنَّها مُعادَةٌ.

وغَيْرُ الحِسابِ في التَفَضُّلِ والإنْعامِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بالرجوع إلى أحوال كفار العرب المعنيين من الآيات السابقة قصداً وتعريضاً من قوله: ﴿ هل ينظرون إلاَّ أن يأتيهم الله في ظُلل من الغمام ﴾ [البقرة: 210]، والمحتج عليهم بقوله: ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ [البقرة: 211] استئنافاً لبيان خُلُقهم العجيب المفضي بهم إلى قلة الاكتراث بالإيمان وأهله إلى الاستمرار على الكفر وشُعبه التي سبق الحديث عنها، فعن ابن عباس المراد: رؤساءُ قريش، فهذا الاستئناف في معنى التعليل للأحوال الماضية، ولأجل ذلك قطع عن الجمل السابقة لا سيما وقد حال بينه وبينها الاستطراد بقوله: ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ [البقرة: 211] الآية، وليس المراد بالذين كفروا أهل الكتاب مِن معلن ومنافق كما روي عن مقاتل، لأنه ليس من اصطلاح القرآن التعبير عنهم بالذين كفروا، ولأنهم لو كانوا هم المراد لقيل زين لهم الحياة الدنيا، لأنهم من بني إسرائيل، ولأن قوله: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ يناسب حال المشركين لا حالَ أهل الكتاب كما سيأتي.

والتزيين: جعل الشيء زْيناً أو الاحتجاج لكونه زيناً، لأن التفعيل يأتي للجعل ويأتي للنسبة كالتعليم وكالتفسيق والتزكية، والزَّيْن شدة الحسن.

والحياة الدنيا مراد بها ما تشتمل عليه الحياة من اللَّذَّات والملائمات والذوات الحسنة، وهذا إطلاق مشهور للحياة وما يُرَادِفُها؛ ففي الحديث: «مَن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها» أي إلى منافع دُنيا، وهو على حذف مضاف اشتهر حذفه.

ومعنى تزيين الحياة لهم، إما أن ما خُلق زيناً في الدنيا قد تمكّن من نفوسهم واشتد توغلهم في استحسانه، لأن الأشياء الزَّيْنَة هي حسنة في أعين جميع الناس فلا يختص الذين كفروا بجعلها لهم زَيْنَة كما هو مقتضى قوله: ﴿ للذين كفروا ﴾ ؛ فإن اللام تشعر بالاختصاص، وإما ترويج تزيينها في نفوسهم بدعوة شيطانية تحسِّن ما ليس بالحسن كالأقْيسة الشِّعرية والخواطر الشهوية.

والمزيِّن على المعنى الأول هو الله تعالى إلاّ أنهم أَفرطوا في الإقبال على الزينة، والمزيِّن على المعنى الثاني هو الشيطان ودعاته.

وحُذِف فاعل التزيين لأن المزيِّن لهم أمورٌ كثيرة: منها خلْقُ بعض الأشياء حسنة بديعة كمحاسن الذوات والمناظر، ومنها إلقاء حُسن بعض الأشياء في نفوسهم وهي غير حسنة كقتل النفس، ومنها إعراضهم عمن يدعوهم إلى الإقبال على الأمور النافعة حتى انحصرت هممهم في التوغل من المحاسن الظاهرة التي تحتها العار لو كان بادياً، ومنها ارتياضهم على الانكباب على اللذات دون الفكر في المصالح، إلى غير ذلك من أمور يصلح كل منها أن يُعدَّ فاعلاً للتزيين حقيقة أو عرفاً، فلأجل ذلك طوي ذكر هذا الفاعل تجنباً للإطالة.

ويجوز أن يكون حذف الفاعل لدقته، إذ المزيِّن لهم الدنيا أمر خفي فيُحتاج في تفصيله إلى شرح في أخلاقهم وهو ما اكتسبته نفوسهم من التعلق باللذات وبغيرها من كل ما حملهم على التعلق به التنافسُ أو التقليدُ حتى عَمُوا عما في ذلك من الأضرار المخالطة للذَّات أو من الأضرار المختصة المغَشَّاة بتحسين العادات الذميمة، وحملهم على الدوام عليه ضعفُ العزائم الناشئ عن اعتياد الاسترسال في جلب الملائمات دون كبح لأزمة الشهوات، ولأجل اختصاصهم بهذه الحالة دون المؤمنين ودون بعض أهل الكتاب الذين ربَّتْ الأديان فيهم عزيمة مقاومةِ دعوة النفوس الذميمة بتعريفهم ما تشتمل عليه تلك اللذات من المذمات وبأمرهم بالإقلاع عن كل ما فيه ضر عاجل أو آجل حتى يجردوها عنها إن أرادوا تناولها وينبذوا ما هو ذميمة محضة، وراضتهم على ذلك بالبشائر والزواجر حتى صارت لهم ملكة، فلذلك لم تزين الدنيا لهم، لأن زينتها عندهم ومعرضة للحكم عليها بالإثبات تارة وبالنفي أخرى، فإن من عرف ما في الأمر الزين ظاهرُه من الإضرار والقبائح انقلب زينه عنده شَينا، خُص التزيين بهم، إذ المراد من قوله: ﴿ زين للذين كفروا ﴾ ذمُّهم والتحذير من خلقهم، ولهذا لزم حمل التزيين على تزييين يعد ذماً، فلزم أن يكون المراد منه تزييناً مشوباً بما يجعل تلك الزينة مذمة، وإلاّ فإن أصل تزيين الحياة الدنيا المقتضي للرغبة فيما هو زينُ أمرٍ ليس بمذموم إذا روعى فيه ما أوصى الله برعيه قال تعالى: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ﴾ [الأعراف: 32].

وقد استقريْتُ مواقع التزيين المذموم فحصرتها في ثلاثة أنواع: الأول ما ليس بزين أصلاً لا ذاتاً ولا صفة، لأن جميعه ذم وأذى ولكنه زين للناس بأوهام وخواطر شيطانية وتخييلات شعرية كالخمر.

الثاني ما هو زين حقيقة لكن له عواقب تجعله ضراً وأذى كالزنا.

الثالث ما هو زين لكنه يحف به ما يصيره ذميماً كنجدة الظالم وقد حضر لي التمثيل لثلاثتها بقول طرفة: ولولا ثلاثٌ هُنَّ من عيشة الفتى *** وجَدِّك لم أَحْفَلْ متى قام عُوَّدِي فمنهن سَبْقي العاذِلاَت بشَربة *** كُمَيْتتٍ متى ما تُعْلَ بالماءِ تُزْبِدِ وتقصيرُ يوم الدَّجْننِ والدَّجْنُ مُعْجِبٌ *** بَبْهكَنَةٍ تحتَ الخِبَاءِ المُعَمَّد2 وكَرِّي إذا نادَى المضافُ مُجَنَّباً *** كَسِيدِ الغَضَا نَبَّهْتَه المُتَوَرِّدِ وقوله: ويسخرون من الذين آمنوا عطف على جملة ﴿ زين للذين كفروا ﴾ إلخ، وهذه حالة أعجب من التي قبلها وهي حالة التناهي في الغرور؛ إذ لم يقتصروا على افتتانهم بزهرة الحياة الدنيا حتى سخروا بمن لم ينسج على منوالهم من المؤمنين الذين تركوا كثيراً من زهرة الحياة الدنيا لما هداهم الدين إلى وجوب ترك ذلك في أحوال وأنواع تنطوي على خبائث.

والسَخَر بفتحتين: كالفرح وقد تسكن الخاء تخفيفاً وفعله كفرح والسُّخرية الاسم، وهو تعجب مشوب باحتقار الحال المتعجب منها، وفعله قاصر لدلالته على وصف نفسي مثل عَجِب، ويتعدى بمن جارَّة لصاحب الحال المتعجَّب منها فهي ابتدائية ابتداء معنوياً، وفي لغة تعديته بالباء وهي ضعيفة.

ووجه سخريتهم بالمؤمنين أنهم احتقروا رأيهم في إعراضهم عن اللذات لامتثال أمر الرسول وأفّنوهم في ذلك ورأوهم قد أضاعوا حظوظهم وراء أوهام باطلة، لأن الكفار اعتقدوا أن ما مضى من حياتهم في غير نعمة قد ضاع عليهم إذ لا خلود في الدنيا ولا حياة بعدها كما قال الشاعر (أنشده شمر): وأحمقُ ممن يَلْعَق الماء قال لي *** دع الخمر واشْرَب من نُقَاخٍ مبرَّد فالسخرية ناشئة عن تزيين الحياة عندهم ولذلك يصح جعل الواو للحال ليفيد تقييد حالة التزيين بحالة السخرية، فتتلازم الحالان ويقدر للجملة مبتدأ، أي وهم يسخرون، وقد قيل إن من جملة من كان الكفار يسخرون منهم بلالاً وعماراً وُصهيباً يقولون: هؤلاء المساكين تركوا الدنيا وطيباتها وتحملوا المشاق لطلب ما يسمونه بالآخرة وهي شيء باطل، وممن كان يسخر بهم عبدُ الله بن أُبَيَ والمنافقون.

وجيء في فعل التزيين بصيغة الماضي وفي فعل السخرية بصيغة المضارع قضاءً لحقْي الدلالة على أن معنيين فعل التزيين أمر مستقر فيهم؛ لأن الماضي يدل على التحقق، وأن معنى ﴿ يسخرون ﴾ متكرر متجدد منهم؛ لأن المضارع يفيد التجدد ويعلم السامع أن ما هو محقق بين الفعلين هو أيضاً مستمر؛ لأن الشيء الراسخ في النفس لا تفتر عن تكريره، ويعلم أن ما كان مستمراً هو أيضاً محقق؛ لأن الفعل لا يستمر إلاّ وقد تمكن من نفس فاعله وسكنت إليه، فيكون المعنى في الآية: زُيِّن للذين كفروا وتزين الحياة الدنيا وسخروا ويسخرون من الذين آمنوا، وعلى هذا فإنما اختير لفعل التزيين خصوص المضي ولفعل السخرية خصوص المضارعة إيثاراً لكل من الصفتين بالفعل التي هي به أجدر؛ لأن التزيين لما كان هو الأسبق في الوجود وهو منشأ السخرية أوثر بما يدل على التحقق، ليدل على ملكةٍ واعتمد في دلالته على الاستمرار بالاستتباع، والسخرية لما كانت مترتبة على التزيين وكان تكررها يزيد في الذم، إذ لا يليق بذي المروءة السخرية بغيره، أوثرت بما يدل على الاستمرار واعتمد في دلالتها على التحقق دلالة الالتزام، لأن الشيء المستمر لا يكون إلاّ متحققاً.

وقوله: ﴿ والذين اتقوا فوقهم ﴾ أريد من الذين اتقوا المؤمنون الذين سخر منهم الذين كفروا؛ لأن أولئك المؤمنين كانوا متقين، وكان مقتضى الظاهر أن يقال وهم فوقهم لكن عُدل عن الإضمار إلى اسم ظاهر لدفع إيهام أن يغتر الكافرون بأن الضمير عائد إليهم ويضموا إليه كذباً وتلفيقاً كما فعلوا حين سمعوا قوله تعالى: ﴿ أفرءيتم اللات والعزى ﴾ [النجم: 19] إذ سجد المشركون وزعموا أن محمداً أثنى على آلهتهم.

فعدل لذلك عن الإضمار إلى الإظهار ولكنه لم يكن بالاسم الذي سبق أعني (الذين ءَامنوا) لقصد التنبيه على مزية التقوى وكونها سبباً عظيماً في هذه الفوقية، على عادة القرآن في انتهاز فرص الهدى والإرشاد ليفيد فضل المؤمنين على الذين كفروا، وينبه المؤمنين على وجوب التقوى لتكون سبب تفوقهم على الذين كفروا يوم القيامة، وأما المؤمنون غير المتقين فليس من غرض القرآن أن يعبأ بذكر حالهم ليكونوا دَوماً بين شدة الخوف وقليل الرجاء، وهذه عادة القرآن في مثل هذا المقام.

والفوقية هنا فوقية تشريف وهي مجاز في تناهي الفضل والسيادة كما استعير التحت لحالة المفضول والمسخَّر والمملوك.

وقيدت بيوم القيامة تنصيصاً على دوامها، لأن ذلك اليوم هو مبدأ الحياة الأبدية.

فإن قلت: كيفما كان حظ المؤمنين من كثرة التقوى وقلتها إنهم فوق الذين كفروا يوم القيامة بالإيمان والمقام مقام التنويه بفضل المؤمنين فكان الأحق بالذكر هنا وصف «الذين ءَامنوا» قلت: وأما بيان مزية التقوى الذي ذكرته فله مناسبات أخرى.

قلت في الآية تعريض بأن غير المتقين لا تظخر مزيتهم يوم القيامة وإنما تظهر بعد ذلك، لأن يوم القيامة هو مبدأ أيام الجزاء فغير المتقين لا تظهر لهم التفوق يومئذٍ، ولا يدركه الكفار بالحس قال تعالى: ﴿ فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين ﴾ [البقرة: 24] نعم تظهر مزيتهم بعد انقضاء ما قُدِّر لهم من العذاب على الذنوب.

رُوي عن ابن عباس أن الآية نزلت في سادة قريش بمكة سخروا من فقراء المؤمنين وضعفائهم فأعلمهم الله أن فقراء المؤمنين خير منهم عند الله، ووعد الله الفقراء بالرزق وفي قوله: ﴿ من يشاء ﴾ تعريض بتهديد المشركين بقطع الرزق عنهم وزوال حظوتهم.

وقوله: ﴿ والله يرزق من يشاء ﴾ إلخ تذييل قصد منه تعظيم تشريف المؤمنين يوم القيامة، لأن التذييل لا بد أن يكون مرتبطاً بما قبله فالسامع يعلم من هذا التذييل معنى محذوفاً تقديره والذين اتقوا فوقهم فوقية عظيمة لا يحيط بها الوصف، لأنها فوقية منحوها من فضل الله وفضلُ الله لا نهاية له، ولأن من سخرية الذين كفروا بالذين آمنوا أنهم سخروا بفقراء المؤمنين لإقلالهم.

والحساب هنا حصر المقدار فنفي الحساب نفي لعلم مقدار الرزق، وقد شاعت هذه الكنابة في كلام العرب كما شاع عندهم أن يقولوا يُعَدُّون بالأصابع ويحيط بها العد كناية عن القِلّة ومنه قولهم شيء لا يُحصى ولذلك صح أن ينفى الحساب هنا عن أمر لا يعقل حسابه وهو الفوقية وقال قيس بن الخطيم: ما تمنعِي يقظي فقد تُؤْتينه *** في النَّوْم غيرَ مُصَرَّدٍ محسوبِ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ لَيْسَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ، ولَكِنَّهُ عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ.

وَفي المُرادِ بِسُؤالِهِ بَنِي إسْرائِيلَ، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنْبِياؤُهم.

والثّانِي: عُلَماؤُهم.

والثّالِثُ: جَمِيعُهم.

والآياتُ البَيِّناتُ: فَلْقُ البَحْرِ، والظُّلَلُ مِنَ الغَمامِ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ ﴾ يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِرَسُولِهِ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ﴾ في الدُّنْيا وتَزْيِينِها لَهم، ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: زَيَّنَها لَهُمُ الشَّيْطانُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

والثّانِي: زَيَّنَها لَهُمُ الَّذِينَ أغْوَوْهم مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وهو قَوْلُ بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى زَيَّنَها لَهم بِالشَّهَواتِ الَّتِي خَلَقَها لَهم.

﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّهم عَلى حَقٍّ، فَهَذِهِ سُخْرِيَّتُهم بِضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ.

وَفي الَّذِي يَفْعَلُ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم عُلَماءُ اليَهُودِ.

والثّانِي: مُشْرِكُو العَرَبِ.

﴿ والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ يَعْنِي أنَّهم فَوْقَ الكُفّارِ في الدُّنْيا.

﴿ واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ عَطاءً حِسابًا  ﴾ فَفي هَذا سِتَّةُ أجْوِبَةٍ: أحَدُها: أنَّ النُّقْصانَ بِغَيْرِ حِسابٍ، والجَزاءَ بِالحِسابِ.

والثّانِي: بِغَيْرِ حِسابٍ لِسَعَةِ مُلْكِهِ الَّذِي لا يَفْنى بِالعَطاءِ، لا يُقَدَّرُ بِالحِسابِ.

والثّالِثُ: إنَّ كِفايَتَهم بِغَيْرِ حِسابٍ ولا تَضْيِيقٍ.

والرّابِعُ: دائِمٌ لا يَتَناهى فَيَصِيرُ مَحْسُوبًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والخامِسُ: أنَّ الرِّزْقَ في الدُّنْيا بِغَيْرِ حِسابٍ، لِأنَّهُ يَعُمُّ بِهِ المُؤْمِنَ والكافِرَ فَلا يَرْزُقُ المُؤْمِنَ عَلى قَدْرِ إيمانِهِ ولا الكافِرَ عَلى قَدْرِ كُفْرِهِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ يَرْزُقُ المُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ وأنَّهُ لا يُحاسِبُهم عَلَيْهِ ولا يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج في قوله: ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ﴾ قال: الكفار يبتغون الدنيا ويطلبونها ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ في طلبهم الآخرة.

قال: ابن جرير لا أحسبه إلا عن عكرمة قال: قالوا: لو كان محمد نبياً لاتبعه ساداتنا وأشرافنا، والله ما اتبعه إلا أهل الحاجة مثل ابن مسعود وأصحابه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ﴾ قال: هي همهم وسدمهم وطلبتهم ونيتهم ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ ويقولون: ما هم على شيء، استهزاء وسخرية ﴿ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ﴾ هناكم التفاضل.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة ﴿ والذين اتقوا فوقهم ﴾ قال: فوقهم في الجنة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: سألت ابن عباس عن هذه الآية ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ فقال: تفسيرها ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ بغير حساب ﴾ قال: لا يحاسب الرب.

وأخرج ميمون بن مهران بغير حساب قال: غدقاً.

وأخرج عن الربيع بن أنس بغير حساب قال: لا يخرجه بحساب يخاف أن ينقص ما عنده، إن الله لا ينقص ما عنده.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ الآية، إنما لم يقل: (زينت)؛ لأن الحياة مصدر، فذهب إلى تذكير المصدر، كقوله: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ  ﴾ ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ  ﴾ هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 1/ 125، وقال: فأما في الأسماء الموضوعة فلا تكاد العرب تذكر فعل مؤنث، إلا في الشعر لضرورته، وقد يكون الاسم غير مخلوق من فعل، ويكون فيه معنى تأنيث، وهو مذكر فيجوز فيه تأنيث الفعل وتذكيره على اللفظ مرة وعلى المعنى مرة، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ ﴾ \[الأنعام 66\] ولم يقل: كذبت، ولو قيلت لكان صوابا، كما قال ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ﴾ \[الشعراء 105\].]].

وقال الزجاج: تأنيث الحياة ليس بحقيقي، لأن معنى الحياة والعيش والبقاء واحد، وكأنه قال: زين للذين كفروا البقاء (١) وقال ابن الأنباري: إنما لم يقل: (زينت)، لأنه فصل بين زين وبين الحياة بقوله: ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ، وإذا فصل بين فعل المؤنث وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل؛ لأن الفاصل يكفي من تاء التأنيث (٢) أحدهما: زَيَّنَها لهم إبليس بما يمنيهم ويعدهم من شهواتها، قاله ابن كيسان والزجاج (٣) والقول الثاني: أن الله تعالى زَيَّنَها لهم حين بَسَطَها وَوَسَّعَها عليهم، فهي هَمُّهم وطَلِبَتُهْم ونِيَّتُهم وهم لا يريدون غيرها، كقوله: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا  ﴾ وإنما فعل الله ذلك بهم للابتلاء، كما قال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ  ﴾ ويدل على هذا قراءة حميد (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ يقال: سخر منه سُخريَّة، وسُخريًّا، وسَخَرًا، وسُخْرًا، قال الأعشى: .....

لا عَجَبٌ منه ولا سُخْرُ (٧) ويروى: ولا سَخَرَ، ومعنى السُّخْرِية: الإيهام للشيء والانطواء على خلافه [[ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1650، "المفردات" 233، "اللسان" 4/ 1963 (سخر)، ونقل في "التهذيب" عن الفراء قوله: سخِرتُ منه، ولا تقل سخرت به، قال الله تعالى: ﴿ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾ \[الحجرات 11\]، وقال ابن السكيت: تقول:== سخرت من فلان، فهذه اللغة الفصحية قال الله تعالى: ﴿ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ  ﴾ .]].

وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ مستأنف غير معطوف على ﴿ زُيِّنَ ﴾ ، ولا ينكر استئناف المستقبلِ بعد الماضي، وذلك أن الله تعالى خبر عنهم بـ ﴿ زُيِّنَ ﴾ وهو ماض، ثم خبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه ويستقبلونه، فقال: ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ أي: يسخرون من فقراء المؤمنين ويعيرونهم بالفقر (٨) قال ابن عباس في رواية أبي صالح: نزلت في مشركي العرب، كانوا يتنعمون بما بسط لهم في الدنيا من المال، ويسخرون من فقراء المؤمنين الذين يرفضون الدنيا (٩) (١٠) وقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ قال مقاتل: والذين اتقوا الشرك وهم هؤلاء الفقراء (١١) (١٢) (١٣) قال الزجاج (١٤) (١٥) ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا  ﴾ وإن لم يكن في مستقر أهل النار خير.

وقال بعض أهل المعاني: أراد: أن حالهم في الآخرة فوق حال هؤلاء الكفار في الدنيا، وعلى هذا يتوجه قوله: ﴿ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا ﴾ يعني: أن مستقرهم في الآخرة خير من مستقر هؤلاء الذين اغتبطوا به في الدنيا (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أن أموال قريظة والنضير تصير إليكم بلا حساب ولا قتال بأسهل شيء وأيسره (١٧) وقال في رواية لأبي صالح: يعني: كثيرًا بغير فوت ولا مقدار؛ لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل (١٨) (١٩)  : "يدخل الجنة سبعون ألفًا من أمتي بغير حساب" (٢٠) وقال مقاتل: يرزق من يشاء حين بسط للكافرين في الرزق، وقتّر على المؤمنين، ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يعني: ليس فوقي من يحاسبني، لي الملك أعطي من شئت بغير حساب (٢١) (٢٢) ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ لا يسأل عما يفعل.

هذا الذي ذكرنا هي أقوال المفسرين.

ولأصحاب المعاني أقوال (٢٣) أحدها: أن ما يعطي الله تعالى العبد على نوعين: ما يستحقه بعمله، ومنه ما يعطيه من فضله ابتداءً من غير استحقاق بعمل، كقوله تعالى ﴿ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ  ﴾ فقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يعني: ما يتفضل به لا على حساب العمل.

والثاني: لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ليعلم ما يعطي وما يبقى ولا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به، والله تعالى لا يحتاج إلى الحساب؛ لأنه عالم غني لا يتناهى لمقدوره ولا يخاف نفاد ما عنده (٢٤) والثالث: أنه أراد بهذا رزقَ أهل الجنة، ورَزْقُهم بغير حساب؛ لأنه دائمٌ، كقوله: ﴿ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ وذلك أن رِزْقَهُم لا يَتَنَاهى، وما لا نهاية له لا حساب له.

وقال ابن الأنباري: هذا في الدنيا يرزقُ عباده من غيرِ محاسبةٍ ولا استحقاق، ولو فعل ذلك لخرج الكفار من الأرزاق، فجعل فضله يشملهم، ورزقه يعمهم، بتفضل منه عليهم، وفيهم من لا يستحق الرزق والإحسان، فكان ذلك على غير حساب، لأنه لا يحاسب بالرزق في الدنيا على قدر العمل، وهذا الوجه اختيار الزجاج (٢٥) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، وقد ذكر أيضا العلة التي ذكرها ابن الأنباري بعد.

(٢) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 281، "تفسير الثعلبي" 2/ 702، "البحر المحيط" 2/ 129، قال: وقرأ ابن أبي عبلة: زينت، بالتاء وتوجيهها ظاهرة لأن المسند إليه الفعل مؤنث.

وينظر: "الدر المصون" 2/ 371.

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282.

(٤) هو حميد بن قيس المكي الأعرج، أبو صفوان القارئ، قال ابن حجر.

ليس به بأس، من السادسة مات سنة مائة وثلاثين، وقيل بعدها.

روى له الجماعة.

ينظر: "تقريب التهذيب" ص 182 (1556).

(٥) وبها قرأ أبي بن كعب، والحسن ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة وأبو حيوة.

ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 203، "زاد المسير" 1/ 228.

(٦) ينظر في ذكر الأقوال: "تفسير البغوي" 1/ 242، "المحرر الوجيز" 2/ 203، "البحر المحيط" 2/ 129 قال البغوي: الأكثرون على أن المزين هو الله تعالى، والتزيين من الله تعالى هو أنه خلق الأشياء الحسنة والمناظر العجيبة، فنظر الخلق إليها بأكثر من قدرها فأعجبتهم ففتنوا بها.

وقال ابن عطية جامعا بين القولين: المزين هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر، ويزينها أيضا الشيطان بوسوسته وإغوائه.

وينظر: "زاد المسير" 1/ 228.

(٧) تمام البيت: إني أتتني لسان لا أسر بها ...

من عَلوَ لا عجبٌ منها ولا سُخْر قال ذلك لما بلغة خبر مقتل أخيه المنتشر، والتأنيث للكلمة.

ينظر: "اللسان" 4/ 1963 (سخر).

(٨) ينظر: "التفسير الكبير" 6/ 7، "البحر المحيط" 2/ 130، وذكر أنها خبر مبتدأ محذوف تقديره، وهو يسخرون، وقيل الجملة الفعلية معطوفة على الجملة الفعلية، ولا يلحظ فيها عطف الفعل على الفعل؛ لأنه كان يلزم اتحاد الزمان، وإن لم يلزم اتحاد الصيغة، قال: وصدرت الأولى بالفعل الماضي لأنه أمر مفروغ منه، فليس أمرًا متجددًا، وصدرت الثانية بالمضارع لأنها حالة تتجدد كل وقت.

وينظر: "الدر المصون" 2/ 371 - 373.

(٩) ذكره الثعلبي 2/ 698 من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف جدًّا، وذكر البغوي 1/ 242، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 228، والسمعاني في "تفسيره" 2/ 263، والرازي في "تفسيره" 6/ 5، "البحر المحيط" 2/ 129، وعزاه أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 198 إلى الكلبي، وقد روى الطبري 2/ 334، نحوه عن عكرمة.

(١٠) تقدم الحديث عن هذه الرواية في المقدمة وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 107 == من قول عطاء، وكذا البغوي في "تفسيره" 1/ 242، "زاد المسير" 1/ 228، و"تفسير الرازي" 6/ 5، "البحر المحيط" 2/ 129، وقال مقاتل في "تفسيره" 1/ 181 عند قوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ : نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأصحابه، ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ، في أمر المعيشة بأنهم فقراء نزلت في عبد الله بن ياسر المخزومي وصهيب، وفي نحوهم من الفقراء.

(١١) "تفسير مقاتل" 1/ 181.

(١٢) ذكره في "الوسيط" 1/ 315، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 333 - 334.

(١٣) ينظر: "زاد المسير" 1/ 228، "التفسير الكبير" 6/ 8.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 242، "المحرر الوجيز" 2/ 204، "زاد المسير" 1/ 228، "التفسير الكبير" 6/ 8.

(١٥) من قوله: قال الزجاج ساقط من (أ) و (م).

(١٦) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 204 - 205، "زاد المسير" 1/ 228، "التفسير الكبير" 6/ 8، وذكر ابن عطية أن هذه الاحتمالات المذكورة حفظ لمذهب سيبويه والخليل في أن التفضيل إنما يجيء فيما فيه شركة، والكوفيون يجيزونه حيث لا اشتراك.

(١٧) هذا من تتمة الخبر السابق، عن عطاء، وقد تقدم تخريجه آنفا.

وينظر في: "البحر المحيط" 1/ 131، "غرائب النيسابوري" 2/ 301، "الوسيط" للواحدي 1/ 315.

(١٨) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 712، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، وروى ابن أبي حاتم 2/ 375 عن ابن عباس في تفسيرها قوله: ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه.

(١٩) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 713، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243.

(٢٠) رواه البخاري (6059) كتاب الرقاق، باب: يدخل الجنة سبعون ألفا بغير حساب، (5270) كتاب الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، ومسلم (317) كتاب الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة.

(٢١) "تفسير مقاتل" 1/ 181، ونقله في "البسيط" 1/ 315.

(٢٢) ذكره الواحدي في "الوسيط" 1/ 315، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 131، "غرائب النيسابوري" 2/ 301.

(٢٣) ينظر في هذه الأوجه: "تفسير الطبري" 2/ 334، "تفسير الثعلبي" 2/ 713، و"تفسير السمعاني" 2/ 264، "النكت والعيون" 1/ 270، "تفسير البغوي" 1/ 243، "المحرر الوجيز" 2/ 205 - 206، "زاد المسير" 1/ 228 - 229، "التفسير الكبير" 6/ 9 - 10، وقد ذكر ثمانية أوجه، إذا كان المراد به عطاء الآخرة، وثلاثة إذا حملت الآية على عطاء الدنيا.

"البحر المحيط" 2/ 131.

(٢٤) روى نحوه عن الربيع بن أنس كما في "الدر المنثور" 1/ 435، وهذا اختيار الطبري" 2/ 334، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 713.

(٢٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَلْ بني إِسْرَائِيلَ ﴾ : على وجه التوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم ﴿ مِّنْ آيَةٍ ﴾ معجزات موسى، أو الدلالات على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ ﴾ وعيد ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ كفار قريش سخروا من فقراء المسلمين كبلال وصهيب ﴿ والذين اتقوا ﴾ هم المؤمنون الذين سخر الكفار منهم ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ أي أحسن حالاً منهم، ويحتمل فوقية المكان، لأنّ الجنة في السماء ﴿ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ إِن أراد في الآخرة، ﴿ فَمَن ﴾ كناية عن المؤمنين، والمعنى ردّ على الكفار أي إن رزق الله الكفار في الدنيا، فإن المؤمنين يرزقون في الآخرة، وإن أراد في الدنيا فيحتمل أن يكون ﴿ مِنَ ﴾ كناية عن المؤمنين؛ أي سيرزقهم، ففيه وعد لهم، وان تكون كناية عن الكافرين؛ أي أنّ رزقهم في الدنيا بمشيئة الله، لا على وجه الكرامة لهم ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ إن كان للمؤمنين فيحتمل أن يريد بغير تضييق ومن حيث لا يحتسبون، أو لا يحاسبون عليه، وإن كان للكفار فمن غير تضييق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: يزيد.

وكذلك في آل عمران والنور في موضعين.

الباقون بفتح الياء وضم الكاف ﴿ يقول ﴾ برفع اللام: نافع.

الباقون: بالنصب.

الوقوف: ﴿ بينة ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من الذين آمنوا ﴾ م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره.

ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم.

﴿ متى نصر الله ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات  ﴾ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد.

ثم بين ذلك التهديد بقوله ﴿ فأعلموا أن الله عزيز حكيم  ﴾ ثم ثنى ذلك التهديد بقوله ﴿ هل ينظرون  ﴾ الآية ثم ثلث التهديد بقوله ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ والخطاب للرسول  أو لكل أحد.

وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله  .

والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا.

و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و ﴿ من آية ﴾ مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل.

فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها.

وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم.

والآيات الواضحات إما معجزات موسى  كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة.

ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله  أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد  فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها.

وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله.

وعلى هذا فقوله ﴿ من بعد ما جاءته ﴾ معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ﴿ ثم يحرفونه من بعدما عقلوه  ﴾ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة.

﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له.

والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً.

ثم قال الواحدي.

والعقاب عذاب يعقب الجرم.

ثم إنه  ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: ﴿ زين للذين كفروا ﴾ الآية.

والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي.

عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش.

وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم.

وعن مقاتل: نزلت في المنافقين.

ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين.

ثم المزين من هو؟

فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: أتترك لذة الصهباء نقداً *** بما وعدوك من لبن وخمر؟

قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه  زين ذلك فباطل.

لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله  فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً.

وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم.

وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة.

سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله  يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟

وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر.

وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله  ﴿ أنى يؤفكون  ﴾ ﴿ أنى يصرفون  ﴾ .

ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه.

والتحقيق أن المزين هو الله  كما صرح بذلك في قوله ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء.

أو نقول: المراد من التزيين أنه  أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها.

وقيل: إن الله  زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله  خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار.

وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به.

وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة.

قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح.

أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه  بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر.

ولما أخبر الله  عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة.

ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال  ﴿ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ﴾ أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان.

ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم ﴾ } [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية.

وفي قوله ﴿ والذين اتقوا ﴾ دون أن يقول آمنوا كما قال: ﴿ من الذين آمنوا ﴾ بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها.

﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ بغير تقدير.

وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله  عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل.

أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله  يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب.

ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى ﴿ بغير حساب ﴾ أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله ﴿ يرزقون فيها بغير حساب  ﴾ أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال ﴿ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً.

فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.

أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان.

أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية.

أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.

قوله  ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ الآية.

فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان.

ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله  ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى.

ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله  إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً.

وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق.

ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم.

ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب.

كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً.

فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله  "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه" القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم.

ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها.

ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟

قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح  .

كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.

القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث.

واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟

وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله  بعثه إلى أولاده.

ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.

القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.

القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى  ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً  ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها.

وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ لأهل الكتب.

فيراد بالناس إذن ناس معهودون.

ثم إنه  وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض.

أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء.

والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض.

الصفة الثالثة: قوله ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز.

قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟

وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق.

وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب.

قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله ﴿ ليحكم ﴾ أي الكتاب لأنه أقرب.

ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء.

واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه.

وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله ﴿ وما اختلف فيه ﴾ في الحق ﴿ إلا الذين أوتوه ﴾ أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات.

وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف.

كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف.

وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول.

وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى.

واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله  ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة  ﴾ ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله  إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و ﴿ من الحق ﴾ بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.

واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله  ﴿ ثم يعودون لما قالوا  ﴾ أي إلى ما قالوه ﴿ بإذنه ﴾ قال الزجاج: بعلمه.

وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية.

وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة.

ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال  : ﴿ أم حسبتم ﴾ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله  والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى.

قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده.

وقال القفال  : تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون ﴿ أن تدخلوا الجنة ﴾ من غير سلوك سبيلهم ﴿ ولما يأتكم ﴾ فيه معنى التوقع.

وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر.

عن ابن عباس: لما دخل النبي  المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله  تطييباً لقلوبهم ﴿ أم حسبتم ﴾ وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال  ﴿ وبلغت القلوب الحناجر  ﴾ وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي  إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟

لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل.

والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟

و ﴿ مثل الذين خلوا ﴾ حالهم التي هي مثل في الشدة و ﴿ مستهم ﴾ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟

فقيل: مستهم ﴿ البأساء ﴾ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ﴿ والضراء ﴾ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه ﴿ وزلزلوا ﴾ حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى.

وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد.

ثم إنه  ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: ﴿ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها.

من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار.

ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله  كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم  في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت.

وذكر الله  من قصة إبراهيم  وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب  وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين.

" روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا.

فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" .

وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟

والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله  أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟

حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن.

وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد.

وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب.

فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله  ﴾ والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار.

ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة.

اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.

التأويل: إنه  إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله.

﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق ﴿ وأنزل معهم الكتاب ﴾ الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله  "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" ﴿ وما اختلف ﴾ كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱدْخُلُواْ فِي ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً ﴾ .

﴿ ٱلسِّلْمِ ﴾ ، فيه لغتان: بالكسر والنصب.

فمن قرأ ذلك بالكسر فهو الإسلام.

ومن قرأ ذلك بالنصب فهو الصلح؛ كقوله  : ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا...

 ﴾ إلى آخر الآية.

فإن قيل: كيف أمر بالدخول، وهم فيه؛ لأنه خاطب المؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ...

﴾ ؟

قيل: بوجوه: أحدها: أنه يحتمل قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ بألسنتهم، آمنوا بقلوبكم.

ويحتمل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ ببعض الرسل من نحو عيسى، وموسى، وغيرهم من الأنبياء، آمنوا بمحمد  .

وقيل: أمره إياهم بالدخول أمر بالثبات عليه.

وقيل: إنه  إنما أمرهم [بالدخول] فيه؛ لأن للإيمان حكم التجدد والحدوث في كل وقت، لأنه فعل، والأفعال تنقضي ولا تبقى، كأنه قال: يا أيها الذين آمنوا فيما مضى من الأوقات، آمنوا في حادث الأوقات.

وعلى هذا يخرج تأويل قوله  : ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَٱلْكِتَابِ ٱلَّذِيۤ أَنزَلَ مِن قَبْلُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾ .

قد ذكرنا تأويله فيما تقدم.

وقوله: ﴿ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ .

أي: ملتم وتركتم من بعد ما ظهر لكم الحق.

وقوله: ﴿ فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ أي منتقم بميلكم وترككم الحق بعد الظهور.

ويحتمل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، أي غني عن طاعتكم له وعبادتكم إياه.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، من أن يقهر أو يذل أو يغلب؛ لأن العزيز نقيض الذليل.

وقيل: ﴿ عَزِيزٌ ﴾ ، لا يقدر أن يصل إليه، أو يقهره إلا ذل بنفسه، كما يقال: عزيز لا يرام.

وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ بأمره.

وهو قول الحسن.

وقيل: ﴿ يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، أي أمر الله؛ وهو كقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ ءَايَاتِ رَبِّكَ  ﴾ على إضمار الأمر فيه.

وقيل: قوله: ﴿ فِي ظُلَلٍ ﴾ ، في بمعنى (الباء)، وكأنه قال: يأتيهم الله بظلل من الغمام، وذلك جائز - استعمال (في) مكان (الباء)؛ لأنهما جميعاً من حروف الخفض، والعرب تفعل ذلك ولا تأبى.

والأصل في هذا ونحوه: أن إضافة هذه الأشياء إلى الله - عز وجل - لا توجب حقيقة وجود تلك الأشياء منه على ما يوجد من الأجسام، لما يجوز إضافته إلى ما لا يوجد منه تحقيق ذلك، نحو ما يقال: جاءني أمر فظيع، و ﴿ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ  ﴾ ، وجاء فلان بأمر كذا، وجاءكم رسول.

فذكر المجيء والإتيان لا على تحقيق وجود ذلك منه، فعلى ذلك يخرج ما أضاف الله - عز وجل - إلى نفسه من المجيء والإتيان والاستواء، [ليس على تحقيق المجيء والإتيان والاستواء] منه على ما يكون من الأجسام.

وفي الشاهد أن ملوك الأرض يضيفون إلى أنفسهم ما عمل بأمرهم من غير أن يتولوها بأنفسهم.

وكذلك أضاف جل ذكره أمر القيامة إلى نفسه لفضل ذلك الأمر.

ثم الأصل: أن الإتيان والانتقال والزوال في الشاهد إنما يكون لخلتين: إما لحاجة بدت، فيحتاج إلى الانتقال من حال إلى حال، والزوال من مكان إلى مكان ليقضيها.

أو لسآمة ووحشة تأخذه، فينتقل من مكان إلى مكان لينفي عن نفسه ذلك.

وهذان الوجهان في ذي المكان، والله -  - يتعالى عن المكان، كان ولا مكان فهو على ما كان.

فالله  - يتعالى عن أن تسمه حاجة أو تأخذه سآمة.

فبطل الوصف بالإتيان والمجيء والانتقال من حال إلى حال أو من مكان إلى مكان.

وبالله التوفيق.

وقيل: إن النص قد ورد بالاستواء والمجيء، و[ورد] الخبر بالنزول، والرؤية.

ثم قد ورد السمع بأن ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، لزم نفي التشبيه فيما ورد عن ذاته، ولزم الإقرار بما جاء من عنده من غير طلب الكيفية له والتفسير.

فالسبيل فيه الإيمان بالتنزيل والكف عن التفسير.

والله أعلم.

وفي الشاهد الإتيان في العرض: ظهوره، وفي الجسم: نقله من مكان إلى مكان، وهو - جل ذكره - جل أن يوصف بجسم أو عرض.

كذلك إتيانه لا يشبه إتيان الأجسام والأعراض، ويكون إتيان لا يعرف كيفيته، وكما جاز أن يكون هو مثبتاً بدليل لا يشبهه عرض ولا جسم.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ سَلْ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: أن يكون أمر الله عز وجل نبيه  ، بسؤاله إياهم عما آتاهم من الآيات، على إثر سؤال كان منهم، بطلب الآيات، فقال: سلهم يا محمد كم آتيناهم وأجدادهم من الآيات على يدي موسى، فكفروا به، ولم يؤمنوا.

فأنتم - وإن آتيناكم آيات - لا تؤمنون أيضاً.

يخبر نبيه  أن سؤالهم أن كان سؤال تعنت، لا سؤال قبول وتصديق.

والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون لا على إثر سؤال كان منهم، ولكن على الابتداء أن سل علماء بني إسرائيل [وأئمتهم كم آتيناهم من آية منه فجحدوها وكتموها وهو كقوله: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ  ﴾ ] الآية.

ويحتمل: ﴿ سَلْ ﴾ ، لا على الأمر به في التحقيق، [لكن على التحقيق] والتبيين أنك لو سألتهم لأخبروك.

أو يكون المراد من ذلك في الذين تضيق صدورهم عند الإخبار أنهم لو جاءتهم الآيات التي سألوا عنها لا يؤمنون، ليخبروا بذلك فتطمئن لذلك قلوبهم، فتزول عنها الخطرات وأنواع الوساوس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ ﴾ .

قيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، دين الله، من بدله بعد ظهوره وبيانه.

وقيل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، يعني محمداً  ، أي: من كفر به بعدما علم أنه رسول الله.

ويحتمل: ﴿ نِعْمَةَ ٱللَّهِ ﴾ ، النعم المعروفة التي كان آتاهم من المن، والسلوى، والغمام وغيره مما لم يؤت أحداً من العالمين مثله.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ ﴾ .

خوفهم عز وجل وحذرهم على تبديل ذلك وتركه والكفر بنبيه  بعد معرفتهم أنه حق.

والله أعلم.

ويكون التبديل نعمة الله بتوجيه الشكر إلى غيره، وهو أن يعبد غيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ .

قال الحسن: زين لهم الشيطان ذلك، وكذلك قوله  : ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ  ﴾ .

ولكن معناه - والله أعلم - أي زين لهم [التزيين ثم] التزين يكون بوجهين: يزينه الطبع لقرب الشهوات، والعقل لقيام الأدلة، فيكون التزين بالثواب.

وأما ما زين للذين كفروا الحيوة الدنيا لما ركب فيهم من الشهوات وميل الطبع إليه.

وأما الوجهان الآخران منهما للمؤمنين.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الحجة، يقول الله  : ﴿ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ فَوْقَهُمْ ﴾ ، في الجزاء والثواب.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، بغير تبعة.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، لا على قدر الأعمال، ولكن على قدر الشهوة وزيادة عليها؛ لأن رزق الجنة على ما تنتهي إليه الشهوات، ورزق الدنيا مقدر على قدر الحاجة والقوت؛ إذ لا أحد يبلغ مناه في الدنيا وحاجته، وفي الآخرة كل ينال فوق مناه.

ولأن أكل الشهوة في الدنيا هو المؤذي.

ويحتمل: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، أي من غير أن ينقص ذلك عن ملكه وخزائنه، وإن عظم عطاياه وكثر مناله، ليس كخزائن المخلوقين تنتقص بالدفع وتنفد.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

حُسِّن للذين كفروا بالله الحياة الدنيا وما فيها من مُتَع زائلة، وملذات منقطعة، ويستهزئون بالذين آمنوا بالله واليوم الآخر، والذين اتقوا الله بفعل أوامره وترك نواهيه فوق هؤلاء الكافرين في الآخرة، حيث ينزلهم الله في جنات عدن، والله يعطي من يشاء من خلقه بلا عدّ ولا حساب.

<div class="verse-tafsir" id="91.nExV4"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم أن قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً  ﴾ وجهين: (أحدهما): أن المراد بالذين آمنوا أهل الكتاب.

(وثانيهما): أن المخاطب بها المؤمنون من المسلمين.

وقوله  ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ  ﴾ ظاهر على كلا الوجهين فهو على الأول بيان لحقيقة حالهم، وأن الآيات والنذر لا ترجعهم عن ضلالهم، فإذا استمروا على الجحود والخصام، وأعرضوا عن الدعوة إلى الدخول في الإسلام، فليس ذلك بدعًا منهم، ولا دليلًا على أن الإسلام غير بَيِّن لهم، فكم جاءهم أنبياؤهم بالآيات البينات، وكم بلاهم الله تعالى بالحسنات والسيئات، ولم يغن ذلك عنهم، ولا صدهم عن خلافهم وشقاقهم، بل بدل الذين كفروا منهم قولًا غير الذي قيل لهم، وبدلوا نعمة الله كفرًا، ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ  ﴾ عليه بالآيات الدالة على الحق، والوحدة الداعية إلى الشكر ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ  ﴾ بالبيان، وأبرأت بالبرهان، يجعلها مثارًا للتفرق والاختلاف وجعل الأمة الواحدة شيعًا وأحزابًا ومذاهب وفرقًا بسوء التأويل وعصبيات الرياسة والسياسة ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ  ﴾ لمن تنكب سنته، وخالف شرعته، وهؤلاء المبدلون منهم، فالعقاب الشديد نازل لا محالة بهم، ولم يقل فإن الله يعاقبهم ليشعرنا بأن هذا من سنته العامة، فحذرنا أن نكون من المخالفين المبدلين، توهمًا أن العقاب خاص ببعض الغابرين، كما يلغو كثير من الجاهلين، فأنت ترى أن هذه الجملة في معنى قوله ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء عليهم السلام، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن.

وفي هذه من الهداية أيضًا بيان أمر عظيم يغفل عنه العلماء والأذكياء، وهو أن الآيات والبينات إنما تفيد النفوس الخيرة المستعدة لقبول الحق المتوجهة إلى طلبه، وأما النفوس الخبيثة التي يفضحها الحق ويظهر باطلها الذي تحب ستره، والاسترسال فيما هي فيه من اللذة الحسية والجاه الباطل، فإن الآيات والبينات لا تزيدها إلا مماراة وجدلًا في القول وجحودًا وعنادًا بالفعل، هذه سنة الله تعالى في البشر عامة، لا في بني إسرائيل خاصة كذلك كان وكذلك يكون وسيكون وسوف يكون إلى ما شاء الله.

وأما تفسير الآية على الوجه الآخر المختار في المخاطبين بالدخول في السلم فهو أنها هادية إلى الاعتبار بسنة الله تعالى في الأمم الماضية على ما بينا آنفًا، كأنه يقول يا أيها المؤمنون بمحمد  ، عليكم بالدخول في السلم والاتفاق، والاعتصام بالإسلام في جملته، لا تفرقوه ولا تتفرقوا فيه وتكونوا شيعًا، كيلا يصيبكم ما أصاب أولئك الذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات من قبلكم، وهؤلاء بنو إسرائيل بين أيديكم، وحالهم لا تخفى عليكم، فسلوهم حالهم، واستنطقوا آثارهم، واقرؤوا تاريخهم، تروا أنهم أوتوا نحوًا مما أوتيتم من البينات، وأمروا كما أمرتم بالاتحاد والاجتماع، فتفرقوا إلى مذاهب وشيع، وزلوا عن صراط الله فتفرقت بهم السبل فأخذهم الله بعزته ونفذ فيهم حكم سنته، وزال سلطانهم، ولفظتهم أوطانهم وضربت عليهم الذلة والمسكنة ومزقوا في الأرض كل ممزق.

والآية على كلا الوجهين عبرة للمخاطبين بالقرآن من المؤمنين به لا حكاية تاريخية عن بني إسرائيل.

ولكن هل يعتبر بها المنتسبون إلى القرآن؟

وهل يفهمون منها أن ملكهم الذي يتقلص ظله عن رؤوسهم عامًا بعد عام، وعزهم الذي تتخطفه منهم حوادث الأيام ما بدلهما الله تعالى إلا بعد ما بدلوا نعمته عليهم في قولهم: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا  ﴾ ؟؟

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ  ﴾ كلا إنهم لم يفهموا هذا ولو تغنوا وترنموا بهذه الآيات في كل مأتم وكل موسم، وإن رؤساءهم لا يمقتون أحدًا مقتهم لمن يذكرهم به، وإن أكثر عامتهم تبع لهؤلاء الرؤساء كما كان بنو إسرائيل على عهد نزول القرآن، وإنا لنعلم أن الساكتين منهم على جميع ما مني به المسلمون من البدع والخرافات والفسوق والعصيان، يتفقون مع المدافعين عن الفاسقين والمبتدعين على إيذاء الواعظين الناصحين، باسم المدافعة عن الدين، والسبب في هذا وأمثاله لم يفرط فيه الكتاب المبين، بل هو ما هدانا الله تعالى إليه بقوله: ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا  ﴾ هذا بيان معلل لما قبله من الوعيد لمن يبدل نعمة الله كفرًا، ولا سيما نعمة الله تعالى في هداية الملة إلى وحدة الأمة، فالكفر فيها هو كفر النعمة لا إنكار وجود الله تعالى ولا الشرك به كما زعم (الجلال) وغيره، وسببه الافتتان بزينة الحياة الدنيا الزائلة وإيثارها على حياة الآخرة الباقية، والمقام مقام الأمر بالاتفاق في الدين والأخذ بجميع أحكامه وشرائعه والنهي عن التفرق فيها، والمسلمون هم المخاطبون بالوعيد على التفرق واتباع خطوات الشيطان على رأيه وتفسيره وهو المختار.

فبعد أن أمرنا تعالى ونهانا وتوعد من يزل عن سبيله منا بعد ما جاءنا من البينات، ذكرنا بحال من سبقنا من أهل الكتاب الذين نزل بهم عذاب التفرق والخلاف في الدنيا ولم يمنعه عنهم أنهم أهل الكتاب وأنهم منتمون إلى نبي مرسل وعندهم شريعة إلهية، وذلك أنهم لم يجتمعوا على الكتاب لاختلاف أئمتهم وأحبارهم في التأويل والتأليف، وكان كل فريق منهم يعتذر عن تركه العمل بالتوراة بأنه متبع لبعض الأحبار الذين هم أعلم منه بها.

بعد هذا كله يسأل سائل كيف يختلف الناس في دينهم ويتفرقون شيعًا بعد مجيء البيانات المانعة من ذلك؟

فهذه الآية جواب لهذا السؤال، وحل لما فيه من الإشكال، ملخصه أن حب الدنيا والغرور بزينتها، يصرفان جميع قوى النفس إلى التفاني في طلبها، وبذلك تنصرف عن النظر الصحيح في آيات الحق وبيناته: أما الرؤساء فإنهم ينصرفون إلى حب الامتياز والشهرة والاستعلاء على الأقران، ولا يكون ذلك إلا بالخلاف، وانتصار كل رئيس لمذهب والذب عنه بالجدل والتأويل، وأما المرؤوسون فإن كل فريق منهم ينتمي إلى رئيس يعتز به ويقلده دينه، ولا يستمع قولًا لمخالفه، ويربط كلًا منهما بالآخر الاشتراك في المصالح الدنيوية، فحب الدنيا هو علة العلل ورأس كل خطيئة.

وقد تقدم شرح ارتباط الرؤساء بالمرؤوسين في تفسير ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا  ﴾ الآيات.

وما ذكرناه هنا قاض بأن يختص الذين كفروا بمن أوتوا كتابًا وجاءتهم بينات تجمع كلمتهم وتحقق وحدتهم، ففصموا بالخلاف عروتها، ومزقوا بالتفرق نسيج وحدتها، وذلك كفر بهذه النعمة، وتبديل لها بالنقمة، ويدلك على أن الكلام لا يزال في مسالة الخلاف والوفاق في الدين الآية التالية لهذه فإنها مبنية لأصل الخلاف في الدين، منذ بعث الله النبيين.

جملة ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ إلخ في معنى قوله تعالى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  ﴾ ابتلاهم فغرت أقوامًا زينتها، وفتنتهم بهجتها، فانصرفت همتهم إلى الاستمتاع بلذاتها، وانحصرت أفكارهم في استنباط الوسائل لشهواتها، ومسابقة طلاب المال والجاه عند أربابها، ومزاحمة الطارقين لأبوابها، فلم يبق فيها سعة لطلب شيء آخر وإن لم يكن معارضًا لهم فيما يرغبون، وحائلًا بينهم وبين ما يشتهون، فما بالك بطلب الحق، والتطلع إلى حياة بعد هذه الحياة، والحق ينعي عليهم إسرافهم في أمرهم، ويطالبهم بحقوق عليهم لغيرهم، والتطلع إلى حياة أخرى يزعزع من سكونهم إلى لهوهم، ويغض شيئًا من تعاليهم في زهوهم، بل يكدر عليهم بعض صفوفهم، ويقف بهم دون شأوهم، ومن لم يطلب الحق من طريقه بإخلاص وإنصاف لا يجده ولا يتفق مع أهله، وأنى للمفتونين بالزينة الإخلاص والإنصاف؟.

والمراد بالذين كفروا هنا من لا يؤمنون بالحقوق المشروعة لله وللناس إيمان إذعان وانقياد، بل يؤثرون الحياة الدنيا على ما عند الله تعالى من النعيم المقيم، لا المشركون أو الكافرون في عرف بعض الناس كالذين لا يسمون مسلمين، كما أن القرآن لا يعني بالمؤمنين الناجين طائفة يسمون أنفسهم أو يصفونها بالإيمان أو الإسلام، وإنما يعني بهم أولئك الموقنين بما عند الله، الذين يؤثرون الحق على كل ما يعارضه من شهواتهم ولذاتهم، وإذا عثر أحدهم فعمل السوء بجهالة يتوب من قريب.

وانظر سائر ما عرف الله تعالى به المؤمنين والكافرين من النعوت والأوصاف يظهر لك هذا.

وأظهر أوصاف الكافر أن تكون زينة الدنيا أكبر همه يؤثرها على كل شيء حتى إن أمر الدين لا يزحزحه عن شيء يقدر عليه من هذه الزينة ومتاعها بلا معارض من الدنيا، كحاكم يزع، أو إهانة تتوقع، لأنه لا يقين له في الآخرة.

فإن كان منتسبًا إلى دين فما دينه إلا تقاليد وعادات، وخواطر تتنازعها الشبهات، وتتجاذبها الشكوك والتأويلات، ومنهم من يسلم تقليدًا بأن هنالك آخرة فيها نعيم خاص بأهل ملته، وإن كانوا على ما وصف الله الكافرين، وضد ما نعت المؤمنين، كما كان اليهود في زمن التنزيل وقد أطلق القرآن عليهم اسم الإيمان في مواضع منها الآية السابقة قريبًا على قول بعض المفسرين وفي غيرها أيضًا كقوله في أهل الكتاب عامة من آخر سورة الحديد ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ  ﴾ إلخ وأطلق عليهم اسم الكفر في مواضع كثيرة.

وذلك أن للإيمان -كما ذكرنا قبل- إطلاقين فيطلق على المؤمن الموقن المذعن للعمل والاتباع، ويطلق على من يصدق تقليدًا بأن للعالم إلهًا أرسل رسلًا وينتسب إلى بعضهم وإن لم يكن على يقين في إيمانه، وبصيرة في دينه، وحسن اتباع لنبيه، بل هو على خلاف ذلك كما تقدم، وهؤلاء قد يكونون في عرف القرآن كافرين وذكر من علامتهم الافتتان بزينة الحياة الدنيا فهم يعدون الكياسة الانغماس في نعيمها ويرون الفضل في الاستكثار من فضولها ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ إيمانًا حقيقيًا يحمل على العمل، يسخرون من فقرائهم لأنهم محرومون من زينتهم وإن كانوا راضين من الله مغبوطين بما منحهم من الإيمان والرجاء بالآخرة، ومن أغنيائهم لأنهم لا يتنوقونفي النعيم، بل يرون الكياسة في الاستعداد لما بعد الموت بترقية النفس بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبينات والتحلي بالفضائل وأحاسن الأخلاق، ويعدون الفضل في القيام بحقوق الناس وخدمة الأمة، والإفاضة من فضل المال على العاجزين والبائسين.

وكلما أنفقوا في سبيل الله درهمًا، عده أولئك المستهزئون مغرمًا.

قال تعالى ردًا على هؤلاء الساخرين يرون أنهم، في زينتهم ولذاتهم، خير من أهل اليقين في نزاهتهم وتُقَاتهم ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ﴾ فإذا استعلى بعضهم على بعض المؤمنين طائفة من الزمن في هذه الحياة القصيرة الفانية، مما يكون لهم من الاتباع والأنصار والمال والسلطان، فإن المؤمنين المتقين يكونون أعلى منهم مقامًا يوم القيامة في تلك الحياة العلية الأبدية، ولم يقل: والذين آمنوا فوقهم.

لأن هؤلاء المفتونين بزينة الحياة الدنيا يدعون الإيمان، لأنهم ولدوا ونشأوا بين قوم يدعون بأهل الإيمان وأهل الكتاب، فالله يرشدنا إلى أنه لا اعتداد بالإيمان في الآخرة إلا إذا صحبته التقوى، وكانت أثرًا له في النفس والعمل الصالح ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا  ﴾ ، ﴿ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ ، ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا  ﴾ ، والآيات في هذا كثيرة جدًا ولكن الذين يزعمون أن النجاة في الآخرة والدرجات العلى فيها تحصل بمجرد اللقب والجنسية، أو بعض التقاليد التي لا أثر لها في النفس، لا يلتفتون إلى مثلها، وإذا قيل لعظمائهم فيها، واحتج عليهم بها، طفقوا يحرفون ويؤولون، ويدعون أنها نزلت في الكافرين وهم مسلمون.

أو يقولون هكذا قال شيوخنا وإنما نحن مقلدون.

وهؤلاء الداعون إلى الكتاب ضالون مضلون، لأنهم يدعون لاجتهاد في الدين.

وقد أقفل علماؤنا بابه منذ مئين من السنين.

ذكر تعالى ما يمتاز به المؤمن المتقي على الكافر بتبديل النعمة وتفريق الكلمة، وهو العلو في دار الكرامة، ثم أخبرنا أن رزق الدنيا ونعيمها ليس خاصًا فيها بتقي ولا شقي بل هو مبذول لكل أحد وأنه قد يأتي من حيث لا يظن المرء ولا يحتسب فقال ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ الحساب التقدير أي من غير تقدير له على حسب الإيمان والتقوى والكفر والفجور.

وفيه وجه آخر وهو أنه كناية عن السعة وعدم التقتير والتضييق كقولهم: ينفق فلان بغير حساب.

أي ينفق كثيرًا.

والمعنى أنه بذل العطاء في الدنيا لكل أحد بخلق الأرزاق وإقدار الناس على الكسب: وقيل إن المعنى بغير حساب عليه من أحد، فهو الذي خلق ورزق وهو الذي قدر فهدى من غير محاسبة أحد ولا مراجعته، وقد بسط معنى هذا الكلام في آيات أخرى قال تعالى في سورة الإسراء ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا  وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا  كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا  انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا  ﴾ .

فأنت ترى أنه لم يشترط السعي لرزق الدنيا لأنه قد يأتي بلا سعي كإرث وهبة ووصية وكنز، أو ارتفاع لأثمان ما يملك من عقار وعروض بأسباب عامة.

واشترط للآخرة السعي مع الإيمان كما خصها هنا بالذين اتقوا من المؤمنين لأن الكلام فيهم.

ثم ذكر أن عطاءه واسع مبذول لكل أحد ليس فيه حظر من الله تعالى فللمشمر تشميره، وعلى المقصر تقصيره، وفي الحساب هنا وجه آخر وهو الاحتساب والتقدير من جانب العبد فيكون بمعنى قوله تعالى في سورة الطلاق ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ  ﴾ .

إن الرزق بغير حساب ولا سعي في الدنيا إنما بالنسبة إلى الأفراد فإنك ترى كثيرًا من الأبرار وكثيرًا من الفجار أغنياء وموسرين متمتعين بسعة الرزق، وكثيرًا من الفريقين فقراء معسرين، والمتقي يكون دائمًا أحسن حالًا وأكثر احتمالًا ومحلًا لعناية الله تعالى به فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر، فهو يجد بالتقوى مخرجًا من كل ضيق، ويجد من عناية الله رزقًا غير محتسب وأما الأمم فأمرها على غير هذا، فإن الأمة التي ترونها فقيرة ذليلة معدمة مهينة لا يمكن أن تكون متقية لأسباب نقم الله وسخطه بالجري على سنته الحكيمة وشريعته العادلة، ولم يكن من سنة الله تعالى أن يرزق الأمة العزة والثروة والقوة والسلطة من حيث لا تحتسب ولا تقدر، ولا تعمل ولا تدبر، بل يعطيها بعملها، ويسلبها بزللها.

ولذلك أمرنا تعالى بالدخول في السلم كافة، ومنحنا على ذلك البينات الكافية.

وضرب لنا الأمثال.

وتوعدنا بالوعيد بعد الوعيد.

ثم بيّن لنا منشأ الاختلاف في البشر لنكون على بصيرة فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله