الآية ٢١٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢١٣ من سورة البقرة

كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةًۭ وَٰحِدَةًۭ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ ۚ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًۢا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِمَا ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِۦ ۗ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍ ٢١٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 218 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢١٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢١٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو داود ، أخبرنا همام ، عن قتادة ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون ، كلهم على شريعة من الحق .

فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .

قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله : " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا " .

ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث بندار عن محمد بن بشار .

ثم قال : صحيح ولم يخرجاه .

وكذا روى أبو جعفر الرازي ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب : أنه كان يقرؤها : " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( كان الناس أمة واحدة ) قال : كانوا على الهدى جميعا ، " فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين " فكان أول نبي بعث نوحا .

وهكذا قال مجاهد ، كما قال ابن عباس أولا .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( كان الناس أمة واحدة ) يقول : كانوا كفارا ، ( فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ) والقول الأول عن ابن عباس أصح سندا ومعنى ; لأن الناس كانوا على ملة آدم ، عليه السلام ، حتى عبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم نوحا ، عليه السلام ، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض .

ولهذا قال : ( وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ) أي : من بعد ما قامت عليهم الحجج وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض ، ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) وقال عبد الرزاق : حدثنا معمر ، عن سليمان الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة في قوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " نحن الآخرون الأولون يوم القيامة ، نحن أول الناس دخولا الجنة ، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم ، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق ، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه ، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع ، فغدا لليهود ، وبعد غد للنصارى " .

ثم رواه عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .

وقال ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه في قوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) فاختلفوا في يوم الجمعة ، فاتخذ اليهود يوم السبت ، والنصارى يوم الأحد .

فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة .

واختلفوا في القبلة ; فاستقبلت النصارى المشرق ، واليهود بيت المقدس ، فهدى الله أمة محمد للقبلة .

واختلفوا في الصلاة ; فمنهم من يركع ولا يسجد ، ومنهم من يسجد ولا يركع ، ومنهم من يصلي وهو يتكلم ، ومنهم من يصلي وهو يمشي ، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك .

واختلفوا في الصيام ، فمنهم من يصوم بعض النهار ، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام ، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك .

واختلفوا في إبراهيم ، عليه السلام ، فقالت اليهود : كان يهوديا ، وقالت النصارى : كان نصرانيا ، وجعله الله حنيفا مسلما ، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك .

واختلفوا في عيسى ، عليه السلام ، فكذبت به اليهود ، وقالوا لأمه بهتانا عظيما ، وجعلته النصارى إلها وولدا ، وجعله الله روحه ، وكلمته ، فهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك .

وقال الربيع بن أنس في قوله : ( فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ) أي : عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف ، أقاموا على الإخلاص لله عز وجل وحده ، وعبادته لا شريك له ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف ، واعتزلوا الاختلاف ، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهودا على قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم صالح ، وقوم شعيب ، وآل فرعون ، أن رسلهم قد بلغوهم ، وأنهم قد كذبوا رسلهم .

وفي قراءة أبي بن كعب : " وليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " ، وكان أبو العالية يقول : في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن .

وقوله : ( بإذنه ) أي : بعلمه ، بما هداهم له .

قاله ابن جرير : ( والله يهدي من يشاء ) أي : من خلقه ( إلى صراط مستقيم ) أي : وله الحكم والحجة البالغة .

وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصلي يقول : " اللهم ، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ، فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك ، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .

وفي الدعاء المأثور : اللهم ، أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه ، ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل ، واجعلنا للمتقين إماما .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْـزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في معنى " الأمة ": في هذا الموضع، (5) وفي" الناس " الذين وصفهم الله بأنهم: كانوا أمة واحدة.

فقال بعضهم: هم الذين كانوا بين آدم ونوح، وهم عشرة قرون، كلهم كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك.

* ذكر من قال ذلك: 4048 - حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا همام بن منبه، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله " كان الناس أمةً واحدةً فاختلفوا ".

(6) &; 4-276 &; 4049 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " كان الناس أمة واحدة "، قال: كانوا على الهدى جميعًا، فاختلفوا ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فكان أوَّلَ نبي بُعث نوحٌ.

* * * قال أبو جعفر: فتأويل " الأمة " على هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس " الدين "، كما قال النابغة الذبياني: حَــلَفْتُ فَلَـمْ أَتْـرُكْ لِنَفْسِـكَ رِيبَـةً وَهَـلْ يَـأثَمَنْ ذُو أُمَّـةٍ وَهْـوَ طَائِعُ? (7) يعني ذا الدين.

* * * فكان تأويل الآية على معنى قول هؤلاء: كان الناس أمَّة مجتمعة على ملة واحدة ودين واحد فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

* * * وأصل " الأمة "، الجماعة تجتمع على دين واحد، ثم يُكتفى بالخبر عن " الأمة " من الخبر عن " الدين "، لدلالتها عليه، كما قال جل ثناؤه: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [ سورة المائدة:48 سورة النحل: 93]، يراد به أهل دين واحد وملة واحدة.

فوجه ابن عباس في تأويله قوله: " كان الناس أمة واحدة "، إلى أن الناس كانوا أهل دين واحد حتى اختلفوا.

* * * وقال آخرون: بل تأويل ذلك كان آدم على الحقّ إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين في ولده.

ووجهوا معنى " الأمة " إلى الطاعة لله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من قول الله عز وجل إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا [سورة النحل: 120]، يعني بقوله " أمة "، إمامًا في الخير يُقتدى به، ويُتَّبع عليه.

* ذكر من قال ذلك: &; 4-277 &; 4050 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " كان الناس أمة واحدة "، قال: آدم.

4051 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.

4052 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: " كان الناس أمة واحدة "، قال: آدم، قال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال مجاهد: آدم أمة وحدَه، (8) * * * وكأنّ من قال هذا القول، استجاز بتسمية الواحد باسم الجماعة لاجتماع أخلاق الخير الذي يكون في الجماعة المفرَّقة فيمن سماه بـ " الأمة "، كما يقال: " فلان أمة وحده "، يقول مقام الأمة.

وقد يجوز أن يكون سماه بذلك لأنه سبب لاجتماع الأسباب من الناس على ما دعاهم إليه من أخلاق الخير، (9) فلما كان آدم صلى الله عليه وسلم سببًا لاجتماع من اجتمع على دينه من ولده إلى حال اختلافهم (10) سماه بذلك " أمة ".

* * * وقال آخرون: معنى ذلك كان الناس أمة واحدة على دين واحد يوم استخرَج ذرية آدمَ من صلبه، فعرضهم على آدم.

* ذكر من قال ذلك: 4053 - حدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع &; 4-278 &; قوله: " كان الناس أمة واحدة "- وعن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب، قال: كانوا أمة واحدة حيث عُرضوا على آدم، ففطَرهم يومئذ على الإسلام، وأقرُّوا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم= فكان أبيّ يقرأ: " كان الناسُ أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين " إلى " فيما اختلفوا فيه ".

وإن الله إنما بعث الرسل وأنـزل الكتب عند الاختلاف.

4054 - حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " كان الناس أمة واحدة "، قال: حين أخرجهم من ظهر آدم لم يكونوا أمة واحدة قطُّ غيرَ ذلك اليوم=" فبعث الله النبيين "، قال: هذا حين تفرقت الأمم.

* * * وتأويل الآية على هذا القول نظيرُ تأويل قول من قال يقول ابن عباس: إن الناس كانوا على دين واحد فيما بين آدمَ ونوح- وقد بينا معناه هنالك; إلا أن الوقت الذي كان فيه الناس أمة واحدة مخالفٌ الوقتَ الذي وقَّته ابن عباس.

* * * وقال آخرون بخلاف ذلك كله في ذلك، وقالوا: إنما معنى قوله: " كان الناس أمة واحدة "، على دين واحد، فبعث الله النبيين.

* ذكر من قال ذلك: 4055 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " كان الناس أمة واحدة "، يقول: كان دينًا واحدًا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب أن يقال إن الله عز وجل أخبر عباده أن الناس كانوا أمة واحدة على دين واحد وملة واحدة.

كما:- &; 4-279 &; 4056 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " كان الناس أمة واحدة "، يقول: دينًا واحدًا على دين آدم، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين.

* * * = وكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحق، كما قال أبي بن كعب، كما:- 4057 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي، قال: هي في قراءة ابن مسعود: " اختلفوا عنه " عن الإسلام.

(11) * * * = فاختلفوا في دينهم، (12) فبعث الله عند اختلافهم في دينهم النبيين مبشرين ومنذرين،" وأنـزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه "، رحمة منه جل ذكره بخلقه واعتذارًا منه إليهم.

وقد يجوز أن يكون ذلك الوقت الذي كانوا فيه أمة واحدة من عهد آدم إلى عهد نوح عليهما السلام، كما روي عكرمة، عن ابن عباس، وكما قاله قتادة.

وجائزٌ أن يكون كان ذلك حين عَرض على آدم خلقه.

وجائزٌ أن يكون كان ذلك في وقت غير ذلك- ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر يثبت به الحجة على أيِّ هذه الأوقات كان ذلك.

فغيرُ جائز أن نقول فيه إلا ما قال الله عز وجل: من أن الناس كانوا أمة واحدة، فبعث الله فيهم لما اختلفوا الأنبياءَ والرسل.

ولا يضرُّنا &; 4-280 &; الجهل بوقت ذلك، كما لا ينفعُنَا العلمُ به، إذا لم يكن العلم به لله طاعةً، (13) غير أنه أي ذلك كان، فإن دليلَ القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به.

وذلك أن الله جل وعز قال في السورة التي يذكر فيها " يونس ": وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ [يونس: 19].

فتوعَّد جل ذكره على الاختلاف لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعُهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثم كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك.

* * * قال أبو جعفر: وأما قوله: " فبعثَ الله النبيين مبشرين ومنذرين "، فإنه يعني أنه أرسل رسلا يبشرون من أطاع الله بجزيل الثواب، وكريم المآب= ويعني بقوله: " ومنذرين "، ينذرون من عصى الله فكفر به، بشدّة العقاب، وسوء الحساب والخلود في النار=" وأنـزل معهم الكتابَ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه "، يعني بذلك: ليحكم الكتاب- وهو التوراة- بين الناس فيما اختلف المختلفون فيه.

فأضاف جل ثناؤه " الحكم " إلى " الكتاب "، وأنه الذي يحكم بين الناس دون النبيين والمرسلين، إذْ كان مَنْ حَكم من النبيين والمرسلين بحُكم، إنما يحكم بما دلَّهم عليه الكتاب الذي أنـزل الله عز وجل، فكان الكتاب بدلالته على ما دلَّ وصفه على صحته من الحكم، حاكمًا بين الناس، وإن كان الذي يفصل القضاء بينهم غيرُه.

* * * &; 4-281 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " وما اختلف فيه "، وما اختلف في الكتاب الذي أنـزله وهو التوراة=" إلا الذين أوتوه "، يعني، بذلك اليهودَ من بني إسرائيل، وهم الذين أوتوا التوراة والعلم بها= و " الهاء " في قوله: " أوتوه " عائدة على " الكتاب " الذي أنـزله الله=" من بعد ما جاءتهم البينات "، يعني بذلك: من بعد ما جاءتهم حجج الله وأدلته أنّ الكتابَ الذي اختلفوا فيه وفي أحكامه عند الله، وأنه الحق الذي لا يسعهم الاختلاف فيه، ولا العمل بخلاف ما فيه.

فأخبر عز ذكره عن اليهود من بني إسرائيل أنهم خالفوا الكتابَ التوراةَ، واختلفوا فيه على علم منهم، ما يأتون متعمِّدين الخلاف على الله فيما خالفوه فيه من أمره وحكم كتابه.

ثم أخبر جل ذكره أن تعمُّدهم الخطيئة التي أتوها، (14) وركوبهم المعصية التي ركبوها من خلافهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينهم.

* * * و " البغي" مصدر من قول القائل: " بغى فلانٌ على فلان بغيًا "، إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حدّه، ومن ذلك قيل للجرح إذا أمدّ، وللبحر إذا كثر ماؤه ففاض، وللسحاب إذا وقع بأرض فأخصبت: " بَغَى " كل ذلك بمعنى واحد، وهي زيادته وتجاوز حده.

(15) * * * فمعنى قوله جل ثناؤه: " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم "، من ذلك.

يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنـزلته مع نبييِّ عن جهل منهم به، بل كان &; 4-282 &; اختلافهم فيه، وخلافُ حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، بغيًا بينهم، طلبَ الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالا من بعضم لبعض.

كما:- 4058 - حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قال: ثم رجع إلى بني إسرائيل في قوله: " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه " يقول: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلم=" من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم "، يقول: بغيًا على الدنيا وطلبَ ملكها وزخرفها وزينتها، أيُّهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضُهم على بعض، وضرب بعضُهم رقاب بعض.

* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل العربية في" مِنْ" التي في قوله: " من بعد ما جاءتهم البينات " ما حكمها ومعناها؟

وما المعنى المنتسق في قوله: " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيًا بينهم " ؟

فقال بعضهم: " من "، ذلك للذين أوتوا الكتاب، وما بعده صلة له.

غيرَ أنه زعم أن معنى الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، بغيًا بينهم، من بعد ما جاءتهم البينات.

وقد أنكر ذلك بعضهم فقال: لا معنى لما قال هذا القائل، ولا لتقديم " البغي" قبل " من "، لأن " من " إذا كان الجالب لها " البغي"، فخطأ أن تتقدمه لأن " البغي" مصدر، ولا تتقدم صلة المصدر عليه.

وزعم المنكر ذلك أن " الذين " مستثنى، وأنّ" من بعد ما جاءتهم البينات " مستثنى باستثناء آخر، وأن تأويل الكلام: وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه، ما اختلفوا فيه إلا بغيًا ما اختلفوا إلا من بعد ما جاءتهم البينات = فكأنه كرر الكلام توكيدًا.

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول الثاني أشبه بتأويل الآية، لأن القوم لم يختلفوا إلا من بعد قيام الحجة عليهم ومجيء البينات من عند الله، وكذلك لم يختلفوا إلا بغيًا، فذلك أشبه بتأويل الآية.

* * * &; 4-283 &; القول في تأويل قوله تعالى : فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: " فهدى الله "، فوفق[الله] الذي آمنوا (16) وهم أهل الإيمان بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم المصدّقين به وبما جاء به أنه من عند الله لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه.

وكان اختلافهم الذي خذلهم الله فيه، وهدى له الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم فوفقتهم لإصابته: " الجمُعة "، ضلوا عنها وقد فُرضت عليهم كالذي فُرض علينا، فجعلوها " السبت "، فقال صلى الله عليه وسلم: " نحن الآخِرون السابقون ، بيدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم، وهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له فلليهود غدًا وللنصارى بعد غد ".

4059 - حدثنا بذلك محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عياض بن دينار الليثي، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم.

فذكر الحديث.

(17) 4060- حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة: " فهدى الله الذين آمنوا لما &; 4-284 &; اختلفوا فيه من الحق بإذنه "، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون الآولون يوم القيامة، نحن أوّل الناس دخولا الجنة بيد أنهم أوتوا الكتابَ من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه فهذا اليوم الذي هدانا الله له والناس لنا فيه تبع، غدًا لليهود، وبعد غد للنصارى.

(18) * * * * وكان مما اختلفوا فيه أيضًا ما قال ابن زيد، وهو ما:- 4061 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " فهدى الله الذين آمنوا " للإسلام، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس، فهدانا للقبلة.

واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعضَ يوم، وبعضهم بعض ليلة، وهدانا الله له.

واختلفوا في يوم الجمعة، فأخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له.

واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود كان يهوديًا، وقالت النصارى كان نصرانيًا‍!

فبرأه الله من ذلك، وجعله حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين للذين يدَّعونه من أهل الشرك.

(19) واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لِفِرْية، وجعلته النصارى ربًا، فهدانا الله للحق فيه.

فهذا الذي قال جل ثناؤه: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ".

* * * قال أبو جعفر: (20) فكانت هداية الله جل ثناؤه الذين آمنوا بمحمد، وبما &; 4-285 &; جاء به لما اختلف -هؤلاء الأحزاب من بنى إسرائيل الذين أوتوا الكتاب- فيه من الحق بإذنه أنْ وفقهم لإصابة ما كان عليه من الحق مَنْ كان قبل المختلفين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية، إذ كانوا أمة واحدة، وذلك هو دين إبراهيم الحنيف المسلم خليل الرحمن، فصاروا بذلك أمة وَسطًا، كما وصفهم به ربهم ليكونوا شهداء على الناس.

كما:- 4062- حدثت عن عمار بن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه عن الربيع: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه "، فهداهم الله عند الاختلاف، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف: أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، كانوا شهداء على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أن رسلهم قد بلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلهم.

وهي في قراءة أبي بن كعب: ( وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) يوم القيامة ( وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ).

فكان أبو العالية يقول في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.

4063 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه "، يقول: اختلف الكفار فيه، فهدى الله الذي آمنوا للحق من ذلك; وهي في قراءة ابن مسعود: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا عنه "، عن الإسلام.

(21) * * * &; 4-286 &; قال أبو جعفر: وأمّا قوله: " بإذنه "، فإنه يعني جل ثناؤه بعلمه بما هداهم له، وقد بينا معنى " الإذن " إذْ كان بمعنى العلم في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته ههنا.

(22) * * * وأما قوله: " والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم "، فإنه يعني به: والله يسدّد من يشاء من خلقه ويُرشده إلى الطريق القويم على الحق الذي لا اعوجاج فيه، كما هدى الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لما اختلف الذين أوتوا الكتاب فيه بغيًا بينهم، فسددهم لإصابة الحق والصواب فيه.

* * * قال أبو جعفر: وفي هذه الآية البيان الواضح على صحة ما قاله أهل الحقّ: من أن كل نعمة على العباد في دينهم آو دنياهم، فمن الله جل وعز.

* * * فإن قال لنا قائل: وما معنى قوله: " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه " ؟

أهداهم للحق، أم هداهم للاختلاف ؟

فإن كان هداهم للاختلاف فإنما أضلهم!

وإن كان هداهم للحق، فيكف قيل،" فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه " ؟

قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي ذهبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى الله الذين آمنوا للحقّ فيما اختلف فيه من كتاب الله الذين أوتوه، فكفر بتبديله بعضُهم، وثبت على الحق والصواب فيه بعضهم- وهم أهل التوراة الذين بدّلوها- فهدى الله مما للحقّ بدَّلوا وحرَّفوا، الذين آمنوا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

* * * قال أبو جعفر: فإن أشكل ما قلنا على ذي غفلة، فقال وكيف يجوز أن يكون ذلك كما قلت، و " مِنْ" إنما هي في كتاب الله في" الحق " و " اللام " في قوله: " لما اختلفوا فيه "، وأنت تحول " اللام " في" الحق "، و " من " في" الاختلاف "، في التأويل الذي تتأوله فتجعله مقلوبًا ؟

&; 4-287 &; قيل: ذلك في كلام العرب موجودٌ مستفيضٌ، والله تبارك وتعالى إنما خاطبَهم بمنطقهم، فمن ذلك قول الشاعر: (23) كَــانَتْ فَرِيضَـةُ مَـا تَقُـول كمـا كَــانَ الزِّنَــاءُ فَريضَــةَ الرَّجْـمِ (24) وإنما الرجم فريضة الزنا.

وكما قال الآخر: إنّ سِـــرَاجًا لَكَـــرِيمٌ مَفْخَــرُهْ تَحْــلَى بـه العَيْـنُ إذَا مَـا تَجْـهَرُهْ (25) وإنما سراجٌ الذي يحلى بالعين، لا العين بسراج.

* * * وقد قال بعضهم: إن معنى قوله " فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق "، أن أهلَ الكتب الأوَل اختلفوا، فكفر بعضهم بكتاب بعض، وهي كلها من عند الله، فهدى الله أهلَ الإيمان بمحمد للتصديق بجميعها.

وذلك قولٌ، غير أن الأوّل أصح القولين.

لأن الله إنما أخبر باختلافهم في كتاب واحد.

------------------- الهوامش : (5) انظر معنى (الأمة) فيما سلف 1 : 221/ ثم 3 : 74ن 100 ، 128ن 141 .

(6) الأثر : 4048 -رواه الحاكم في المستدرك 2 : 546- 547 وقال : "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي .

(7) ديوانه : 40 ، واللسان (أمم) من قصيدته المشهورة في اعتذاره للنعمان .

يقول : أيتهجم على الإثم ذو دين ، وقد أطاع الله واخبت له ، فيحلف لك كاذبا يمين غموس كالتي حلفت بها ، لأنفي عن قلبك الريبة في أمري .

(8) في المطبوعة : "أمة واحدة" في الموضعين وهو خطأ والصواب ما أثبت .

وذلك ما جاء في حديث قس بن ساعدة : "إنه يبعث يوم القيامة أمة وحده" ويقال أيضًا : "هو أمة على حدة" كالذي في الحديث : "يبعث يوم القيامة زيد بن عمرو بن نفيل أمه على حدة" .

(9) في لمطبوعة : "سبب لاجتماع الأسباب من الناس" وهو تصحيف .

والأشتات المتفرقون ، ومثله : شتى .

(10) قوله : "إلى حال اختلافهم" أي : إلى ان صارت حالهم إلى الاختلاف والتفرق .

(11) الأثر : 4057 - سيأتي هذا الأثر برقم : 4063 وكان نصه هنا كنصه هناك ولكنه تصحيف نساخ فيما أظن ، كما سيأتي .

كان في المطبوعة"اختلفوا فيه - على الإسلام" .

(12) في المطبوعة : "واختلفوا في دينهم" بالواو والصواب بالفاء وهو من كلام الطبري ، لا من الأثر وهو من سياق قوله قبل : "وكان الدين الذي كانوا عليه دين الحق .

.

.

فاختلفوا .

.

" (13) هذه حجة رجل تقي ورع عاقل .

بصير بمواضع الزلل في العقول وبمواطن الجرأة على الحق من أهل الجرأة الذين يتهجمون على العلم بغيًا بالعلم .

ولو عقل الناس لأمسكوا فضل ألسنتهم ولكنهم قلما يفعلون .

(14) في المطبوعة : "تعمدهم الخطيئة التي أنزلها" ، وهو تصحيف وكلام بلا معنى .

(15) انظر معنى"البغي" فيما سلف 1 : 342 .

(16) انظر معنى"هدى" فيما سلف 1 : 166- 170 ، 230 ، 249 ، 549- 551 ، وانظر فهارس اللغة في الأجزاء السالفة ، في معنى هذه الكلمة وفي معنى"الإيمان" .

(17) الحديث : 4059 - محمد بن حميد الرازي شيخ الطبري : معروف مضت الرواية عنه كثيرا .

ووقع في المطبوعة هنا"أحمد بن حميد" وهو غلط وتحريف .

عياض بن دينار الليثي : تابعي ثقة سمع من أبي هريرة .

وقد وثقه ابن إسحاق في حديث آخر .

رواه عنه في المسند : 7481 وترجمه البخاري في الكبير 4/1/22 وذكره ابن حبان في ثقات التابعين ص : 299 (من كتاب الثقات المخطوط المصور) .

وهذا حديث صحيح معروف مشهورن من حديث أبي هريرةن ثبت عنه من غير وجه .

ونظر الحديث الذي عقبه .

(18) الحديث : 4060 -هو في تفسير عبد الرزاق ص 23ن بهذا الإسناد وكذلك رواه أحمد في المسند : 7692ن عن عبد الرزاق .

* ورواه الشيخان وغيرهما .

فانظر المسند أيضًا : 7213 ، 7308 ، 7393 ، 7395 ، 7693 ، وما أشرنا إليه هناك من التخريج في مواضع متعددة .

(19) في المطبوعة : "الذين يدعونه" والصواب ما أثبت .

(20) في المطبوعة : قال : فكانت هداية الله جل ثناؤه .

.

.

" يتوهم القارئ أن هذا الآتي إنما هو من الأثر السالف وليس ذلك كذلكن بل هو من كلام أبي جعفر ، كما يدل عليه سياقه الآتي ، وكما يتبين من رواية هذا الأثر السالف في تفسير ابن كثير 1 : 489 : 490 والدر المنثور 1 : 243 .

فلذلك فصلت بين الكلامين وجعلت صدر الكلام : "قال أبو جعفر" .

(21) الأثر : 4063 - انظر الأثر السالف رقم : 4057 والتعليق عليه .

وكان في المطبوعة هنا وهناك : "لما اختلفوا فيه على الإسلام" ، وهو غير بين المعنى والذي أثبته هو نص ما في القرطبي 3 : 33 والدر المنثور 1 : 243 .

(22) انظر ما سلف 2 : 449- 450 .

(23) هو النابغة الجعدي .

(24) سلف تخريج البيت في 3 : 311 ، 312 .

(25) سلف تخريج الشعر في 3 : 312 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيمقوله تعالى : كان الناس أمة واحدة أي على دين واحد .

قال أبي بن كعب ، وابن زيد : المراد بالناس بنو آدم حين أخرجهم الله نسما من ظهر آدم فأقروا له بالوحدانية .

وقال مجاهد : الناس آدم وحده ، وسمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل .

وقيل : آدم وحواء .

وقال ابن عباس وقتادة : ( المراد بالناس القرون التي كانت بين آدم ونوح ، وهي عشرة كانوا على الحق حتى اختلفوا فبعث الله نوحا فمن بعده ) .

وقال ابن أبي خيثمة : منذ خلق الله آدم عليه السلام إلى أن بعث محمدا صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة .

وقيل : أكثر من ذلك ، وكان بينه وبين نوح ألف سنة ومائتا سنة .

وعاش آدم تسعمائة وستين سنة ، وكان الناس في زمانه أهل ملة واحدة ، متمسكين بالدين ، تصافحهم الملائكة ، وداموا على ذلك إلى أن رفع إدريس عليه السلام فاختلفوا .

وهذا فيه نظر ؛ لأن إدريس بعد نوح على الصحيح .

وقال قوم منهم الكلبي [ ص: 31 ] والواقدي : المراد نوح ومن في السفينة ، وكانوا مسلمين ثم بعد وفاة نوح اختلفوا .

وقال ابن عباس أيضا : ( كانوا أمة واحدة على الكفر ، يريد في مدة نوح حين بعثه الله ) .

وعنه أيضا : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة ، كلهم كفار ، وولد إبراهيم في جاهلية ، فبعث الله تعالى إبراهيم وغيره من النبيين .

ف " كان " على هذه الأقوال على بابها من المضي المنقضي .

وكل من قدر الناس في الآية مؤمنين ، قدر في الكلام فاختلفوا فبعث ، ودل على هذا الحذف : " وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه " أي كان الناس على دين الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين ، مبشرين من أطاع ومنذرين من عصى .

وكل من قدرهم كفارا كانت بعثة النبيين إليهم .

ويحتمل أن تكون " كان " للثبوت ، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع ، وجهلهم بالحقائق ، لولا من الله عليهم ، وتفضله بالرسل إليهم .

فلا يختص " كان " على هذا التأويل بالمضي فقط ، بل معناه معنى قوله : " وكان الله غفورا رحيما " .

و " أمة " مأخوذة من قولهم : أممت كذا ، أي قصدته ، فمعنى " أمة " مقصدهم واحد ، ويقال للواحد : أمة ، أي مقصده غير مقصد الناس ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في قس بن ساعدة : يحشر يوم القيامة أمة وحده .

وكذلك قال في زيد بن عمرو بن نفيل .

والأمة القامة ، كأنها مقصد سائر البدن .

والإمة ( بالكسر ) : النعمة ؛ لأن الناس يقصدون قصدها .

وقيل : إمام ؛ لأن الناس يقصدون قصد ما يفعل ، عن النحاس .

وقرأ أبي بن كعب : " كان البشر أمة واحدة " وقرأ ابن مسعود " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث " .قوله تعالى : فبعث الله النبيين وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا ، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، والمذكورون في القرآن بالاسم العلم ثمانية عشر ، وأول الرسل آدم ، على ما جاء في حديث أبي ذر ، أخرجه الآجري وأبو حاتم البستي .

وقيل : نوح ، لحديث الشفاعة ، فإن الناس يقولون له : أنت أول الرسل .

وقيل : إدريس ، وسيأتي بيان هذا في " الأعراف " إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : مبشرين ومنذرين نصب على الحال .

وأنزل معهم الكتاب بالحق اسم جنس بمعنى الكتب .

وقال الطبري : الألف واللام في الكتاب للعهد ، والمراد التوراة .و " ليحكم " مسند إلى الكتاب في قول الجمهور ، وهو نصب بإضمار أن ، أي لأن يحكم وهو [ ص: 32 ] مجاز مثل هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق .

وقيل : أي ليحكم كل نبي بكتابه ، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب .

وقراءة عاصم الجحدري " ليحكم بين الناس " على ما لم يسم فاعله ، وهي قراءة شاذة ؛ لأنه قد تقدم ذكر الكتاب .

وقيل : المعنى ليحكم الله ، والضمير في " فيه " عائد على " ما " من قوله : " فيما " والضمير في " فيه " الثانية يحتمل أن يعود على الكتاب ، أي وما اختلف في الكتاب إلا الذين أوتوه .

موضع " الذين " رفع بفعلهم .

و " أوتوه " بمعنى أعطوه .

وقيل : يعود على المنزل عليه ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله الزجاج .

أي وما اختلف في النبي عليه السلام إلا الذين أعطوا علمه ." بغيا بينهم " نصب على المفعول له ، أي لم يختلفوا إلا للبغي ، وقد تقدم معناه .

وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم ، والقبح الذي واقعوه .

و ( هدى ) معناه أرشد ، أي فهدى الله أمة محمد إلى الحق بأن بين لهم ما اختلف فيه من كان قبلهم .

وقالت طائفة : معنى الآية أن الأمم كذب بعضهم كتاب بعض ، فهدى الله تعالى أمة محمد للتصديق بجميعها .

وقالت طائفة : إن الله هدى المؤمنين للحق فيما اختلف فيه أهل الكتابين ، من قولهم : إن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا .

وقال ابن زيد وزيد بن أسلم : من قبلتهم ، فإن اليهود إلى بيت المقدس ، والنصارى إلى المشرق ، ومن يوم الجمعة ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له فلليهود غد وللنصارى بعد غد ومن صيامهم ، ومن جميع ما اختلفوا فيه .

وقال ابن زيد : واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية ، وجعلته النصارى ربا ، فهدى الله المؤمنين بأن جعلوه عبدا لله .

وقال الفراء : هو من المقلوب - واختاره الطبري - قال : وتقديره فهدى الله الذين آمنوا للحق لما اختلفوا فيه .

قال ابن عطية : ودعاه إلى هذا التقدير خوف أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحق فهدى الله المؤمنين لبعض ما اختلفوا فيه ، وعساه غير الحق في نفسه ، نحا إلى هذا الطبري في حكايته عن الفراء ، وادعاء القلب على لفظ كتاب الله دون ضرورة تدفع إلى ذلك عجز وسوء نظر ، وذلك أن الكلام يتخرج على وجهه ووصفه ؛ لأن قوله : فهدى يقتضي أنهم أصابوا الحق وتم المعنى في قوله : " فيه " وتبين بقوله : " من الحق " جنس ما وقع الخلاف فيه ، قال المهدوي : وقدم لفظ الاختلاف على لفظ الحق اهتماما ، إذ العناية إنما هي بذكر الاختلاف .

قال ابن عطية : وليس هذا عندي بقوي .

وفي قراءة عبد الله بن مسعود " لما اختلفوا عنه من [ ص: 33 ] الحق " أي عن الإسلام .و " بإذنه " قال الزجاج : معناه بعلمه .

قال النحاس : وهذا غلط ، والمعنى بأمره ، وإذا أذنت في الشيء فقد أمرت به ، أي فهدى الله الذين آمنوا بأن أمرهم بما يجب أن يستعملوه .

وفي قوله والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم رد على المعتزلة في قولهم : إن العبد يستبد بهداية نفسه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

.(أي: كان الناس) [أي: كانوا مجتمعين على الهدى، وذلك عشرة قرون بعد نوح عليه السلام، فلما اختلفوا في الدين فكفر فريق منهم وبقي الفريق الآخر على الدين، وحصل النزاع وبعث الله الرسل ليفصلوا بين الخلائق ويقيموا الحجة عليهم، وقيل بل كانوا مجتمعين على الكفر والضلال والشقاء، ليس لهم نور ولا إيمان، فرحمهم الله تعالى بإرسال الرسل إليهم {مبشرين} من أطاع الله بثمرات الطاعات، من الرزق، والقوة في البدن والقلب، والحياة الطيبة، وأعلى ذلك، الفوز برضوان الله والجنة.

{ومنذرين} من عصى الله، بثمرات المعصية، من حرمان الرزق، والضعف، والإهانة، والحياة الضيقة، وأشد ذلك، سخط الله والنار.

{وأنزل معهم الكتاب بالحق} وهو الإخبارات الصادقة، والأوامر العادلة، فكل ما اشتملت عليه الكتب، فهو حق، يفصل بين المختلفين في الأصول والفروع، وهذا هو الواجب عند الاختلاف والتنازع، أن يرد الاختلاف إلى الله وإلى رسوله، ولولا أن في كتابه، وسنة رسوله، فصل النزاع، لما أمر بالرد إليهما.

ولما ذكر نعمته العظيمة بإنزال الكتب على أهل الكتاب، وكان هذا يقتضي اتفاقهم عليها واجتماعهم، فأخبر تعالى أنهم بغى بعضهم على بعض، وحصل النزاع والخصام وكثرة الاختلاف.

فاختلفوا في الكتاب الذي ينبغي أن يكونوا أولى الناس بالاجتماع عليه، وذلك من بعد ما علموه وتيقنوه بالآيات البينات، والأدلة القاطعات، فضلوا بذلك ضلالا بعيدا.

{فهدى الله الذين آمنوا} من هذه الأمة {لما اختلفوا فيه من الحق} فكل ما اختلف فيه أهل الكتاب، وأخطأوا فيه الحق والصواب، هدى الله للحق فيه هذه الأمة {بإذنه} تعالى وتيسيره لهم ورحمته.

{والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} فعم الخلق تعالى بالدعوة إلى الصراط المستقيم، عدلا منه تعالى، وإقامة حجة على الخلق، لئلا يقولوا: {ما جاءنا من بشير ولا نذير} وهدى - بفضله ورحمته، وإعانته ولطفه - من شاء من عباده، فهذا فضله وإحسانه، وذاك عدله وحكمته.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( كان الناس أمة واحدة ) على دين واحد قال مجاهد : أراد آدم وحده كان أمة واحدة قال سمي الواحد بلفظ الجمع لأنه أصل النسل وأبو البشر ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس فانتشروا وكانوا مسلمين إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا ( فبعث الله النبيين ) قال الحسن وعطاء : كان الناس من وقت وفاة آدم إلى مبعث نوح أمة واحدة على ملة الكفر أمثال البهائم فبعث الله نوحا وغيره من النبيين .

وقال قتادة وعكرمة : كان الناس من وقت آدم إلى مبعث نوح وكان بينهما عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى ثم اختلفوا في زمن نوح فبعث الله إليهم نوحا فكان أول نبي بعث ثم بعث بعده النبيين .

وقال الكلبي : هم أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين ثم اختلفوا بعد وفاة نوح .

وروي عن ابن عباس قال : كان الناس على عهد إبراهيم عليه السلام أمة واحدة كفارا كلهم فبعث الله إبراهيم وغيره من النبيين وقيل : كان العرب على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي .

وروي عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : كان الناس حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية أمة واحدة مسلمين كلهم ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم ثم اختلفوا بعد آدم نظيره في سورة يونس " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين " ( 19 - يونس ) وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكورون في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبيا ) ( مبشرين ) بالثواب من آمن وأطاع ) ( ومنذرين ) محذرين بالعقاب من كفر وعصى ( وأنزل معهم الكتاب ) أي الكتب تقديره وأنزل مع كل واحد منهم الكتاب ) ( بالحق ) بالعدل والصدق ( ليحكم بين الناس ) قرأ أبو جعفر ) ( ليحكم ) بضم الياء وفتح الكاف هاهنا وفي أول آل عمران وفي النور موضعين لأن الكتاب لا يحكم في الحقيقة إنما ) ( الحكم ) به وقراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف أي ليحكم الكتاب ذكره على سعة الكلام كقوله تعالى " هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق " ( 29 - الجاثية ) .

وقيل معناه ليحكم كل نبي بكتابه ( فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه ) أي في الكتاب ( إلا الذين أوتوه ) أي أعطوا الكتاب ( من بعد ما جاءتهم البينات ) يعني أحكام التوراة والإنجيل قال الفراء : ولاختلافهم معنيان : أحدهما : كفر بعضهم بكتاب بعض قال الله تعالى : " ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض " ( 150 - النساء ) والآخر : تحريفهم كتاب الله قال الله تعالى : " يحرفون الكلم عن مواضعه " ( 46 - النساء ) وقيل الآية راجعة إلى محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب ( من بعد ما جاءتهم البينات ) صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم ) ( بغيا ) ظلما وحسدا ( بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ) أي لما اختلفوا فيه ( من الحق بإذنه ) بعلمه وإرادته فيهم .

قال ابن زيد في هذه الآية : اختلفوا في القبلة فمنهم من يصلي إلى المشرق ومنهم من يصلي إلى المغرب ومنهم من يصلي إلى بيت المقدس فهدانا الله إلى الكعبة واختلفوا في الصيام فهدانا الله لشهر رمضان واختلفوا في الأيام فأخذت اليهود السبت والنصارى الأحد فهدانا الله للجمعة واختلفوا في إبراهيم عليه السلام فقالت اليهود كان يهوديا وقالت النصارى كان نصرانيا فهدانا الله للحق من ذلك واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود لفرية وجعلته النصارى إلها وهدانا الله للحق فيه ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كان الناس أمة واحدة» على الإيمان فاختلفوا بأن آمن بعض وكفر بعض «فبعث الله النبيين» إليهم «مبشِّرين» من آمن بالجنة «ومنذرين» من كفر بالنار «وأنزل معهم الكتاب» بمعنى الكتب «بالحق» متعلق بأنزل «ليحكم» به «بين الناس فيما اختلفوا فيه» من الدين «وما اختلف فيه» أي الدين «إلا الذين أوتوه» أي الكتاب فآمن بعض وكفر بعض «من بعد ما جاءتهم البينات» الحجج الظاهرة على التوحيد ومن متعلقة باختلاف وهي وما بعدها مقدم على الاستثناء في المعنى «بغيا» من الكافرين «بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من» للبيان «الحق بإذنه» بإرادته «والله يهدي من يشاء» هدايته «إلى صراط مستقيم» طريق الحق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كان الناس جماعة واحدة، متفقين على الإيمان بالله ثم اختلفوا في دينهم، فبعث الله النبيين دعاة لدين الله، مبشرين مَن أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، وأنزل معهم الكتب السماوية بالحق الذي اشتملت عليه؛ ليحكموا بما فيها بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اخْتَلَف في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه ظلمًا وحسدًا إلا الذين أعطاهم الله التوراة، وعرفوا ما فيها من الحجج والأحكام، فوفَّق الله المؤمنين بفضله إلى تمييز الحق من الباطل، ومعرفة ما اختلفوا فيه.

والله يوفِّق من يشاء من عباده إلى طريق مستقيم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أحوال الناس ، وأنهم في حاجة إلى الرسل ليبشروهم وينذروهم ويحكموا بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه فقال - تعالى - :( كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين .

.

.

)قال الفخر الرازي : اعلم أنه - تعالى - لما بين في الآية المقتدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا ، بين هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان ، بل كان حاصلا في الأزمنة المتقادمة ، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق ثم اختلفوا ، وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا " .و ( أُمَّةً ) القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض مأخوذ من أم بمعنى قصد لأن كل واحد من أفراد القوم يؤم المجموع ويقصده في مختلف شؤونه .وللعلماء أقوال في معنى قوله - تعالى - ( كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) .القول الأول الذي عليه جمهور المفسرين أن المعنى : كان الناس أمة واحدة متفقين على توحيد الله - تعالى - مقرين له بالعبودية مجتمعين على شريعة الحق ثم اختلفوا ما بين ضال ومهتد ، فبعث الله إليهم النبيين ليبشروا من اهتدى منهم بجزيل الثواب ، ولينذروا من ضل بسوء العذاب ، وليحكموا بينهم فيما اختلفوا فيه بالحكم العادل ، والقول الفاصل .قال القفال : ويشهد لصحة هذا الرأي قوله - تعالى - ( فَبَعَثَ الله النبيين .

.

.

) فهذا يدل على أن الأنبياء - عليهم السلام - إنما بعثوا حين الاختلاف ، ويتأكد هذا بقوله :وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا " ويتأكد أيضاً بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ ( كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين .

.

) .و " كان " على هذا الرأي على بابها من المضي ، وعدم استمرار الحكم ، وعدم امتداده إلى المستقبل ، لأن الناس كانوا مهتدين ثم زالت الهداية عنهم أو عن كثير منهم بسبب اختلافهم فأرسل الله - تعالى - رسله لهدايتهم .القول الثاني يرى أصحابه أن المعنى : كان الناس أمة واحدة مجتمعين على الضلال والكفر فبعث الله النبيين لهدايتهم .و " كان " على هذا الرأي - أيضاً - على بابها من المضي والانقضاء ، ولا تحتاج على هذا الرأي إلى تقدير كلام محذوف ، وهو ثم اختلفوا فبعث .

.

إلخ .ومن العلماء الذين رجحوا القول الأول الإِمام ابن كثير فقد قال : عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين .

.

وهكذا قال قتادة ومجاهد .

وقال العوفي عن ابن عباس ( كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً ) يقول كانوا كفاراً ( فَبَعَثَ الله النبيين ) والقول الأول عن ابن عباس وهو أصح سنداً ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحاً - عليه السلام - فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض .أما الرأي الثالث فقد قرره الإِمام القرطبي بقوله : ويحتمل أن تكون " كان " للثبوت ، والمراد الإِخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع ، وجهلهم بالحقائق ، لولا مَنُّ الله عليهم وتفضله بالرسل إليهم .

فلا يختص " كان " على هذا التأويل بالمضي فقط ، بيل معناه معنى قوله : ( وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً ) وهذا الرأي قد اختاروه الأستاذ الإِمام محمد عبده تفسيره للآية الكريمة ووافقه عليه بعض العلماء الذين كتبوا في تفسير هذه الآية .

قال الأستاذ الإِمام ما ملخصه ." خلق الله الإِنسان أمة واحدة أي مرتبطاً بعضه ببعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضاً ، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة في توفير جميع ما يحتاج إليه ، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته .

.

.

وهذا معنى قولهم : " الإنسان مدني بطبعه " يريدن بذلك أنه لم يوهب من القوى ما يكفي للوصول إلى جميع حاجاته إلا بالاستعانة بغيره .

.

.

ولما كان الناس كذلك كان لا بد لهم من الاختلاف بمقتضى فطرهم ، وكان من رحمة الله أن يرسل إليهم مبشرين ومنذرين .وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة في الآية التي تفسرها يكون على هذا المعنى :أن الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض ولا سبيل لعقولهم وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم ، لتفاوت عقولهم ، واختلاف فطرهم ، وحرمانهم من الإِلهام الهادي لكل منهم إلى ما يجب عليه نحو صاحبه ، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم ، وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله - تعالى - القادر على إثابتهم وعقوبتهم .

.

.

" .وقال فضيلة الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة ما ملخصه : وإن هذا الرأي الذي اختاره الأستاذ الإِمام هو الذي نختاره ، وعلى هذا التأويل لا يكون ثمة حاجة إلى تقدير محذوف ، لأن ذات حالهم من كونهم لا علم لهم بالشرائع ولا تهتدي عقولهم إلى الحقائق بنفسها توجب البعث ، ولأن تلك الحال التي تكون على الفطرة وحدها توجب الاختلاف فتوجب بعث النبيين .

.

ثم إن نفس كل إنسان فيها نزوع إلى الاجتماع ، وحيث كان الاجتماع فلا بد من نظام يربط ، وشرع يحكم .وعلى هذا التأويل أيضا تكون الفاء في قوله : ( فَبَعَثَ .

.

.

) - وهي التي يقول عنها النحويون إنها للترتيب والتعقيب - في موضعها من غير حاجة إلى تقدير ، لأن كون الناس أمة واحدة اقتضت الرسالة واقتضت الاختلاف .و " كان " على هذا التأويل تدل على الاستمرار والثبوت ، لأن الناس بمقتضى فطرهم دائما في حاجة إلى شرع السماء لا يهتدون إلا به .ثم قال فضيلته : وقد يقول قائل : إن جعل " كان " للاستمرار يفيد أن وحدة الناس في الفطرة وتأديتها إلى التناحر يقتضي بعث النبيين إلى يوم القيامة ، وأنه لا بد من نبي لعصرنا ، ونحن نسلم بالاعتراض ولا ندفع إيراده ونقول : نعم إنه لا بد من قيام رسالة إلى يوم القيامة وهي رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت بكتاب تتجدد به الرسالة والبعث إلى أن تفني الأرض ومن عليها وهذا الكتاب هو القرآن الكريم الذي لا تبلى جدته ، والذي تكفل الله بحفظه ، وبإعجازه إلى يوم القيامة ، والذي من يقرؤه فكأنهما يتلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم " .هذه هي أشهر الأقوال في معنى قوله - تعالى - ( كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) وهناك أقوال أخرى لم نذكرها لضعفها .وقوله - تعالى - : ( وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ ) معطوف على ( فَبَعَثَ ) ، والمراد بالكتاب الجنس .والمعنى : وأنزل - سبحانه - مع هؤلاء النبيين الذين بعثهم مبشرين ومنذرين كلامه الملتبس بالحق والجامع لما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا ، لكي يفصلوا بواسطته بين الناس فيما اختلفوا من شئون دينيه ودنيويه .وذكر - سبحانه - الكتاب بصيغة المفرد للإِشارة إلى أن كتب النبيين وإن تعددت إلا أنها في جوهرها كتاب واحد لاشتمالها على شرع واحد في أصله ، وإذا كان هناك خلاف بينها ففي تفاصيل الأحكام وفروعها لا في جوهرها وأصولها ، وقوله : ( بالحق ) متعلق بأنزل ، أو حال من الكتاب أي ملتبسا شاهدا به .والضمير في قوله : ( لِيَحْكُمَ .

.

) يجوز أن يعود إلى الله - تعالى - أو إلى النبيين ، أو إلى الكتاب .

ورجح بعضهم عودته إلى الكتاب لأنه أقرب مذكور .

والجملة تعليلية للإِنزال المذكور .وفي إسناد الحكم إلى الكتاب تنبيه للناس إلى أن من الواجب عليهم أن يرجعوا إليه عند كل اختلاف .

لأن هذا هو المقصد الأساسي من إنزال الكتب السماوية .وللأستاذ الإِمام محمد عبده كلام نفيس في هذا المعنى فقد قال - رحمه الله - ما ملخصه : " الحكم مسند إلى الكتاب نفسه ، فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ، وفيه نداء للحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه ، وألا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء .

.

ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية النصوص ، لما كان لإِنزال الكتب فائدة ، ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة ، بل كانت متحكمة فيها الأهواء ، فننعود المصلحة مفسدة ، وينقلب الدواء علة ، ولهذا رد الله الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به ..

ونسبة الحكم إلى الكتاب هي كنسبة النطق والهدى والتبشير إليه في قوله - تعالى - : ( هذا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق ) وقوله - تعالى - : ( إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ المؤمنين .

.

.

) ثم بقول - رحمه الله - " يتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثراً مما جاء به وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد ، وذلك قطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء في الكتاب والآثار الأخر ولي اللسان أو تأويله بيغر ما قصد منه؛ وما هم المؤول أن يعمل بالكتاب وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته ، أو عضد لسطوته ، سواء أهدمت أحكام الله أم قامت ، واعوجت السبيل أم استقامت ، ثم يأتي ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال غيره ، فيحرف ويؤول حتى يجد المخدوعين بقوله ، ويتخذهم عونا على الخادع الأول ، فيقع الاختلاف والاضطراب ، وآلة المختلفين في ذلك هو الكتاب .ثم بين - سبحانه الأسباب التي أدت إلى اختلاف الناس في الكتاب الذي أنزله لهدايتهم فقال ( وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات بَغْياً بَيْنَهُمْ ) .والضمير في قوله : ( فِيهِ ) وفي قوله : ( أُوتُوهُ ) يعود إلى الكتاب ، والمعنى عليه : وما اختلف في شأن الكتاب الهادي الذي لا لبس فيه ، المنزل لإزالة الاختلاف ، إلا الذين أوتوه ، أي علموه ووقفوا على تفاصيله ، ولم يكن اختلافهم لا لتباس عليهم من جهته وإنما كان خلافهم من بعد ما ظهرت لهم الدلائل الواضحة الدالة على صدقه ، وما حملهم على هذا الاختلاف إلا البغي والظلم والحسد الذي وقع بينهم .والمراد بالذين اختلفوا فيه أهل الكتاب اليهود والنصارى ، واختلافهم في الكتاب يشمل تصديقهم ببعضه وتكذيبهم بالبعض الآخر ، كما يشمل اختلافهم في تفسيره وتأويله وتنفيذ أحكامه وعدم تنفيذها ، وذهاب كل فريق منهم مذهباً يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في فروعه .وعبر عن الإِنزال بالإِيتاء - كما يقول الآلوسي - للتنبيه من أول الأمر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فيه من الحق ، فإن الإِنزال لا يفيد ذلك ، وقيل : عبر به ليختص الموصول بأرباب العلم والدراسة من أولئك المختلفين ، وخصهم بالذكر لمزيد شناعة فعلهم ولأن غيرهم تبع لهم " .وقوله : ( مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ) متعلق باختلف ، وفيه زيادة تشنيع عليهم لأنهم قد اختلفوا فيه بعد أن قامت أمامهم الحجج الناصعة الدالة على الحق .وقوله : ( بَغْياً ) مفعول لأجله لاختلفوا ( بَيْنَهُم ) متعلق بمحذوف صفة لقوله ( بَغْياً ) .أي لا داعي الاختلاف هو البغي والحسد الذي وقع بينهم ، فجعل كل فريق منهم يخطئ الآخر ، ويجرح رأيه .وفي هذا التعبير إشارة إلى أن البغي قد باض وفرخ عندهم ، فهو يحرم عليهم ، ويدور بينهم ، ولا طمع له في غيرهم ، ولا ملجأ له سواهم ، لأنهم أربابه الذين تمكنوا منه ، وتمكن منهم بقوة ورسوخ .وبعضهم جعل الضمير في قوله : ( فِيهِ ) يعود إلى الحق ، والضمير في قوله : ( أُوتُوهُ ) يعود إلى الكتاب .

أي : وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب .ويرى بعض العلماء أن عودة الضمير في كليهما إلى الحق أو إلى الكتاب جائز ، وأن المعنى على التقدير واحد ، لأن الكتاب أنزل ملابساً للحق ومصاحباً له ، فإذا اختلف في الكتاب اختلف في الحق الذي فيه وبالعكس على طريقة قياس المساواة في المنطق والجملة الكريمة تحذير شديد من الوقوع فيما وقع فيه غيرهم من اختلاف يؤدي إلى البغي والتنازع والإِعراض عن الحق .ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين بعد بيانه لحال الغاوين فقال - تعالى - ( فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ ) .أي : فهدى الله الذين آمنوا وصدقوا رسله إلى الحق الذي اختلف فيه أهل الضلالة ، وذلك الهدى بفضل توفيقه لهم وتيسيره لأمرهم .والفاء في قوله : ( فَهَدَى ) فصيحة لأنها أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف .والتقدير : إذا كان هذا شأن الضالين المختلفين في الحق ، فقد هدى الله بفضله الذين آمنوا إلى الصواب .وبين - سبحانه - أن الذين رزقهم الهداية هم الذين آمنوا ، للإِشعار بأن سبب هدايتهم للحق هو إيمانهم وتقواهم ، واستجابتهم للداعي الذي دعاهم إلى الطريق المستقيم .وأسند الهداية إليه - سبحانه - لأنه هو خالقها ، ولأن قلوب العباد بيديه فهو يقلبها كيف يشاء ، وهذا لا ينافي أن للعبد اختياراً وكسباً فهو إذا سار في طريق الحق رزقه الله النور المشرق الذي يهديه ، وإن سار في طريق الضلالة واستحب العمى على الهدى سلب الله عنه توفيقه بسبب إيثاره الضلالة على الهداية .وقوله - تعالى - في ختام هذه الآية : ( والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) تذييل قصد به بيان كمال سلطانه ، وتمام قدرته .أي : والله هو الهادي من يشاء من عباده إلى طريق الحق الذي لا يضل سالكه ، فليس لأحد سلطان بجوار سلطانه ، ولو أراد أن يكون الناس جميعاً مهديين لكانوا ، ولكن حكمته اقتضت أن يختبرهم ليتميز الخبيث من الطيب ، فيجازي كل فريق بما يستحقه .قال ابن كثير : وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يصللي يقول : " اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض علام الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ، اهدنى لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم " .وفي الدعاء المأثور : اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ولا تجعله ملتبسا علينا فنضل واجعلنا للمتقين إماما .وبذلك نرى أن الآية قد بينت أن الناس لا يستغنون عن الدين الذي شرعه الله لهم على لسان رسله - عليهم الصلاة والسلام - ، وأن الأشرار من الناس هم الذين يحملهم البغي على الاختلاف في الحق بعدج ظهوره لهم ، أما الأخيار منهم فهم الذين اهتدوا بتوفيق الله وتيسيره إلى طريق الخير والصواب ( والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بين في هذه الآية المتقدمة أن سبب إصرار هؤلاء الكفار على كفرهم هو حب الدنيا، بين في هذه الآية أن هذا المعنى غير مختص بهذا الزمان، بل كان حاصلاً في الأزمنة المتقادمة، لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق، ثم اختلفوا وما كان اختلافهم إلا بسبب البغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا فهذا هو الكلام في ترتيب النظم.

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القفال: الأمة القوم المجتمعون على الشيء الواحد يقتدي بعضهم ببعض، وهو مأخوذ من الإئتمام.

المسألة الثانية: دلت الآية على أن الناس كانوا أمة واحدة، ولكنها ما دلت على أنهم كانوا أمة واحدة في الحق أم في الباطل، واختلف المفسرون فيه على ثلاثة أقوال: القول الأول: أنهم كانوا على دين واحد وهو الإيمان والحق، وهذا قول أكثر المحققين، ويدل عليه وجوه: الأول: ما ذكره القفال فقال: الدليل عليه قوله تعالى بعد هذه الآية: ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ فهذا يدل على أن الأنبياء عليهم السلام إنما بعثوا حين الإختلاف، ويتأكد هذا بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا  ﴾ ويتأكد أيضاً بما نقل عن ابن مسعود أنه قرأ: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فاختلفوا فَبَعَثَ الله النبيين ﴾ إِلَى قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ .

إذا عرفت هذا فنقول: الفاء في قوله: ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين ﴾ تقتضي أن يكون بعثهم بعد الإختلاف ولو كانوا قبل ذلك أمة واحدة في الكفر، لكانت بعثة الرسل قبل هذا الإختلاف أولى، لأنهم لما بعثوا عندما كان بعضهم محقاً وبعضهم مبطلاً، فلأن يبعثوا حين ماكانوا كلهم مبطلين مصرين على الكفر كان أولى، وهذا الوجه الذي ذكره القفال رحمه الله حسن في هذا الموضوع.

وثانيها: أنه تعالى حكم بأنه كان الناس أمة واحدة، ثم أدرجنا فيه فاختلفوا بحسب دلالة الدليل عليه، وبحسب قراءة ابن مسعود، ثم قال: ﴿ وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ والظاهر أن المراد من هذا الإختلاف هو الإختلاف الحاصل بعد ذلك الإتفاق المشار إليه، بقوله: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ ثم حكم على هذا الإختلاف بأنه إنما حصل بسبب البغي، وهذا الوصف لا يليق إلا بالمذاهب الباطلة، فدلت الآية على أن المذاهب الباطلة إنما حصلت بسبب البغي، وهذا يدل على أن الإتفاق الذي كان حاصلاً قبل حصول هذا الإختلاف إنما كان في الحق لا في الباطل، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الحق لا في الدين الباطل.

وثالثها: أن آدم عليه السلام لما بعثه الله رسولاً إلى أولاده، فالكل كانوا مسلمين مطيعين لله تعالى، ولم يحدث فيما بينهم اختلاف في الدين، إلى أن قتل قابيل هابيل بسبب الحسد والبغي، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر، والآية منطبقة عليه، لأن الناس هم آدم وأولاده من الذكور والإناث، كانوا أمة واحدة على الحق، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، كما حكى الله عن ابني آدم: ﴿ إِذْ قَرَّبَا قربانا فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الأخر  ﴾ فلم يكن ذلك القتل والكفر بالله إلا بسبب البغي والحسد، وهذا المعنى ثابت بالنقل المتواتر والآية منطبقة عليه.

ورابعها: أنه لما غرقت الأرض بالطوفان لم يبق إلا أهل السفينة، وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، ثم اختلفوا بعد ذلك، وهذه القصة مما عرف ثبوتها بالدلائل القاطعة والنقل المتواتر، إلا أنهم اختلفوا بعد ذلك، فثبت أن الناس كانوا أمة واحدة على الحق ثم اختلفوا بعد ذلك ولم يثبت ألبتة بشيء من الدلائل أنهم كانوا مطبقين على الباطل والكفر، وإذا كان كذلك وجب حمل اللفظ على ما ثبت بالدليل وأن لا يحمل على ما لم يثبت بشيء من الدلائل.

وخامسها: وهو أن الدين الحق لا سبيل إليه إلا بالنظر والنظر لا معنى له إلا ترتيب المقدمات لتوصل بها إلى النتائج، وتلك المقدمات إن كانت نظرية افتقرت إلى مقدمات أخر ولزم الدور أو التسلسل وهما باطلان فوجب انتهاء النظريات بالآخرة إلى الضروريات، وكما أن المقدمات يجب إنتهاؤها إلى الضروريات فترتيب المقدمات يجب انتهاؤه أيضاً إلى ترتيب تعلم صحته بضرورة العقل وإذا كانت النظريات مستندة إلى مقامات تعلم صحتها بضرورة العقل، وإلى ترتيبات تعلم صحتها بضرورة العقل، وجب القطع بأن العقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فأما إذا عرض له سبب خارجي، فهناك يحصل الغلط فثبت أن ما بالذات هو الصواب وما بالعرض هو الخطأ، وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الإستحقاق وبحسب الزمان أيضاً، هذا هو الأظهر فثبت أن الأولى أن يقال: كان الناس أمة واحدة في الدين الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب خارجية وهي البغي والحسد، فهذا دليل معقول ولفظ القرآن مطابق له فوجب المصير إليه.

فإن قيل: فما المراد من قوله: ﴿ ﴾ .

قلنا: المعنى ولأجل أن يرحمهم خلقهم.

وسادسها: قوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه» دل الحديث على أن المولود لو ترك مع فطرته الأصلية لما كان على شيء من الأديان الباطلة، وأنه إنما يقدم على الدين الباطل لأسباب خارجية، وهي سعي الأبوين في ذلك وحصول الأغراض الفاسدة من البغي والحسد.

وسابعها: أن الله تعالى لما قال: ﴿ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى  ﴾ فذلك اليوم كانوا أمة واحدة على الدين الحق، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب وجماعة من المفسرين، إلا أن للمتكلمين في هذه القصة أبحاثاً كثيرة، ولا حاجة بنا في نصرة هذا القول بعد تلك الوجوه الستة التي ذكرناها إلى هذا الوجه، فهذا جملة الكلام في تقرير هذا القول.

أما الوجه الثاني: هو أن الناس كانوا أمة واحدة في الدين الباطل، فهذا قول طائفة من المفسرين كالحسن وعطاء وابن عباس، واحتجوا بالآية والخبر أما الآية فقوله: ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ وهو لا يليق إلا بذلك، وأما الخبر فما روي عن النبي عليه السلام: «أن الله تعالى نظر إلى أهل الأرض عربهم وعجمهم فبعثهم إلا بقايا من أهل الكتاب».

وجوابه: ما بينا أن هذا لا يليق إلا بضده، وذلك لأن عند الإختلاف لما وجبت البعثة.

فلو كان الإتفاق السابق اتفاقاً على الكفر لكانت البعثة في ذلك الوقت أولى، وحيث لم تحصل البعثة هناك علمنا أن ذلك الإتفاق كان اتفاقاً على الحق لا على الباطل، ثم اختلف القائلون بهذا القول أنه متى كان الناس متفقين على الكفر فقيل من وفاة آدم إلى زمان نوح عليه السلام كانوا كفاراً، ثم سألوا أنفسهم سؤالاً وقالوا: أليس فيهم من كان مسلماً نحو هابيل وشيث وإدريس، وأجابوا بأن الغالب كان هو الكفر والحكم للغالب، ولا يعتد بالقليل في الكثير كما لا يعتد بالشعير القليل في البر الكثير، وقد يقال: دار الإسلام وإن كان فيها غير المسلمين ودار الحرب وإن كان فيها مسلمون.

القول الثالث: وهو اختيار أبي مسلم والقاضي: أن الناس كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية، وهي الإعتراف بوجود الصانع وصفاته، والإشتغال بخدمته وشكر نعمته، والإجتناب عن القبائح العقلية، كالظلم، والكذب، والجهل، والعبث وأمثالها.

واحتج القاضي على صحة قوله بأن لفظ النبيين يفيد العموم والإستغراق، وحرف الفاء يفيد التراخي، فقوله: ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين ﴾ يفيد أن بعثه جميع الأنبياء كانت متأخرة عن كون الناس أمة واحدة، فتلك الوحدة المتقدمة على بعثة جميع الشرائع لابد وأن تكون وحدة في شرعه غير مستفادة من الأنبياء، فوجب أن تكون في شريعة مستفادة من العقل وذلك ما بيناه، وأيضاً فالعلم بحسن شكر المنعم، وطاعة الخالق والإحسان إلى الخلق، والعدل، مشترك فيه بين الكل، والعلم بقبح الكذب والظلم والجهل والعبث مشترك فيه بين الكل، فالأظهر أن الناس كانوا في أول الأمر على ذلك، ثم اختلفوا بعد ذلك لأسباب منفصلة، ثم سأل نفسه، فقال: أليس أول الناس آدم عليه السلام وأنه كان نبياً، فكيف يصح إثبات الناس مكلفين قبل بعثة الرسل، وأجاب بأنه يحتمل أنه عليه السلام مع أولاده كانوا مجتمعين على التمسك بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله تعالى بعد ذلك بعثه إلى أولاده، ويحتمل أن بعد ذلك صار شرعه مندرساً، فالناس رجعوا إلى التمسك بالشرائع العقلية، واعلم أن هذا القول لا يصح إلا مع إثبات تحسين العقل وتقبيحه، والكلام فيه مشهور في الأصول.

القول الرابع: أن الآية دلت على أن الناس كانوا أمة واحدة، وليس فيها أنهم كانوا على الإيمان أو على الكفر، فهو موقوف على الدليل.

القول الخامس: أن المراد من الناس هاهنا أهل الكتاب ممن آمن بموسى عليه السلام، وذلك لأنا بينا أن هذه الآية متعلقة بما تقدم من قوله: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً  ﴾ وذكرنا أن كثيراً من المفسرين زعموا أن تلك الآية نزلت في اليهود، فقوله تعالى: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ أي كان الذين آمنوا بموسى أمة واحدة، على دين واحد، ومذهب واحد، ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد، فبعث الله النبيين، وهم الذين جاؤا بعد موسى عليه السلام وأنزل معهم الكتاب، كما بعث الزبور إلى داود، والتوراة إلى موسى، والإنجيل إلى عيسى، والفرقان إلى محمد عليه السلام لتكون تلك الكتب حاكمة عليهم في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها، وهذا القول مطابق لنظم الآية وموافق لما قبلها ولما بعدها، وليس فيها إشكال إلا أن تخصيص لفظ الناس في قوله: ﴿ كَانَ الناس ﴾ بقوم معينين خلاف الظاهر إلا أنك تعلم أن الألف واللام كما تكون للاستغراق فقد تكون أيضاً للعهد فهذا ما يتعلق بهذه الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ فاعلم أنا ذكرنا أنه لابد هاهنا من الإضمار، والتقدير كان الناس أمة واحدة- فاختلفوا- فبعث الله النبيين واعلم أنه الله تعالى وصف النبيين بصفات ثلاث: الصفة الأولى: كونهم مبشرين.

الصفة الثانية: كونهم منذرين ونظيره قوله تعالى: ﴿ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ  ﴾ وإنما قدم البشارة على الإنذار، لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض، ولا شك أن المقصود بالذات هو الأول دون الثاني فلا جرم وجب تقديمه في الذكر.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق ﴾ فإن قيل: إنزال الكتاب يكون قبل وصول الأمر والنهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم يكون قبل التبشير والإنذار فلم قدم ذكر التبشير والإنذار على إنزال الكتب؟

أجاب القاضي عنه فقال: لأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما وعندي فيه وجه آخر وهو أن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق وفي الفرق بين المعجز إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب، والخوف إنما يقوى ويكمل عند التبشير والإنذار فلا جرم وجب تقديم البشارة والنذارة على إنزال الكتاب في الذكر ثم قال القاضي: ظاهر هذه الآية يدل على أنه لا نبي إلا معه كتاب منزل فيه بيان الحق طال ذلك الكتاب أم قصر ودون ذلك الكتاب أو لم يدون وكان ذلك الكتاب معجزاً أو لم يكن كذلك، لأن كون الكتاب منزلاً معهم لا يقتضي شيئاً من ذلك.

أما قوله تعالى: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس ﴾ فاعلم أنه قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ فعل فلابد من استناده إلى شيء تقدم ذكره، وقد تقدم ذكر أمور ثلاثة، فأقربها إلى هذا اللفظ: الكتاب، ثم النبيون، ثم الله فلا جرم كان إضمار كل واحد منها صحيحاً، فيكون المعنى: ليحكم الله، أو النبي المنزل عليه، أو الكتاب، ثم إن كل واحد من هذه الإحتمالات يختص بوجه ترجيح، أما الكتاب فلأنه أقرب المذكورات، وأما الله فلأنه سبحانه هو الحاكم في الحقيقة لا الكتاب، وأما النبي فلأنه هو المظهر فلا يبعد أن يقال: حمله على الكتاب أولى، أقصى ما في الباب أن يقال: الحاكم هو الله، فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز إلا أن نقول: هذا المجاز يحسن تحمله لوجهين: الأول: أنه مجاز مشهور يقال: حكم الكتاب بكذا، وقضى كتاب الله بكذا، ورضينا بكتاب الله، وإذا جاز أن يكون هدى وشفاء، جاز أن يكون حاكماً قال تعالى: ﴿ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشّرُ المؤمنين  ﴾ والثاني: أنه يفيد تفخيم شأن القرآن وتعظيم حاله.

أما قوله تعالى: ﴿ فِيمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ فاعلم أن الهاء في قوله: ﴿ فِيمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ يجب أن يكون راجعاً، إما إلى الكتاب، وإما إلى الحق، لأن ذكرهما جميعاً قد تقدم، لكن رجوعه إلى الحق أولى، لأن الآية دلت على أنه تعالى إنما أنزل الكتاب ليكون حاكماً فيما اختلفوا فيه فالكتاب حاكم، والمختلف فيه محكوم عليه، والحاكم يجب أن يكون مغايراً للمحكوم عليه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ ﴾ فالهاء الأولى راجعة إلى الحق والثانية: إلى الكتاب والتقدير: وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب، ثم قال أكثر المفسرين: المراد بهؤلاء: اليهود والنصارى والله تعالى كثيراً ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ كقوله: ﴿ وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ  ﴾ ﴿ قُلْ ياأهل تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ  ﴾ ثم المراد باختلافهم يحتمل أن يكون هو تكفير بعضهم بعضاً كقوله تعالى: ﴿ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيء وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب  ﴾ ويحتمل أن يكون اختلافهم تحريفهم وتبديلهم، فقوله: ﴿ وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ ﴾ أي وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب مع أنه كان المقصود من إنزال الكتاب أن لا يختلفوا وأن يرفعوا المنازعة في الدين واعلم أن هذا يدل على أن الإختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء وإنزال الكتب وذلك يوجب أن قبل بعثهم ما كان الإختلاف في الحق حاصلاً، بل كان الإتفاق في الحق حاصلاً وهو يدل على أن قوله تعالى: ﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ معناه أمة واحدة في دين الحق.

أما قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ فهو يقتضي أن يكون إيتاء الله تعالى إياهم الكتاب كان بعد مجيء البينات فتكون هذه البينات مغايرة لا محالة لإيتاء الكتاب وهذه البينات لا يمكن حملها على شيء سوى الدلائل العقلية التي نصبها الله تعالى على إثبات الأصول التي لا يمكن القول بالنبوة إلا بعد ثبوتها، وذلك لأن المتكلمين يقولون كل ما لا يصح إثبات النبوة إلا بعد ثبوته، فذلك لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية وإلا وقع الدور، بل لابد من إثباتها بالدلائل العقلية فهذه الدلائل هي البينات المتقدمة على إيتاء الله الكتب إياهم.

أما قوله تعالى: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ فالمعنى أن الدلائل إما سمعية وإما عقلية.

أما السمعية فقد حصلت بإيتاء الكتاب، وأما العقلية فقد حصلت بالبينات المتقدمة على إيتاء الكتاب فعند ذلك قد تمت البينات ولم يبق في العدول عذر ولا علة، فلو حصل الإعراض والعدول لم يكن ذلك إلا بحسب الحسد والبغي والحرص على طلب الدنيا، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ مِنَ الحق بِإِذْنِهِ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما وصف حال أهل الكتاب وأنهم بعد كمال البينات أصروا على الكفر والجهل بسبب البغي والحسد بين أن حال هذه الأمة بخلاف حال أولئك فإن الله عصمهم عن الزلل وهداهم إلى الحق في الأشياء التي اختلف فيها أهل الكتاب، يروى أنه عليه الصلاة والسلام قال: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، ونحن أولى الناس دخولاً الجنة يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهدانا لله لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فهذا اليوم الذي هدانا له، والناس له فيه تبع وغداً لليهود، وبعد غد للنصارى قال ابن زيد: اختلفوا في القبلة فصلت اليهود إلي بيت المقدس والنصارى إلى المشرق، فهدانا الله للكعبة واختلفوا في الصيام، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهودياً وقالت النصارى: كان نصرانياً، فقلنا: إنه كان حنيفاً مسلماً واختلفوا في عيسى، فاليهود فرطوا، والنصارى أفرطوا، وقلنا القول العدل، وبقي في الآية مسائل: المسألة الأولى: من الأصحاب من تمسك بهذه الآية على أن الإيمان مخلوق لله تعالى قال: لأن الهداية هي العلم والمعرفة، وقوله: ﴿ فَهَدَى الله ﴾ نص في أن الهداية حصلت بفعل الله تعالى، فدل ذلك على أن الإيمان مخلوق لله تعالى.

واعلم أن هذا الوجه ضعيف لأنا بينا أن الهداية غير، والاهتداء غير، والذي يدل هاهنا على أن الهداية لا يمكن أن تكون عبارة عن الإيمان وجهان الأول: أن الهداية إلى الإيمان غير الإيمان كما أن التوفيق للإيمان غير الإيمان والثاني: أنه تعالى قال في آخر الآية: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ولا يمكن صرف هذا الإذن إلى قوله: ﴿ فَهَدَى الله ﴾ إذ لا جائز أن يأذن لنفسه فلابد هاهنا من إضمار ليصرف هذا الإذن إليه، والتقدير: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق فاهتدوا بإذنه، وإذا كان كذلك كانت الهداية مغايرة للاهتداء.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الله تعالى قد يخص المؤمن بهدايات لا يفعلها في حق الكافر، والمعتزلة أجابوا عنه من وجوه: أحدها: أنهم اختصوا بالاهتداء فجعل هداية لهم خاصة كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ ثم قال: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ .

وثانيها: أن المراد به: الهداية إلى الثواب وطريقة الجنة.

وثالثها: هداهم إلى الحق بالألطاف.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لِمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ أي إلى ما اختلفوا فيه كقوله تعالى: ﴿ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ  ﴾ أي إلى ما قالوا ويقال: هديته الطريق وللطريق وإلى الطريق.

فإن قيل: لم قال فهداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، ولم يقل: هداهم للحق فيما اختلفوا وقدم الإختلاف؟

والجواب من وجهين: الأول: أنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف لهم بدأ به، ثم فسره بمن هداه الثاني: قال الفراء: هذا من المقلوب، أي فهداهم لما اختلفوا فيه.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ فيه وجهان أحدها: قال الزجاج بعلمه الثاني: هداهم بأمره أي حصلت الهداية بسبب الأمر كما يقال: قطعت بالسكين، وذلك لأن الحق لم يكن متميزاً عن الباطل وبالأمر حصل التمييز فجعلت الهداية بسبب إذنه الثالث: قال بعضهم: لابد فيه من إضمار والتقدير: هداهم فاهتدوا بإذنه.

أما قوله: ﴿ والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ فاستدلال الأصحاب به معلوم، والمعتزلة أجابوا من ثلاثة أوجه: أحدها: المراد بالهداية البيان، فالله تعالى خص المكلفين بذلك والثاني: المراد بالهداية الطريق إلى الجنة الثالث: المراد به اللطف فيكون خاصاً لمن يعلم أنه يصلح له وهو قول أبي بكر الرازي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة ﴾ متفقين على دين الإسلام ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين ﴾ يريد: فاختلفوا فبعث الله.

وإنما حذف لدلالة قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ عليه.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ كان الناس أمّة واحدة فاختلفوا فبعث الله ﴾ .

والدليل عليه قوله عز وعلا ﴿ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا ﴾ [يونس: 19] وقيل: كان الناس أمة واحدة كفارًا، فبعث الله النبيين، فاختلفوا عليهم.

والأوّل الوجه.

فإن قلت: متى كان الناس أمة واحدة متفقين على الحق؟

قلت: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق فاختلفوا.

وقيل: هم نوح ومن كان معه في السفينة ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب ﴾ يريد الجنس، أو مع كل واحد منهم كتابه ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ الله، أو الكتاب، أو النبيّ المنزل عليه ﴿ فِيمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق ﴿ وَمَا اختلف فِيهِ ﴾ في الحق ﴿ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ ﴾ إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف، أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل عليهم الكتاب، وجعلوا نزول الكتاب سبباً في شدّة الاختلاف واستحكامه ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ حسدًا بينهم وظلمًا لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم.

و ﴿ مِنَ الحق ﴾ بيان لما اختلفوا فيه، أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ فِيما بَيْنَ آدَمَ وإدْرِيسَ أوْ نُوحٍ أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ، أوْ مُتَّفِقِينَ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ في فَتْرَةِ إدْرِيسَ أوْ نُوحٍ.

﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ﴾ أيْ فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ، وإنَّما حُذِفَ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ.

وعَنْ كَعْبٍ (الَّذِي عَلِمْتُهُ مِن عَدَدِ الأنْبِياءِ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا والمُرْسَلُ مِنهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ والمَذْكُورُ في القُرْآنِ بِاسْمِ العَلَمِ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ) .

﴿ وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ بِهِ الجِنْسَ ولا يُرِيدُ بِهِ أنَّهُ أُنْزِلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ كِتابًا يَخُصُّهُ، فَإنَّ أكْثَرَهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ يَخُصُّهُمْ، وإنَّما كانُوا يَأْخُذُونَ بِكُتُبِ مَن قَبْلَهم.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ، أيْ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ شاهِدًا بِهِ.

﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ أيِ اللَّهُ، أوِ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ، أوْ كِتابُهُ.

﴿ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ فِيما التَبَسَ عَلَيْهِمْ.

﴿ وَما اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ في الحَقِّ، أوِ الكِتابِ.

﴿ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ أيِ الكِتابَ المُنَزَّلَ لِإزالَةِ الخِلافِ أيْ عَكَسُوا الأمْرَ فَجَعَلُوا ما أُنْزِلَ مَزِيجًا لِلِاخْتِلافِ سَبَبًا لِاسْتِحْكامِهِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ حَسَدًا بَيْنَهم وظُلْمًا لِحِرْصِهِمْ عَلى الدُّنْيا.

﴿ فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ مَنِ اخْتَلَفَ.

﴿ مِنَ الحَقِّ ﴾ بَيانٌ لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ.

﴿ بِإذْنِهِ ﴾ بِأمْرِهِ أوْ بِإرادَتِهِ ولُطْفِهِ.

﴿ واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ لا يَضِلُّ سالِكُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)

{كَانَ الناس أُمَّةً واحدة} متفقين على دين الإسلام من آدم إلى نوح عليهما السلام أو هم نوح ومن كان معه في السفينة فاختلفوا {فَبَعَثَ الله النبيين} ويدل على حذفه قوله تعالى لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فيه وقراءة عبد الله كان الناس أمة واحدة فاختلفوا وقوله تعالى

البقرة (٢١٣ _ ٢١٤)

{وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا} أو كان النا أمة واحدة كفاراً فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم والأول الأوجه {مُبَشّرِينَ} بالثواب للمؤمنين {وَمُنذِرِينَ} بالعقاب للكافرين وهما حالان {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب} أي مع كل واحد منهم كتابه {بالحق} بتبيان الحق {ليحكم} الله او الكتاب اوالنبى المنزل عليه {بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ} في دين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق {وَمَا اختلف فِيهِ} في الحق {إِلاَّ الذين أُوتُوهُ} أي الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف أي ازدادوا في الاختلاف لما أنزل

عليهم الكتاب {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات} على صدقه {بَغْياً بَيْنَهُمْ} مفعول له أي حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا وقلة إنصاف منهم {فهدى الله الذين آمنوا لِمَا اختلفوا فِيهِ} أي هدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف فيه {مِنَ الحق} بيان لما اختلفوا فيه {بِإِذْنِهِ} بعلمه {والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صراط مستقيم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ مُتَّفِقِينَ عَلى التَّوْحِيدِ مُقِرِّينَ بِالعُبُودِيَّةِ حِينَ أخَذَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمُ العَهْدَ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أوْ بَيْنَ آدَمَ وإدْرِيسَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، بِناءً عَلى ما في رَوْضَةِ الأحْبابِ، أنَّ النّاسَ في زَمانِ آدَمَ كانُوا مُوَحِّدِينَ مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِ، بِحَيْثُ يُصافِحُونَ المَلائِكَةَ، إلّا قَلِيلٌ مِن قابِيلٍ ومُتابِعِيهِ إلى زَمَنِ رَفْعِ إدْرِيسَ، أوْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى ما رَوى البَزّارُ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ كانَ بَيْنَهُما عَشَرَةُ قُرُونٍ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ، أوْ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ إذْ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ سِوى ثَمانِينَ رَجُلًا وامْرَأةٍ ثُمَّ ماتُوا إلّا نُوحًا وبَنِيهِ حامَ وسامَ ويافِثَ وأزْواجَهُمْ، وكانُوا كُلُّهم عَلى دِينِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فالِاسْتِغْراقُ عَلى الأوَّلِ والأخِيرِ حَقِيقِيٌّ، وعَلى الثّانِي والثّالِثِ ادْعائِيٌّ بِجَعْلِ القَلِيلِ في حُكْمِ العَدَمِ، وقِيلَ: مُتَّفِقِينَ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ بِناءً عَلى ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، أنَّهم كانُوا كُفّارًا، وذَلِكَ بَعْدَ رَفْعِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ نُوحٌ، أوْ بَعْدَ مَوْتِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنْ بُعِثَ هُودٌ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - .

﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ ﴾ أيْ: فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ ....

إلَخْ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، وإنَّما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ما يُذْكَرُ عَقِبَهُ.

﴿ مُبَشِّرِينَ ﴾ مَن آمَنَ بِالثَّوابِ.

﴿ ومُنْذِرِينَ ﴾ مَن كَفَرَ بِالعَذابِ - وهم كَثِيرُونَ -، فَقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ حِبّانَ «عَنْ أبِي ذَرٍّ، أنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: كَمِ الأنْبِياءُ؟

قالَ: ”مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا“، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ؟

قالَ: ”ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ جَمٌّ غَفِيرٌ“» ولا يُعارِضُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ورُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ ﴾ الآيَةَ، لِما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى -، والجَمْعانِ مَنصُوبانِ عَلى الحالِ مِنَ النَّبِيِّينَ، والظّاهِرُ أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، والقَوْلُ بِأنَّها حالٌ مُقارِنَةٌ خِلافَ الظّاهِرِ.

﴿ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ ﴾ اللّامُ لِلْجِنْسِ، ومَعَهم حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ (الكِتابِ) فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، ولَيْسَ مَنصُوبًا بِـ(أنْزَلَ)، والمَعْنى: أنْزَلَ جِنْسَ الكِتابِ مُقَدِّرًا مُقارَنَتَهُ ومُصاحَبَتَهُ لِلنَّبِيِّينَ؛ حَيْثُ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْخُذُ الأحْكامَ إمّا مِن كِتابٍ يَخُصُّهُ أوْ مِن كِتابٍ مِن قَبْلِهِ، والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ مِائَةٌ وأرْبَعَةٌ في المَشْهُورِ؛ أُنْزِلَ عَلى آدَمَ عَشْرُ صَحائِفَ، وعَلى شِيثَ ثَلاثُونَ، وعَلى إدْرِيسَ خَمْسُونَ، وعَلى مُوسى قَبْلَ التَّوْراةِ عَشَرَةٌ، والتَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ، والفُرْقانُ، وجُوِّزَ كَوْنُ (اللّامِ) لِلْعَهْدِ وضَمِيرِ (مَعَهُمْ) لِلنَّبِيِّينَ بِاعْتِبارِ البَعْضِ؛ أيْ: أنْزَلَ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِن بَعْضِ النَّبِيِّينَ كِتابَهُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الرِّكَّةِ.

﴿ بِالحَقِّ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ أنْزَلَ أوْ حالٌ مِنَ الكِتابَ أيْ: مُتَلَبِّسًا شاهِدًا بِهِ ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ المَذْكُورِ أوَّلَهُ ولِلْبَعْثِ، وهَذا البَعْثُ المُعَلَّلُ هو المُتَأخِّرُ عَنِ الِاخْتِلافِ، فَلا يَضُرُّ تَقَدُّمُ بِعْثَةِ آدَمَ وشِيثَ وإدْرِيسَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ السّابِقَةِ، و(الحُكْمُ) بِمَعْنى الفَصْلِ بِقَرِينَةٍ تَعَلَّقَ (بَيْنَ) بِهِ، ولَوْ كانَ بِمَعْنى (القَضاءِ) لَتَعَدّى بِـ ( عَلى )، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الجَحْدَرَيِّ فِيما رَواهُ عَنْهُ مَكِّيُّ ( لِنَحْكُمَ ) بِنُونِ العَظَمَةِ أوْ إلى النَّبِيِّ وأفْرَدَ الفِعْلَ؛ لِأنَّ الحاكِمَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ النَّبِيِّينَ، وجَوَّزَ رُجُوعَهُ إلى (الكِتابِ) والإسْنادُ حِينَئِذٍ مَجازِيٌّ بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ ما بِهِ الفَصْلُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ الأظْهَرُ؛ إذْ لا بُدَّ في عَوْدِهِ إلى اللَّهِ - تَعالى - مَن تُكَلِّفٍ في المَعْنى؛ أيْ: يَظْهَرُ حُكْمُهُ، وإلى النَّبِيِّ مَن تَكَلُّفٍ في اللَّفْظِ؛ حَيْثُ لَمَّ يُقِلُّ (لِيَحْكُمُوا)، ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ ما فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ المَذْكُورُونَ، والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّعْيِينِ.

﴿ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ: في الحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ بِناءً عَلى أنَّ وحْدَةَ الأُمَّةِ بِالِاتِّفاقِ عَلى الحَقِّ، وإذا فُسِّرَتِ الوَحْدَةُ بِالِاتِّفاقِ عَلى الجَهالَةِ والكُفْرِ يَكُونُ الِاخْتِلافُ مَجازًا عَنْ الِالتِباسِ والِاشْتِباهِ اللّازِمِ لَهُ، والمَعْنى فِيما التَبَسَ عَلَيْهِمْ ﴿ وما اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ أيْ: في الحَقِّ بِأنْ أنْكَرُوهُ وعانَدُوهُ أوْ في الكِتابِ المُنَزَّلِ مُتَلَبِّسًا بِهِ، بِأنْ حَرَّفُوهُ وأوَّلُوهُ بِتَأْوِيلاتٍ زائِغَةٍ والواوُ حالِيَّةٌ.

﴿ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ أيِ: الكِتابِ المُنَزَّلِ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ وإزاحَةِ الشِّقاقِ؛ أيْ: عَكَسُوا الأمْرَ حَيْثُ جَعَلُوا ما أُنْزِلَ مُزِيحًا لِلِاخْتِلافِ سَبَبًا لِرُسُوخِهِ واسْتِحْكامِهِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ السُّؤالُ بِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَكُنْ الِاخْتِلافُ إلّا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوهُ - فالِاخْتِلافُ لا يَكُونُ سابِقًا عَلى البَعْثَةِ - وحاصِلُهُ أنَّ المُرادَ هَهُنا اسْتِحْكامُ الِاخْتِلافِ واشْتِدادُهُ، وعَبَّرَ عَنِ (الإنْزالِ) بِالإيتاءِ؛ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى كَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الوُقُوفِ عَلى ما فِيهِ مِنَ الحَقِّ، فَإنَّ (الإنْزالَ) لا يُفِيدُ ذَلِكَ، وقِيلَ: عَبَّرَ بِهِ لِيَخْتَصَّ المَوْصُولُ بِأرْبابِ العِلْمِ والدِّراسَةِ مِن أُولَئِكَ المُخْتَلِفِينَ، وخَصَّهم بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ شَناعَةِ فِعْلِهِمْ، ولِأنَّ غَيْرَهم تَبَعٌ لَهم ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيْ: رَسَخَتْ في عُقُولِهِمُ الحُجَجُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى الحَقِّ، و مِن مُتَعَلِّقَةٌ بِـ اخْتَلَفُوا مَحْذُوفًا، والحَصْرُ عَلى تَسْلِيمِ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مُسْتَفادًا مِنَ المَقامِ أوْ مِن حَذْفِ الفِعْلِ، ووُقُوعُ الظَّرْفِ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ لَفْظًا، أوْ مِن تَقْدِيرِ المَحْذُوفِ مُؤَخَّرًا - وفي الدُّرِّ المَصُونِ تَجْوِيزُ تَعَلُّقِهِ بِما اخْتُلِفَ قَبْلَهُ - ولا يَمْنَعُ مِنهُ إلّا كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، ولِلنُّحاةِ في هَذا المَقامِ كَلامٌ مُحَصِّلُهُ أنَّ اسْتِثْناءَ شَيْئَيْنِ بِأداةٍ واحِدَةٍ بِلا عَطْفٍ غَيْرُ جائِزٍ مُطْلَقًا عِنْدَ الأكْثَرِينَ، لا عَلى وجْهِ البَدَلِ ولا غَيْرِهِ - ويَجُوزُ عِنْدَ جَماعَةٍ مُطْلَقًا - وفَصْلُ بَعْضِهِمْ إنْ كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ مَذْكُورًا مَعَ كُلٍّ مِنَ المُسْتَثْنَيَيْنِ وهُما بَدَلانِ جازَ - وإلّا فَلا - واسْتَدَلَّ مَن أجازَ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ﴾ فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ المُسْتَثْنى أصْلًا، والتَّقْدِيرُ: ما نَراك اتَّبَعَكَ أحَدٌ في حالٍ إلّا أراذِلُنا في بادِيَ الرَّأْيِ وأجابَ مَن لَمْ يُجَوِّزْ بِأنَّ النَّصْبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اتَّبَعُوا وبِأنَّ الظَّرْفَ يَكْفِيهِ رائِحَةُ الفِعْلِ، فَيَجُوزُ فِيهِ ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ، قالَهُ الرِّضى، وهو مَبْنى الِاخْتِلافِ في الآيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( مِن ) و( البَغْيُ ) الظُّلْمُ أوِ الحَسَدُ، وبَيْنَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفِ صِفَةِ بَغْيًا وفِيهِ إشارَةٌ - عَلى ما أرى - إلى أنَّ هَذا ( البَغْيَ ) قَدْ باضَ وفَرَخَ عِنْدَهُمْ، فَهو يَحُومُ عَلَيْهِمْ ويَدُورُ بَيْنَهم لا طَمَعَ لَهُ في غَيْرِهِمْ، ولا مَلْجَأ لَهُ سِواهُمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِتَمَكُّنِهِمْ في ذَلِكَ، وبُلُوغِهِمُ الغايَةَ القُصْوى فِيهِ - وهو فائِدَةُ التَّوْصِيفِ بِالظَّرْفِ - وقِيلَ: أشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ البَغْيَ أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهم وأنَّ كُلَّهم سُفْلٌ، ومَنشَأُ ذَلِكَ مُزِيدُ حِرْصِهِمْ في الدُّنْيا وتَكالُبِهِمْ عَلَيْها، ﴿ فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴾ أيْ بِأمْرِهِ أوْ بِتَوْفِيقِهِ وتَيْسِيرِهِ، و(مِن) بَيانٍ (لِما) والمُرادُ لِلْحَقِّ الَّذِي اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ؛ فالضَّمِيرُ عامٌّ شامِلٌ لِلْمُخْتَلِفِينَ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، ولَيْسَ راجِعًا إلى الَّذِينَ أُوتُوهُ كالضَّمائِرِ السّابِقَةِ، والقَرِينَةُ عَلى ذَلِكَ عُمُومُ الهِدايَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنِ عَلى اخْتِلافِ أهْلِ الكِتابِ واللّاحِقِينَ بَعْدَ اخْتِلافِهِمْ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ ( الَّذِينَ آمَنُوا ) أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، والضَّمِيرُ في اخْتَلَفُوا لِلَّذِينِ أُوتُوهُ أيِ الكِتابِ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: اخْتَلَفُوا في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَأخَذَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، والنَّصارى يَوْمَ الأحَدِ فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيَوْمِ الجُمُعَةِ، واخْتَلَفُوا في القِبْلَةِ، فاسْتَقْبَلَتِ النَّصارى المَشْرِقَ واليَهُودُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْقِبْلَةِ، واخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ، ومِنهم مَن يَسْجُدُ ولا يَرْكَعُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَتَكَلَّمُ، ومِنهم مَن يُصَلِّي وهو يَمْشِي، فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في الصِّيامِ، فَمِنهم مَن يَصُومُ النَّهارَ واللَّيْلَ، ومِنهم مَن يَصُومُ عَنْ بَعْضِ الطَّعامِ، فَهَدى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، واخْتَلَفُوا في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَقالَتِ اليَهُودُ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا، وجَعَلَهُ اللَّهُ - تَعالى - حَنِيفًا مُسْلِمًا فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ.

واخْتَلَفُوا في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَكَذَّبَتْ بِهِ اليَهُودُ، وقالُوا لِأُمِّهِ بُهْتانًا عَظِيمًا، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا ووَلَدًا، وجَعَلَهُ اللَّهُ - تَعالى - رُوحَهُ وكَلِمَتَهُ، فَهَدى اللَّهُ - تَعالى - أُمَّةَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِلْحَقِّ مِن ذَلِكَ، وقِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ).

﴿واللَّهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ 123﴾ وهو طَرِيقُ الحَقِّ الَّذِي لا يَضِلُّ سالِكُهُ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً.

قال الزجاج: الأمة على وجوه منها القرن من الناس، كما يقال: مضت أمم أي قرون، والأمة: الرجل الذي لا نظير له.

ومنه قوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً [النحل: 120] والأمة: الدين وهو الذي قال هاهنا: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أي على دين واحد وعلى ملة واحدة.

وقال بعضهم: كان الناس كلهم على دين الإسلام، جميع من كان مع نوح في السفينة ثم تفرقوا.

فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ.

وقال بعضهم: كان الناس كلهم كفاراً في عهد نوح وعهد إبراهيم- عليهما السلام- فبعث الله للناس النبيين إبراهيم وإسماعيل، ولوطاً وموسى ومن بعدهم مُبَشِّرِينَ بالجنة لمن أطاع الله، وَمُنْذِرِينَ بالنار لمن عصى الله وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، يقول: بالعدل لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، أي يقضي بينهم فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من أمور الدين.

وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ، أي في الدين.

إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ، يعني أعطوا الكتاب.

مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ، أي البيان من الله.

بَغْياً بَيْنَهُمْ، يعني اختلفوا فيه حسداً بينهم.

فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، أي هداهم ووفقهم حتى أبصروا الحق من الباطل بِإِذْنِهِ بتوفيقه ويقال: برحمته.

وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، يعني الإسلام.

وقال بعضهم: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه أي بعصمته وَاللَّهُ يَهْدِي أي يوفق مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مستقيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

السلام- يلبس مَا وَجَدَ، فيلْبَسُ في الغالِبِ الشّملة، والكساء الخشن، والبرد الغليظ.

انتهى.

كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)

وقوله تعالى: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ...

الآية: قال ابن عبَّاس: النَّاسُ:

القُرُونُ التي كانَتْ بين آدم ونوح، وهي عشوة كانوا على الحَقِّ حتى اختلفوا، فبعث اللَّه تعالى نوحاً فمن بعده «١» ، وقال ابنُ عبَّاس أيضاً: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، أي: كفاراً يريد في مدَّة نوحٍ حين بعثه اللَّه «٢» .

وقال أُبَيُّ بن كعب، وابنُ زَيْد: المرادُ ب النَّاسُ بنو آدم حين أخرجهم اللَّه نسماً من ظهر آدم، أي: كانوا على الفطْرة «٣» ، وقيل غير هذا، وكل من قدَّر الناسَ في الآية مؤمنين، قدَّر في الكلام «فاختلفوا» ، وكلُّ من قدَّرهم كفاراً، قدَّر: كانت بعثة النبيِّين إِلَيْهم.

والأُمَّة: الجماعة على المَقْصد، ويسمَّى الواحدُ أُمَّةٍ، إِذا كان منفرداً بمَقْصِد، ومُبَشِّرِينَ: معناه بالثواب على الطاعة، ومُنْذِرِينَ: بالعقاب، والْكِتابَ: اسم الجنس، والمعنى: جميع الكتب، ولِيَحْكُمَ: مسند إِلى الكتاب في قول الجمهور، والذين أوتوه أرباب العلْم به، وخصوا بالذكْر تنبيهاً منه سبحانه على عظيم الشّنعة، والقبح، والْبَيِّناتُ: الدَّلالات، والحججُ، والبغي: التعدِّي بالباطل، وهدى: معناه أرشد،

والمراد ب الَّذِينَ آمَنُوا من آمن بمحمّد صلّى الله عليه وسلم فقالتْ طائفةٌ: معنى الآية أن الأمم كَذَّب بعضهم كتابَ بعض، فَهَدَى اللَّه أمَّة محمَّد صلّى الله عليه وسلم للتصديقِ بجمِيعِهَا «١» ، وقالتْ طائفة: إِن اللَّه سبحانه هَدَى المؤمنين للحَقِّ فيما اختلف فيه أهلُ الكتاب من قولهم: إنّ إبراهيم كان ٥٣ أيهوديّا أوْ نَصْرَانِيًّا «٢» ، قال زيْدُ بن أسلم: وكاختلافهم في يوم الجمعة فإن النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ قال: «هذا اليومُ الَّذي اختلفوا فيه، فهَدَانا اللَّه له، فلليهود غَدٌ، وللنصارى بَعْدَ غد، وفي صيامهمْ، وجميع ما اختلفوا «٣» فيه.

قال الفَرَّاء: وفي الكلام قلْبٌ، واختاره الطبريُّ «٤» ، قال: وتقديرُهُ: فهدَى اللَّه الذين آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا فيه، ودعاه إِلى هذا التقديرِ خوْفُ أن يحتمل اللفظ أنهم اختلفوا في الحَقِّ، فهدى اللَّه المؤمنين لبَعْضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاه غير الحق في نَفْسه نحا إِلى هذا الطبريُّ في حكايته عن الفَرَّاء.

قال ع «٥»

: وادعاء القَلْب على كتابِ اللَّه دُونَ ضرورة تَدْفَعُ إِلى ذلك عَجْزٌ، وسُوء نَظَرٍ.

وذلك أنَّ الكلام يتخرَّج على وجهه ورَصْفه لأن قوله: فَهَدَى يقتضي أنهم أصابوا الحَقَّ، وتم المعنى في قوله: فِيهِ، وتبيَّن بقوله: مِنَ الْحَقِّ جنسُ ما وقع الخلاف فيه، وبِإِذْنِهِ قال الزجَّاج «٦»

: معناه بعِلْمِهِ.

ع «٧»

: والإِذن هو العلم، والتمكين، فإِن اقترن بذلك أمرٌ، صار أقوى من الإِذن بمزية.

وقوله تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ ...

الآية: أكثر المفسرين «٨»

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ في المُرادِ بِـ"النّاسِ" هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: جَمِيعُ بَنِي آَدَمَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: آَدَمُ وحْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ.

ومَعْنى الآَيَةِ: كانَ آَدَمُ ذا دِينٍ واحِدٍ، فاخْتَلَفَ ولَدُهُ مِن بَعْدِهِ.

والثّالِثُ: آَدَمُ وأوْلادُهُ كانُوا عَلى الحَقِّ، فاخْتَلَفُوا حِينَ قُتِلَ قابِيلُ وهابِيلُ.

ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والأُمَّةُ هاهُنا: الصَّنْفُ والواحِدُ عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ.

وَفِي ذَلِكَ المَقْصِدِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الكُفْرُ.

رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَمَتى كانَ ذَلِكَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ حِينَ عُرِضُوا عَلى آَدَمَ، وأقَرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ.

قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

والثّانِي: في عَهْدِ إبْراهِيمَ كانُوا كُفّارًا.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بَيْنَ آَدَمَ ونُوحٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: حِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ، كانُوا عَلى الحَقِّ.

قالَهُ مُقاتِلٌ.

والخامِسُ: في عَهْدِ آَدَمَ.

ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿ وَمُنْذِرِينَ ﴾ بِالنّارِ.

هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مُبَشِّرِينَ لِمَن آَمَنَ بِكَ يا مُحَمَّدُ، ومُنْذِرِينَ لِمَن كَذَبَكَ.

﴿ وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ والكِتابُ: اسْمُ جِنْسٍ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ.

وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ في التَّوْراةِ.

وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ هَهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الصِّدْقِ والعَدْلِ.

والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ ﴾ في الحاكِمِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ.

والثّالِثُ: الكِتابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ  ﴾ .

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيَحْكُمَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الكافِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ "لِتَحْكُمَ" بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ  .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ يَعْنِي: الدِّينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ في هَذِهِ الهاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى مُحَمَّدٍ  قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والثّانِي: إلى الدِّينِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: إلى الكِتابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

فَأمّا هاءُ "أُوتُوهُ" فَعائِدَةٌ عَلى الكِتابِ مِن غَيْرِ خِلافٍ.

وقالَ الزَّجّاجُ: ونَصَبَ "بَغْيًا" عَلى مَعْنى المَفْعُولِ لَهُ، فالمَعْنى: لَمْ يُوقِعُوا الِاخْتِلافَ إلّا لِلْبَغْيِ، لِأنَّهم عالِمُونَ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ في كُتُبِهِمْ.

وقالَ الفَرّاءُ: في اخْتِلافِهِمْ وجْهانِ.

أحَدُهُما: كَفَرَ بَعْضُهم بِكِتابِ بَعْضٍ، والثّانِي: تَبْدِيلُ ما بَدَّلُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أيْ: لِمَعْرِفَةِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ تَصْحِيحِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ.

وَفِي الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الجُمْعَةُ، جَعَلَها اليَهُودُ السَّبْتَ، والنَّصارى الأحَدَ، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: « "نَحْنُ الآَخَرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكُتّابَ مِن قَبْلِنا، وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فاليَوْمَ لَنا، وغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى" .» والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ، فَمِنهم مَن يُصَلِّي إلى المَشْرِقِ، ومِنهم مَن يُصَلِّي إلى المَغْرِبِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ إبْراهِيمُ قالَتِ اليَهُودَ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا.

والرّابِعُ: أنَّهُ عِيسى، جَعَلَتْهُ اليَهُودُ لِفِرْيَةٍ، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا.

والخامِسُ: أنَّهُ الكُتُبُ، آَمَنُوا بِبَعْضِها، وكَفَرُوا بِبَعْضِها.

والسّادِسُ: أنَّهُ الدِّينُ، وهو الأصَحُّ، لِأنَّ جَمِيعَ الأقْوالِ داخِلَةٌ في ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إذْنُهُ: عِلْمُهُ.

وقالَ غَيْرُهُ: أمَرَهُ.

قالَ بَعْضُهُمْ: تَوْفِيقُهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناسُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ وما اخْتَلَفَ فِيهِ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهم فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن الحَقِّ بِإذْنِهِ واللهُ يَهْدِي مِن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ ألا إنَّ نَصْرُ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِـ "الناسُ": بَنُو آدَمَ حِينَ أخْرَجَهُمُ اللهُ نَسَمًا مِن ظَهْرِ آدَمَ، أيْ كانُوا عَلى الفِطْرَةِ.

وقالَ مُجاهِدٌ: "الناسُ": آدَمُ وحْدُهُ.

وقالَ قَوْمٌ: آدَمُ وحَوّاءُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: الناسُ: القُرُونُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وهي عَشْرَةٌ، كانُوا عَلى الحَقِّ حَتّى اخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللهُ تَعالى نُوحًا فَمَن بَعْدَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: الناسُ: نُوحٌ ومَن في سَفِينَتِهِ، كانُوا مُسْلِمِينَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ اخْتَلَفُوا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً كُفّارًا، يُرِيدُ في مُدَّةِ نُوحٍ، حِينَ بَعَثَهُ اللهُ.

وكانَ -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ- هي عَلى بابِها مِنَ المُضِيِّ المُنْقَضِي، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى سابِعًا وهو أنْ يُخْبِرَ عَنِ الناسِ الَّذِينَ هُمُ الجِنْسُ كُلُّهُ أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ، في خُلُوِّهِمْ عَنِ الشَرائِعِ، وجَهْلِهِمْ بِالحَقائِقِ، لَوْلا مَنُّ اللهِ عَلَيْهِمْ وتَفَضُّلُهُ بِالرُسُلِ، فَـ "كانَ" عَلى هَذا لِلثُّبُوتِ، لا تَخْتَصُّ بِالمُضِيِّ فَقَطْ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ( وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا ).

والأُمَّةُ: الجَماعَةُ عَلى المَقْصِدِ الواحِدِ، ويُسَمّى الواحِدُ أُمَّةً إذا كانَ مُنْفَرِدًا بِمَقْصِدٍ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  في قِسِّ بْنِ ساعِدَةَ "يُحْشِرُ يَوْمَ القِيامَةِ أُمَّةً وحْدَهُ».

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كانَ البَشَرُ أُمَّةً واحِدَةً"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "كانَ الناسُ أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ"، وكُلُّ مَن قَدَّرَ "الناسُ" في الآيَةِ مُؤْمِنِينَ قَدَّرَ في الكَلامِ "فاخْتَلَفُوا"، وكُلُّ مِن قَدَّرَهم كُفّارًا كانَتْ بِعْثَةُ النَبِيِّينَ إلَيْهِمْ.

وأوَّلُ الرُسُلِ -عَلى ما ورَدَ في الصَحِيحِ في حَدِيثِ الشَفاعَةِ- نُوحٌ لِأنَّ الناسَ يَقُولُونَ لَهُ: أنْتَ أوَّلُ الرُسُلِ.

والمَعْنى: إلى تَقْوِيمِ كَفّارٍ، وإلّا فَآدَمُ مُرْسَلٌ إلى بَنِيهِ يُعَلِّمُهُمُ الدِينَ والإيمانَ، و"مُبَشِّرِينَ" مَعْناهُ: بِالثَوابِ عَلى الطاعَةِ، و"مُنْذِرِينَ" مَعْناهُ: مِنَ العِقابِ عَلى المَعاصِي، ونَصْبُ اللَفْظَتَيْنِ عَلى الحالِ.

و"الكِتابَ" اسْمُ الجِنْسِ، والمَعْنى جَمِيعُ الكُتُبِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: الألِفُ واللامُ في "الكِتابِ" لِلْعَهْدِ، والمُرادُ التَوْراةُ.

و"لِيَحْكُمَ" مُسْنَدٌ إلى الكِتابِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.

وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: لِيَحْكُمَ اللهُ.

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "لِيَحْكُمَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحَكى عنهُ مَكِّيُّ "لِنَحْكُمَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وأظُنُّهُ تَصْحِيفًا لِأنَّهُ لَمْ يَحْكِ عنهُ البِناءَ لِلْمَفْعُولِ كَما حَكى الناسُ، والضَمِيرُ في "فِيهِ" عائِدٌ عَلى "ما" مِن قَوْلِهِ: "فِيما"، والضَمِيرُ في "فِيهِ" الثانِيَةِ يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى "الكِتابِ"، ويُحْتَمَلُ عَلى الضَمِيرِ الَّذِي قَبْلَهُ، و ﴿ الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ أرْبابُ العِلْمِ بِهِ والدِراسَةُ لَهُ.

وخَصَّهم بِالذِكْرِ تَنْبِيهًا مِنهُ تَعالى عَلى الشُنْعَةِ في فِعْلِهِمْ، والقُبْحِ الَّذِي واقَعُوهُ، و"البَيِّناتُ": الدَلالاتُ والحُجَجُ.

و"بَغْيًا" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لَهُ.

والبَغْيُ: التَعَدِّي بِالباطِلِ.

و"هُدًى": مَعْناهُ: أرْشَدُ، وذَلِكَ خَلَقَ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ وُجُوهِ الهُدى في سُورَةِ "الحَمْدِ".

والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ آمَنُوا" مَن آمَنَبِمُحَمَّدٍ  ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: أنَّ الأُمَمَ كَذَّبَ بَعْضُهم كِتابَ بَعْضٍ فَهَدى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ التَصْدِيقَ بِجَمِيعِها.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ اللهَ هَدى المُؤْمِنِينَ لِلْحَقِّ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا أو نَصْرانِيًّا.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن قِبْلَتِهِمْ، فَإنَّ قِبْلَةَ اليَهُودِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ والنَصارى إلى المَشْرِقِ.

ومِن يَوْمِ الجُمْعَةَ، فَإنَّ النَبِيَّ  قالَ: «هَذا اليَوْمَ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدانا اللهُ لَهُ، فَلِلْيَهُودِ غَدٌ ولِلنَّصارى بَعْدَ غَدٍ، ومِن صِيامِهِمْ وجَمِيعِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ.» وقالَ الفَرّاءُ: في الكَلامِ قَلْبٌ، واخْتارَهُ الطَبَرِيُّ قالَ: وتَقْدِيرُهُ "فَهَدى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِلْحَقِّ مِمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ"، ودَعاهُ إلى هَذا التَقْدِيرِ خَوْفٌ أنْ يُحْتَمَلَ اللَفْظُ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الحَقِّ، فَهَدى اللهُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، وعَساهُ غَيَّرَ الحَقَّ في نَفْسِهِ.

نَحا إلى هَذا الطَبَرِيُّ في حِكايَتِهِ عَنِ الفَرّاءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وادِّعاءُ القَلْبِ عَلى لَفْظِ كِتابِ اللهِ دُونَ ضَرُورَةٍ؛ تَدْفَعُ إلى ذَلِكَ عَجْزٌ وسُوءُ نَظَرٍ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ يَتَخَرَّجُ عَلى وجْهِهِ ورَصْفِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ: "فَهَدى" يَقْتَضِي أنَّهم أصابُوا الحَقَّ، وتَمَّ المَعْنى في قَوْلِهِ: "فِيهِ".

وتَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ "مِنَ الحَقِّ" جِنْسُ ما وقَعَ الخِلافُ فِيهِ.

قالَ المَهْدَوِيُّ: وقَدَّمَ لَفْظُ الخِلافِ عَلى لَفْظِ الحَقَّ اهْتِمامًا، إذِ العِنايَةُ إنَّما هي بِذِكْرِ الِاخْتِلافِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا عِنْدِي بِقَوِيٍّ.

وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لِما اخْتَلَفُوا عنهُ مِنَ الحَقِّ" أيْ عَنِ الإسْلامِ.

و"بِإذْنِهِ" قالَ الزَجّاجُ: مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِأمْرِهِ.

والإذْنُ هو العِلْمُ والتَمْكِينُ، فَإنِ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ أمْرٌ صارَ أقْوى مِنَ الإذْنِ بِمَزِيَّةٍ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ العَبْدَ يَسْتَبِدُّ بِهِدايَةِ نَفْسِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أمْ حَسِبْتُمْ ﴾ الآيَةُ، "أمْ" قَدْ تَجِيءُ لِابْتِداءِ كَلامٍ بَعْدَ كَلامٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ تَقْسِيمَ ولا مُعادَلَةَ ألِفِ اسْتِفْهامٍ.

وحَكى بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنَّها قَدْ تَجِيءُ بِمَثابَةِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ يُبْتَدَأُ بِها.

و"حَسِبْتُمْ" تَطْلُبُ مَفْعُولَيْنِ؛ فَقالَ النُحاةُ: "أنْ تَدْخُلُوا" تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَ "أنْ" مُسْتَوْفاةٌ المَعْنى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: "أحَسِبْتُمْ دُخُولَكُمُ الجَنَّةَ واقِعًا، ولَمّا".

ولا يَظْهَرُ أنْ يَتَقَدَّرَ المَفْعُولُ الثانِي في قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمّا يَأْتِكُمْ ﴾ بِتَقْدِيرِ: "أحَسِبْتُمْ دُخُولَكُمُ الجَنَّةَ خُلُوًّا مِن أنْ يُصِيبَكم ما أصابَ مَن قَبْلَكُمْ"، لِأنَّ "خَلَوْا" حالٌ، والحالُ هُنا إنَّما تَأْتِي بَعْدَ تَوْفِيَةِ المَفْعُولَيْنِ، والمَفْعُولانِ هُما الِابْتِداءُ، والخَبَرُ قَبْلَ دُخُولِ حَسِبَ، وَ"البَأْساءُ" في المالِ، و"الضَرّاءُ" في البَدَنِ.

و"خَلَوْا" مَعْناهُ: انْقَرَضُوا، أيْ صارُوا في خَلاءٍ مِنَ الأرْضِ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قِصَّةِ الأحْزابِ، حِينَ حَصَرُوا رَسُولَ اللهِ  وأصْحابَهُ في المَدِينَةِ، هَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُدِّيِّ وأكْثَرِ المُفَسِّرِينَ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الآيَةُ تَسْلِيَةً لِلْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُصِيبَتْ أمْوالُهم بَعْدَهم في بِلادِهِمْ، وفُتِنُوا هم قَبْلَ ذَلِكَ.

و"مَثَلُ" مَعْناهُ: "شِبْهُ".

فالتَقْدِيرُ: أيْ شِبْهُ الَّذِينَ "خَلَوْا".

والزَلْزَلَةُ: شِدَّةُ التَحْرِيكِ، تَكُونُ في الأشْخاصِ، وفي الأحْوالِ.

ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "زُلْزِلَ" رُباعِيٌّ كَـ "دَحْرَجَ".

وقالَ الزَجّاجُ: هو تَضْعِيفٌ في زَلَّ فَيَجِيءُ التَضْعِيفُ عَلى هَذا في الفاءِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَزُلْزِلُوا، ويَقُولُ الرَسُولُ" بِالواوِ بَدَلُ حَتّى.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَزُلْزِلُوا ثُمَّ زُلْزِلُوا ويَقُولُ الرَسُولُ" وقَرَأ نافِعٌ: "يَقُولُ" بِالرَفْعِ.

وقَرَأ الباقُونَ "يَقُولُ" بِالنَصْبِ، فِـ "حَتّى" غايَةٌ مُجَرَّدَةٌ، تَنْصُبُ الفِعْلَ بِتَقْدِيرِ إلى أنْ.

وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ كَأنَّها اقْتَرَنَ بِها تَسْبِيبٌ فَهي حَرْفُ ابْتِداءٍ تَرْفَعُ الفِعْلَ.

وأكْثَرُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ الكَلامَ إلى آخِرِ الآيَةِ مِن قَوْلِ الرَسُولِ والمُؤْمِنِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرَسُولِ عَلى طَلَبِ اسْتِعْجالِ النَصْرِ لا عَلى شَكٍّ ولا ارْتِيابٍ.

والرَسُولُ اسْمُ الجِنْسِ، وذَكَرَهُ اللهُ تَعْظِيمًا لِلنّازِلَةِ الَّتِي دَعَتِ الرَسُولَ إلى هَذا القَوْلِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَقْدِيرُ: حَتّى يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا: مَتّى نَصْرُ اللهِ؟

فَيَقُولُ الرَسُولُ: ﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ .

فَقَدَّمَ الرَسُولَ في الرُتْبَةِ لِمَكانَتِهِ، ثُمَّ قَدَّمَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ المُتَقَدِّمُ في الزَمانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَحَكُّمٌ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى وجْهِهِ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ.

٥٠ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿ ألا إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى مُؤْتَنِفًا بَعْدَ تَمامِ ذِكْرِ القَوْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف لبيان أن اختلاف الأديان أمر كان في البشر لحكمة اقتضته وأنه قد ارتفع ذلك ورجع الله بالناس إلى وِحْدة الدين بالإسلام.

والمناسبة بينها وبين ما تقدمها تحتمل وجوهاً: الأول: كَانَ الناس أُمَّةً واحدة فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس فِيمَا اختلفوا فِيهِ } قال فخر الدين: إن الله تعالى لما بين في قوله: ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ﴾ [البقرة: 212] أن سبب إصرار الكفار على كفرهم هو استبدالهم الدنيا بالآخرة بين في هذه الآية أن هذه الحالة غير مختصة بالذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بل كانت حاصلة في الأزمنة المتقادمة لأن الناس كانوا أمة واحدة قائمة على الحق وما كان اختلافهم لسبب البغي والتحاسد في طلب الدنيا اه، فتكون الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لتنظير ما لقيه المسلمون بما كان في الأمم الغابرة.

الثاني: يؤخذ من كلام الطيبي عند قوله تعالى: ﴿ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ﴾ [البقرة: 214] أخذ من كلام «الكشاف» أن المقصود من قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ تشجيع الرسول عليه السلام والمؤمنين على الثبات والصبر على أذى المشركين بذكر ما قابلت به الأمم السالفة أنبياءها وما لقوا فيها من الشدائد اه فالمناسبة على هذا في مدلوللِ قوله تعالى: ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون ﴾ [البقرة: 212] إلخ، وتكون الجملة مستأنفة استئنافاً ابتدائياً للمناسبة.

والظاهر عندي أن موقع هذه الآية هنا جامع لموقع تذييل لما قبلها ومقدمة لما بعدها.

فأما الأول فلأنها أفادت بيان حالة الأمم الماضية كيف نشأ الخلاف بينهم في الحق مما لأجله تداركهم الله ببعثات الرسل في العصور والأجيال التي اقتضتها حكمة الله ولطفه مما يماثل الحالة التي نشأت فيها البعثة المحمدية وما لقيه الرسول والمسلمون من المشركين.

وأما الثاني فلأنها مقدمة لما يرد بعدها من ذكر اختصاص الإسلام بالهداية إلى الحق الذي اختلفت فيه الأمم وهو مضمون قوله تعالى: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه ﴾ إلى قوله: ﴿ إلى صراط المستقيم ﴾ وذلك من خصائص كون الإسلام مهيمناً على ما سبقه من الشرائع الإلهية وتفضيله على جميع الأديان وأن هذه المزية العظمى يجب الاعتراف بها وألا تكون مثار حسد للنبيء وأمته، رداً على حسد المشركين، إذ يسخرون من الذين آمنوا وعلى حسد أهل الكتاب الذي سبق التنبيه عليه في قوله تعالى: ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم ﴾ إلى قوله ﴿ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ [البقرة: 142].

وحصل من عموم ذلك تعليم المسلمين تاريخ أطوار الدين بين عصور البشر بكلمات جامعة ختمت بقوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴾ فإن كان المراد من كونهم أمة واحدة الوحدة في الخير والحق وهو المختار كما سيأتي فقد نبه الله أن الناس اختلفوا فبعث لهم أنبياء متفرقين لقصد تهيئة الناس للدخول في دين واحد عام، فالمناسبة حاصلة مع جملة ﴿ ادخلوا في السلم كافة ﴾ [البقرة: 208] بناء على أنها خطاب لأهل الكتاب أي ادخلوا في دين الإسلام الذي هدى الله به المسلمين.

وإن كان المراد من كون الناس أمة واحدة الوحدة في الضلال والكفر يكون الله قد نبههم أن بعثة الرسل تقع لأجل إزالة الكفر والضلال الذي يحدث في قرون الجهالة، فكذلك انتهت تلك القرون إلى القرن الذي أعقبته بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية تثبيتاً للمؤمنين فالمناسبة حاصلة مع قوله: ﴿ زين للذين كفروا الحياة الدنيا ﴾ [البقرة: 212].

فالمعنى أن الإسلام هدى إلى شريعة تجمع الناس كلهم تبييناً لفضيلة هذا الدين واهتداء أهله إلى ما لم يهتد إليه غيرهم، مع الإشارة إلى أن ما تقدمه من الشرائع تمهيد له وتأنيس به كما سنبينه عند قوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا ﴾ .

والناس اسم جمع ليس له مفرد من لفظه، و(أل) فيه للاستغراق لا محالة وهو هنا للعموم أي البشر كلهم، إذ ليس ثمة فريق معهود ولكنه عموم عرفي مبني على مراعاة الغالب الأغلب وعدم الاعتداد بالنادر لظهور أنه لا يخلو زمن غلب فيه الخير عن أن يكون بعض الناس فيه شريراً مثل عصر النبوة ولا يخلو زمن غلب فيه الشر من أن يكون بعض الناس فيه خيراً مثل نوح ﴿ وما آمن معه إلاّ قليل ﴾ [هود: 4].

والأمة بضمة الهمزة: اسم للجماعة الذين أمرهم واحد، مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها.

والوصف ب (واحدة) في الآية لتأكيد الإفراد في قوله (أمة) لدفع توهم أن يكون المراد من الأمة القبيلة، فيظن أن المراد كان الناس أهل نسب واحد، لأن الأمة قد تطلق على من يجمعهم نسب متحد.

والوحدة هنا: مراد بها الاتحاد والتماثل في الدين بقرينة تفريع ﴿ فبعث الله النبيئين ﴾ الخ، فيحتمل أن يكون المراد كانوا أمة واحدة في الحق والهدى أي كان الناس على ملة واحدة من الحق والتوحيد، وبهذا المعنى روى الطبري تفسيرها عن أُبَيّ بن كعب وابن عباس ومجاهد وقتادة وجابر بن زيد وهو مختار الزمخشري قال الفخر: وهو مختار أكثر المحققين قال القفال: بدليل قوله تعالى بعده ﴿ فبعث الله النبيين ﴾ إلى قوله ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ ، لأن تفريع الخبر ببعثة النبيين على الجملة السابقة وتعليل البعث بقوله ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ انتظم من ذلك كلام من بليغ الإيجاز وهو أن الناس كانوا أمة واحدة فجاءتهم الرسل بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد ليدوموا على الحق خشية انصرافهم عنه إذا ابتدأ الاختلاف يظهر وأيدهم الله بالكتب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فلا جرم أن يكون مجيء الرسل لأجل إبطال اختلاف حدث، وأن الاختلاف الذي يحتاج إلى بعثة الرسل هو الاختلاف الناشئ بعد الاتفاق على الحق كما يقتضيه التفريع على جملة ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ بالفاء في قوله: ﴿ فبعث الله النبيين ﴾ وعلى صريح قوله: ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ .

ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله ﴿ أمة واحدة ﴾ ، لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة، وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله) الخ، ولو كان المراد أنهم كانوا أمة واحدة في الضلال لصح تفريع البعثة على نفس هذا الكون بلا تقدير ولولا أن القرينة صرفت عن هذا لكان هو المتبادر، ولهذا قال ابن عطية كل من قدَّر الناسَ في الآية كانوا مؤمنين قدَّر في الكلام فاختلفوا وكل من قدرهم كفاراً كانت بعثة الرسل إليهم اه.

ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس (19) والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية ﴿ ألست بربكم ﴾ [الأعراف: 172]، وأنها ما غشَّاها إلاّ تلقين الضلال وترويج الباطل وأن الله بعث النبيئين لإصلاح الفطرة إصلاحاً جزئياً فكان هديهم مختلف الأساليب على حسب اختلاف المصالح والأهلية وشدة الشكائم، فكان من الأنبياء الميسر ومنهم المغلظ وأنه بعث محمداً لإكمال ذلك الإصلاح، وإعادة الناس إلى الوحدة على الخير والهدى وذلك معنى قوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا ﴾ الخ.

وعن عطاء والحسن أن المعنى كان الناس أمة واحدة متفقين على الضلال والشر وهو يروى عن ابن عباس أيضاً وعليه فعطف قوله ﴿ فبعث الله النبيئين ﴾ عطف على اللفظ الظاهر لا تقدير معه أي كانوا كذلك فبعث الله النبيئين فيعلم أن المراد ليرشدوا الناس إلى الحق بالتبشير والنذارة.

فالمقصود من الآية على هذا التأويل إظهار أن ما بعث الله به النبيئين قد وقع فيه التغيير والاختلاف فيما بعثوا به وأن الله بعث محمداً بالقرآن لإرشادهم إلى ما اختلفوا فيه فيكون المقصود بيان مزية دين الإسلام وفضله على سائر الأديان بما كان معه من البيان والبرهان.

وأيّاً ما كان المراد فإن فعل كان هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف اسمها المخبر عنه بمضمون خبرها في الزمن الماضي وأن ذلك قد انقطع، إذ صار الناس منقسمين إلى فئتين فئة على الحق وفئة على الباطل.

فإن كان المراد الوحدة في الحق فقد حصل ذلك في زمن كان الغالب فيه على الناس الرشد والاستقامة والصلاح والإصلاح فلم يكونوا بحاجة إلى بعثة الرسل إلى أن اختلفت أحوالهم فظهر فيهم الفساد، فقيل كان ذلك فيما بين آدم ونوح ونقل هذا عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وقال ابن عطية قال قوم كان ذلك زمن نوح كفر رجل قومه فهلكوا بالطوفان إلاّ من نجاه الله مع نوح فكان أولئك النفر الناجون أمة واحدة قائمة على الحق، وقيل إنما كان الناس على الحق حين خلق الله الأرواح التي ستودع في بني آدم ففطرها على الإسلام فأقروا له بالوحدانية والعبودية وهو ما في قوله تعالى في سورة الأعراف (172، 173): ﴿ وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ﴾ على أحد تفاسير تلك الآية وروي هذا عن أبي بن كعب وجابر بن زيد والربيع بن سليمان.

وفي تفسير الفخر } عن القاضي عبد الجبار وأبي مسلم الأصفهاني أن معنى الآية: كان الناس أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية على وجود الخالق وصفاته واحتناب الظلم والكذب وحجتهما على ذلك أن قوله: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ [التين: 4] وقيل: أريد بالناس آدم وحواء.

نقله ابن عطية عن مجاهد وقوم، والذي نجزم به أن هذا كان في زمن من أزمان وجود الناس على الأرض يعلمه الله تعالى لقوله: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ [الفرقان: 38] والأظهر أنه من زمن وجود آدم إلى أن أشرك قوم نوح.

وإن كان المراد الوحدة على الباطل فقد حصل ذلك في زمن نوح في أول ما قص الله علينا مع ما ورد في الصحيح أن نوحاً أول الرسل إلى أهل الأرض، فيظهر أن الضلال حدث في أهل الأرض وعمَّهم عاجلاً فبعث الله نوحاً إليهم ثم أهلك الكافرين منهم بالطوفان ونجى نوحاً ونفراً معه فأصبح جميع الناس صالحين، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله النبيين.

فيجدر بنا أن ننظر الآن فيما تضمنته هذه الآية من المعنى في تاريخ ظهور الشرائع وفي أسباب ذلك.

الناس أبناء أب واحد وأم واحدة فلا جرم أن كانوا في أول أمرهم أمة واحدة لأن أبويهم لما ولدا الأبناء الكثيرين وتوالد أبناؤهما تألفت منهم في أمد قصير عائلة واحدة خلقت من مزاج نقي فكانت لها أمزجة متماثلة ونشأوا على سيرة واحدة في أحوال الحياة كلها وما كانت لتختلف إلاّ اختلافاً قليلاً ليس له أثر يؤبه به ولا يحدث في العائلة تنافراً ولا تغالباً.

ثم إن الله تعالى لما خلق نوع الإنسان أراده ليكون أفضل الموجودات في هذا العالم الأرضي فلا جرم أن يكون خلقه على حالة صالحة للكمال والخير قال تعالى: ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ [التين: 4].

فآدم خلق في أحسن تقويم يليق بالذكر جسماً وعقلاً وألهمه معرفة الخير واتباعه ومعرفة الشر وتجنبه فكانت آراؤه مستقيمة تتوجه ابتداء لما فيه النفع وتهتدي إلى ما يحتاج للاهتداء إليه، وتتعقل ما يشار به عليه فتميز النافع من غيره ويساعده على العمل بما يهتدي إليه فكره جسد سليم قوي متين وحواءُ خلقت في أحسن تقويم يليق بالأنثى خلقاً مشابهاً لخلق آدم، إذ إنها خلقت كما خلق آدم، قال تعالى: ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ﴾ [النساء: 1] فكانت في انسياق عقلها واهتدائها وتعقلها ومساعدة جسدها على ذلك على نحو ما كان عليه آدم.

ولا شك أن أقوى عنصر في تقويم البشر عند الخلقة هو العقل المستقيم فبالعقل تأتَّى للبشر أن يتصرف في خصائصه، وأن يضعها في مواضع الحاجة إليها.

هكذا كان شأن الذكَر والأنثى فما ولدا من الأولاد نشأ مثل نشأتهما في الأحوال كلها، ألم تر كيف اهتدى أحد بني آدم إلى دفن أخيه من مشاهدة فعل الغراب الباحث في الأرض فكانت الاستنباط الفكري والتقليدُ به أسَّ الحضارة البشرية.

فالصلاح هُوَ الأصل الذي خلق عليه البشر ودام عليه دهراً ليس بالقصير، ثم أخذ يرتد إلى أسفل سافلين، ذلك أن ارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين إنما عرض له بعوارض كانت في مبدأ الخليقة قليلة الطرُوّ أوْ معدومته، لأن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة لا تعدو أربعة أسباب: الأول: خلل يعرض عند تكوين الفرد في عقله أو في جسده فينشأ منحرفاً عن الفضيلة لتلك العاهة.

الثاني: اكتساب رَذائل من الأخلاق من مخترعات قواه الشهوية والغضبية ومن تقليد غيره بداعية استحسان ما في غيره من مفاسد يخترعها ويدعو إليها.

الثالث: خواطر خياليّة تحدث في النفس مخالفة لما عليه الناس كالشهوات والإفراط في حب الذات أو في كراهية الغير مما توسوس به النفس فيفكر صاحبها في تحقيقها.

الرابع: صدور أفعال تصدر من الفرد بدواع حاجية أو تكميلية ويجدها ملائمة له أو لذيذة عنده فيلازمها حتى تصير له عادة وتشتبه عنده بعد طول المدة بالطبيعة، لأن العادة إذا صادفت سذاجة من العقل غير بصيرة بالنواهي رسخت فصارت طبعاً.

فهذه أربعة أسباب للانحطاط عن الفطرة الطيبة، والأول كان نادر الحدوث في البشر، لأن سلامة الأبدان وشبابَ واعتدالَ الطبيعة وبساطةَ العيش ونظامَ البِيئة كل تلك كانت موانع من طرو الخلل التكويني، ألا ترى أن نوع كل حيواننٍ يلازم حال فطرته فلا ينحرف عنها باتباع غيره.

والثاني كان غير موجود، لأن البشر يومئذٍ كانوا عائلة واحدة في موطن واحد يسير على نظام واحد وتربية واحدة وإحساس واحد فمن أين يجيئه الاختلاف؟

والثالث ممكن الوجود لكن المحبة الناشئة عن حسن المعاشرة وعن الإلف، والشفقة الناشئة عن الأخوة والمواعظ الصادرة عن الأبوين كانت حُجباً لما يهجس من هذا الإحساس.

والرابع لم يكن بالذي يكثر في الوقت الأول من وجود البشر، لأن الحاجات كانت جارية على وفق الطباع الأصلية ولأن التحسينات كانت مفقودة، وإنما هذا السبب الرابع من موجبات الرقي والانحطاط في أحوال الجمعيات البشرية الطارئة.

أما حادثة قتل ابن آدم أخاه فما هي إلاّ فلتة نشأت عن السبب الثالث عن إحساس وجداني هو الحسَد مع الجهل بمغبة ما ينشأ عن القتل؛ لأن البشر لم يعرف الموت إلاّ يومئذٍ ولذلك أسرعت إليه الندامة، فتبين أن الصلاح هو حال الأمة يومئذٍ أو هو الغالب عليها.

وينشأ عن هذا الصلاح والاستقامة في الآباء دوام الاستقامة في النسل، لأن النسل مُنْسَلٌ من ذوات الأصول فهو ينقل ما فيها من الأحوال الخِلقية والخُلُقية، ولما كان النسل منسَلاَ من الذكر والأنثى كان بحكم الطبع محصِّلاً على مجموع من الحالتين فإن استوت الحالتان أو تقاربتا جاء النسل على أحوال مساويةِ المظاهرِ لأحوال سلفه، قال نوح عليه السلام في عكسه ﴿ ولا يَلدوا إلاّ فاجراً كفاراً ﴾ [نوح: 27]، ومما يدل على أن حال البشر في أول أمره صلاحٌ ما نقله في «الكشاف» عن ابن عباس أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون على شريعة من الحق.

ثم كثرت العائلة البشرية وتكونت منها القبيلة فتكاثرت ونشأ فيها مع الزمان قليلاً قليلاً خواطر مختلفة ودبت فيها أسباب الاختلاف في الأحوال تبعاً لاختلاف بين حالي الأب والأم، فجاء النسل على أحوال مركبة مخالفة لكل من مفرد حالتي الأب والأم، وبذلك حدثت أمزجة جديدة وطرأت عليها حينئذٍ أسباب الانحطاط الأربعة، وصارت ملازمة لطوائف من البشر بحكم التناسل والتلقي، هنالك جاءت الحاجة إلى هدي البشر ببعثة الرسل، والتاريخُ الديني دلنا على أن نوحاً أول الرسل الذين دَعوا إلى الله تعالى قال تعالى: ﴿ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً ﴾ [الشورى: 13] الآية، ولما ذكر الرسل في آيات القرآن ابتدأهم في جميع تلك الآيات بنوح ولم يذكر آدم وفي حديث الشفاعة في الصحيح تصريح بذلك أن آدم يقول للذين يستشفعون به إني لست هناكم، ويذكر خطيئته ايتوا نوحاً أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وبهذا يتعين أن خطيئة قابيل ليست مخالفة شرع مشروع، وأن آدم لم يكن رسولاً وأنه نبيء صالح أوحي إليه بما يهذب ابناءه ويعلمهم بالجزاء.

فقوله تعالى: ﴿ فبعث الله النبيئين ﴾ هو على الوجه الأول مفرع على ما يؤذن به قوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ مع تحقق وجود الخلاف بينهم بالمشاهدة من إرادة أن كونهم أمة واحدة دام مدة ثم انقضى، فيكون مفرعاً على جملة مقدرة تقديرها فاختلفوا فبعث الله النبيئين، وعلى الوجه الآخر مفرعاً على الكون أمة واحدة في الباطل فعلى الأول يكون أول النبيين المبعوثين نوحاً، لأنه أول الرسل لإصلاح الخلق.

وعلى الثاني: يكون أولهم آدم بعث لبنيه لما قتل أحدهم أخاه؛ فإن الظاهر أن آدم لم يبعث بشريعة لعدم الدواعي إلى ذلك، وإنما كان مرشداً كما يرشد المربي عائلته.

والمراد بالنبيين هنا الرسل بقرينة قوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ والإرسال بالشرائع متوغل في القدم وقبله ظهور الشرط وهو أصل ظهور الفواحش لأن الاعتقاد الفاسد أصل ذميم الفعال، وقد عبد قوم نوح الأصنام، عبدوا ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا وهم يومئذٍ لم يزالوا في مواطن آدم وبنيه في (جبال نوذ) من بلاد الهند كما قيل، وفي البخاري عن ابن عباس أن ودّاً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً كانوا من صالحي قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت اه، وقيل كانوا من صالحي قوم آدم، وقيل إن سواعاً هو ابن شيث وأن يغوث ابن سواع ويعوق ابن سغوث ونسر بن يعوق، وقيل إنهم من صالحي عصر آدم ماتوا فنحت قابيل بن آدم لهم صوراً ثم عبدوهم بعد ثلاثة أجيال، وهذا كله زمن متوغل في القدم قبل التاريخ فلا يؤخذ إلاّ بمزيد الاحتراز، وأقدم شريعة أثبتها التاريخ شريعة برهمان في الهند فإنها تبتدئ من قبل القرن الثلاثين قبل الهجرة.

وفي هذا العهد كانت في العراق شريعة عظيمة ببابل وضعها ملك بابل المدعو (حَمُورَابي) ويظن المؤرخون أنه كان معاصراً لإبراهيم عليه السلام وأنه المذكور في «سفر التكوين» باسم (ملْكي صادق) الذي لقي إبراهيم في شاليم وبارك إبراهيم ودعا له.

والبعث: الإرسال والإنهاض للمشي ومنه بعث البعير إذا أنهضه بعد أن برك والبعث هنا مجاز مستعمل في أمر الله النبي بتبليغ الشريعة للأمة.

و (النبيئين) جمع نبيء وهو فعيل بمعنى مفعول مشتق من النبأ وهو الخبر المهم، لأن الله أخبره بالوحي وعلم ما فيه صلاح نفسه وصلاح من ينتسب إليه، فإن أمره بتبليغ شريعة الأمة فهو رسول فكل رسول نبيء، والقرآن يذكر في الغالب النبي مراداً به الرسول، وقد ورد أن عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً لا يعلم تفصيلهم وأزمانهم إلاّ الله تعالى قال تعالى: ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ [الفرقان: 38] وقال: ﴿ وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح ﴾ [الإسراء: 17].

وعدد الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر.

والمراد بالنبيين هنا خصوص الرسل منهم بقرينة قوله ﴿ بعث ﴾ وبقرينة الحال في قوله: ﴿ مبشرين ومنذرين ﴾ ، لأن البشارة والإنذار من خصائص الرسالة والدعوة وبقرينة ما يأتي من قوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ الآية.

فالتعريف في (النبيين) للاستغراق وهو الاستغراق الملقب بالعرفي في اصطلاح أهل المعاني.

والبشارة: الإعلام بخير حصل أو سيحصل، والنذارة بكسر النون الإعلام بشر وضر حصل أو سيحصل، وذلك هو الوعد والوعيد الذي تشتمل عليه الشرائع.

فالرسل هم الذين جاءوا بالوعد والوعيد، وأما الأنبياء غير الرسل فإن وظيفتهم هي ظهور صلاحهم بين قومهم حتى يكونوا قدوة لهم، وإرشاد أهلهم وذويهم ومريديهم للاستقامة من دون دعوة حتى يكون بين قومهم رجال صالحون، وإرشاد من يسترشدهم من قومهم، وتعليم من يرونه أهلاً لعلم الخير من الأمة.

ثم هم قد يجيئون مؤيدين لشريعة مضت كمجيء إسحاق ويعقوب والأسباط لتأييد شريعة إبراهيم عليه السلام، ومجيء أنبياء بني إسرائيل بعد موسى لتأييد التوراة، وقد لا يكون لهم تعلق بشرع من قبلهم كمجيء خالد بن سنان العَبْسي نبيئاً في عَبْس من العرب.

وقوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب ﴾ ، الإنزال: حقيقته تدلية الجسم من علو إلى أسفل، وهو هنا مجاز في وصول الشيء من الأعلى مرتبة إلى من هو دونه، وذلك أن الوحي جاء من قبل الله تعالى ودال على مراده من الخلق فهو وارد للرسل في جانب له علو منزلة.

وأضاف مع إلى ضمير النبيئين إضافة مجملة واختير لفظ مع دون عليهم ليصلح لمن أنزل عليه كتاب منهم مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ولمن جاء مؤيداً لمن قبله مثل أنبياء بني إسرائيل بين موسى وعيسى.

والكتاب هو المكتوب، وأطلق في اصطلاح الشرع على الشريعة لأن الله يأمر الناس بكتابتها لدوام حفظها والتمكن من مدارستها، وإطلاق الكتاب عليها قد يكون حقيقة إن كانت الشريعة في وقت الإطلاق قد كتبت أو كتب بعضها كقوله تعالى: ﴿ الم ذلك الكتاب ﴾ [البقرة: 1 2] على أحد الوجهين المتقدمين هنالك، وقد يكون مجازاً على الوجه الآخر، وما هنا يحمل على الحقيقة لأن الشرائع قد نزلت وكتبت وكتب بعض الشريعة المحمدية.

والمعية معية اعتبارية مجازية أريد بها مقارنة الزمان، لأن حقيقة المعية هي المقارنة في المكان وهي المصاحبة، ولعل اختيار المعية هنا لما تؤذن به من التأييد والنصر قال تعالى: ﴿ إنني معكما أسمع وأرى ﴾ [طه: 20] وفي الحديث «ومعك روح القدس».

والتعريف في الكتاب للاستغراق، أي وأنزل مع النبيئين الكتب التي نزلت كلها وهو من مقابلة الجمع بالجمع على معنى التوزيع، فالمعنى أنزل مع كل نبي كتابه وقرينة التوزيع موكولة لعلم السامعين لاشتهار ذلك.

وإنما أفرد الكتاب ولم يقل الكتب، لأن المفرد والجمع في مقام الاستغراق سواء، وقد تقدم مع ما في الإفراد من الإيجاز ودفع احتمال العهد إذ لا يجوز أن ينزل كتاب واحد مع جمع النبيئين؛ فتعين أن يكون المراد الاستغراق لا العهد، وجوز صاحب «الكشاف» كون اللام للعهد والمعنى أنزل مع كل واحد كتابه.

والضمير في ﴿ ليحكم ﴾ راجع إلى الكتاب فإسناد الحكم إلى الكتاب مجاز عقلي، لأنه مبين ما به الحكم، أو فعل يحكم مجاز في البيان.

ويجوز رجوع الضمير إلى اسم الجلالة أي أنزل الله الكتاب ليحكم بينهم إسناد الحكم مجاز عقلي، لأنه المسبب له والأمر بالقضاء به، وتعدية (يحكم) ببين لأنه لم يعين فيه محكوم له أو عليه.

وحكم الكتاب بين الناس بيان الحق والرشد والاستدلال عليه، وكونه فيما اختلفوا فيه كناية عن إظهاره الحق، لأن الحق واحد لا يختلف فيه إلاّ عن ضلال أو خطأ، ولهذا قال جمهور علمائنا إن المصيب في الاجتهاديات واحد.

عطف على جملة ﴿ أنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ لبيان حقيقة أخرى من أحوال اختلاف الأمم وهو الاختلاف بين أهل الكتاب بعضهم مع بعض وبين أهل الكتاب الواحد مع تلقيهم ديناً واحداً، والمعنى وأنزل معهم الكتاب بالحق فاختلف فيه كما قال تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ﴾ [هود: 110].

والمعنى وما اختلف فيه إلا أقوامهم الذين أوتوا كتبهم فاستغنى بجملة القصر عن الجملة الأخرى لتضمن جملة القصر إثباتاً ونفياً.

فاللَّه بعث الرسل لإبطال الضلال الحاصل من جهل البشر بصلاحهم فجاءت الرسل بالهدى، اتبعهم من اتبعهم فاهتدى وأعرض عنهم من أعرض فبقي في ضلالة، فإرسال الرسل لإبطال الاختلاف بين الحق والباطل، ثم أحدث اتباع الرسل بعدهم اختلافاً آخر وهو اختلاف كل قوم في نفس شريعتهم.

والمقصود من هذا بيان عجيب حال البشر في تسرعهم إلى الضلال، وهي حقيقة تاريخية من تاريخ الشرائع، وتحذير المسلمين من الوقوع في مثل ذلك.

والتعريض بأهل الكتاب وهم أشهر أهل الشرائع يومئذٍ فيما صنعوا بكتبهم من الاختلاف فيها، وهذا من بديع استطراد القرآن في توبيخ أهل الكتاب وخاصة اليهود وهي طريقة عربية بليغة قال زهير إن البخيل ملوم حين كان *** ولكن الجوادَ على علاَّته هرم وقال الفرزدق يمدح الخليفة ويستطرد بهجاء جرير: إلى مَلِك ما أُمُّه من مُحَارِب *** أبُوه ولا كانَتْ كُلَيْبٌ تصاهره والضمير من قوله: ﴿ فيه ﴾ يجوز أن يعود إلى الكتاب وأن يعود إلى الحق الذي تضمنه الكتاب، والمعنى على التقديرين واحد، لأن الكتاب أنزل ملابساً للحق ومصاحباً له فإذا اختلف في الكتاب اختلف في الحق الذي فيه وبالعكس على طريقة قياس المساواة في المنطق.

والاختلاف في الكتاب ذهاب كل فريق في تحريف المراد منه مذهباً يخالف مذهب الآخر في أصول الشرع لا في الفروع، فإن الاختلاف في أصوله يعطل المقصود منه.

وجيء بالموصول دون غيره من المعرفات لما في الصلة من الأمر العجيب وهو أن يكون المختلفون في مقصد الكتاب هم الذين أعطوا الكتاب ليزيلوا به الخلاف بين الناس فأصبحوا هم سبب خلاف فيه، ولا شك أن ذلك يبطل المراد منه.

والمعنى تشنيع حال الذين أوتوه بأن كانوا أسوأ حالاً من المختلفين في الحق قبل مجيء الشرائع، لأن أولئك لهم بعض العذر بخلاف الذين اختلفوا بعد كون الكتاب بأيديهم.

وقوله: ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ متعلق باختلف، والبينات جمع بينة وهي الحجة والدليل.

والمراد بالبينات هنا الدلائل التي من شأنها الصدّ عن الاختلاف في مقاصد الشريعة، وهي النصوص التي لا تحتمل غير مدلولاتها أعني قواطع الشريعة، والظواهر المتعاضدة التي التحقت بالقواطع.

والظواهر التي لم يدع داع إلى تأويلها ولا عارضها معارض.

والظواهر المتعارضة التي دل تعارضها على أن محمل كل منها على حالة لا تعارض حالة محمل الآخر وهو المعبر عنه في الأصول بالجمع بين الأدلة وتواريخ التشريع الدالة على نسخ حكم حكماً آخر، أو ما يقوم مقام التاريخ من نحو هذا ناسخ، أو كان الحكم كذا فصار كذا، فهذه بينات مانعة من الاختلاف لو كان غرض الأمم اتباع الحق ومجئ البينات بلوغ ما يدل عليها وظهور المراد منها.

والبعدية هنا: بعدية اعتبار لم يقصد منها تأخر زمان الاختلاف عن مجيء البينات، وإن كان هو كذلك في نفس الأمر، أي إن الخلاف كان في حالة تقررت فيها دلائل الحق في نفوس المختلفين.

وقوله: ﴿ بغياً بينهم ﴾ مفعول لأجله لاختلفوا، والبغي: الظلم وأصل البغي في كلام العرب الطلب، ثم شاع في طلب ما للغير بدون حق فصار بمعنى الظلم معنى ثانياً وأطلق هنا على الحسد لأن الحسد ظلم.

والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد وقصد كل فريق تغليط الآخر فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر.

وقوله: ﴿ بينهم ﴾ متعلق بقوله: ﴿ بغياً ﴾ للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلماً على عدوها.

واعلم أن تعلق كل من المجرور وهو ﴿ من بعد ما جاءتهم ﴾ وتعلق المفعول لأجله وهو ﴿ بغياً ﴾ بقوله: ﴿ اختلف ﴾ الذي هو محصور بالاستثناء المفرغ، ويستلزم أن يكون كلاهما محصوراً في فاعل الفعل الذي تعلقا به، فلا يتأتى فيه الخلاف الذي ذكره الرضي بين النحاة في جواز استثناء شيئين بعد أداة استثناء واحدة، لأن التحقيق أنّ ما هنا ليس استثناء أشياء بل استثناء شيء واحد وهم الذين أوتوه، لكنه مقيد بقيدين هما ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ و ﴿ بغياً ﴾ إذ المقصود أن الخلاف لم يكن بين أهل الدين ومعانديه، ولا كان بين أهل الدين قبل ظهور الدلائل الصارفة عن الخلاف، ولا كان ذلك الخلاف عن مقصد حسن بل كان بين أهل الدين الواحد، مع قيام الدلائل وبدافع البغي والحسد.

والآية تقتضي تحذير المسلمين من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من الاختلاف في الدين أي في أصول الإسلام، فالخلاف الحاصل بين علماء الإسلام ليس اختلافاً في أصول الشريعة، فإنها إجماعية، وقد أجمعوا على أنهم يريدون تحقيقها، ولذلك اتفقت أصولهم في البحث عن مراد الله تعالى وعن سنة رسوله للاستدلال عن مقصد الشارع وتصرفاته، واتفقوا في أكثر الفروع، وإنما اختلفوا في تعيين كيفية الوصول إلى مقصد الشارع، وقد استبرءوا للدِّين فأعلنوا جميعاً أن لله تعالى حكماً في كل مسألة، وأنه حكم واحد، وأنه كلف المجتهدين بإصابته وأن المصيب واحد، وأن مخطئه أقل ثواباً من مصيبه، وأن التقصير في طلبه إثم.

فالاختلاف الحاصل بين علمائنا اختلاف جليل المقدار موسع للأنظار.

أما لو جاء أتباعهم فانتصروا لآرائهم مع تحقق ضعف المدرك أو خطئه لقصد ترويج المذهب وإسقاط رأي الغير فذلك يشبه الاختلاف الذي شنعه الله تعالى وحذرنا منه فكونوا من مثله على حذر ولا تكونوا كمثل قول المعري: فمجادل وصَلَ الجدالَ وقد درى *** أن الحقيقة فيه ليس كما زعَمْ عَلِم الفتى النَّظَّار أن بصائرا *** عميتْ فكم يُخفى اليقين وكم يُعَم وقوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا ﴾ هذا العطف يحتمل أن الفاء عاطفة على ﴿ اختلف فيه ﴾ الذي تضمنته جملة القصر، قال ابن عرفة: عطف بالفاء إشارة إلى سرعة هدايته المؤمنين بعقب الاختلاف اه، يريد أنه تعقيب بحسب ما يناسب سرعة مثله وإلا فهدى المسلمين وقع بعد أزمان مضت، حتى تفاقم اختلاف اليهود واختلاف النصارى، وفيه بعد لا يخفى، فالظاهر عندي أن الفاء فصيحة لما علم من أن المقصود من الكلام السابق التحذير من الوقوع في الاختلاف ضرورة أن القرآن إنما نزل لهدي المسلمين للحق في كل ما اختلف فيه أهل الكتب السالفة فكأنَّ السامعَ ترقب العلم بعاقبة هذا الاختلاف فقيل: دامَ هذا الاختلاف إلى مجيء الإسلام فهدى الله الذين آمنوا إلخ، فقد أفصحت عن كلام مقدر وهو المعطوف عليه المحذوف كقوله تعالى: ﴿ اضرب بعصاك الحجر فانفجرت ﴾ [البقرة: 60].

والمراد من الذين آمنوا المسلمون لا محالة، والضمير في ﴿ اختلفوا ﴾ عائد للمختلفين كلهم، سواء الذين اختلفوا في الحق قبل مجيء الرسل والذين اختلفوا في الشرائع بعد مجيء الرسل والبينات ولذلك بينه بقوله: ﴿ من الحق ﴾ وهو الحق الذي تقدم ذكره في قوله: ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ اختلاف الفريقين راجع إلى الاختلاف في تعيين الحق إما عن جهل أو عن حسد وبغي.

والإذن: الخطاب بإباحة فعل وأصله مشتق من فعل أذنَ إذا أصغى أُذُنه إلى كلام مَن يكلمه، ثم أطلق على الخطاب بإباحة فعل على طريقة المجاز بعلاقة اللزوم لأن الإصغاء إلى كلام المتكلم يستلزم الإقبال عليه وإجابةَ مطلبه، وشاع ذلك حتى صار الإذن أشْيَع في معنى الخطاب بإباحة الفعل، وبذلك صار لفظ الإذن قابلاً لأن يستعمل مجازاً في معان من مشابهات الخطاب بالإباحة، فأطلق في هذه الآية على التمكين من الاهتداء وتيسيره بما في الشرائع من بيان الهُدى والإرشاد إلى وسائل الاهتداء على وجه الاستعارة، لأن من ييسر لك شيئاً فكأنه أباح لك تناوله.

وفي هذا إيماء إلى أن الله بعث بالإسلام لإرجاع الناس إلى الحق وإلى التوحيد الذي كانوا عليه، أو لإرجاعهم إلى الحق الذي جاءت الرسل لتحصيله، فاختلف أتباعهم فيه بدلاً من أن يحققوا بأفهامهم مقاصد ما جاءت به رسلهم، فحصل بما في الإسلام من بيان القرآننِ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وضوحُ الحق والإرشاد إلى كيفية أخذه، فحصل بمجيء الإسلام إتمام مراد الله مما أنزل من الشرائع السالفة.

وقوله: ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ تذييل لبيان أن فضل الله يعطيه من يشاء، وهذا إجمال، وتفصيله أن حكمة الله اقتضت أن يتأخر تمام الهدى إلى وقت مجئ شريعة الإسلام لمَّا تهيأَ البشر بمجيء الشرائع السابقة لقبول هذه الشريعة الجامعة، فكانت الشرائع السابقة تمهيداً وتهيئة لقبول دين الإسلام، ولذلك صدرت هذه الآية بقوله: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ ، فكما كان البشر في أول أمره أمة واحدة على هدى بسيط ثم عرضت له الضلالات عند تحرك الأفكار البشرية، رجع البشر إلى دين واحد في حالة ارتقاء الأفكار، وهذا اتحاد عجيب، لأنه جاء بعد تشتت الآراء والمذاهب، ولذا قال تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ﴾ ، وفي الحديث: «مَثَل المسلمين واليهود والنصارى كمثللِ رجللٍ استأْجَر قوماً يعملون له عملاً يوماً إلى الليل على أجر معلوم فعملوا له إلى نصف النهار فقالوا لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شرطتَ لنا وما عَمِلنا باطل فقال لهم لا تفعلوا أَكمِلوا بقيةَ عملكم وخُذُوا أجركم كاملاً فأَبَوْا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم فقال لهم: أَكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطتُ لهم من الأجر فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا: لك ما عملنا باطل ولك الأجر الذي جعلتَ لنا فيه، فقال لهم أَكملوا بقية عملكم فإنما بقي من النهار شيء يسير فأَبَوْا، واستأجر قوماً أن يعملوا له بقية يومهم فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين كليهما، فذلك مثَلُهم ومثَلُ ما قبلوا من هذا النور، فقالت اليهود والنصارى ما لَنا أكثرُ عملاً وأقَلُّ عطاء، قال هل ظلمتكم من حقكم شيئاً؟

قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

والثّانِي: أنَّهم كانُوا عَلى الحَقِّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والضَّحّاكِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ آدَمُ كانَ عَلى الحَقِّ إمامًا لِذُرِّيَّتِهِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ في ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهم عَشْرُ فِرَقٍ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ فاخْتَلَفُوا، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ جَمِيعَ النّاسِ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ يَوْمَ اسْتَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن صُلْبِهِ، فَعَرَضَهم عَلى آدَمَ، فَأقَرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ والإسْلامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ.

وَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَأُ: كانَ البَشَرُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في الحَقِّ.

والثّانِي: في الكِتابِ وهو التَّوْراةُ.

﴿ إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.

﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ يَعْنِي الحُجَجَ والدَّلائِلَ ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِ القائِلِ: بَغى فُلانٌ عَلى فُلانٍ، إذا اعْتَدى عَلَيْهِ.

﴿ فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرادَ الجُمُعَةَ، لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ اخْتَلَفُوا فِيها فَضَلُّوا عَنْها، فَجَعَلَها اليَهُودُ السَّبْتَ، وجَعَلَها النَّصارى الأحَدَ، فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ، فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إلَيْها، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الصَّلاةِ، فَمِنهم مَن يُصَلِّي إلى الشَّرْقِ ومِنهم مَن يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَهَدانا اللَّهُ لِلْقِبْلَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، فَكَفَرَ بَعْضُهم بِكِتابِ بَعْضٍ فَهَدانا اللَّهُ لِلتَّصْدِيقِ بِجَمِيعِها.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ قال: على الإِسلام كلهم.

وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله ﴿ كان الناس أمة واحدة فاختلفوا ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم الله على الإِسلام وأقروا له بالعبودية، فكانوا أمة واحدة مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم.

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ قال: آدم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي أنه كان يقرأها ﴿ كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين ﴾ وإن الله إنما بعث الرسل، وأنزل الكتاب، بعد الاختلاف ﴿ وما اختلف فيه إلاَّ الذين أوتوه ﴾ يعني بني إسرائيل أوتوا الكتاب والعلم ﴿ بغياً بينهم ﴾ يقول: بغياً على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، فضرب بعضهم رقاب بعض، ﴿ فهدى الله الذين آمنوا ﴾ يقول: فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإِخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، واعتزلوا الاختلاف، فكانوا شهداء على الناس يوم القيامة، على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، وأن رسلهم بلغتهم، وأنهم كذبوا رسلهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ قال: كفاراً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴾ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «نحن الأولون والآخرون.

الأوّلون يوم القيامة، وأول الناس دخولاً الجنة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، فغداً لليهود، وبعد غد للنصارى، وهو في الصحيح بدون الآية» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: كان بين آدم ونوح عشرة أنبياء، ونشر من آدم الناس فبعث فيهم النبيين مبشرين ومنذرين.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعة من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك فبعث الله نوحاً، وكان أول رسول أرسله الله إلى الأرض، وبعث عند الاختلاف من الناس وترك الحق، فبعث الله رسله وأنزل كتابه يحتج به على خلقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ﴾ فاختلفوا في يوم الجمعة فأخذ اليهود يوم السبت والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد بيوم الجمعة.

واختلفوا في القبلة، فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، وهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في الصلاة، فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.

واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.

واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً.

وجعله الله حنيفاً مسلماً، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.

واختلفوا في عيسى، فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتاناً عظيماً، وجعلته النصارى إلهاً وولداً، وجعله الله روحه وكلمته، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال في قراءة ابن مسعود: ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا عنه ﴾ يقول: اختلفوا عن الإِسلام.

وأخرج ابن جرير عن الربيع قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿ فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق فيه بإذنه ليكونوا شهداء على الناس يوم القيامة والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ فكان أبو العالية يقول: في هذه الآية يهديهم للمخرج من الشبهات والضلالات والفتن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان الناس على عهد إبراهيم  أمةً واحدةً كفارًا كلهم، وولد إبراهيم في جاهلية، فبعث الله إليهم إبراهيم وغيره من النبيين (١) وقال الحسن (٢) (٣) قال ابن الأنباري: على هذا القول وإن كان فيما بينهم من لم يكن بهذا الوصف نحو: هابيل وإدريس، فإن الغالب كان الكفر، والحكم للأغلب والأعم، ولا يعتد بالقليل في الكثير، كما لا يعتد بالنبيذ القليل من الشعير في البر الكثير.

وقال الكلبي (٤) (٥) وقال ابن زيد (٦) ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى  ﴾ .

وهذا القول مروي عن أبي بن كعب (٧) (٨) (٩) وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة قال: كان كلُّ من بعث إليه الأنبياء كفارًا (١٠)  .

وقال محمد بن إسحاق: ولدت حواء لآدم أربعين ولدًا ذكرًا وأنثى، في عشرين بطنًا، وكانوا أمة مسلمين فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ ﴾ أي: الكتب، اسم الجنس أريد به الجمع (١٢) وقوله تعالى: ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بالعدل والصدق، وما فيه من البيان عن الحق من الباطل (١٣) وقوله تعالى: ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ قال أهل المعاني: هذا مجاز وتوسع، وحقيقته ليحكم منزل الكتاب، إلا أنه جعل اللفظ على الكتاب تفخيمًا له لما فيه من البيان (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ ﴾ الكناية راجعة إلى الكتاب، والمراد بالكتاب المختلف فيه: التوراة والإنجيل (١٥) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ يعني: اليهود والنصارى، وهم الذين أوتوا الكتاب، والله تعالى كثيرًا ما يذكرهم في القرآن بهذا اللفظ، كقوله: ﴿ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ  ﴾ ، كأنه قال: وما اختلف في الكتاب إلا اليهود والنصارى (١٦) واختلافهم: كفر بعضهم بكتاب بعض بغيًا وحسدًا.

ويحتمل أن يكون المراد باختلافهم: تحريفهم وتبديلهم؛ لأن اليهود بدلت التوراة، وعلى هذا المراد اليهود دون النصارى إن لم تبدل النصارى، والوجهان في الاختلاف ذكرهما الفراء (١٧) وقال بعضهم: الكناية راجعةٌ إلى محمد  ، لأنه من جملة النبيين وداخل فيهم، وعلى هذا معنى الآية: وما اختلف في أمر محمد بعد وضوح الدلالات لهم بغيًا وحسدًا إلا اليهود الذين أوتوا الكتاب، وذلك أن المشركين وإن اختلفوا في أمر محمد فإنهم لم يفعلوا ذلك للبغي والحسد، ولم تأتهم البينات في شأن محمد  وصحة نبوته كما أتت اليهود.

فاليهود مخصوصون من هذا الوجه الذي ذكرنا (١٨) (١٩)  ، وإما كتابهم، فيعود المعنى إلى ما ذكرنا.

وقوله تعالى ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ أي: إلى ما اختلفوا، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا  ﴾ ، ويقال: هديته إلى الطريق وللطريق والطريقَ، قال الله: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا  ﴾ (٢٠) فإن قيل: ما معنى الهداية إلى ما اختلفوا فيه؟

فالجواب ما قال ابن الأنباري: إن هذا من باب حذف المضاف، أي: فهدى الله الذين آمنوا لمعرفة ما اختلفوا فيه.

وقال الفراء: هذا من المقلوب، أراد: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه، وأنشد: إِن سِرَاجًا لكَرِيمٌ مَفْخَرُه ...

تَحْلَى به العَيْنُ إذا ما تَجْهَرُه (٢١) أراد: يَحْلَى بالعين، لأنك تقول: حَلِيْتَ بعيني، فصرف فعل الرجل إلى العين (٢٢) وقال بعضهم: اختلفوا فيه حق لا باطل، فالهداية إليه يصح في المعنى، وذلك أن أهل الكتاب اختلفوا فكفر بعضهم بكتاب بعض، فهدى الله الذين آمنوا بالكتب كلها؛ لأن الكتب المنزلة كلها حق، ألا تري إلى قول ابن زيد في هذه الآية، قال: ثم اختلفوا في القبلة، فصلت اليهود إلى بيت المقدس، وصلت النصارى إلى المشرق، فهدانا الله عز وجل إلى الكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بالليل، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة فأخذت اليهود السبت، والنصارى الأحد، فهدانا الله عز وجل له.

واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًّا، وقالت النصارى: كان نصرانيًّا، فهدانا الله عز وجل للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى، فجعلته اليهود لفرية، وجعلته النصارى ربًّا، فهدانا الله عز وجل فيه للحق (٢٣) وقد قال النبي  : "كتب الله الجمعة على من كان قبلنا فاختلفوا فيها فهدانا الله لها، والناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا، والنصارى بعد غدٍ" (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد كان ذلك في قضائي وقدري (٢٥) (٢٦) وقال بعض أهل التفسير في قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا اَلَّذِينَ أُوتُوهُ ﴾ يعني: أهل كل كتاب اختلفوا فيه بعد ما جاءهم البينات بغيًا بينهم ظلمًا وطلبًا للملك، ورفضوا الحكم بكتابهم، فعصم الله هذه الأمة من نقض حكم كتابها، ومخالفة ما فيه من الأحكام.

(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 376 من طريق العوفي، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 243، "الدر المنثور" 1/ 435.

(٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 714، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، والواحدي في "الوسيط" 1/ 315، والرازي في "تفسيره" 6/ 133، "غرائب النيسابوري" 2/ 303.

(٣) انظر المصادر السابقة.

(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 715، "البغوي" في "تفسيره" 1/ 243، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 22.

(٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 716، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 22، وقد استظهر محقق "تفسير الثعلبي" أن المراد بالواقدي هنا: علي بن الحسين بن واقد القرشي ت 211، وله تفسير رواه الثعلبي وصرح به في مقدمة "تفسيره".

(٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 336.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 335، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 376، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 717، "الدر المنثور" 1/ 435.

(٨) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 717.

(٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 717، "الكشاف" 1/ 255، "المحرر الوجيز" 2/ 209.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

(١١) ينظر: "السيرة النبوية" لابن هشام، والذي في "تفسير الثعلبي" 2/ 717 - 718، وقال مجاهد ومحمد بن إسحاق بن يسار: كان الناس أمة واحدة، يعني: آدم وحده، سمى الواحد بلفظ الجمع؛ لأنه أصل النسل، ثم خلق الله تعالى حواء ونشر منهما الناس، فكانوا مسلمين كلهم إلى أن قتل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله النبيين.

وينظر قول مجاهد في "تفسيره" 1/ 104، والطبري في "تفسيره" 2/ 335.

(١٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 723، "الكشاف" 1/ 256، "المحرر الوجيز" 2/ 206.

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 723.

(١٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 724، "تفسير القرطبي" 3/ 32.

(١٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 724.

(١٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "المحرر الوجيز" 2/ 210 - 211.

(١٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 131، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "المحرر الوجيز" 2/ 211، "تفسير القرطبي" 3/ 32، "البحر المحيط" 2/ 136 - 137.

(١٨) ينظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 161، "تفسير الثعلبي" 2/ 725، "البحر المحيط" 2/ 136 - 137.

(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

(٢٠) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 726.

(٢١) البيت غير منسوب، في "معاني القرآن" للفراء 1/ 131.

(٢٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 131 - 132 بمعناه.

(٢٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 339، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 378، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 163، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 726، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 138، "الدر المنثور" 1/ 436.

(٢٤) أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (876) كتاب الجمعة، باب: فرض الجمعة، ومسلم (855) كتاب الجمعة، باب: هداية هذه الأمة ليوم الجمعة.

وأوله عندهما: "نحن الآخرون السابقون".

(٢٥) ذكره في "الوسيط" 1/ 317.

(٢٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 285، "تفسير الثعلبي" 2/ 726.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أُمَّةً واحدة ﴾ أي متفقين في الدين، وقيل: كفاراً في زمن نوح عليه السلام، وقيل: مؤمنين ما بين آدم ونوح، أو من كان مع نوح في السفينة وعلى ذلك يقدر: فاختلفوا بعد اتفاقهم، ويدل عليه أمّة واحدة فاختلفوا ﴿ الكتاب ﴾ هنا: جنس أو في كل نبيّ وكتابه ﴿ وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ ﴾ الضمير المجرور يعود على الكتاب، أو على الضمير المجرور المتقدم، وقال الزمخشري: يعود على الحق، وأما الضمير في أوتوه، فيعود على الكتاب، المعنى: تقبيح الاختلاف بين الذين أوتوا الكتاب بعد أن جاءتهم البينات ﴿ بَغْياً ﴾ أي حسداً أو عدواناً، وهو مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال ﴿ فَهَدَى الله الذين آمَنُواْ ﴾ يعني؛ أمّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ لِمَا اختلفوا فِيهِ ﴾ أي للحق لما اختلفوا فيه فما بمعنى الذي وقبلها مضاف محذوف، والضمير في اختلفوا لجميع الناس، يريد اختلافهم في الأديان، فهدى الله المؤمنين لدين الحق، وتقدير الكلام: فهدى الله الذين آمنوا لإصابة ما اختلف فيه الناس من الحق، ومن في قوله من الحق لبيان الجنس؛ أي جنس ما وقع فيه الخلاف ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ قيل: بعلمه، وقيل بأمره.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ليحكم ﴾ بضم الياء وفتح الكاف: يزيد.

وكذلك في آل عمران والنور في موضعين.

الباقون بفتح الياء وضم الكاف ﴿ يقول ﴾ برفع اللام: نافع.

الباقون: بالنصب.

الوقوف: ﴿ بينة ﴾ ط لانتهاء الاستفهام إلى الشرط مع تقدير حذف أي فبدّلوا ومن يبدل الخ ﴿ العقاب ﴾ ه ﴿ من الذين آمنوا ﴾ م لأن و "الذين" مبتدأ و "فوقهم" خبره.

ولو وصل صار "فوقهم" ظرفاً ليسخرون أو حالاً لفاعل "يسخرون" وقبحه ظاهر.

﴿ يوم القيامة ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ومنذرين ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ ط ﴿ بينهم ﴾ ج لعطف المختلفتين ﴿ بإذنه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ من قبلكم ﴾ ط للفصل بين الاستفهام والإخبار لأن قوله "ولما يأتكم" عطف على "أم حسبتم" تقديره أحسبتم ولم يأتكم.

﴿ متى نصر الله ﴾ ط ﴿ قريب ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما أمر بالسلم ونهى عن مقابلها ثم قال: ﴿ فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات  ﴾ أي فإن أعرضتم عن هذا التكليف صرتم مستحقين للتهديد.

ثم بين ذلك التهديد بقوله ﴿ فأعلموا أن الله عزيز حكيم  ﴾ ثم ثنى ذلك التهديد بقوله ﴿ هل ينظرون  ﴾ الآية ثم ثلث التهديد بقوله ﴿ سل بني إسرائيل ﴾ والخطاب للرسول  أو لكل أحد.

وهذا السؤال سؤال تقريع كما يسأل الكفرة يوم القيامة، وإلا فكثرة الآيات التي أوتوها معلومة بإعلام الله  .

والمراد سل هؤلاء الحاضرين أنا لما آتينا أسلافهم آيات بينات فأنكروها لا جرم استوجبوا العقاب من الله تعالى، وذلك تنبيه لهؤلاء الحاضرين على أنهم لو زلوا عن آيات الله لوقعوا في العذاب كما وقع أولئك المتقدمون كي يعتبروا ويتعظوا.

و "كم" تحتمل الاستفهامية والخبرية، و ﴿ من آية ﴾ مميزها، وقد فصل بين المميز وبينها بالفعل.

فإن كانت استفهامية فالتقدير: سلهم عن عدد إيتائنا الآيات إياهم حتى يخبروك عن كميتها.

وإن كانت خبرية فالمعنى: سلهم عن أنا كثيراً من الآيات آتيناهم.

والآيات الواضحات إما معجزات موسى  كفرق البحر وتظليل الغمام وتكليم الله إياه والعصا واليد ونحوها وهي تسع ﴿ ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات  ﴾ وإما الدلائل الدالة على صحة دين الإسلام فمنهم من آمن وأقر ومنهم من جحد وبدل ﴿ ومن يبدل نعمة الله ﴾ قيل: إنها الآيات والدلائل الدالة على صحة دين الإسلام وهي أجل أقسام النعم، لأنها أسباب الهدى والنجاة من الضلالة.

ثم إن قلنا: الآيات معجزات موسى فتبديلها أن الله  أظهرها لتكون أسباب هدايتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم كقوله ﴿ فزادتهم رجساً إلى رجسهم  ﴾ وإن قلنا: الآية البينة هي ما في التوراة والإنجيل من الدلائل على صحة نبوة محمد  فتبديلها تحريفها وإدخال الشبه فيها.

وقيل: المراد بنعمة الله ما آتاهم من أسباب الصحة والأمن والكفاية، فتبديلها أنهم لم يجعلوها واسطة الطاعة والقيام بما عليهم من التكاليف، بل استعملوها في غير ما أوتيت هي لأجله.

وعلى هذا فقوله ﴿ من بعد ما جاءته ﴾ معناه ظاهر، وأما على القول الأول وهو أن المراد من النعمة لآيات فمعنى مجيئها التمكن من معرفتها أو عرفانها كقوله ﴿ ثم يحرفونه من بعدما عقلوه  ﴾ لأنه إذا لم يتمكن من معرفتها أو لم يعرفها فكأنها غائبة.

﴿ فإن الله شديد العقاب ﴾ قال الواحدي: الرابطة محذوفة أي له.

والتحقيق أن ترك هذا الإضمار أولى فإنه إذا علم كونه تعالى موصوفاً بهذا الوصف لزم من ذلك أنه يعاقب المبدل إن شاء، ولكن لا يلزم من كونه شديد العقاب للمبدّل كونه متصفاً بذلك وصفاً ذاتياً.

ثم قال الواحدي.

والعقاب عذاب يعقب الجرم.

ثم إنه  ذكر السبب الذي لأجله كان التبديل سيرتهم فقال: ﴿ زين للذين كفروا ﴾ الآية.

والغرض تعريف المؤمنين ضعف عقول الكفار في ترجيح الفاني من زينة الدنيا على الباقي من نعيم الآخرة، والتذكير في زين إما لأن الحياة والإحياء واحد، أو للفصل مع أن التأنيث ليس بحقيقي.

عن ابن عباس أن الآية نزلت في أبي جهل وأضرابه من كبار قريش.

وقيل: رؤساء اليهود وعلمائهم.

وعن مقاتل: نزلت في المنافقين.

ولا مانع من نزولها في جميعهم لأن كلهم وهم في التنعم والراحة كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين والمهاجرين.

ثم المزين من هو؟

فعن المعتزلة أنهم غواة الجن والإنس قبحوا أمر الآخرة في أعين الكفار وأوهموا أن لا صحة لها فلا تنغصوا عيشكم في الدنيا كقول من قال: أتترك لذة الصهباء نقداً *** بما وعدوك من لبن وخمر؟

قالوا: وأما الذي يقوله المجبرة من أنه  زين ذلك فباطل.

لأن المزين للشيء هو المخبر عن حسنه، وإذا كان المزين هو الله  فلا بد أن يكون صادقاً في ذلك الإخبار، فيكون فاعله المستحسن له مصيباً.

وإن كان كافراً وإصابة الكافر كفر فهذا القول كفر، وزيف بأن مزين الكفر لجميع الكفار لا بد أن يكون خارجاً منهم.

وقولهم: "المزين للشيء هو المخبر عن حسنه" مردود، وإنما المزين من يجعل الشيء موصوفاً بالأوصاف الحسنة.

سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن الله  يكون مخبراً عن حسنه من حيث إنه أخبر عما فيها من اللذات والراحات؟

وهذا إخبار عما ليس بكذب والتصديق به ليس بكفر.

وقال أبو مسلم: الكفار زينوا لأنفسهم والعرب تقول: "أين يذهب بك" لا يريدون أن ذاهباً ذهب به ومنه قوله  ﴿ أنى يؤفكون  ﴾ ﴿ أنى يصرفون  ﴾ .

ولما كان الشيطان لا يملك أن يحمل الإنسان على الفعل قهراً فالإنسان بالحقيقة هو الذي زين لنفسه.

والتحقيق أن المزين هو الله  كما صرح بذلك في قوله ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً  ﴾ وكيف لا وانتهاء جميع الحوادث إليه أظهر في الدنيا من الزهرة والنضارة والطيب والحلاوة، وركب في الطبائع حب الشهوات والميل إلى الطيبات، لا على سبيل الإلجاء الذي لا يمكن تركه، بل مع إمكان رد النفس عنها ليجاهد المؤمن هواه فيقصر نفسه على المباح ويكفها عن الحرام ويتم غرض الابتلاء.

أو نقول: المراد من التزيين أنه  أمهلهم في الدنيا ولم يمنعهم عن الإقبال عليها والحرص الشديد في طلبها.

وقيل: إن الله  زين من الحياة الدنيا ما كان من المباحات دون المحظورات وهو ضعيف، لأن الله  خص بهذا التزيين الكفار وتزيين المباحات لا يختص بالكفار.

وإن قيل: المراد من تزيين المباح للكافر أنه دائم السرور به.

وإن قلت: ذات يده لكونه معقود الهمة به لا عيش عنده إلا عيش الدنيا، بخلاف المؤمن فإن تمتعه من طيبات الدنيا وبهجتها وإن كثر ماله وجاهه مكدر بالخوف والوجل من الحساب في الآخرة.

قلنا: تزيين المباح في نظر الكافر بحيث يفضي به إلى الاشتغال عن الآخرة مستقبح.

أيضاً فالكلام فيه كالكلام في تزيين المحظور فيبقى الإشكال بحاله ولا مخلص إلا بإسناد الكل إليه  بعد تذكر ما سلف لنا مراراً في حقيقة الجبر والقدر.

ولما أخبر الله  عنهم بأنه زين لهم الحياة العاجلة أخبر عنهم بعد ذلك بفعل يديمونه فقال: ﴿ ويسخرون من الذين آمنوا ﴾ كابن مسعود وعمار وصهيب وغيرهم يقولون: هؤلاء المساكين تركوا طيبات الدنيا وتحملوا المتاعب لطلب الآخرة.

ولا يخفى أنه لو بطل حديث المعاد لكان لهذه السخرية وجه، لكنه لو ثبت القول بالمعاد وصح كانت السخرية منقلبة عليهم لأنهم أعرضوا عن الملك الأبدي والنعيم المقيم بسبب لذات حقيرة في أنفاس معدودة فلهذا قال  ﴿ والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة ﴾ أما بالمكان فلأنهم في عليين وهم في سجين، وأما بالرتبة والشرف فلأنهم في معارج الأنس وهم في هاوية الهوان.

ويحتمل أن يراد أنهم فوقهم بالحجة لأن حجج الكفار وشبههم كان تؤثر بوسوسة الشيطان، وبمجرد استبعاد أمر المعاد وحجج المتقين يوم القيامة تستند إلى العيان وبمدد الرحمن ﴿ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا نعم ﴾ } [الأعراف: 44] أو يراد أن سخرية المؤمنين بالكافرين يوم القيامة لكونها حقة وباقية فوق سخرية الكافرين بالمؤمنين في الدنيا لكونها باطلة ومنقضية.

وفي قوله ﴿ والذين اتقوا ﴾ دون أن يقول آمنوا كما قال: ﴿ من الذين آمنوا ﴾ بعث على التقوى وأن كرامة المؤمن منوطة بها.

﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ بغير تقدير.

وذلك أن الكفار كانوا يستدلون بحصول الزخارف الدنيوية لهم على أنهم على الحق وبحرمان فقراء المؤمنين عنها على أنهم على الباطل، فرد الله  عليهم قولهم بأن ذلك متعلق بمحض المشيئة، وقد يستتبع غاية هي الاستدراج في حق الكافر والابتلاء في حق المؤمن، أو يرزق من يشاء من مؤمن وكافر بغير حساب يكون لأحد عليه ولا مطالبة ولا سؤال سائل، فالأمر أمره والحكم حكمه ولا يسأل عما يفعل.

أو من حيث لا يحتسب كما يقول الرجل "إذا جاءه ما لم يكن قد قدره ما كان هذا في حسابي" والمعنى أن الكفار وإن كانوا يسخرون من فقراء المؤمنين فلعل الله  يرزق المؤمنين من حيث لم يحتسبوا، ولقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، ويسر لهم الفتوح حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر، أو المراد أن ما يرزق العبد في الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب، وما يرزق العبد في الآخرة من النعيم المقيم فبغير عذاب وبغير حساب.

ويحتمل أن يخص الرزق في الآية بالمؤمنين في الآخرة، وعلى هذا يكون معنى ﴿ بغير حساب ﴾ أي رزقاً واسعاً وغذاء لا فناء له ولا انقطاع ولا حصر كقوله ﴿ يرزقون فيها بغير حساب  ﴾ أو يقال: إن المنافع الواصلة إليهم في الجنة بعضها ثواب وبعضها تفضل كما قال ﴿ فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله  ﴾ فالفضل بلا حساب إذ الحساب إنما يحتاج إليه إذا كان بحيث إذا أعطى شيئاً ينقص قدر الواجب عما كان والثواب ليس كذلك، فإنه بعد انقضاء الأدوار والأعصار يكون الثواب المستحق بحكم الوعد والفضل باقياً.

فعلى هذا لا يتطرق الحساب ألبتة إلى الثواب.

أو أراد أن الذي يعطى لا نسبة له إلى ما في خزائن ملكه وقدرته، فلا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي.

أو معنى بغير حساب بغير استحقاق، وإنما يعطى بمجرد الفضل والإحسان.

أو معناه أنه يزيد على قدر الكفاية إلى عشرة بل سبعمائة من قولهم "فلان ينفق بالحساب" إذا كان لا يزيد على قدر الكفاية.

أو أنه لا يخاف نفاد ما عنده فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه.

قوله  ﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ الآية.

فيه إشارة إلى أن التباغي والتحاسد والتنازع في طلب الدنيا وطيباتها لا يختص بهذا الزمان، وإنما ذلك داء قديم في الإنسان.

ثم الأمة الواحدة كانوا على الحق أو على الباطل فيه للمفسرين أقوال: الأول: أنهم كانوا على الحق واختاره المحققون لوجوه منها: قوله  ﴿ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ وهذا يدل على أن النبيين عليهم السلام بعثوا حين الاختلاف وصيرورة بعضهم مبطلاً، ولو كانوا قبل ذلك مجتمعين على الكفر لكان بعث الأنبياء إليهم حينئذ أولى.

ومنها النقل المتواتر إن آدم وأولاده كانوا مسلمين مطيعين لله  إلى أن قتل قابيل هابيل حسداً وبغياً.

وعن ابن عباس أنه كان بين آدم وبين نوح عشرة قرون على شريعة من الحق.

ومنها أن وقت الطوفان لم يبق إلا أهل السفينة وكلهم كانوا على الحق والدين الصحيح، فلعل الناس إشارة إليهم.

ومنها أن الدين الحق يتوقف على النظر، والنظريات مستندة بالآخرة إلى مقدمات تعلم صحتها بضرورة العقل وإلى ترتيب.

كذلك فالعقل السليم لا يغلط لو لم يعرض له سبب من خارج، فالصواب له بالذات و الخطأ بالعرض وما بالذات أقدم مما بالعرض بحسب الاستحقاق وبحسب الزمان أيضاً.

فالأولى أن يقال: كان الناس على الحق ثم اختلفوا لأسباب خارجة كالبغي والحسد ويؤيده قوله  "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه" القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس والحسن وعطاء أنهم كانوا على الباطل لأن بعثة الأنبياء مترتبة على ذلك، ولو كانوا على الحق لم يحتج إلى بعثتهم.

ولو قيل: إن تقدير الآية فاختلفوا فبعث الله كما قرأ به ابن مسعود، فالأصل عدم الإضمار، والقراءة الشاذة لا يعتد بها.

ومتى كان الناس متفقين على الكفر؟

قالوا: من وفاة آدم إلى زمان نوح  .

كانوا كفاراً بحكم الأغلب وإن كان فيهم بعض المسلمين كهابيل وشيث وإدريس عليهم السلام كما يقال: دار الكفر وإن كان فيها مسلمون.

القول الثالث: عن أبي مسلم والقاضي أبي بكر أنهم كانوا أمة واحدة في التمسك بالشرائع العقلية وهي الاعتراف بوجود الصانع وصفاته والاشتغال بخدمته وشكر نعمته والاجتناب عن القبائح العقلية كالظلم والكذب والعبث.

واحتجا بأن لفظ النبيين جمع معرف فيفيد العموم، والفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الواحدة متقدمة على جميع الشرائع، فلا تكون الاستفادة من العقل، ثم سأل القاضي نفسه فقال: أوليس أول الناس آدم وأنه كان نبياً مبعوثاً؟

وأجاب بأنه يحتمل أن يكون مع أولاده متمسكين بالشرائع العقلية أولاً، ثم إن الله  بعثه إلى أولاده.

ويحتمل أن شريعته قد صارت مندرسة ثم رجع الناس إلى الشرائع العقلية.

القول الرابع: التوقف فلا دلالة في الآية على أنهم كانوا محقين أو مبطلين.

القول الخامس: أن المراد من الناس أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى  ثم اختلفوا بسبب البغي والحسد فبعث الله النبيين ومعهم الكتب كما بعث داود ومعه الزبور وعيسى ومعه الإنجيل ومحمداً  ومعه الفرقان لتكون تلك الكتب حاكمة في تلك الأشياء التي اختلفوا فيها.

وهذا القول يوافق قول من قال: إن الخطاب في ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ﴾ لأهل الكتب.

فيراد بالناس إذن ناس معهودون.

ثم إنه  وصف النبيين بصفات ثلاث: الأولى: كونهم مبشرين، والثانية: كونهم منذرين وقدمت البشارة على الإنذار لأن البشارة تجري مجرى حفظ الصحة، والإنذار يجري مجرى إزالة المرض.

أو الأول لكونه مقصود الغذاء، والثاني كتناول الدواء.

والأول لكونه مقصوداً بالذات مقدم على الثاني لأنه مقصود بالعرض.

الصفة الثالثة: قوله ﴿ وأنزل معهم الكتاب بالحق ﴾ وفي قوله "معهم" والضمير يعود إلى عامة النبيين دليل على أنه لا نبي إلا ومعه كتاب منزل فيه بيان الحق والباطل، طال ذلك الكتاب أم قصر، ودوّن ذلك الكتاب أو لم يدوّن، معجزاً كان أو غير معجز.

قيل: إنزال الكتاب قبل وصول الأمر و النهي إلى المكلفين، ووصول الأمر والنهي إليهم قبل التبشير والإنذار، فلم قدم التبشير والإنذار على إنزال الكتاب؟

وأجيب بأن الوعد والوعيد منهم قبل بيان الشرع ممكن فيما يتصل بالعقليات من المعرفة بالله وترك الظلم وغيرهما، وبأن المكلف إنما يتحمل النظر في دلالة المعجز على الصدق.

وفي الفرق بين العجز والسحر إذا خاف أنه لو لم ينظر فربما ترك الحق فيصير مستحقاً للعقاب والخوف إنما يقوى عند التبشير والإنذار فلهذا قدم ذكرهما على إنزال الكتاب.

قلت: فيه فائدة أخرى لفظية هي أن لا يقع فاصلة كثيرة بين الثالثة وبين الأولين، أو بين الثالثة وبين ما رتب عليها من قوله ﴿ ليحكم ﴾ أي الكتاب لأنه أقرب.

ولا محذور في نسبة الحكم إليه تجوزاً كما لا محذور في كونه هدى وشفاء.

واللام للجنس، أو أريد مع كل واحد كتابه.

وقيل: ليحكم الله لأنه الحاكم في الحقيقة لا الكتاب وقيل: ليحكم النبي المنزل عليه بين الناس ﴿ فيما اختلفوا فيه ﴾ أي في الحق ودين الإسلام الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق، أو في كل ما اختلفوا فيه ولم يعرفوا وجه الصواب في ذلك بحسب حكم الله ﴿ وما اختلف فيه ﴾ في الحق ﴿ إلا الذين أوتوه ﴾ أي أعطوا الحق وأدّوه لمباشرة أسبابه القريبة التي هي مجيء البينات.

وقيل: الضمير للكتاب أي إلا الذين أوتوا الكتاب المنزل لإزالة الاختلاف.

كأنهم عارضوا الكتاب بنقيض ما أنزل لأجله، أنزل لئلا يختلفوا فزادوا في الاختلاف.

وفيه دليل على أن الاختلاف في الحق لم يوجد إلا بعد بعثة الأنبياء، وإنزال الكتب كما مر في القول الأول.

وقال كثير من المفسرين: المراد بالذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى.

واختلافهم إما تكفير بعضهم بعضاً، وإما تحريفهم أو تبديلهم ﴿ من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ يحتمل أن يكون كالبيان لإيتاء الكتاب أي وما اختلف فيه من اختلف إلا من بعد مجيء البينات التي هي الكتب كقوله  ﴿ وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة  ﴾ ويحتمل أن تكون هذه البينات مغايرة لإيتاء الكتاب ويعني بها الدلائل العقلية التي نصبها الله  إثبات الأصول التي لا يمكن إثباتها بالدلائل السمعية، وإذا حصلت الدلائل العقلية والسمعية لم يكن في العدول عذر ولا علة، ولو حصل الإعراض كان سببه بغياً بينهم وحسداً وظلماً لحرصهم على الدنيا ولقلة الإنصاف وكثرة الاعتساف، و ﴿ من الحق ﴾ بيان لما اختلفوا فيه أي فهدى الله الذين آمنوا للحق الذي اختلف فيه من اختلف.

واللام بمعنى "إلى" أي هداهم إلى ما اختلفوا فيه كقوله  ﴿ ثم يعودون لما قالوا  ﴾ أي إلى ما قالوه ﴿ بإذنه ﴾ قال الزجاج: بعلمه.

وقيل: بأمره فبالأمر يحصل التمييز بين الحق والباطل فتحصل الهداية.

وقيل: في الآية إضمار أي فهداهم فاهتدوا بإذنه إذ لا جائز أن يأذن لنفسه ﴿ والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ﴾ هو الحق الموصل إلى كمال الدارين، أو هو طلب الجنة.

ولما كان ذلك الحق أو الطلب لا يتأتى إلا باحتمال شدائد التكليف وأعباء الإرشاد والتعليم قال  : ﴿ أم حسبتم ﴾ على طريقة الالتفات التي هي أبلغ تشجيعاً لرسول الله  والمؤمنين على الثبات والصبر مع المخالفين من أهل الكتاب والمشركين، فإن من كان نظره أعلى في مراتب قرب المولى فبلاؤه أقوى وهو بالابتلاء أولى.

قال في الكشاف: "أم" منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير وإنكار الحسبان واستبعاده.

وقال القفال  : تقدير الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه حين صبروا على استهزاء قومهم أفتسلكون سبيلهم أم تحسبون ﴿ أن تدخلوا الجنة ﴾ من غير سلوك سبيلهم ﴿ ولما يأتكم ﴾ فيه معنى التوقع.

وفيه دليل على أن الإيتاء متوقع منتظر.

عن ابن عباس: لما دخل النبي  المدينة اشتد الضرر عليهم لأنهم خرجوا بلا مال وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين، وأظهرت اليهود العداوة له فأنزل الله  تطييباً لقلوبهم ﴿ أم حسبتم ﴾ وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والخوف وكان كما قال  ﴿ وبلغت القلوب الحناجر  ﴾ وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله ابن أبي لأصحاب النبي  إلى متى تقتلون أنفسكم وتنصرون الباطل؟

لو كان محمد نبياً ما سلط الله عليكم الأسر والقتل.

والمعنى أم حسبتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة بمجرد الإيمان بي والتصديق لرسولي دون أن تعبدوا الله بكل ما تعبدكم به وابتلاكم بالصبر عليه، وأن ينالكم من أذى الكفار، ومن احتمال الفقر والفاقة ومكابدة الضر والبؤس في المعيشة ومقاساة الأهوال في جهاد العدو كما نال ذلك من قبلكم من المؤمنين؟

و ﴿ مثل الذين خلوا ﴾ حالهم التي هي مثل في الشدة و ﴿ مستهم ﴾ بيان للمثل وهو استئناف كأن قائلاً قال: كيف كان ذلك المثل؟

فقيل: مستهم ﴿ البأساء ﴾ وهي عبارة عن تضييق جهات الخير والمنفعة عليه ﴿ والضراء ﴾ وهي إشارة إلى انفتاح أبواب الشر والآفة إليه ﴿ وزلزلوا ﴾ حركوا وأزعجوا بأنواع البلايا والرزايا إزعاجاً شديداً شبيهاً بالزلزلة وهي من زل الشيء عن مكانه، والتضعيف في اللفظ للتضعيف في المعنى.

وقيل: معناه خوّفوا وليس ببعيد، لأن الخائف لا يستقر بل يضطرب لقلقه ولهذا لا يقال ذلك إلا في الخوف المقيم المقعد.

ثم إنه  ذكر بعد ذلك شيئاً هو الغاية في الدلالة على كمال الضر والبؤس والمحنة فقال: ﴿ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ﴾ لأن الرسل لا يقادر قدر ثباتهم واصطبارهم فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجوا كان ذلك غاية في الشدة لا مطمح وراءها.

من قرأ "يقول" بالنصب فعلى إضمار أن، ومعنى الاستقبال بالنظر إلى ما قبل "حتى" وإن لم يكن مستقبلاً عند الإخبار.

ومن رفع فعلى الحال الماضية المحكية كقولهم "شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه" ﴿ ألا إن نصر الله قريب ﴾ أي فقيل لهم ذلك إجابة إلى طلبتهم، فكونوا أنتم معاشر المؤمنين كذلك في تحمل الأذى والمتاعب في طلب الحق، فإن نصر الله قريب لأنه آتٍ وكل ما هو آتٍ قريب، والحاصل أن أصحاب رسول الله  كان ينالهم من المشركين والمنافقين أذى كثير، ولما أذن لهم في القتال نالهم من الجراح وذهاب الأموال والأنفس ما لا يخفى فعزاهم  في ذلك، وبيَّن أن حال من قبلهم في طلب الدين كان ذلك، والمصيبة إذا عمت طابت.

وذكر الله  من قصة إبراهيم  وإلقائه في النار، ومن أمر أيوب  وما ابتلاه به، ومن أمر سائر الأنبياء في مصابرتهم على أنواع المكاره ما صار ذلك سلوة للمؤمنين.

" روى خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردةً له في ظل الكعبة فقلنا: ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا.

فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون" .

وههنا سؤال، وهو أنه كيف يليق بالرسول القاطع بصحة وعد الله ووعيده أن يقول على سبيل الاستبعاد: مت نصر الله؟

والجواب أن كونه رسولاً لا يمنع من أن يتأذى من كيد الأعداء، فإذا ضاق قلبه وقلت حيلته وكان قد سمع من الله  أنه ينصره إلا أنه ما عين له ذلك الوقت قال: - عند ضيق قلبه - متى نصر الله؟

حتى إنه إذا علم قرب الوقت زال همه وطاب وقته، ولهذا أجيب بأن نصر الله قريب لا بأن نصر الله كائن.

وهذا الجواب يحتمل أن يكون من الله، ويحتمل أن يكون قولاً لقوم منهم إذا رجعوا إلى أنفسهم وعلموا أن الله لا يخلف الميعاد.

وقيل: إنه تعالى أخبر عن الرسول والذين آمنوا أنهم قالوا قولاً ثم ذكروا كلامين: أحدهما متى نصر الله، والثاني ألا إن نصر الله قريب.

فهذا الثاني قول الرسول، والأول قول المؤمنين كقوله ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله  ﴾ والمعنى لتسكنوا في الليل ولتبتغوا من فضله بالنهار.

ثم في الآية دليل على أن كل من لحقه شدة يجب أن يعلم أنه سيظفر بزوالها لأنه إما أن يتخلص عنها وإما أن يموت، وإذا مات فقد وصل إلى من لا يهمل أمره ولا يضيع حقه وذلك من أعظم النصرة.

اللهم انصرنا من عندك فإنك نعم المولى ونعم النصير.

التأويل: إنه  إذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريد آياته وكراماته، فإن اغتر بأحواله تعجب بكماله فيضل على حظوظ النفس ويبدل نعمة الله بموافقتها ورضاها فإن الله شديد العقاب بأن يغير أحواله ويسلب عنه كماله.

﴿ كان الناس أمة واحدة ﴾ على الحق وعلى الفطرة يوم الميثاق ﴿ وأنزل معهم الكتاب ﴾ الذي جف به القلم للسعادة أو الشقاوة كقوله  "ما من نفس منفوسة إلا قد كتب مكانها من الجنة أو النار" ﴿ وما اختلف ﴾ كل فريق إلا وقد أوتوا السعادة أو الشقاوة في حكم الله وقضائه، ولكن ما حصلت السعادة والشقاوة للفريقين إلا من بعد البينات وهي معاملاتهم فبها يتبين السعيد من الشقي وبالعكس، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع المآب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ﴾ ، قال أبو موسى الأشعري، رضي الله  عنه، وآخر معه من الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، قالا: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، كلهم كفار إلى أن بعث الله عز وجل فيهم النبيين.

وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله  عنه -: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، مؤمنين كلهم زمن نوح،  ، الذين كانوا في السفينة إلى أن اختلفوا من بعد، فعبث الله فيهم النبيين.

وقال بعضهم: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، مؤمنين كلهم زمن آدم، عليه الصلاة والسلام، إلى أن أنزل الله الكتاب عليهم وبعث فيهم الرسل.

ولو قيل بغير هذا كان أقرب.

قوله: ﴿ كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً ﴾ ، يعني صنفاً واحداً.

ومعنى الأمة معنى الصنف، كقوله  : ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ  ﴾ ، يعني: أصنافا.

ثم خص الله  صنفاً ببعث الرسل إليهم وإنزال الكتب عليهم من بين غيرها من الأصناف تفضيلاً لهم وإكراماً، وبعث كل رسول إلى قومه فيهم كفار وفيهم مؤمنون؛ لأن الأرض لا تخلو من ولي أو نبي، كقوله  : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ  ﴾ ، ليعلموا أن سائر أصناف الخلق خلقوا لهم ولحاجتهم.

وهو قول الحسن.

وكذلك قول أبي حنيفة - رضي الله  عنه -: أن الأرض لا تخلو عن نبي أو ولي.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ﴾ ، لمن أطاعه، ﴿ وَمُنذِرِينَ ﴾ ، لمن عصاه.

وجائز أن تكون البشارة والنذارة جملة عن الوقوع بما به يقعان مختلف؛ كقوله  : ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكْرَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، وجهين.

يحتمل: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، الكتاب المنزل عليهم بالحق فيما بينهم، وهو كقوله  : ﴿ وَهَـٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَاناً عَرَبِيّاً لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَىٰ لِلْمُحْسِنِينَ  ﴾ .

وقرأ بعضهم: ﴿ لِيَحْكُمَ ﴾ ، بالياء، وقرأ آخرون: "لتحكم"، بالتاء.

فمن قرأ بالياء جعل الكتاب هو المنذر.

ومن قرأ بالتاء صير الرسول هو المنذر؛ فكذلك في هذا: ليحكم الكتاب بينهم بالحق، وليحكم الرسول بالكتاب فيما بينهم بالحق.

وقوله: ﴿ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ فِيهِ ﴾ وجوهاً: يحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في محمد  .

ويحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في دينه.

ويحتمل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، في كتابه.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَٰتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .

أي: ما اختلفوا فيه إلا من بعد ما جاءتهم البينات والعلم، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع والكتب والخبر، وإما من جهة المعاينة والمشاهدة لكنهم تعاندوا وكابروا وكفروا به بغياً.

وقوله: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ .

قيل: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، أي: حسداً بينهم.

وقيل: ﴿ بَغْياً بَيْنَهُمْ ﴾ ، ظلماً منهم، ظلموا محمداً  .

وقوله: ﴿ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾ .

تأويله - والله أعلم - أي هدى الله الذين آمنوا، ولم يختلفوا من بين الذين اختلفوا.

ويحتمل: هدى الله من أنصف ولم يعاند، ولم يهد الذين عاندوا ولم ينصفوا.

وقوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، قيل: بأمره، وقيل: بفضله.

لكن قوله: ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، بأمره، لا يحتمل، ولكن ﴿ بِإِذْنِهِ ﴾ ، أي: بمشيئته وإرادته.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ .

فيه دلالة أنه من شاء أن يهتدي فاهتدى، ومن لم يشأ أن يهتدي لم يهتد؛ لأنه لو كان شاء أن يهتدوا جميعاً [أنه من شاء أن يهتدوا جميعاً]، على ما يقوله المعتزلة، لكان يقول: والله يهدي إلى صراط مستقيم، ولم يقل: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ، [فدل قوله: ﴿ مَن يَشَآءُ ﴾ ] على أنه شاء إيمان من آمن، ولم يشأ إيمان من لم يؤمن، فالآية تنقض على المعتزلة قولهم: إنه شاء أن يؤمنوا، لكن آمن بعضهم ولم يؤمن البعض.

وفي قوله: ﴿ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّينَ ﴾ ، دلالة على ألا يفهم من البعث والإتيان والمجيء الانتقال من مكان إلى مكان، ولا الزوال من موضع إلى موضع؛ لأنه ذكر البعث، وهم كانوا بين ظهرانيهم، فدل أنه يراد الوجود، لا غير.

وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .

قيل: معنى قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ، على إسقاط "الميم".

وقيل: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ ﴾ ، بمعنى: "بل حسبتم".

وقوله: ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ .

قيل: شبه الذين خلوا من قبلكم.

وقيل: ﴿ مَّثَلُ ٱلَّذِينَ ﴾ ، خبر الذين خلوا من قبلكم، وقيل: سنن الذين خلوا من قبلكم من البلاء والمحن التي أصابت الماضين من المؤمنين.

وقوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ...

﴾ الآية، أم حسبتم أن تدخلوا الجنة قبل أن تبتلوا كما ابتلي من قبلكم، أي: لا تظنوا ذلك عمله، وإن كان فيهم من قد يدخل - والله أعلم - كقوله  : ﴿ الۤـمۤ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ  أَمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ  ﴾ .

وقيل: إن القصة فيه أن المنافقين قالوا للمؤمنين: لم تقتلون أنفسكم وتهلكون أموالكم؛ فإنه لو كان محمد نبيّاً لم يسلط عليه؟

فقال المؤمنون لهم: إن من قتل منا دخل الجنة، فقالوا: لم تمنَّوْن الباطل والبلايا؟

فأنزل الله  : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، من غير أن تبتلوا وتصيبكم الشدائد، ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ .

قيل: حركوا.

وقيل: جهدوا.

وقوله: ﴿ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يقول الرسول والمؤمنون جميعاً: ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، ثم يقول الله لهم: ﴿ أَلاۤ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ ﴾ .

وقيل: يقول المؤمنون ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ ﴾ ثم يقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب ويحتمل هذا في كل رسول بعثه الله  إلى أمته يقول هذا، وأمته يقولون أيضاً.

ويحتمل: إن كان هذا في رسول دون رسول، على ما قاله بعض أهل التأويل: أنه فلان.

وليس لنا إلى معرفة ذلك سبيل إلا من جهة السمع، ولا حاجة إلى معرفته.

[وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم...

﴾ الآية].

وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ ٱلصَّابِرِينَ  ﴾ ، وجه آخر، وهو أنهم - والله أعلم - ظنوا لما أتوا بالإيمان أن يدخلوا الجنة، ولا يبتلون بشيء من المحن الفتن، وأنواع الشدائد، فأخبر الله عز وجل أن في الإيمان المحن والشدائد لا بد منها، كقوله  : "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" .

والله أعلم.

وكقوله: ﴿ الۤـمۤ  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ  ﴾ ، ولأن الإيمان من حيث نفسه ليس بشديد؛ لأنه معرفة حق وقول صدق، ولا فرق بين قول الصدق وقول الكذب، ومعرفة الحق ومعرفة الباطل في احتمال المؤن، والإيمان: مخالفة الهوى والطبع، وذلك في أنواع المحن.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَٱلأَقْرَبِينَ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

فظاهر هذا السؤال لم يخرج له الجواب؛ لأن السؤال "عما ينفق"، فخرج الجواب "على من ينفق"، غير أنه يحتمل أن يكون (ماذا) بمعنى (من)، وذلك مستعمل في اللغة، غير ممتنع.

ويحتمل: أن يكونوا سألوا سؤالين: أحدهما: عما ينفق؟

والثاني: على من ينفق؟

فخرج لأحدهما الجواب على ما كان من السؤال: "على من ينفق"، ولم يخرج جواب ما كان من السؤال: "عما ينفق".

وهذا أيضاً جائز، كثير في القرآن: أن يكثر الأسئلة، ويخرج الجواب لبعض ولم يخرج لبعض، ويكون جواب سؤال: "مم ينفق" في قوله  : ﴿ قُلِ ٱلْعَفْوَ  ﴾ ، فيكون على ما ذكر.

والله أعلم.

ويدل لما قلنا، أنه كان ثم سؤلان، أن أحدهما: "عما ينفق" والآخر: "على من ينفق"، ما روي عن عمرو بن الجموح الأنصاري، رضي الله  عنه، أنه قال: يا رسول الله، كم ننفق؟

وعلى من ننفق؟

فأنزل الله  : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ الآية.

ثم اختلف فى هذه النفقة.

قال بعضهم: هذه النفقة كانت تطوعاً، فنسخت بالزكاة.

وقيل: هذه النفقة صدقة يتصدقون بها على الوالدين والأقرين الذين يرثون، فنسختها آية المواريث.

وقيل: فيه الأمر بالإنفاق على الوالدين والأقربين عند الحاجة، وكان هذا أقرب، والله أعلم.

وفيه دلالة لزوم نفقة الوالدين والمحارم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

كان الناس أمة واحدة متفقين على الهدى، على دين أبيهم آدم، حتَّى أضلتهم الشياطين، فاختلفوا بين مؤمن وكافر، فلأجل ذلك بعث الله الرسل مبشرين أهل الإيمان والطاعة بما أعبد الله لهم من رحمته، ومنذرين أهل الكفر بما أوعدهم الله به من شديد عقابه، وأنزل مع رسله الكتب مشتملة على الحق الَّذي لا شك فيه؛ ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه.

وما اختلف في التوراة إلا الذين أعطوا علمها من اليهود بعدما جاءتهم حجج الله أنَّه حق من عنده لا يسعهم الاختلاف فيه، ظلمًا منهم، فوفّق الله المؤمنين لمعرفة الهدى من الضلال بإذنه وإرادته، والله يهدي من يشاء إلى طريق مستقيم لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإيمان.

<div class="verse-tafsir" id="91.bOjMl"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تطلق الأمة في كتاب الله تعالى بمعنى الملة أي العقائد وأصول الشريعة كما في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ  ﴾ .

بعد ما ذكر من شأن جماعة الأنبياء صلوات الله عليهم وكما قال في سورة المؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ  ﴾ رجح كثير من المفسرين أن المراد من الأمة في الآيتين الملة، أي العقائد وأصول الشرائع، أي أن جميع الأنبياء ورسل الله على ملة واحدة ودين واحد كما قال: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ  ﴾ وقال كثير منهم إن الأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة كما هي في قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ  ﴾ ، أي جماعة وكما في قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ  ﴾ ولا تكون بمعنى الجماعة مطلقًا وإنما هي بمعنى الجماعة الذين تربطهم رابطة اجتماع يعتبرون بها واحدًا، وتسوغ أن يطلق عليهم اسم واحد كاسم الأمة، وتكون بمعنى السنين كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ  ﴾ وفي قوله: ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ ، وبمعنى الإمام الذي يقتدى به كما في قوله: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ  ﴾ وبمعنى إحدى الأمم المعروفة كما في قوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ  ﴾ وهذا المعنى الأخير لا يخرج عن معنى الجماعة على ما ذكرنا وإنما خصصه العرف تخصيصًا.

وقد حمل جمهور من المفسرين لفظ الأمة في هذه الآية على الملة، ثم اختلفوا فيما كانت الملة فقال جمهورهم إنها ملة الهدى والدين القويم، فيكون معنى الآية في رأيهم (كان الناس أمة) أي ملة (واحدة) قيمة الدين صحيحة العقائد جارية في أعمالها على أحكام الشرائع ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  ﴾ ولما وجدوا أن المعنى لا يكون قويمًا لأنه لا معنى لإرسال الرسل إلى الأمم الصالحة المهتدية ليحكموا بينهم فيما يختلفون فيه، إذ لا يتأتى الاختلاف الذي يحتاج في رفعه إلى رسالة الرسل مع استقامة العمل والوقوف عند حدود الشرائع، قالوا لابد من تقدير في العبارة فيكون الكلام: كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، والقرينة على هذه القضية المقدرة قوله فيما بعد ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  ﴾ وأنت ترى أن هذا بمنزلة أن تقول: كان زيد عالمًا فبعثت إليه من يعلمه ما كان نسيه من معلوماته، أو كان عاملًا فأرسلت إليه من يعظه في العَوْد إلى ما ترك من عمله، وتقول إن كلامي على تقدير كان عالمًا فنسي أو كان عاملًا فترك العمل فبعثت إليه أو أرسلت إليه إلخ وهو مما لا يقبله ذوق عربي، فإذا كنت لا تراه لائقًا بكلامك فكيف تجده لائقًا بكلام الله، أبلغ الكلام، وأولى قول بملك العقول والأفهام، ومما استدلوا به على صحة قولهم أن آدم  كان نبيًا وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد بين ولديه وكان من قتل أحدهما للآخر ما هو معروف، وأن الإنسان يولد على الفطرة السليمة والدين الحق، وإنما يعرض له ما ينحرف به عن الفطرة من تحكم الأهواء، وإغواء الشهوات، ورين الشبهات، ونحو ذلك، فلا ريب يكون للإنسان طور أول كانَ خيِّرًا عادلًا واقفًا عند الحق فيما يعتقدون وما يعمل، ثم يعرض عليه ما يعرض من الميل إلى الشر والقبيح من الأعمال، ولكن هذه الأدلة لا تغير شيئًا مما ذكرناه مختصًا بتأليف الكلام، على أنه قد عرض على أولاد آدم من بعده أطوار كثيرة بلغ بهم الجهل في بعضها أن كانوا ملة واحدة في الكفر وفساد الأعمال، كما كانت الحال لعهد نوح وعهد إبراهيم من بعده، والآية لم تحدد زمن كان الناس أمة واحدة، وغاية ما في الأمر أن يكون النبيون المبعوثون مخصوصين بغير آدم أو نوح مثلًا إذا حملت الأمة الواحدة على أمة الضلال، وملة الفساد والاعتلال.

ولذلك ذهبت طائفة أخرى وفي مقدمتهم ابن عباس وعطاء والحسن إلى أن الأمة الواحدة أمة الضلال، التي لا تهتدي بحق ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة، واحتجوا على قولهم بهذا التعقيب في الآية فإنه جعل بعثه الرسل تابعة لوحدة الأمة، ولا تكون كذلك حتى تلك الوحدة قاضية بالحاجة إلى إرسالهم ليحكموا بينهم في الاختلاف الذي يقع فيهم بسبب الفساد في العقائد والذهاب مع الأهواء الضالة في الأعمال، واعتداء بعضهم على بعض لذلك، وانتهاكهم حرمة ما أمر الله برعاية حرمته، فيجب أن تكون وحدة الأمة وحدة في الباطل حتى يرد الحق عليه فيزهقه، وأما لو كانت الأمة واحدة في الهدي واتباع الحق فلا معنى لجعل بعثة الرسل مترتبة عليها كما هو ظاهر.

ودفعوا ما يقال: من أن آدم كان نبيًا وكان من أولاده من بقي على شريعته فكيف يقال: إن الناس كانوا أمة واحدة على الباطل، بأن الحكم على الغالب، فقد كان الناس لعهد نوح كفارًا إلا القليل منهم، ومن المعروف أنه يقال دار كفر لمن كان أغلب سكانها كفارًا وإن كان فيها مسلمون.

وقد يجاب بما تقدم ذكره من تخصيص النبيين بما بعد آدم ونوح من إبراهيم ومن بعده، ولكن المعنى كما تراه ليس مما تطمئن إليه النفس بعد النظر إلى آدم ورسالته، ومن بقي من أولاده على ملته.

وقال أبو مسلم والقاضي أبو بكر إن وحدة الأمة كانت فيما هو من مقتضى أصل الفطرة من الأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، فكان الناس يهتدون بعقولهم، والنظر المحض في الآيات الدالة على وجود الصانع ووجوب شكره، ثم كانوا يميزون الحسن من القبيح، والباطل من الصحيح، بالنظر في المنافع والمضار، أو الاتفاق مع ما يليق بالله على حسب ما يرشد إليه العقل أو ما لا يليق، ولا ريب أن استسلام الناس إلى عقولهم بدون هداية إلهية مما يدعو إلى الاختلاف، بل كثيرًا ما حالت الأوهام، دون الوصول إلى المراد من العقائد والأحكام، فيكون الاختلاف مفهومًا من معنى الوحدة على هذا التأويل وما سبقه ولهذا رتب عليها بعثة الأنبياء ليحكموا بما أنزل الله فيما اختلف فيه الناس.

وقد أورد القاضي على نفسه مسألة آدم ورسالته وأجاب عنها بأنه من الجائز أن يكون آدم وأولاده قد بدأ أمرهم على سنة الفطرة فكانوا من أهل النظر، ثم بعد أن كثر أولاده وظهر أن هداية العقل وحده لا تكفي في حفظ سلامة القلوب ولإصلاح الأعمال، أرسله الله إليهم بهداية إلهية من عنده، وأنه من المحتمل بل يكاد يكون من المحقق أنه طرأ على نسل آدم ما أنساهم شرعه فعادوا إلى استعمال عقولهم وحدها فعادت إليهم الوحدة فيما يؤدي إلى الاختلاف فبعث الله النبيين إلخ.

وتوقف قوم في معنى الأمة وقالوا لا حاجة إلى البحث في أنها كانت أمة هداية أو أمة ضلال أو أمة عقل، وهو قول غاية في الغرابة لأنه ذهاب إلى ترك فهم الآية الكريمة ومعنى ترتيب الأنبياء على وحدة الأمة، اللهم إلا أن يكون القائل قد أراد ما سيأتي لنا ذكره إن شاء الله تعالى.

وأغرب من هذا القول قول بعض المفسرين -ونقل عن مجاهد- أن الناس هم آدم وحده وأنه كان أمة يقتدى به، ولا ندري ماذا يقول أصحاب هذا القول في تفسير بقية الآية؟

نعوذ بالله من الخذلان.

ويزعم آخرون أن المراد من الآية أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى  ثم اختلفوا بغيًا بينهم فأرسلت إليهم الرسل بكتب تهذبهم كما أرسل داود بزبوره وعيسى بإنجيله ليردوهم إلى الحق فيما اختلفوا فيه، وهو تخصيص للناس وللنبيين بما لا دليل عليه البتة كما لا يخفى.

قال ابن العادل نقلًا عن القرطبي: ولفظة "كان" على هذه الأقوال على بابها من المضي ويحتمل أن تكون للثبوت، والمراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله مَنَّ عليهم بالرسل تفضلًا منه فلا منه تختص بالمضي فقط بل يكون معناها كقوله ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا  ﴾ .

وقد قارب الصواب في هذا الاحتمال الثاني وهو الذي كان يذهب الذهن إليه لأول الأمر لولا ما يشتغل به من النظر في تلك الضروب من التأويل، فتفرق به السبل ويكاد يضل السبيل، ونحن ذاكرون لك إن شاء الله ما يجلي المعنى في الآية مقتفين أثر ابن العادل والقرطبي فيما قالاه في معنى ﴿ كَانَ  ﴾ وأنها للثبوت لا للمضي، غير أنا نقدم لك ما جاء في كتاب الله من وصف الأمة بالواحدة، والمعنى من ذلك الوصف في مواضعه المختلفة، ليكون في ذلك توضيح لما نقصد، وسند لنا فيما إليه نعمد، والله الموفق.

ورد وصف الأمة بالواحدة في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ  وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ  ﴾ جاءت هذه الآية الكريمة ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ  ﴾ إلخ بعد ذكر جمع من الأنبياء صلوات الله عليهم وذكر ما كان من شأنهم مع قومهم والخطاب فيها للأنبياء كما يفسره قوله تعالى في سورة المؤمنون بعد ما ذكر من أحوال الأنبياء والمرسلين وما كان من أقوامهم معهم: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ  وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ  فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ  ﴾ وقد جاء لفظ ﴿ أُمَّةً  ﴾ بالنصب في الآيتين على الحال، والخبر قد تم في قوله ﴿ وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ  ﴾ أي هذا الجمع من الأنبياء والمرسلين أمتكم أي جماعتكم حال أنها أمة واحدة، أي ليس جمعًا تربطه الروابط البعيدة كما يقال أمة الهند على اختلاف مللها وتفرق كلمتها، بل هي أمة تربطها رابطة قريبة هي رابطة الاهتداء بنور الله والدعوة إلى توحيده، والقيام على شرعه وحمل الناس على اتباع أحكامه، فهي مجتمعة على أمر واحد لا تعدد فيه هو الحق والعدل فهي جديرة بأن تكون أمة واحدة، وإن شئت قلت كما قالوا إن الأمة بمعنى الملة في الآيتين، يراد بذلك أن الله يخبر المرسلين بأن الذي سبق في الكلام من السير في الناس بهداية الله والمثابرة على ذلك وعدم المبالاة بما يكون منهم من تكذيب أو تثريب أو تعذيب، هذه هي ملتكم ودينكم وهو أمر واحد لا تعدد فيه، يأتي به السابق، ويتبعه عليه اللاحق، لا يختلف فيه نبي عن نبي ولا يناكر فيه مرسل مرسلًا.

هذا المعنى من الوحدة هو الذي جاء في قوله تعالى في سورة هود: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ وفي قوله في سورة الشورى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ  ﴾ أي لو شاء ربك لخلق الناس على غريزة تميل إلى الحق، وفطرة يسطع فيها نور الهداية إليه بدون حجاب من الهوى والشهوة أو ظلمة الفكر وستر الغواية، فكانوا جميعًا على مثال الأنبياء والمرسلين ومن تبعهم بإحسان، وكانوا بذلك من أهل السعادة وسكان دار النعيم، ولكن قضى ربك أن يخلق الإنسان إنسانًا يكله إلى فكره، ويدعه إلى سعيه وكسبه، فلا يزال يتخبط في الاختلاف، وسيجرهم الاختلاف إلى دار الشقاء، بعد الخزي في دار الفناء، إلا أولئك الذين رحمهم ربك من هداة العالمين، وقادة الناس إلى خير الدارين، ومن وفقه الله لاستجابة دعوتهم والاهتداء بسنتهم، فأدخلهم في رحمته، بعد ما شمل الظالمين بسخطه ونقمته.

ويفهم من هاتين الآيتين الكريمتين أن الناس لم يكونوا أمة واحدة قط لا بمعنى أنهم كانوا جميعًا على الخير والهدى، لأن الله خلق الإنسان على غريزة تبعد به عن الاتحاد على الحق والاتفاق على العدل، ولا بمعنى أنهم كانوا جميعًا على الضلال كما تراه من صريح النسق الشريف، فكان الناس ولا يزالون منهم المحسن والمسيء، والمهتدي والضال، سنة الله في هذا الخلق.

لكنك تجد في سورة يونس نصًا صريحًا في أن الله تعالى شاء أن يكون الناس أمة واحدة قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  ﴾ ولا يمكنك أن تحمل ﴿ كَانَ  ﴾ على معناها من المضي لأن الحصر يبعد ذلك بالمرة، فالمراد منه أن الناس كانوا ولا يزالون أمة واحدة ونشأ عن هذه الوحدة نفسها اختلافهم، وكان الله سبحانه يقضي في الخلاف بإهلاك من ينحرف منهم عن سبيل الفطرة السليمة فلا يبقي من الناس إلا من استقام عليها، ولكن سبقت كلمته وثبت في علمه وتم في مشيئته أن يكون الناس في أمرهم كاسبين لسعيهم، مكلفين بالنظر فيما بين أيديهم من الآيات، وأن يكون منهم الضال والمهتدي والعادل والمعتدي حتى يوفي كلا جزاءه في الدار الأخرى.

ولهذا بعث فيهم الرسل عليهم الصلاة والسلام ليكونوا لهم أئمة في الإيمان وأسوة في العمل الصالح.

فهل يمكنك مع هذا أن تحمل وحدة الأمة على وحدة العقيدة والعمل كما حملتها على ذلك في الآيات الأخر؟

ليس ذلك بممكن لأن الناس ليسوا أمة واحدة بذلك المعنى بل هم مختلفون فلا ريب أنه يجب حمل وحدة الأمة على معنى آخر، وهو ذلك الذي نختاره في الآية التي نحن بصدد تفسيرها: خلق الله الإنسان أمة واحدة أي مرتبطًا بعضه ببعض في المعاش لا يسهل على أفراده أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا إلى الأجل الذي قدره الله لهم إلا مجتمعين يعاون بعضهم بعضًا، ولا يمكن أن يستغنى بعضهم عن بعض، فكل واحد منهم يعيش ويحيا بشيء من عمله، لكن قواه النفسية والبدنية قاصرة عن توفيته جميع ما يحتاج إليه، فلا بد من انضمام قوى الآخرين إلى قوته فيستعين بهم بعض شأنه كما يستعينون به في بعض شأنهم، وهذا الذي يعبرون عنه بقولهم"إنسان مدني بالطبع"، يريدون بذلك أنه لم يوهب من القوى ما يكفي للوصول إلى جميع حاجاته، بل قدر له أن تكون منزلة أفراده من الجماعة منزلة العضو من البدن، لا يقوم البدن إلا بعمل الأعضاء كما لا تؤدي الأعضاء وظائفها إلا بسلامة البدن.

فلما كان الناس أمة واحدة، ولا يمكن أن يكونوا بمقتضى فطرهم إلا كذلك، وهم إنما يعملون بمقتضى آرائهم، وينحون في أعمالهم نحو المنافع التي يرونها لازمة لقوام معيشتهم، ولم يمنحوا من قوة الإلهام ما يعرف كل منهم وجه المصلحة في حفظ حق غيره، لتوفير المنفعة بذلك لنفسه، لما كانوا كذلك كان لابد لهم من الاختلاف، وكان من رحمة الله بهم أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، وترتيب بعثة الرسل على وحدة الأمة في الآية التي نفسرها يكون على هذا المعنى: إن الناس أمة واحدة لابد لهم أن يعيشوا تحت نظام واحد يكفل لهم ما يحتاجون إليه مدة بقائهم في هذه الحياة الدنيا، ويضمن لهم ما به يسعدون في الحياة الأخرى، ولا يمكنهم في هذه الوحدة ومع تلك الوصلة اللازمة بمقتضى الضرورة أن يتقفوا على تحديد ذلك النظام مع اختلاف الفطر وتفاوت العقول وحرمانهم من الإلهام الهادي لكل منهم إلى ما يجب عليه لصاحبه، لما كانوا كذلك كان من لطف الله ورحمته بهم أن يرسل إليهم الرسل مبشرين ومنذرين، يبشرونهم بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة إذا لزم كل واحد منهم ما حدد له واكتفى بما له من الحق، ولم يعتد على حق غيره وينذرونهم بخيبة الأمل وحبوط العمل وعذاب الآخرة إذا اتبعوا شهواتهم الحاضرة ولم ينظروا في العاقبة.

هذه الآية الكريمة جاءت بمنزلة بيان الحكمة فيما سبقها من الأوامر الإلهية والأخبار السماوية.

أمر الله الذين آمنوا بنبيه وكتابه بأن يدخلوا في السلم كافة، وهو على أحد الوجوه السلام وعلى أحدهما الإسلام، والسلام هو الوفاق الذي ليس معه نزاع، ولا يليق بمن جاءته الهداية من ربه تبين له الطريق الذي يسلكه في معاملة إخوانه ومن يرتبط معه برابطة بعيدة أو قريبة من الناس أن ينحو في عمله نحو ما يدعو إلى الخلاف ويثير النزاع، بل الواجب عليه أن يقف عند ما حددته هداية الكتاب الإلهي والسنن النبوي والإسلام كذلك يدعوا إلى السلام - ثم بيّن سبب ما يقع من الاختلاف ويحرمهم حيطة النظام فقال ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا  ﴾ أي أن جاحد الحق والمعرض عن هداية الله له التي يسوقها إليه على أيدي رسله إنما ينظر في عمله إلى ما يوفر عليه لذاته في هذه الحياة الدنيا، فهو لا يسعى إلا إلى لذة عاجلة، ولا ينظر إلى عاقبة آجلة، ومن كان هذا شأنه كان أمره اختلافًا وشقاقًا، ورياء ونفاقًا.

ثم أراد الله تعالى أن يقيم الدليل على أن الاهتداء بهدي الأنبياء ضروري للبشر، وأنه لا غنى عنه مهما بلغوا من كمال العقل، فقال إن الله قضى أن يكون الناس أمة واحدة يرتبط بعضهم ببعض، ولا سبيل لعقولهم وحدها إلى الوصول إلى ما يلزم لهم في توفير مصالحهم ودفع المضار عنهم، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأيدهم بالدلائل القاطعة على صدقهم وعلى أن ما يأتون به إنما هو من عند الله تعالى القادر على إثابتهم وعقوبتهم، العالم بما يخطر في ضمائرهم، الذي لا تخفى عليه خافية من سرائرهم.

قال تعالى ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  ﴾ الإتيان بهذه القضية بعد وصف الأنبياء بالمبشرين المنذرين يدل على أن التبشير والإنذار عمل سبق إنزال الكتب، وهو حق، لأن الأنبياء أول ما يبعثون ينبهون قومهم إلى ما غفلوا عنه، ويحذرونهم عاقبة ما يكونون فيه، من عادة سيئة أو خلق قبيح أو عمل غير صالح، فإذا تهيأت الأذهان لقبول ما بعد ذلك من تشريع الأحكام وتحديد الحدود، أنزل الله الكتب، لبيان ما يريد حمل الناس عليه مما هو صالح لهم على حسب استعدادهم، ثم في قوله ﴿ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ  ﴾ وعود الضمير على جميع النبيين ما يفيد أن الله أنزل مع كل نبي كتابًا، معجزًا كان أو غير معجز، طويلًا كان أم قصيرًا، دوّن وحفظ أم لم يدون ولم يحفظ، ليؤدي من سلف إلى من خلف، وقوله ﴿ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ قرأ يزيد بضم الياء وفتح الكاف والباقون بفتح الياء وضم الكاف، وهي الرواية المشهورة المعروفة.

أما على رواية يزيد فالمعنى أن الله أنزل الكتب مع النبيين بالحق، أي بيان ما يجب أن يعتقد به مما هو منطبق على الواقع، وبيان ما يجب أن يعمل به مما هو صالح لا مفسدة فيه، ليقع الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه من الأمرين، والحاكم هو المتولي للفصل بين الناس في الخصومات بالنسبة إلى الأعمال، والمرشد إلى الصحيح العقائد على مقتضى ما جاء في الكتاب النازل بالحق، والمبين لما ينطبق على نصوصه من الأعمال التي يحكم فيها الحاكمون.

أما على القراءة المعروفة فالحكم مسند إلى الكتاب نفسه، فالكتاب ذاته هو الذي يفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، وفيه نداء على الحاكمين بالكتاب أن يلزموا حكمه، وأن لا يعدلوا عنه إلى ما تسوله الأنفس وتزينه الأهواء، فإن الكتاب نفسه هو الحاكم وليس الحاكم في الحقيقة سواه، ولو ساغ للناس أن يؤولوا نصًا من نصوص الكتب على حسب ما تنزع إليه عقولهم بدون رجوع إلى بقية النصوص وبناء التأويل على ما يؤخذ من جميعها جملة لما كان لإنزال الكتب فائدة، ولما كانت الكتب في الحقيقة حاكمة، بل تتحكم الأهواء وتذهب النفوس منازع شتى فينضم إلى الاختلاف في المنافع اختلاف آخر جديد وهو الاختلاف في ضروب التأويل، وبناء كل واحد حكمًا على ما نزع إليه، فتعود المصلحة مفسدة، وينقلب الدواء علة، ولِهذا رد الله تعالى الحكم إلى الكتاب نفسه لا إلى هوى الحاكم به وقال ﴿ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  ﴾ لأن الاختلاف كان تابعًا لتلك الوحدة التي بيناها فكان كأنه لازم لها، وهو كذلك كما يبينه تاريخ البشر وما توارثوه عن أسلافهم.

وكما يقضي فيما اختلفوا فيه يقضي فيما يختلفون به من بعد، ونسبة الحكم إلى الكتاب هي كنسبة النطق والهدى والتبشير إليه في قوله: ﴿ هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ وكنسبة القضاء إليه في قول الشاعر: ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتاب المنزل والسر في التجوز هو ما ذكرت لك.

وقد يعود الضمير على الله أي أنزل الله معهم الكتاب بالحق ليحكم سبحانه بين الناس فيم اختلفوا فيه، وهو يشعر كذلك بأن الحاكم يجب أن يكون هو الله دون آراء البشر وظنونهم التي لا ترد إليه جل شأنه.

﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ  ﴾ وقد عرفت فيما سبق أن الناس بحكم اشتراكهم في الأعمال وضرورة اشتباكهم في المعاملات عرضة للاختلاف في الحق، لأن عقولهم وحدها ليست كافية في الهداية إليه على الوجه الذي يحفظ جامعتهم من الاضطراب، ويؤدي بهم إلى السعادة العظمى في المآب، فلا يصح بعد ذلك أن يعود الضمير في ﴿ فِيهِ  ﴾ إلى الحق فلا يقال وما اختلف في الحق إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات، فإن الحق يختلف فيه الناس قبل مجيء البينات الأولى، ولا أعجب مما ذكره بعض المفسرين من أن النص في الآية دليل على أن الناس لم يكن منهم اختلاف في الحق إلا بعد بعثة الأنبياء، وإرسال الرسل وإنزال الكتب.

أما فيما قبل ذلك فكانوا متفقين على الحق فكأن رذيلة الاختلاف والتفرق لم تقع في العالم الإنساني إلا ببعثة الرسل، والقول بمثله من أغرب ما ينسب إلى صاحب دين، فما بالك به إذا صدر عن مسلم؟!!.

والحق أن الضمير في قوله ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ  ﴾ يعود إلى الكتاب وهو استدراك على ما عساه يقال: إذا كان الناس في جامعتهم مستعدين للتخالف بمقتضى فطرتهم إذا تركت وحدها، ولا غنى لهم عن هداية تعليمية تأتيهم من الله تعالى، ولهذا بعث الأنبياء ليكونوا قوادًا للفطرة إلى ما هو خير الدنيا والآخرة، فما بال الناس بعد إنزال الكتب لا يزالون مختلفين ولا يرتفع من بينهم ذلك الخلاف الذي كان يخشى منه إفساد جماعتهم وهلاك خاصتهم؟

فقد كانوا يختلفون على جلب المنافع والتوسع في مطالب الشهوات، ولم تكن لديهم في ذلك آلة يستعملها كل منهم في نيل مطلبه من صاحبه سوى القوة أو الحيلة، وبعد إنزال الكتب قد انضم إلى تلك الآلات آلة أخرى ربما كانت أقوى من سواها وهي آلة الإقناع بالكتاب، فيتخذ الواحد منهم كلمة من الكتاب أو أثرًا مما جاء به وسيلة إلى تسخير غيره لما يريد، وذلك بقطع الكلمة أو الأثر عن بقية ما جاء بالكتاب والآثار الأخر، ولَيِّ اللسان به وتأويله بغير ما قصد منه، وما هَمُّ المؤوِّل أن يعمل بالكتاب، وإنما كل ما يقصد هو أن يصل إلى مطلب لشهوته، أو عضد لسطوته، سواء عليه هدمت أحكام الله أم قامت، واعوجت السبيل أم استقامت، ثم يأتي ضال آخر يريد أن ينال من هذا ما نال هذا من غيره، فيحرف ويؤول حتى يجد المخدوعين بقوله ويتخذهم عونًا على ذلك الخادع الأول، فيقع الخلاف والاضطراب، وآلة المختلفين في ذلك هي الكتاب، وقد شوهد ذلك في الأزمان الغابرة بين اليهود وبين من سبقهم وبين النصارى، ولا يزال الأمر على ما كان عليه عند هاتين الطائفتين إلى اليوم، وكم حروب وقعت بين المسلمين أنفسهم حتى قصمت ظهورهم، ودمرت ما كان من قواهم وما كان آلة المبطلين في تلك المشاغب إلا دعوى الدين، وحمل الناس على الحق المبين.

والله يعلم أنهم لكاذبون فيما يقولون، وإنهم لخاطئون فيما يفعلون، وما كلمة الدين ودعوى تأييد الكتاب إلا وسائل لإرضاء الشهوة، وتمكين الظالم من السطوة.

ثم هناك داعٍ آخر للخلاف وهو اختلاف القوم في فهم ما جاء في الكتاب فكل يذهب إلى أن الواجب أن يعتقد كذا وربما كان حسن النية فيما يقول، ويعد المخالف مخطئًا فيما يزعم، وقد يعرض لكل منهم التعصب لرأيه فيذهب حُسْن النية ولا يبقى إلا الميل إلى تأييد المذهب، وتقرير المشرب، بدون رعاية للدليل ولا نظر إلى البرهان، فلم يستفد النوع الإنساني من إرسال الرسل ونزول الكتب إلا حدوث سبب جديد للخلاف لم يكن، وإلا موضوعًا للشقاق كان العالم في سلامة منه، فما فائدة إرسال الرسل وكيف يمن الله على الناس بأمر لم يزدهم إلا شقاء، ولم يكسب بصائرهم إلا عماء؟

أراد الله جل شأنه أن يستدرك على هذا الظن ويبين وجه الخطأ فيه فقال ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ  ﴾ إلخ...

وحاصل الاستدراك أن غرائز البشر وحدها ليست كافية في توجيه أعمالهم إلى ما فيه صلاحهم، فلا بد لهم من هداية أخرى تعليمية تتفق مع القوة المميزة لنوعهم، وهي قوة الفكر والنظر، تلك الهداية التعليمية هي هداية الرسل منهم، والكتب التي ينزلها الله عليهم، مع الأدلة القائمة على عصمة الرسل من الكذب، وعصمة الكتب من الخطأ، فعلى الناس أن يستعملوا عقولهم في فهم الأدلة على الرسالة والعصمة أولًا، وسطوع الأدلة يحمل المستعدين منهم على التصديق حتمًا، فإذا عقلوا ما جاءت به الرسل وجب عليهم أن يقوموا عليه، ولا يعدلوا بعمل من أعمالهم عنه، ذلك كما وهب لهم السمع والبصر ليهتدوا بهما إلى ما يوفر لهم الفوائد، ويدفع عنهم الغوائل، ويتقوا بهما الوقوع في المكاره، وكما وهب لهم العقل ليهتدوا به فيما يتبع الأعمال من العواقب، وإنما عليهم أن ينظروا في فهم الأحكام الإلهية إلى جملتها ومجموع ما تفرق منها، لا يقصرون نظرهم على بعض ويغضون بصرهم عن بعض آخر، ثم عليهم أن يقفوا على حكمة الله في تشريع شريعته، ووضع ما قرره من الأحكام فيها بحيث لا يحيدون عن تلك الحكمة التي أشارت إليها كتبه، بل صرحت بها نصوصها لا يمنة ولا يسرة، حتى يتم لهم الاهتداء بها، فإن الغفلة عن حكمة العمل غفلة عن فائدته، والغفلة عن فائدته انصراف عن روحه التي لا يقوم إلا بها، غير أن عامة الخاطئين لا يمكنهم أن يصلوا إلى كل ذلك بأفهامهم على قصرها، وإنما ذلك فرض على الخاصة الذين قدمهم الرسل للنيابة عنهم، وهؤلاء هم الذين أُوتوه، وأعطاهم الله الكتاب على أن يقرروا ما فيه، ويراقبوا انطباق سير العامة عليه، ولذلك قال ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ  ﴾ وفي آيات أخرى أن اختلافهم من بعد ما جاءهم العلم، والبينات هي الدلائل القائمة على عصمة الكتاب من وصمة إثارة الخلاف، وعلى أنه ما جاء إلا لإسعاد الناس والتوفيق بينهم، لا لإشقائهم وتمزيق شملهم، وعلى أن الحكمة الإلهية فيه راجعة إلى جميع ما جاء به، فلا بد أن يكون فهم كل جزء منه مرتبطًا بفهم بقية أجزائه، وعلى أن دعوة الرسول الذي جاء به إنما كانت إلى جملته، لا إلى الأنقاض المتفرقة منه، وقال إن هذا الاختلاف الذي وقع منهم لم يكن إلا بغيًا بينهم، وتعديًا لحدود الشريعة التي أقامها حواجز بين الناس والخلاف داعية البغي.

إن الحَبْر أو الكاهن أو العالم أو الرئيس أو أي واحد ممن تسميه من أهل النظر في الدين القائمين عليه الذين ينوبون عن الرسل في حفظه والدعوة إلى صيانته الواحد من هؤلاء يرى الرأي ويفهم الفهم ويأخذ الحكم من نص يقف عنده ذهنه، أو أثر يصل إليه، وربما لم يكن وصل إليه ما هو أصح منه، وآخر يرى غير ما يرى، ويزعم وصول أثر غير الذي وصل إلى صاحبه، فكان اتباع الكتاب يقضي عليهما بالاجتماع والتمحيص وتخليص النفس من كل هوى سوى الميل إلى تقرير الحق وتطبيق الواقعة عليه، ولو لم يتيسر لهما ذلك وجب على من يأتي بعدهما ما كان يجب عليهما، حتى يستمر الاتفاق بين هؤلاء الخاصة ويسود بهم بين العامة.

لكن قد يشوب طلب الحق شيء من الرغبة في عزة الرئاسة أو ميل مع أربابها أو خوف منهم أو شهوة خفية في منفعة أخرى فيلج ذلك بصاحب الرأي حتى يكون شقاق، ويحدث افتراق، ولا ريب أن هذا الشوب وإن كان قد يكون غير ملحوظ لصاحبه، بل دخل على نفسه من حيث لا يشعر، فهو من البغي على حق الله في عباده أولًا، والبغي على حقوق العباد الذين جاء الكتاب لتعزيز الوفاق بينهم ثانيًا، وأما العامة من الناس فلا جريمة لهم في هذا، ولذلك جاء بالحصر في قوله: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ  ﴾ فإذا كان الرؤساء قد جنوا هذه الجناية على أنفسهم وعلى الناس بسبب البغي الخاص بهم فهل هذا يقدح في هداية الكتاب إلى ما يتفق الناس عليه من الحق ويرتفع به النزاع فيما بينهم؟

كلا..

فقد رأينا كل دين في بدء نشأته يقرب البعيد، ويجمع المتشتت، ويلم الشعث، ويمحق أسباب الخلاف من النفوس، ويقرر بين الآخذين به أخوة لا تدانيها أخوة النسب في شيء.

وهل يؤثر الأخ في النسب أخاه بماله على نفسه وهو في أشد الحاجة إليه كما كان يفعل أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة؟

وهل يبذل الأخ النسبي روحه دون أخيه ويؤثره بالحياة على نفسه كما آثره بالمال، كما كان يقع من أولئك الأبطال؟

هذا شأن الدين وهو باق على أصله، معروف بحقيقته لأهله، تبينه للناس رؤساؤه، ويمشي بنوره فيهم علماؤه، لا خلاف ولا اعتساف، ولا طرق، ولا مشارب، ولا منازعات في الدين ولا مشاغب.

هذا هو الدين الإلهي الذي قدر الله أن يكون هداية للبشر فوق الهدايات التي وهبها لهم من الحواس والعقول، فإذا لم يهتد بها الذين أوتوها وهم علماء الدين، وبغوا بالتأويل وكثرة القال والقيل، فهل يمس ذلك جانبها بعيب؟

ماذا يقول القائل في أولئك الذين يؤتيهم الله العقل ثم لا يستعملونه فيما أوتي لأجله؟

هل تنقص حالهم هذه من منزلة العقل وتدل على أن العقل ليس من نعم الله على الإنسان؟

ماذا يقول القائل في أولئك الذين لهم أبصار وأسماع ولكن يخبط الواحد منهم في سيره فلا يستعمل بصره في معرفة الطريق التي يسير فيها، أو في وقاية رجليه من الشوك الواقع عليها، أو التباعد عن حفرة يتردى فيها، وربما كانت نظرة واحدة تقيه من التهلكة لو وجهها نحوها.

وقد يسمع من الأصوات التي تنذره بالخطر القريب منه ثم لا يبالي بما يسمع، حتى يصيبه ما ليس له مدفع.

فهل تحط حال هؤلاء الناس من قيمة السمع والبصر؟

هذه الآية الكريمة ترفع من شأن الدين وتعلو به إلى أرفع مقام من مقامات الهدايات الإلهية، وتدفع عنه مطاعن أولئك السفهاء الذين تغشى أعينهم حجب الظواهر، فتقف بهم دون معرفة السرائر، يناديهم الحق، فلا يصل إليهم إلا صدى صوت الباطل، ثم يرفع النص الكريم مقام المؤمنين الصادقين، ويحلهم من الكرامة أعلى عليين، إذ يقول بعد ما ذكر جناية أهل الخلاف، ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ الإذن هنا التيسير والتوفيق، والذين آمنوا هم أهل الإيمان الصادق في كل دين أو هم المؤمنون بمحمد  ، وعلى كل فالله جل شأنه يخبرنا وهو أصدق القائلين بأن المؤمنين هم الذين يهتدون لما اختلف الناس فيه من الحق، أي يصلون إلى الحق الذي تختلف مزاعم الناس فيه، فيزعم كل واحد أنه عليه، وهو إما بعيد عنه بُعْد الباطل عن الحق، وإما على شيء منه غير أنه على حكم المصادفة والاتفاق، والذي حمله على زعمه إنما هو الهوى والميل إلى الشقاق، وهو في الحالتين على الباطل لأن موافقة الحق على غير بصيرة لا تعد هداية إليه.

الإيمان الصحيح له نور يسطع في العقول فيهديها في ظلمات الشبه ويضيء لها السبيل إلى الحق الذي لا يخالطه باطل، فيسهل عليها أن تميط كل أذى يتعثر فيه السالك، وقد يسقط به في مهاو من المهالك.

الإيمان الصحيح لا يسمح لصاحبه أن يأخذ بأمر قبل أن يتبصر فيه، ويمحص الدليل على أنه نافع له في دينه أو دنياه، ولا يدعي أمرًا حتى يشهد عنده البرهان أو العيان بأنه ليس مما يجب عليه أن يأتيه بحكم إيمانه.

الإيمان الصحيح يجعل من نفس صاحبه رقيبًا عليها في كل خطوة تمر بباله، وكل نظرة تقع منه على ما بين يديه من آيات الله في خلقه، ولا يطير الخيال بصاحب الإيمان الصحيح إلا إلى صور من الحق تنزل منه منزلة العبارة من معناها، فهو إذ اعتقد فإنما يعتقد ما هو مطابق للواقع، وإذا تخيل فإنما يتخيل صورًا تمثل ذلك الواقع وتجليه في أقوى مظاهره، بهذا يكون تيسير الله له الهداية إلى الحق الذي يختلف فيه الناس، فهو مطمئن ساكن القلب، وهم في اضطراب وحرب، تولوا عن هداية الله فحرموا توفيقه، وكفروا بنعمة العقل والدين، فعوقبوا عليها بفشو الشر، وفساد الأمر، والله لا يصلح عمل المفسدين، ولا فساد أعظم من الاختلاف في الدين ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ ، ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  ﴾ ، ﴿ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ  ﴾ .

هذه آيات الله لا يعرض عنها إلا بعيد عن الله، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

هذه ما اخترنا من التأويل.

وهناك ما رمى إليه قول أبي مسلم الأصفهاني والقاضي أبي بكر، فيما نقلناه عنهما سابقًا، وهو أن الناس كانوا أمة واحدة على سنة الفطرة والتمسك بالشرائع العقلية فيما يعتقدون وما يعملون وما يتركون، والدليل على ذلك أن الفاء توجب التعقيب فيعلم من ذلك أن تلك الوحدة كانت متقدمة على جميع الشرائع الإلهية فلا تكون إلا الاستفادة من العقل، ولا بد لبيان ما رمى إليه قول الشيخين من بيان يطمئن إليه الجنان: ما جاءنا من أنباء الأمم وما رأيناه من آثارهم وما عرفناه من حال بعضهم اليوم يشهد شهادة لا يرتاب فيها من أُدِّيَتْ إليه أن العناية الإلهية سارت بالإنسان في جماعته كما سارت به في أفراده..

يخلق الله الفرد من البشر ضعيف القوة فاقد العلم لا يعرف شيئًا من أمره كما جاء في التنزيل: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ ثم أبواه أو من يكلفه سواهما يقوم عليه يقوي بنيته ويدفع عنه ما عساه يهدمها، ويعلمه كيف يسمع وكيف ينظر وكيف يتقي ببصره وسمعه ما تخشى عاقبة وقعه، إلى أن يبلغ من السن حدًا معلومًا يكون فيه الحس قد أعده لاستعمال قوة أخرى كانت لا تزال قاصرة فيه وهي قوة العقل، ويسهل عليه أن يفكر فيما مضى وينظر فيما حضر، ليعرف منها كيف يسلك في عمله لما يستقبل، فكمال استعداد العقل للنظر في شؤون الشخص هو منتهى نمو البدن، تلك السن هي المعروفة بسن الرشد.

لم يكن من متناول قوة الصبي في زمن الصبا الإحاطة بكنه الجمعية البشرية وما وضع الله فيها من الروابط المعنوية والمعاني الروحية التي تقوم بها بنية الاجتماع، ولم يكن من طوق مداركه أن تخترق هذا الكون المحسوس لتصل إلى معرفة مكنونه، ويشرق عليها نور وجوده الباهر، وإنما كان كل هم الصبي منصرفًا إلى تغذية جسمه ورياضة قواه البدنية، ولا يبالي بما وراء ذلك، وإذا ذكر له شيء من تلك المعاني العالية لم يتمثلها ذهنه إلا في صور من الخيال هي إلى الباطل أقرب منها إلى الحق.

كل ذلك معروف لكل من كان طفلًا ثم صار صبيًا ثم بلغ سنًا عرف نفسه فيها رجلًا عاقلًا، فلا حاجة بنا إلى الإطالة فيه.

على هذه السنة قادت العناية الإلهية جماعة البشر، لأن الحكمة قد قضت بأن يحيا الإنسان إلى أجله المحدود في جماعة من نوعه كما قدمنا لا مناص له عن ذلك.

هذه الجماعة هي التي تسمى أمة كما عرفت، ويمكنك أن تسميها بنية الاجتماع وتسمي كل فرد منها عضوًا من تلك البنية فكما ينشأ الفرد قاصرًا في جميع قواه ضعيفًا في جميع أعضائه، كذلك نشأت الجمعية البشرية على ضرب من السذاجة لا تبلغ بها إلى تناول الشؤون الرفيعة والمعاني العالية والمعارف السامية، غير أن الذي يربي الفرد ويسوس قواه إلى أن يبلغ رشده هو الأبوان أو من يقوم مقامهما، والذي يكفل الجمعية ويربي قواها، ويشد بناها، إنما هو الكون وما يمسها من حوادثه، والحاجات ووقعها، والضرورات ولذعها، وكما يؤدب الصبي أبواه يؤدب الجماعة شدة وقع الحوادث الكونية منها، وهي في هذا الطور لا هم لها إلا المحافظة على بنيتها الجسمية، وحاجتها البدنية، وليس عندها من الزمن ما تتفرغ فيه لأدنى من ذلك كما هو شأن الطفل في صباه.

والآثار التي عثر عليها الباحثون في مبادئ ظهور الصناعة عند البشر وارتقائها من أدنى الأعمال إلى ما يظنه الناظر أعلاها اليوم تشهد شهادة كافية بأن البشر كانوا في بدء أمرهم من قصور القوى على حالة تشبه حالة الصبيان في الأفراد فقد كانوا في بعض أطوارهم لا يهتدون إلى اصطناع المعادن القابلة للطرق كالنحاس والحديد، وأن آلاتهم للدفاع ونحوه كانت من الحجارة، ثم ارتقوا إلى استعمال النحاس، ثم ارتقوا بعد ذلك إلى استعمال الحديد، وعلى هذا النحو كان رقي معارفهم في جميع أبواب الصنعة وما عليك إلا أن تنظر كيف ابتدأوا وضع حروف الكتابة من الخط المسماري ثم لم يزالوا يرتقون فيه إلى أن وصلوا إلى ما تعرف اليوم..

كل ذلك يدل على أن سنة الله في الجماعة هي بعينها سنته في الفرد منها، من التدرج به من ضعف إلى قوة، ومن قصور إلى كمال.

كانوا في طور القصور منغمسين في الحس والمحسوس، فإذا تخلصوا منه إلى شيء تخلصوا إلى وهم يثيره الحس، وإنما هو ظل له يُظَن شيئًا وليس بشيء.

إذا عجبوا كيف يموت الميت ولم يهتدوا إلى فهم معنى الموت ظنوا أنه يغيب عنهم غيبة ولكن لا يزال يتعهدهم بما يؤذيهم، كأن الموت يحدث بينه وبينهم عداوة، فظنوا أن أرواح الأموات من جملة العاديات الضارات، المعينات النافعات، ولذلك كانوا يعدون لها ما يرضيها، وكانوا يخافون أن يذكروا أسماءها، وإذا سمعوا رعدًا أو رأوا برقًا أو أمطرتهم السماء أو ذعرتهم الأعاصير، تخيلوا أشباحًا مثلهم ترسل ذلك كله عليهم، ويذهب بهم الخيال فيها إلى ما شاء من صور وتماثيل، وهكذا كان شأنهم في كثير من الحيوان والنبات والنجوم إذا استعظموا منها شيئًا لعظم مضرته أو لكثرة منفعته، توهموا فيه ما شاءوا من قدرة تفوق قدرتهم، وإرادة تقهر إرادتهم.

ولم يزالوا كذلك والتجارب تكشف لهم خطأهم فيما يتوهمون، والحوادث تأتيهم بعلم ما لم يكونوا يعلمون، حتى عقلوا كثيرًا من أصول اجتماعهم وكشفوا شيئًا من عناصر بنيته المعنوية، ووصلوا إلى منزلة الاستعداد لأن يفهموا باطن ما عقلوا وسر ما عرفوا، ولأن يخلصوا من هذا العالم الجسماني الذي كانوا فيه إلى عالم روحاني كانوا يسيرون في طلبه من حيث لا يشعرون.

هنالك تهيأ لهم أن ينتقلوا من طور قصور الصبي إلى أول سن الرشد، فجاءتهم النبوة تهديهم إلى ما يستقبلونه في ذلك الطور الجديد..

طور يكون واضع النظام لاجتماعهم فيه هو الله جل شأنه، ويكون المحدد لصلتهم بربهم تعالت أسماؤه هو الرحيم بهم العليم بمصالحهم، وهو مع ذلك مما لا تحدده عقولهم، ولا تسمو إلى اكتناه ذاته معارفهم، هذه هي الغاية التي لم يكن لهم أن يدركوها وهم في قصور الطور الأول قد انتهوا إليها عند دخولهم في الطور الثاني.

فهذا هو قول الشيخين: أن الأمة الواحدة هي الأمة الآخذة في اعتقادها وعملها بالعقل ومقتضى الفطرة قبل النبوات جميعها، لأن ظهور النبوة والاستعداد لقبولها طور من الأطوار البشرية لا يصل إليه النوع الإنساني إلا بعد التدرج في طريق طويلة تنتهي غايتها إلى هذا النوع من الكمال الإنساني.

الاستعداد لظهور النبوة وقبول دعوتها مرحلة من المراحل التي تسير فيها الجمعية البشرية عندما تبلغ العقول منزلة من القوة ومقامًا من السلطة، وتبلغ النفوس من قوة التصرف في المنافع والمضار ما يخشى معه من ضلالها أن يوقعها في خيالها، عندما تعظم مطامع العقول والشهوات وتتسع مجالاتها وتبعد مطامحها، هنالك يخشى على الجمعية البشرية من بعض أفرادها أو من كل واحد منهم على بقية أركانها، كما يخشى من قوى الشاب أن تهلكه عندما تبلغ البنية حد النمو وتبدو له الشهوات في أجلى صورها، فكما كان من حكمة الله أن يهب الشاب قوة العقل عند بلوغ السن التي تعظم فيها الشهوة، ويقوى فيها الإحساس بالحاجة إلى توفير الرغائب، حتى يقوده في تلك الغمار، كذلك فعل الله بالجمعية البشرية عندما بلغت بمعارف أفرادها ذلك الحد الذي ذكرنا..

وهبها تلك الهداية الجديدة، وأيدها بالدلائل التي بلغ من قوة العقول أن تدركها، وأن تصل من مقدماتها إلى نتائجها، تلك الآيات البينات التي جاء بها الأنبياء على اختلاف أزمانهم وأممهم جاءت إلى كل أمة بما يلائم حالتها النفسية ومكانتها العقلية، فكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمم بمنزلة الرأس من البدن.

جاؤوهم يبينون لهم الخير، ويبشرونهم بحسن الجزاء لكاسبه، ويكشفون لهم مسالك السوء، وينذرونهم بسوء المصير لصاحبه.

ولما كان الاستعداد يتفاوت في الأمم كانت أمة أولى من أمة بتقدم عهد النبوات فيها، وكانت تلك الأمة المتقدمة جديرة بأن تكون إمامًا للأمة المتأخرة، سنة الله في الخلق.

هذا الطور النوراني الجديد طور ظهور النبوة هو طور خير وسعادة، طور هداية ورشاد، وأخوة بين المهتدين فيه وسداد في أعمالهم، ونزوع إلى تكميل غيرهم بمثل ما كملت به أنفسهم، وإضاءة ما أظلم من جو غيرهم بمثل ما أضاء به جوهم، ولا يزالون كذلك ما قاموا على فهم ما جاء إليهم، وما قيدوا عقولهم ونفوسهم بالحدود التي وضعها لهم، وما وقفوا على سر ما حُملوا عليه، ولزموا روح ما دعوا إليه، وما حدب كل واحد منهم على الآخر ليرده إذا زاغ عن الطريق المعبدة، ويقيمه على السنة المعروفة، فهذا قوله تعالى ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ  ﴾ فقد قطع الإنسان في سيره إلى الكمال مرحلة أولى انتهت إلى ظهور النبوات، ثم هو يسير في هذه مرحلة أخرى إلى أن يصل إلى منزل آخر، ولكنه يا للأسف ليس بالمنزل المرتضى.

ذلك أنه إذا طال الأمد على عهد النبوة وبعد الناس عن مبعث نورها، وينبوع نميرها، قست القلوب، وأظلمت الأنفس، وغلبت الشهوات، فضعف العلم بسر الدعوة، وأهملت الجمعية تقويم الطريقة، واستعمل أهل العلم بالدين، نصوص الدين فيما يضيع حكمة الدين، ويذهب بأثره في الناس، فيقع الاختلاف والاضطراب، وينقلب سبب السعادة الأولى، عاملًا للشقاء في الأخرى، وذلك باتباع خطوات شيطان الرئاسة، والانقياد لغوايات السياسة، فهذا قوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ  ﴾ .

هذا طور ثالث للجمعية البشرية، ومرحلة تسير فيها ما شاء الله أن تسير حتى تذوق وبال أمرها، وحتى تبصر عواقب الخلاف بما كان من فوائد الألفة، وحتى تردها الضرورات إلى النظر فيما أغمضت عنه، وإلى الرجوع إلى ما خرجت منه، فتعود إلى محو ما عرض من العادات، وتنقية القلوب من فاسد الاعتقادات، وتطهير النفس من رديء الملكات، فتشرق لها شمس الحق الأول، وتقوم على الطريق الأمثل، وتعود الطمأنينة إلى النفوس، ويتساوى في الحق الرئيس والمرؤوس، ويجتمع الناس على التنزيل، ويتحدون على صحيح التأويل، وهذا قوله تعالى ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ  ﴾ .

تلك الأطوار التي لا بد للبشرية أن تمر فيها حتى تبلغ كمالها، وتنال تفصيلها وإجمالها، وتأويل الآية على طريقة الشيخين المذكورين لا يضايق ما اخترناه، ولا يبعد عما قررناه، ومكانة آدم  من الرسالة لا تزعج صاحب هذا التأويل، ولا تلصق به شذوذًا أبعد من شذوذ من قال كان الناس على الحق متفقين، ثم كان الخلاف أثر بعثة النبيين، ولا شذوذ من قال إن الناس هم آدم كما علمت، فإنه يقول إن رسالة آدم لم تعلم بم كانت وإلى من كانت، فيجوز أن تكون بأمور تتفق مع تلك السذاجة الأولى إلى واحد أو أكثر من أبنائه، ثم نسي ما كان من ذلك عند من بلغه، وجهل عند من لم يبلغه على أن ما سبق في تأويل قوله تعالى ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ  ﴾ من رأي ابن عباس وأناس معه من أن الأرض كان فيها عُمّار يعملون فيها ما يعمل بنو آدم، يسمح لصاحب التأويل أن يقول إن آدم  مع بنيه كانوا في عمارة الأرض كولد نوح، وأن الأرض كانت معمورة من قبله بأقوام فيهم تلك الصفات البشرية ثم انقرضوا وخلفهم آدم، كما تنقرض أمة وتخلفها أمة، يهلك الله صنفًا وينشئ آخر، والنوع واحد، ولا يزال الهالك يترك أثرًا للباقي يحدث فيه فكرة، ويثير في نفسه عبرة، ويكون ذلك سلمًا له إلى رقي كان من قبل دونه، وإن مثال هذه الاعتراضات التي تكاد تكون ضروبًا من إنكار المشهود لقول قائل إنه غير موجود، لا تقف دون العقلاء من أهل الدين خصوصًا علماء الدين الإسلامي الذي لم يحدد تاريخًا خاصًا يبتدئ منه الوجود الإنساني في هذه الأرض.

فهم أحرار فيما ينظرون ما داموا لم يخالفوا نصًا قاطعًا من نصوص الكتاب، ولا سنة خلا نقلها من الريب والاضطراب.

والله أعلم بما أودع كتابه من أسرار وحكمة، نسأله سبحانه أن يتم علينا هذه النعمة، فهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله