الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 188 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
بأن جعل لهم الأرض فراشا ، أي : مهدا كالفراش مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات ، ( والسماء بناء ) وهو السقف ، كما قال في الآية الأخرى : ( وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون ) [ الأنبياء : 32 ] وأنزل لهم من السماء ماء - والمراد به السحاب هاهنا - في وقته عند احتياجهم إليه ، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد ؛ رزقا لهم ولأنعامهم ، كما قرر هذا في غير موضع من القرآن .
ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى : ( الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين ) [ غافر : 64 ] ومضمونه : أنه الخالق الرازق مالك الدار ، وساكنيها ، ورازقهم ، فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره ؛ ولهذا قال : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) وفي الصحيحين عن ابن مسعود ، قال : قلت : يا رسول الله ، أي الذنب أعظم ؟
قال : أن تجعل لله ندا ، وهو خلقك الحديث .
وكذا حديث معاذ : أتدري ما حق الله على عباده ؟
أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا الحديث وفي الحديث الآخر : لا يقولن أحدكم : ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن ليقل ما شاء الله ، ثم شاء فلان .
وقال حماد بن سلمة : حدثنا عبد الملك بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن الطفيل بن سخبرة ، أخي عائشة أم المؤمنين لأمها ، قال : رأيت فيما يرى النائم ، كأني أتيت على نفر من اليهود ، فقلت : من أنتم ؟
فقالوا : نحن اليهود ، قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عزير ابن الله .
قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد .
قال : ثم مررت بنفر من النصارى ، فقلت : من أنتم ؟
قالوا : نحن النصارى .
قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : المسيح ابن الله .
قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء محمد .
فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : هل أخبرت بها أحدا ؟
فقلت : نعم .
فقام ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم ، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها ، فلا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا : ما شاء الله وحده .
هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة ، به .
وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر ، عن عبد الملك بن عمير به ، بنحوه .
وقال سفيان بن سعيد الثوري ، عن الأجلح بن عبد الله الكندي ، عن يزيد بن الأصم ، عن ابن عباس ، قال : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت .
فقال : أجعلتني لله ندا ؟
قل : ما شاء الله وحده .
رواه ابن مردويه ، وأخرجه النسائي ، وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس ، عن الأجلح ، به .
وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد ، والله أعلم .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال الله تعالى : ( يا أيها الناس اعبدوا ربكم ) للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين ، أي : وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم .
وبه عن ابن عباس : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) أي : لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من توحيده هو الحق الذي لا شك فيه .
وهكذا قال قتادة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم ، حدثنا أبي عمرو ، حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم ، حدثنا شبيب بن بشر ، حدثنا عكرمة ، عن ابن عباس ، في قول الله ، عز وجل ( فلا تجعلوا لله أندادا [ وأنتم تعلمون ] ) قال : الأنداد هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ، وقول الرجل : لولا الله وفلان .
لا تجعل فيها فلان .
هذا كله به شرك .
وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت ، فقال : أجعلتني لله ندا .
وفي الحديث الآخر : نعم القوم أنتم ، لولا أنكم تنددون ، تقولون : ما شاء الله ، وشاء فلان .
قال أبو العالية : ( فلا تجعلوا لله أندادا ) أي عدلاء شركاء .
وهكذا قال الربيع بن أنس ، وقتادة ، والسدي ، وأبو مالك : وإسماعيل بن أبي خالد .
وقال مجاهد : ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) قال : تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل .
ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا أبو خلف موسى بن خلف ، وكان يعد من البدلاء ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن زيد بن سلام ، عن جده ممطور ، عن الحارث الأشعري ، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله عز وجل ، أمر يحيى بن زكريا ، عليه السلام ، بخمس كلمات أن يعمل بهن ، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، وكان يبطئ بها ، فقال له عيسى ، عليه السلام : إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن ، فإما أن تبلغهن ، وإما أن أبلغهن .
فقال : يا أخي ، إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي .
قال : فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس ، حتى امتلأ المسجد ، فقعد على الشرف ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن ، وآمركم أن تعملوا بهن ، وأولهن : أن تعبدوا الله لا تشركوا به شيئا ، فإن مثل ذلك مثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بورق أو ذهب ، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك ؟
وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأمركم بالصلاة ؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت ، فإذا صليتم فلا تلتفتوا .
وأمركم بالصيام ، فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة ، كلهم يجد ريح المسك .
وإن خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك .
وأمركم بالصدقة ؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو ، فشدوا يديه إلى عنقه ، وقدموه ليضربوا عنقه ، فقال لهم : هل لكم أن أفتدي نفسي ؟
فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير حتى فك نفسه .
وأمركم بذكر الله كثيرا ؛ وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعا في أثره ، فأتى حصنا حصينا فتحصن فيه ، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله .
قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن : الجماعة ، والسمع ، والطاعة ، والهجرة ، والجهاد في سبيل الله ؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، إلا أن يراجع ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم .
قالوا : يا رسول الله ، وإن صام وصلى ؟
فقال : وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ؛ فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل : المسلمين المؤمنين عباد الله .
هذا حديث حسن ، والشاهد منه في هذه الآية قوله : وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئا .
وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له ، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع فقال : وهي دالة على ذلك بطريق الأولى ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه ، كما قال بعض الأعراب ، وقد سئل : ما الدليل على وجود الرب تعالى ؟
فقال : يا سبحان الله ، إن البعرة لتدل على البعير ، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ؟
ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير ؟
وحكى فخر الدين عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك فاستدل باختلاف اللغات والأصوات والنغمات ، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى ، فقال لهم : دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه ، ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها ، وهي مع ذلك تذهب وتجيء وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها ، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد .
فقالوا : هذا شيء لا يقوله عاقل ، فقال : ويحكم ، هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة ليس لها صانع !
!
فبهت القوم ورجعوا إلى الحق وأسلموا على يديه .
وعن الشافعي : أنه سئل عن وجود الصانع ، فقال : هذا ورق التوت طعمه واحد تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم ، وتأكله النحل فيخرج منه العسل ، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرا وروثا ، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك وهو شيء واحد .
وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال : هاهنا حصن حصين أملس ، ليس له باب ولا منفذ ، ظاهره كالفضة البيضاء ، وباطنه كالذهب الإبريز ، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح ، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة .
وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد : تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات بأحداق هي الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك وقال ابن المعتز : فيا عجبا كيف يعصى الإله أم كيف يجحده الجاحد وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد وقال آخرون : من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت ، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة ولها في أنفسها سير يخصها ، ونظر إلى البحار الملتفة للأرض من كل جانب ، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال : ( ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر : 27 ، 28 ] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء ، علم وجود الصانع وقدرته العظيمة وحكمته ورحمته بخلقه ولطفه بهم وإحسانه إليهم وبره بهم لا إله غيره ولا رب سواه ، عليه توكلت وإليه أنيب ، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جدا .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وقوله: " الذي جَعل لكم الأرض فِرَاشًا " مردود على الَّذِي الأولى في قوله اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ، وهما جميعًا من نَعت رَبَّكُمُ , فكأنّه قال: اعبدُوا ربكم الخالقكُم, والخالقَ الذين من قبلكم, الجاعلَ لكم الأرض فراشًا.
يعني بذلك أنّه جعل لكم الأرض مهادًا مُوَطَّأً (125) وقرارًا يُستقرّ عليها.
يُذكِّرُ ربّنا جلّ ذكره -بذلك من قِيله- عبادَهُ نعمَه عندهم وآلاءه لديهم (126) ليذْكروا أياديَه عندهم، فينيبوا إلى طاعته -تعطُّفًا منه بذلك عليهم, ورأفةً منه بهم, ورحمةً لهم, من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم, ولكن ليُتم نعمته عليهم ولعلهم يهتدون.
475- كما حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة (127) ، عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " الذي جعل لكم الأرض فراشًا " فهي فراشٌ يُمشى عليها, وهي المهاد والقرار (128) .
476- حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة: " الذي جَعل لكم الأرض فراشًا "، قال: مهادًا لكم.
477- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, عن عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس: " الذي جعل لكم الأرض فراشًا " ، أي مهادًا.
القول في تأويل قوله : وَالسَّمَاءَ بِنَاءً قال أبو جعفر: وإنما سُميت السماءُ سماءً لعلوها على الأرض وعلى سُكانها من خلقه, وكل شيء كان فوق شيء آخرَ فهو لما تحته سَمَاءٌ.
ولذلك قيل لسقف البيت: سَمَاوةٌ (129) ، لأنه فوقه مرتفعٌ عليه.
ولذلك قيل: سَمَا فلان لفلان، إذا أشرف له وقَصَد نحوه عاليًا عليه, كما قال الفرزدق: سَــمَوْنَا لِنَجْــرَانَ الْيَمَـانِي وَأَهْلِـهِ وَنَجْــرَانُ أَرْضٌ لَـمْ تُـدَيَّثْ مَقَاوِلُـهْ (130) وكما قال نابغة بني ذُبيانَ: سَــمَتْ لِـي نَظْـرَةٌ, فَـرَأيتُ مِنْهَـا تُحَــيْتَ الْخِــدْرِ وَاضِعَـةَ الْقِـرَامِ (131) يريد بذلك: أشرفتْ لي نظرةٌ وبدت, فكذلك السماء سُميت للأرض: سماءً، لعلوها وإشرافها عليها.
478- كما حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " والسّماء بناء ", فبناءُ السماء على الأرض كهيئة القبة, وهي سقف على الأرض.
(132) 479- حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة في قول الله: " والسماءَ بناءً"، قال: جعل السماء سَقفًا لكَ.
وإنما ذكر تعالى ذكره السماءَ والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم, لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم, وبهما قوامُ دُنياهم.
فأعلمهم أن الذي خَلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم، هو المستحقّ عليهم الطاعة، والمستوجبُ منهم الشكرَ والعبادةَ، دون الأصنام والأوثان، التي لا تضرُّ ولا تنفع.
القول في تأويل قول الله جلّ ثناؤه: وَأَنْـزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ يعني تعالى ذكره بذلك أنه أنـزل من السماء مطرًا, فأخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم وغَرْسهم ثمرات (133) - رزقًا لهم، غذاءً وأقواتًا.
فنبههم بذلك على قدرته وسُلطانه, وذكَّرهم به آلاءَه لديهم, وأنه هو الذي خلقهم، وهو الذي يَرزقهم ويكفُلُهم، دون من جعلوه له نِدًّا وعِدْلا من الأوثان والآلهة.
&; 1-368 &; ثم زَجَرهم عن أن يجعلوا له ندًّا، مع علمهم بأن ذلك كما أخبرهم, وأنه لا نِدَّ له ولا عِدْل, ولا لهم نافعٌ ولا ضارٌّ ولا خالقٌ ولا رازقٌ سِواه.
القول في تأويل قوله تعالى: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا قال أبو جعفر: والأنداد جمع نِدّ, والنِّدّ: العِدْلُ والمِثل, كما قال حسان بن ثابت: أَتَهْجُـــوهُ وَلَسْــتَ لَــهُ بِنِــدٍّ? فَشَـــرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَـــا الْفِــدَاءُ (134) يعني بقوله: " ولستَ له بند "، لست له بمثْلٍ ولا عِدْلٍ.
وكل شيء كان نظيرًا لشيء وله شبيهًا فهو له ند (135) .
480- كما حدثنا بشر بن مُعاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: " فلا تجعلوا لله أندادًا "، أي عُدَلاء (136) .
481- حدثني المثنى, قال: حدثني أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبل, عن ابن أبي نَحيح, عن مجاهد: " فلا تجعلوا لله أندادًا "، أي عُدَلاء (137) .
482- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " فلا تجعلوا لله أندادًا "، قال: أكفاءً من الرجال تطيعونهم في معصية الله (138) .
483- حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد (139) في قول الله: " فلا تَجعلوا لله أندادًا "، قال: الأنداد: الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.
484- حُدِّثت عن المنجاب, قال: حدثنا بِشر, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس، في قوله: " فلا تجعلوا لله أندادًا "، قال: أشباهًا (140) .
485- حدثني محمد بن سنان, قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَبيب، عن عكرمة: " فلا تجعلوا لله أندادًا "، أن تقولوا: لولا كلبنا لَدَخل علينا اللصّ الدارَ, لولا كلبنا صَاح في الدار، ونحو ذلك (141) .
فنهاهم الله تعالى أن يُشركوا به شيئًا، وأن يعبدوا غيرَه, أو يتخذوا له نِدًّا وَعِدلا في الطاعة, فقال: كما لا شريك لي في خلقكم، وفي رزقكم الذي أرزقكم وملكي إياكم, ونعمي التي أنعمتها عليكم (142) - فكذلك فأفردوا ليَ الطاعة, &; 1-370 &; وأخلصُوا ليَ العبادة, ولا تجعلوا لي شريكًا ونِدًّا من خلقي, فإنكم تعلمون أن كلّ نعمةٍ عليكم فمنِّي (143) .
القول في تأويل قوله : وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) اختلف أهل التأويل في الذين عُنُوا بهذه الآية: فقال بعضهم: عَنَى بها جميع المشركين من مُشركي العرب وأهل الكتاب.
وقال بعضهم: عنى بذَلك أهلَ الكتابين، أهلَ التوراة والإنجيل (144) .
ذكر من قال: عنى بها جميعَ عبَدَة الأوثان من العرب وكفار أهل الكتابين: 486- حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: نَـزَل ذلك في الفريقين جميعًا من الكفار والمنافقين.
وإنما عَنى تعالى ذكره بقوله: " فلا تَجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون "، أي لا تشركوا بالله غيرَه من الأنداد التي لا تَنفع ولا تضرّ, وأنتم تعلمون أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره, وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول من توحيده هو الحق لا شك فيه (145) .
487- حدثنا بشر, قال: حدثنا يزيد، عن سعيد, عن قتادة في قوله: " وأنتمْ تعلمون " أي تعلمون أنّ الله خَلقكم وخلق السموات والأرض, ثم تجعلون له أندادًا (146) .
ذكر من قال: عني بذلك أهلَ الكتابين: 488- حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: " فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون "، أنه إله واحدٌ في التوراة والإنجيل.
489- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا قَبيصة, قال: حدثنا سفيان، عن مجاهد، مثله (147) .
490- حدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حُذيفة, قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد: " وأنتم تعلمون "، يقول: وأنتم تعلمون أنّه لا ندّ له في التوراة والإنجيل (148) .
قال أبو جعفر: وأحسَِب أن الذي دَعا مجاهدًا إلى هذا التأويل, وإضافة ذلك إلى أنه خطاب لأهل التوراة والإنجيل دُون غيرهم - الظنُّ منه بالعرب أنها لم تكن تعلم أنّ اللهَ خالقها ورازقها، بجحودها وحدانيةَ ربِّها, وإشراكها معه في العبادة غيره.
وإنّ ذلك لَقولٌ!
ولكنّ الله جلّ ثناؤه قد أخبرَ في كتابه عنها أنها كانت تُقر بوحدانيته, غير أنها كانت تُشرك في عبادته ما كانت تُشرك فيها, فقال جل ثناؤه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [سورة الزخرف: 87]، وقال: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ [سورة يونس: 31].
فالذي هو أولى بتأويل قوله: " وأنتم تعلمون " - إذْ كان ما كان عند العرب من العلم بوحدانِيَّة الله, وأنه مُبدعُ الخلق وخالقهم ورازقهم, نظيرَ الذي كان من ذلك عند أهل الكتابين، ولم يكن في الآية دلالة على أنّ الله جل &; 1-373 &; ثناؤه عني بقوله: " وأنتم تعلمون " أحدَ الحزبين, بل مُخرَج الخطاب بذلك عامٌّ للناس كافةً لهم, لأنه تحدَّى الناس كلهم بقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ - أن يكون تأويلُهُ ما قاله ابنُ عباس وقتادة, من أنه يعني بذلك كل مكلف، عالم بوحدانية الله (149) ، وأنه لا شريكَ له في خلقه، يُشرِك معه في عبادته غيرَه, كائنًا من كان من الناس, عربيًّا كان أو أعجميًّا, كاتبًا أو أميًّا, وإن كان الخطابُ لكفار أهل الكتابِ الذين كانوا حَواليْ دَار هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأهل النفاق منهم، وممن بينَ ظَهرانيهم ممّن كان مشركًا فانتقل إلى النفاق بمقدَم رسول الله صلى الله عليه وسلم .
-------------------- الهوامش : (125) في المطبوعة : "مهادًا وموطئًا" ، وفي المخطوطة"مهادًا توتطا" ، وكأن الصواب ما أثبتناه .
والموطأ : المهيأ الملين الممهد .
وسيأتي أن الفراش هو المهاد .
(126) في المطبوعة"زيادة نعمه عندهم ، وآلائه لديهم" ، والصواب ما في المخطوطة .
وقوله"عباده" مفعول : "يذكر ربنا .
.
" .
(127) قوله"وعن مرة" ، ساقطة من المطبوعة ، وهذا هو الصواب .
(128) الخبر 475- في الدر المنثور 1 : 34 ، والشوكاني 1 : 38 .
(129) في المطبوعة"سماؤه" ، وكلتاهما صواب ، سماء البيت ، وسماوته : سقفه .
(130) ديوانه : 735 ، والنقائض : 600 .
ونجران : أرض في مخاليف اليمن من ناحية مكة .
وذكر نجران ، على لفظه وأصل معناه ، والنجران في كلام العرب : الخشبة التي يدور عليها رتاج الباب .
وديث البعير : ذلـله بعض الذل حتى تذهب صعوبته .
والمقاول : جمع مقول .
والمقول والقيل : الملك من ملوك حمير .
يقول : هي أرض عز عزيز ، لم يلق ملوكها ضيما يذلهم ويحني هاماتهم .
(131) ديوانه : 86 ، وروايته : "صفحت بنظرة" .
وقوله"صفحت" ، أي تصفحت الوجوه بنظرة ، أو رميت بنظرة متصفحًا .
والقرام : ستر رقيق فيه رقم ونقوش .
والخدر : خشبات تنصب فوق قتب البعير مستورة بثوب ، وهو الهودج .
ووضع الشيء : ألقاه .
وتحيت : تصغير"تحت" ، وصغر"تحت" ، لأنه أراد أن ستر الخدر بعد وضع القرام لا يبدى منها إلا قليلا ، وهذا البيت متعلق بما قبله وما بعده .
وقبله : فَلَــوْ كَــانَتْ غَـدَاةَ الْبَيْـنِ مَنَّـتْ وَقَـدْ رَفَعُـوا الْخُـدُورَ عَـلَى الْخِيَـامِ صَفَحْـــــتُ بنظــــرةٍ .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
تَــرَائِبَ يســتضئُ الحــليُ فيهـا كَجــمْرِ النـارِ بُـذِّرَ فِـي الـظَّـلامِ (132) الخبر 478- في الدر المنثور 1 : 34 ، جمعه مع الخبر : 475 خبرًا واحدًا .
(133) في المخطوطة : "زرعهم وغروسهم" ، وهما سواء .
(134) ديوانه : 8 ، روايته"بكفء" ، وكذلك في رواية الطبري الآتية (18 : 69 - 70 بولاق) وقصيدة حسان هذه ، يهاجى بها أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، قبل إسلامه ، وكان هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(135) في المطبوعة : "كان نظيرًا لشيء وشبيهًا" .
(136) الأثر 481- في الدر المنثور 1 : 35 ، والعدلاء : جمع عديل ، وهو النظير والمثيل ، كالعدل .
(137) الأثر- 481- في الدر المنثور 1 : 35 ، والعدلاء : جمع عديل ، وهو النظير والمثيل ، كالعدل .
(138) الخبر 482- في الدر المنثور 1 : 34 - 35 ، والشوكاني 1 : 39 .
(139) في المطبوعة : "ابن يزيد" ، وهو خطأ .
(140) الخبر 484- في الدر المنثور 1 : 34 ، والشوكاني 1 : 39 .
(141) الأثر 485- جاء مثله في خبر عن ابن عباس في ابن كثير 1 : 105 ، والشوكاني 1 : 39 .
وفي المطبوعة : "أي تقولوا : لولا كلبنا .
.
" ، وليست بشيء .
وفي المخطوطة"ونحو هذا" مكان"ونحو ذلك" .
والخبر الذي في ابن كثير ، ساقه مطولا بالإسناد من تفسير ابن أبي حاتم ، من طريق الضحاك بن مخلد ، وهو أبو عاصم النبيل الذي في هذا الإسناد ، عن شبيب ، وهو ابن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، ولعل الطبري قصر بهذا الإسناد ، لأنه يروي مثل هذه الروايات ، بهذا الإسناد إلى عكرمة ، عن ابن عباس ، كما مضى برقم : 157 .
وعن ذلك إعراض ابن كثير عن نقل رواية الطبري ، واختياره رواية ابن أبي حاتم .
وسياق رواية ابن أبي حاتم -عن ابن عباس- فيها فوائد جمة .
ولفظها : "قال : الأنداد ، هو الشرك ، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل .
وهو أن يقول : والله وحياتك يا فلان ، وحياتي ، ويقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة ، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص .
وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت .
وقول الرجل : لولا الله وفلان .
لا تجعل فيها"فلان" .
هذا كله به شرك" .
ثم قال ابن كثير : "وفي الحديث : أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ما شاء الله وشئت!
قال : أجعلتني لله ندًّا؟!" .
والحديث الذي يشير إليه ابن كثير ، رواه أحمد في المسند بأسانيد صحاح ، عن ابن عباس : 1839 ، 1964 ، 2561 ، 3247 .
وكذلك رواه البخاري في الأدب المفرد ص : 116 ونسبه الحافظ ابن حجر في الفتح 11 : 470 للنسائي وابن ماجه .
(142) في المطبوعة : "ونعمتي" بالإفراد .
(143) في المطبوعة : " .
.
كل نعمة عليكم مني" .
وهذه أجود .
(144) في المطبوعة : "أهل الكتابين التوراة والإنجيل" .
(145) الخبر 486- مضى صدره في رقم : 472 ، وتمامه في ابن كثير 1 : 105 ، والدر المنثور 1 : 34 ، والشوكاني 1 : 39 .
(146) الأثر 487- في الدر المنثور 1 : 35 .
(147) الإسناد 489- قبيصة ، بفتح القاف : هو ابن عقبة بن محمد السوائي الكوفي ، وهو ثقة معروف ، من شيوخ البخاري ، وأخرج له أصحاب الكتب الستة ، تكلم بعضهم في روايته عن سفيان الثوري ، بأنه يخطئ في بعض روايته ، بأنه سمع من الثوري صغيرًا ، ولكن لم يجرحه البخاري في الكبير 4/1/177 ، وقال ابن سعد في الطبقات 6 : 281 : "كان ثقة صدوقًا ، كثير الحديث عن سفيان الثوري" .
وسأل ابن أبي حاتم (الجرح 3/2/126) أباه عن قبيصة وأبي حذيفة ، فقال : "قبيصة أجل عندي ، وهو صدوق .
لم أر أحدًا من المحدثين يأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره ، سوى قبيصة بن عقبة ، وعلي بن الجعد ، وأبي نعيم - في الثوري" .
(148) الأثر 490- ذكره ابن كثير 1 : 105 ، والدر المنثور 1 : 35 ، بنحوه .
(149) في المخطوطة : "من أنه معنى بذلك .
.
" ، وهما سواء .
قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون قوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا فيه ست مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذي جعل معناه هنا صير لتعديه إلى مفعولين : ويأتي بمعنى خلق ، ومنه قوله تعالى : ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة وقوله : وجعل الظلمات والنور ويأتي بمعنى سمى ، ومنه قوله تعالى : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا .
وقوله : وجعلوا له من عباده جزءا .
وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا [ ص: 219 ] أي سموهم .
ويأتي بمعنى أخذ ، كما قال الشاعر :وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة لضغمهما ها يقرع العظم نابهاوقد تأتي زائدة ، كما قال الآخر :وقد جعلت أرى الاثنين أربعة والواحد اثنين لما هدني الكبروقد قيل في قوله تعالى وجعل الظلمات والنور : إنها زائدة .
وجعل واجتعل بمعنى واحد ، قال الشاعر :ناط أمر الضعاف واجتعل اللي ل كحبل العادية الممدودفراشا أي وطاء يفترشونها ويستقرون عليها .
وما ليس بفراش كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها ; لأن الجبال كالأوتاد كما قال : ألم نجعل الأرض مهادا والجبال أوتادا .
والبحار تركب إلى سائر منافعها كما قال : والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناسالثانية : قال أصحاب الشافعي : لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث ، لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفا .
وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين ، فإن عدم ذلك فالعرف .الثالثة : قوله تعالى : والسماء بناء السماء للأرض كالسقف للبيت ، ولهذا قال وقوله الحق وجعلنا السماء سقفا محفوظا وكل ما علا فأظل قيل له سماء ، وقد تقدم القول فيه والوقف على ( بناء ) أحسن منه على تتقون ; لأن قوله : الذي جعل لكم الأرض فراشا نعت للرب .
ويقال : بنى فلان بيتا ، وبنى على أهله - بناء فيهما - أي زفها .
والعامة تقول : بنى بأهله ، وهو خطأ ، وكأن الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها ، فقيل لكل داخل بأهله : بان .
وبنى " مقصورا " شدد للكثرة ، وابتنى دارا وبنى بمعنى ، ومنه بنيان الحائط ، وأصله وضع لبنة على أخرى حتى تثبت .وأصل الماء موه ، قلبت الواو ألفا لتحركها وتحرك ما قبلها فقلت ماه ، فالتقى حرفان [ ص: 220 ] خفيان فأبدلت من الهاء همزة ; لأنها أجلد ، وهي بالألف أشبه ، فقلت : ماء ، الألف الأولى عين الفعل ، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء ، وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين .
قال أبو الحسن : لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين ، وإن شئت بثلاث ، فإذا جمعوا أو صغروا ردوا إلى الأصل فقالوا : مويه وأمواه ومياه ، مثل جمال وأجمال .الرابعة : قوله تعالى : فأخرج به من الثمرات رزقا لكم الثمرات جمع ثمرة .
ويقال : ثمر مثل شجر .
ويقال ثمر مثل خشب .
ويقال : ثمر مثل بدن .
وثمار مثل إكام ، جمع ثمر .
وسيأتي لهذا مزيد بيان في " الأنعام " إن شاء الله .
وثمار السياط : عقد أطرافها .والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانا من الثمرات ، وأنواعا من النبات .
رزقا طعاما لكم ، وعلفا لدوابكم ، وقد بين هذا قوله تعالى : إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى والحمد لله .فإن قيل : كيف أطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك ؟
قيل له : لأنها معدة لأن تملك ويصح بها الانتفاع ، فهي رزق .الخامسة : قلت : ودلت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق ، ولهذا قال عليه السلام مشيرا إلى هذا المعنى : والله لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يسأل أحدا أعطاه أو منعه .
أخرجه مسلم .
ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها ، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله ندا .
وقال علماء الصوفية : أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر ، وهو أن تجعل الأرض وطاء والسماء غطاء ، والماء طيبا والكلأ طعاما ، ولا تعبد أحدا في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا ، فإن الله عز وجل قد أتاح لك ما لا بد لك منه ، من غير منة فيه لأحد عليك .
وقال نوف البكالي : رأيت علي بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال : يا نوف ، أراقد أنت أم رامق ؟
قلت : بل رامق يا أمير المؤمنين ، قال : طوبى [ ص: 221 ] للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة ، أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطا ، وترابها فراشا ، وماءها طيبا ، والقرآن والدعاء دثارا وشعارا ، فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام .
.
.
وذكر باقي الخبر ، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى : أجيب دعوة الداع إن شاء الله تعالى .السادسة : قوله تعالى : فلا تجعلوا نهي .
" لله أندادا " أي أكفاء وأمثالا ونظراء ، واحدها ند ، وكذلك قرأ محمد بن السميقع " ندا " ، قال الشاعر :نحمد الله ولا ند له عنده الخير وما شاء فعلوقال حسان :أتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداءويقال : ند ونديد ونديدة على المبالغة ، قال لبيد :لكيلا يكون السندري نديدتي وأجعل أقواما عموما عماعماوقال أبو عبيدة أندادا أضدادا .
النحاس : أندادا مفعول أول ، و " لله " في موضع الثاني .
الجوهري : والند ( بفتح النون ) : التل المرتفع في السماء .
والند من الطيب ليس بعربي .
وند البعير يند ندا وندادا وندودا : نفر وذهب على وجهه ، ومنه قرأ بعضهم " يوم التناد " .
وندد به أي شهره وسمع به .السابعة : قوله تعالى : وأنتم تعلمون ابتداء وخبر ، والجملة في موضع الحال ، والخطاب للكافرين والمنافقين ، عن ابن عباس .فإن قيل : كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الختم والطبع والصمم والعمى .
فالجواب من وجهين : أحدهما - وأنتم تعلمون يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق ، فيعلمون أنه المنعم عليهم دون الأنداد .
الثاني - أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيته بالقوة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم ، والله أعلم .
وفي هذا دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد .
وقال ابن فورك : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين ، فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أندادا بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد .
ثم استدل على وجوب عبادته وحده, بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم, فخلقكم بعد العدم, وخلق الذين من قبلكم, وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة, فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها, وتنتفعون بالأبنية, والزراعة, والحراثة, والسلوك من محل إلى محل, وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم, وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم, كالشمس, والقمر, والنجوم.
{ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } والسماء: [هو] كل ما علا فوقك فهو سماء, ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء هاهنا: السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ } كالحبوب, والثمار, من نخيل, وفواكه, [وزروع] وغيرها { رِزْقًا لَكُمْ } به ترتزقون, وتقوتون وتعيشون وتفكهون.
{ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أي: نظراء وأشباها من المخلوقين, فتعبدونهم كما تعبدون الله, وتحبونهم كما تحبون الله, وهم مثلكم, مخلوقون, مرزوقون مدبرون, لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن الله ليس له شريك, ولا نظير, لا في الخلق, والرزق, والتدبير, ولا في العبادة فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟
هذا من أعجب العجب, وأسفه السفه.
وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده, والنهي عن عبادة ما سواه, وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته, وبطلان عبادة من سواه, وهو [ذكر] توحيد الربوبية, المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنه ليس له شريك في ذلك, فكذلك فليكن إقراره بأن [الله] لا شريك له في العبادة, وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك.
{الذي جعل لكم الأرض فراشاً} أي بساطاً، وقيل: مناماً، وقيل: وطاء أي ذللها ولم يجعلها حزنة لايمكن القرار عليها.
قال البخاري: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي ذنب أعظم عند الله؟
قال: أن تجعل لله نداً وهوخلقك قلت: إن ذلك عظيم، ثم أي؟
قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟
قال: أن تزاني حليلة جارك".
و"الجعل" هاهنا بمعنى الخلق.
{والسماء بناء} وسقفاً مرفوعاً.
{وأنزل من السماء} أي من السحاب.
{ماء} وهو المطر.
{فأخرج به من الثمرات} من ألوان الثمرات وأنواع النبات.
{رزقاً لكم} طعاماً لكم وعلفاً لدوابكم.
{فلا تجعلوا لله أنداداً} أي أمثالاً تعبدونهم كعبادة الله.
قال أبو عبيدة: "الند الضد وهو من الأضداد والله تعالى بريء من المثل والضد".
{وأنتم تعلمون} أنه واحد خالق هذه الأشياء.
«الذي جعل» خلق «لكم الأرض فراشا» حال بساطا يفترش لا غاية في الصلابة أو الليونة فلا يمكن الاستقرار عليها «والسماء بناءً» سقفاً «وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من» أنواع «الثمرات رزقاً لكم» تأكلونه وتعلفون دوابكم «فلا تجعلوا لله أنداداً» شركاء في العبادة «وأنتم تعلمون» أنه الخالق ولا تخلقون، ولا يكون إلهاً إلا من يخلق.
ربكم الذي جعل لكم الأرض بساطًا؛ لتسهل حياتكم عليها، والسماء محكمة البناء، وأنزل المطر من السحاب فأخرج لكم به من ألوان الثمرات وأنواع النبات رزقًا لكم، فلا تجعلوا لله نظراء في العبادة، وأنتم تعلمون تفرُّده بالخلق والرزق، واستحقاقِه العبودية.
ثم أضاف - سبحانه - أسباباً أخرى تحمل الناس على عبادته وطاعته فقال : ( الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً ) .الفراش : ما يفترشه الإِنسان ليستقر عليه بنحو الجلوس أو المنام .
أي : اجعلوا عبادتكم لله الذي صير الأرض لأجلكم مهاداً كالبساط المفروش ، فذللها لكم ولم يجعلها صعبة غليظة ، لكي يتهيأ لكم الاستقرار عليها .
والتقلب في مناكبها ، والانتفاع بما أودع الله في باطنها من خيرات .وتصوير الأرض بصورة الفراش لا ينافي كونها كروية ، لأن الكرة إذا عظمت جدا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الانتفاع بها .( والسماء بِنَآءً ) يقال لسقف البيت بناء أي : جعل السماء كالسقف للأرض ، لأنها تظهر كالقبة المضروبة فوقها كما قال - تعالى - ( وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) وقدم خلق الأرض على خلق السماء لأن الأرض أقرب إلى المخاطبين ، وانتفاعهم بها أظهر وأكثر من انتفاعهم بالسماء .قال بعض الأدباء : " إذا تأملت هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف ، والأرض ممدودة كالبساط ، والنجوم منورة كالمصابيح ، والإِنسان كما لك البيت المتصرف فيه وضروب النبات مهيأة لمنافعه ، وضروب الحياة مصروفة لمصالحه " فهذه جملة واضحة داله على أن العالم مخلوق بتدبير كامل ، وتقدير شامل ، وحكمة بالغة ، وقدرة غير متناهية " .ثم قال - تعالى - ( وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ) :السماء : السحاب ، والثمرات : ما ينتجه الشجر .
والرزق : ما يصلح لأن ينتفع به .
والباء في .
( به ) للسببية .أي : أنه جعل الماء سبباً في خروج الثمرة ، وهو القادر على أن ينشئها بلا سبب كما أنشأ الأسباب .وأورد ( مَآءً ) و ( رِزْقاً ) في صيغة التنكير التي تستعمل عند إرادة بعض أفراد المعنى الذي وضع له اللفظ لغة ، وذلك لأن من الماء ما لم ينزل من السماء ، ومن الرزق ما لا يكون من الثمرات .
فمعنى الجملة الكريمة : أنزل من السماء بعض الماء ، فأخرج به من الثمرات بعض ما يكون رزقاً لكم .ثم قال - تعالى - ( فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) .الأنداد : جمع ند ، وهو مثل الشيء الذي يضاده وينافره ويتباعد عنه .وأصله من : ند البعير يند ندا ونداداً ونداً ، إذا تفرد وذهب على وجهه شارداً .والمعنى : فلا تجعلوا لله أمثالاً ونظراء تعبدونها وتسمونها آلهة ، وتعتقدون فيها النفع والضر ، وتجعلون لها ما لله تعالى وحده ، وأنتم تعلمون أنها أشياء لا يصح جعلها أنداداً مساوية له تعالى ( وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) أي : وأنتم من ذوي العلم والنظر ، فلو تأملتم أدنى تأمل لا نصرفتم بقوة إلى عبادة الله وحده .ولتركتم الإِشراك به .وصدرت الجملة الكريمة بالفاء لترتبها على الكلام السابق ، المترتب على الأمر بعبادة الله وحده .وسمي القرآن الشركاء المزعومين أنداداً تهكماً بالعابدين لها ، ولأن المشركين لما تركوا عبادة الله إلى عبادة الأوثان ، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة ، قادرة على مخالفته ومضادته ، وذلك معنى جعلها أنداداً الذي هو مصب النهي في الآية .وجملة ( وأنتم تعلمون ) ، حالية ، ومفعول تعلمون متروك ، لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول ، بل قصد إثباته لفاعله فقد فنزل منزلة اللازم ، وفي هذه الجملة مبالغة في زجرهم عن عبادة الأوثان من دون الله ، لأن ارتكاب الباطل من الجاهل قبيح ، وهو من العالم ببطلانه أشد قبحاً ، وأدعى إلى أن يقابل بأغلظ ألوان الإِنكار .
كما أن فيها إثارة لهممهم ليقلعوا عن عبادة غير الله ، فإن من كان من ذوي العلم لا يصح منه أن يفعل أفعال من لا عقل له ، وهذا لون جليل من ألوان التربية ، فإن من سمات المربى الناجح أن يجمع بين القسوة في النهي عن القبيح ، وبين إثارة همة الموعوظ حتى لا يقتل همته باليأس ، لأن الإِنسان إذا ساءت ظنونه بنفسه خارت عزيمته ، وفترت همته .هذا ، وقد استفاضت الأحاديث النبوية التي تدعو إلى توحيد الله ، وتنهى عن الإِشراك ، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال : " قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟
" قال أن تجعل لله نداً وهو خلقك " " .قال الإِمام ابن كثير : وهذه الآية دالة على توحيده - تعالى - بالعبادة وحده لا شريك له ، فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية واختلاف أشكالها وألوانتها وطباعها ومنافعها ، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه ، كما قال بعض الأعراب وقد سئل : ما الدليل على وجود الله - تعالى -؟
فقال : يا سبحانه الله!!
إن البعير ليدل على البعير؛ وإن أثر القدم يدل على المسير ، فسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، وبحار ذات أمواج ، ألا يدل هذا على وجود اللطيف الخبير .
القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد: اعلم أن في هذه الآيات مسائل: المسألة الأولى: أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين.
أقبل عليهم بالخطاب، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وفيه فوائد: أحدها: أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث: إن فلاناً من قصته كيت وكيت، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث.
وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة، شرف المخاطبة والمكالمة.
وثالثها: أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلاً بالعبودية فإنه يكون أبداً في الترقي، بدليل أنه في هذه الآية، انتقل من الغيبة إلى الحضور.
ورابعها: أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف، ففيه كلفة ومشقة فلابد من راحة تقابل هذه الكلفة، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، كما أن العبد إذا ألزم تكليفاً شاقاً فلو شافهه المولى وقال: أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل ذلك الخطاب.
المسألة الثانية: حكي عن علقمة والحسن أنه قال: كل شيء في القرآن: ﴿ يا أيها الناس ﴾ فإنه مكي، وما كان ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ ﴾ فبالمدينة، قال القاضي: هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فهذا ضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم، ومرة باسم جنسهم، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن.
المسألة الثالثة: اعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي: إما الألفاظ أو غيرها، أما الألفاظ فهي: كالاسم والفعل والحرف، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء، هو في نفسه لفظ مخصوص، وغير الألفاظ: فكالحجر والسماء والأرض، ولفظ النداء لم يجعل دليلاً على شيء آخر، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه.
فأما الذين فسروا قولنا: يا زيد بأنادي زيداً، أو أخاطب زيداً فهو خطأ من وجوه: أحدها: أن قولنا: أنادي زيداً، خبر يحتمل التصديق والتكذيب، وقولنا يا زيد، لا يحتملها.
وثانيها: أن قولنا يا زيد، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال، وقولنا أنادي زيداً، لا يقتضي ذلك.
وثالثها: أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطباً بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيداً لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنساناً آخر بأني أنادي زيداً.
ورابعها: أن قولنا أنادي زيداً، إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء، والنداء هو قولنا: يا زيد، فإذن قولنا: أنادي زيداً، غير قولنا يا زيد، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول.
ثم هاهنا نكتة نذكرها وهي: أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى، وأضعفها البشر.
﴿ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ﴾ فقالت الملائكة: أي مناسبة بينهما ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا ﴾ ، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ .
المسألة الرابعة: ياء حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جداً، وأما نداء القريب فله: أي والهمزة، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة البعيد.
فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الله وهو تعالى يقول: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي.
المسألة الخامسة: أي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن ذو والذي وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلابد وأن يردفه اسم جنس، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان: الأولى: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه.
والثانية: وقوعها عوضاً مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد.
المسألة السادسة: اعلم أن قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصاً للعموم.
وهاهنا أبحاث.
البحث الأول: أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُون ﴾ ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله: ﴿ كُلُّهُمْ ﴾ تأكيداً بل بياناً ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه.
البحث الثاني: لما ثبت أن قوله تعالى: ﴿ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس ﴾ يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟
والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: ﴿ يا أيها الناس ﴾ خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز، وأيضاً فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً وما لا يكون إنساناً لا يدخل تحت قوله: ﴿ يا أَيُّهَا الناس ﴾ فإن قيل: فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعاً.
قلنا: لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم.
البحث الثالث: قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة؟
الحق لا، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آتٍ بالعبادة، والآتي بالعبادة آتٍ بتمام ما اقتضاه قوله: ﴿ اعبدوا ﴾ وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالاً على العموم نقول: الأمر بالعبادة لابد وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، وهاهنا كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول، وإذا ثبت أن كونه عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون مأموراً بها، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة.
البحث الرابع: لقائل أن يقول: قوله: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ﴾ لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة، أما أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفاً بالله تعالى، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفاً بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وذلك تكليف ما لا يطاق، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفاً بالله فذالك محال، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير ممكن.
فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأموراً بتحصيل المعرفة، وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأموراً بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفاً على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعاً كان الأمر بالعبادة أيضاً ممتنعاً، وأيضاً يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال.
والجواب: من الناس من قال: الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب، وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال: الأمر بالعبادة حاصل، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجباً، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى، فوجبت، والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها، فكان السعي واجباً، فكذا هاهنا يصح أن يكون الكافر مخاطباً بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولاً ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك.
بقي لهم: الأمر بتحصيل المعرفة محال، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول هاهنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمراً على العلم به، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات.
فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك؟
سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر يتناول المؤمنين؟
قوله لأنه يصير ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة، فصح تفسير قوله: اعبدوا بالزيادة في العبادة.
البحث الخامس: قال منكرو التكليف: لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه: أحدها: أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر، فإن كان الأول فهو محال، لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق، وإن كان الثاني فالراجح واجب الوقوع؛ لأن المرجوح حال ما كان مساوياً للراجح كان ممتنع الوقوع، وإلا فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف تكليفاً بإيجاد ما يجب وقوعه، وإن وقع بالمرجوح كان التكليف تكليفاً بما يمتنع وقوعه، وكلاهما تكليف ما لا يطاق.
وثانيها: أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به، وإن علم لا وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم، فكان الأمر بإيقاعه أمراً بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله تعالى وهو محال، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي، وحينئذٍ لا يكون في الطاعة فائدة.
وثالثها: أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده، وأما إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم.
ورابعها: أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل.
وخامسها: أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنساناً مشتغل القلب دائماً بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر.
والجواب: عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين: الأول: أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه متناقض.
الثاني: أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك، والمالك لا اعتراض ع <div class="verse-tafsir"
قدّم سبحانه من موجبات عبادته وملزمات حق الشكر له خلقهم أحياء قادرين أوّلاً؛ لأنه سابقة أصول النعم ومقدمتها، والسبب في التمكن من العبادة والشكر وغيرهما، ثم خلق الأرض التي هي مكانهم ومستقرّهم الذي لابد لهم منه، وهي بمنزلة عرصة المسكن ومتقلبه ومفترشه، ثم خلق السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المطنبة على هذا القرار، ثم ما سوّاه عزّ وجل من شبه عقد النكاح بين المقلة والمظلة بإنزال الماء منها عليها.
والإخراج به من بطنها أشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقاً لبني آدم، ليكون لهم ذلك معتبراً: ومتسلقاً إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف؛ ونعمة يتعرفونها فيقابلونها بلازم الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم، وأن شيئاً من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك أن لابد لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أنداداً وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر.
والموصول مع صلته إمّا أن يكون في محل النصب وصفاً كالذي خلقكم، أو على المدح والتعظيم.
وإمّا أن يكون رفعاً على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح، وقرأ يزيد الشامي: بساطاً.
وقرأ طلحة: مهادا.
ومعنى جعلها فراشاً وبساطاً ومهاداً للناس: أنهم يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه وبساطه ومهاده.
فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الأرض مسطحة وليست بكريّة؟
قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها كما يفعلون بالمفارش، وسواء كانت على شكل السطح، أو شكر الكرة، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها.
وإذا كان متسهلاً في الجبل وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل.
والبناء مصدر سمي به المبنى بيتاً كان أو قبة أو خباء أو طرافاً وأبنية العرب: أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً.
فإن قلت: ما معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرته ومشيئته؟
قلت: المعنى أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادّة لها، كماء الفحل في خلق الولد، وهو قادر على أن ينشئ الأجناس كلها بلا أسباب ولا موادّ كما أنشأ نفوس الأسباب والموادّ، ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال، وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة حكماً ودواعي يجدد فيها لملائكته والنظار بعيون الاستبصار من عباده عبرا وأفكاراً صالحة، وزيادة طمأنينة، وسكون إلى عظيم قدرته وغرائب حكمته، ليس ذلك في إنشائها بغتة من غير تدريج وترتيب.
و (من) في ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ للتبعيض بشهادة قوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثمرات ﴾ [الأعراف: 57] ، وقوله: ﴿ فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ ﴾ [فاطر: 27] .
ولأنّ المنكرين أعني: ماء، ورزقاً.
يكتنفانه.
وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم.
وهذا هو المطابق لصحة المعنى، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات.
ويجوز أن تكون للبيان كقولك: أنفقت من الدراهم ألفاً.
فإن قلت: فيم انتصب ﴿ رِزْقاً ﴾ ؟
قلت: إن كانت (من) للتبعيض.
كان انتصابه بأنه مفعول له.
وإن كانت مبنية، كان مفعولاً لأخرج.
فإن قلت: فالثمر المخرج بماء السماء كثير جمّ فلم قيل الثمرات دون الثمر والثمار؟
قلت: فيه وجهان، أحدهما أن يقصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك: فلان أدركت ثمرة بستانه، تريد ثماره.
ونظيره قولهم: كلمة الحويدرة، لقصيدته.
وقولهم للقرية: المدرة، وإنما هي مدر متلاحق.
والثاني: أنّ الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية، كقوله: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات ﴾ [الدخان: 25] و ﴿ ثلاثة قُرُوء ﴾ [البقرة: 228] .
ويعضد الوجه الأوّل قراءة محمد بن السميفع: من الثمرة، على التوحيد.
و ﴿ لَكُمُ ﴾ صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل اسماً للمعنى فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقاً إياكم.
فإن قلت: بم تعلق ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ ﴾ ؟
قلت: فيه ثلاثة أوجه: أن يتعلق بالأمر.
أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له ﴿ أَندَاداً ﴾ لأنّ أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا تجعل لله ندّ ولا شريك.
أو بلعل، على أن ينتصب تجعلوا انتصاب، فأطلع في قوله عز وجل: ﴿ لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب أسباب السموات فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى ﴾ [غافر: 36 37] في رواية حفص عن عاصم، أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تشبهوه بخلقه، أو بالذي جعل لكم، إذا رفعته على الابتداء، أي هو الذي خصكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء.
والند: المثل.
ولا يقال إلا للمثل المخالف المناوئ.
قال جرير: أَتَيما يَجْعَلُون إلَيَّ نِدًّا ** وما تَيْمٌ لِذِي حَسَب نَدِيدَا وناددت الرجل: خالفته ونافرته، من ندّ ندوداً إذا نفر.
ومعنى قولهم: ليس لله ندّ ولا ضدّ نفى ما يسدّه مسدّه، ونفى ما ينافيه.
فإن قلت: كانوا يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها بما يعظم به من القرب، وما كانوا يزعمون أنها تخالف الله وتناويه.
قلت: لما تقرّبوا إليها وعظموها وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادّته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم.
كما تهكم بهم بلفظ الندّ، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ قط.
وفي ذلك قال زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق دين قومه: أَرَبًّا واحِداً أمْ ألْفُ رَبٍّ ** أدِينُ إذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ وقرأ محمد بن السميفع: فلا تجعلوا لله ندا.
فإن قلت: ما معنى ﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قلت: معناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد، والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير، والدهاء والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه.
وهكذا كانت العرب، خصوصاً ساكنو الحرم من قريش وكنانة، لا يصطلي بنارهم في استحكام المعرفة بالأمور وحسن الإحاطة بها.
ومفعول ﴿ تَعْلَمُونَ ﴾ متروك كأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة.
والتوبيخ فيه آكد، أي أنتم العرّافون المميزون.
ثم إنّ ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً، هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.
ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل.
أو: وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت.
أو: وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله.
كقوله: ﴿ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَيْء ﴾ [الروم: 40].
<div class="verse-tafsir"
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ، أوْ مَدْحٌ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فَلا تَجْعَلُوا ﴾ و ﴿ جَعَلَ ﴾ مِنَ الأفْعالِ العامَّةِ يَجِيءُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى صارَ وطَفِقَ فَلا يَتَعَدّى كَقَوْلِهِ: فَقَدْ جَعَلْتُ قَلُوصَ بَنِي سُهَيْلٍ...
مِنَ الأكْوارِ مَرْتَعُها قَرِيبُ وَبِمَعْنى أوْجَدَ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ وبِمَعْنى صَيَّرَ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا ﴾ والتَّصْيِيرُ يَكُونُ بِالفِعْلِ تارَةً، وبِالقَوْلِ أوِ العَقْدِ أُخْرى.
وَمَعْنى جَعَلَها فِراشًا أنْ جَعَلَ بَعْضَ جَوانِبِها بارِزًا ظاهِرًا عَنِ الماءِ، مَعَ ما في طَبْعِهِ مِنَ الإحاطَةِ بِها، وصَيَّرَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللَّطافَةِ حَتّى صارَتْ مُهَيَّأةً لِأنْ يَقْعُدُوا ويَنامُوا عَلَيْها كالفِراشِ المَبْسُوطِ، وذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها مُسَطَّحَةً، لِأنَّ كُرِيَّةَ شَكْلِها مَعَ عِظَمِ حَجْمِها.
واتِّساعِ جِرْمِها لا تَأْبى الِافْتِراشَ عَلَيْها.
﴿ والسَّماءَ بِناءً ﴾ قُبَّةٌ مَضْرُوبَةٌ عَلَيْكم.
والسَّماءُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والمُتَعَدِّدِ كالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وقِيلَ: جَمْعُ سَماءَةٍ.
والبِناءُ مَصْدَرٌ، سُمِّيَ بِهِ المَبْنى بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً، ومِنهُ بَنى عَلى امْرَأتِهِ، لِأنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا.
﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ جَعَلَ ﴾ ، وخُرُوجُ الثِّمارِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّ جَعْلَ الماءِ المَمْزُوجِ بِالتُّرابِ سَبَبًا في إخْراجِها ومادَّةً لَها كالنُّطْفَةِ لِلْحَيَوانِ، بِأنْ أجْرى عادَتَهُ بِإفاضَةِ صُوَرِها وكَيْفِيّاتِها عَلى المادَّةِ المُمْتَزِجَةِ مِنهُما، أوْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً وفي الأرْضِ قُوَّةً قابِلَةً يَتَوَلَّدُ مِنِ اجْتِماعِهِما أنْواعُ الثِّمارِ، وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ الأشْياءَ كُلَّها بِلا أسْبابٍ ومَوادَّ كَما أبْدَعَ نُفُوسَ الأسْبابِ والمَوادِّ، ولَكِنْ لَهُ في إنْشائِها مُدَرَّجًا مِن حالٍ إلى حالٍ صَنائِعُ وحِكَمٌ يُجَدِّدُ فِيها لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا وسُكُونًا إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لَيْسَ في إيجادِها دَفْعَةٌ، ومِنَ الأوْلى لِلِابْتِداءِ سَواءٌ أُرِيدَ بِالسَّماءِ السَّحابُ فَإنَّ ما عَلاكَ سَماءٌ، أوِ الفَلَكُ فَإنَّ المَطَرَ يَبْتَدِئُ مِنَ السَّماءِ إلى السَّحابِ ومِنهُ إلى الأرْضِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ.
أوْ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ تُثِيرُ الأجْزاءَ الرَّطْبَةَ مِن أعْماقِ الأرْضِ إلى جَوِّ الهَواءِ فَتَنْعَقِدُ سَحابًا ماطِرًا.
و ﴿ مِنَ ﴾ الثّانِيَةُ لِلتَّبْعِيضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ ﴾ واكْتِنافِ المُنْكِرِينَ لَهُ أعْنِي ماءً ورِزْقًا كَأنَّهُ قالَ: وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ فَأخْرَجْنا بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ، وهَكَذا الواقِعُ إذْ لَمْ يُنْزِلْ مِنَ السَّماءِ الماءَ كُلَّهُ، ولا أخْرَجَ بِالمَطَرِ كُلَّ الثَّمَراتِ، ولا جَعَلَ كُلَّ المَرْزُوقِ ثِمارًا.
أوْ لِلتَّبْيِينِ، و ﴿ رِزْقًا ﴾ مَفْعُولٌ بِمَعْنى المَرْزُوقِ كَقَوْلِكَ أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا.
وإنَّما ساغَ الثَّمَراتِ والمَوْضِعُ مَوْضِعُ الكَثْرَةِ، لِأنَّهُ أرادَ بِالثَّمَراتِ جَماعَةَ الثَّمَرَةِ الَّتِي في قَوْلِكَ أدْرَكْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِهِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: « مِنَ الثَّمَرَةِ» عَلى التَّوْحِيدِ.
أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ .
أوْ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُحَلّاةً بِاللّامِ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ.
و ﴿ لَكُمُ ﴾ صِفَةُ رِزْقًا إنْ أُرِيدَ بِهِ المَرْزُوقُ ومَفْعُولُهُ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَصْدَرَ كَأنَّهُ قالَ: رِزْقًا إيّاكم.
﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿ اعْبُدُوا ﴾ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ.
أوْ نَفْيٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنَّ جَوابٌ لَهُ.
أوْ بِلَعَلَّ عَلى أنَّ نَصْبَ ﴿ تَجْعَلُوا ﴾ نَصَبَ ﴿ فَأطَّلِعَ ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ ﴿ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ ﴾ إلْحاقًا لَها بِالأشْياءِ السِّتَّةِ لِاشْتِراكِها في أنَّها غَيْرُ مُوجِبَةٍ، والمَعْنى: إنْ تَتَّقُوا لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا، أوْ بِالَّذِي جُعِلَ، إنِ اسْتُأْنِفَتْ بِهِ عَلى أنَّهُ نَهْيٌ وقَعَ خَبَرًا عَلى تَأْوِيلِ مَقُولٍ فِيهِ: لا تَجْعَلُوا، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ والمَعْنى: أنَّ مَن خَصَّكم بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ والآياتِ العِظامِ يَنْبَغِي أنْ لا يُشْرَكَ بِهِ.
والنِّدُّ: المِثْلُ المُناوِئُ، قالَ جَرِيرٌ: أتَيْمًا تَجْعَلُونَ إلَيَّ نِدًّا...
∗∗∗ وما تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ مِن نَدَّ يَنِدُّ نُدُودًا: إذا نَفَرَ، ونادَدْتُ الرَّجُلَ خالَفْتُهُ، خُصَّ بِالمُخالِفِ المُماثِلِ في الذّاتِ كَما خُصَّ المُساوِي بِالمُماثِلِ في القَدْرِ، وتَسْمِيَةُ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿ أنْدادًا ﴾ ، وما زَعَمُوا أنَّها تُساوِيهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ ولا أنَّها تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ لِأنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ إلى عِبادَتِها، وسَمُّوها آلِهَةً شابَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها ذَواتٌ واجِبَةٌ بِالذّاتِ، قادِرَةٌ عَلى أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَأْسَ اللَّهِ، وتَمْنَحَهم ما لَمْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِمْ مِن خَيْرٍ، فَتَهَكَّمَ بِهِمْ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ بِأنْ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ.
ولِهَذا قالَ مُوَحِّدُ الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ...
∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا...
∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ فَلا تَجْعَلُوا ﴾ ، ومَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَطْرُوحٌ، أيْ: وحالُكم أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ والنَّظَرِ وإصابَةِ الرَّأْيِ، فَلَوْ تَأمَّلْتُمْ أدْنى تَأمُّلٍ اضْطَرَّ عَقْلُكم إلى إثْباتِ مُوجِدٍ لِلْمُمَكَّناتِ مُنْفَرِدٍ بِوُجُوبِ الذّاتِ، مُتَعالٍ عَنْ مُشابَهَةِ المَخْلُوقاتِ.
أوْ مَنوِيٌّ وهو أنَّها لا تُماثِلُهُ ولا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ ﴾ وعَلى هَذا فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّوْبِيخُ والتَّثْرِيبُ، لا تَقْيِيدُ الحُكْمِ وقَصْرِهِ عَلَيْهِ، فَإنَّ العالِمَ والجاهِلَ المُتَمَكِّنَ مِنَ العِلْمِ سَواءٌ في التَّكْلِيفِ.
واعْلَمْ أنَّ مَضْمُونَ الآيَتَيْنِ هو الأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، والنَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ بِهِ تَعالى، والإشارَةُ إلى ما هو العِلَّةُ والمُقْتَضى.
وبَيانُهُ أنَّهُ رَتَّبَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ عَلى صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ إشْعارًا بِأنَّها العِلَّةُ لِوُجُوبِها، ثُمَّ بَيَّنَ رُبُوبِيَّتِهِ بِأنَّهُ تَعالى خالِقُهم وخالِقُ أُصُولِهِمْ وما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ مِنَ المُقِلَّةِ والمُظِلَّةِ والمَطاعِمِ والمَلابِسِ، فَإنَّ الثَّمَرَةَ أعَمُّ مِنَ المَطْعُومِ، والرِّزْقَ أعَمُّ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ.
ثُمَّ لَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ شاهِدَةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ تَعالى، رَتَّبَ تَعالى عَلَيْها النَّهْيَ عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ مِنَ الآيَةِ الأخِيرَةِ مَعَ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ وسِيقَ فِيهِ الكَلامُ الإشارَةَ إلى تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ وما أفاضَ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي والصِّفاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، فَمَثَّلَ البَدَنَ بِالأرْضِ، والنَّفْسَ بِالسَّماءِ، والعَقْلَ بِالماءِ، وما أفاضَ عَلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ العَمَلِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ المُحَصَّلَةِ بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ لِلْحَواسِّ، وازْدِواجِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ بِالثَّمَراتِ المُتَوَلِّدَةِ مِنِ ازْدِواجِ القُوى السَّماوِيَّةِ الفاعِلَةِ والأرْضِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ بِقُدْرَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَإنَّ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرًا وبَطْنًا ولِكُلِّ حَدٍّ مَطْلَعًا.
<div class="verse-tafsir"
{الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض} أي صير ومحل الذي نصب على المدح أو رفع بإضمار هو {فراشاً} بساطاً تقعدون عليها وتنامون وتتقلبون وهو مفعول ثانٍ لجعل وليس فيه دليل على أن الأرض مسطحة أو كرية إذ الافتراش ممكن على التقديرين {والسماء بِنَاءً} سقفاً كقوله تعالى وجعلنا
السماء سقفا محفوظا وهو مصدر سمي به المبنى {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً} مطراً {فَأَخْرَجَ بِهِ} بالماء نعم خروج الثمرات بقدرته ومشيئته وإيجاده ولكن جعل الماء سبباً في خروجها كماء الفحل في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الكل بلا سبب كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد ولكن له في إنشاء الأشياء مدرجاً لها من حال إلى حال وناقلاً من مرتبة إلى مرتبة حكماً وعبراً للنظار بعيون الاستبصار ومن في {مِنَ الثمرات} للتبعيض أو للبيان {رِزْقاً} مفعول له إن كانت للتبعيض ومفعول به لأخرج إن كانت للبيان وإنما قيل الثمرات دون الثمر والثمار وإن كان الثمر المخرج بماء السماء
البقرة (٢٢ _ ٢٣)
كثيراً لأن المراد جماعة الثمرة ولأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض لالتقائها في الجمعية {لَكُمْ} صفة جارية على الرزق إن أريد به العين وإن جعل اسماً للمعنى فهو مفعول به كأنه قيل رزقا إياكم {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} هو متعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد وأن لا يجعل له ند ولا شريك ويجوز أن يكون الذي رفعاً على الابتداء وخبره فلا تجعلوا ودخول الفاء لأن الكلام يتضمن الجزاء أي الذي حفكم بهذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء والند المثل ولا يقال إلا للمثل المخالف والمناوئ ومعنى قولهم ليس لله ند ولا ضد نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنها لا تخلق شيئاً ولا ترزق والله الخالق الرازق أو مفعول تعلمون متروك أي وأنتم من أهل العلم وجعل الأصنام لله أنداداً غاية الجهل والجملة حال من الضمير في فلا تجعلوا
﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً ﴾ المَوْصُولُ إمّا مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتُ (رَبَّكُمْ)، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَقْطُوعٌ بِتَقْدِيرِ أخُصُّ أوْ أمْدَحُ، وكَوْنُهُ مَفْعُولَ (تَتَّقُونَ) كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ، إعْرابٌ غَثٌّ يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْهُ، وكَوْنُهُ نَعْتَ الأوَّلِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ النَّعْتَ لا يَنْعَتُ عِنْدَ الجُمْهُورِ إلّا في مِثْلِ يا أيُّها الفارِسُ ذُو الجُمَّةِ، وفِيهِ أيْضًا غَيْرُ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وإمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ جُمْلَةٌ، (فَلا تَجْعَلُوا) والفاءُ قَدْ تَدْخُلُ في خَبَرِ المَوْصُولِ بِالماضِي، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ﴾ والِاسْمُ الظّاهِرُ يَقُومُ مَقامَ الرّابِطِ عِنْدَ الأخْفَشِ، والإنْشاءُ يَقَعُ خَبَرًا بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ، ومَعَ هَذا كُلِّهِ الأوْلى تَرْكُ ما أوْجَبَهُ، وأبْرَدُ مِن يَخِ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ: ﴿ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ بِتَقْدِيرِ: يَرْزُقُ، وجُعِلَ بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَنصُوبانِ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ، وقِيلَ: بِمَعْنى أوْجِدْ وانْتِصابُ الثّانِي عَلى الحالِيَّةِ، أيْ أوْجِدِ الأرْضَ حالَةَ كَوْنِها مُفْتَرَشَةً لَكُمْ، فَلا تَحْتاجُونَ لِلسَّعْيِ في جَعْلِها كَذَلِكَ، ومَعْنى تَصْيِيرِها فِراشًا أيْ كالفِراشِ، في صِحَّةِ القُعُودِ والنَّوْمِ عَلَيْها، أنَّهُ سُبْحانَهُ جَعَلَ بَعْضَها بارِزًا عَنِ الماءِ مَعَ أنَّ مُقْتَضى طَبْعِها أنْ يَكُونَ الماءُ بِأعْلاها لِثِقَلِها، وجَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ، واللِّينِ، لِيَتَيَسَّرَ التَّمَكُّنَ عَلَيْها بِلا مَزِيدِ كُلْفَةٍ، فالتَّصَيُّرُ بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَمّا كانَتْ قابِلَةً لِما عَدا ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ نُقِلَتْ مِنهُ، وإنْ صَحَّ ما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، فَدُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِها، ومُدَّتْ، فَأمْرُ التَّصْيِيرِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، إلّا أنَّ كُلَّ النّاسِ غَيْرُ عالِمِينَ بِهِ، والصِّفَةُ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلْمُخاطَبِ، والذَّهابُ إلى الطُّوفانِ، واعْتِبارُ التَّصْيِيرِ بِالقِياسِ إلَيْهِ مِنِ اضْطِرابِ أمْواجِ الجَهْلِ، ولا يُنافِي كَرَوِيَّتَها كَوْنُها فِراشًا، لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها كالسَّطْحِ في افْتِراشِهِ كَما لا يَخْفى، وعَبَّرَ سُبْحانَهُ هُنا (بِجَعَلَ)، وفِيما تَقَدَّمَ (بِخَلَقَ) لِاخْتِلافِ المَقامِ أوْ تَفَنُّنًا في التَّعْبِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ﴾ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ الغَيْرِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ، أوْ لِلتَّشْوِيقِ إلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ، لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِمَنفَعَتِهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضَلَ تَمَكُّنٍ، أوْ لِما في المُؤَخَّرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن نَوْعِ طُولٍ، فَلَوْ قُدِّمَ لَفاتَ تَجاوُبُ الأطْرافِ، واخْتارَ سُبْحانَهُ لَفَظَ السَّماءِ عَلى السَّماواتِ مُوافَقَةً لِلَفْظِ الأرْضِ، ولَيْسَ في التَّصْرِيحِ بِتَعَدُّدِها هَنا كَثِيرُ نَفْعٍ، ومَعَ هَذا يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها مَجْمُوعُ السَّماواتِ، وكُلُّ طَبَقَةٍ وجِهَةٍ مِنها، والبِناءُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَبْنِيِّ بَيْتًا كانَ، أوْ قُبَّةً، أوْ خِباءً، أوْ طَرَفًا، ومِنهُ بَنى بِأهْلِهِ أوْ عَلى أهْلِهِ، خِلافًا لِلْحَرِيرِيِّ، لِأنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا ضَرَبُوا خِباءً جَدِيدًا لِيَدْخُلُوا عَلى العَرُوسِ فِيهِ، والمُرادُ بِكَوْنِ السَّماءِ بِناءً أنَّها كالقُبَّةِ المَضْرُوبَةِ، أوْ أنَّها كالسَّقْفِ لِلْأرْضِ، ويُقالُ لِسَقْفِ البَيْتِ بِناءٌ، ورُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ حالَ الأرْضِ لِما أنَّ احْتِياجَهم إلَيْها، وانْتِفاعَهم بِها أكْثَرُ وأظْهَرُ أوْ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ خَلْقَهم ناسَبَ أنْ يُعْقِبَهُ بِذِكْرِ أوَّلِ ما يَحْتاجُونَهُ بَعْدَهُ، وهو المُسْتَقِرُّ، أوْ لِيَحْصُلَ العُرُوجُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، أوْ لِأنَّ خَلْقَ الأرْضِ مُتَقَدِّمٌ عَلى خَلْقِ السَّماءِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَواهِرُ كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، أوْ لِأنَّ الأرْضَ لِكَوْنِها مَسْكَنَ النَّبِيِّينَ ومِنها خُلِقُوا أفْضَلُ مِنَ السَّماءِ، وفي ذَلِكَ خِلافٌ مَشْهُورٌ، وقَرَأ يَزِيدُ الشّامِيُّ (بِساطًا) وطَلْحَةُ (مِهادًا)، وهي نَظائِرُ، وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو لامَ (جَعَلَ) في لامِ (لَكُمْ)، ﴿ وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى (جَعَلَ)، و(مِنَ) الأُولى لِلِابْتِداءِ مُتَعَلِّقَةٌ (بِأنْزَلَ)، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، وقُدِّمَ عَلَيْهِ لِلتَّشْوِيقِ عَلى الأوَّلِ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ الِانْتِظامِ، مَعَ ما بَعْدُ، أوْ لِأنَّ السَّماءَ أصْلُهُ، ومَبْدَؤُهُ، ولِتَتَأتّى الحالِيَّةُ عَلى الثّانِي، إذْ لَوْ قُدِّمَ المَفْعُولُ وهو نَكِرَةٌ صارَ الظَّرْفُ صِفَةً، وذُكِرَ في البَحْرِ، أنَّ (مِن) عَلى هَذا لِلتَّبْعِيضِ، أيْ مِن مِياهِ السَّماءِ، وهو كَما تَرى، والمُرادُ مِنَ السَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، أوِ السَّحابُ، وإرادَةُ الفَلَكِ المَخْصُوصِ بِناءً عَلى الظَّواهِرِ غَيْرُ بَعِيدَةٍ، نَظَرًا إلى قُدْرَةِ المَلِكِ القادِرِ جَلَّ جَلالُهُ، وسَمَتْ عَنْ مَدارِكِ العَقْلِ أفْعالُهُ، إلّا أنَّ الشّائِعَ أنَّ الشَّمْسَ إذا سامَتَتْ بَعْضَ البِحارِ والبَرارِي، أثارَتْ مِنَ البِحارِ بُخارًا رَطْبًا، ومِنَ البَرارِي يابِسًا، فَإذا صَعِدَ البُخارُ إلى طَبَقَةِ الهَواءِ الثّالِثَةِ، تَكاثَفَ، فَإنْ لَمْ يَكُنِ البَرْدُ قَوِيًّا اجْتَمَعَ وتَقاطَرَ لِثِقَلِهِ بِالتَّكاثُفِ، فالمُجْتَمِعُ سَحابٌ، والمُتَقاطِرٌ مَطَرٌ، وإنْ كانَ قَوِيًّا كانَ ثَلْجًا وبَرَدًا، وقَدْ لا يَنْعَقِدُ ويُسَمّى ضَبابًا.
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ وعَلى هَذا يُرادُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ نُشُؤُوهُ مِن أسْبابٍ سَماوِيَّةٍ، وتَأْثِيراتٍ أثِيرِيَّةٍ، فَهي مَبْدَأٌ مَجازِيٌّ لَهُ، عَلى أنَّ مَنِ انْجابَ عَنْ عَيْنِ بَصِيرَتِهِ سَحابُ الجَهْلِ، رَأى أنَّ كُلَّ ما في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ نازِلٌ مِن عَرْشِ الإرادَةِ، وسَماءِ القُدْرَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، بِواسِطَةٍ، أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ بَلْ مَن عَلِمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في السَّماءِ عَلى المَعْنى الَّذِي أرادَهُ، وبِالوَصْفِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ، مَعَ التَّنْزِيهِ اللّائِقِ بِجَلالِ ذاتِهِ تَعالى صَحَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: إنَّ ما في العالَمِينَ مِن تِلْكَ السَّماءِ، ونِسْبَةُ نُزُولِهِ إلى غَيْرِها أحْيانًا لِاعْتِباراتٍ ظاهِرَةٍ، وهي راجِعَةٌ إلَيْهِ في الآخِرَةِ، والماءُ مَعْرُوفٌ وعَرَّفَهُ بَعْضُهم بِأنَّهُ جَوْهَرٌ سَيّالٌ بِهِ قِوامُ الحَيَوانِ، ووَزْنُهُ فَعْلٌ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ، وهَمْزَتُهُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ مُوَيْهٌ، ومِياهٌ، وأمْواهٌ، وتَنْوِينُهُ لِلْبَعْضِيَّةِ، وخَصَّهُ سُبْحانَهُ بِالنُّزُولِ مِنَ السَّماءِ في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ لِكَثْرَةِ مَنفَعَتِهِ، ومَزِيدِ بَرَكَتِهِ، (ومِنِ) الثّانِيَةُ، إمّا لِلتَّبْعِيضِ، إذْ كَمْ مِن ثَمَرَةٍ لَمْ تَخْرُجْ بَعْدُ، (فَرِزْقًا) حِينَئِذٍ بِالمَعْنى المَصْدَرِيِّ مَفْعُولٌ لَهُ، (لِـأخْرَجَ)، (ولَكُمْ) ظَرْفُ لَغْوٍ، مَفْعُولٌ بِهِ (لِرِزْقٍ) أيْ أخْرَجَ شَيْئًا مِنَ الثَّمَراتِ أيْ بَعْضِها، لِأجْلِ أنَّهُ رَزَقَكُمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الثَّمَراتِ مَفْعُولَ (أخْرَجَ)، (ورِزْقًا) بِمَعْنى مَرْزُوقًا حالًا مِنَ المَفْعُولِ، أوْ نُصِبا عَلى المَصْدَرِ لِأخْرَجَ، وإمّا لِلتَّبْيِينِ، فَرِزْقٌ بِمَعْنى مَرْزُوقٍ مَفْعُولٌ (لِـأخْرَجَ)، (ولَكُمْ) صِفَتُهُ، وقَدْ كانَ مِنَ الثَّمَراتِ صِفَتَهُ أيْضًا، إلّا أنَّهُ لَمّا قُدِّمَ صارَ حالًا عَلى القاعِدَةِ في أمْثالِهِ، وفي تَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ خِلافٌ، فَجَوَّزَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، والكَثِيرُونَ، ومَنَعَهُ صاحِبُ الدُّرِّ المَصُونِ وغَيْرُهُ، واحْتِمالُ جَعْلِها ابْتِدائِيَّةً بِتَقْدِيرِ: مِن ذِكْرِ الثَّمَراتِ، أوْ تَفْسِيرُ الثَّمَراتِ بِالبَذْرِ تَعَسُّفٌ لا ثَمَرَةَ فِيهِ، وألْ في الثَّمَراتِ إمّا لِلْجِنْسِ أوْ لِلِاسْتِغْراقِ، وجَعَلَها لَهُ، (ومِن) زائِدَةٌ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ زِيادَةَ (مِن) في الإيجابِ، وقَبْلَ مَعْرِفَةٍ مِمّا لَمْ يَقُلْ بِهِ إلّا الأخْفَشُ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أيْضًا أنْ يَكُونَ جَمِيعُ الثَّمَراتِ الَّتِي أُخْرِجَتْ رِزْقًا لَنا، وكَمْ شَجَرَةٍ أثْمَرَتْ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ رِزْقًا، وأتى بِجَمْعِ القِلَّةِ مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ الكَثْرَةِ، فَكانَ المُناسِبُ لِذَلِكَ مِنَ الثِّمارِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ ما بَرَزَ في رِياضِ الوُجُودِ بِفَيْضِ مِياهِ الجُودِ كالقَلِيلِ، بَلْ أقَلُّ بِقَلِيلٍ بِالنِّسْبَةِ لِثِمارِ الجَنَّةِ، ولِما ادُّخِرَ في مَمالِكِ الغَيْبِ، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أجْناسَها مِن حَيْثُ إنَّ بَعْضَها يُؤْكَلُ كُلُّهُ وبَعْضَها ظاهِرُهُ فَقَطْ، وبَعْضَها باطِنُهُ فَقَطِ، المُشِيرُ ذَلِكَ إلى ما يُشِيرُ قَلِيلَةٌ لَمْ تَبْلُغْ حَدَّ الكَثْرَةِ، وما ذَكَرَ الإمامُ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّهُ ساغَ هَذا الجَمْعُ هُنا، لِأنَّهُ أرادَ بِالثَّمَراتِ جَمْعَ ثَمَرَةٍ، أُرِيدَ بِها الكَثْرَةُ كالثِّمارِ مِثْلِها في قَوْلِكَ: أدْرَكَتْ ثَمَرَةُ بُسْتانِكَ، ولَيْسَتِ التّاءُ لِلْوَحْدَةِ الحَقِيقِيَّةِ، بَلْ لِلْوَحْدَةِ الِاعْتِبارِيَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ السَّمَيْقَعِ (مِنَ الثَّمَرَةِ) أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ ﴾ و ﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ أوْ لِأنَّها لَمّا كانَتْ مُحَلّاةً بِاللّامِ، خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ، لا يَخْلُو صَفاؤُهُ عَنْ كَدَرٍ، كَما يُسْفِرُ عَنْهُ كَلامُ الشِّهابِ، وإذا قِيلَ: بِأنَّ جَمْعَ السَّلامَةِ المُؤَنَّثَ والمُذَكَّرَ مَوْضُوعٌ لِلْكَثْرَةِ، أوْ مُشْتَرَكٌ والمَقامُ يُخَصِّصُهُ بِها، انْدَفَعَ السُّؤالُ وارْتَفَعَ المَقالُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ مِنَ النّاسِ إلّا قَلِيلٌ، والباءُ مِن (بِهِ) لِلسَّبَبِيَّةِ، والمَشْهُورُ عِنْدَ الأشاعِرَةِ أنَّها سَبَبِيَّةٌ عادِيَّةٌ في أمْثالِ هَذا المَوْضِعِ، فَلا تَأْثِيرَ لِلْماءِ عِنْدَهم أصْلًا في الإخْراجِ، بَلْ ولا في غَيْرِهِ، وإنَّما المُؤَثِّرُ هو اللَّهُ تَعالى عِنْدَ الأسْبابِ لا بِها، لِحَدِيثِ الِاسْتِكْمالِ بِالغَيْرِ قالُوا: ومَنِ اعْتَقَدَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْدَعَ قُوَّةَ الرَّيِّ في الماءِ مَثَلًا فَهو فاسِقٌ، وفي كُفْرِهِ قَوْلانِ، وجُمِعَ عَلى كُفْرِهِ كَمَن قالَ: إنَّهُ مُؤَثِّرٌ بِنَفْسِهِ فَيَجِبُ عِنْدَهم أنْ يَعْتَقِدَ المُكَلَّفُ أنَّ الرَّيَّ جاءَ مِن جانِبِ المَبْدَإ الفَيّاضِ بِلا واسِطَةٍ، وصادَفَ مَجِيئُهُ شُرْبَ الماءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْماءِ دَخْلٌ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ سِوى المُوافَقَةِ الصُّورِيَّةِ، والفَقِيرُ لا أقُولُ بِذَلِكَ، ولَكِنِّي أقُولُ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ رَبَطَ الأسْبابَ بِمُسَبَّباتِها شَرْعًا، وقَدَرًا، وجَعَلَ الأسْبابَ مَحَلَّ حِكْمَتِهِ في أمْرِهِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ، وأمْرِهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ، ومَحَلَّ مُلْكِهِ وتَصَرُّفِهِ، فَإنْكارُ الأسْبابِ والقُوى جَحْدٌ لِلضَّرُورِيّاتِ، وقَدْحٌ في العُقُولِ والفِطَرِ، ومُكابَرَةٌ لِلْحِسِّ، وجَحْدٌ لِلشَّرْعِ والجَزاءِ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى شَأْنُهُ مَصالِحَ العِبادِ في مَعاشِهِمْ، ومَعادِهِمْ، والثَّوابِ، والعِقابِ، والحُدُودِ، والكَفّاراتِ، والأوامِرِ، والنَّواهِي، والحِلِّ، والحُرْمَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِالأسْبابِ، قائِمًا بِها، بَلِ العَبْدُ نَفْسُهُ وصِفاتُهُ، وأفْعالُهُ، سَبَبٌ لِما يَصْدُرُ عَنْهُ، والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِن إثْباتِ الأسْبابِ، ولَوْ تَتَبَّعْنا ما يُفِيدُ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ لَزادَ عَلى عَشَرَةِ آلافِ مَوْضِعٍ حَقِيقَةً، لا مُبالَغَةً، ويالِلَّهِ تَعالى العَجَبُ، إذا كانَ اللَّهُ خالِقَ السَّبَبِ، والمُسَبَّبِ، وهو الَّذِي جَعَلَ هَذا سَبَبًا لِهَذا، والأسْبابُ والمُسَبَّباتُ طَوْعُ مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ مُنْقادَةٌ، فَأيُّ قَدْحٍ يُوجِبُ ذَلِكَ في التَّوْحِيدِ، وأيُّ شِرْكٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؟
!
نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى مِمّا يَقُولُونَ، فاللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَفْعَلُ بِالأسْبابِ الَّتِي اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ مَعَ غِناهُ عَنْها، كَما صَحَّ أنْ يَفْعَلَ عِنْدَها لا بِها، وحَدِيثُ الِاسْتِكْمالِ يَرُدُّهُ أنَّ الِاسْتِكْمالَ إنَّما يَلْزَمُ لَوْ تَوَقَّفَ الفِعْلُ عَلى ذَلِكَ السَّبَبِ حَقِيقَةً، واللّازِمُ باطِلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ فالأسْبابُ مُؤَثِّرَةٌ بِقُوى أوْدَعَها اللَّهُ تَعالى فِيها، ولَكِنْ بِإذْنِهِ، وإذا لَمْ يَأْذَنْ وحالَ بَيْنَها وبَيْنَ التَّأْثِيرِ لَمْ تُؤَثِّرْ، كَما يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلا بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ ولَوْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأسْبابِ قُوًى أوْدَعَها العَزِيزُ الحَكِيمُ لَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ ﴾ إذْ ما الفائِدَةُ في القَوْلِ، وهي لَيْسَ فِيها قُوَّةُ الإحْراقِ، وإنَّما الإحْراقُ مِنهُ تَعالى بِلا واسِطَةٍ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرُوا لَكانَ لِلنّارِ أنْ تَقُولَ: إلَهِي، ما أوْدَعَتَنِي شَيْئًا ولا مَنَحْتَنِي قُوَّةً، وما أنا إلّا كَيَدٍ شَلّاءَ صَحِبَتْها يَدٌ صَحِيحَةٌ تَعْمَلُ الأعْمالَ، وتَصُولُ وتَجُولُ في مَيْدانِ الأفْعالِ، أفَيُقالُ لِلْيَدِ الشَّلّاءِ لا تَفْعَلِي، وفي ذَلِكَ المَيْدانِ لا تَنْزِلِي، ولا يُقالُ ذَلِكَ لِلْيَدِ الفَعّالَةِ، وهي الحَرِيَّةُ بِتِلْكَ المَقالَةِ، ولا أظُنُّ الأشاعِرَةَ يَسْتَطِيعُونَ لِذَلِكَ جَوابًا، ولا أُراهم يُبْدُونَ فِيهِ خِطابًا، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ وتَلَقّاهُ أهْلُ اللَّهِ تَعالى بِالقَبُولِ، ولا يُوقِعَنَّكَ في شَكٍّ مِنهُ نِسْبَتُهُ لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ أيْضًا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أفَتَشُكُّ فِيها، لِأنَّهم قالُوها مَعاذَ اللَّهِ تَعالى مِنَ التَّعَصُّبِ، فالحِكْمَةُ ضالَّةُ المُؤْمِنِ، والحَقُّ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ.
﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ نَهْيٌ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ اعْبُدُوا ﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إذا وجَبَ عَلَيْكم عِبادَةُ رَبِّكُمْ، فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا، وأفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ، إذْ لا رَبَّ لَكم سِواهُ، وإيقاعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ بِالذّاتِ، بَعْدَ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ أمْرُ الواحِدانِيَّةِ، واسْتِحالَةِ الشَّرِكَةِ والإيذانِ بِاسْتِتْباعِها لِسائِرِ الصِّفاتِ، وقِيلَ: لَفْظُ الرَّبِّ مُسْتَعْمَلٌ في المَفْهُومِ الكُلِّيِّ، واللَّهُ عَلَمٌ لِلْجُزْئِيِّ الحَقِيقِيِّ الواجِبِ الوُجُودِ تَعالى شَأْنُهُ، فَلا يَكُونُ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ حَيْثُ عَلَّقَ العِبادَةَ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، فالمُناسِبُ الفاءُ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ حَيْثُ عَلَّقَ العِبادَةَ وعَدَمَ الشِّرْكِ بِذاتِهِ تَعالى، فالمُناسِبُ الواوُ، فَلا يَرُدُّ أنَّ المُناسِبَ عَلى هَذا الواوُ، كَما في الآيَةِ الثّانِيَةِ، أوْ نَفْيُ مَنصُوبٍ بِإضْمارِ أنَّ، جَوابٌ لِلْأمْرِ كَما قالَهُ مَوْلانا البَيْضاوِيُّ: واعْتُرِضَ بِأنَّهُ يَأْباهُ، إنَّ ذَلِكَ فِيما يَكُونُ الأوَّلُ سَبَبًا لِلثّانِي، ولا رَيْبَ في أنَّ العِبادَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أصْلُها ومَنشَؤُها، وأُجِيبَ بِأنَّ عِبادَتَهُ تَعالى أساسُها التَّوْحِيدُ وعَدَمُ الإشْراكِ بِهِ، وأمّا عِبادَةُ الرَّبِّ، فَلَيْسَ أصْلُها عَدَمَ الإشْراكِ بِذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن مُتَفَرِّعاتِهِ، والحَقُّ أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتْ عِبادَةَ رَبٍّ مَوْصُوفٍ بِما يَجْعَلُهُ كالمُشاهِدِ مِن خَلْقِهِ لَهُمْ، ولِأُصُولِهِمْ، وإبْداعُ الكائِناتِ العَظِيمَةِ، والتَّفَضُّلُ بِإفاضَةِ النِّعَمِ الجَسِيمَةِ فَدَلَّتْ عَلَيْهِ دِلالَةً عَرَّفَتْهم بِهِ، فَمُحَصَّلُها اعْبُدُوا اللَّهَ تَعالى الَّذِي عَرَفْتُمُوهُ مَعْرِفَةً لا مِرْيَةَ فِيها، ولا شَكَّ في أنَّ العِبادَةَ والمَعْرِفَةَ سَبَبٌ لِعَدَمِ الإشْراكِ، إذْ مَن عَرَفَ اللَّهَ تَعالى لا يُسَوِّي بِهِ سِواهُ، فالَّذِي سَوَّلَ لِلْمُعْتَرِضِ النَّظَرُ لِلْعِبادَةِ وقَطْعُ النَّظَرِ عَنِ المَعْرِفَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِلَعَلَّ، فَيُنْصَبُ الفِعْلُ نَصْبَ (فَأطَّلِعَ) عَلى قِراءَةِ جَعْفَرٍ مِن ﴿ لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ ﴾ إلَخْ، عَلى رَأْيٍ إلْحاقًا بِالأشْياءِ السِّتَّةِ، لِأنَّها غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِحُصُولِ ما يَتَضَمَّنُها، فَتَكُونُ كالشَّرْطِ في عَدَمِ التَّحَقُّقِ، والقَوْلُ بِالإلْحاقِ لَها بَلَيْتَ تَنْزِيلًا لِلْمَرْجُوِّ مَنزِلَةَ المُتَمَنّى في عَدَمِ الوُقُوعِ، يَؤُولُ إلى هَذا، إنْ أُرِيدَ بِعَدَمِ الوُقُوعِ عَدَمُهُ في حالِ الحُكْمِ لا اسْتِحالَتِهِ، والمَعْنى خَلَقَكم لِتَتَّقُوا وتَخافُوا عِقابَهُ فَلا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ، فافْهَمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الفاءُ زائِدَةً مُشْعِرَةً بِالسَّبَبِيَّةِ، وجُمْلَةُ النَّهِي، بِتَأْوِيلِ القَوْلِ خَبَرٌ عَنِ الَّذِي عَلى جَعْلِهِ مُبْتَدَأً، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالَّذِي، والفاءُ جَزاءُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والمَعْنى: هو الَّذِي جَعَلَ لَكم ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ المُتَكاثِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَلا تَجْعَلُوا إلَخْ، والجَعْلُ هُنا بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، وهو كَما يَكُونُ بِالفِعْلِ نَحْوَ صَيَّرْتُ الحَدِيدَ سَيْفًا، ومِنهُ ما تَقَدَّمَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ بِالقَوْلِ والعَقْدِ، والأنْدادُ جَمْعُ نِدٍّ كَعِدْلٍ وأعْدالٍ، أوْ نَدِيدٍ كَيَتِيمٍ وأيْتامٍ، والنِّدُّ مِثْلُ الشَّيْءِ الَّذِي يُضادُّهُ، ويُخالِفُهُ في أُمُورِهِ، ويُنافِرُهُ ويَتَباعَدُ عَنْهُ، ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ عَلى الأصَحِّ، وأصْلُهُ مِن نَدَّ نُدُودًا، إذا نَفَرَ، وقِيلَ: النِّدُّ المُشارِكُ في الجَوْهَرِيَّةِ فَقَطْ، والشَّكْلُ المُشارِكُ في القَدْرِ والمِساحَةِ، والشَّبَهُ المُشارِكُ في الكَيْفِيَّةِ فَقَطْ، والمُساوِي في الكِمِّيَّةِ فَقَطْ، والمِثْلُ عامٌّ في جَمِيعِ ذَلِكَ، وفي تَسْمِيَةِ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا، والحالُ أنَّهم ما زَعَمُوا أنَّها تُماثِلُهُ في ذاتِهِ تَعالى وصَفاتِهِ ولا تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ، وإنَّما عَبَدُوها لِتُقَرِّبَهم إلَيْهِ سُبْحانَهُ زُلْفى، إشارَةٌ إلى اسْتِعارَةٍ تَهَكُّمِيَّةٍ حَيْثُ اسْتُعِيرَ النَّظِيرُ المُصادِرُ لِلْمُناسِبِ المُقَرَّبِ كَما اسْتُعِيرَ التَّبْشِيرُ لِلْإنْذارِ، والأسَدُ لِلْجَبانِ، وإنْ أُرِيدَ بِالنِّدِّ النَّظِيرُ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ هُناكَ تَضادٌّ، وإنَّما هو مِنِ اسْتِعارَةِ أحَدِ المُتَشابِهَيْنِ لِلْآخَرِ، فَإنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا الأصْنامَ بِحَسَبِ أفْعالِهِمْ وأحْوالِهِمْ مُماثِلَةً لَهُ تَعالى في العِبادَةِ، وهي خُطَّةٌ شَنْعاءُ، وصِفَةٌ حَمْقاءُ، في ذِكْرِها ما يَسْتَلْزِمُ تَحْمِيقَهم والتَّهَكُّمَ بِهِمْ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى، وفي الإتْيانِ بِالجَمْعِ تَشْنِيعٌ عَلَيْهِمْ، حَيْثُ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ، ولِلَّهِ دَرُّ مُوَحِّدِ الفَتْرَةِ زَيْدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ نُفَيْلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حَيْثُ يَقُولُ في ذَلِكَ: أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ ∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ ﴿ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ (لا تَجْعَلُوا) والمَفْعُولُ مَطْرُوحٌ أيْ وحالُكم أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ والمَعْرِفَةِ والنَّظَرِ وإصابَةِ الرَّأْيِ، فَإذا تَأمَّلْتُمْ أدْنى تَأمُّلٍ عَلِمْتُمْ وُجُودَ صانِعٍ يَجِبُ تَوْحِيدُهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ لا يَلِيقُ أنْ يُعْبَدَ سِواهُ، أوْ مُقَدَّرٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ، ويَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ العِلْمِ أيْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ، أوْ أنَّها لا تُماثِلُهُ، ولا تَقْدِرُ عَلى مِثْلِ ما يَفْعَلُهُ، والحالُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، لِلتَّوْبِيخِ، أوِ التَّقْيِيدِ، إذِ العِلْمُ مَناطُ التَّكْلِيفِ، ولا تَكْلِيفَ عِنْدَ عَدَمِ الأهْلِيَّةِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِلتَّوْبِيخِ لا غَيْرُ، لِأنَّ قَيْدَ الحُكْمِ تَعْلِيقُ العِلْمِ بِالمَفْعُولِ، ومَناطُ التَّكْلِيفِ العِلْمُ فَقَطْ، والتَّوْبِيخُ بِاعْتِبارِ بَعْضِ أفْرادِ المُخاطَبِينَ بِالنَّهْيِ بِناءً عَلى عُمُومِ الخِطابِ حَسْبَما مَرَّ في الأمْرِ، فَلا يَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ الخِطابِ بِالكَفَرَةِ، عَلى أنَّهُ لا بَأْسَ بِالتَّخْصِيصِ بِهِمْ أمْرًا ونَهْيًا، بَلْ قِيلَ: إنَّهُ أوْلى لِلْخَلاصِ مِنَ التَّكَلُّفِ وحُسْنِ الِانْتِظامِ، إذْ لا مَحِيصَ في ظاهِرِ آيَةِ التَّحَدِّي مِن تَجْرِيدِ الخِطابِ، وتَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِباءِ مَحَلِّ المُؤْمِنِينَ، ورَفْعِ شَأْنِهِمْ عَنْ حِينِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الكَفَرَةِ اللِّئامِ، والإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ مُسْتَغْنُونَ في ذَلِكَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ فَتَأمَّلْ.
وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن بَدائِعِ الصَّنْعَةِ ودَقائِقِ الحِكْمَةِ، وظُهُورِ البَراهِينِ ما اقْتَضى أنَّهُ تَعالى المُنْفَرِدُ بِالإيجادِ، المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأنْدادِ الَّتِي لا تَخْلُقُ، ولا تَرْزُقُ، ولَيْسَ لَها نَفْعٌ ولا ضُرٌّ، ”ألّا لِلَّهِ الخُلُق والأمْر“ * * * ومِن بابِ الإشارَةِ أنَّهُ تَعالى مَثَّلَ البَدَنَ بِالأرْضِ، والنَّفْسَ بِالسَّماءِ، والعَقْلَ بِالماءِ، وما أفاضَ عَلى القَوابِلِ مِنَ الفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ المُحَصَّلَةِ بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ العَقْلِ والحِسِّ وازْدِواجِ القُوى النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ بِالثَّمَراتِ المُتَوَلِّدَةِ مِنِ ازْدِواجِ القُوى السَّماوِيَّةِ الفاعِلَةِ والأرْضِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ بِإذْنِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا امْتَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَهُمْ، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ذَكَرَ ما يُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ، فَجَعَلَ الأرْضَ الَّتِي هي فِراشٌ مِثْلَ الأُمِّ الَّتِي يَفْتَرِشُها الرَّجُلُ، وهي أيْضًا تُسَمّى فِراشًا، وشَبَّهَ السَّماءَ الَّتِي عَلَتْ عَلى الأرْضِ بِالأبِ الَّذِي يَعْلُو عَلى الأُمِّ، ويَغْشاها، وضَرَبَ الماءَ النّازِلَ مِنَ السَّماءِ مَثَلًا لِلنُّطْفَةِ الَّتِي تَنْزِلُ مِن صُلْبِ الأبِ، وضَرَبَ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ مِنَ الثَّمَراتِ مَثَلًا لِلْوَلَدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأُمِّ، كُلُّ ذَلِكَ لِيُؤْنِسَ عُقُولَهُمْ، ويُرْشِدَها إلى مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ التَّخْلِيقِ، ويُعَرِّفَها أنَّهُ الخالِقُ لِهَذا الوَلَدِ، والمُخْرِجُ لَهُ مِن بَطْنِ أُمِّهِ، كَما أنَّهُ الخالِقُ لِلثَّمَراتِ ومُخْرِجُها مِن بُطُونِ أشْجارِها، ومُخْرِجُ أشْجارِها مِن بَطْنِ الأرْضِ، فَإذا وضَحَ ذَلِكَ لَهُمْ، أفْرَدُوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ، وخَصُّوهُ بِالعِبادَةِ، وحَصَلَتْ لَهُمُ الهِدايَةُ: تَأمَّلْ في رِياضِ الأرْضِ وانْظُرْ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ ∗∗∗ عَلى أهْدابِها ذَهَبٌ سَبِيكُ ؎عَلى قُضْبِ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٌ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ <div class="verse-tafsir"
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً معناه: اعبدوا ربكم الذي خلقكم وجعل لكم الأرض فراشاً، يعني مهاداً وقراراً.
وقال أهل اللغة: الأرض بساط العالم.
وروي عن علي بن أبي طالب- - قال: إنما سميت الأرض أرضاً، لأنها تأرض ما في بطنها أي تأكل ما فيها.
وقال بعضهم: لأنها تتأرض بالحوافر والأقدام.
وَالسَّماءَ في اللغة: ما علاك وأظلك.
يعني اذكروا رب هذه النعم واعبدوه، واعرفوا شكر هذه النعم حيث جعل لكم الأرض فراشاً، والسَّماء بِناءً أي سقفاً.
قال ابن عباس- ما- في رواية الكلبي: كل سماء مطبقة على الأخرى مثل القبة وسماء الدنيا ملتزقة على الأرض أطرافها ويقال: وَالسَّماءَ بِناءً أي مرتفعاً.
وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء، يعني المطر فَأَخْرَجَ بِهِ، يعني أنبت بالمطر مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ، يعني من ألوان الثمرات طعاماً لكم.
قوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً، أي لا تقولوا له شركاء وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه خالق هذه الأشياء وغيره لا يستطيع أن يخلق شيئاً من هذه الأشياء.
ويقال: كل شيء في هذه الدنيا فيه دلالة على كونه الخالق من أربعة أوجه: فوجود هذه الأشياء وكونها يدل على وجود الصانع واستقامتها تدل على توحيده، وهو استقامة الليل والنهار، والشتاء والصيف وخروج الثمرات وحدوث كل شيء في وقته، لأن المدبر لو كان اثنين لم يكن على الاستقامة، كما قال في آية أخرى لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22] وتجانسها يدل على أن الخالق واحد عالم حيث خلق الأشياء أجناساً مختلفة، وتمام الأشياء يدل على أن خالقها واحد قائم قادر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ...
الآيَةَ: «يَا» : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ «١» .
قال ع «٢» : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ:
يا أَيُّهَا النَّاسُ.
وأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح.
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ» : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون «٣» ، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ» ، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل]
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ...
نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق «٤»
انتهى.
قال ع «١» : وقال سيبويه «٢» : ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و «لَعَلَّ» : متعلِّقة بقوله: «اعبدوا» ، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ» : مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ...
رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا «٣»
فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ» .
وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا
ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ «١» : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.
قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ:
الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن «٢» ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس «٣» : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته.
ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / ١٢ ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: ٣١] ، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن.
وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر «٤» ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ صلّى الله عليه وسلم وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ» ، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة.
وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: ٩٨] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا ﴾ .
إنَّما سُمِّيَتِ الأرْضُ أرْضًا لِسِعَتِها، مِن قَوْلِهِمْ: أرِضَتِ القُرْحَةُ: إذا اتَّسَعَتْ.
وَقِيلَ: لِانْحِطاطِها عَنِ السَّماءِ، وكُلُّ ما سَفَلَ: أرْضٌ، وقِيلَ: لِأنَّ النّاسَ يَرُضُّونَها بِأقْدامِهِمْ، وسُمِّيَتِ السَّماءُ سَماءً لِعُلُوِّها.
قالَ الزَّجّاجُ: وكُلُّ ما عَلا عَلى الأرْضِ فاسْمُهُ بِناءً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: البِناءُ هاهُنا بِمَعْنى السَّقْفِ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ﴾ يَعْنِي مِنَ السَّحابِ.
﴿ ماءً ﴾ يَعْنِي: المَطَرَ.
*** ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ يَعْنِي: شُرَكاءَ، أمْثالًا.
يُقالُ: هَذا نِدُّ هَذا، ونِدِيدُهُ.
وفِيما أُرِيدَ بِالأنْدادِ هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الأصْنامُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، .
والثّانِي: رِجالٌ كانُوا يُطِيعُونَهم في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَلَقَ السَّماءَ، وأنْزَلَ الماءَ، وفَعَلَ ما شَرَحَهُ في هَذِهِ الآَياتِ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ ومُقاتِلٍ.
الثّانِي: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ في كِتابِكُمُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو يَخْرُجُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ.
والثّالِثُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: أنَّ العِلْمُ هاهُنا بِمَعْنى العَقْلِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
والخامِسُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلٍ ما ذَكَرَهُ أحَدٌ سِواهُ.
ذَكَرَهُ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ.
والسّادِسُ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها حِجارَةٌ، سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ الخَشّابِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الناسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَمَراتِ رِزْقًا لَكُمُ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ "يا" حَرْفُ نِداءٍ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ، و"أيْ" هو المُنادى، قالَ أبُو عَلِيٍّ: اجْتُلِبَتْ "أيْ" بَعْدَ حَرْفِ النِداءِ فِيما فِيهِ الألِفُ واللامُ لِأنَّ في حَرْفِ النِداءِ تَعْرِيفًا، فَكانَ يَجْتَمِعُ تَعْرِيفانِ، و"ها" تَنْبِيهٌ وإشارَةٌ إلى المَقْصُودِ، وهي بِمَنزِلَةِ ذا في الواحِدِ.
و"الناسُ" نَعْتٌ لازِمٌ لِأيْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: "يا أيُّها الناسُ" حَيْثُ وقَعَ في القُرْآنِ مَكِّيٌّ، و( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) مَدَنِيٌّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: قَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُورَةِ أنَّها كُلُّها مَدَنِيَّةٌ، وقَدْ يَجِيءُ في المَدَنِيِّ "يا أيُّها الناسُ"، وأمّا قَوْلُهُ في ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ) فَصَحِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ مَعْناهُ: وحَّدُوهُ وخَصُّوهُ بِالعِبادَةِ، وذَكَرَ تَعالى خَلْقَهُ لَهم مِن بَيْنِ سائِرِ صِفاتِهِ، إذْ كانَتِ العَرَبُ مُقِرَّةً بِأنَّ اللهَ خَلَقَها، فَذَكَرَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ.
و"لَعَلَّ" في هَذِهِ الآيَةِ قالَ فِيها كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي بِمَعْنى إيجابِ التَقْوى، ولَيْسَتْ مِنَ اللهِ تَعالى بِمَعْنى تَرَجٍّ وتَوَقُّعٍ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ، ورُؤَساءُ اللِسانِ: هي عَلى بابِها، والتَرَجِّي والتَوَقُّعُ إنَّما هو في حَيِّزِ البَشَرِ، أيْ إذا تَأمَّلْتُمْ حالَكم مَعَ عِبادَةِ رَبِّكم رَجَوْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ التَقْوى و"لَعَلَّكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ ، ويَتَّجِهُ تَعَلُّقُها بِخَلْقِكُمْ، أيْ لَمّا وُلِدَ كُلُّ مَوْلُودٍ عَلى الفِطْرَةِ فَهو إنْ تَأمُّلُهُ مُتَأمِّلٌ تَوَقَّعَ لَهُ ورَجا أنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا.
و"تَتَّقُونَ" مَأْخُوذٌ مِنَ الوِقايَةِ، وأصْلُهُ "تُوتَقَيُونَ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الياءِ إلى القافِ وَحُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ مَعَ الواوِ الساكِنَةِ، وأُدْغِمَتِ الواوُ الأُولى في التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ ﴾ نُصِبَ عَلى إتْباعِ "الَّذِي" المُتَقَدِّمِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى القَطْعِ، وما ذَكَرَ مَكِّيُّ: مِن إضْمارِ أعْنِي، أو مَفْعُولٍ بـِ "تَتَّقُونَ" فَضَعِيفٌ.
و"جَعَلَ" بِمَعْنى صَيَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ، لِتَعَدِّيها إلى مَفْعُولَيْنِ، و"فِراشًا" مَعْناهُ: تَفْتَرِشُونَها وتَسْتَقِرُّونَ عَلَيْها، وما في الأرْضِ مِمّا لَيْسَ بِفِراشٍ كالجِبالِ والبِحارِ فَهو مِن مَصالِحِ ما يُفْتَرَشُ مِنها، لِأنَّ الجِبالَ كالأوتادِ، والبِحارَ يَرْكَبُ فِيها إلى سائِرِ مَنافِعِها.
و"السَماءَ" قِيلَ: هو اسْمٌ مُفْرَدٌ، جَمْعُهُ "سَماواتٌ"، وقِيلَ: هو جَمْعٌ واحِدُهُ "سَماوَةٌ".
وكُلُّ ما ارْتَفَعَ عَلَيْكَ في الهَواءِ فَهو "سَماءُ"، والهَواءُ نَفْسُهُ عُلُوًّا يُقالُ لَهُ: "سَماءٌ"، ومِنهُ الحَدِيثُ «خَلَقَ اللهُ آدَمَ طُولُهُ في السَماءِ سِتُّونَ ذِراعًا».
واللَفْظَةُ مِنَ السُمُوِّ وتَصارِيفُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِناءً" تَشْبِيهٌ بِما يُفْهَمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والسَماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ ﴾ ، وقالَ بَعْضُ الصَحابَةِ: بَناها عَلى الأرْضِ كالقُبَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْزَلَ مِنَ السَماءِ ﴾ يُرِيدُ السَحابَ، سُمِّيَ بِذَلِكَ تَجَوُّزًا لِما كانَ يَلِي السَماءَ ويُقارِبَها، وقَدْ سَمُّوا المَطَرَ سَماءً لِلْمُجاوَرَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: إذا نَزَلَ السَماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا فَتَجُوزُ أيْضًا في رَعَيْناهُ، فَبِتَوَسُّطِ المَطَرِ جَعَلَ السَماءَ عُشْبًا.
وأصْلُ "ماءً" مَوَهَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم في الجَمْعِ: مِياهٌ وأمْواهٌ، وفي التَصْغِيرِ: مُوَيْهٌ، وانْطَلَقَ اسْمُ الرِزْقِ عَلى ما يَخْرُجُ مِنَ الثَمَراتِ قَبْلَ التَمَلُّكِ أيْ هي مُعَدَّةٌ أنْ يَصِحَّ الِانْتِفاعُ بِها فَهي رِزْقٌ، ورَدَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ الناسِ قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الرِزْقَ ما يَصِحُّ تَمَلُّكُهُ، ولَيْسَ الحَرامُ بِرِزْقٍ.
وواحِدُ الأنْدادِ: نِدٌّ.
وهو المُقاوِمُ والمُضاهِي كانَ مَثَلًا أو خِلافًا أو ضِدًّا، ومِن حَيْثُ قاوَمَ وضاهى فَقَدْ حَصَلَتْ مُماثَلَةٌ ما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرٌ، والمُفَضَّلُ: الضِدُّ: النِدُّ، وهَذا التَخْصِيصُ مِنهُما تَمْثِيلٌ لا حَصْرَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: مَنِ المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ؟
فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُخاطَبُ جَمِيعُ المُشْرِكِينَ، فَقَوْلُهُ عَلى هَذا ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ الخاصَّ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ وأنْزَلَ الماءَ، وأخْرَجَ الرِزْقَ، ولَمْ تَنْفِ الآيَةُ الجَهالَةَ عَنِ الكُفّارِ.
وقِيلَ: المُرادُ كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ، فالمَعْنى: تَعْلَمُونَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي عِنْدَكُمْ، أنَّ اللهَ لا نِدَّ لَهُ.
وَقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: يُحْتَمَلُ أنْ تَتَناوَلَ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى لا تَرْتَدُّوا أيُّها المُؤْمِنُونَ وتَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا بَعْدَ عِلْمِكُمُ الَّذِي هو نَفْيُ الجَهْلِ بِأنَّ اللهَ واحِدٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ اللهَ تَعالى أغْنى الإنْسانَ بِنِعَمِهِ هَذِهِ عن كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَمَن أحْوَجَ نَفْسَهُ إلى بَشَرٍ مِثْلِهِ بِسَبَبِ الحِرْصِ والأمَلِ والرَغْبَةِ في زُخْرُفِ الدُنْيا، فَقَدْ أخَذَ بِطُرُقِ مَن جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا.
عَصَمَنا اللهُ تَعالى بِفَضْلِهِ، وقَصَّرَ آمالَنا عَلَيْهِ بِمَنِّهِ وطَوْلِهِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الذى جَعَلَ لَكُمُ الارض فِرَاشاً والسمآء بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .
يتعين أن قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ صفة ثانية للرب لأن مساقها مساق قوله: ﴿ الذي خلقكم ﴾ [البقرة: 21]، والمقصود الإيماء إلى سبب آخر لاستحقاقه العبادة وإفراده بها فإنه لما أوجب عبادته أنه خالق الناس كلهم أتبع ذلك بصفة أخرى تقتضي عبادتهم إياه وحده، وهي نعمه المستمرة عليهم مع ما فيها من دلائل عظيم قدرته فإنه مكن لهم سبل العيش وأولها المكان الصالح للاستقرار عليه بدون لغوب فجعله كالفراش لهم ومن إحاطة هذا القرار بالهواء النافع لحياتهم والذي هو غذاء الروح الحيواني، وذلك ما أشير إليه بقوله: ﴿ والسماء بناء ﴾ وبكون تلك الكرة الهوائية واقية الناس من إضرار طبقات فوقها متناهية في العلو، من زمهرير أو عناصر غريبة قاتلة خانقة، فالكرة الهوائية جعلت فوق هذا العالم فهي كالبناء له ونفعها كنفع البناء فشبهت به على طريقة التشبيه البليغ وبأن أخرج للناس ما فيه إقامة أود حياتهم باجتماع ماء السماء مع قوة الأرض وهو الثمار.
والمراد بالسماء هنا إطلاقها العرفي عند العرب وهو ما يبدو للناظر كالقبة الزرقاء وهو كرة الهواء المحيط بالأرض كما هو المراد في قوله: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ [البقرة: 19] وهذا هو المراد الغالب إذا أطلق السماء بالإفراد دون الجمع.
ومعنى جعل الأرض فراشاً أنها كالفراش في التمكن من الاستقرار والاضطجاع عليها وهو أخص أحوال الاستقرار.
والمعنى أنه جعلها متوسطة بين شدة الصخور بحيث تؤلم جلد الإنسان وبين رخاوة الحمأة بحيث يتزحزح الكائن فوقها ويسوخ فيها وتلك منة عظيمة.
وأما وجه شبه السماء بالبناء فهو أن الكرة الهوائية جعلها الله حاجزة بين الكرة الأرضية وبين الكرة الأثيرية فهي كالبناء فيما يراد له البناء وهو الوقاية من الأضرار النازلة، فإن للكرة الهوائية دفعاً لأضرار أظهرها دفع ضرر طغيان مياه البحار على الأرض ودفع أضرار بلوغ أهوية تندفع عن بعض الكواكب إلينا وتلطيفها حتى تختلط بالهواء أو صد الهواء إياها عنا مع ما في مشابهة منظر الكرة الهوائية لهيئة القبة، والقبة بيت من أدم مقبب وتسمى بناء، والبناء في كلام العرب ما يرفع سمكه على الأرض للوقاية سواء كان من حجر أو من أدم أو من شعر، ومنه قولهم: بنى على امرأته إذا تزوج لأن المتزوج يجعل بيتاً يسكن فيه مع امرأته وقد اشتهر اطلاق البناء على القبة من أدم ولذلك سموا الأدم الذي تبنى منه القباب مبناة بفتح الميم وكسرها، وهذا كقوله في سورة الأنبياء (32): ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ﴾ فإن قلت يقتضي كلامك هذا أن الامتنان بجعل السماء كالبناء لوقاية الناس من قبيل المعجزات العلمية التي أشرت إليها في المقدمة العاشرة وذلك لا يدركه إلا الأجيال التي حدثت بعد زمان النزول فماذا يكون حظ المسلمين وغيرهم الذين نزلت بينهم الآية: ﴿ والذين جاءوا من بعدهم ﴾ [الحشر: 10] في عدة أجيال فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يشعرون بأن للسماء خاصية البناء في الوقاية وغاية ما كانوا يتخيلونه أن السماء تشبه سقف القبة كما قالت الأعرابية حين سئلت عن معرفة النجوم: أيجهل أحد خرزات معلقة في سقفه فتتمحض الآية لإفادة العبرة بذلك الخلق البديع إلا أنه ليس فيه حظ من الامتنان الذي أفاده قوله: ﴿ لكم ﴾ فهل نخص تعلقه بفعل ﴿ جعل ﴾ المصرح به دون تعلقه بالفعل المطوي تحت واو العطف، أو بجعله متعلقاً بقوله: ﴿ فراشاً ﴾ فيكون قوله: ﴿ والسماء بناء ﴾ معطوفاً على معمول فعل الجعل المجرد عن التقييد بالمتعلق.
قلت: هذا يفضي إلى التحكم في تعلق قوله: ﴿ لكم ﴾ تحكماً لا يدل عليه دليل للسامع بل الوجه أن يجعل ﴿ لكم ﴾ متعلقاً بفعل ﴿ جعل ﴾ ويكفي في الامتنان بخلق السماء إشعار السامعين لهذه الآية بأن في خلق السماء على تلك الصفة ما في إقامة البناء من الفوائد على الإجمال ليفرضه السامعون على مقدار قرائحهم وأفهامهم ثم يأتي تأويله في قابل الأجيال.
وحذف (لكم) عند ذكر السماء إيجازاً لأن ذكره في قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض ﴾ دليل عليه.
و (جعل) إن كانت بمعنى أوجد فحمل الامتنان هو إن كانتا على هذه الحالة وإن كانت بمعنى صير فهي دالة على أن الأرض والسماء قد انتقلتا من حال إلى حال حتى صارتا كما هما وصار أظهر في معنى الانتقال من صفة إلى صفة وقواعد علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) تؤذن بهذا الوجه الثاني فيكون في الآية منتان وعبرتان في جعلهما على ما رأينا وفي الأطوار التي انتقلتا فيهما بقدرة الله تعالى وإذنه فيكون كقوله تعالى: ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون ﴾ [الأنبياء: 30 32] وقد امتن الله وضرب العبرة بأقرب الأشياء وأظهرها لسائر الناس حاضرهم وباديهم وبأول الأشياء في شروط هذه الحياة، وفيهما أنفع الأشياء وهما الهواء والماء النابع من الأرض وفيهما كانت أول منافع البشر.
وفي تخصيص الأرض والسماء بالذكر نكتة أخرى وهي التمهيد لما سيأتي من قوله: ﴿ وأنزل من السماء ماء ﴾ الخ.
وابتدأ بالأرض لأنها أول ما يخطر ببال المعتبر ثم بالسماء لأنه بعد أن ينظر لما بين يديه ينظر إلى ما يحيط به.
وقوله: ﴿ وأنزل من السماء ماء فأخرج به ﴾ الخ هذا امتنان بما يلحق الإيجاد مما يحفظه من الاختلال وهو خلقة لما تتلفه الحرارة الغريزية والعمل العصبي والدماغي من القوة البدنية ليدوم قوام البدن بالغذاء وأصل الغذاء هو ما يخرج من الأرض وإنما تخرج الأرض النبات بنزول الماء عليها من السماء أي من السحاب والطبقات العليا.
واعلم أن كون الماء نازلاً من السماء هو أن تكونه يكون في طبقات الجو من آثار البخار الذي في الجو فإن الجو ممتلئ دائماً بالأبخرة الصاعدة إليه بواسطة حرارة الشمس من مياه البحار والأنهار ومن نداوة الأرض ومن النبات ولهذا نجد الإناء المملوء ماء فارغاً بعد أيام إذا ترك مكشوفاً للهواء فإذا بلغ البخار أقطار الجو العالية برد ببرودتها وخاصة في فصل الشتاء فإذا برد مال إلى التميع، فيصير سحاباً ثم يمكث قليلاً أو كثيراً بحسب التناسب بين برودة الطبقات الجوية والحرارة البخارية فإذا زادت البرودة عليه انقبض السحاب وثقل وتميع فتجتمع فيه الفقاقيع المائية وتثقل عليه فتنزل مطراً وهو ما أشار له قوله تعالى: ﴿ وينشئ السحاب الثقال ﴾ [الرعد: 12] وكذلك إذا تعرض السحاب للريح الآتية من جهة البحر وهي ريح ندية ارتفع الهواء إلى أعلى الجو فبرد فصار مائعاً وربما كان السحاب قليلاً فساقت إليه الريح سحاباً آخر فانضم أحدهما للآخر ونزلا مطراً، ولهذا غلب المطر بعد هبوب الريح البحرية وفي الحديث: «إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيقة» ومن القواعد أن الحرارة وقلة الضغط يزيدان في صعود البخار وفي قوة انبساطه والبرودة وكثرة الضغط يصيران البخار مائعاً وقد جرب أن صعود البخار يزداد بقدر قرب الجهة من خط الاستواء وينقص بقدر بعده عنه وإلى بعض هذا يشير ما ورد في الحديث أن المطر ينزل من صخرة تحت العرش فإن العرش هو اسم لسماء من السماوات والصخرة تقريب لمكان ذي برودة وقد علمت أن المطر تنشئه البرودة فيتميع السحاب فكانت البرودة هي لقاح المطر.
و (من) التي في قوله: ﴿ من الثمرات ﴾ ليست للتبعيض إذ ليس التبعيض مناسباً لمقام الامتنان بل إما لبيان الرزق المخرج، وتقديم البيان على المبين شائع في كلام العرب وإما زائدة لتأكيد تعلق الإخراج بالثمرات.
﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
أتت الفاء لترتيب هاته الجملة على الكلام السابق وهو مترتب على الأمر بالعبادة و(لا) ناهية والفعل مجزوم وليست نافية حتى يكون الفعل منصوباً في جواب الأمر من قوله: ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ والمراد هنا تسببه الخاص وهو حصوله عن دليل يوجبه وهو أن الذي أمركم بعبادته هو المستحق للإفراد بها فهو أخص من مطلق ضد العبادة لأن ضد العبادة عدم العبادة.
ولكن لما كان الإشراك للمعبود في العبادة يشبه ترك العبادة جعل ترك الإشراك مساوياً لنقيض العبادة لأن الإشراك ما هو إلا ترك لعبادة الله في أوقات تعظيم شركائهم.
والند بكسر النون المساوي والمماثل في أمر من مجد أو حرب، وزاد بعض أهل اللغة أن يكون مناوئاً أي معادياً، وكأنهم نظروا إلى اشتقاقه من ند إذا نفر وعاند، وليس بمتعين لجواز كونه اسماً جامداً وأظن أن وجه دلالة الند على المناوأة والمضادة أنها من لوازم المماثلة عرفاً عند العرب، فإن شأن المثل عندهم أن ينافس مماثله ويزاحمه في مراده فتحصل المضادة.
ونظيره في عكسه تسميتهم المماثل قريعاً، فإن القريع هو الذي يقارع ويضارب ولما كان أحد لا يتصدى لمقارعة من هو فوقه لخشيته ولا من هو دونه لاحتقاره كانت المقارعة مستلزمة للمماثلة، وكذلك قولهم قرن للمحارب المكافئ في الشجاعة.
ويقال جعل له نداً، إذا سوى غيره به.
والمعنى لاتثبتوا لله أنداداً تجعلونها جعلاً وهي ليست أنداداً وسماها أنداداً تعريضاً بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون إن الآلاهة شفعاء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية: «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» لكنهم لما عبدوها ونسوا بعبادتها والسعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسم حولها عبادة الله، أصبح عملهم عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله تعالى لأن العبرة بالفعل لا بالقول.
وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب الحال ومناقضة الأقوال للأفعال.
وقوله: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ جملة حالية ومفعول ﴿ تعلمون ﴾ متروك لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل الفعل منزلة اللازم، والمعنى وأنتم ذو علم.
والمراد بالعلم هنا العقل التام وهو رجحان الرأي المقابل عندهم بالجهل على نحو قوله تعالى: ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ [الزمر: 9] وقد جعلت هاته الحال محط النهي والنفي تمليحاً في الكلام للجمع بين التوبيخ وإثارة الهمة فإنه أثبت لهم علماً ورجاحة الرأي ليثير همتهم ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية ونهاهم عن اتخاذ الآلهة أو نفي ذلك مع تلبسهم به وجعله لا يجتمع مع العلم توبيخاً لهم على ما أهملوا من مواهب عقولهم وأضاعوا من سلامة مداركهم.
وهذا منزع تهذيبي عظيم، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه حتى لا يقتل همته باليأس من كماله فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت عزيمته وذهبت مواهبه، ويأتي بما يدل على نقائص فيه ليطلب الكمال فلا يستريح من الكد في طلب العلا والكمال.
وقد أومأ قوله: ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ إلى أنهم يعلمون أن الله لا ند له ولكنهم تعاموا وتناسوا فقالوا: «إلا شريكاً هو لك».
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الأنْدادَ الأكْفاءُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: الأشْباهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: الأضْدادُ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ.
﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
والثّانِي: مَعْناهُ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا نِدَّ لَهُ ولا ضِدَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: مَعْناهُ وأنْتُمْ تَعْقِلُونَ فَعَبَّرَ عَنِ العَقْلِ بِالعِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ قال: هي فراش يمشي عليها، وهي المهاد، والقرار، ﴿ والسماء بناء ﴾ قال بنى السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض.
وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم قال: جاء اعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت المواشي.
استسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله!
فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال: ويحك أتدري ما الله؟
إن شأنه أعظم من ذاك، وإنه لا يستشفع به على أحد، إنه لفوق سمواته على عرشه، وعرشه على سمواته، وسمواته على أرضيه هكذا وقال بأصابعه مثل القبة وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» .
وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن أياس بن معاوية قال: السماء مقببة على الأرض مثل القبة.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: شيء من أطراف السماء محدق بالأرضين، والبحار كأطراف الفسطاط.
وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي برة قال: ليست السماء مربعة، ولكنها مقبوّة يراها الناس خضراء.
أما قوله تعالى: ﴿ وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ .
أخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن.
أنه سئل المطر من السماء أم من السحاب؟
قال: من السماء، إنما السحاب علم ينزل عليه الماء من السماء.
وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: لا أدري المطر أنزل قطرة من السماء في السحاب، أم خلق في السحاب فأمطر؟.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض، والبذر ينزل من السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: المطر ماء يخرج من تحت العرش، فينزل من سماء إلى سماء حيث يجمع في السماء الدنيا، فيجتمع في موضع يقال له الايرم، فتجيء السحاب السود، فتدخله فتشربه مثل شرب الاسفنجة، فيسوقها الله حيث يشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ينزل الماء من السماء السابعة، فتقع القطرة منه على السحابة مثل البعير.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال: المطر منه من السماء، ومنه ماء يسقيه الغيم من البحر، فيعذبه الرعد والبرق.
فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات، وأما النبات فما كان من السماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض.
عشبة، أو في البحر لؤلؤة.
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن ابن عباس قال: إذا جاء القطر من السحاب تفتحت له الأصداف فكان لؤلؤاً.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: يخلق الله اللؤلؤ في الأصداف من المطر، تفتح الأصداف أفواهها عند المطر، فاللؤلؤة العظيمة من القطرة العظيمة، واللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة.
وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن المطلب بن حنطب.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء» .
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما نزل مطر من السماء إلا ومعه البذر.
أما انكم لو بسطتم نطعاً لرأيتموه.
وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: المطر مزاجه من الجنة، فإذا عظم المزاج عظمت البركة وإن قل المطر، وإذا قل المزاج قلت البركة وإن كثر المطر.
وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث شاء، وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة، يكتبون حيث يقع ذلك المطر، ومن يرزقه، وما يخرج منه مع كل قطرة.
أما قوله تعالى ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون ﴾ .
أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ أنه لا رب لكم يرزقكم غيره.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ الأنداد ﴾ هو الشرك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ الأنداد ﴾ قال: أشباهاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله عز وجل ﴿ أنداداً ﴾ قال: الأشباه والأمثال قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم.
أما سمعت قول لبيد: أحمد الله فلا ندّ له ** بيديه الخير ما شاء فعل وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ أنداداً ﴾ قال: شركاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عوف بن عبدالله قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من المدينة فسمع منادياً ينادي للصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على الفطرة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: خلع الأنداد» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: «قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت فقال: جعلتني لله نداً، ما شاء الله وحده» .
وأخرج ابن سعد عن قتيلة بنت صيفي قالت «جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون قال: وكيف؟
قال: يقول أحدكم: لا والكعبة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد قال فمن حلف فليحلف برب الكعبة فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم ﴿ تجعلون لله أنداداً ﴾ قال: وكيف ذاك؟!
قال: يقول أحدكم ما شاء الله وشئت.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحبر: إنه قد قال فمن قال منكم فليقل ما شاء ثم شئت» .
وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي عن طفيل بن سخبرة «أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد.
ثم مرَّ رهط من النصارى فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد.
فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب فقال: إن طفيلاً رأى رؤيا، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، فلا تقولوها ولكن قولوا: ما شاء الله وحده لا شريك له» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان.
قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان» .
وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ أي عدلاء ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ قال: إن الله خلقكم وخلق السموات والأرض.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فلا تجعلوا لله أنداداً ﴾ أي عدلاء ﴿ وأنتم تعلمون ﴾ قال تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإِنجيل لا ند له.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ : (الأرض): التي عليها الناس، وجمعها: (أَرَضُون) (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) وفتحوا (الراء) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ فِرَاشًا ﴾ الأرض فراش الأنام على معنى أنها فرشت لهم، أي (٢٧) ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) ﴾ والمعنى أنه لم يجعلها حزنة غليظة لا يمكن (٢٨) (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ .
الأزهري: أصل الماء (مَاهَ) بوزن (قَاه) (٣٠) (٣١) (٣٢) قال الليث: والمدة في (الماء) خَلَفٌ (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال (٣٦) (٣٧) ابن بزرج (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) قال الليث: وأَماهت الأرض إذا ظهر فيها النَّزُّ (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) سَقَى اللهُ أَمْوَاهاً عَرَفْتُ مَكَانها ...
جُرَاباً ومَلْكُوماً وبَذَّرَ والْغَمْرَا (٤٧) ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ ، والماء ينزل من السحاب؟
قيل: هذا من باب حذف المضاف، والتقدير: من نحو السماء (٤٨) أَمِنْكِ بَرْقٌ أَبِيتُ (٤٩) (٥٠) أي: من نَاحِيَتِك، ومثله كثير.
وإن جعلت السماء بمعنى (السحاب) (٥١) وقوله تعالى: ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ .
الثمرات: جمع (الثمرة) وهي حمل الشجرة (٥٢) (٥٣) (٥٤) يقال: لبن مُثْمِر (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) قال المفسرون في معنى الثمرات في هذه الآية: أراد جميع ما ينتفع به مما يخرج من الأرض (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا ﴾ .
روى شمر عن الأخفش قال: (الند) الضد والشبه.
أي: لا تجعلوا (٦٤) (٦٥) وأنشد للبيد (٦٦) لِكَيْمَا (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) وقال أبو الهيثم: يقال للرجل إذا خالفك فأردت وجها تذهب فيه ونازعك في ضده، فأراد بخلاف الوجه الذي تريد، وهو مستقل من ذلك مثل ما [تستقل] (٧١) أتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ...
فَشَرُّكُمَا لِخَيْركُمَا الفِدَاءُ (٧٢) (٧٣) (٧٤) أتَيْماً يَجْعَلُونَ إليَّ نِدّاً ...
وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ (٧٥) أي مثل.
قال ابن عباس، والسدي فيما ذكره عن ابن مسعود: معناه لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال [تطيعونهم] (٧٦) (٧٧) وقال ابن زيد: الأنداد الآلهة (٧٨) (٧٩) وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم لإقرارهم بأن الله خالقهم، فقيل لهم: لا تجعلوا لله (٨٠) (٨١) قال ابن (٨٢) ﴿ وَأَنتُم تَعلَمُونَ ﴾ ، (٨٣) ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴾ لأن هذا العلم الذي وصفهم به في هذه الآية لا يزيل عنهم الجهل؛ لأنه أراد: وأنتم تعلمون أن الأنداد التي تعبدونها لم ترفع لكم السماء ولم تمهد تحتكم (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (١) كذا ورد عند سيبويه، انظر "الكتاب" 3/ 599، "المذكر والمؤنث" لابن الأنبارى ص 188، "تهذيب اللغة" (أرض) 1/ 148، وقال ابن سيده في "المخصص": عن أبي حنيفة: (أرض) و (أَرْضُون) بالتخفيف و (أَرَضُون) بالتثقيل، (المخصص) 10/ 67.
(٢) ذكره سيبويه وغيره، انظر "الكتاب" 3/ 599، قال ابن الأنباري (يجوز في القياس: أرضات ولم يسمع) "المذكر والمؤنث" ص 188.
(٣) جمع تكسير، انظر "المخصص" 10/ 67 ، "تهذيب اللغة" (أرض) 1/ 148.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
وقد نقل الواحدي هذا السؤال والإجابة عنه من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 2/ 613.
(٥) في (ب): (تركب).
(٦) في (أ)، (ج): (صلح) وفي "سر صناعة الإعراب" (ريح) وفي الحاشية قال: في (ل) و (ش): (ملح)، 2/ 614.
وهذا يوافق ما في (ب).
(٧) "سر صناعة الإعراب" 1/ 614، وانظر: "الكتاب" 3/ 599 "المخصص" 10/ 67، 68 و 17/ 4 "اللسان" (أرض) 1/ 61.
(٨) في (ب): (ما).
(٩) انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 63.
(١٠) "سر صناعة الإعراب" 2/ 614، وقال بعضهم: ربما سكنت فقيل: (أرضون)، انظر "الصحاح" (أرض) 3/ 1063، "المخصص" 10/ 67.
(١١) في (ب): (أن من مثال).
(١٢) انظر.
"الكتاب" 3/ 598 - 600، "المخصص" 10/ 68، 17/ 4، "الصحاح" (أرض) 3/ 1063، "اللسان" (أرض) 1/ 61.
(١٣) في (أ)، (ج): (أحرها) وفي (ب): (أخرت) والصحيح ما أثبت كما في "سر صناعة الإعراب"، 2/ 614.
(١٤) في (ب): (لا مجرى).
(١٥) اختصر الواحدي كلام أبي الفتح وترك بعض الوجوه، قال أبو الفتح: (فالجواب: أن العرب قد أجرت (هاء التأنيث) مجرى لام الفعل في أماكن: منها: أنهم حقروا ما كان من المؤنث على أربعة أحرف، نحو: (عقرب) و (عناق) ...
وذلك قولهم: (عقيرب) ....
ومنها: أنهم قد عاقبوا بين هاء التأنيث وبين اللام، وذلك نحو قولهم: (بُرَّة وبراً) و (لُفَة ولُفَى) ...).
ومنها: أن الهاء وإن كانت أبدا في تقدير الانفصال فإن العرب قد أحلتها -أيضا- محل (اللام) وما هو الأصل أو جار مجرى الأصل وذلك نحو قولهم: (ترقوة)، و (عرقوة) ...
، "سر صناعة الإعراب" 2/ 614 - 616، وذكر الواحدي في جوابة على السؤال الوجه الأخير فقط.
(١٦) (الْعَرْقُوة) خشبة معروضة على الدلو.
انظر "اللسان" (عرق) 5/ 2908.
(١٧) (ترقوة) ساقط من (ب).
والترقوة واحدة الترقوقان، وهما العظمان المشرفان بين تغرة النحر والعاتق، تكون للناس وغيرهم، ولا يقال (ترقوة) بالضم.
انظر "اللسان" (ترق) 10/ 32.
(١٨) في (أ)، (ج): (يقلب) وما في (ب) موافق لـ "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.
(١٩) في (ج): (حرفا).
(٢٠) (وتقلب) ساقط من (ج).
(٢١) (الحَقْوُ) بفتح الحاء وكسرها: الكشح، ومعقد الأزار، والخصر والجمع (أحْقٍ) و (أَحقَاء) و (حِقِى) و (حقا).
انظر: "اللسان" (حقا) ص 948.
(٢٢) جمع (دلو)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.
(٢٣) في جميع النسخ (أحر) بالحاء، والتصحيح من "سر صناعة الإعراب" 2/ 616، و (أَجْرٍ): جمع جرو وهو الصغير من كل شيء.
انظر "اللسان" (جراً) 1/ 609.
(٢٤) أى كما صحت (الواو) قبل (الهاء) في (تَرْقُوة) و (عَرْقُوة) لأنها في تقدير الاتصال، وأجروها مجرى (الراء) و (الطاء) في (منصور) و (عضرفوط) فصحت الواو قبل الراء والطاء، فكما جاز أن تشبه (هاء التأنيث) في هذا باللام الأصلية، جاز أن تجرى الهاء المقدرة في أرض مجرى اللام الأصلية، فيعوض من حذفها في (أرض) أن يجمع بالواو والنون في (أرضون).
"سر صناعة الإعراب" 2/ 616.
(٢٥) (الْعَضْرَفُوط) دويبة بيضاء ناعمة، أو ذكر العظاء.
انظر "اللسان" (عضرط) 5/ 2986.
(٢٦) في (أ)، (ج): (التصحيح) وعبارة أبي الفتح: (...
وقد أجروا (الهاء) في (ترقوة) ...
مجرى (الراء) في (منصور) و (الطاء) في (عضرفوط) فصحت (الواو) قبلها كما صحت قبل الراء والطاء ...)، "سر صناعة الإعراب" 2/ 616.
(٢٧) في (ب): (لهم أنبسطت).
(٢٨) في (أ): (لم يكن) وفي (ب): (ولا يمكن).
(٢٩) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 161 - 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 198، "تفسير القرطبي" 1/ 197.
(٣٠) في (أ)، (ج) (فاة)، وفي "تهذيب اللغة" (تاه) 1/ 423، وفي "اللسان" (قاه) "اللسان" (موه) 7/ 4302.
وهو موافق لما في (ب) وهو ما أثبته.
(٣١) في (أ)، (ب)، (ج) (فنقلت) وصححت العبارة على ما في "تهذيب اللغة" (الماء) 15/ 648.
(٣٢) "تهذيب اللغة" (الماء) 4/ 3320، وانظر "الصحاح" (موه) 4/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302 (المنصف) 4/ 3320.
(٣٣) في (ب) (خلف خلف هاء).
(٣٤) انتهى كلام الليث نقله الواحدي بمعناه.
انظر "تهذيب اللغة" 15/ 648، وانظر "الصحاح" 6/ 2250، "اللسان" 13/ 543.
(٣٥) من كلام الأزهري، انظر "تهذيب اللغة" 15/ 648.
(٣٦) في (ب): (قال) سقطت الواو.
(٣٧) في "تهذيب اللغة": (قال الأصمعي: ماهت البئر تَمُوه وتَمَاه موها إذا كثر ماؤها)، "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، وانظر "الصحاح" (موه) 6/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302.
(٣٨) هو عبد الرحمن بن بزرج اللغوي، كان حافظا للغريب والنوادر، نقل عنه الأزهري في "تهذيب اللغة".
انظر مقدمة "تهذيب اللغة"، "إنباه الرواة" 2/ 161.
(٣٩) في "التهذيب" و"اللسان": (أسالت).
(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (أ، ج).
(٤١) "تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، "اللسان" (موه) 7/ 4302.
(٤٢) "تهذيب اللغة" (ماه)،4/ 3331وانظر "الصحاح" (موه) 6/ 2250، "اللسان" (موه) 7/ 4302.
(٤٣) نسب الواحدي الكلام لليث، وهو في "التهذيب" إما من كلام ابن الأعرابي أو من كلام الأزهري.
انظر: "تهذيب اللغة" (ماه) ص 333، "اللسان" (موه) 7/ 4302.
(٤٤) أي: عند غير الليث.
(٤٥) في (ب) (ما هي).
قال الجوهري: والنسبة للماء: (مَائِيٌّ) وإن شئت (مَاوِيٌّ) عند قول من يقول (عَطَاوِيٌّ)، "الصحاح" 6/ 2251، "اللسان" 7/ 4302.
(٤٦) انظر.
"تهذيب اللغة" (ماه) 4/ 3331، قال الجوهري: بجمع على (أمواه) في القلة، و (مياه) في الكثرة.
"الصحاح" 6/ 2250، وذكره في "اللسان" وقال: وحكى ابن جني في جمعه (أمواء) 7/ 4302.
(٤٧) البيت لكثير عزة ورد في (ديوانه) مع أبيات مفردة ص 503، وأورده عبد السلام هارون في حاشية "الكتاب"، لأنه ورد في بعض نسخ "الكتاب"، ولم يرد في الأصل.
انظر "الكتاب" 3/ 207، 208، "المنصف" 3/ 150، 3/ 121، "شرح == المفصل" 1/ 61، "الخزانة" 2/ 355، "السيرة" لابن هشام 1/ 159.
جراباً وما بعده: أسماء أماكن، ذكر ياقوت جرابا وقال: اسم ماء وقيل: بئر قديمة بمكة، وأورد بيت كثير.
(معجم البلدان) 2/ 116، وذكر (مَلْكُوما) وقال: اسم ماء بمكة، وأورد البيت 5/ 194، وذكر (بَذَّرَ) وقال: اسم بئر بمكة لبني عبد الدار، وأورد البيت 1/ 361، و (الغمر) بئر قديمة بمكة.
"معجم البلدان" 4/ 211.
(٤٨) ذكره في "الوسيط"، 1/ 55، وانظر: "تفسير أبي السعود" 1/ 61.
(٤٩) في (ب): (أربك).
(٥٠) البيت لأبي ذؤيب الهذلي، قوله: (أمنك برق) أي: من نحو منزلك، من الشق الذي أنت به، (عراض الشأم) نواحيها.
انظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 167، "شرح الأبيات المشكلة الإعراب" الفارسي ص 364.
(٥١) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب، "تفسير ابن عطية" 199، "تفسير البيضاوي" 1/ 14، والخازن 1/ 76، "تفسير أبي السعود" 1/ 61، "الفتوحات الإلهية" 1/ 26.
(٥٢) ذكره الأزهري عن الليث وغيره، "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.
(٥٣) في (ج): (اسما لما ينتفع به).
(٥٤) ذكره الواحدي في "الوسيط"، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 199.
(٥٥) في (ب): (مثمراً).
(٥٦) ذكر الأزهري نحوه عن الأصمعي "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497، وانظر: "اللسان" (ثمر) 1/ 503.
(٥٧) في (أ)، (ج).
(النصر) والمراد النضر بن شميل.
(٥٨) في (أ)، (ج): (التميز)، وفي (ب): (التميير) والصحيح (الثمير) كما في "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.
(٥٩) في (أ)، (ج): (محص) وفي (ب): (محض)، و (مخض) في " التهذيب".
(٦٠) انظر كلام النضر في "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.
وانظر: "الصحاح" (ثمر) 2/ 606، "اللسان" (ثمر) 4/ 108.
(٦١) "تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 497.
(٦٢) قال ابن فارس: (الثاء والميم والراء أصل واحد)، وهو شيء يتولد عن شيء متجمعا، ثم يحمل عليه غيره استعارة، "مقاييس اللغة" (ثمر) 1/ 388.
(٦٣) انظر "الطبري" 1/ 162، "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "تفسير القرطبي" 1/ 198.
(٦٤) في (ب): (جعلوا).
(٦٥) في (ب): (شبههه).
(٦٦) في (ب): (وقال لبيد).
(٦٧) في (ب): (لكي لا يكون) وهي رواية في البيت.
(٦٨) في (ب): (فاستمر)، وفي "تهذيب اللغة" (واجعل) وفي حاشيته: في (د)، (ج) (أشتم) 4/ 3540.
(٦٩) في (ب): (عمواما).
(٧٠) البيت من قصيدة قالها لما دعاه عامر بن الطفيل لينافر علقمة بن علاثة، و (السندري): شاعر معروف وهو ابن عيساء، ينسب لأمه، (العموم): جمع العم، و (العماعم): الجماعات.
انظر "شرح ديوان لبيد" ص 286 "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540، "الصحاح" (ندد) 2/ 543، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" أبي حاتم ص 74 "اللسان" (ندد) 3/ 420 "مقاييس اللغة" (ند) 5/ 355، "تفسير القرطبي" 1/ 199.
وكلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540 نقله الواحدي بتصرف، وانظر "اللسان" (ندد) 7/ 3482.
(٧١) في جميع النسخ (يستقل) وفي "تهذيب اللغة" (تستقل) وهو الصواب، "تهذيب اللغة" 4/ 3540.
(٧٢) البيت من قصيدة يهجو بها سفيان بن الحارث قبل فتح مكة، انظر "ديوانه" ص 76، "تهذيب اللغة" (ند) 4/ 3540 "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 74، "مجاز القرآن" ص 34، "تفسير الطبري" 1/ 1063 "تفسير القرطبي" 1/ 198، "اللسان" (ندد) 7/ 3482.
(٧٣) انتهى ما نقله عن أبي الهيثم.
انظر: "تهذيب اللغة" (ندد) 4/ 3540، "اللسان" 7/ 3482.
(٧٤) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "مجاز القرآن" ص 34، "الأضداد" للصاغاني ص 246، قال أبو حاتم: (زعم قوم أن بعض العرب يجعل (الضد) مثل (الند) ويقول: هو يضادني، ولا أعرف أنا ذلك ..) (الأضداد) لأبي حاتم السجستاني ص 75.
(٧٥) قاله يهجو تيما.
انظر: "ديوان جرير" ص 129، "الأضداد" لابن الأنباري ص 24، "الأضداد" لأبي حاتم ص 73، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 66، "ومجالس العلماء" للزجاجي ص 114، "تفسير الثعلبي" 1/ 56 ب (٧٦) في (أ)، (ج): (يطيعونهم)، وفي (ب): (تضيعونهم).
(٧٧) أخرجه "الطبري" بسنده عن ابن عباس وعن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي "تفسير الطبري" 1/ 163، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 65 ب، وانظر: "الدر المنثور" 1/ 76.
(٧٨) في (ب): (الآله).
(٧٩) أخرجه "الطبري" في "تفسيره" 1/ 163، "زاد المسير" 1/ 49، والمراد عموم الأنداد والشركاء مع الله من الرجال أو الحجارة أو غير ذلك.
(٨٠) (لله) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).
(٨١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65.
(٨٢) (ابن) ساقط من (ج).
(٨٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٨٤) في (ج): (لكم).
(٨٥) في (ب): (اشغلوا).
(٨٦) في (ج): (في شيء).
(٨٧) في (ب): (يعلموا).
(٨٨) نحو هذا المعنى ذكر "الطبري" عن ابن عباس وقتادة، ورجحه.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 163.
وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "زاد المسير" 1/ 49.
﴿ يَاأَيُّهَا الناس ﴾ الآية لما قدّم اختلاف الناس في الدين وذكر ثلاث طوائف: المؤمنين، والكافرين والمنافقين: أتبع ذلك بدعوة الخلق إلى عبادة الله، وجاء بالدعوة عامة للجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى جميع الناس ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ ﴾ يدخل في الإيمان به سبحانه وتوحيده وطاعته، فالأمر بالإيمان به لمن كان جاحداً، والأمر بالتوحيد لمن كان مشركاً، والأمر بالطاعة لمن كان مؤمناً ﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ يتعلق بخلقكم: أي خلقكم لتتقوه كقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] أو بفعل مقدّر من معنى الكلام أي: دعوتكم إلى عبادة الله لعلكم تتقون، وهذا أحسن.
وقيل يتعلق بقوله: ﴿ اعبدوا ﴾ وهذا ضعيف.
وإن كانت لعل للترجي؛ فتأويله أنه في حق المخلوقين، جرياً على عادة كلام العرب، وإن كانت للمقاربة أو التعليل فلا إشكال، والأظهر فيها أنها لمقاربة الأمر نحو: عسى، فإذا قالها الله: فمعناها أطباع العباد وهكذا القول فيها حيث ما وردت في كلام الله تعالى: ﴿ الأرض فراشا ﴾ تمثيل لما كانوا يقعدون وينامون عليها؛ كالفراش فهو مجاز وكذلك السماء بناء ﴿ مِنَ الثمرات ﴾ من للتبعيض أو لبيان الجنس، لأن الثمرات هو المأكول من الفواكه وغيرها والباء في به سببية، أو كقولك: كتبت بالقلم؛ لأنّ الماء سبب في خروج الثمرات بقدرة الله تعالى: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ ﴾ لا ناهية أو نافية، وانتصب الفعل بإضمار أن بعد الفاء في جواب اعبدوا، والأول أظهر ﴿ أَندَاداً ﴾ يراد به هنا الشركاء المعبودون مع الله جلّ وعلا ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ حذف مفعولة حذف مفعوله مبالغة وبلاغة أي: وأنتم تعلمون وحدانيته بما ذكر لكم من البراهين، وفي ذلك بيان لقبح كفرهم بعد معرفتهم بالحق، ويتعلق قوله بلا تجعلوا بما تقدّم من البراهين، ويحتمل أن يتعلق بقوله: ﴿ اعبدوا ﴾ والأول أظهر.
فوائد ثلاث الأولى: هذه الآية ضمنت دعوة الخلق إلى عبادة الله بطريقين: أحدهما: إقامة البراهين بخلقتهم وخلقه السموات.
والآخر: ملاطفة جميلة بذكر ما لله عليهم من الحقوق ومن الإنعام، فذكر أوّلاً ربوبيته لهم، ثم ذكر خلقته لهم وآبائهم، لأن الخالق يستحق أن يعبد، ثم ذكر ما أنعم الله به عليهم من جعل الأرض فراشاً والسماء بناء، ومن إنزال المطر، وإخراج الثمرات، لأنّ المنعم يستحق أن يعبد ويشكر، وانظر قوله: جعل لكم، ورزقاً لكم: يدلك على ذلك لتخصيصه ذلك بهم في ملاطفة وخطاب بديع.
الثانية: المقصود الأعظم من هذه الآية: الأمر بتوحيد الله وترك ما عبد من دونه لقوله في آخرها: فلا تجعلوا لله أنداداً، وذلك هو الذين يترجم عنه بقولنا: لا إله إلاّ الله، فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دين الإسلام الذي قاعدته التوحيد، وقول لا إله إلاّ الله تكون في القرآن ذكر المخلوقات، والتنبيه على الاعتبار في الأرض والسموات والحيوان والنبات والرياح والأمطار والشمس والقمر والليل والنهار، وذلك أنها تدّل بالعقل على عشرة أمور.
وهي: أن الله موجود، لأنّ الصنعة دليل على الصانع لا محالة، وأنه واحد لا شريك له، لأنه لا خالق إلاّ هو ﴿ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ﴾ [النحل: 17] وأنه حيّ قدير عالم مريد، لأنّ هذه الصفات الأربع من شروط الصانع.
إذ لا تصدر صنعته عمن عدم صفة منها، وأنه رحيم، لأن في كل ما خلق منافع لبني آدم سخر لهم ما في السموات وما في الأرض.
وأكثر ما يأتي ذكر المخلوقات في القرآن في معرض الاستدلال على وجوده تعالى وعلى وحدانيته.
فإن قيل: لم قصر الخطاب بقوله لعلكم تتقون على المخاطبين دون الذين من قبلهم، مع أنه أمر الجميع بالتقوى؟
فالجواب: أنه لم يقصره عليهم ولكنه غلَّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمراد الجميع.
فإن قيل: هلا قال لعلكم تعبدون مناسبة لقوله اعبدوا؟
فالجواب: أنّ التقوى غاية العبادة وكمالها، فكان قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أبلغ وأوقع في النفوس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: "خلقكم" مدغماً: أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك.
وازاد عباس كل ما كان قبلها ساكن مثل ﴿ ما خلقكم ﴾ ﴿ وصديقكم ﴾ و ﴿ بورقكم ﴾ و ﴿ ميثاقكم ﴾ وأشباه ذلك.
قال ابن مجاهد: يدغمها بإظهار صوت القاف.
وقال غيره - وهو ابن مهران - لا يظهر ذلك وكل صواب.
الوقوف: "تتقون" (ه) لأن "الذي" صفة الرب .
"بناء" (ص) لعطف الجملتين المتفقتين "لكم" (ج) لانقطاع النظم مع فاء التعيب.
"تعلمون" (ه).
التفسير: لما قدم الله أحكام فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم ومجاري أمورهم عاجلاً وآجلاً، أقبل عليهم بالخطاب وهو من جملة الالتفات الذي يورث الكلام رونقاً وبهاء ويزيد السامع هزة ونشاطاً.
ومن لطائف المقام أنه كأنه يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة.
وفيه إشعار بأن العبد مهما اشتغل بالعبودية زاد قرباً وحضوراً.
وأيضاً الآيات المتقدمة حكايات أحوالهم وهذه أمر وتكليف وفيه كلفة ومشقة، فلا بد من راحة وهي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، فيستطاب التكليف بالتكليم حينئذ ويستلذ هذا.
وقد صح الإسناد عن علقمة أن كل شيء نزل فيه "يا أيها الناس" فهو مكي و "يا أيها الذين آمنوا" فهو مدني فقوله ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ خطاب لمشركي مكة بحسب هذا النقل، وإن كان من الجائز أن يخاطب المؤمنون باسم جنسهم ويؤمروا بالاستمرار على العبادة والازدياد منها.
"ويا" حرف وضع لأجل التخفيف مقام أنادي الإنشائية لا الإخبارية.
وههنا نكتة وهي أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أقوى الموجودات هو الحق وأضعفها البشر ﴿ وخلق الإنسان ضعيفاً ﴾ فقالت الملائكة: ما للتراب ورب الأرباب ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ فقيل لهم: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لحضرة الرب حال التضرع والدعاء ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ ﴿ فاذكروني أذكركم ﴾ و "يا" وضع في أصله لنداء ما ليس بقريب حقيقة أو تقديراً لكونه ساهياً أو غافلاً أو نائماً، أو لتبعيد المنادي نفسه عن ساحة عزة المنادى هضماً واستقصاراً كقول الداعي في جؤاره: يا رب يا الله.
مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ليتحقق الإجابة بمقتضى قوله "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" وقد ينادي القريب.
(3) المقاطن في غير هذه الصورة بيا ويكون المراد به أن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً نحو ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ﴿ يا عبادي ﴾ ﴿ يا أيها النبي ﴾ لأن ما يعقبها أمور عظام وخطوب جسام من الأوامر والنواهي والعظات، عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها.
وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم يوصف باسم جنس ليصح المقصود بالنداء مع ضرب من التأكيد المستفاد من الإبهام ثم التوضيح.
وفي حرف التنبيه المقحم فائدتان: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ووقوعها عوضاً مما يستحقه أي من الإضافة.
ثم إن قلنا: إن الخطاب عام لجميع المكلفين لأن الجمع المعرف باللام يفيد العموم بدليل صحة تأكيده "بكل" و "أجمعون" في مثل قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون ﴾ ، بدليل صحة الاستثناء، فالأقرب أنه لا يتناول إلا الموجودين في ذلك العصر، وإنما يتناول الذين سيوجدون بدليل منفصل هو ما عرف بالتواتر من دين محمد ، أن حكم الموجودين في عصره حكم من سيوجد إلى قيام الساعة.
وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة فيدخل سائر الناس بالتبعية على قياس ما قلنا.
والمراد من قوله "اعبدوا" صححوا نسبة العبادة، وذلك بأن يعرف نفسه بالإمكان ليعرف ربه بالوجوب، ويعرف نفسه بالمملوكية ليعرف ربه بالمالكية، ويعرف نفسه بالمقهورية والمقدورية ليعرف ربه بالقاهرية والقادرية، ويعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة، فلا يتجاوز حده ولا يعكس هذه القضايا فلا يرى لنفسه تصرفاً بوجه من الوجوه ولا قدرة بنوع من الأنواع، وإنما يكون عبداً ذليلاً ماثلاً بين يدي مولاه، طائعاً له بكل ما يأمره وينهاه، لأنه إذا تصور كونه عبداً فلا بد أن يطلب لنفسه سيداً، وإذا وجد السيد فلا محالة يوطن نفسه لطاعته وانقياده، ولا يرى مخالفته في شيء أصلاً ﴿ إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ﴾ وإلا لم تصح نسبة عبوديته.
عن الأصمعي أنه أتى بغلام ليشتريه فقال له: ما اسمك؟
قال: ما تسميني قال: أي شيء تأكل؟
قال: ما تطعمني.
قال: ما تشرب؟
قال: ما تسقيني قال: تريد أن أشتريك؟
قال: العبد لا يكون له إرادة والأمر بالعبادة بهذا المعنى يشمل الكافر والمؤمن وكل من فيه أهلية الخطاب، ويندرج فيه المبادي والنهايات والأصول والفروع.
ثم إنه لما علم القصور البشري وضعف قواهم الفطرية والفكرية أرشدهم إليه ونبههم عليه بقوله ﴿ ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ واعلم أن الطريق إلى معرفة الواجب وتعالى بعد ما قلنا من الرجوع إلى النفس والتنبه لسمة العبودية، إما الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما، وكل منهما في الجواهر أو في الأعراض أما الاستدلال بإمكان الذوات فإليه الإشارة بقوله { ﴿ والله الغني وأنتم الفقراء ﴾ ﴿ وأن إلى ربك المنتهى ﴾ وأما الاستدلال بإمكان الصفات فإليه الإشارة بقوله ﴿ خلق الله السموات والأرض ﴾ ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ وبحدوث الأجسام قول إبراهيم ﴿ لا أحب الآفلين ﴾ وبحدوث الأعراض دلائل الأنفس ودلائل الآفاق، فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه كان معدوماً قبل ذلك، والموجود بعد العدم له موجد وليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس لعجز الكل، ولا طبائع الفصول والأفلاك الآفلات في أفق الإمكان فهو شيء غير متسم بسمة الحدوث والنقصان، وهذا الطريق هو أقرب الطرق إلى الأفهام، فلهذا أورده الله في فاتحة كتابه لينتفع به الخاص والعام مع أن فيه تذكيراً لنعمه السابقة وعطيته السابغة عليهم وعلى آبائهم، وتذكير النعم مما يوجب المحبة والميل إلى الإنصاف وترك الجدال.
وأما قوله "لعلكم تتقون" ففيه بحثان: الأول: كلمة "لعل" للترجي أو الإشفاق ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وهو على الله محال والجواب أن الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله كقوله ﴿ لعله يتذكر أو يخشى ﴾ أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله عالم بما يؤول إليه أمره.
وأيضاً فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم لإنجازها على أن يقولوا "عسى" و "لعل"، وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز والنجاح بالمطلوب، أو جاء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد مثل ﴿ توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيآتكم ﴾ وقع "لعل" موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة في إقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المترجي بين أن يفعل وبين أن لا يفعل، ونظيره ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ وهذا الجواب مبني على أن قوله "لعلكم" متعلق "بخلفكم" مثل ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ لا بـ "اعبدوا" وقيل: "لعل" بمعنى "كي" ووجه بأنها للأطماع والكريم الرحيم إذا أطمع فعل، فجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم فلهذا قيل: إنها بمعنى "كي" قال القفال: في "لعل" معنى التكرير والتأكيد إذ اللام للإبتداء نحو "لقد"، ولقولهم علك أن تفعل كذا و "عل" يفيد التكرير ومنه العلل بعد النهل.
فقول القائل "افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك" معناه افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه.
(البحث الثاني): إذا كانت العبادة تقوى فقوله "لعلكم تتقون" جار مجرى قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون واتقوا ربكم لعلكم تتقون.
والجواب المنع من اتحاد مفهوميهما وخصوصاً على ما فسرنا إذ المعنى يعود إلى قولنا صححوا نسبة العبودية لتتصفوا بصفة التقوى وهي الاجتناب عن المعاصي فقط، أو هو مع الإتيان بالأوامر، وأما قوله: ﴿ هو الذي جعل لكم الأرض فراشاً ﴾ الآية.
فنقول: فيه لفظ "الذي" مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلاً من "الذي خلقكم" أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على المدح أيضاً أي "هو الذي"، وكلمة "الذي" موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة.
فقوله "جعل لكم الأرض فراشاً" قضية معلومة فأدخل عليها "الذي" كي ينتبهوا للجاعل ويعترفوا به.
والحاصل أنه عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل: اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشاً والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم.
وأيضاً خلق المكلفين أحياء قادرين، أصل لجميع النعم.
وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع.
وأيضاً كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم.
(وههنا مسائل): الأولى في منافع الأرض: الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستوياً كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها.
ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره ﴿ إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ﴾ ومما منَّ الله به على عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار.
ومنها أنها لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها.
ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفاً، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين.
تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر.
ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها.
ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها.
ومنها أن يتخمر الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات.
ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات ﴿ وفي الأرض قطع متجاورات ﴾ ومنها اختلاف ألوانها ﴿ ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود ﴾ ومنها انصداعها بالنبات ﴿ والأرض ذات الصدع ﴾ ومنها جذبها للماء المنزل من السماء ﴿ وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض ﴾ \[المؤمنون: 18\] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها ﴿ والأرض مددناها ﴾ ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد سبعمائة ﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة ﴾ ومنها حياتها وموتها ﴿ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها ﴾ ومنها الدواب المختلفة ﴿ وبث فيها من كل دابة ﴾ ومنها النباتات المتنوعة ﴿ وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ﴾ فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم ﴿ كلوا وارعوا أنعامكم ﴾ ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود.
ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير.
ومنها ما أودع الله فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة.
والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، ومن ههنا اشتهر في الألسنة "من طلب المال بالكيمياء أفلس".
ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ.
ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر.
الثانية في منافع السماء: البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً.
ثم إن الله زين السماء الدنيا بالمصابيح ﴿ ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ﴾ وبالقمر ﴿ وجعل القمر فيهن نوراً ﴾ وبالشمس ﴿ وجعل الشمس سراجاً ﴾ وبالعرش ﴿ رب العرش العظيم ﴾ وبالكرسي ﴿ وسع كرسيه السموات والأرض ﴾ وباللوح ﴿ في لوح محفوظ ﴾ وبالقلم ﴿ ن والقلم ﴾ وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً.
وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة ﴿ ربنا ما خلقت هذا باطلاً ﴾ ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا ﴾ وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا.
فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله يقول: لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه.
أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله سبباً لإقامة الفصول الأربعة.
ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن.
وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد.
وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة.
وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلاً قليلاً للشتاء.
وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة.
يحكى أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال: إن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك، فلا أعلم مزيداً أساله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ثم أنشأ يقول: ماذا أقــول وقولـي فيـك ذو قصـر *** وقد كفيتني التفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعاً فأنت كذا *** أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول: القمر يدرك الهارب، ويهتك العاشق، ويبلي الكتان، ويهرم الشاب، وينسي ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين.
وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات أوضاعها وعلل كل منها، فن برأسه لا يحتمل إيراده ههنا.
قال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه.
فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيآت لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية.
الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض: قال بعضهم: السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم بتلك المعصية أهبط من الجنة وقال الله : لا يسكن في جواري من عصاني.
وقال : ﴿ وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً ﴾ وقال: ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا ﴾ وورد في الأكثر ذكر السماء مقدماً على ذكر الأرض.
والسماويات مؤثرة والأرضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر.
وقال آخرون: بل الأرض أفضل لأنه وصف بقاعاً من الأرض بالبركة ﴿ إن أوّل بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً ﴾ ﴿ في البقعة المباركة ﴾ ﴿ إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ﴾ ﴿ مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها ﴾ يعني أرض الشام.
ووصف جملة الأرض بالبركة ﴿ وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام ﴾ فإن قيل: وأيّ بركة في المفاوز المهلكة؟
قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله ، فلهذه البركات قال : ﴿ وفي الأرض آيات للموقنين ﴾ تشريفاً لهم لأنهم هم المنتفعون بها كما قال: ﴿ هدى للمتقين ﴾ وخلق الأنبياء من الأرض ﴿ منها خلقناكم ﴾ وأودعهم فيها ﴿ وفيها نعيدكم ﴾ وأكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجداً وطهوراً.
ولما خلق الله الأرض وكانت كالصدفة والدرة المودعة فيها آدم وأولاده، ثم علم الله أصناف حاجاتهم قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال: ﴿ أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً ﴾ ﴿ وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ﴾ ياعبدي إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟
ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة؟
فالحاصل أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك نوعاً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك ألواناً من الأطعمة.
ثم قال: ﴿ منها خلقناكم وفيها نعيدكم ﴾ معناه نردكم إلى هذه الأم وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يتوعد بأمه وذلك لأن مقامك من الأم التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم الصغرى تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى؟
ولكن الشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة فضلاً من أن يكون لك كبيرة، بل كنت مطيعاً لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك.
الرابعة: معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرة الله ومشيئته أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب ومواد كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في هذا التدريج والتسبب حكماً يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن بها من يعتبر و "من" في "من الثمرات" للتبعيض.
كما أنه قصد بتنكير "ماء" و "رزقاً" معنى البعضية لأنه مفرد في سياق الإثبات، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهذا معنى صحيح، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات فيكون كل الثمرات بعض الرزق فضلاً عن بعضها.
ويجوز أن تكون للبيان كقولك "أنفقت من الدراهم ألفاً".
ثم إن كانت "من" للتبعيض كان انتصاب "رزقا" بأنه مفعول له، وإن كانت للبيان كان مفعولاً لا "خرج" و "لكم" صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل مصدراً فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقاً إياكم.
وإنما قيل: "الثمرات" على لفظ القلة وإن كان الثمر المخرج بماء السماء جماً كثيراً لأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك "فلان أدركت ثمرة بستانه" تريد ثماره كقولهم للقصيدة "كلمة" وللقرية "مدرة"، أو لأن القلة وضعت موضع الكثرة نحو ﴿ ثلاثة قروء ﴾ أو تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا في جنب ثمار الآخرة.
الخامسة: قوله "فلا تجعلوا" إما أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك، أو بـ "لعل" فتنصب "تجعلوا" بعده مثل ﴿ لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع ﴾ في رواية حفص عن عاصم.
أو "بالذي جعل لكم" إذا رفعته على الابتداء، أي هو الذي نصب لكم هذه الأدلة القاطعة والآيات الناطقة بالوحدانية فلا تتخذوا له شركاء.
والند المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المنادّ من ناددت الرجل خالفته ونافرته، وندّ ندوداً إذا نفر.
ومعنى قول الموحد "ليس لله ند ولا ضد" نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه.
وقوله "وأنتم تعلمون" بترك المفعول معناه وأنتم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال.
وهكذا كانت العرب خصوصاً قطان الحرم من قريش وكنانة، لا يشق غبارهم في الدهاء والفطنة.
والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرافون المميزون، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل.
ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجوب والعلم والقدرة والحكمة، ولكن الثنوية يثبتون إلهين: حكيم يفعل الخير، وسفيه يفعل الشر.
أما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثرة: الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة فإنهم يقولون: إن الله خلق هذه الكواكب وهي المدبرات في هذا العلم، فيجب علينا أن نعبد الكواكب والكواكب تعبد الله .
والفريق الثاني: عبدة المسيح .
والفريق الثالث: عبدة الأوثان.
فنقول: لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح ، وهو إنما جاء بالرد عليهم ﴿ وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً ﴾ ودينهم باقٍ إلى الآن.
والدين الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيمتنع إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك.
و العلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وكذا الملائكة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى إلى الله وملائكته، فعلى هذا السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه.
وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها.
فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها.
ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة.
ولما طالت المدة تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء بالحقيقة عبدة الكواكب.
وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يرتقبون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها.
ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله ، اتخذوا صنماً على صورته وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلاتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن جهال القوم أنه يجب عبادتها.
وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل.
فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة.
فإن قيل: لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟
قلنا: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بهم بلفظ الند، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين.
واعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة، واتخذوها معبودة لهم على حدة.
وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي، وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور مدورات كلها، وكان هيكل زحل مسدساً، وهيكل المشتري مثلثاً، وهيكل المريخ مستطيلاً، وهيكل الشمس مربعاً، وهيكل الزهرة مثلثاً في جوفه مربع، وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمناً.
وزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحيّ لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا: هذه أوثان نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقي، فالتمس منهم أن يأتوا بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل، فصار به إلى مكة ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف.
ومن بيوت الأصنام المشهورة (غمدان) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان.
ومنها (نوبهار) الذي بناه منوجهير الملك على اسم القمر.
ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل (ود) بدومة الجندل لكلب، و (سواع) لبني هذيل، و (يغوث) لمذحج، و (يعوق) لهمدان، و (نسر) بأرض حمير لذي الكلاع، و (اللات) بالطائف لثقيف، و (منات) بيثرب للخزرج، و (العزى) لكنانة بنواحي مكة، و (أساف) و (نائلة) على الصفا والمروة.
وكان قصي جد رسول الله ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله وتعالى، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق قومه وهو الذي يقول: أربــــاً واحـــداً أم ألــف رب *** أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً *** كذلك يفعل الرجل البصير <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ﴾ .
فالخطاب يحتمل الخصوص والعموم.
وقوله: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ : وحدوا ربكم.
جعل العبادة عبارةً عن التوحيد؛ لأَن العبادة التي هي لله لا تكون ولا تخلص له إلا بالتوحيد.
ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أي: أَطيعوا له؛ اجعلوا عبادتكم لله، لا تعبدوا غيره، في كلا التأْويلين يرجع إلى الكفرة.
ويقال: ﴿ ٱعْبُدُواْ ﴾ ؛ أَي: أَطيعوا له.
والعبادة جعل العبد كُلِّيته لله قولاً، وعملاً، وعقداً، وكذلك التوحيد، والإسلام.
والطاعة ترجع إلى الائتمار؛ لأَنه يجوز أن يطاع غير الله، ولا يجوز أَن يعبد غير الله؛ لأن كل من عمل بأَمرِ آخر فقد أطاعه؛ كقوله: ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ ﴾ ولا كل من عمل بأمر آخر فهو عابدٌ له، وبالله نستعين.
ثم بين الذي أَمر بالتوحيد إياه وبالعبادة له خالصاً، فقال: ﴿ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .
والذين تعبدونهم لم يخلقوكم، ولا خلقوا الذين من قبلكم، فكيف تعبدونهم دون الذي خلقكم؟!
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: تتقون المعاصي، والمناهي، والمحارم التي حرم الله عليكم.
فإذا كان هذا هو المراد فذلك راجع إلى المؤمنين.
ويحتمل قوله: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الشرك وعبادة غير الله، فذلك راجع إلى الكفرة.
قال الشيخ: الأَحسن في الأَمر بالتقوى والتوحيد أَن يجعل عامّاً، وفي الخبر عن التقوى خاصّاً.
﴿ لَعَلَّكُمْ ﴾ أي: كي تتقوا.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .
بَيَّنَ اتقاء الذي أَمر بالتوحيد له، وتوجيه العبادة إليه، وإخلاص النية له؛ فقال: الذي فرش لكم الأَرض لتنتفعوا بها، وتقضوا حوائِجكم فيها، من أنواع المنافع عليها، واتخاذ المستقر والمسكن فيها.
﴿ وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ أي: رفع السماء بناء.
والسماء: كل ما علا وارتفع، كما يقال لسقف البيت: سماء؛ لارتفاعه.
وسمى السماء بناء - وإن كان لا يشبه بناء الخلق - حتى يعلم أَن البناء ليس اسم ما يبني الناس خاصة.
ثم بين بقوله: ﴿ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ .
أي: وجهوا العبادة إلى الذي ينزل لكم من السماء ماء عند حوائِجكم، ولا تعبدوا من تعلمون أنه لم يخلقكم، ولا أَنزل لكم من السماء ماء، ولا أخرج لكم من ذلك الماءِ ثمرات تكون رزقاً لكم.
بل هو الله الواحد الذي لا شريك له؛ ولأَنه يخلقكم، ويرزقكم، ويخرج لكم من ذلك الماء المنزل من السماء رزقاً تأْكلونه، وماء عذباً تشربونه.
وفي الآية دلالة أن المقصود في خلق السماءِ والأَرض، وإنزال الماءِ منها، وإخراج هذه الثمرات وأَنواع المنافع - بنو آدم، وهم الممتحنون فيها؛ بدلالة قوله: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً ﴾ وما ذكر من المخرج والمنزل منها، وما ذكر في آية أخرى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ ﴾ ، ومنه: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ ﴾ ، ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ ﴾ مما يكثر من الآيات.
أضاف ذلك كلَّه إلينا، ثم جعل - عز وجل - بلطفه مَنافع السماءِ متصلة بمنافع الأرض على بُعْدِ ما بينهما من المسافة، حتى لا تخرج الأَرض شيئاً إلا بما ينزل من السماء من الماء؛ ليعمل أَن منشىء السماءِ هو منشىء الأَرض؛ لأَنه لو كان منشىء هذا غير منشىء الآخر لكان لا معنى لاتصال منافع هذا بمنافع الآخر على بُعْدِ ما بينهما، ولتوهم كون الاختلاف من أَحدهما للآخر.
فإذا كان كذلك دل على أَن منشئهما واحد، لا شريك له ولا ند.
ثم زعم قوم: أَن الأَشياء كلها حِلٌّ لنا، طلق، غير محظور علينا، حتى يجىء ما يحْظر، فاستدلوا بظاهر هذه الآية بقوله: ﴿ رِزْقاً لَّكُمْ ﴾ ، وبقوله: ﴿ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً ﴾ .
وقال آخرون: لا يدل ذلك على الإباحة؛ وذلك أَن الأَشياء لم تَصِرْ لنا من كل الوجوه، فهو على الحظْر حتى تجيء الإباحة، ولأَن الأَشياء لا تحل إلا بأَسباب تتقدم؛ فظهر الحظْر قبل وجود الأَسباب، فهو على ذلك حتى يجيء ما يُحل ويُبيح.
أَو أَن يقال: خلق هذه الأَشياء لنا محنة امتحنا بها، أَو فتنة فتنا بها؛ كقوله: ﴿ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ فُتنَّا بها؛ وكقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...
﴾ الآية [البقرة: 155]، ولأَن في العقل ما يدفع حمل الأَشياء كلها على الإِباحة، لما في ذلك فساد الخلق، وتفانيهم.
فبين لِكل منه مِلْكاً على حدة بسبب يكتسب به؛ لئلا يحملهم على التفاني والفساد، وبالله نستعين.
وقوله: ﴿ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً ﴾ .
أي: أَعدالاً، وأَشكالاً في العبادة، وكله واحد.
ند الشيء: هو عِدْلُهُ، وشكلُه: هو مثلُه.
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
الأَول: أَن لا نِدَّ، ولا عِدْل، ولا شكل؛ لما أَراكم من إِنشاءِ هذه الأَشياء ولم تروا من ذلك ممن تعبدونه شيئاً.
والثاني: ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ لما أَنشأَ فيكم من الأَشياءِ ما لو تدبرتم وتفكرتم وتأَملتم، علمتم أنه لا نِدَّ له ولا شكل له؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
وقوله عز وجل: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ﴾ .
من القرآن أنه مُخْتَلَق مفترى، وأنه ليس منه؛ كقولهم: ﴿ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ ﴾ ، وقولهم: ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى ﴾ ، و ﴿ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ﴾ .
أي: ائْتوا أَنتم بمثل ما أَتى هو؛ إذ أَنتم وهو سواء في الجوهر والخلقة واللسان، ليس هو أَولى بذلك منكم؛ أَعني: في الاختلاق.
وقوله: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ .
أي: استعينوا بآلهتكم الذين تعبدون من دون الله، حتى تعين لكم على إتيان مثله إن كنتم صادقين في مقالتكم أنه مختلق مفترى.
ويقال: ﴿ وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم ﴾ .
يعني شعراءَكم وخطباءَكم ليعينوكم على إتيان مثله.
ويقال: ادعوا شهداءَكم من التوراة، والإنجيل، والزبور، وسائِر الكتب المنزلة على الرسل السالفة أنه مختلق مفترى.
وقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل أنهم أَقروا على أَثر ذلك بالعجز عن إتيان مثله من غير تكلف ولا اشتغال كان منهم لما دفع عز وجل عن أطماعهم إتيان مثله نظماً، ولا اجتهدوا كل جهدهم، وتكلفوا كل طاقتهم على إطفاءِ النور ليخرج قولهم على الصدق بأَنه مُختلقٌ مفترى، ويظهر كذب الرسول : أَنه كلام رب العالمين.
فدل إقرارهم بالعجز عن إتيان مثله، وترك اشتغالهم بذلك: أَنه كلام رب العاليمن، مُنَزَّل على نبيه ورسوله .
وقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ﴾ .
الوَقود بالنصب هو الحَطب، وبالرفع هو النَّار.
أَخبر عز وجل أن حَطبها الناس كلما احترقوا أُعيدوا وبُدِّلوا؛ كقوله: ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ .
والحجارة فيه وجهان: قيل: هي الكبريت.
وقيل: الحجارة بعينها لصلابتها، وشدتها أشد احتراقاً، وأكثر إحماءً.
وقوله: ﴿ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ ﴾ .
في الآية دلالة أنها لم تعدّ لغير الكافرين.
وهي تنقض على المعتزلة قولهم حيث خلدوا صاحب الكبيرة في النار، ولم يطلقوا له اسم الكفر، وفي زعمهم أَنها أُعدت للكافرين أيضاً، وإن كان تعذيب المؤمن بمعاصيَ يرتكبها، وأَوزار حملها، وفواحش تعاطاها؛ وذلك أَن الله يعذب من يشاء بما شاءَ، وليس إلى الخلق الحكم في ذلك؛ لقوله: ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ .
فإن قالوا: إن أَطفال المشركين في الجنة، والجنة لم تُعدَّ لهم، وإنما أُعدت للمؤمنين، ثم جاز دخول غيرهم فيها وتخليدهم.
وكذلك النَّار وإن كانت معدة للكافرين، جاز لغير الكافر التعذيب والتخليد فيها، كقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...
﴾ الآية [آل عمران: 106] شرط الكفر بعد الإيمان.
ثم من ينشأ على الكفر، والذي كفر بعد الإيمان سواء في التخليد، فكذلك مرتكب الكبيرة، والكافر، سواء في التخليد.
فيقال لهم: إن كل كافر تشهد خلقته على وحدانية ربه؛ فإذا ترك النظر في نفسه، واختار الاعتناد فصار كَكُفْرٍ بعد الإيمان؛ لأَنه لم يكن مؤمناً ثم كفر.
وأَما قولهم في الأَطفال؛ فإنهم إنما خُلِّدوا الجنة جزاء لهم من ربهم، ولله أَن يعطي الجزاءَ من شاءَ بلا فعل، ولا صنع كان منه؛ فضلاً وكرامة، وذلك في العقل جائِز إعطاء الثواب بلا عمل على الإفضال والإكرام.
وأَما التعذيب فإنه غير جائِز في العقل بلا ذنب يرتكبه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ ﴾ .
الآية تنقض قول من جعل جميع الطاعات إيماناً؛ لما أثبت لهم اسم الإيمان، دون الأَعمال الصالحات، غير أَن البشارة لهم، وذهاب الخوف عنهم إنما أُثبت بالأَعمال الصالحات.
ويحتمل: الأَعمال الصالحات: عمل القلب، وهو أن يأْتي بإيمان خالص لله، لا كإيمان المنافق بالقول دون القلب.
وقوله: ﴿ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ .
يعني بساتين.
وقوله: ﴿ مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ قيل فيه بوجوه: قيل: إن البساتين ليست هي اسم الأَرض والبقعة خاصة، ولكن ما يجمع من الأشجار، وما ينبت فيها من أَلوان الغروس المثمرة فعند ذلك يسمى بستاناً.
وقوله: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ ﴾ أي: من تحت أشجارها، وأغراسها الأَنهار.
وقيل: من تحتها: مما يقع البصر عليها، وذلك أَنزه عند الناس، وأَجلى، وأَنبل.
وقيل أَيضاً: من تحتها أَي: من تحت ما علا منها [من القصور والغرف]، لا تحت الأَرض مما يكون في الدنيا في بعض المواضع يكون الماء تحت الأَرض.
دليله [قوله ]: "تحت كل شعرة جنابة" ؛ أي: تحت ما علا، لا تحت الجلد؛ فكذلك الأَول من تحت ما علا منها من القصور، والغرف، والله أعلم.
وقوله: ﴿ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ .
قيل فيه وجوه: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ في الدنيا.
وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ أَي: هذا الذي وعدنا في الدنيا أَنَّ في الجنة هذا.
وقيل: ﴿ رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ﴾ ، في الجنة قبل هذا.
وقوله: ﴿ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في المنظر، مختلفاً في الطعم.
وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الطعم مختلفاً في رأْي العين والأَلوان؛ لأَن من الفواكه ما يستلذ بالنظر إليها دون التناول منها.
وقيل: ﴿ مُتَشَٰبِهاً ﴾ في الحسن والبهاءِ.
وقوله: ﴿ وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من سوءِ الخلق والدناءَة، ليس كنساءِ الدنيا لا يسلمن عن ذلك.
وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ من الأَمراض، والأَسقام، وأَنواع ما يبلى به في الدنيا من الدرن، والوسخ والحيض.
وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ لصفاءِ جوهرها؛ كما يقال: يرى مخَّ ساقيها من كذا وكذا.
وقيل: ﴿ مُّطَهَّرَةٌ ﴾ مختارة مهذبة.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .
أي: يقيمون أَبدا.
فالآية ترد على الجهمية قولهم؛ لأَنهم يقولون بفناءِ الجنة، وفناءِ ما فيها؛ يذهبون إلى أَن الله هو الأَول، والآخر، والباقي، ولو كانت الجنة باقية غير فانية لكان ذلك تشبيهاً.
لكن ذلك وهمٌ عندنا؛ لأَن الله هو الأَول بذاته، والآخر بذاته، والباقي بذاته، والجنةُ وما فيها باقيةٌ بغيرها.
ولو كان فيما ذكر تشبيه لكان في العالم، والسميع، والبصير تشبيه، ولكان في الخلق أيضاً في حال البقاءِ تشبيه، فإذا لم يكن فيما ذكرنا تشبيه لم يكن فيما تقدم تشبيه.
وأيضاً: فإن الله جعل الجنة داراً مطهرة من المعايب كلها؛ لما سماها دار قدس، ودار سلام.
ولو كان آخرها للفناءِ كان فيها أَعظم المعايب؛ إذ المرء لا يهنأُ بعيش إذا نغص عليه بزواله؛ فلو كان آخره بالزوال كان نعمة منغصة على أَهلها؛ فلما نزه عن العيوب كلها - وهذا أَعظم العيوب - لذلك كان التخليد لأَهلها أَولى بها.
<div class="verse-tafsir"
فهو الَّذي جعل لكم الأرض بساطًا ممهدًا، وجعل السماء من فوقها مُحكمة البنيان، وهو المنعم بإنزال المطر، فأنبت به مختلف الثمار من الأرض، لتكون رزقًا، فلا تجعلوا لله شركاء وأمثالا وأنتم تعلمون أنَّه لا خالق إلا الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir" id="91.9g1qw"
في الناس المنادَون هنا وجهان: الوجه الأول - أنهم الذين يقولون: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بؤمنين ذلك الإيمان الذي يملك القلب ويصرف النفس في الأعمال وهو المقبول عند الله تعالى، وإنما هم آخذون بتقاليد ظاهرية ليس لها ذلك الأثر الصالح في أخلاقهم وأعمالهم فهم يخادعون الله تعالى بالتلبس ببعض صور العبادات والأقوال و"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"والكلام على هذا لا يزال في الصنف الرابع من أصناف البشر المخاطبين بالقرآن كما تقدم فلا حاجة إلى بيان وجه الاتصال بين الآيات.
الوجه الثاني-وهو الراجح - أن الخطاب عام للناس كافة، ووجه الاتصال بين الآيات على هذا إنه لما بين تعالى في أصناف الناس هذا الصنف الذي احتقر أفراده نعم الله تعالى عليهم، واستعظموها وأكبروها على من قبلهم، فحرموا أنفسهم من أَجَلَّ المزايا الإنسانية، وأجَلّوا سلفهم حتى رفعوهم إلى مرتبة الربوبية، خاطب الناس عامة بأن يعبدوه ملاحظين معنى الربوبية والخالقية التي تشملهم ومن قبلهم من السلف فتنظمهم جميعًا في سلك العبودية للخالق تعالى شأنه، ولا يكونوا كذلك الصنف الخاسر الكفور بنعم المشاعر والعقل وهداية الدين، إذ لم يستعملوا عقولهم في فهم ما أنزل عليهم، بل اكتفوا بتقليد بعض رؤسائهم وعلمائهم، زاعمين أنه لا يقوى على فهم كتاب الله تعالى غيرهم، كأن الله تعالى أنزل كتبه وخاطب بها نفرًا معدودين في وقت محدود، ولم يجعلها هداية عامة للأمة، وإنما ألزم سائر الناس في سائر الأوقات الاكتفاء باتباع أولئك الرؤساء وأتباعهم وأتباع أتباعهم وهلمجرا ثم تركوا أتباعهم اتكالًا على شفاعتهم واكتفاء بالانتساب إليهم، وزعمًا أن الله أعطاهم ما لا يعطي مثله لأحد سواهم، وإن عملوا مثل عملهم، تعالى الله على الظلم والمحاباة وهو ذو الرحمة التي تنتهي وذو الفضل العظيم.
هذا النداء الإلهي المشعر بأن نسبة الناس الأولين إلى الله تعالى كنسبة الآخرين واحدة: - هو الخالق وهم المخلوقون، وهو المستحق للعبادة وهم المأمورون بها أجمعون،- حجة علينا وعلى جميع من استن بسنة ذلك الصنف من قبلنا ..
وأنا أخص طلاب علوم الدين بالذكر، فينبغي للطالب أن يوجه نفسه إلى فهم القرآن ويحملها على الاهتداء به، فإذا هو فعل ذلك تظهر عليه آداب الإسلام التي أشار إليها الرسول بقوله"أدبني ربي فأحسن تأديبي"وإنما كان أدبه القرآن، ومن اشتغل بهذا حق الاشتغال وصل إلى معرفة أمراض المسلمين الحاضرة، ومنابع البدع التي فشت فيهم، ومثارات الفتن التي فرقتهم، ويعرف علاج ذلك.
وإن من ذاق حلاوة القرآن لا ينظر في كتاب ولا يتلقى علمًا إلا ما يفتح له باب الفهم في القرآن أو ما يفتح له بابه القرآن فيجده مرآته، وما عدا ذلك مبعد عنه، والبعد عن القرآن هو عين البعد عن الله تعالى، وذلك هو الضلال البعيد.
كل ما أمرنا به القرآن وأرشدنا إلى النظر فيه فالاشتغال به اشتغال بالقرآن، فإذا قال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ فذلك تنبيه وإرشاد إلى الاعتبار بما في خلقنا من الحكم والأسرار، وينبغي لنا البحث عنها كما قال في آية أخرى ﴿ وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾ وإلى الاعتبار بتاريخ من قبلنا كما قال في آية أخرى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ ﴾ وأمثال ذلك كثير.
لا يتعظ الإنسان بالقرآن فتطمئن نفسه بوعده وتخشع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهروبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن.
قال الإمام أبو بكر الباقلاني: من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن بدون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل.
فهل يصح لمسلم بلغ ورشد وطلب العلم أن لا يجعل القرآن إمامه ويتخذه نورًا يمشي به في الناس ويهتدي به في ظلمات البدع.
أمامنا عقبتان كؤودان لا نرتقي عما نحن فيه إلا باقتحامهما، وهم الكسل وتسجيل القصور على أنفسنا بجهل قيمة نعم الله تعالى علينا، وصاحب هاتين الخلتين يمقت كل من يرشده إلى الخير ويهديه للحق، لأنه يكلفه ضد طبعه، فلا يرى مهربًا من الاعتراف بضلاله وغيه، إلا بالقدح بمرشده وناصحه.
على كل منا أن ينظر في نفسه وينظر في القرآن العظيم ويزن به ما هو عليه من العقائد والأخلاق والأعمال، فإن رجح به ميزانه فهو مسلم حقيقي فليحمد الله تعالى، وإلا فليسع فيما يكون به الرجحان.
لا بد لنا من النظر الطويل والفكر القويم فيما نحن فيه، فمن لم يتفكر لم يهتد إلى الحق، ومن لم يهتدِ إليه فهو ضال، (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
يقول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ ﴾ الذين يدّعون الإيمان بالله قولًا بأفواههم ولم يمس الإيمان الحق سواد قلوبهم، ولا كان له سلطان على أرواحهم، ويدَّعون الإيمان باليوم الآخر ولم يستعدوا له بتهذيب أنفسهم وإصلاح أعمالهم، وإنما يأتون ببعض صور العبادات بحكم العادات الموروثة، وقلوبهم مشغولة عن الله الذي لا تفيد العبادة عنده إلا بالتوجه إليه وابتغاء مرضاته، والشعور بعظمته وجلاله، فهم يخادعون الله بهذه الظواهر التي لا معنى لها، والصور التي لا روح فيها، وإنما يخدعون في الحقيقة أنفسهم لأن أعمالهم هذه لا تفيدهم في الدنيا عزة وسعادة ولا تنجيهم في الآخرة.
ويا أيها الناس الذين لم يرزؤا بهذا الخذلان، ولم يبتلوا بهذا الافتتان، سواء كانوا من أهل الكفر أو من أهل الإيمان، (اعبدوا ربكم) جميعًا عبادة خشوع وإخلاص وأدب وحضور كأنكم تنظرون إليه وترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم، وينظر دائمًا إلى محل الإخلاص منكم وهو قلوبكم، واستعينوا على إشعار نفوسكم هذا الخشوع والحضور والإخلاص في العبادة باستحضار معنى الربوبية فإنه هو ربكم الذي أنشأكم فيما لا تعلمون ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ وغذاكم بنعمه، ونماكم بكرمه، كما فعل مثل ذلك بسلفكم الصالح فشكروه وعبدوه وحده مقرين بهذه التربية، ومعظمين لهذه المنة، فليدع ذلك الصنف احتقار النعم التي هو فيها والاقتصار على تعظيم نعمة الله على السلف فقط فإن هذا الرب العظيم ﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ وخلق ﴿ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ قد رَبَّاكم كما ربى سلفكم، ووهبكم من الهدايات مثلما وهبهم، فمن شكر منهم ومنكم زاده نعمًا، ومن كفر بهذه النعم جعلها عليه نقمًا، ليكون عبرة ومثلًا للآخرين، وذلك من رحمته بالعالمين، وقد أقسم تعالى على ذلك في كتابه المجيد فقال ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ وفي القصاص حياة لأولي الألباب، وما يتذكر إلا من أناب.
هكذا أمر الله تعالى عباده أجمعين، بأن يعبدوه وحده مخلصين له الدين، وأرشدهم -بإعلامه إياهم أنه ساوى بينهم وبين من قبلهم في المواهب الخلقية- إلى الاستقلال بالعمل، وقدر نعمته عليهم قدرها، ليعلموا أن كل النعم التي تكتسب بالشكر وهي ما عدا النبوة- مقدورة لهم، كما كانت مقدورة لمن قبلهم، وأنهم إذا زادوا على سلفهم شكرًا يزدادون نعمًا، وما الشكر إلا استعمال المواهب والنعم فيما وهبت لأجله، فالذين يقولون إننا لا نقدر على فهم الدين بأنفسنا من الكتاب والسنة لأن عقولنا وأفهامنا ضعيفة، وإنما علينا أن نأخذ بقول من قبلنا من آبائنا، لأن عقولهم كانت أقوى، وكانوا على فهم الدين أقدر، بل لا يمكن أن يفهمه غيرهم، أولئك كافرون بنعمة العقل، وغير مهتدين بهذه الآية الناطقة بالمساواة في المواهب وسعة الرحمن والفضل.
وكذلك الذين يتخذون وسطاء بينهم وبين الله تعالى لأجل التقرب إليه زلفى.
بغير ما شرعه لهم من الدين وما جاء به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام -وهم الوسائل في الهداية والرشاد -أو لأجل الشفاعة لهم عنده لينالوا جزاء ما شرعه من الدين، من غير طريق العمل به واتباع المرسلين- قد احتقروا نعم الله تعالى ولم يهتدوا بهذه الآية لأنهم قد جعلوا لله أندادًا يبغون أن ينالوا بأشخاصهم ماحكم الله بأن يطلبه الناس بإيمانهم وأعمالهم، فجعلوا هؤلاء الأنداد شركاء لله يغنونهم عن شريعته، شعروا بذلك أم لم يشعروا.
يقول تعالى لجميع عباده، ﴿ اعْبُدُونِي ﴾ ، ملاحظين معنى الربوبية، والمساواة في المواهب الخلقية التي تؤهلكم للسعادة الحقيقية ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فإن العبادة على هذا الوجه هي التي تعدكم للتقوى، ويرجى بها بلوغ غاية الكمال القصوى.
..
الشائع أن لعل للترجي في ذاتها وإذا وقعت في كلام الله تعالى يكون معناها التحقيق، وغرض القائلين بهذا تنزيه الله سبحانه عن الترجي بمعناه اللغوي الآتي، ولكنه رمي للكلام بدون بيان، وحقيقته أن لعل للترجي ولكنها تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، فحيث وقعت ﴿ لَعَلَّ ﴾ في القرآن فالمراد بها هذا المعنى الأخير كما فسرناها به آنفًا، وهو يستلزم التحقيق، لأن الإعداد بما تأتي"لعل"بعده أمر محقق لا ريبة فيه، فإن العبادة على الوجه الذي أرشدت إليه الآية من ملاحظة معنى الربوبية الخ ما تقدم شرحه تطبع في النفس ملكة خشية الله وتعظيمه ومراقبته، وتعلي همة العابد وتقوي عزيمته وإرادته، فتزكو نفسه وتنفر من المعاصي والرذائل، وتألف الطاعات والفضائل، وهذه هي التقوى، وإذا قلنا إن الرجاء متعلق بالناس فالإعداد فيه ظاهر ومتحقق، إذ لو لم يخلقهم مستعدين للتقوى لما اتقاه منهم أحد.
ومعنى الترجي في أصل اللغة توقع حصول الشيء القريب بحصول سببه والاستعداد له، سواء كان الاستعداد كسبيًا أو طبيعيًا، فاستعملنا"لعل"المعبرة عن التوقع في سببه وهو الاستعداد أو الإعداد الذي هو جعل المرء مستعدًا، والتعبير عن المسبب بلفظ السبب شائع في استعمال اللغة، وقد عدوا الترجي والتمني من الأخبار وصيغهما صيغ إنشاء فقط.
لما ذكّر الله عباده بنعمة الإيجاد ونعمة المساواة في المواهب التي تقتضي التقوى وعدم إطراء السلف برفعهم إلى مقام الربوبية كما وقع من الذين ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ذكرهم ثانيًا ببعض خصائص الربوبية التي تقتضي الاختصاص بالعبودية، فقال ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ بما مهدها وجعلها صالحة للافتراش والإقامة عليها والارتفاق بها، أي فهو القادر على جلائل الفعال، العظيم الذي يستحق العبادة والإجلال، المنعم بجميع النعم، الجدير بأعلى مراتب الشكر، جعل الأرض بقدرته فراشًا لأجل منفعتكم"والسماء بناء"متماسكًا لكيلا تقع على الأرض فتسحقكم.
السماء مجموع ما فوقنا من العالم، والبناء وضع شيء على شيء بحيث يتكون من ذلك شيء بصورة مخصوصة: وقد كون الله السماء بنظام كنظام البناء، وسوى أجرامها على هذه الصفة المشاهدة وأمسكها بسنة الجاذبية فلا تقع على الأرض، ولا يصطدم بعضها ببعض، إلا إذا جاء يوم الوعيد، وبطل نظام هذا العالم ليعود في خلق جديد، والواجب ملاحظته في هذا المقام هو تصور قدرة الله تعالى وعظمته وسعة فضله ورحمته.
ثم بعد أن امتن بنعمة الإيجاد، ونعمة الفراش والمهاد، ونعمة السماء، التي هي كالبناء، وذكر نعمة الإمداد، الذي تحفظ به هذه الأجساد، وهي مادة الغذاء، التي بها النمو والبقاء، فقال ﴿ وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ والثمرات ما يحصل من النبات نجمًا كان أو شجرًا: يصلح الزارع والغارس الأرض، ويبذر البذر، ويغرس الفسيل ويتعاهد ذلك بالسقي والعذق، فيكون له كسب في رزقه، ولكنه ليس له كسب في إنزال المطر الذي يسقي به، ولا في تغذية النبات بماء المطر أو النهر المجتمع من المطر، وبأجزاء الأرض، وعناصرها الأُخر، ولا في تولد خلاياه التي بها نموه، ولا في إثماره إذا أثمر، وإنما كل ذلك بيد الله القدير - فعلينا أن نتفكر في ذلك لنزداد تعظيمًا له وإجلالًا فلا نعبد معه أحدًا.
وبعد أن عرفنا الله تعالى بأنفسنا، وبنعمته علينا وعلى سلفنا، وبعد أن عرفنا ذاته الكريمة، بآثار رحمته ومنته العظيمة، وصرنا جديرين بأن نعرف أن العبد عبد فلا يعبد، وأن الرب رب فلا يشرك به ولا يجحد، قال تفريعًا وترتيبًا على ما سبق ﴿ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا ﴾ من سلفكم المخلوقين مثلكم، تطلبون منهم ما لا يطلب إلا منه، وهو كل ما تعجزون عنه، ولا يصل كسبكم إليه، لا تفعلوا ذلك فإنهم في الخلق والعبودية مثلكم.
الأنداد جمع ند (بكسر النون) وفسر بالشريك، وهو في اللغة المضارع والكفؤ، يقال فلان ند فلان ومن أنداد فلان أي يضارعه ويماثله ولو في بعض الشؤون.
والأنداد الذين اتخذوا في جانب الله هم الذين خضع الناس لهم وصمدوا إليهم في بعض الحاجات، لمعنى يعتقده فيهم الخاضعون المخاطبون بترك الأنداد أولًا وبالذات، وهم مشركو العرب وأهل الكتاب، فالعرب كانت تسمي ذلك الخضوع والصمد عبادة إذ لم يكن عندهم وحي ينهاهم عن عبادة غير الله فيتحاموا هذا اللفظ"العبادة"ويستبدلوا به لفظ التعظيم أو التوسل مثلًا تأويلًا لظاهر نص التنزيل.
وأما أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أندادًا وأربابًا فكانوا يؤولون فلا يسمون هذا الاتخاذ عبادة ولا أولئك المعظمين آلهة أو أندادًا أو أربابًا.
وفرق بين الاتخاذ بالفعل والتسمية بالقول، والجميع متفقون على أنه لا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله وإنما كانوا يسمون دعاءهم غير الله والتقرب إليه توسلًا واستشفاعًا، ويسمون تشريعهم لهم العبادات وتحليلهم لهم المنكرات، وتحريمهم عليهم بعض الطيبات، فقهًا واستنباطًا من التوراة.
إلا أن من النصارى من لا يتحامون التصريح بعبادة السيدة مريم وبعض القديسين استعمالًا للفظ في مدلوله اللغوي.
وصور العبادة تختلف عند الأمم اختلافًا عظيمًا وأعلاها عند المسلمين الأركان الخمسة والدعاء.
وقالوا كل عمل غير محظور تحسن فيه النية لله تعالى فهو عبادة، كأن المعنى الذي يجعل جميع الأعمال عبادة هو التوجه إلى الله تعالى وحده وابتغاء مرضاته، ولها عند أهل الكتاب صور أخرى، والمؤولون يخصون هذه الصور بالله تعالى وإذا ابتدعوا صورة فيها معنى العبادة يسمونها باسم آخر يستحلونها بل يستحبونها به، ولكنهم لا يخرجون بالتسمية أو التأويل عن حيز من يتخذ من دون الله أندادًا كما ذكر الله عنهم في قوله ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ ولم يكن منهم سوى التوسل بهم والأخذ في الدين بقولهم تقليدًا لهم بدون فهم لما جاء على لسان الوحي كما صح ذلك عن رسول الله ، وقدماء الفرس جعلوا لله ندًا في الخلق والإيجاد فقالوا: إن للخير إلهًا هو الإله الأول، وإن للشر إلهًا يضاده، وليس النهي في الآية عن هذا الند الشريك لأن المخاطبين لا يدينون به كما قلنا وتدل عليه الآيات الكثيرة.
لذلك وصل النهي بقوله ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي والحال أنكم تعلمون أنه لا ند له لأنكم إذا سئلتم مَنْ خلقكم وخلق من قبلكم؟
تقولون الله، وإذا سئلتم من يرزقكم من السموات والأرض ومن يدبر الأمر؟
تقولون الله.
فلماذا تستغيثون إذن بغير الله وتدعون غير الله؟
ومن أين أتيتم بهذه الوسائط التي لا تضر ولا تنفع وادعيتم أنهم شفعاؤكم عند الله؟
ومن أين جاءكم أن التقرب والتوسل إلى الله يكون بغير ما شرعه من الدين حتى قلتم (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله)؟
يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم، وخلق وسطاءكم وشفعاءكم، وأعدكم جميعًا للتقوى، التي تقربكم إليه زلفى، وساوى بينكم أنواع المواهب إلا أنه خص الأنبياء عليهم السلام بالوحي ليعلموكم ما أخطأ نظركم ورأيكم فيه، فعليكم أن تهتدوا بما جاؤوا به فإن صد المرؤوسين عن ترك تقاليدهم واتباع الوحي من غير زيادة فيه ولا نقصان من خَوْفُهم الرؤساء فقد آثروا رؤساءهم على الله وجعلوهم له أندادًا، وإن صد الرؤساءَ عن هذا الاتباع توقعُ زوال المنفعة والجاه لدى المرؤوسين فقد اتخذوهم أندادًا، فالند هو المكافيء والمثل، وأنتم بترككم الحق لخوفهم ورجائهم تفضلونهم على الله تعالى وتجعلونه أقل الأنداد تعظيمًا، ففروا رحمكم الله إلى الله، ولا تخافوا غيره ولا ترجوا سواه، فعار على من يعرف الله، أن يؤثر رضاء أحد على رضاه، لا فرق بين رئيس ومرؤوس، وتابع ومتبوع، بل هذا لا يقع من مؤمن حقيقي لأن الله تعالى يقول ﴿ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"