الآية ٢٢٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٤ من سورة البقرة

وَلَا تَجْعَلُوا۟ ٱللَّهَ عُرْضَةًۭ لِّأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَتُصْلِحُوا۟ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢٢٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 137 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها ، كقوله تعالى : ( ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ) [ النور : 22 ] ، فالاستمرار على اليمين آثم لصاحبها من الخروج منها بالتكفير .

كما قال البخاري : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نحن الآخرون السابقون يوم القيامة " ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه " .

وهكذا رواه مسلم ، عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق ، به .

ورواه أحمد ، عنه ، به .

ثم قال البخاري : حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا يحيى بن صالح ، حدثنا معاوية ، هو ابن سلام ، عن يحيى ، وهو ابن أبي كثير ، عن عكرمة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استلج في أهله بيمين ، فهو أعظم إثما ، ليس تغني الكفارة " .

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم قال : لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير ، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير .

وهكذا قال مسروق ، والشعبي ، وإبراهيم النخعي ، ومجاهد ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، وعكرمة ، ومكحول ، والزهري ، والحسن ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، والسدي .

ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين ، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " وثبت فيهما أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الرحمن بن سمرة : " يا عبد الرحمن بن سمرة ، لا تسأل الإمارة ، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها ، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها ، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " .

وروى مسلم ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا خليفة بن خياط ، حدثني عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فتركها كفارتها " .

ورواه أبو داود من طريق عبيد الله بن الأخنس ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا في معصية الله ، ولا في قطيعة رحم ، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليدعها ، وليأت الذي هو خير ، فإن تركها كفارتها " .

ثم قال أبو داود : والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها : " فليكفر عن يمينه " وهي الصحاح .

وقال ابن جرير : حدثنا علي بن سعيد الكندي ، حدثنا علي بن مسهر ، عن حارثة بن محمد ، عن عمرة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على قطيعة رحم أو معصية ، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه " .

وهذا حديث ضعيف ; لأن حارثة [ هذا ] هو ابن أبي الرجال محمد بن عبد الرحمن ، متروك الحديث ، ضعيف عند الجميع .

ثم روى ابن جرير عن ابن جبير وسعيد بن المسيب ، ومسروق ، والشعبي : أنهم قالوا : لا يمين في معصية ، ولا كفارة عليها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " .

فقال بعضهم: معناه: ولا تجعلوه عِلَّة لأيمانكم، وذلك إذا سئل أحدكم الشيء من الخير والإصلاح بين الناس قال: " عليّ يمين بالله ألا أفعل ذلك " - أو " قد حلفت بالله أن لا أفعله "، فيعتلّ في تركه فعل الخير والإصلاح بين الناس بالحلف بالله.

* ذكر من قال ذلك: &; 4-420 &; 4351 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه: " ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم "، قال: هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح، ثم يعتلّ بيمينه، يقول الله: " أن تبرُّوا وتتقوا " هو خير له من أن يمضي على ما لا يصلح، وإن حلفت كفَّرت عن يمينك وفعلت الذي هو خيرٌ لك.

4352 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مثله = إلا أنه قال: وإن حلفت فكفِّر عن يمينك، وافعل الذي هو خير.

4353 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عمن حدثه، عن ابن عباس في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته ولا يتصدق، أو أن يكون بينه وبين إنسان مغاضبة فيحلف لا يُصلح بينهما ويقول: " قد حلفت ".

قال: يكفّر عن يمينه: " ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم " .

4354 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " ولا تجعلوا الله عُرضةً لأيمانكم أن تبرُّوا وتتقوا "، يقول: لا تعتلُّوا بالله، أن يقول أحدكم إنه تألَّى أن لا يصل رَحمًا، (135) ولا يسعى في صلاح، ولا يتصدَّق من ماله.

مهلا مهلا بارك الله فيكم، فإن هذا القرآن إنما جاء بترك أمر الشيطان، فلا تطيعوه، ولا تُنْفِذوا له أمرًا في شيء من نذروكم ولا أيمانكم.

4355 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن أبي حصين، عن سعيد بن جبير: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: هو الرجل يحلف لا يصلح بين الناس ولا يبر، فإذا قيل له، قال: " قد حلفتُ".

&; 4-421 &; 4356 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، سألت عطاء عن قوله: " ولا تجعلوا الله عرضةً لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قال: الإنسان يحلف أن لا يصنع الخير، الأمرَ الحسن، يقول: " حلفت "!

قال الله: افعل الذي هو خيرٌ وكفِّر عن يمينك، ولا تجعل الله عرضةً.

4357 - حدثت عن الحسين قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك، يقول في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " الآية: هو الرجل يحرّم ما أحل الله له على نفسه، فيقول: " قد حلفت!

فلا يصلح إلا أن أبرَّ يميني"، فأمرهم الله أن يكفّروا أيمانهم ويأتوا الحلال.

(136) 4358 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، أما " عُرضة "، فيعرض بينك وبين الرجل الأمرُ، فتحلف بالله لا تكلمه ولا تصله.

وأما " تبرُّوا "، فالرجل يحلف لا يبرُّ ذا رحمه فيقول: " قد حلفت!" ، فأمر الله أن لا يعرض بيمينه بينه وبين ذي رحمه، وليبَرَّه، ولا يبالي بيمينه.

وأما " تصلحوا "، فالرجل يصلح بين الاثنين فيعصيانه، فيحلف أن لا يصلح بينهما، فينبغي له أن يصلح ولا يبالي بيمينه.

وهذا قبل أن تنـزل الكفَّارات.

(137) 4359 - حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين، فلا يمنعه يمينُه.

* * * &; 4-422 &; وقال آخرون: معنى ذلك: ولا تعترضوا بالحلف بالله في كلامكم فيما بينكم، فتجعلوا ذلك حجة لأنفسكم في ترك فعل الخير.

* ذكر من مال ذلك: 4360 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، يقول: لا تجعلني عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفِّر عن يمينك واصنع الخير.

4361 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا " .

4362 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: هو الرجل يحلف أن لا يبرّ قرابته، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين.

يقول: فليفعل، وليكفِّر عن يمينه.

4363 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد، عن إبراهيم النخعي في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قال: لا تحلف أن لا تتقي الله، ولا تحلف أن لا تبرَّ ولا تعمل خيرًا، ولا تحلف أن لا تصل، ولا تحلف أن لا تصلح بين الناس، ولا تحلف أن تقتل وتقطَع.

4364 - حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم، عن داود، عن سعيد بن جبير = ومغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله &; 4-423 &; عرضة " الآية، قالا هو الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يتقي، ولا يصلح بين الناس.

وأمِر أن يتقي الله، ويصلحَ بين الناس، ويكفّر عن يمينه.

4365 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل = عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، فأمروا بالصلة والمعروف والإصلاح بين الناس.

فإن حلف حالف أن لا يفعل ذلك فليفعله، وليدع يمينه.

(138) 4366 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " الآية، قال: ذلك في الرجل يحلف أن لا يبر، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس.

فأمره الله أن يدع يمينه، ويصل رحمه، ويأمر بالمعروف، ويصلح بين الناس.

4367 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا محمد بن حرب قال، حدثنا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، عن عائشة في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس "، قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم.

4368 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج عن ابن جريج قال: حُدثت أن قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، الآية، نـزلت في أبي بكر، في شأن مِسْطَح.

4369 - حدثنا هناد قال، حدثنا ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " الآية، قال: يحلف الرجل أن لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يصل رحمه.

&; 4-424 &; 4370 - حدثني المثنى، حدثنا سويد، أخبرنا ابن المبارك، عن هشيم، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: يحلف أن لا يتقي الله، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين.

فلا يمنعه يمينه.

(139) 4371 - حدثني ابن عبد الرحيم البرقي قال، حدثنا عمرو بن أبى سلمة، عن سعيد، عن مكحول أنه قال في قول الله تعالى ذكره: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "، قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يصنع خيرًا، ولا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس.

نهاهم الله عن ذلك.

* * * قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالآية، تأويلُ من قال: معنى ذلك : " لا تجعلوا الحلف بالله حجة لكم في ترك فعل الخير فيما بينكم وبينَ الله وبين الناس ".

* * * وذلك أن " العُرْضة "، في كلام العرب، القوة والشدة.

يقال منه: " هذا الأمر عُرْضة لك " (140) يعني بذلك: قوة لك على أسبابك، ويقال: " فلانة عُرْضة للنكاح "، أي قوة، (141) ومنه قول كعب بن زهير في صفة نوق: مِـنْ كُـلِّ نَضَّاحةِ الذِّفْرَى إذَا عَرِقَتْ, عُرْضَتُهَـا طَـامِسُ الأَعْـلامِ مَجْهُولُ (142) يعني بـ " عرضتها ": قوتها وشدتها.

* * * &; 4-425 &; فمعنى قوله تعالى ذكره: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم " إذًا: لا تجعلوا الله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا ولا تتقوا ولا تصلحوا بين الناس.

ولكن إذا حلف أحدكم فرأى الذي هو خير مما حلف عليه من ترك البر والإصلاح بين الناس، فليحنث في يمينه، وليبرَّ، وليتق الله، وليصلح بين الناس، وليكفّر عن يمينه.

* * * وترك ذكر " لا " من الكلام، لدلالة الكلام عليها، واكتفاءً بما ذُكر عما تُرِك، كما قال أمرؤ القيس: فَقُلْــتُ يَمِيــنَ اللـهِ أَبْـرَحُ قَـاعِدًا وَلَـوْ قَطَّعُـوا رَأْسِـي لَدَيكَ وَأَوْصَالِي (143) بمعنى: فقلت: يمين الله لا أبرح، فحذف " لا " ، اكتفاء بدلالة الكلام عليها.

* * * وأما قوله: " أن تبروا "، فإنه اختلف في تأويل " البر "، الذي عناه الله تعالى ذكره.

فقال بعضهم: هو فعل الخير كله.

وقال آخرون: هو البر بذي رحمه، وقد ذكرت قائلي ذلك فيما مضى.

(144) * * * وأولى ذلك بالصواب قول من قال: " عني به فعل الخير كله ".

وذلك أن أفعال الخير كلها من " البر "، ولم يخصص الله في قوله: " أن تبرُّوا " معنى دون معنى من معاني" البر "، فهو على عمومه، والبر بذوي القرابة أحد معاني" البر ".

* * * وأما قوله: " وتتقوا "، فإن معناه: أن تتقوا ربكم فتحذروه وتحذروا عقابه في &; 4-426 &; فرائضه وحدوده أن تضيعوها أو تتعدَّوْها.

وقد ذكرنا تأويل من تأوَّل ذلك أنه بمعنى " التقوى " قبل.

(145) * * * وقال آخرون في تأويله بما:- 4372 - حدثني به محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: " أن تبروا وتتقوا " قال: كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عز وجل عن ذلك فقال: " ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس " الآية.

قال: ويقال: لا يتق بعضكم بعضًا بي، تحلفون بي وأنتم كاذبون، ليصدقكم الناس وتصلحون بينهم، فذلك قوله: " أن تبروا وتتقوا "، الآية.

(146) * * * وأما قوله: " وتصلحوا بين الناس "، فهو الإصلاح بينهم بالمعروف فيما لا مَأثَم فيه، وفيما يحبه الله دون ما يكرهه.

* * * وأما الذي ذكرنا عن السدي: من أنّ هذه الآية نـزلت قبل نـزول كفارات الأيمان، (147) فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة.

والخبر عما كان، لا تدرك صحته إلا بخبر صادق، وإلا كان دعوى لا يتعذر مِثلها وخلافها على أحد.

(148) وغير محال أن تكون هذه الآية نـزلت بعد بيان كفارات الأيمان في" سوره المائدة "، واكتفى بذكرها هناك عن إعادتها ههنا، إذ كان المخاطبون بهذه الآية قد علموا الواجبَ من الكفارات في الأيمان التي يحنث فيها الحالف.

* * * &; 4-427 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك: " والله سميع " لما يقوله الحالفُ منكم بالله إذا حلف فقال: " والله لا أبر ولا أتقي ولا أصلح بين الناس "، ولغير ذلك من قيلكم وأيمانكم =" عليم " بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك، ألخير تريدون أم غيره؟

لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى عليّ خافية، ولا ينكتم عني أمر عَلَن فطهر، أو خَفي فبَطَن.

وهذا من الله تعالى ذكره تهدُّد ووعيدٌ.

يقول تعالى ذكره: واتقون أيها الناس أن تظهروا بألسنتكم من القول، أو بأبدانكم من الفعل، ما نهيتكم عنه - أو تضمروا في أنفسكم وتعزموا بقلوبكم من الإرادات والنيات بفعل ما زجرتكم عنه، فتستحقوا بذلك مني العقوبة التي قد عرَّفتكموها، فإنّي مطَّلع على جميع ما تعلنونه أو تُسرُّونه.

* * * ------------------------------ الهوامش: (135) تألى الرجل : أقسم بالله ، ومثله"آل" .

(136) الأثر : 4357- في المطبوعة : "حدثت عن عمار بن الحسن ، قال سمعت أبا معاذ" وهو خطأ صرف والصواب من المخطوطة ، وهو مع ذلك إسناد دائر في التفسير أقربه رقم : 4324 .

و"الحسين" هو"الحسين بن الفرج" .

(137) انظر كلام أبي جعفر في هذا الأثر فيما بعد ص : 426 .

(138) الأثر : 4365- هو في المخطوطة إسناد واحد جاء هكذا : "حدثني محمد بن عمرو قال حدثنا أبو عاصم قال حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح .

.

.

" والذي في المطبوعة هو الصحيح ، وهما إسنادان دائران في التفسير .

الأول منهما أقربه رقم : 4132 والثاني منهما أقربه رقم : 3872 (139) الأثر : 4370- هذا الأثر ليس في المخطوطة في هذا المكان ، وهو الصواب .

وهو مكرر الذي مضى برقم : 4359- وفي المطبوعة هنا"فلا ينفعه يمينه" وهو خطأ ظاهر .

وكأن أولى أن يحذف ولكني أبقيته للدلالة على اختلاف النسخ .

(140) في المخطوطة والمطبوعة : "عرضة له" وأثبت ما هو أولى بالصواب .

(141) أخشى أن يكون الصواب الجيد : "أي قرية" .

(142) ديوانه : 9 ، وسيأتي في التفسير 5 : 79/11 : 108/27 : 62 (بولاق) من قصيدته المشهورة .

نضح الرجل بالعرق نضحا ، فض به حتى سال سيلانًا .

ونضاحة : شديدة النضح .

والذفرى : الموضع الذي يعرق من البعير خلف الأذن ، وهو من الناس والحيوان جميعا : العظم الشاخص خلف الأذن .

وسيلان عرقها هناك ، ممدوح في الإبل .

والطامس : الدارس الذي أمحى أثره .

والأعلام : أعلام الطريق ، تبنى في جادة الطريق ليستدل بها عليه إذا ضل الضال .

وأرض مجهولة : إذا كان لا أعلام فيها ولا جبال ، فلا يهتدي فيها السائر .

يقول : إذا نزلت هذه المجاهل ، عرفت حينئذ قوتها وشدتها وصبرها على العطش والسير في الفلوات .

(143) ديوانه : 141 وسيأتي في التفسير 13 : 28 (بولاق) وهو من قصيدته التي لا تبارى وهي مشهورة وما قبل البيت وما بعده مشهور .

(144) انظر ما سلف في معاني"البر" 2 : 8/ ثم 3 : 336- 338 ، 556 .

(145) انظر الآثار رقم : 4361 ، 4363 ، 4364 .

(146) الأثر : 4372- هو الأثر السالف رقم : 4361 وتتمته .

(147) يعني الأثر السالف رقم : 4358 .

(148) في المخطوطة"لا يبعد مثلها .

.

.

" غير منقوطة كأنها"لا سعد" ، والذي في المطبوعة أجود .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم[ ص: 92 ] فيه أربع مسائل : الأولى : قال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا ، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم .

قال سعيد بن جبير : ( هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس ، فيقال له : بر ، فيقول : قد حلفت ) .

وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح ، فلا يحتاج إلى تقدير " لا " بعد " أن " .

وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ، ولهذا قال تعالى : واحفظوا أيمانكم .

وذم من كثر اليمين فقال تعالى : ولا تطع كل حلاف مهين .

والعرب تمتدح بقلة الأيمان ، حتى قال قائلهم :قليل الألايا حافظ ليمينه وإن صدرت منه الألية برتوعلى هذا أن تبروا معناه : أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى ، فإن الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى ، وهذا تأويل حسن .

مالك بن أنس : بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء .

وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل : وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : علي يمين ، وهو لم يحلف القتبي : المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا ، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين .

قلت : وهذا حسن لما بيناه ، وهو الذي يدل على سبب النزول ، على ما نبينه في المسألة بعد هذا .الثانية : قيل : نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضي الله عنها ، كما في حديث الإفك ، وسيأتي بيانه في " النور " ، عن ابن جريج .

وقيل : نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف .

وقيل نزلت في عبد الله بن رواحة [ ص: 93 ] حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته ، والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : عرضة لأيمانكم أي نصبا ، عن الجوهري .

وفلان عرضة ذاك ، أي عرضة لذلك ، أي مقرن له قوي عليه .

والعرضة : الهمة .

قال ( حسان بن ثابت ) :وقال الله قد أعددت جندا هم الأنصار عرضتها اللقاءوفلان عرضة للناس : لا يزالون يقعون فيه .

وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له ، وقيل : العرضة من الشدة والقوة ، ومنه قولهم للمرأة : عرضة للنكاح ، إذا صلحت له وقويت عليه ، ولفلان عرضة : أي قوة على السفر والحرب ، قال كعب بن زهير :من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت عرضتها طامس الأعلام مجهولوقال عبد الله بن الزبير :فهذي لأيام الحروب وهذي للهوي وهذي عرضة لارتحالناأي عدة .

وقال آخر :فلا تجعلني عرضة للوائموقال أوس بن حجر :وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها لرحلي وفيها هزة وتقاذفوالمعنى : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم ، وعدة في الامتناع من البر .الرابعة : قوله تعالى : أن تبروا وتتقوا مبتدأ وخبره محذوف ، أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل ، مثل طاعة وقول معروف عن الزجاج والنحاس .

وقيل : محله النصب ، أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح ، عن الزجاج أيضا .

وقيل : مفعول من أجله .

وقيل : معناه ألا تبروا ، فحذف " لا " ، كقوله تعالى : يبين الله لكم أن تضلوا ؛ أي لئلا تضلوا ، قاله الطبري والنحاس .

ووجه رابع من وجوه النصب : كراهة أن تبروا ، ثم حذفت ، ذكره النحاس والمهدوي .

وقيل : هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي ، التقدير : في أن تبروا ، فأضمرت " في " وخفضت بها .

و سميع أي لأقوال العباد .

عليم بنياتهم .[ ص: 94 ]

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

المقصود من اليمين، والقسم تعظيم المقسم به, وتأكيد المقسم عليه، وكان الله تعالى قد أمر بحفظ الأيمان, وكان مقتضى ذلك حفظها في كل شيء، ولكن الله تعالى استثنى من ذلك إذا كان البر باليمين, يتضمن ترك ما هو أحب إليه، فنهى عباده أن يجعلوا أيمانهم عرضة, أي: مانعة وحائلة عن أن يبروا: أن يفعلوا خيرا, أو يتقوا شرا, أو يصلحوا بين الناس، فمن حلف على ترك واجب وجب حنثه, وحرم إقامته على يمينه، ومن حلف على ترك مستحب, استحب له الحنث، ومن حلف على فعل محرم, وجب الحنث, أو على فعل مكروه استحب الحنث، وأما المباح فينبغي فيه حفظ اليمين عن الحنث.

ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة, أنه " إذا تزاحمت المصالح, قدم أهمها " فهنا تتميم اليمين مصلحة, وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء, مصلحة أكبر من ذلك, فقدمت لذلك.

ثم ختم الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } أي: لجميع الأصوات { عَلِيمٌ } بالمقاصد والنيات, ومنه سماعه لأقوال الحالفين, وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر، وفي ضمن ذلك التحذير من مجازاته, وأن أعمالكم ونياتكم, قد استقر علمها عنده

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ) نزلت في عبد الله بن رواحة كان بينه وبين ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه وإذا قيل له فيه قال : قد حلفت بالله أن لا أفعل فلا يحل لي إلا أن تبر بيميني فأنزل الله هذه الآية .

وقال ابن جريج : نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث الإفك ، والعرضة : أصلها الشدة والقوة ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر عرضة لقوتها عليه ثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له حتى قالوا للمرأة هي عرضة النكاح إذا صلحت له والعرضة كل ما يعترض فيمنع عن الشيء ومعنى الآية ) ( لا تجعلوا ) الحلف بالله سببا مانعا لكم من البر والتقوى يدعى أحدكم إلى صلة رحم أو بر فيقول حلفت بالله أن لا أفعله فيعتل بيمينه في ترك البر ) ( أن تبروا ) معناه أن لا تبروا كقوله تعالى " يبين الله لكم أن تضلوا " ( 176 - النساء ) أي لئلا تضلوا ( وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم ) أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من حلف بيمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولا تجعلوا الله» أي الحلف به «عرضة» علة مانعة «لأيمانكم» أي نصيبا لها بأن تكثروا الحلف به «أن» لا «تبروا وتتقوا» فتكره اليمين على ذلك ويسن فيه الحنث ويكفِّر بخلافها على فعل.

البر ونحوه فهي طاعة «وتصلحوا بين الناس» المعنى لا تمتنعوا من فعل ما ذكر من البر ونحوه إذا حلفتم عليه بل ائتوه وكفِّروا لأن سبب نزولها الامتناع من ذلك «والله سميع» لأقوالكم «عليم» بأحوالكم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولا تجعلوا -أيها المسلمون- حلفكم بالله مانعًا لكم من البر وصلة الرحم والتقوى والإصلاح بين الناس: بأن تُدْعَوا إلى فعل شيء منها، فتحتجوا بأنكم أقسمتم بالله ألا تفعلوه، بل على الحالف أن يعدل عن حلفه، ويفعل أعمال البر، ويكفر عن يمينه، ولا يعتاد ذلك.

والله سميع لأقوالكم، عليم بجميع أحوالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بينت لنا السورة الكريمة حكم المباشرة في فترة الحيض تابعت حديثها عن شئون الأسرة فذكرت حكم الإِيلاء أي الحلف بالامتناع عن المباشرة بعد أن قدمت له بالحديث عن الحلف في ذاته .

استمع إلى سورة الكريمة وهي تحكي ذلك فتقول :( وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ .

.

.

)العرضة : فعله - بضم الفاء - بمعنى مفعول كالقبضة والغرقة ، وهي اسم لكل ما يعترض الشيء فيمنع من الوصول إليه ، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعاً للناس من السلوك والمرور يقال فلان عرضة دون الخير أي حاجز عنه .وتطلق كذلك على النصبة التي تتعرض للسهام وتكون هدفاً لها ، ومنه قولهم : فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه .

قال الشاعر :دعوني أنح وجداً كنوح الحمائم ...

ولا تجعلوني عرضة للوائميريد اتركوني أنح من الشوق ولا تجعلوني معرضاً للوم الوائم .والأيمان : جمع يمين وتطلق بمعنى الحلف والقسم ، واصل ذلك أن العرب كانوا إذا أرادوا توثيق عهودهم بالقسم يقسمونه وضع كل واحد من المتعاهدين يمينه في يمين صاحبه ، و " تبروا " من البر وهو الأمر المستحسن شرعا .والمعنى على الوجه الأول : لا تجعلوا الحلف بالله - أيها المؤمنون - حاجزاً ومانعاً عن البر والتقوى والإِصلاح بين الناس ، وذلك أن بعض الناس كان إذا دعى إلى فعل الخير وهو لا يريد أن يفعله يقول : حلفت بالله ألا أفعله فنهاهم الله - تعالى - عن سلوك هذا الطريق .وهذا المعنى هو الذي رجحه كثير من المفسرين لأنه هو المناسب لما يجئ بعد ذلك من قوله - تعالى - : ( لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) ووجه المناسبة أن الله - تعالى - يكره للمؤمن أن يجعل الحلف به مانعاً من رجوعه إلى أهله؛ ولأن هناك أحاديث كثيرة تحض من حلف على ترك أمر من أمور الخير أن يكفر عن يمينه وأن يأتي الأمر الذي فيه خير ، ومن هذه الأحاديث ما جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إني والله إن شاء الله ، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحلللتها " .وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى عليه وسلم : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير " .وشبيه بهذه الآية في النهي عن الحلف على ترك فعل الخير قوله - تعالى - في شأن سيدنا أبي بكر عندما أقسم ألا ينفق على قريبه الذي خاض في شأن ابنته عائشة ( وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ) فالآية على هذا الوجه تنهى المؤمن عن المحافظة على اليمين إذا كانت هذه اليمين ما نعة من فعل الخير .واللام في قوله : ( لأَيْمَانِكُمْ ) متعلق بعرضة ، وقوله ( أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ ) مفعول لأجله أي : لا تجعلوا الحلف بالله سبباً في الامتناع عن عمل البر والتقوى والإِصلاح بين الناس .والمعنى على أن عرضة بمعنى النصبة التي تتعرض للسهام : لا تجعلوا - أيها المؤمنون - اسم الله - تعالى - هدفاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به في كل حق وباطل ، وذلك لأجل البر والتقوى والإِصلاح بين الناس ، فإن من شأن الذي يكثر الحلف أن تقل ثقة الناس به وبأيمانه ، وقد ذم الله - تعالى - من يكثر الحلف بقوله ( وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ) وأمر بحفظ الأيمان فقال : ( واحفظوا أَيْمَانَكُمْ ) قال الإِمام الرازي : والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان ، أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ، ولا يبقى لليمين في قلبه وقع ، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة ، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين ، وأيضاً كلما كان الإِنسان أكثر تعظيما لله .

كان أكمل في العبودية ، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله - تعالى - أجل وأعلاه عنده من أن يستشهد به في غرض دنيوي ، وأما قوله بعد ذلك ( أَن تَبَرُّواْ ) فهو علة لهذا النهي .

أي : إرادة أن تبروا والمعنى إنما نهيتم عن هذا - أي عن الإِكثار من الحلف - لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإِصلاح ، فتكونون يا معشر المؤمنين بسبب عدم إكثاركم من الأيمان - بررة أتقياء مصلحين " .وهذا الوجه أيضاً استحسنه كثير من العلماء ، ولا تنافى بينهما؛ لأن الله - تعالى - ينهانا عن أن نجعل القسم به مانعاً من فعل الخير ، كما ينهانا في الوقت نفسه عن أن نكثر من الحلف به في عظيم الأمور وحقيرها .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي : سميع لأقوالكم وأيمانكم عند النطق بها عليم بأحوالكم ونياتكم فحافظوا على أمركم به ، وانتهوا عما نهاكم لتنالوا رضاه ومثوبته .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم التاسع: في الأيمان: والمفسرون أكثروا من الكلام في هذه الآية، وأجود ما ذكروه وجهان الأول: وهو الذي ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو الأحسن أن قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم ﴾ نهى عن الجراءة على الله بكثرة الحلف به، لأن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة له يقول الرجل: قد جعلتني عرضة للومك، وقال الشاعر: ولا تجعلني عرضة للوائم *** وقد ذم الله تعالى من أكثر الحلف بقوله: ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ واحفظوا أيمانكم  ﴾ والعرب كانوا يمدحون الإنسان بالإقلال من الحلف، كما قال كثير: قليل الألا يا حافظ ليمينه *** وإن سبقت منه الألية برت والحكمة في الأمر بتقليل الأيمان أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك ولا يبقى لليمين في قلبه وقع، فلا يؤمن إقدامه على اليمين الكاذبة، فيختل ما هو الغرض الأصلي في اليمين، وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله تعالى كان أكمل في العبودية ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله تعالى أجل وأعلى عنده من أن يستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وأما قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ أَن تَبَرُّواْ ﴾ فهو علة لهذا النهي، فقوله: ﴿ أَن تَبَرُّواْ ﴾ أي إرادة أن تبروا، والمعنى: إنما نهيتكم عن هذا لما أن توقى ذلك من البر والتقوى والإصلاح، فتكونون يا معشر المؤمنين بررة أتقياء مصلحين في الأرض غير مفسدين.

فإن قيل: وكيف يلزم من ترك الحلف حصول البر والتقوى والإصلاح بين الناس؟.

قلنا: لأن من ترك الحلف لاعتقاده أن الله تعالى أجل وأعظم أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا وخسائس مطالب الحفل، فلا شك أن هذا من أعظم أبواب البر وأما معنى التقوى فظاهر أنه اتقى أن يصدر منه ما يخل بتعظيم الله، وأما الإصلاح بين الناس فمتى اعتقدوا في صدق لهجته، وبعده عن الأغراض الفاسدة فيقبلون قوله فيحصل الصلح بتوسطه.

التأويل الثاني: قالوا: العرضة عبارة عن المانع، والدليل على صحة هذه اللغة أنه يقال: أردت أفعل كذا فعرض لي أمر كذا، واعترض أي تحامى ذلك فمنعني منه، واشتقاقها من الشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانعاً للناس من السلوك والمرور ويقال: اعترض فلان على كلام فلان، وجعل كلامه معارضاً لكلام آخر، أي ذكر ما يمنعه من تثبيت كلامه، إذا عرفت أصل الاستقاق فالعرضة فعلة بمعنى المفعول، كالقبضة، والغرفة، فيكون اسماً لما يجعل معرضاً دون الشيء، ومانعاً منه، فثبت أن العرضة عبارة عن المانع، وأما اللام في قوله: ﴿ لأيمانكم ﴾ فهو للتعليل.

إذا عرفت هذا فنقول: تقدير الآية: ولا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب أيمانكم من أن تبروا أو في أن تبروا، فأسقط حرف الجر لعدم الحاجة إليه بسبب ظهوره، قالوا: وسبب نزول الآية أن الرجل كان يحلف على ترك الخيرات من صلة الرحم، أو إصلاح ذات البين، أو إحسان إلى أحد أدعيائه ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: لا تجعلوا ذكر الله مانعاً بسبب هذه الأيمان عن فعل البر والتقوى هذا أجود ما ذكره المفسرون وقد طولوا في كلمات أخر، ولكن لا فائدة فيها فتركناها، ثم قال في آخر الآية: ﴿ والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: إن حلفتم يسمع، وإن تركتم الحلف تعظيماً لله وإجلالاً له من أن يستشهد باسمه الكريم في الأغراض العاجلة فهو عليم عالم بما في قلوبكم ونيتكم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

العرضة: فعلة بمعنى مفعول، كالقبضة والغرفة، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه.

تقول: فلان عرضة دون الخير.

والعرضة أيضاً: المعرض للأمر.

قال: فَلاَ تجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ومعنى الآية على الأولى: أنّ الرجل كان يحلف على بعض الخيرات، من صلة رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد، أو عبادة، ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني، فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه، فقيل لهم: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» أي على شيء مما يحلف عليه.

وقوله: ﴿ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ ﴾ عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس.

فإن قلت: بم تعلقت اللام في لأيمانكم؟

قلت: بالفعل، أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحجازاً.

ويجوز أن يتعلق ب ﴿ عُرْضَةً ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض، بمعنى لا تجعلوه شيئاً يعترض البر، من اعترضني كذا.

ويجوز أن يكون اللام للتعليل، ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة، أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا.

ومعناها على الأخرى: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ [القلم: 10] بأشنع المذامّ وجعل الحلاف مقدّمتها.

وأن (تبروا) علة للنهي، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

اللغو: الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره.

ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل (لغو) واللغو من اليمين: الساقط الذي لا يعتدّ به في الأَيمان، وهو الذي لا عقد معه.

والدليل عليه ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ [المائدة: 89] ، ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ واختلف الفقهاء فيه، فعند أبي حنيفة وأصحابه هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه.

وعند الشافعي: هو قول العرب: لا والله، وبلى والله، بما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة.

وفيه معنيان: أحدهما ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ﴾ أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، أي اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس.

والثاني: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ﴾ أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم، أي بما نوت قلوبكم وقصدت من الإيمان، ولم يكن كسب اللسان وحده ﴿ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ ﴾ نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَمّا حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ لِافْتِرائِهِ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها، أوْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ حَلَفَ أنْ لا يُكَلِّمَ خَتْنَهُ بَشِيرَ بْنَ النُّعْمانِ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أُخْتِهِ.

والعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالقَبْضَةِ تُطْلَقُ لِما يُعْرَضُ دُونَ الشَّيْءِ ولِلْمُعَرَّضِ لِلْأمْرِ، ومَعْنى الآيَةِ عَلى الأوَّلِ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالإيمانِ الأُمُورَ المَحْلُوفَ عَلَيْها، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِابْنِ سَمُرَةَ «إذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها، فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» .

وأنْ مَعَ صِلَتِها عَطْفُ بَيانٍ لَها، واللّامُ صِلَةُ ﴿ عُرْضَةً ﴾ لِما فِيها مِن مَعْنى الِاعْتِراضِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ويَتَعَلَّقُ أنْ بِالفِعْلِ أوْ بِعُرْضَةٍ أيْ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأنْ تَبَرُّوا لِأجْلِ أيْمانِكم بِهِ، وعَلى الثّانِي ولا تَجْعَلُوهُ مُعَرَّضًا لِأيْمانِكم فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ، ولِذَلِكَ ذَمَّ الحَلّافَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ ﴾ و ﴿ أنْ تَبَرُّوا ﴾ عِلَّةٌ لِلنَّهْيِ أيْ أنْهاكم عَنْهُ إرادَةَ بِرِّكم وتَقْواكم وإصْلاحِكم بَيْنَ النّاسِ، فَإنَّ الحَلّافَ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، والمُجْتَرِئُ عَلَيْهِ لا يَكُونُ بَرًّا مُتَّقِيًا ولا مَوْثُوقًا بِهِ في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِأيْمانِكم.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِنِيّاتِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم} العرضة فعلة بمعنى مفعول كالقبضة وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيتعرض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه تقول فلان عرضة دون الخير وكان الرجل يحلف على بعض الخيرات من صلة رحم أو إصلاح ذات بين أو إحسان إلى أحد أو عبادة ثم يقول أخاف الله أن أحنث في يميني فيترك البرّ إرادة البر في يمينه فقيل لهم ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم

أي حاجزاً لما حلفتم عليه وسمي المحلوف عليه يميناً بتلبسه باليمين كقوله عليه السلام من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وقوله {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس} عطف بيان لأيمانكم أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس واللام تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا {والله سميعٌ} لأيمانكم {عليمٌ} بنياتكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ”أنَّها نَزَلَتْ في الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - لَمّا حَلَفَ أنْ لا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ ابْنِ خالَتِهِ، وكانَ مِنَ الفُقَراءِ المُهاجِرِينَ، لِما وقَعَ في إفْكِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -“، وقالَ الكَلْبِيُّ: ”نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ حِينَ حَلَفَ عَلى خَتْنِهِ بَشِيرِ بْنِ النُّعْمانِ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ أبَدًا ولا يُكَلِّمَهُ ولا يُصْلِحَ بَيْنَهُ وبَيْنَ امْرَأتِهِ، بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ طَلَّقَها وأرادَ الرُّجُوعَ إلَيْها والصُّلْحَ مَعَها، والعُرْضَةُ فُعْلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالقَبْضَةِ والغُرْفَةِ، وهي هُنا مَن عَرَضَ الشَّيْءَ مِن بابِ نَصَرَ أوْ ضَرَبَ، جَعَلَهُ مُعْتَرِضًا أوْ مِن عَرَضَهُ لِلْبَيْعِ عَرْضًا مِن بابِ ضَرَبَ إذا قَدَّمَهُ لِذَلِكَ، ونَصَبَهُ لَهُ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ حاجِزًا لِما حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ وتَرَكْتُوهُ مَن أنْواعِ الخَيْرِ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالأيْمانِ الأُمُورَ المَحْلُوفِ عَلَيْها، وعَبَّرَ عَنْها بِالأيْمانِ لِتَعَلُّقِها بِها، أوْ لِأنَّ اليَمِينَ بِمَعْنى الحَلِفِ، تَقُولُ: حَلَفْتُ يَمِينًا كَما تَقُولُ حَلَفْتُ حَلِفًا، فَسُمِّيَ المَفْعُولُ بِالمَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ: «“مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَرَأى غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ولْيَفْعَلِ الَّذِي هو خَيْرٌ"،» وقِيلَ: (عَلى) في الحَدِيثِ زائِدَةٌ لِتَضْمَنَ مَعْنى الِاسْتِعْلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِأيْمانِكُمْ، وهو في غَيْرِ الأعْلامِ كَثِيرٌ وفِيها أكْثَرُ، وقِيلَ: بَدَلٌ وضُعِّفَ بِأنَّ المُبْدَلَ مِنهُ لا يَكُونُ مَقْصُودًا بِالنِّسْبَةِ، بَلْ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ لِلْبَدَلِ، وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، واللّامُ صِلَةُ عُرْضَةً، وفِيها مَعْنى الِاعْتِراضِ، أوْ بِـ تَجْعَلُوا، والأوَّلُ أوْلى، وإنْ كانَ المَآلُ واحِدًا، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ الأيْمانُ عَلى حَقِيقَتِها، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، وأنْ تَبَرُّوا في تَقْدِيرِ (لِأنَّ)، ويَكُونُ صِلَةً لِلْفِعْلِ أوْ لِـ عُرْضَةً، والمَعْنى: لا تَجْعَلُوا اللَّهَ - تَعالى - حاجِزًا لِأجْلِ حَلِفِكم بِهِ عَنِ البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحِ، وعَلى الثّانِي: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ نَصْبًا لِأيْمانِكم فَتَبْتَذِلُوهُ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ بِهِ في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ نَوْعَ جُرْأةٍ عَلى اللَّهِ - تَعالى -، وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -، وبِهِ قالَ الجُبّائِيُّ وأبُو مُسْلِمٍ ورَوَتْهُ الإمامِيَّةُ عَنِ الأئِمَّةِ الطّاهِرِيِنَ، ويَكُونُ ﴿ أنْ تَبَرُّوا ﴾ عِلَّةً لِلنَّهْيِ عَلى مَعْنى: أُنْهِيكم عَنْهُ طَلَبُ بِرِّكم وتَقْواكم وإصْلاحِكُمْ؛ إذِ الحَلّافُ مُجْتَرِئٌ عَلى اللَّهِ - تَعالى - والمُجْتَرِئُ عَلَيْهِ بِمَعْزِلٍ عَنْ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ، ويَؤُوَّلُ إلى لا تُكْثِرُوا الحَلِفَ بِاللَّهِ - تَعالى - لِتَكُونُوا بارِّينَ مُتَّقِينَ، ويَعْتَمِدَ عَلَيْكُمُ النّاسُ، فَتُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، وتَقْدِيرُ الطَّلَبِ ونَحْوِهِ لازِمٌ إنْ كانَ أنْ تَبَرُّوا في مَوْضِعِ النَّصْبِ لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ حَذْفِ اللّامِ وهو المُقارَنَةُ؛ لِأنَّ المُقارَنَةَ لِلنَّهْيِ لَيْسَ هو البِرِّ والتَّقْوى والإصْلاحَ بَلْ طَلَبَها، وإنْ كانَ في مَوْضِعِ الجَرِّ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَ حَرْفِ الجَرِّ مِن أنْ وإنْ قِياسِيٌّ فَلَيْسَ بِلازِمٍ، وإنَّما قَدَّرُوهُ لِتَوْضِيحِ المَعْنى، والمُرادُ بِهِ طَلَبُ اللَّهِ - تَعالى - لا طَلَبُ العَبْدِ، وإنْ أُرِيدَ ذَلِكَ كانَ عِلَّةً لِلْكَفِّ المُسْتَفادِ مِنَ النَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كُفُّوا أنْفُسَكم مِن جَعْلِهِ - سُبْحانَهُ - عُرْضَةً، وطَلَبُ العَبْدِ صالِحٌ لِلْكَفِّ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ ﴾ لِأقْوالِكم وأيْمانِكم ﴿عَلِيمٌ 224﴾ بِأحْوالِكم ونِيّاتِكُمْ، فَحافِظُوا عَلى ما كُلِّفْتُمُوهُ، ومُناسَبَةُ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ - تَعالى - لَمّا أمَرَهم بِالتَّقْوى نَهاهم عَنِ ابْتِذالِ اسْمِهِ المُنافِي لَها أوْ نَهاهم عَنْ أنْ يَكُونَ اسْمُهُ العَظِيمُ حاجِزًا لَها ومانِعًا مِنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، أي علة.

وأصل العرضة في اللغة: هو الاعتراض، فكأنه يعترض باليمين في كل وقت، فيكون كناية عن العلة.

وقيل: العرضة أن يحلف الرجل في كل شيء، فمُنِعوا من ذلك.

أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، يعني لكي تبروا وتتقوا، لأنهم إذا أكثروا اليمين لم يبروا.

وبهذا أمر أهل الإيمان.

وقال الفراء: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً.

الحلف بالله متعرضاً، أي مانعاً لكم دون البر.

والمعترض بين الشيئين: المانع.

وقال القتبي: لا تجعلوا الله بالحلف مانعاً لكم أن تبروا وتتقوا، ولكن إذا حلفتم على أن لا تصلوا رحماً، ولا تتصدقوا، ولا تصلحوا، أو على شبه ذلك من أبواب البر، فكفِّروا اليمين.

وقال الكلبي: هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة الأنصاري.

حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان ولا يكلمه، فجعل يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي أن لا أبر في يميني.

فنزل قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.

يقول: علة لأيمانكم أَنْ تَبَرُّوا، يعني تصلوا قرابتكم، وتتقوا اليمين في المعصية، وترجعوا إلى ما هو خير لكم منها وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، أي بين إخوانكم.

وروي عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: لا تحلفوا أن لا تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فمن حلف على شيء منه، فعلى الذي حلف عليه أن يفعل ويكفِّر عن يمينه.

وقال الزجاج: معنى الآية بأنهم كانوا يقبلون في البر بأنهم قد حلفوا، فأعلم الله تعالى أن الإثم إنما هو في الإقامة في ترك البر، واليمين إذا كفَّرت، فالذنب فيها مغفور.

ثم قال: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ أي بالإثم في الحلف إذا كفرتم، وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ بعزمكم على أن لا تبروا ولا تتقوا.

قال ابن عباس: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وهو أن يحلف الرجل بالله في شيء يرى أنه فيه صادق، ويرى أنه كذلك، وليس كذلك، فيكذب فيها.

وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يعني هو أن يحلف على شيء ويعلم أنه فيها كاذب.

ويقال: لا يؤاخذكم الله باللغو في اليمين، إذا حلفتم وكفرتم، إذا كان الحنث خيراً ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، أي أثمتم بغير كفارة.

وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن حنث وكفر بيمينه.

حَلِيمٌ حيث رخص لكم في ذلك ولم يعاقبكم.

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ، يعني الذين يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم، تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يعني لهم أجل أربعة أشهر بعد اليمين، فَإِنْ فاؤُ، يعني إن رجعوا عن اليمين وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي أربعة أشهر بعد اليمين، وكفَّروا عن أيمانهم ولا تبين المرأة عن الزوج فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله جلَّت قُدْرته: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ.

قال السُّدِّيُّ: معناه: قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وامتثال ما أُمِرْتُمْ به- وَاتَّقُوا اللَّهَ: تحذيرٌ- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي: فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سنن الهدى «١» ،

قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ...

الآية: مقصد الآيةِ: ولا تُعرِّضوا اسم اللَّهِ تعالى، فتكثروا الأيمان به، فإِن الحِنْثَ يقع مع الإِكثار، وفيه قِلَّة رَعْيٍ لحقِّ اللَّه تعالى.

وقال الزجَّاج «٢» وغيره: معنى الآيةِ: أنْ يكون الإِنسان، إِذا طُلِبَ منه فعْلُ خيرٍ ونحوه، اعتل باللَّه، وقال: عليَّ يمينٌ، وهو لم يحلفْ.

وقوله: عُرْضَةً، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : اعلم أنَّ بناء عرض في كلامِ العربِ يتصرَّف على معانٍ مرجعُها إِلى المَنْع لأنَّ كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ عَارِضٌ لأَنَّه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدرين، والكواكب.

انتهى.

وأَنْ تَبَرُّوا: مفعولٌ من أجله «٤» ، والبِرُّ: جميع وجوه البرّ، وهو ضدّ الإثم

- وسَمِيعٌ، أي: لأقوالِ العبادِ- عَلِيمٌ: بنياتهمْ، وهو مُجَازٍ على الجميع، واليمين:

الحَلِفُ، وأصله أنَّ العَرَب كانت إِذا تحالَفَت، أو تعاهَدَت، أخذ الرجل يمينَ صاحبه بيمينه، ثم كَثُر ذلك حتى سمي الحلف والعَهْد نفسه يميناً.

وقوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ: اللَّغْو: سَقَطُ الكلامِ الَّذي لا حُكْم لَه.

قال ابنُ عَبَّاس، وعائشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو صالِحٍ، ومجاهد: لَغْو اليمينِ: قولُ الرجلِ في دَرْجِ كلامِهِ واستعجاله في المحاورة: لا واللَّهِ، وبلى وَاللَّهِ، دون قصدٍ لليمينِ، وقد أسنده البخاريُّ عن عائشة «١» .

وقال أبو هريرة، والحَسَن، ومالكٌ، وجماعة: لغو اليمين: ما حلف به الرجُلُ على يقينه، فكشف الغيبُ خلافَ ذلك «٢» .

ع «٣» : وهذا اليقين/ هو غلبة الظّنّ.

٥٥ ب وقال زيدُ بْنُ أسْلَمَ: لغو اليمينِ: هو دعاءُ الرجلِ على نَفْسه «٤» .

وقال الضَّحَّاك: هي اليمينُ المكفَّرة «٥» .

وحكى ابنُ عبد البَرِّ قَولاً أن اللغو أيمان «٦» ...

المُكْرَهِ «١» .

قال ع «٢» : وطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو، ولفظة الكَسْب، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة، فكَسْب المرء ما قَصَده، ونواه، واللَّغْوُ: ما لم يتعمَّده، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة، ويضعَّف بعضها، وقد رفع اللَّه عز وجَلَّ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو، فحقيقته: ما لا إِثم فيه، ولا كفارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس «٣» المَصْبُورة، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ خِتْنِهِ شَيْءٌ، فَحَلَفَ عَبْدُ اللَّهِ أنْ لا يَدْخُلَ عَلَيْهِ ولا يُكَلِّمَهُ، وجَعَلَ يَقُولُ: قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ، فَلا يَحِلُّ لِي، إلّا أنْ تَبِرَّ يَمِينِي، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أنْ لا يَصِلَ رَحِمَهُ، ولا يُصْلِحَ بَيْنَ النّاسِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ حِينَ حَلَفَ، لا يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحٍ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

والرّابِعُ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، حَلَفَ أنْ لا يَصِلَ ابْنَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ حَتّى يُسْلِمَ، قالَهُ المُقاتِلانِ: ابْنُ حَيّانَ، وابْنُ سُلَيْمانَ.

قالَ الفَرّاءُ: والمَعْنى: ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ مُعْتَرِضًا لِأيْمانِكم.

وقالَ أبُو عَبِيدٍ: نَصْبًا لِأيْمانِكم، كَأنَّهُ يَعْنِي: أنَّكم تَعْتَرِضُونَهُ في كُلِّ شَيْءٍ، فَتَحْلِفُونَ بِهِ.

وفي مَعْنى الآَيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناها: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ أنْ لا تَبِرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وإبْراهِيمَ، والضَّحّاكِ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناها: لا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِتَتَّقُوا المَخْلُوقِينَ وتَبِرُّوهم، وتُصْلِحُوا بَيْنَهم بِالكَذِبِ، رَوى هَذا المَعْنى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناها لا تُكْثِرُوا الحَلِفَ بِاللَّهِ وإنْ كُنْتُمْ بارِّينَ مُصْلِحِينَ، فَإنَّ كَثْرَةَ الحَلِفِ بِاللَّهِ ضَرْبٌ مِنَ الجَرْأةِ عَلَيْهِ.

هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ إنَّ اللهُ يُحِبُّ التَوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ ﴾ ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ وقَدِّمُوا لأنْفُسِكم واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ الناسِ واللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ذَكَرَ الطَبَرِيُّ، عَنِ السُدِّيِّ أنَّ السائِلَ ثابِتُ بْنُ الدَحْداحِ.

وقالَ قَتادَةُ، وغَيْرُهُ: إنَّما سَألُوا لِأنَّ العَرَبَ في المَدِينَةِ وما والاها، كانُوا قَدِ اسْتَنُّوا بِسُنَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، في تَجَنُّبِ مُؤاكَلَةِ الحائِضِ ومُساكَنَتِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانُوا يَتَجَنَّبُونَ النِساءَ في الحَيْضِ ويَأْتُونَهُنَّ في أدْبارِهِنَّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ.

و"المَحِيضُ": مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، ومِثْلُهُ: المَقِيلُ، مِن قالَ يَقِيلُ.

قالَ الراعِي: بَنَيْتُ مَرافِقِهِنَّ فَوْقَ مَزَلَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ بِها القُرادُ مَقِيلًا وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَحِيضُ": اسْمُ الحَيْضِ، ومِنهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ في العَيْشِ: إلَيْكَ أشْكُو شِدَّةَ المَعِيشِ ∗∗∗ ومَرَّ أعْوامٍ نَتَفْنَ رِيشِي و"أذًى" لَفْظٌ جامِعٌ لِأشْياءَ تُؤْذِي: لِأنَّهُ دَمٌ وقَذَرٌ ومُنْتِنٌ، ومِن سَبِيلِ البَوْلِ: وهَذِهِ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ لِلَّفْظَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فاعْتَزِلُوا" يُرِيدُ: جِماعُهُنَّ بِما فَسَّرَ مِن ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ  مِن أنْ يَشُدَّ الرَجُلُ إزارَ الحائِضِ ثُمَّ شَأْنُهُ بِأعْلاها، وهَذا أصَحُّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ في الأمْرِ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، وجَماعَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ العُلَماءِ.

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: الَّذِي يَجِبُ اعْتِزالُهُ مِنَ الحائِضِ الفَرْجُ وحْدَهُ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عن عائِشَةَ، والشَعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ.

ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةَ السَلْمانِيِّ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَعْتَزِلَ الرَجُلُ فِراشَ زَوْجَتِهِ إذا حاضَتْ، وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ.

وقَدْ وقَفَتْ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ عَلَيْهِ خالَتُهُ مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما وقالَتْ لَهُ: أرَغِبَةٌ عن سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ  ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ: "يُطْهِرْنَ" بِسُكُونِ الطاءِ وضَمَّ الهاءَ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ والمُفَضَّلِ عنهُ: "يَطَّهَّرْنَ" بِتَشْدِيدِ الطاءِ والهاءِ وفَتْحِها.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ، وعَبْدِ اللهِ: "حَتّى يَتَطَهَّرْنَ".

وفي مُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ: "وَلا تَقْرَبُوا النِساءَ في مَحِيضِهِنَّ واعْتَزِلُوهُنَّ حَتّى يَتَطَهَّرْنَ".

ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ قِراءَةَ تَشْدِيدِ الطاءِ وقالَ: هي بِمَعْنى يَغْتَسِلْنَ، لِإجْماعِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ حَرامًا عَلى الرَجُلِ أنْ يَقْرَبَ امْرَأتَهُ بَعْدَ انْقِطاعِ الدَمِ حَتّى تَطْهُرَ.

قالَ: وإنَّما الِاخْتِلافُ في الطُهْرِ، ما هُوَ؟

فَقالَ قَوْمٌ: هو الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وُضُوءٌ كَوُضُوءِ الصَلاةِ، وقالَ قَوْمٌ: هو غَسْلُ الفَرْجِ، وذَلِكَ يَحِلُّها لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ مِنَ الحَيْضَةِ.

ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قِراءَةَ تَخْفِيفِ الطاءِ إذْ هو ثُلاثِيٌّ مُضادٌّ لِطَمَثَتْ وهو ثُلاثِيٌّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكُلُّ واحِدَةٍ مِنَ القِراءَتَيْنِ تَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِها الِاغْتِسالُ بِالماءِ، وأنْ يُرادَ بِها انْقِطاعُ الدَمِ وزَوالُ أذاهُ.

وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَبَرِيُّ مِن أنَّ قِراءَةَ شَدِّ الطاءِ مُضَمِّنُها الِاغْتِسالُ، وقِراءَةُ التَخْفِيفِ مُضَمِّنُها انْقِطاعُ الدَمِ، أمْرٌ غَيْرُ لازِمٍ، وكَذَلِكَ ادِّعاؤُهُ الإجْماعَ.

أمّا إنَّهُ لا خِلافَ في كَراهِيَةِ الوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ.

وقالَ والأوزاعِيُّ: مَن فَعَلَهُ تَصَدَّقَ بِنِصْفِ دِينارٍ، ومَن وطِئَ في الدَمِ تَصَدَّقَ بِدِينارٍ.

وأسْنَدَ أبُو داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «عَنِ النَبِيِّ  في الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ وهي حائِضٌ قالَ: "يَتَصَدَّقُ بِدِينارٍ أو بِنِصْفِ دِينارٍ».

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الدِينارُ في الدَمِ، والنِصْفُ عِنْدِ انْقِطاعِهِ.

ووَرَدَتْ في الشِدَّةِ في هَذا الفِعْلِ آثارٌ.

وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ ذَنْبٌ عَظِيمٌ يُتابُ مِنهُ، ولا كَفّارَةَ فِيهِ بِمالٍ.

وذَهَبَ مالِكٌ -يَرْحَمُهُ اللهُ- وجُمْهُورُ العُلَماءِ، إلى أنَّ الطُهْرَ الَّذِي يَحِلُّ جِماعَ الحائِضِ الَّتِي يَذْهَبُ عنها الدَمُ، هو تَطَهُّرُها بِالماءِ كَطَهُورِ الجُنُبِ، ولا يَجْزِي مِن ذَلِكَ تَيَمُّمٌ ولا غَيْرُهُ.

وقالَ يَحْيى بْنُ بِكِيرٍ، وابْنُ القُرَظِيِّ: إذا طَهُرَتِ الحائِضُ وتَيَمَّمَتْ حَيْثُ لا ماءَ؛ حَلَّتْ لِزَوْجِها وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وطاوُوسٌ: انْقِطاعُ الدَمِ يُحِلُّها لِزَوْجِها، ولَكِنْ بِأنْ تَتَوَضَّأ.

وَ"حَتّى" غايَةٌ لا غَيْرَ، "وَتَقْرَبُوهُنَّ" يُرِيدُ بِجِماعٍ، وهَذا مِن سَدِّ الذَرائِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا تَطَهَّرْنَ ﴾ الآيَةُ.

القِراءَةُ "تَطَهَّرْنَ" بِتاءٍ مَفْتُوحَةٍ وهاءٍ مُشَدَّدَةٍ، والخِلافُ في مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ مِنَ التَطْهِيرِ بِالماءِ أوِ انْقِطاعِ الدَمِ.

ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ هُنا: إنَّهُ أُرِيدَ الغَسْلَ بِالماءِ، ولا بُدَّ، بِقَرِينَةِ الأمْرِ بِالإتْيانِ.

وإنْ كانَ قُرْبُهُنَّ قَبْلَ الغُسْلِ مُباحًا، لَكِنْ لا تَقَعُ صِيغَةً الأمْرِ مِنَ اللهِ تَعالى إلّا عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ.

"فَأْتُوهُنَّ" إباحَةٌ، والمَعْنى: "مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللهُ" بِاعْتِزالِهِنَّ وهو الفَرْجُ، أو مِنَ السُرَّةِ إلى الرُكْبَتَيْنِ، أو جَمِيعِ الجَسَدِ حَسَبَما تَقَدَّمَ.

هَذا كُلُّهُ قَوْلٌ واحِدٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ: المَعْنى مِن قَبْلِ الطُهْرِ لا مِن قَبْلِ الحَيْضِ، وقالَهُ الضَحّاكُ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: المَعْنى مِن قَبْلِ الحَلالِ لا مِن قَبْلِ الزِنى، وقِيلَ: المَعْنى مِن قَبْلِ حالِ الإباحَةِ لا صائِماتٍ ولا مُحْرِماتٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.

والتَوّابُونَ: الراجِعُونَ، وعَرَفَهُ: مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ.

والمُتَطَهِّرُونَ: قالَ عَطاءٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى بِالماءِ وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: مِنَ الذُنُوبِ.

وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: المَعْنى: مِن إتْيانِ النِساءِ في أدْبارِهِنَّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: كَأنَّهُ نَظَرَ إلى قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عن قَوْمِ لُوطٍ: ﴿ أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ  ﴾ وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "المُطَّهِّرِينَ" بِشَدِّ الطاءِ والهاءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ ﴾ الآيَةُ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، والرَبِيعُ: سَبَبُها أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ الرَجُلَ إذا أتى المَرْأةَ مِن دُبُرِها في قُبُلِها جاءَ الوَلَدُ أحْوَلٌ وعابَتْ عَلى العَرَبِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى قَوْلِهِمْ، وقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وغَيْرُها: سَبَبُها أنَّ قُرَيْشًا كانُوا يَأْتُونَ النِساءَ في الفَرْجِ عَلى هَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ وتَزَوَّجُوا أنْصارِيّاتٍ أرادُوا ذَلِكَ فَلَمْ تُرِدْهُ نِساءُ المَدِينَةِ، إذْ لَمْ تَكُنْ عادَةُ رِجالِهِمْ إلّا الإتْيانَ عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، وهي الِانْبِطاحُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَبِيَّ  ، وانْتَشَرَ كَلامُ الناسِ في ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً الهَيْئاتِ كُلِّها، إذا كانَ الوَطْءُ في مَوْضِعِ الحَرْثِ.

و"حَرْثٌ" تَشْبِيهٌ لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الذُرِّيَّةِ، فَلَفْظَةُ "الحَرْثِ" تُعْطِي أنَّ الإباحَةَ لَمْ تَقَعْ إلّا في الفَرْجِ خاصَّةً إذْ هو المُزْدَرَعُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أنّى شِئْتُمْ ﴾ مَعْناهُ: عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ -مِن صَحابَةٍ وتابِعِينَ وأئِمَّةٍ- أيُّ وجْهٍ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً ومُدَبِّرَةً وعَلى جُنُبٍ.

و"أنّى" إنَّما تَجِيءُ سُؤالًا أو إخْبارًا عن أمْرِ لَهُ جِهاتٌ، فَهي أعَمُّ في اللُغَةِ مِن "كَيْفَ" ومِن "أيْنَ" ومِن "مَتى"، هَذا هو الِاسْتِعْمالُ العَرَبِيُّ.

وقَدْ فَسَّرَ الناسُ "أنّى" في هَذِهِ الآيَةِ، بِهَذِهِ الألْفاظِ، وفَسَّرَها سِيبَوَيْهِ بِـ (كَيْفَ ومِن أيْنَ) بِاجْتِماعِهِما.

وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِمَّنْ فَسَّرَها بِـ "أيْنَ" إلى أنَّ الوَطْءَ في الدُبُرِ جائِزٌ، رُوِيَ ذَلِكَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ورُوِيَ عنهُ خِلافُهُ وتَكْفِيرٌ مِن فِعْلِهِ، وهَذا هو اللائِقُ بِهِ.

ورُوِيَتِ الإباحَةُ أيْضًا عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، ورَواها مالِكٌ عن يَزِيدَ بْنِ رُومانَ، عن سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، ورُوِيَ عن مالِكٍ شَيْءٌ في نَحْوِهِ، وهو الَّذِي وقَعَ في العُتْبِيَّةِ، وقَدْ كَذَبَ ذَلِكَ عَلى مالِكٍ.

ورَوى بَعْضُهم أنَّ رَجُلًا فِعْلِ ذَلِكَ في عَهْدِ النَبِيِّ  فَتَكَلَّمَ الناسُ فِيهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ ورَدَ عن رَسُولِ اللهِ  في مُصَنَّفِ النِسائِيِّ، وفي غَيْرِهِ أنَّهُ قالَ: «إتْيانُ النِساءِ فِي أدْبارِهِنَّ حَرامٌ»، ووَرَدَ عنهُ فِيهِ أنَّهُ قالَ: «مَلْعُونٌ مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها».

ووَرَدَ عنهُ أنَّهُ قالَ: «مَن أتى امْرَأةً في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ بِما أنْزَلَ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ  »، وهَذا هو الحَقُّ المُتَّبَعُ، ولا يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُعَرِّجَ في هَذِهِ النازِلَةِ عَلى زَلَّةِ عالَمٍ بَعْدَ أنْ تَصِحَّ عنهُ، واللهُ المُرْشِدُ لا رَبَّ غَيْرُهُ.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ ﴾ أيِ الأجْرَ في تَجَنُّبِ ما نُهِيتُمْ عنهُ، وامْتِثالِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي إشارَةٌ إلى ذِكْرِ اللهِ عَلى الجِماعِ، كَما قالَ النَبِيُّ  : «لَوْ أنَّ أحَدَكم إذا أتى امْرَأتَهُ قالَ: بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنا الشَيْطانَ، وجَنِّبِ الشَيْطانَ ما رَزَقَتْنا، فَقُضِيَ بَيْنَهُما ولَدٌ لَمْ يَضُرْهُ».

وقِيلَ: مَعْنى ( قَدِّمُوا لِأنْفُسِكم ) طَلَبَ الوَلَدِ، ﴿ واتَّقُوا اللهَ ﴾ : تَحْذِيرٌ، ﴿ واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي المُبالَغَةَ في التَحْذِيرِ، أيْ فَهو مُجازِيكم عَلى البِرِّ والإثْمِ ﴿ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ ﴾ تَأْنِيسٌ لِفاعِلِي البِرِّ ومُتَّبِعِي سُنَنِ الهُدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً ﴾ الآيَةُ "عُرْضَةً" فُعْلَةً بِناءٍ لِلْمَفْعُولِ، أيْ كَثِيرًا ما يَتَعَرَّضُ بِما ذَكَرَ، تَقُولُ: جَمَلٌ عُرْضَةٌ لِلرُّكُوبِ، وفَرَسٌ عُرْضَةٌ لِلْجَرْيِ، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ ∗∗∗ عَرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ ومَقْصِدُ الآيَةِ: ولا تُعَرِّضُوا اسْمَ اللهِ تَعالى لِلْأيْمانِ بِهِ، ولا تُكْثِرُوا مِنَ الأيْمانِ، فَإنَّ الحِنْثَ مَعَ الإكْثارِ، وفِيهِ قِلَّةُ رَعْيٍ لِحَقِّ اللهِ تَعالى.

ثُمَّ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، ومُجاهِدٌ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهُمْ: المَعْنى: فِيما تُرِيدُونَ الشِدَّةَ فِيهِ، مَن تَرَكَ صِلَةَ الرَحِمِ والبَرَّ والإصْلاحَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: التَقْدِيرُ: لِأنَّ لا تَبِرُّوا ولا تَتَّقُوا ولا تُصْلِحُوا.

وقَدَّرَهُ المَهْدَوِيُّ: كَراهَةَ أنْ تَبَرُّوا.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: ولا تَحْلِفُوا بِاللهِ كاذِبِينَ إذا أرَدْتُمُ البِرَّ والتَقْوى والإصْلاحَ، فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ "لا" بَعْدَ "أنَّ".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَأْوِيلُ في الَّذِي يُرِيدُ الإصْلاحَ بَيْنَ الناسِ، فَيَحْلِفُ حانِثًا لِيُكْمِلَ غَرَضَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى ما رُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: نَزَلَتْ في تَكْثِيرِ اليَمِينِ بِاللهِ، نَهْيًا أنْ يَحْلِفَ الرَجُلُ بِهِ بَرًّا، فَكَيْفَ فاجِرًا"؟

فالمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ لِأنْفُسِكُمُ البِرَّ.

وقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: أنْ يَكُونَ الرَجُلُ إذا طُلِبَ مِنهُ فِعْلُ خَيْرٍ ونَحْوُهُ اعْتَلَ بِاللهِ تَعالى فَقالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ وهو لَمْ يَحْلِفْ.

و"أنْ تَبَرُّوا" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والبِرُّ جَمِيعُ وُجُوهِ الخَيْرِ.

بِرُّ الرَجُلِ إذا تَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُها ونَسَبُها، كالحاجِّ والمُجاهِدِ والعالِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو مُضادٌّ لِلْإثْمِ إذْ هو الحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعاصِي و"سَمِيعٌ" أيْ لِأقْوالِ العِبادِ، "عَلِيمٌ" بِنِيّاتِهِمْ، وهو مُجازٍ عَلى الجَمِيعِ.

وأمّا سَبَبُ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ إذْ حَلَفَ أنْ يَقْطَعَ إنْفاقَهُ عن مِسْطَحِ بْنِ أثاثَةَ حِينَ تَكَلَّمَ مِسْطَحٌ في حَدِيثِ الإفْكِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ مَعَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَحْمَنِ في حَدِيثِ الضِيافَةِ حِينَ حَلَفَ أبُو بَكْرٍ ألّا يَأْكُلَ الطَعامَ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ رَواحَةَ مَعَ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَهُ.

واليَمِينُ: الحِلْفُ، وأصْلُهُ أنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا تَحالَفَتْ أو تَعاهَدَتْ أخَذَ الرَجُلُ يَمِينَ صاحِبِهِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى سُمِّيَ الحَلِفُ والعَهْدُ نَفْسُهُ يَمِينًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة معطوفة على جملة ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ [البقرة: 223] عطف تشريع على تشريع فالمناسبة بين الجملتين تعلق مضمونيهما بأحكام معاشرة الأزواج مع كون مضمون الجملة الأولى منعاً من قربان الأزواج في حالة الحيض، وكون مضمون هذه الجملة تمهيداً لجملة ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ [البقرة: 226]، فوقع هذا التمهيد موقع الاعتراض بين جملة ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ ، وجملة ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ وسلك فيه طريق العطف لأنه نهي عطف على نهي في قوله: ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن ﴾ [البقرة: 222].

وقال التفتازاني: الأظهر أنه معطوف على مقدر أي امتثلوا ما أمرت به ولا تجعلوا الله عرضة اه.

وفيه تكلف وخلو عن إبداء المناسبة، وجوز التفتازاني أن يكون معطوفاً على الأوامر السابقة وهي ﴿ وقدموا ﴾ [البقرة: 223] ﴿ واتقوا ﴾ [البقرة: 223] ﴿ واعلموا أنكم ملاقاة ﴾ [البقرة: 223] اه أي فالمناسبة أنه لما أمرهم باستحضار يوم لقائه بين لهم شيئاً من التقوى دقيق المسلك شديد الخفاء وهو التقوى باحترام الاسم المعظم؛ فإن التقوى من الأحداث التي إذا تعلقت بالأسماء كان مفادها التعلق بمسمى الاسم لا بلفظه، لأن الأحكام اللفظية إنما تجري على المدلولات إلا إذا قام دليل على تعلقها بالأسماء مثل سميته محمداً، فجئ بهذه الآية لبيان ما يترتب على تعظيم اسم الله واتقائه في حرمة أسمائه عند الحنث مع بيان ما رخص فيه من الحنث، أو لبيان التحذير من تعريض اسمه تعالى للاستخفاف بكثرة الحلف حتى لا يضطر إلى الحنث على الوجهين الآتيين، وبعد هذا التوجيه كله فهو يمنع منه أن مجيء قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223] مجيء التذييل للأحكام السابقة مانع من اعتبار أن يعطف عليه حكم معتد به، لأنه يطول به التذييل وشأن التذييل الإيجاز.

وقال عبد الحكيم: معطوف على جملة ﴿ قل ﴾ [البقرة: 222] بتقدير قل أي: وقل لا تجعلوا الله عرضة أو على قوله: ﴿ وقدموا ﴾ [البقرة: 223] إن جعل قوله: ﴿ وقدموا ﴾ من جملة مقول ﴿ قل ﴾ .

وذكر جمع من المفسرين عن ابن جريج أنها نزلت حين حلف أبو بكر الصديق ألا ينفق على قريبه مِسطح بن أثاثة لمشاركته الذين تكلموا بخبر الإفك عن عائشة رضي الله عنها، وقال الواحدي عن الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة حلف ألا يكلِّم خَتَنه على أخته بشير بن النعمان ولا يدخل بيته ولا يصلح بينه وبين امرأته، وأياً ما كان فواو العطف لا بد أن تربط هذه الجملة بشيء من الكلام الذي قبلها.

وتعليق الجعل بالذات هنا هو على معنى التعليق بالاسم، فالتقدير: ولا تجعلوا اسم الله، وحذف لكثرة الاستعمال في مثله عند قيام القرينة لظهور عدم صحة تعلق الفعل بالمسمى كقول النابغة: حَلفت فلم أترك لنفسك ريبةً *** وليس وراءَ اللَّهِ للمرء مذهب أي وليس بعد اسم الله للمرء مذهب للحلف.

والعُرضة اسم على وزن الفُعلة وهو وزن دال على المفعول كالقُبْضة والمُسْكة والهُزْأَة، وهو مشتق من عَرَضَه إذا وضعه على العُرْض أي الجانب، ومعنى العَرض هنا جعل الشيء حاجزاً من قولهم عَرض العود على الإناء فنشأ عن ذلك إطلاق العُرضة على الحاجز المتعرض، وهو إطلاق شائع يساوي المعنى الحقيقي، وأطلقت على ما يكثر جَمْع الناس حوله فكأنه يعترضهم عن الانصراف وأنشد في «الكشاف»: ولا تَجْعَلُوني عُرْضَةً للَّوَائِم *** والآية تحتمل المعنيين واللام في قوله: ﴿ لأيمانكم ﴾ لام التعدية تتعلق بعُرضة لما فيها من معنى الفعل: أي تجعلوا اسم الله معرَّضا لأيمانكم فتحلفوا به على الامتناع من البر والتقوى والإصلاح ثم تقولوا سبقتْ منا يمين، ويجوز أن تكون اللام للتعليل: أي لا تجعلوا الله عرضة لأجل أيمانكم الصادرة على ألا تَبَروا.

والأَيمان جمع يمين وهو الحلف سمي الحلف يميناً أخذاً من اليمين التي هي إحدى اليدين وهي اليد التي يفعل بها الإنسان معظم أفعاله، وهي اشتقت من اليمن وهو البركة، لأن اليد اليمنى يتيسر بها الفعل أحسن من اليد الأخرى، وسمي الحلف يميناً لأن العرب كان من عادتهم إذا تحالفوا أن يمسك المتحالفان أحدهما باليد اليمنى من الآخر قال تعالى: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ﴾ [الفتح: 10] فكانوا يقولون أعطى يمينه، إذا أكد العهد.

وشاع ذلك في كلامهم قال كعب بن زهير: حتى وضعت يمينى لا أنازعه *** في كف ذي يسرات قيله القيل ثم اختصروا فقالوا صدرت منه يمين أو حلف يميناً، فتسمية الحلف يميناً من تسمية الشيء باسم مقارنه الملازم له، أو من تسمية الشيء باسم مكانه؛ كما سَمَّوا الماء وادياً وإنما المحل في هذه التسمية على هذا الوجه محل تخييلي.

ولما كان غالب أَيمانهم في العهود والحلف، وهو الذي يضع فيه المتعاهدون أيديهم بعضَها في بعض، شاع إطلاق اليمين على كل حَلِف، جرياً على غالب الأحوال؛ فأطلقت اليمين على قَسم المرء في خاصة نفسه دون عهد ولا حلف.

والقصد من الحَلِف يرجع إلى قصد أن يشهد الإنسان اللَّهَ تعالى على صدقه في خبر أو وعد أو تعليق، ولذلك يقوله: ﴿ بالله ﴾ أي أخبر متلبساً بإشهاد الله، أو أعد أو أُعلِّق متلبساً بإشهاد الله على تحقيق ذلك، فمِن أجْل ذلك تضمن اليمين معنى قوياً في الصدق، لأن من أشهد بالله على باطل فقد اجترأَ عليه واستخف به، ومما يدل على أن أصل اليمين إشْهاد اللَّهِ، قوله تعالى: ﴿ ويشهد الله على ما في قلبه ﴾ [البقرة: 204] كما تقدم، وقول العرب يَعْلم الله في مقام الحلف المغلظ، ولأجله كانت الباء هي أصل حروف القسم لدلالتها على الملابسة في أصل معانيها، وكانت الواو والتاء لاحقتين بها في القسم الإنشائي دون الاستعطافي.

ومعنى الآية إن كانت العرضة بمعنى الحاجز نهيُ المسلمين عن أن يجعلوا اسم الله حائلاً معنوياً دون فعل ما حلفوا على تركه من البر والتقوى والإصلاححِ بين الناس فاللاَّم للتعليل، وهي متعلقة بتجعلوا، و ﴿ أن تبروا ﴾ متعلق بعرضة على حذف اللام الجارة، المطرد حذفها مع أَنْ، أي ولا تجعلوا الله لأجل أن حلفتم به عرضة حاجزاً عن فعل البر والإصلاح والتقوى، فالآية على هذا الوجه نهي عن المحافظة على اليمين إذا كانت المحافظة عليها تمنع من فعل خير شرعي، وهو نهي تحريم أو تنزيه بحسب حكم الشيء المحلوف على تركه، ومن لوازمه التحرز حين الحلف وعدم التسرع للأيمان، إذ لا ينبغي التعرض لكثرة الترخص.

وقد كانت العرب في الجاهلية تغضب فتقسم بالله وبآلهتها وبآبائها، على الامتناع من شيء، ليسدوا باليمين بابَ المراجعة أو الندامة.

وفي «الكشاف» «كان الرجل يحلف على ترك الخير من صلة الرحم، أو إصلاح ذات البين، أو إحسان، ثم يقول أخاف أن أحنث في يميني، فيترك فعل البر فتكون الآية واردة لإصلاح خلل من أحوالهم.

وقد قيل إن سبب نزولها حلف أبي بكر ألا ينفق على ابن خالته مسطح بن أثاثة لأنه ممن خاضوا في الإفك.

ولا تظهر لهذا القول مناسبة بموقع الآية.

وقيل: نزلت في حلف عبد الله بن رواحة ألا يكلم ختنه بشير بن النعمان الأنصاري، وكان قد طلق أخت عبد الله ثم أراد الرجوع والصلح، فحلف عبد الله ألا يصلح بينهما.

وإما على تقدير أن تكون العرضة بمعنى الشيء المعرض لفعل في غرض، فالمعنى لا تجعلوا اسم الله معرضاً لأن تحلفوا به في الامتناع من البر، والتقوى، والإصلاح بين الناس، فالأيمان على ظاهره، وهي الأقسام واللام متعلقة بعرضة، و ﴿ أن تبروا ﴾ مفعول الأيمان، بتقدير لا محذوفة بعد (أن) والتقدير ألا تبروا، نظير قوله تعالى: ﴿ يبين الله لكم أن تضلوا ﴾ [النساء: 176] وهو كثير فتكون الآية نهيا عن الحلف بالله على ترك الطاعات؛ لأن تعظيم الله لا ينبغي أن يكون سبباً في قطع ما أمر الله بفعله، وهذا النهي يسلتزم: أنه إن وقع الحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح، أنه لا حرج في ذلك، وأنه يكفر عن يمينه ويفعل الخير.

أو معناه: لا تجعلوا اسم الله معرضاً للحلف، كما قلنا، ويكون قوله: ﴿ أن تبروا ﴾ مفعولاً لأجله وهو علة للنهي؛ أي إنما نهيتكم لتكونوا أبراراً أتقياء مصلحين، وفي قريب من هذا، قال مالك «بلغني أنّه الحلف بالله في كل شيء» وعليه فتكون الآية نهياً عن الإسراع بالحلف لأن كثرة الحلف.

تعرض الحالف للحنث.

وكانت كثرة الأيمان من عادات الجاهلية، في جملة العوائد الناشئة عن الغضب ونُعر الحمق، فنهى الإسلام عن ذلك ولذلك تمدحوا بقلة الأيمان قال كثيِّر: قليل الألايى حافظ ليمينه *** وإن سبقت منه الأليَّةُ برَّت...

وفي معنى هذا أن يكون العرضة مستعاراً لما يكثر الحلول حوله، أي لا تجعلوا اسم الله كالشيء المعرَّض للقاصدين.

وليس في الآية على هذه الوجوه ما يفهم الإذن في الحلف بغير الله، لما تقرر من النهي عن الحلف بغير اسم الله وصفاته.

وقوله: ﴿ والله سميع عليم ﴾ تذييل، والمراد منه العلم بالأقوال والنيات، والمقصود لازمه، وهو الوعد على الامتثال، على جميع التقادير، والعذر في الحنث على التقدير الأول، والتحذير من الحلف على التقدير الثاني.

وقد دلت الآية على معنى عظيم وهو أن تعظيم الله لا ينبغي أن يجعل وسيلة لتعطيل ما يحبه الله من الخير، فإن المحافظة على البر في اليمين ترجع إلى تعظيم اسم الله تعالى، وتصديق الشهادة به على الفعل المحلوف عليه، وهذا وإن كان مقصداً جليلاً يُشكر عليه الحالف الطالب للبر؛ لكن التوسل به لقطع الخيرات مما لا يرضَى به الله تعالى، فقد تعارض أمران مرضيان لله تعالى إذا حصل أحدهما لم يحصل الآخر.

والله يأمرنا أن نقدم أحد الأمرين المرضيين له، وهو ما فيه تعظيمه بطلب إرضائه، مع نفع خلقه بالبر والتقوى والإصلاح، دون الأمر الذي فيه إرضاؤه بتعظيم اسمه فقط، إذ قد علم الله تعالى أن تعظيم اسمه قد حصل عند تحرج الحالف من الحنث، فبِر اليميننِ أدبٌ مع اسم الله تعالى، والإتيانُ بالأعمال الصالحة مرضاة لله؛ فأمَرَ الله بتقديم مرضاته على الأدب مع اسمه، كما قيل: الامتثالُ مقدَّم على الأدب.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفّرت عن يميني وفعلتُ الذي هو خير» ولأجل ذلك لما أقسم أيوب أن يضرب امرأته مائة جلدة، أمره الله أن يأخذ ضغثاً من مائة عصا فيضربها به، وقد علم الله أن هذا غيرُ مقصد أيوب؛ ولكن لما لم يرض الله من أيوب أن يضرب امرأته نهاه عن ذلك، وأمره بالتحلل محافظة على حرص أيوب على البر في يمينه، وكراهته أن يتخلف منه معتاده في تعظيم اسم ربه، فهذا وجه من التحلة، أفتى الله به نبيه.

ولعل الكفّارة لم تكن مشروعة فهي من يسر الإسلام وسماحته، فقد كفانا الله ذلك إذ شرع لنا تحلّة اليمين بالكفّارة؛ ولذلك صار لا يجزئ في الإسلام أن يفعل الحالف مثل ما فعل أيوب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ ﴾ أمّا العُرْضَةُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ تَعالى في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ، فَتَتَبَذَّلَ اسْمَهُ، وتَجْعَلَهُ عُرْضَةً.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى عُرْضَةٍ، أيْ عِلَّةٌ يَتَعَلَّلُ بِها في بِرِّهِ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَمْتَنِعَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ إذا سُئِلَ، فَيَقُولُ: عَلَيَّ يَمِينٌ أنْ لا أفْعَلَ ذَلِكَ، أوْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ في الحالِ فَيَعْتَلُّ في تَرْكِ الخَيْرِ بِاليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ الخَيْرَ والبِرَّ، فَيَقْصِدُ في فِعْلِهِ البِرَّ في يَمِينِهِ، لا الرَّغْبَةَ في فِعْلِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَبَرُّوا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبَرُّوا في أيْمانِكم.

والثّانِي: أنْ تَبَرُّوا في أرْحامِكم.

﴿ وَتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ ﴾ هو الإصْلاحُ المَعْرُوفُ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ سَمِيعٌ لِأيْمانِكم، عَلِيمٌ بِاعْتِقادِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ أمّا اللَّغْوُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهو كُلُّ كَلامٍ كانَ مَذْمُومًا، وفَضْلًا لا مَعْنى لَهُ، فَهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا فُلانٌ في كَلامِهِ إذا قالَ قُبْحًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ  ﴾ .

فَأمّا لَغْوُ اليَمِينِ الَّتِي لا يُؤاخِذُ اللَّهُ تَعالى بِها، فَفِيها سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما يَسْبِقُ بِهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَوْفٍ الأعْرابِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَوْمٍ يَنْضَلُونَ يَعْنِي يَرْمُونَ، ومَعَ النَّبِيِّ  رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصابَ واللَّهِ، أخْطَأْتُ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ  : حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (كَلّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ ولا كَفّارَةَ ولاَ عُقُوبَةَ)» .

والثّانِي: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ، أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّ أنَّهُ كَما حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ بِخِلافِهِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها صاحِبُها في حالِ الغَضَبِ عَلى غَيْرِ عَقْدِ قَلْبٍ ولا عَزْمٍ، ولَكِنْ صِلَةً لِلْكَلامِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ.

وَقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (لا يَمِينَ في غَضَبٍ).» والرّابِعُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها في المَعْصِيَةِ، فَلا يُكَفِّرُ عَنْها، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن نَذَرَ فِيما لا يَمْلِكُ فَلا نَذْرَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَلا يَمِينَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ)» .

والخامِسُ: أنَّ اللَّغْوَ في اليَمِينِ، إذا دَعا الحالِفُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا فَأعْمى اللَّهُ بَصَرِي، أوْ قَلَّلَ مِن مالِي، أوْ أنا كافِرٌ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ هو ما حَنِثَ فِيهِ الحالِفُ ناسِيًا، وهَذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَحْلِفَ كاذِبًا أوْ عَلى باطِلٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.

والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ عَمْدًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اعْتِقادُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ غَفُورٌ لِعِبادِهِ، فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ، حَلِيمٌ في تَرْكِهِ مُقابَلَةِ أهْلِ حَسَنَتِهِ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في مسنده عن ابن عباس ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ يقول: لا تجعلني في عرضة ليمينك أن لا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير.

وأخرج عبد الحميد وابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هو أن يحلف الرجل أن لا يكلم قرابته، أو لا يتصدق، أو يكون بين رجلين مغاضبة فيحلف لا يصلح بينهما، ويقول قد حلفت.

قال: يكفر عن يمينه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان الرجل يحلف على الشيء من البر والتقوى لا يفعله، فنهى الله عن ذلك.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في الآية قال: هو الرجل يحلف لا يصل رحمه، ولا يصلح بين الناس، فأنزل الله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: جاء رجل إلى عائشة فقال: إني نذرت إن كلمت فلاناً فإن كل مملوك لي عتيق، وكل مال لي ستر للبيت.

فقالت: لا تجعل مملوكيك عتقاء، ولا تجعل مالك ستراً للبيت، فإن الله يقول ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا...

﴾ الآية.

فكفر عن يمينك.

وأخرج ابن جرير عن عائشة في الآية قالت: لا تحلفوا بالله وإن نذرتم.

وأخرج عبد الرزاق عن طاوس في قوله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ قال: هو الرجل يحلف على الأمر الذي لا يصلح ثم يعتل بيمينه، يقول الله: ﴿ أن تبروا وتتقوا ﴾ هو خير من أن تمضي على ما لا يصلح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كان الرجل يريد الصلح بين اثنين فيغضبه أحدهما أو يتهمه، فيحلف أن لا يتكلم بينهما في الصلح، فنزلت الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: حدثت أن قوله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم...

﴾ الآية نزلت في أبي بكر في شأن مسطح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ والله سميع ﴾ يعني اليمين التي حلفوا عليها ﴿ عليم ﴾ يعني عالم بها، كان هذا قبل أن تنزل كفارة اليمين.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «لأن يلج أحدكم في يمينه في أهله، أتم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض عليه» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن ماجة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم، ولا في معصية الله، ولا في قطيعة الرحم، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليدعها وليأت الذي هو خير، فإن تركها كفارتها» .

وأخرج ابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه» .

وأخرج مالك ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني- والله إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير، وتحللتها» .

وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسأل الامارة، فإنك إن اعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن سعيد بن المسيب.

أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحب القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة لم أكلمك أبداً، وكل ما لي في رتاج الكعبة.

فقال له عمر: إنَّ الكعبة لغنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يمين ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطعية الرحم، وفيما لا تملك» .

وأخرج النسائي وابن ماجة عن مالك الجشمي قال: «قلت: يا رسول الله يأتيني ابن عمي فاحلف أن لا أعطيه ولا أصله؟

قال: كفر عن يمينك» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ﴾ : قال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته (١) (٢) (٣) (٤) (٥) والعُرضَة عند أهل اللغة: مُشْتَقَّةٌ من أصلين: أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور، أنها مشتقة من (٦) قال الأزهري: والأصل فيه: أن الطريق المسلوك إذا اعترض فيه بناءٌ أو جِذْعٌ أو جَبَلٌ مَنَعَ السَابِلَةَ من سُلُوكه، فوضِعَ الاعتراضُ موضع المنع لهذا المعنى، وكل شيء منعك عن (٧) (٨) وعلى هذا الفراء (٩) (١٠) (١١) قال الحسن (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال ابن عباس (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) الأصل الثاني: في اشتقاق العُرْضَة: أنها من الشدة والقوة، تقول العرب: لفلان عُرْضَة يصرع بها الناس، أي: قُوة، ودابة عُرْضَةٌ للسفر، أي: قوية عليه والعرضيّ من النوق والإبل: الذي فيه نشاط وقوة (٢٠) قال الشاعر: واعْرَوْرَتِ العُلُطَ العُرْضِيَّ تَرْكُضُه ...

أمُّ الفَوارسِ بالدِّيدَاءِ والرَّبَعَه (٢١) وقال الليث: يقال: فلان فيه على أعدائه عُرْضِيَّة، وفي الفَرَس عرضِيَّة (٢٢) وأنشد القطامي: بِيضُ الهِجَانِ التى كانت تكونُ بها ...

عُرْضِيّةٌ وهِبَابٌ حينَ يَرْتَحِلُ (٢٣) (٢٤) (٢٥) فالمعنى على هذا الأصل: لا تجعلوا الحلف بالله قوة لأيمانكم في أن لا تبروا، ويحتمل أن يكون المعنى على هذا الأصل: النهي عن المبادرة إلى الأيمان، كأنه يقول: لا تجعلوا اسم الله قوة لأيمانكم تبتدر من أفواهكم مسرعين بذكره.

وهذا المعنى مروي عن عائشة  ا؛ لأنها قالت: لا تحلفوا بالله وإن بررتم (٢٦) وتفسير ابن عباس في رواية عطاء موافق لهذا المعنى؛ لأنه قال: يريد: لا يحلف الرجل في كل حق وباطل، ينبغي له أن ينزه الله عن كثير من الأيمان (٢٧) والأيمان: جمع (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ أَن تَبَرُّوا ﴾ اختلف أهل المعاني في تقديره، فقال الزجاج: تقديره (٣١) (٣٢) وقال أبو عبيد: معناه: أن لا تبروا، فحذفت لا، كقوله: ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا  ﴾ وكقوله: ﴿ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ  ﴾ والمعنى: لئلا تضلوا، أن لا تميد بكم (٣٣) وقال أبو العباس: تقديره: لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا، فحذف المضاف.

وقال الكسائي: تقديره: لأن تبروا (٣٤) (٣٥) (٣٦) وهذه التقديرات كلها توافق تفسير العرضة من الاعتراض بمعنى المنع.

وإن جعلنا تفسير العرضة القوة لم يصلح فيه تقدير الزجاج والكسائي.

وقال عطاء: أراد (٣٧) (٣٨) (٣٩) فالعرضة على القول الأول بمعنى المعترض، وعلى القول الثاني بمعنى القوة والشدة، وعلى القولين جميعا معنى قوله: لا تجعلوا الله، لا تجعلوا اسم الله، فالله تعالى هاهنا يراد (٤٠) وأما محل (أن) من الإعراب، فقال أبو إسحاق: الاختيار فيه النصب عند جميع النحويين؛ لأنه لما حذف الخافض وصل الفعل، المعنى: لا تعترضوا باليمين بالله في أن تبروا، فلما سقطت (في) أفضى معنى الاعتراض (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) وحرر بعض أصحابه هذا الفصل فقال: معنى هذا: أنّ (أنْ) لما وُصِل بالفعل احتمل الحذف كما يحتمل (الذي) إذا وصل بالفعل من حذف ضمير المفعول ما لا يحتمله الألف واللام إذا وُصل بالاسم، نحو: الذي ضربت، يريد: ضربته، فأما: الضاربه (٤٨) (٤٩) (٥٠) بلاَلٌ أنْدَى (٥١) (٥٢) فحمل الحرص على المفعول له، قال: وإنما جاز الحذف مع (أن) لطول الكلام بالصلة، وإذا طال الكلام حَسُنَ من الحذف معه ما لا يحسن إذا لم يطل، وذلك كثير، نحو قوله: ﴿ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا  ﴾ ، ترك التأكيد الذي يقبح تركه في السعة لطول الكلام بلا، ولو لم يطل به للزم التأكيد كما لزم ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ  ﴾ ﴿ فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ  ﴾ ﴿ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ  ﴾ ، ومن ثم استجازوا: حضر القاضي اليوم امرأةٌ، حذفوا التاء من الكلام لما طال الكلام بالفصل بين الفعل والفاعل من المفعول.

قال: وأما قوله: والنصب في (أن) في هذا الموضع الاختيار عند جمع النحويين، فمن يقول أن موضعه جر وهو قول سيبويه، ليس يحفظ عنه أن النصبَ أحسن، وإنما يحكم على موضعه بالجر.

أطال أبو علي الكلام في هذه المسألة على أبي إسحاق في الإنكار عليه، وقد اختصرته هاهنا (٥٣) قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون موضع (أن) رفعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا أولى، أي: البر والتقى أولى، ويكون (أولى) محذوفًا، كقوله: ﴿ وطَاعَةٌ وَقَول مَّعْرُوفٌ  ﴾ أي: طاعة وقول معروف (٥٤) (٥٥) وهذا الذي ذكره أبو إسحاق من رفع (أن) تقدير (٥٦) (٥٧) (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يسمع (٥٩) (١) هي عمرة بنت رواحة الأنصارية، وهي امرأة بشير بن سعد والد النعمان.

ينظر: "الاستيعاب" 4/ 441.

(٢) هو بشير بن سعد بن ثعلبة الخزرجي والد النعمان، شهد العقبة وبدراً والمشاهد كلها، ويقال: إنه أول من بايع من الأنصار أبا بكر يوم السقيفة واستشهد يوم عين التمر مع خالد بن الوليد سنة 12هـ.

ينظر: "الاستيعاب" 1/ 252، وهذا هو زوج أخت عبد الله، وفي "الإصابة" 1/ 160 ترجمة لبشير بن النعمان بن عبيد، ويقال له مقرن بن أوس بن مالك الأنصاري الأوسي، قال ابن قداح: قتل يوم الحرة وقتل أبوه يوم اليمامة لكنه ليس المقصود والله أعلم.

ينظر: "الإصابة" 1/ 160.

(٣) في (أ) كأنها: ولا يدخل بيته، وعند الثعلبي 2/ 1007: أن لا يدخل عليه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصم له، فلعل في نسخ "البسيط" سقط كلمات، والمعنى صحيح على كل حال.

(٤) في (ي) و (ش): (حلفت).

(٥) ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 206، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1007، والواحدي في "أسباب النزول" ص 80، وابن حجر في "العجاب" 1/ 576، وعزاه في "زاد المسير" 1/ 253، "البحر المحيط" 2/ 176 إلى ابن عباس، وقد ذكروا أسبابا أخرى لنزول الآية، فقيل: نزلت في أبي بكر  حين حلف أن لا يصل ابنه عبد الرحمن حتى يسلم، وقيل: نزلت فيه حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في الإفك.

(٦) في (ي) زيادة وتكرار من أصلين أحدهما: الاعتراض.

(٧) في (ي) و (م): (من).

(٨) "تهذيب اللغة" 3/ 2394 - 2401 مادة "عرض".

(٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 144.

(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298 - 299.

(١١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 400 - 402، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 407، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 77، "تفسير الثعلبي" 2/ 1011.

(١٢) ذكره في "الوسيط" 1/ 330.

(١٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 400، وعزاه في الدر 1/ 479 إلى عبد الرزاق.

(١٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 400.

(١٥) في (ي) (لتعلموا).

(١٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 401 بمعناه، وعزاه في "الدر" 1/ 479 إلى ابن المنذر.

و"ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 407.

(١٧) رواه عنه الطبري 2/ 401 - 402 بمعناه.

(١٨) رواه عنه الطبري 2/ 402 بمعناه.

(١٩) ليست في (م) ولا (أ).

(٢٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1009.

(٢١) ورد البيت هكذا: واعرورت العلط العرضي تركضه ...

أم الفوارس بالدأداء والربعة والبيت من البسيط، وهو لأبي الأسود الرؤاسي، في "لسان العرب" 3/ 1311 مادة: دأدأ، 5/ 3069 مادة: علط، "تهذيب اللغة" 3/ 240 مادة: "عرض"، 3/ 2375 مادة "عرا" "جمهرة اللغة" ص 226، "ديوان الأدب" 1/ 238.

انظر "المعجم المفصل في شواهد اللغة العربية" 4/ 196.

(٢٢) في (ش) و (ي) (عرضة).

(٢٣) في (ش) (هبات)، وفي (ي) (ترتحل) وهي كذلك في الديوان.

(٢٤) البيت في ديوانه ص 23 - 30 ط دار الثقافة، بيروت.

(٢٥) ينظر في عرض: "تهذيب اللغة" 3/ 2394 - 2403، "المفردات" 332، "عمدة الحفاظ" 3/ 66 - 74، "اللسان" 5/ 2884 - 2896.

(٢٦) رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 402.

(٢٧) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.

(٢٨) في (ش) (جميع).

(٢٩) في (م) (يتبرك به بذكره).

(٣٠) ينظر في اليمين: "تهذيب اللغة" 4/ 3984 - 3987، "اللسان" 8/ 4967 - 4971.

(٣١) ساقط من (ش).

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298.

(٣٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1011.

(٣٤) من قوله: تقديره.

ساقط من (أ) و (م).

(٣٥) قوله: لا تتخذوا اليمين.

ساقط من (أ) و (م) و (ش).

(٣٦) وقد ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 312، ومكي في "مشكل إعراب القرآن" 1/ 130 أن موضع (أن) خفض على إضمار الخافض، فيكون في أن تبرو.

(٣٧) ساقط من (ي).

(٣٨) ذكره في "زاد المسير" 1/ 254.

(٣٩) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.

(٤٠) في (ي) (يريد).

(٤١) في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298: لمعنى، وفي "الإغفال" لأبي علي 509 أقصى معنى الاعتراض.

(٤٢) في (ش): (يمنعنكم).

(٤٣) في (ش): (تقول).

(٤٤) في (أ) و (م) و (ش): والمضي، وما أثبته من (ي) موافق لما في "معاني القرآن".

(٤٥) في (ي) (إذا).

(٤٦) في "معاني القرآن": على معنى الاستقبال.

(٤٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 298 - 299 بمعناه.

(٤٨) في (ش) (المضاربة).

(٤٩) في (أ) (يقول).

(٥٠) في "الإغفال" ص 511: تقول: جئتك طمعا في الخير، وللطمع في الخير، وزرتك كرامة فلان ولكرامة فلان، فتثبت اللام وتحذف، والمعنى في الحذف مثل المعنى في الإثبات.

(٥١) في (ش): (أبدى).

(٥٢) هذان البيتان ليسا في "ديوان رؤبة" قال محقق "الإغفال": ولم أوفق في العثور عليهما.

"الإغفال" ص 512.

(٥٣) ينظر: "الإغفال" ص 509 - 517.

(٥٤) زيادة من (ي).

(٥٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 300.

(٥٦) في (ش) (تقديره).

(٥٧) في (ش) (يوجب).

(٥٨) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 311 - 312، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 1/ 130، "التبيان" ص135، "البحر المحيط" 2/ 177، وقد ضعف الوجه الأخير فقال: لأن فيه اقتطاع (أن تبروا) مما قبله، والظاهر هو اتصاله به، ولأن فيه حذفا لا دليل عليه.

(٥٩) ساقطة من (ي).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عُرْضَةً لأيمانكم ﴾ أي لا تكثروا الحلف بالله فتبدلوا اسمه، و ﴿ أَن تَبَرُّواْ ﴾ على هذا علة للنهي، فهو مفعول من أجله: أي نهيتم عن كثرة الحلف كيف تبروا، وقيل المعنى: لا تحلفواعلى أن تبروا وتتقوا، وافعلوا البرّ والتقوى دون يمين، فأن تبروا على هذا هو المحلوف عليه، والعُرضة على هذين القولين كقولك: فلان عرضة لفلان إذا أكثر التعرّض له، وقيل: عُرضة ما مَنَع، من قولك: عرض له أمر حال بينه وبين كذا، أي لا تمتنعوا بالحلف بالله من فعل البر والتقوى، ومن ذلك يمين أبي بكر الصديق أن لا ينفق على مسطح، فأن تبروا على هذا: علة لامتناعهم فهو مفعول من أجله، أو مفعول بعرضه، لأنها بمعنى مانع.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.

﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.

الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.

﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.

﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه  جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.

والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.

روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.

فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.

فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله  ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.

واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.

فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.

ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.

وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي  ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.

وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.

فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.

ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .

ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.

وأصل الحيض في اللغة السيل.

يقال: حاض السيل وفاض.

قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.

والواو والياء من حيز واحد.

وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.

وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.

فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.

فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.

ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.

أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.

قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.

وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.

وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.

والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.

وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي  وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.

وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.

وأما الطهر فأكثره لا حد له.

فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.

وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه  قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.

وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.

"قال  لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .

ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.

ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.

والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.

حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.

فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.

ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.

والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.

وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.

وقال بعضهم: غسل الموضع.

ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.

عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.

وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.

وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.

﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.

فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.

الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.

فأوحى إلى رسول الله  هذه الآية" .

وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.

وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.

وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله  فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.

فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.

وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.

وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.

وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا  ﴾ أي من أين.

وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.

وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.

ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله  "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.

فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!

ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.

ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".

الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.

وقد ذم الله  من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين  ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.

وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله  أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".

وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.

فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي  لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.

فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.

اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.

قال  "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.

ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.

وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.

حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه  ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي  أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه  مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي  : حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.

وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.

وأيضاً إنه  قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله  أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.

وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.

ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.

وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.

وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.

قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.

﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.

الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.

والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.

وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.

قال سعيد بن المسيب.

كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.

ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله  ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.

فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.

والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.

واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.

الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.

الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله  ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.

وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.

ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.

وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.

وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.

وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.

وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.

ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.

وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.

فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.

الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله  وصفاته أو غيره.

فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.

وهل يجب عليه كفارة اليمين؟

الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.

وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.

وقوله  ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.

وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.

فهل يكون مولياً؟

الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله  حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.

ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.

وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.

الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

الركن الرابع: المدة.

فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.

وهذان المذهبان في غاية البعد.

وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.

وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.

فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.

وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.

وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.

وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.

أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.

فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.

وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.

واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.

التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.

وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.

وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.

ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.

فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله  ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته  وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.

فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.

أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله  من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.

﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

قيل: كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف، ولا يبر، ولا يصلح بين الناس، فإذا أمر بذلك، قال: إني حلفت على ذلك، فنهوا عن ذلك، يقول: لا تحلفوا على أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة، وألا تبروا، وألا تصلحوا بين الناس، وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية الله  .

و"العرضة" العلة، يقول: لا تعللوا، أي: لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

حرفان يخرجان على الوعيد: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ بمقالتكم وأيمانكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بإرادتكم في حلفكم.

وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : إن كسب القلوب لا يكون عقداً ولا حنثاً، إنما هو تعمد الكذب.

كقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ فعلى ذلك أمر يمين اللغو والتعمد.

وهذا يبين أن اليمين يكون في موجود، لا فيما يوجد؛ إذ فيه وصف المآثم، وفيما يكون لم يكسب قلبه ما يأثم فيه.

فعلى ذلك أمر اللغو؛ فهو في الماضي، ولا يأثم بالخطأ، ويأثم في غير اللغو بالتعمد.

ثم قال الله  : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ  ﴾ ، وبين أن المؤاخذة تكون في هذا بالكفارة وفي الأول بالمأثم، وفي اللغو لا يؤاخذ بهما، فلزم تسليم البيان لما جاء في كل ذلك، ثم جميع المؤاخذات في كسب القلب بالمأثم ولزوم التوبة؛ فكذا في هذا.

وقد روي عن رسول الله  في أمر اللعان، أنه قال: "إن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟" ومعلوم كذب أحدهما ولوزم التوبة، مع ما في تركه الوعيد الشديد من الغضب أو اللعن.

ولو كانت فيه كفارة لكان لا سبيل إلى العلم بها إلا بالبيان؛ فهي أحق أن يبين لو كانت واجبة، دل ما لم يبين أنها غير واجبة على أنها تجب للحنث، والحنث عقيب العقد يدفعه، وكان هاهنا ملاقيا له، فهو يمنعه على نحو جميع الحرمات التي تفسخ الأشياء، فهي عند الابتداء تمنع.

وليس ذلك كالطلاق ونحوه؛ لما قد يكون بلا شرط، واليمين لا يصح إلا به ولم يكن فأنفذ.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ ﴾ .

وقد يخرج مخرج الاستخفاف الحلف بالله كاذباً والجرأة على الله، فيجيء أن يكون كفراً، لولا أن المؤمن يخطر بباله ما يحمله على ذلك دون قصد الاستخفاف به.

وعلى ذلك أمر اللعان، أن رسول الله  لم يقل: أحدكما كافر، فهل منكما من مؤمن؟

لأنهما لم يقصدا ذلك القصد.

فكذا كل حالف على تعمد الكذب.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال سعيد بن جبير: هذا محمول على قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ ، أي: لا يؤاخذكم الله بنقض أيمانكم التي حلفتم بها؛ لأنها معصية لله، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي عليها.

ثم اختلفوا في اللغو ما هو؟

قال بعضهم: هو الإثم.

وقيل: هو الغلط.

ثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه بالإثم، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد.

ثم ذكر في الآية الثانية: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ  ﴾ ، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضاً بالإثم وقع الكلام - بحيث لا يفيد - في حد التكرار.

والأصل عندهم: بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد؛ فثبت أن الأول في نفي الإثم، والثاني في نفي الكفارة.

وعلى هذا القول في الغموس: إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر، فليس فيه الكفارة.

وله وجه آخر: وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقي العقد، فلم يصح به اليمين؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ووجوبها.

فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد، لم يلزم الكفارة؛ لخروجها عن الشرط.

ثم لم يزل عنه - في الغموس - الإثم؛ لتعمده الكذب.

وقال الفقيه أبو منصور - رحمه الله  -: والقياس عندي في التعمد بالحلف على الكذب أن يكفر؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان جعلت للتعظيم لله -  - بالحلف فيها، والحالف بالغموس مجترئ على الله -  - مستخف به؛ ولهذا نهى رسول الله  عن الحلف بالآباء والطواغيت؛ لأن في ذلك تعظيماً لهم وتبجيلاً.

فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف، فالوزر له بالجرأة لازم، ثم المتعمد متجرئ مستخف بالله -  - على المعرفة؛ لأنه لا يسع، فسبيله سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف، وإن كان سبباً للتعظيم، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك، كذا الأول، ولكنه بالحلف خرج فعله على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته، لا للقصد إليه.

وعلى ذلك يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله  عنه - في سؤال السائل: إن العاصي مطيع للشيطان، ومن أطاع الشيطان كفر، كيف لا كفَّر العاصي؟

فقال: لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج الطاعة له، لا أن القصد يكون طاعته، وإنما يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله فعل معصية؛ فكذا الأول.

والله أعلم.

وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن "أحدكما كاذب فهل منكما من تائب"، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لم يأمر بالإيمان، ولا قال: أحدكما كافر؛ فثبت أنه لا يكفر به.

والثاني: أنه أمر بالتوبة، وقد يعلم من كذب أن عليه ذلك مع ما في القرآن من اللعن والغضب، ولم يأمر بالكفارة - وهي لا تعلم إلا بالبيان - فهي أحق أن تبين لو كانت واجبة.

والله أعلم.

والأصل عندنا في اليمين الغموس: أنه آثم، وعليه التوبة، والتوبة كفارة.

وهكذا في كل يمين في عقدها معصية أن تلزمه الكافرة وهي التوبة.

وأما الكفارة التي تلزم في المال، فهي لا تلزم بالحنث؛ لأنه بالحنث يأثم، والحنث نفسه إثم؛ لذلك لم يجز إلا بالحنث.

وما رويت من الأخبار من قوله - عليه الصلوات والسلام -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير" : أنه إذا كان يمينه بمعصية يصير باليمين آثماً، فيكلف بالتوبة.

فإن قيل: الحلف بالطلاق، والعتاق، والحج بالماضي يلزم، كيف لا لزمته الكفارة؟

قيل: لأن الطلاق، والعتاق، والحج يلزم دون ذكر ما ذكر، إذا قال: (على حجة)، أو (أنت طالق)، أو (هو حر).

ولو قال: (والله) ألف مرة، دون ذكر الفعل لا يكون يميناً، ولا يلزمه شيء؛ لذلك افترقا.

الله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  -: الإيلاء معلوم في اللغة أنه اليمين.

وكذلك كان ابن عباس -  - يقرأ: (للذين يُقْسِمُون من نسائهم).

وما هو لليمين من الحكم، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها، ثم يجب له على كل حال، على أي وصف كانت اليمين.

فكذلك حكم الإيلاء.

وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله  عنهما.

وروي عن علي - رضى الله  عنه - التفريق بين الغضب والرضا.

ثم أوجب التربص للمُولِي.

فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بِمُولٍ، فلم يلزمه الحكم الذي جعل الله للإيلاء؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر (الفيء)، وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفيء من الكفارة؟!

فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق.

وبه يقول علي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله  عنهم - فيقول ابن مسعود: يلزمه حكم يمين يوم، وابن عباس يقول: الإيلاء يمين الأبد.

وذلك عندنا على إرادة الإتمام، ولو جعله شرطاً لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر؛ فلا وجه للزيادة عليه، وهو قول عبد الله بن مسعود: يلزمه بدونه.

ثم اختلف الصحابة - رضي الله  عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر، على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي المدة، ثم لا يجوز أن يحلف بحق الطلاق فيلزم، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك زيادة في المدة للتربص.

وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل الزيادة عليها لما جعلت له المدة، فمثله مدة الطلاق.

وهذا على أن الله -  - حذر نقض اليمين بقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً  ﴾ ، وأطلق في هذا أربعة أشهر، بما روي في قراءة أبي بن كعب، أنه قرأ: "فإن فاءوا فيهن"، يعني في الأربعة الأشهر، ففي غير ذلك حكم النهي له آخذ.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .

كقوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ  ﴾ .

وليس ذلك على إحداثه بعد مضي المدة، كذلك الأول.

والله أعلم.

ثم اختلف فيه على وجوه: قال ابن مسعود - رضي الله  عنه -: الإيلاء على يوم فقط، وأما التربص بأربعة أشهر؛ لأنه لم يذكر في الكتاب للإيلاء مدة، وإنما ذكر المدة للتربص.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه -: الإيلاء على الأبد، ذهب في ذلك إلى أن الإيلاء كان طلاق القوم، والطلاق يقع إلى الأبد.

وقال آخرون: من ترك القربان في حال الغضب فهو مولٍ، وإن لم يحلف.

لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الله  ذكر الإيلاء، والإيلاء هي اليمين.

دليله ما ذكرنا [من حرف ابن مسعود وابن عباس: (للذين يقسمون)؛ فدل هذا أن حكم الإيلاء لا يلزم إلا باليمين على ترك القربان].

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه -: أن رجلا سأله - أنه حلف ألا يقرب امرأته سنتين.

فقال: هو إيلاء، وأنها تبين إذا مضت أربعة أشهر.

فقال: إنما حلفت ذلك لمكان ولدي.

فقال: لا يكون إيلاء.

فرأى في ذلك إيلاء إذا كان عاصياً وإذا كان إيلاؤه هو ترك قربانه إياها بمكان الولد لم ير ذلك إيلاء.

ثم لا يجوز أن يحمل ما حمل هؤلاء.

أما ما حمل علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، واعتباره بالعصيان وغير العصيان، فالإيلاء هو اليمين، والأيمان لا يختلف وجوبها ووجوب أحكامها في حال العصيان وفي حال الطاعة.

فعلى ذلك حكم الإيلاء.

ولو حمل على ما حمل ابن مسعود، رضي الله  عنه، لكان لا يبقى الإيلاء بعد مضي اليوم، فإذا لم يكن يمين بعد اليوم لم يبق حكمها.

ولو حمل على ما قال ابن عباس، رضي الله  عنه، لكان لا فائدة لذكر التربص.

فإذا بطل ما ذكرنا ثبت قولنا: إن مدة الإيلاء إذا قصرت عن أربعة أشهر لم يلزمه حكم الإيلاء.

ولو كان على الأبد لكان لا فائدة في ذكر المدة، وألا يعتبر العصيان ولا الطاعة ولا الغضب ولا الرضاء على ما ذكرنا.

وروي في بعض الأخبار، أنه قال: الإيلاء ليس بشيء.

معناه ما قيل: إن الإيلاء كان طلاق القوم، فقوله: "ليس بشيء" يقع للحال دون مضي المدة [ثم اختلفوا أيضاً بعد مضي المدة] قبل أن يفيء إليها في المدة.

قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق.

وقال قوم: إنه يوقف بعد مضي المدة، [فإما أن يفيء إليها، وإما أن يطلقها].

واحتجوا في ذلك إلى أن الله  ذكر الفيء بعد [تربص] أربعة أشهر بقوله: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو ﴾ ؛ لذلك كان الفيء بعد مضي الأربعة الأشهر، وروي فى بعض الأخبار الوقف فيه، وروي عن عمر وعلي عثمان وعائشة وابن عمر - رضي الله  عنهم - في المُولِي: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق.

إلى هذا يذهبون.

لكن هذا يحتمل أن يكون من الراوي دون أن يكون ما قالت الصحابة.

وأما عندنا: إن قولهم: ذكر الفيء بعد تربض أربعة أشهر، فذلك لا يوجب الفيء بعد مضيها؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس أنه يمسكها بعد مضي الأجل، ولكن معناه: إذا قرب انقضاء أجلهن فأمسكوهن.

فعلى ذلك جعل لهم الفيء، إذا قرب انقضاء أربعة أشهر.

وأما ما وري من (الوقف)، فليس فيه الوقف بعد مضي أربعة أشهر، يحتمل الوقف في الأربعة الأشهر.

وأما عندنا: فإنها تَبِينُ إذا مضت أربعة أشهر؛ لما روي عن سبعة من أصحاب رسول الله  ، أو ثمانية، أنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر بانت منه، من نحو: عمر علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت، رضوان الله  عليهم أجمعين، فاتبعناهم.

ثم اختلف في الطلاق إذا وقع: قال قوم: هو رجعي.

وهو قول أهل المدينة.

فهو على قولهم؛ تعنُّت؛ لأن الزوج يقدم إلى الحاكم، فيطلق عليه الحاكم، ثم كان له حق المراجعة، فيكلف الحاكم العنت.

وأما عندنا: فهو بائن.

وعلى ذلك جاءت الأخبار، روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: إذا مضت أربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة.

وعن ابن مسعود - رضي الله  عنه - مثله.وروي عن أبي بن كعب - رضي الله  عنه - في قوله: "فإن فاءوا" أي فيهن يعني في الأربعة الأشهر، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فثبت أنه جعل الرحمة والمغفرة فيها.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ ، ولو لم يجعل له القربان والنقض في المدة لكان لا سبيل له إلى نقضها بعد مضي المدة؛ إذ هي تتأكد؛ فثبت أنه لا بما اعتبروا يلزم.

ثم قوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: بما جعل له الخروج مما ضيق على نفسه؛ لأنه لا تطول عليه المدة.

ويحتمل: أن المغفرة كانت بما ارتكب ما إذا مضى عليه وجد ذاته مستحقّاً للعقوبة، فغفر له صنيعه، ورحمه بأن يجاوز عنه ما فعل.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .

روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: عزيمة الطلاق مضيُّ أربعة أشهر.

وقد ذكرنا قول الصحابة - رضي الله  عنهم -: إن عزيمة الطلاق [انقضاء] أربعة أشهر.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

سميع: بإيلائهم، عليم: بترك الفيء وتحقيق حكمه، أو عليم بما أراد بالإيلاء، كأنه قال: إنه عن علم بما يكون من خلقه وبما به صلاحهم وما إليه مرجعهم، خلقهم، وهو السميع بجميع ما به تناجوا وأسروا وجهروا.

والله الموفق.

والفيء: الجماع، وهو الرجوع في الحاصل؛ لأنه حلف ألا يقربها، فإذا قربها رجع عن ذلك.

وهكذا روي عن ابن عباس وابن مسعود - رضي الله  عنهما - أنهما قالا: الفيء: الجماع.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولا تجعلوا الحلف بالله حجة مانعة، من فعل البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلفتم على ترك البر؛ فافعلوا البر وكفِّروا عن أيمانكم، والله سميع لأقوالكم، عليم بأفعالكم، وسيجازيكم عليها.

من فوائد الآيات تحريم النِّكَاح بين المسلمين والمشركين، وذلك لبُعد ما بين الشرك والإيمان.

دلت الآية على اشتراط الولي عند عقد النِّكَاح؛ لأن الله تعالى خاطب الأولياء لمّا نهى عن تزويج المشركين.

حث الشريعة على الطهارة الحسية من النجاسات والأقذار، والطهارة المعنوية من الشرك والمعاصي.

ترغيب المؤمن في أن يكون نظره في أعماله -حتَّى ما يتعلق بالملذات- إلى الدار الآخرة، فيقدم لنفسه ما ينفعه فيها.

<div class="verse-tafsir" id="91.1BLP3"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات في أحكام الأيمان وهي عامة وخاصة، والثاني هو حلف الرجل أن لا يقرب امرأته، وخص باسم الإيلاء في عرف الشرع كما سيأتي، فبين الآيات وما قبلها وما بعدها تناسب بهذا الاعتبار.

﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  ﴾ العرضة بالضم كالغرفة لها معان أظهرها هنا اثنان: أحدهما: أن تكون بمعنى المانع المعترض دون الشيء، أي لا تجعلوا الله تعالى مانعًا بينكم وبين عمل الخير بأن تحلفوا به على تركه فتتركوه تعظيمًا لاسمه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية وهو حلف أبي بكر  على ترك الإنفاق على "مسطح" بعد أن خاض في قصة الإفك وفيه نزل ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى  ﴾ الآية.

ويؤيده أيضًا أحاديث في الصحيحين وغيرهما منها قوله  : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وقوله  :"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي حديث عائشة عند ابن ماجة وابن جرير قالت قال رسول الله  :"من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" وفي هذا المعنى أحاديث أخرى.

ذلك أن الإنسان يسرع إلى لسانه الحلف أنه لا يفعل كذا وقد يكون خيرًا وليفعلن كذا وقد يكون شرًا، والله تعالى لا يرضى بأن يكون اسمه حجابًا دون الخير أو محضاء للشر، فنهى عن ذلك وأمر نبيه  بوجوب تحري الخير والأحسن، وإن حلف على غيره فليكفر عن يمينه بما هو منصوص في سورة المائدة.

والمعنى الثاني: للعُرْضة ما يعرض للشيء أي ما ينصب ليعرض له الشيء كالهدف للسهام، يقال فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه، قال الشاعر: وإن تتركوا رهط الفدوكس عصبة يتامى أيامى عرضة للقبائل ويقال جعلته عرضة لكذا أي نصبته له فكان معروضًا له يكثر وروده عليه، وقال الشاعر: طلقتهن وما الطلاق بسبة إن النساء لعرضة التطليق والمعنى على هذا الوجه لا تكثروا الحلف بالله تعالى فالذي يجعل الله عرضة لأيمانه هو كالحلاف في قوله تعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ  ﴾ فكثير الحلف حليف المهانة وقرينها، وقد ذكر تعالى في هذه الآيات صفات أخرى ذميمة نهى عن أهلها وبدأها بالحلاف فقال بعد ما تقدم ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ  مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ  ﴾ فالحلاف يعد في مقدمة هؤلاء الأشرار.

ومن أكثر الحلف قلت مهابته وكثر حنثه واتهم بالكذب، ولا يكون الحلاف إلا كذابًا فهو على إهانته لاسم الله تعالى يفوته ما يريد من قبول قوله وتصديقه، فالآية الكريمة ترشدنا إلى ترك الحلف بالله تعالى إلا عند الحاجة إلى ذلك.

وهذا الوجه أظهر من الذي سبقه، والعرضة بهذا المعنى أكثر استعمالًا وكانت العرب تمتدح بقلة الحلف وحفظ الأيمان قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت و "الألايا" جمع ألية وهي اليمين كقضية وقضايا، وإنك لتجد كثيرًا من أهل الدين لا يحفظون من أيمانهم ما كان يحفظ أهل الشرك في الجاهلية فأين هم من قول الإمام الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا؟

ومن مذام كثرة الحلف أنه يقلل ثقة الإنسان بنفسه وثقة الناس به، فهو يشعر بأنه لا يصدق فيحلف، ولهذا وصفه الله تعالى بالمهين، وكثيرًا ما يعرض نفسه للخطأ إذا حلف على المستقبل، ثم إنه لا يكون إلا قليل الخشية والتعظيم لله تعالى لا يهمه إلا أن يرضي الناس ويكون موثوقًا به عندهم، فتعريض اسم الله تعالى للحلف بدون ضرورة ولا حاجة ينشأ عن فقد هيبة الله وإجلاله من النفس فإن الناس يتعلمون كثرة الحلف من أمهاتهم ومن الولدان الذين يتربون معهم وهم صغار فيتعودون عدم احترام اسم الله تعالى وقد نجد هذا الحلف فاشيًا حتى في المشتغلين بعلم الدين، ذلك أن علم الدين أصبح صناعة لفظين لا أثر لها في القلوب ولا في الأعمال، وقد حدثني بعضهم حديثًا أربع مرات وفي كل مرة كان يحلف عليه ويكذب فيه بما يزيد فيه وينقص منه.

وقوله تعالى ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ على الوجه الأول بيان الأيمان لأنه بمعنى المحلوف عليه، أي لا تجعلوه مانعًا لما حلفتم على تركه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلف أحدكم على ترك البر أو التقوى أو الإصلاح فليكفر عن يمينه وليفعل البر والتقوى والإصلاح، فلا عذر لأحد في ترك ذلك، ولا يرضى الله تعالى أن يكون اسمه مانعًا منه، وأما على الوجه الثاني فهو لتعليل النهي أي لا تجعلوه تعالى معرضًا لأيمانكم لأجل البر والتقوى والإصلاح فإن كثير الحلف لا يكون أهلًا لذلك لما تقدم من كونه يكون مهينًا، غير معظم لله تعالى، وعرضة للكذب والحنث، وغير موثوق بقوله، فأنَّى يرضاه الناس مصلحًا بينهم، والمصلح مرب ومؤدب وحاكم مطاع بالاختيار.

ثم قال ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ أي سميع لما تلفظون به من الحلف وغيره عليم بما يترتب على كثرة الحلف وبغيره من أعمالكم فعليكم أن تراقبوه وتتذكروا عند داعية كل قول وعمل أنه سميع لأقوالكم عليه بأفعالكم، لعلكم تقفون عند حدود هدايته لكم فتكونون من المفلحين، وإلا كنتم من الخاسرين.

هذا الختم للآية يتضمن الوعيد على كثرة الحلف، فإذا دخل فيه ما يجري في الكلام من قصد وروية كقول الإنسان: أي والله، لا والله: وعد هذا مما يؤاخذ عليه ويجري فيه الحكم السابق كان الحرج عظيمًا، وقد رفع الله هذا الحرج بقوله ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ  ﴾ فاللغو أن يقع الكلام حشوًا غير مقصود به معناه، فهو يقول إن هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد اليمين لغو من القول لا تعد إيمانًا حقيقية، فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة عليها ولا بالعقاب ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ بأن تقصدوا جعل اسمه الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح الأعمال، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقول الحشو الذي لا أثر له في القلب، ولا شأن له في العمل، مما يعفو عنه، ولا يعاقب عليه، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ  ﴾ يغفر لعبده ما يلم به مما لا يفسد أخلاقه وأعماله، ولا يتعجل بالعقوبة على هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي منه، ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم، لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار.

وقد ذكر بعض الفقهاء لليمين اللغو غير هذا المعنى المتبادر ووضعوا لذلك أحكامًا ذكرها المفسرون ولا حاجة إليها، وما قلناه هو المتبادر المأثور عن جمهور السلف.

بعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة انتقل إلى حكم اليمين الخاصة فقال ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ  ﴾ إلخ فالإيلاء من المرأة أن يحلف الرجل أنه لا يقربها، وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ، وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها، فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضرارًا معصية، والحلف عليها حلف على ما لا يرضى الله تعالى به لما فيه من ترك التواد والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما، والظاهر أن حكم هذا الإيلاء "الحلف" يدخل في معنى الآية السابقة على الوجه الأول من الوجهين اللذين أوردناهما، وهو أنه يجب على المؤلي أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولكنه إذا لم يفعل هذا الواجب لم يكن آثمًا في نفسه فقط فيقال حسبه ما يلقى من جزاء إثمه، بل يكون بإثمه هاضمًا لحق امرأته، ولا يبيح له العدل هذا الهضم والظلم، ولذلك أنزل الله فيه هذا الحكم، وهو التربص مدة أربعة أشهر، وقد قيل إن هذه هي المدة التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروي الرجل في أمره ورجوعه إلى رشده ﴿ فَإِنْ فَاءُوا  ﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بأن حنثوا في اليمين وقاربوهن في أثناء هذه المدة أو آخرها ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ يغفر لهم منا سلف برحمته الواسعة، لأن الفيئة توبة في حقهم ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ  ﴾ أي صمموا على أن لا يعودوا إلى ملامسة نسائهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ أي فليراقبوا الله تعالى عالمين أنه سميع لإيلائهم وطلاقهم عليم بنيتهم فيه، فإن كانوا يريدون به إيذاء النساء ومضارتهن فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي بأن كان الباعث على الإيلاء تربية النساء لأجل إقامة حدود الله، وعلى الطلاق اليأس من إمكان المعاشرة بالمعروف، فهو يغفر لهم، والمعنى أن من حلف على ترك غشيان امرأته فلا يجوز له أن يتربص أكثر من أربعة أشهر فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم، وإن أتمها تعين عليه أحد الأمرين الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية أو الطلاق، وعليه أن يراقب الله تعالى فيما يختاره منهما.

فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقًا بالفعل، أي أنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعًا للضرار، وقيل ترفع أمرها إلى الحاكم فيطلق عليه، والمسألة خلافية في هذا ولكن لا خلاف في عدم جواز بقائها على عصمته وعدم إباحة مضارتها.

وقد فضل الله تعالى الفيئة على الطلاق إذ جعل جزاء الفيئة المغفرة والرحمة، وهدى إلى مراقبته في العزم على الطلاق، وذَكَّر المؤلي بسمعه تعالى لما يقول وعلمه بما يسره في نفسه ويقصده من علمه.

هذا حكم الإيلاء من المرأة إذا أطلقه الزوج فلم يذكر زمنًا أو قال لا أقربك مدة كذا وذكر أكثر من أربعة أشهر، فإن ذكر مدة دون أربعة أشهر فلا يلزمه شيء إذا أتمها وفي الأربعة خلف.

وقد عَدَّى الإيلاء هنا "بمن" لما فيه من معنى المفارقة والانفصال، وهو من البلاغة والإيجاز بمكان.

وقال في غيره ألى وآلى وائتلى أن يفعل كذا أي حلف، وصار الإيلاء حقيقة شرعية في الحلف لمذكور.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله