الآية ٢٢٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٥ من سورة البقرة

لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَـٰنِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ ٢٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم أي : لا يعاقبكم ولا يلزمكم بما صدر منكم من الأيمان اللاغية ، وهي التي لا يقصدها الحالف ، بل تجري على لسانه عادة من غير تعقيد ولا تأكيد ، كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من حلف فقال في حلفه : واللات والعزى ، فليقل : لا إله إلا الله " فهذا قاله لقوم حديثي عهد بجاهلية ، قد أسلموا وألسنتهم قد ألفت ما كانت عليه من الحلف باللات من غير قصد ، فأمروا أن يتلفظوا بكلمة الإخلاص ، كما تلفظوا بتلك الكلمة من غير قصد ، لتكون هذه بهذه ; ولهذا قال تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم كما قال في الآية الأخرى في المائدة : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ) [ المائدة : 89 ] .

قال أبو داود : باب لغو اليمين : حدثنا حميد بن مسعدة الشامي حدثنا حسان يعني ابن إبراهيم حدثنا إبراهيم يعني الصائغ عن عطاء : في اللغو في اليمين ، قال : قالت عائشة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " هو كلام الرجل في بيته : كلا والله وبلى والله " .

ثم قال أبو داود : رواه داود بن أبي الفرات ، عن إبراهيم الصائغ ، عن عطاء ، عن عائشة موقوفا .

ورواه الزهري ، وعبد الملك ، ومالك بن مغول ، كلهم عن عطاء ، عن عائشة ، موقوفا أيضا .

قلت : وكذا رواه ابن جريج ، وابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن عائشة ، موقوفا .

ورواه ابن جرير ، عن هناد ، عن وكيع ، وعبدة ، وأبي معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في قوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) [ المائدة : 89 ] قالت : لا والله ، بلى والله .

ثم رواه عن محمد بن حميد ، عن سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن هشام ، عن أبيه ، عنها .

وبه ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن القاسم ، عنها .

وبه ، عن سلمة عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء ، عنها .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة عن عائشة في قوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قالت : هم القوم يتدارؤون في الأمر ، فيقول هذا : لا والله ، وبلى والله ، وكلا والله يتدارؤون في الأمر : لا تعقد عليه قلوبهم .

وقد قال ابن أبي حاتم : أخبرنا هارون بن إسحاق الهمداني ، حدثنا عبدة يعني ابن سليمان عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في قول الله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم قالت : هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله .

وحدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث ، حدثني ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة قال : كانت عائشة تقول : إنما اللغو في المزاحة والهزل ، وهو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله .

فذاك لا كفارة فيه ، إنما الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ، ثم لا يفعله .

ثم قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عمر ، وابن عباس في أحد أقواله ، والشعبي ، وعكرمة في أحد قوليه ، وعطاء ، والقاسم بن محمد ، ومجاهد في أحد قوليه ، وعروة بن الزبير ، وأبي صالح ، والضحاك في أحد قوليه ، وأبي قلابة ، والزهري ، نحو ذلك .

الوجه الثاني : قرئ على يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني الثقة ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم وتقول : هو الشيء يحلف عليه أحدكم ، لا يريد منه إلا الصدق ، فيكون على غير ما حلف عليه .

ثم قال : وروي عن أبي هريرة ، وابن عباس في أحد قوليه وسليمان بن يسار ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد في أحد قوليه وإبراهيم النخعي في أحد قوليه والحسن ، وزرارة بن أوفى ، وأبي مالك ، وعطاء الخراساني ، وبكر بن عبد الله ، وأحد قولي عكرمة ، وحبيب بن أبي ثابت ، والسدي ، ومكحول ، ومقاتل ، وطاوس ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، ويحيى بن سعيد ، وربيعة ، نحو ذلك .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن موسى الحرشي حدثنا عبد الله بن ميمون المرائي ، حدثنا عوف الأعرابي عن الحسن بن أبي الحسن ، قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون يعني : يرمون ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه ، فرمى رجل من القوم فقال : أصبت والله وأخطأت والله .

فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم : حنث الرجل يا رسول الله .

قال : " كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة " هذا مرسل حسن عن الحسن .

وقال ابن أبي حاتم : وروي عن عائشة القولان جميعا .

حدثنا عصام بن رواد ، أخبرنا آدم ، أخبرنا شيبان ، عن جابر ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن عائشة قالت : هو قوله : لا والله ، وبلى والله ، وهو يرى أنه صادق ، ولا يكون كذلك .

أقوال أخر : قال عبد الرزاق ، عن هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم : هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه .

وقال زيد بن أسلم : هو قول الرجل : أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا ، أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا ، فهو هذا .

قال ابن أبي حاتم : وحدثنا علي بن الحسين ، حدثنا مسدد ، حدثنا خالد ، أخبرنا عطاء ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان .

وأخبرني أبي ، أخبرنا أبو الجماهر ، حدثنا سعيد بن بشير ، حدثني أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك ، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة ، وكذا روي عن سعيد بن جبير .

وقال أبو داود " باب اليمين في الغضب " : حدثنا محمد بن المنهال ، أنبأنا يزيد بن زريع ، حدثنا حبيب المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن سعيد بن المسيب : أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث ، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال : إن عدت تسألني عن القسمة ، فكل مالي في رتاج الكعبة .

فقال له عمر : إن الكعبة غنية عن مالك ، كفر عن يمينك وكلم أخاك ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يمين عليك ، ولا نذر في معصية الرب عز وجل ، ولا في قطيعة الرحم ، ولا فيما لا تملك " .

وقوله : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب .

قال مجاهد وغيره : وهي كقوله : ( ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان الآية [ المائدة : 89 ] والله غفور حليم أي : غفور لعباده ، حليم عليهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم القول في تأويل قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وفي معنى اللغو .

فقال بعضهم في معناه : لا يؤاخذكم الله بما سبقتكم به ألسنتكم من الأيمان على عجلة وسرعة , فيوجب عليكم به كفارة إذا لم تقصدوا الحلف واليمين , وذلك كقول القائل : فعل هذا والله , أو أفعله والله , أو لا أفعله والله , على سبوق المتكلم بذلك لسانه بما وصل به كلامه من اليمين .

ذكر من قال ذلك : 3499 - حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد , قال : ثنا عتاب بن بشير , عن خصيف , عن عكرمة عن ابن عباس : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هي بلى والله , ولا والله .

3500 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن الزهري , عن القاسم , عن عائشة في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن أبي نجيح , عن عطاء , عن عائشة نحوه .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , عن ابن إسحاق , عن هشام بن عروة , عن أبيه , قال : سألت عائشة عن لغو اليمين , قالت : هو لا والله , وبلى والله , ما يتراجع به الناس .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع وعبدة وأبو معاوية , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة في قول الله { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : لا والله , وبلى الله , يصل بها كلامه .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام بن سلم , عن عبد الملك , عن عطاء قال : دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة فقال لها : يا أم المؤمنين قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : هو لا والله , وبلى والله , ليس مما عقدتم الأيمان .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا ابن أبي ليلى , عن عطاء , قال : أتيت عائشة مع عبيد بن عمير , فسألها عبيد عن قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } فقالت عائشة : هو قول الرجل : لا والله , وبلى والله , ما لم يعقد عليه قلبه .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية قال : أخبرنا ابن جريج , عن عطاء , قال : انطلقت مع عبيد بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة في ثبير , فسألها عبيد عن لغو اليمين , قالت : لا والله , وبلى والله .

3501 - حدثنا محمد بن موسى الحرسي , قال : ثنا حسان بن إبراهيم الكرماني , قال : ثنا إبراهيم الصائغ , عن عطاء في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وهو قول الرجل في بيته كلا والله وبلى والله " .

3502 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : هم القوم يتدارءون في الأمر , فيقول هذا : لا والله , وبلى والله , وكلا والله , يتدارءون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم .

3503 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : قول الرجل : لا والله , وبلى والله , يصل به كلامه ليس فيه كفارة .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا المغيرة , عن الشعبي , قال : هو الرجل يقول : لا والله , وبلى والله , يصل حديثه .

* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا بشر بن المفضل , قال : ثنا ابن عون , قال : سألت عامرا عن قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو لا والله , وبلى والله .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي جميعا , عن ابن عون , عن الشعبي مثله .

3504 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وابن وكيع , قالا : ثنا ابن علية , قال : ثنا أيوب , قال : قال أبو قلابة في " لا والله وبلى والله " : أرجو أن يكون لغة .

وقال يعقوب في حديثه : أرجو أن يكون لغوا .

وقال ابن وكيع في حديثه : أرجو أن يكون لغة , ولم يشك .

3505 - حدثنا أبو كريب وابن وكيع وهناد , قالوا : ثنا وكيع , عن إسماعيل بن أبي خالد , عن أبي صالح , قال : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن مالك , عن عطاء , قال : سمعت عائشة تقول في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن مالك بن مغول , عن عطاء , مثله .

3506 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو معاوية , عن عاصم الأحول , عن عكرمة في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو قول الناس : لا والله وبلى والله .

3507 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا أبو معاوية , عن عاصم , عن الشعبي وعكرمة قالا : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة عن عمرو , عن عطاء , قال : دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة , فسألها , فقالت : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا حفص , عن ابن أبي ليلى وأشعث , عن عطاء , عن عائشة : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي وجرير , عن هشام , عن أبيه , عن عائشة قالت : لا والله , وبلى والله .

* - حدثنا ابن وكيع وهناد , قالا : ثنا يعلى , عن عبد الملك , عن عطاء , قال : قالت عائشة في قول الله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قالت : هو قولك : لا والله , وبلى والله , ليس لها عقد الأيمان .

* - حدثنا هناد , قالا : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن الشعبي ; قال : اللغو : قول الرجل : لا والله , وبلى والله , يصل به كلامه ما لم يشك شيئا يعقد عليه قلبه .

* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني عمرو أن سعيد بن أبي هلال حدثه أنه سمع عطاء بن أبي رباح يقول : سمعت عائشة تقول : لغو اليمين قول الرجل : لا والله , وبلى والله فيما لم يعقد عليه قلبه .

* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال عمرو : وحدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين النوفلي , عن عطاء , عن عائشة , بذلك .

3508 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مجاهد في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : الرجلان يتبايعان , فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا وكذا , ويقول الآخر .

والله لا أشتريه بكذا وكذا ; فهذا اللغو لا يؤاخذ به .

وقاله آخرون : بل اللغو في اليمين : اليمين التي يحلف بها الحالف وهو يرى أنه كما يحلف عليه ثم يتبين غير ذلك وأنه بخلاف الذي حلف عليه .

ذكر من قال ذلك : 3509 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرني ابن نافع , عن أبي معشر , عن محمد بن قيس , عن أبي هريرة أنه كان يقول : لغو اليمين : حلف الإنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه , فإذا هو غير ذلك .

3510 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } واللغو : أن يحلف الرجل على الشيء يراه .

حقا وليس بحق .

3511 - حدثنا المثنى , قال : ثنا أبو صالح : قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } هذا في الرجل يحلف على أمر إضرار أن يفعله فلا يفعله , فيرى الذي هو خير منه , فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير .

ومن اللغو أيضا : أن يحلف الرجل على أمر لا يألو فيه الصدق وقد أخطأ في يمينه , فهذا الذي عليه الكفارة ولا إثم عليه .

3512 - حدثنا ابن بشار وابن المثنى , قالا : ثنا أبو داود , قال : ثنا هشام , عن قتادة , عن سليمان بن يسار في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : خطأ غير عمد .

3513 - حدثنا ابن بشار قال : ثنا ابن أبي عدي , عن عوف , عن الحسن في هذه الآية : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو أن تحلف على الشيء وأنت يخيل إليك أنه كما حلفت وليس كذلك ; فلا يؤاخذه الله ولا كفارة , ولكن المؤاخذة والكفارة فيما حلف عليه على علم .

* - حدثنا هناد وابن وكيع , قالا : ثنا وكيع , عن الفضل بن دلهم , عن الحسن , قال : هو الرجل يحلف على اليمين لا يرى إلا أنه كما حلف .

* - حدثنا سفيان , قال : ثنا أبو معاوية , عن عاصم , عن الحسن : { لا يؤاخذكم الله بالغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على اليمين يرى أنها كذلك , وليست كذلك .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة , عن سعيد , عن قتادة , عن الحسن في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على الشيء , وهو يرى أنه كذلك , فلا يكون كما قال فلا كفارة عليه .

3514 - حدثنا هناد وأبو كريب وابن وكيع , قالوا : ثنا وكيع , عن سفيان , وحدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا الثوري عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لا يؤاخذكم الله بالغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على اليمين لا يرى إلا أنها كما حلف عليه , وليست كذلك .

3515 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح في قول الله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : من حلف بالله ولا يعلم إلا أنه صادق فيما حلف .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } حلف الرجل على الشيء وهو لا يعلم إلا أنه على ما حلف عليه فلا يكون كما حلف , كقوله : إن هذا البيت لفلان وليس له , وإن هذا الثوب لفلان وليس له .

3516 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن مغيرة , عن إبراهيم في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه فيه صادق .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن إبراهيم في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على الأمر يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك , قال : فلا يؤاخذ بذلك , قال : وكان يحب أن يكفر .

* - حدثنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي , قال : ثنا الجعفي , عن زائدة , عن منصور , قال : قال إبراهيم : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : أن يحلف على الشيء وهو يرى أنه صادق وهو كاذب , فذلك اللغو لا يؤاخذ به .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن منصور , عن إبراهيم نحوه , إلا أنه قال : إن حلفت على الشيء وأنت ترى أنك صادق وليس كذلك .

3517 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو إدريس , قال : أخبرنا حصين , عن أبي مالك أنه قال : اللغو : الرجل يحلف على الأيمان , وهو يرى أنه كما حلف .

3518 - حدثني إسحاق بن حبيب بن الشهيد , قال : ثنا عتاب بن بشير , عن خصيف , عن زياد , قال : هو الذي يحلف على اليمين يرى أنه فيها صادق .

3519 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمي , قال : ثنا بكير بن أبي السميط , عن قتادة في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الخطأ غير العمد , الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك وليس كذلك .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا عمرو بن عون , قال : أخبرنا هشيم , عن منصور ويونس , عن الحسن قال : اللغو : الرجل يحلف على الشيء يرى أنه كذلك فليس عليه فيه كفارة .

3520 - حدثنا هناد وابن وكيع ; قال هناد : حدثنا وكيع وقال ابن وكيع : حدثني أبي , عن عمران بن حدير قال : سمعت زرارة بن أوفى قال : هو الرجل يحلف على اليمين لا يرى إلا أنها كما حلف .

3521 - حدثنا أحمد بن حازم , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا عمر بن بشير , قال : سئل عامر عن هذه الآية : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اللغو : أن يحلف الرجل لا يألو عن الحق فيكون غير ذلك , فذلك اللغو الذي لا يؤاخذ به .

* - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } فاللغو : اليمين الخطأ غير العمد , أن تحلف على الشيء وأنت ترى أنه كما حلفت عليه ثم لا يكون كذلك , فهذا لا كفارة عليه , ولا مأثم فيه .

3522 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } أما اللغو : فالرجل يحلف على اليمين , وهو يرى أنها كذلك فلا تكون كذلك , فليس عليه كفارة .

3523 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اللغو : اليمين الخطأ في غير عمد أن يحلف على الشيء وهو يرى أنه كما حلف عليه , وهذا ما ليس عليه فيه كفارة .

* - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن حصين , عن أبي مالك , قال : أما اليمين التي لا يؤاخذ بها صاحبها فالرجل يحلف على اليمين وهو يرى أنه فيها صادق , فذلك اللغو .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين عن أبي مالك مثله , إلا أنه قال : الرجل يحلف على الأمر , يرى أنه كما حلف عليه فلا يكون كذلك , فليس عليه فيه كفارة , وهو اللغو .

3524 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني معاوية بن صالح , عن يحيى بن سعيد , وعن ابن أبي طلحة - كذا قال ابن أبي جعفر - قالا : من قال : والله لقد فعلت كذا وكذا وهو يظن أن قد فعله , ثم تبين أنه لم يفعله , فهذا لغو اليمين , وليس عليه فيه كفارة .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن رجل , عن الحسن في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الخطأ غير العمد , كقول الرجل : والله إن هذا لكذا وكذا وهو يرى أنه صادق ولا يكون كذلك , قال معمر : وقاله قتادة أيضا .

3525 - حدثني ابن البرقي , قال : ثنا عمرو , قال : سئل سعيد عن اللغو في اليمين , قال سعيد وقال مكحول : الخطأ غير العمد , ولكن الكفارة فيما عقدت قلوبكم .

3526 - حدثني ابن البرقي , قال : ثنا عمرو , عن سعيد بن عبد العزيز , عن مكحول أنه قال : اللغو الذي لا يؤاخذ الله به : أن يحلف الرجل على الشيء الذي يظن أنه فيه صادق , فإذا هو فيه غير ذلك , فليس عليه فيه كفارة , وقد عفا الله عنه .

3527 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : إذا حلف على اليمين وهو يرى أنه فيه صادق وهو كاذب , فلا يؤاخذ به , وإذا حلف على اليمين وهو يعلم أنه كاذب , فذاك الذي يؤاخذ به .

وقال آخرون : بل اللغو من الأيمان التي يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير عقد قلب ولا عزم , ولكن وصلة للكلام .

ذكر من قال ذلك : 3528 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا مالك بن إسماعيل , عن خالد , عن عطاء , عن وسيم , عن طاوس , عن ابن عباس , قال : لغو اليمين : أن تحلف وأنت غضبان .

3529 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا أبو حمزة , عن عطاء , عن طاوس , قال : كل يمين حلف عليها رجل وهو غضبان فلا كفارة عليه فيها , قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } وعلة من قال هذه المقالة ما : 3530 - حدثني به أحمد بن منصور المروزي , قال : ثنا عمر بن يونس اليماني , قال : ثنا سليمان بن أبي سليمان الزهري , عن يحيى بن أبي كثير , عن طاوس , عن ابن عباس , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يمين في غضب " .

وقال آخرون , بل اللغو في اليمين : الحلف على فعل ما نهى الله عنه , وترك ما أمر الله بفعله .

ذكر من قال ذلك : 3531 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن داود بن أبي هند , عن سعيد بن جبير , قال : هو الذي يحلف على المعصية , فلا يفي ويكفر يمينه ; قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } .

* - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا داود , عن سعيد بن جبير , قال : لغو اليمين أن يحلف الرجل على المعصية لله لا يؤاخذه الله بإلغائها .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن داود , عن سعيد بن جبير بنحوه , وزاد فيه : قال : وعليه كفارة .

* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثني عبد الأعلى ويزيد بن هارون , عن داود , عن سعيد بنحوه .

* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن سعيد بن جبير : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير .

* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , وحدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن شعبة , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في هذه الآية : { يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها .

3532 - حدثنا الحسن بن الصباح البزار , قال : ثنا إسحاق , عن عيسى ابن بنت داود بن أبي هند , قال : ثنا خالد بن إلياس , عن أم أبيه : أنها حلفت أن لا تكلم ابنة ابنها ابنة أبي الجهم , فأتت سعيد بن المسيب وأبا بكر وعروة بن الزبير , فقالوا : لا يمين في معصية , ولا كفارة عليها .

* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في قوله : { لا يؤاخذكم الله وباللغو في أيمانكم } قال : هو الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها إن تركها , قلت : فكيف يصنع ؟

قال : يكفر عن يمينه ويترك المعصية .

* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا هشيم , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال , هو الرجل يحلف على الحرام , فلا يؤاخذه الله بتركه .

* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا داود , عن سعيد بن جبير , قال في لغو اليمين , قال : هي اليمين في المعصية , قال : أولا تقرأ فتفهم ؟

قال الله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } 5 89 قال : فلا يؤاخذه بالإيفاء , ولكن يؤاخذه بالتمام عليها , قال : وقال { لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم .

.

.

} إلى قوله : { والله غفور حليم } .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن هشيم , عن أبي بشر , عن سعيد بن جبير في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : الرجل يحلف على المعصية فلا يؤاخذه الله بتركها ويكفر .

3533 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن عاصم , عن الشعبي , عن مسروق : في الرجل يحلف على المعصية , فقال : أيكفر خطوات الشيطان ؟

ليس عليه كفارة .

3534 - حدثني ابن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن عاصم , عن عكرمة , عن ابن عباس , مثل ذلك .

3535 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن داود , عن الشعبي : في الرجل يحلف على المعصية قال : كفارتها أن يتوب منها .

* - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا مغيرة , عن الشعبي أنه كان يقول : يترك المعصية ولا يكفر , ولو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله .

3536 - حدثنا يحيى بن داود الواسطي , قال : ثنا أبو أسامة , عن مجالد , عن عامر , عن مسروق قال : كل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة .

وعلة من قال هذا القول من الأثر ما : 3537 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو أسامة , عن الوليد بن كثير , قال : ثني عبد الرحمن بن الحارث , عن عمرو بن شعيب , عن أبيه , عن عبد الله بن عمرو , أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من نذر فيما لا يملك فلا نذر له , ومن حلف على معصية لله فلا يمين له , ومن حلف على قطيعة رحم فلا يمين لا " .

3538 - حدثني علي بن سعيد الكندي , قال : ثنا علي , بن مسهر , عن حارثة بن محمد , عن عمرة , عن عائشة , قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية لله فبره أن يحنث بها ويرجع عن يمينه " .

وقال آخرون : اللغو من الأيمان : كل يمين وصل الرجل بها كلامه على غير قصد منه إيجابها على نفسه .

ذكر من قال ذلك : 3539 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا هشام , قال : ثنا حماد , عن إبراهيم , قال : لغو اليمين : أن يصل الرجل كلامه بالحلف , والله ليأكلن , والله ليشربن , ونحو هذا ; لا يتعمد به اليمين ولا يريد به حلفا , ليس عليه كفارة .

* - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا ابن علية , عن هشام الدستوائي , عن حماد , عن إبراهيم : لغو اليمين : ما يصل به كلامه : والله لتأكلن , والله لتشربن .

3540 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن الحكم , عن مجاهد : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هما الرجلان يتساومان بالشيء , فيقول أحدهما : والله لا أشتريه منك بكذا , ويقول الآخر : والله لا أبيعك بكذا وكذا .

3541 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس , عن ابن شهاب , أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم , قالت : أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة والحديث الذي لا يعتمد عليه القلب .

وعلة من قال هذا القول من الأثر ما : 3542 - حدثنا به محمد بن موسى الحرسي , قال : ثنا عبيد الله بن ميمون المرادي , قال : ثنا عوف الأعرابي , عن الحسن بن أبي الحسن , قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون - يعني يرمون - ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه , فرمى رجل من القوم , فقال : أصبت والله وأخطأت !

فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم : حنث الرجل يا رسول الله , قال : " كلا أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة " .

وقال آخرون : اللغو من الأيمان : ما كان من يمين بمعنى الدعاء من الحالف على نفسه إن لم يفعل كذا وكذا , أو بمعنى الشرك والكفر .

ذكر من قال ذلك : 3543 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد القاسم المصري , قال : ثنا إسماعيل بن مرزوق , عن يحيى بن أيوب , عن محمد بن عجلان , عن زيد بن أسلم في قول الله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : هو كقول الرجل : أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا , أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا .

فهو هذا , ولا يترك الله له مالا ولا ولدا .

يقول : لو يؤاخذكم الله بهذا لم يترك لكم شيئا .

* - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا إسماعيل , قال : ثني يحيى بن أيوب , عن عمرو بن الحارث , عن زيد بن أسلم , بمثله .

3544 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا إسماعيل بن مرزوق , قال : ثني يحيى بن أيوب أن زيد بن أسلم كان يقول في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } مثل قول الرجل : هو كافر وهو مشرك , قال : لا يؤاخذه حتى يكون ذلك من قلبه .

3545 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اللغو في هذا : الحلف بالله ما كان بالألسن فجعله لغوا , وهو أن يقول : هو كافر بالله , وهو إذن يشرك بالله , وهو يدعو مع الله إلها .

فهذا اللغو الذي قال الله في سورة البقرة .

وقال آخرون : اللغو في الأيمان : ما كانت فيه كفارة .

ذكر من قال ذلك : 3546 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } فهذا في الرجل يحلف على أمر إضرار أن يفعله فلا يفعله , فيرى الذي هو خير منه , فأمره الله أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير .

3547 - حدثني يحيى بن جعفر , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اليمين المكفرة .

وقال آخرون : اللغو من الأيمان : هو ما حنث فيه الحالف ناسيا .

ذكر من قال ذلك : 3548 - حدثني الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا هشيم , قال : أخبرني مغيرة , عن إبراهيم , قال : هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينساه ; يعني في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } .

قال أبو جعفر : واللغو من الكلام في كلام العرب كل كلام كان مذموما وفعلا لا معنى له مهجورا , يقال منه : لغا فلان في كلامه يلغو لغوا : إذا قال قبيحا من الكلام , ومنه قول الله تعالى ذكره : { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه } 28 55 وقوله : { وإذا مروا باللغو مروا كراما } 25 72 مسموع من العرب لغيت باسم فلان , بمعنى أولعت بذكره بالقبيح .

فمن قال لغيت , قال ألغى لغا , وهي لغة لبعض العرب , ومنه قول الراجز : ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلم فإذا كان اللغو ما وصفت , وكان الحالف بالله ما فعلت كذا وقد فعل ; ولقد فعلت كذا وما فعل , واصلا بذلك كلامه على سبيل سبوق لسانه من غير تعمد إثم في يمينه , ولكن لعادة قد جرت له عند عجلة الكلام , والقائل : والله إن هذا لفلان وهو يراه كما قال , أو والله ما هذا فلان وهو يراه ليس به , والقائل : ليفعلن كذا والله , أو لا يفعل كذا والله , على سبيل ما وصفنا من عجلة الكلام , وسبوق اللسان للعادة , على غير تعمد حلف على باطل , والقائل هو مشرك أو هو يهودي أو نصراني إن لم يفعل كذا , أو إن فعل كذا من غير عزم على كفر , أو يهودية أو نصرانية ; جميعهم قائلون هجرا من القول , وذميما من المنطق , وحالفون من الأيمان بألسنتهم ما لم تتعمد فيه الإثم قلوبهم .

كان معلوما أنهم لغاة في أيمانهم لا تلزمهم كفارة في العاجل , ولا عقوبة في الآجل لإخبار الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذ عباده بما لغوا من أيمانهم , وأن الذي هو مؤاخذهم به ما تعمدت فيه الإثم قلوبهم .

وإن كان ذلك كذلك , وكان صحيحا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " فأوجب الكفارة بإتيان الحالف ما حلف أن لا يأتيه مع وجوب إتيان الذي هو خير من الذي حلف عليه أن لا يأتيه , وكانت الغرامة في المال أو إلزام الجزاء من المجزي أبدال الجازين , لا شك عقوبة كبعض العقوبات التي جعلها الله تعالى ذكره نكالا لخلقه فيما تعدوا من حدوده , وإن كان يجمع جميعها أنها تمحيص وكفارات لمن عوقب بها فيما عوقبوا عليه كان بينا أن من ألزم الكفارة في عاجل دنياه فيما حلف به من الأيمان فحنث فيه , وإن كانت كفارة لذنبه فقد واخذه الله بها بإلزامه إياه الكفارة منها , وإن كان ما عجل من عقوبته إياه على ذلك مسقطا عنه عقوبته في آجله .

وإذ كان تعالى ذكره قد واخذه بها , فغير جائز لقائل أن يقول : وقد واخذه بها هي من اللغو الذي لا يؤاخذ به قائله , فإذ كان ذلك غير جائز , فبين فساد القول الذي روي عن سعيد بن جبير أنه قال : اللغو : الحلف على المعصية , لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن على الحالف , على معصية الله كفارة بحنثه في يمينه , وفي إيجاب سعيد عليه الكفارة ; دليل واضح على أن صاحبها بها مؤاخذ ; لما وصفنا : من أن من لزمه الكفارة في يمينه ; فليس ممن لم يؤاخذ بها .

فإذا كان اللغو هو ما وصفنا مما أخبرنا الله تعالى ذكره أنه غير مؤاخذنا به , وكل يمين لزمت صاحبها بحنثه فيها الكفارة في العاجل , أو أوعد الله تعالى ذكره صاحبها العقوبة عليها في الآجل , وإن كان وضع عنه كفارتها في العاجل , فهي مما كسبته قلوب الحالفين , وتعمدت فيه الإثم نفوس المقسمين , وما عدا ذلك فهو اللغو وقد بينا وجوهه .

فتأويل الكلام إذا : لا تجعلوا الله أيها المؤمنون عرضة لأيمانكم , وحجة لأنفسكم في إقسامكم في أن لا تبروا , ولا تتقوا , ولا تصلحوا بين الناس , فإن الله لا يؤاخذكم بما لغته ألسنتكم من أيمانكم , فنطقت به من قبيح الأيمان وذميمها , على غير تعمدكم الإثم وقصدكم بعزائم صدوركم إلى إيجاب عقد الأيمان التي حلفتم بها , ولكنه إنما يؤاخذكم بما تعمدتم فيه عقد اليمين وإيجابها على أنفسكم , وعزمتم على الإتمام على ما حلفتم عليه بقصد منكم وإرادة , فيلزمكم حينئذ إما كارة في العاجل , وإما عقوبة في الآجل .ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم القول في تأويل قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أوعد الله تعالى ذكره بقوله : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } عباده أنه مؤاخذهم به بعد إجماع جميعهم على أن معنى قوله : { بما كسبت قلوبكم } ما تعمدت .

فقال بعضهم : المعنى الذي أوعد الله عباده مؤاخذتهم به هو حلف الحالف منهم على كذب وباطل .

ذكر من قال ذلك : 3549 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم , قال : إذا حلف الرجل على اليمين وهو يرى أنه صادق وهو كاذب , فلا يؤاخذ بها , وإذا حلف وهو يعلم أنه كاذب , فذاك الذي يؤاخذ به .

* - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي , قال : ثنا حسين الجعفي عن زائدة , عن منصور , قال : قال إبراهيم : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } قال : أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب , فذاك الذي يؤاخذ به .

* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عمرو , عن منصور , عن إبراهيم : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أن تحلف وأنت كاذب .

3550 - حدثني المثنى , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } 5 89 وذلك اليمين الصبر الكاذبة , يحلف بها الرجل على ظلم أو قطيعة .

فتلك لا كفارة لها إلا أن يترك ذلك الظلم , أو يدع ذلك المال إلى أهله , وهو قوله تعالى ذكره : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا } إلى قوله : { ولهم عذاب أليم } 3 77 .

3551 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ما عقدت عليه .

* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .

3552 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عبد الملك , عن عطاء قال : لا تؤاخذ حتى تقصد الأمر ثم تحلف عليه بالله الذي لا اله إلا هو فتعقد عليه يمينك .

والواجب على هذا التأويل أن يكون قوله تعالى ذكره : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } في الآخرة بما شاء من العقوبات , وأن تكون الكفارة إنما تلزم الحالف في الأيمان التي هي لغو .

وكذلك روي عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس أنه كان لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغوا .

فأما ما كسبته القلوب , وعقدت فيه على الإثم , فلم يكن يوجب فيه الكفارة .

وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك فيما مضى قبل .

وإذ كان ذلك تأويل الآية عندهم , فالواجب على مذهبهم أن يكون معنى الآية في سورة المائدة : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم , أو تحرير رقبة , فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام , ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم , ولكن يؤاخذكم بما عقدتم , واحفظوا أيمانكم .

وبنحو ما ذكرناه عن ابن عباس من القول في ذلك كان سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وجماعة أخر غيرهم يقولون , وقد ذكرنا الرواية عنهم بذلك آنفا .

وقال آخرون : المعنى الذي أوعد الله تعالى عباده المؤاخذة به بهذه الآية هو حلف الحالف على باطل يعلمه باطلا , وبذلك أوجب الله عندهم الكفارة دون اللغو الذي يحلف به الحالف وهو مخطئ في حلفه يحسب أن الذي حلف عليه كما حلف وليس ذلك كذلك .

ذكر من قال ذلك : 3553 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } يقول : بما تعمدت قلوبكم , وما تعمدت فيه المأثم , فهذا عليك فيه الكفارة .

3554 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , مثله سواء .

وكأن قائلي هذه المقالة وجهوا تأويل مؤاخذة الله عبده على ما كسبه قلبه من الأيمان الفاجرة , إلى أنها مؤاخذة منه له بإلزامه الكفارة فيه .

وقال بنحو قول قتادة جماعة أخر في إيجاب الكفارة على الحالف اليمين الفاجرة , منهم عطاء والحكم .

3555 - حدثنا أبو كريب ويعقوب , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حجاج , عن عطاء والحكم : أنهما كانا يقولان فيمن حلف كاذبا متعمدا : يكفر .

وقال آخرون : بل ذلك معنيان : أحدهما مؤاخذ به العبد في حال الدنيا بإلزام الله إياه الكفارة منه , والآخر منهما مؤاخذ به في الآخرة , إلا أن يعفو .

ذكر من قال ذلك : 3556 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } أما ما كسبت قلوبكم : فما عقدت قلوبكم , فالرجل يحلف على اليمين يعلم أنها كاذبة إرادة أن يقضي أمره .

والأيمان ثلاثة : اللغو , والعمد , والغموس , والرجل يحلف على اليمين وهو يريد أن يفعل ثم يرى خيرا من ذلك , فهذه اليمين التي قال الله تعالى ذكره : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } 5 89 فهذه لها كفارة .

كأن قائل هذه المقالة وجه تأويل قوله : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } إلى غير ما وجه إليه تأويل قوله : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } 5 89 وجعل قوله : { بما كسبت قلوبكم } الغموس من الأيمان التي يحلف بها الحالف على علم منه بأنه في حلفه بها مبطل , وقوله : { بما عقدتم الأيمان } 5 89 اليمين التي يستأنف فيها الحنث أو البر , وهو في حال حلفه بها عازم على أن يبر فيها .

وقال آخرون : بل ذلك هو اعتقاد الشرك بالله والكفر .

ذكر من قال ذلك : 3557 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا إسماعيل بن مرزوق , قال : ثني يحيى بن أيوب , عن محمد , يعني ابن عجلان , أن يزيد بن أسلم كان يقول في قول الله تعالى ذكره : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } مثل قول الرجل : هو كافر , هو مشرك , قال : لا يؤاخذه الله حتى يكون ذلك من قلبه .

3558 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم } قال : اللغو في هذا : الحلف بالله ما كان بالألسن فجعله لغوا , وهو أن يقول : هو كافر بالله , وهو إذا يشرك بالله , وهو يدعو مع الله إلها , فهذا اللغو الذي قال الله تعالى في سورة البقرة : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } قال : بما كان في قلوبكم صدقا واخذك به , فإن لم يكن في قلبك صدقا لم يؤاخذك به , وإن أثمت .

والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى ذكره أوعد عباده أن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم من الأيمان , فالذي تكسبه قلوبهم من الأيمان , هو ما قصدته , وعزمت عليه على علم ومعرفة منها بما تقصده وتريده , وذلك يكون منها على وجهين : أحدهما على وجه العزم على ما يكون به العازم عليه في حال عزمه بالعزم عليه آثما وبفعله مستحقا المؤاخذة من الله عليها , وذلك كالحالف على الشيء الذي لم يفعله أنه قد فعله , وعلى الشيء الذي قد فعله أنه لم يفعله , قاصدا لقيل الكذب , وذاكرا أنه قد فعل ما حلف عليه أنه لم يفعله , أو أنه لم يفعل ما حلف عليه أنه قد فعل , فيكون الحالف بذلك إن كان من أهل الإيمان بالله وبرسوله في مشيئة الله يوم القيامة إن شاء واخذه به في الآخرة , وإن شاء عفا عنه بتفضله , ولا كفارة عليه فيها في العاجل , لأنها ليست من الإيمان التي يحنث فيها , وإنما الكفارة تجب في الأيمان بالحنث فيها , والحالف الكاذب في يمينه ليست يمينه مما يتبدأ فيه الحنث فتلزم فيه الكفارة .

والوجه الآخر منهما : على وجه العزم عل إيجاب عقد اليمين في حال عزمه على ذلك , فذلك مما لا يؤاخذ به صاحبه حتى يحنث فيه بعد حلفه , فإذا حنث فيه بعد حلفه كان مؤاخذا بما كان اكتسبه قلبه من الحلف بالله على إثم وكذب في العاجل بالكفارة التي جعلها الله كفارة لذنبه .والله غفور حليم القول في تأويل قوله تعالى : { والله غفور حليم } يعني تعالى ذكره بذلك : والله غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر الله تعالى ذكره أنه لا يؤاخذهم بها , ولو شاء وأخذهم بها , ولما واخذهم بها فكفروها في عاجل الدنيا بالتكفير فيه , ولو شاء واخذهم في آجل الآخرة بالعقوبة عليه , فساتر عليهم فيها , وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها وغير ذلك من ذنوبهم .

حليم في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبة على معاصيهم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( باللغو ) اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغى ، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام ، أو بما لا خير فيه ، أو بما يلغي إثمه ، وفي الحديث : إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت .

ولغة أبي هريرة " فقد لغيت " وقال الشاعر :ورب أسراب حجيج كظم عن اللغا ورفث التكلموقال آخر :ولست بمأخوذ بلغو تقوله إذا لم تعمد عاقدات العزائمالثانية : واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو ، فقال ابن عباس : ( هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله ، وبلى والله ، دون قصد لليمين ) .

قال المروزي : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها .

وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ( أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب ) .

وفى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ) .

وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن ، فيكون بخلافه ، قاله مالك ، حكاهابن القاسم عنه ، وقال به جماعة من السلف .

قال أبو هريرة : ( إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه ، فإذا ليس هو ، فهو [ ص: 95 ] اللغو ، وليس فيه كفارة ) ، ونحوه عن ابن عباس .

وروي : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته ، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان ، فإذا الأمر بخلاف ذلك ، فقال الرجل : حنث يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة .

وفي الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه ، فلا كفارة فيه .

والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا ، أو يعتذر لمخلوق ، أو يقتطع به مالا ، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة ، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء ، المباح له فعله ثم يفعله ، أو أن يفعله ثم لا يفعله ، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك ، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه .

وروي عن ابن عباس - إن صح عنه - قال : ( لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان ) ، وقاله طاوس .

وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يمين في غضب أخرجه مسلم .

وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال ، فيقول : مالي علي حرام إن فعلت كذا ، والحلال علي حرام ، وقاله مكحول الدمشقي ، ومالك أيضا ، إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه .

وقيل : هو يمين المعصية ، قاله سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن وعروة وعبد الله ابنا الزبير ، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه ، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإن تركها كفارتها أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي في " المائدة " أيضا .

وقال زيد بن أسلم لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله ، هو يهودي ، هو مشرك ، هو لغية إن فعل كذا .

مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر ، والله لا أشتريه بكذا .

النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله .

وقال ابن عباس أيضا والضحاك : ( إن لغو اليمين هي المكفرة ، أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير ) .

وحكى ابن عبد البر قولا : [ ص: 96 ] إن اللغو أيمان المكره .

قال ابن العربي : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها .

لأنها جاءت على خلاف قصده ، فهي لغو محض .قلت : ويمين المكره بمثابتها .

وسيأتي حكم من حلف مكرها في " النحل " إن شاء الله تعالى .

قال ابن العربي : وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل ؛ لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة ، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ، ويقال له : لا تفعل وكفر ، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه .

وأما من قال : إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا ، فهو قول لغو ، في طريق الكفارة ، ولكنه منعقد في القصد ، مكروه ، وربما يؤاخذ به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه .

وأما من قال إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه .

وسيأتي في " براءة " .

قال ابن العربي : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى .

وضعفه ابن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو ، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة ، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة ، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة ، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة ، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة ؛ لأن المؤاخذة قد وقعت فيها ، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم .الثالثة : قوله تعالى : في أيمانكم الأيمان جمع يمين ، واليمين الحلف ، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا .

وقيل : يمين فعيل من اليمن ، وهو البركة ، سماها الله تعالى بذلك لأنها تحفظ الحقوق .

ويمين تذكر وتؤنث ، وتجمع : أيمان وأيمن ، قال زهير : .

فتجمع أيمن منا ومنكم بقسمة تمور بها الدماءالرابعة : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم مثل قوله : ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان .

وهناك يأتي الكلام فيه مستوفى ، إن شاء الله تعالى .وقال [ ص: 97 ] زيد بن أسلم : قوله تعالى : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل ، أي هذا اللغو ، إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه .

( غفور حليم ) صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة ، إذ هو باب رفق وتوسعة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي لا يؤاخذكم بما يجري على ألسنتكم من الأيمان اللاغية، التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا كسب قلب, ولكنها جرت على لسانه كقول الرجل في عرض كلامه: " لا والله " و " بلى والله " وكحلفه على أمر ماض, يظن صدق نفسه، وإنما المؤاخذة على ما قصده القلب.

وفي هذا دليل على اعتبار المقاصد في الأقوال, كما هي معتبرة في الأفعال.

{ والله غفور } لمن تاب إليه, { حليم } بمن عصاه, حيث لم يعاجله بالعقوبة, بل حلم عنه وستر, وصفح مع قدرته عليه, وكونه بين يديه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) اللغو كل مطرح من الكلام لا يعتد به واختلف أهل العلم في اللغو في اليمين المذكورة في الآية فقال قوم : هو ما يسبق إلى اللسان على عجلة لصلة الكلام من غير عقد وقصد كقول القائل : لا والله وبلى والله وكلا والله .

أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله وبلى والله ورفعه بعضهم وإلى هذا ذهب الشعبي وعكرمة وبه قال الشافعي .

ويروى عن عائشة : أيمان اللغو ما كانت في الهزل والمراء ، والخصومة والحديث الذي لا يعقد عليه القلب وقال قوم : هو أن يحلف عن شيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبين له خلاف ذلك وهو قول الحسن والزهري وإبراهيم النخعي وقتادة ومكحول ، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه وقالوا لا كفارة فيه ولا إثم عليه وقال علي : هو اليمين على الغضب وبه قال طاووس وقال سعيد بن جبير : هو اليمين في المعصية لا يؤاخذه الله بالحنث فيها ، بل يحنث ويكفر .

وقال مسروق : ليس عليه كفارة أيكفر خطوات الشيطان؟

وقال الشعبي في الرجل يحلف على المعصية : كفارته أن يتوب منها وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة ولو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله وقال زيد بن أسلم : هو دعاء الرجل على نفسه تقول لإنسان أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا [ أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا ويقول : هو كافر إن فعل كذا ] .

فهذا كله لغو لا يؤاخذه الله به ولو آخذهم به لعجل لهم العقوبة " ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم " ( 11 - يونس ) وقال " ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير " ( 11 - الإسراء ) .

قوله تعالى : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) أي عزمتم وقصدتم إلى اليمين وكسب القلب العقد والنية ( والله غفور رحيم ) واعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بالله أو باسم من أسمائه أو بصفة من صفاته : فاليمين بالله أن يقول : والذي أعبده والذي أصلي له والذي نفسي بيده ونحو ذلك واليمين بأسمائه كقوله والله والرحمن ، ونحوه واليمين بصفاته كقوله : وعزة الله وعظمة الله وجلال الله وقدرة الله ونحوها فإذا حلف بشيء منها على أمر في المستقبل فحنث يجب عليه الكفارة وإذا حلف على أمر ماض أنه كان ولم يكن أو على أنه لم يكن وقد كان إن كان عالما به حالة ما حلف فهو اليمين الغموس وهو من الكبائر وتجب فيه الكفارة عند بعض أهل العلم عالما كان أو جاهلا وبه قال الشافعي ولا تجب عند بعضهم وهو قول أصحاب الرأي وقالوا إن كان عالما فهو كبيرة ولا كفارة لها كما في سائر الكبائر وإن كان جاهلا فهو يمين اللغو عندهم ومن حلف بغير الله مثل أن قال : والكعبة وبيت الله ونبي الله أو حلف بأبيه ونحو ذلك فلا يكون يمينا ، فلا تجب عليه الكفارة إذا حلف وهو يمين مكروهة قال الشافعي : وأخشى أن يكون معصية .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي أنا زاهر بن أحمد أبو إسحاق الهاشمي أنا أبو مصعب عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب وهو يحلف بأبيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا يؤاخذكم الله باللغو» الكائن «في أيمانكم» وهو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد الحلف نحو ألا والله، وبلى و الله فلا إثم فيه ولا كفارة «ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم» أي قصدته من الأيمان إذا حنثتم «والله غفور» لما كان من اللغو «حليم» بتأخير العقوبة عن مستحقها.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا يعاقبكم الله بسبب أيمانكم التي تحلفونها بغير قصد، ولكن يعاقبكم بما قصدَتْه قلوبكم.

والله غفور لمن تاب إليه، حليم بمن عصاه حيث لم يعاجله بالعقوبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ) استئناف بياني ، لأن الآية السباقة لما أفادت النهي عن التسرع في الحلف ، أو عن اتخاذ الأيمان حاجزاً عن عمل الخير ، كانت نفوس السامعين مشوقة إلى حكم اليمين التي تجري على الألسنة بدون قصد .والمؤاخذة : مفاعلة من الأخذ بمعنى المحاسبة أو المعاقبة أو الإِلزام بالوفاء بها .واللغو من الكلام : الساقط الذي لا يعتد به ولا يصدر عن فكر وروية مصدر لغا يلغو ويلغى .والمعنى : لا يعاقبكم الله - تعالى - ولا يلزمكم بكفارة ما صدر عنكم من الإِيمان اللاغية فضلا منه - سبحانه - كرماً .واليمين اللغو هو التي لا يقصدها الحالف ، بل تجري على لسانه عادة من غير قصد ، وقد ذكر العلماء صوراً لها منها - كما يقول ابن كثير :ما رواه عطاء عن عائشة أنها قالت : " اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته كلا والله بلى والله " وفي رواية عن الزهري عن عروة عنها أنها قالت : " اللغو في اليمين هو ما يكون بين القوم يتدارءون في الأمر - أي يتناقشون ويتذاركون فيه - فيقول هذا لا والله وبلى والله وكلا والله لا تعقد عليه قلوبهم " أي تجري على ألسنتهم ألفاظ اليمين ولكن بدون قصد يمين : -ومنها ما جاء عن عروة عنها أنها كانت تتأول هذه الآية يعني قوله - تعالى - : ( لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ) وتقول : هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه " .ثم بين - سبحانه - اليمين التي هي موضع المحاسبة والمعاقبة فقال : ( ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) .أي : لا يؤاخذكم الله في اليمين التي لم تصدر عن روية ولكن يؤاخذكم أي يعاقبكم في الآخرة بما قصدته قلوبكم وتعمدتم فيه الكذب في اليمين ، بأن يحلف أحدكم على شيء كذب ليعتقد السامع صدقه ، وتلك هي اليمين الغموس - أي التي تغمس صاحبها في النار - ويدخل فيها الإِيمان التي يحلفها شهود الزور والكاذبون عند التقاضي ومن يشابههم في تعمد الكذب .ويرى جمهور العلماء أن هذه اليمين لا كفارة فيها وإنما كفارتها التوبة الصادقة ورد الحقوق إلى أصحابها إن ترتب على اليمين الكاذبة ضياع حق أو حكم بباطل .ويرى الإِمام الشافعي أنه يجب فيها فوق ذلك الكفارة .والباء في قوله : ( بِمَا ) للسببية ، وما مصدرية أي ، لا يؤاخذكم باللغو ولكن يؤاخذكم بالكسب ، أو موصولة والعائد محذوف أي ولكن يؤاخذكم بالذي كسبته قلوبكم .وقوله : ( والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ) تذييل لتأكيد معنى عدم المؤاخذة في اللغو .

أي والله غفور حيث لم يؤاخذكم باللغو حليم حيث لم يعاجل المخطئين بالعقوبة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسألتان: المسألة الأولى: ﴿ اللغو ﴾ الساقط الذي لا يعتد به، سواء كان كلاماً أو غيره، أما ورود هذه اللفظة في الكلام، فيدل عليه الآية والخبر والرواية، أما الآية فقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ وقوله: ﴿ اَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فيه  ﴾ وقوله: ﴿ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية  ﴾ أما قوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً  ﴾ فيحتمل أن يكون المراد، وإذا مروا بالكلام الذي يكون لغواً، وأن يكون المراد، وإذا مروا بالفعل الذي يكون لغواً.

وأما الخبر فقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا».

وأما الرواية فيقال: لغا الطائر يلغو لغواً إذا صوت، ولغو الطائر تصويته، وأما ورود هذا اللفظ في غير الكلام، فهو أنه يقال لما لا يعتد به من أولاد الإبل: لغو، قال جرير: يعد الناسبون بني تميم *** بيوت المجد أربعة كباراً وتخرج منهم المرئى لغواً *** كما ألغيت في الدية الحوارا وقال العجاج: ورب أسراب حجيج كظم *** عن اللغا ورفث التكلم قال الفراء: اللغا، مصدر للغيت، و ﴿ اللغو ﴾ مصدر للغوت، فهذا ما يتعلق باللغة.

أما المفسرون فقد ذكروا وجوهاً الأول: قال الشافعي رضي الله عنه: إنه قول العرب: لا والله، وبلى والله، مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف، ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام ألف مرة لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة والثاني: وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه: أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن فهذا هو اللغو، وفائدة هذا الإختلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل لا والله وبلى والله ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك ومذهب الشافعي هو قول عائشة، والشعبي، وعكرمة، وقول أبي حنيفة هو قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، والنخعي والزهري، وسليمان بن يسار، وقتادة، والسدي، ومكحول، حجة الشافعي رضي الله عنه على قوله وجوه: الأول: ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لغو اليمين قول الرجل في كلامه كلا والله، وبلى والله، ولا والله».

وروي أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله، ثم أخطأ، ثم قال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ماكان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب، وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

الحجة الثانية: أن قوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ يدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، ولكن المراد من قوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على الجد ويربط قلبه به، وإذا كان كذلك وجب أن يكون اللغو الذي هو كالمقابل له أن يكون معناه ما لا يقصده الإنسان بالجد، ولا يربط قلبه به، وذلك هو قول الناس على سبيل التعود في الكلام: لا والله بلى والله، فأما إذا حلف على شيء بالجد أنه كان حاصلاً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين تصديق قول نفسه وربط قلبه بذلك، فلم يكن ذلك لغواً ألبتة بل كان ذلك حاصلاً بكسب القلب.

الحجة الثالثة: أنه سبحانه ذكر قبل هذه الآية: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم  ﴾ وقد ذكرنا أن معناه النهي عن كثرة الحلف واليمين، وهؤلاء الذين يقولون على سبيل الاعتياد: لا والله وبلى والله لا شك أنهم يكثرون الحلف، فذكر تعالى عقيب قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم ﴾ حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام لا على سبيل القصد إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم، ولا كفارة، لأن إيجاب المؤاخذة والكفارة عليهم يفضي إما إلى أن يمتنعوا عن الكلام، أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرناه هو المناسب لما قبل الآية، فأما الذي قال أبو حنيفة رضي الله عنه فإنه لا يناسب ما قبل الآية فكان تأويل الشافعي أولى، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه.

الحجة الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه» الحديث دل على وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

الحجة الثانية: أن اليمين معنى لا يلحقه الفسخ، فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق، فهاتان الحجتان يوجبان الكفارة في قول الناس: لا والله بلى والله، إذا حصل الحنث، ثم الذي يدل على أن اللغو لا يمكن تفسيره بما قال الشافعي، ويجب تفسيره بما قاله أبو حنيفة أن اليمين في اللغة عبارة عن القوة قال الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد *** تلقاها عرابة باليمين أي بالقوة، والمقصود من اليمين تقوية جانب البر على جانب الحنث بسبب اليمين، وهذا إنما يفعل في الموضع الذي يكون قابلاً للتقوية، وهذا إنما يكون إذا وقع اليمين على فعل في المستقبل، فأما إذا وقع اليمين على الماضي فذلك لا يقبل التقوية ألبتة، فعلى هذا اليمين على الماضي تكون خالية عن الفائدة المطلوبة منها، والخالي عن المطلوب يكون لغواً، فثبت أن اللغو هو اليمين على الماضي، وأما اليمين على المستقبل فهو قابل للتقوية، فلم تكن هذه اليمين خالية عن الغرض المطلوب منها فلا تكون لغواً.

القول الثالث: في تفسير يمين اللغو: هو أنه إذا حلف على ترك طاعة، أو فعل معصية، فهذا هو يمين اللغوا وهو المعصية.

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ فبين أنه تعالى لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان، ثم قال: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية، قالوا: وهذا التأويل مناف لقوله عليه السلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر» وهذا التأويل ضعيف من وجهين: الأول: هو أن المؤاخذة المذكورة في هذه الآية صارت مفسرة في آية المائدة بقوله تعالى: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ  ﴾ ولما كان المراد بالمؤاخذة إيجاب الكفارة وهاهنا الكفارة واجبة، علمنا أن المراد من الآية ليس هو هذه الصورة الثاني: أنه تعالى جعل المقابل للغو هو كسب القلب، ولا يمكن تفسيره بما ذكره من الإصرار على الشيء الذي حلفوا عليه لأن كسب القلب مشعر بالشروع في فعل جديد، فأما الاستمرار على ما كان فذلك لا يسمى كسب القلب.

القول الرابع: في تفسير يمين اللغو: أنها اليمين المكفرة سميت لغواً لأن الكفارة أسقطت الإثم، فكأنه قيل: لا يؤاخذكم الله باللغو إذا كفرتم، وهذا قول الضحاك.

القول الخامس: وهو قول القاضي: أن المراد به ما يقع سهواً غير مقصود إليه، والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أي يؤاخذكم إذا تعمدتم، ومعلوم أن المقابل للعمد هو السهو.

المسألة الثانية: احتج الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية على وجوب الكفارة في اليمين الغموس، قال: إنه تعالى ذكر هاهنا ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ وقال في آية المائدة: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ وعقد اليمين محتمل لأن يكون المراد منه عقد القلب به، ولأن يكون المراد به العقد الذي يضاد الحل، فلما ذكر هاهنا قوله: ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ علمنا أن المراد من ذلك العقد هو عقد القلب، وأيضاً ذكر المؤاخذة هاهنا، ولم يبين أن تلك المؤاخذة ما هي، وبينها في آية المائدة بقوله: ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان فَكَفَّارَتُهُ ﴾ فبين أن المؤاخذة هي الكفارة، فكل واحدة من هاتين الآيتين مجملة من وجه، مبينة من وجه آخر فصارت كل واحدة منهما مفسرة للأخرى من وجه، وحصل من كل واحدة منهما أن كل يمين ذكر على سبيل الجد وربط القلب، فالكفارة واجبة فيها، واليمين الغموس كذلك فكانت الكفارة واجبة فيها.

أما قوله تعالى: ﴿ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فقد علمت أن: الغفور، مبالغة في ستر الذنوب، وفي إسقاط عقوبتها، وأما: الحليم، فاعلم أن الحلم في كلام العرب الأناة والسكون، يقال: ضع الهودج على أحلم الجمال، أي على أشدها تؤدة في السير، ومنه الحلم لأنه يرى في حال السكون، وحلمة الثدي، ومعنى: الحليم، في صفة الله: الذي لا يعجل بالعقوبة، بل يؤخر عقوبة الكفار والفجار.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

العرضة: فعلة بمعنى مفعول، كالقبضة والغرفة، وهي اسم ما تعرضه دون الشيء من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزاً ومانعاً منه.

تقول: فلان عرضة دون الخير.

والعرضة أيضاً: المعرض للأمر.

قال: فَلاَ تجْعَلُونِي عُرْضَةً لِلَّوَائِمِ ومعنى الآية على الأولى: أنّ الرجل كان يحلف على بعض الخيرات، من صلة رحم، أو إصلاح ذات بين، أو إحسان إلى أحد، أو عبادة، ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني، فيترك البرّ إرادة البرّ في يمينه، فقيل لهم: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك» أي على شيء مما يحلف عليه.

وقوله: ﴿ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ ﴾ عطف بيان لأيمانكم، أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس.

فإن قلت: بم تعلقت اللام في لأيمانكم؟

قلت: بالفعل، أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحجازاً.

ويجوز أن يتعلق ب ﴿ عُرْضَةً ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض، بمعنى لا تجعلوه شيئاً يعترض البر، من اعترضني كذا.

ويجوز أن يكون اللام للتعليل، ويتعلق أن تبروا بالفعل أو بالعرضة، أي ولا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا.

ومعناها على الأخرى: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، ولذلك ذم من أنزل فيه ﴿ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ ﴾ [القلم: 10] بأشنع المذامّ وجعل الحلاف مقدّمتها.

وأن (تبروا) علة للنهي، أي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون براً متقياً، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

اللغو: الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره.

ولذلك قيل لما لا يعتد به في الدية من أولاد الإبل (لغو) واللغو من اليمين: الساقط الذي لا يعتدّ به في الأَيمان، وهو الذي لا عقد معه.

والدليل عليه ﴿ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان ﴾ [المائدة: 89] ، ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ واختلف الفقهاء فيه، فعند أبي حنيفة وأصحابه هو أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه.

وعند الشافعي: هو قول العرب: لا والله، وبلى والله، بما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

ولو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لأنكر ذلك، ولعله قال: لا والله ألف مرة.

وفيه معنيان: أحدهما ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ﴾ أي لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما كسبت قلوبكم، أي اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهي اليمين الغموس.

والثاني: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ﴾ أي لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما كسبت قلوبكم، أي بما نوت قلوبكم وقصدت من الإيمان، ولم يكن كسب اللسان وحده ﴿ والله غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ اللَّغْوُ السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ ما لا عَقْدَ مَعَهُ كَما سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ أوْ تَكَلَّمَ بِهِ جاهِلًا لِمَعْناهُ كَقَوْلِ العَرَبِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ، لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ والمَعْنى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِعُقُوبَةٍ ولا كَفّارَةٍ بِما لا قَصْدَ مَعَهُ، ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِهِما أوْ بِأحَدِهِما بِما قَصَدْتُمْ مِنَ الأيْمانِ وواطَأتْ فِيها قُلُوبُكم ألْسِنَتُكم.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: اللَّغْوُ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِناءً عَلى ظَنِّهِ الكاذِبِ، والمَعْنى لا يُعاقِبُكم بِما أخْطَأْتُمْ فِيهِ مِنَ الأيْمانِ، ولَكِنْ يُعاقِبُكم بِما تَعَمَّدْتُمُ الكَذِبَ فِيهِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْ بِاللَّغْوِ ﴿ حَلِيمٌ ﴾ حَيْثُ لَمْ يُعَجِّلْ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى يَمِينِ الجِدِّ تَرَبُّصًا لِلتَّوْبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم} اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولغو اليمين الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان وهو أن يحلف على شيء يظنه على ما حلف عليه والأمر بخلاقه والمعنى لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم وعندالشافعى رحمه الله هو ما يجري على لسانه من غير قصد للحلف نحو لا والله وبلى والله {ولكن يُؤَاخِذُكُم} ولكن يعاقبكم {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} بما اقترفته من إثم القصد إلى الكذب في اليمين وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس وتعلق الشافعي بهذا النص على وجوب الكفارة في الغموس لأن كسب القلب العزم والقصد والمؤاخذة غير مبينة هنا وبينت في المائدة فكان البيان ثمة بياناً هنا وقلنا المؤاخذة هنا مطللقة وهي في دار الجزاء والمؤاخذة ثم مقيدة بدار الابتلاء فلا يصح حمل البعض على البعض {والله غَفُورٌ حَلِيمٌ} حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ اللَّغْوُ السّاقِطُ الَّذِي لا يُعْتَدُّ بِهِ مِن كَلامٍ وغَيْرِهِ، ولَغْوُ اليَمِينِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - ما سِيقَ لَهُ اللِّسانُ، وما في حُكْمِهِ مِمّا لَمْ يُقْصَدْ مِنهُ اليَمِينُ؛ كَقَوْلِ العَرَبِ: لا واللَّهِ، لا بِاللَّهِ، لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، وهو المُرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِما في أكْثَرِ الرِّواياتِ، والمَعْنى: لا يُؤاخِذُكم أصْلًا بِما لا قَصْدَ لَكم فِيهِ مِنَ الأيْمانِ.

﴿ ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أيْ: بِما قَصَدْتُمْ مِنَ الأيْمانِ وواطَأتْ فِيها قُلُوبُكم ألْسِنَتَكُمْ، ولا يُعارِضُ هَذِهِ الآيَةَ ما في المائِدَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى أنَّ مُقْتَضى هَذِهِ المُؤاخَذَةِ بِالغَمُوسِ؛ لِأنَّها مَن كَسْبِ القَلْبِ، وتِلْكَ تَقْتَضِي عَدَمَها؛ لِأنَّ اللَّغْوَ فِيها خِلافُ المَعْقُودَةِ، وهي ما يُحْلَفُ فِيها عَلى أمْرٍ في المُسْتَقْبَلِ أنْ يُفْعَلَ، ولا يُفْعَلُ لِوُقُوعِهِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ ﴾ فَيَتَناوَلُ الغَمُوسَ، وهو الحَلِفُ عَلى أمْرٍ ماضٍ مُتَعَمِّدَ الكَذِبَ فِيهِ، ولُغُوِيَّتِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ البِرِّ فِيهِ الَّذِي هو فائِدَةُ اليَمِينِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّ الشّافِعِيَّ حَمَلَ ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ ﴾ عَلى كَسْبِ القَلْبِ مَن عَقَدْتُ عَلى كَذا عَزَمْتُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَعْكِسْ؛ لِأنَّ العَقْدَ مُجْمَلٌ يَحْتَمِلُ عَقْدَ القَلْبِ، ويَحْتَمِلُ رَبْطَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، والكَسْبُ مُفَسَّرٌ، ومِنَ القَواعِدِ حَمْلُ المُجْمَلِ عَلى المُفَسَّرِ، وإذا حُمِلَ عَلَيْهِ شَمِلَ الغَمُوسَ، وكانَ اللَّغْوُ ما لا قَصْدَ فِيهِ لا خِلافَ المَعْقُودَةِ؛ إذْ (لا) مَعْقُودَةٌ، فَتَتَّحِدُ الآيَتانِ في المُؤاخَذَةِ عَلى الغَمُوسِ وعَدَمِ المُؤاخَذَةِ عَلى اللَّغْوِ، إلّا أنَّهُ إنْ كانَ لِلْفِعْلِ المَنفِيِّ عُمُومٌ كانَ في الآيَتَيْنِ نَفْيُ المُؤاخَذَةِ فِيما لا قَصْدَ فِيهِ بِالعُقُوبَةِ والكَفّارَةِ، وإثْباتُ المُؤاخَذَةِ في الجُمْلَةِ بِهِما أوْ بِإحْداهُما فِيما فِيهِ قَصْدٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمُومُ حَمْلِ المُؤاخَذَةِ المُطْلَقَةِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المُؤاخَذَةِ المُقَيَّدَةِ بِالكُفّارِ في آيَةِ المائِدَةِ، بِناءً عَلى اتِّحادِ الحادِثَةِ والحُكْمِ وسَوْقُ الآيَةِ لِبَيانِ الكَفّارَةِ، فَلا تَكْرارَ، وأُيِّدَ العُمُومُ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ، «أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - ”مَرَّ بِقَوْمٍ يَنْتَصِلُونَ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصَبْتُ واللَّهِ، أخْطَأْتُ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَهُ: حَنَثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: كَلّا أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ لا كَفّارَةَ فِيها ولا عُقُوبَةَ“،» وذَهَبَ الإمامُ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ اللَّغْوَ هُنا ما لا قَصْدَ فِيهِ إلى الكَذِبِ بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ قَصْدٌ أوْ يَكُونَ بِظَنِّ الصِّدْقِ، وحَمْلُ المُؤاخَذَةِ عَلى الأُخْرَوِيَّةِ بِناءً عَلى أنَّ دارَ المُؤاخَذَةِ هي الآخِرَةُ، وأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ وقُرِنَتْ هَذِهِ المُؤاخَذَةُ بِالكَسْبِ؛ إذْ لا عِبْرَةَ لِلْقَصْدِ وعَدَمِهِ في وُجُوبِ الكَفّاراتِ الَّتِي هي مُؤاخِذاتٌ دُنْيَوِيَّةٌ، لا شَكَّ أنَّهُ بِمُجَرَّدِ اليَمِينِ بِدُونِ الحِنْثِ لا تَتَحَقَّقُ المُؤاخَذَةُ الأُخْرَوِيَّةُ في المَعْقُودَةِ، فَلا يُمْكِنُ إجْراءُ ما كَسَبَتْ عَلى عُمُومِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالغَمُوسِ، فَيَتَحَصَّلُ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُؤاخَذَةُ الأُخْرَوِيَّةُ في الغَمُوسِ دُونَ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي هي الكَفّارَةُ، وفِيهِ خِلافُ الشّافِعِيِّ وعَدَمُ المُؤاخَذَةِ الأُخْرَوِيَّةِ فِيما عَداها مِمّا فِيهِ قَصْدٌ بِظَنِّ الصِّدْقِ، ومِمّا لا قَصْدَ فِيهِ أصْلًا - وفِيهِ وفاقُ الشّافِعِيِّ - وحَمْلُ المُؤاخَذَةِ في آيَةِ المائِدَةِ عَلى الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ فِيها: ﴿ فَكَفّارَتُهُ ﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بِما عَقَّدْتُمُ ﴾ عَلى المَعْقُودَةِ؛ لِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ (العَقْدِ) رَبْطِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وهو ظاهِرٌ في (المَعْقُودَةِ) فالمُرادُ (بِاللَّغْوِ) في تِلْكَ الآيَةِ ما عَداها مِنَ الغَمُوسِ وغَيْرِهِ، فَيَتَحَصَّلُ مِنها عَدَمُ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ (بِالكَفّارَةِ) عَلى غَيْرِ المَعْقُودَةِ، وهي الغَمُوسُ والمُؤاخَذَةُ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ - كَما عُلِمَ مِن آيَةِ البَقَرَةِ - والحَلِفُ بِلا قَصْدٍ أوْ بِهِ مَعَ ظَنِّ الصِّدْقِ لِغَيْرِ المُؤاخَذَةِ عَلَيْهِما في الآخِرَةِ كَما عُلِمَ مِنها أيْضًا، والمُؤاخَذَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ عَلى المَعْقُودَةِ الَّتِي لَمْ يُعْلَمْ حُكْمُها في الآخِرَةِ مِنَ الآيَتَيْنِ لِظُهُورِهِ مَن تُرَتُّبِ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ - فَلا تَدافُعٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ عِنْدَهُ أيْضًا - لِأنَ مُقْتَضى الأُولى تَحَقُّقُ المُؤاخَذَةِ الأُخْرَوِيَّةِ في الغَمُوسِ، ومُقْتَضى الثّانِيَةِ عَدَمُ المُؤاخَذَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ، ومِن هَذا يُعْلَمُ أنَّ ما في (الهِدايَةِ) وشاعَ في كُتُبِ الأصْحابِ عَنِ الإمامِ؛ حَيْثُ قالَ: إنَّ الأيْمانَ عَلى ثَلاثَةٍ أضْرُبٍ؛ يَمِينِ الغَمُوسِ، ويَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ، ويَمِينِ لَغْوٍ، وبَيَّنَ حُكْمِ كُلٍّ، وفُسِّرَ الأخِيرُ بِأنْ يَحْلِفَ عَلى ماضٍ وهو يَظُنُّ - كُما قالَ - والأمْرُ بِخِلافِهِ، وثَبَتَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُ - وغَيْرِهِ - لَيْسَ بِشَيْءٍ - لَوْ كانَ المَقْصُودُ بِما في التَّفْسِيرِ (الحَصْرَ) لا التَّمْثِيلَ لِلَّغْوٍ؛ لِأنَّ اللّائِقَ بِالنَّظْمِ أنْ يَكُونَ ( ما كَسَبَتْ ) مُقابِلًا لِلَّغْوِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ بَيْنَهُما، وبِقَصْدِ (الحَصْرِ) يَبْقى اليَمِينُ الَّذِي لا قَصْدَ مَعَهُ واسِطَةً بَيْنَهُما غَيْرَ مَعْلُومِ الِاسْمِ ولا الرَّسْمِ، وهو مِمّا لا يَكادُ يَكُونُ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ فَلْيَتَدَبَّرْ، فَإنَّهُ مِمّا فاتَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ.

وذَهَبَ مَسْرُوقٌ إلى أنَّ (اللَّغْوَ) هو الحَلِفُ عَلى المَعاصِي وبَرُّهُ تَرْكُ ذَلِكَ الفِعْلِ ولا كَفّارَةَ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وطاوُوسٍ: أنَّهُ اليَمِينُ في حالِ الغَضَبِ فَلا كَفّارَةَ فِيها.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: لَغْوُ اليَمِينِ أنْ تُحَرِّمَ ما أحَلَّ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْكَ بِأنْ تَقُولَ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا مَثَلًا - وبِهَذا أخَذَ مالِكٌ إلّا في الزَّوْجَةِ - وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، قالَ: هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: أعْمى اللَّهُ بَصَرِي إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا، وكَقَوْلِهِ: هو مُشْرِكٌ، هو كافِرٌ إنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذا، فَلا يُؤاخَذُ بِهِ حَتّى يَكُونَ مِن قَلْبِهِ، وقِيلَ: لَغْوُ اليَمِينِ يَمِينُ المُكْرَهِ - حَكاهُ ابْنُ الفَرَسِ ولَمْ يُرَ مُسْنَدًا - هَذا ولَمْ يُعْطَفْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ ﴾ الآيَةَ عَلى ما قَبْلَهُ لِاخْتِلافِها خَبَرًا وإنْشاءً، وإنْ كانا مُتَشارِكَيْنِ في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما بَيانًا لِحُكْمِ الأيْمانِ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ ﴾ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْكم بِاللَّغْوِ ﴿حَلِيمٌ 225﴾ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى يَمِينِ الجَدِّ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ، وفائِدَتُهُ الِامْتِنانُ عَلى المُؤْمِنِينَ وشُمُولُ الإحْسانِ لَهُمْ، (والحَلِيمُ) مِن (حَلُمَ بِالضَّمِّ يَحْلُمُ) إذا أمْهَلَ بِتَأْخِيرِ العِقابِ، وأصْلُ (الحِلْمِ) الأناةُ، وأمّا حِلْمُ الأدِيمِ فَبِالكَسْرِ يَحْلَمُ بِالفَتْحِ إذا فَسَدَ، وأمّا حَلَمَ أيْ رَأى في نَوْمِهِ - فَبِالفَتْحِ - ومَصْدَرُ الأوَّلِ (الحِلْمِ) بِالكَسْرِ ومَصْدَرُ الثّانِي (الحَلْمِ) بِفَتْحِ اللّامِ ومَصْدَرُ الثّالِثِ (الحُلُمُ) بِضَمِّ الحاءِ مَعَ ضَمِّ اللّامِ وسُكُونِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ، أي علة.

وأصل العرضة في اللغة: هو الاعتراض، فكأنه يعترض باليمين في كل وقت، فيكون كناية عن العلة.

وقيل: العرضة أن يحلف الرجل في كل شيء، فمُنِعوا من ذلك.

أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا، يعني لكي تبروا وتتقوا، لأنهم إذا أكثروا اليمين لم يبروا.

وبهذا أمر أهل الإيمان.

وقال الفراء: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً.

الحلف بالله متعرضاً، أي مانعاً لكم دون البر.

والمعترض بين الشيئين: المانع.

وقال القتبي: لا تجعلوا الله بالحلف مانعاً لكم أن تبروا وتتقوا، ولكن إذا حلفتم على أن لا تصلوا رحماً، ولا تتصدقوا، ولا تصلحوا، أو على شبه ذلك من أبواب البر، فكفِّروا اليمين.

وقال الكلبي: هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة الأنصاري.

حين حلف أن لا يدخل على ختنه بشير بن النعمان ولا يكلمه، فجعل يقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحل لي أن لا أبر في يميني.

فنزل قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.

يقول: علة لأيمانكم أَنْ تَبَرُّوا، يعني تصلوا قرابتكم، وتتقوا اليمين في المعصية، وترجعوا إلى ما هو خير لكم منها وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ، أي بين إخوانكم.

وروي عن عكرمة، عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: لا تحلفوا أن لا تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس.

وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فمن حلف على شيء منه، فعلى الذي حلف عليه أن يفعل ويكفِّر عن يمينه.

وقال الزجاج: معنى الآية بأنهم كانوا يقبلون في البر بأنهم قد حلفوا، فأعلم الله تعالى أن الإثم إنما هو في الإقامة في ترك البر، واليمين إذا كفَّرت، فالذنب فيها مغفور.

ثم قال: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ أي بالإثم في الحلف إذا كفرتم، وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ بعزمكم على أن لا تبروا ولا تتقوا.

قال ابن عباس: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ، وهو أن يحلف الرجل بالله في شيء يرى أنه فيه صادق، ويرى أنه كذلك، وليس كذلك، فيكذب فيها.

وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ يعني هو أن يحلف على شيء ويعلم أنه فيها كاذب.

ويقال: لا يؤاخذكم الله باللغو في اليمين، إذا حلفتم وكفرتم، إذا كان الحنث خيراً ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، أي أثمتم بغير كفارة.

وَاللَّهُ غَفُورٌ لمن حنث وكفر بيمينه.

حَلِيمٌ حيث رخص لكم في ذلك ولم يعاقبكم.

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ، يعني الذين يحلفون أن لا يجامعوا نساءهم، تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، يعني لهم أجل أربعة أشهر بعد اليمين، فَإِنْ فاؤُ، يعني إن رجعوا عن اليمين وجامعوا نساءهم من قبل أن تمضي أربعة أشهر بعد اليمين، وكفَّروا عن أيمانهم ولا تبين المرأة عن الزوج فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله جلَّت قُدْرته: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ.

قال السُّدِّيُّ: معناه: قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وامتثال ما أُمِرْتُمْ به- وَاتَّقُوا اللَّهَ: تحذيرٌ- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي: فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سنن الهدى «١» ،

قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ ...

الآية: مقصد الآيةِ: ولا تُعرِّضوا اسم اللَّهِ تعالى، فتكثروا الأيمان به، فإِن الحِنْثَ يقع مع الإِكثار، وفيه قِلَّة رَعْيٍ لحقِّ اللَّه تعالى.

وقال الزجَّاج «٢» وغيره: معنى الآيةِ: أنْ يكون الإِنسان، إِذا طُلِبَ منه فعْلُ خيرٍ ونحوه، اعتل باللَّه، وقال: عليَّ يمينٌ، وهو لم يحلفْ.

وقوله: عُرْضَةً، قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٣» : اعلم أنَّ بناء عرض في كلامِ العربِ يتصرَّف على معانٍ مرجعُها إِلى المَنْع لأنَّ كلَّ شيء عرضٌ، فقد مَنَعَ، ويقال لِمَا عَرَضَ في السَّمَاء من السحَابِ عَارِضٌ لأَنَّه يمنع من رؤيتها، ومن رؤية البدرين، والكواكب.

انتهى.

وأَنْ تَبَرُّوا: مفعولٌ من أجله «٤» ، والبِرُّ: جميع وجوه البرّ، وهو ضدّ الإثم

- وسَمِيعٌ، أي: لأقوالِ العبادِ- عَلِيمٌ: بنياتهمْ، وهو مُجَازٍ على الجميع، واليمين:

الحَلِفُ، وأصله أنَّ العَرَب كانت إِذا تحالَفَت، أو تعاهَدَت، أخذ الرجل يمينَ صاحبه بيمينه، ثم كَثُر ذلك حتى سمي الحلف والعَهْد نفسه يميناً.

وقوله تعالى: لاَّ يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ: اللَّغْو: سَقَطُ الكلامِ الَّذي لا حُكْم لَه.

قال ابنُ عَبَّاس، وعائشَةُ، والشَّعْبِيُّ، وأبو صالِحٍ، ومجاهد: لَغْو اليمينِ: قولُ الرجلِ في دَرْجِ كلامِهِ واستعجاله في المحاورة: لا واللَّهِ، وبلى وَاللَّهِ، دون قصدٍ لليمينِ، وقد أسنده البخاريُّ عن عائشة «١» .

وقال أبو هريرة، والحَسَن، ومالكٌ، وجماعة: لغو اليمين: ما حلف به الرجُلُ على يقينه، فكشف الغيبُ خلافَ ذلك «٢» .

ع «٣» : وهذا اليقين/ هو غلبة الظّنّ.

٥٥ ب وقال زيدُ بْنُ أسْلَمَ: لغو اليمينِ: هو دعاءُ الرجلِ على نَفْسه «٤» .

وقال الضَّحَّاك: هي اليمينُ المكفَّرة «٥» .

وحكى ابنُ عبد البَرِّ قَولاً أن اللغو أيمان «٦» ...

المُكْرَهِ «١» .

قال ع «٢» : وطريقةُ النَّظَر أن تتأمَّل لفظة اللغْو، ولفظة الكَسْب، ويُحَكَّم موقعهما في اللغة، فكَسْب المرء ما قَصَده، ونواه، واللَّغْوُ: ما لم يتعمَّده، أو ما حقُّه لهجنته أن يسقط، فيقوَّى على هذه الطريقة بعْض الأقوال المتقدِّمة، ويضعَّف بعضها، وقد رفع اللَّه عز وجَلَّ المؤاخذة بالإِطلاق في اللَّغْو، فحقيقته: ما لا إِثم فيه، ولا كفارة، والمؤاخذةُ في الأيمان هي بعقوبةِ الآخِرَةِ في الغَمُوس «٣» المَصْبُورة، وفيما تُرِكَ تكفيره ممَّا فيه كفَّارة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: اللَّغْوُ في كَلامِ العَرَبِ: ما أُطْرِحَ ولَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهِ أمْرٌ، ويُسَمّى ما لا يُعْتَدُّ بِهِ، لَغْوًا.

وقالَ ابْنُ فارِسٍ: اشْتِقاقُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ لِما لا يُعْتَدُّ [بِهِ ] مِن أوْلادِ الإبِلِ في الدِّيَةِ وغَيْرِها لَغْوًا، يُقالُ مِنهُ: لَغا يَلْغُو، وتَقُولُ: لِغَيٌّ بِالأمْرِ: إذا لَهِجَ بِهِ.

وقِيلَ: إنَّ اشْتِقاقَ اللُّغَةِ مِنهُ [أيْ: يَلْهَجُ صاحِبُها بِها ] وفي المُرادِ بِاللَّغْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّ أنَّهُ كَما حَلَفَ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّهُ بِخِلافِهِ.

وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، ومالِكٌ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، مِن غَيْرِ قَصْدٍ لِعَقْدِ اليَمِينِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وطاوُوسٍ، وعُرْوَةَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ.

واسْتَدَلَّ أرْبابُ هَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ وكَسْبُ القَلْبِ: عَقْدُهُ وقَصْدُهُ، وهَذانَ القَوْلانِ مَنقُولانِ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، رَوى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ أنَّهُ قالَ: اللَّغْوُ عِنْدِي أنْ يَحْلِفَ عَلى اليَمِينِ، يَرى أنَّها كَذَلِكَ، ولا كَفّارَةَ.

والرَّجُلُ يَحْلِفُ ولا يَعْقِدُ قَلْبَهُ عَلى شَيْءٍ، فَلا كَفّارَةَ.

والثّالِثُ: أنَّهُ يَمِينُ الرَّجُلِ وهو غَضْبانٌ، رَواهُ طاوُوسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حَلِفُ الرَّجُلِ عَلى مَعْصِيَةٍ، فَلْيَحْنَثْ، ولِيُكَفِّرْ، ولا إثْمَ عَلَيْهِ.

قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ يَنْساهُ.

قالَهُ النَّخَعِيُّ.

وقَوْلُ عائِشَةَ أصَحُّ الجَمِيعِ.

قالَ حَنْبَلُ: سُئِلَ أحْمَدُ عَنِ اللَّغْوِ فَقالَ: الرَّجُلُ يَحْلِفُ فَيَقُولُ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، لا يُرِيدُ عَقْدَ اليَمِينِ، فَإذا عَقَدَ عَلى اليَمِينِ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: أيْ: ما عَقَدَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكم "والحَلِيمُ": ذُو الصَّفْحِ الَّذِي لا يَسْتَفِزُّهُ غَضَبٌ، فَيُعَجِّلُ، ولا يَسْتَخِفُّهُ جَهْلُ جَأهْلٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى العُقُوبَةِ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ: ولا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الحَلِيمِ مِن سامَحٍ مَعَ العَجْزِ عَنِ المُجازاةِ، إنَّما الحَلِيمُ الصَّفُوحُ مَعَ القُدْرَةِ، المُتَأنِّي الَّذِي لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ.

وقَدْ أنْعَمَ بَعْضُ الشُّعَراءِ أبْياتًا في هَذا المَعْنى فَقالَ: لا يُدْرِكُ المَجْدَ أقْوامٌ وإنْ كَرُمُوا حَتّى يَذِلُّوا وإنْ عَزُّوا لِأقْوامٍ ويَشْتُمُوا فَتَرى الألْوانَ مُسْفِرَةً ∗∗∗ لا صَفْحَ ذُلٍّ ولَكِنْ صَفْحُ أحْلامٍ قالَ، ويُقالُ: حَلَمَ الرَّجُلُ يَحْلُمُ حُلْمًا بِضَمِّ اللّامَ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.

وحَلَمَ في النَّوْمِ، بِفَتْحِ اللّامِ، يَحْلُمُ حُلْمًا، اللّامُ في المُسْتَقْبَلِ والحاءُ في المَصْدَرِ مَضْمُومَتانِ.

* فَصْلٌ الإيمانُ عَلى ضَرْبَيْنِ، ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، فالماضِي عَلى ضَرْبَيْنِ: يَمِينُ مُحَرَّمَةٌ، وهِيَ: اليَمِينُ الكاذِبَةُ، وهي أنْ يَقُولَ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ، وقَدْ فَعَلَ.

أوْ: لَقَدْ فَعَلْتُ، وما فَعَلَ.

ويَمِينٌ مُباحَةٌ، وهي أنْ يَكُونَ صادِقًا في قَوْلِهِ: ما فَعَلْتُ.

أوْ: لَقَدْ فَعَلْتُ.

والمُسْتَقْبِلَةُ عَلى خَمْسَةِ أقْسامٍ.

أحَدُها: يَمِينُ عَقْدُها طاعَةٌ، والمَقامُ عَلَيْها طاعَةٌ، وحَلُّها مَعْصِيَةٌ، مِثْلُ أنْ يَحْلِفَ، لِأُصَلِّيَنَّ الخَمْسَ، ولَأصُومَنَّ رَمَضانَ، أوْ شَرِبْتُ الخَمْرَ.

والثّانِي: عَقْدُها مَعْصِيَةٌ، والمَقامُ عَلَيْها مَعْصِيَةٌ، وحَلُّها طاعَةٌ، وهي عَكْسُ الأُولى.

والثّالِثُ: يَمِينٌ عَقْدُها طاعَةٌ، والمَقامُ عَلَيْها طاعَةٌ، وحَلُّها مَكْرُوهٌ، مِثْلُ أنْ يَحْلِفَ: لَيَفْعَلَنَّ النَّوافِلَ مِنَ العِباداتِ.

والرّابِعُ: يَمِينٌ عَقْدُها مَكْرُوهٌ، والمَقامُ عَلَيْها مَكْرُوهٌ، وحَلُّها طاعَةٌ، وهي عَكْسُ الَّتِي قَبْلَها.

والخامِسُ: يَمِينٌ عَقْدُها مُباحٌ، والمَقامُ عَلَيْها مُباحٌ، وحَلُّها مُباحٌ.

مِثْلُ أنْ يَحْلِفَ: لا دَخَلْتُ بَلَدًا فِيهِ مَن يَظْلِمُ النّاسَ، ولا سَلَكْتُ طَرِيقًا مُخَوِّفًا، ونَحْوُ ذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ فَإنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ "اللَغْوِ": سَقَطَ الكَلامُ الَّذِي لا حُكْمَ لَهُ، ويُسْتَعْمَلُ في الهَجْرِ والرَفَثِ وما لا حُكْمَ لَهُ مِنَ الأيْمانِ تَشْبِيهًا بِالسَقْطِ مِنَ القَوْلِ، يُقالُ مِنهُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا، ولَغِيَ يَلْغِي لَغْيًا، ولُغَةُ القُرْآنِ بِالواوِ.

والمُؤاخَذَةُ: هي التَناوُلُ بِالعُقُوبَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اليَمِينِ الَّتِي هي لَغْوٌ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعامِرُ الشَعْبِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: لَغْوُ اليَمِينِ: قَوْلُ الرَجُلِ في دُرْجِ كَلامِهِ واسْتِعْجالُهُ في المُحاوَرَةِ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ دُونَ قَصْدٍ لِلْيَمِينِ.

ورُوِيَ «أنَّ قَوْمًا تَراجَعُوا القَوْلَ بَيْنَهم وهم يَرْمُونَ بِحَضْرَةِ النَبِيَّ  ، فَحَلَفَ أحَدُهم لَقَدْ أصَبْتُ وأخْطَأْتَ يا فُلانُ، فَإذا الأمْرُ بِخِلافِهِ، فَقالَ رَجُلٌ: حَنِثَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ النَبِيُّ  : أيْمانُ الرُماةِ لَغْوٌ، لا إثْمَ فِيها ولا كَفّارَةَ».

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَغْوُ اليَمِينِ ما حَلَفَ بِهِ الرَجُلُ عَلى يَقِينِهِ، فَكَشْفُ الغَيْبِ خِلافُ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اليَقِينُ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ، أطْلَقَ الفُقَهاءُ عَلَيْهِ لِفْظَةَ اليَقِينِ تَجُوُّزًا.

قالَ مالِكٌ: مِثْلُهُ أنْ يَرى الرَجُلَ عَلى بُعْدٍ فَيَعْتَقِدُ أنَّهُ فُلانٌ، لا يَشُكُّ، فَيَحْلِفُ ثُمَّ يَجِيءُ غَيْرُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبْدُ اللهِ وعُرْوَةُ ابْنا الزُبَيْرِ: لَغْوُ اليَمِينِ: الحَلِفُ في المَعاصِي كالَّذِي يَحْلِفُ لَيَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أو لَيَقْطَعَنَّ الرَحِمَ، فَبَرَّهُ تَرْكُ ذَلِكَ الفِعْلِ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ، إلّا أنَّهُ قالَ: يَكْفُرُ، فَأشْبَهَ قَوْلُهُ بِالكَفّارَةِ قَوْلَ مَن لا يَراها لَغْوًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وطاوُوسٌ: لَغْوُ اليَمِينِ: الحِلْفُ في حالِ الغَضَبِ.

ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «لا يَمِينَ في غَضَبٍ».

وقالَ مَكْحُولُ الدِمَشْقِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَغْوُ اليَمِينِ: أنْ يُحَرِّمَ الرَجُلُ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللهُ، فَيَقُولُ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ.

وقالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، إلّا في الزَوْجَةِ، فَإنَّهُ ألْزَمَ فِيها التَحْرِيمَ إلّا أنْ يُخْرِجَها الحالِفُ بِقَلْبِهِ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ: لَغْوُ اليَمِينِ: دُعاءُ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ: أعْمى اللهِ بَصَرَهُ، أذْهَبُ اللهُ مالَهُ، هو يَهُودِيٌّ، هو مُشْرِكٌ، هو لُغَيَّةٌ إنْ فَعْلَ كَذا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: لَغْوُ اليَمِينِ: هو المُكَفِّرَةُ، أيْ إذا كَفَّرْتَ اليَمِينَ فَحِينَئِذٍ سَقَطَتْ وصارَتْ لَغْوًا، ولا يُؤاخِذُ اللهُ بِتَكْفِيرِها والرُجُوعِ إلى الَّذِي هو خَيْرٌ.

وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: لَغْوُ اليَمِينِ: ما حَنِثَ فِيهِ الرَجُلُ ناسِيًا.

وحَكى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ قَوْلًا: إنَّ اللَغْوَ أيْمانُ المُكْرَهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وطَرِيقَةُ النَظَرِ أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ اللَغْوِ ولَفْظَةَ الكَسْبِ، ويَحْكُمَ مَوْقِعَهُما في اللُغَةِ، فَكَسْبُ المَرْءِ ما قَصَدَهُ ونَواهُ، واللَغْوُ ما لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أو ما حَقُّهُ لِهَجَنَتِهِ أنْ يَسْقُطَ، فَيَقْوى عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ بَعْضُ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ ويَضْعُفُ بَعْضُها.

وقَدْ رَفَعَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤاخَذَةَ بِالإطْلاقِ في اللَغْوِ، فَحَقِيقَتُهُ ما لا إثْمَ فِيهِ ولا كَفّارَةَ.

والمُؤاخَذَةُ في الأيْمانِ هي بِعُقُوبَةِ الآخِرَةِ في الغَمُوسِ المَصْبُورَةِ -وَفِيما تَرَكَ تَكْفِيرُهُ مِمّا فِيهِ كَفّارَةٌ- وبِعُقُوبَةِ الدُنْيا في إلْزامِ الكَفّارَةِ فَيَضْعُفُ القَوْلُ بِأنَّها اليَمِينُ المُكَفِّرَةُ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ قَدْ وقَعَتْ فِيها وتَخْصِيصُ المُؤاخَذَةِ بِأنَّها في الآخِرَةِ فَقَطْ تَحْكُمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ وَغَيْرُهُما: ما كَسَبَ القَلْبُ: هي اليَمِينُ الكاذِبَةُ الغَمُوسُ، فَهَذِهِ فِيها المُؤاخَذَةُ في الآخِرَةِ، والكَفّارَةُ إنَّما هي فِيما يَكُونُ لَغْوًا إذا كَفَرَ.

وقالَ مالِكٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الغَمُوسُ لا تَكْفُرُ، هي أعْظَمُ ذَنْبًا مِن ذَلِكَ.

وقالَ الشافِعِيُّ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، والرَبِيعُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ تُكَفَّرُ، والكَفّارَةُ مُؤاخَذَةٌ، والغَمُوسُ: ما قَصَدَ الرَجُلُ في الحَلِفِ بِهِ الكَذِبَ، وكَذَلِكَ اليَمِينُ المَصْبُورَةُ، المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، ولَكِنَّ الغَمُوسَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثْمِ، والمَصْبُورَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها صَبْرُها مُغالَبَةٌ وقُوَّةٌ عَلَيْها، كَما يَصْبِرُ الحَيَوانُ لِلْقَتْلِ والرَمْيِ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ هو في الرَجُلِ يَقُولُ: هو مُشْرِكٌ إنْ فَعَلَ، أيْ هَذا لَغْوٌ إلّا أنْ يَعْقِدَ الإشْراكُ بِقَلْبِهِ ويَكْسِبُهُ.

و ﴿ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِما ذَكَرَ مِن طَرْحِ المُؤاخَذَةِ، إذْ هو بابُ رِفْقٍ وتَوْسِعَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "لِلَّذِينِ يُقْسِمُونَ"، و"يُؤْلُونَ": مَعْناهُ: يَحْلِفُونَ، يُقالُ: آلى الرَجُلُ يُولِي إيلاءً، والألْيَةُ اليَمِينُ، ويُقالُ فِيها أيْضًا: ألْوَةٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِضَمِّها وبِكَسْرِها.

والتَرَبُّصُ: التَأنِّي والتَأخُّرُ، وكانَ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَحْلِفَ الرَجُلُ ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ الأذى عِنْدَ المُشارَّةِ ونَحْوِها، فَجَعَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ هَذا الحَدَّ لِئَلّا يَضُرُّ الرِجالُ بِالنِساءِ، وبَقِيَ لِلْحالِفِ عَلى هَذا المَعْنى فُسْحَةٌ فِيما دُونَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ.

واخْتُلِفَ، مَنِ المُرادُ أنْ يَلْزَمَهُ حُكْمُ الإيلاءِ؟

فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: هو الرَجُلُ يُغاضِبُ امْرَأتَهُ فَيَحْلِفُ بِيَمِينٍ -يَلْحَقُ عَنِ الحِنْثِ فِيها حُكْمٌ- ألّا يَطَأها -ضَرَرًا مِنهُ- أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إصْلاحَ ولَدٍ رَضِيعٍ ونَحْوِهِ.

وقالَ بِهِ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو الرَجُلُ يَحْلِفُ ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ عَلى وجْهِ مُغاضَبَةٍ ومُشارَّةٍ، وسَواءٌ كانَ في ضِمْنِ ذَلِكَ إصْلاحُ ولَدٍ أو لَمَ يَكُنْ.

فَإنْ لَمْ يَكُنْ عن غَضَبٍ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا إيلاءَ إلّا بِغَضَبٍ.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَواءٌ كانَتِ اليَمِينُ في غَضَبٍ أو غَيْرِ غَضَبٍ هو إيلاءٌ.

وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والثَوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأهْلُ العِراقِ.

إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: ما لَمْ يُرِدْ إصْلاحَ ولَدٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ المُسَيِّبِ: كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَها الرَجُلُ، ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ، أو ألّا يُكَلِّمَها، أو أنْ يُضارَّها، أو أنْ يُغاضِبَها، فَذَلِكَ كُلُّهُ إيلاءٌ.

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ مِنهُمْ- إلّا أنَّهُ إنْ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ وكانَ يَطَأُ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ، وإنَّما تَكُونُ اليَمِينُ عَلى غَيْرِ الوَطْءِ إيلاءً إذا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ.

وأقْوالٌ مِن ذَكَرْناهُ -مَعَ سَعِيدٍ - مُسَجَّلَةٌ مُحْتَمَلَةٌ ما قالَ سَعِيدٌ، ومُحْتَمَلَةٌ أنَّ فَسادَ العِشْرَةِ إيلاءٌ، وذَهَبَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ الأخِيرِ الطَبَرِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لا يُسَمّى مُوَلِيًا إلّا الَّذِي يَحْلِفُ ألّا يَطَأ أبَدًا، حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ.

وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ: لا يَكُونُ مُولِيًا إلّا إنْ زادَ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ.

وقالَ عَطاءٌ، والثَوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَأْيِ: الإيلاءُ أنْ يَحْلِفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَصاعِدًا.

وقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: مَن حَلَفَ عَلى قَلِيلٍ مِنَ الوَقْتِ أو كَثِيرٍ فَتَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَهو مُوَلٍّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نِسائِهِمْ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الحَرائِرُ والإماءُ إذا تَزَوَّجْنَ.

والعَبْدُ يَلْزَمُهُ الإيلاءُ مِن زَوْجَتِهِ.

وقالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ: أجْلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وقالَ مالِكٌ، والزُهْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وإسْحاقُ: أجَلُهُ شَهْرانِ.

وقالَ الحَسَنُ: أجَلُهُ مِن حُرَّةٍ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ومِن أمَةٍ زَوْجَةٍ شَهْرانِ، وقالَهُ النَخْعِيُّ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: الإيلاءُ مِنَ الأُمَّةِ نِصْفُ الإيلاءِ مِنَ الحُرَّةِ.

وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَأْيِ، والأوزاعِيُّ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: المَدْخُولُ بِها وغَيْرُ المَدْخُولِ بِها سَواءٌ في لُزُومِ الإيلاءِ فِيهِما.

وقالَ الزُهْرِيُّ، وعَطاءٌ، والثَوْرِيُّ: لا إيلاءَ إلّا بَعْدَ الدُخُولِ.

وقالَ مالِكٌ: ولا إيلاءَ مِن صَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ، فَإنْ آلى مِنها فَبَلَغَتْ لَزِمَهُ الإيلاءُ مِن يَوْمِ بُلُوغِها.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسٌ، ومالكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ: إذا انْقَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ وقَفَ، فَإمّا فاءَ وإمّا طَلَّقَ، وإلّا طَلَّقَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: بِانْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَلاقُ دُونَ تَوْقِيفٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الطَلاقِ الداخِلِ عَلى المُولِي؛ فَقالَ عُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، والنَخْعِيُّ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ لا رَجْعَةَ لَهُ فِيها.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، ومَكْحُولٌ، والزُهْرِيُّ، ومالِكٌ: هي رَجْعِيَّةٌ.

و"فاءُوا" مَعْناهُ: رَجَعُوا، ومِنهُ: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ  ﴾ "والفَيْءُ": الظِلُّ الراجِعُ عَشِيًّا.

وَقالَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.

إذا فاءَ المُولِي ووَطِئَ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في يَمِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ ما حَلَفَ في مَعْصِيَةٍ، وتَرْكُ وطْءِ الزَوْجَةِ مَعْصِيَةٌ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إذا فاءَ كَفَرَ، والفَيْءُ عِنْدَ ابْنِ المُسَيِّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ إلّا بِالجِماعِ.

وإنْ كانَ مَسْجُونًا أو في سَفَرٍ مَضى عَلَيْهِ حُكْمُ الإيلاءِ إلّا أنْ يَطَأ، ولا عُذْرَ لَهُ ولا فَيْءَ بِقَوْلٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَكُونُ الفَيْءُ إلّا بِالوَطْءِ أو بِالتَكْفِيرِ في حالِ العُذْرِ كالغائِبِ والمَسْجُونِ.

قالَ ابْنُ القاسِمِ في المُدَوَّنَةِ: إلّا أنْ تَكُونَ يَمِينُهُ مِمّا لا يُكَفِّرُها لِأنَّها لا تَقَعُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَإنَّ القَوْلَ يَكْفِيهِ ما دامَ مَعْذُورًا.

واخْتَلَفَ القَوْلُ في المُدَوَّنَةِ في اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى؛ هَلْ يُكْتَفى فِيهِ بِالفَيْءِ بِالقَوْلِ والعَزْمِ عَلى التَكْفِيرِ أمْ لا بُدَّ مِنَ التَكْفِيرِ، وإلّا فَلا فَيْءَ؟

وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ وغَيْرُهُمْ: الفَيْءُ مِن غَيْرِ المَعْذُورِ الجِماعُ، ولا بُدَّ ومِنَ المَعْذُورِ أنْ يَشْهَدَ أنَّهُ قَدْ فاءَ بِقَلْبِهِ.

وقالَ النَخْعِيُّ أيْضًا: يَصِحُّ الفَيْءُ بِالقَوْلِ والإشْهادِ فَقَطْ، ويَسْقُطُ حُكْمُ الإيلاءِ، أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَنْتَشِرْ لِلْوَطْءِ؟

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرْجِعُ في هَذا القَوْلِ إنْ لَمْ يَطَأْ إلى بابِ الضَرَرِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَإنَّ فاؤُوا فِيهِنَّ".

ورُوِيَ عنهُ: "فَإنَّ فاؤُوا فِيها".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ ﴾ الآيَةُ.

قالَ القائِلُونَ: إنَّ بِمُضِيِّ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَدْخُلُ الطَلاقُ، عَزِيمَةُ الطَلاقِ هي تَرْكُ الفَيْءِ، حَتّى تَنْصَرِمَ الأشْهُرُ.

وقالَ القائِلُونَ: لا بُدَّ مِنَ التَوْقِيفِ بَعْدَ تَمامِ الأشْهُرِ، والعَزِيمَةُ: هي التَطْلِيقُ أوِ الإبانَةُ وقْتَ التَوْقِيفِ حَتّى يُطَلِّقَ الحاكِمُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِالتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: "سَمِيعٌ"، لِأنَّ هَذا الإدْراكَ إنَّما هو في المَقُولاتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَإنْ عَزَمُوا السَراحَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف بياني لأن الآية السابقة لما أفادت النهي عن التسرع بالحلف إفادة صريحة أو التزامية، كانت نفوس السامعين بحيث يهجس بها التفكر والتطلع إلى حكم اليمين التي تجري على الألسن.

ومناسبته لما قبله ظاهرة لا سيما إن جعلتَ قوله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ [البقرة: 224] نهياً عن الحلف.

والمؤاخذة مفاعلة من الأَخذ بمعنى العد والمحاسبة، يقال أخذه بكذا أي عده عليه ليعاتبه أو يعاقبه، قال كعب بن زهير: لا تأخُذَنِّي بأَقْوال الوْشاةِ ولم *** أُذْنِبْ وإِنْ كَثُرَتْ فيَّ الأَقَاوِيل فالمفاعلة هنا للمبالغة في الأخذ؛ إذ ليس فيه حصول الفعل من الجانبين.

والمؤاخذة باليمين هي الإلزام بالوفاء بها وعدم الحنث؛ ويترتب على ذلك أن يأثم إذا وقع الحنث، إلاّ ما أذن الله في كفّارته، كما في آية سورة العقود.

واللغو مصدر لغا إذا قال كلاماً خَطَئاً، يقال: لغا يلغُو لغواً كسعا، ولغا يلغْى لَغْياً كسَعى.

ولغة القرآن بالواو.

وفي «اللسان»: «أنه لا نظير له إلاّ قولهم أسوته أسواً وأَسى أصلحتُه» وفي الكواشي: «ولغا يلغو لغواً قال باطلاً»، ويطلق اللغو أيضاً على الكلام الساقط، الذي لا يعتد به، وهو الخطأ، وهو إطلاق شائع.

وقد اقتصر عليه الزمخشري في «الأساس» ولم يجعله مجازاً؛ واقتصر على التفسير به في «الكشاف» وتبعه متابعوه.

و (في) للظرفية المجازية المراد بها الملابسة، وهي ظرف مستقر، صفة اللغو أو حال منه، وكذلك قدره الكواشي فيكون المعنى على جعل اللغو بمعنى المصدر، وهو الأظهر: لا يؤاخذكم الله بأن تلغوا لغواً ملابساً للأيمان، أي لا يؤاخذكم بالأيمان الصادرة صدور اللغو، أي غير المقصود من القول.

فإذا جعلتَ اللغو اسماً بمعنى الكلام الساقط الخاطئ، لم تصح ظرفيته في الأيمان، لأنه من الأيمان، فالظرفية متعلقة بيؤاخذكم، والمعنى لا يؤاخذكم الله في أيمانكم باللغو، أي لا يؤاخذكم من بين أيمانكم باليمين اللغو.

والأيمان جمع يمين، واليمين القسم والحلف، وهو ذكر اسم الله تعالى، أو بعض صفاته، أو بعض شؤونه العليا أو شعائره.

فقد كانت العرب تحلف بالله، وبرب الكعبة، وبالهدي، وبمناسك الحج.

والقسم عندهم بحرف من حروف القسم الثلاثة: الواو والباء والتاء، وربما ذكروا لفظ حلفت أو أقسمت، وربما حلفوا بدماء البدن، وربما قالوا والدماءِ، وقد يدخلون لاماً على عَمْر الله، يقال: لَعَمْرُ الله، ويقولون: عمرَك الله، ولم أر أنهم كانوا يحلفون بأسماء الأصنام.

فهذا الحلف الذي يراد به التزام فعل، أو براءة من حق.

وقد يحلفون بأشياء عزيزة عندهم لقصد تأكيد الخبر أو الالتزام، كقولهم وأبيك ولَعَمْرك ولعمري، ويحلفون بآبائهم، ولما جاء الإسلام نهى عن الحلف بغير الله.

ومن عادة العرب في القسم أن بعض القسم يقسمون به على التزام فعل يفعله المقسِم ليُلجئ نفسه إلى عمله ولا يندم عنه، وهو من قبيل قسم النذر، فإذا أراد أحد أن يظهر عزمه على فعل لا محالة منه، ولا مطمع لأحد في صرفه عنه، أكده بالقسم، قال بلعاء بن قيس: وفارسسٍ في غِمار المَوْت منغَمِس *** إذَا تَأَلَّى على مَكْروهَةٍ صَدَقَا (أي إذا حلف على أن يقاتل أو يقتل أو نحو ذلك من المصاعب والأضرار ومنه سميت الحرب كريهة) فصار نطقهم باليمين مؤذناً بالغرم، وكثر ذلك في ألسنتهم في أغراض التأْكيد ونحوه، حتى صار يجري ذلك على اللسان كما تجري الكلمات الدالة على المعاني من غير إرادة الحلف، وصارت كثرته في الكلام لا تنحصر، فكثر التحرج من ذلك في الإسلام قال كثيِّر: قليل الألايى حافظ ليمينه *** وإن سبقت منه الأليَّة بَرَّتِ فأشبهه جريانُ الحلف على اللسان اللغوَ من الكلام.

وقد اختلف العلماء في المراد من لغو اليمين في هذه الآية، فذهب الجمهور إلى أن اللغو هو اليمين التي تجري على اللسان، لم يقصد المتكلم بها الحلف، ولكنها جرت مجرى التأكيد أو التنبيه، كقول العرب: لا والله، وبلى والله.

وقول القائل: والله لقد سمعت من فلان كلاماً عجباً، وغير هذا ليس بلغو، وهذا قول عائشة، رواه عنها في «الموطأ» و«الصِّحاح»، وإليه ذهب الشعبي، وأبو قِلابة، وعكرمة، ومجاهد، وأبو صالح، وأخذ به الشافعي، والحجة له أن الله قد جعل اللغو قسيماً للتي كسبها القلب في هذه الآية، وللتي عقد عليها الحالف اليمين في قوله: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما ﴾ [المائدة: 89] فما عقدتم الأيمان هو ما كسبته القلوب؛ لأن ما كسبت قلوبكم مبيِّن، فيحمل عليه مجمل ﴿ ما عقدتم ﴾ ، فتعين أن تكون اللغو هي التي لا قصد فيها إلى الحلف، وهي التي تجري على اللسان دون قصد، وعليه فمعنى نفي المؤاخذة نفي المؤاخذة بالإثم وبالكفارة؛ لأن نفي الفعل يعم، فاليمين التي لا قصد فيها لا إثم ولا كفارة عليها، وغيرها تلزم فيه الكفارة للخروج من الإثم بدليل آية المائدة؛ إذ فسر المؤاخذة فيها بقوله: ﴿ فكفارته إطعام عشرة مساكين ﴾ [المائدة: 89] فيكون في الغموس، وفي يمين التعليق، وفي اليمين على الظن، ثم يتبين خلافه، الكفارة في جميع ذلك.

وقال مالك: «لغو اليمين أن يحلف على شيء يظنه كذلك ثم يتبيّن خلاف ظنه» قال في «الموطأ»: «وهذا أحسن ما سمعت إلى في ذلك» وهو مروي في غير «الموطأ»، عن أبي هريرة ومن قال به الحسن وإبراهيم وقتادة والسدي ومكحول وابن أبي نجيح.

ووجهه من الآية: أن الله تعالى جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين، ولا تكون المؤاخذة إلاّ على الحنث لا أصل القسم؛ إذ لا مؤاخذة لأجل مجرد الحلف لا سيما مع البر، فتعين أن يكون المراد من كسب القلب كسبه الحنث أي تعمده الحنث، فهو الذي فيه المؤاخذة، والمؤاخذة أجملت في هاته الآية، وبينت في آية المائدة بالكفارة، فالحالف على ظن يظهر بعد خلافه لا تعمد عنده للحنث، فهو اللغو، فلا مؤاخذة فيه، أي لا كفارة وأما قول الرجل: لا والله وبلى والله، وهو كاذب، فهو عند مالك قسم ليس بلغو، لأن اللغوية تتعلق بالحنث بعد اعتقاد الصدق، والقائل: «لا والله» كاذباً، لم يتبين حنثه له بعد اليمين، بل هو غافل عن كونه حالفاً، فإذا انتبه للحلف وجبت عليه الكفارة، لأنه حلفها حين حلفها وهو حانث.

وإنما جعلنا تفسير (ما كسبت قلوبكم) كسب القلب للحنث، لأن مساق الآية في الحنث لأن قوله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ [البقرة: 224]، إما إذن في الحنث، أو نهي عن الحلف خشية الحنث، على الوجهين الماضيين، وقوله: وقال جماعة: اللغو ما لم يقصد به الكذب، فتشمل القسمين، سواء كان بلا قصد كالتي تجري على الألسن في لا والله وبلى والله كان بقصد مع اعتقاد الصدق فتبين خلافه.

وممن قال بهذا ابن عباس والشعبي وقال به أبو حنيفة، فقال: اللغو لا كفارة فيها ولا إثم.

واحتج لذلك بأن الله تعالى جعل اللغو هنا، مقابلاً لما كسبته القلوب، ونفى المؤاخذة عن اللغو وأثبتها لما كسبه القلب، والمؤاخذة لا محالة على الحنث لا على أصل الحلف، فاللغو هي التي لا حنث فيها؛ ولم ير بين آية البقرة وآية المائدة تعارضاً حتى يحمل إحداهما على الأخرى بل قال: إن آية البقرة جعلت اللغو مقابلاً لما كسبه القلب، وأثبت المؤاخذة لما كسبه القلب أي عزمت عليه النفس، والمؤاخذة مطلقة تنصرف إلى أكمل أفرادها، وهي العقوبة الأخروية فيتعين أنه ما كسبته القلوب، أريد به الغموس؛ وجعل في آية المائدة اللغو مقابلاً للأيمان المعقودة.

والعقد في الأصل: الربط، وهو معناه لغة، وقد أضافه إلى الأيمان، فدل على أنها اليمين التي فيها تعليق، وقد فسر المؤاخذة فيها بقوله: ﴿ فكفارته إطعام ﴾ [المائدة: 89] الخ، فظهر من الآيتين أن اللغو ما قابل الغموس، والمنعقدة، وهو نوعان لا محالة، وظهر حكم الغموس، وهي الحلف بتعمد الكذب، فهو الإثم، وحكم المنعقدة أنه الكفارة، فوافق مالكاً في الغموس وخالفه في أحد نوعي اللغو، وهذا تحقيق مذهبه.

وفي اللغو غير هذه المذاهب مذاهب أنهاها ابن عطية إلى عشرة، لا نطيل بها.

وقوله: ﴿ والله غفور حليم ﴾ تذييل لحكم نفي المؤاخذة، ومناسبة اقتران وصف الغفور بالحليم هنا دون الرحيم، لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع الله تعالى، فلذلك وصف الله نفسه بالحليم، لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للغفلة، ويقبل المعذرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمانِكُمْ ﴾ أمّا العُرْضَةُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهي القُوَّةُ والشِّدَّةُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَحْلِفَ بِاللَّهِ تَعالى في كُلِّ حَقٍّ وباطِلٍ، فَتَتَبَذَّلَ اسْمَهُ، وتَجْعَلَهُ عُرْضَةً.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى عُرْضَةٍ، أيْ عِلَّةٌ يَتَعَلَّلُ بِها في بِرِّهِ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَمْتَنِعَ مِن فِعْلِ الخَيْرِ والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ إذا سُئِلَ، فَيَقُولُ: عَلَيَّ يَمِينٌ أنْ لا أفْعَلَ ذَلِكَ، أوْ يَحْلِفُ بِاللَّهِ في الحالِ فَيَعْتَلُّ في تَرْكِ الخَيْرِ بِاليَمِينِ، وهَذا قَوْلُ طاوُسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ الخَيْرَ والبِرَّ، فَيَقْصِدُ في فِعْلِهِ البِرَّ في يَمِينِهِ، لا الرَّغْبَةَ في فِعْلِهِ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَبَرُّوا ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنْ تَبَرُّوا في أيْمانِكم.

والثّانِي: أنْ تَبَرُّوا في أرْحامِكم.

﴿ وَتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ ﴾ هو الإصْلاحُ المَعْرُوفُ ﴿ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ سَمِيعٌ لِأيْمانِكم، عَلِيمٌ بِاعْتِقادِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ ﴾ أمّا اللَّغْوُ في كَلامِ العَرَبِ، فَهو كُلُّ كَلامٍ كانَ مَذْمُومًا، وفَضْلًا لا مَعْنى لَهُ، فَهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَغا فُلانٌ في كَلامِهِ إذا قالَ قُبْحًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ  ﴾ .

فَأمّا لَغْوُ اليَمِينِ الَّتِي لا يُؤاخِذُ اللَّهُ تَعالى بِها، فَفِيها سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما يَسْبِقُ بِهِ اللِّسانُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ، رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ عَوْفٍ الأعْرابِيِّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ  بِقَوْمٍ يَنْضَلُونَ يَعْنِي يَرْمُونَ، ومَعَ النَّبِيِّ  رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ، فَرَمى رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ: أصابَ واللَّهِ، أخْطَأْتُ واللَّهِ، فَقالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ  : حَنِثَ الرَّجُلُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (كَلّا، أيْمانُ الرُّماةِ لَغْوٌ ولا كَفّارَةَ ولاَ عُقُوبَةَ)» .

والثّانِي: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ، أنْ يَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ يَظُنُّ أنَّهُ كَما حَلَفَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ بِخِلافِهِ، وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها صاحِبُها في حالِ الغَضَبِ عَلى غَيْرِ عَقْدِ قَلْبٍ ولا عَزْمٍ، ولَكِنْ صِلَةً لِلْكَلامِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ.

وَقَدْ رَوى يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (لا يَمِينَ في غَضَبٍ).» والرّابِعُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ أنْ يَحْلِفَ بِها في المَعْصِيَةِ، فَلا يُكَفِّرُ عَنْها، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٍ، والشَّعْبِيِّ، وقَدْ رَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (مَن نَذَرَ فِيما لا يَمْلِكُ فَلا نَذْرَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَلا يَمِينَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ)» .

والخامِسُ: أنَّ اللَّغْوَ في اليَمِينِ، إذا دَعا الحالِفُ عَلى نَفْسِهِ، كَأنْ يَقُولَ: إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا فَأعْمى اللَّهُ بَصَرِي، أوْ قَلَّلَ مِن مالِي، أوْ أنا كافِرٌ بِاللَّهِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ هو ما حَنِثَ فِيهِ الحالِفُ ناسِيًا، وهَذا قَوْلُ النَّخَعِيِّ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَحْلِفَ كاذِبًا أوْ عَلى باطِلٍ، وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.

والثّانِي: أنْ يَحْلِفَ عَمْدًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ اعْتِقادُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والكُفْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

﴿ واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ غَفُورٌ لِعِبادِهِ، فِيما لَغَوْا مِن أيْمانِهِمْ، حَلِيمٌ في تَرْكِهِ مُقابَلَةِ أهْلِ حَسَنَتِهِ بِالعُقُوبَةِ عَلى مَعاصِيهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مالك في الموطأ ووكيع والشافعي في الأم وعبد الرزاق والبخاري ومسلم وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ في قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وكلا والله، زاد ابن جرير: يصل بها كلامه.

وأخرج أبو داود وابن جرير وابن حبان وابن مردويه والبيهقي من طريق عطاء بن أبي رباح «أنه سئل عن اللغو في اليمين فقال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هو كلام الرجل في يمينه، كلا والله، وبلى والله» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عائشة ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قالت: هو القوم يتدارؤون في الأمر، يقول هذا: لا والله، ويقول هذا: كلا والله، يتدارؤون في الأمر لا تعقد عليه قلوبهم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عائشة قالت: إنما اللغو في المزاحة والهزل، وهو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، فذاك لا كفارة فيه، إن الكفارة فيما عقد عليه قلبه أن يفعله ثم لا يفعله.

وأخرج ابن جرير عن الحسن قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم ينتضلون، ومع النبي صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله، أخطأت والله، فقال الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم: حنث الرجل يا رسول الله.

فقال: كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» .

وأخرج أبو الشيخ من طريق عطاء عن عائشة وابن عباس وابن عمرو.

أنهم كانوا يقولون: اللغو لا والله، وبلى والله.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس قال: لغو اليمين لا والله، وبلى والله.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق طاوس عن ابن عباس قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عن عائشة.

أنها كانت تتأول هذه الآية ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ وتقول: هو الشيء يحلف عليه أحدكم لا يريد منه إلا الصدق فيكون على غير ما حلف عليه.

وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: لغو اليمين حلف الإِنسان على الشيء يظن أنه الذي حلف عليه فإذا هو غير ذلك.

وأخرج ابن جرير من طريق عطية العوفي عن ابن عباس قال: اللغو أن يحلف الرجل على الشيء يراه حقاً وليس بحق.

وأخرج ابن جرر وابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: هذا في الرجل يحلف على أمر اضرار أن يفعله أو لا يفعله فيرى الذي هو خير منه، فأمر الله أن يكفر يمينه ويأتي الذي هو خير.

قال: ومن اللغو أيضاً أن يحلف الرجل على أمر لا يرى فيه الصدق وقد أخطأ في ظنه، فهذا الذي عليه الكفارة ولا إثم فيه.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله لك، فذلك ما ليس عليك فيه كفارة ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ قال: ما تعمدت قلوبكم فيه المأثم، فهذا عليك فيه الكفارة.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: هو الرجل يحلف على المعصية يعني أن لا يصلي ولا يصنع الخير.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينسى، فلا يؤاخذه الله به ولكن يكفّر.

وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ من طريق قتادة عن سليمان بن يسار ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: الخطأ غير العمد.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي قلابة في قول الرجل: لا والله، وبلى والله.

قال: إنها لمن لغة العرب، ليست بيمين.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ قال: هو الرجل يحلف على الشيء يرى أنه صادق وهو كاذب، فذاك اللغو لا يؤاخذكم به ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ قال: يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب، فذاك الذي لا يؤاخذ به.

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: كان قوم حلفوا على تحريم الحلال فقالوا: أما إذ حلفنا وحرمنا على أنفسنا فإنه ينبغي لنا أن نبر.

فقال الله: ﴿ أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ﴾ [ البقر: 224] ولم يجعل لها كفارة، فأنزل الله: ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك...

قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ﴾ [ التحريم: 1-2] فأمر النبي عليه السلام بالكفارة لتحريم ما حرم على نفسه الجارية التي كان حرمها على نفسه، أمره أن يكفر يمينه ويعاود جاريته، ثم أنزل الله: ﴿ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ والله غفور ﴾ يعني إذا جاوز اليمين التي حلف عليها ﴿ حليم ﴾ إذ لم يجعل فيها الكفارة، ثم نزلت الكفارة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ الآية.

اللغو: معناه في اللغة: الكلام الذي لا فائدة فيه ولا يعتد به (١) (٢) قال العجاج: ورُبَّ أسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظّمِ ...

عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (٣) وقال ذو الرمة: ويُطْرَحُ بينها المَرْئِيُّ لَغْوًا ...

كما أَلْغَيْتَ في المائةِ الحُوَارَا (٤) قال ابن المظفر: يقول: اللَّغْو واللَّاغِيَةُ واللَّوَاغِي واللَّغَا واللغوي (٥) (٦) (٧) ومثله من الكلام: الدَّلْو والدِّلاَء، والعَيْبُ والعَابُ.

قال ابن الأنباري: اللغو عند العرب: ما يُطْرح من الكلام (٨) وبعد ذلك (٩) (١٠) (١١) أي: لم تنس اطراحًا لها.

ويقال: لغَا الطائر يلغو لغوًا: إذا صَوَّتَ، وسُمِّيَ ذلك منه لَغْوًا؛ لأنه لا يُوْقَفُ على ما يُريدُه.

قال الشاعر: باكرتُهُم بِسَبَا جَوْنٍ ذَارعٍ (١٢) (١٣) السبا: اشتراء الخمر، والجَوْنُ: الزِّقُّ، والذَّارعُ (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) وأما التفسير: فقال مجاهد (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤)  مرَّ بقوم ينتضلون، ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم، فقال: أصبت والله وأخطأ، فقال الذي مع النبي عليه الصلاة والسلام: حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : (٢٥) (٢٦) (٢٧) ولسْتَ بمأخُوذٍ بلَغْوٍ تَقُولُه ...

إذا لم تَعَمَّد عاقِداتِ العَزَائمِ (٢٨) وقال ابن عباس في رواية الوالبي (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠)  وطاوس (٤١) وقال ابن عباس (٤٢) (٤٣) وقال الشعبي في الرجل يحلف على معصية: كفارته أن يتوب منها، وكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة (٤٤) (٤٥)  قال: "من حلف على معصية الله فلا يمين له (٤٦) وروت عمرة (٤٧)  : "من حلف على قطيعة رحم أو معصية، فبره أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" (٤٨) وبه قال سعيد بن جُبير إلا أنه قال: يحنث ويكفِّر، ولا يؤاخذه الله بالحِنث (٤٩) وقال الضحاك: هو اليمين المُكفَّرة (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) أعلم الله عز وجل أن الإثم إنما هو في الإقامة على ترك البر والتقى، وأن اليمين إذا كفرت فالذنب فيها مغفور.

وجملة اليمين على مذهب الشافعي، رحمه الله: قِسْمٌ على الماضي (٥٤) (٥٥) (٥٦) القسم الثاني: اليمين (٥٧) (٥٨) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أي: عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية (٥٩) وقال الزجاج: أي: بعزمكم على أن لا تبروا وأن لا تتقوا، وأن تَعْتلَّوا في ذلك بأنكم حلفتم (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ معنى الحِلْم في كلام العرب: الأَنَاةُ والسُكُون، والعَرب تقول: ضَعِ الهَوْدَجَ على أحْلَمِ الجِمال، أي: على أَشَدِّها تَؤُدَةً في السير.

ومنه الحُلُم؛ لأنه يُرَى في حال السكون، وحَلَمَةُ الثدي لأنها تُحَلِّم المرتَضِعَ، أي: تُسَكِّنُه، والحَلَمَةُ: القُراد، مُشَبَّهَةً بِحَلَمَةِ الثَّدْي (٦١) (٦٢) (١) ساقطة من (ي).

(٢) قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 299: ويقال: لغوت ألْغُو لغوًا، ولغوْت أَلْغَى لغوًا، مثل محوت أمحو محوا وأمحى، ويقال: لغيت في الكلام ألغَى لغىً إذا أتيت بلغو.

(٣) سبق تخريجه 3/ 605.

(٤) ورد البيت هكذا: ويَهْلِكُ بينها المَرْئِيُّ فيها ...

كما أَلْغَيْتْ في الديةِ الحُوَارا وفي "اللسان": ويَهْلِكَ وسْطَها المرئي لَغْوًا وهو لذي الرمة يهجو هشام بن قيس المرئي أحد بني امرئ القيس، انظر الديوان 2/ 1379، "تفسير الثعلبي" 2/ 1016، "عمدة الحفاظ" للسمين الحلبي 4/ 34.

"اللسان" 7/ 4049 مادة "لغا".

(٥) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3275 مادة "لغو"، وبعض الكلام لغيره.

(٦) سقطت من (م) و (أ).

(٧) رواه البخاري (934) كتاب: الجمعة، باب.

الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، ومسلم (851) الجمعة، باب: الإنصات يوم الجمعة في الخطبة.

(٨) من قوله: الدَّلْو ..

سقطت من (م) و (أ).

(٩) في (م): (ذاك).

(١٠) في (ي): (أيامَا).

(١١) في (م): (أمر) والبيت لم أهتد إلى من ذكره.

(١٢) في (ش) (دارع)، وفي (ي) (دراع).

(١٣) البيت لثعلبة بن صعير المازني في "لسان العرب" 3/ 1498 مادة: ذرع، و 7/ 4051 مادة: لغا.

وروايته: بساء.

(١٤) في (م) و (ش) (الذراع)، وفي (ي) (الدراع).

(١٥) (الكثير) ساقطة من (ي).

(١٦) في (ش) (أو).

(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299.

(١٨) ينظر لغا: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299، "تهذيب اللغة" 4/ 3275 - 3276، "تفسير الثعلبي" 2/ 1016، "المفردات" ص 455، "عمدة الحفاظ" 4/ 33 == "اللسان" 7/ 4049 - 4051.

وقال الراغب: اللغو من الكلام ما لا يعتد به، وهو الذي يورد لا عن روية وفكر، فيجري مجرى اللغا، وهو صوت العصافير ونحوها من الطيور.

وقد يسمى كل كلام قبيح لغوًا.

(١٩) رواه عنه الطبري 2/ 406 بمعناه، وذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 188، والثعلبي 2/ 1021.

(٢٠) رواه عنه الطبري 2/ 404، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 408 (٢١) رواه عنه سعيد بن منصور 4/ 1528، والطبري 2/ 405، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 408.

(٢٢) حديث عائشة بهذا اللفظ موقوفًا عليها، رواه الطبري في "تفسيره" 2/ 411 - 412، وبنحوه عند عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 474، وأصله رواه البخاري (6663) كتاب: الأيمان، باب: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ومالك في "الموطأ" 2/ 477، والشافعي في "الأم" 7/ 257، والنسائي في "تفسيره" 1/ 444 رقم 169، والطبري في "تفسيره" 2/ 406، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 408 وغيرهم موقوفا عليها.

ورواه أبو داود مرفوعا (3254) كتاب: الأيمان، باب: لغو اليمين، والطبري 2/ 405، وابن حبان في "صحيحه" 10/ 176 وغيرهم، قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 4/ 167: وصحح الدارقطني الوقف.

(٢٣) هو حماد بن أبي سليمان بن مسلم أبو إسماعيل الكوفي الأصبهاني، كان علامة إماما فقيه العراق، تفقه على إبراهيم النخعي فكان أنبل أصحابه وأفقههم، روى عنه تلميذه أبو حنيفة والأعمى وخلق كثير، توفي سنة 120هـ.

ينظر "السير" 5/ 231 - 238، "الجرح والتعديل" 3/ 146.

(٢٤) رواه الطبري في "تفسيره" 4/ 443، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1030.

(٢٥) قوله: (فقال -  -).

ساقطة من (ش).

(٢٦) في (ي) و (ش).

(كلا).

(٢٧) أخرجه الطبراني في: "المعجم الصغير" عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده 2/ 271 حديث رقم 1151.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 188: ورجاله ثقات إلا أن شيخ الطبراني يوسف بن يعقوب لم أجد من وثقهُ ولا جرحه، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 412 عن الحسن قال ابن كثير: وهذا مرسل حسن عن الحسن، وقال الحافظ في "الفتح" 11/ 547: وهذا لا يثبت؛ لأنهم كانوا لا يعتمدون مراسيل الحسن، لأنه كان يأخذ عن كل أحد.

(٢٨) البيت للفرزدق في "ديوانه" 2/ 307، وانظره في "طبقات فحول الشعراء" 2/ 336، "الدر المصون" 2/ 430، "والأغاني" 19/ 14، "المفردات" ص 52، "وضح البرهان" للغزنوي 1/ 207.

(٢٩) رواه عنه الطبري 2/ 406، وذكره ابن أبي حاتم 2/ 408.

(٣٠) رواه في "تفسير مجاهد" 1/ 107، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 91، والطبري في "تفسيره" 2/ 407.

(٣١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 91، والطبري عنه 2/ 408.

(٣٢) رواه عنه سعيد بن منصور في "سننه" 4/ 1524، والطبري في "تفسيره" 2/ 407.

(٣٣) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1022، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 408، ضمن أهل القول الأول.

(٣٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 91، والطبري في "تفسيره" 2/ 408، وعزاه في الدر 1/ 481 بمعناه إلى عبد بن حميد وأبي الشيخ.

(٣٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 408، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 409.

(٣٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 408، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 409.

(٣٧) رواه سعيد بن منصور 4/ 1533، والطبري في "تفسيره" 2/ 409، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 410.

(٣٨) في (م) (رستم) وفي (ي) (وسم).

(٣٩) وسيم أو الوسيم، قال البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان في "الثقات": يروي عن طاوس عن ابن عباس، روى عه عطاء بن السائب، ولم يذكروا غيره.

ينظر "التاريخ الكبير" 8/ 181، "الجرح والتعديل" 9/ 46.

(٤٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1024، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 179.

(٤١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 409، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1024.

(٤٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 411، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1026.

(٤٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 462، والطبري في "تفسيره" 2/ 411.

(٤٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 411، وابن أبي شية في "المصنف"، القسم الأول من الجزء 4/ ص 33.

(٤٥) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، من رجال الحديث، قال ابن حجر: صدوق، سكن مكة وتوفي بالطائف سنة 118 هـ.

انظر "تقريب التهذيب" ص 423 (5050)، "الأعلام" 5/ 79.

(٤٦) أخرجه أبو داود رقم (2190) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق قبل النكاح.

(٤٧) هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، تابعية روت عن عائشة توفيت سنة 103 هـ.

انظر "التقريب" 750 (8643) "البداية والنهاية" 11/ 339، 503.

(٤٨) أخرجه ابن ماجه (2110) كتاب: الكفارات، باب: من قال كفارتها تركها.

(٤٩) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 8/ 375، والطبري 2/ 411.

(٥٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 412، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1032.

(٥١) من قوله: في اليمين.

ساقطة من (أ) و (م).

(٥٢) ساقطة من (أ) و (م).

(٥٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299.

(٥٤) في (ي): (المعاصي).

(٥٥) في (م) و (أ): (فيها).

(٥٦) في (ي) و (ش): (فإن).

(٥٧) ساقطة من (ي).

(٥٨) ينظر: "الأم" 7/ 64، "والسنن الكبرى للبيهقي" 10/ 36، "تفسير الثعلبي" 2/ 1033، "الإشراف على مذاهب أهل العلم" لابن المنذر 1/ 422، "اختلاف العلماء" للمروزي 212.

(٥٩) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1032.

(٦٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 299.

(٦١) "تهذيب اللغة" 1/ 908، "المفردات" ص 136، "عمدة الحفاظ" 1/ 516 - 518، "اللسان" 2/ 979 - 982.

قال الراغب: الحلم: ضبط النفس والطبع عن هيجان الغضب، وجمعه أحلام، قال الله تعالى: ﴿ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ  ﴾ قبل معناه: عقولهم، وليس الحلم في الحقيقة هو العقل، لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل.

(٦٢) قال السمين الحلبي في عمدة الحفاظ 1/ 516: الحلم: أصله ضبط عن هيجان الغضب، وإذا ورد في صفات الله فمعناه: الذي لا يستفزه عصيان العصاة، ولا يستخفه الغضب عليهم.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ باللغو ﴾ الساقط وهو عند مالك قولك نعم والله، ولا والله، الجاري على اللسان من غير قصد، وفاقاً للشافعي، وقيل أن يحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه وفاقاً لأبي حنيفة وقال ابن عباس: اللغو الحلف على الشيء يظنه على ما حلف عليه، ثم يظهر خلافه وفاقاً لأبي حنيفة وقال ابن عباس: اللغو الحلف حين الغضب، وقيل: اللغو اليمين على المعصية، والمؤاخذة العقاب أو وجوب الكفارة ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ أي قصدت، فهو على خلاف اللغو، وقال ابن عباس: هو اليمين الغموس، وذلك أن يحلف على الكذب متعمداً، وهو حرام إجماعاً، وليس فيه كفارة عند مالك خلافاً للشافعي.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.

﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.

الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.

﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.

﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه  جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.

والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.

روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.

فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.

فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله  ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.

واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.

فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.

ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.

وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي  ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.

وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.

فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.

ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .

ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.

وأصل الحيض في اللغة السيل.

يقال: حاض السيل وفاض.

قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.

والواو والياء من حيز واحد.

وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.

وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.

فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.

فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.

ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.

أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.

قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.

وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.

وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.

والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.

وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي  وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.

وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.

وأما الطهر فأكثره لا حد له.

فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.

وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه  قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.

وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.

"قال  لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .

ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.

ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.

والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.

حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.

فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.

ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.

والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.

وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.

وقال بعضهم: غسل الموضع.

ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.

عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.

وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.

وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.

﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.

فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.

الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.

فأوحى إلى رسول الله  هذه الآية" .

وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.

وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.

وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله  فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.

فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.

وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.

وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.

وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا  ﴾ أي من أين.

وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.

وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.

ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله  "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.

فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!

ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.

ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".

الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.

وقد ذم الله  من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين  ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.

وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله  أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".

وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.

فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي  لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.

فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.

اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.

قال  "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.

ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.

وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.

حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه  ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي  أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه  مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي  : حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.

وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.

وأيضاً إنه  قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله  أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.

وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.

ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.

وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.

وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.

قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.

﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.

الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.

والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.

وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.

قال سعيد بن المسيب.

كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.

ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله  ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.

فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.

والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.

واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.

الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.

الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله  ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.

وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.

ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.

وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.

وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.

وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.

وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.

ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.

وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.

فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.

الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله  وصفاته أو غيره.

فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.

وهل يجب عليه كفارة اليمين؟

الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.

وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.

وقوله  ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.

وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.

فهل يكون مولياً؟

الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله  حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.

ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.

وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.

الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

الركن الرابع: المدة.

فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.

وهذان المذهبان في غاية البعد.

وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.

وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.

فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.

وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.

وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.

وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.

أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.

فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.

وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.

واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.

التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.

وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.

وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.

ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.

فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله  ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته  وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.

فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.

أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله  من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.

﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

قيل: كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف، ولا يبر، ولا يصلح بين الناس، فإذا أمر بذلك، قال: إني حلفت على ذلك، فنهوا عن ذلك، يقول: لا تحلفوا على أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة، وألا تبروا، وألا تصلحوا بين الناس، وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية الله  .

و"العرضة" العلة، يقول: لا تعللوا، أي: لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

حرفان يخرجان على الوعيد: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ بمقالتكم وأيمانكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بإرادتكم في حلفكم.

وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : إن كسب القلوب لا يكون عقداً ولا حنثاً، إنما هو تعمد الكذب.

كقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ فعلى ذلك أمر يمين اللغو والتعمد.

وهذا يبين أن اليمين يكون في موجود، لا فيما يوجد؛ إذ فيه وصف المآثم، وفيما يكون لم يكسب قلبه ما يأثم فيه.

فعلى ذلك أمر اللغو؛ فهو في الماضي، ولا يأثم بالخطأ، ويأثم في غير اللغو بالتعمد.

ثم قال الله  : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ  ﴾ ، وبين أن المؤاخذة تكون في هذا بالكفارة وفي الأول بالمأثم، وفي اللغو لا يؤاخذ بهما، فلزم تسليم البيان لما جاء في كل ذلك، ثم جميع المؤاخذات في كسب القلب بالمأثم ولزوم التوبة؛ فكذا في هذا.

وقد روي عن رسول الله  في أمر اللعان، أنه قال: "إن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟" ومعلوم كذب أحدهما ولوزم التوبة، مع ما في تركه الوعيد الشديد من الغضب أو اللعن.

ولو كانت فيه كفارة لكان لا سبيل إلى العلم بها إلا بالبيان؛ فهي أحق أن يبين لو كانت واجبة، دل ما لم يبين أنها غير واجبة على أنها تجب للحنث، والحنث عقيب العقد يدفعه، وكان هاهنا ملاقيا له، فهو يمنعه على نحو جميع الحرمات التي تفسخ الأشياء، فهي عند الابتداء تمنع.

وليس ذلك كالطلاق ونحوه؛ لما قد يكون بلا شرط، واليمين لا يصح إلا به ولم يكن فأنفذ.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ ﴾ .

وقد يخرج مخرج الاستخفاف الحلف بالله كاذباً والجرأة على الله، فيجيء أن يكون كفراً، لولا أن المؤمن يخطر بباله ما يحمله على ذلك دون قصد الاستخفاف به.

وعلى ذلك أمر اللعان، أن رسول الله  لم يقل: أحدكما كافر، فهل منكما من مؤمن؟

لأنهما لم يقصدا ذلك القصد.

فكذا كل حالف على تعمد الكذب.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال سعيد بن جبير: هذا محمول على قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ ، أي: لا يؤاخذكم الله بنقض أيمانكم التي حلفتم بها؛ لأنها معصية لله، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي عليها.

ثم اختلفوا في اللغو ما هو؟

قال بعضهم: هو الإثم.

وقيل: هو الغلط.

ثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه بالإثم، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد.

ثم ذكر في الآية الثانية: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ  ﴾ ، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضاً بالإثم وقع الكلام - بحيث لا يفيد - في حد التكرار.

والأصل عندهم: بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد؛ فثبت أن الأول في نفي الإثم، والثاني في نفي الكفارة.

وعلى هذا القول في الغموس: إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر، فليس فيه الكفارة.

وله وجه آخر: وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقي العقد، فلم يصح به اليمين؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ووجوبها.

فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد، لم يلزم الكفارة؛ لخروجها عن الشرط.

ثم لم يزل عنه - في الغموس - الإثم؛ لتعمده الكذب.

وقال الفقيه أبو منصور - رحمه الله  -: والقياس عندي في التعمد بالحلف على الكذب أن يكفر؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان جعلت للتعظيم لله -  - بالحلف فيها، والحالف بالغموس مجترئ على الله -  - مستخف به؛ ولهذا نهى رسول الله  عن الحلف بالآباء والطواغيت؛ لأن في ذلك تعظيماً لهم وتبجيلاً.

فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف، فالوزر له بالجرأة لازم، ثم المتعمد متجرئ مستخف بالله -  - على المعرفة؛ لأنه لا يسع، فسبيله سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف، وإن كان سبباً للتعظيم، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك، كذا الأول، ولكنه بالحلف خرج فعله على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته، لا للقصد إليه.

وعلى ذلك يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله  عنه - في سؤال السائل: إن العاصي مطيع للشيطان، ومن أطاع الشيطان كفر، كيف لا كفَّر العاصي؟

فقال: لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج الطاعة له، لا أن القصد يكون طاعته، وإنما يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله فعل معصية؛ فكذا الأول.

والله أعلم.

وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن "أحدكما كاذب فهل منكما من تائب"، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لم يأمر بالإيمان، ولا قال: أحدكما كافر؛ فثبت أنه لا يكفر به.

والثاني: أنه أمر بالتوبة، وقد يعلم من كذب أن عليه ذلك مع ما في القرآن من اللعن والغضب، ولم يأمر بالكفارة - وهي لا تعلم إلا بالبيان - فهي أحق أن تبين لو كانت واجبة.

والله أعلم.

والأصل عندنا في اليمين الغموس: أنه آثم، وعليه التوبة، والتوبة كفارة.

وهكذا في كل يمين في عقدها معصية أن تلزمه الكافرة وهي التوبة.

وأما الكفارة التي تلزم في المال، فهي لا تلزم بالحنث؛ لأنه بالحنث يأثم، والحنث نفسه إثم؛ لذلك لم يجز إلا بالحنث.

وما رويت من الأخبار من قوله - عليه الصلوات والسلام -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير" : أنه إذا كان يمينه بمعصية يصير باليمين آثماً، فيكلف بالتوبة.

فإن قيل: الحلف بالطلاق، والعتاق، والحج بالماضي يلزم، كيف لا لزمته الكفارة؟

قيل: لأن الطلاق، والعتاق، والحج يلزم دون ذكر ما ذكر، إذا قال: (على حجة)، أو (أنت طالق)، أو (هو حر).

ولو قال: (والله) ألف مرة، دون ذكر الفعل لا يكون يميناً، ولا يلزمه شيء؛ لذلك افترقا.

الله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  -: الإيلاء معلوم في اللغة أنه اليمين.

وكذلك كان ابن عباس -  - يقرأ: (للذين يُقْسِمُون من نسائهم).

وما هو لليمين من الحكم، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها، ثم يجب له على كل حال، على أي وصف كانت اليمين.

فكذلك حكم الإيلاء.

وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله  عنهما.

وروي عن علي - رضى الله  عنه - التفريق بين الغضب والرضا.

ثم أوجب التربص للمُولِي.

فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بِمُولٍ، فلم يلزمه الحكم الذي جعل الله للإيلاء؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر (الفيء)، وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفيء من الكفارة؟!

فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق.

وبه يقول علي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله  عنهم - فيقول ابن مسعود: يلزمه حكم يمين يوم، وابن عباس يقول: الإيلاء يمين الأبد.

وذلك عندنا على إرادة الإتمام، ولو جعله شرطاً لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر؛ فلا وجه للزيادة عليه، وهو قول عبد الله بن مسعود: يلزمه بدونه.

ثم اختلف الصحابة - رضي الله  عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر، على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي المدة، ثم لا يجوز أن يحلف بحق الطلاق فيلزم، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك زيادة في المدة للتربص.

وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل الزيادة عليها لما جعلت له المدة، فمثله مدة الطلاق.

وهذا على أن الله -  - حذر نقض اليمين بقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً  ﴾ ، وأطلق في هذا أربعة أشهر، بما روي في قراءة أبي بن كعب، أنه قرأ: "فإن فاءوا فيهن"، يعني في الأربعة الأشهر، ففي غير ذلك حكم النهي له آخذ.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .

كقوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ  ﴾ .

وليس ذلك على إحداثه بعد مضي المدة، كذلك الأول.

والله أعلم.

ثم اختلف فيه على وجوه: قال ابن مسعود - رضي الله  عنه -: الإيلاء على يوم فقط، وأما التربص بأربعة أشهر؛ لأنه لم يذكر في الكتاب للإيلاء مدة، وإنما ذكر المدة للتربص.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه -: الإيلاء على الأبد، ذهب في ذلك إلى أن الإيلاء كان طلاق القوم، والطلاق يقع إلى الأبد.

وقال آخرون: من ترك القربان في حال الغضب فهو مولٍ، وإن لم يحلف.

لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الله  ذكر الإيلاء، والإيلاء هي اليمين.

دليله ما ذكرنا [من حرف ابن مسعود وابن عباس: (للذين يقسمون)؛ فدل هذا أن حكم الإيلاء لا يلزم إلا باليمين على ترك القربان].

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه -: أن رجلا سأله - أنه حلف ألا يقرب امرأته سنتين.

فقال: هو إيلاء، وأنها تبين إذا مضت أربعة أشهر.

فقال: إنما حلفت ذلك لمكان ولدي.

فقال: لا يكون إيلاء.

فرأى في ذلك إيلاء إذا كان عاصياً وإذا كان إيلاؤه هو ترك قربانه إياها بمكان الولد لم ير ذلك إيلاء.

ثم لا يجوز أن يحمل ما حمل هؤلاء.

أما ما حمل علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، واعتباره بالعصيان وغير العصيان، فالإيلاء هو اليمين، والأيمان لا يختلف وجوبها ووجوب أحكامها في حال العصيان وفي حال الطاعة.

فعلى ذلك حكم الإيلاء.

ولو حمل على ما حمل ابن مسعود، رضي الله  عنه، لكان لا يبقى الإيلاء بعد مضي اليوم، فإذا لم يكن يمين بعد اليوم لم يبق حكمها.

ولو حمل على ما قال ابن عباس، رضي الله  عنه، لكان لا فائدة لذكر التربص.

فإذا بطل ما ذكرنا ثبت قولنا: إن مدة الإيلاء إذا قصرت عن أربعة أشهر لم يلزمه حكم الإيلاء.

ولو كان على الأبد لكان لا فائدة في ذكر المدة، وألا يعتبر العصيان ولا الطاعة ولا الغضب ولا الرضاء على ما ذكرنا.

وروي في بعض الأخبار، أنه قال: الإيلاء ليس بشيء.

معناه ما قيل: إن الإيلاء كان طلاق القوم، فقوله: "ليس بشيء" يقع للحال دون مضي المدة [ثم اختلفوا أيضاً بعد مضي المدة] قبل أن يفيء إليها في المدة.

قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق.

وقال قوم: إنه يوقف بعد مضي المدة، [فإما أن يفيء إليها، وإما أن يطلقها].

واحتجوا في ذلك إلى أن الله  ذكر الفيء بعد [تربص] أربعة أشهر بقوله: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو ﴾ ؛ لذلك كان الفيء بعد مضي الأربعة الأشهر، وروي فى بعض الأخبار الوقف فيه، وروي عن عمر وعلي عثمان وعائشة وابن عمر - رضي الله  عنهم - في المُولِي: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق.

إلى هذا يذهبون.

لكن هذا يحتمل أن يكون من الراوي دون أن يكون ما قالت الصحابة.

وأما عندنا: إن قولهم: ذكر الفيء بعد تربض أربعة أشهر، فذلك لا يوجب الفيء بعد مضيها؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس أنه يمسكها بعد مضي الأجل، ولكن معناه: إذا قرب انقضاء أجلهن فأمسكوهن.

فعلى ذلك جعل لهم الفيء، إذا قرب انقضاء أربعة أشهر.

وأما ما وري من (الوقف)، فليس فيه الوقف بعد مضي أربعة أشهر، يحتمل الوقف في الأربعة الأشهر.

وأما عندنا: فإنها تَبِينُ إذا مضت أربعة أشهر؛ لما روي عن سبعة من أصحاب رسول الله  ، أو ثمانية، أنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر بانت منه، من نحو: عمر علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت، رضوان الله  عليهم أجمعين، فاتبعناهم.

ثم اختلف في الطلاق إذا وقع: قال قوم: هو رجعي.

وهو قول أهل المدينة.

فهو على قولهم؛ تعنُّت؛ لأن الزوج يقدم إلى الحاكم، فيطلق عليه الحاكم، ثم كان له حق المراجعة، فيكلف الحاكم العنت.

وأما عندنا: فهو بائن.

وعلى ذلك جاءت الأخبار، روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: إذا مضت أربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة.

وعن ابن مسعود - رضي الله  عنه - مثله.وروي عن أبي بن كعب - رضي الله  عنه - في قوله: "فإن فاءوا" أي فيهن يعني في الأربعة الأشهر، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فثبت أنه جعل الرحمة والمغفرة فيها.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ ، ولو لم يجعل له القربان والنقض في المدة لكان لا سبيل له إلى نقضها بعد مضي المدة؛ إذ هي تتأكد؛ فثبت أنه لا بما اعتبروا يلزم.

ثم قوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: بما جعل له الخروج مما ضيق على نفسه؛ لأنه لا تطول عليه المدة.

ويحتمل: أن المغفرة كانت بما ارتكب ما إذا مضى عليه وجد ذاته مستحقّاً للعقوبة، فغفر له صنيعه، ورحمه بأن يجاوز عنه ما فعل.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .

روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: عزيمة الطلاق مضيُّ أربعة أشهر.

وقد ذكرنا قول الصحابة - رضي الله  عنهم -: إن عزيمة الطلاق [انقضاء] أربعة أشهر.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

سميع: بإيلائهم، عليم: بترك الفيء وتحقيق حكمه، أو عليم بما أراد بالإيلاء، كأنه قال: إنه عن علم بما يكون من خلقه وبما به صلاحهم وما إليه مرجعهم، خلقهم، وهو السميع بجميع ما به تناجوا وأسروا وجهروا.

والله الموفق.

والفيء: الجماع، وهو الرجوع في الحاصل؛ لأنه حلف ألا يقربها، فإذا قربها رجع عن ذلك.

وهكذا روي عن ابن عباس وابن مسعود - رضي الله  عنهما - أنهما قالا: الفيء: الجماع.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لا يحاسبكم الله بسبب الأيمان التي تجري على ألسنتكم من غير قصد؛ كقول أحدكم: لا والله، وبلى والله، فلا كفارة عليكم ولا عقوبة في ذلك، ولكن يحاسبكم على ما قصدتموه من تلك الأيمان، والله غفور لذنوب عباد، حليم لا يعاجلهم بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir" id="91.zVY0O"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات في أحكام الأيمان وهي عامة وخاصة، والثاني هو حلف الرجل أن لا يقرب امرأته، وخص باسم الإيلاء في عرف الشرع كما سيأتي، فبين الآيات وما قبلها وما بعدها تناسب بهذا الاعتبار.

﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  ﴾ العرضة بالضم كالغرفة لها معان أظهرها هنا اثنان: أحدهما: أن تكون بمعنى المانع المعترض دون الشيء، أي لا تجعلوا الله تعالى مانعًا بينكم وبين عمل الخير بأن تحلفوا به على تركه فتتركوه تعظيمًا لاسمه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية وهو حلف أبي بكر  على ترك الإنفاق على "مسطح" بعد أن خاض في قصة الإفك وفيه نزل ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى  ﴾ الآية.

ويؤيده أيضًا أحاديث في الصحيحين وغيرهما منها قوله  : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وقوله  :"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي حديث عائشة عند ابن ماجة وابن جرير قالت قال رسول الله  :"من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" وفي هذا المعنى أحاديث أخرى.

ذلك أن الإنسان يسرع إلى لسانه الحلف أنه لا يفعل كذا وقد يكون خيرًا وليفعلن كذا وقد يكون شرًا، والله تعالى لا يرضى بأن يكون اسمه حجابًا دون الخير أو محضاء للشر، فنهى عن ذلك وأمر نبيه  بوجوب تحري الخير والأحسن، وإن حلف على غيره فليكفر عن يمينه بما هو منصوص في سورة المائدة.

والمعنى الثاني: للعُرْضة ما يعرض للشيء أي ما ينصب ليعرض له الشيء كالهدف للسهام، يقال فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه، قال الشاعر: وإن تتركوا رهط الفدوكس عصبة يتامى أيامى عرضة للقبائل ويقال جعلته عرضة لكذا أي نصبته له فكان معروضًا له يكثر وروده عليه، وقال الشاعر: طلقتهن وما الطلاق بسبة إن النساء لعرضة التطليق والمعنى على هذا الوجه لا تكثروا الحلف بالله تعالى فالذي يجعل الله عرضة لأيمانه هو كالحلاف في قوله تعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ  ﴾ فكثير الحلف حليف المهانة وقرينها، وقد ذكر تعالى في هذه الآيات صفات أخرى ذميمة نهى عن أهلها وبدأها بالحلاف فقال بعد ما تقدم ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ  مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ  ﴾ فالحلاف يعد في مقدمة هؤلاء الأشرار.

ومن أكثر الحلف قلت مهابته وكثر حنثه واتهم بالكذب، ولا يكون الحلاف إلا كذابًا فهو على إهانته لاسم الله تعالى يفوته ما يريد من قبول قوله وتصديقه، فالآية الكريمة ترشدنا إلى ترك الحلف بالله تعالى إلا عند الحاجة إلى ذلك.

وهذا الوجه أظهر من الذي سبقه، والعرضة بهذا المعنى أكثر استعمالًا وكانت العرب تمتدح بقلة الحلف وحفظ الأيمان قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت و "الألايا" جمع ألية وهي اليمين كقضية وقضايا، وإنك لتجد كثيرًا من أهل الدين لا يحفظون من أيمانهم ما كان يحفظ أهل الشرك في الجاهلية فأين هم من قول الإمام الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا؟

ومن مذام كثرة الحلف أنه يقلل ثقة الإنسان بنفسه وثقة الناس به، فهو يشعر بأنه لا يصدق فيحلف، ولهذا وصفه الله تعالى بالمهين، وكثيرًا ما يعرض نفسه للخطأ إذا حلف على المستقبل، ثم إنه لا يكون إلا قليل الخشية والتعظيم لله تعالى لا يهمه إلا أن يرضي الناس ويكون موثوقًا به عندهم، فتعريض اسم الله تعالى للحلف بدون ضرورة ولا حاجة ينشأ عن فقد هيبة الله وإجلاله من النفس فإن الناس يتعلمون كثرة الحلف من أمهاتهم ومن الولدان الذين يتربون معهم وهم صغار فيتعودون عدم احترام اسم الله تعالى وقد نجد هذا الحلف فاشيًا حتى في المشتغلين بعلم الدين، ذلك أن علم الدين أصبح صناعة لفظين لا أثر لها في القلوب ولا في الأعمال، وقد حدثني بعضهم حديثًا أربع مرات وفي كل مرة كان يحلف عليه ويكذب فيه بما يزيد فيه وينقص منه.

وقوله تعالى ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ على الوجه الأول بيان الأيمان لأنه بمعنى المحلوف عليه، أي لا تجعلوه مانعًا لما حلفتم على تركه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلف أحدكم على ترك البر أو التقوى أو الإصلاح فليكفر عن يمينه وليفعل البر والتقوى والإصلاح، فلا عذر لأحد في ترك ذلك، ولا يرضى الله تعالى أن يكون اسمه مانعًا منه، وأما على الوجه الثاني فهو لتعليل النهي أي لا تجعلوه تعالى معرضًا لأيمانكم لأجل البر والتقوى والإصلاح فإن كثير الحلف لا يكون أهلًا لذلك لما تقدم من كونه يكون مهينًا، غير معظم لله تعالى، وعرضة للكذب والحنث، وغير موثوق بقوله، فأنَّى يرضاه الناس مصلحًا بينهم، والمصلح مرب ومؤدب وحاكم مطاع بالاختيار.

ثم قال ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ أي سميع لما تلفظون به من الحلف وغيره عليم بما يترتب على كثرة الحلف وبغيره من أعمالكم فعليكم أن تراقبوه وتتذكروا عند داعية كل قول وعمل أنه سميع لأقوالكم عليه بأفعالكم، لعلكم تقفون عند حدود هدايته لكم فتكونون من المفلحين، وإلا كنتم من الخاسرين.

هذا الختم للآية يتضمن الوعيد على كثرة الحلف، فإذا دخل فيه ما يجري في الكلام من قصد وروية كقول الإنسان: أي والله، لا والله: وعد هذا مما يؤاخذ عليه ويجري فيه الحكم السابق كان الحرج عظيمًا، وقد رفع الله هذا الحرج بقوله ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ  ﴾ فاللغو أن يقع الكلام حشوًا غير مقصود به معناه، فهو يقول إن هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد اليمين لغو من القول لا تعد إيمانًا حقيقية، فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة عليها ولا بالعقاب ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ بأن تقصدوا جعل اسمه الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح الأعمال، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقول الحشو الذي لا أثر له في القلب، ولا شأن له في العمل، مما يعفو عنه، ولا يعاقب عليه، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ  ﴾ يغفر لعبده ما يلم به مما لا يفسد أخلاقه وأعماله، ولا يتعجل بالعقوبة على هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي منه، ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم، لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار.

وقد ذكر بعض الفقهاء لليمين اللغو غير هذا المعنى المتبادر ووضعوا لذلك أحكامًا ذكرها المفسرون ولا حاجة إليها، وما قلناه هو المتبادر المأثور عن جمهور السلف.

بعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة انتقل إلى حكم اليمين الخاصة فقال ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ  ﴾ إلخ فالإيلاء من المرأة أن يحلف الرجل أنه لا يقربها، وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ، وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها، فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضرارًا معصية، والحلف عليها حلف على ما لا يرضى الله تعالى به لما فيه من ترك التواد والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما، والظاهر أن حكم هذا الإيلاء "الحلف" يدخل في معنى الآية السابقة على الوجه الأول من الوجهين اللذين أوردناهما، وهو أنه يجب على المؤلي أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولكنه إذا لم يفعل هذا الواجب لم يكن آثمًا في نفسه فقط فيقال حسبه ما يلقى من جزاء إثمه، بل يكون بإثمه هاضمًا لحق امرأته، ولا يبيح له العدل هذا الهضم والظلم، ولذلك أنزل الله فيه هذا الحكم، وهو التربص مدة أربعة أشهر، وقد قيل إن هذه هي المدة التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروي الرجل في أمره ورجوعه إلى رشده ﴿ فَإِنْ فَاءُوا  ﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بأن حنثوا في اليمين وقاربوهن في أثناء هذه المدة أو آخرها ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ يغفر لهم منا سلف برحمته الواسعة، لأن الفيئة توبة في حقهم ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ  ﴾ أي صمموا على أن لا يعودوا إلى ملامسة نسائهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ أي فليراقبوا الله تعالى عالمين أنه سميع لإيلائهم وطلاقهم عليم بنيتهم فيه، فإن كانوا يريدون به إيذاء النساء ومضارتهن فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي بأن كان الباعث على الإيلاء تربية النساء لأجل إقامة حدود الله، وعلى الطلاق اليأس من إمكان المعاشرة بالمعروف، فهو يغفر لهم، والمعنى أن من حلف على ترك غشيان امرأته فلا يجوز له أن يتربص أكثر من أربعة أشهر فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم، وإن أتمها تعين عليه أحد الأمرين الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية أو الطلاق، وعليه أن يراقب الله تعالى فيما يختاره منهما.

فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقًا بالفعل، أي أنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعًا للضرار، وقيل ترفع أمرها إلى الحاكم فيطلق عليه، والمسألة خلافية في هذا ولكن لا خلاف في عدم جواز بقائها على عصمته وعدم إباحة مضارتها.

وقد فضل الله تعالى الفيئة على الطلاق إذ جعل جزاء الفيئة المغفرة والرحمة، وهدى إلى مراقبته في العزم على الطلاق، وذَكَّر المؤلي بسمعه تعالى لما يقول وعلمه بما يسره في نفسه ويقصده من علمه.

هذا حكم الإيلاء من المرأة إذا أطلقه الزوج فلم يذكر زمنًا أو قال لا أقربك مدة كذا وذكر أكثر من أربعة أشهر، فإن ذكر مدة دون أربعة أشهر فلا يلزمه شيء إذا أتمها وفي الأربعة خلف.

وقد عَدَّى الإيلاء هنا "بمن" لما فيه من معنى المفارقة والانفصال، وهو من البلاغة والإيجاز بمكان.

وقال في غيره ألى وآلى وائتلى أن يفعل كذا أي حلف، وصار الإيلاء حقيقة شرعية في الحلف لمذكور.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد