الآية ٢٢٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٧ من سورة البقرة

وَإِنْ عَزَمُوا۟ ٱلطَّلَـٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌۭ ٢٢٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 169 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٢٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٢٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وإن عزموا الطلاق فيه دلالة على أنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي الأربعة أشهر كقول الجمهور ، وذهب آخرون إلى أنه يقع بمضي الأربعة أشهر تطليقة ، وهو مروي بأسانيد صحيحة عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وبه يقول ابن سيرين ، [ ومسروق ] والقاسم ، وسالم ، والحسن ، وأبو سلمة ، وقتادة ، وشريح القاضي ، وقبيصة بن ذؤيب ، وعطاء ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وسليمان بن طرخان التيمي ، وإبراهيم النخعي ، والربيع بن أنس ، والسدي .

ثم قيل : إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر طلقة رجعية ; قاله سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ومكحول ، وربيعة ، والزهري ، ومروان بن الحكم .

وقيل إنها تطلق طلقة بائنة ، روي عن علي ، وابن مسعود ، وعثمان ، وابن عباس ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وبه يقول : عطاء وجابر بن زيد ، ومسروق وعكرمة ، والحسن ، وابن سيرين ، ومحمد بن الحنفية ، وإبراهيم ، وقبيصة بن ذؤيب ، وأبو حنيفة ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وكل من قال : إنها تطلق بمضي الأربعة أشهر أوجب عليها العدة ، إلا ما روي عن ابن عباس وأبي الشعثاء : أنها إن كانت حاضت ثلاث حيض فلا عدة عليها ، وهو قول الشافعي ، والذي عليه الجمهور أنه يوقف فيطالب إما بهذا أو هذا ولا يقع عليها بمجرد مضيها طلاق .

وروى مالك ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر أنه قال : إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر ، حتى يوقف ، فإما أن يطلق ، وإما أن يفيء .

وأخرجه البخاري .

وقال الشافعي ، رحمه الله : أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار قال : أدركت بضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يوقف المولي قال الشافعي : وأقل ذلك ثلاثة عشر .

ورواه الشافعي عن علي رضي الله عنه : أنه وقف المولي .

ثم قال : وهكذا نقول ، وهو موافق لما رويناه عن عمر ، وابن عمر ، وعائشة ، وعن عثمان ، وزيد بن ثابت ، وبضعة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

هكذا قال الشافعي ، رحمه الله .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن عمر ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه قال : سألت اثني عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته ، فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف ، فإن فاء وإلا طلق .

ورواه الدارقطني من طريق سهيل .

قلت : وهو مروي عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وأبي الدرداء ، وعائشة أم المؤمنين ، وابن عمر ، وابن عباس .

وبه يقول سعيد بن المسيب ، وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، وطاوس ، ومحمد بن كعب ، والقاسم .

وهو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وأصحابهم ، رحمهم الله ، وهو اختيار ابن جرير أيضا ، وهو قول الليث [ بن سعد ] وإسحاق ابن راهويه ، وأبي عبيد ، وأبي ثور ، وداود ، وكل هؤلاء قالوا : إن لم يفئ ألزم بالطلاق ، فإن لم يطلق طلق عليه الحاكم ، والطلقة تكون رجعية له رجعتها في العدة .

وانفرد مالك بأن قال : لا يجوز له رجعتها حتى يجامعها في العدة وهذا غريب جدا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في معنى قول الله تعالى ذكره : " وإن عزموا الطلاق ".

فقال بعضهم: معنى ذلك: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهر، فإن فاؤوا فرجعوا إلى ما أوجب الله لهنّ من العِشرة بالمعروف في الأشهر الأربعة التي جعل الله لهم تربُّصهم عنهن وعن جماعهن، وعشرتهن في ذلك بالواجب " فإن الله لهم غفور رحيم ".

وإن تركوا الفيء إليهن، (98) في الأشهر الأربعة التي جعل الله لهم التربص فيهنّ حتى ينقضين، طُلِّق منهم نساؤهم اللاتي آلوا منهن بمضيهن.

(99) ومضيُّهن عند قائلي ذلك: هو الدلالة على عزم المولي على طلاق امرأته التي إلى منها.

* * * &; 4-478 &; ثم اختلف متأوِّلو هذا التأويل بينهم في الطلاق الذي يلحقها بمضيّ الأشهر الأربعة.

فقال بعضهم: هو تطليقة بائنة.

* ذكر من قال ذلك: 4557 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا محمد بن بشر، عن سعيد، عن قتادة، عن خِلاس أو الحسن، عن علي قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

(100) 4558 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة: أن عليًا وابن مسعود كانا يجعلانها تطليقة، إذا مضت أربعة أشهر فهي أحق بنفسها = قال قتادة: وقولُ عليّ وعبد الله أعجبُ إليّ في الإيلاء.

(101) 4559 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنّ عليًا قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر بانت بتطليقة.

4560 - حدثنا ابن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا معمر، عن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة: أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت كانا يقولان: إذا مضت الأربعة الأشهر، فهي واحدة بائنة.

&; 4-479 &; 4561 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، أخبرنا عطاء الخراساني قال: سمعني أبو سلمة بن عبد الرحمن أسأل ابن المسيب عن الإيلاء، فمررت به فقال: ما قال لك ابن المسيب؟

فحدثته بقوله، فقال: أفلا أخبرك ما كان عثمان بن عفان وزيد بن ثابت يقولان؟

قلت: بلى!

قال: كانا يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة، وهي أحق بنفسها.

4562 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء الخراساني قال، حدثنا أبو سلمة بن عبد الرحمن: أن عثمان بن عفان قال: إذا مضت أربعة أشهر من يوم آلى، فتطليقة بائنة.

4563 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن معمر = أو حُدثت عنه = عن عطاء الخراساني، عن أبي سلمة، عن عثمان وزيد: أنهما كانا يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

4564 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا سفيان بن عيينة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: آلى عبد الله بن أنيس من امرأته، فمكثت ستة أشهر، فأتى ابن مسعود فسأله، فقال: أعلمها أنها قد مُلِّكت أمرَها.

فأتاها فأخبرها، وأصْدقها رطلا من وَرِقٍ.

4565 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين، عن إبراهيم، عن عبد الله: أنه كان يقول في الإيلاء: إذا مضت الأربعة الأشهر، فهي تطليقة بائنة.

4566 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن عبد الله مثل ذلك.

4567 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: آلى عبد الله بن أنيس من امرأته، قال: فخرج فغاب عنها ستة أشهر، ثم جاء فدخل عليها، فقيل: إنها قد بانت منك!

فأتى عبد الله، فذكر &; 4-480 &; ذلك له، فقال له عبد الله: قد بانت منك، فَأتها فأعلمها واخطبها إلى نفسها.

(102) فأتاها فأعلمها أنها قد بانت منه، وخطبها إلى نفسها، وأصدقها رِطلا من وَرِق.

(103) 4568 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب، عن عطاء قال، حدثنا داود، عن عامر، عن ابن مسعود أنه قال، في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة.

4569 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثني عبد الأعلى قال، حدثنا داود، عن عامر: أن رجلا من بني هلال يقال له فلان ابن أنيس = أو: عبد الله بن أنيس = أراد من أهله ما يريد الرجلُ من أهله، فأبت، فحلف أن لا يقرَبها.

فطرأ على الناس بعثٌ من الغد، فخرج فغاب ستة أشهر ثم قدم، فأتى أهله ما يرى أن عليه بأسًا!

فخرج إلى القوم فحدثهم بسَخَطه على أهله حيث خرج، وبرضاه عنهم حين قدم.

فقال القوم: فإنها قد حرُمت عليك!

فأتى ابن مسعود فسأله عن ذلك، فقال ابن مسعود: أما علمت أنها حرُمت عليك؟

قال لا!

قال: فانطلق فاستأذن عليها، فإنها ستنكر ذلك، ثم أخبرها أنّ يمينك التي كنت حلفتَ عليها صارت طلاقًا، وأخبرها أنها واحدة، وأنها أملك بنفسها، فإن شاءت خطبتها فكانت عندك على ثنتين، وإلا فهي أملكُ بنفسها.

4570 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن علي بن بذيمة، عن أبي عبيدة، عن مسروق، عن عبد الله قال، في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وتعتدّ ثلاثة قروء.

(104) 4571 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، &; 4-481 &; عن منصور والأعمش ومغيرة، عن إبراهيم: أن عبد الله بن أنيس آلى من امرأته، فمضت أربعةُ أشهر، ثم جامعها وهو ناسٍ، فأتى علقمة، فذهب به إلى عبد الله، فقال عبد الله: بانت منك فاخطبها إلى نفسها، فأصدقها رطلا من فضة.

4572 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا أيوب= وحدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا أيوب= عن أبي قلابة: أن النعمان بن بشير آلى من امرأته، فضرب ابنُ مسعود فخذَه وقال: إذا مضت أربعة أشهر فاعترفْ بتطليقة.

(105) 4573 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت داود، عن عامر: أن ابن مسعود قال في المُولي: إذا مضت أربعة أشهر ولم يفئ فقد بانت منه امرأته بواحدة وهو خاطب.

4574 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال: عَزْم الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر.

4575- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، مثله.

4576- حدثنا محمد بن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة.

(106) 4577- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا خالد بن مخلد، عن جعفر بن برقان، عن &; 4-482 &; عبد الأعلى بن ميمون بن مهران، عن عكرمة أنه قال: إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة= فذكر ذلك عن ابن عباس.

(107) 4578 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو نعيم، عن يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال، عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة.

(108) 4579- حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع قال، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، مثله.

4580- حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن فضيل قال، حدثنا الأعمش، عن حبيب، عن سعيد بن جبير: أن أمير مكة سأله عن المُولي، فقال: كان ابن عمر يقول: إذا مضت أربعة أشهر مُلِّكت أمرها= وكان ابن عباس يقول ذلك.

4581- حدثنا أبو هشام قال، حدثنا حفص، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس قال، إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

4582- حدثنا أبو هشام قال، حدثنا حفص، عن حجاج، عن سالم المكي، عن ابن الحنفية، مثله.

4583 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبى وشعيب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب عن أبان بن صالح، عن ابن شهاب: &; 4-483 &; أن قبيصة بن ذؤيب قال في الإيلاء: هي تطليقة بائنة وتأتنف العدة (109) وهي أملكُ بأمرها.

4584 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن شريح: أنه أتاه رجل فقال: إني آليت من امرأتي فمضت أربعة أشهر قبل أن أفيء ؟

فقال شريح: " وإذ عزموا الطلاقَ فإن الله سميع عليم "- لم يزده عليها.

فأتى مسروقًا فذكر ذلك له، فقال: يرحم الله أبا أمية لو أنا قلنا مثل ما قال لم يفرِّج أحد عنه!

وإنما أتاه ليفرِّج عنه!

ثم قال: هي تطليقة بائنة، وأنت خاطبٌ من الخطَّاب.

4585- حدثنا ابن المثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن مغيرة أنه سمع الشعبي، يحدث: أنه شهد شُرَيحًا - وسأله رجل عن الإيلاء - فقال: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الآية قال: فقمت من عنده، فأتيتُ مسروقًا، فقلت: يا أبا عائشة= وأخبرته بقول شريح، فقال: يرحم الله أبا أمية، لو أن الناس كلهم قالوا مثل هذا، منْ كان يفرج عنا مثل هذا!

ثم قال: إذا مضت أربعة أشهر فهي واحدة بائنة.

4586 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا أبو داود، عن جرير بن حازم قال، قرأت في كتاب أبي قلابة عند أيوب: سألت سالم بن عبد الله وأبا سلمة بن عبد الرحمن فقالا إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقه بائنة.

8587 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا أبو داود، عن جرير بن حازم، عن قيس بن سعد، عن عطاء قال، إذا مضت أربعة أشهر، فهي تطليقة بائنة، ويخطبها في العِدَّة.

4588- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا معتمر، عن أبيه- &; 4-484 &; في الرجل يقول لامرأته: " والله لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبدًا!"، ويحلف أن لا يقربها أبدًا= فإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ، كانت تطليقة بائنة، وهو خاطب- قول علي وابن مسعود وابن عباس والحسن.

4589 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: أنه سئل عن رجل قال لامرأته: " إن قرَبتُك فأنت طالق ثلاثًا "، قال، فإذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وسقط ذلك.

4590 - حدثنا سوّار قال، حدثنا بشر بن المفضل= وحدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع = جميعًا، عن يزيد بن إبراهيم، قال، سمعت الحسن ومحمدًا في الإيلاء، قالا إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت بتطليقة بائنة، وهو خاطب من الخطاب.

4591- حدثنا يعقوب قال، حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن محمد قال، كنا نتحدث في الأليَّة أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة.

4592 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثام، عن الأعمش، عن إبراهيم في الإيلاء قال: إن مضت= يعني: أربعة أشهر= بانت منه.

4593 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن النخعي قال: إن قرَبها قبل الأربعة الأشهر فقد بانت منه بثلاث، وإن تركها حتى تمضي الأربعة الأشهر بانت منه بالإيلاء = في رجل قال لامرأته: " أنت طالق ثلاثًا إن قربتك سنة ".

4594 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي، عن قتادة قال: أعتم عبيد الله بن زياد عند هندٍ في ليلة أم عثمان ابنة عمر بن عبيد الله، فلما أتاها أمرت جواريها، فأغلقنَ الأبواب دونه، فحلف أن لا يأتيها &; 4-485 &; حتى تأتيه، فقيل له: إن مضت أربعة أشهر ذهبتْ منك.

(110) 4595 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا عوف قال: بلغني أن الرجل إذا آلى من امرأته فمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، ويخطبها إن شاء.

4596 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ - في الذي يُقسم، وإن مضت الأربعة الأشهر فقد حرُمت عليه، فتعتدُّ عدّة المطلقة وهو أحد الخطاب.

4597 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن قبيصة بن ذؤيب قال، إذا مضت الأربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة.

(111) 4598 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ - وهذا في الرجل يولي من امرأته ويقول: " والله لا يجتمع رأسي ورأسك، ولا أقربك، ولا أغشاك!"، فكان أهل الجاهلية يعدُّونه طلاقًا، فحدّ الله لهما أربعة أشهر، فإن فاء فيها كفر يمينه وهي امرأته، وإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ فهي تطليقة بائنة، وهي أحق بنفسها، وهو أحد الخطاب.

4599- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.

&; 4-486 &; 4600- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، قال: كان ابن مسعود وعمر بن الخطاب يقولان: إذا مضت أربعة أشهر فهي طالق بائنة، وهي أحقُّ بنفسها.

4601 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو وهب، عن جويبر، عن الضحاك: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ الآية، هو الذي يحلف أن لا يقرب امرأته، فإن مضت أربعة أشهر ولم يفئ ولم يطلِّق، بانت منه بالإيلاء.

فإن رجعت إليه فمهرٌ جديد، ونكاح ببيِّنة، ورضًا من الوليّ.

(112) * * * وقال آخرون: بل الذي يلحقها بمضي الأربعة الأشهر: تطليقةٌ، يملك فيها الزوجُ الرحعةَ.

* ذكر من قال ذلك: 4602 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قالا إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر، فواحدة وهو أملك برجعتها.

(113) 4603 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن إدريس، عن مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال، إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة يملك الرَّجعة.

(114) 4604 - حدثنا أبو هشام قال: حدثنا ابن مهدي قال، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن مكحول قال، إذا مضت أربعة اشهر فهي تطليقة، يملك الرجعة.

&; 4-487 &; 4605 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال، هي واحدة وهو أحق بها= يعني إذا مضت الأربعة الأشهر= وكان الزهري يفتي بقول أبي بكر هذا.

4606 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثني يونس قال، قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أنه قال: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت الأربعة الأشهر قبل أن يفيء فهي تطليقة وهو أملك بها ما كانت في عِدَّتها.

4607 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا يحيى بن يمان قال، حدثنا أبو يونس القوي قال، قال لي سعيد بن المسيب: ممن أنت؟

قال: قلت من أهل العراق!

قال، لعلك ممن يقول: " إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت!"، لا!

ولو مضت أربع سنين.

(115) 4608 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا حجاج بن رِشْدين قال: حدثنا عبد الحبار بن عمر، عن ربيعة: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وتستقبل عِدَّتها، وزوجها أحق برجعتها.

(116) 4609 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، كان ابن شبرمة يقول: إذا مضت أربعة أشهر فله الرجعة = ويخاصِم بالقرآن، ويتأوَّل &; 4-488 &; هذه الآية: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [سورة البقرة: 228]، ثم نـزع: (117) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 4610 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، قال أبو عمر: ونحن في ذلك = يعني في الإيلاء = على قول أصحابنا الزهريّ ومكحول أنها تطليقة - يعني مضيّ الأربعة الأشهر - وهو أملك بها في عدتها.

(118) * * * وقال آخرون: معنى قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ إلى قوله: " فإنّ الله سميع عليم "= لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ على الاعتزال من نسائهم، تنظُّرُ أربعة أشهر بأمره وأمرها= فَإِنْ فَاءُوا بعد انقضاء الأشهر الأربعة إليهنّ، فرجعوا إلى عشرتهن بالمعروف، وترك هجرانهن، وأتوْا إلى غشيانهن وجماعهن= فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فأحدثوا لهن طلاقًا بعد الأشهر الأربعة=" فإن الله سميع " لطلاقهم إياهن=" عليم " بما فعلوا بهن من إحسان وإساءة.

وقال متأوِّلو هذا التأويل: مضي الأشهر الأربعة يوجب للمراة المطالبةَ على زوجها المُولي منها، بالفيء أو الطلاق، ويجب على السلطان أن يقف الزوج على ذلك، فإن فاء أو طلَّق، وإلا طلَّق عليه السلطان.

* ذكر من قال ذلك: 4611 - حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب: أن عمر قال في &; 4-489 &; الإيلاء: لا شيء عليه حتى يُوقَف، فيطلق أو يمسك.

(119) 4612- حدثني عبد الله بن أحمد بن شَبَّويه قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب، عن المثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب، مثله.

(120) 4613- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا غندر قال، حدثنا شعبة، عن سماك قال، سمعت سعيد بن جبير يحدّث عن عمر بن الخطاب: أنه قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر لم يجعله شيئًا.

4614 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن عيينة، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة، عن علي: أنه كان يقف المولي بعد الأربعة الأشهر حتى يفيء أو يطلق.

4615 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة، عن علي: قال في الإيلاء: يُوقَف.

4616- حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي: أنه كان يَقِفُه.

4617- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن علي: أنه كان يوقفه.

(121) 4618- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان بن الحكم، عن على قال: يُوَقف المُولي عند انقضاء الأربعة &; 4-490 &; الأشهر حتى يفيء أو يطلق= قال أبو كريب، قال ابن إدريس: وهو قول أهل المدينة.

4619 - حدثنا أبو هشام الرفاعي قال، حدثنا ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان، عن علي مثله.

4620 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد، عن مروان بن الحكم، عن علي قال، المُولي إمَّا أن يفيء، وإما أن يطلّق.

4621 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، أن عثمان كان يقف المولي بقول أهل المدينة.

4622- حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت قال، لقيت طاوسًا فسألته، فقال: كان عثمان يأخذ بقول أهل المدينة.

4623 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الصمد قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن أبي الدرداء أنه قال: ليس له أجل وهي معصية، يوقف في الإيلاء، فإما أن يمسك، وإما أن يطلق.

4624- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال، حدثنا همام، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب أن أبا الدرداء: قال في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر فانه يوقف، إما أن يفيء، وإما أن يطلق.

4625 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثنا أبي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، أن أبا الدرداء كان يقول: هي معصية، ولا تحرم عليه امرأته بعد الأربعة الأشهر، ويجعل عليها العدّة بعد الأربعة الأشهر.

4626 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة أن أبا الدرداء وسعيد بن المسيب قالا يوقف عند انقضاء الأربعة &; 4-491 &; الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ولا يزال مقيما على معصية حتى يفيء أو يطلق.

4627 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة أن أبا الدرداء وعائشة قالا يوقف المولي عند انقضاء الأربعة، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.

4628 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي الدرداء وسعيد بن المسيب، نحوه.

4629 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس، قال، (122) حدثنا الحسن، عن ابن أبى مليكة قال، قالت عائشة: يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.

قال: قلت: أنتَ سمعتها؟

قال: لا تُبَكِّتْني.

(123) 4630- حدثنا إبراهيم بن مسلم بن عبد الله قال، حدثنا عمران بن ميسرة قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا حسن بن الفرات بإسناده عن عائشة، مثله.

(124) 4631- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبد الجبار بن الورد، عن ابن أبي مليكه، عن عائشة، مثله.

&; 4-492 &; 4632 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: إذا آلى الرجل أن لا يمسَّ امرأته، فمضت أربعة أشهر، فإما أن يمسكها كما أمره الله، وإما أن يطلقها لا يوجب عليه الذي صَنع طلاقًا ولا غيره.

(125) 4633 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني يونس بن يزيد وناجية بن بكر وابن أبي الزناد، عن أبي الزناد قال، أخبرني القاسم بن محمد: أنّ خالد ابن العاص المخزومي كانت عنده ابنة أبي سعيد بن هشام، وكان يحلف فيها مرارًا كثيرة أن لا يقربها الزمانَ الطويلَ قال، فسمعت عائشة تقول له: ألا تتقي الله يا ابن العاص في ابنة أبي سعيد؟

أما تخْرج؛ أما تقرأ هذه الآية التي في" سورة البقرة "؟

قال: فكأنها تؤثِّمه، ولا ترى أنه فارق أهله.

(126) 4634 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال في المولي: لا يحلّ له إلا ما أحل الله له: إما أن يفيء، وإما أن يطلق.

4635 - حدثنا تميم بن المنتصر قال، أخبرنا عيد الله بن نمير قال، أخبرنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، نحوه.

(127) 4636 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال، لا يجوز للمُولي أن لا يفعل ما أمره الله، يقول: &; 4-493 &; يبيِّن رجعتها، أو يطلق عند انقضاء الأربعة الأشهر - يبين رجعتها، أو يطلق = قال أبو كريب.

قال ابن إدريس وزاد فيه.

وراجعته فيه، فقال قولا معناه: إن له الرجعة.

4637 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال، حدثنا شعبة، عن سماك، عن سعيد بن جبير أن عمر قال نحوا من قول ابن عمر.

4638 - حدثنا مجاهد بن موسى قال، حدثنا يزيد بن هارون قال، أخبرنا جرير بن حازم قال، أخبرنا نافع أن ابن عمر قال في الإيلاء: يوقف عند الأربعة الأشهر.

4639 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، حدثني عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه قال: إذا آلى الرجل أن لا يمس امرأته فمضت أربعة أشهر، فإما أن يمسكها كما أمره الله، وإما أن يطلقها ولا يوجب عليه الذي صنعَ طلاقًا ولا غيره.

4640 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن عيينة، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال، سألت ابن عمر عن الإيلاء فقال: الأمراء يقضون بذلك.

4641 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال، يوقف المولي بعد انقضاء الأربعة.

فإما أن يطلِّق، وإما أن يفيء.

4642 - حدثنا عبد الله بن أحمد بن شبويه قال، حدثنا ابن أبي مريم قال، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال، سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الرجل يولي من امرأته، فكلهم يقول: ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة الأشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق.

4643 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب، قال حدثنا داود، &; 4-494 &; عن سعيد بن المسيب - في الرجل يولي من امرأته- قال: كان لا يرى أن تدخل عليه فرقه حتى يطلق.

(128) 4644 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا ابن أبي عدي، عن داود، عن سعيد بن المسيب: في الإيلاء: إذا مضت أربعة أشهر: إنما جعله الله وقتًا لا يحل له أن يجاوزَ حتى يفيء أو يطلِّق، فإن جاوز فقد عصى الله لا تحرُمُ عليه امرأته.

4645 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن فضيل، عن داود بن أبي هند، عن سعيد بن المسيب قال، إذا مضت أربعة أشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلِّق.

4646 - حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار قالا حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد، عن قتاده، عن ابن المسيب: في الإيلاء: يوقف عند انقضاء الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.

4647- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن معمر= أو حدثته عنه= (129) عن عطاء الخراساني قال، سألت ابن المسيب عن الإيلاء، فقال: يُوقف.

4648 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن عطاء الخراساني، عن ابن المسيب= وعن ابن طاوس، عن أبيه، قالا يوقف المولي بعد انقضاء الأربعة، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق.

(130) .

&; 4-495 &; 4649 - (131) حدثنا علي بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال، حدثني مالك بن أنس، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مثل ذلك= يعني مثل قول عمر بن الخطاب في الإيلاء: لا شيء عليه، حتى يوقف، فيطلق، أو يمسك.

(132) 4650 - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أنه قال في الإيلاء: يوقف.

4651 - حدثني محمد بن عمرو قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح= وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح= عن مجاهد في قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، قال إذا مضى أربعة أشهر أخذ فيوقف حتى يراجع أهله، أو يطلِّق.

4652 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا ابن عيينة، عن أيوب، عن سليمان بن يسار: أن مروان وَقفه بعد ستة أشهر.

4653 - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، &; 4-496 &; عن عمر بن عبد العزيز في الإيلاء قال، يوقف عند الأربعة الأشهر حتى يفيء، أو يطلق.

4654 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي عن ابن عباس قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، هو الرجل يحلف لامرأته بالله لا ينكحها، فيتربص أربعة أشهر، فإن هو نكحها كفر عن يمينه، فإن مضت أربعة أشهر قبل أن ينكحها أجبره السلطان إما أن يفيء فيراجع، وإما أن يعزم فيطلق، كما قال الله سبحانه.

4655 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا الآية، قال: كان علي وابن عباس يقولان: إذا آلى الرجل من امرأته فمضت الأربعة الأشهر فإنه يوقف فيقال له: أمسكتَ أو طلَّقت، فإن أمسك فهي امرأته، وإن طلق فهي طالق.

4656 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ قال: هو الرجل يحلف أن لا يصيب امرأته كذا وكذا، فجعل الله له أربعة أشهر يتربص بها.

وقال: قول الله تعالى ذكره: تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ، يتربص بها= فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فإذا رفعته إلى الإمام ضرب له أجلَ أربعةِ أشهر، (133) فإن فاء وإلا طَلَّق عليه، فإن لم ترفعه فإنما هو حقٌّ لها تركته.

4657- حدثني يونس قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك قال، لا يقع على المولي طلاق حتى يوقف، ولا يكون موليًا حتى يحلف على أكثر من أربعة أشهر، فإذا حلف على أربعة أشهر فلا إيلاء عليه، لأنه يوقف عند الأربعة الأشهر، وقد سقطت عنه اليمين، فذهب الإيلاء &; 4-497 &; .

(134) 4658 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد قال، قال ابن عمر: حتى يرفع إلى السلطان، وكان أبي يقول ذلك ويقول: لا والله وإن مضت أربعُ سنين حتى يوقَف.

4659 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا فطر قال، قال محمد بن كعب القرظي وأنا معه: لو أن رجلا آلى من امرأته أربعَ سنين لم نُبِنْها منه حتى نجمع بينهما، (135) فإن فاء فاء، وإن عزم الطلاق عزم.

4660 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبد العزيز الماجشون، عن داود بن الحصين قال، سمعت القاسم بن محمد يقول: يوقف إذا مضت الأربعة.

* * * وقال آخرون: ليس الإيلاء بشيء.

* ذكر من قال ذلك: 4661 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا ابن علية، عن عمرو بن دينار قال، سألت ابن المسيَّب عن الإيلاء فقال: ليس بشيء.

4662 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثني جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال، سألت ابن عمر عن رجل آلى من امرأته، فمضتْ أربعة أشهر فلم يفئ إليها، فتلا هذه الآية: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ الآية.

4663 - حدثنا أحمد بن حازم قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا مسعر، &; 4-498 &; عن حبيب بن أبي ثابت قال، أرسلت إلى عطاء أسأله عن المولي، فقال: لا علم لي به.

* * * وقال آخرون من أهل هذه المقالة: بل معنى قوله: " وإن عزموا الطلاق ": وإن امتنعوا من الفيئة، بعد استيقاف الإمام إيّاهم على الفيء أو الطلاق.

* ذكر من قال ذلك: 4664 - حدثني أبو السائب قال، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، يوقف المولي عند انقضاء الأربعة، فإن فاء جعلها امرأته، وإن لم يفئ جعلها تطليقة بائنة.

4665 - حدثنا أبو هشام قال، حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم قال، يوقف المولي عند انقضاء الأربعة، فإن لم يفئ فهي تطليقة بائنة.

* * * قال أبو جعفر: وأشبه هذه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر كتاب الله تعالى ذكره، قولُ عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم ومن قال بقولهم في الطلاق= أن قوله: " فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إنما معناه: فإن فاءوا بعد وَقف الإمام إياهم من بعد انقضاء الأشهر الأربعة، فرجعوا إلى أداء حق الله عليهم لنسائهم اللائي آلوا منهن، فإن الله لهم غفور رحيم=" وإن عزموا الطلاق " فطلَّقوهن=" فإن الله سميع "، لطلاقهم إذا طلَّقوا=" عليم " بما أتوا إليهن.

وإنما قلنا ذلك أشبه بتأويل الآية، لأن الله تعالى ذكره ذكر حين قال: " وإن عزموا الطلاق "،" فإن الله سميع عليم " (136) ومعلوم أنّ انقضاء الأشهر الأربعة غير مسموع، وإنما هو معلوم، فلو كان " عزم الطلاق " انقضاء الأشهر الأربعة لم تكن الآية مختومة بذكر الله الخبر عن الله تعالى ذكره أنه " سميع عليم "، &; 4-499 &; كما أنه لم يختم الآية التي ذكر فيها الفيء إلى طاعته = في مراجعة المولي زوجته التي آلى منها، وأداء حقها إليها = بذكر الخبر عن أنه " شديد العقاب "، إذْ لم يكن موضعَ وعيد على معصية، ولكنه ختم ذلك بذكر الخبر عن وصفه نفسه تعالى ذكره بأنه " غفور رحيم "، إذْ كان موضعَ وَعد المنيب على إنابته إلى طاعته، فكذلك ختم الآية التي فيها ذكر القول، والكلام بصفة نفسه بأنه للكلام " سميع " وبالفعل " عليم "، فقال تعالى ذكره: وإن عزم المؤلون على نسائهم على طلاق من آلوا منه من نسائهم=" فإن الله سميع " لطلاقهم إيّاهن إن طلقوهن=" عليم " بما أتوا إليهنّ، مما يحل لهم، ويحرُم عليهم.

(137) .

وقد استقصينا البيان عن الدلالة على صحة هذا القول في كتابنا( كتاب اللطيف من البيان عن أحكام شرائع الدين )، فكرهنا إعادته في هذا الموضع.

-------------------------- الهوامش : (98) في المطبوعة : "فإن تركوا الفيء لليمين .

.

.

" وهو خطأ غريب فاسد ، لم يحسنوا قراءة ما في المخطوطة .

(99) الضمير في قوله : "بمضيهن" إلى الأشهر الأربعة .

(100) الأثر : 4557-"أبو هشام" هو محمد بن يزيد بن محمد بن كثير العجلي أبو هشام الرفاعي قاضي بغداد يتكلمون فيه .

مترجم في التهذيب .

ومحمد بن بشر بن الفرافصة بن المختار العبدي روى عن هشام بن عروة وعبيد الله بن عمر العمري وسعيد بن أبي عروبة .

مترجم في التهذيب .

و"خلاس" بكسر الخاء وفتح اللام المخففة هو : خلاس بن عمر الهجري البصري .

روى عن علي وعمار بن ياسر وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم .

وعنه قتادة وعوف الأعرابي وداود بن أبي هند .

وهو ثقة .

مترجم في التهذيب .

(101) أقوال الصحابة والتابعين في الإيلاء تجدها مستوفاة في نصب الراية 3 : 241- 243 ، والمحلى لابن حزم 10 : 42- 49 وسنن البيهقي 7 : 376- 382 وفتح الباري 9 : 375- 379 وابن كثير والدر المنثور في تفسير الآية .

هذا ولم يستوف أحد ذكر هذه الآثار كما استوفاها أبو جعفر رحمه الله .

(102) في المطبوعة : "وأعلمها واخطبها" وأثبت ما في المخطوطة .

(103) الورق (بفتح الواو ، وكسر الراء ، أو سكونها- وبكسر الواو وسكون الراء) : هي الفضة والدراهم المضروبة .

(104) "أبو عبيدة" هو أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، ويقال اسمه"عامر بن عبد الله" ويقال اسمه كنيته .

روى عن أبيه ولم يسمع منه .

مترجم في التهذيب وغيره .

(105) اعترف بالشيء : أقر به .

(106) في المطبوعة : "حدثنا محمد بن جعفر" أول الإسناد أسقط منه"حدثنا محمد بن المثنى قال" وصوابه من المخطوطة ، وهو بين من الإسناد قبله .

(107) الأثر : 4577-"خالد بن مخلد القطواني" .

أبو الهيثم البجلي .

روى عنه البخاري ومسلم وأبو كريب قال ابن معين : لا بأس بهن مات سنة 213 .

مترجم في التهذيب .

و"جعفر بن برقان الكلابي" .

روى عن يزيد الأصم والزهري وعطاء وميمون بن مهران وعبد الأعلى بن ميمون وهو ثقة : وكان أميًا لا يقرأ ولا يكتب ولكن كانت له رواية وفقه وفتوى مات سنة 150 .

مترجم في التهذيب .

و"عبد الأعلى بن ميمون" سمع أباه وعكرمة وعطاء ، وسمع منه جعفر بن برقان مترجم في الجرح والتعديل 3/1/27 .

(108) الأثر : 4578- في المطبوعة والمخطوطة"يزيد بن زياد عن أبي الجعد" وقد سلف مثل هذا الخطأ وصححناه فهو"يزيد بن زياد بن أبي الجعد" فيما سلف رقم : 510 : 0 (109) ائتنف الأمر ائتنافًا واستأنفه : أخذ أوله وابتدأه أو استقبله .

من"الأنف" (بفتح فسكون) وأنف كل شيء أوله .

(110) الأثر : 4594-"هند" هي : هند بنت أسماء بن خارجة الفزاري و"أم عثمان بنت عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي" وهما زوجتاه .

وقوله : "أعتم" أي تأخر وأبطأ في الليل وقد مرت قطعة منه ، والعتمة : ظلام الليل .

(111) الأثر : 4597- انظر الأثر السالف رقم : 4583 .

(112) في المطبوعة : "ورضا من المولى" وهو خطأ والصواب من المخطوطة .

(113) الأثر : 4602- في الموطأ : 557 ، بغير هذا اللفظ وفي المطبوعة : "لرجعتها" والصواب من المخطوطة .

(114) الأثر 4603- لم أجده بلفظه في الموطأ ، وكأنه مختصر الذي سلف .

(115) الأثر : 4607-"أبو القوي" هو : الحسن بن يزيد بن فروخ الضمري ويقال العجلي .

سكن الكوفة .

قال ابن معين : "هو الذي يقال له الطواف" .

وسمي"القوي" لقوته على العبادة قال وكيع : "بكى حتى عمى وصلى حتى حدب وطاف حتى أقعد" وثقه ابن معين والنسائي .

مترجم في التهذيب .

(116) الأثر : 4608-"حجاج بن رشدين بن سعد المصري" .

روى عن أبيه وحيوة بن شريح وعنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم .

قال ابن أبي حاتم : سألت أي عنه : "لا علم لي به ، لم أكتب عن أحد عنه" .

وذكره ابن حبان في الثقات وضعفه ابن عدي مات سنة 211 .

مترجم في لسان الميزان والجرح والتعديل 1/2160 .

و"عبد الجبار بن عمر الأيلي" سمع الزهري وبيعة وعطاء الخراساني وأبا الزناد؟

روى عنه ابن وهب وسعيد بن أبي مريم .

سئل يحيى بن معين عنه فقال : ضعيف ليس بشيء" .

وقال أبو زرعة : "ضعيف الحديث ليس بقوي" مترجم في الجرح والتعديل 3/1/31- 32 .

(117) نزع بالآية والشعر ، وانتزع بهما : تمثل .

ويقال أيضًا للرجل إذا استنبط معنى آية من كتاب الله : "قد انتزع معنى جيدًا- ونزعه" : أي استخرجه .

(118) الأثر : 4610-"الوليد بن مسلم القرشي" الدمشقي عالم الشام .

قال أحمد : "ما رأيت أعقل منه .

وقال مروان بن محمد : "إذا كتبت حديث الأوزاعي عن الوليد فلا تبالي من فاتك ، وقال : "كان الوليد عالما بحديث الأوزاعي" .

مات بعد انصرافه من الحج سنة 194 .

"أبو عمرو" هو الإمام الجليل أبو عمرو الأوزاعي"عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد" الفقيه المشهور .

(119) الأثر : 4611-"هو المثنى بن الصباح اليماني" .

أصله من أبناء اليمن بفارس روى عن طاوس ومجاهد وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن شعيب .

قال يحيى بن سعيد وذكر عنده : "لم نتركه من أجل عمرو بن الشعيب ولكن كان منه اختلاط في عطاء" .

وقال أحمد : "لا يساوي حديثه شيئًا ، مضطرب الحديث" وضعفه ابن معين وغيره .

مات سنة 149 .

(120) الأثر : 4612-"عبد الله بن أحمد بن شبويه" سلف في رقم : 1909 .

(121) الأثر : 4617- في المخطوطة : "عن ابن أبي ليلى في الإيلاء قال ، يوقف" ليس فيه"عن علي : أنه كان يوقفه" .

(122) في المخطوطة والمطبوعة : "أبو إدريس" وهو خطأ ورواية أبي كريب عن ابن إدريس كثيرة دائرة في التفسير أقربها آنفًا رقم : 4609 ، وقد مضت ترجمته .

(123) التبكيت : استقبال الرجل بما يكره .

والتبكيت أيضًا : التقريع والتوبيخ .

(124) الأثر : 4629- 4630-"أبو مسلم" : إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي .

أو الكشي مضى في رقم : 3562 ، 4327 .

وكان في المطبوعة هنا : "إبراهيم بن مسلم بن عبد الله" وهم الناسخ فحذف الكنية"أبو مسلم" وأقحم"بن مسلم" بينه وبين أبيه .

و"عمران بن ميسرة المنقري" .

روى عن عبد الله بن إدريس .

وعنه البخاري وأبو داود وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو مسلم الكجي : وثقه الدارقطني .

مات سنة 213 .

مترجم في التهذيب .

و"الحسن بن الفرات بن أبي عبد الرحمن التميمي الفزاز" وهو المذكور في الإسناد السالف : 4629 .

روى عن أبي معشر وابن أبي مليكة وأبيه فرات .

وعنه ابنه زياد وعبد الله بن إدريس ووكيع وأبو نعيم وغيرهم .

وثقه ابن معين وابن حبان وأبو حاتم .

مترجم في التهذيب والجرح والتعديل 1/2/32 .

(125) الأثر : 4632-"عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب" أحد الفقهاء السبعة .

روى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر وابنه عبد الرحمن بن القاسم .

كان في المطبوعة والمخطوطة"عبد الله بن عمر" وانظر سنن البيهقي 8 : 378 .

(126) الأثر : 4633-"يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي" .

روى عن الزهري ونافع وهشام بن عروة .

وعنه الليث والأوزاعي وابن المبارك وابن وهب ، ثقة .

مات بصعيد مصر سنة 159 .

مترجم في التهذيب .

"وأما" ناجية بن بكر" فلم أجد من يسمى بهذا الإسم من الرواة ولكن ابن وهب يروى عن"بكر بن مضر المصري" فأخشى أن يكون في الكلام زيادة وتصحيف .

والله أعلم .

وفي المطبوعة والمخطوطة : "يا ابن أبي العاص" والصواب ما أثبت .

وانظر نسب قريش : 312 .

(127) الأثر : 4635- في المخطوطة : "عن عبد الله عن نافع" في هذا الموضع وحده .

(128) قوله : "فرقه" هكذا في المخطوطة وفي المطبوعة : "فرقة" والأرجح أنها مصحفة عن كلمة معناها : بيته ، أو غرفته .

(129) في المطبوعة : "حدثته" وما أثبت من المخطوطة .

(130) عند هذا الموضع ، انتهى تقسيم من تقاسيم النسخة التي نقت عنها نسختنا ويلي ذلك الأثر ما نصه : "وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كثيرًا * * * على الأصل بلغت بالقراءة من أوله سماعًا من القاضي أبي الحسن الخصيب بن عبد الله عن أبي محمد الفرغاني ، عن أبي جعفر الطبري .

وسمع معي أخي عليٌّ حرسه الله وأحمد بن عمر بن مديدة الجهاري ، ونصر بن الحسين الطبريّ ومحمد بن عليّ الأموي .

وكتب محمد بن عيسى السعدي في شعبان من سنة ثمان وأربعمائة- والقاضي يقابلني بكتابه" (131) أول التقسيم ما نصه : "بسم الله الرحمن الرحيم" (132) الأثر : 4649- هذا إسناد آخر للأثر : 4602 فيما سلف وأما خير عمر فهو الذي مضى برقم : 4611 .

(133) في المطبوعة : "أجلا أربعة أشهر" وأثبت ما في المخطوطة .

(134) الأثر : 4657- لم أجد نصه في الموطأ ومعناه فيه (الموطأ : 556- 558) .

(135) في المطبوعة : "لم نكبها منه" كأنه من"الإكنان" تصحيف ناسخ والصواب من المخطوطة .

(136) فصلنا بين شطري الآية لأن ذلك مراد الطبري .

يعني أن الله تعالى حين قال"وإن عزموا الطلاق"- ختم الآية بقوله : "فإن الله سميع عليم" .

(137) هذا فقه أبي جعفر لمعاني كتاب ربه ، وتجويده لدلائل البلاغة والبيان في كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فيه البرهان لمن طلب الحق من وجوهه بالورع والصبر والبصر ومعرفة ما توجبه الألفاظ من المعاني .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الثانية والعشرون : قال الله تعالى : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم العزيمة : تتميم العقد على الشيء ، يقال : عزم عليه يعزم عزما ( بالضم ) وعزيمة وعزيما وعزمانا ، واعتزم اعتزاما ، وعزمت عليك لتفعلن ، أي أقسمت عليك .

قال شمر : العزيمة والعزم ما عقدت عليه نفسك من أمر أنك فاعله .

والطلاق من طلقت المرأة تطلق ( على وزن نصر ينصر ) طلاقا ، فهي طالق وطالقة أيضا .

قال الأعشى :أيا جارتا بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقهويجوز طلقت ( بضم اللام ) مثل عظم يعظم ، وأنكره الأخفش .

والطلاق : حل عقدة النكاح ، وأصله الانطلاق ، والمطلقات المخليات ، والطلاق : التخلية ، يقال : نعجة طالق ، وناقة طالق ، أي مهملة قد تركت في المرعى لا قيد عليها ولا راعي ، وبعير طلق ( بضم الطاء واللام ) غير مقيد ، والجمع أطلاق ، وحبس فلان في السجن طلقا أي بغير قيد ، والطالق من الإبل : التي يتركها الراعي لنفسه لا يحتلبها على الماء ، يقال : استطلق الراعي ناقة لنفسه .

فسميت المرأة المخلى سبيلها بما سميت به النعجة أو الناقة المهمل أمرها .

وقيل : إنه مأخوذ من طلق الفرس ، وهو ذهابه شوطا لا يمنع ، فسميت المرأة المخلاة طالقا لا تمنع من نفسها بعد أن كانت ممنوعة .الثالثة والعشرون : في قوله تعالى : وإن عزموا الطلاق دليل على أنها لا تطلق بمضي مدة أربعة أشهر ، كما قال مالك : ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة ، وأيضا فإنه قال : ( سميع ) وسميع يقتضي مسموعا بعد المضي .

وقال أبو حنيفة : " سميع " لإيلائه ، " عليم " بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر .

وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال : سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يولي من امرأته ، فكلهم يقول : ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف ، فإن فاء وإلا طلق .

قال القاضي ابن العربي : وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا " بعد انقضائها " فإن الله غفور رحيم .

" وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم " .

وتقديرها عندهم : للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا " فيها " فإن الله غفور رحيم .

وإن عزموا الطلاق [ ص: 105 ] بترك الفيئة فيها ، يريد مدة التربص فيها فإن الله سميع عليم ابن العربي : وهذا احتمال متساو ، ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه .قلت : وإذا تساوى الاحتمال كان قول الكوفيين أقوى قياسا على المعتدة بالشهور والأقراء ، إذ كل ذلك أجل ضربه الله تعالى ، فبانقضائه انقطعت العصمة وأبينت من غير خلاف ، ولم يكن لزوجها سبيل عليها إلا بإذنها ، فكذلك الإيلاء ، حتى لو نسي الفيء وانقضت المدة لوقع الطلاق ، والله أعلم .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : وإن عزموا الطلاق دليل على أن الأمة بملك اليمين لا يكون فيها إيلاء ، إذ لا يقع عليها طلاق ، والله أعلم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ } أي: امتنعوا من الفيئة, فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن, وعدم إرادتهم لأزواجهم, وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة, وإلا أجبره الحاكم عليه أو قام به.

{ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فيه وعيد وتهديد, لمن يحلف هذا الحلف, ويقصد بذلك المضارة والمشاقة.

ويستدل بهذه الآية على أن الإيلاء, خاص بالزوجة, لقوله: { من نسائهم } وعلى وجوب الوطء في كل أربعة أشهر مرة, لأنه بعد الأربعة, يجبر إما على الوطء, أو على الطلاق, ولا يكون ذلك إلا لتركه واجبا.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن عزموا الطلاق ) أي حققوه بالإيقاع ( فإن الله سميع ) ( عليم ) بنياتهم وفيه دليل على أنها لا تطلق بعد مضي المدة ما لم يطلقها زوجها لأنه شرط فيه العزم وقال : ( فإن الله سميع عليم ) فدل على أنه يقتضي مسموعا والقول هو الذي يسمع .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن عزموا الطلاق» أي عليه بأن لا يفيئوا فليوقعوه «فإن الله سميع» لقولهم «عليم» بعزمهم المعنى ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن عقدوا عزمهم على الطلاق، باستمرارهم في اليمين، وترك الجماع، فإن الله سميع لأقوالهم، عليم بمقاصدهم، وسيجازيهم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وجواب الشرط في قوله ( وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ) محذوف والتقدير وإن عزموا الطلاق فقد وجب عليهم ما اعتزموه ، والطلاق منصوب على نوع الخافض لأن عزم يتعدى بعلى .وفي قوله : ( فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) وعيد شديد لمن يحلف على ترك مباشرة امرأته أو يمسكها بقصد إيذائها ومضارتها .أي فإن الله - تعالى - سميع لكل ما كان من الزوج الحالف ، عليم بما يقع منه من مضار أو غيرها ، وسيجزيه يوم القيامة بما يستحقه .قال القرطبي ما ملخصه : وقد جعل الله للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر ، وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من أزواجه شهر تأديبا لهن - عندما طالبنه بزيادة النفقة - وقد قيل : الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع أن تصبر عنه أكثر منها ، وقد روى أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - سأل بعض النساء عن مقدار صبر المرأة عن زوجها فقلن أربعة أشهر ، فجعل عمر مدة الرجل في الغزو أربعة أشهر ، فإذا مضت أر بعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين ، وهذا - والله أعلم - يقوى اختصاص مدة الإِيلاء بأربعة أشهر " .وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف في مثل هذه الأمور ، والأربعة الأشهر مدة كافية ليختبر الرجل نفسه وميوله ، فإما أن يعود إلى معاشرة زوجه بالطريقة التي شرعها الله ، وإما أن تعاد إلى الزوجة حريتها بالطلاق ، ليبدأ كلاهما حياة زوجية جديدة مع شخص آخر .

فذلك أكرم للزوجة وأعف وأصون ، وأنفع للرجل كذلك وأشرف .

وقد اختار الله هذه المدة وهو الأعلم بحكمة اختياره فعلينا أن نتقبل ما شرعه لنا طائعين خاشعين .هذا وجمهور - العلماء على أن الطلاق لا يقع بانتهاء هذه المدة ، وإنما بانتهائها يأمره الحاكم بالفيئة ، فإن تقبل أمر الحاكم بالرضا أمهله مدة يمكنه الفيئة فيها ، وإن لم يتقبله بالرضا أمره بالطلاق ، فإن طلق فبها وإلا طلقها الحاكم منه .وعليه فإن الفاء في قوله تعالى : ( فَإِنْ فَآءُو ) لترتيب الحكم الذي يحصل بعد مدة التربص .وقال الأحناف إن الطلاق يقع بمجرد انتهاء هذه المدة وهي الأربعة الأشهر ، والرجوع إنما يكون خلالها فلا زيادة فوقها ، ويكفى في مراجعته لنفسه تلك المدة ، وما دام لم يرجع إلى معاشرة امرأته خلالها فقد آثر فراقها ، ولا يصح أن نعطيه أية مهلة من الوقت بعدها .

وعليه تكون الفاء عندهم للتفصيل ، أي تفصيل ما يحصل من الزوج في هذه المدة .وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد نهت المسلم عن اتخاذ الحلف بالله حاجزاً بينه وبين فعل الخير ، وأمرته بأن يحفظ لسانه عن الإِكثار من الحلف بالله في الأمور الصغيرة والكبيرة ، وحذرته من تعمد الأيمان الكاذبة التي تؤدي إلى غضب الله - تعالى - لأن اليمين الكاذتبة الفاجرة من كبائر الذنوب ، وحذرته كذلك من أن يهجر زوجته بقصد إيذائها والإِضرار بها ، لأن الحياة الزوجية يجب أن تقوم على المودة والرحمة ، وأرشدته إلى أن أقصى مدة لهجر الزوجة بقصد تأديبها وعلاج أعوجاجها هي أربعة أشهر يراجع فيها نفسه ، فإما أن يعود إليها ويكفر عن يمينه ، وإما أن يقع بينهما الفراق ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ) وبهذه الأحكام السامية يكون الإِسلام قد شرع للرجل والمرأة ما ينفعهما ويصون كرامتهما ، ويحفظ لهما حريتهما وحسن استمتاعهما بالحياة .ثم ساقت السورة في خمس آيات أحكام الطلاق ، وفصلت أحواله ، وبينت مراته ، وذكرت ما ينبغي أن يكون عليه من عدل وتسامح حتى لا يقع ظلم أو جور على أحد الزوجين .

استمع إلى القرآن الكريم وهو يبين ذلك بأسلوبه الحكيم المؤثر فيقول :( والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء وَلاَ يَحِلُّ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: آلى يؤالي إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي ائتلاء، والإسم منه ألية وألوة، كلاهما بالتشديد، وحكى أبو عبيدة الوة والوة والوة ثلاثة لغات، وبالجملة فالألية والقسم واليمين، والحلف، كلها عبارات عن معنى واحد، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى: آليت أفعل خلاف المقدرين وقال كثير: قليل الألايا حافظ ليمينه *** فإن سبقت منه الألية برت هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء، كما إذا قال: والله لا أجامعك، ولا أباضعك، ولا أقربك، ومن المفسرين من قال: في الآية حذف تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه، وأنا أقول: هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار.

المسألة الثانية: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقاً قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

المسألة الثالثة: قرأ عبد الله ﴿ آلوا مِن نّسَائِهِمْ ﴾ وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ يَقْسِمُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ .

أما قوله: ﴿ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه يقال: المتعارف أن يقال: حلف فلان على كذا أو آلى على كذا، فلم أبدلت لفظة على هاهنا بلفظة ﴿ مِنْ ﴾ ؟.

والجواب من وجهين: الأول: أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر، كما يقال: لي منك كذا والثاني: أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين.

أما قوله تعالى: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال: تربصت الشيء تربصاً، ويقال: ما لي على هذا الأمر ربصة، أي تلبث، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله: بينهما مسيرة يوم، أي مسيرة في يوم ومثله كثير.

أما قوله: ﴿ فَإِن فَآءوا ﴾ فمعناه فإن رجعوا، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود: فيء، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل، فقالوا: الفيء ما كان بالعشي، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء، لأنه لا شمس فيها، قال الله تعالى: ﴿ وَظِلّ مَّمْدُودٍ  ﴾ وأنشدوا: فلا الظل من برد الضحى يستطيعه *** ولا الفيء من برد العشي يذوق وقيل: فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب، أي سريع الرجوع عن الغضب إلى الحالة المتقدمة وقيل: لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله: ﴿ فَإِن فَآءوا ﴾ معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعزم عزماً وعزيمة، وعزمت عليك لتفعلن، أي أقسمت، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقاً، وقال الليث: طلقت بضم اللام، وقال ابن الأعرابي: طلقت بضم اللام من الطلاق أجود، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالاً في الشرع، وأصله من الإنطلاق، وهو الذهاب، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية.

أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل: المسألة الأولى: كل زوج يتصور منه الوقاع، وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فإنه يصح منه الإيلاء، وهذا القيد معتبر طرداً وعكساً.

أما الطرد فهو أن كل من كان كذلك صح إيلاؤه، ويتفرع عليه أحكام الأول: يصح إيلاء الذمي، وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق لنا قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ وهذا العموم يتناول الكافر والمسلم.

الحكم الثاني: قال الشافعي رضي الله عنه: مدة الإيلاء لا تختلف بالرق والحرية فهي أربعة أشهر سواء كان الزوجان حرين أو رقيقين، أو أحدهما كان حراً والآخر رقيقاً، وعند أبي حنيفة ومالك رضي الله عنهما تتنصف بالرق، إلا أن عند أبي حنيفة تتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل، كما قالا في الطلاق لنا إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ يتناول الكل، والتخصيص خلاف الظاهر، لأن تقدير هذه المدة إنما كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع، وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج، فيستوي فيه الحر والرقيق، كالحيض، ومدة الرضاع ومدة العنة.

الحكم الثالث: يصح الإيلاء في حال الرضا والغضب، وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب لنا ظاهر هذه الآية.

الحكم الرابع: يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح، أو كانت مطلقة طلقة رجعية، بدليل أن الرجعية يصدق عليها أنها من نسائه، بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق، وقع الطلاق عليها، وإذا ثبت أنها من نسائه دخلت تحت الآية لظاهر قوله: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ .

أما عكس هذه القضية.

وهو أن من لا يتصور منه الوقاع لا يصح إيلاؤه، ففيه حكمان: الحكم الأول: إيلاء الخصي صحيح، لأنه يجامع كما يجامع الفحل، إنما المفقود في حقه الإنزال وذلك لا أثر له: ولأنه داخل تحت عموم الآية.

الحكم الثاني: المجبوب إن بقي منه ما يمكنه أن يجامع به صح إيلاؤه وإن لم يبق ففيه قولان أحدهما: أنه لا يصح إيلاؤه وهو قول أبي حنيفة رضي الله عنه والثاني: أنه يصح لعموم هذه الآية، لأن قصد المضارة باليمين قد حصل منه.

القيد الثاني: أن يكون زوجاً، فلو قال لأجنبية: والله لا أجامعك ثم نكحها لم يكن مؤلياً لأن قوله تعالى: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ يفيد أن هذا الحكم لهم لا لغيرهم، كقوله: ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ  ﴾ أي لكم لا لغيركم.

المسألة الثانية: المحلوف به والحلف إما أن يكون بالله أو بغيره، فإن كان بالله كان مولياً ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء، وهل تجب كفارة اليمين فيه قولان: الجديد وهو الأصح، وقول أبي حنيفة رضي الله عنه أنه تجب كفارة اليمين، والقديم أنه إذا فاء بعد مضي المدة أو في خلال المدة فلا كفارة عليه، حجة القول: والله لا أقربك ثم يقربها، وبين أن يقول: والله لا أكلمك ثم يكلمها وحجة القول القديم قوله تعالى: ﴿ فَإِن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أن الكفارة لو كانت واجبة لذكرها الله هاهنا، لأن الحاجة هاهنا داعية إلى معرفتها، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والثاني: أنه تعالى كما لم يذكر وجوب الكفارة نبه على سقوطها بقوله: ﴿ فَإِن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ والغفران يوجب ترك المؤاخذة وللأولين أن يجيبوا فيقولوا: إنما ترك الكفارة هاهنا لأنه تعالى بينها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سائر المواضع.

أما قوله: ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فهو يدل على عدم العقاب، لكن عدم العقاب لا ينافي وجوب الفعل، كما أن التائب عن الزنا والقتل لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص، وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فعبدي حر، أو أنت طالق، أو ضرتك طالق، أو ألزم أمراً في الذمة، فقال: إن وطئتك فلله علي عتق رقبة، أو صدقة، أو صوم، أو حج، أو صلاة، فهل يكون مولياً للشافعي رضي الله عنه فيه قولان: قال في القديم: لا يكون مولياً، وبه قال أحمد في ظاهر الرواية دليله أن الإيلاء معهود في الجاهلية، ثم قد ثبت أن معهود الجاهلية في هذا الباب هو الحلف بالله، وأيضاً روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف فليحلف بالله»، فمطلق الحلف يفهم منه الحلف بالله، وقال في الجديد، وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة العلماء رحمهم الله أنه يكون مولياً لأن لفظ الإيلاء يتناول الكل، وعلق القولين فيمينه منعقدة فإن كان قد علق به عتقاً أو طلاقاً، فإذا وطئها يقع ذلك المتعلق، وإن كان المعلق به التزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج، وفيه أقوال أصحها: أن عليه كفارة اليمين والثاني: عليه الوفاء بما سمى، والثالث: أنه يتخير بين كفارة اليمين وبين الوفاء بما سمى، وفائدة هذين القولين أنا إن قلنا إنه يكون مولياً فبعد مضي أربعة أشهر يضيق الأمر عليه حتى يفيء أو يطلق وإن قلنا: لا يكون مولياً لا يضيق عليه الأمر.

المسألة الثالثة: اختلفوا في مقدار مدة الإيلاء على أقوال فالأول: قول ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أبداً والثاني: قول الحسن البصري وإسحاق: إن أي مدة حلف عليها كان مولياً وإن كانت يوماً، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث: قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع: قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم: إنه لا يكون موالياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة، وهذه المدة تكون حقاً للزوج، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه، وعن أبي حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي من وجوه: الحجة الأولى: أن الفاء في قوله: ﴿ فَإن فَآءوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخياً عن انقضاء الأربعة أشهر.

فإن قيل: ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله: ﴿ فَإن فاؤا...

وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ تفصيل لقوله: ﴿ للَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم.

قلنا: هذا ضعيف لأن قوله: ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ ﴾ هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله: ﴿ فَان فاءوا ﴾ ورد عقيب ذكرهما، فيكون هذا الحكم مشروعاً عقيب الإيلاء، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله: أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول، أما هاهنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص، فلابد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعاً عقيب هذين الأمرين، وهذا كلام ظاهر.

الحجة الثانية: للشافعي رضي الله عنه أن قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج.

فإن قيل: الإيلاء الطلاق في نفسه.

فالمراد من قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ الإيلاء المتقدم.

قلنا: هذا بعيد لأن قوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ لابد وأن يكون معناه: وإن عزم الذين يؤلون الطلاق، فجعل المؤلى عازماً، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا، وأما الطلاق فهو متعلق العزم، ومتعلق العزم متأخر عن العزم، فإذاً الطلاق متأخر عن العزم لا محالة، والإيلاء إما أن يكون مقارناً للعزم أو متقدماً، وهذا يفيد القطع بأن الطلاق في هذه الآية مغاير لذلك الإيلاء وهذا كلام ظاهر.

الحجة الثالثة: أن قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ يقتضي أن يصدر من الزوج شيء يكون مسموعاً، وما ذاك إلا أن نقول تقدير الآية فإن عزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لكلامهم، عليم بما في قلوبهم.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد إن الله سميع لذلك الإيلاء.

قلنا: هذا يبعد لأن هذا التهديد لم يحصل على نفس الإيلاء، بل إنما حصل على شيء حصل بعد الإيلاء، وهو كلام غيره حتى يكون ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تهديداً عليه.

الحجة الرابعة: أن قوله تعالى: ﴿ فَان فاءوا وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ ظاهره التخيير بين الأمرين، وذلك يقتضي أن يكون وقت ثبوتهما واحداً، وعلى قول أبي حنيفة ليس الأمر كذلك.

الحجة الخامسة: أن الإيلاء في نفسه ليس بطلاق، بل هو حلف على الامتناع من الجماع مدة مخصوصة إلا أن الشرع ضرب مقداراً معلوماً من الزمان، وذلك لأن الرجل قد يترك جماع المرأة مدة من الزمان لا بسبب المضارة، وهذا إنما يكون إذا كان الزمان قصيراً، فأما ترك الجماع زماناً طويلاً فلا يكون إلا عند قصد المضارة، ولما كان الطول والقصر في هذا الباب أمراً غير مضبوط، بين تعالى حداً فاصلاً بين القصير والطويل، فعند حصول هذه تبين قصد المضارة، وذلك لا يوجب ألبتة وقوع الطلاق، بل اللائق بحكمة الشرع عند ظهور قصد المضارة أنه يؤمر إما بترك المضارة أو بتخليصها من قيد الإيلاء، وهذا المعنى معتبر في الشرع كما قلنا في ضرب الأجل في مدة العنين وغيره حجة أبي حنيفة رضي الله عنه أن عبد الله بن مسعود قرأ، فإن فاؤا فيهن.

والجواب الصحيح: أن القراءة الشاذة مردودة لأن كل ما كان قرآناً وجب أن يثبت بالتواتر فحيث لم يثبت بالتواتر قطعنا أنه ليس بقرآن وأولى الناس بهذا أبو حنيفة، فإنه بهذا الحرف تمسك في أن التسمية ليست من القرآن، وأيضاً فقد بينا أن الآية مشتملة على أمور ثلاثة دلت على أن هذه الفيئة لا تكون في المدة، فالقراءة الشاذة لما كانت مخالفة لها وجب القطع بفسادها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرأ عبد الله: ﴿ آلوا من نسائهم ﴾ .

وقرأ ابن عباس: ﴿ يقسمون من نسائهم ﴾ : فإن قلت: كيف عدي بمن، وهو معدى بعلى؟

قلت: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين.

ويجوز أن يراد لهم ﴿ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ كقوله: لي منك كذا.

والإيلاء من المرأة أن يقول: والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر.

أو لا أقربك على الإطلاق.

ولا يكون في ما دون أربعة أشهر، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي.

وحكم ذلك: أنه إذا فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكنه أو بالقول إن عجز: صح الفيء، وحنث القادر، ولزمته كفارة اليمين، ولا كفارة على العاجز.

وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند أبي حنيفة.

وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ثم يوقف المولى، فإما أن يفيء وإما أن يطلق وإن أبى طلق عليه الحاكم.

ومعنى قوله: ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ فإن فاؤا في الأشهر، بدليل قراءة عبد الله: ﴿ فإن فاؤا فيهن ﴾ ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ فتربصوا إلى مُضيِّ المدة ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي رحمه الله معناه ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ بعد مضي المدة.

فإن قلت: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربص؟

قلت: موقع صحيح لأن قوله ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ ، ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ تفصيل لقوله ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحوّل.

فإن قلت: ما تقول في قوله: ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعزمهم الطلاق بما يعلم ولا يسمع؟

قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار، لا يخلو من مقاولة ودمدمة ولا بد له من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان ﴿ والمطلقات ﴾ أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء.

فإن قلت: كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم؟

قلت: بل اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك.

فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟

قلت: هو خبر في معنى الأمر.

وأصل الكلام: وليتربص المطلقات.

وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص.

فهو يخبر عنه موجوداً.

ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك الله، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد.

ولو قيل: ويتربص المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة.

فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء، كما قيل ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ وما معنى ذكر الأنفس؟

قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص.

والقروء: جمع قرء أو قرء، وهو الحيض، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وقوله: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» ولم يقل طهران.

وقوله تعالى ﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ [الطلاق: 4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار.

ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة.

ويقال أقرأت المرأة، إذا حاضت.

وامرأة مقرئ.

وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها، أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء.

فإن قلت: فما تقول: في قوله تعالى: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1] والطلاق الشرعي، إنما هو في الطهر؟

قلت: معناه مستقبلات لعدتهن، كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلاً لثلاث، وعدتهنّ الحيض الثلاث.

فإن قلت: فما تقول في قول الأعشى: لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكا قلت: أراد: لما ضاع فيها من عدّة نسائك، لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن، أي من مدّة طويلة كالمدة التي تعتد فيها النساء، استطال مدة غيبته عن أهله كل عام لاقتحامه في الحروب والغارات.

وأنه تمرّ على نسائه مدة كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها، أو أراد من أوقات نسائك، فإنّ القرء والقارئ جاء في معنى الوقت، ولم يرد لا حيضاً ولا طهراً.

فإن قلت: فعلام انتصب ﴿ ثلاثة قُرُوء ﴾ ؟

قلت: على أنه مفعول به كقولك: المحتكر يتربص الغلاء، أي يتربصن مضيّ ثلاثة قروء، أو على أنه ظرف، أي: يتربصن مدة ثلاثة قروء فإن قلت: لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟

قلت: يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء، فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شسوع.

وقرأ الزهري: ﴿ ثلاثة قرو ﴾ ، بغير همزة ﴿ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ من الولد أو من دم الحيض.

وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهرت، استعجالاً للطلاق.

ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه ﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.

والبعولة: جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة.

ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك: بعل حسن البعولة، يعني: وأهل بعولتهن ﴿ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ ﴾ برجعتهن.

وفي قراءة أبيّ: ﴿ بردّتهن ﴾ ﴿ وَفِي ذلكم ﴾ في مدة ذلك التربص.

فإن قلت: كيف جُعلوا أحق بالرجعة، كأن للنساء حقاً فيها؟

قلت: المعنى أنّ الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها، إلا أن لها حقاً في الرجعة ﴿ إِنْ أَرَادُواْ ﴾ بالرجعة ﴿ إصلاحا ﴾ لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارّتهنّ ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ ﴾ ويجب لهنّ من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهنّ ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهنّ ولا يكلفونهنّ ما ليس لهم ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه.

والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة، لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال ﴿ دَرَجَةً ﴾ زيادة في الحق وفضيلة.

قيل: المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ أيْ يَحْلِفُونَ عَلى أنْ لا يُجامِعُوهُنَّ.

والإيلاءُ: الحَلِفُ، وتَعْدِيَتُهُ بِعَلى ولَكِنْ لَمّا ضَمِنَ هَذا القَسَمُ مَعْنى البُعْدِ عُدِّيَ بِمِن.

﴿ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ﴾ مُبْتَدَأٌ وما قَبْلَهُ خَبَرُهُ، أوْ فاعِلُ الظَّرْفِ عَلى خِلافِ سَبْقٍ، والتَّرَبُّصُ الِانْتِظارُ والتَّوَقُّفُ أُضِيفَ إلى الظَّرْفِ عَلى الِاتِّساعِ، أيْ لِلْمَوْلى حَقُّ التَّلَبُّثِ في هَذِهِ المُدَّةِ فَلا يُطالَبُ بِفَيْءٍ، ولا طَلاقٍ، ولِذَلِكَ قالَ الشّافِعِيُّ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ويُؤَيِّدُهُ ﴿ فَإنْ فاءُوا ﴾ رَجَعُوا في اليَمِينِ بِالحِنْثِ، ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِلْمَوْلى إثْمَ حِنْثِهِ إذا كَفَرَ، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ.

﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ وإنْ صَمَّمُوا قَصْدَهُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِطَلاقِهِمْ.

﴿ عَلِيمٌ ﴾ بِغَرَضِهِمْ فِيهِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الإيلاءُ في أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَما فَوْقَها، وحُكْمُهُ أنَّ المَوْلى إنْ فاءَ في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ قَدَرَ، وبِالوَعْدِ إنْ عَجَزَ، صَحَّ الفَيْءُ ولَزِمَ الواطِئَ أنْ يُكَفِّرَ وإلّا بانَتْ بَعْدَها بِطَلْقَةٍ.

وعِنْدَنا يُطالَبُ بَعْدَ المُدَّةِ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإن عزموا الطلاق} بترك الفئ فتربصوا إلى مضي المدة {فَإِنَّ الله سَمِيعٌ} لإبلائه {عَلِيمٌ} بنيته وهو وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة وعند الشافعى رحمه الله معناه فإن فاءوا وإن عزموا بعد مضي المدة لأن الفاء للتعقيب وقلنا قوله فإن فاءوا وإن عزموا تفصيل لقوله للذين يؤلون من نسائهم والتفصيل يعقب المفصل كما تقول أنا نزيلكم هذا الشهر فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم إلا ريثما أتحول

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ أيْ: صَمَّمُوا قَصْدَهُ بِأنْ لَمْ يَفِيئُوا واسْتَمَرُّوا عَلى الإيلاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ ﴾ لِإيلائِهِمُ الَّذِي صارَ مِنهم طَلاقًا بائِنًا بِمُضِيِّ العِدَّةِ ﴿عَلِيمٌ 227﴾ بِغَرَضِهِمْ مِن هَذا الإيلاءِ، فَيُجازِيهِمْ عَلى وفْقِ نِيّاتِهِمْ، وهَذا ما حَمَلَ عَلَيْهِ الحَنَفِيَّةُ هَذِهِ الآيَةَ، فَإنَّهم قالُوا: الإيلاءُ مِنَ المَرْأةِ أنْ يَقُولَ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) فَصاعِدًا عَلى التَّقْيِيدِ بِالأشْهُرِ، أوْ لا أقْرَبُكِ عَلى الإطْلاقِ، ولا يَكُونُ فِيما دُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ خِلافًا لِلظّاهِرِيَّةِ والنَّخْعِيَّةِ وقَتادَةَ وحَمّادٍ وابْنِ أبِي حَمّادٍ وإسْحاقَ؛ حَيْثُ يَصِيرُ عِنْدَهم مُولِيًا في قَلِيلِ المَدَّةِ وكَثِيرِها، وحُكْمُهُ إنْ فاءَ إلَيْها في المُدَّةِ بِالوَطْءِ إنْ أمْكَنَ، أوْ بِالقَوْلِ إنَّ عَجَزَ عَنْهُ صَحَّ الفَيْءُ وحَنَثَ القادِرُ ولَزِمَتْهُ كَفّارَةُ اليَمِينِ ولا كَفارَّةَ عَلى العاجِزِ، وإنْ مَضَتِ الأرْبَعَةُ بانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ مِن غَيْرِ مُطالَبَةِ المَرْأةِ إيقاعَ الزَّوْجِ أوِ الحُكْمَ، وقالَتِ الشّافِعِيَّةُ: لا إيلاءَ إلّا في أكْثَرَ مِن (أرْبَعَةِ أشْهُرٍ) فَلَوْ قالَ: واللَّهِ لا أقْرَبُكِ (أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) لا يَكُونُ إيلاءً شَرْعًا عِنْدَهُمْ، ولا يَتَرَتَّبُ حُكْمُهُ عَلَيْهِ، بَلْ هو يَمِينٌ كَسائِرِ الأيْمانِ، إنْ حَنِثَ كَفَّرَ، وإنْ بَرِّ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولِلْمُولِي التَّلَبُّثُ في هَذِهِ المُدَّةِ، فَلا يُطالِبُ بِفَيْءٍ ولا طَلاقٍ، فَإنْ فاءَ في اليَمِينِ بِالحِنْثِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لِلْمُولِي إثْمُ حِنْثِهِ إذا كَفَّرَ كَما في (الجَدِيدِ)، أوْ ما تَوَخّى بِالإيلاءِ مِن ضِرارِ المَرْأةِ ونَحْوِهِ بِالفَيْئَةِ الَّتِي هي كالتَّوْبَةِ وإنْ عَزَمَ الطَّلاقَ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِطَلاقِهِ عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ، وإذا مَضَتِ المُدَّةُ ولِمَ يَفِئْ ولَمْ يُطَلِّقْ طُولِبَ بِأحَدِ الأمْرَيْنِ، فَإنْ أبى عَنْهُما طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ، وأُيِّدَ كَوْنُ مُدَّتِهِ أكْثَرَ مِن (أرْبَعَةِ أشْهُرٍ) بِأنَّ (الفاءَ) في الآيَةِ لِلتَّعْقِيبِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّ حُكْمَ الإيلاءِ مِنَ الفَيْئَةِ والطَّلاقِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَعْدَ مُضِيِّ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، فَلا يَكُونُ الإيلاءُ في هَذِهِ المُدَّةِ إيلاءً شَرْعًا لِانْتِفاءِ حُكْمِهِ - وبِذَلِكَ اعْتَرَضُوا عَلى الحَنَفِيَّةِ - واعْتَرَضُوا عَلَيْهِمْ أيْضًا بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلى الطَّلاقِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، لَزِمَ وُقُوعُ الطَّلاقِ مِن غَيْرِ مُوقِعٍ، وإنَّ النَّصَّ يُشِيرُ إلى أنَّهُ مَسْمُوعٌ، فَلَوْ بانَتْ مِن غَيْرِ طَلاقٍ لا يَكُونُ هَهُنا شَيْءٌ مَسْمُوعٌ، وأُجِيبُ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ (الفاءَ) لِلتَّعْقِيبِ في الذِّكْرِ، وعَنِ الثّانِي بِأنَّ المَسْمُوعَ ما يُقارِنُ ذَلِكَ التَّرْكَ مِنَ المُقاوَلَةِ والمُجادَلَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ بِهِ كَما يَسْمَعُ وسْوَسَةَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ بِما اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ أوِ الإيلاءِ الَّذِي صارَ طَلاقًا بائِنًا بِالمُضِيِّ، وهَذا أنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ حَيْثُ اكْتَفى بِمُجَرَّدِ العَزْمِ بِخِلافِ ما قالَتْهُ الشّافِعِيَّةُ مِن أنَّهُ يَحْتاجُ إلى الطَّلاقِ بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ، فَإنَّهُ يَحْتاجُ إلى التَّقْدِيرِ، وبُعْدُهُ لا يَحْتاجُ إلى عَزَمُوا أوْ يَحْتاجُ إلى جَعْلِ (عَزْمِ الطَّلاقِ) كِنايَةً عَنْهُ، فَما قِيلَ: مِن أنَّ الآيَةَ بِصَرِيحِها مَعَ الشّافِعِيِّ لَيْسَ في مَحِلِّهِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو حَنِيفَةَ وكَثِيرٌ مِنَ الإمامِيَّةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ -، قالَ: الإيلاءُ إيلاءانِ؛ إيلاءٌ في الغَضَبِ، وإيلاءٌ في الرِّضا؛ فَأمّا الإيلاءُ في الغَضَبِ، فَإذا مَضَتْ (أرْبَعَةُ أشْهُرٍ) فَقَدْ بانَتْ مِنهُ، وأمّا ما كانَ في الرِّضا فَلا يُؤاخَذُ بِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: أتى رَجُلٌ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَقالَ: إنِّي حَلَفْتُ أنْ لا آتِيَ امَرْأتِي سَنَتَيْنِ، فَقالَ: ما أراكَ إلّا قَدْ آلَيْتَ، قالَ: إنَّما حَلَفْتُ مِن أجْلِ أنَّها تُرْضِعُ ولَدِي، قالَ: فَلا إذًا.

ورُوِيَ عَنْ إبْراهِيمَ: ما أعْلَمُ الإيلاءَ إلّا في الغَضَبِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَإنْ فاءُوا ﴾ وإنَّما الفَيْءُ مِنَ الغَضَبِ.

ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، واسْتُدِلَّ بِعُمُومِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ الإيلاءِ مِنَ الكافِرِ، وبِأيِّ يَمِينٍ كانَ، ومِن غَيْرِ الدُّخُولِ بِها، والصَّغِيرَةِ، والخَصِيِّ، وأنَّ العَبْدَ تُضْرَبُ لَهُ (الأرْبَعَةُ أشْهُرٍ) كالحُرِّ.

واسْتُدِلَّ بِتَخْصِيصِ هَذا الحُكْمِ بِالمُولِي عَلى أنَّ مَن تَرَكَ الوَطْءَ ضِرارًا بِلا يَمِينٍ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.

وما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -، أنَّها قالَتْ وهي تَعِظُ خالِدَ بْنَ سَعِيدٍ المَخْزُومِيَّ، وقَدْ بَلَغَها أنَّهُ هَجَرَ امْرَأتْهُ: إيّاكَ يا خالِدُ، وطُولَ الهَجْرِ، فَإنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ ما جَعَلَ اللَّهُ - تَعالى - لِلْمُولِي مِنَ الأجَلِ مَحْمُولٌ عَلى إرادَةِ العَطْفِ ولِلتَّحْذِيرِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالإيلاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، يعني أوجبوا الطلاق بترك الجماع، حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر.

وقال بعضهم: لا يقع الطلاق، ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو يطلقها.

وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة.

أشهر وهو قول علمائنا.

وروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي أوجبوا الطلاق بترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بكلمة الإيلاء عَلِيمٌ بهم.

وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، يعني وجب عليهن العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أي ثلاث حيض.

وقال بعضهم: ثلاثة أطهار.

وقال أكثر أهل العلم: المراد به الحيض.

وأصل القرء: الوقت.

وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات، ولكن المراد به الخصوص، لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات: الأمة والصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخولة.

ثم قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، يعني الحمل والحيض، لا يحل لها أن تقول: إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقول إن كن يصدقن بالله واليوم الاخر.

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما للرجال على النساء، يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعياً.

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، يقول بما عرف شرعاً، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي فضيلة في النفقة والمهر.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه الرجعة.

ثم بيّن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، فقال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، يعني يقول: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان.

فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، يعني إذا راجعها، يمسكها بمعروف، ينفق عليها، ويكسوها، ولا يؤذيها، ويحسن معاشرتها أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يؤدي حقها، ويخلي سبيلها.

ويقال: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها.

ويقال: يتركها حتى تنقضي عدتها.

ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال: أو تسرح بإحسان.

قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلق تطليقة أو تطليقتين، كان الزوج أحق بها وإذا طلقها الثالثة، كانت المرأة أحق بنفسها واحتج بقول الأعشى وكانت امرأته من بني مروان، فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته، فلما طلقها واحدة قالوا له: عد فطلقها الثانية، فلما طلقها الثانية قالوا له: عد فطلقها الثالثة، فعرف أنها بانت منه ولا تحل له، فقال عند ذلك: أَيَا جَارتِي بِينِي فإِنَّكِ طَالِقَه ...

كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَه وبَيِنِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ مِنَ العَصَا ...

وَأَنْ لاَ تَزَالُ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَه وَذُوقِي قَنَى الحَيِّ إنِّي ذَائِق ...

قَنَاة أُنَاسٍ مِثْلَ ما أنت ذائقة ثم قال تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.

نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وزوجها ثابت بن قيس وكانت تبغضه، فأتت رسول الله  فقالت: لا أنا ولا ثابت فقال لها: «أَتُرَدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» فقالت: نعم وزيادة.

فقال: «أَمَّا الزِّيَادَة، فلا» .

فدعا رسول الله  زوجها وخلعها من زوجها، فذلك قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من المهر إِلَّا أَنْ يَخافا، يعني: يعلما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي أمر الله فيما أمر ونهى.

قرأ حمزة يَخافا بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: بالنصب.

وقرأ ابن مسعود: إِلا أَنْ يخافوا.

ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، يقول: إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممَّا افتدت به المرأة، إن كان النشوز من قبل المرأة.

فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أن يأخذ، بدليل ما قاله في آية أخرى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] .

ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي أحكامه وفرائضه فَلا تَعْتَدُوها، أي لا تجاوزوها.

وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يقول: الضارون الشاقون بأنفسهم.

ويقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، يعني الطلاق مرتان، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة.

وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله بالتطليقة الثالثة، فأولئك هم الظالمون فَإِنْ طَلَّقَها الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الثالثة، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة.

وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثاً، وكانت تدعى تميمة بنت وهب، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فأتت النبيّ  وقالت: إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» فقالت: نعم.

قال: «لَيْسَ ذلك مَا لَمْ تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ» .

فذلك قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، يعني إذا طلقها الثالثة.

قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني واحدة أو اثنتين فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، يعني المرأة والزوج أَنْ يَتَراجَعا.

ويقال: فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما دخل عليها، فلا جناح عليهما- يعني المرأة والزوج الأول- أن يتراجعا، يعني أن يتزوجها مرة أخرى.

إِنْ ظَنَّا، يعني إن علما أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني.

قوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه، يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

ويقال: إنما قال: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، لأن الجاهل إذا بيّن له، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم يحفظ ويتعاهد.

فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال.

ثم وقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن يغتسلن، وقبل أن يخرجن من العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان.

قوله: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة.

وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض، وأرادت أن تغتسل، راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها عدتها.

فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً.

لِتَعْتَدُوا، أي لتظلموهن.

وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الإضرار، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار.

وقال الزجاج: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يعني عرَّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه، تعرض لعذاب الله، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

ثم قال: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، يعني القرآن لعباً.

ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقاً، ويجعلونه لعباً، فنزل: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.

قرأ عاصم في رواية حفص: هُزُواً بغير همز، وكذلك قوله: كُفُواً أَحَدٌ [الصمد: 4] والباقون: بالهمز.

وهما لغتان، ومعناهما واحد.

ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يقول: احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام.

وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ، يقول: احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ وَالْحِكْمَةِ يعني الفقه في القرآن يَعِظُكُمْ بِهِ، يقول: ينهاكم عن الضرار.

وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالكم فيجازيكم به.

وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يقول: انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه.

فنزلت هذه الآية: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ، أي يؤمر به.

مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي يصدق بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم، وَأَطْهَرُ من الريبة.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ من حب كل واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.

ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة، لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها، فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء.

وقال الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل، وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب.

وقال مقاتل: فدعا رسول الله  معقلاً، وقال: «إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنَاً فَلَا تَمْنَعْ أُخْتَكَ عَنْ أَبِي الدَّحْدَاحِ» ، فقال: آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح، كان للحاكم أن يزوجها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وبعقوبة الدنيا في إِلزام الكفَّارة، فيضعَّف القول بأنها اليمين المكفَّرة لأن المؤاخذة قد وَقَعَتْ فيها، وتخصيصُ المؤاخذة بأنها في الآخرة فقَطْ تحكُّم.

ت: والقولُ الأوَّل أرجح، وعليه عَوَّل اللَّخْميُّ وغيره.

وقوله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.

قال ابن عبَّاس وغيره: ما كسب القلْبُ هي اليمينُ الكاذبة الغموسُ «١» ، فهذه فيها المؤاخذة في الآخرةِ، أي: ولا تكفّر.

ع «٢» : وسمِّيت الغَمُوسَ لأنها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثم، وغَفُورٌ حَلِيمٌ:

صفتان لائقتان بما ذكر من طَرْح المؤاخذة، إذ هو باب رفق وتوسعة.

لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)

وقوله تعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ...

الآية: يُؤْلُونَ: معناه يَحْلِفُون، والإِيلاءُ: اليمين.

واختلف مَنِ المرادُ بلزومِ حكمِ الإِيلاء «٣» .

فقال مالكٌ: هو الرجل يغاضب امرأته،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ أيْ: حَقَّقُوهُ.

وفي عَزْمِ الطَّلاقِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ إذا مَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ أنْ يَفِيءَ، أوْ يُطَلِّقَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلَيَّ، وابْنِ عُمَرَ، وسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وعائِشَةَ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَكَمِ، وأبِي صالِحٍ.

وحَكاهُ أبُو صالِحٍ عَنِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحابَةِ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأحْمَدَ، والشّافِعِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ لا يَفِيءُ حَتّى يَمْضِيَ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، فَتُطَلَّقُ بِذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِطَلاقٍ.

واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ فِيما يَلْحَقُها مِنَ الطَّلاقِ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: طَلْقَةٌ بائِنَةٌ.

رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ، وعَلَيٍّ، وابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وقَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ.

والثّانِي: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: سَمِيعٌ لِطَلاقِهِ، عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ.

والثّانِي سَمِيعٌ لِيَمِينِهِ، عَلِيمٌ بِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمُ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكم واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ فَإنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ "اللَغْوِ": سَقَطَ الكَلامُ الَّذِي لا حُكْمَ لَهُ، ويُسْتَعْمَلُ في الهَجْرِ والرَفَثِ وما لا حُكْمَ لَهُ مِنَ الأيْمانِ تَشْبِيهًا بِالسَقْطِ مِنَ القَوْلِ، يُقالُ مِنهُ: لَغا يَلْغُو لَغْوًا، ولَغِيَ يَلْغِي لَغْيًا، ولُغَةُ القُرْآنِ بِالواوِ.

والمُؤاخَذَةُ: هي التَناوُلُ بِالعُقُوبَةِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في اليَمِينِ الَّتِي هي لَغْوٌ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعامِرُ الشَعْبِيُّ، وأبُو صالِحٍ، ومُجاهِدٌ: لَغْوُ اليَمِينِ: قَوْلُ الرَجُلِ في دُرْجِ كَلامِهِ واسْتِعْجالُهُ في المُحاوَرَةِ: لا واللهِ، وبَلى واللهِ دُونَ قَصْدٍ لِلْيَمِينِ.

ورُوِيَ «أنَّ قَوْمًا تَراجَعُوا القَوْلَ بَيْنَهم وهم يَرْمُونَ بِحَضْرَةِ النَبِيَّ  ، فَحَلَفَ أحَدُهم لَقَدْ أصَبْتُ وأخْطَأْتَ يا فُلانُ، فَإذا الأمْرُ بِخِلافِهِ، فَقالَ رَجُلٌ: حَنِثَ يا رَسُولَ اللهِ، فَقالَ النَبِيُّ  : أيْمانُ الرُماةِ لَغْوٌ، لا إثْمَ فِيها ولا كَفّارَةَ».

وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والحَسَنُ، ومالِكُ بْنُ أنَسٍ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَغْوُ اليَمِينِ ما حَلَفَ بِهِ الرَجُلُ عَلى يَقِينِهِ، فَكَشْفُ الغَيْبِ خِلافُ ذَلِكَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا اليَقِينُ هو غَلَبَةُ ظَنٍّ، أطْلَقَ الفُقَهاءُ عَلَيْهِ لِفْظَةَ اليَقِينِ تَجُوُّزًا.

قالَ مالِكٌ: مِثْلُهُ أنْ يَرى الرَجُلَ عَلى بُعْدٍ فَيَعْتَقِدُ أنَّهُ فُلانٌ، لا يَشُكُّ، فَيَحْلِفُ ثُمَّ يَجِيءُ غَيْرُ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعَبْدُ اللهِ وعُرْوَةُ ابْنا الزُبَيْرِ: لَغْوُ اليَمِينِ: الحَلِفُ في المَعاصِي كالَّذِي يَحْلِفُ لَيَشْرَبَنَّ الخَمْرَ، أو لَيَقْطَعَنَّ الرَحِمَ، فَبَرَّهُ تَرْكُ ذَلِكَ الفِعْلِ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مِثْلُهُ، إلّا أنَّهُ قالَ: يَكْفُرُ، فَأشْبَهَ قَوْلُهُ بِالكَفّارَةِ قَوْلَ مَن لا يَراها لَغْوًا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وطاوُوسٌ: لَغْوُ اليَمِينِ: الحِلْفُ في حالِ الغَضَبِ.

ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ: «لا يَمِينَ في غَضَبٍ».

وقالَ مَكْحُولُ الدِمَشْقِيُّ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: لَغْوُ اليَمِينِ: أنْ يُحَرِّمَ الرَجُلُ عَلى نَفْسِهِ ما أحَلَّ اللهُ، فَيَقُولُ: مالِي عَلَيَّ حَرامٌ إنْ فَعَلْتُ كَذا، أوِ الحَلالُ عَلَيَّ حَرامٌ.

وقالَ بِهَذا القَوْلِ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، إلّا في الزَوْجَةِ، فَإنَّهُ ألْزَمَ فِيها التَحْرِيمَ إلّا أنْ يُخْرِجَها الحالِفُ بِقَلْبِهِ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ: لَغْوُ اليَمِينِ: دُعاءُ الرَجُلِ عَلى نَفْسِهِ: أعْمى اللهِ بَصَرَهُ، أذْهَبُ اللهُ مالَهُ، هو يَهُودِيٌّ، هو مُشْرِكٌ، هو لُغَيَّةٌ إنْ فَعْلَ كَذا.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: لَغْوُ اليَمِينِ: هو المُكَفِّرَةُ، أيْ إذا كَفَّرْتَ اليَمِينَ فَحِينَئِذٍ سَقَطَتْ وصارَتْ لَغْوًا، ولا يُؤاخِذُ اللهُ بِتَكْفِيرِها والرُجُوعِ إلى الَّذِي هو خَيْرٌ.

وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: لَغْوُ اليَمِينِ: ما حَنِثَ فِيهِ الرَجُلُ ناسِيًا.

وحَكى ابْنُ عَبْدِ البَرِّ قَوْلًا: إنَّ اللَغْوَ أيْمانُ المُكْرَهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وطَرِيقَةُ النَظَرِ أنْ تَتَأمَّلَ لَفْظَةَ اللَغْوِ ولَفْظَةَ الكَسْبِ، ويَحْكُمَ مَوْقِعَهُما في اللُغَةِ، فَكَسْبُ المَرْءِ ما قَصَدَهُ ونَواهُ، واللَغْوُ ما لَمْ يَتَعَمَّدْهُ أو ما حَقُّهُ لِهَجَنَتِهِ أنْ يَسْقُطَ، فَيَقْوى عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ بَعْضُ الأقْوالِ المُتَقَدِّمَةِ ويَضْعُفُ بَعْضُها.

وقَدْ رَفَعَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤاخَذَةَ بِالإطْلاقِ في اللَغْوِ، فَحَقِيقَتُهُ ما لا إثْمَ فِيهِ ولا كَفّارَةَ.

والمُؤاخَذَةُ في الأيْمانِ هي بِعُقُوبَةِ الآخِرَةِ في الغَمُوسِ المَصْبُورَةِ -وَفِيما تَرَكَ تَكْفِيرُهُ مِمّا فِيهِ كَفّارَةٌ- وبِعُقُوبَةِ الدُنْيا في إلْزامِ الكَفّارَةِ فَيَضْعُفُ القَوْلُ بِأنَّها اليَمِينُ المُكَفِّرَةُ لِأنَّ المُؤاخَذَةَ قَدْ وقَعَتْ فِيها وتَخْصِيصُ المُؤاخَذَةِ بِأنَّها في الآخِرَةِ فَقَطْ تَحْكُمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والنَخْعِيُّ وَغَيْرُهُما: ما كَسَبَ القَلْبُ: هي اليَمِينُ الكاذِبَةُ الغَمُوسُ، فَهَذِهِ فِيها المُؤاخَذَةُ في الآخِرَةِ، والكَفّارَةُ إنَّما هي فِيما يَكُونُ لَغْوًا إذا كَفَرَ.

وقالَ مالِكٌ وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: الغَمُوسُ لا تَكْفُرُ، هي أعْظَمُ ذَنْبًا مِن ذَلِكَ.

وقالَ الشافِعِيُّ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، والرَبِيعُ: اليَمِينُ الغَمُوسُ تُكَفَّرُ، والكَفّارَةُ مُؤاخَذَةٌ، والغَمُوسُ: ما قَصَدَ الرَجُلُ في الحَلِفِ بِهِ الكَذِبَ، وكَذَلِكَ اليَمِينُ المَصْبُورَةُ، المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، ولَكِنَّ الغَمُوسَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها غَمَسَتْ صاحِبَها في الإثْمِ، والمَصْبُورَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها صَبْرُها مُغالَبَةٌ وقُوَّةٌ عَلَيْها، كَما يَصْبِرُ الحَيَوانُ لِلْقَتْلِ والرَمْيِ.

وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ هو في الرَجُلِ يَقُولُ: هو مُشْرِكٌ إنْ فَعَلَ، أيْ هَذا لَغْوٌ إلّا أنْ يَعْقِدَ الإشْراكُ بِقَلْبِهِ ويَكْسِبُهُ.

و ﴿ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ لائِقَتانِ بِما ذَكَرَ مِن طَرْحِ المُؤاخَذَةِ، إذْ هو بابُ رِفْقٍ وتَوْسِعَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: "لِلَّذِينِ يُقْسِمُونَ"، و"يُؤْلُونَ": مَعْناهُ: يَحْلِفُونَ، يُقالُ: آلى الرَجُلُ يُولِي إيلاءً، والألْيَةُ اليَمِينُ، ويُقالُ فِيها أيْضًا: ألْوَةٌ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِضَمِّها وبِكَسْرِها.

والتَرَبُّصُ: التَأنِّي والتَأخُّرُ، وكانَ مِن عادَةِ العَرَبِ أنْ يَحْلِفَ الرَجُلُ ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ، يَقْصِدُ بِذَلِكَ الأذى عِنْدَ المُشارَّةِ ونَحْوِها، فَجَعَلَ اللهُ تَعالى في ذَلِكَ هَذا الحَدَّ لِئَلّا يَضُرُّ الرِجالُ بِالنِساءِ، وبَقِيَ لِلْحالِفِ عَلى هَذا المَعْنى فُسْحَةٌ فِيما دُونَ الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ.

واخْتُلِفَ، مَنِ المُرادُ أنْ يَلْزَمَهُ حُكْمُ الإيلاءِ؟

فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: هو الرَجُلُ يُغاضِبُ امْرَأتَهُ فَيَحْلِفُ بِيَمِينٍ -يَلْحَقُ عَنِ الحِنْثِ فِيها حُكْمٌ- ألّا يَطَأها -ضَرَرًا مِنهُ- أكْثَرَ مِن أرْبَعَةِ أشْهُرٍ، لا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إصْلاحَ ولَدٍ رَضِيعٍ ونَحْوِهِ.

وقالَ بِهِ عَطاءٌ وغَيْرُهُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هو الرَجُلُ يَحْلِفُ ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ عَلى وجْهِ مُغاضَبَةٍ ومُشارَّةٍ، وسَواءٌ كانَ في ضِمْنِ ذَلِكَ إصْلاحُ ولَدٍ أو لَمَ يَكُنْ.

فَإنْ لَمْ يَكُنْ عن غَضَبٍ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا إيلاءَ إلّا بِغَضَبٍ.

وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَواءٌ كانَتِ اليَمِينُ في غَضَبٍ أو غَيْرِ غَضَبٍ هو إيلاءٌ.

وقالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والثَوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأهْلُ العِراقِ.

إلّا أنَّ مالِكًا قالَ: ما لَمْ يُرِدْ إصْلاحَ ولَدٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وسالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وابْنُ المُسَيِّبِ: كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَها الرَجُلُ، ألّا يَطَأ امْرَأتَهُ، أو ألّا يُكَلِّمَها، أو أنْ يُضارَّها، أو أنْ يُغاضِبَها، فَذَلِكَ كُلُّهُ إيلاءٌ.

وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ مِنهُمْ- إلّا أنَّهُ إنْ حَلَفَ ألّا يُكَلِّمَ وكانَ يَطَأُ فَلَيْسَ بِإيلاءٍ، وإنَّما تَكُونُ اليَمِينُ عَلى غَيْرِ الوَطْءِ إيلاءً إذا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ الِامْتِناعِ مِنَ الوَطْءِ.

وأقْوالٌ مِن ذَكَرْناهُ -مَعَ سَعِيدٍ - مُسَجَّلَةٌ مُحْتَمَلَةٌ ما قالَ سَعِيدٌ، ومُحْتَمَلَةٌ أنَّ فَسادَ العِشْرَةِ إيلاءٌ، وذَهَبَ إلى هَذا الِاحْتِمالِ الأخِيرِ الطَبَرِيُّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: لا يُسَمّى مُوَلِيًا إلّا الَّذِي يَحْلِفُ ألّا يَطَأ أبَدًا، حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ.

وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ: لا يَكُونُ مُولِيًا إلّا إنْ زادَ عَلى الأرْبَعَةِ الأشْهَرِ.

وقالَ عَطاءٌ، والثَوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَأْيِ: الإيلاءُ أنْ يَحْلِفَ عَلى أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فَصاعِدًا.

وقالَ قَتادَةُ، والنَخْعِيُّ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وإسْحاقُ، وابْنُ أبِي لَيْلى: مَن حَلَفَ عَلى قَلِيلٍ مِنَ الوَقْتِ أو كَثِيرٍ فَتَرَكَها أرْبَعَةَ أشْهُرٍ فَهو مُوَلٍّ، قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وأنْكَرَ هَذا القَوْلَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن نِسائِهِمْ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الحَرائِرُ والإماءُ إذا تَزَوَّجْنَ.

والعَبْدُ يَلْزَمُهُ الإيلاءُ مِن زَوْجَتِهِ.

وقالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ وأبُو ثَوْرٍ: أجْلُهُ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وقالَ مالِكٌ، والزُهْرِيُّ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وإسْحاقُ: أجَلُهُ شَهْرانِ.

وقالَ الحَسَنُ: أجَلُهُ مِن حُرَّةٍ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، ومِن أمَةٍ زَوْجَةٍ شَهْرانِ، وقالَهُ النَخْعِيُّ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: الإيلاءُ مِنَ الأُمَّةِ نِصْفُ الإيلاءِ مِنَ الحُرَّةِ.

وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وأصْحابُ الرَأْيِ، والأوزاعِيُّ، والنَخْعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: المَدْخُولُ بِها وغَيْرُ المَدْخُولِ بِها سَواءٌ في لُزُومِ الإيلاءِ فِيهِما.

وقالَ الزُهْرِيُّ، وعَطاءٌ، والثَوْرِيُّ: لا إيلاءَ إلّا بَعْدَ الدُخُولِ.

وقالَ مالِكٌ: ولا إيلاءَ مِن صَغِيرَةٍ لَمْ تَبْلُغْ، فَإنْ آلى مِنها فَبَلَغَتْ لَزِمَهُ الإيلاءُ مِن يَوْمِ بُلُوغِها.

وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وأبُو الدَرْداءِ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وطاوُوسٌ، ومالكٌ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وأبُو عُبَيْدٍ: إذا انْقَضَتِ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ وقَفَ، فَإمّا فاءَ وإمّا طَلَّقَ، وإلّا طَلَّقَ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ أيْضًا، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ، ومَسْرُوقٌ: بِانْقِضاءِ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ دَخَلَ عَلَيْهِ الطَلاقُ دُونَ تَوْقِيفٍ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الطَلاقِ الداخِلِ عَلى المُولِي؛ فَقالَ عُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَطاءٌ، والنَخْعِيُّ، والأوزاعِيُّ، وغَيْرُهُمْ: هي طَلْقَةٌ بائِنَةٌ لا رَجْعَةَ لَهُ فِيها.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرٍ بْنُ عَبْدِ الرَحْمَنِ، ومَكْحُولٌ، والزُهْرِيُّ، ومالِكٌ: هي رَجْعِيَّةٌ.

و"فاءُوا" مَعْناهُ: رَجَعُوا، ومِنهُ: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللهِ  ﴾ "والفَيْءُ": الظِلُّ الراجِعُ عَشِيًّا.

وَقالَ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.

إذا فاءَ المُولِي ووَطِئَ فَلا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في يَمِينِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ فاءُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ ما حَلَفَ في مَعْصِيَةٍ، وتَرْكُ وطْءِ الزَوْجَةِ مَعْصِيَةٌ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إذا فاءَ كَفَرَ، والفَيْءُ عِنْدَ ابْنِ المُسَيِّبِ، وابْنِ جُبَيْرٍ: لا يَكُونُ إلّا بِالجِماعِ.

وإنْ كانَ مَسْجُونًا أو في سَفَرٍ مَضى عَلَيْهِ حُكْمُ الإيلاءِ إلّا أنْ يَطَأ، ولا عُذْرَ لَهُ ولا فَيْءَ بِقَوْلٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَكُونُ الفَيْءُ إلّا بِالوَطْءِ أو بِالتَكْفِيرِ في حالِ العُذْرِ كالغائِبِ والمَسْجُونِ.

قالَ ابْنُ القاسِمِ في المُدَوَّنَةِ: إلّا أنْ تَكُونَ يَمِينُهُ مِمّا لا يُكَفِّرُها لِأنَّها لا تَقَعُ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ الحِنْثِ، فَإنَّ القَوْلَ يَكْفِيهِ ما دامَ مَعْذُورًا.

واخْتَلَفَ القَوْلُ في المُدَوَّنَةِ في اليَمِينِ بِاللهِ تَعالى؛ هَلْ يُكْتَفى فِيهِ بِالفَيْءِ بِالقَوْلِ والعَزْمِ عَلى التَكْفِيرِ أمْ لا بُدَّ مِنَ التَكْفِيرِ، وإلّا فَلا فَيْءَ؟

وقالَ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ وغَيْرُهُمْ: الفَيْءُ مِن غَيْرِ المَعْذُورِ الجِماعُ، ولا بُدَّ ومِنَ المَعْذُورِ أنْ يَشْهَدَ أنَّهُ قَدْ فاءَ بِقَلْبِهِ.

وقالَ النَخْعِيُّ أيْضًا: يَصِحُّ الفَيْءُ بِالقَوْلِ والإشْهادِ فَقَطْ، ويَسْقُطُ حُكْمُ الإيلاءِ، أرَأيْتَ إنْ لَمْ يَنْتَشِرْ لِلْوَطْءِ؟

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَرْجِعُ في هَذا القَوْلِ إنْ لَمْ يَطَأْ إلى بابِ الضَرَرِ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "فَإنَّ فاؤُوا فِيهِنَّ".

ورُوِيَ عنهُ: "فَإنَّ فاؤُوا فِيها".

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَلاقَ ﴾ الآيَةُ.

قالَ القائِلُونَ: إنَّ بِمُضِيِّ الأرْبَعَةِ أشْهُرٍ يَدْخُلُ الطَلاقُ، عَزِيمَةُ الطَلاقِ هي تَرْكُ الفَيْءِ، حَتّى تَنْصَرِمَ الأشْهُرُ.

وقالَ القائِلُونَ: لا بُدَّ مِنَ التَوْقِيفِ بَعْدَ تَمامِ الأشْهُرِ، والعَزِيمَةُ: هي التَطْلِيقُ أوِ الإبانَةُ وقْتَ التَوْقِيفِ حَتّى يُطَلِّقَ الحاكِمُ، واسْتَدَلَّ مَن قالَ بِالتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: "سَمِيعٌ"، لِأنَّ هَذا الإدْراكَ إنَّما هو في المَقُولاتِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَإنْ عَزَمُوا السَراحَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف ابتدائي للانتقال إلى تشريع في عمل كان يغلب على الرجال أن يعملوه في الجاهلية، والإسلام.

كان من أشهر الأيمان الحائلة بين البر والتقوى والإصلاح، أيمان الرجال على مهاجرة نسائهم، فإنها تجمع الثلاثة؛ لأن حسن المعاشرة من البر بين المتعاشرين، وقد أمر الله به في قوله: ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ [النساء: 19] فامتثاله من التقوى، ولأن دوامه من دوام الإصلاح، ويحدث بفقده الشقاق، وهو مناف للتقوى.

وقد كان الرجل في الجاهلية يولي من امرأته السنة والسنتين، ولا تنحل يمينه إلاّ بعد مضي تلك المدة، ولا كلام للمرأة في ذلك.

وعن سعيد بن المسيب: «كان الرجل في الجاهلية لا يريد المرأة، ولا يحب أن يطلقها، لئلا يتزوجها غيره، فكان يحلف ألاّ يقربها مضارة للمرأة» أي ويقسم على ذلك لكيلا يعود إليها إذا حصل له شيء من الندم.

قال: «ثم كان أهل الإسلام يفعلون ذلك، فأزال الله ذلك، وأمهل للزوج مدة حتى يتروى» فكان هذا الحكم من أهم المقاصد في أحكام الأيمان، التي مهد لها بقوله: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة ﴾ [البقرة: 224].

والإيلاء: الحلف، وظاهر كلام أهل اللغة أنه الحلف مطلقاً يقال آلى يولي إيلاء، وتألى يتألى تألياً، وائتلى يأتلي ائتلاء، والاسم الألوَّة والألية، كلاهما بالتشديد، وهو واوي فالألوة فعولة والألية فعيلة.

وقال الراغب: «الإيلاء حلف يقتضي التقصير في المحلوف عليه مشتق من الألو وهو التقصير قال تعالى: ﴿ لا يألونكم خبالاً ﴾ [آل عمران: 118] ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ﴾ [النور: 22] وصار في الشرع الحلف المخصوص» فيؤخذ من كلام الراغب أن الإيلاء حلف على الامتناع والترك؛ لأن التقصير لا يتحقق بغير معنى الترك؛ وهو الذي يشهد به أصل الاشتقاق من الألو، وتشهد به موارد الاستعمال، لأنا نجدهم لا يذكرون حرف النفي بعد فعل آلى ونحوه كثيراً، ويذكرونه كثيراً، قال المتلمس: آلَيْتُ حبَّ العِرَاققِ الدَّهْرَ أَطْعَمُه *** وقال تعالى: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ﴾ [النور: 22] أي على أن يؤتوا وقال تعالى هنا: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ فَعدَّاه بمِنْ، ولا حاجة إلى دعوى الحذف والتضمين.

وأيَّاً مَّا كان فالإيلاء بعد نزول هذه الآية، صار حقيقة شرعية في هذا الحَلِف على الوصف المخصوص.

ومجيء اللام في ﴿ للذين يؤلون ﴾ لبيان أن التربص جعل توسعة عليهم، فاللام للأَجْل مثل هَذا لَكَ ويعلم منه معنى التخيير فيه، أي ليس التربص بواجب، فللمولى أَن يفئ في أقل من الأشهر الأربعة.

وعدى فعل الإيلاء بمِن، مع أن حقه أن يعدَّى بعلى؛ لأنه ضمن هنا معنى البُعد، فعدي بالحرف المناسب لفعل البُعد، كأنه قال: للذين يؤلون متباعدين من نسائهم، فمِنْ للابتداء المجازي.

والنساء: الزوجات كما تقدم في قوله: ﴿ فاعتزلوا النساء في المحيض ﴾ [البقرة: 222] وتعليق الإيلاء باسم النساء من باب إضافة التحليل والتحريم ونحوهما إلى الأعيان، مثل ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ [النساء: 23] وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة ﴾ [البقرة: 173].

والتربص: انتظار حصول شيء لغير المنتظِر، وسيأتي الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ [البقرة: 228]، وإضافة تربص إلى أربعة أشهر إضافة على معنى «في» كقوله تعالى: ﴿ بل مكر الليل ﴾ [سبأ: 33].

وتقديم ﴿ للذين يؤلون ﴾ على المبتدأ المسند إليه، وهو تربص، للاهتمام بهذه التوسعة التي وسع الله على الأزواج، وتشويق لذِكْر المسند إليه.

و ﴿ فاءوا ﴾ رجعوا أي رجعوا إلى قربان النساء، وحذف متعلق ﴿ فاءوا ﴾ بالظهور المقصود.

والفَيْئة تكون بالتكفير عن اليمين المذكورة في سورة العقود.

وقوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دليل الجواب، أي فحنثهم في يمين الإيلاء مغفور لهم؛ لأن الله غفور رحيم.

وفيه إيذان بأن الإيلاء حرام، لأن شأن إيلائهم الوارد فيه القرآن، قصدُ الإضرار بالمرأة.

وقد يكون الإيلاء مباحاً إذا لم يقصد به الإضرار ولم تطل مدته كالذي يكون لقصد التأديب، أو لقصد آخر معتبر شرعاً، غير قصد الإضرار المذموم شرعاً.

وقد آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه شَهْراً، قيل: لمرض كان برجله، وقيل: لأجل تأديبهن؛ لأنهن قد لقين من سعة حلمه ورفقه ما حدا ببعضهن إلى الإفراط في الإدلال، وحمَل البقية على الاقتداء بالأخريات، أو على استحسان ذلك.

والله ورسوله أعلم ببواطن الأمور.

وأما جواز الإيلاء للمصلحة كالخوف على الولد من الغَيْل، وكالحُمْية من بعض الأمراض في الرجل والمَرأة، فإباحته حاصلة من أدلة المصلحة ونفي المضرة، وإنما يحصل ذلك بالحلف عند بعض الناس، لما فيهم من ضعف العزم واتهام أنفسهم بالفلتة في الأمرِ، إن لم يقيدوها بالحلف.

وعَزم الطلاق: التصميم عليه، واستقرار الرأي فيه بعد التأمل وهو شيء لا يحصل لكل مُوللٍ من تلقاء نفسه، وخاصة إذا كان غالب القصد من الإيلاء المغاضبة والمضارة، فقوله: ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ دليل على شرط محذوف، دل عليه قوله: ﴿ فإن فاءو ﴾ فالتقدير: وإن لم يفيئوا فقد وجب عليهم الطلاق، فهم بخير النظرين بين أن يفيئوا أو يطلقوا فإن عزموا الطلاق فقد وقع طلاقهم.

وقوله ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ دليل الجواب، أي فقد لزمهم وأمضى طلاقهم، فقد حد الله للرجال في الإيلاء أجلاً محدوداً، لا يتجاوزونه، فإما أن يعودوا إلى مضاجعة أزواجهم، وإما أن يطلقوا، ولا نمدوحة لهم غير هذين.

وقد جعل الله للمولي أجلاً وغاية، أما الأجل فاتفق عليه علماء الإسلام، واختلفوا في الحالف على أقل من أربعة أشهر، فالأئمة الأربعة على أنه ليس بإيلاء، وبعض العلماء: كإسحاق بن راهويه وحماد يقول: هو إيلاء، ولا ثمرة لهذا الخلاف فيما يظهر، إلاّ ما يترتب على الحلف بقصد الضرِّ من تأديب القاضي إياه إذا رفعت زوجه أمرها إلى القاضي ومِن أمرِه إياه بالفَيْئَة.

وأما الغاية فاختلفوا أيضاً في الحاصل بعد مضي الأجل، فقال مالك والشافعي: إن رفعته امرأته بعد ذلك يوقف لدى الحاكم، فإما أن يفئ أو يطلق بنفسه، أو يطلق الحاكم عليه، وروي ذلك عن اثنى عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة: إن مضت المدة ولم يفيءْ فقد بانت منه، واتفق الجميع على أن غير القادر يكفي أن يفيء بالعزم، والنية، وبالتصريح لدى الحاكم، كالمريض والمسجون والمسافر.

واحتج المالكية بأن الله تعالى قال: ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ فدل على أن هنالك مسموعاً؛ لأن وصف الله بالسميع معناه العليم بالمسموعات، على قول المحققين من المتكلمين، لا سيما وقد قرن بعليم، فلم يبق مجال لاحتمال قول القائلين من المتكلمين بأن السميع مرادف للعليم وليس المسموع إلاّ لفظ المولي، أو لفظ الحاكم، دون البينونة الاعتبارية.

وقوله ﴿ عليم ﴾ يرجع للنية والقصد.

وقال الحنفية ﴿ سميع ﴾ لإيلائه، الذي صار طلاقاً بمضي أجله، كأنهم يريدون أن صيغة الإيلاء جعلها الشرع سبب طلاق، بشرط مضي الأمد ﴿ عليم ﴾ بنية العازم على ترك الفَيئة.

وقول المالكية أصح؛ لأن قوله: ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ جُعل مفرعاً عن عزم الطلاق لا عن أصل الإيلاء؛ ولأن تحديد الآجال وتنهيتها موكول للحكام.

وقد خفي على الناس وجه التأجيل بأربعة أشهر، وهو أجل حدده الله تعالى، ولم نطلع على حكمته، وتلك المدة ثلث العام، فلعلها ترجع إلى أن مثلها يعتبر زمناً طويلاً، فإن الثلث اعتبر معظم الشيء المقسوم، مثل ثلث المال في الوصية، وأشار به النبي عليه الصلاة والسلام على عبد الله بن عمرو بن العاص في صوم الدهر.

وحاول بعض العلماء توجيهه بما وقع في قصة مأثورة عن عمر بن الخطاب، وعزا ابن كثير في «تفسيره» روايتها لمالك في «الموطأ» عن عبد الله بن دينار.

ولا يوجد هذا في الروايات الموجودة لدينا: وهي رواية يحيى بن يحيى الليثي، ولا رواية ابن القاسم والقعنبي وسويد بن سعيد ومحمد بن الحسن الشيباني، ولا رواية يحيى بن يحيى بن بكير التميمي التي يرويها المهدي بن تومرت، فهذه الروايات التي لدينا فلعلها مذكورة في رواية أخرى لم نقف عليها.

وقد ذكر هذه القصة أبو الوليد الباجي في شرحه على الموطأ المسمى «بالمنتقى»، ولم يعزها إلى شيء من روايات «الموطأ»: أن عمر خرج ليلة يطوف بالمدينة يتعرف أحوال الناس فمر بدار سمع امرأة بها تنشد: أَلاَ طَالَ هذا الليلُ واسَود جانبه *** وأَرَّقني أَن لا خليلَ أُلاَعِبُه فلولا حذار الله لا شيء غيره *** لَزعزعَ من هذا السرير جوانبه فاستدعاها من الغد فأخبرته أن زوجها أرسل في بعث العراق، فاستدعى عمر نساء فسألهن عن المدة التي تستطيع المرأة فيها الصبر على زوجها قلن شهران ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد في أربعة أشهر وقيل إنه سأل ابنته حفصة فأمر عمر قواد الأجناد ألا يمسكوا الرجل في الغزو أكثر من أربعة أشهر، فإذا مضت استردَّ الغازين ووجه قوماً آخرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ﴾ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُؤْلُونَ ﴾ أيْ يُقْسِمُونَ، والألْيَةُ: اليَمِينُ، قالَ الشّاعِرُ: كُفِينا مِن تَعَنُّتٍ مِن نِزارٍ وأحْلَلْنا إلَيْهِ مُقْسِمِينا وَفِي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: لِلَّذِينِ يُؤْلُونَ أنْ يَعْتَزِلُوا مِن نِسائِهِمْ لَكِنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الكَلامِ.

واخْتَلَفُوا في اليَمِينِ الَّتِي يَصِيرُ بِها مُولِيًا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي اليَمِينُ بِاللَّهِ وحْدَهُ.

والثّانِي: هي كُلُّ عَيْنٍ لَزِمَ الحَلِفُ في الحِنْثِ بِها ما لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَهُ وكِلا القَوْلَيْنِ عَنِ الشّافِعِيِّ.

واخْتَلَفُوا في الَّذِي إذا حَلَفَ عَلَيْهِ صارَ مُولِيًا عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى امْرَأتِهِ في حالِ الغَضَبِ عَلى وجْهِ الإضْرارِ بِها، أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، وأمّا إنْ حَلَفَ عَلى غَيْرِ وجْهِ الإضْرارِ، وعَلى غَيْرِ الغَضَبِ فَلَيْسَ بِمُولٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ.

والثّانِي: هو أنْ يَحْلِفَ أنْ لا يُجامِعَها في فَرْجِها، سَواءٌ كانَ في غَضَبٍ أوْ غَيْرِ غَضَبٍ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ.

والثّالِثُ: هو كُلُّ يَمِينٍ حَلَفَ بِها في مَساءَةِ امْرَأتِهِ عَلى جِماعٍ أوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ: واللَّهِ لَأسُوءَنَّكِ أوْ لَأغِيظَنَّكِ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ فاءُوا ﴾ يَعْنِي رَجَعُوا، والفَيْءُ والرُّجُوعُ مِن حالٍ إلى حالٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ  ﴾ أيْ تَرْجِعَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَفاءَتْ ولَمْ تَقْضِ الَّذِي أقْبَلَتْ لَهُ ∗∗∗ ومِن حاجَةِ الإنْسانِ ما لَيْسَ قاضِيا وَفِي الفَيْءِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الجِماعُ لا غَيْرَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى الجِماعِ دُونَ غَيْرِهِ.

والثّانِي: الجِماعُ لِغَيْرِ المَعْذُورِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ وهو قَوْلُ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: هو المُراجَعَةُ بِاللِّسانِ بِكُلِّ غالِبٍ أنَّهُ الرِّضا، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَن قالَ: إنَّ المُولِيَ هو الحالِفُ عَلى مَساءَةِ زَوْجَتِهِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أرادَ غُفْرانَ الإثْمِ وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّانِي: غَفُورٌ بِتَخْفِيفِ الكَفّارَةِ وإسْقاطِها، وهَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ فِيما كانَ الحِنْثُ بِرًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ.

والثّالِثُ: غَفُورٌ لِمَأْثَمِ اليَمِينِ، رَحِيمٌ في تَرْخِيصِ المَخْرَجِ مِنها بِالتَّكْفِيرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ ﴾ الآيَةَ.

قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (وَإنْ عَزَمُوا السَّراحَ)، وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ عَزِيمَةَ الَّذِي لا يَفِيءُ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَتُطَلَّقَ بِذَلِكَ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا في الطَّلاقِ الَّذِي يَلْحَقُها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: طَلْقَةٌ بائِنَةٌ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ زَيْدٍ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ المُسَيِّبِ، وأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنِ شُبْرُمَةَ.

الثّانِي: أنْ تَمْضِيَ الأرْبَعَةُ الأشْهُرُ، يَسْتَحِقُّ عَلَيْها أنْ يَفِيءَ، أوْ يُطَلِّقَ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ في رِوايَةِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، وابْنِ أبِي لَيْلى عَنْهُ، وعُثْمانَ في رِوايَةِ طاوُسٍ عَنْهُ، وأبِي الدَّرْداءِ وعائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةِ نافِعٍ عَنْهُ.

رَوى سُهَيْلُ بْنُ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: (سَألْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  عَنِ الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأتِهِ فَكُلُّهم يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتّى تَمْضِيَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ فَيُوقِفَ، فَإنْ فاءَ وإلّا طَلَّقَ) وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ، وأهْلِ المَدِينَةِ.

والثّالِثُ: لَيْسَ الإيلاءُ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، في رِوايَةِ عَمْرٍو بْنِ دِينارٍ عَنْهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَسْمَعُ إيلاءَهُ.

والثّانِي: يَسْمَعُ طَلاقَهُ.

وَفي ( عَلِيمٌ ) تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْلَمُ نِيَّتَهُ.

والثّانِي: يَعْلَمُ صَبْرَهُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عبّاس أنه كان يقرأ وإن عزموا السراح.

وأخرج ابن جرير عن عمر بن الخطاب أنه قال في الإِيلاء إذا مضت أربعة أشهر لا شيء عليه حتى توقف فيطلق أو يمسك.

وأخرج الشافعي وابن جرير والبيهقي عن طاوس أن عثمان كان يوقف المولي وفي لفظ كان لا يرى الإِيلاء شيئاً وإن مضت الأربعة أشهر حتى يوقف.

وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه طلاق وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف فإما أن يطلق وإما أن يفيء.

وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير والبيهقي عن ابن عمر قال أيما رجل آلى من امرأته فإنه إذا مضى أربعة أشهر وقف حتى يطلق أو يفيء ولا يقع عليه الطلاق إذا مضت الأربعة أشهر حتى يوقف.

وأخرج البخاري وعبد بن حميد عن ابن عمر قال الإِيلاء الذي سمى الله لا يحل لأحد بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم الطلاق كما أمره الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي الدرداء في رجل آلى من امرأته قال يوقف عند انقضاء الأربعة أشهر فإما أن يطلق وإما أن يفيء.

وأخرج الشافعي وابن جرير والبيهقي عن عائشة أنها كانت إذا ذكر لها الرجل يحلف أن لا يأتي امرأته فيدعها خمسة أشهر لا ترى ذلك شيئاً حتى يوقف وتقول كيف قال الله إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي عن قتادة أن أبا ذر وعائشة قالا يوقف المولي بعد انقضاء المدة فإما أن يفيء وإما أن يطلق.

وأخرج الشافعي واليهقي عن سليمان بن يسار قال أدركت بضعة عشر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يقول يوقف المولي.

وأخرج ابن جرير والدارقطني والبيهقي من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال سألت اثني عشر رجلاً من الصحابة عن الرجل يولي من امرأته فكلهم يقول ليس عليه شيء حتى تمضي الأربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق.

وأخرج البيهقي عن ثابت بن عبيدة مولى زيد بن ثابت عن اثني عشر رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الإِيلاء لا يكون طلاقاً حتى يوقف.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عمر وابن عباس قالوا الإِيلاء تطليقة بائنة إذا مرت أربعة أشهر قبل أن يفيء فهي أملك بنفسها.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر.

وأخرج عبد بن حميد عن أيوب قال قلت لابن جبير: أكان ابن عباس يقول في الإِيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وتزوّج ولا عدة عليها؟

قال: نعم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن ابن مسعود قال إذا آلى الرجل من امرأته فمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وتعتد بعد ذلك ثلاثة قروء ويخطبها زوجها في عدتها ولا يخطبها غيره فإذا انقضت عدتها خطبها زوجها وغيره.

وأخرج عبد بن حميد عن علي في الإِيلاء قال إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة ولا يخطبها هو ولا غيره إلا من بعد انقضاء العدة.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في رجل قال لامرأته إن قربتك سنة فأنت طالق ثلاثاً إن قربها قبل السنة فهي طالق ثلاثاً وإن تركها حتى تمضي الأربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة فإن تزوجها قبل انقضاء السنة فإنه يمسك عن غشيانها حتى تنقضي السنة ولا يدخل عليه إيلاء.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم النخعي في رجل قال لامرأته إن قربتك إلى سنة فأنت طالق قال إن قربها بانت منه وإن تركها حتى تمضي الأربعة أشهر فقد بانت منه بتطليقة فإن تزوّجها فغشيها قبل انقضاء السنة بانت منه وإن لم يقربها حتى تمضي الأربعة أشهر، فإنه يدخل عليه إيلاء آخر.

وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن.

أنهما كانا يقولان في الرجل يولي من امرأته: أنها إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة واحدة، ولزوجها عليها رجعة ما كانت في العدة.

وأخرج مالك عن ابن شهاب قال: إيلاء العبد نحو إيلاء الحر وهو واجب، وإيلاء العبد شهران.

وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب قال: إيلاء العبد شهران.

وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال إيلاء العبد من الأمة أربعة أشهر.

وأخرج عن معمر عن قتادة قال: إيلاء العبد من الحرة أربعة أشهر.

وأخرج مالك عن عبدالله بن دينار قال: خرج عمر بن الخطاب من الليل يسمع امرأة تقول: تطاول هذا الليل واسود جانبه ** وأرقني أن لا خليل ألاعبه فوالله لولا الله أني أراقبه ** لحرك من هذا السرير جوانبه فسأل عمر ابنته حفصة كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟

فقالت: ستة أشهر، أو أربعة.

فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك.

وأخرج ابن اسحق وابن أبي الدنيا في كتاب الأشراف عن السائب بن جبير مولى ابن عباس وكان قد أدرك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما زلت أسمع حديث عمر أنه خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيراً إذ مر بامرأة من نساء العرب مغلقة بابها وهي تقول: تطاول هذا الليل تسري كواكبه ** وأرقني أن لا ضجيع ألاعبه فوالله لولا الله لا شيء غيره ** لحرك من هذا السرير جوانبه وبت ألاهي غير بدع ملعن ** لطيف الحشا لا يحتويه مضاجعه يلاعبني طوراً وطوراً كأنما ** بدا قمراً في ظلمة الليل حاجبه يسر به من كان يلهو بقربه ** يعاتبني في حبه واعاتبه ولكنني أخشى رقيبا موكلا ** بأنفسنا لا يفتر الدهر كاتبه ثم تنفست الصعداء، وقالت: أشكو عمر بن الخطاب وحشتي في بيتي، وغيبة زوجي علي، وقلة نفقتي.

فلان لها عمر يرحمه الله، فلما أصبح بعث إليها بنفقة وكسوة، وكتب إلى عامله يسرح إليها زوجها.

وأخرج ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: سأل عمر ابنته حفصة كم تصبر المرأة عن الرجل؟

فقلت: ستة أشهر فقال: لا جرم، لا أحبس رجلاً أكثر من ستة أشهر.

وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن محمد بن معن قال: أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل، وأنا أكره أن أشكوه إليك وهو يقوم بطاعة الله.

فقال لها: جزاك الله خيراً من مثنية على زوجها.

فجعلت تكرر عليه القول وهو يكرر عليها الجواب، وكان كعب بن سوار الاسدي حاضراً فقال له: اقض يا أمير المؤمنين بينها وبين زوجها.

فقال: وهل فيما ذكرت قضاء، فقال: إنها تشكو مباعدة زوجها لها عن فراشها وتطلب حقها في ذلك.

فقال له عمر: أما لأن فهمت ذلك فاقض بينهما.

فقال كعب: علي بزوجها، فأحضر فقال: إن امرأتك تشكوك.

فقال: قصرت في شيء من نفقتها؟

قال: لا.

فقالت المرأة: يا أيها القاضي الحكيم برشده ** ألهى خليلي عن فراشي مسجده نهاره وليله ما يرقده ** فلست في حكم النساء أحمده زهده في مضجعي تعبده ** فاقض القضا يا كعب لا تردده فقال زوجها: زهّدَني في فرشها وفي الحجل ** إني امرؤ أزهد فيما قد نزل في سورة النحل وفي السبع الطول ** وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب: إن خير القاضيين من عدل ** وقضى بالحق جهرا وفصل إن لها حقا عليك يا رجل ** تصيبها في أربع لمن عقل قضية من ربها عز وجل ** فاعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال: إن الله قد أباح لك من النساء أربعاً، فلك ثلاثة أيام ولياليها تعبد فيها ربك، ولها يوم وليلة.

فقال عمر: والله ما أدري من أي امريك أعجب.

أمن فهمك أمرها أم من حكمك بينهما!

اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.

وأخرج البيهقي في الدلائل عن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وعمر بن الخطاب معه، فعرضت امرأة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ادعي زوجك فدعته وكان ضراراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تقول امرأتك يا عبدالله؟

فقال الرجل: والذي أكرمك ما جف رأسي منها.

فقالت امرأته: ما مرة واحدة في الشهر.

فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتبغضينه؟

قالت: نعم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أدنيا رأسيكما فوضع جبهتها على جبهة زوجها، ثم قال: اللهم ألف بينهما وحبب أحدهما إلى صاحبه، ثم مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوق النمط ومعه عمر بن الخطاب، فطلعت امرأة تحمل ادما على رأسها، فلما رأت النبي طرحته وأقبلت فقبلت رجليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف أنت وزوجك؟

فقالت: والذي أكرمك ما طارف، ولا تالد، ولا ولد، بأحب إلي منه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أني رسول الله.

فقال عمر: وأنا أشهد أنك رسول الله» .

وأخرج أبو يعلى وأبو نعيم في الدلائل من حديث جابر بن عبدالله.

مثله.

وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يصبح على كل سلامي من ابن آدم صدقة.

تسليمه على من لقي صدقة، وأمره بالمعروف صدقه، ونهيه عن المنكر صدقة، وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، وبضعه أهله صدقة.

قالوا: يا رسول الله أحدنا يقضي شهوته وتكون له صدقة؟!

قال: أرأيت لو وضعها في غير حلها ألم يكن يأثم» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي ذرة قال: قلت: «يا رسول الله ذهب الأغنياء بالأجر.

قال: ألستم تصلون، وتصومون، وتجاهدون، قلت: بلى، وهم يفعلون كما نفعل يصلون، ويصومون، ويجاهدون، ويتصدقون ولا نتصدق قال: إن فيك صدقة، وفي فضل سمعك صدقة على الذي لا يسمع تعبر عن حاجته صدقة، وفي فضل بصرك على الضرير تهديه إلى الطريق صدقة، وفي فضل قوتك على الضعيف تعينه صدقة، وفي إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وفي مباضعتك أهلك صدقة، قلت: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟!

قال: أرأيت لو جعلته في غير حله أكان عليك وزر؟

قلت: نعم.

قال: أتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولك في جماعك زوجتك أجر قلت: كيف يكون لي أجر في شهوتي؟

قال: أرأيت لو كان لك ولد فأدرك ورجوت خيره ثم مات أكنت تحتسبه؟

قلت: نعم.

قال: فأنت خلقته؟

قلت: بل الله.

قال: أفأنت هديته؟

قلت: بل الله هداه.

قال: أفأنت كنت ترزقه؟قلت: بل الله يرزقه.

قال: فكذلك فضعه في حلاله وجنبه حرامه، فإن شاء الله أحياه وإن شاء أماته ولك أجر» .

وأخرج ابن السنى وأبو نعيم معاً في الطب النبوي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيعجز أحدكم أن يجامع أهله في كل يوم جمعة فإن له أجرين اثنين غسله وأجر غسل امرأته» .

وأخرج البيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب قال والله إني لأكره نفسي على الجماع رجاء أن يخرج الله مني نسمة تسبح.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن زيد بن أسلم قال بلغني أنه جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب فقالت إن زوجها لا يصيبها فأرسل إليه فسأله فقال كبرت وذهبت قوّتي فقال له عمر أتصيبها في كل شهر مرة قال أكثر من ذلك قال عمر في كم تصيبها قال في كل طهر مرة فقال عمر اذهبي فإن فيه ما يكفي المرأة.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾ الآية، العَزْم: عقد القلب على الشيء، عزم على الشيء يَعْزِم عَزْمًا وعُزْمًا وعَزِيمةً، ذكرها الفراء (١) (٢) (٣) والطلاقُ: مصدرُ طَلُقتِ المرأةُ تطلُق طَلاقًا (٤) (٥) (٦) ومعنى الطلاق: هو حل عقد النكاح بما يكون حلًّا في الشرع، وأصله من الانطلاق وهو الذهاب، والطَّلاق: انطلاق المرأة، والأولى (٧) (٨) وهذه الآية دليل على أنها لا (٩) (١٠) (١١) (١٢) فإن قيل: العزم عزم القلب لا لفظ اللسان، فإلى أي شيء يرجع السماع؟

قلنا: الرجل يعزم بقلبه ثم يطلق بلسانه، وقد ذكر الله العزم والمراد منه إنشاء اللفظ وهو قوله: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ  ﴾ .

وما نهى عن النية؛ لأن التعريض بالخطبة مباح في عدة الوفاة والتعريض بالخطبة يتضمن القصد بالقلب وزيادة، وإنما حرم إنشاء عقد النكاح قبل أن يبلغ الكتاب أجله (١٣) (١) لم أجده في مظانه من "معاني القرآن" له.

(٢) ينظر في عزم: "تهذيب اللغة" 3/ 2425، "المفردات" 337، "عمدة الحفاظ" 3/ 86، "اللسان" 5/ 2932 - 2933.

(٣) ينظر عزم "تهذيب اللغة" 2/ 152، "والمفرادت" 337، "وعمدة الحفاظ" 3/ 86 واللسان 12/ 398 - 401.

(٤) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2209 مادة "طلق".

(٥) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2209، وتتمة كلامه: ومن الطلق طُلقت، وكلهم يقول: امرأة طالق بغير هاء.

(٦) ينظر في طلق: "تهذيب اللغة" 2209 - 2212، "المفردات" ص 309، "عمدة الحفاظ" 2/ 476 - 477، "اللسان" 4/ 2692 - 2696.

(٧) ساقطة من (ي).

(٨) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 192.

(٩) ساقطة من (ي).

(١٠) في (ي) (في).

(١١) الواو: ساقطة من (ي).

(١٢) في (ي) (الذي هو).

(١٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1048، "تفسير الرازي" 6/ 89 - 90.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ العزيمة على قول مالك: التطليق أو الإباية فيطلق عليه الحاكم، وعند أبي حنيفة: ترك الفيء حتى تنقضي الأربعة الأشهر، والطلاق في الإيلاء رجعي عند مالك، بائن عند الشافعي وأبي حنيفة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ حتى يطهرن ﴾ بالتشديد والأصل "يتطهرن" فأدغم التاء في الطاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص.

الباقون ﴿ يطهرن ﴾ بالتخفيف من الطهارة.

﴿ أنى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف.

وقرأ العباس بالإمالة اللطيفة كل القرآن.

الباقون بالتفخيم ﴿ لا يؤاخذكم ﴾ وبابه وكل همزة تحركت وتحرك ما قبلها مثل ﴿ يؤخر ﴾ و ﴿ يؤده ﴾ وأشباه ذلك بغير همز: يزيد وورش والشموني وحمزة في الوقف.

الوقوف: ﴿ عن المحيض ﴾ ط ﴿ أذى ﴾ ط لأن لكونه أذى تأثيراً بليغاً في وجوب الاعتزال ﴿ في المحيض ﴾ لا للعطف.

﴿ حتى يطهرن ﴾ ج لأن "إذا" متضمنة الشرط للفاء في جوابه مع فاء التعقيب فيها ﴿ أمركم الله ﴾ ط ﴿ المتطهرين ﴾ ه ﴿ حرث لكم ﴾ ص لأن الفاء كالجزاء أي إذا كن حرثاً فأتوهن وإلا فقد اختلف الجملتان ﴿ شئتم ﴾ ز قد يجوز لوقوع العارض.

﴿ لأنفسكم ﴾ ط ﴿ ملاقوه ﴾ ط ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ بين الناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ قلوبكم ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم السابع: ﴿ ويسئلونك عن المحيض ﴾ قيل: إنه  جمع في هذا الموضع بين ستة أسئلة، فذكر الثلاثة الأول بغير الواو والباقية بالواو.

والسبب أن سؤالهم عن تلك الحوادث وقع في أحوال متفرقة فلم يؤت بحرف العطف، لأن كل واحد من تلك السؤالات سؤال مبتدأ، وسألوا عن الوقائع الأخر في وقت واحد فجيء بحرف الجمع لذلك كأنه قيل: يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن كذا وعن كذا.

روي أن اليهود والمجوس كانوا يبالغون في التباعد عن المرأة حال حيضها، والنصارى كانوا يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، وكان أهل الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها على فرش، ولم يساكنوها في بيت.

فقال ناس من الأعراب يا رسول الله، البرد شديد والثياب قليلة.

فإن آثرناهن بالثياب هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا بها هلكت الحيض فنزلت الآية، فقال  : "إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت" يعني أن المراد من قوله  ﴿ فاعتزلوا النساء ﴾ فاعتزلوا مجامعتهن.

واتفق المسلمون على حرمة الجماع في زمان الحيض، واتفقوا على حل الاستمتاع بالمرأة بما فوق السرة وتحت الركبة، واختلفوا فيما دون السرة وفوق الركبة.

فالشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف قالوا: يجب اعتزال ما اشتمل عليه الإزار بناء على أن المحيض مصدر كالمجيء والمبيت، والتقدير: فاعتزلوا تمتع النساء في زمان الحيض.

ترك العمل بالآية فيما فوق السرة وتحت الركبة للإجماع فبقي الباقي على الحرمة.

وعن زيد بن أسلم أن رجلاً سأل النبي  ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟

قال: " لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها" ، وقيل: ما سوى الفرج حلال، لأن المراد بالمحيض موضع الحيض فالمعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، نعم المحيض الأول مصدر فيصلح عود الضمير إليه في قوله ﴿ قل هو أذى ﴾ أي الحيض شيء يستقذر ويؤذي من يقربه نفرة وكراهة على أنه يحتمل أن يكون بمعنى المكان والتقدير هو ذو أذى، وإنما قدم قوله ﴿ هو أذى ﴾ لترتب الحكم وهو وجوب الاعتزال عليه.

وذلك أن دم الحيض دم فاسد يتولد من فضلة تدفعها طبيعة المرأة من طريق الرحم، حتى لو احتبست تلك الفضلة لمرضت المرأة.

فذلك الدم جار مجرى البول والغائط فكان أذى وقذراً.

ولا يرد عليه دم الاستحاضة حيث لا يوجب الاعتزال، لأن ذاك دم صالح يسيل من عرق يتفجر في عنق الرحم، ويؤيده ما روي في الصحيحين عن عائشة قالت: "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟

فقال: لا، إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي" .

ومعنى العرق أنه علة حدثت بها من تصدع العروق.

وأصل الحيض في اللغة السيل.

يقال: حاض السيل وفاض.

قال الأزهري: منه قيل الحوض لأن الماء يحيض إليه أي يسيل.

والواو والياء من حيز واحد.

وقد ورد في الحديث لدم الحيض صفات منها السواد ويراد به أنه يعلوه حمرة متراكبة فيضرب من ذلك إلى السواد، ومنها الثخانة، ومنها المحتدم وهو المحرق من شدة حرارته، ومنها أنه ذو دفعات أي يخرج برفق ولا يسيل سيلاً، ومنها أن له رائحة كريهة، ومنها أنه بحراني وهو الشديد الحمرة.

وقيل: ما يحصل فيه كدورة تشبيهاً له بماء البحر.

فمن الناس من قال: إن كان الدم موصوفاً بهذه الصفات فهو الحيض وإلا فلا، وما اشتبه الأمر فيه فالأصل بقاء التكاليف، وزوالها إنما كان بعارض الحيض.

فإذا كان غير معلوم الوجود بقيت التكاليف الواجبة على ما كانت.

ومنهم من قال: هذه الصفات قد تشتبه على المكلف فإيجاب التأمل في تلك الدماء وفي تلك الصفات يقتضي عسراً ومشقة، فالشارع قدر وقتاً مضبوطاً متى حصلت الدماء فيه كان حكمها حكم الحيض، ومتى حصلت خارج ذلك الوقت لم يكن حكمها حكم الحيض كيف كانت صفة تلك الدماء.

أما السن المحتمل للحيض فأصح الوجوه أنها تسع سنين فإن رأت الصبية دماً قبل استكمال التسع فهو دم فساد.

قال الشافعي: وأعجل من سمعت من النساء يحضن نساء تهامة يحضن لتسع سنين.

وقيل: إن أول وقت الإمكان يدخل بالطعن في السنة التاسعة.

وقيل: بمضي ستة أشهر من السنة التاسعة.

والاعتبار على الوجوه بالسنين القمرية تقريباً على الأظهر لا تحديداً، حتى لو كان بين رؤية الدم وبين استكمال التسع على الوجه الأصح ما لا يسع حيضاً وطهراً، كان ذلك الدم حيضاً وإلا فلا، وأقل مدة الحيض عند الشافعي يوم وليلة، وعند أبي حنيفة ثلاثة أيام، وعن مالك لا حد لأقله.

وأما أكثر الحيض فهو خمسة عشر يوماً وليلة لقول علي  وكرم الله وجهه: ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة.

وعن عطاء: رأيت من تحيض يوماً ومن تحيض خمسة عشر يوماً.

وأما الطهر فأكثره لا حد له.

فقد لا ترى المرأة الدم في عمرها إلا مرة واحدة، وأقله خمسة عشر يوماً، وقال أحمد أقله ثلاثة عشر.

وقال مالك: ما أعلم بين الحيضتين وقتاً يعتمد عليه لنا الرجوع إلى الوجود، وقد ثبت ذلك من عادات النساء، وروي أنه  قال: "تمكث إحداهن شطر دهرها لا تصلي" أشعر ذلك بأقل الطهر وأكثر الحيض.

وغالب عادات النساء في الحيض ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.

"قال  لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً كما تحيض النساء ويطهرن" .

ومعنى: "في علم الله"، أي مما علمك الله من عادتك أو من غالب عادات النساء.

ويحرم في الحيض عشرة أشياء: الصلاة والصوم والاعتكاف والمكث في المسجد و الطواف ومس المصحف وقراءة القرآن والسجود والغشيان بنص القرآن والطلاق في حق بعضهن ثم إن أكثر فقهاء الأمصار على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا يحل مجامعتها إلا بعد أن تغتسل عن الحيض، وهذا قول مالك والأوزاعي والشافعي والثوري.

والمشهور عن أبي حنيفة أنها إن رأت الطهر دون عشرة أيام لم يقربها زوجها حتى تغتسل ويمضي عليها وقت صلاة، وإن رأته عشرة أيام جاز له أن يقربها قبل الاغتسال.

حجة الشافعي أن القراءة المتواترة حجة بالإجماع فإذا حصلت قراءتان متواترتان وجب الجمع بينهما ما أمكن.

فمن قرأ "يطهرن" بالتخفيف فانتهاء الحرمة عنده انقطاع الدم، ومن قرأ "يطهرن" بالتثقيل فالنهاية تطهرها بالماء، والجمع بين الأمرين ممكن بأن يكون النهاية حصول الشيئين.

ومعنى قوله ﴿ ولا تقربوهن ﴾ أي لا تجامعوهن وهذا كالتأكيد لقوله ﴿ فاعتزلوا ﴾ ويحتمل أن يكون ذلك نهياً عن المباشرة في موضع الدم وهذا نهي عن الالتذاذ بما يقرب من ذلك الموضع.

وأيضاً قوله ﴿ فإذا تطهرن فأتوهن ﴾ تعليق للإتيان على التطهر بكلمة "إذا"، فوجب أن لا يجوز الإتيان عند عدم التطهر.

والمراد بالتطهر الاغتسال؛ لأن هذا الحكم عائد إلى ذات المرأة، فوجب أن يحصل في كل بدنها لا في بعض من أبعاض بدنها.

وعن عطاء وطاوس هو أن تغسل الموضع وتتوضأ.

وقال بعضهم: غسل الموضع.

ثم القائلون بوجوب الاغتسال أجمعوا على أن التيمم يقوم مقامه عند إعواز الماء ﴿ من حيث أمركم الله ﴾ أي من المأتى الذي أمركم به وحلله لكم وهو القبل.

عن ابن عباس ومجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.

وقال الأصم والزجاج: فأتوهن من حيث يحل لكم غشيانهن وذلك بأن لا يكنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات.

وعن محمد ابن الحنفية: فأتوهن من قبل الحلال دون الفجور.

﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ مما عسى أن يبدر عنهم من ارتكاب ما نهوا عنه من ذلك بمجامعة الحائض والطاهرة قبل الغسل وإتيان الدبر ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ المتنزهين عن تلك الفواحش.

فالتائب هو الذي فعله ثم تركه، والمتطهر هو الذي ما فعله تنزهاً عنه لأن الذنب كأنه نجاسة روحانية حكمية ﴿ إنما المشركون نجس  ﴾ أو يحب التوابين الذين يطهرون أنفسهم بطهرة التوبة من كل ذنب، ويحب المتطهرين من جميع الأقذار والأوزار.

الحكم الثامن ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ وإنه جار مجرى البيان والتوضيح لقوله ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ دلالة على أن الغرض الأصلي في الإتيان هو طلب النسل لا قضاء الشهوة فينبغي أن يؤتى المأتي الذي هو مكان الحرث، وعن جابر رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول فنزلت هذه الآية.

وعن ابن عباس: "جاء عمر إلى رسول الله  فقال: يا رسول الله هلكت.

قال: وما أهلكك؟

قال: حوّلت رحلي الليلة.

قال: فلم يرد عليَّ شيئاً.

فأوحى إلى رسول الله  هذه الآية" .

وتحويل الرحل قيل: ظاهره الكناية عن الإتيان في غير المحل المعتاد.

وقيل: إنه الإتيان في المحل المعتاد لكن من جهة ظهرها.

وعنه كانت الأنصار تنكر أن يأتي الرجل المرأة مجبية أي في قبلها من دبرها وكانوا أخذوا ذلك من اليهود وكانت قريش تفعل ذلك ولما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته فبلغ ذلك رسول الله  فنزلت ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ أي مقبلات ومدبرات ومستكفيات بعد أن يتقى الدبر والحيضة، وذلك أن قوله ﴿ حرث لكم ﴾ أي مزرع ومنبت للولد وهذا على سبيل التشبيه.

ففرج المرأة كالأرض، والنطفة كالبذر، والولد كالنبات، وإنما وحد الحرث لأنه مصدر أقيم مقام المضاف أي هن مواضع حرث فأتوهن كما تأتون أراضيكم التي تريدون أن تحرثوها من أي جهة شئتم، لا تحظر عليكم جهة دون جهة، بعد أن يكون المأتي واحداً وهو موضع الحرث أعني القبل دون الدبر، هذا ما عليه أكثر العلماء ويؤيده قوله عز من قائل ﴿ قل هو أذى فاعتزلوا ﴾ جعل ثبوت الأذى علة للاعتزال ولا معنى للأذى، إلا ما يتأذى الإنسان منه بنتن وتلوث وتنفر طبع، والأذى في الدبر حاصل أبداً فالاعتزال عنه أولى بالوجوب.

فمعنى ﴿ أنى شئتم ﴾ كيف شئتم من قبلها قائمة أو باركة أو مضطجعة.

وقيل: "أنى" بمعنى "متى" أي فأتوا حرثكم أي وقت شئتم من أوقات الحل يعني إذا لم تكن أجنبية أو محرمة أو صائمة أو حائضاً.

وعن ابن عباس: المعنى إن شاء عزل وإن شاء لم يعزل.

وقيل: متى شئتم من ليل أو نهار والأصح الأول وعن مالك والشيعة تجويز إتيان النساء في أدبارهن ويحكى أن نافعاً نقل عن ابن عمر مثل ذلك واحتجوا بأن الحرث اسم المرأة لا الموضع المعين وبأن قوله ﴿ أنى شئتم ﴾ معناه من أين شئتم كقوله ﴿ أنى لك هذا  ﴾ أي من أين.

وكلمة "أين" تدل على تعدد الأمكنة فيلزم أن يكون المأتي بها متعدداً.

وبقوله ﴿ إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] ترك العمل بعمومه في حق الذكور لدلالة الإجماع فوجب أن يبقى معمولاً به في حق الإناث.

ولا يخفى ضعف هذه الحجج ولو سلم مساواتها دلائل الحرمة في القوة فالاجتناب أحوط، وكيف لا وقد روي عن رسول الله  "ملعون من أتى امرأة في دبرها" ولو لم يكن فيه إلا فوات غرض التوالد والتناسل الذي به بقاء النوع الإنساني الذي هو أشرف أنواع الكائنات لكفى به منقصة وذماً، وإذا كان لزنا لكونه مزيلاً للنسب محرماً، وكذا الخمر لكونها رافعة للعقل، والقتل لكونه مفنياً للشخص، فلأن يحرم هذا الفعل لكونه متضمناً لفناء النوع أولى كاللواط وإتيان البهيمة والاستمناء ولهذا عقبه بقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ أي افعلوا ما تستوجبون به الجنة والكرامة كقول الرجل لغيره "قدم لنفسك عملاً صالحاً" وذلك أن الآية اشتملت على الإذن في أحد الموضعين والمنع عن الموضع الآخر فكأنه قيل: لا تكونوا في قيد قضاء الشهوة وإنما يجب أن تكونوا في ربقة الإخلاص وتقديم الطاعة، ثم إنه أكد ذلك بقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ وهذه التهديدات الثلاثة المتوالية لا تحسن إلا إذا كانت مسبوقة بالنهي عن مشتهي.

فقوله ﴿ وقدموا لأنفسكم ﴾ تحريض على فعل الطاعات ويندرج فيه ابتغاء لولد والتسمية عند الوقاع وغير ذلك من بآداب الخلوة، وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ زجر عن المحظورات والمنكرات، وقوله ﴿ واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ تذكير ليوم البعث والحساب الذي لولاه لضاع فعل الطاعات وترك المنهيات وما أحسن هذا الترتيب!

ثم قال ﴿ وبشر المؤمنين ﴾ كيلا يخلو الوعيد من الوعد.

ولم يذكر المبشر به وهو الثواب والكرامة ونحوهما إما لأنه كالمعلوم من نحو قوله ﴿ وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً  ﴾ ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات  ﴾ وإما لأن الغرض نفس البشارة مثل "فلان يعطى".

الحكم التاسع: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ وهو نهي عن الجراءة على الله بكثرة الحلف، فإن من أكثر ذكر شيء في معنى من المعاني فقد جعله عرضة أي معرضاً له قال: فلا تجعلوني عرضة للوائم.

وقد ذم الله  من أكثر الحلف بقوله ﴿ ولا تطع كل حلاف مهين  ﴾ والحكمة فيه أن من حلف في كل قليل وكثير بالله انطلق لسانه بذلك فلا يؤمن إقدامه على الأيمان الكاذبة.

وأيضاً كلما كان الإنسان أكثر تعظيماً لله كان أكمل في العبودية، ومن كمال التعظيم أن يكون ذكر الله  أجل وأعلى عنده من أن يبتذله ويستشهد به في غرض من الأغراض الدنيوية.

وقوله ﴿ أن تبروا ﴾ علة النهي اي إرادة أن تبروا وتتقوا وتصّلحوا بين الناس لأن الخلاف مجترئ على الله غير معظم له فلا يكون براً متقياً، فإذا ترك الحلف لاعتقاده أن الله أعظم وأجل من أن يستشهد باسمه العظيم في مطالب الدنيا اعتقد الناس في صدق لهجته وبعده من الأغراض الفاسدة فعدوه براً متخذاً من الإخلال بواجب حق الله فيدخلونه في وساطاتهم وإصلاح ذات بينهم.

ومعنى آخر وهو أن تكون العرضة "فعلة" بمعنى "مفعول" كالقبضة والغرفة فيكون اسماً للشيء الذي يوضع في عرض الطريق فيصير مانع الناس من السلوك، ومنه "عرض العود على الإناء" وتقول "فلان عرضة دون الخير".

وذلك أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة لرحم أو إصلاح أو إحسان أو عبادة ثم يقول: أخاف الله أن أحنث في يميني.

فيترك البر إرادة البر في يمينه فقيل: ﴿ ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ﴾ أي حاجزاً لما حلفتم عليه.

وسمي المحلوف عليه يميناً لتلبسه باليمين كما "قال النبي  لعبد الرحمن بن سمرة: إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" أي على شيء مما يحلف عليه.

فيكون قوله ﴿ أن تبروا ﴾ عطف بيان ﴿ لأيمانكم ﴾ أي للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى أو الإصلاح بين الناس، وعلى هذا فاللام في ﴿ لأيمانكم ﴾ إما أن تتعلق بالفعل أي ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخاً وحاجزاً، وإما أن تعلق بـ ﴿ عرضة ﴾ لما فيها من معنى الاعتراض بمعنى لا تجعلوا شيئاً يعترض البر.

ويجوز أن تكون اللام للتعليل ويتعلق ﴿ أن تبروا ﴾ بالعرضة أي لا تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا ﴿ والله سميع ﴾ إن حلفتم به ﴿ عليم ﴾ بنياتكم إن تركتم الحلف إجلالاً لذكره، واليمين في الأصل عبارة عن القوة فسمي الحلف بذلك لأن المقصود بها تقوية جانب البر على جانب الحنث.

اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره ولهذا قيل: لما لا يعتد به ولا يخطر من أولاد الإبل في الدية "لغو" وهو في الأصل مصدر لغا يلغو.

قال  "من قال يوم الجمعة لصاحبه صه والإمام يخطب فقد لغا" واختلف الفقهاء في اللغو من اليمين فذهب الشافعي - وهو قول عائشة والشعبي وعكرمة - أنه قول العرب "لا والله" و "بلى والله" مما يؤكدون به كلامهم ولا يخطر ببالهم الحلف.

فلو قيل لواحد منهم: سمعتك اليوم تحلف في المسجد الحرام لا ننكر ذلك ولعله قال: لا والله ألف مرة.

ومذهب أبي حنيفة وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد والنخعي والزهري وسليمان بن يسار وقتادة والسدي ومكحول - أن اللغو هو أن يحلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن.

وفائدة الخلاف أن الشافعي لا يوجب الكفارة في قول الرجل "لا والله" و "بلى والله" ويوجبها فيما إذا حلف على شيء يعتقد أنه كان ثم بان أنه لم يكن، وأبو حنيفة يحكم بالضد من ذلك.

حجة الشافعي أن الآية تدل على أن لغو اليمين كالمقابل المضاد لما يحصل بسبب كسب القلب، لكن المراد من قوله ﴿ بما كسبت قلوبكم ﴾ هو الذي يقصده الإنسان على سبيل الجد ويربط به قلبه فيكون اللغو ما تعوّده الناس في الكلام "لا والله" و "بلى والله" فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلاً جداً ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغواً ألبتة، وأيضاً إنه  ذكر قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبيّن أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، فظهر أن تفسير اللغو بما ذكرنا هو المناسب ويؤده ما روت عائشة عن النبي  أنه قال: "لغو اليمين قول الرجل بين كلامه لا والله وبلى والله" وروي "أنه  مر بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله ثم أخطأ فقال الذي مع النبي  : حنث الرجل يا رسول الله، فقال  : كل أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة" وعن عائشة أنها قالت: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة التي لا يعقد عليها القلب.

وأثر الصحابي في تفسير كلام الله حجة.

وقال أبو حنيفة: اليمين معنى لا يلحقه الفسخ فلا يعتبر فيه القصد كالطلاق والعتاق.

وأيضاً إنه  قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" أوجب الكفارة على الحانث مطلقاً من غير فصل بين المجد والهازل.

وقيل: إن يمين اللغو هو الحلف على ترك طاعة أو فعل معصية، فبين الله  أنه لا يؤاخذ بترك هذه الأيمان ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ أي بإقامتكم على ذلك الذي حلفتم عليه من ترك الطاعة وفعل المعصية وعن الضحاك أن اللغو هي اليمين المكفرة كأنه قيل: لا يؤاخذكم الله بإثم الحلف إذا كفرتم.

وقيل: هي ما يقع سهواً، والمراد بما كسبت قلوبكم هو العمد، واختاره القاضي أبو بكر.

ثم إن الشافعي قال: معنى لا يؤاخذكم لا يلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذي لا قصد معه، ولكن يلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من الأيمان ولم يكن كسب اللسان وحده.

وقال أبو حنيفة: معناه لا يعاقبكم بلغو اليمين الذي يحلفه أحدكم بالظن، ولكن يعاقبكم بما اقترفته قلوبكم من إثم القصد أي الكذب في اليمين، وهو أن يحلف على ما يعلم أنه خلاف ما يقوله وهو اليمين الغموس.

وقال مالك في الموطأ: أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة.

قال: والذي يحلف على شيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحداً أو يعتذر لمخلوق أو بقتطع به مالاً فهذا لا أعلم أن يكون فيه كفارة، وإنما الكفارة على من حلف أن لا يفعل الشيء المباح الذي له فعله ثم يفعله، أو أن يفعله ثم لا يفعله مثل: أن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيع بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه.

﴿ والله غفور رحيم ﴾ حيث لم يؤاخذكم باللغو في أيمانكم وأخر عقوبتكم بما كسبت قلوبكم لعلكم تتفكرون أو تتوبون عنها.

الحكم العاشر: ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ يقال في اللغة: آلى يؤلي إيلاء وأئتلى ائتلاء وتألى تألياً.

والإلية والقسم واليمين والحلف كلها واحد.

وفي الحديث القدسي "آليت أن أفعل" خلاف المقدرين والإيلاء في الشرع هو الحلف على الامتناع من وطء لزوجة مطلقاً أو مدة تزيد على أربعة أشهر.

وكان الإيلاء طلاقاً في الجاهلية فغيّر الشرع حكمه.

قال سعيد بن المسيب.

كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره، فيحلف أن لا يقربها وكان يتركها بذلك لا أيماً ولا ذات بعل، والغرض منه مضارة المرأة.

ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضاً فأزال الله  ذلك وأمهل الزوج مدة حتى يتروى ويتأمل.

فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها.

ثم المتعارف أن يقال: آليت على كذا وإنما عدي ههنا بمن لأنه أريد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر كما يقال: "لي منك كذا" أو ضمن في هذا القسم المصوص معنى البعد فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم أو يعتزلون مولين أو مقسمين.

والتربص التلبث والانتظار وإضافته إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله "بينهما يوم" أي مسيرة في يوم ﴿ فإن فاؤا ﴾ فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب الضرار بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان من الجائز كونه على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من القتل أو لغير ذلك من الأسباب ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ بان عقدوا القلب على حل رابطة النكاح ﴿ فإن الله سميع عليم ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة التي هي مثل التوبة.

واعلم أن الإيلاء له أركان أربعة.

الحالف والمحلوف به والمحلوف عليه ومدة هي ظرف المحلوف عليه.

الركن الأول: الحالف وهو كل زوج يتصور منه الوقاع وكان تصرفه معتبراً في الشرع، فيصح إيلاء الذمي لعموم قوله ﴿ للذين يؤلون ﴾ وبه قال أبو حنيفة.

وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاؤه بالله  ويصح بالطلاق والعتاق، وأيضاً لا فرق عندنا بين الحر والرقيق في الحد.

وعند أبي حنيفة يتنصف برق المرأة، وعند مالك برق الرجل كما قالا في الطلاق لنا أن التخصيص خلاف الظاهر، ولأن تقدير هذه المدة إن كان لأجل معنى يرجع إلى الجبلة والطبع وهو قلة الصبر على مفارقة الزوج فيستوي فيه الحر والرقيق كالحيض ومدة الرضاع ومدة العنة.

ويصح الإيلاء في حالتي الرضا و الغضب بعموم الآية.

وقال مالك: لا يصح إلا في حال الغضب.

وأيضاً يصح الإيلاء من المرأة سواء كانت في صلب النكاح أو كانت مطلقة طلقة رجعية، لأن الرجعية يصدق عليه أنها من نسائه بدليل أنه لو قال: نسائي طوالق.

وقع الطلاق عليها فتدخل تحت ظاهر قوله ﴿ يؤلون من نسائهم ﴾ ولهذا لو قال لأجنبية: والله لا أجامعك لم يكن مولياً.

وإيلاء الخصي صحيح لأنه يجامع كما يجامع الفحل غير أنه لا ينزل.

ومن جُبّ جميع ذكره لم يصح إيلاؤه على الأظهر لأنه لا يتحقق منه قصد الإيلاء لامتناع الأمر في نفسه.

وكذا الأشل ومن بقي من ذكره بعد الجب ما دون قدر الحشفة.

فإن آلى ثم جب فالأصح ثبوت الخيار لها فإن لم تفسخ بقي الإيلاء على الأظهر لأن العجز عارض وقد قصد الإضرار في الابتداء وإذا كانت المرأة رتقاء أو قرناء فالحكم كما في الجب ولا يصح إيلاء الصبي والمجنون بحال.

الركن الثاني: المحلوف به وهو إما الله  وصفاته أو غيره.

فإن حلف بالله كان مولياً، ثم إن جامعها في مدة الإيلاء خرج عن الإيلاء.

وهل يجب عليه كفارة اليمين؟

الجديد وقول أبي حنيفة أنه يجب عليه كفارة اليمين، لأن الدلائل الدالة على وجوب الكفارة عند الحنث باليمين عامة، وأي فرق بين أو يقول: والله لا أقربك" ثم يقربها وبين أن يقول: "والله لا أكلمك" ثم يكلمها.

وإنما ترك ذكر الكفارة في الآية لأنها مبنية في سائر المواضع من القرآن وعلى لسان الرسول.

وقوله  ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ يدل على عدم العقاب وأنه لا ينافي الكفارة كالتائب عن الزنا أو القتال لا عقاب عليه، ومع ذلك يجب عليه الحد والقصاص.

وأما إن كان الحلف في الإيلاء بغير الله كما إذا قال: إن وطئتك فللَّه علي عتق رقبة أو صدقة أو حج أو صوم أو صلاة.

فهل يكون مولياً؟

الجديد وهو قول أبي حنيفة ومالك وجماعة من العلماء أنه يكون مولياً لأن العتق والطلاق المعلقين بالوطء يحصلان لو وطئ فيكون ما يلزمه الوطء مانعاً له من الوطء، ويكون هو بتعليقه بالوطء مضراً بها فيثبت لها المطالبة كما في اليمين بالله  حتى يضيق الأمر عليه بعد مضي أربعة أشهر ليفيء أو يطلق.

ولا يخفى أنه لو كان المعلق به إلزام قربة في الذمة فعليه ما في نذر اللجاج.

وفيه أقوال أصحها أن عليه كفارة اليمين، والثاني عليه الوفاء بما سمى، والثالث التخيير بين كفارة اليمين وبين الوفاء.

الركن الثالث: المحلوف عليه وهو الجماع وهذا من صرائح ألفاظه، وكذا النيك والوطء والإصابة ومن كناياتها المباضعة والملامسة والمباشرة فلا تعمل إلا بالنية.

الركن الرابع: المدة.

فعن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يطأها أبداً، وعن الحسن وإسحاق أنه مول وإن حلف يوماً.

وهذان المذهبان في غاية البعد.

وعن أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد.

وعن مالك وأحمد و الشافعي أنه لا يكون مولياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر.

فعند الشافعي إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل لأربعة أشهر.

وهذه المدة تكون حقاً للزوج فإذا مضت طالبت المرأة الزوج بالفيئة أو الطلاق، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه.

وعند أبي حنيفة إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه، حجة الشافعي أن الفاء في قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تقتضي كون ما بعدها من حكمي الفيئة والطلاق مشروعاً متراخياً عن انقضاء الأشهر الأربعة.

وأيضاً قوله ﴿ وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ﴾ صريح في أن وقوع الطلاق وإنما يكون بإيقاع الزوج، وفي أن الزوج لا بد أن يصدر عنه شيء يكون مسموعاً وما ذاك إلا إيقاع الطلاق.

أجاب أبو حنيفة بأن قوله ﴿ فإن فاؤا ﴾ تفصيل للحكم المتقدم كما تقول: "أنا نزيلكم هذا الشهر.

فإن حمدتكم أقمت عندكم إلى آخره وإلا لم أقم وأتحول" وأيضاً الإيلاء طلاق في نفسه، فالطلاق إشارة إليه.

وأيضاً الغالب أن العازم للطلاق والضرار وترك الفيئة لا يخلو من مقاولة ودمدمة وحديث نفس، فذلك الذي يسمعه الله كما يسمع وسوسة الشيطان.

واستدل على صحة مذهبه في أن الفيئة لا بد أن تقع في الأشهر بقراءة عبد الله بن مسعود فإن ﴿ فاؤا فيهن ﴾ ورد بأنها شاذة فلا معول عليها والرجوع إلى الحق أولى الله حسبي.

التأويل: كما أن النساء محيضاً في الظاهر وهو سبب نقصان إيمانهن يمنعهن عن الصلاة والصيام فكذا للرجال محيض في الباطن وهو سبب نقصان إيمانهم يمنعهم عن حقيقة الصلاة وهي المناجاة، وعن حقيقة الصوم وهي الإمساك عن مشتهيات النفوس.

وكما أن المحيض هو غلبة الدم فكذلك الهوى هو غلبة دواعي الصفات البشرية والحاجات الإنسانية، فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الأذى.

وقد قيل: قطرة من الهوى تكدر بحراً من الصفا.

ولذلك نودي من سرادقات الجلال: يا قلوب الرجال اعتزلوا نساء النفوس في محيض غلبات الهوى ﴿ حتى يطهرن ﴾ يفرغن من قضاء الحوائج الضرورية للإنسان من المأكول والمشروب والمنكوح ﴿ فإذا تطهرن ﴾ بماء التوبة والإنابة ورجعن إلى الحضرة في طلب القربة ﴿ فأتوهن من حيث أمركم الله ﴾ يعني عند ظهور شواهد الحق لزهوق باطل النفس واضمحلال هواها ﴿ إن الله يحب التوابين ﴾ عن أوصاف الوجود ﴿ ويحب المتطهرين ﴾ بأخلاق المعبود بل يحب التوابين عن بقاء الوجود ويحب المتطهرين ببقاء الشهود ﴿ نساؤكم حرث لكم ﴾ الرجال البالغون الواصلون إلى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بتصرف الحقّ فهم رجال وما دون الله نساؤهم وهم الأنبياء والأولياء القائمون بالله الداعون إلى الله بإذنه.

فكما أن الدنيا مزرعة الآخرة لقوم، فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها أنى شاءوا وكيف شاءوا ﴿ وما تشاءون إلا أن يشاء الله  ﴾ فقد فنيت مشيئتهم في مشيئته  وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته ﴿ لا يؤاخذكم الله ﴾ القلب كالأرض للزراعة، والجوارح كآلات الحراثة، والأعمال والأقوال كالبذر.

فالبذر ما لم يقع في الأرض المرتبة للزراعة لا ينبت وإن كان فيها آلة من آلات الحراثة.

أما إن كان لما يجري على الظواهر من الخبر أدنى أثر في القلب ولو كان مثقال ذرة فإن الله  من كمال فضله وكرمه لا يضيعه بل يضاعفه، وإن كان ما يجري عليه في الظاهر شراً فإن لم يكن له أثر في القلب كان لغواً ولا يؤاخذه، وإن كان له أثر في القلب فهو بصدد المؤاخذة وإن شاء الله غفره.

﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ من وقع له من أهل القصد وقفة أو فترة في أثناء السلوك من ملالة النفس أو نفرة الطبع فعلى الشيخ والأصحاب أن لا يفارقوه في الحقيقة ويعاونوه بالهمم العلية ويتربصوا أربعة أشهر للرجوع لأن هذه مدة تعلق الروح بالجنين كما جاء في الحديث "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك" إلى آخره ﴿ فإن فاءوا ﴾ الفيئة إلى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة ونفخ فيه روح الإرادة مرة أخرى لاحظوه بعين القبول، فإن هذا ربيع لا يرعاه إلا المهزولون، وربع لا يسكنه إلا المعزولون، بل شراب لا يذوقه إلا العارفون، وغناء لا يطرب عليه إلا العاشقون ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ لعزمه على طلاق منكوحة المواصلة ﴿ فإن الله سميع ﴾ لمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالتهم وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ﴾ .

قيل: كان الرجل يحلف ألا يصنع المعروف، ولا يبر، ولا يصلح بين الناس، فإذا أمر بذلك، قال: إني حلفت على ذلك، فنهوا عن ذلك، يقول: لا تحلفوا على أمر هو لي معصية ألا تصلوا القرابة، وألا تبروا، وألا تصلحوا بين الناس، وصلة القرابة خير لكم من الوفاء باليمين في معصية الله  .

و"العرضة" العلة، يقول: لا تعللوا، أي: لا يمنعكم أن تبروا أو ما ذكر.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

حرفان يخرجان على الوعيد: ﴿ سَمِيعٌ ﴾ بمقالتكم وأيمانكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بإرادتكم في حلفكم.

وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : إن كسب القلوب لا يكون عقداً ولا حنثاً، إنما هو تعمد الكذب.

كقوله: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ فعلى ذلك أمر يمين اللغو والتعمد.

وهذا يبين أن اليمين يكون في موجود، لا فيما يوجد؛ إذ فيه وصف المآثم، وفيما يكون لم يكسب قلبه ما يأثم فيه.

فعلى ذلك أمر اللغو؛ فهو في الماضي، ولا يأثم بالخطأ، ويأثم في غير اللغو بالتعمد.

ثم قال الله  : ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ  ﴾ ، وبين أن المؤاخذة تكون في هذا بالكفارة وفي الأول بالمأثم، وفي اللغو لا يؤاخذ بهما، فلزم تسليم البيان لما جاء في كل ذلك، ثم جميع المؤاخذات في كسب القلب بالمأثم ولزوم التوبة؛ فكذا في هذا.

وقد روي عن رسول الله  في أمر اللعان، أنه قال: "إن أحدكما كاذب، فهل منكما من تائب؟" ومعلوم كذب أحدهما ولوزم التوبة، مع ما في تركه الوعيد الشديد من الغضب أو اللعن.

ولو كانت فيه كفارة لكان لا سبيل إلى العلم بها إلا بالبيان؛ فهي أحق أن يبين لو كانت واجبة، دل ما لم يبين أنها غير واجبة على أنها تجب للحنث، والحنث عقيب العقد يدفعه، وكان هاهنا ملاقيا له، فهو يمنعه على نحو جميع الحرمات التي تفسخ الأشياء، فهي عند الابتداء تمنع.

وليس ذلك كالطلاق ونحوه؛ لما قد يكون بلا شرط، واليمين لا يصح إلا به ولم يكن فأنفذ.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ ﴾ .

وقد يخرج مخرج الاستخفاف الحلف بالله كاذباً والجرأة على الله، فيجيء أن يكون كفراً، لولا أن المؤمن يخطر بباله ما يحمله على ذلك دون قصد الاستخفاف به.

وعلى ذلك أمر اللعان، أن رسول الله  لم يقل: أحدكما كافر، فهل منكما من مؤمن؟

لأنهما لم يقصدا ذلك القصد.

فكذا كل حالف على تعمد الكذب.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ ﴾ ، قال سعيد بن جبير: هذا محمول على قوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ﴾ ، أي: لا يؤاخذكم الله بنقض أيمانكم التي حلفتم بها؛ لأنها معصية لله، ولكن يؤاخذكم بحفظها والمضي عليها.

ثم اختلفوا في اللغو ما هو؟

قال بعضهم: هو الإثم.

وقيل: هو الغلط.

ثم اللغو المذكور الذي أخبر أن لا مؤاخذة على صاحبه يحتمل ألا يؤاخذه بالإثم، ويحتمل ألا يؤاخذه بالكفارة، بل إنما يؤاخذ بالكفارة بما يعقد.

ثم ذكر في الآية الثانية: ﴿ لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ  ﴾ ، ولو حمل على أنه لا يؤاخذ في هذا أيضاً بالإثم وقع الكلام - بحيث لا يفيد - في حد التكرار.

والأصل عندهم: بأن حمله على ما يفيد أحق من حمله على ما لا يفيد؛ فثبت أن الأول في نفي الإثم، والثاني في نفي الكفارة.

وعلى هذا القول في الغموس: إنه لعظم الوزر والإثم لم يلزم أن يكفر، فليس فيه الكفارة.

وله وجه آخر: وهو أن سبب الحنث في اللغو والغموس تلاقي العقد، فلم يصح به اليمين؛ لأن الحنث نفسه يسقط اليمين، فإذا لاقى الحنث اليمين منع صحتها ووجوبها.

فإذا كانت هذه اليمين غير صحيحة في العقد، لم يلزم الكفارة؛ لخروجها عن الشرط.

ثم لم يزل عنه - في الغموس - الإثم؛ لتعمده الكذب.

وقال الفقيه أبو منصور - رحمه الله  -: والقياس عندي في التعمد بالحلف على الكذب أن يكفر؛ ولهذا ما لحقه الوزر لما أن الأيمان جعلت للتعظيم لله -  - بالحلف فيها، والحالف بالغموس مجترئ على الله -  - مستخف به؛ ولهذا نهى رسول الله  عن الحلف بالآباء والطواغيت؛ لأن في ذلك تعظيماً لهم وتبجيلاً.

فالحالف بالغموس كالذي هو مجترئ ومستخف، فالوزر له بالجرأة لازم، ثم المتعمد متجرئ مستخف بالله -  - على المعرفة؛ لأنه لا يسع، فسبيله سبيل أهل النفاق - إظهارهم الإيمان بما فيه استخفاف، وإن كان سبباً للتعظيم، للاستخفاف لزمهم العقوبة بذلك، كذا الأول، ولكنه بالحلف خرج فعله على الجرأة للوصول إلى مناه وشهوته، لا للقصد إليه.

وعلى ذلك يخرج قول أبي حنيفة - رضي الله  عنه - في سؤال السائل: إن العاصي مطيع للشيطان، ومن أطاع الشيطان كفر، كيف لا كفَّر العاصي؟

فقال: لأنه خرج فعله في الظاهر مخرج الطاعة له، لا أن القصد يكون طاعته، وإنما يكفر بالقصد لا بما يخرج فعله فعل معصية؛ فكذا الأول.

والله أعلم.

وعلى ذلك جاء في أمر اللعان من القول بأن "أحدكما كاذب فهل منكما من تائب"، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لم يأمر بالإيمان، ولا قال: أحدكما كافر؛ فثبت أنه لا يكفر به.

والثاني: أنه أمر بالتوبة، وقد يعلم من كذب أن عليه ذلك مع ما في القرآن من اللعن والغضب، ولم يأمر بالكفارة - وهي لا تعلم إلا بالبيان - فهي أحق أن تبين لو كانت واجبة.

والله أعلم.

والأصل عندنا في اليمين الغموس: أنه آثم، وعليه التوبة، والتوبة كفارة.

وهكذا في كل يمين في عقدها معصية أن تلزمه الكافرة وهي التوبة.

وأما الكفارة التي تلزم في المال، فهي لا تلزم بالحنث؛ لأنه بالحنث يأثم، والحنث نفسه إثم؛ لذلك لم يجز إلا بالحنث.

وما رويت من الأخبار من قوله - عليه الصلوات والسلام -: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير" : أنه إذا كان يمينه بمعصية يصير باليمين آثماً، فيكلف بالتوبة.

فإن قيل: الحلف بالطلاق، والعتاق، والحج بالماضي يلزم، كيف لا لزمته الكفارة؟

قيل: لأن الطلاق، والعتاق، والحج يلزم دون ذكر ما ذكر، إذا قال: (على حجة)، أو (أنت طالق)، أو (هو حر).

ولو قال: (والله) ألف مرة، دون ذكر الفعل لا يكون يميناً، ولا يلزمه شيء؛ لذلك افترقا.

الله أعلم.

وقوله: ﴿ لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  -: الإيلاء معلوم في اللغة أنه اليمين.

وكذلك كان ابن عباس -  - يقرأ: (للذين يُقْسِمُون من نسائهم).

وما هو لليمين من الحكم، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها، ثم يجب له على كل حال، على أي وصف كانت اليمين.

فكذلك حكم الإيلاء.

وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، رضي الله  عنهما.

وروي عن علي - رضى الله  عنه - التفريق بين الغضب والرضا.

ثم أوجب التربص للمُولِي.

فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بِمُولٍ، فلم يلزمه الحكم الذي جعل الله للإيلاء؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر (الفيء)، وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفيء من الكفارة؟!

فكذا بمضي المدة لا يلزمه الطلاق.

وبه يقول علي وابن عباس وابن مسعود - رضي الله  عنهم - فيقول ابن مسعود: يلزمه حكم يمين يوم، وابن عباس يقول: الإيلاء يمين الأبد.

وذلك عندنا على إرادة الإتمام، ولو جعله شرطاً لكان الحكم يلزمه بمضي الأربعة الأشهر؛ فلا وجه للزيادة عليه، وهو قول عبد الله بن مسعود: يلزمه بدونه.

ثم اختلف الصحابة - رضي الله  عنهم - في الوقف بعد الأربعة الأشهر، على اتفاقهم على حق لزوم الطلاق أو حقه بمضي المدة، ثم لا يجوز أن يحلف بحق الطلاق فيلزم، ويجوز أن يحلف بالطلاق فيلزم؛ لذلك كان الطلاق أحق مع ما ذلك زيادة في المدة للتربص.

وجميع المدد التي جعلت بين الزوجين لم تحتمل الزيادة عليها لما جعلت له المدة، فمثله مدة الطلاق.

وهذا على أن الله -  - حذر نقض اليمين بقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً  ﴾ ، وأطلق في هذا أربعة أشهر، بما روي في قراءة أبي بن كعب، أنه قرأ: "فإن فاءوا فيهن"، يعني في الأربعة الأشهر، ففي غير ذلك حكم النهي له آخذ.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .

كقوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ  ﴾ .

وليس ذلك على إحداثه بعد مضي المدة، كذلك الأول.

والله أعلم.

ثم اختلف فيه على وجوه: قال ابن مسعود - رضي الله  عنه -: الإيلاء على يوم فقط، وأما التربص بأربعة أشهر؛ لأنه لم يذكر في الكتاب للإيلاء مدة، وإنما ذكر المدة للتربص.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه -: الإيلاء على الأبد، ذهب في ذلك إلى أن الإيلاء كان طلاق القوم، والطلاق يقع إلى الأبد.

وقال آخرون: من ترك القربان في حال الغضب فهو مولٍ، وإن لم يحلف.

لكن هذا ليس بشيء؛ لأن الله  ذكر الإيلاء، والإيلاء هي اليمين.

دليله ما ذكرنا [من حرف ابن مسعود وابن عباس: (للذين يقسمون)؛ فدل هذا أن حكم الإيلاء لا يلزم إلا باليمين على ترك القربان].

وروي عن علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه -: أن رجلا سأله - أنه حلف ألا يقرب امرأته سنتين.

فقال: هو إيلاء، وأنها تبين إذا مضت أربعة أشهر.

فقال: إنما حلفت ذلك لمكان ولدي.

فقال: لا يكون إيلاء.

فرأى في ذلك إيلاء إذا كان عاصياً وإذا كان إيلاؤه هو ترك قربانه إياها بمكان الولد لم ير ذلك إيلاء.

ثم لا يجوز أن يحمل ما حمل هؤلاء.

أما ما حمل علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، واعتباره بالعصيان وغير العصيان، فالإيلاء هو اليمين، والأيمان لا يختلف وجوبها ووجوب أحكامها في حال العصيان وفي حال الطاعة.

فعلى ذلك حكم الإيلاء.

ولو حمل على ما حمل ابن مسعود، رضي الله  عنه، لكان لا يبقى الإيلاء بعد مضي اليوم، فإذا لم يكن يمين بعد اليوم لم يبق حكمها.

ولو حمل على ما قال ابن عباس، رضي الله  عنه، لكان لا فائدة لذكر التربص.

فإذا بطل ما ذكرنا ثبت قولنا: إن مدة الإيلاء إذا قصرت عن أربعة أشهر لم يلزمه حكم الإيلاء.

ولو كان على الأبد لكان لا فائدة في ذكر المدة، وألا يعتبر العصيان ولا الطاعة ولا الغضب ولا الرضاء على ما ذكرنا.

وروي في بعض الأخبار، أنه قال: الإيلاء ليس بشيء.

معناه ما قيل: إن الإيلاء كان طلاق القوم، فقوله: "ليس بشيء" يقع للحال دون مضي المدة [ثم اختلفوا أيضاً بعد مضي المدة] قبل أن يفيء إليها في المدة.

قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إذا مضت أربعة أشهر وقع الطلاق.

وقال قوم: إنه يوقف بعد مضي المدة، [فإما أن يفيء إليها، وإما أن يطلقها].

واحتجوا في ذلك إلى أن الله  ذكر الفيء بعد [تربص] أربعة أشهر بقوله: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآءُو ﴾ ؛ لذلك كان الفيء بعد مضي الأربعة الأشهر، وروي فى بعض الأخبار الوقف فيه، وروي عن عمر وعلي عثمان وعائشة وابن عمر - رضي الله  عنهم - في المُولِي: إذا مضت أربعة أشهر فإما أن يفيء وإما أن يطلق.

إلى هذا يذهبون.

لكن هذا يحتمل أن يكون من الراوي دون أن يكون ما قالت الصحابة.

وأما عندنا: إن قولهم: ذكر الفيء بعد تربض أربعة أشهر، فذلك لا يوجب الفيء بعد مضيها؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس أنه يمسكها بعد مضي الأجل، ولكن معناه: إذا قرب انقضاء أجلهن فأمسكوهن.

فعلى ذلك جعل لهم الفيء، إذا قرب انقضاء أربعة أشهر.

وأما ما وري من (الوقف)، فليس فيه الوقف بعد مضي أربعة أشهر، يحتمل الوقف في الأربعة الأشهر.

وأما عندنا: فإنها تَبِينُ إذا مضت أربعة أشهر؛ لما روي عن سبعة من أصحاب رسول الله  ، أو ثمانية، أنهم قالوا: إذا مضت أربعة أشهر بانت منه، من نحو: عمر علي وابن مسعود وعثمان وابن عباس وجابر وزيد بن ثابت، رضوان الله  عليهم أجمعين، فاتبعناهم.

ثم اختلف في الطلاق إذا وقع: قال قوم: هو رجعي.

وهو قول أهل المدينة.

فهو على قولهم؛ تعنُّت؛ لأن الزوج يقدم إلى الحاكم، فيطلق عليه الحاكم، ثم كان له حق المراجعة، فيكلف الحاكم العنت.

وأما عندنا: فهو بائن.

وعلى ذلك جاءت الأخبار، روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: إذا مضت أربعة الأشهر فهي تطليقة بائنة.

وعن ابن مسعود - رضي الله  عنه - مثله.وروي عن أبي بن كعب - رضي الله  عنه - في قوله: "فإن فاءوا" أي فيهن يعني في الأربعة الأشهر، ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فثبت أنه جعل الرحمة والمغفرة فيها.

والثاني: قوله: ﴿ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا  ﴾ ، ولو لم يجعل له القربان والنقض في المدة لكان لا سبيل له إلى نقضها بعد مضي المدة؛ إذ هي تتأكد؛ فثبت أنه لا بما اعتبروا يلزم.

ثم قوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يحتمل وجهين: يحتمل: بما جعل له الخروج مما ضيق على نفسه؛ لأنه لا تطول عليه المدة.

ويحتمل: أن المغفرة كانت بما ارتكب ما إذا مضى عليه وجد ذاته مستحقّاً للعقوبة، فغفر له صنيعه، ورحمه بأن يجاوز عنه ما فعل.

وقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ٱلطَّلاَقَ ﴾ .

روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: عزيمة الطلاق مضيُّ أربعة أشهر.

وقد ذكرنا قول الصحابة - رضي الله  عنهم -: إن عزيمة الطلاق [انقضاء] أربعة أشهر.

وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

سميع: بإيلائهم، عليم: بترك الفيء وتحقيق حكمه، أو عليم بما أراد بالإيلاء، كأنه قال: إنه عن علم بما يكون من خلقه وبما به صلاحهم وما إليه مرجعهم، خلقهم، وهو السميع بجميع ما به تناجوا وأسروا وجهروا.

والله الموفق.

والفيء: الجماع، وهو الرجوع في الحاصل؛ لأنه حلف ألا يقربها، فإذا قربها رجع عن ذلك.

وهكذا روي عن ابن عباس وابن مسعود - رضي الله  عنهما - أنهما قالا: الفيء: الجماع.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن قصدوا الطلاق باستمرارهم على ترك جماع نسائهم وعدم الرجوع إليه فإن الله سميع لأقوالهم التي منها الطلاق، عليم بأحوالهم ومقاصدهم، وسيجازيهم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Ny4Bo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات في أحكام الأيمان وهي عامة وخاصة، والثاني هو حلف الرجل أن لا يقرب امرأته، وخص باسم الإيلاء في عرف الشرع كما سيأتي، فبين الآيات وما قبلها وما بعدها تناسب بهذا الاعتبار.

﴿ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ  ﴾ العرضة بالضم كالغرفة لها معان أظهرها هنا اثنان: أحدهما: أن تكون بمعنى المانع المعترض دون الشيء، أي لا تجعلوا الله تعالى مانعًا بينكم وبين عمل الخير بأن تحلفوا به على تركه فتتركوه تعظيمًا لاسمه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن جرير في سبب نزول الآية وهو حلف أبي بكر  على ترك الإنفاق على "مسطح" بعد أن خاض في قصة الإفك وفيه نزل ﴿ وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى  ﴾ الآية.

ويؤيده أيضًا أحاديث في الصحيحين وغيرهما منها قوله  : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وقوله  :"والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني" وفي حديث عائشة عند ابن ماجة وابن جرير قالت قال رسول الله  :"من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فَبِرُّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه" وفي هذا المعنى أحاديث أخرى.

ذلك أن الإنسان يسرع إلى لسانه الحلف أنه لا يفعل كذا وقد يكون خيرًا وليفعلن كذا وقد يكون شرًا، والله تعالى لا يرضى بأن يكون اسمه حجابًا دون الخير أو محضاء للشر، فنهى عن ذلك وأمر نبيه  بوجوب تحري الخير والأحسن، وإن حلف على غيره فليكفر عن يمينه بما هو منصوص في سورة المائدة.

والمعنى الثاني: للعُرْضة ما يعرض للشيء أي ما ينصب ليعرض له الشيء كالهدف للسهام، يقال فلان عرضة للناس إذا كانوا يقعون فيه ويعرضون له بالمكروه، قال الشاعر: وإن تتركوا رهط الفدوكس عصبة يتامى أيامى عرضة للقبائل ويقال جعلته عرضة لكذا أي نصبته له فكان معروضًا له يكثر وروده عليه، وقال الشاعر: طلقتهن وما الطلاق بسبة إن النساء لعرضة التطليق والمعنى على هذا الوجه لا تكثروا الحلف بالله تعالى فالذي يجعل الله عرضة لأيمانه هو كالحلاف في قوله تعالى: ﴿ وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ  ﴾ فكثير الحلف حليف المهانة وقرينها، وقد ذكر تعالى في هذه الآيات صفات أخرى ذميمة نهى عن أهلها وبدأها بالحلاف فقال بعد ما تقدم ﴿ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ  مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ  عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ  ﴾ فالحلاف يعد في مقدمة هؤلاء الأشرار.

ومن أكثر الحلف قلت مهابته وكثر حنثه واتهم بالكذب، ولا يكون الحلاف إلا كذابًا فهو على إهانته لاسم الله تعالى يفوته ما يريد من قبول قوله وتصديقه، فالآية الكريمة ترشدنا إلى ترك الحلف بالله تعالى إلا عند الحاجة إلى ذلك.

وهذا الوجه أظهر من الذي سبقه، والعرضة بهذا المعنى أكثر استعمالًا وكانت العرب تمتدح بقلة الحلف وحفظ الأيمان قال الشاعر: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت و "الألايا" جمع ألية وهي اليمين كقضية وقضايا، وإنك لتجد كثيرًا من أهل الدين لا يحفظون من أيمانهم ما كان يحفظ أهل الشرك في الجاهلية فأين هم من قول الإمام الشافعي: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا؟

ومن مذام كثرة الحلف أنه يقلل ثقة الإنسان بنفسه وثقة الناس به، فهو يشعر بأنه لا يصدق فيحلف، ولهذا وصفه الله تعالى بالمهين، وكثيرًا ما يعرض نفسه للخطأ إذا حلف على المستقبل، ثم إنه لا يكون إلا قليل الخشية والتعظيم لله تعالى لا يهمه إلا أن يرضي الناس ويكون موثوقًا به عندهم، فتعريض اسم الله تعالى للحلف بدون ضرورة ولا حاجة ينشأ عن فقد هيبة الله وإجلاله من النفس فإن الناس يتعلمون كثرة الحلف من أمهاتهم ومن الولدان الذين يتربون معهم وهم صغار فيتعودون عدم احترام اسم الله تعالى وقد نجد هذا الحلف فاشيًا حتى في المشتغلين بعلم الدين، ذلك أن علم الدين أصبح صناعة لفظين لا أثر لها في القلوب ولا في الأعمال، وقد حدثني بعضهم حديثًا أربع مرات وفي كل مرة كان يحلف عليه ويكذب فيه بما يزيد فيه وينقص منه.

وقوله تعالى ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ على الوجه الأول بيان الأيمان لأنه بمعنى المحلوف عليه، أي لا تجعلوه مانعًا لما حلفتم على تركه من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، بل إذا حلف أحدكم على ترك البر أو التقوى أو الإصلاح فليكفر عن يمينه وليفعل البر والتقوى والإصلاح، فلا عذر لأحد في ترك ذلك، ولا يرضى الله تعالى أن يكون اسمه مانعًا منه، وأما على الوجه الثاني فهو لتعليل النهي أي لا تجعلوه تعالى معرضًا لأيمانكم لأجل البر والتقوى والإصلاح فإن كثير الحلف لا يكون أهلًا لذلك لما تقدم من كونه يكون مهينًا، غير معظم لله تعالى، وعرضة للكذب والحنث، وغير موثوق بقوله، فأنَّى يرضاه الناس مصلحًا بينهم، والمصلح مرب ومؤدب وحاكم مطاع بالاختيار.

ثم قال ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ أي سميع لما تلفظون به من الحلف وغيره عليم بما يترتب على كثرة الحلف وبغيره من أعمالكم فعليكم أن تراقبوه وتتذكروا عند داعية كل قول وعمل أنه سميع لأقوالكم عليه بأفعالكم، لعلكم تقفون عند حدود هدايته لكم فتكونون من المفلحين، وإلا كنتم من الخاسرين.

هذا الختم للآية يتضمن الوعيد على كثرة الحلف، فإذا دخل فيه ما يجري في الكلام من قصد وروية كقول الإنسان: أي والله، لا والله: وعد هذا مما يؤاخذ عليه ويجري فيه الحكم السابق كان الحرج عظيمًا، وقد رفع الله هذا الحرج بقوله ﴿ لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ  ﴾ فاللغو أن يقع الكلام حشوًا غير مقصود به معناه، فهو يقول إن هذه الألفاظ التي تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد اليمين لغو من القول لا تعد إيمانًا حقيقية، فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة عليها ولا بالعقاب ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ بأن تقصدوا جعل اسمه الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح الأعمال، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأقوالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقول الحشو الذي لا أثر له في القلب، ولا شأن له في العمل، مما يعفو عنه، ولا يعاقب عليه، ﴿ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ  ﴾ يغفر لعبده ما يلم به مما لا يفسد أخلاقه وأعماله، ولا يتعجل بالعقوبة على هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي منه، ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم، لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار.

وقد ذكر بعض الفقهاء لليمين اللغو غير هذا المعنى المتبادر ووضعوا لذلك أحكامًا ذكرها المفسرون ولا حاجة إليها، وما قلناه هو المتبادر المأثور عن جمهور السلف.

بعد بيان هذه الأحكام في الأيمان العامة انتقل إلى حكم اليمين الخاصة فقال ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ  ﴾ إلخ فالإيلاء من المرأة أن يحلف الرجل أنه لا يقربها، وهو مما يكون من الرجال عند المغاضبة والغيظ، وفيه امتهان للمرأة وهضم لحقها وإظهار لعدم المبالاة بها، فترك المقاربة الخاصة المعلومة ضرارًا معصية، والحلف عليها حلف على ما لا يرضى الله تعالى به لما فيه من ترك التواد والتراحم بين الزوجين وما يترتب على ذلك من المفاسد في أنفسهما وفي عيالهما وأقاربهما، والظاهر أن حكم هذا الإيلاء "الحلف" يدخل في معنى الآية السابقة على الوجه الأول من الوجهين اللذين أوردناهما، وهو أنه يجب على المؤلي أن يحنث ويكفر عن يمينه، ولكنه إذا لم يفعل هذا الواجب لم يكن آثمًا في نفسه فقط فيقال حسبه ما يلقى من جزاء إثمه، بل يكون بإثمه هاضمًا لحق امرأته، ولا يبيح له العدل هذا الهضم والظلم، ولذلك أنزل الله فيه هذا الحكم، وهو التربص مدة أربعة أشهر، وقد قيل إن هذه هي المدة التي لا يشق على المرأة البعد فيها عن الرجل وهي كافية لتروي الرجل في أمره ورجوعه إلى رشده ﴿ فَإِنْ فَاءُوا  ﴾ أي رجعوا إلى نسائهم بأن حنثوا في اليمين وقاربوهن في أثناء هذه المدة أو آخرها ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ  ﴾ يغفر لهم منا سلف برحمته الواسعة، لأن الفيئة توبة في حقهم ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ  ﴾ أي صمموا على أن لا يعودوا إلى ملامسة نسائهم ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  ﴾ أي فليراقبوا الله تعالى عالمين أنه سميع لإيلائهم وطلاقهم عليم بنيتهم فيه، فإن كانوا يريدون به إيذاء النساء ومضارتهن فهو يتولى عقابهم، وإن كان لهم عذر شرعي بأن كان الباعث على الإيلاء تربية النساء لأجل إقامة حدود الله، وعلى الطلاق اليأس من إمكان المعاشرة بالمعروف، فهو يغفر لهم، والمعنى أن من حلف على ترك غشيان امرأته فلا يجوز له أن يتربص أكثر من أربعة أشهر فإن تاب وعاد قبل انقضائها لم يكن عليه إثم، وإن أتمها تعين عليه أحد الأمرين الفيئة والرجوع إلى المعاشرة الزوجية أو الطلاق، وعليه أن يراقب الله تعالى فيما يختاره منهما.

فإن لم يطلق هو بالقول كان مطلقًا بالفعل، أي أنها تطلق منه بعد انتهاء المدة رغم أنفه منعًا للضرار، وقيل ترفع أمرها إلى الحاكم فيطلق عليه، والمسألة خلافية في هذا ولكن لا خلاف في عدم جواز بقائها على عصمته وعدم إباحة مضارتها.

وقد فضل الله تعالى الفيئة على الطلاق إذ جعل جزاء الفيئة المغفرة والرحمة، وهدى إلى مراقبته في العزم على الطلاق، وذَكَّر المؤلي بسمعه تعالى لما يقول وعلمه بما يسره في نفسه ويقصده من علمه.

هذا حكم الإيلاء من المرأة إذا أطلقه الزوج فلم يذكر زمنًا أو قال لا أقربك مدة كذا وذكر أكثر من أربعة أشهر، فإن ذكر مدة دون أربعة أشهر فلا يلزمه شيء إذا أتمها وفي الأربعة خلف.

وقد عَدَّى الإيلاء هنا "بمن" لما فيه من معنى المفارقة والانفصال، وهو من البلاغة والإيجاز بمكان.

وقال في غيره ألى وآلى وائتلى أن يفعل كذا أي حلف، وصار الإيلاء حقيقة شرعية في الحلف لمذكور.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر