الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٢٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 335 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٢٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء ، بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، أي : بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء ; ثم تتزوج إن شاءت ، وقد أخرج الأئمة الأربعة من هذا العموم الأمة إذا طلقت ، فإنها تعتد عندهم بقرءين ، لأنها على النصف من الحرة ، والقرء لا يتبعض فكمل لها قرءان .
ولما رواه ابن جريح عن مظاهر بن أسلم المخزومي المدني ، عن القاسم ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " .
رواه أبو داود ، والترمذي وابن ماجه .
ولكن مظاهر هذا ضعيف بالكلية .
وقال الحافظ الدارقطني وغيره : الصحيح أنه من قول القاسم بن محمد نفسه .
ورواه ابن ماجه من طريق عطية العوفي عن ابن عمر مرفوعا .
قال الدارقطني : والصحيح ما رواه سالم ونافع ، عن ابن عمر قوله .
وهكذا روي عن عمر بن الخطاب .
قالوا : ولم يعرف بين الصحابة خلاف .
وقال بعض السلف : بل عدتها كعدة الحرة لعموم الآية ; ولأن هذا أمر جبلي فكان الإماء والحرائر في هذا سواء ، والله أعلم ، حكى هذا القول الشيخ أبو عمر بن عبد البر ، عن محمد بن سيرين وبعض أهل الظاهر ، وضعفه .
وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو اليمان ، حدثنا إسماعيل يعني ابن عياش عن عمرو بن مهاجر ، عن أبيه : أن أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية قالت : طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن للمطلقة عدة ، فأنزل الله ، عز وجل ، حين طلقت أسماء العدة للطلاق ، فكانت أول من نزلت فيها العدة للطلاق ، يعني : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء .
هذا حديث غريب من هذا الوجه .
وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو ؟
على قولين : أحدهما : أن المراد بها : الأطهار ، وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر ، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة ، قال الزهري : فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن ، فقالت : صدق عروة .
وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا : إن الله تعالى يقول في كتابه : ( ثلاثة قروء فقالت عائشة : صدقتم ، وتدرون ما الأقراء ؟
إنما الأقراء : الأطهار .
وقال مالك : عن ابن شهاب ، سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول : ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك ، يريد قول عائشة .
وقال مالك : عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، أنه كان يقول : إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها .
وقال مالك : وهو الأمر عندنا .
وروي مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت ، وسالم ، والقاسم ، وعروة ، وسليمان بن يسار ، وأبي بكر بن عبد الرحمن ، وأبان بن عثمان ، وعطاء بن أبي رباح ، وقتادة ، والزهري ، وبقية الفقهاء السبعة ، وهو مذهب مالك ، والشافعي [ وغير واحد ، وداود وأبي ثور ، وهو رواية عن أحمد ، واستدلوا عليه بقوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) [ الطلاق : 1 ] أي : في الأطهار .
ولما كان الطهر الذي يطلق فيه محتسبا ، دل على أنه أحد الأقراء الثلاثة المأمور بها ; ولهذا قال هؤلاء : إن المعتدة تنقضي عدتها وتبين من زوجها بالطعن في الحيضة الثالثة ، وأقل مدة تصدق فيها المرأة في انقضاء عدتها اثنان وثلاثون يوما ولحظتان ] .
واستشهد أبو عبيد وغيره على ذلك بقول الشاعر وهو الأعشى : ففي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة عدا ، وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا يمدح أميرا من أمراء العرب آثر الغزو على المقام ، حتى ضاعت أيام الطهر من نسائه لم يواقعهن فيها .
والقول الثاني : أن المراد بالأقراء : الحيض ، فلا تنقضي العدة حتى تطهر من الحيضة الثالثة ، زاد آخرون : وتغتسل منها .
وأقل وقت تصدق فيه المرأة في انقضاء عدتها ثلاثة وثلاثون يوما ولحظة .
قال الثوري : عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة قال : كنا عند عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فجاءته امرأة فقالت : إن زوجي فارقني بواحدة أو اثنتين فجاءني [ وقد وضعت مائي ] وقد نزعت ثيابي وأغلقت بابي .
فقال عمر لعبد الله يعني ابن مسعود [ ما ترى ؟
قال ] : أراها امرأته ، ما دون أن تحل لها الصلاة .
قال [ عمر : ] وأنا أرى ذلك .
وهكذا روي عن أبي بكر الصديق ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وأبي الدرداء ، وعبادة بن الصامت ، وأنس بن مالك ، وابن مسعود ، ومعاذ ، وأبي بن كعب ، وأبي موسى الأشعري ، وابن عباس ، وسعيد بن المسيب ، وعلقمة ، والأسود ، وإبراهيم ، ومجاهد ، وعطاء ، وطاوس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومحمد بن سيرين ، والحسن ، وقتادة ، والشعبي ، والربيع ، ومقاتل بن حيان ، والسدي ، ومكحول ، والضحاك ، وعطاء الخراساني ، أنهم قالوا : الأقراء : الحيض .
وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه ، وأصح الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل ، وحكى عنه الأثرم أنه قال : الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون : الأقراء الحيض .
وهو مذهب الثوري ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، والحسن بن صالح بن حي ، وأبي عبيد ، وإسحاق ابن راهويه .
ويؤيد هذا ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي ، من طريق المنذر بن المغيرة ، عن عروة بن الزبير ، عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " دعي الصلاة أيام أقرائك " .
فهذا لو صح لكان صريحا في أن القرء هو الحيض ، ولكن المنذر هذا قال فيه أبو حاتم : مجهول ليس بمشهور .
وذكره ابن حبان في الثقات .
وقال ابن جرير : أصل القرء في كلام العرب : " الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه في وقت معلوم ، ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم " .
وهذه العبارة تقتضي أن يكون مشتركا بين هذا وهذا ، وقد ذهب إليه بعض [ العلماء ] الأصوليين فالله أعلم .
وهذا قول الأصمعي : أن القرء هو الوقت .
وقال أبو عمرو بن العلاء : العرب تسمي الحيض : قرءا ، وتسمي الطهر : قرءا ، وتسمي الحيض مع الطهر جميعا : قرءا .
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البر : لا يختلف أهل العلم بلسان العرب والفقهاء أن القرء يراد به الحيض ويراد به الطهر ، وإنما اختلفوا في المراد من الآية ما هو على قولين .
وقوله : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن أي : من حبل أو حيض .
قاله ابن عباس ، وابن عمر ، ومجاهد ، والشعبي ، والحكم بن عيينة والربيع بن أنس ، والضحاك ، وغير واحد .
وقوله : ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر تهديد لهن على قول خلاف الحق .
ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن ; لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتين ، وتتعذر إقامة البينة غالبا على ذلك ، فرد الأمر إليهن ، وتوعدن فيه ، لئلا تخبر بغير الحق إما استعجالا منها لانقضاء العدة ، أو رغبة منها في تطويلها ، لما لها في ذلك من المقاصد .
فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك من غير زيادة ولا نقصان .
وقوله : ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا أي : وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها ، إذا كان مراده بردتها الإصلاح والخير .
وهذا في الرجعيات .
فأما المطلقات البوائن فلم يكن حال نزول هذه الآية مطلقة بائن ، وإنما صار ذلك لما حصروا في الطلقات الثلاث ، فأما حال نزول هذه الآية فكان الرجل أحق برجعة امرأته وإن طلقها مائة مرة ، فلما قصروا في الآية التي بعدها على ثلاث تطليقات صار للناس مطلقة بائن وغير بائن .
وإذا تأملت هذا تبين لك ضعف ما سلكه بعض الأصوليين ، من استشهادهم على مسألة عود الضمير هل يكون مخصصا لما تقدمه من لفظ العموم أم لا ؟
بهذه الآية الكريمة ، فإن التمثيل بها غير مطابق لما ذكروه ، والله أعلم .
وقوله : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف أي : ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف ، كما ثبت في صحيح مسلم ، عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته ، في حجة الوداع : " فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " .
وفي حديث بهز بن حكيم ، عن معاوية بن حيدة القشيري ، عن أبيه ، عن جده ، أنه قال : يا رسول الله ، ما حق زوجة أحدنا ؟
قال : " أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " .
وقال وكيع عن بشير بن سليمان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة ; لأن الله يقول : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم .
وقوله : ( وللرجال عليهن درجة أي : في الفضيلة في الخلق ، والمنزلة ، وطاعة الأمر ، والإنفاق ، والقيام بالمصالح ، والفضل في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ) [ النساء : 34 ] .
وقوله : والله عزيز حكيم أي : عزيز في انتقامه ممن عصاه وخالف أمره ، حكيم في أمره وشرعه وقدره .
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء القول في تأويل قوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } يعني تعالى ذكره .
والمطلقات اللواتي طلقن بعد ابتناء أزواجهن بهن , وإفضائهم إليهن إذا كن ذوات حيض وطهر , يتربصن بأنفسهن عن نكاح الأزواج ثلاثة قروء .
واختلف أهل التأويل في تأويل القرء الذي عناه الله بقوله : { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } فقال بعضهم : هو الحيض .
ذكر من قال ذلك : 3699 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } قال : حيض .
3700 - حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع : { ثلاثة قروء } أي ثلاث حيض .
يقول : تعتد ثلاث حيض .
3701 - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا همام بن يحيى , قال : سمعت قتادة في قوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } يقول : جعل عدة المطلقات ثلاث حيض , ثم نسخ منها المطلقة التي طلقت قبل أن يدخل بها زوجها , واللائي يئسن من المحيض , واللائي لم يحضن , والحامل .
3702 - حدثنا علي بن عبد الأعلى , قال : ثنا المحاربي , عن جويبر , عن الضحاك , قال : القروء : الحيض .
3730 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال , ثني حجاج , عن ابن جريج , عن عطاء الخراساني , عن ابن عباس : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } قال : ثلاث حيض .
3704 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : قال عمرو بن دينار : الأقراء الحيض عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
3705 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن رجل سمع عكرمة قال : الأقراء : الحيض , وليس بالطهر , قال تعالى { فطلقوهن لعدتهن } ولم يقل : " لقروئهن " .
* - حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } قالا : ثلاث حيض .
3706 - حدثنا موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } أما ثلاثة قروء : فثلاث حيض .
3707 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن أبي معشر , عن إبراهيم النخعي أنه رفع إلى عمر , فقال لعبد الله بن مسعود : لتقولن فيها !
فقال : أنت أحق أن تقول قال : لتقولن !
قال : أقول : إن زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة , قال : ذاك رأيي وافقت ما في نفسي فقضى بذلك عمر .
* - حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن أبي معشر , عن النخعي , عن قتادة , أن عمر بن الخطاب قال لابن مسعود , فذكر نحوه .
3708 - حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن أبي معشر , عن النخعي , أن عمر بن الخطاب وابن مسعود قالا : زوجها أحق بها ما لم تغتسل , أو قالا : تحل لها الصلاة .
3709 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد بن أبي عروبة , قال : ثنا مطر أن الحسن حدثهم : أن رجلا طلق امرأته , ووكل بذلك رجلا من أهله , أو إنسانا من أهله , فغفل ذلك الذي وكله بذلك حتى دخلت امرأته في الحيضة الثالثة , وقربت ماءها لتغتسل , فانطلق الذي وكل بذلك إلى الزوج , فأقبل الزوج وهي تريد الغسل , فقال : يا فلانة !
قالت : ما تشاء ؟
قال : إني قد راجعتك .
قالت : والله ما لك ذلك !
قال : بلى والله !
قال : فارتفعا إلى أبي موسى الأشعري , فأخذ يمينها بالله الذي لا إله إلا هو إن كنت لقد اغتسلت حين ناداك ؟
قالت : لا والله ما كنت فعلت , ولقد قربت مائي لأغتسل !
فردها على زوجها , وقال : أنت أحق ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .
* - حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن مطر , عن الحسن , عن أبي موسى الأشعري بنحوه .
3710 - حدثنا عمران بن موسى , قال : ثنا عبد الوارث , قال : ثنا يونس , عن الحسن , قال : قال عمر : هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .
3711 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو الوليد , قال : ثنا أبو هلال , عن قتادة , عن يونس بن جبير : أن عمر بن الخطاب طلق امرأته , فأرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة , فقال عمر بن الخطاب : امرأتي ورب الكعبة !
فراجعها .
قال ابن بشار : فذكرت هذا الحديث لعبد الرحمن بن مهدي , فقال : سمعت هذا الحديث من أبي هلال , عن قتادة , وأبو هلال لا يحتمل هذا .
3712 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم , عن علقمة قال : كنا عند عمر بن الخطاب , فجاءت امرأة فقالت : إن زوجي طلقني واحدة أو ثنتين , فجاء وقد وضعت مائي , وأغلقت بابي , ونزعت ثيابي .
فقال عمر لعبد الله : ما ترى ؟
قال : أراها امرأته ما دون أن تحل لها الصلاة .
قال عمر : وأنا أرى ذلك .
3713 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الحكم , عن إبراهيم , عن الأسود أنه قال في رجل طلق امرأته ثم تركها حتى دخلت في الحيضة الثالثة , فأرادت أن تغتسل , ووضعت ماءها لتغتسل , فراجعها : فأجازه عمر وعبد الله بن مسعود .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن شعبة , عن الحكم , عن إبراهيم , عن الأسود , بمثله .
إلا أنه قال : ووضعت الماء للغسل , فراجعها , فسأل عبد الله وعمر , فقال : هو أحق بها ما لم تغتسل .
3714 - حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , قالا : كان عمر وعبد الله يقولان : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة يملك الرجعة , فهو أحق بها ما لم تغتسل من حيضتها الثالثة .
3715 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا المغيرة , عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب كان يقول : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين , فهو أحق برجعتها , وبينهما الميراث ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن الحسن : أن رجلا طلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم وكل بها بعض أهله , فغفل الإنسان حتى دخلت مغتسلها , وقربت غسلها .
فأتاه فآذنه , فجاء فقال : أني قد راجعتك !
فقالت : كلا والله !
قال : بلى والله !
قالت : كلا والله !
قال : بلى والله !
قال : فتحالفا , فارتفعا إلى الأشعري , واستحلفها بالله لقد كنت اغتسلت وحلت لك الصلاة .
فأبت أن تحلف , فردها عليه .
* - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : ثنا سعيد , عن أبي معشر , عن النخعي , أن عمر استشار ابن مسعود في الذي طلق امرأته تطليقة أو ثنتين , فحاضت الحيضة الثالثة , فقال ابن مسعود : أراه أحق بها ما لم تغتسل , فقال عمر : وافقت الذي في نفسي .
فردها على زوجها .
3716 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا النعمان بن راشد , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : أن عليا كان يقول : هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .
3717 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عمرو بن دينار , قال : سمعت سعيد بن جبير يقول : إذا انقطع الدم فلا رجعة .
3718 - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , قال : إذا طلق الرجل امرأته وهي طاهر اعتدت ثلاث حيض سوى الحيضة التي طهرت منها .
3719 - حدثني محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن مطر , عن عمرو بن شعيب , أن عمر سأل أبا موسى عنها , وكان بلغه قضاؤه فيها , فقال أبو موسى : قضيت أن زوجها أحق بها ما لم تغتسل .
فقال عمر : لو قضيت غير هذا لأوجعت لك رأسك .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب : أن علي بن أبي طالب قال في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها تطليقة أو ثنتين , قال : لزوجها الرجعة عليها , حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة .
3720 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن رفيع , عن أبي عبيدة بن عبد الله , قال : أرسل عثمان إلى أبي يسأله عنها , فقال أبي : وكيف يفتى منافق ؟
فقال عثمان : أعيذك بالله أن تكون منافقا , ونعوذ بالله أن نسميك منافقا , ونعيذك بالله أن يكون مثل هذا كان في الإسلام ثم تموت ولم تبينه !
قال : فإني أرى أنه حق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة .
قال : فلا أعلم عثمان إلا أخذ بذلك .
3721 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن أبي قلابة , قال : وأخبرنا معمر , عن قتادة قالا : راجع رجل امرأته حين وضعت ثيابها تريد الاغتسال فقال : قد راجعتك , فقالت : كلا !
فاغتسلت .
ثم خاصمها إلى الأشعري , فردها عليه .
3722 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن زيد بن رفيع , عن معبد الجهني , قال : إذا غسلت المطلقة فرجها من الحيضة الثالثة بانت منه وحلت للأزواج .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , عن حماد , عن إبراهيم : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة , ويحل لها الصوم .
* - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن المثنى , قالا : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة .
* - حدثنا محمد بن يحيى .
قال : ثنا عبد الأعلى , عن سعيد , عن درست , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , عن علي , مثله .
وقال آخرون : بل القرء الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به : الطهر .
ذكره من قال ذلك : 3723 - حدثنا عبد الحميد بن بيان , قال : أخبرنا سفيان , عن الزهري , عن عمرة , عن عائشة .
قالت : الأقراء : الأطهار .
* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني عبد الله بن عمر , عن عبد الرحمن بن القاسم , عن أبيه .
عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول : الأقراء : الأطهار .
3724 - حدثنا الحسن , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عمرة وعروة , عن عائشة قالت : إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج .
قال الزهري : قالت عمرة : كانت عائشة تقول : القرء : الطهر , وليس بالحيضة .
3725 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام , مثل قول زيد وعائشة .
3726 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب عن نافع , عن ابن عمر , مثل قول زيد .
3727 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أن زيد بن ثابت قال : إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج .
قال معمر : وكان الزهري يفتي بقول زيد .
* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد يقول : بلغني أن عائشة قالت : إنما الأقراء : الأطهار .
* - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , عن سعيد بن المسيب , عن زيد بن ثابت , قال : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها .
3728 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى , عن سعيد , عن قتادة , عن ابن المسيب : في رجل طلق امرأته واحدة أو ثنتين , قال : قال زيد بن ثابت : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها .
وزاد ابن أبي عدي قال : قال علي بن أبي طالب : هو أحق بها ما لم تغتسل .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن سعيد , عن قتادة , عن ابن المسيب , عن زيد وعلي , بمثله .
3729 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن أبي الزناد , عن سليمان بن يسار عن زيد بن ثابت , قال : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا ميراث لها .
3730 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية - ح - وحدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قالا جميعا : ثنا أيوب , عن نافع , عن سليمان بن يسار : أن الأحوص رجل من أشراف أهل الشام طلق امرأته تطليقة أو ثنتين , فمات وهي في الحيضة الثالثة , فرفعت إلى معاوية , فلم يوجد عنده فيها علم , فسأل عنها فضالة بن عبيد ومن هناك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , فلم يوجد عندهم فيها علم , فبعث معاوية راكبا إلى زيد بن ثابت , فقال : لا ترثه , ولو ماتت لم يرثها .
فكان ابن عمر يرى ذلك .
3731 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن أيوب , عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له الأحوص من أهل الشام طلق امرأته تطليقة , فمات وقد دخلت في الحيضة الثالثة , فرفع إلى معاوية , فلم يدر ما يقول , فكتب فيها إلى زيد بن ثابت , فكتب إليه زيد : إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فلا ميراث بينهما .
* - حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن أيوب , عن نافع , عن سليمان بن يسار , أن رجلا يقال له الأحوص , فذكر نحوه عن معاوية وزيد .
* - حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن أيوب , عن نافع , قال : قال ابن عمر : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن نافع , عن ابن عمر أنه قال في المطلقة : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت .
3732 - حدثنا يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني عمر بن محمد , أن نافعا أخبره , عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت أنهما كانا يقولان : إذا دخلت المرأة في الدم من الحيضة الثالثة , فإنها لا ترثه ولا يرثها , وقد برئت منه وبرئ منها .
* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا يحيى بن سعيد , قال : بلغني , عن زيد بن ثابت قال : إذا طلقت المرأة , فدخلت في الحيضة الثالثة أنه ليس بينهما ميراث ولا رجعة .
3733 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : سمعت يحيى بن سعيد , يقول : سمعت سالم بن عبد الله يقول مثل قول زيد بن ثابت .
3734 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : وسمعت يحيى يقول : بلغني عن أبان بن عثمان أنه كان يقول ذلك .
* - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا عبيد الله , عن زيد بن ثابت , مثل ذلك .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : ثنا شعبة , عن عبد ربه بن سعيد , عن نافع : أن معاوية بعث إلى زيد بن ثابت , فكتب إليه زيد : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت .
وكان ابن عمر يقوله .
3735 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن سعيد , عن سليمان وزيد بن ثابت أنهما قالا : إذا حاضت الحيضة الثالثة فلا رجعة , ولا ميراث .
* - حدثنا مجاهد بن موسى , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا هشام بن حسان , عن قيس بن سعد , عن بكير بن عبد الله بن الأشج , عن زيد بن ثابت , قال : إذا طلق الرجل امرأته , فرأت الدم في الحيضة الثالثة , فقد انقضت عدتها .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة عن موسى بن شداد , عن عمر بن ثابت الأنصاري , قال : كان زيد بن ثابت يقول : إذا حاضت المطلقة الثالثة قبل أن يراجعها زوجها فلا يملك رجعتها .
3736 - حدثنا محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , عن سعيد , عن درست , عن الزهري , عن سعيد بن المسيب , أن عائشة وزيد بن ثابت قالا : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها .
قال أبو جعفر : والقرء في كلام العرب : جمعه قروء , وقد تجمعه العرب أقراء , يقال في أفعل منه : أقرأت المرأة : إذا صارت ذات حيض وطهر , فهي تقرئ إقراء .
وأصل القرء في كلام العرب : الوقت لمجيء الشيء المعتاد مجيئه لوقت معلوم , ولإدبار الشيء المعتاد إدباره لوقت معلوم , ولذلك قالت العرب : أقرأت حاجة فلان عندي , بمعنى دنا قضاؤها , وجاء وقت قضائها ; وأقرأ النجم : إذا جاء وقت أفوله , وأقرأ : إذا جاء وقت طلوعه , كما قال الشاعر : إذا ما الثريا وقد أقرأت أحس السماكان منها أفولا وقيل : أقرأت الريح : إذا هبت لوقتها , كما قال الهذلي : شنئت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح بمعنى هبت لوقتها وحين هبوبها .
ولذلك سمى بعض العرب وقت مجيء الحيض قرءا , إذا كان دما يعتاد ظهوره من فرج المرأة في وقت , وكمونه في آخر , فسمي وقت مجيئه قرءا , كما سعى الذين سموا وقت مجيء الريح لوقتها قرءا , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش : " دعي الصلاة أيام أقرائك " بمعنى : دعي الصلاة أيام إقبال حيضك .
وسمى آخرون من العرب وقت مجيء الطهر قرءا , إذ كان وقت مجيئه وقتا لإدبار الدم دم الحيض , وإقبال الطهر المعتاد مجيئه لوقت معلوم , فقال في ذلك الأعشى ميمون بن قيس : وفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي الذكر رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا فجعل القرء : وقت الطهر .
ولما وصفنا من معنى القرء أشكل تأويل قول الله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } على أهل التأويل , فرأى بعضهم أن الذي أمرت به المرأة المطلقة ذات الأقراء من الأقراء أقراء الحيض , وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه , فأوجب عليها تربص ثلاث حيض بنفسها عن خطبة الأزواج .
ورأى آخرون أن الذي أمرت به من ذلك إنما هو أقراء الطهر , وذلك وقت مجيئه لعادته التي تجيء فيه , فأوجب عليها تربص ثلاث أطهار .
فإذ كان معنى القرء ما وصفنا لما بينا , وكان الله تعالى ذكره قد أمر المريد بطلاق امرأته أن لا يطلقها إلا طاهرا غير مجامعة , وحرم عليه طلاقها حائضا , كان اللازم للمطلقة المدخول بها إذا كانت ذات أقراء تربص أوقات محدودة المبلغ بنفسها عقيب طلاق زوجها إياها أن تنظر إلى ثلاثة قروء بين طهري كل قرء منهن قرء , هو خلاف ما احتسبته لنفسها مروءا تتربصهن .
فإذا انقضين , فقد حلت للأزواج , وانقضت عدتها ; وذلك أنها إذا فعلت ذلك , فقد دخلت في عداد من تربص من المطلقات بنفسها ثلاثة قروء بين طهري كل قرء منهن قرء له مخالف , وإذا فعلت ذلك كانت مؤدية ما ألزمها ربها تعالى ذكره بظاهر تنزيله .
فقد تبين إذا إذ كان الأمر على ما وصفنا أن القرء الثالث من أقرائها على ما بينا الطهر الثالث , وأن بانقضائه ومجيء قرء الحيض الذي يتلوه انقضاء عدتها .
فإن ظن ذو غباوة إذ كنا قد نسمي وقت مجيء الطهر قرءا , ووقت مجيء الحيض قرءا أنه يلزمنا أن نجعل عدة المرأة منقضية بانقضاء الطهر الثاني , إذ كان الطهر الذي طلقها فيه , والحيضة التي بعده , والطهر الذي يتلوها أقراء كلها ; فقد ظن جهلا , وذلك أن الحكم عندنا في كل ما أنزله الله في كتابه على ما احتمله ظاهر التنزيل ما لم يبين الله تعالى ذكره لعباده , أن مراده منه الخصوص , إما بتنزيل في كتابه , أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فإذا خص منه البعض , كان الذي خص من ذلك غير داخل في الجملة التي أوجب الحكم بها , وكان سائرها على عمومها , كما قد بينا في كتابنا : " كتاب لطيف القول من البيان عن أصول الأحكام " وغيره من كتبنا .
فالأقراء التي هي أقراء الحيض بين طهري أقراء الطهر غير محتسبة من أقراء المتربصة بنفسها بعد الطلاق لإجماع الجميع من أهل الإسلام أن الأقراء التي أوجب الله عليها تربصهن ثلاثة قروء , بين كل قرء منهن أوقات مخالفات المعنى لأقرائها التي تربصهن , وإذ كن مستحقات عندنا اسم أقراء , فإن ذلك من إجماع الجميع لم يجز لها التربص إلا على ما وصفنا قبل .
وفي هذه الآية دليل واضح على خطأ قول من قال : إن امرأة المولي التي آلى منها تحل للأزواج بانقضاء الأشهر الأربعة إذا كانت قد حاضت ثلاث حيض في الأشهر الأربعة ; لأن الله تعالى ذكره إنما أوجب عليها العدة بعد عزم المولي على طلاقها , وإيقاع الطلاق بها بقوله : { وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } فأوجب تعالى ذكره على المرأة إذا صارت مطلقة تربص ثلاثة قروء فمعلوم أنها لم تكن مطلقة يوم آلى منها زوجها لإجماع الجميع على أن الإيلاء ليس بطلاق موجب على المولى منها العدة .
وإذ كان ذلك كذلك , فالعدة إنما تلزمها بعد للطلاق , والطلاق إنما يلحقها بما قد بيناه قبل .
وأما معنى قوله : { والمطلقات } فإنه : والمخليات السبيل غير ممنوعات بأزواج ولا مخطوبات , وقول القائل : فلانة مطلقة , إنما هو مفعلة من قول القائل : طلق الرجل زوجته فهي مطلقة ; وأما قولهم : هي طالق , فمن قولهم : طلقها زوجها فطلقت هي , وهي تطلق طلاقا , وهي طالق .
وقد حكي عن بعض أحياء العرب أنها تقول : طلقت المرأة وإنما قيل ذلك لها إذا خلاها زوجها , كما يقال للنعجة المهملة بغير راع ولا كالئ إذا خرجت وحدها من أهلها للرعي مخلاة سبيلها .
هي طالق فمثلت المرأة المخلاة سبيلها بها , وسميت بما سميت به النعجة التي وصفنا أمرها .
وأما قولهم : طلقت المرأة , فمعنى غير هذا إنما يقال في هذا إذا نفست , هذا من الطلق , والأول من الطلاق .
وقد بينا أن التربص إنما هو التوقف عن النكاح , وحبس النفس عنه في غير هذا الموضع .ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر القول في تأويل قوله تعالى : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : تأويله : ولا يحل لهن , يعني للمطلقات أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض إذا طلقن , حرم عليهن أن يكتمن أزواجهن الذين طلقوهن في الطلاق الذي عليهم لهن فيه رجعة يبتغين بذلك إبطال حقوقهم من الرجعة عليهن .
ذكر من قال ذلك : 3737 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , عن يونس , عن ابن شهاب , قال : قال الله تعالى ذكره : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } إلى قوله : { وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم } قال : بلغنا أن ما خلق في أرحامهن الحمل , وبلغنا أن الحيضة , فلا يحل لهن أن يكتمن ذلك لتنقضي العدة ولا يملك الرجعة إذا كانت له 3738 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : الحيض * حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : أكثر ذلك الحيض * حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت مطرفا , عن الحكم , قال : قال إبراهيم في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : الحيض 3739 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا خالد الحذاء , عن عكرمة في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : الحيض .
ثم قال خالد : الدم .
وقال آخرون : هو الحيض , غير أن الذي حرم الله تعالى ذكره عليها كتمانه فيما خلق في رحمها من ذلك هو أن تقول لزوجها المطلق وقد أراد رجعتها قبل الحيضة الثالثة : قد حضت الحيضة الثالثة كاذبة , لتبطل حقه بقيلها الباطل في ذلك .
ذكر من قال ذلك : 3740 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عبيدة بن معتب , عن إبراهيم في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : الحيض المرأة تعتد قرأين , ثم يريد زوجها أن يراجعها , فتقول : قد حضت الثالثة 3741 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن منصور , عن إبراهيم : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : أكثر ما عنى به الحيض وقال آخرون : بل المعنى الذي نهيت عن كتمانه زوجها المطلق الحبل والحيض جميعا .
ذكر من قال ذلك : 3742 - حدثنا حميد بن مسعدة , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا الأشعث , عن نافع , عن ابن عمر : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } من الحيض والحمل , لا يحل لها إن كانت حائضا أن تكتم حيضتها , ولا يحل لها إن كانت حاملا أن تكتم حملها 3743 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس , قال : سمعت مطرفا , عن الحكم , عن مجاهد في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : الحمل والحيض .
قال ابن كريب : قال ابن إدريس : هذا أول حديث سمعته من مطرف .
* حدثني أبو السائب , قال : ثنا ابن إدريس , عن مطرف , عن الحكم , عن مجاهد , مثله , إلا أنه قال : الحبل .
* حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري , قال : حدثنا أبو إسحاق الفزاري , عن ليث , عن مجاهد في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : من الحيض والولد * حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مسلم بن خالد الزنجي , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : من الحيض والولد * حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : لا يحل للمطلقة أن تقول إني حائض وليست بحائض , ولا تقول : إني حبلى وليست بحبلى , ولا تقول : لست بحبلى وهي بحبلى * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد مثله .
* حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن الحجاج , عن مجاهد , قال : الحيض والحبل , قال : تفسيره أن لا تقول إني حائض وليست بحائض , ولا لست بحائض وهي حائض , ولا أني حبلى وليست بحبلى , ولا لست بحبلى وهي حبلى * حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن الحجاج , عن القاسم بن نافع , عن مجاهد نحو هذا التفسير في هذه الآية .
3744 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن ليث , عن مجاهد , مثله , وزاد فيه : قال : وذلك كله في بغض المرأة زوجها وحبه 3745 - حدثنا عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } يقول : لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحبل , لا يحل لها أن تقول : إني قد حضت ولم تحض , ولا يحل أن تقول : إني لم أحض وقد حاضت , ولا يحل لها أن تقول : إني حبلى وليست بحبلى , ولا أن تقول : لست بحبلى وهي حبلى 3746 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } الآية , قال : لا يكتمن الحيض ولا الولد , ولا يحل لها أن تكتمه وهو لا يعلم متى تحل لئلا يرتجعها مضارة 3747 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } يعني الولد , قال : الحيض والولد هو الذي اؤتمن عليه النساء وقال آخرون : بل عنى بذلك الحبل .
ثم اختلف قائلو ذلك في السبب الذي من أجله نهيت عن كتمان ذلك الرجل , فقال بعضهم : نهيت عن ذلك لئلا تبطل حق الزوج من الرجعة إذا أراد رجعتها قبل وضعها وحملها .
ذكر من قال ذلك : 3748 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن قباث بن رزين , عن علي بن رباح أنه حدثه أن عمر بن الخطاب قال لرجل : اتل هذه الآية فتلا .
فقال : إن فلانة ممن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن .
وكانت طلقت وهي حبلى , فكتمت حتى وضعت 3749 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل , فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها , وهو قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } 3750 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن يحيى بن بشر أنه سمع عكرمة يقول : الطلاق مرتان بينهما رجعة , فإن بدا له أن يطلقها بعد هاتين فهي ثالثة , وإن طلقها ثلاثا فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره .
إنما اللاتي ذكرن في القرآن : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن } هي التي طلقت واحدة أو ثنتين , ثم كتمت حملها لكي تنجو من زوجها , فأما إذا بت الثلاث تطليقات فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره .
وقال آخرون : السبب الذي من أجله نهين عن كتمان ذلك أنهن في الجاهلية كن يكتمنه أزواجهن خوف مراجعتهم إياهن حتى يتزوجن غيرهم , فيلحق نسب الحمل الذي هو من الزوج المطلق بمن تزوجته فحرم الله ذلك عليهن ذكر من قال ذلك : 3751 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا سويد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : كانت المرأة إذا طلقت كتمت ما في بطنها وحملها لتذهب بالولد إلى غير أبيه , فكره الله ذلك لهن * حدثني محمد بن يحيى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا سعيد , عن قتادة : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : علم الله أن منهن كواتم يكتمن الولد , وكان أهل الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته وهي حامل , فتكتم الولد وتذهب به إلى غيره , وتكتم مخافة الرجعة , فنهى الله عن ذلك , وقدم فيه * حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } قال : كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر منها وقال آخرون : بل السبب الذي من أجله نهين عن كتمان ذلك , هو أن الرجل كان إذا أراد طلاق امرأته سألها هل بها حمل لكيلا يطلقها , وهي حامل منه للضرر الذي يلحقه وولده في فراقها إن فارقها , فأمرن بالصدق في ذلك ونهين عن الكذب .
ذكر من قال ذلك : 3752 - حدثني موسى , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } فالرجل يريد أن يطلق امرأته فيسألها : هل بك حمل ؟
فتكتمه إرادة أن تفارقه , فيطلقها وقد كتمته حتى تضع .
وإذا علم بذلك فإنها ترد إليه عقوبة لما كتمته , وزوجها أحق برجعتها صاغرة وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال : الذي نهيت المرأة المطلقة عن كتمانه زوجها المطلقها تطليقة أو تطليقتين مما خلق الله في رحمها الحيض والحبل ; لأنه لا خلاف بين الجميع أن العدة تنقضي بوضع الولد الذي خلق الله في رحمها كما تنقضي بالدم إذا رأته بعد الطهر الثالث في قول من قال : القرء : الطهر , وفي قول من قال : هو الحيض إذا انقطع من الحيضة الثالثة فتطهرت بالاغتسال .
فإذا كان ذلك كذلك , وكان الله تعالى ذكره إنما حرم عليهن كتمان المطلق الذي وصفنا أمره ما يكون بكتمانهن إياه بطول حقه الذي جعله الله له بعد الطلاق عليهن إلى انقضاء عدتهن , وكان ذلك الحق يبطل بوضعهن ما في بطونهن إن كن حوامل , وبانقضاء الأمراء الثلاثة إن كن غير حوامل , علم أنهن منهيات عن كتمان أزواجهن المطلقين من كل واحد منهما - أعني من الحيض والحبل - مثل الذي هن منهيات عنه من الآخر , وأن لا معنى لخصوص من خص بأن المراد بالآية من ذلك أحدهما دون الآخر , إذ كانا جميعا مما خلق الله في أرحامهن , وأن في كل واحدة منهما من معنى بطول حق الزوج بانتهائه إلى غاية مثل ما في الآخر .
ويسأل من خص ذلك فجعله لأحد المعنيين دون الآخر عن البرهان على صحة دعواه من أصل أو حجة يجب التسليم لها , ثم يعكس عليه القول في ذلك , فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله .
وأما الذي قاله السدي من أنه معني به نهي النساء كتمان أزواجهن الحبل عند إرادتهم طلاقهن , فقول لما يدل عليه ظاهر التنزيل مخالف , وذلك أن الله تعالى ذكره قال : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } بمعنى : ولا يحل أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الثلاثة القروء إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر .
وذلك أن الله تعالى ذكره ذكر تحريم ذلك عليهن بعد وصفه إياهن بما وصفهن به من فراق أزواجهن بالطلاق , وإعلامهن ما يلزمهن من التربص معرفا لهن بذلك ما يحرم عليهن وما يحل , وما يلزمهن من العدة ويجب عليهن فيها , فكان مما عرفهن أن من الواجب عليهن أن لا يكتمن أزواجهن الحيض والحبل الذي يكون بوضع هذا وانقضاء هذا إلى نهاية محدودة انقطاع حقوق أزواجهن ضرار منهن لهم , فكان نهيه عما نهاهن عنه من ذلك بأن يكون من صفة ما يليه قبله ويتلوه بعده , أولى من أن يكون من صفة ما لم يجر له ذكر قبله .
فإن قال قائل : ما معنى قوله : { إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر } أو يحل لهن كتمان ذلك أزواجهن إن كن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر حتى خص النهي عن ذلك المؤمنات بالله واليوم الآخر ؟
قيل : معنى ذلك على غير ما ذهبت إليه , وإنما معناه : أن كتمان المرأة المطلقة زوجها المطلقها ما خلق الله تعالى في رحمها من حيض وولد في أيام عدتها من طلاقه ضرارا له ليس من فعل من يؤمن بالله واليوم الآخر ولا من أخلاقه , وإنما ذلك من فعل من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر وأخلاقهن من النساء الكوافر فلا تتخلقن أيتها المؤمنات بأخلاقهن , فإن ذلك لا يحل لكن إن كنتن تؤمن بالله واليوم الآخر وكنتن من المسلمات ; لا أن المؤمنات هن المخصوصات بتحريم ذلك عليهن دون الكوافر , بل الواجب على كل من لزمته فرائض الله من النساء اللواتي لهن أقراء إذا طلقت بعد الدخول بها في عدتها أن لا تكتم زوجها ما خلق الله في رحمها من الحيض والحبل .وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا القول في تأويل قوله تعالى : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إذ أرادوا إصلاحا } والبعولة جمع بعل : وهو الزوج للمرأة , ومنه قول جرير : أعدوا مع الحلي الملاب فإنما جرير لكم بعل وأنتم حلائله وقد يجمع البعل البعولة والبعول , كما يجمع الفحل والفحول والفحولة , والذكر والذكور والذكورة .
وكذلك ما كان على مثال " فعول " من الجمع , فإن العرب كثيرا ما تدخل فيه الهاء , فإما ما كان منها على مثال " فعال " فقليل في كلامهم دخول الهاء فيه , وقد حكى عنهم العظام والعظامة , ومنه قول الراجز : ثم دفنت الفرث والعظامة وقد قيل : الحجارة والحجار , والمهارة والمهار , والذكاة والذكار , للذكور .
وأما تأويل الكلام , فإنه : أزواج المطلقات اللاتي فرضنا عليهن أن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء , وحرمنا عليهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن , أحق وأولى بردهن إلى أنفسهم في حال تربصهن إلى الأقراء الثلاثة , وأيام الحيل , وارتجاعهن إلى حبالهن منهم بأنفسهن أن يمنعهن من أنفسهن ذلك كما : 3753 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } يقول : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو ثنتين , وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع .
3754 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن سفيان , عن منصور , عن إبراهيم : { وبعولتهن أحق بردهن } قال : في العدة 3755 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا الحسين بن واقد , عن يزيد النحوي , عن عكرمة والحسن البصري , قالا : قال الله تعالى ذكره : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا } وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته كان أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا , فنسخ ذلك فقال : { الطلاق مرتان } الآية 2 229 3756 - حدثنا موسى بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } في عدتهن * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
* حدثنا ابن وكيع , قال : حدثنا أبي , عن سفيان , عن ليث , عن مجاهد , قال : في العدة 3757 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } أي في القروء في الثلاث حيض , أو ثلاثة أشهر , أو كانت حاملا , فإذا طلقها زوجها واحدة أو اثنتين راجعها إن شاء ما كانت في عدتها 3758 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } قال : كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر , فنهاهن الله عن ذلك وقال : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } قال قتادة : أحق برجعتهن في العدة 3759 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع قوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } يقول : في العدة ما لم يطلقها ثلاثا 3760 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } يقول : أحق برجعتها صاغرة عقوبة لما كتمت زوجها من الحمل 3761 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وبعولتهن أحق بردهن } أحق برجعتهن ما لم تنقض العدة 3762 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } قال : ما كانت في العدة إذا أراد المراجعة فإن قال لنا قائل : فما لزوج طلق واحدة أو اثنتين بعد الإفضاء إليها عليها رجعة في أقرائها الثلاثة , إلا أن يكون مريدا بالرجعة إصلاح أمرها وأمره ؟
قيل : أما فيما بينه وبين الله تعالى فغير جائز - إذا أراد ضرارها بالرجعة لا إصلاح أمرها وأمره - مراجعتها .
وأما في الحكم فإنه مقضي له عليها بالرجعة نظير ما حكمنا عليه ببطول رجعته عليها لو كتمته حملها الذي خلقه الله في رحمها أو حيضها حتى انقضت عدتها ضرارا منها له , وقد نهى الله عن كتمانه ذلك , فكان سواء في الحكم في بطول رجعة زوجها عليها وقد أثمت في كتمانها إياه ما كتمته من ذلك حتى انقضت عدتها هي والتي أطاعت الله بتركها كتمان ذلك منه , وإن اختلفا في طاعة الله في ذلك ومعصيته , فكذلك المراجع زوجته المطلقة واحدة أو ثنتين بعد الإفضاء إليها وهما حران , وإن أراد ضرار المراجعة برجعته فمحكوم له بالرجعة وإن كان آثما برأيه في فعله ومقدما على ما لم يبحه الله له , والله وفى مجازاته فيما أتى من ذلك .
فأما العباد فإنهم غير جائز لهم الحول بينه وبين امرأته التي راجعها بحكم الله تعالى ذكره له بأنها حينئذ زوجته , فإن حاول ضرارها بعد المراجعة بغير الحق الذي جعله الله له أخذ لها الحقوق التي ألزم الله تعالى ذكره الأزواج للزوجات حتى يعدو ضرر ما أراد من ذلك عليه دونها , وفي قوله : { وبعولتهن أحق بردهن في ذلك } أبين الدلالة على صحة قول من قال : إن الموفي إذا عزم الطلاق فطلق امرأته التي آلى منها أن له عليها الرجعة في طلاقه ذلك , وعلى فساد قول من قال : إن مضي الأشهر الأربعة عزم الطلاق , وأنه تطليقة بائنة , لأن الله تعالى ذكره إنما أعلم عباده ما يلزمهم إذا آلوا من نسائهم وما يلزم النساء من الأحكام في هذه الآية بإيلاء الرجال وطلاقهم , إذا عزموا ذلك وتركوا الفيء .ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف القول في تأويل قوله تعالى : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : تأويله : ولهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن لهم من الطاعة فيما أوجب الله تعالى ذكره له عليها .
ذكر من قال ذلك : 3763 - حدثنا المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أبو عاصم , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } قال : إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن , فعليه أن يحسن صحبتها , ويكف عنها أذاه , وينفق عليها من سعته 3764 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } قال : يتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله فيهم وقال آخرون : معنى ذلك : ولهن على أزواجهن من التصنع والمواتاة مثل الذي عليهن لهم في ذلك .
ذكر من قال ذلك : 3765 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن بشير بن سلمان , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : إني أحب أن أتزين للمرأة , كما أحب أن تتزين لي ; لأن الله تعالى ذكره يقول : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } والذي هو أولى بتأويل الآية عندي : وللمطلقات واحدة أو ثنتين بعد الإفضاء إليهن على بعولتهن أن لا يراجعوهن ضرارا في أقرائهن الثلاثة إذا أرادوا رجعتهن فيه إلا أن يريدوا إصلاح أمرهن وأمرهم فلا يراجعوهن ضرارا , كما عليهن لهم إذا أرادوا رجعتهن فيهن أن لا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الولد ودم الحيض ضرارا منهن لهم ليفتنهم بأنفسهن , ذلك أن الله تعالى ذكره نهى المطلقات عن كتمان أزواجهن في أقرائهن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر , وجعل أزواجهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا , فحرم الله على كل واحد منهما مضارة صاحبه , وعرف كل واحد منهما ما له وما عليه من ذلك , ثم عقب ذلك بقوله : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } فبين أن الذي على كل واحد منهما لصاحبه من ترك مضارته مثل الذي له على صاحبه من ذلك .
فهذا التأويل هو أشبه بدلالة ظاهر التنزيل من غيره , وقد يحتمل أن يكون كل ما على كل واحد منهما لصاحبه داخلا في ذلك , وإن كانت الآية نزلت فيما وصفنا , لأن الله تعالى ذكره قد جعل لكل واحد منهما على الآخر حقا , فلكل واحد منهما على الآخر من أداء حقه إليه مثل الذي عليه له , فيدخل حينئذ في الآية ما قاله الضحاك وابن عباس وغير ذلك .وللرجال عليهن درجة القول في تأويل قوله تعالى : { وللرجال عليهن درجة } اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك , فقال بعضهم : معنى الدرجة التي جعل الله للرجال على النساء الفضل الذي فضلهم الله عليهن في الميراث والجهاد وما أشبه ذلك .
ذكر من قال ذلك : 3766 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وللرجال عليهن درجة } قال : فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد , وفضل ميراثه , وكل ما فضل به عليها * حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
3767 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر : عن قتادة : { وللرجال عليهن درجة } قال : للرجال درجة في الفضل على النساء وقال آخرون : بل تلك الدرجة : الإمرة والطاعة .
ذكر من قال ذلك : 3768 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن يمان , عن سفيان , عن زيد بن أسلم في قوله : { وللرجال عليهن درجة } قال : إمارة 3769 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { وللرجال عليهن درجة } قال : طاعة قال : يطعن الأزواج الرجال , وليس الرجال يطيعونهن 3770 - حدثني المثنى قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا أزهر , عن ابن عون , عن محمد في قوله : { وللرجال عليهن درجة } قال : لا أعلم إلا أن لهن مثل الذي عليهن إذا عرفن تلك الدرجة وقال آخرون : تلك الدرجة له عليها بما ساق إليها من الصداق , وإنها إذا قذفته حدت , وإذا قذفها لاعن .
ذكر من قال ذلك : 3771 - حدثنا محمد بن حميد , قال : ثنا جرير , عن عبيدة , عن الشعبي في قوله : { وللرجال عليهن درجة } قال : بما أعطاها من صداقها , وأنه إذا قذفها لاعنها , وإذا قذفته جلدت وأقرت عنده وقال آخرون : تلك الدرجة التي له عليها إفضاله عليها وأداء حقها إليها , وصفحه عن الواجب له عليها , أو عن بعضه .
ذكر من قال ذلك : 3772 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن بشير بن سلمان , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها , لأن الله تعالى ذكره يقول : { وللرجال عليهن درجة } وقال آخرون : بل تلك الدرجة التي له عليها أن جعل له لحية وحرمها ذلك .
ذكر من قال ذلك : 3773 - حدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي , قال : ثنا عبيد بن الصباح , قال : ثنا حميد , قال : { وللرجال عليهن درجة } قال : لحية وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس , وهو أن الدرجة التي ذكر الله تعالى ذكره في هذا الموضع الصفح من الرجل لامرأته عن بعض الواجب عليها , وإغضاؤه لها عنه , وأداء كل الواجب لها عليه , وذلك أن الله تعالى ذكره قال : { وللرجال عليهن درجة } عقيب قوله : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف } فأخبر تعالى ذكره أن على الرجل من ترك ضرارها في مراجعته إياها في أقرائها الثلاثة وفي غير ذلك من أمورها وحقوقها , مثل الذي له عليها من ترك ضراره في كتمانها إياه ما خلق الله في أرحامهن وغير ذلك من حقوقه .
ثم ندب الرجال إلى الأخذ عليهن بالفضل إذا تركن أداء بعض ما أوجب الله لهم عليهن , فقال تعالى ذكره : { وللرجال عليهن درجة } بتفضلهم عليهن , وصفحهم لهن عن بعض الواجب لهم عليهن , وهذا هو المعنى الذي قصده ابن عباس بقوله : ما أحب أن أستنظف جميع حقي عليها لأن الله تعالى ذكره يقول : { وللرجال عليهن درجة } ومعنى الدرجة : الرتبة والمنزلة , وهذا القول من الله تعالى ذكره , وإن كان ظاهره ظاهر الخبر , فمعناه معنى ندب الرجال إلى الأخذ على النساء بالفضل ليكون لهم عليهن فضل درجة .والله عزيز حكيم القول في تأويل قوله تعالى : { والله عزيز حكيم } يعني تعالى ذكره بذلك : والله عزيز في انتقامه ممن خالف أمره , وتعدى حدوده , فأتى النساء في المحيض , وجعل الله عرضة لأيمانه أن يبر ويتقي , ويصلح بين الناس , وعضل امرأته بإيلائه , وضارها في مراجعته بعد طلاقه , ولمن كتم من النساء ما خلق الله في أرحامهن أزواجهن , ونكحن في عددهن , وتركن التربص بأنفسهن إلى الوقت الذي حده الله لهن , وركبن غير ذلك من معاصيه , حكيم فيما دبر في خلقه , وفيما حكم وقضى بينهم من أحكامه .
كما : 3774 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { والله عزيز حكيم } يقول : عزيز في نقمته , حكيم في أمره وإنما توعد الله تعالى ذكره بهذا القول عباده لتقديمه قبل ذلك بيان ما حرم عليهم أو نهاهم عنه من ابتداء قوله : { ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن } إلى قوله : { وللرجال عليهن درجة } ثم أتبع ذلك بالوعيد ليزدجر أولو النهى , وليذكر أولو الحجا , فيتقوا عقابه , ويحذروا عذابه .
والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيمقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : والمطلقات لما ذكر الله تعالى الإيلاء وأن الطلاق قد يقع فيه بين تعالى حكم المرأة بعد التطليق .
وفي كتاب أبي داود والنسائي عن ابن عباس قال في قول الله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء الآية ، وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق بها ، وإن طلقها ثلاثا ، فنسخ ذلك وقال : الطلاق مرتان الآية .
والمطلقات لفظ عموم ، والمراد به الخصوص في المدخول بهن ، وخرجت المطلقة قبل البناء بآية " الأحزاب " : فما لكم عليهن من عدة تعتدونها على ما يأتي .
وكذلك الحامل بقوله : وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن .
والمقصود من الأقراء الاستبراء ، بخلاف [ ص: 106 ] عدة الوفاة التي هي عبادة .
وجعل الله عدة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي قد يئست الشهور على ما يأتي .
وقال قوم : إن العموم في المطلقات يتناول هؤلاء ثم نسخن ، وهو ضعيف ، وإنما الآية فيمن تحيض خاصة ، وهو عرف النساء وعليه معظمهن .الثانية : قوله تعالى : يتربصن التربص الانتظار ، على ما قدمناه .
وهذا خبر والمراد الأمر ، كقوله تعالى : والوالدات يرضعن أولادهن وجمع رجل عليه ثيابه ، وحسبك درهم ، أي اكتف بدرهم ، هذا قول أهل اللسان من غير خلاف بينهم فيما ذكر ابن الشجري .
ابن العربي : وهذا باطل ، وإنما هو خبر عن حكم الشرع ، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع ، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله تعالى على خلاف مخبره .
وقيل : معناه ليتربصن ، فحذف اللام .الثالثة : قرأ جمهور الناس ( قروء ) على وزن فعول ، اللام همزة .
ويروى عن نافع " قرو " بكسر الواو وشدها من غير همز .
وقرأ الحسن " قرء " بفتح القاف وسكون الراء والتنوين .
وقروء جمع أقرؤ وأقراء ، والواحد قرء بضم القاف ، قاله الأصمعي .
وقال أبو زيد : ( قرء ) بفتح القاف ، وكلاهما قال : أقرأت المرأة إذا حاضت ، فهي مقرئ .
وأقرأت طهرت .
وقال الأخفش : أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض ، فإذا حاضت قلت : قرأت ، بلا ألف .
يقال : أقرأت المرأة حيضة أو حيضتين .
والقرء : انقطاع الحيض .
وقال بعضهم : ما بين الحيضتين وأقرأت حاجتك : دنت ، عن الجوهري .
وقال أبو عمرو بن العلاء : من العرب من يسمي الحيض قرءا ، ومنهم من يسمي الطهر قرءا ، ومنهم من يجمعهما جميعا ، فيسمي الطهر مع الحيض قرءا ، ذكره النحاس .الرابعة : واختلف العلماء في الأقراء ، فقال أهل الكوفة : هي الحيض ، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي .
وقال أهل الحجاز : هي الأطهار ، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي .
فمن جعل القرء اسما للحيض سماه بذلك ، لاجتماع الدم في الرحم ، ومن جعله اسما للطهر فلاجتماعه في البدن ، والذي يحقق لك هذا الأصل في القرء الوقت ، يقال : هبت الريح لقرئها وقارئها أي لوقتها ، قال الشاعر :كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح[ ص: 107 ] فقيل للحيض : وقت ، وللطهر وقت ؛ لأنهما يرجعان لوقت معلوم ، وقال الأعشى في الأطهار :أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكامورثة عزا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكاوقال آخر في الحيض :يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائضيعني أنه طعنه فكان له دم كدم الحائض .
وقال قوم : هو مأخوذ من قرء الماء في الحوض .
وهو جمعه ، ومنه القرآن لاجتماع المعاني .
ويقال لاجتماع حروفه ، ويقال : ما قرأت الناقة سلى قط ، أي لم تجمع في جوفها ، وقال عمرو بن كلثوم :ذراعي عيطل أدماء بكر هجان اللون لم تقرأ جنينافكأن الرحم يجمع الدم وقت الحيض ، والجسم يجمعه وقت الطهر .
قال أبو عمر بن عبد البر : قول من قال : إن القرء مأخوذ من قولهم : قريت الماء في الحوض ليس بشيء ؛ لأن القرء مهموز وهذا غير مهموز .قلت : هذا صحيح بنقل أهل اللغة : الجوهري وغيره .
واسم ذلك الماء قرى ( بكسر القاف ، مقصور ) .
وقيل : القرء ، الخروج إما من طهر إلى حيض أو من حيض إلى طهر ، وعلى هذا قال الشافعي في قول : القرء الانتقال من الطهر إلى الحيض ، ولا يرى الخروج من الحيض إلى الطهر قرءا .
وكان يلزم بحكم الاشتقاق أن يكون قرءا ، ويكون معنى قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء .
أي ثلاثة أدوار أو ثلاثة انتقالات ، والمطلقة متصفة بحالتين فقط ، فتارة تنتقل من طهر إلى حيض ، وتارة من حيض إلى طهر فيستقيم معنى الكلام ، ودلالته على الطهر والحيض جميعا ، فيصير الاسم مشتركا .
ويقال : إذا ثبت أن القرء الانتقال فخروجها من طهر إلى حيض غير مراد بالآية أصلا ، ولذلك لم يكن الطلاق في الحيض طلاقا سنيا مأمورا به ، وهو الطلاق للعدة ، فإن الطلاق للعدة ما كان في الطهر ، وذلك يدل على كون القرء مأخوذا من الانتقال ، فإذا كان الطلاق في الطهر سنيا فتقدير الكلام : فعدتهن ثلاثة انتقالات ، فأولها الانتقال من الطهر الذي وقع فيه الطلاق ، والذي هو الانتقال من حيض إلى طهر لم يجعل قرءا ؛ لأن اللغة لا تدل عليه ، ولكن عرفنا بدليل آخر ، إن الله [ ص: 108 ] تعالى لم يرد الانتقال من حيض إلى طهر ، فإذا خرج أحدهما عن أن يكون مرادا بقي الآخر وهو الانتقال من الطهر إلى الحيض مرادا ، فعلى هذا عدتها ثلاثة انتقالات ، أولها الطهر ، وعلى هذا يمكن استيفاء ثلاثة أقراء كاملة إذا كان الطلاق في حالة الطهر ، ولا يكون ذلك حملا على المجاز بوجه ما .
قال الكيا الطبري : وهذا نظر دقيق في غاية الاتجاه لمذهب الشافعي ، ويمكن أن نذكر في ذلك سرا لا يبعد فهمه من دقائق حكم الشريعة ، وهو أن الانتقال من الطهر إلى الحيض إنما جعل قرءا لدلالته على براءة الرحم ، فإن الحامل لا تحيض في الغالب فبحيضها علم براءة رحمها .
والانتقال من حيض إلى طهر بخلافه ، فإن الحائض يجوز أن تحبل في أعقاب حيضها ، وإذا تمادى أمد الحمل وقوي الولد انقطع دمها ، ولذلك تمتدح العرب بحمل نسائهم في حالة الطهر ، وقد مدحت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول الشاعر :ومبرإ من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغيليعني أن أمه لم تحمل به في بقية حيضها .
فهذا ما للعلماء وأهل اللسان في تأويل القرء .
وقالوا : قرأت المرأة قرءا إذا حاضت أو طهرت .
وقرأت أيضا إذا حملت .
واتفقوا على أن القرء الوقت ، فإذا قلت : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات ، صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود ، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها ، فدليلنا قول الله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ، ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر فيجب أن يكون هو المعتبر في العدة ، فإنه قال : فطلقوهن يعني وقتا تعتد به ، ثم قال تعالى : وأحصوا العدة .
يريد ما تعتد به المطلقة وهو الطهر الذي تطلق فيه ، وقال صلى الله عليه وسلم لعمر : مرة فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء .
أخرجه مسلم وغيره .
وهو نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة ، وهو الذي تطلق فيه النساء .
ولا خلاف أن من طلق في حال الحيض لم تعتد بذلك الحيض ، ومن طلق في حال الطهر فإنها تعتد عند الجمهور بذلك الطهر ، فكان ذلك أولى .
قال أبو بكر بن عبد الرحمن : ما أدركنا أحدا من فقهائنا إلا يقول بقول عائشة في ( أن الأقراء هي الأطهار ) .
فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة ، ثم استقبلت طهرا ثانيا بعد حيضة ، ثم ثالثا [ ص: 109 ] بعد حيضة ثانية ، فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة حلت للأزواج وخرجت من العدة .
فإن طلق مطلق في طهر قد مس فيه لزمه الطلاق وقد أساء ، واعتدت بما بقي من ذلك الطهر .
وقال الزهري في امرأة طلقت في بعض طهرها : إنها تعتد بثلاثة أطهار سوى بقية ذلك الطهر .
قال أبو عمر : لا أعلم أحدا ممن قال : الأقراء الأطهار يقول هذا غير ابن شهاب الزهري ، فإنه قال : تلغي الطهر الذي طلقت فيه ثم تعتد بثلاثة أطهار ؛ لأن الله عز وجل يقول ثلاثة قروء .قلت : فعلى قوله : لا تحل المطلقة حتى تدخل في الحيضة الرابعة ، وقول ابن القاسم ومالك وجمهور أصحابه والشافعي وعلماء المدينة : إن المطلقة إذا رأت أول نقطة من الحيضة الثالثة خرجت من العصمة ، وهو مذهب زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وإليه ذهب داود بن علي وأصحابه .
والحجة على الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في طلاق الطاهر من غير جماع ، ولم يقل أول الطهر ولا آخره .
وقال أشهب : لا تنقطع العصمة والميراث حتى يتحقق أنه دم حيض ، لئلا تكون دفعة دم من غير الحيض .
احتج الكوفيون بقوله عليه السلام لفاطمة بنت أبي حبيش حين شكت إليه الدم : إنما ذلك عرق فانظري فإذا أتى قرؤك فلا تصلي وإذا مر القرء فتطهري ثم صلي من القرء إلى القرء .
وقال تعالى : واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر .
فجعل الميئوس منه المحيض ، فدل على أنه هو العدة ، وجعل العوض منه هو الأشهر إذا كان معدوما .
وقال عمر بحضرة الصحابة : ( عدة الأمة حيضتان ، نصف عدة الحرة ، ولو قدرت على أن أجعلها حيضة ونصفا لفعلت ) ، ولم ينكر عليه أحد .
فدل على أنه إجماع منهم ، وهو قول عشرة من الصحابة منهم الخلفاء الأربعة ، وحسبك ما قالوا!
وقوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء يدل على ذلك ؛ لأن المعنى يتربصن ثلاثة أقراء ، يريد كوامل ، هذا لا يمكن أن يكون إلا على قولنا بأن الأقراء الحيض ؛ لأن من يقول : إنه الطهر يجوز أن تعتد بطهرين وبعض آخر ؛ لأنه إذا طلق حال الطهر اعتدت عنده ببقية ذلك الطهر قرءا .
وعندنا تستأنف من أول الحيض حتى يصدق الاسم ، فإذا طلق الرجل المرأة في طهر لم يطأ فيه استقبلت حيضة ثم حيضة ثم حيضة ، فإذا اغتسلت من الثالثة خرجت من العدة .قلت : هذا يرده قوله تعالى : سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام فأثبت الهاء [ ص: 110 ] في ثمانية أيام ؛ لأن اليوم مذكر وكذلك القرء ، فدل على أنه المراد .
ووافقنا أبو حنيفة على أنها إذا طلقت حائضا أنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها ولا بالطهر الذي بعدها ، وإنما تعتد بالحيض الذي بعد الطهر .
وعندنا تعتد بالطهر ، على ما بيناه .
وقد استجاز أهل اللغة أن يعبروا عن البعض باسم الجميع ، كما قال تعالى : الحج أشهر معلومات ، والمراد به شهران وبعض الثالث ، فكذلك قوله : ثلاثة قروء .
والله أعلم .
وقال بعض من يقول بالحيض : إذا طهرت من الثالثة انقضت العدة بعد الغسل وبطلت الرجعة ، قاله سعيد بن جبير وطاوس وابن شبرمة والأوزاعي .
وقال شريك : إذا فرطت المرأة في الغسل عشرين سنة فلزوجها عليها الرجعة ما لم تغتسل .
وروي عن إسحاق بن راهويه أنه قال : ( إذا طعنت المرأة في الحيضة الثالثة بانت وانقطعت رجعة الزوج .
إلا أنها لا يحل لها أن تتزوج حتى تغتسل من حيضتها ) .
وروي نحوه عن ابن عباس ، وهو قول ضعيف بدليل قول الله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن على ما يأتي .
وأما ما ذكره الشافعي من أن نفس الانتقال من الطهر إلى الحيضة يسمى قرءا ففائدته تقصير العدة على المرأة ، وذلك أنه إذا طلق المرأة في آخر ساعة من طهرها فدخلت في الحيضة عدته قرءا ، وبنفس الانتقال من الطهر الثالث انقطعت العصمة وحلت .
والله أعلم .الخامسة : والجمهور من العلماء على أن عدة الأمة التي تحيض من طلاق زوجها حيضتان .
وروي عن ابن سيرين أنه قال : ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة ، إلا أن تكون مضت في ذلك سنة : فإن السنة أحق أن تتبع .
وقال الأصم عبد الرحمن بن كيسان وداود بن علي وجماعة أهل الظاهر : إن الآيات في عدة الطلاق والوفاة بالأشهر والأقراء عامة في حق الأمة والحرة ، فعدة الحرة والأمة سواء .
واحتج الجمهور بقوله عليه السلام : طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان .
رواه ابن جريج عن عطاء عن مظاهر بن أسلم عن أبيه عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان فأضاف إليها الطلاق والعدة جميعا ، إلا أن مظاهر بن أسلم انفرد بهذا الحديث وهو ضعيف .
وروي عن ابن عمر : أيهما رق نقص طلاقه ، وقالت به فرقة من العلماء .[ ص: 111 ] قوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن فيه مسألتان : الأولى : قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن أي من الحيض ، قاله عكرمة والزهري والنخعي .
وقيل : الحمل ، قاله عمر وابن عباس .
وقال مجاهد : الحيض والحمل معا ، وهذا على أن الحامل تحيض .
والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العدة على الحيض والأطهار ولا اطلاع إلا من جهة النساء جعل القول قولها إذا ادعت انقضاء العدة أو عدمها ، وجعلهن مؤتمنات على ذلك ، وهو مقتضى قوله تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن .
وقال سليمان بن يسار : ولم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن ، ولكن وكل ذلك إليهن إذ كن مؤتمنات .
ومعنى النهي عن الكتمان النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه ، فإذا قالت المطلقة : حضت ، وهي لم تحض ، ذهبت بحقه من الارتجاع ، وإذا قالت : لم أحض ، وهي قد حاضت ، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به ، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألا ترتجع حتى تنقضي العدة ويقطع الشرع حقه ، وكذلك الحامل تكتم الحمل ، لتقطع حقه من الارتجاع .
قال قتادة : كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحقن الولد بالزوج الجديد ، ففي ذلك نزلت الآية .
وحكي أن رجلا من أشجع أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني طلقت امرأتي وهي حبلى ، ولست آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري فأنزل الله الآية ، وردت امرأة الأشجعي عليه .الثانية : قال ابن المنذر : وقال كل من حفظت عنه من أهل العلم : إذا قالت المرأة في عشرة أيام : قد حضت ثلاث حيض وانقضت عدتي إنها لا تصدق ولا يقبل ذلك منها ، إلا أن تقول : قد أسقطت سقطا قد استبان خلقه .
واختلفوا في المدة التي تصدق فيها المرأة ، فقال مالك : إذا قالت انقضت عدتي في أمد تنقضي في مثله العدة قبل قولها ، فإن أخبرت بانقضاء العدة في مدة تقع نادرا فقولان .
قال في المدونة : إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء ، وبه قال شريح ، وقال له علي بن أبي طالب : قالون!
أي أصبت وأحسنت .
وقال في كتاب محمد : لا تصدق إلا في شهر ونصف .
ونحوه قول أبي ثور ، قال أبو ثور : أقل ما يكون ذلك في سبعة وأربعين يوما ، وذلك أن أقل الطهر خمسة عشر يوما ، وأقل الحيض يوم .
وقال النعمان : لا تصدق في أقل من ستين يوما ، وقال به الشافعي .قوله تعالى : إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان ، وإيجاب لأداء الأمانة في الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه .
أي فسبيل المؤمنات ألا [ ص: 112 ] يكتمن الحق ، وليس قوله : إن كن يؤمن بالله على أنه أبيح لمن لا يؤمن أن يكتم ؛ لأن ذلك لا يحل لمن لا يؤمن ، وإنما هو كقولك : إن كنت أخي فلا تظلمني ، أي فينبغي أن يحجزك الإيمان عنه ؛ لأن هذا ليس من فعل أهل الإيمان .قوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : وبعولتهن البعولة جمع البعل ، وهو الزوج ، سمي بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها ، ومنه قوله تعالى : أتدعون بعلا ، أي ربا ، لعلوه في الربوبية ، يقال : بعل وبعولة ، كما يقال في جمع الذكر : ذكر وذكورة ، وفي جمع الفحل : فحل وفحولة ، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ، وهو شاذ لا يقاس عليه ، ويعتبر فيها السماع ، فلا يقال في لعب : لعوبة .
وقيل : هي هاء تأنيث دخلت على فعول .
والبعولة أيضا مصدر البعل .
وبعل الرجل يبعل ( مثل منع يمنع ) بعولة ، أي صار بعلا : والمباعلة والبعال : الجماع ، ومنه قوله عليه السلام لأيام التشريق : إنها أيام أكل وشرب وبعال وقد تقدم .
فالرجل بعل المرأة ، والمرأة بعلته .
وباعل مباعلة إذا باشرها .
وفلان بعل هذا ، أي مالكه وربه .
وله محامل كثيرة تأتي إن شاء الله تعالى .الثانية : قوله تعالى : أحق بردهن أي بمراجعتهن ، فالمراجعة على ضربين : مراجعة في العدة على حديث ابن عمر .
ومراجعة بعد العدة على حديث معقل ، وإذا كان هذا فيكون في الآية دليل على تخصيص ما شمله العموم في المسميات ؛ لأن قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء عام في المطلقات ثلاثا ، وفيما دونها لا خلاف فيه .
ثم قوله : وبعولتهن أحق حكم خاص فيمن كان طلاقها دون الثلاث .
وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة ، وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين ، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة ، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه ، لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ، ليس على سنة المراجعة ، وهذا إجماع من العلماء .
قال المهلب : وكل من راجع في العدة فإنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط ، وهذا إجماع من العلماء ، لقوله تعالى : فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ، فذكر الإشهاد في [ ص: 113 ] الرجعة ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق .
قال ابن المنذر : وفيما ذكرناه من كتاب الله مع إجماع أهل العلم كفاية عن ذكر ما روي عن الأوائل في هذا الباب ، والله تعالى أعلمالثالثة : واختلفوا فيما يكون به الرجل مراجعا في العدة ، فقال مالك : إذا وطئها في العدة وهو يريد الرجعة وجهل أن يشهد فهي رجعة .
وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد ، وبه قال إسحاق ، لقوله عليه السلام : إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى .
فإن وطئ في العدة لا ينوي الرجعة فقال مالك : يراجع في العدة ولا يطأ حتى يستبرئها من مائه الفاسد .
قال ابن القاسم : فإن انقضت عدتها لم ينكحها هو ولا غيره في بقية مدة الاستبراء ، فإن فعل فسخ نكاحه ، ولا يتأبد تحريمها عليه لأن الماء ماؤه .
وقالت طائفة : إذا جامعها فقد راجعها ، هكذا قال سعيد بن المسيب .
والحسن البصري وابن سيرين والزهري وعطاء وطاوس والثوري .
قال : ويشهد ، وبه قال أصحاب الرأي والأوزاعي وابن أبي ليلى ، حكاه ابن المنذر .
وقال أبو عمر : وقد قيل : وطؤه مراجعة على كل حال ، نواها أو لم ينوها ، ويروى ذلك عن طائفة من أصحاب مالك ، وإليه ذهب الليث .
ولم يختلفوا فيمن باع جاريته بالخيار أن له وطأها في مدة الخيار ، وأنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه واختار نقض البيع بفعله ذلك .
وللمطلقة الرجعية حكم من هذا .
والله أعلم .الرابعة : من قبل أو باشر ينوي بذلك الرجعة كانت رجعة ، وإن لم ينو بالقبلة والمباشرة الرجعة كان آثما وليس بمراجع .
والسنة أن يشهد قبل أن يطأ أو قبل أن يقبل أو يباشر .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن وطئها أو لمسها بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة فهي رجعة ، وهو قول الثوري وينبغي أن يشهد .
وفي قول مالك والشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور لا يكون رجعة ، قاله ابن المنذر .
وفي " المنتقى " قال : ولا خلاف في صحة الارتجاع بالقول ، فأما بالفعل نحو الجماع والقبلة فقال القاضي أبو محمد : يصح بها وبسائر الاستمتاع للذة .
قال ابن المواز : ومثل الجسة للذة ، أو أن ينظر إلى فرجها أو ما قارب ذلك من محاسنها إذا أراد بذلك الرجعة ، خلافا للشافعي في قوله : لا تصح الرجعة إلا بالقول ، وحكاه ابن المنذر عن أبي ثور وجابر بن زيد وأبي قلابة .الخامسة : قال الشافعي : إن جامعها ينوي الرجعة ، أو لا ينويها فليس برجعة ، ولها عليه مهر مثلها .
وقال مالك : لا شيء لها ؛ لأنه لو ارتجعها لم يكن عليه مهر ، فلا يكون الوطء دون الرجعة أولى بالمهر من الرجعة .
وقال أبو عمر : ولا أعلم أحدا أوجب عليه مهر المثل غير [ ص: 114 ] الشافعي ، وليس قوله بالقوي ؛ لأنها في حكم الزوجات وترثه ويرثها ، فكيف يجب مهر المثل في وطء امرأة حكمها في أكثر أحكامها حكم الزوجة!
إلا أن الشبهة في قول الشافعي قوية ؛ لأنها عليه محرمة إلا برجعة لها .
وقد أجمعوا على أن الموطوءة بشبهة يجب لها المهر ، وحسبك بهذا!السادسة : واختلفوا هل يسافر بها قبل أن يرتجعها ، فقال مالك والشافعي : لا يسافر بها حتى يراجعها ، وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه إلا زفر فإنه روى عنه الحسن بن زياد أن له أن يسافر بها قبل الرجعة ، وروى عنه عمرو بن خالد ، لا يسافر بها حتى يراجع .السابعة : واختلفوا هل له أن يدخل عليها ويرى شيئا من محاسنها ، وهل تتزين له وتتشرف ، فقال مالك : لا يخلو معها ، ولا يدخل عليها إلا بإذن ، ولا ينظر إليها إلا وعليها ثيابها ، ولا ينظر إلى شعرها ، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما ، ولا يبيت معها في بيت وينتقل عنها .
وقال ابن القاسم : رجع مالك عن ذلك فقال : لا يدخل عليها ولا يرى شعرها .
ولم يختلف أبو حنيفة وأصحابه في أنها تتزين له وتتطيب وتلبس الحلي وتتشرف .
وعن سعيد بن المسيب قال : إذا طلق الرجل امرأته تطليقة فإنه يستأذن عليها ، وتلبس ما شاءت من الثياب والحلي ، فإن لم يكن لهما إلا بيت واحد فليجعلا بينهما سترا ، ويسلم إذا دخل ، ونحوه عن قتادة ، ويشعرها إذا دخل بالتنخم والتنحنح .
وقال الشافعي : المطلقة طلاقا يملك رجعتها محرمة على مطلقها تحريم المبتوتة حتى يراجع ، ولا يراجع إلا بالكلام ، على ما تقدم .الثامنة : أجمع العلماء على أن المطلق إذا قال بعد انقضاء العدة : إني كنت راجعتك في العدة وأنكرت أن القول قولها مع يمينها ، ولا سبيل له إليها ، غير أن النعمان كان لا يرى يمينا في النكاح ولا في الرجعة ، وخالفه صاحباه فقالا كقول سائر أهل العلم .
وكذلك إذا كانت الزوجة أمة واختلف المولى والجارية ، والزوج يدعي الرجعة في العدة بعد انقضاء العدة وأنكرت فالقول قول الزوجة الأمة وإن كذبها مولاها ، هذا قول الشافعي وأبي ثور والنعمان .
وقال يعقوب ومحمد : القول قول المولى وهو أحق بها .التاسعة : لفظ الرد يقتضي زوال العصمة ، إلا أن علماءنا قالوا : إن الرجعية محرمة الوطء ، فيكون الرد عائدا إلى الحل .
وقال الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن قال بقولهما - في أن الرجعة محللة الوطء : إن الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له خاصة ، وأن أحكام [ ص: 115 ] الزوجية باقية لم ينحل منها شيء - قالوا : وأحكام الزوجية وإن كانت باقية فالمرأة ما دامت في العدة سائرة في سبيل الزوال بانقضاء العدة ، فالرجعة رد عن هذه السبيل التي أخذت المرأة في سلوكها ، وهذا رد مجازي ، والرد الذي حكمنا به رد حقيقي ، فإن هناك زوال مستنجز وهو تحريم الوطء ، فوقع الرد عنه حقيقة ، والله أعلم .العاشرة : لفظ ( أحق ) يطلق عند تعارض حقين ، ويترجح أحدهما ، فالمعنى : حق الزوج في مدة التربص أحق من حقها بنفسها ، فإنها إنما تملك نفسها بعد انقضاء العدة ، ومثل هذا قوله عليه السلام : الأيم أحق بنفسها من وليها .
وقد تقدم .الحادية عشرة : الرجل مندوب إلى المراجعة ، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها ، وإزالة الوحشة بينهما ، فأما إذا قصد الإضرار وتطويل العدة والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح فمحرم ، لقوله تعالى : ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ، ثم من فعل ذلك فالرجعة صحيحة ، وإن ارتكب النهي وظلم نفسه ، ولو علمنا نحن ذلك المقصد طلقنا عليه .قوله تعالى : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروففيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : ولهن أي لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن ، ولهذا قال ابن عباس : إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي ، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها فتستوجب حقها الذي لها علي ؛ لأن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف أي زينة من غير مأثم .
وعنه أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن .
وقيل : إن لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن .
قاله الطبري : وقال ابن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم ، والمعنى متقارب .
والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية .الثانية : قول ابن عباس : ( إني لأتزين لامرأتي ) .
قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم ، فإنهم يعملون ذلك على اللبق والوفاق ، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشباب ، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه ، والشاب إذا فعل ذلك سمج ومقت .
لأن اللحية لم توفر بعد ، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج ، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه [ ص: 116 ] ذلك .
وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي .
وكذلك في شأن الكسوة ، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ، فإنما يعمل على اللبق والوفاق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها عن غيره من الرجال .
وكذلك الكحل من الرجال منهم من يليق به ومنهم من لا يليق به .
فأما الطيب والسواك والخلال والرمي بالدرن وفضول الشعر والتطهير وقلم الأظفار فهو بين موافق للجميع .
والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ، وهو حلي الرجال على ما يأتي بيانه في سورة " النحل " .
ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره .
وإن رأى الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها أخذ من الأدوية التي تزيد في باهه وتقوي شهوته حتى يعفها .الثالثة : قوله تعالى : وللرجال عليهن درجة أي منزلة .
ومدرجة الطريق : قارعته ، والأصل فيه الطي ، يقال : درجوا ، أي طووا عمرهم ، ومنها الدرجة التي يرتقى عليها .
ويقال : رجل بين الرجلة ، أي القوة .
وهو أرجل الرجلين ، أي أقواهما .
وفرس رجيل ، أي قوي ، ومنه الرجل ، لقوتها على المشي .
فزيادة درجة الرجل بعقله وقوته على الإنفاق وبالدية والميراث والجهاد .
وقال حميد : الدرجة اللحية ، وهذا إن صح عنه فهو ضعيف لا يقتضيه لفظ الآية ولا معناها .
قال ابن العربي : فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم ، وخصوصا في كتاب الله تعالى!
ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء ، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها ، وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه ، فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه .
وقيل : الدرجة الصداق ، قاله الشعبي .
وقيل : جواز الأدب .
وعلى الجملة ف ( درجة ) تقتضي التفضيل ، وتشعر بأن حق الزوج عليها أوجب من حقها عليه ، ولهذا قال عليه السلام : ولو أمرت أحدا بالسجود لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .
وقال ابن عباس : ( الدرجة إشارة إلى [ ص: 117 ] حض الرجال على حسن العشرة ، والتوسع للنساء في المال والخلق ، أي أن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه ) .
قال ابن عطية : وهذا قول حسن بارع .
قال الماوردي : يحتمل أنها في حقوق النكاح ، له رفع العقد دونها ، ويلزمها إجابته إلى الفراش ، ولا يلزمه إجابتها .قلت : ومن هذا قوله عليه السلام : أيما امرأة دعاها زوجها إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح .
" والله عزيز " أي منيع السلطان لا معترض عليه .
" حكيم " أي عالم مصيب فيما يفعل .
أي: النساء اللاتي طلقهن أزواجهن { يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } أي: ينتظرن ويعتددن مدة { ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } أي: حِيَضٍ, أو أطهار على اختلاف العلماء في المراد بذلك, مع أنَّ الصحيح أنَّ القرء, الحيض, ولهذه العدةِ عِدّةُ حِكَمٍ، منها: العلم ببراءة الرحم, إذا تكررت عليها ثلاثة الأقراء, علم أنه ليس في رحمها حمل, فلا يفضي إلى اختلاط الأنساب، ولهذا أوجب تعالى عليهن الإخبار عن { مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ } وحرم عليهن, كتمان ذلك, من حمل أو حيض, لأن كتمان ذلك, يفضي إلى مفاسد كثيرة، فكتمان الحمل, موجب أن تلحقه بغير من هو له, رغبة فيه واستعجالا لانقضاء العدة، فإذا ألحقته بغير أبيه, حصل من قطع الرحم والإرث, واحتجاب محارمه وأقاربه عنه, وربما تزوج ذوات محارمه، وحصل في مقابلة ذلك, إلحاقه بغير أبيه, وثبوت توابع ذلك, من الإرث منه وله, ومن جعل أقارب الملحق به, أقارب له، وفي ذلك من الشر والفساد, ما لا يعلمه إلا رب العباد، ولو لم يكن في ذلك, إلا إقامتها مع من نكاحها باطل في حقه, وفيه الإصرار على الكبيرة العظيمة, وهي الزنا لكفى بذلك شرا.
وأما كتمان الحيض, بأن استعجلت وأخبرت به وهي كاذبة, ففيه من انقطاع حق الزوج عنها, وإباحتها لغيره وما يتفرع عن ذلك من الشر, كما ذكرنا، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض, لتطول العدة, فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه, بل هي سحت عليها محرمة من جهتين: من كونها لا تستحقه, ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة, وربما راجعها بعد انقضاء العدة, فيكون ذلك سفاحا, لكونها أجنبية عنه, فلهذا قال تعالى: { وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } فصدور الكتمان منهن دليل على عدم إيمانهن بالله واليوم الآخر, وإلا فلو آمَنَّ بالله واليوم الآخر, وعرفن أنهن مجزيات عن أعمالهن, لم يصدر منهن شيء من ذلك.
وفي ذلك دليل على قبول خبر المرأة, عما تخبر به عن نفسها, من الأمر الذي لا يطلع عليه غيرها, كالحيض والحمل ونحوه ثم قال تعالى: { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة, أن يردوهن إلى نكاحهن { إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا } أي: رغبة وألفة ومودة.
ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح, فليسوا بأحق بردهن, فلا يحل لهم أن يراجعوهن, لقصد المضارة لها, وتطويل العدة عليها، وهل يملك ذلك, مع هذا القصد؟
فيه قولان.
الجمهور على أنه يملك ذلك, مع التحريم, والصحيح أنه إذا لم يرد الإصلاح, لا يملك ذلك, كما هو ظاهر الآية الكريمة, وهذه حكمة أخرى في هذا التربص، وهي: أنه ربما أن زوجها ندم على فراقه لها, فجعلت له هذه المدة, ليتروى بها ويقطع نظره.
وهذا يدل على محبته تعالى, للألفة بين الزوجين, وكراهته للفراق, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: \" أبغض الحلال إلى الله الطلاق \" وهذا خاص في الطلاق الرجعي، وأما الطلاق البائن, فليس البعل بأحق برجعتها، بل إن تراضيا على التراجع, فلا بد من عقد جديد مجتمع الشروط.
ثم قال تعالى: { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } أي: وللنساء على بعولتهن من الحقوق واللوازم مثل الذي عليهن لأزواجهن من الحقوق اللازمة والمستحبة.
ومرجع الحقوق بين الزوجين يرجع إلى المعروف, وهو: العادة الجارية في ذلك البلد وذلك الزمان من مثلها لمثله، ويختلف ذلك باختلاف الأزمنة والأمكنة, والأحوال, والأشخاص والعوائد.
وفي هذا دليل على أن النفقة والكسوة, والمعاشرة, والمسكن, وكذلك الوطء - الكل يرجع إلى المعروف، فهذا موجب العقد المطلق.
وأما مع الشرط, فعلى شرطهما, إلا شرطا أحل حراما, أو حرم حلالا.
{ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } أي: رفعة ورياسة, وزيادة حق عليها, كما قال تعالى: { الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } ومنصب النبوة والقضاء, والإمامة الصغرى والكبرى, وسائر الولايات مختص بالرجال، وله ضعفا ما لها في كثير من الأمور, كالميراث ونحوه.
{ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } أي: له العزة القاهرة والسلطان العظيم, الذي دانت له جميع الأشياء, ولكنه مع عزته حكيم في تصرفه.
ويخرج من عموم هذه الآية, الحوامل, فعدتهن وضع الحمل، واللاتي لم يدخل بهن, فليس لهن عدة، والإماء, فعدتهن حيضتان, كما هو قول الصحابة رضي الله عنهم، وسياق الآيات يدل على أن المراد بها الحرة.
قوله تعالى : ( والمطلقات ) أي المخليات من حبال أزواجهن ) ( يتربصن ) ينتظرن ( بأنفسهن ثلاثة قروء ) فلا يتزوجن والقروء : جمع قرء مثل فرع وجمعه القليل أقرؤ والجمع الكثير أقراء واختلف أهل العلم في القروء فذهب جماعة إلى أنها الحيض وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وبه قال الحسن ومجاهد وإليه ذهب الأوزاعي والثوري وأصحاب الرأي واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة : " دعي الصلاة أيام أقرائك " وإنما تدع المرأة الصلاة أيام حيضها .
وذهب جماعة إلى أنها الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وعائشة وهو قول الفقهاء السبعة والزهري وبه قال ربيعة ومالك والشافعي واحتجوا بأن ابن عمر رضي الله عنه لما طلق امرأته وهي حائض قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر : " مره فليراجعها حتى تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء " .
فأخبر أن زمان العدة هو الطهر ، ومن جهة اللغة قول الشاعر : ففي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا وأراد به أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فتضيع أقراؤهن وإنما تضيع بالسفر زمان الطهر لا زمان الحيضة وفائدة الخلاف تظهر في أن المعتدة إذا شرعت في الحيضة الثالثة تنقضي عدتها على قول من يجعلها أطهارا وتحسب بقية الطهر الذي وقع فيه الطلاق قرءا قالت عائشة رضي الله عنها : إذا طعنت المطلقة في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها .
ومن ذهب إلى أن الأقراء هي الحيض يقول لا تنقضي عدتها ما لم تطهر من الحيضة الثالثة وهذا الاختلاف من حيث أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض جميعا يقال : أقرأت المرأة : إذا حاضت وأقرأت : إذا طهرت فهي مقرئ واختلفوا في أصله فقال أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة : هو الوقت لمجيء الشيء وذهابه يقال : رجع فلان لقرئه ولقارئه أي لوقته الذي يرجع فيه وهذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها قال مالك بن الحارث الهذلي : كرهت العقر عقر بني شليل إذا هبت لقارئها الرياح أي لوقتها والقرء يصلح للوجهين لأن الحيض يأتي لوقت والطهر مثله وقيل : هو من القرأ وهو الحبس والجمع تقول العرب : ما قرأت الناقة سلا قط أي لم تضم رحمها على ولد ومنه قريت الماء في المقراة وهي الحوض أي جمعته بترك همزها فالقرء هاهنا احتباس الدم واجتماعه فعلى هذا يكون الترجيح فيه للطهر لأنه يحبس الدم ويجمعه والحيض يرخيه ويرسله وجملة الحكم في العدد : أن المرأة إذا كانت حاملا فعدتها بوضع الحمل سواء وقعت الفرقة بينها وبين الزوج بالطلاق أو بالموت لقوله تعالى " وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن " ( 4 - الطلاق ) فإن لم تكن حاملا نظر : إن وقعت الفرقة بينهما بموت الزوج فعليها أن تعتد بأربعة أشهر وعشر سواء مات الزوج قبل الدخول أو بعده وسواء كانت المرأة ممن تحيض أو لا تحيض لقول الله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ( 234 - البقرة ) وإن وقعت الفرقة بينهما في الحياة نظر فإن كان الطلاق قبل الدخول بها فلا عدة عليها لقول الله تعالى : " يا أيها آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها " ( 49 - الأحزاب ) .
وإن كان بعد الدخول نظر : إن كانت المرأة ممن لم تحض قط أو بلغت في الكبر سن الآيسات فعدتها ثلاثة أشهر لقول الله تعالى : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن " ( 4 - الطلاق ) .
وإن كانت ممن تحيض فعدتها ثلاثة أقراء لقوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) وقوله ( يتربصن بأنفسهن ) لفظه خبر ومعناه أمر وعدة الأمة إن كانت حاملا بوضع الحمل كالحرة وإن كانت حائلا ففي الوفاة عدتها شهران وخمس ليال وفي الطلاق إن كانت ممن تحيض فعدتها قرءان وإن كانت ممن لا تحيض فشهر ونصف : وقيل شهران كالقرأين في حق من تحيض .
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ينكح العبد امرأتين ويطلق طلقتين وتعتد الأمة بحيضتين فإن لم تكن تحيض فشهرين أو شهرا ونصفا .
وقوله عز وجل : ( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ) قال عكرمة : يعني الحيض وهو أن يريد الرجل مراجعتها فتقول : قد حضت الثالثة وقال ابن عباس وقتادة : يعني الحمل ومعنى الآية : لا يحل للمرأة كتمان ما خلق الله في رحمها من الحيض والحمل لتبطل حق الزوج من الرجعة والولد ( إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ) معناه أن هذا من فعل المؤمنات وإن كانت المؤمنة والكافرة في هذا الحكم سواء كما تقول : أد حقي إن كنت مؤمنا يعني أداء الحقوق من فعل المؤمنين .
) ( وبعولتهن ) يعني أزواجهن جمع بعل كالفحولة جمع فحل سمي الزوج بعلا لقيامه بأمور زوجته وأصل البعل السيد والمالك ( أحق بردهن ) أولى برجعتهن إليهم ) ( في ذلك ) أي إن أرادوا بالرجعة الصلاح وحسن العشرة لا الإضرار كما كانوا يفعلونه في الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم تركها مدة ، ثم طلقها ثم إذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها ) ( ولهن ) أي للنساء على الأزواج مثل الذي عليهن للأزواج بالمعروف قال ابن عباس في معناه : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما تحب امرأتي أن تتزين لي لأن الله تعالى قال : ( ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ) أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن المروزي أخبرنا أبو سهل محمد بن عمر بن طرفة السجزي أنا أبو سليمان الخطابي أخبرنا أبو بكر بن داسة أنا أبو داود السجستاني أنا موسى بن إسماعيل أنا حماد أنا أبو قزعة سويد بن حجير الباهلي عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال : قلت يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟
قال : " أن تطعمها إذا طعمت وأن تكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي أنا محمد بن عيسى الجلودي أنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا حاتم بن إسماعيل المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه أنه قال : دخلنا على جابر بن عبد الله فقلت : أخبرني عن حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
فسرد قصة حجة الوداع إلى أن ذكر خطبته يوم عرفة قال : " فاتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف وقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده : كتاب الله وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟
قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أحمد بن الحسن الحيري أنا حاجب بن أحمد الطوسي أنا محمد بن يحيى أنا يعلى بن عبيد أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائكم " .
قوله تعالى : ( وللرجال عليهن درجة ) قال ابن عباس : بما ساق إليها من المهر وأنفق عليها من المال وقال قتادة : بالجهاد وقيل بالعقل وقيل بالشهادة وقيل بالميراث وقيل بالدية وقيل بالطلاق لأن الطلاق بيد الرجال وقيل بالرجعة وقال سفيان وزيد بن أسلم : بالإمارة وقال القتيبي : وللرجال عليهن درجة معناه فضيلة في الحق ( والله عزيز حكيم ) أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو سعيد محمد بن موسى الصيرفي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار أخبرنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي أنا حذيفة أنا سفيان عن الأعمش عن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثم رجع فرأى رجالا يسجد بعضهم لبعض فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها .
«والمطلقات يتربصن» أي لينتظرن «بأنفسهن» عن النكاح «ثلاثة قروءٍ» تمضي من حين الطلاق، جمع قرء بفتح القاف وهو الطهر أو الحيض قولان وهذا في المدخول بهن أما غيرهن فلا عدة عليهن لقوله: «فما لكم عليهن من عدة» وفي غير الآيسة والصغيرة فعدتهن ثلاثة أشهر والحوامل فعدتهن أن يضعن حملهن كما في سورة الطلاق والإماء فعدتهن قَرءان بالسُّنة «ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن» من الولد والحيض «إن كنّ يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن» أزواجهن «أحق بردهن» بمراجعتهن ولو أبين «في ذلك» أي في زمن التربص «إن أرادوا إصلاحا» بينهما لإضرار المرأة وهو تحريض على قصده لا شرط لجواز الرجعة وهذا في الطلاق الرجعي وأحق لا تفضيل فيه إذ لا حق لغيرهم في نكاحهن في العدة «ولهن» على الأزواج «مثل الذي» لهم «عليهن» من الحقوق «بالمعروف» شرعا من حسن العشرة وترك الضرار ونحو ذلك «وللرجال عليهن درجة» فضيلة في الحق من وجوب طاعتهن لهم لما ساقوه من المهر والانفاق «والله عزيز» في ملكه «حكيم» فيما دبره لخلقه.
والمطلقات ذوات الحيض، يجب أن ينتظرن دون نكاح بعد الطلاق مدة ثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات على سبيل العدة؛ ليتأكدن من فراغ الرحم من الحمل.
ولا يجوز لهن تزوج رجل آخر في أثناء هذه العدة حتى تنتهي.
ولا يحل لهن أن يخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل أو الحيض، إن كانت المطلقات مؤمنات حقًا بالله واليوم الآخر.
وأزواج المطلقات أحق بمراجعتهن في العدة.
وينبغي أن يكون ذلك بقصد الإصلاح والخير، وليس بقصد الإضرار تعذيبًا لهن بتطويل العدة.
وللنساء حقوق على الأزواج، مثل التي عليهن، على الوجه المعروف، وللرجال على النساء منزلة زائدة من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف والقِوامة على البيت وملك الطلاق.
والله عزيز له العزة القاهرة، حكيم يضع كل شيء في موضعه المناسب.
قوله - تعالى - : ( والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء ) معطوف على ما قبله لشدة المناسبة ، وللاتحاد في الحكم وهو التربص الذي سبقت الإِشارة إليه في قوله : ( لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ) والتربص : التأني والتريث والانتظار .والقروء : جمع قرء - بضم القاف وفتحها - .قال الطبرسي : وأصله في اللغة يحتمل وجهين :أحدهما : الاجتماع ومنه القرآن لاجتماع حروفه .
.
فعلى هذا يقال أقرأت المرأة فهي مقرئ إذا حاضت ، وذلك لاجتماع الدم في الرحم .والوجه الثاني : أن أصل القرء الوقت الجارى في الفعل على عادة ، يقال : هذا قارئ الرياح أي وقت هبوبها " .والمعنى : أن على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدو نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت .والمراد بالمطلقات أن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء بدون نكاح ثم لها أن تتزوج بعد ذلك إن شاءت .والمراد بالمطلقات هنا المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل ، لأن غيرهن قد بين الله - تعالى - عدتهن في مواضع أخرى .والمتوفي عنها زوجها بين الله عدتها بقوله : ( والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) ومن لا يحضن ليأس من الحيض ، أو لأنهن لم يرين الحيض فقد بين الله - تعالى - عدتهن بقوله : ( واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ واللائي لَمْ يَحِضْنَ ) أي : واللائي لم يحضن فعدتهن كذلك ثلاثة أشهر .وذوات الحمل بين الله - تعالى - عدتهن بقوله : ( وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) وغير المدخول بها لا عدة عليها لقوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ) وقوله : ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ) جملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى أي " ليتربصن " وإخراج الأمر في صورة الخبر - كما يقول الزمخشري - " تأكيد للأمر ، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص .
فهو يخبر عنه موجوداً .
ونحوه قولهم في الدعاء : " رحمك الله " أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة .
كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل توكيد .
ولو قيل : " ويتربص المطلقات " لم يكن بتلك الوكادة " .وفي قوله - تعالى - ( والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ) ما فيه من الإبداع في الإِشارة والنزاهة في العبادة والسمو في المعنى ، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيراً ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها ، أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى ، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس ، إنه يقول للملطقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيباً ، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث ، إذ لا يليق بالحرة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج تنقلا سريعاً ..
وأيضاً فإن نداء الفطرة ، وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء ، لكي تستبرئ رحمها ، حتى إذا كان هناك حمل نسب إلى الأب الشرعي له .وفي قوله - تعالى - : ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ) إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجي ، فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف ، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها - كما يقولون - .وقد أشار صاحب الكشاف إلى المعنى بقوله : فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس - هنا -؟قلت : في ذكر الأنفس تهيج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن .
وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال .
فأمرن أن يقمعن أنفسهن ، ويغلبنها على الطموح ، ويجبرنها على التربص " .وقوله - تعالى - : ( ثَلاَثَةَ قرواء ) نصب ثلاثة على النيابة عن المفعول فيه ، لأن الكلام على تقدير مضاف ، أي مدة ثلاثة قروء ، فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب .هذا وللعلماء رأيان شهيران في المراد بقوله - تعالى - : ( ثَلاَثَةَ قرواء )فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن .ومن أدلتهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض فقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي عن فاطمة بنت أبي حبيش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " دعي الصلاة أيام أقرائك " .ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض ، لأنه هو الذي لا تصح معه الصلاة .أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت والزهري وغيرهم فيرون أن المراد بالقروء هنا الأطهار ، أي الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء .ومعنى الآية عندهم : أن على الملطقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار بدون زواج ثم بعد ذلك يتزوجن إذا شئن .ومن أدلتهم : أن الله - تعالى - يقول : ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض ، فلا يتصور أن يكون الطلاق في العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض .وروى عن عائشة أنها قالت : هل تدرون الأقراء؟
الأقراء الأطهار .قال صاحب المنار قال الأستاذ الإِمام : والخطب في الخلاف سهل ، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق ، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاث أطهار .
.
ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة .ثم قال - تعالى - : ( وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ ) .
أي : ولا يحل للنساء المطلقات أن يكتمن أمانة الله التي خلقها في أرحامهن من ولد لكي ينسبنه إلى غير أبيه ، أو من حيض أو طهر لكي تطول العدة ، ويمتد الإِنفاق من الأزواج عليهن .
فإن هذا الكتمان كذب على الله ، وخيانة للأمانة التي أودعها الله في أحشائهن وأمرهن بالوفاء بها ، سيحاسب الله من يفعل ذلك منهن حساباً شديداً ، ويعاقبه عقاباً أليماً .وقوله : ( إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر ) تحريض لهن على عدم الكتمان وعلى الأخبار الصادق حتى تستقيم الأحكام ، وتتقرر الحقوق ، وتحذير لهن من الكتمان ومن اتباع الهوى والشيطان أي : أن على المطلقات ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن جرين على ما يقتضيه الإِيمان ، إذ الإِيمان يبعث على الصدق ويدعو إلى المحافظة على الأمانة ، فإن لم يفعلن ذلك وكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، كن ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر إيمانا حقيقياً ، لأن من شأن المؤمنات الكاملات في إيمانهن ألا يفعلن ذلك .قال الإمام الرازي : أما قوله ( إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر ) فليس المراد أن ذلك النهى - عن الكتمان - مشروط بكونها مؤمنة ، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم : إن كنت مؤمنا فلا تظلم .
تريد إن كنت مؤمناً فينبغي أن يمنعكم إيمانك عن ظلمي ، ولا شك أن هذا تهديد شديد للنساء .
.
والآية الدالة على أن كل من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد " .هذا ، وقد قرر الفقهاء أن القول فيما يتعلق بعدة المرأة ابتداء وانتهاء مرجعه إليها ، لأنه أمر يتعلق بها ولا يعلم إلا من جهتها ، إلا أنهم مع ذلك قرروا مدة ينتهي قولها عنده ، ولا يعمل بقولها إن نقصت عن تلك المدة .
فلو ادعت - أنها قد انقضت عدتها بعد شهر من طلاقها لا يقبل قولها .وللفقهاء كلام طويل في هذه المسألة مبسوط في كتب الفقه فليرجع إليه من شاء ذلك .ثم قال - تعالى - : ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً ) .قال القرطبي : البعولة جمع البعل وهو الزوج ، سمى بعلا لعلوه على الزوجة بما قد ملكه من زوجيتها ، ومنه قوله - تعالى - : ( أَتَدْعُونَ بَعْلاً ) أي رباً ، لعلوه في الربوبية ..
والبعولة أيضاً مصدر البعل .
وبعل الرجل بيعل - كمنع يمنع - أي صار بعلا .
والمباعلة والبعال : الجماع ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق : " إنها أيام أكل وشرب وبعال " .والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقاً رجعياً أحق بردهن ومراجعتهن في ( ذَلِكَ ) أي في وقت التربص قبل انقضاء العدة ( إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً ) أي إن أرادوا بهذه المراجعة الإِصلاح لا الإِضرار ، كما سيأتي في قوله - تعالى - : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ ) .قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقه أو تطليقتين ، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة ، فإن لم يراجعها الملطق حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها وتصير أجنبية منه ، ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولى وإشهاد ليس على صفة المراجعة ، وهذا إجماع من العلماء " .وفي هذه الجملة الكريمة بيان لبعض الحكم السامية التي أرادها الله - تعالى - من وراء مشروعية العدة .
فالله - تعالى - جعل للمطلق فرصة - هي مدة ثلاثة قروء - لكي يراجع نفسه ، ويتدبر أمره ، لعله خلال هذه المراجعة وذلك التبدر يرى أن الخير في بقاء زوجته معه فيراجعها ، رعاية لرابطة المودة والرحمة التي جعلها الله - تعالى - بين الزوجين .وقوله - تعالى - : ( إِنْ أرادوا إِصْلاَحاً ) شرط المقصود منه حض المطلق على أن ينوي بإرجاعه لمطلقته إصلاح أحوالهما ، بإرشادها إلى ما من شأنه أن يجعل حياتهما الزوجية مستمرة لا منقطعة ، أما إذا راجعها على نية الكيد والأذى والمضارة ففي هذه الحالة يكون آثماً وسيعاقبه الله على ذلك بما يستحقه .قال الآلوسي : وليس المراد من التعليق اشتراط جواز الرجعة بإرادة الإِصلاح حتى لو لم يكن قصده لا تجوز ، للإِجتماع على جوازها مطلقاً ، بل المراد تحريضهم على قصد الإِصلاح حيث جعل كأنه منوط به ينتفى بانتفائه " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) .أي : وللنساء على الرجال مثل ما للرجال على النساء .
فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه نحوه بالمعروف .والمراد بالمماثلة - كما يقول الآلوسي - المماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ، ولكن يقابله بما يليق بالرجال " .أي أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة ، وأنهما متماثلات في أن كل واحد منهما عليه أن يؤدي نحو صاحبه ما يجب عليه بالمعروف أي بما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره ، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته .فالباء في قوله ( بالمعروف ) للملابسة .وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة حقوق الرجال على النساء ، وحقوق النساء على الرجال ، ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع : " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله .
واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه .
فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " .وروى الشيخان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل مرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه ، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه " .وأخرج أبو داود عن معاوية بن حيدة قال : " قلت يا رسول الله ، ما حق زوجة أحدنا عليه؟
قال : أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " .ولقد قام السلف الصالح بأداء هذه الحقوق على أحسن وجه فقد روى عن ابن عباس أنه قال : إني لأحب أن أتزين لا مرأتي كما تتزي لي لأن الله .
تعالى - يقول : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف ) .أي : أن يحب أن يؤنسها وأن يدخل السرور على قلبها كما أنها هي تحب أن تفعل له ذلك .ولكن لا يفهم أحد أن المراد بهذا المثلية المساواة من كل الوجوه قال - تعالى - : ( وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ) والرجال : جمع رجل .
يقال : رجل بين الرجلة أي القوة .
وهو أرجل الرجلين أي أقواهما .
وفرس رجيل أي قوى على المشي .
وارتجل الكلام أي قوى عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية ، وترجل النهار أي قوي ضياؤه .
فأصل كلمة الرجل مأخوذة من الرجولية بمعنى القوة .والدرجة في الأصل : ما يرتقى عليه من سلم ونحوه ، والمراد بها هنا المزية والزيادة أي : لهن عليهم مثل الذي لهم عليهن ، وللرجال على النساء مزية وزيادة في الحق ، بسبب حمايتهم لهن ، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات .قال بعض العلماء : وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين - الرجل والمرأة - فلابد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على ترتيبة ناشئتها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين .
وقد نظر الإِسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه ، وأقدر على ضبط حسه ، ووجده الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه فجعل له الرياسة ، ولذا قال - سبحانه - : ( الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ .
.
.
) هذه هي الدرجة التي جعلها الإِسلام للرجل ، وهي درحة تجعل له حقوقاً وتجعل عليه واجبات أكثر ، فهي موائمة كل المواءمة لصدر الآية ، فإذا كان للرجل فضل درجة فعلية فضل واجب " .وقوله : ( والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي غالب في انتقامه ممن عصاه ، حكيم في أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده .
فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاذ لكل ذي حق مهضوم ، وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به ، لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة ، ويؤيده العقل السليم .
قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِن ثلاثة قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الأخر ﴾ .
اعلم أنه تعالى ذكر في هذا الموضع أحكاماً كثيرة للطلاق: فالحكم الأول للطلاق وجوب العدة: اعلم أن المطلقة هي المرأة التي أوقع الطلاق عليها، وهي إما أن تكون أجنبية أو منكوحة، فإن كانت أجنبية فإذا أوقع الطلاق عليها فهي مطلقة بحسب اللغة، لكنها غير مطلقة بحسب عرف الشرع، والعدة غير واجبة عليها بالإجماع، وأما المنكوحة فهي إما أن تكون مدخولاً بها أو لا تكون، فإن لم تكن مدخولاً بها لم تجب العدة عليها، قال الله تعالى: ﴿ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ وأما إن كانت مدخولاً بها فهي إما أن تكون حائلاً أو حاملاً، فإن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل لا بالإقراء قال الله تعالى: ﴿ وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ وأما إن كانت حائلاً فأما أن يكون الحيض ممكناً في حقها أو لا يكون فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط، أو للكبر المفرط كانت عدتها بالأشهر لا بالإقراء، قال الله تعالى: ﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض ﴾ وأما إذا كان الحيض في حقها ممكناً فإما أن تكون رقيقة، وإما أن تكون حرة، فإن كانت رقيقة كانت عدتها بقرأين لا بثلاثة، أما إذا كانت المرأة منكوحة، وكانت مطلقة بعد الدخول، وكانت حائلاً، وكانت من ذوات الحيض وكانت حرة، فعند اجتماع هذه الصفات كانت عدتها بالإقراء الثلاثة على ما بين الله حكمها في هذه الآية، وفي الآية سؤالات: السؤال الأول: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي بعد التخصيص أكثر من حيث أنه جرت العادة بإطلاق لفظ الكل على الغالب، يقال في الثوب: إنه أسود إذا كان الغالب عليه السواد، أو حصل فيه بياض قليل، فأما إذا كان الغالب عليه البياض، وكان السواد قليلاً، كان انطلاق لفظ الأسود عليه كذباً، فثبت أن الشرط في كون العام مخصوصاً أن يكون الباقي بعد التخصيص أكثر، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسماً واحداً، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى.
والجواب: أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها: إنها مطلقة، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالإقراء إنما يكون حيث تحصل الإقراء، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم.
السؤال الثاني: قوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ لا شك أنه خبر، والمراد منه الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر.
والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار، وعلى هذا التقدير فلو مات الزوج ولم تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ذلك كافياً في المقصود، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر زال ذلك الوهم، وعرف أنه مهماً انقضت هذه العدة حصل المقصود، سواء علمت ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب الثاني: قال صاحب الكشاف: التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونظيره قولهم في الدعاء: رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها.
السؤال الثالث: لو قال يتربص المطلقات: لكان ذلك جملة من فعل وفاعل، فما الحكمة في ترك ذلك، وجعل المطلقات مبتدأ، ثم قوله: ﴿ يتربصن ﴾ إسناد الفعل إلى الفاعل، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المبتدأ.
الجواب: قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب دلائل الإعجاز: إنك إذا قدمت الاسم فقلت: زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك: فعل زيد، وذلك لأن قولك: زيد فعل يستعمل في أمرين أحدهما: أن يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل، كقولك: أنا أكتب في المهم الفلاني إلى السلطان، والمراد دعوى الإنسان الانفراد الثاني: أن لا يكون المقصود ذلك، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل، كقولهم: هو يعطي الجزيل لا يريد الحصر، بل أن يحقق عند السامع أن إعطاء الجزيل دأبه ومثله قوله تعالى: ﴿ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقون ﴾ ليس المراد تخصيص المخلوقية وقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ ﴾ وقول الشاعر: هما يلبسان المجد أحسن لبسة *** شجيعان ما اسطاعا عليه كلاهما والسبب في حصول هذا المعنى عند تقديم ذكر المبتدأ أنك إذا قلت: عبد الله، فقد أشعرت بأنك تريد الاخبار عنه، فيحصل في العقل شوق إلى معرفة ذلك فإذا ذكرت ذلك الخبر قبله العقل قبول العاشق لمعشوقه، فيكون ذلك أبلغ في التحقيق ونفي الشبهة.
السؤال الرابع: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء كما قيل: ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ وما الفائدة في ذكر الأنفس.
الجواب: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأراد أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويخبرنها على التربص.
السؤال الخامس: لفظ (أنفس) جمع قلة، مع أنهن نفوس كثيرة، والقروء جمع كثرة، فلم ذكر جمع الكثرة مع أن المراد هذه القروء الثلاثة وهي قليلة.
والجواب: أنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في معنى الجمعية، أو لعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الإقراء.
السؤال السادس: لم لم يقل: ثلاث قروء، كما يقال: ثلاثة حيض.
الجواب: لأنه أتبع تذكير اللفظ ولفظ القروء مذكر فهذا ما يتعلق بالسؤالات في هذه الآية وبقى من الكلام في هذه الآية مسألة واحدة في حقيقة القروء، فنقول: القروء جمع قرء وقرء، ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الحيض والطهر، قال أبو عبيدة: الإقراء من الأضداد في كلام العرب، والمشهور أنه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعاً، وقال آخرون إنه حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر، ومنهم من عكس الأمر، وقال قائلون: إنه موضوع بحيثية معنى واحد مشترك بين الحيض والطهر، والقائلون بهذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال فالأول: أن القرء هو الاجتماع، ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم، وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن، وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي.
والقول الثاني: وهو قول أبي عبيد: أنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة.
والقول الثالث: وهو قول أبي عمرو بن العلاء: أن القرء هو الوقت، يقال: أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت، ويقال: هذا قارئ الرياح لوقت هبوبها، وأنشدوا للهذلي: إذا هبت لقارئها الرياح *** وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر، لأن لكل واحد منهما وقتاً معيناً، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار، روي ذلك عن ابن عمر، وزيد، وعائشة، والفقهاء السبعة، ومالك، وربيعة، وأحمد رضي الله عنهم في رواية، وقال علي وعمر وابن مسعود هي الحيض، وهو قول أبي حنيفة، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وإسحاق رضي الله عنهم، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر، وعندهم أطول، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء، أو يمضي عليها وقت صلاة، حجة الشافعي من وجوه: الحجة الأولى: قوله تعالى: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ ومعناه في وقت عدتهن، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض، أجاب صاحب الكشاف عنه فقال بمعنى مستقبلات لعدتهن، كما يقول لثلاث بقين من الشهر، يريد مستقبلاً لثلاث، وأقول هذا الكلام يقوى استدلال الشافعي رضي الله عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه، فكذا هاهنا قوله: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه، ولما كان الأمر حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة، وذلك هو المطلوب.
الحجة الثانية: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: هل تدرون الأقراء؟
الأقراء الأطهار، ثم قال الشافعي رضي الله عنه: والنساء بهذا أعلم، لأن هذا إنما يبتلي به النساء.
الحجة الثالثة: (القرء) عبارة عن الجمع، يقال: ما قرأت الناقة نسلاً قط، أي ما جمعت في رحمها ولداً قط ومنه قول عمرو بن كلثوم: هجان اللون لم تقرأ جنينا *** وقال الأخفش يقال: ما قرأت حيضة، أي ما ضمت رحمها على حيضة، وسمي الحوض مقرأة لأنه يجتمع فيه الماء، واقرأت النجوم إذا اجتمعت للغروب، وسمي القرآن قرآناً لاجتماع حروفه وكلماته ولاجتماع العلوم الكثيرة فيه، وقرأ القارئ أي جمع الحروف بعضها إلى بعض.
إذا ثبت هذا فنقول: وقت اجتماع الدم إنما هو زمان الطهر لأن الدم يجتمع في ذلك الزمان في البدن.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: بل زمان الحيض أولى بهذا الاسم، لأن الدم يجتمع في هذا الزمان في الرحم.
قلنا: الدماء لا تجتمع في الرحم ألبتة بل تنفصل قطرة قطرة أما وقت الطهر فالكل مجتمع في البدن فكان معنى الاجتماع في وقت الطهر أتم، وتمام التقرير فيه أن اسم القرء لما دل على الاجتماع فأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً في الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج، فمن أولى الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فكان آخر الطهر هو القرء في الحقيقة وهذا كلام بين.
الحجة الثالثة: أن الأصل أن لا يكون لأحد على أحد من العقلاء المكلفين حق الحبس والمنع من التصرفات تركنا العمل به عند قيام الدليل عليه، وهو أقل ما يسمى بالإقراء الثلاثة وهي الأطهار، لأن الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فلما كان كذلك أثبتنا الأقل ضرورة العمل بهذه الآية وطرحنا الأكثر وفاء بالدلائل الدالة على أن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره قدرة الحبس والمنع.
الحجة الرابعة: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء ﴾ يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء أن تخرج عن العهدة، وكل واحد من الطهر ومن الحيض يسمى بهذا الاسم، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير، إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة، وإذا كان كذلك كانت متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل، وكل ما كان كذلك لم يكن واجباً فإذن الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب وذلك يقتضي أن لا يكون الاعتداد بمدة الحيض واجباً وهو المطلوب، حجة أبي حنيفة رضي الله عنه من وجوه: الأول: أن الأقراء في اللغة وإن كانت مشتركة بين الأطهار والحيض إلا أن في الشرع غلب استعمالها في الحيض، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وإذا ثبت هذا كان صرف الأقراء المذكورة في القرآن إلى الحيض أولى.
الحجة الثانية: أن القول بأن الأقراء حيض يمكن معه استيفاء ثلاثة أقراء بكمالها لأن هذا القائل يقول: إن المطلقة يلزمها تربص ثلاث حيض، وإنما تخرج عن العهدة بزوال الحيضة الثالثة ومن قال: إنه طهر يجعلها خارجة من العدة بقرأين وبعض الثالث، لأن عنده إذا طلقها في آخر الطهر تعتد بذلك قرءاً فإذا كان في أحد القولين تكمل الأقراء الثلاثة دون القول الآخر كان القول الأول أليق بالظاهر، أجاب الشافعي رضي الله عنه عن ذلك أن الله قال: ﴿ الحج أَشْهُرٌ معلومات ﴾ والأشهر جمع وأقله ثلاثة، ثم إنا حملنا الآية على شهرين وبعض الثالث، وذلك هو شوال، وذو القعدة، وبعض ذو الحجة، فكذا هاهنا جاز أن تحمل هذه الثلاثة على طهرين وبعض طهر، أجاب الجبائي من شيوخ المعتزلة عن هذا الجواب من وجهين: الأول: أنا تركنا الظاهر في تلك الآية لدليل، فلم يلزمنا أن نترك الظاهر هاهنا من غير دليل والثاني: أن في العدة تربصاً متصلاً، فلابد من استيفاء الثلاثة وليس كذلك أشهر الحج، لأنه ليس فيها فعل متصل، فكأنه قيل: هذه الأشهر وقت الحج لا على سبيل الإستغراق، وأجاب المتأخرون من أصحابنا عن هذه الحجة من وجهين: الأول: كما أن حمل الأقراء على الأطهار يوجب النقصان عن الثلاثة، فحمله على الحيض يوجب الزيادة، لأنه إذا طلقها في أثناء الطهر كان ما بقي من الطهر غير محسوب من العدة فتحصل الزيادة وعذرهم عنه أن هذه لابد من تحملها لأجل الضرورة، لأنه لو جاز الطلاق في الحيض لأمرناه بالطلاق في آخر الحيض حتى تعتد بأطهار كاملة، وإذا اختص الطلاق بالطاهر صارت تلك الزيادة متحملة للضرورة، فنحن أيضاً نقول: لما صارت الأقراء مفسرة بالأطهار، والله تعالى أمرنا بالطلاق في الطهر، صار تقدير الآية يتربصن بأنفسهن ثلاثة أطهار طهر الطلاق فيه.
والوجه الثاني: في الجواب أنّا بينا أن القرء اسم للاجتماع وكمال الاجتماع إنما يحصل في آخر الطهر قرءاً تاماً، وعلى هذا التقدير لم يلزم دخول النقصان في شيء من القرء.
الحجة الثالثة: لهم: أنه تعالى نقل إلى الشهور عند عدم الحيض فقال: ﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار وأيضاً لما كان الأشهر شرعت بدلاً عن الأقراء والبدل يعتبر بتمامها، فإن الأشهر لابد من إتمامها وجب أيضاً أن يكون الكمال معتبراً في المبدل، فلابد وأن تكون الأقراء الكاملة هي الحيض، أما الأطهار فالواجب فيها قرءان وبعض.
الحجة الرابعة: لهم: قوله صلى الله عليه وسلم: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» وأجمعوا على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، فوجب أن تكون عدة الحرة هي الحيض.
الحجة الخامسة: أجمعنا على أن الاستبراء في شراء الجواري يكون بالحيضة، فكذا العدة تكون بالحيضة، لأن المقصود من الاستبراء والعدة شيء واحد.
الحجة السادسة: لهم: أن الغرض الأصلي في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، فوجب أن يكون المعتبر هو الحيض دون الطهر.
الحجة السابعة: لهم: أن القول بأل القروء هي الحيض احتياط وتغليب لجانب الحرمة، لأن المطلقة إذا مر عليها بقية الطهر وطعنت في الحيضة الثالثة فإن جعلنا القرء هو الحيض، فحينئذ يحرم للغير التزوج بها، وإن جعلنا القرء طهراً، فحينئذ يحل للغير التزوج بها، وجانب التحريم أولى بالرعاية، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع الحرام والحلال إلا وغلب الحرام الحلال» ولأن الأصل في الإبضاع الحرمة، ولأن هذا أقرب إلى الاحتياط، فكان أولى لقوله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» فهذا جملة الوجوه في هذا الباب.
واعلم أن عند تعارض هذه الوجوه تضعف الترجيحات، ويكون حكم الله في حق الكل ما أدى اجتهاده إليه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ فاعلم أن انقضاء العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء، وضع الحمل في حق الحامل، وكان الوصول إلى علم ذلك للرجال متعذراً جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو على مذهب الشافعي رضي الله عنه اثنان وثلاثون يوماً وساعة، لأن أمرها يحمل على أنها طقلت طاهرة فحاضت بعد سعة، ثم حاضت يوماً وليلة وهو أقل الحيض، ثم طهرت خمسة عشر يوماً وهو أقل الطهر، مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر يوماً، ثم رأت الدم فقد انقضت عدتها بحصول ثلاثة أطهار، فمتى ادعت هذا أو أكثر من هذا قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت أنها أسقطت كان القول قولها، لأنها على أصل أمانتها.
واعلم أن للمفسرين في قوله: ﴿ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ ثلاثة أقوال الأول: أنه الحبل والحيض معاً، وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زماناً من انقضاء عدتها بوضع الحمل، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر.
أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات لأنها إذا حاضت أولاً فكتمته، ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وإذا كتمت أن الحيضة الثالثة وجدت فكمثل، وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها، فثبت أنه كما أن لها غرضاً في كتمان الحبل، فكذلك في كتمان الحيض، فوجب حمل النهي على مجموع الأمرين.
القول الثاني: أن المراد هو النهي عن كتمان الحمل فقط، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء ﴾ .
وثانيها: أن الحيض خارج عن الرحم لا أنه مخلوق في الرحم.
وثالثها: أن حمل قوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ على الولد الذي هو جوهر شريف، أولى من حمله على الحيض الذي هو شيء في غاية الخساسة والقذر، واعلم أن هذه الوجوه ضعيفة، لأنه لما كان المقصود منعها عن إخفاء هذه الأحوال التي لا اطلاع لغيرها عليها، وبسببها تختلف أحوال الحرمة والحل في النكاح، فوجب حمل اللفظ على الكل.
القول الثالث: المراد هو النهي عن كتمان الحيض، لأن هذه الآية وردت عقيب ذكر الأقراء، ولم يتقدم ذكر الحمل، وهذا أيضاً ضعيف، لأن قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ كلام مستأنف مستقل بنفسه من غير أن يضاف إلى ما تقدم، فيجب حمله على كل ما يخلق في الرحم.
أما قوله تعالى: ﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الأخر ﴾ فليس المراد أن ذلك النهي مشروط بكونها مؤمنة، بل هذا كما تقول للرجل الذي يظلم: إن كنت مؤمناً فلا تظلم، تريد إن كنت مؤمناً فينبغي أن يمنعك إيمانك عن ظلمي، ولا شك أن هذا تهديد شديد على النساء، وهو كما قال في الشهادة ﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ وقال: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذي اؤتمن أمانته وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ﴾ والآية دالة على أن كل من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.
قوله تعالى: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم ﴾ .
اعلم أن هذا هو الحكم الثاني للطلاق وهو الرجعية، وفي البعولة قولان أحدهما: أنه جمع بعل، كالفحولة والذكورة والجدودة والعمومة، وهذه الهاء زائدة مؤكدة لتأنيث الجماعة ولا يجوز إدخالها في كل جمع بل فيما رواه أهل اللغة عن العرب، فلا يقال في كعب: كعوبه، ولا في كلب: كلابة، واعلم أن اسم البعل مما يشترك فيه الزوجان فيقال للمرأة بعلة، كما يقال لها زوجة في كثير من اللغات، وزوج في أفصح اللغات فهما بعلان، كما أنهما زوجان، وأصل البعل السيد المالك فيما قيل، يقال: من بعل هذه الناقة؟
كما يقال: من ربها، وبعل اسم صنم كانوا يتخدونه رباً، وقد كان النساء يدعون أزواجهن بالسودد.
القول الثاني: أن العبولة مصدر، يقال: بعل الرجل يبعل بعولة، إذا صار بعلاً، وباعل الرجل امرأته إذا جامعها، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أيام التشريق: أنها أيام أكل وشرب وبعال وامرأته حسنة البعل إذا كانت تحسن عشرة زوجها، ومنه الحديث إذا أحسنتن ببعل أزواجكن وعلى هذا الوجه كان معنى الآية: وأهل بعولتهن.
وأما قوله: ﴿ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك ﴾ فالمعنى: أحق برجعتهن في مدة ذلك التربص وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: ما فائدة قوله: ﴿ أَحَقُّ ﴾ مع أنه لا حق لغير الزوج في ذلك.
الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى قال قبل هذه الآية: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ كان تقدير الكلام: فإنهن إن كتمن لأجل أن يتزوج بهن زوج آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وذلك لأنه ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر، فبين أن الزوج الأول أحق منه، وكذا إذا ادعت انقضاء أقرائها ثم علم خلافه فالزوج الأول أحق من الزوج الآخر في العدة الثاني: إذا كانت معتدة فلها في مضي العدة حق انقطاع النكاح فلما كان لهن هذا الحق الذي يتضمن إبطال حق الزوج جاز أن يقول: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ ﴾ من حيث إن لهم أن يبطلوا بسبب الرجعة ما هن عليه من العدة.
السؤال الثاني: ما معنى الرد؟.
الجواب: يقال: رددته أي رجعته قال تعالى في موضع ﴿ وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى ﴾ وفي موضع آخر: ﴿ وَلَئِن رُّجّعْتُ ﴾ .
السؤال الثالث: ما معنى الرد في المطلقة الرجعية؟
وهي ما دامت في العدة فهي زوجته كما كانت.
الجواب: أن الرد والرجعة يتضمن إبطال التربص والتحري في العدة فهي ما دامت في العدة كأنه كانت جارية في إبطال حق الزوج وبالرجعة يبطل ذلك، فلا جرم سميت الرجعة رداً، لا سيما ومذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحرم الاستمتاع بها إلا بعد الرجعة، ففي الرد على مذهبه شيئان أحدهما: ردها من التربص إلى خلافه الثاني: ردها من الحرمة إلى الحل.
السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله تعالى: ﴿ فِي ذلك ﴾ .
الجواب: أن حق الرد إنما يثبت في الوقت الذي هو وقت التربص، فإذا انقضى ذلك الوقت فقد بطل حق الردة والرجعة.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا ﴾ فالمعنى أن الزوج أحق بهذه المراجعة إن أرادوا الإصلاح وما أرادوا المضارة، ونظيره قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نفسه ﴾ والسبب في هذه الآية أن في الجاهلية كانوا يرجعون المطلقات، ويريدون بذلك الإضرار بهن ليطلقوهن بعد الرجعة، حتى تحتاج المرأة إلى أن تعتد عدة حادثة، فنهوا عن ذلك، وجعل الشرط في حل المراجعة إرادة الإصلاح، وهو قوله: ﴿ إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا ﴾ .
فإن قيل: إن كلمة ﴿ إِنْ ﴾ للشرط، والشرط يقتضي انتفاء الحكم عند انتفائه، فيلزم إذا لم توجد إرادة الإصلاح أن لا يثبت حق الرجعة.
والجواب: أن الإرادة صفة باطنة لا اطلاع لنا عليها، فالشرع لم يوقف صحة المراجعة عليها، بل جوازها فيما بينه وبين الله موقوف على هذه الإرادة، حتى إنه لو راجعها لقصد المضارة استحق الإثم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بين أنه يجب أن يكون المقصود من المراجعة إصلاح حالها، لا إيصال الضرر إليها بين أن لكل واحد من الزوجين حقاً على الآخر.
واعلم أن المقصود من الزوجين لا يتم إلا إذا كان كل واحد منهما مراعياً حق الآخر، وتلك الحقوق المشتركة كثيرة، ونحن نشير إلى بعضها فأحدها: أن الزوج كالأمير والراعي، والزوجة كالمأمور والرعية، فيجب على الزوج بسبب كونه أميراً وراعياً أن يقوم بحقها ومصالحها، ويجب عليها في مقابلة ذلك إظهار الانقياد والطاعة للزوج.
وثانيها: روي عن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لأمرأتي كما تتزين لي لقوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ ﴾ .
وثالثها: ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة، مثل ما عليهن من ترك الكتمان فيما خلق الله في أرحامهن، وهذا أوفق لمقدمة الآية.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: يقال: رجل بين الرجلة، أي القوة، وهو أرجل الرجلين أي أقواهما، وفرس رجيل قوي على المشي، والرجل معروف لقوته على المشي، وارتجل الكلام أي قوي عليه من غير حاجة فيه إلى فكرة وروية، وترجل النهار قوي ضياؤه، وأما الدرجة فهي المنزلة وأصلها من درجت الشيء أدرجه درجاً، وأدرجته إدراجاً إذا طويته، ودرج القوم قرناً بعد قرن أي فنوا ومعناه أنهم طووا عمرهم شيئاً فشيئاً، والمدرجة قارعة الطريق، لأنها تطوي منزلاً بعد منزل، والدرجة المنزلة من منازل الطريق، ومنه الدرجة التي يرتقي فيها.
المسألة الثانية: اعلم أن فضل الرجل على المرأة أمر معلوم، إلا أن ذكره هاهنا يحتمل وجهين: الأول: أن الرجل أزيد في الفضيلة من النساء في أمور أحدها: العقل والثاني: في الدية والثالث: في المواريث والرابع: في صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة والخامس: له أن يتزوج عليها، وأن يتسرى عليها، وليس لها أن تفعل ذلك مع الزوج والسادس: أن نصيب الزوج في الميراث منها أكثر من نصيبها في الميراث منه والسابع: أن الزوج قادر على تطليقها، وإذا طلقها فهو قادر على مراجعتها، شاءت المرأة أم أبت، أما المرأة فلا تقدر على تطليق الزوج، وبعد الطلاق لا تقدر على مراجعة الزوج ولا تقدر أيضاً على أن تمنع الزوج من المراجعة والثامن: أن نصيب الرجل في سهم الغنيمة أكثر من نصيب المرأة، وإذا ثبت فضل الرجل على المرأة في هذه الأمور، ظهر أن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان».
وفي خبر آخر: «اتقوا الله في الضعيفين: اليتيم والمرأة»، وكان معنى الآية أنه لأجل ما جعل الله للرجال من الدرجة عليهن في الاقتدار كانوا مندوبين إلى أن يوفوا من حقوقهن أكثر، فكان ذكر ذلك كالتهديد للرجال في الإقدام على مضارتهن وإيذائهن، وذلك لأن كل من كانت نعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد.
والوجه الثاني: أن يكون المراد حصول المنافع واللذة مشترك بين الجانبين، لأن المقصود من الزوجية السكن والألفة والمودة، واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين بل يمكن أن يقال: إن نصيب المرأة فيها أوفر، ثم إن الزوج اختص بأنواع من حقوق الزوجة، وهي التزام المهر والنفقة، والذب عنها، والقيام بمصالحها، ومنعها عن مواقع الآفات، فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوباً، رعاية لهذه الحقوق الزائدة وهذا كما قال تعالى: ﴿ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم ﴾ وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها» ثم قال تعالى: ﴿ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ ﴾ أي غالب لا يمنع، مصيب أحكامه وأفعاله، لا يتطرق إليهما احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.
<div class="verse-tafsir"
قرأ عبد الله: ﴿ آلوا من نسائهم ﴾ .
وقرأ ابن عباس: ﴿ يقسمون من نسائهم ﴾ : فإن قلت: كيف عدي بمن، وهو معدى بعلى؟
قلت: قد ضمن في هذا القسم المخصوص معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو مقسمين.
ويجوز أن يراد لهم ﴿ مِن نّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ كقوله: لي منك كذا.
والإيلاء من المرأة أن يقول: والله لا أقربك أربعة أشهر فصاعداً على التقييد بالأشهر.
أو لا أقربك على الإطلاق.
ولا يكون في ما دون أربعة أشهر، إلا ما يحكى عن إبراهيم النخعي.
وحكم ذلك: أنه إذا فاء إليها في المدة بالوطء إن أمكنه أو بالقول إن عجز: صح الفيء، وحنث القادر، ولزمته كفارة اليمين، ولا كفارة على العاجز.
وإن مضت الأربعة بانت بتطليقة عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي: لا يصح الإيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ثم يوقف المولى، فإما أن يفيء وإما أن يطلق وإن أبى طلق عليه الحاكم.
ومعنى قوله: ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ فإن فاؤا في الأشهر، بدليل قراءة عبد الله: ﴿ فإن فاؤا فيهن ﴾ ﴿ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ يغفر للمولين ما عسى يقدمون عليه من طلب ضرار النساء بالإيلاء وهو الغالب، وإن كان يجوز أن يكون على رضا منهن إشفاقاً منهن على الولد من الغيل، أو لبعض الأسباب لأجل الفيئة التي هي مثل التوبة ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق ﴾ فتربصوا إلى مُضيِّ المدة ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعيد على إصرارهم وتركهم الفيئة، وعلى قول الشافعي رحمه الله معناه ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ بعد مضي المدة.
فإن قلت: كيف موقع الفاء إذا كانت الفيئة قبل انتهاء مدّة التربص؟
قلت: موقع صحيح لأن قوله ﴿ فَإِن فَآءُوا ﴾ ، ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ ﴾ تفصيل لقوله ﴿ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ ﴾ والتفصيل يعقب المفصل، كما تقول: أنا نزيلكم هذا الشهر، فإن أحمدتكم أقمت عندكم إلى آخره، وإلا لم أقم إلا ريثما أتحوّل.
فإن قلت: ما تقول في قوله: ﴿ فَإِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ وعزمهم الطلاق بما يعلم ولا يسمع؟
قلت: الغالب أن العازم للطلاق وترك الفيئة والضرار، لا يخلو من مقاولة ودمدمة ولا بد له من أن يحدّث نفسه ويناجيها بذلك، وذلك حديث لا يسمعه إلا الله كما يسمع وسوسة الشيطان ﴿ والمطلقات ﴾ أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء.
فإن قلت: كيف جازت إرادتهن خاصة واللفظ يقتضي العموم؟
قلت: بل اللفظ مطلق في تناول الجنس صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كالاسم المشترك.
فإن قلت: فما معنى الإخبار عنهن بالتربص؟
قلت: هو خبر في معنى الأمر.
وأصل الكلام: وليتربص المطلقات.
وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر، وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص.
فهو يخبر عنه موجوداً.
ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك الله، أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة، كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها، وبناؤه على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد.
ولو قيل: ويتربص المطلقات، لم يكن بتلك الوكادة.
فإن قلت: هلا قيل: يتربصن ثلاثة قروء، كما قيل ﴿ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ ﴾ وما معنى ذكر الأنفس؟
قلت: في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن، وذلك أن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص.
والقروء: جمع قرء أو قرء، وهو الحيض، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: «دعي الصلاة أيام أقرائك» وقوله: «طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان» ولم يقل طهران.
وقوله تعالى ﴿ واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ ﴾ [الطلاق: 4] فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار.
ولأن الغرض الأصيل في العدة استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام دون الطهر، ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة.
ويقال أقرأت المرأة، إذا حاضت.
وامرأة مقرئ.
وقال أبو عمرو بن العلاء: دفع فلان جاريته إلى فلانة تقرئها، أي تمسكها عندها حتى تحيض للاستبراء.
فإن قلت: فما تقول: في قوله تعالى: ﴿ فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1] والطلاق الشرعي، إنما هو في الطهر؟
قلت: معناه مستقبلات لعدتهن، كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلاً لثلاث، وعدتهنّ الحيض الثلاث.
فإن قلت: فما تقول في قول الأعشى: لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكا قلت: أراد: لما ضاع فيها من عدّة نسائك، لشهرة القروء عندهم في الاعتداد بهن، أي من مدّة طويلة كالمدة التي تعتد فيها النساء، استطال مدة غيبته عن أهله كل عام لاقتحامه في الحروب والغارات.
وأنه تمرّ على نسائه مدة كمدة العدة ضائعة لا يضاجعن فيها، أو أراد من أوقات نسائك، فإنّ القرء والقارئ جاء في معنى الوقت، ولم يرد لا حيضاً ولا طهراً.
فإن قلت: فعلام انتصب ﴿ ثلاثة قُرُوء ﴾ ؟
قلت: على أنه مفعول به كقولك: المحتكر يتربص الغلاء، أي يتربصن مضيّ ثلاثة قروء، أو على أنه ظرف، أي: يتربصن مدة ثلاثة قروء فإن قلت: لم جاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الأقراء؟
قلت: يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية.
ألا ترى إلى قوله: ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة، ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء، فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شسوع.
وقرأ الزهري: ﴿ ثلاثة قرو ﴾ ، بغير همزة ﴿ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ من الولد أو من دم الحيض.
وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع، ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهرت، استعجالاً للطلاق.
ويجوز أن يراد اللاتي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه ﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.
والبعولة: جمع بعل، والتاء لاحقة لتأنيث الجمع كما في الحزونة والسهولة.
ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قولك: بعل حسن البعولة، يعني: وأهل بعولتهن ﴿ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ ﴾ برجعتهن.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ بردّتهن ﴾ ﴿ وَفِي ذلكم ﴾ في مدة ذلك التربص.
فإن قلت: كيف جُعلوا أحق بالرجعة، كأن للنساء حقاً فيها؟
قلت: المعنى أنّ الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها، إلا أن لها حقاً في الرجعة ﴿ إِنْ أَرَادُواْ ﴾ بالرجعة ﴿ إصلاحا ﴾ لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارّتهنّ ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ ﴾ ويجب لهنّ من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهنّ ﴿ بالمعروف ﴾ بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهنّ ولا يكلفونهنّ ما ليس لهم ولا يعنف أحد الزوجين صاحبه.
والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب الواجب في كونه حسنة، لا في جنس الفعل، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك، ولكن يقابله بما يليق بالرجال ﴿ دَرَجَةً ﴾ زيادة في الحق وفضيلة.
قيل: المرأة تنال من اللذة ما ينال الرجل، وله الفضيلة بقيامه عليها وإنفاقه في مصالحها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والمُطَلَّقاتُ ﴾ يُرِيدُ بِها المَدْخُولَ بِهِنَّ مِن ذَواتِ الإقْراءِ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ والأخْبارُ أنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ خِلافُ ما ذُكِرَ.
﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ خَبَرٌ بِمَعْنى الأمْرِ، وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلتَّأْكِيدِ والإشْعارِ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُسارَ إلى امْتِثالِهِ، وكَأنَّ المُخاطَبَ قَصَدَ أنْ يَمْتَثِلَ الأمْرَ فَيُخْبِرَ عَنْهُ كَقَوْلِكَ في الدُّعاءِ: رَحِمَكَ اللَّهُ، وبِناؤُهُ عَلى المُبْتَدَأِ يَزِيدُهُ فَضْلُ تَأْكِيدٍ.
﴿ بِأنْفُسِهِنَّ ﴾ تَهْيِيجٌ وبَعْثٌ لَهُنَّ عَلى التَّرَبُّصِ، فَإنَّ نُفُوسَ النِّساءِ طَوامِحُ إلى الرِّجالِ، فَأُمِرْنَ بِأنْ يَقْمَعْنَها ويَحْمِلْنَها عَلى التَّرَبُّصِ.
﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوِ المَفْعُولِ بِهِ.
أيْ يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّها.
وَقُرُوءٌ جَمْعُ قُرْءٍ وهو يُطْلَقُ لِلْحَيْضِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكِ» وَلِلطُّهْرِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ كَقَوْلِ الأعْشى: مُوَرِّثَةٌ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ...
لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا وَأصْلُهُ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، وهو المُرادُ بِهِ في الآيَةِ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ لا الحَيْضِ، كَما قالَهُ الحَنَفِيَّةُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أيْ وقْتَ عِدَّتِهِنَّ.
والطَّلاقُ المَشْرُوعُ لا يَكُونُ في الحَيْضِ، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ وعِدَّتُها حَيْضَتانِ» .
فَلا يُقاوِمُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ في قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدُ وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى أنْ تُطْلَّقَ لَها النِّساءُ» .
وكانَ القِياسُ أنْ يُذْكَرَ بِصِيغَةِ القِلَّةِ الَّتِي هي الأقْراءُ، ولَكِنَّهم يَتَّسِعُونَ في ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البِناءَيْنِ مَكانَ الآخَرِ، ولَعَلَّ الحُكْمَ لَمّا عَمَّ المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الأقْراءِ تَضَمَّنَ مَعْنى الكَثْرَةِ فَحَسُنَ بِناؤُها.
﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ ﴾ مِنَ الوَلَدِ، أوِ الحَيْضِ اسْتِعْجالًا في العِدَّةِ وإبْطالًا لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَها مَقْبُولٌ في ذَلِكَ ﴿ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ تَقْيِيدَ نَفْيِ الحِلِّ بِإيمانِهِنَّ، بَلِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ يُنافِي الإيمانَ، وأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَفْعَلَ.
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾ أيْ أزْواجُ المُطَلَّقاتِ.
﴿ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ إلى النِّكاحِ والرَّجْعَةِ إلَيْهِنَّ، ولَكِنْ إذا كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا لِلْآيَةِ الَّتِي تَتْلُوها فالضَّمِيرُ أخَصُّ مِنَ المَرْجُوعِ إلَيْهِ ولا امْتِناعَ فِيهِ، كَما لَوْ كَرَّرَ الظّاهِرَ وخَصَّصَهُ.
والبُعُولَةُ جَمْعُ بَعْلٍ والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ كالعُمُومَةِ والخُؤُلَةِ، أوْ مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ بَعْلٌ حَسَنُ البُعُولَةِ نُعِتَ بِهِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ المُضافِ المَحْذُوفِ أيْ وأهْلُ بُعُولَتِهِنَّ، وأفْعَلُ هاهُنا بِمَعْنى الفاعِلِ.
في ذَلِكَ أيْ في زَمانِ التَّرَبُّصِ.
﴿ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ﴾ بِالرَّجْعَةِ لا لِإضْرارِ المَرْأةِ، ولَيْسَ المُرادُ مِنهُ شَرْطِيَّةَ قَصْدِ الإصْلاحِ لِلرَّجْعَةِ بَلِ التَّحْرِيضَ عَلَيْهِ والمَنعَ مِن قَصْدِ الضِّرارِ.
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ ولَهُنَّ حُقُوقٌ عَلى الرِّجالِ مِثْلُ حُقُوقِهِمْ عَلَيْهِنَّ في الوُجُوبِ واسْتِحْقاقِ المُطالَبَةِ عَلَيْها، لا في الجِنْسِ.
﴿ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ زِيادَةٌ في الحَقِّ وفَضْلٌ فِيهِ، لِأنَّ حُقُوقَهم في أنْفُسِهِمْ وحُقُوقَهُنَّ المَهْرُ والكَفافُ وتَرْكُ الضِّرارِ ونَحْوُها، أوْ شَرَفٌ وفَضِيلَةٌ لِأنَّهم قِوامٌ عَلَيْهِنَّ وحُرّاسٌ لَهُنَّ يُشارِكُونَهُنَّ في غَرَضِ الزَّواجِ ويُخَصُّونَ بِفَضِيلَةِ الرِّعايَةِ والإنْفاقِ ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ يَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِمَّنْ خالَفَ الأحْكامَ.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ يُشَرِّعُها لِحِكَمٍ ومَصالِحَ.
<div class="verse-tafsir"
{والمطلقات} أراد المدخول بهن من ذوات الأقراء {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} خبر في معنى الأمر وأصل الكلام ولتتربص المطلقات وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً ونحوه قولهم في الدعاء رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالاستجابة كأنما وجدت الرحمة فهو يخبر عنها وبناءه على المتبدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد لأن الجملة الاسمية تدل على الدوام واثبات بخلاف الفعلية وفي ذكر الأنفس تهييج لهن
على التربص وزيادة بعث لأن أنفس النساء طوامح إلى الرجال فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ويجبرنها على التربص {ثلاثة قُرُوءٍ} جمع قرء أو قرء وهو الحيض لقوله عليه السلام دعي الصلاة أيام أقرائك وقوله طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان ولم يقل طهران وقوله تعالى {واللائى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ إِنِ ارتبتم فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أشهر} فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار ولأن المطلوب من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام دون الطهر ولذلك كان الاستبراء من الأمة بالحيضة ولأنه لو كان طهرا كما قال الشافعى لا نقضت العدة بقرأين وبعض الثالث فانتقض العدد عن الثلاثة لأنه إذا طلقها لآخر الطهر فذا محسوب من العدة عنده وإذا طلقها في آخر الحيض فذا غير محسوب من العدة عندنا والثلاث اسم خاص لعدد مخصوص لا يقع على ما دونه ويقال أقرأت المرأة إذا حاضت وامرأة مقرئ وانتصاب ثلاثة على أنه مفعول به أي يتربصن مضي ثلاثة قروء أو على الظرف أي يتربصن مدة ثلاثة قروء وجاء المميز على جمع الكثرة دون القلة التي هي الإقراء
البقرة (٢٢٨ _ ٢٢٩)
لاشتراكهما في الجمعية اتساعاً ولعل القروء كانت أكثر استعمالاً في جمع قرء من الأقراء فأوثر عليه تنزيلاً لقليل الاستعمال منزلة المهمل {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِى أَرْحَامِهِنَّ} من الولد أو من دم الحيض أو منهما وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض قد طهرت استعجالاً للطلاق ثم عظم فعلهن فقال {إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الآخر} لأن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم {وَبُعُولَتُهُنَّ} البعول جمع بعل والتاء لاحقة لتأنيث الجمع {أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ} أى أزواجهن أولى برجعتهن
وفيه دليل على أن الطلاق الرجعي لا يحرم الوطء حيث سماه زوجاً بعد الطلاق {فِي ذلك} في مدة ذلك التربص والمعنى أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها وكان هو أحق منها لا أن لها حقاً في الرجعة {إِنْ أَرَادُواْ} بالرجعة {إصلاحا} لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن ولم يريدوا مضارتهن {ولهن مثل الذي} يجب لهم {عليهن} من الأمر والنهي {بالمعروف} بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلف أحد الزوجين صاحبه ما ليس له والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونه حسنة لا في جنس الفعل فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال {وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ درجة} زيادة الحق وفضيلة بالقيام بأمرها وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع أو بالإنفاق وملك النكاح {والله عَزِيزٌ} لا يعترض عليه في أموره {حَكِيمٌ} لا يأمر إلا بما هو صواب وحسن
﴿ والمُطَلَّقاتُ ﴾ أيْ: ذَواتِ الأقْراءِ مِنَ الحَرائِرِ المَدْخُولِ بِهِنَّ لِما قَدْ بُيَّنَ في الآياتِ والأخْبارِ أنْ لا عِدَّةَ عَلى غَيْرِ المَدْخُولِ بِها، وأنَّ عِدَّةَ مَن لا تَحِيضُ لِصِغَرٍ أوْ كِبَرٍ أوْ حَمْلٍ بِالأشْهُرِ ووَضْعِ الحَمْلِ، وأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ قُرْآنِ أوْ شَهْرانِ، (فَألْ) لَيْسَتْ لِلِاسْتِغْراقِ؛ لِأنَّهُ هَهُنا مُتَعَذِّرٌ لِما بُيِّنَ، فَتُحْمَلُ عَلى الجِنْسِ كَما في (لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ)، ويُرادُ مِنهُ ما ذُكِرَ بِقَرِينَةِ الحُكْمِ، وهَذا مَذْهَبُ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ؛ لِأنَّ الكَلامَ المُسْتَقِلَّ غَيْرَ المَوْصُولِ عِنْدَهم ناسِخٌ لِلْعامِّ، والنُّسَخُ إنَّما يَصِحُّ إذا ثَبَتَ عُمُومُ الحُكْمِ السّابِقِ - ولا عُمُومَ هَهُنا - وقالَ الشّافِعِيَّةُ: إنَّ (المُطَلَّقاتِ) عامٌّ، وقَدْ خَصَّ البَعْضَ بِكَلامٍ مُسْتَقِلٍّ غَيْرِ مَوْصُولٍ، واعْتَرَضُهُ الإمامُ بِأنَّ التَّخْصِيصَ إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ الباقِي تَحْتَ العامِّ أكْثَرَ، وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنِهِ مِمّا لا شاهِدَ لَهُ، فَإنَّ المَذْكُورَ في كُتُبِ الأُصُولِ أنَّ العامَّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إلى أنْ يَبْقى تَحْتَهُ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ مَعْنى الجَمْعِ؛ لِئَلّا يَلْزَمُ إبْطالَ الصِّيغَةِ فَلْيَفْهَمْ.
﴿ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ أيْ: يَنْتَظِرْنَ، وهو خَبَرٌ قُصِدَ مِنهُ الأمْرُ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ، فَلا يَحْتاجُ في وُقُوعِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ إلى التَّأْوِيلِ عَلى رَأْيِ مَن لَمْ يُجَوِّزْ وُقُوعَ الإنْشاءِ خَبَرًا مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ خَبَرِيَّةٌ بِمَعْنى الأمْرِ؛ أيْ: لِيَتَرَبَّصِ (المُطَلَّقاتُ) ولا يَخْفى أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلتَّأْكِيدِ بِدَلالَتِهِ عَلى التَّحْقِيقِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الخَبَرِ الصِّدْقُ والكَذِبُ احْتِمالٌ عَقْلِيٌّ، والإشْعارُ بِأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُسارِعَ إلى امْتِثالِهِ؛ حَيْثُ أُقِيمَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَلى الوُقُوعِ مَقامَ الدّالِّ عَلى الطَّلَبِ، وفي ذِكْرِهِ مُتَأخِّرًا عَنِ المُبْتَدَأِ فَضْلُ تَأْكِيدٍ لِما فِيهِ مِن إفادَةِ التَّقْوى عَلى أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَنقُولَيْنِ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ والسَّكّاكِيِّ، وقُيِّدَ (التَّرَبُّصُ) هُنا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ بِأنْفُسِهِنَّ ﴾ وتَرَكَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَرَبُّصُ أرْبَعَةِ أشْهُرٍ ﴾ لِتَحْرِيضِ النِّساءِ عَلى (التَّرَبُّصِ)؛ لِأنَّ (الباءَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ أنْ يَقْمَعْنَ أنْفُسَهُنَّ ويَحْمِلْنَها عَلى الِانْتِظارِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِنَّ ماثِلاتٍ إلى الرِّجالِ، وذَلِكَ مِمّا يَسْتَنْكِفْنَ مِنهُ، فَإذا سَمِعْنَ هَذا تَرَبَّصْنَ، وهَذا بِخِلافِ الآيَةِ السّابِقَةِ، فَإنَّ المَأْمُورَ فِيها (بِالتَّرَبُّصِ) الأزْواجُ، وهم وإنْ كانُوا طامِحِينَ إلى النِّساءِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُمُ اسْتِنْكافٌ مِنهُ، فَذِكْرُ (الأنْفُسِ) فِيها لا يُفِيدُ تَحْرِيضَهم عَلى التَّرَبُّصِ ﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ المُدَّةِ، والمَفْعُولُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّ (التَّرَبُّصَ) مُتَعَدٍّ، قالَ تَعالى: ﴿ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: يَتَرَبَّصْنَ التَّزَوُّجَ، وفي حَذْفِهِ إشْعارٌ بِأنَّهُنَّ يَتْرُكْنَ التَّزَوُّجَ في هَذِهِ المُدَّةِ بِحَيْثُ لا يَتَلَفَّظْنَ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ يَتَرَبَّصْنَ مُضِيَّها، (والقُرُوءُ) جَمْعُ قُرْءٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، والأوَّلُ أفْصَحُ، وهو يُطْلَقُ لِلْحَيْضِ؛ لِما أخْرَجَ النَّسائِيُّ وأبُو داوُدَ والدّارَقُطْنِيُّ: «”أنَّ فاطِمَةَ ابْنَةَ أبِي حُبَيْشٍ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي امْرَأةٌ أُسْتَحاضُ، فَلا أطْهُرُ، أفَأدَعُ الصَّلاةَ؟
فَقالَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: لا، دَعِي الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِكَ“،» ويُطْلَقُ لِلطُّهْرِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ كَما في ظاهِرِ قَوْلِ الأعْشى: أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا مُورِثَةً مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا أيْ: أطْهارِهِنَّ؛ لِأنَّها وقْتُ الِاسْتِمْتاعِ ولا جِماعَ في الحَيْضِ في الجاهِلِيَّةِ أيْضًا، وأصْلُهُ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ لِاسْتِلْزامِهِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ الرّاغِبُ: إنَّ الطّاهِرَ الَّتِي لَمْ تَرَ الدَّمَ لا يُقالُ لَها ذاتَ قُرْءٍ والحائِضُ الَّتِي اسْتَمَرَّ لَها الدَّمُ لا يُقالُ لَها ذَلِكَ أيْضًا، والمُرادُ بِالقُرْءِ في الآيَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ الِانْتِقالُ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ في قَوْلٍ قَوِيٍّ لَهُ، أوِ الطُّهْرُ المُنْتَقَلُ مِنهُ كَما في المَشْهُورِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وخَلْقٍ كَثِيرٍ لا الحَيْضُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِمَعْقُولٍ ومَنقُولٍ؛ أمّا الأوَّلُ فَهو أنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ بَراءَةُ الرَّحِمِ مِن ماءِ الزَّوْجِ السّابِقِ، والمُعَرِّفُ لِبَراءَةِ الرَّحِمِ هو الِانْتِقالُ إلى الحَيْضِ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى انْفِتاحِ فَمِ الرَّحِمِ، فَلا يَكُونُ فِيهِ العُلُوقُ؛ لِأنَّهُ يُوجِبُ انْسِدادَ فَمِ الرَّحِمِ عادَةً دُونَ الحَيْضِ، فَإنَّ الِانْتِقالَ مِنَ الحَيْضِ إلى الطُّهْرِ يَدُلُّ عَلى انْسِدادِ فَمِ الرَّحِمِ، وهو مَظَنَّةُ العُلُوقِ، فَإذا جاءَ بَعْدَهُ الحَيْضُ عُلِمَ عَدَمُ انْسِدادِهِ.
وأمّا الثّانِي فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ واللّامُ لِلتَّأْقِيتِ والتَّخْصِيصِ بِالوَقْتِ، فَيُفِيدُ أنَّ مَدْخُولَهُ وقْتٌ لِما قَبْلَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ ﴾ و ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ فَيُفِيدُ أنَّ العِدَّةَ وقْتُ الطَّلاقِ والطَّلاقُ فِي الحَيْضِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ؛ لِما أخْرَجَ الشَّيْخانِ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما - طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وهي حائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَتَغَيَّظَ، ثُمَّ قالَ: ”مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثُمَّ لِيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضُ ثُمَّ تَطْهُرُ، ثُمَّ إنْ شاءَ أمْسَكَ بَعْدُ، وإنْ شاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُطَلَّقَ لَها النِّساءُ“،» وهو أحَدُ الأدِلَّةِ أيْضًا عَلى أنَّ العِدَّةَ بِالأطْهارِ، وذَهَبَ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ إلى أنَّ المُرادَ بِالقُرْءِ الحَيْضُ، وهو المُرْوَيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والحَسَنِ وعِكْرِمَةَ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ وجَمٍّ غَفِيرٍ، وكَوْنُ الِانْتِقالِ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ هو المُعَرِّفُ لِلْبَراءَةِ إذا سَلَّمَ مُعارِضٌ، بِأنَّ سَيَلانَ الدَّمِ هو السَّبَبُ لِلْبَراءَةِ المَقْصُودَةِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّ اعْتِبارَ المُعَرَّفِ أوْلى مِنَ اعْتِبارِ السَّبَبِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المُكابَرَةِ في شَيْءٍ، عَلى أنَّ المُهِمَّ في مِثْلِ هَذِهِ المَباحِثِ الأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ، وفِيما ذَكَرُوهُ مِنها بِحْثٌ؛ لِأنَّ لامَ التَّوْقِيتِ لا تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مَدْخُولُها ظَرْفًا لِما قَبْلَها، فَفي الرِّضى أنَّ اللّامَ في نَحْوِ جِئْتُكَ لِغُرَّةِ كَذا هي المُفِيدَةُ لِلِاخْتِصاصِ الَّذِي هو أصْلُها، والِاخْتِصاصُ هَهُنا عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: إمّا أنْ يَخْتَصَّ الفِعْلُ بِالزَّمانِ بِوُقُوعِهِ فِيهِ نَحْوَ كَتَبْتُهُ لِغُرَّةِ كَذا، أوْ يَخْتَصُّ بِهِ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ نَحْوَ لِلَيْلَةٍ خِلْتُ، أوِ اخْتَصَّ بِهِ لِوُقُوعِهِ قَبْلَهُ نَحْوَ لِلَيْلَةٍ بَقِيتُ، فَمَعَ الإطْلاقِ يَكُونُ الِاخْتِصاصُ لِوُقُوعِهِ فِيهِ، ومَعَ قَرِينَةٍ نَحْوَ خِلْتُ يَكُونُ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ، ومَعَ قَرِينَةٍ نَحْوَ بَقِيتُ لِوُقُوعِهِ قَبْلَهُ انْتَهى.
وفِيما نَحْنُ فِيهِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّ التَّطْلِيقَ يَكُونُ قَبْلَ العِدَّةِ لا مُقارِنًا لَها، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: (فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ)، فَفي الصِّحاحِ: القَبْلُ والقَبُلُ نَقِيضُ الدَّبْرِ والدُّبُرِ، ووَقَعَ السَّهْمُ بِقُبُلِ الهَدَفِ وبِدُبِرِهِ، وقُدَّ قَمِيصُهُ مِن قُبُلٍ ودُبُرٍ؛ أيْ: مِن مُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ، ويُقالُ: أنْزِلُ بِقُبُلِ هَذا الجَبَلِ - أيْ: بِسَفْحِهِ - فَمَعْنى: (فِي قَبْلِ عِدَّتِهِنَّ) في مُقَدَّمِ عِدَّتِهِنَّ وأمامَها - كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الأمْثِلَةِ - وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ قَبْلَ الشَّيْءِ أوَّلُهُ يَرْجِعُ إلى هَذا أيْضًا، وعَلى تَسْلِيمِ عَدَمِ الرُّجُوعِ يَرْجِعُ المُقَدَّمُ عَلى الأوَّلِ بِالتَّبادُرِ وكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ والتَّأْيِيدِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ المِقْدارِ، والحَدِيثُ الَّذِي أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مُسْلِمٌ، لَكِنَّ جَعْلَهُ دَلِيلًا عَلى أنَّ (العِدَّةَ) هي الأطْهارُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلى جَعْلِ الإشارَةِ لِلْحالَةِ الَّتِي هي الطُّهْرُ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَإنَّ (اللّامَ) فِي: (يُطَلَّقُ لَها النِّساءُ) كاللّامِ في لِعِدَّتِهِنَّ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (فِي) وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى (قَبْلَ) فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ الحَيْضَ، وأنَّثَ اسْمَ الإشارَةِ مُراعاةً لِلْخَبَرِ كالضَّمِيرِ إذا وقَعَ بَيْنَ مَرْجِعٍ مُذَكَّرٍ وخَبَرٍ مُؤَنَّثٍ، فَإنَّ الأوْلى عَلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ مُراعاةُ الخَبَرِ؛ إذْ ما مَضى فاتَ، والمَعْنى: فَتِلْكَ الحِيَضُ العِدَّةُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُطَلَّقَ قَبْلَها النِّساءُ - لا أنْ يُطَلَّقَ فِيها النِّساءُ - كَما فَهِمَهُ ابْنُ عُمَرَ وأوْقَعَ الطَّلاقَ فِيهِ، وقَوْلُ الخَطّابِيُّ: الأقْراءُ الَّتِي تَعْتَدُّ بِها المُطَلَّقَةُ الأطْهارُ؛ لِأنَّهُ ذَكَرَ (فَتِلْكَ العِدَّةُ بَعْدَ الطُّهْرِ) مُجابٌ عَنْهُ، بِأنَّ ذِكْرَهُ بَعْدَ الطُّهْرِ لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مُشارًا إلَيْهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطُّهْرِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحَيْضَ المَحْفُوفَ بِالطُّهْرِ يَكُونُ عِدَّةً، وحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ ذِكْرُ الطُّهْرِ الثّانِي إلى نُكْتَةٍ، وهي أنَّهُ إذا راجَعَها في الطُّهْرِ الأوَّلِ بِالجِماعِ لَمْ يَكُنْ طَلاقُها فِيهِ لِلسُّنَّةِ، فَيَحْتاجُ لِلطُّهْرِ الثّانِي لِيَصِحَّ فِيهِ إيقاعُ الطَّلاقِ السُّنِّيِّ، وأنْ لا يَكُونَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلاقِ فَقَطْ، وأنْ يَكُونَ كالتَّوْبَةِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِاسْتِبْدالِ حالِهِ، وأنْ يُطَوِّلَ مَقامَهُ مَعَها، فَلَعَلَّهُ يُجامِعُها، فَيَذَهْبُ ما في نَفْسِها مِن سَبَبِ الطَّلاقِ، فَيُمْسِكُها هَذا ما يَرْجِعُ إلى الدَّفْعِ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ (القُرْءَ) الحَيْضُ فَهو ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّهُ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتانِ، وعِدَّتُها حَيْضَتانِ“،» فَصَرَّحَ بِأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضَتانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ بِاعْتِبارِ مِقْدارِ العِدَّةِ لا في جِنْسِها، فَيَلْتَحِقُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ لِلْإجْمالِ الكائِنِ بِالِاشْتِراكِ بَيانًا، وكَوْنُهُ لا يُقاوَمُ، ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في قِصَّةِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ تَعالى عَنْهُما - لِضَعْفِهِ؛ لِأنَّ فِيهِ مُظاهِرًا، ولَمْ يُعْرَفْ لَهُ سِواهُ، لا يَخْلُو عَنْ بَحْثٍ، أمّا أوَّلًا فَلِما عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ الحَدِيثَ لَيْسَ بِنَصٍّ في المُدَّعِي، وأما ثانِيًا فَلِأنَّ تَعْلِيلَ تَضْعِيفِ مَظاهِرٍ غَيْرِ ظاهِرٍ، فَإنَّ ابْنَ عَدِيٍّ أخْرَجَ لَهُ حَدِيثًا آخَرَ ووَثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ، وقالَ الحاكِمُ: ومَظاهِرٌ شَيْخٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ ولَمْ يَذْكُرْهُ أحَدٌ مِن مُتَقَدِّمِي مَشايِخِنا بِجُرْحٍ، فَإذًا إنْ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ صَحِيحًا كانَ حَسَنًا، ومِمّا يُصَحِّحُ الحَدِيثَ عَمَلُ العُلَماءِ عَلى وفْقِهِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ عُقَيْبَ رِوايَتِهِ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، والعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ مِن أصْحابِ الرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وغَيْرِهِمْ، وفي الدّارَقُطْنِيِّ قالَ القاسِمُ وسالِمٌ: وعَمِلَ بِهِ المُسْلِمُونَ، وقالَ مالِكٌ: شُهْرَةُ الحَدِيثِ تُغْنِي عَنْ سَنَدِهِ، كَذا في الفَتْحِ، ومِن أصْحابِنا مَنِ اسْتَدَلَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ القُرْءِ الطُّهْرَ لَزِمَ إبْطالُ مُوجِبِ الخاصِّ؛ أعْنِي لَفْظَ (ثَلاثَةٍ)، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ تَكُونُ العِدَّةُ طُهْرَيْنِ، وبَعْضَ الثّالِثِ في الطَّلاقِ المَشْهُورِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَأمْثالِهِ في هَذا المَقامِ ناشِئٌ مِن قِلَّةِ التَّدَبُّرِ فِيما قالَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، فَلِهَذا اعْتَرَضُوا بِهِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ القُرْءَ الِانْتِقالَ مِنَ الطُّهْرِ إلى الحَيْضِ، أوِ الطُّهْرَ المُنْتَقَلَ مِنهُ لا الطُّهْرَ الفاصِلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ، والِانْتِقالُ المَذْكُورُ أوِ الطُّهْرُ المُنْتَقَلُ مِنهُ تامٌّ عَلى أنْ كَوْنَ الثَّلاثَةِ اسْمًا لِعَدَدٍ كامِلٍ غَيْرِ مُسَلَّمٍ، والتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّهُ إذا شَرَعَ في الثّالِثِ ساغَ الإطْلاقُ، ألا تَراهم يَقُولُونَ: هو ابْنُ ثَلاثِ سِنِينَ وإنْ لَمْ تَكْمُلِ الثّالِثَةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الزّائِدَ جُعِلَ فَرْدًا مَجازًا، ثُمَّ أطْلَقَ عَلى المَجْمُوعِ اسْمَ العَدَدِ الكامِلِ، ومِنَ الشّافِعِيَّةِ مَن جَعَلَ القُرْءَ اسْمًا لِلْحَيْضِ الَّذِي يَحْتَوِشُهُ دَمانِ، وجُعِلَ إطْلاقُهُ عَلى بَعْضِ الطُّهْرِ وكُلِّهِ كَإطْلاقِ الماءِ والعَسَلِ، قالُوا: والِاشْتِقاقُ مُرْشِدٌ إلى مَعْنى الضَّمِّ والِاجْتِماعِ، وهَذا الطُّهْرُ يَحْصُلُ فِيهِ اجْتِماعُ الدَّمِ في الرَّحِمِ، وبَعْضُهُ وكُلُّهُ في الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ عَلى السَّواءِ - وأطالُوا الكَلامَ في ذَلِكَ - والإمامِيَّةُ وافَقُوهم فِيهِ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِرِواياتِهِمْ عَنِ الأئِمَّةِ، والرِّوايَةُ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - في هَذا البابِ مُخْتَلِفَةٌ، وبِالجُمْلَةِ كَلامُ الشّافِعِيَّةِ في هَذا المَقامِ قَوِيٌّ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن أحاطَ بِأطْرافِ كَلامِهِمْ، واسْتَقْرَأ ما قالُوهُ وتَأمَّلَ ما دَفَعُوا بِهِ أدِلَّةَ مُخالِفِيهِمْ، وفي الكَشْفِ بَعْضُ الكَشْفِ وما في الكَشّافِ غَيْرُ شافٍ لِبُغْيَتِنا، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي أُنْمُوذَجًا.
هَذا وكانَ القِياسُ ذِكْرَ القُرْءِ بِصِيغَةِ القِلَّةِ الَّتِي هي الأقْراءُ، ولَكِنَّهم يَتَوَسَّعُونَ في ذَلِكَ، فَيَسْتَعْمِلُونَ كُلَّ واحِدٍ مِنَ البِناءَيْنِ مَكانَ الآخَرِ، ولَعَلَّ النُّكْتَةَ المُرَجِّحَةَ لِاخْتِيارِهِ هَهُنا، أنَّ المُرادَ بِالمُطَلَّقاتِ هَهُنا جَمِيعُ المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الأقْراءِ الحَرائِرِ، وجَمِيعُها مُتَجاوِزٌ فَوْقَ العَشَرَةِ، فَهي مُسْتَعْمَلَةٌ مَقامَ جَمْعِ الكَثْرَةِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها ثَلاثَةُ أقْراءٍ، فَيَحْصُلُ في الأقْراءِ الكَثْرَةُ فَحَسُنَ أنْ يَسْتَعْمِلَ جَمْعَ الكَثْرَةِ في تَمْيِيزِ الثَّلاثَةِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وهَذا كَما اسْتَعْمَلَ (أنْفُسَهُنَّ) مَكانَ (نُفُوسِهِنَّ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الطَّلاقَ يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ عَلى القِلَّةِ.
﴿ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ: الحَمْلُ والحَيْضُ؛ أيْ: لا يَحِلُّ لَها إنْ كانَتْ حامِلًا أنْ تَكْتُمَ حَمْلَها، ولا إنْ كانَتْ حائِضًا أنْ تَكْتُمَ حَيْضَها، فَتَقُولُ وهي حائِضٌ: قَدْ طَهُرْتُ، وكُنَّ يَفْعَلْنَ الأوَّلَ؛ لِئَلّا يُنْتَظَرَ لِأجْلِ طَلاقِها أنْ تَضَعَ، ولِئَلّا يُشْفِقُ الرَّجُلُ عَلى الوَلَدِ، فَيَتْرُكَ تَسْرِيحَها، والثّانِي اسْتِعْجالًا لِمُضِيِّ العِدَّةِ وإبْطالًا لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وهَذا القَوْلُ هو المَرْوِيُّ عَنِ الصّادِقِ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وغَيْرِهِمْ، والقَوْلُ بِأنَّ الحَيْضَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ في الرَّحِمِ، بَلْ هو خارِجٌ عَنْهُ، فَلا يَصِحُّ حَمْلُ (ما) عَلى عُمُومِها، بَلْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُها عَلى الوَلَدِ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ، مَدْفُوعٌ بِأنَّ ذاتَ الدَّمِ وإنْ كانَ غَيْرَ مَخْلُوقٍ في الرَّحِمِ، لَكِنَّ الِاتِّصافَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا، إنَّما يَحْصُلُ لَهُ فِيهِ، وما قِيلَ: إنَّ الكَلامَ في المُطَلَّقاتِ ذَواتِ الأقْراءِ، فَلا يَحْتَمِلُ خَلْقَ الوَلَدِ في أرْحامِهِنَّ، فَيَجِبُ حَمْلُ ما عَلى الحَيْضِ، كَما حُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، فَمَدْفُوعٌ أيْضًا بِأنَّ تَخْصِيصَ العامِ وتَقْيِيدُهُ بِدَلِيلٍ خارِجِيٍّ لا يَقْتَضِي اعْتِبارَ ذَلِكَ التَّخْصِيصِ أوِ التَّقْيِيدِ في الرّاجِعِ، واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ قَوْلَهُما يُقْبَلُ فِيما خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - في أرْحامِهِنَّ؛ إذْ لَوْلا قَبُولُ ذَلِكَ لَما كانَ فائِدَةً في تَحْرِيمِ كِتْمانِهِنَّ، قالَ ابْنُ الفَرَسِ: وعِنْدِي أنَّ الآيَةَ عامَّةٌ في جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفَرْجِ مِن بَكارَةٍ وثُيُوبَةٍ وعَيْبٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ - تَعالى - في أرْحامِهِنَّ، فَيَجِبُ أنْ يَصْدُقْنَ فِيهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
﴿ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ( لا يَحِلُّ ) لَكِنْ لَيْسَ الغَرَضُ مِنهُ التَّقْيِيدَ حَتّى لَوْ لَمْ يُؤْمِنَّ كالكِتابِيّاتِ - حَلَّ لَهُنَّ الكِتْمانُ - بَلْ بَيانَ مُنافاةِ الكِتْمانِ لِلْإيمانِ وتَهْوِيلَ شَأْنِهِ في قُلُوبِهِنَّ، وهَذِهِ طَرِيقَةٌ مُتَعارَفَةٌ يُقالُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَلا تُؤْذِ أباكَ، وقِيلَ: إنَّهُ شَرْطُ جَزائِهِ مَحْذُوفٌ - أيْ: فَلا يَكْتُمْنَ - وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ( لا يَحِلُّ ) عِلَّةٌ لَهُ أُقِيمَ مَقامَهُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: (إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لا يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ؛ لِأنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُنَّ)، وفِيهِ: (أنْ لا يَكْتُمْنَ المُقَدَّرَ) إنْ كانَ نَهْيًا يَلْزَمُ تَعْلِيلُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ نَفْيًا يَكُونُ مَفادُ الكَلامِ تَعْلِيقَ عَدَمِ وُقُوعِ الكِتْمانِ في المُسْتَقْبَلِ بِأيْمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي، وهو كَما تَرى.
﴿ وبُعُولَتُهُنَّ ﴾ أيْ: أزْواجِ المُطَلَّقاتِ جَمْعُ (بَعْلٍ) كَعَمٍّ وعُمُومَةٍ، وفَحْلٍ وفُحُولَةٍ، والهاءُ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والأمْثِلَةُ سَماعِيَّةٌ لا قِياسِيَّةٌ، ولا يُقالُ: كَعْبٌ وكُعُوبَةٌ، قالَهُ الزَّجّاحُ، وفي القامُوسِ: البَعْلُ الزَّوْجُ، والأُنْثى بَعْلٌ وبَعْلَةٌ، والرَّبُّ والسَّيِّدُ والمالِكُ والنَّخْلَةُ الَّتِي لا تُسْقى أوْ تُسْقى بِماءِ المَطَرِ، وقالَ الرّاغِبُ: البَعْلُ النَّخْلُ الشّارِبُ بِعُرُوقِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنِ الزَّوْجِ لِإقامَتِهِ عَلى الزَّوْجَةِ لِلْمَعْنى المَخْصُوصِ، وقِيلَ: باعَلَها جامَعَها، وبُعِلُ الرَّجُلُ إذا دُهِشَ فَأقامَ كَأنَّهُ النَّخْلُ الَّذِي لا يَبْرَحُ، فَفي اخْتِيارِ لَفْظِ (البُعُولَةِ) إشارَةٌ إلى أنَّ أصْلَ الرَّجْعَةِ بِالمُجامَعَةِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ (البُعُولَةُ) مَصْدَرًا نُعِتَ بِهِ مِن قَوْلِكَ: بَعْلٌ حَسَنُ البُعُولَةِ؛ أيِ: العَشَرَةِ مَعَ الزَّوْجَةِ، أوْ أُقِيمَ مَقامَ المُضافِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: وأهْلِ (بُعُولَتِهِنَّ ﴿ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ إلى النِّكاحِ والرَّجْعَةِ إلَيْهِنَّ، وهَذا إذا كانَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا لِلْآيَةِ بَعْدَها، فالضَّمِيرُ بَعْدَ اعْتِبارِ القَيْدِ أخَصُّ مِنَ المَرْجُوعِ إلَيْهِ، ولا امْتِناعَ فِيهِ كَما إذا كُرِّرَ الظّاهِرُ، وقِيلَ: بُعُولَةُ المُطَلَّقاتِ ﴿ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ وخُصِّصَ بِالرَّجْعِيِّ، وأحَقُّ هَهُنا بِمَعْنى حَقِيقٍ، عَبَّرَ عَنْهُ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِلْبُعُولَةِ حَقُّ الرَّجْعَةِ؛ أيْ: حَقٍّ مَحْبُوبٍ عِنْدَ اللهِ - تَعالى - بِخِلافِ الطَّلاقِ فَإنَّهُ مَبْغُوضٌ، ولِذا ورَدَ لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ: ”أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ - تَعالى - الطَّلاقُ“، وإنَّما لَمْ يَبْقَ عَلى مَعْناهُ مِنَ المُشارَكَةِ والزِّيادَةِ؛ إذْ لا حَقَّ لِلزَّوْجَةِ في الرَّجْعَةِ كَما لا يَخْفى، وقَرَأ أُبَيُّ: (بِرِدَّتِهِنَّ ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ أيْ: زَمانِ التَّرَبُّصِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ أحَقُّ أوْ بِرَدِّهِنَّ.
﴿ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ﴾ أيْ: إنْ أرادَ البُعُولَةُ بِالرَّجْعَةِ إصْلاحًا لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُنَّ، ولَمْ يُرِيدُوا الإضْرارَ بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِنَّ مَثَلًا، ولَيْسَ المُرادُ مِنَ التَّعْلِيقِ اشْتِراطَ جَوازِ الرَّجْعَةِ بِإرادَةِ الإصْلاحِ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ ذَلِكَ لا تَجُوزُ لِلْإجْماعِ عَلى جَوازِها مُطْلَقًا، بَلِ المُرادُ تَحْرِيضُهم عَلى قَصْدِ الإصْلاحِ؛ حَيْثُ جُعِلَ كَأنَّهُ مَنُوطٌ بِهِ يَنْتَفِي بِانْتِفائِهِ.
﴿ ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ صَنْعَةُ الِاحْتِباكِ، ولا يَخْفى لُطْفُهُ فِيما بَيْنَ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ حَيْثُ حُذِفَ في الأوَّلِ بِقَرِينَةِ الثّانِي، وفي الثّانِي بِقَرِينَةِ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الَّذِي لَهم عَلَيْهِنَّ، والمُرادُ (بِالمُماثَلَةِ) المُماثَلَةُ في الوُجُوبِ، لا في جِنْسِ الفِعْلِ، فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ إذا غَسَلَتْ ثِيابَهُ أوْ خَبَزَتْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ، ولَكِنْ يُقابِلُهُ بِما يَلِيقُ بِالرِّجالِ، أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”ألا إنَّ لَكم عَلى نِسائِكم حَقًّا، ولِنِسائِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَأمّا حَقُّكم عَلى نِسائِكم فَلا يُوَطِئْنَ فُرُشَكم مَن تَكْرَهُونَ، ولا يَأْذَنَّ في بُيُوتِكم مَن تَكْرَهُونَ، ألا وحَقُّهُنَّ عَلَيْكم أنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ في كِسْوَتِهِنَّ وطَعامِهِنَّ“،» وأخْرَجَ وكِيعٌ وجَماعَةٌ عَنْ أنَسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ تَعالى عَنْهُما -، قالَ: ”إنِّي لَأُحِبُّ أنْ أتَزَيَّنَ لِلْمَرْأةِ كَما أُحِبُّ أنْ تَتَزَيَّنَ المَرْأةُ لِي؛ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿ ولَهُنَّ ﴾ الآيَةَ“، وجَعَلُوا مِمّا يَجِبُ لَهُنَّ عَدَمَ العَجَلَةِ إذا جامَعَ حَتّى تَقْضِيَ حاجَتَها، والمَجْرُورُ الأخِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِـ مِثْلُ وهي لا تَتَعَرَّفُ بِالإضافَةِ.
﴿ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ زِيادَةٌ في الحَقِّ؛ لِأنَّ حُقُوقَهم في أنْفُسِهِنَّ، فَقَدْ ورَدَ أنَّ النِّكاحَ كالرِّقِّ أوْ شَرَفِ فَضِيلَةٍ؛ لِأنَّهم قُوّامٌ عَلَيْهِنَّ وحُرّاسٌ لَهُنَّ، يُشارِكُوهُنَّ في غَرَضِ الزَّواجِ مِنَ التَّلَذُّذِ وانْتِظامِ مَصالِحِ المَعاشِ، ويُخَصُّونَ بِشَرَفٍ يَحْصُلُ لَهم لِأجْلِ الرِّعايَةِ والإنْفاقِ عَلَيْهِنَّ.
والدَّرَجَةُ - في الأصْلِ - المَرْقاةُ، ويُقالُ فِيها: (دُرَجَةٌ) كَهُمَزَةٍ، وقالَ الرّاغِبُ: الدَّرَجَةُ نَحْوَ المَنزِلَةِ لَكِنْ تُقالُ إذا اعْتُبِرَتْ بِالصُّعُودِ دُونَ الِامْتِدادِ عَلى البَسِيطِ، كَدَرَجَةِ السَّطْحِ والسُّلَّمِ، ويُعَبَّرُ بِها عَنِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، ومِنهُ الآيَةُ فَهي عَلى التَّوْجِيهَيْنِ مَجازٌ، وفي الكَشْفِ: إنَّ أصْلَ التَّرْكِيبِ لِمَعْنى الأناةِ والتَّقارُبِ عَلى مَهْلٍ مِن دَرَجَ الصَّبِيُّ إذا حَبا، وكَذَلِكَ الشَّيْخُ والمُقَيَّدُ لِتُقارِبِ خَطْوُهُما، والدَّرْجَةُ الَّتِي يُرْتَقى عَلَيْها؛ لِأنَّ الصُّعُودَ لَيْسَ في السُّهُولَةِ كالِانْحِدارِ والمَشْيِ عَلى مُسْتَوٍ، فَلا بُدَّ مِن تَدَرُّجٍ، والدَّرَجُ المَواضِعُ الَّتِي يَمُرُّ عَلَيْها السَّيْلُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ومِنهُ التَّدَرُّجُ في الأُمُورِ، والِاسْتِدْراجُ مِنَ اللَّهِ، والدَّرَكَةُ هي الدَّرَجَةُ بِعَيْنِها لَكِنْ في الِانْحِدارِ، والرِّجالُ جَمْعُ رَجُلٍ، وأصْلُ البابِ القُوَّةُ والغَلَبَةُ، وأتى بِالمُظْهَرِ بَدَلَ المُضْمَرِ لِلتَّنْوِيهِ بِذِكْرِ الرُّجُولِيَّةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتِ المِزْيَّةُ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ، ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِمَّنْ خالَفَ الأحْكامَ ﴿حَكِيمٌ 228﴾ عالِمٌ بِعَواقِبِ الأُمُورِ والمَصالِحِ الَّتِي شَرَعَ ما شَرَعَ لَها، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِلتَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، يعني أوجبوا الطلاق بترك الجماع، حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر.
وقال بعضهم: لا يقع الطلاق، ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو يطلقها.
وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة.
أشهر وهو قول علمائنا.
وروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي أوجبوا الطلاق بترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بكلمة الإيلاء عَلِيمٌ بهم.
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، يعني وجب عليهن العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أي ثلاث حيض.
وقال بعضهم: ثلاثة أطهار.
وقال أكثر أهل العلم: المراد به الحيض.
وأصل القرء: الوقت.
وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات، ولكن المراد به الخصوص، لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات: الأمة والصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخولة.
ثم قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، يعني الحمل والحيض، لا يحل لها أن تقول: إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقول إن كن يصدقن بالله واليوم الاخر.
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما للرجال على النساء، يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعياً.
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، يقول بما عرف شرعاً، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي فضيلة في النفقة والمهر.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه الرجعة.
ثم بيّن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، فقال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، يعني يقول: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان.
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، يعني إذا راجعها، يمسكها بمعروف، ينفق عليها، ويكسوها، ولا يؤذيها، ويحسن معاشرتها أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يؤدي حقها، ويخلي سبيلها.
ويقال: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها.
ويقال: يتركها حتى تنقضي عدتها.
ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال: أو تسرح بإحسان.
قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلق تطليقة أو تطليقتين، كان الزوج أحق بها وإذا طلقها الثالثة، كانت المرأة أحق بنفسها واحتج بقول الأعشى وكانت امرأته من بني مروان، فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته، فلما طلقها واحدة قالوا له: عد فطلقها الثانية، فلما طلقها الثانية قالوا له: عد فطلقها الثالثة، فعرف أنها بانت منه ولا تحل له، فقال عند ذلك: أَيَا جَارتِي بِينِي فإِنَّكِ طَالِقَه ...
كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَه وبَيِنِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ مِنَ العَصَا ...
وَأَنْ لاَ تَزَالُ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَه وَذُوقِي قَنَى الحَيِّ إنِّي ذَائِق ...
قَنَاة أُنَاسٍ مِثْلَ ما أنت ذائقة ثم قال تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.
نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وزوجها ثابت بن قيس وكانت تبغضه، فأتت رسول الله فقالت: لا أنا ولا ثابت فقال لها: «أَتُرَدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» فقالت: نعم وزيادة.
فقال: «أَمَّا الزِّيَادَة، فلا» .
فدعا رسول الله زوجها وخلعها من زوجها، فذلك قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من المهر إِلَّا أَنْ يَخافا، يعني: يعلما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي أمر الله فيما أمر ونهى.
قرأ حمزة يَخافا بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: بالنصب.
وقرأ ابن مسعود: إِلا أَنْ يخافوا.
ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، يقول: إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممَّا افتدت به المرأة، إن كان النشوز من قبل المرأة.
فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أن يأخذ، بدليل ما قاله في آية أخرى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] .
ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي أحكامه وفرائضه فَلا تَعْتَدُوها، أي لا تجاوزوها.
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يقول: الضارون الشاقون بأنفسهم.
ويقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، يعني الطلاق مرتان، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة.
وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله بالتطليقة الثالثة، فأولئك هم الظالمون فَإِنْ طَلَّقَها الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الثالثة، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة.
وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثاً، وكانت تدعى تميمة بنت وهب، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فأتت النبيّ وقالت: إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» فقالت: نعم.
قال: «لَيْسَ ذلك مَا لَمْ تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ» .
فذلك قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، يعني إذا طلقها الثالثة.
قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني واحدة أو اثنتين فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، يعني المرأة والزوج أَنْ يَتَراجَعا.
ويقال: فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما دخل عليها، فلا جناح عليهما- يعني المرأة والزوج الأول- أن يتراجعا، يعني أن يتزوجها مرة أخرى.
إِنْ ظَنَّا، يعني إن علما أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني.
قوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه، يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
ويقال: إنما قال: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، لأن الجاهل إذا بيّن له، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم يحفظ ويتعاهد.
فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال.
ثم وقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن يغتسلن، وقبل أن يخرجن من العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان.
قوله: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة.
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض، وأرادت أن تغتسل، راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها عدتها.
فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً.
لِتَعْتَدُوا، أي لتظلموهن.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الإضرار، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار.
وقال الزجاج: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يعني عرَّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه، تعرض لعذاب الله، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قال: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، يعني القرآن لعباً.
ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقاً، ويجعلونه لعباً، فنزل: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.
قرأ عاصم في رواية حفص: هُزُواً بغير همز، وكذلك قوله: كُفُواً أَحَدٌ [الصمد: 4] والباقون: بالهمز.
وهما لغتان، ومعناهما واحد.
ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يقول: احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام.
وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ، يقول: احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ وَالْحِكْمَةِ يعني الفقه في القرآن يَعِظُكُمْ بِهِ، يقول: ينهاكم عن الضرار.
وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالكم فيجازيكم به.
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يقول: انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه.
فنزلت هذه الآية: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ، أي يؤمر به.
مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي يصدق بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم، وَأَطْهَرُ من الريبة.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ من حب كل واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.
ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة، لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها، فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء.
وقال الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل، وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب.
وقال مقاتل: فدعا رسول الله معقلاً، وقال: «إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنَاً فَلَا تَمْنَعْ أُخْتَكَ عَنْ أَبِي الدَّحْدَاحِ» ، فقال: آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح، كان للحاكم أن يزوجها.
<div class="verse-tafsir"
فيحلفُ بيمينٍ يلحقُ عن الحِنْثِ فيها حُكْمُ ألاَّ يطأها ضرراً منْه، أكْثَرَ من أربعة أشهر، لا يقصد بذلك إِصلاحَ ولَدٍ رضيعٍ ونحوه، وقال به عطاءٌ وغيره «١» .
وقوله تعالى: مِنْ نِسائِهِمْ يدخل فيه الحرائرُ والإِماء، إِذا تزوَّجن، والتربُّص:
التأنِّي والتأخُّر، وأربعَةَ أشْهُرٍ عند مالك، وغيره: للحر، وشهران: للعبد.
وقال الشافعيُّ: هو كالحرّ، وفاؤُ: معناه: رجَعُوا ومنه: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ [الحجرات: ٩] : قال الجُمْهور: وإِذا فاء كَفَّر، والفَيْءُ عند مالكٍ: لا يكون إِلا بالوطْء، أو بالتكْفير في حال العذر.
قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ حكم هذه الآية قصْدُ الاِستبراءِ، لا أنه عبادةٌ ولذلك خرجَتْ منه مَنْ لم يُبْنَ بها بخلاف عِدَّة الوفاةِ الَّتي هي عبادةٌ- والقَرْءُ في اللغةِ: الوقْتُ المعتادُ تردُّده، فالحَيْضُ يسمى على هذا قُرْءاً، وكذلك يسمَّى الطُّهْرُ قرءا.
واختلف في المراد بالقُرُوء هنا: فقال عُمَرُ وجماعةٌ كثيرةٌ: المراد بالقروء، في الآية:
الحَيْضُ، وقالتْ عائشةُ وجماعةٌ من الصَّحابة، والتابعين، ومن بعدهم: المراد: الأطهار، وهو قولُ مالكٍ.
واختلف المتأوِّلون في قوله: مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ.
فقال ابن عُمَر، ومجاهدٌ، وغيرهما: هو الحَيْضُ، والحَبَل جميعاً، ومعنى النهْيِ عن الكتمان: النهْيُ عن الإِضرار بالزَّوْجِ في إِلزامه النفقَةَ، وإِذهابِ حقه في الارتجاع، فأُمِرْنَ بالصدْقِ نفياً وإِثباتاً «١» ، وقال قتادة: كانتْ عادتهُنَّ في الجاهليةِ أن يكتمن الحمل/ ليلحقن ٥٦ أالولد بالزوْج الجديدِ، ففي ذلك نزلَتِ الآية «٢» .
وقال ابن عَبَّاس: إِن المرادَ الحَبَل، والعموم راجحٌ «٣» ، وفي قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ ما يقتضي أنهنَّ مؤتمناتٌ على ما ذكر، ولو كَان الاِستقصَاءُ مباحاً، لم يمكن كَتْمٌ.
وقوله سبحانه: إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ ...
الآية: أي: حقَّ الإِيمان، وهذا كما تقولُ:
إِن كُنْتَ حُرًّا، فانتصر، وأنتَ تخاطبُ حُرًّا، والبَعْلُ: الزوْجُ، ونصَّ اللَّه تعالى بهذه الآية على أن للزوْجِ أن يرتجعَ امرأته المطلَّقة، ما دامَتْ في العدَّة، والإِشارة بذلك إِلى المدَّة بشرط أنْ يريدَ الإِصْلاَح، دون المُضَارَّة كما تُشُدِّدَ على النساء في كَتْمِ ما في أرحامهن وقوله تعالى: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ...
الآية: تعمُّ جميعَ حقوقِ الزوجيَّة.
وقوله تعالى: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ قال مجاهدٌ: هو تنبيهٌ على فضْلِ حظِّه على حظِّها في الميراث، وما أشبهه «٤» ، وقال زيد بن أسلم: ذلك في الطَّاعة علَيْها أنْ تطيعه، وليس علَيْه أن يطيعَهَا «٥» ، وقال ابن عباس: تلك الدرَجَةُ إِشارة إلى حضّ الرجل على حسن
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ المَرْأةَ كانَتْ إذا طُلِّقَتْ وهي راغِبَةٌ في زَوْجِها، قالَتْ: أنا حُبْلى، ولَيْسَتْ حُبْلى، لِكَيْ يُراجِعَها، وإنْ كانَتْ حُبْلى وهي كارِهَةٌ، قالَتْ: لَسْتُ بِحُبْلى، لِكَيْ لا يَقْدِرَ عَلى مُراجَعَتِها.
فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ ثَبَتُوا عَلى هَذا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ ﴾ ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ .
رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَأمّا التَّفْسِيرُ؛ فالطَّلاقُ: التَّخْلِيَةُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي مِن قَوْلِ العَرَبِ: أطْلَقَتُ النّاقَةَ، فَطَلَقَتْ: إذا كانَتْ مَشْدُودَةً، فَأزَلَّتِ الشَّدَّ عَنْها، وخَلَّيْتُها، فَشَبَّهَ ما يَقَعُ لِلْمَرْأةِ بِذَلِكَ، لِأنَّها كانَتْ مُتَّصِلَةَ الأسْبابِ بِالرَّجُلِ، وكانَتِ الأسْبابُ كالشَّدِّ لَها، فَلَمّا طَلَّقَها قَطَعَ الأسْبابِ.
ويُقالُ: طُلِّقَتِ المَرْأةُ، وطَلَقَتْ.
وقالَ غَيْرُهُ: الطَّلاقُ: مِن أطْلَقْتُ الشَّيْءَ مِن يَدِي، إلّا أنَّهم لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِمُ اللَّفْظَتَيْنِ فَرَّقُوا بَيْنَهُما، لِيَكُونَ التَّطْلِيقُ مَقْصُورًا في الزَّوْجاتِ.
وأمّا القُرُوءُ: فَيُرادُ بِها: الإطْهارُ، ويُرادُ بِها الحَيْضُ.
يُقالُ: أقَرَأتِ المَرْأةُ إذا حاضَتْ، وأقْرَأتْ: إذا طَهُرَتْ.
«قالَ النَّبِيُّ في المُسْتَحاضَةِ: "تَقْعُدُ أيّامَ إقْرائِها"» يُرِيدُ: أيّامَ حَيْضِها.
وقالَ الأعْشى: وفي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمُ عَزائِكا مُوَرِّثَةٌ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا أرادَ بِالقُرُوءِ: الأطْهارُ، لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ عَنْ نِسائِهِ أضاعَ أطْهارِهِنَّ.
واخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في أصْلِ القُرُوءِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ أصْلَهُ الوَقْتُ، يُقالُ: رَجَعَ فَلانٌ لِقُرْئِهِ، أيْ: لِوَقْتِهِ الَّذِي كانَ يَرْجِعُ فِيهِ، [وَرَجَعَ لِقارِئِهِ أيْضًا ] قالَ الهُذَلِيُّ: كَرِهْتُ العُقْرَ عُقْرَ بُنِيَ شَلِيلٍ ∗∗∗ إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ فالحَيْضُ يَأْتِي لِوَقْتٍ، والطُّهْرُ يَأْتِي لِوَقْتٍ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.
والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الجَمْعُ.
وقَوْلُهُمْ: قَرَأْتُ القُرْآَنَ، أيْ: لَفَظْتُ بِهِ مَجْمُوعًا.
والقُرْءُ: اجْتِماعُ الدَّمِ في البَدَنِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الطُّهْرِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اجْتِماعُهُ في الرَّحِمِ، وكِلاهُما حَسَنٌ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.
واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الأقْراءِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها الحَيْضُ.
رُوِيَ عَنْ عُمْرَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى، وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، وأبِي الدَّرْداءِ، وعِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، والحَسَنِ بْنِ صالِحٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، وأحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ قالَ: قَدْ كُنْتُ أقُولُ: القُرُوءُ: الأطْهارُ، وأنا اليَوْمَ أذْهَبُ إلى أنَّها الحَيْضُ.
والثّانِي: أنَّها الأطْهارُ.
رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عُمَرَ، وَعائِشَةَ، والزُّهْرِيِّ، وأبانَ بْنِ عُثْمانَ، ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، والشّافِعِيِّ، وأوْمَأ إلَيْهِ أحْمَدُ.
وَلَفْظُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ: الأمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ﴾ وقَدْ يَأْتِي لَفْظُ الأمْرِ في مَعْنى الخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا ﴾ .
والمُرادُ بِالمُطَلَّقاتِ في هَذِهِ الآَيَةِ، البالِغاتُ، المَدْخُولُ بِهِنَّ، غَيْرُ الحَوامِلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ الحَمْلُ، قالَهُ عُمَرُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَيْضُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وعَطِيَّةُ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ.
والثّالِثُ: الحَمْلُ والحَيْضُ قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الوَعِيدِ لَهُنَّ والتَّوْكِيدِ، قالَ الزَّجّاجُ: وهو كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: إنْ كُنْتُ مُؤْمِنًا فَلا تَظْلِمُ وفي سَبَبِ وعِيدِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لِأجْلِ ما يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنَ الرَّجْعَةِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِأجْلِ إلْحاقِ الوَلَدِ بِغَيْرِ أبِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقِيلَ كانَتِ المَرْأةُ إذا رَغِبَتْ في زَوْجِها، قالَتْ: إنِّي حائِضٌ، وقَدْ طَهُرَتْ.
وإذا زَهِدَتْ فِيهِ، كَتَمَتْ حَيْضَها حَتّى تَغْتَسِلَ، فَتَفُوتُهُ.
والبُعُولَةُ: الأزْواجُ.
و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى العِدَّةِ.
قالَهُ مُجاهِدٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، في آَخَرِينَ.
وفي الآَيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنْ خُصُوصَ آَخِرِ اللَّفْظِ لا يَمْنَعُ عُمُومَ أوَّلِهِ.
ولا يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ عامٌّ في المَبْتُوتاتِ والرَّجْعِيّاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ خاصٌّ في الرَّجْعِيّاتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ﴾ قِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أرادَ الإضْرارَ بِامْرَأتِهِ، طَلَّقَها واحِدَةً وتَرَكَها، فَإذا قارَبَ انْقِضاءَ عَدَّتِها راجَعَها، ثُمَّ تَرَكَها مُدَّةً، ثُمَّ طَلَّقَها، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
وظاهِرُ الآَيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ إنَّما يَمْلُكُ الرَّجْعَةَ عَلى غَيْرِ وجْهِ المُضارَّةِ بِتَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْها، غَيْرَ أنَّهُ قَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ عَلى صِحَّةِ الرَّجْعَةِ وإنْ قَصَدَ الضِّرارَ، لِأنَّ الرَّجْعَةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً إذا وقَعَتْ عَلى وجْهِ الضِّرارِ؛ لَما كانَ ظالِمًا بِفِعْلِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وهُوَ: المُعاشَرَةُ الحَسَنَةُ، والصُّحْبَةُ الجَمِيلَةُ.
رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ «أنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَقِّ المَرْأةِ عَلى الزَّوْجِ، فَقالَ: "أنْ يُطْعِمَها إذا طَعِمَ، ويَكْسُوَها إذا اكْتَسى، ولا يَضْرِبَ الوَجْهَ، ولا يُقَبِّحَ، ولا يَهْجُرَ إلّا في البَيْتِ"» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي أُحِبُّ أنْ أتَزَيَّنَ لِلْمَرْأةِ، كَما أُحِبُّ أنْ تَتَزَيَّنَ لِي، لِهَذِهِ الآَيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِما ساقَ إلَيْها مِنَ المَهْرِ، وأنْفَقَ عَلَيْها مِنَ المالِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: بِالجِهادِ والمِيراثِ.
وقالَ أبُو مالِكٍ: يُطَلِّقُها، ولَيْسَ لَها مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ.
وقالَ الزَّجّاجُ: تَنالُ مِنهُ مِنَ اللَّذَّةِ كَما يَنالُ مِنها، ولَهُ الفَضْلُ بِنَفَقَتِهِ.
ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « "لَوْ أمَرْتُ أحَدًا أنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لَأمَرْتُ المَرْأةَ أنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِها" .» وقالَتِ ابْنَةُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ما كُنّا نُكَلِّمُ أزْواجَنا إلّا كَما تُكَلِّمُونَ أُمَراءَكم.
* فَصْلٌ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآَيَةِ: هَلْ تَدْخُلُ في الآَياتِ المَنسُوخاتِ أمْ لا؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّها تَدْخُلُ في ذَلِكَ.
واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في المَنسُوخِ مِنها، فَقالَ قَوْمٌ: المَنسُوخُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ وقالُوا: فَكانَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُطَلَّقَةٍ أنْ تَعْتَدَّ بِثَلاثَةِ قُرُوءٍ، فَنَسَخَ حَكَمَ الحامِلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ .
وحُكْمَ المُطْلَقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها ﴾ .
وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ في آَخَرِينَ.
وقالَ قَوْمٌ: أوَّلُها مُحْكَمٌ، والمَنسُوخُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ قالُوا: كانَ الرَّجُلُ إذا طَلَّقَ امْرَأتَهُ كانَ أحَقَّ بِرَجْعَتِها، سَواءٌ كانَ الطَّلاقُ ثَلاثًا، أوْ دُونَ ذَلِكَ، فَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآَيَةَ كُلَّها مَحْكَمَةٌ، فَأوَّلُها عامٌّ.
والآَياتُ الوارِدَةُ في العَدَدِ، خَصَّتْ ذَلِكَ مِنَ العُمُومِ، ولَيْسَ بِنَسْخٍ.
وأمّا ما قِيلَ في الِارْتِجاعِ، فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ ﴾ ، أيْ: في العِدَّةِ قَبْلَ انْقِضاءِ القُرُوءِ الثَّلاثَةِ، وهَذا القَوْلُ هو الصَّحِيحُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ولا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ في أرْحامِهِنَّ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ولَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "قُرُوءٍ" عَلى وزْنِ فُعُولٍ، اللامُ هَمْزَةٌ.
ورُوِيَ عن نافِعٍ شَدُّ الواوِ دُونَ هَمْزٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "ثَلاثَةُ قَرْوَ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الراءِ وتَنْوِينِ الواوِ خَفِيفَةً.
وحُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ مَقْصِدُهُ الِاسْتِبْراءُ، لا أنَّهُ عِبادَةٌ، ولِذَلِكَ خَرَجَتْ مِنهُ مَن لَمْ يَبْنِ بِها، بِخِلافِ عِدَّةِ الوَفاةِ الَّتِي هي عِبادَةٌ.
وَ"المُطَلَّقاتُ" لَفْظُ عُمُومٍ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ في المَدْخُولِ بِهِنَّ، ولَمْ تَدْخُلْ في العُمُومِ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ البِناءِ، ولا الحامِلُ، ولا الَّتِي لَمْ تَحِضْ، ولا القاعِدُ.
وقالَ قَوْمٌ: تَناوَلَهُنَّ العُمُومُ ثُمَّ نُسِخْنَ، وهَذا ضَعِيفٌ، فَإنَّما الآيَةُ فِيمَن تَحِيضُ، وهو عُرْفُ النِساءِ، وعَلَيْهِ مُعْظَمُهُنَّ، فَأغْنى ذَلِكَ عَنِ النَصِّ عَلَيْهِ.
والقُرْءُ في اللُغَةِ: الوَقْتُ المُعْتادُ تَرَدُّدُهُ، وقُرْءُ النَجْمِ: وقْتُ طُلُوعِهِ، وكَذَلِكَ وقْتُ أُفُولِهِ.
وقُرْءُ الرِيحِ: وقْتُ هُبُوبِها.
ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ: يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلى فارِضٍ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ أرادَ وقْتَ غَضَبِهِ.
فالحَيْضُ عَلى هَذا: يُسَمّى قُرْءًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ : «اتْرُكِي الصَلاةَ أيّامَ إقْرائِكِ»، أيْ أيّامَ حَيْضِكِ، وكَذَلِكَ عَلى هَذا النَظَرِ يُسَمّى الطُهْرُ قُرْءًا، لِأنَّهُ وقْتٌ مُعْتادٌ تَرَدُّدُهُ، يُعاقِبُ الحَيْضَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: وفي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوَةٍ ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمُ عَزائِكا مُوَرِّثَةٍ مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ بِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا أيْ: مِن أطْهارِهِنَّ.
وقالَ قَوْمٌ: القُرْءُ مَأْخُوذٌ مِن قُرْءِ الماءِ في الحَوْضِ، وهو جَمْعُهُ، فَكَأنَّ الرَحِمَ تَجْمَعُ الدَمَ وقْتَ الحَيْضِ، والجِسْمُ يَجْمَعُهُ وقْتَ الطُهْرِ.
واخْتُلِفَ أيُّهُما أرادَ اللهُ تَعالى بِالثَلاثَةِ الَّتِي حَدَّدَها لِلْمُطَلَّقَةِ؟
فَقالَ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ، وأصْحابُ الرَأْيِ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: المُرادُ الحَيْضُ، فَإذا طَلَّقَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ في طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ فِيهِ اسْتَقْبَلَتْ حَيْضَةً، ثُمَّ حَيْضَةً، ثُمَّ حَيْضَةً.
فَإذا اغْتَسَلَتْ مِنَ الثالِثَةِ خَرَجَتْ مِن العِدَّةِ.
وقالَ بَعْضُ مَن يَقُولُ بِالحَيْضِ: إذا طَهُرَتْ مِنَ الثالِثَةِ انْقَضَتِ العِدَّةُ قَبْلَ الغُسْلِ، هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِ.
وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عُمَرَ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ، ومَن بَعْدَهُمْ، مِنهم سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ، ومالكٌ: المُرادُ الأطْهارُ، فَإذا طَلَّقَ الرَجُلُ امْرَأتَهُ في طُهْرٍ لَمْ يَطَأْ فِيهِ اعْتَدَّتْ بِما بَقِيَ مِنهُ ولَوْ ساعَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ طُهْرًا ثانِيًا بَعْدَ حَيْضَةٍ، ثُمَّ ثالِثًا بَعْدَ حَيْضَةٍ ثانِيَةٍ، فَإذا رَأتِ الدَمَ مِنَ الحَيْضَةِ الثالِثَةِ حَلَّتْ لِلْأزْواجِ، وخَرَجَتْ مِنَ العِدَّةِ.
فَإنَّ طَلَّقَ مُطَلِّقٌ في طُهْرٍ قَدْ مَسَّ فِيهِ لَزِمَهُ الطَلاقُ، وقَدْ أساءَ، واعْتَدَّتْ بِما بَقِيَ مِن ذَلِكَ الطُهْرِ.
وقَوْلُ ابْنِ القاسِمِ، ومالِكٍ: إنَّ المُطَلَّقَةَ إذا رَأتْ أوَّلَ نُقْطَةٍ مِنَ الحَيْضَةِ الثالِثَةِ، خَرَجَتْ مِنَ العِصْمَةِ، وهو مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وغَيْرِهِ.
وقالَ أشْهَبُ: لا تَنْقَطِعُ العِصْمَةُ والمِيراثُ حَتّى يَتَحَقَّقَ أنَّهُ دَمُ حَيْضٍ لِئَلّا يَكُونُ دَفْعَةَ دَمٍ مِن غَيْرِ الحَيْضِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما خَلَقَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ، والرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، والضَحّاكُ: هو الحَيْضُ والحَمْلُ جَمِيعًا ومَعْنى النَهْيِ عَنِ الكِتْمانِ، النَهْيُ عَنِ الإضْرارِ بِالزَوْجِ، وإذْهابُ حَقِّهِ.
فَإذا قالَتِ المُطَلَّقَةُ حِضْتُ -وَهِيَ لَمْ تَحِضْ- ذَهَبَتْ بِحَقِّهِ مِنَ الِارْتِجاعِ، وإذا قالَتْ: لَمْ أحِضْ -وَهِيَ قَدْ حاضَتْ- ألْزَمَتْهُ مِنَ النَفَقَةِ ما لَمْ يَلْزَمْهُ فَأضَرَّتْ بِهِ، أو تَقْصِدْ بِكَذِبِها في نَفْيِ الحَيْضِ ألّا يَرْتَجِعَ حَتّى تَتِمَّ العِدَّةُ ويَقْطَعَ الشَرْعُ حَقَّهُ، وكَذَلِكَ الحامِلُ تَكْتُمُ الحَمْلَ لِيَنْقَطِعَ حَقُّهُ مِنَ الِارْتِجاعِ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ عادَتُهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَكْتُمْنَ الحَمْلَ لِيُلْحِقْنَ الوَلَدَ بِالزَوْجِ الجَدِيدِ، فَفي ذَلِكَ نَزَلَتِ الآيَةُ.
وقالَ السُدِّيُّ: سَبَبُ الآيَةِ: أنَّ الرَجُلَ كانَ إذا أرادَ أنْ يُطَلِّقَ امْرَأتَهُ سَألَها: أبِها حَمْلٌ؟
مَخافَةَ أنْ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ ووَلَدِهِ في فِراقِها.
فَأمَرَهُنَّ اللهُ بِالصِدْقِ في ذَلِكَ.
وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وعِكْرِمَةُ: المُرادُ بِـ "ما خَلَقَ" الحَيْضُ.
ورُوِيَ عن عُمْرَ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ الحَمْلُ.
والعُمُومُ راجِحٌ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ ﴾ ما يَقْتَضِي أنَّهُنَّ مُؤْتَمَناتٌ عَلى ما ذَكَرَ، ولَوْ كانَ الِاسْتِقْصاءُ مُباحًا لَمْ يُمْكِنْ كَتْمٌ.
وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: "فِي أرْحامِهِنَّ" بِضَمِّ الهاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ الآيَةُ.
أيْ حَقُّ الإيمانِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي ألّا يَكْتُمْنَ الحَقَّ، وهَذا كَما تَقُولُ: إنْ كُنْتَ حُرًّا فانْتَصِرْ وأنْتَ تُخاطِبُ حُرًّا.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ﴾ .
البَعْلُ: الزَوْجُ، وجَمْعُهُ عَلى بُعُولَةٍ شاذٌّ لا يَنْقاسُ، لَكِنَّ هو المَسْمُوعُ.
وقالَ قَوْمٌ: الهاءُ فِيهِ دالَّةٌ عَلى تَأْنِيثِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: هي هاءُ تَأْنِيثٍ دَخَلَتْ عَلى بُعُولٍ، وبُعُولٍ لا شُذُوذَ فِيهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِرِدَّتِهِنَّ" بِزِيادَةِ تاءٍ.
وقَرَأ مُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ "بِرَدِّهِنَّ" بِضَمِّ الهاءِ، ونَصَّ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ لِلزَّوْجِ أنْ يَرْتَجِعَ امْرَأتَهُ المُطَلَّقَةَ ما دامَتْ في العِدَّةِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" هي إلى المُدَّةِ، ثُمَّ اقْتَرَنَ بِما لَهم مِنَ الرَدِّ شَرْطُ إرادَةِ الإصْلاحِ دُونَ المُضارَّةِ، كَما تَشَدَّدَ عَلى النِساءِ في كَتْمِ ما في أرْحامِهِنَّ، وهَذا بَيانُ الأحْكامِ الَّتِي بَيْنَ اللهِ تَعالى، وبَيْنَ عِبادِهِ في تَرْكِ النِساءِ الكِتْمانَ، وإرادَةِ الرِجالِ الإصْلاحَ، فَإنَّ قَصَدَ أحَدٌ بَعْدَ هَذا إفْسادًا، أو كَتَمَتِ امْرَأةٌ ما في رَحِمِها، فَأحْكامُ الدُنْيا عَلى الظاهِرِ والبَواطِنِ إلى اللهِ تَعالى، يَتَوَلّى جَزاءَ كُلِّ ذِي عَمَلٍ وتَضْعُفُ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلُ مَن قالَ في المُولِي: إنَّ بِانْقِضاءِ الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ تَزُولُ العِصْمَةُ بِطَلْقَةٍ بائِنَةٍ لا رَجْعَةَ فِيها، لِأنَّ أكْثَرَ ما تُعْطِي ألْفاظَ القُرْآنِ أنَّ تَرْكَ الفَيْءِ في الأشْهُرِ الأرْبَعَةِ هو عَزْمُ الطَلاقِ، وإذا كانَ ذَلِكَ فالمَرْأةُ مِنَ المُطْلَّقاتِ اللِوائِي يَتَرَبَّصْنَ وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ في التَزَيُّنِ والتَصَنُّعِ والمُؤاتاةِ.
وقَرَأ الضَحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ: ذَلِكَ في حُسْنِ العِشْرَةِ، وحِفْظِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وتَقْوى اللهِ فِيهِ.
والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ حُقُوقِ الزَوْجِيَّةِ وقَوْلُهُ: ﴿ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ .
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى فَضْلِ حَظِّهِ عَلى حَظِّها في الجِهادِ والمِيراثِ وما أشْبَهَهُ.
وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُهُ: ذَلِكَ في الطاعَةِ، عَلَيْها أنْ تُطِيعَهُ، ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَها، وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ: "ذَلِكَ الصَداقُ الَّذِي يُعْطِي الرَجُلُ، وأنَّهُ يُلاعِنُ إنْ قَذَفَ، وتُحَدُّ إنْ قَذَفَتْ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تِلْكَ الدَرَجَةُ إشارَةٌ إلى حَضِّ الرِجالِ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ، والتَوَسُّعِ لِلنِّساءِ في المالِ والخُلُقِ، أيْ إنَّ الأفْضَلَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحامَلَ عَلى نَفْسِهِ.
وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ بارِعٌ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: "الدَرَجَةُ": الإنْفاقُ وأنَّهُ قَوّامٌ عَلَيْها.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الدَرَجَةُ": مِلْكُ العِصْمَةِ وأنَّ الطَلاقَ بِيَدِهِ: وقالَ حُمَيْدٌ: "الدَرَجَةُ": اللِحْيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنْ صَحَّ عنهُ ضَعِيفٌ لا يَقْتَضِيهِ لَفْظُ الآيَةِ ولا مَعْناها.
وإذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِها دَرَجَةٌ تَقْتَضِي التَفْضِيلَ.
و"عَزِيزٌ" لا يُعْجِزُهُ أحَدٌ، و"حَكِيمٌ" فِيما يُنَفِّذُهُ مِنَ الأحْكامِ والأُمُورِ.
<div class="verse-tafsir"
عطف على الجملة قبلها لشدة المناسبة وللاتحاد في الحكم وهو التربص، إذ كلاهما انتظار لأجل المراجعة، ولذلك لم يقدم قوله: ﴿ الطلاق مرتان والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قرواء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فى أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بالله واليوم الاخر وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أرادوا إصلاحا ﴾ [البقرة: 229] على قوله: ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ لأن هذه الآي جاءت متناسقة منتظمة على حسب مناسبات الانتقال على عادة القرآن في إبداع الأحكام وإلقائها بأسلوب سَهل لا تسْأَم له النفس، ولا يجيء على صورة التعليم والدرس.
وسيأتي كلامنا على الطلاق عند قوله تعالى: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ .
وجملة ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ خبرية مراد بها الأمر، فالخبر مستعمل في الإنشاء وهو مجاز فيجوز جعله مجازاً مرسلاً مركباً، باستعمال الخبر في لازم معناه، وهو التقرر والحصول، وهو الوجه الذي اختاره التفتازاني في قوله تعالى: ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار ﴾ [الزمر: 19] بأن يكون الخبر مستعملاً في المعنى المركب الإنشائي، بعلاقة اللزوم بين الأمر مثلاً كما هنا وبين الامتثال، حتى يقدر المأمور فاعلاً فيخبر عنه ويجوز جعله مجازاً تمثيلياً كما اختاره الزمخشري في هذه الآية إذ قال: «فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمه الله ثقة بالاستجابة» قال التفتازاني: فهو تشبيه ما هو مطلوب الوقوع بما هو محقق الوقوع في الماضي كما في قول الناس: رحمه الله، أو في المستقبل، أو الحال، كما في هذه الآية.
قلت: وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ﴾ [البقرة: 197] وأنه أُطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة.
والتعريف في (المطلقات) تعريف الجنس، وهو مفيد للاستغراق، إذ لا يصلح لغيره هنا.
وهو عام في المطلقات ذوات القروء بقرينة قوله: ﴿ يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ ، إذ لا يتصور ذلك في غيرهن، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء، وليس هذا بعام مخصوص في هذه، بمتصل ولا بمنفصل، ولا مراد به الخصوص، بل هو عام في الجنس الموصوف بالصفة المقدرة التي هي من دلالة الاقتضاء، فالآية عامة في المطلقات ذوات القروء، وهي مخصصة بالحرائر دون الإماء، فأخرجت الإماء بما ثبت في السنة أن عدة الأمة حيضتان، رواه أبو داود والترمذي، فهي شاملة لجنس المطلقات ذوات القروء، ولا علاقة لها بغيرهن من المطلقات، مثل المطلقات اللاتي لسن من ذوات القروء، وهن النساء اللاتي لم يبلغن سن المحيض، والآيسات من المحيض، والحوامل، وقد بين حكمهن في سورة الطلاق، إلاّ أنها يخرج عن دلالتها المطلقات قبل البناء من ذوات القروء، فهن مخصوصات من هذا العموم بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ [الأحزاب: 49] فهي في ذلك عام مخصوص بمخصص منفصل.
وقال المالكية والشافعية: إنها عام مخصوص منه الأصناف الأربعة بمخصصات منفصلة، وفيه نظر فيما عدا المطلقة قبل البناء، وهي عند الحنفية عام أريد به الخصوص بقرينة، أي بقرينة دلالة الأحكام الثابتة لتلك الأصناف.
وإنما لجأُوا إلى ذلك لأنهم يرون المخصص المنفصل ناسخاً، وشرط النسخ تقرر المنسوخ، ولم يثبت وقوع الاعتداد في الإسلام بالأقراء لكل المطلقات.
والحق أن دعوى كون المخصص المنفصل ناسخاً، أصلٌ غيرُ جدير بالتأصيل؛ لأن تخصيص العام هو وروده مُخْرَجاً منه بعض الأفراد بدليللٍ، فإن مجيء العمومات بعد الخصوصات كثير، ولا يمكن فيه القول بنسخ العام للخاص لظهور بطلانه ولا بنسخ الخاص للعام لظهور سبقه، والناسخ لا يسبق وبعد، فمهما لم يقع عمل بالعموم فالتخصيص ليس بنسخ.
و ﴿ يتربصن بأنفسهن ﴾ أي يتلبثن وينتظرن مرور ثلاثة قروء، وزيد ﴿ بأنفسهن ﴾ تعريضاً بهن، بإظهار حالهن في مظهر المستعجلات، الراميات بأنفسهن إلى التزوج، فلذلك أُمِرْن أن يتربصن بأنفسهن، أي يمسكنهن ولا يرسلنهن إلى الرجال.
قال في «الكشاف»: «ففي ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث؛ لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن» وقد زعم بعض النحاة أن ﴿ بأنفسهن ﴾ تأكيد لضمير (المطلقات)، وأن الباء زائدة، ومن هنالك قال بزيادة الباء في التوكيد المعنوي، ذكره صاحب «المغني» ورده من جهة اللفظ بأن حق توكيد الضمير المتصل أن يكون بعد ذكر الضمير المنفصل أو بفاصل آخر، إلاّ أن يقال: اكتفى بحرف الجر؛ ومن جهة المعنى بأن التوكيد لا داعي إليه إذ لا يذهب عقل السامع إلى أن المأمور غير المطلقات الذي هو المبتدأ، الذي تضمن الضمير خبره.
وانتصب ﴿ ثلاثة قروء ﴾ ، على النيابة عن المفعول فيه؛ لأن الكلام على تقدير مضاف؛ أي مدة ثلاثة قروء، فلما حذف المضاف خلفه المضاف إليه في الإعراب.
والقروء جمع قرء بفتح القاف وضمها وهو مشترك للحيض والطهر.
وقال أبو عبيدة: إنه موضوع للانتقال من الطهر إلى الحيض، أو من الحيض إلى الطهر، فلذلك إذا أطلق على الطهر أو على الحيض كان إطلاقاً على أحد طرفيه، وتبعه الراغب، ولعلهما أرادا بذلك وجه إطلاقه على الضدين.
وأحسب أن أشهر معاني القرء عند العرب هو الطهر، ولذلك ورد في حديث عمر أن ابنه عبد الله لما طلق امرأته في الحيض سأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وما سؤاله إلاّ من أجل أنهم كانوا لا يطلقون إلاّ في حال الطهر ليكون الطهر الذي وقع فيه الطلاق مبدأ الاعتداد، وكون الطهر الذي طلقت فيه هو مبدأ الاعتداد هو قول جميع الفقهاء ما عدا ابن شهاب فإنه قال: يلغَى الطهر الذي وقع فيه الطلاق.
واختلف العلماء في المراد من القروء في هذه الآية، والذي عليه فقهاء المدينة وجمهور أهل الأثر أن القرء هو الطهر وهذا قول عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من الصحابة من فقهاء المدينة ومالك والشافعي في أوضح كلاميه، وابن حنبل.
والمراد به الطهر الواقع بين دَمَيْن.
وقال علي وعمر وابن مسعود وأبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وجماعة إنه الحيض.
وعن الشافعي في أحد قوليه أنه الطهر المُنتقَل منه إلى الحيض، وهو وفاق لما فسر به أبو عبيدة، وليس هو بمخالف لقول الجمهور: إن القرء الطهر، فلا وجه لعده قولاً ثالثاً.
ومرجِع النظر عندي في هذا إلى الجمع بين مقصدي الشارع من العدة وذلك أن العدة قصد منها تحقق براءة رحم المطلقة من حمل المطلق، وانتطارُ الزوج لعله أن يرجع.
فبراءة الرحم تحصل بحيضة أو طهر واحد، وما زاد عليه تمديد في المدة انتظاراً للرجعة.
فالحيضة الواحدة قد جعلت علامة على براءة الرحم، في استبراء الأمة في انتقال الملك، وفي السبايا، وفي أحوال أخرى، مختلفاً في بعضها بين الفقهاء، فتعين أن ما زاد على حيض واحد ليس لتحقق عدم الحمل، بل لأن في تلك المدة رفقاً بالمطلق، ومشقة على المطلقة، فتعارض المقصدان، وقد رجح حق المطلق في انتظاره أمداً بعد حصول الحيضة الأولى وانتهائها، وحصول الطهر بعدها، فالذين جعلوا القروء أطهاراً راعوا التخفيف عن المرأة، مع حصول الإمهال للزوج، واعتضدوا بالأثر.
والذين جعلوا القروء حيضات زادوا للمطلق إمهالاً؛ لأن الطلاق لا يكون إلاّ في طهر عند الجميع، كما ورد في حديث عمر بن الخطاب في الصحيح، واتفقوا على أن الطهر الذي وقع الطلاق فيه معدود في الثلاثة القروء.
وقروء صيغة جمع الكثرة، استعمل في الثلاثة، وهي قلة توسعاً، على عاداتهم في الجموع أنها تتناوب، فأوثر في الآية الأخف مع أمن اللبس بوجود صريح العدد.
وبانتهاء القروء الثلاثة تنقضي مدة العدة، وتبِين المطلقة الرجعية من مفارقها، وذلك حين ينقضي الطهر الثالث وتدخل في الحيضة الرابعة، قال الجمهور: إذا رأت أول نقطة الحيضة الثالثة خرجت من العدة، بعد تحقق أنه دم الحيض.
ومن أغرب الاستدلال لكون القرء الطهر الاستدلال بتأنيث اسم العدد في قوله تعالى: ﴿ ثلاثة قروء ﴾ .
قالوا: والطهر مذكر فلذلك ذكر معه لفظ (ثلاثة)، ولو كان القرء الحيضة والحيض مؤنث لقال ثلاث قروء، حكاه ابن العربي في «الأحكام»، عن علمائنا، يعني المالكية ولم يتعقبه وهو استدلال غير ناهض؛ فإن المنظور إليه في التذكير والتأنيث إما المسمّى إذا كان التذكير والتأنيث حقيقياً، وإلاّ فهو حال الاسم من الاقتران بعلامة التأنيث اللفظي، أو إجراء الاسم على اعتبار تأنيث مقدر مثل اسم البئر، وأما هذا الاستدلال فقد لبَّس حكم اللفظ بحكم أحد مرادفيه.
وقوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ إخبار عن انتفاء إباحة الكتمان، وذلك مقتضى الإعلام بأن كتمانهن منهي عنه محرم، فهو خبر عن التشريع، فهو إعلام لهن بذلك، وما خلق الله في أرحامهن هو الدم ومعناه كتم الخبر عنه لا كتمان ذاته، كقول النابغة: «كتمتك ليلاً بالجمومين ساهراً» أي كتمتك حال ليل.
و ﴿ ما خلق الله في أرحامهن ﴾ موصول، فيجوز حمله على العهد، أي ما خلاق من الحيض بقرينة السياق.
ويجوز حمله على معنى المعرف بلام الجنس فيعم الحيض والحمل، وهو الظاهر وهو من العام الوارد على سبب خاص؛ لأن اللفظ العام الوارد في القرآن عقب ذكر بعض أفراده، قد ألحقوه بالعام الوارد على سبب خاص، فأما من يقصر لفظ العموم في مثله على خصوص ما ذُكر قَبله، فيكون إلحاق الحوامل بطريق القياس، لأن الحكم نيط بكتمان ما خلق الله في أرحامهن.
وهذا محمل اختلاف المفسرين، فقال عكرمة والزهري والنخعي: (ما خلق الله في أرحامهن) الحيض، وقال ابن عباس وعمر: الحمل، وقال مجاهد: الحمل والحَيض، وهو أظهر، وقال قتادة: كانت عادة نساء الجاهلية أن يكتمن الحمل ليلحق الولد بالزوج الجديد (أي لئلا يبْقى بين المطلَّقة ومطلِّقها صلة ولا تنازع في الأولاد) وفي ذلك نزلت، وهذا يقتضي أن العدة لم تكن موجودة فيهم، وأما مع مشروعية العدة فلا يتصور كتمان الحمل؛ لأن الحمل لا يكون إلاّ مع انقطاع الحيض، وإذ مضت مدة الأقراء تبين أن الحمل من الزوج الجديد.
وقوله: ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ شرط أريد به التهديد دون التقييد، فهو مستعمل في معنى غير معنى التقييد، على طريقة المجاز المرسل التمثِيلي، كما يستعمل الخبر في التحسر والتهديد، لأنه لا معنى لتقييد نفي الحمل بكونهن مؤمنات، وإن كان كذلك في نفس الأمر، لأن الكوافر لا يمتثلن لحكم الحلال والحرام الإسلامي، وإنما المعنى أنهن إن كتمن فهن لا يؤمن بالله واليوم الآخر؛ إذ ليس من شأن المؤمنات هذا الكتمان.
وجيء في هذا الشرط بإنْ، لأنها أصل أدوات الشرط، ما لم يكن هنالك مقصد لتحقيق حصول الشرط فيؤتى بإذا، فإذا كان الشرط مفروضاً، فرضاً لا قصد لتحقيقه ولا لعدمه جيء بإن.
وليس لأنْ هنا، شيء من معنى الشك في حصول الشرط، ولا تنزيل إيمانهن المحقق منزلة المشكوك، لأنه لا يستقيم، خلافاً لما قرره عبد الحكيم.
والمراد بالإيمان بالله واليوم الآخر الإيمان الكامل، وهو الإيمان بما جاء به دين الإسلام، فليس إيمان أهل الكتاب بالله واليوم الآخر بمراد هنا؛ إذ لا معنى لربط نفي الحمل في الإسلام بثبوت إيمان أهل الكتاب.
وليس في الآية دليل على تصديق النساء في دعوى الحمل والحيض كما يجري على ألسنة كثير من الفقهاء، فلا بد من مراعاة أن يكون قولهن مشبهاً، ومَتَى ارتيب في صدقهن وجب المصير إلى ما هو المحقق، وإلى قول الأطباء والعارفين.
ولذلك قال مالك: «لو ادعت ذات القروء انقضاء عدتها في مدة شهر من يوم الطلاق لم تصدق، ولا تصدق في أقل من خمسة وأربعين يوماً مع يمينها» وقال عبد الملك: خمسون يوماً، وقال ابن العربي: لا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر، لأنه الغالب في المدة التي تحصل فيها ثلاثة قروء، وجرى به عمل تونس كما نقله ابن ناجي، وعمل فاس كما نقله السَّجْلَمَاسِي.
وفي الآية دلالة على أن المطلقة الكتابية لا تصدق في قولها إنها انقضت عدتها.
وقوله: ﴿ وبعولتهنَّ ﴾ .
البعولة جمع بعل، والبعل اسم زوج المرأة.
وأصل البعل في كلامهم، السيد.
وهو كلمة ساميَّة قديمة، فقد سمَّى الكنعانيون (الفينقيون) معبودهم بَعْلاً قال تعالى: ﴿ أتدعون بعلاً وتذرون أحسن الخالقين ﴾ [الصافات: 125] وسمي به الزوج لأنه ملك أمر عصمة زوجه، ولأن الزوج كان يعتبر مالكاً للمرأة وسيداً لها، فكان حقيقاً بهذا الاسم، ثم لما ارتقى نظام العائلة من عهد إبراهيم عليه السلام فما بعده من الشرائع، أخذ معنى الملك في الزوجية يضعف، فأطلق العرب لفظ الزوج على كلَ من الرجل والمرأة، اللذين بينهما عصمة نكاح، وهو إطلاق عادل؛ لأن الزوج هو الذي يثنى الفرد، فصارا سواء في الاسم، وقد عبر القرآن بهذا الاسم في أغلب المواضع، غير التي حكى فيها أحوال الأمم الماضية كقوله: ﴿ وهذا بعلي شيخا ﴾ [هود: 72]، وغير المواضع التي أشار فيها إلى التذكير بما للزوج من سيادة، نحو قوله تعالى: ﴿ وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً ﴾ [النساء: 128] وهاته الآية كذلك، لأنه لما جعل حق الرجعة للرَّجل جبراً على المرأة، ذكَّر المرأة بأنه بعلُها قديماً.
وقيل: البعل: الذكر، وتسمية المعبود بَعْلاً لأنه رمز إلى قوة الذكورة، ولذلك سمي الشجر الذي لا يسقى بَعْلاً، وجاء جمعه على وزن فعولة، وأصله فُعول المطردُ في جمع فَعْل، لكنه زيدت فيه الهاء لتوهم معنى الجماعة فيه، ونظيره قولهم: فُحُولة وذُكُورة وكُعُوبة وسُهُولة، جمع السَّهل ضد الجبل، وزيادة الهاء على مثله سماعي؛ لأنها لا تؤذن بمعنى، غير تأكيد معنى الجمعية بالدلالة على الجماعة.
وضمير ﴿ بعولتهن ﴾ ، عائد إلى (المطلقات) قبله، وهن المطلقات الرجعيات كما تقدم، فقد سماهن الله تعالى مطلقات لأن أزواجهن أنشأُوا طلاقهن، وأَطلق اسم البعولة على المطلقين، فاقتضى ظاهره أنهم أزواج للمطلقات، إلاّ أن صدور الطلاق منهم إنشاء لفك العصمة التي كانت بينهم، وإنما جعل الله مدة العدة توسعة على المطلقين، عسى أن تحدث لهم ندامة ورغبة في مراجعة أزواجهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1]، أي أمر المراجعة، وذلك شبيه بما أجرته الشريعة في الإيلاء، فللمطلقين بحسب هذه الحالة حالة وسَطٌ بين حالة الأزواج وحالة الأجانب، وعلى اعتبار هذه الحالة الوسط أُوقع عليهم اسم البعولة هنا، وهو مجاز قرينته واضحة، وعلاقته اعتبار ما كان، مثل إطلاق اليتامى في قوله تعالى: ﴿ وأتوا اليتامى أموالهم ﴾ [النساء: 2].
وقد حمله الجمهور على المجاز؛ فإنهم اعتبروا المطلقة طلاقاً رجعياً امرأة أجنبية عن المطلق بحسب الطلاق، ولكن لما كان للمطلق حق المراجعة، ما دامت المرأة في العدة، ولو بدون رضاها، وجب إعمال مقتضى الحالتين، وهذا قول مالك والشافعي.
قال مالك: «لا يجوز للمطلق أن يستمتع بمطلقته الرجعية، ولا أن يدخل عليها بدون إذن، ولو وطئها بدون قصدِ مراجعةٍ أَثم، ولكن لا حد عليه للشبهة، ووجب استبراؤها من الماء الفاسد، ولو كانت رابعة لم يكن له تزوج امرأة أخرى، ما دامت تلك في العدة».
وإنما وجبت لها النفقة لأنها محبوسة لانتظار مراجعته، ويشكل على قولهم إن عثمان قضى لها بالميراث إذا مات مطلِّقها وهي في العدة؛ قضى بذلك في امرأة عبد الرحمن بن عوف، بموافقة عليَ، رواه في «الموطأ»، فيُدفع الإشكال بأن انقضاء العدة شرط في إنفاذ الطلاق، وإنفاذ الطلاق مانع من الميراث، فما لم تنقض العدة فالطلاق متردد بين الإعمال والإلغاء، فصار ذلك شكاً في مانع الإرث، والشك في المانع يبطل إعماله.
وحمل أبو حنيفة والليث بن سعد البعولة على الحقيقة، فقالا «الزوجية مستمرة بين المطلق الرجعي ومطلَّقته؛ لأن الله سماهم بعُولة» وسوغا دخول الطلاق عليها، ولو وطئها فذلك ارتجاع عند أبي حنيفة.
وقال به الأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى، ونسب إلى سعيد بن المسيب والحسن والزهري وابن سيرين وعطاء وبعض أصحاب مالك.
وأحسب أن هؤلاء قائلون ببقاء الزوجية بين المطلق ومطلقته الرجعية.
و (أحق) قيل: هو بمعنى اسم الفاعل مسلوب المفاضلة، أتى به لإفادة قوة حقهم، وذلك مما يستعمل فيه صيغة أفعل، كقوله تعالى: ﴿ ولذكر الله أكبر ﴾ [العنكبوت: 45] لا سيما إن لم يذكر بعدها مفضل عليه بحرف من، وقيل: هو تفضيل على بابه، والمفضل عليه محذوف، أشار إليه في «الكشاف»، وقرره التفتازاني بما تحصيله وتبيينه: أن التفضيل بين صنفي حق مختلفين باختلاف المتعلق: هما حق الزوج في الرجعة إن رغب فيها، وحق المرأة في الامتناع من المراجعة إن أبتها، فصار المعنى: وبعولتهن أحق برد المطلقات، من حق المطلقات بالامتناع وقد نسج التركيب على طريقة الإيجاز.
وقوله: ﴿ في ذلك ﴾ الإشارة بقوله: ﴿ ذلك ﴾ إلى التربص بمعنى مدته، أي للبعولة حق الإرجاع في مدة القروء الثلاثة، أي لا بعد ذلك كما هو مفهوم القيد.
هذا تقرير معنى الآية، على أنها جاءت لتشريع حكم المراجعة في الطلاق ما دامت العدة، وعندي أن هذا ليس مجرد تشريع للمراجعة بل الآية جامعة لأمرين: حكم المراجعة، وتحضيض المطلقين على مراجعة المطلقات، وذلك أن المتفارقين لا بد أن يكون لأحدهما أو لكليهما، رغبة في الرجوع، فالله يعلم الرجال بأنهم أولى بأن يرغبوا في مراجعة النساء، وأن يصفحوا عن الأسباب التي أوجبت الطلاق لأن الرجل هو مظنة البصيرة والاحتمال، والمرأة أهل الغضب والإباء.
والرد تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: ﴿ حتى يرددكم عن دينكم ﴾ [البقرة: 217] والمراد به هنا الرجوع إلى المعاشرة وهو المراجعة، وتسمية المراجعة رداً يرجح أن الطلاق قد اعتبر في الشرع قطعاً لعصمة النكاح، فهو إطلاق حقيقي على قول مالك، وأما أبو حنيفة ومن وافقوه فتأوَّلوا التعبير بالرد بأن العصمة في مدة العدة سائرة في سبيل الزوال عند انقضاء العدة، فسميت المراجعة رداً عن هذا السبيل الذي أخذت في سلوكه وهو رد مجازي.
وقوله: ﴿ إن أرادوا إصلاحاً ﴾ شرط قصد به الحث على إرادة الإصلاح، وليس هو للتقييد.
لا يجوز أن يكون ضمير ﴿ لهن ﴾ عائداً إلى أقرب مذكور وهو (المطلقات)، على نسق الضمائر قبله؛ لأن المطلقات لم تبق بينهن وبين الرجال علقة حتى يكون لهن حقوق وعليهن حقوق، فتعين أن يكون ضمير ﴿ لهن ﴾ ضمير الأزواج النساء اللائي اقتضاهن قوله ﴿ بردهن ﴾ بقرينة مقابلته بقوله ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ .
فالمراد بالرجال في قوله: ﴿ وللرجال ﴾ الأزواج، كأنه قيل: ولرجالهن عليهن درجة.
والرجل إذا أضيف إلى المرأة، فقيل: رجل فلانة، كان بمعنى الزوج، كما يقال للزوجة: امرأة فلان، قال تعالى: ﴿ وامرأته قائمة ﴾ [هود: 71] ﴿ إلا امرأتك ﴾ [هود: 81].
ويجوز أن يعود الضمير إلى النساء في قوله تعالى ﴿ للذين يؤلون من نسائهم ﴾ [البقرة: 226] بمناسبة أن الإيلاء من النساء هضم لحقوقهن، إذا لم يكن له سبب، فجاء هذا الحكم الكلي على ذلك السبب الخاص لمناسبة؛ فإن الكلام تدرج من ذكر النساء اللائي في العصمة، حين ذكر طلاقهن بقوله ﴿ وإن عزموا الطلاق ﴾ [البقرة: 227]، إلى ذكر المطلقات بتلك المناسبة، ولما اختتم حكم الطلاق بقوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ صار أولئك النساء المطلقات زوجات، فعاد الضمير إليهن باعتبار هذا الوصف الجديد، الذي هو الوصف المبتدأ به في الحكم، فكان في الآية ضرب من رد العجز على الصدر، فعادت إلى أحكام الزوجات بأسلوب عجيب والمناسبة أن في الإيلاء من النساء تطاولاً عليهن، وتظاهراً بما جعل الله للزوج من حق التصرف في العصمة، فناسب أن يذكَّروا بأن للنساء من الحق مثل ما للرجال.
وفي الآية احتباك، فالتقدير: ولهن على الرجال مثل الذي للرجال عليهن، فحذف من الأول لدلالة الآخر، وبالعكس.
وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من الحقوق على الرجال، وتشبيهه بما للرجال على النساء؛ لأن حقوق الرجال على النساء مشهورة، مسلمة من أقدم عصور البشر، فأما حقوق النساء فلم تكن مما يلتفت إليه أو كانت متهاوناً بها، وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها، حتى جاء الإسلام فأقامها.
وأعظم ما أُسِّست به هو ما جمعته هذه الآية.
وتقديم الظرف للاهتمام بالخبر؛ لأنه من الأخبار التي لا يتوقعها السامعون، فقدم ليصغى السامعون إلى المسند إليه، بخلاف ما لو أُخر فقيل: ومثل الذي عليهن لهن بالمعروف، وفي هذا إعلان لحقوق النساء، وإصداع بها وإشادة بذكرها، ومثل ذلك من شأنه أن يُتلقى بالاستغراب، فلذلك كان محل الاهتمام.
ذلك أن حال المرأة إزاء الرجل في الجاهلية، كانت زوجة أم غيرها، هي حالة كانت مختلطة بين مظهر كرامة وتنافس عند الرغبة، ومظهر استخفاف وقلة إنصاف، عند الغضب، فأما الأول فناشئ عما جبل عليه العربي من الميل إلى المرأة وصدق المحبة، فكانت المرأة مطمح نظر الرجل، ومحل تنافسه، رغبة في الحصول عليها بوجه من وجوه المعاشرة المعروفة عندهم، وكانت الزوجة مرموقة من الزوج بعين الاعتبار والكرامة قال شاعرهم وهو مُرَّةُ بن مَحْكانَ السْعدي: يا ربَّةَ البيتتِ قومي غيرَ صاغرةٍ *** ضُمِّي إليككِ رحالَ القَوْم والقِرَبا فسماها ربة البيت وخاطبها خطاب المتلطف حين أمَرَها فأعقب الأمر بقوله غير صاغرة.
وأما الثاني فالرجل مع ذلك يرى الزوجة مجعولة لخدمته فكان إذا غاضبها أو ناشزته، ربما أشتد معها في خشونة المعاملة، وإذا تخالف رأياهما أرغمها على متابعته، بحق أو بدونه، وكان شأن العرب في هذين المظهرين متفاوتاً بحسب تفاوتهم في الحضارة والبداوة، وتفاوت أفرادهم في الكياسة والجلافه، وتفاوت حال نسائهم في الاستسلام والإباء والشرف وخلافه.
روى البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال: " كنا معشر قريش نغلب النساء فلما قدمنا على الأنصار إذا قومٌ تغلبهم نساؤهم فطفِق نساؤنا يأخذن من أدب الأنصار فصخبتُ علَى امرأتي فراجعتْني فأنكرتُ أن تراجعني قالت: ولِمَ تنكرُ أَن أراجعك فوالله إن أزواج النبيى ليراجعنه وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل فراعني ذلك وقلت: قد خابت من فعلت ذلك منهن ثم جمعت عليَّ ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أَيْ حفصةُ أتغاضب إحداكن النبي اليوم حتى الليل؟
قالت: نعم فقلت: قد خبتتِ وخسرتِ " الحديث.
وفي رواية عن ابن عباس عنه «كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئاً فلما جاء الإسلام، وذكَرَهُن الله رأَينا لهن بذلك علينا حقاً من غير أن ندخلهن في شيء من أمورنا» ويتعين أن يكون هذا الكلام صدراً لما في الرواية الأخرى وهو قوله: «كنا معشر قريش نغلب النساء» إلى آخره، فدل على أن أهل مكة كانوا أشد من أهل المدينة في معاملة النساء.
وأحسب أن سبب ذلك أن أهل المدينة كانوا من أزد اليمن، واليمن أقدم بلاد العرب حضارة، فكانت فيهم رقة زائدة.
وفي الحديث " جاءكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوباً، الإيمانُ يَمَاننٍ والحكمةُ يَمَانية " وقد سمى عمر بن الخطاب ذلك أدباً فقال: فطفِق نساؤنا يأخذْن من أدب الأنصار.
وكانوا في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها إذا حلت له، وإن شاءوا، زوجوها بمن شاؤا وإن شاءوا لم يزوجوها فبقيت بينهم، فهم أحق بذلك فنزلت آية: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ [النساء: 19].
وفي حديث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مع أصحابه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، آخى بين عبد الرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع الأنصاري، فعَرض سعد بن الربيع على عبد الرحمن أن يناصفه ماله وقال له «انظر أي زوجتيَّ شئتَ أنْزِلْ لك عنها» فقال عبد الرحمن «بارك الله لك في أهلك ومالك» الحديث.
فلما جاء الإسلام بالإصلاح، كان من جملة ما أصلحه من أحوال البشر كافة، ضبط حقوق الزوجين بوجه لم يبق معه مدخل للهضيمة حتى الأشياءُ التي قد يخفى أمرها قد جُعل لهَا التحكيم قال تعالى: ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريداً إصلاحاً يوفق الله بينهما ﴾ [النساء: 35] وهذا لم يكن للشرائع عهد بمثله.
وأول إعلام هذا العدل بين الزوجين في الحقوق، كان بهاته الآية العظيمة، فكانت هذه الآية من أول ما أنزل في الإسلام.
والمثل أصله النظير والمشابه، كالشبه والمثل، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً ﴾ [البقرة: 17]، وقد يكون الشيء مثلاً لشيء في جميع صفاته وقد يكون مثلاً له في بعض صفاته.
وهي وجه الشبه.
فقد يكون وجه المماثلة ظاهراً فلا يحتاج إلى بيانه، وقد يكون خفياً فيحتاج إلى بيانه، وقد ظهر هنا أنه لا يستقيم معنى المماثلة في سائر الأحوال والحقوق: أجناساً أو أنواعاً أو أشخاصاً؛ لأن مقتضى الخلقة، ومقتضى المقصد من المرأة والرجل، ومقتضى الشريعة، التخالف بين كثير من أحوال الرجال والنساء في نظام العمران والمعاشرة.
فلا جرم يعلم كل السامعين أن ليست المماثلة في كل الأحوال، وتعين صرفها إلى معنى المماثلة في أنواع الحقوق على إجمال تبينه تفاصيل الشريعة، فلا يتوهم أنه إذا وجب على المرأة أن تقم بيت زوجها، وأن تجهز طعامه، أنه يجب عليه مثل ذلك، كما لا يتوهم أنه كما يجب عليه الإنفاق على امرأته أنه يجب على المرأة الإنفاق على زوجها بل كما تقم بيته وتجهز طعامه يجب عليه هو أن يحرس البيت وأن يحضر لها المعجنة والغربال، وكما تحضن ولده يجب عليه أن يكفيها مؤنة الارتزاق كي لا تهمل ولده، وأن يتعهده بتعليمه وتأديبه، وكما لا تتزوج عليه بزوج في مدة عصمته، يجب عليه هو أن يعدل بينها وبين زوجة أخرى حتى لا تحس بهضيمة فتكون بمنزلة من لم يتزوج عليها، وعلى هذا القياس فإذا تأتَّت المماثلة الكاملة فتُشْرَعَ، فعلى المرأة أن تحسن معاشرة زوجها، بدليل ما رتب على حكم النشوز، قال تعالى: ﴿ والتي تخافون نشوزهن ﴾ [النساء: 34] وعلى الرجل مثل ذلك قال تعالى: ﴿ وعاشروهن بالمعروف ﴾ [النساء: 19] وعليها حفظ نفسها عن غيره ممن ليس بزوج، وعليه مثل ذلك عمن ليست بزوجة [النور: 30] ثم قال: ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ [النور: 30] الآية ﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم ﴾ [المؤمنون: 5 6] إلاّ إذا كانت له زوجة أخرى فلذلك حكم آخر، يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما وتشاور ﴾ [البقرة: 233] ﴿ وأتمروا بينكم بمعروف ﴾ [الطلاق: 6].
وتفاصيل هاته المماثلة، بالعين أو بالغاية، تؤخذ من تفاصيل أحكام الشريعة، ومرجعها إلى نفي الإضرار، وإلى حفظ مقاصد الشريعة من الأمة، وقد أومأ إليها قوله تعالى: ﴿ بالمعروف ﴾ أي لهن حق متلبساً بالمعروف، غير المنكر، من مقتضى الفطرة، والآداب، والمصالح، ونفي الإضرار، ومتابعة الشرع.
وكلها مجال أنظار المجتهدين.
ولم أر في كتب فروع المذاهب تبويباً لأبواب تجمع حقوق الزوجين.
وفي «سنن أبي داود»، و«سنن ابن ماجه»، بابان أحدهما لحقوق الزوج على المرأة، والآخر لحقوق الزوج على الرجل، باختصار كانوا في الجاهلية يعدون الرجل مولى للمرأة فهي ولية كما يقولون، وكانوا لا يدخرونها تربية، وإقامة وشفقة، وإحساناً، واختيار مصير، عند إرادة تزويجها، لما كانوا حريصين عليه من طلب الأكفاء، بيد أنهم كانوا مع ذلك لا يرون لها حقاً في مطالبة بميراث ولا بمشاركة في اختيار مصيرها، ولا بطلب ما لها منهم، وقد أشار الله تعالى إلى بعض أحوالهم هذه في قوله: ﴿ وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن ﴾ [النساء: 127] وقال: ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾ [البقرة: 232] فحدد الله لمعاملات النساء حدوداً، وشرع لهن أحكاماً، قد أعلنتها على الإجمال هذه الآية العظيمة، ثم فصلتها الشريعة تفصيلاً، ومن لطائف القرآن في التنبيه إلى هذا عطف المؤمنات على المؤمنين عند ذكر كثير من الأحكام أو الفضائل، وعطف النساء على الرجال.
وقوله: ﴿ بالمعروف ﴾ الباء للملابسة، والمراد به ما تعرفه العقول السالمة، المجردة من الانحياز إلى الأهواء، أو العادات أو التعاليم الضالة، وذلك هو الحسن وهو ما جاء به الشرع نصاً أو قياساً، أو اقتضته المقاصد الشرعية أو المصلحة العامة، التي ليس في الشرع ما يعارضها.
والعرب تطلق المعروف على ما قابل المنكر أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن ملابساً ذلك دائماً للوجه غير المنكر شرعاً وعقلاً، وتحت هذا تفاصيل كبيرة تؤخذ من الشريعة، وهي مجال لأنظار المجتهدين.
في مختلف العصور والأقطار.
فقول من يرى أن البنت البكر يجبرها أبوها على النكاح، قد سلبها حق المماثلة للابن، فدخل ذلك تحت الدرجة، وقول من منع جبرها وقال لا تزوج إلاّ برضاها قد أثبت لها حق المماثلة للذكر، وقول من منع المرأة من التبرع بما زاد على ثلاثها ألا بإذن زوجها قد سلبها حق المماثلة للرجل، وقول من جعلها كالرجل في تبرعها بما لها قد أثبت لها حق المماثلة للرجل، وقول من جعل للمرأة حق الخيار في فراق زوجها إذا كانت به عاهة قد جعل لها جق المماثلة وقول من لم يجعل لها ذلك قد سلبها هذا الحق.
وكل ينظر إلى أن ذلك من المعروف أو من المنكر.
وهذا الشأن في كل ما أجمع عليه المسلمون من حقوق الصنفين، وما اختلفوا فيه من تسوية بين الرجل والمرأة، أو من تفرقة، كل ذلك منظور فيه إلى تحقيق قوله تعالى: ﴿ بالمعروف ﴾ قطعاً أو ظناً فكونوا من ذلك بمحل التيقظ، وخُذوا بالمعنى دون التلفظ.
ودين الإسلام حري بالعناية بإصلاح شأن المرأة، وكيف لا وهي نصف النوع الإنساني، والمربية الأولى، التي تفيض التربية السالكة إلى النفوس قبل غيرها، والتي تصادف عقولاً لم تمسها وسائل الشر، وقلوباً لم تنفذ إليها خراطيم الشيطان.
فإذا كانت تلك التربية خيراً، وصدقاً، وصواباً، وحقاً، كانت أول ما ينتقش في تلك الجواهر الكريمة، وأسبق ما يمتزج بتلك الفطر السليمة، فهيأت لأمثالها، من خواطر الخير، منزلاً رحباً، ولم تغادر لأغيارها من الشرور كرامة ولا حباً.
ودين الإسلام دين تشريع ونظام، فلذلك جاء بإصلاح حال المرأة، ورفع شأنها لتتهيأ الأمة الداخلة تحت حكم الإسلام، إلى الارتقاء وسيادة العالم.
وقوله: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ إثبات لتفضيل الأزواج في حقوق كثيرة على نسائهم لكيلا يظن أن المساواة المشروعة بقوله: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ مطردة، ولزيادة بيان المراد من قوله ﴿ بالمعروف ﴾ ، وهذا التفضيل ثابت على الإجمال لكل رجل، ويظهر أثر هذا التفضيل عند نزول المقتضيات الشرعية والعادية.
وقوله: ﴿ للرجال ﴾ خبر عن (درجة)، قدم للاهتمام بما تفيده اللام من معنى استحقاقهم تلك الدرجة، كما أشير إلى ذلك الاستحقاق في قوله تعالى: ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ﴾ [النساء: 34] وفي هذا الاهتمام مقصدان أحدهما دفع توهم المساواة بين الرجال والنساء في كل الحقوق، توهماً من قوله آنفاً: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ وثانيهما تحديد إيثار الرجال على النساء بمقدار مخصوص، لإبطال إيثارهم المطلق، الذي كان متبعاً في الجاهلية.
والرجال جمع رجل، وهو الذكر البالغ من الآدميين خاصة، وأما قولهم: امرأة رجلة الرَّأي، فهو على التشبيه أي تشبه الرجل.
والدرجة ما يرتقى عليه في سلم أو نحوه، وصيغت بوزن فعلة من درج إذا انتقل على بطء ومهل، يقال: درج الصبي، إذا ابتدأ في المشي، وهي هنا استعارة للرفعة المكنَّى بها عن الزيادة في الفضيلة الحقوقية، وذلك أنه تقرر تشبيه المزية في الفضل بالعلو والارتفاع، فتبع ذلك تشبيه الأفضلية بزيادة الدرجات في سير الصاعد، لأن بزيادتها زيادة الارتفاع، ويسمون الدرجة إذا نزل منها النازل: دركة، لأنه يدرك بها المكان النازل إليه.
والعبرة بالمقصد الأول، فإن كان المقصد من الدرجة الارتفاع كدرجة السلم والعلو فهي درجة وإن كان القصد النزول كدرك الداموس فهي دركة، ولا عبرة بنزول الصاعد وصعود النازل.
وهذه الدرجة اقتضاها ما أودعه الله في صنف الرجال من زيادة القوة العقلية والبدنية، فإن الذكورة في الحيوان تمام في الخلقة، ولذلك نجد صنف الذكر في كل أنواع الحيوان أذكى من الأنثى، وأقوى جسماً وعزماً، وعن إرادته يكون الصدر، ما لم يعرض للخلقة عارض يوجب انحطاط بعض أفراد الصنف، وتفوق بعض أفراد الآخر نادراً، فلذلك كانت الأحكام التشريعية الإسلامية جارية على وفق النظم التكوينية، لأن واضع الأمرين واحد.
وهذه الدرجة هي ما فضل به الأزواج على زوجاتهم: من الإذن بتعدد الزوجة للرجل، دون أن يؤذن بمثل ذلك للأنثى، وذلك اقتضاه التزيد في القوة الجسمية، ووفرة عدد الإناث في مواليد البشر، ومِن جعل الطلاق بيد الرجل دون المرأة، والمراجعة في العدة كذلك، وذلك اقتضاه التزيد في القوة العقلية وصدق التأمل، وكذلك جعل المرجع في اختلاف الزوجين إلى رأي الزوج في شؤون المنزل، لأن كل اجتماع يتوقع حصول تعارض المصالح فيه، يتعين أن يجعل له قاعدة في الانفصال والصدر عن رأي واحد معين من ذلك الجمع، ولما كانت الزوجية اجتماع ذاتين لزم جعل إحداهما مرجعاً عند الخلاف، ورجح جانب الرجل لأن به تأسست العائلة، ولأنه مظنة الصواب غالباً، ولذلك إذا لم يمكن التراجع، واشتد بين الزوجين النزاع، لزم تدخل القضاء في شأنهما، وترتب على ذلك بعث الحكمين كما في آية ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ [النساء: 35].
ويؤخذ من الآية حكم حقوق الرجال غير الأزواج بلحن الخطاب، لمساواتهم للأزواج في صفة الرجولة التي كانت هي العلة في ابتزازهم حقوق النساء في الجاهلية فلما أسست الآية حكم المساواة والتفضيل، بين الرجال والنساء الأزواج إبطالاً لعمل الجاهلية، أخذنا منها حكم ذلك بالنسبة للرجال غير الأزواج على النساء، كالجهاد وذلك مما اقتضته القوة الجسدية، وكبعض الولايات المختلف في صحة إسنادها إلى المرأة، والتفضيل في باب العدالة، وولاية النكاح والرعاية، وذلك مما اقتضته القوة الفكرية، وضعفها في المرأة وسرعة تأثرها، وكالتفضيل في الإرث وذلك مما اقتضته رئاسة العائلة الموجبة لفرط الحاجة إلى المال، وكالإيجاب على الرجل إنفاق زوجه، وإنما عدت هذه درجة، مع أن للنساء أحكاماً لا يشاركهن فيها الرجال كالحضانة، تلك الأحكام التي أشار إليها قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ﴾ [النساء: 32] لأن ما امتاز به الرجال كان من قبيل الفضائل.
فأما تأديب الرجل المرأة إذا كانا زوجين، فالظاهر أنه شرعت فيه تلك المراتب رعياً لأحوال طبقات الناس، مع احتمال أن يكون المراد من قوله: ﴿ والتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ﴾ [النساء: 34] أن ذلك يجريه ولاة الأمور، ولنا فيه نظر عند ما نصل إليه إن شاء الله تعالى.
وقوله: ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ العزيز: القوى، لأن العزة في كلام العرب القوة ﴿ لَيُخْرِجَنَّ الأعز منها الأذل ﴾ [المنافقون: 8] وقال شاعرهم: وإنما العزة للكاثر *** والحكيم: المتقن الأمور في وضعها، من الحكمة كما تقدم.
والكلام تذييل وإقناع للمخاطبين، وذلك أن الله تعالى لما شرع حقوق النساء كان هذا التشريع مظنة المتلقى بفرط التحرج من الرجال، الذين ما اعتادوا أن يسمعوا أن للنساء معهم حظوظاً، غير حظوظ الرضا والفضل والسخاء، فأصبحت لهن حقوق يأخذنها من الرجال كرهاً، إن أبَوْا، فكان الرجال بحيث يرون في هذا ثلماً لعزتهم، كما أنبأ عنه حديث عمر بن الخطاب المتقدم، فبين الله تعالى أن الله عزيز أي قوي لا يعجزه أحد، ولا يتقي أحداً، وأنه حكيم يعلم صلاح الناس، وأن عزته تؤيد حكمته فينفذ ما اقتضته الحكمة بالتشريع، والأمر الواجب امتثاله، ويحمل الناس على ذلك وإن كرهوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ يَعْنِي المُخَلَّياتِ، والطَّلاقُ: التَّخْلِيَةُ كَما يُقالُ لِلنَّعْجَةِ المُهْمَلَةِ بِغَيْرِ راعٍ: طالِقٌ، فَسُمِّيَتِ المَرْأةُ المُخَلّى سَبِيلُها بِما سُمِّيَتْ بِهِ النَّعْجَةُ المُهْمَلُ أمْرُها، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن طَلْقِ الفَرَسِ، وهو ذَهابُهُ شَوْطًا لا يُمْنَعُ، فَسُمِّيَتِ المَرْأةُ المُخَلّاةُ طالِقًا لِأنَّها لا تَمْنَعُ مِن نَفْسِها بَعْدَ أنْ كانَتْ مَمْنُوعَةً، ولِذَلِكَ قِيلَ لِذاتِ الزَّوْجِ: إنَّها في حِبالِهِ لِأنَّها كالمَعْقُولَةِ بِشَيْءٍ، وأمّا قَوْلُهُمْ: طَلَقَتِ المَرْأةُ فَمَعْناهُ غَيْرُ هَذا، إنَّما يُقالُ: طَلَقَتِ المَرْأةُ إذا نَفَسَتْ، هَذا مِنَ الطَّلْقِ وهو وجَعُ الوِلادَةِ، والأوَّلُ مِنَ الطَّلاقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ أيْ مُدَّةَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ، واخْتَلَفُوا في الأقْراءِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: هي الحِيَضُ، وهو قَوْلُ عُمَرَ، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي مُوسى، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، وعِكْرِمَةَ، والسُّدِّيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأهْلِ العِراقِ، اسْتِشْهادًا بِقَوْلِ الشّاعِرِ: يا رُبَّ ذِي صِغْنٍ عَلَيَّ فارِضِ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والثّانِي: هي الأطْهارُ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ، وابْنِ عُمَرَ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبانَ بْنِ عُثْمانَ، والشّافِعِيِّ، وأهْلِ الحِجازِ، اسْتِشْهادًا بِقَوْلِ الأعْشى: أفِي كُلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمٌ غَزْوَةً ∗∗∗ تَشُدُّ لِأقْصاها عَزِيمَ عَزائِكا ∗∗∗ مُوَرِّثَةً مالًا وفي الحَيِّ رِفْعَةٌ ∗∗∗ لِما ضاعَ فِيها مِن قُرُوءِ نِسائِكا واخْتَلَفُوا في اشْتِقاقِ القُرْءِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ القُرْءَ الِاجْتِماعُ، ومِنهُ أُخِذَ اسْمُ القُرْآنِ لِاجْتِماعِ حُرُوفِهِ، وقِيلَ: قَدْ قَرَأ الطَّعامَ في شِدْقِهِ وقَرَأ الماءَ في حَوْضِهِ إذا جَمَعَهُ، وقِيلَ: ما قَرَأتِ النّاقَةُ سَلًى قَطُّ، أيْ لَمْ يَجْتَمِعْ رَحِمُها عَلى ولَدٍ قَطُّ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: تُرِيكَ إذا دَخَلَتْ عَلى خَلاءٍ ∗∗∗ وقَدْ أمِنَتْ عُيُونَ الكاشِحِينا ∗∗∗ ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هَجانَ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينا وَهَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، والأخْفَشِ، والكِسائِيِّ، والشّافِعِيِّ، فَمَن جَعَلَ القُرُوءَ اسْمًا لِلْحَيْضِ سَمّاهُ بِذَلِكَ، لِاجْتِماعِ الدَّمِ في الرَّحِمِ، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلطُّهْرِ فَلِاجْتِماعِهِ في البَدَنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ القُرْءَ الوَقْتُ، لِمَجِيءِ الشَّيْءِ المُعْتادِ مَجِيؤُهُ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، ولِإدْبارِ الشَّيْءِ المُعْتادِ إدْبارُهُ لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ، وكَذَلِكَ قالَتِ العَرَبُ: أقْرَأْتُ حاجَةَ فُلانٍ عِنْدِي، أيْ دَنا وقْتُها وحانَ قَضاؤُها.
وَأقْرَأ النَّجْمُ إذا جاءَ وقْتُ أُفُولِهِ، وقَرَأ إذا جاءَ وقْتُ طُلُوعِهِ، قالَ الشّاعِرُ: إذا ما الثُّرَيّا وقَدْ أقْرَأتْ ∗∗∗ ...
...
...
وَقِيلَ: أقْرَأتِ الرِّيحُ، إذا هَبَّتْ لِوَقْتِها، قالَ الهُذَلِيُّ: كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي شَلِيلٍ ∗∗∗ إذا لِقارِئِها الرِّياحُ يَعْنِي هَبَّتْ لِوَقْتِها، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ.
فَمَن جَعَلَ القُرْءَ اسْمًا لِلْحَيْضِ، فَلِأنَّهُ وقْتُ خُرُوجِ الدَّمِ المُعْتادِ، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلطُّهْرِ، فَلِأنَّهُ وقْتُ احْتِباسِ الدَّمِ المُعْتادِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ في أرْحامِهِنَّ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الحَيْضُ، وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ الحَمْلُ، قالَهُ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الحَمْلُ والحَيْضُ قالَهُ عُمَرُ ومُجاهِدٌ.
﴿ إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهُنَّ، واخْتُلِفَ في سَبَبِ الوَعِيدِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: لِما يَسْتَحِقُّهُ الزَّوْجُ مِنَ الرَّجْعَةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِإلْحاقِ نَسَبِ الوَلِيدِ بِغَيْرِهِ كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ ﴾ البَعْلُ: الزَّوْجُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِعُلُوِّهِ عَلى الزَّوْجَةِ بِما قَدْ مَلَكَهُ عَنْ زَوْجِيَّتِها ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَدْعُونَ بَعْلا ﴾ أيْ رَبًّا لِعُلُوِّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ، ﴿ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ ﴾ أيْ بِرَجْعَتِهِنَّ، وهَذا مَخْصُوصٌ في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ دُونَ البائِنِ.
﴿ إنْ أرادُوا إصْلاحًا ﴾ يَعْنِي إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الطَّلاقِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ولَهُنَّ مِن حُسْنِ الصُّحْبَةِ والعِشْرَةِ بِالمَعْرُوفِ عَلى أزْواجِهِنَّ، مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ مِنَ الطّاعَةِ، فِيما أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِنَّ لِأزْواجِهِنَّ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
والثّانِي: ولَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ مِنَ التَّصَنُّعِ والتَّزَيُّنِ، مِثْلُ ما لِأزْواجِهِنَّ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الَّذِي لَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، تَرْكُ مُضارَّتِهِنَّ، كَما كانَ ذَلِكَ لِأزْواجِهِنَّ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: فَضْلُ المِيراثِ والجِهادِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ الإمْرَةُ والطّاعَةُ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ إعْطاءُ الصَّداقِ، وأنَّهُ إذا قَذَفَها لاعَنَها، وإنْ قَذَفَتْهُ حُدَّتْ، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
والرّابِعُ: أفْضالُهُ عَلَيْها، وأداءُ حَقِّها إلَيْها، والصَّفْحُ عَمّا يَجِبُ لَهُ مِنَ الحُقُوقِ عَلَيْها، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.
والخامِسُ: أنْ جُعِلَ لَهُ لِحْيَةٌ، وهو قَوْلُ حُمَيْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن أسماء بنت يزيد بن السكن الانصارية قالت: طلقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله حين طلقت العدة للطلاق ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ فكانت أول من أنزلت فيها العدة للطلاق.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ قال: كان أهل الجاهلية يطلق أحدهم ليس لذلك عدة.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن المنذر عن ابن عباس ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴾ [ الطلاق: 4] فنسخ واستثنى، وقال: ﴿ ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ [ الأحزاب: 49] .
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والدارقطني والبيهقي في السنن عن عائشة قالت: إنما الأقراء الاطهار.
وأخرج مالك والشافعي والبيهقي من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة.
أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة.
قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة، وقد جادلها في ذلك ناس قالوا: إن الله يقول ﴿ ثلاثة قروء ﴾ فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الإِقراء؟
الإِقراء الإِطهار.
قال ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول: هذا يريد الذي قالت عائشة.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي عن ابن عمر وزيد بن ثابت قالا: الإِقراء الإِطهار.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن عمرو بن دينار قال: الإِقراء الحيض عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثلاثة قروء ﴾ قال: ثلاث حيض.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ قال: حيض.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ﴾ فجعل عدة الطلاق ثلاث حيض، ثم أنه نسخ منها المطلقة التي طلقت ولم يدخل بها زوجها فقال في سورة الأحزاب ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ [ الأحزاب: 49] فهذه تزوّج ان شاءت من يومها.
وقد نسخ من الثلاثة فقال: ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم ﴾ [ الطلاق: 4] فهذه العجوز التي لا تحيض والتي لم تحض فعدتهن ثلاثة أشهر، وليس الحيض من أمرها في شيء، ونسخ من الثلاثة قروء الحامل فقال: ﴿ أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ [ الطلاق: 4] فهذه ليست من القروء في شيء إنما أجلها أن تضع حملها.
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد والبيهقي من طريق عروة وعمرة عن عائشة قالت: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج.
قالت عمرة: وكانت عائشة تقول: إنما القرء الطهر، وليس بالحيضة.
وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلت للأزواج.
وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن ابن عمر قال: إذا طلق الرجل امرأته فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرئ منها، ولا ترثه ولا يرثها.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علقمة.
أن رجلاً طلق امرأته ثم تركها، حتى إذا مضت حيضتان والثالثة أتاها وقد قعدت في مغتسلها لتغتسل من الثالثة، فأتاها زوجها فقال: قد راجعتك قد راجعتك ثلاثاً.
فأتيا عمر بن الخطاب فقال عمر لابن مسعود وهو إلى جنبه: ما تقول فيها؟
قال: أرى أنه أحق بها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة.
فقال عمر: وأنا أرى ذلك.
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبيهقي عن علي بن أبي طالب قال: تحل لزوجها الرجعة عليها حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، وتحل للأزواج.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود قال: أرسل عثمان بن عفان إلى أبي يسأله عن رجل طلق امرأته ثم راجعها حين دخلت في الحيضة الثالثة، قال أبي: كيف يفتي منافق؟
فقال عثمان: نعيذك بالله أن تكون منافقاً، ونعوذ بالله أن نسميك منافقاً، ونعيذك بالله أن يكون منك هذا في الإِسلام ثم تموت ولم تبينه.
قال: فإني أرى أنه أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة وتحل لها الصلاة.
وأخرج البيهقي من طريق الحسن عن عمر وعبدالله وأبي موسى، في الرجل يطلق امرأته فتحيض ثلاث حيض فراجعها قبل أن تغتسل، قال: هو أحق بها ما لم تغتسل.
وأخرج وكيع عن الحسن قال: تعتد بالحيض وإن كانت لا تحيض في السنة إلا مرة.
وأخرج مالك والشافعي عن محمد بن يحيى بن حيان أنه كان عند جده هاشمية وانصارية، فطلق الانصارية وهي ترضع، فمرت بها سنة ثم هلك ولم تحض، فقالت: أنا أرثه ولم أحض.
فاختصموا إلى عثمان فقضى للأنصارية بالميراث، فلامت الهاشمية عثمان فقال: هذا عمل ابن عمك هو أشار علينا بهذا، يعني علي ابن أبي طالب.
وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال: إذا طلقها وهي حائض لم تعتد بتلك الحيضة.
وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة قال: الاقراء الحيض ليس بالطهر.
قال الله تعالى ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ ولم يقل لقرؤئهن.
وأخرج الشافعي عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن رجلاً من الأنصار يقال له حيان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته، فمكثت سبعة عشر شهراً لا تحيض يمنعها الرضاع أن تحيض، ثم مرض حيان فقلت له: إن امرأتك تريد أن ترث؟
فقال لأهله: احملوني إلى عثمان فحملوه إليه، فذكر له شأن امرأته وعنده علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، فقال لهما عثمان: ما تريان؟
فقالا: نرى أنه إن مات ترثه ويرثها إن ماتت، فإنها ليست من القواعد اللاتي قد يئسن من المحيض، وليست من الأبكار اللاتي لم يبلغهن بالمحيض، ثم هي على عدة حيضها ما كان من قليل أو كثير.
فرجع حيان إلى أهله وأخذ ابنته، فلما فقدت الرضاع حاضت حيضة ثم حاضت حيضة أخرى، ثم توفي حيان قبل أن تحيض الثالثة، فاعتدت عدة المتوفى عنها زوجها وورثته.
وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجة والدارقطني والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طلاق الأمة تطليقتان، وقرؤها حيضتان، وفي لفظ وعدتها حيضتان» .
وأخرج ابن ماجة والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً.
مثله.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن زيد بن ثابت قال: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء.
وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن علي وابن مسعود وابن عباس قالوا: الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء.
وأخرج مالك والبيهقي عن سعيد بن المسيب قال: الطلاق للرجال، والعدة للنساء.
وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب قال: عدة المستحاضة سنة.
أما قوله تعالى: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ .
أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ قال: كانت المرأة تكتم حملها حتى تجعله لرجل آخر، فنهاهن الله عن ذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ قال: علم الله أن منهن كواتم، يكتمن ضراراً ويذهبن بالولد إلى غير أزواجهن، فنهى عن ذلك وقدم فيه.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ قال: الحمل والحيض، لا يحل لها إن كانت حاملاً أن تكتم حملها، ولا يحل لها ان كانت حائضاً أن تكتم حيضها.
وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن مجاهد ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ قال: الحيض والولد، لا يحل للمطلقة أن تقول: أنا حائض.
وليست بحائض.
ولا تقول: إني حبلى.
وليست بحبلى، ولا تقول: لست بحبلى.
وهي حبلى.
وأخرج ابن جرير عن ابن شهاب في قوله: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ قال: بلغنا أن ما خلق الله في أرحامهن الحمل، وبلغنا أنه الحيض.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي عن إبراهيم في الآية قال: أكبر ذلك الحيض، وفي لفظ: أكثر ما عنى به الحيض.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن عكرمة قال: الحيض.
أما قوله تعالى: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ .
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ يقول: إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين وهي حامل فهو أحق برجعتها ما لم تضع حملها، ولا يحل لها أن تكتمه يعني حملها، وهو قوله: ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حبان في قوله: ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ يعني المراجعة في العدة، نزلت في رجل من غفار، طلق امرأته ولم يشعر بحملها، فراجعها وردها إلى بيته فولدت وماتت ومات ولدها، فأنزل الله بعد ذلك بأيام يسيرة ﴿ الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ [ البقرة: 229] فنسخت الآية التي قبلها، وبين الله للرجال كيف يطلقون النساء وكيف يتربصن.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن مجاهد ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ قال: في القروء الثلاث.
وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ قال: في العدة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ﴾ قال: في العدة ما لم يطلقها ثلاثاً.
أما قوله تعالى: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ولهن مثل الذي عليهن ﴾ قال: إذا أطعن الله وأطعن أزواجهن، فعليه أن يحسن خطبتها ويكف عنها أذاه، وينفق عليها من سعته.
وأخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا إن لكم على نسائكن حقاً، ولنسائكم عليكم حقاً.
فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن» .
وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما حق المرأة على الزوج؟
قال: أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت» .
وأخرج ابن عدي عن قيس بن طلق عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جامع أحدكم أهله فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها، كما يحب أن يقضي حاجته» .
وأخرج عبد الرزاق وأبو يعلى عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، فإن سبقها فلا يعجلها.
ولفظ عبد الرزاق: فإن قضى حاجته ولم تقض حاجتها فلا يعجلها» .
وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إني لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين المرأة لي، لأن الله يقول ﴿ ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ﴾ وما أحب أن استوفي جميع حقي عليها لأن الله يقول ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ .
وأخرج ابن ماجة عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلى وولى عانته بيده» .
وأخرج الخرائطي في كتاب مساوي الأخلاق عن أم سلمة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينوره الرجل فإذا بلغ مراقه تولى هو ذلك» .
وأخرج الخرائطي عن محمد بن زياد قال: «كان ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم جاراً لي، فكان يدخال الحمام فقلت: وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم تدخل الحمام.
فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الحمام ثم يتنور» .
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتنور كل شهر، ويقلم أظفاره كل خمس عشرة» .
وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عائشة أنها سئلت بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟
قالت: بالسواك.
قوله تعالى: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ .
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ قال: فضل ما فضله الله به عليها من الجهاد، وفضل ميراثه على ميراثها، وكل ما فضل به عليها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي مالك ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ قال: يطلقها وليس لها من الأمر شيء.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ قال: الإِمارة.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ﴾ الآية.
المطلقات: المُخَلَّيات من حبال الأزواج (١) (٢) وذكرنا معنى التربص.
ومعنى الآية: أنهن ينتظرن بِأَنفُسِهِنَّ (٣) (٤) ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾ ، ومثله كثير (٥) قال الزجاج: هو كما تقول: حسبك درهم، لفظه خبر ومعناه: اكتف بدرهم.
وقال غيره: معناه (٦) (٧) وقيل: أراد: ليتربصن، فحذف اللام (٨) والقُرُوْءُ: جمع قُرْءٍ (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) أما في استعمال العرب فقد أنشد الأئمة حجة للحيض قول الراجز: له قُرُوءٌ كَقُروء الحائضِ (١٩) وأنشدوا حجةً للطُّهْر قول الأعشى: ما ضَاعَ فيها من قُرُوءِ نِسَائِكَا (٢٠) والذي ضاع الأطهار لا الحيض؛ لأنه خرج إلى الغزو فلم يغش نساءه.
وأما في الشرع فقال (٢١) في المستحاضة "تنتظر (٢٢) (٢٣) ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ أي: ثلاثة أطهار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴾ أي: لوقت عدتهن وزمان عدتهن، وبين النبي : أن وقت العدة: زمان الطهر في حديث ابن عُمر، وهو أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي لعمر: "مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك" (٢٤) فعند علي [[رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 315، وسعيد بن منصور في "سننه" 1/ 332 [ط.
حبيب الرحمن]، والطبري 2/ 441، وعزاه في "الدر" 6/ 349 إلى الشافعي وعبد بن حميد.]] وابن مسعود (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وعند زيد بن ثابت (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وأصل هذا اللفظ واشتقاقه مختلف فيه أيضًا (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) إذا هَبَّتْ لِقَارِئِها الرِّيَاحُ (٤٣) أي: لوقت هبوبها، (٤٤) (٤٥) (٤٦) إذا ما الثُّرَيّا وقد أقْرَأَتْ ...
أحسَّ السَّمَاكَانِ منها أُفُولاَ (٤٧) أي: غابت، وأنشد ابن الأعرابي عن أحمد بن يحيى: مواعيد لا يأتي لقَرْءٍ حويرها (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قَرَأَتِ الناقةُ سَلًا قَطّ، أي: ما جَمَعَتْ في رحمها ولدًا قَطُّ، ومنه قولُ عمرو بن كلثوم: هِجَانِ اللونِ لم تَقْرأْ جَنِيْنَا (٥٣) وقال الأخفش: يقال: ما قَرَأَتْ حَيْضَةً، أي: ما ضمت (٥٤) (٥٥) (٥٦) قال أبو إسحاق: والذي عندي في حقيقة هذا أن القرء الجمع (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وذكر أبو حاتم عن الأصمعي أنه قال في قوله: ﴿ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ : جاء هذا على غير قياس، والقياس: ثلاثة أَقْرؤ؛ لأن القروء للجمع الكثير (٦٢) (٦٣) (٦٤) قال أبو حاتم: وقال النحويون في هذا: أراد ثلاثة من القروء (٦٥) وقال أهل المعاني: لما كانت كلُّ مطلقة يلزمها (٦٦) (٦٧) (٦٨) فمن قال: القرء: الحيض، قال: لا تخرج المرأة من عدتها ما لم تنقض الحيضة الثالثة، ومن قال: إنها الأطهار، قال: إن طلقها في خلال الحيض لم يحتسب (٦٩) (٧٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ الرحم: منبت الولد ووعاؤه في البطن، قال عكرمة (٧١) (٧٢) وقال ابن عباس (٧٣) (٧٤) (٧٥) ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ أدل على الولد منه على الحيض، كقوله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ ﴾ ، ومعنى الآية: لا يحل لهن أن يكتمن الحمل ليبطلن حق الزّوج من الرجعة والولد (٧٦) وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ ﴾ الآية، وذلك أن المرأة السوء تكتم الحبل شوقًا منها إلى الزوج، وتستبطئ (٧٧) (٧٨) ﴿ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ معناه: من كان مؤمنًا (٧٩) (٨٠) قال (٨١) (٨٢) (٨٣) وفي هذه الآية أمر متوجه على النساء في إظهار ما يخلق (٨٤) ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ البُعُولَة: جمع بَعْل، كالفُحُولة والذُّكُورة والخُؤُولَة والعُمُومة، وهذه الهاء زيادة (٨٥) (٨٦) والبعولة أيضًا: مصدر البَعْل، يقال: بَعَل الرجل يَبْعَلُ بُعُولةً، إذا صار بَعْلًا، أنشد يعقوب [[هو: أبو يوسف يعقوب بن أسحاق السكيت النحوي اللغوي، تقدمت ترجمته 2/ 51، [البقرة: 2].]]: يارُبَّ بَعْلٍ سَاء ما كان بَعَلْ (٨٧) ومن هذا يقال (٨٨) ومنه قول الحُطَيْئَة: وكَمْ من حَصَانٍ ذاتِ بعْلٍ تَرَكْتها ...
إذا الليلُ أَدْجَى لم تَجِدْ مَنْ تباعِلُه (٨٩) وامرأةٌ حَسَنَةُ التَّبَعُّل: إذا كانت تحْسِنُ عِشْرَة زَوْجها.
ومنه الحديث "إذا أَحْسَنْتُنّ تَبَعُّلَ أَزْوَاجِكُن (٩٠) (٩١) ومعنى ﴿ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ ، أي: إلى النكاح والزوجية، يعنى: أحق بمراجعتهن (٩٢) ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في الأجل الذي (٩٣) ﴿ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا ﴾ لا إضرارًا، وذلك أن الرجل في الجاهلية إذا أراد الإضرار بامرأته، طلقها واحدةً وتركها حتى (٩٤) (٩٥) ويستغني الزوج في المراجعة عن الولي وعن رضاها وعن تسمية مهر، وإذا راجعها سقطت بقية العدة وحل جماعها في الحال.
والاحتياط الإشهاد على الرجعة.
ولفظ الرجعة أن تقول: راجعتك أو رددتك إلى النكاح.
وقوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: للنساء على الرجال مثل الذي للرجال عليهن من الحق ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بما أمر الله به من حق الرجل على المرأة (٩٦) ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ مثل الذي عليهن بالمعروف (٩٧) وقوله تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ يقال: رَجَلٌ بَين الرُّجْلَة (٩٨) (٩٩) (١٠٠) والدَّرَجَة: المنزلة، وأصلها من دَرَجْتُ الشيء أَدْرُجُه دَرْجًا، وأَدْرَجْتُه إدراجًا: إذا طويتُه.
ودَرَجَ القومُ قرنًا بعد قرن، أي: فَنُوا.
وأدرجهم الله إدراجًا؛ لأنه (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) وأما المعنى (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) قال أبو إسحاق: المعنى: أن المرأة تنال من اللذة من الرجل، كما ينال الرجل، وله الفضل بنفقته وقيامه عليها (١٠٨) ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ أي: مالك يأمر كما أراد، ويمتحن كما أحب، ولا يكون ذلك إلا عن حكمة بالغة.
(١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1050.
(٢) ساقطة من (ي).
(٣) ساقطة من (ي).
(٤) زيادة من (ي).
(٥) ينظر: "الكشاف" "التبيان" ص 136، "البحر المحيط" 1/ 185.
(٦) ساقطة من (ي).
(٧) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 185.
(٨) ينظر: "التبيان" ص 136، "البحر المحيط" 2/ 185، واستبعد هذا القول جدا.
(٩) في (ش) (قرؤ).
(١٠) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1051، قال في "اللسان" 6/ 3564 مادة "قرأ": والجمع أقراء، وقروء على فُعول، وأقرؤ، الأخيرة عن اللحياني في أدنى العدد، ولم يعرف سيبويه أقراءً ولا أقرؤًا، قال: استغنوا عنه بفعول.
(١١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304.
(١٢) هو: زبان بن العلاء بن عمار التميمي البصري، أحد القراء السبعة المشهورين، كان إماما في التفسير والعربية، توفي سنة 154هـ.
ينظر معرفة القراء الكبار 1/ 100، "الأعلام" 3/ 41.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304.
(١٤) من قوله: يقال للحيض ..
ساقط من (ي).
(١٥) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2912 - 2913 مادة: (قرأ).
(١٦) في (م) (الأمرين).
(١٧) قال الراغب ص 399 - 400: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولما كان اسما جامعا للأمرين الطهر والحيض المتعقب له أطلق على كل واحد منهما؛ لأن كل اسم موضوع لمعنيين معا يطلق على كل واحد منهما إذا انفرد كالمائدة للخوان وللطعام، ثم قد يسمى كل واحد بانفراده به، وليس القرء اسما للطهر مجردا ولا للحيض مجردا بدلالة أن الطاهر التي لم تر أثر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمِر بها الدم والنفساء لا يقال لها ذلك.
(١٨) ينظر في القرء: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 174 - 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 302 - 304، "تهذيب اللغة" 3/ 2912 - 2914 مادة (قرأ)، "المفردات" ص 399 - 400، "عمدة الحفاظ" 3/ 338 - 340، "اللسان" 6/ 3564 - 3565 مادة (قرأ).
(١٩) ذكره الزجاج بقوله: وأنشدوا في القرء والحيض، ينظر "معاني القرآن" 1/ 303.
(٢٠) مطلع البيت: مورِّثةً مالا وفي الأصل رفعة البيت في "ديوان الأعشى" ص 67، "مجاز القرآن" 1/ 74، ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304.
(٢١) في (ي): (فقد قال).
(٢٢) في (م): (ينتظر).
(٢٣) أخرجه الدارمي في الطهارة، باب: في غسل المستحاضة 1/ 202، وأحمد في "المسند" ص 3/ 323.
(٢٤) أخرجه البخاري رقم (5258) كتاب: الطلاق، باب: من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، ومسلم (1471) كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها.
(٢٥) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 316، والطبري في "تفسيره" 2/ 439.
(٢٦) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 317، والطبري في "تفسيره" 2/ 440.
(٢٧) "تفسير مجاهد" 1/ 108، ورواه الطبري في "تفسيره" 2/ 439، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 415.
(٢٨) هو ابن حيان.
ينظر "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 415، والحيري في "الكفاية في التفسير" 1/ 179.
(٢٩) ينظر "مختصر الطحاوي" ص 217، و"شرح معاني الآثار" 3/ 64، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 364.
(٣٠) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 577، والشافعي في الأم 5/ 224، والطبري 2/ 442.
(٣١) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 577، والطبري في "تفسيره" 2/ 443.
(٣٢) رواه مالك في "الموطأ" 2/ 576، والشافعي في "الأم" 5/ 224، والطبري في "تفسيره" 2/ 442.
(٣٣) "الموطأ" 2/ 578، و"التمهيد" 15/ 85.
(٣٤) "الرسالة" ص 569، و"الأم" 5/ 224.
(٣٥) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1056.
(٣٦) في (ي) (فإن).
(٣٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1061.
(٣٨) ينظر في القرء: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 74، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 174 - 175، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 302 - 304، "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "المفردات" ص 399 - 400، "عمدة الحفاظ" 3/ 338 - 340، "اللسان" 3/ 2912 - 2913.
(٣٩) في "تفسير الثعلبي" ذكر أبا عبيدة وهو عنده في "مجاز القرآن" 1/ 74.
(٤٠) قوله: والطهر يجيء الوقت.
ساقط من (ش).
(٤١) "تهذيب اللغة" 3/ 2912.
(٤٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304، "تهذيب اللغة" 3/ 2913، ورواه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" 3/ 60 عن أبي عمرو.
(٤٣) مطلع البيت: شَنِئْتُ العَقْر عَقْر بني شَلَيْلٍ والبيت لمالك بن الحارث الهذلي، ينظر "ديوان الهذليين" 3/ 83، والطبري في "تفسيره" 2/ 444، "لسان العرب" مادة: قرأ 6/ 3565 ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304، ورواية الثعلبي 2/ 1062: كرهت، ورواية "اللسان": لقارئها.
وقوله: شنئت: أي: (كرهت)، والعقر: مكان، وهبت لقاريها: لوقت هبوبها.
وشليل: جد جرير بن عبد الله البجلي ينظر "شرح أشعار الهذليين" للسكري 1/ 239.
(٤٤) من قوله: (وأنشد) ..
زيادة من (ي) و (ش).
وهنا ينتهي كلام أبي عمرو كما في "تهذيب اللغة".
(٤٥) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 304 - 305.
(٤٦) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1062.
(٤٧) البيت ليس في "ديوانه" الذي بتحقيق إحسان عباس، وهو في "تفسير الطبري" 2/ 444، "تفسير الثعلبي" 2/ 1062، "النكت والعيون" 1/ 291 بلا نسبة، والسماكان: نجمان نيران.
ينظر "لسان العرب" 4/ 2099 مادة "سمك".
(٤٨) في (ش): (حويزها).
(٤٩) البيت لم أهتد لقائله ولا من ذكره.
(٥٠) في (ش): (لا يأتي).
(٥١) ساقطة من (ش).
(٥٢) ينظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 77 - 78، "تفسير الطبري" 2/ 444، "والأضداد" لابن الأنباري 26، "تفسير الثعلبي" 2/ 1062.
(٥٣) سبق تخريجه.
(٥٤) في (ش): (صمت).
(٥٥) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 174، ولفظه: ما قرأت حيضة قط.
(٥٦) ينظر: "الأضداد" لقطرب ص 108، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 29، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305، "تفسير الثعلبي" 2/ 1063.
(٥٧) في (ش): (تجمع).
(٥٨) في (ش): (ألزم).
(٥٩) في (ي): (وقته) (٦٠) ساقطة من (ي).
(٦١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305، وينظر في بسط أدلة القولين والترجيح بينهما: "تفسير الثعلبي" 2/ 1051 - 1064، " التفسير الكبير" 6/ 94 - 98، "زاد المعاد" 5/ 629.
(٦٢) في (ي): (الكبير).
(٦٣) ساقطة من (ي).
(٦٤) "تهذيب اللغة" 3/ 2912.
(٦٥) انظر المصدر السابق مادة "قرأ".
(٦٦) في (ش) و (ي): (يلزمه).
(٦٧) في (ي): (الكثيرة).
(٦٨) في (أ) و (م): (قال: فالقروء).
(٦٩) في (م) (يحتسبه).
(٧٠) ينظر في الأحكام: "المحرر الوجيز" 2/ 272، "التفسير الكبير" 6/ 94 - 95.
(٧١) رواه عنه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 233، والطبري في "تفسيره" 2/ 447، "ابن أبي حاتم" في "تفسيره" 2/ 416.
(٧٢) رواه عنه ابن أبي شيبة 5/ 234، والطبري 2/ 446، والبيهقي 7/ 420.
(٧٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 449، وذكره النحاس في "الناسخ والمنسوخ" 2/ 44، وروى ابن أبي شيبة عنه في "المصنف" 5/ 234 الجمع بين القولين.
(٧٤) رواه عبد الرزاق في "المصنف" 6/ 330، والطبري في "تفسيره" 2/ 449، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 415.
(٧٥) "تفسير مقاتل" 1/ 194.
(٧٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305 - 306.
(٧٧) في (م): (تستنظر).
(٧٨) تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي ص 92.
(٧٩) في (م): (يؤمن).
(٨٠) من قوله: (معناه).
ساقط من (ي).
(٨١) في (ي) و (ش): (وقال).
(٨٢) في (ش): (تظلم).
(٨٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 306.
(٨٤) في (ي): (خلق).
(٨٥) في (ي) (زائدة).
(٨٦) من كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 306 بتصرف، وفيه زيادة: لأن القياس في هذه الأشياء معلوم.
(٨٧) البيت ورد بغير نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).
(٨٨) ساقطة من (م).
(٨٩) البيت من الطويل، وهو للحطيئة في "ديوانه" ص80، "تهذيب اللغة" 1/ 363 "لسان العرب" 1/ 316 مادة: بعل.
وأراد: أنك قتلت زوجها أو أسرته.
(٩٠) الحديث أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 6/ 420 - 421، برقم (8743)، وابن عبد البر في "الاستيعاب" 4/ 1788 في ترجمة أسماء بنت زيد الأشهلية، و"تاريخ واسط" ص 75.
(٩١) ينظر في مادة: بعل "معاني القرآن" للزجاج 1/ 306، "تهذيب اللغة" 1/ 316، "تفسير الثعلبي" 2/ 1066، "المفردات" 64 - 65، "اللسان" 1/ 362 - 363.
قال الراغب: ولما تُصور من الرجل الاستعلاء على المرأة فجعل سائسها والقائم عليها كما قال تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ ، سمي باسمه كلُّ مستعل على غيره، فسمى العرب معبودهم الذي يتقربون به إلى الله بعلا؛ لاعتقادهم ذلك فيه، نحو قوله تعالى: ﴿ أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ﴾ ، ويقال: أتانا بعل هذه الدابة، أي المستعلي عليها، وقيل للأرض المستعلية على غيرها بعل.
(٩٢) في (ي) زيادة أي في ذلك أي.
(٩٣) ساقط من (ي).
(٩٤) ساقط من (أ) و (م).
(٩٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1067.
(٩٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1067.
(٩٧) رواه الطبري عنه 2/ 453، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 417، وعزاه في "الدر" 1/ 493 - 494 إلى وكيع وسفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٩٨) يقال: رجل جيد الرُّجلة، ورجل بين الرجولة والرُّجلة والرُّجْلِيَّة والرجولية، وهي من المصادر التي لا أفعال لها.
ينظر "اللسان" 3/ 1597 مادة "رجل".
(٩٩) في (ي) (أقوى).
(١٠٠) ينظر في رجل: "تهذيب اللغة" 3/ 1596 - 1601، "المفردات" 196، "عمدة الحفاظ" 2/ 81 - 83، "اللسان" 3/ 1596 - 1601.
(١٠١) ساقطة من (ي).
(١٠٢) في (ش) (يرتقي).
(١٠٣) ينظر في درج: "تهذيب اللغة" 2/ 1167، "المفردات" ص 174، "اللسان" 3/ 1351.
قال الراغب: الدَّرَجة نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: درجة، إذا اعتبرت بالصعود دون الامتداد على البسيط كدرجة السطح والسلم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة، قال تعالى: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ .
(١٠٤) في (ي) (فقد قال).
(١٠٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1074، والماوردي في "النكت والعيون" 1/ 293، والبغوي في "تفسيره" 1/ 269، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 261.
(١٠٦) ينظر في هذه الأقوال: "تفسير الثعلبي" 2/ 1074 - 1075، و"تفسير البغوي" 1/ 269، "زاد المسير" 1/ 261.
(١٠٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 93، والطبري في "تفسيره" 2/ 454، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 418.
(١٠٨) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 307.
<div class="verse-tafsir"
﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ ﴾ بيان للعدة، وهو عموم مخصوص خرجت منه الحامل بقوله تعالى: ﴿ وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4].
واليائسة والصغيرة بقوله: ﴿ واللائي يَئِسْنَ مِنَ المحيض ﴾ [الأحزاب: 4].
والتي لم يدخل بها بقوله: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ [الأحزاب: 49] فيبقى حكمها في المدخول بها، وهي سن من تحيض وقد خص مالك منها الأمة، فجعل عدّتها قرءين ويتربصن خبرٌ بمعنى الأمر ﴿ ثلاثة قرواء ﴾ انتصب ثلاثة على أنه مفعول به هكذا قال الزمخشري، وقروء: جمع قرئ وهو مشترك في اللغة بين الطهر والحيض، فحمله مالك والشافعي على الطهر لقول عائشة: الأقراء هي الأطهار، وحمله أبو حنيفة على الحيض؛ لأنه الدليل على براءة الرحم، وذلك مقصود العدّة، ﴿ مَا خَلَقَ الله في أَرْحَامِهِنَّ ﴾ يعني الحمل والحيض، وبعولتهن جمع بعل، وهو هنا الزوج ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ أي في زمان العدة ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ ﴾ من الاستمتاع وحسن المعاشرة ﴿ دَرَجَةٌ ﴾ في الكرامة وقيل: الإنفاق وقيل: كون الطلاق بيده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن يخافا ﴾ بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء ﴿ نبينها ﴾ بالنون المفضل.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يفعل ذلك ﴾ مدغماً حيث كان: أبو الحرث عن علي ﴿ فقد ظلم ﴾ مظهراً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ قروء ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ إصلاحاً ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ مرتان ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ حدود الله ﴾ الأول ط ﴿ افتدت به ﴾ ط ﴿ تعتدوها ﴾ ج ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لتعتدوا ﴾ ج ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ هزوا ﴾ ص لطول ما بعده ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه.
التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق.
ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة.
واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولاً بها ولا عدة عليه لقوله ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ وإما أن تكون مدخولاً بها وحينئذ إن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل قال : ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ وإن كانت حائلاً فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ﴾ وإن كان المحيض في حقها ممكناً فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله ﴿ والمطلقات ﴾ لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض.
لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاقلفظ الكل على الغالب لا المغلوب.
فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض.
وههنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟
لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما.
وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باقٍ على تناوله الأغلب.
وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود.
وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد وتقوّ.
ولو قيل: "وليتربصن المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال "يتربصن ثلاثة قروء" تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن.
والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين.
وفي الصحاح بفتح القاف فقط.
ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما.
وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر.
وقيل بالعكس.
وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت.
وقيل: "هذا قارئ الرياح" لوقت هبوبها.
ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتاً معيناً وهذا قول أبي عمرو بن العلاء.
ثم إن الله أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين.
ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية.
وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض.
وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى.
وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها.
وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها.
ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أي في زمان عدتهن.
وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن كما تقول: "لثلاث بقين من الشهر" أي مستقبلاً لثلاث.
وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: "لثلاث بقين من الشهر" معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه.
فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه.
ولما كان الإذن حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة.
وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟
الأقراء الأطهار.
ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم.
وأيضاً التركيب يدل على الجمع.
وأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج.
فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة.
وأيضاً الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع.
ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له.
وأيضاً الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب.
حجة أبي حنيفة قوله "دعي الصلاة أيام أقرائك" وقوله "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني.
فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه.
وانتصاب ﴿ ثلاث قروء ﴾ على أنه مفعول به كقولهم "المحتكر يتربص الغلاء" أي يتربصن مضي ثلاثة قروء.
أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء.
وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دو القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: ﴿ بأنفسهن ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة.
وأيضاً فلعل القروء أكثر استعمالاً فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم "ثلاثة شسوع".
ثم إن أمر العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذراً على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوماً وساعة.
لأنها إذا طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوماً وليلة - وهو أقل الحيض - ثم طهرت خمسة عشر يوماً - وهو أقل الطهر - ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار.
فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معاً.
وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما.
أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني.
وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولاً فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة.
وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها.
وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل.
وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه.
وفي قوله ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.
وفيه أن من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.
الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ والبعل الزوج والجمع البعولة.
والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة.
وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع.
ويقال للمرأة أيضاً بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك.
يقال: مَنْ بعل هذه الناقة؟
أي مَنْ ربها وصاحبها؟
ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله "بعل حسن البعولة" وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن.
قال تعالى في موضع: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولئن رجعت ﴾ فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة.
وإنما تكون البعولة أحق عند الله برجعتهن إن أرادوا إصلاحاً لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعاً لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقاً فيها؟
فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم.
والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل.
فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال.
قال أبو هريرة: "قيل لرسول الله : أي النساء خير؟
قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره" وفي حديث حجة الوداع "ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله ﴿ ولهن مثل الذي عليهن ﴾ وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان.
﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب.
أصلها من درج الرجل.
والضب يدرج دروجاً أي مشى ودرج أي مضى لسبيله.
ودرج القوم إذا انقرضوا.
وفي المثل "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات.
وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال : "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان" وفي خبر آخر "اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة" وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر.
ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ وعن النبي "لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها" ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.
الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة.
وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له.
فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله فنزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها.
والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث.
وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أن العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة.
والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم.
وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ أي كرة بعد كرة، وقولهم "لبيك وسعديك".
وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام.
وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة م، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو "طلقوا مرتين أو دفعتين" إلى لفظ الخبر كما مر في قوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثاً لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة - إنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه.
وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة.
وأما قول ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين.
فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه.
ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة.
روي أنه لما نزل قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قيل له : فأين الثالثة؟
فقال: هو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة.
ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح.
فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ طلقة رابعة وإنه غير جائز.
وأيضاً لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ أو يطلقها وذلك قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ فلو جعلنا التسريح طلاقاً لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها.
وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة.
ثم إن إكمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده.
الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه لما أمر بالتسريح مقروناً بإحسان بيَّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة النساء ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ والخطاب في قوله ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للأزواج وفي قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ للأئمة والحكام.
ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضاً للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون "روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي.
وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب.
فأتت رسول الله وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً.
فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟
قالت: نعم وأزيده.
فقال : لا، حديقته فقط.
ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها" ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام.
ومعنى قوله ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع.
فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ ثم قال: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت.
ومعنى ﴿ فيما افتدت به ﴾ فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، ولقوله لا حديقته فقط.
حين قالت جميلة: نعم وأزيده.
ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعدما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له.
وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين.
فكما أن للمرأة عند النكاح أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟
قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن.
فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها.
ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله.
وقيل: هو من قولهم "خذه ولو بقرطي مارية" وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار.
ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى.
وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.
والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديباً فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً والزوج مأثوم بما فعل.
فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أناه إذا لم تطعه اعتدى عليها.
ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله ﴿ فمن خاف من موصٍ جنفاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إلا أن يخافا ﴾ على البناء للمفعول جعل ﴿ ألا يقيما ﴾ بدلاً من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل "خيف زيد تركه إقامة حدود الله" ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خلعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود م وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقاً كما لو قال: أنت طالق على كذا.
ولأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع.
وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه.
والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر.
ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقاً وقد قال عقيب ذلك ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ لكان الطلاق أربعاً، ولأن النبي أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد ﴿ تلك ﴾ أي المذكورات من أحكام الطلاق ﴿ حدود الله فلا تعتدوها ﴾ فلا تتجاوزوا عنها ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ والظالم اسم ذم وتحقير.
فوقوع هذا الاسم عليه يكون جارياً مجرى الوعيد.
وكيف لا والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضاً بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة.
الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره.
والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم.
هذا عند من يفسر قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ بالطلاق الرجعي.
وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق.
فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ واستوفى نصابه ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ ذلك ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .
ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله ﴿ زوجاً ﴾ يدل على العقد.
وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ ويؤيد هذاما روي عن عائشة "أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني.
وإن ما معه مثل هدبة الثوب.
فقال رسول الله : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟
لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" .
كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل.
ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه.
فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها.
وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة.
ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً.
ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل.
ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة.
ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به.
وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل.
وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح.
وعن النبي "لعن المحلل والمحلل له" وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.
﴿ فإن طلقها ﴾ أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ على المرأة المطلقة والزوج الأول في ﴿ أن يتراجعا ﴾ بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة.
والجواب أن الآية مخصوصة بقوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً.
من قرأ ﴿ نبينها ﴾ بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال.
وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة.
فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ﴾ وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك.
ثم إنه لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل إلى أحد هذين: الأول قوله ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها.
والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها.
يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضاً يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ.
فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين.
ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً ﴾ مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر.
وقيل: الضرار سوء العشرة.
وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله.
ومعنى قوله ﴿ لتعتدوا ﴾ أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً ﴾ أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية.
وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء ﴿ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ﴾ بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين.
أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله وتكاليفه ﴿ ولا تتخذوا آيات الله هزواً ﴾ فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزئ بها.
أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث.
وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعباً.
فنزلت فقرأها رسول الله وقال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" وروي "الطلاق والعناق والنكاح" وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله كان كالمستهزئ بآيات الله.
ثم إنه لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم.
فبدأ أولاً بذكرها على الإجمال فقال: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد ، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: ﴿ وما أنزل عليكم ﴾ عطفاً على النعمة ﴿ من الكتاب والحكمة ﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿ يعظكم به ﴾ في محل النصب حالاً مما أنزل أو من فاعل "أنزل".
ويحتمل أن يكون ﴿ ما أنزل ﴾ الصلة والموصول مبتدأ، وقوله ﴿ يعظكم به ﴾ خبراً ﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم ﴾ فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ بلوغ الأجل ههنا على الحقيقة.
عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن.
وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الدواء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المتجمعة المكتنزة في عصبة.
والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا - اي الرجال والنساء - تراضياً واقعاً بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول.
وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعاً للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها.
وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس.
فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها.
فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبداً.
قال: ففيَّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت.
وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: "وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء" لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة.
والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها.
قالوا: ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجاً لهن.
والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه.
فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجاً لهن.
وقيل: الوجه أن يكون خطاباً للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين.
ثم إن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في ﴿ لا تعضلوهن ﴾ للأولياء وفيه ما فيه.
ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلاً لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج.
وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر.
وتمسك أبو حنيفة بقوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه اضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك.
ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى المتسبب مثل "بنى الأمير داراً" وإنما ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازاً لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا.
وأما قوله ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن الخطاب في قوله في سورة الطلاق ﴿ ذلكم يوعظ به من كان ﴾ للمكلفين مجموعين.
وقوله ﴿ من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تخصيص لهم بالوعظ لأنهم هم المنتفعون بذلك.
ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وأيضاً لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ أي أنمى وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ لأن علمه فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص.
فقد تخفى المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق.
التأويل: إنه من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة.
وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً.
﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن ﴾ أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً.
والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير متناهية ﴿ والله عزيز ﴾ أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه ﴿ حكيم ﴾ لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر.
ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله ﴿ فلا جناح ﴾ في التراجع ﴿ إن ظنا ﴾ فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران.
وفيه أن الله يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان.
وأما قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين ﴿ فلا جناح عليهما فيها افتدت به ﴾ كأن لم يكن بينهما صحبة ﴿ فإن الله سميع ﴾ بمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالهم والله ولي التوفيق.
ثم اختلف الناس في الأقراء في قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ : قال بعضهم: الأقراء: هي الأطهار.
وقال آخررون: هي الحيض.
وهو قولنا.
وعلى ذلك اختلف الصحابة: قال عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم أجمعين -: هي الحيض.
وقالت عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر - رضي الله عنهم -: هي الأطهار.
وبه أخذ أهل المدينة، وقالوا: قلنا ذلك بالسنة والأخبار عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - واللسان، والمناقضة: أما السنة: فقوله لعمر: "مر ابنك فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل من غير جماع؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" ؛ فدل أن العدة التي تطلق لها النساء هي الأطهار.
لكن الجواب لهذا من وجهين: أحدهما: أنه جعل ذلك عدة للطلاق، لا عدة عن الطلاق.
والعدة للطلاق غير العدة عن الطلاق؛ وكذا نقول في الطهر الذي تطلق فيه النساء: إنها للطلاق، لا عنها.
والثاني: أن من قول الرجل أن له الإيقاع في آخر أجزاء الطهر، وقد ذكر في الخبر: "الطلاق لقُبُلِ عدتهن" ، ولو كان المعنيُّ به: الطهر، لكان الطلاق في آخر آجزاء الطهر قبل الحيض - في آخر أجزاء الطهر، لا في القُبُل.
فثبت أن القول بجعل الطهر عدة عن الطلاق بعيد.
وأما اللسان فهو قول الناس: قرأ الماء في حوضه، وقرأ الطعام في شدقه، أي: حبس، والطهر بسبب حبس الدم.
لكن عندنا: الطهر جبلة وأصل، وعليها خلقت وأنشئت، والحيض عارض، فإذا كان في الرحم دم خرج، وإلا كانت على أصل خلقتها طاهراً؛ لأن الطهر يحبس الدم، فإذا كان هذا ما ذكرنا بطل احتجاجه باللغة واللسان.
وأما الناقضة [فـ] هي أن يقول: جعلتم هي معتدة مع زوال الأذى عنها ما لم تغتسل في إبقاء حق الرجعة.
فأما دعوى المناقضة فهي بعيدة؛ لأن الكتاب جعلها باقية ما لم تغتسل على حكم الأذى؛ فإن كان فيه طعن فعلى الكتاب.
وقال: ذكر الله : ﴿ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ باسم التذكير، لا باسم التأنيث؛ فدل أنه أراد الأطهار، يقال: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فإذا أدخل فيه (الهاء) عقل أنه أراد الطهر.
قيل: إن اللغة لا تمنع عن تسيمة شيء واحد باسم التذكير والتأنيث كالبر والحنطة ونحو ذلك إذا لم يكن من ذي روح، فإذا كان كذلك فلا دلالة فيه على جعل ذلك طهراً.
وقال: القرء: هو الانتقال من حال إلى حال؛ يقال: أقرأ النجم: إذا غاب، وأقرأ: إذا طلع، ونحوه.
لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان القرء هو الانتقال من حال إلى حال لكان يقال للنجم إذا طلع: أقرأ؛ فيكون الاسم للظهور، لا للغيبوبة، أو لهما جميعاً؛ فلا دلالة في ذلك.
وأما الأصل عندنا: فقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فأمر بالإمساك عند بلوغ أجلهن.
والبلوغ: اسم للتمام.
ثم لا يخلو بلوغ الأجل من أن يكون بالإشراف على أول أجزاء الطهر أو عند انتهائه.
فإن كان على انتهاء الطهر فلا غاية له ينتهي إليه ليقطع عليه الحكم، وإن كان على الإشراف عليه أيضاً كذلك، ثم لو حمل على الانتهاء أيضاً يبعد بما يعرف ذلك بالحيض الذي يقطع جهة الإمساك؛ فحمل على ما يعرف، لا على ما لا يعرف - والله أعلم فثبت أنه الحيض؛ لأن لها الغاية.
والثاني: قوله : ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ ، كذا اتفقوا فيه أنه مذكور على البدل، ولم يعرف ذكر الأبدال في الأشياء إلا على أثر الأصول حيثما ذكر - ذكر الحيض عند ذكر البدل - فبان أن المبدل من ذلك إنما هي الحيض، المجعولة أصولاً في تقضي العدة هو الحيض.
واحتجوا بقوله : "عدة الأمة حيضتان" ؛ ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض.
[ثم الدليل على أن المراد من قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، وإن احتمل الطهر، يرجع إلى الحيض [وجوه: أحدها:] أن (ثلاثة) اسم لتمام العدد، فيصير كأنه قال: ثلاثة أطهار، لو أراد به الطهر، أو ثلاثة حيض، لو أراد به الحيض.
ثم هم على اختلافهم اتفقوا على أنه بالحيض ثلاثة، وبالطهر طهران وبعض الأول.
ثبت أن الحيض أولى مع ما كان فيه الاحتياط إذ احتمل الوجهين أن يدخلا جميعاً في الحق لا يزال بعد أن ثبت إلا بالبيان، ويبين ذا أن في الخبر تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لقبلها النساء، أنه الحيض حتى يكون قبله الطهر مع ما يحتمل عدة فعل الطلاق في الانقضاء يبين ذلك ما روي عن رسول الله ، أنه قال: "إن عدة الأمة حيضتان" .
وهي بعض عدة الحرة، ووقت طلاقها وقت طلاق الحرة.
فبان أن العدة اثنتان [والثاني: ذكر الحيض عند ذكر البدل وذلك حكم الأبدال أن يذكر أصولها عند ذكرها.
والثالث: قوله ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ والبلوغ اسم للتمام ووفاء بعد المراجعة من بعد الإشراف عليه، وهو بالطهر لا يعلم حتى يرى الدم؛ لأن الطهر لا غاية له، وذلك يمنع على قولهم الرجعة؛ فثبت أنه الحيض؛ لأن له الغاية، وإن لم ينقطع الدم وقت ولما كان الطلاق وقت ابتداء الحرمة، وذلك طهر، ووقت تقضي العدة وقت تمام ذلك، فهو التطهر، مع ما ينقضي سبب الملك باطلاق، ووقته الطهر، وبقية الملك بتقضي العدة، فيجب أن يكون وقته الطهر على إلحاق جميع الفروع مع الأصول، وإلحاق التوابع بالمتبوعين، ولا قوة إلا بالله].
ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض].
وقال الشافعي: قوله : "عدة الأمة حيضتان" أي: قرءان والقرءان هما الطهران.
فيقال له: [أبلغت في المقلة]، وأفرطت في الحجاج، حيث فهمت من الحيض القرء، وهو أوضح عند أهل اللسان بالسماع من المفهوم له به مع ما في ذلك تجهيل رسول الله باللسان، وهو أفصح العرب وأعلم البشر، حيث عبر عن الطهر بالحيض.
ووجه آخر: أنهم اتفقوا على أنه لو طلق في بعض الطهر فالبقية منه عدة، ومثله من الاعتداد قرءان ونصف، والكتاب أوجب الاعتداد بالثلاث؛ فثبت أن الأمر بالاعتداد أمر بالحيض، لا بالإطهار للمعنى الذي وصفنا، وإن كان القرء اسماً للطهر والحيض في اللغة.
ثم الأصل في المسألة: أن أول ابتداء الحل لزوجها ولغيره بالطهر، وكذلك نهاية الحل إنما جعلت بالأطهار.
ثم الأصل: أن ابتداء حرمتها على الزوج الأول بالطهر، فيجعل انتهاء الحرمة في مثله بالطهر.
وحاصل هذا أنه جعل نهاية الحل فيه وفي غيره بما به ابتداء الحل، فكذا يجعل نهاية الحرمة فيه وفي غيره بما به ابتداؤه.
وإذا ثبت أن المنظور في الحل والحرمة في الابتداء بالابتداء، وجب أن يكون المنظور في الحل والحرمة بالانتهاء.
ثم في قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ، وفي نحو هذه الآيات دلالة تأخر البيان، حيث لم يبين ما الأقراء؟، ولم يبين الاعتزال من أي موضع، ومن أي مكان؟، ولم يبين المخالطة في ماذا، وفي أي شيء؟
فالاختلاف فيه باق إلى يوم التناد؛ فبطل قول من ينكر تأخر البيان، وثبت قول من أقر به.
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
ففي الآية دلائل: أحدها: أن ذكر حرمة الكتمان فيمن آمن ليس بشرط فيه دون غيره؛ إذ قد يلزم ذلك من هو غير مؤمن، إذ هو غير مستحسن في العقل.
ففيه الدليل على أن الحكم الموجب لعلة يجوز لزومه فيما ارتفعت عنه تلك العلة وعدمت وهو كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، وقد يلزم (إصلاح ذات البين) في غير الإيمان، وكذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، وقد يلزم ترك الربا للمعاهد، وقد يجوز ذلك للمسلم في غير داره؛ فدل أن الحكم إذا ذكر لعلة في أحد لا يمنع لزوم ذلك في غير المذكور.
قال الشيخ - رحمه الله -: فيه دليل على أن إضافة الحكم إلى سبب لا يمنع حقه ارتفاعه.
وفيه دليل ألا يحل ذلك لمن قد آمن في الخلق؛ لأن حقه التصديق وإظهار الحق، وفي الكتمان والتكذيب ترك ما فيه من الشرط.
والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ .
قال بعضهم: الحبل والحيض.
وكذلك روي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس، رضي الله عنهم، أنهم قالوا: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ : الحبل والحيض؛ فثبت أن موضع الحيض الرحم.
ثم الرحم يشغله الحبل عن خروج الدم؛ فبان أن الحامل لا تحيض.
وعلى ذلك قوله : "إنما ذلك دم عرق انقطع" .
وهو الأمر الظاهر المتعارف في النساء أن الحبل يحبس الدم.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ : الحبل خاصة دون الحيض؛ لوجهين: أحدهما: أنهن في الجاهلية كن يكتمن ذلك فيلحقن بغير الآباء، فأوعدن على ذلك بعد الإسلام؛ فثبت أن الحيض لا يحتمل.
والثاني: أن الحيض لا ينسب بكونه في الرحم، فإذا كان غير منسوب إليه لم يحتمل كونه فيه.
والله أعلم.
لكن الوجه فيه ما ذكرنا من قول الصحابة، وما فيه من الدلالة أنهن مؤتمنات فيما يخبرن؛ لوجهين: أحدهما: ما جاء في الخبر من أن الأمانة أن تؤتمن المرأة على فرجها.
والثاني: لولا أنها ممن يقبل خبرها فيه لما أوعدن على الكتمان.
ثم يحتمل الكتمان من وجهين: أحدهما: أن يكتمن ذلك يستوجبن به الإنفاق من عند أزواجهن بقولهن: العدة باقية، وذلك يحتمل الحيض والحبل جميعاً.
ويحتمل: ما قاله بعض أهل التأويل من إبقاء حق الرجعة.
ويحتمل قول أبي حنيفة، رحمه الله ، في كتمانها، إذ قال في المرأة إذا جاءت بولد في العدة، فشهدت امرأة على الولادة والحبل: لم يكن ظاهراً أن يقبل قولها؛ إذ هي أمرت بالإظهار، والكتمان أورث تهمة في القبول.
ويحتمل: ألا يحل لهن أن يكتمن الحبل فيلحقن بغيرهم من الأزواج.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أنهن لا يملكن الرجعة، ولا منع أزواجهن عن المراجعة، بل ذلك إلى بعولتهن.
ويحتمل: ﴿ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في نكاح في العدة، لا في حق الرجعة؛ إذ الزوج يملك نكاحها في العدة، وغيره من الناس لا يملك، كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾ ، فيه دليل أن قوله: ﴿ ٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ ، إنما عنى به المطلق طلاقاً لم يقطع على نفسه جهة العود.
وقوله في ذلك: ﴿ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً ﴾ ، يحتمل وجوهاً: يحتمل: إصلاح ما بينهن.
ويحتمل: إن أرادوا إمساكهن بالمعروف، كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً ﴾ ، فهو ممسك لها وإن كان مضرّاً.
ثم الأصل في هذا: أنه وإن قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس على ألا يصير ممسكاً لها بغير المعروف.
وأصل هذا: أن ليس في القول بأن ﴿ لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ ، دليل الجواز، والفساد إذا فعل ذلك.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في الوقت الذي يعيد به، أو ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ القروء.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله يقول: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
وقال آخرون: لهن من الكفاف ما عليهن من الخدمة.
وقال غيرهم: لهن من الحق في المهور بتسليم الأزواج إليهن ما عليهن من تسليم الأبضاع إلى الأزاوج؛ فيدل هذا على أن الخلوة، والتسليم منها، يحل محل قبض الحق منها لزوجها.
وقيل: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ ، الحقوق ما تلزمهن من حقوق الأزواج، يلزم مثلها على الأزواج لهن، وإن كانت مختلفة.
وقوله: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
قيل: هو الطلاق بيد الرجل وليس بيدها.
وقيل: هي الإمارة والطاعة والأمر.
وقيل: هي ما فضل الله به عليها من الجهاد والميراث وغيره.
وقيل: لهم من الفضيلة من الولايات والشهادات والعقل، وذلك ليس لهن.
وقيل: هي فضيلة في الحق وبما ساق إليها من المهر.
وقال الشيخ أبو منصور، رحمه الله ، في قوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي من الحقوق على الأزواج.
ثم يحتمل حقوقهن المهر والنفقة، ويحتمل ما أتبع من قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، ويحتمل قضاء ما لها من الحوائج خارج البيت مما به قوام دينها ووقايتها عن النار.
وعليها من الحقوق: مقابل الأول: البذل له وألا يوطئن فرشهن أحداً.
ومقابل الثاني: أن يحسن إليهن في البر باللسان والقول المعروف الذي فيه تطيب نفسه به، كما وصف الحميدة منهن.
"من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا دعوتها أجابتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها".
ومقابل الثالث: ألا تتلقاه بمكروه، ولا تقابله بما يضجره ويغضبه مع الخدمة وكفاية الداخل مما به قوام دينه.
والله أعلم.
و"الدرجة": التي ما له من الملك فيها، والفضل في الحقوق عليها، وما جعل "قواماً عليها"، وغير ذلك.
والله أعلم.
ويحتمل: ما لهن من قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، وعليهن بذل حقهم المعروف، والإحسان إليهم فيما يبغون من الخدمة والقيام بكفاية داخل البيت، مع حفظ ماله عندها، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ .
فيه دلالة أنه يطلق بنيتين بمرتين.
وقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ .
أن له الرجعة بعد طلاقين، بذكره مرتين.
وفيه أن المطلق في الطهر الثالث من غير رجعة مطلق للسنة؛ لما خير بين الإمساك أو التسريح من غير مراجعة، وهو على مالك؛ لأنه يقول: ليس له أن يزيد على تطليقة واحدة إلا أن يراجع.
والتسريح بإحسان: هو التطليقة الثالثة، كذلك "روي عن رسول الله ، أنه سئل عن التسريح بإحسان، فقال: هو التطليقة الثالثة" فإن قيل: أيش الحكمة في ذكر (المعروف) في الإمساك، و(الإحسان) في التسريح.
قيل: وذلك أن في (التسريح) قطع الحقوق التي أوجبها النكاح، فأمر عند قطعها عنها بالإحسان إليها مبتدئا، والإحسان أبداً إنما يكون عند ابتداء الفعل، لا عند المكافأة.
وأما (المعروف) في الإمساك فالنكاح أوجب ذلك؛ كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .
قيل: "الميثاق الغليظ": الحقوق التي أوجب النكاح.
وهذا - والله أعلم - وجه الحكمة، و(المعروف) ما عرفا في النكاح، و(الإحسان) هو ما يبتدئ مما لم يعرفا.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ .
فظاهر هذه الآية الكريمة يوجب ابتداء الخطاب للأزواج، ثم آخرها يوجب الخطاب لهما جميعاً، ثم آخرها يوجب الخطاب لغير الأزواج يحفظ عليهما حدود الصحبة، فيشبه أن يكون في الآية الإضمار (فهما الحكمين)، فيكون كقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ ، فيكونان هما اللذان يحفظان عليها الحد والمحدود.
ويحتمل: أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ للحكام؛ لأنهم هم الذين يتولون النظر في أمور الناس ليقوموهم على حفظ حدود الله.
ثم القول عندنا في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، إذا كان النشوز واقعاً من قبل الزوج فإنه لا يحل له أخذ شيء على الخلع استدلالاً بقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ .
وأما إذا كان النشوز من قبلها فإنه لا بأس أن يأخذ قدر المهر، ويكره الزيادة [وتجوز].
أما قدر المهر فإنه لا بأس إذا كان من قبلها استدلالاً بقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ ، ذكر رفع الحرج عن الذي فدى فيما عنه نهي في غير هذا وهو المؤتمن؛ لذلك قلنا: إنه يجوز إذا كان النشوز من قبلها قدر المهر.
وأما الزيادة فإنها تكره استدلالاً بما روي في الخبر: "أن امرأة أتت رسول الله فذكرت بغض زوجها، فقال: أتردين عليه حديقته؟
فقالت: نعم، وزيادة.
فقال: أما الزيادة فلا" .
ففيه الدلالة أن النشوز إذا كان من قبلها فإنه يجوز قدر المهر.
وقال ابن داود: خالف الشافعي ظاهر الكتاب فيما جعل له أخذ ما فدى والزيادة، والكتاب رفع الحرج عن أخذها ما فدى، لم يجعل له غيره بقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقال ابن شريح: ما ذلك الأخذ في الطلاق، إنما ذلك في الطلاق كرها؛ لأنه ليس في الآية ذكر الطلاق.
واستدل بقوله: {َ ﴿ آتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ ، فجعل له أكل ما أخذ بالوصف الذي ذكره، ثم كان له أخذ ما تبذل في غير الطلاق، فعلى ذلك في الطلاق [وفي الطلاق] أحق.
والله أعلم.
والأصل عندنا: جواز ما بذلت أخذه مما احتيج به الرجل إن كان له ذلك في غير الطلاق، وهو في الطلاق أجوزه؛ لأنها تنتفع، غير أنه يكره له الفضل لما ذكرنا من الآية والخبر.
ثم يجوز هو لأنه تبادل، فكان كالعقود التي تكره لربح ما لم يضمن على الجواز فكذا هذا.
والأصل: بأن الطلاق بالبذل بينها، وهو لو لم يملك البينونة مطلقاً لم يملكه بما شرط؛ فثبت أنه يملك.
وأصله: أنه بالطلاق، ويصرف إليها ما ملك عليها بالعقد فانتفعت بإزاء ما بذلت؛ لذلك سلم للزوج ما أخذ.
والله أعلم.
قال: ويكره أخذ الزيادة بما فيه رفع النكاح، فيصير أخذ ما يأخذ بالذي أعطى، فما يفضل عليه ليس بإزائه بدل، وذلك وصف الربا.
والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ ﴾ : قيل: ﴿ يَخَافَآ ﴾ علما، يعني الرجل والمرأة.
وقيل: علم الحكمان ألا يقيما حدود الله.
وعلى ذلك قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ خِفْتُمْ ﴾ يعني علمتم.
وقيل: الخوف هو الخوف، فكأنه أقرب؛ لأن العلم يكون فيما مضى من الحال أنهما أقاما حدوداً أو لم يقيما.
وأما الخوف في حادث الوقت أمكن؛ لأنه لا يعلم باليقين؛ لذلك كان ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
ثم ختلف في قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: أراد بقوله: (عليهما)، (عليه) خاصة.
وهذا جائز في اللغة إضافة الشيء إلى الاثنين.
والمراد واحد منهما، كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، ومثله كثير.
وقال آخرون: أريدا جميعاً: المرأة بالفداء، والزوج بالأخذ؛ لأن الزوج نهي عن أخذ شيء مما آتاها بقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، ثم أباح ورفع الحرج منه بالأخذ على الشرط.
وقيل: أراد بذلك الزوج خاصة.
وهو ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ .
قيل: إذا لم يفهم بحد من حدود الله ما يفهم من حد الخلق، كيف فهم من استواء الرب ومجيئه من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، و ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ما فهم من استواء الخلق ومجيئهم؟
والاستواء والمجيء إلى احتمال معان أن ينفي عنه التشبيه أكثر من احتمال الحدود التي في الشاهد.
فإذا لم يفهم من هذا ذلك لم يجز أن يفهم من الأول ما فهموا، وقد قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: أحكام الله وسننه.
وقيل: أوامره ونواهيه.
[وقيل: آدابه وهو واحد.] وقوله: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ مستحلاًّ بها، فيكفر بتعديه ذلك، فهو ظالم - ظلم كفر.
ويحتمل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ ﴾ تجاوز أمر الله وما نهاه عنه غير مستحل لها، فهو ظالم نفسه، غير كافر.
وقوله: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ .
هذه الآية رجعت إلى الأولى قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ ، فإن طلقها بعد التطليقتين تطليقة أخرى ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، قيل: التطليقة الثالثة، وعلى ذلك جاء الخبر، وهو واحد عندنا، يدل عليه أيضاً قوله : ﴿ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ .
ويحتمل: عقد النكاح خاصة، دون الجماع من الثاني؛ إذ ليس في الآية ذكر الدخول بها.
وأما عندنا: فهو على الجماع في النكاح الثاني، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا، حتى تذوق من عسيلته ويذوق من عسليتها" ، فيكون النكاح مضمراً، وهو أولى؛ لأن الآية في عقوبة الأول ولا يشتد عليه النكاح حتى يتصل به الوطء.
وفيه دلالة على كراهية التطليقة الثالثة - إذ هي لا تحل له بعدها إلا بعد دخول زوج آخر بها، وذلك مما ينفر عنه الطبع ويكرهه.
وقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
فيه دليل على أن في التراجع إيجاب عقد بهما جميعاً؛ فدل على قطع رجعه الثاني المحل للزوج الأول، وذلك أن لا رجعة فيه لغيره.
وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ ، أضاف (الرد) إلى الأزواج؛ فدل أنهم ينفردون به دونهن.
ثم ذكر الكتاب: ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، جعل سبب الحل على الزوج الأول نكاح الثاني، لم يجز أن ينهى عنه، وقد جعل هو سبب رفع الحرمة؛ إذ مثل هذا - في أحكام الله - لا يوجد ولا يستقيم وهو كالوضوء فيما جعل سبباً لإقامة الصلاة، ولم يجز أن يجعل سبباً لها ثم يكره الإقدام عليه وينهى عنه، وكالتحريم إذ جعل سبباً للدخول بها في الصلاة لم يجز النهي عنها، وبها قوامها، كذا هذا، لما جعل سبباً لرفع الحرمة به لا جائز أن ينهى عنه.
ثم فيه دلالة جواز نكاح المحلل.
فإن سئلنا عن قوله عليه الصلاة والسلام: "لعن الله المحلل المحلل له" .
قيل: لحوق اللعن لأجل النكاح على قصد الفراق والطلاق، ليس لأجل التحليل على الأول، ورفع الحرمة عنه، دليله قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يحب كل ذواق مطلاق" ؛ وذلك لقصده الفراق بنكاح؛ إذ النكاح بني في الأصل على البقاء والدوام عليه، وفيه التعفف، وفي الطلاق زوال ما به يقصد؛ فلهذا لحق ما لحقه من اللعن.
ثم المحلل له لما طلب بنكاح الزوج الثاني ما ينفر عنه الطباع ويكرهه من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها منع لهذا المعنى عن إيقاع الثالثة، لكن إذا تفكر حرمتها عليه إلا بنكاح آخر، انزجر عن ذلك.
ثم العقد نفسه لا ينفر عنه الطباع ولا يكرهه؛ ثبت أن الدخول شرط فيه ليكون زجراً ومنعاً عن ارتكابه.
وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ ﴾ ، يخرج على الترخيص؛ وذلك - والله أعلم - أن الطلاق يحرمها عليه ويبينها منه كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم يحرم فأخبر - عز وجل - وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة - أن هذه الحرمة ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبداً.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
والمطلقات ينتظرن بأنفسهن ثلاث حيض لا يتزوجن خلالها، ولا يجوز لهن أن يُخفين ما خلق الله في أرحامهن من الحمل، إن كن صادقات في الإيمان بالله واليوم الآخر، وأزواجهن المطلقون لهن أحق بمراجعتهن في مدة العدة، إن قصدوا بالمراجعة الألفة وإزالة ما وقع بسبب الطلاق، وللزوجات من الحقوق والواجبات مثل الَّذي لأزواجهن عليهن بما تعارف عليه الناس، وللرجال درجة أعلى عليهن، من القِوَامة وأمر الطلاق، والله عزيز لا يغلبه شيء، حكيم في شرعه وتدبيره.
<div class="verse-tafsir" id="91.OZ8vg"
لما ذكر في الآية السابقة أن للمؤلين من نسائهم حالين الفيئة بالرجوع إلى معاشرتهن، وعزم الطلاق وإمضاءه، ناسب أن يذكر بعده شيئًا من أحكام الطلاق معطوفًا على ما قبله متممًا له فقال: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ إلخ.
المراد بالمطلقات الأزواج اللواتي تحقق فيهن معنى الزوجية وعهدن أن يكن مطلقات، وأن يتزوجن بعد الطلاق، وهن الحرائر ذوات الحيض بقرينة السياق، فلا يأتي هنا ما يقوله الأصوليون في كلمة المطلقات هل اللام فيها للاستغراق أم للجنس؟
وهل هو عام مخصوص أم لا؟
لأن وصل الآية بما قبلها يمنع كل ذلك كما يمنعه التربص بالزواج، ولولا ذلك لكان البحث في موضعه، وأما حكم من لسن كذلك في الطلاق كاليائسة والتي لم تبلغ سن الحيض فمذكور في سورة الطلاق، وهن كأنهن لا يدخلن في مفهوم المطلقات فإن اليائسة من شأنها أن لا تطلق لأن من أمضى زمن الزوجية مع امرأة حتى يئست من المحيض كان من مقتضى الطبع والفطرة ومن أدب الشرع والدين أن يحفظ عهدها ويرعى ودها بإبقائها على عصمة الزوجة، وإن كان بعض السفهاء لا يحترمون تلك العشرة الطويلة، ولا يراعون ذلك الميثاق الغليظ، فيقدمون على طلاق اليائسة، ثم إن اليائسة إذا طلقت فلا تكاد تتزوج، وما خرج عن مقتضى الشرع واستقامة الطبع فلا يعتد به، والتي لم تبلغ سن المحيض قلما تكون زوجًا ومن عقد على مثلها كانت رغبته فيها عظيمة فيندر أن يتحول فيطلق.
وحاصل ما تقدم أن ما يتبادر في هذا المقام من لفظ المطلقات يفيد أنهن الزوجات المعهودات المستعدات للحمل والنسل الذي هو المقصد من الزوجية فينتظر أن يرغب الناس في التزوج بهن.
ومعنى التربص مدة ثلاثة قروء هو أن لا تتزوج المطلقة حتى يمر عليها ثلاثة قروء، وهي جمع قرء بضم القاف وفتحها وطلق في اللغة على حيض المرأة وعلى طهرها منه، والأصل فيه الانتقال من الطهر إلى الحيض كما نقل عن الشافعي في قوله له، ولذلك لا يقال للطاهر التي لم تر الدم ذات قرء أو قروء، ولا للحائض التي استمر لها الدم، فلما كان القرء وسطًا بين الدم والطهر أو عبارة عن الصلة بين هاتين الحالتين عبر به قوم من الفقهاء عن أحدهما وقوم عن الآخر، ولكل منهم شواهد في اللغة أطال المفسرون في إيرادها والترجيح بينها، فالمالكية والشافعية وآل البيت على أن القرء هو الطهر، والحنفية والحنابلة في أصح الروايتين على أن القرء هو الحيض، وأدلة الأولين أقوى والخطب في الخلاف سهل، لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزوج السابق وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة.
وأورد الحكم بلفظ الخبر دون الأمر وغيره من ضروب الإنشاء -كقوله كتب على المطلقات كذا- لتأكيده والاهتمام به، كأنه يقول إن هذا التربص واقع كذلك لا محالة، كما يقول الشيخ عبد القاهر الجرجاني في هذا النوع من الإسناد الخبري في مقام الأمر، فعندما يقال المطلقات يلتفت ذهن السامع ويكون متهيئًا لسماع ما يقال عنهن، فإذا قيل ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ إلخ -وفيه الإسناد والحكم- يتقرر عنده أنه مأمور به أمرًا مؤكدًا كأن قال: إننا أمرناهن بذلك وفرضناه عليهن فامتثلن الأمر وجرين عليه بالاستمرار حتى صار شأنًا من شؤونهن اللازمة لهن لا ينصرفن عنه، بل لا يخطر في البال مخالفتهن له.
وليس في الأمر بصيغته ما يفيد هذا التأكيد والاهتمام، لأن المأمور بالشيء قد يمتثل وقد يخالف.
وهذا الضرب من التعبير معهود في التنزيل في مقام التأكيد والاهتمام يقع في الكتاب مواقعه لا يعدوها، ولا يخفى ذلك على من طعم البلاغة وذاقها.
وفي التعبير بقوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ من الإبداع في الإشارة، والنزاهة في العبارة، ما عهد في كل القرآن، ولم يبلغ مراعاة مثله إنسان، فالكلام في المطلقات وهي معرضات للزواج، وخلو من الأزواج، والأنسب فيه ترك التصريح بما يتشوفن إليه، والاكتفاء بالكناية عما يرغبن فيه، على إقرارهن عليه، وعدم إيئاسهن منه، مع اجتناب إخجالهن، وتوقي تنفيرهن أو التنفير منهن، وقد جمع هذه المعاني قوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ على ما فيه من الإيجاز، الذي هو من مواقع الإعجاز، فأفاد أنه يجب عليهن أن يملكن رغبتهن، ويكففن جماح أنفسهن إلى تمام المدة الممدودة، والعدة المعدودة، ولكن بطريق الرمز والتلويح، لا بطريق الإبانة والتصريح، فإن التربص في حقيقته وظاهر معناه التريث والانتظار، وهو يتعلق بشيء يتريث عنه، وينتظر زوال المدة المضروبة دونه، ولولا كلمة ﴿ بِأَنفُسِهِنَّ ﴾ لما أفادت الجملة تلك المعاني الدقيقة، والكنايات الرشيقة، وما كان ليخطر على بال إنسان يريد إفادة حكم العدة أن يزيد هذه الكلمة على قوله ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ ولو لم تزد لكان الحكم عاريًا عن تأديب النفس والحكم على شعورها ووجدانها، ولعل الإرشاد إلى ما تنطوي عليه نفوس النساء من تلك النزعة في ضمن الإخبار عنهن بأن من شأنهن امتلاكها والتربص بها اختيارًا، هو أشد فعلًا في أنفسهن وأقوى إلزامًا لهن أن يكن كذلك طائعات مختارات، كما أن فيه إكرامًا لهن ولطفًا بهن، إذ لم يؤمرن أمرًا صريحًا، وهذا من الدقائق التي نحمد الله تعالى أن هدانا إلى فهمها، فأنَّى لأمثالنا من البشر أن يأتوا بمثلها؟!.
وزعم بعض الناس أن معنى التربص بالأنفس هنا ضبطها ومنعها أن تقع في غمرة الشهوة المحرمة، وعللوا ذلك بأن النساء أشد شهوة من الرجال.
ومنهم من قدر هذه الشدة والزيادة بأضعاف كثيرة حدها وعدها عدا، وهذا من نبذ الأقوال وطرحها بغير بينة ولا علم، فإن الرجال كانوا وما زالوا هم الذين يطلبون النساء ويرغبون فيهن، ثم يظلمونهن حتى بالتحكم في طبائعهن والحكم على شعورهن، ويأخذ بعضهم ذلك من بعض بالتسليم والتقليد.
ثم بين تعالى حكمة هذا التربص بالزواج في سياق حكم آخر فقال ﴿ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ كما كن يفعلن أحيانًا في الجاهلية إذ كانت المرأة تتزوج بعد فراق رجل بآخر، ويظهر لها أنها حبلى من الأول فتلحق الولد بالثاني، فهذا محرم في الإسلام، لأنه شر ضروب الغش والزور والبهتان، ينفي عن قوم من هو منهم، ويلحق بآخرين من ليس منهم.
وفي ذلك من المضار ما لا يجهل، وقد حرمه الله في الإسلام، وأمر بأن تعتد المرأة بعد فراق زوجها ليظهر أنها بريئة من الحمل، ونهى أن تكتم الحمل إذا علمت به.
واختار كثير من المفسرين أن ما خلق الله في أرحامهن يشمل الولد والحيض وهو المروي عن ابن عمر فقد تكتم المرأة حيضتها، لتطيل أجل عدتها، وذلك محرم أيضًا، وقد فشا في مطلقات هذا الزمان اللواتي لا يطمعن في الزواج، لأن الحكام يفرضون لهن نفقة ما دمن في العدة فيرغبن في استدامة هذه النفقة بكتمان الحيض، وادعاء عدم مرور القروء الثلاثة عليهن، وما يأخذنه بعد انقضاء العدة حرام، وما هن ممن يتفكر في ذلك إذ لا علم لهن بأحكام الحلال والحرام، ولا يبالين ما عساهن يعرفنه منها، لأنهن لم يتربين على آداب الدين وأعماله، بل لم يلقن عقائده ولم يُذَكَّرن بآياته، حتى صار أكثرهن أقرب إلى أهل الإباحة منهن إلى أهل الدين، وإنما يجتنب الحرام ويتحرى الوقوف عند حدود الحلال أهل الإيمان الصحيح، ولذلك قال تعالى عقب النهي ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ وهذا وعيد شديد وتهديد عظيم، كأنه يقول إذا كن يعرفن من أنفسهن الإيمان بالله الذي أنزل الحلال والحرام لمصلحة الناس، وباليوم الآخر الذي يكون فيه الجزاء بالقسطاس، فلا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن، وإلا كن غير مؤمنات بما أنزله الله تعالى من هذه الأحكام التي هي خير لهن ولأزواجهن، وحافظة لحقوقهم وحقوقهن، إذ التصديق الجازم بأن الله تعالى أنزل هذا الحكم وجعل في اتباعه المثوبة والرضوان، وفي تركه الشقاء والخسران يكون سببًا طبيعيًا لامتثاله، مع إعظامه وإجلاله، وعلى هذا الحد ما ورد في الحديث الصحيح: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" إلخ.
فمن لنا بمن يبلغ النساء المؤمنات هذا التشديد؟
ومن لنا بمن يهتم بتلقين البنات عقائد الإيمان، وتربيتهن على الأعمال التي تمكن هذه العقائد في العقل والوجدان، وأي الرجال يفعل هذا والرجال أنفسهم لم يعد لهم هم في الدين إلا قليلًا منهم؟
وهؤلاء يرون النساء متاعًا لا أَناسيَّ مثلهم، فيدعونهن وشأنهن، لا يتفكرون في أسباب ما يلقون من عواقب إهمالهن، ورزايا جهلهن.
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا ﴾ هذا لطف كبير من الله وحرص من الشارع على بقاء العصمة الأولى، فإن المرأة إذا طلقت لأمر من الأمور سواء كان بالإيلاء أو غيره فقلما يرغب فيها الرجال، وأما بعلها المطلق فقد يندم على طلاقها، ويرى أن ما طلقها لأجله لا يقتضي مفارقتها دائمًا، فيرغب في مراجعتها، ولا سيما إذا كانت العشرة السابقة بينهما جرت على طريقتها الفطرية، فأفضى كل منهما إلى الآخر بسره حتى عرف عجره وبجره ، وتمكنت الألفة بينهما على علاتهما.
وإذا كانا قد رزقا الولد فإن الندم على الطلاق يسرع إليهما لأن الحرص الطبيعي على العناية بتربية الولد وكفالته بالاشتراك تغلب بعد زوال أثر المغاضبة العارضة على النفس، وقد يكون أقوى إذا كان الأولاد إناثًا، لهذا حكم الله تعالى لطفًا منه بعباده بأن بعل المطلقة أي زوجها أحق بردها في ذلك أي في زمن التربص وهي العدة.
وفي هذا بيان حكمة أخرى للعدة غير تبين الحمل أو براءة الرحم، وهي إمكان المراجعة، فعلم بذلك أن تربص المطلقات بأنفسهم فيه فائدة لهن وفائدة لأزواجهن.
وإنما يكون بعل المرأة أحق بها في مدة العدة إذا قصد إصلاح ذات البين وحسن المعاشرة، وأما إذا قصد مضارتها ومنعها من التزوج بعد العدة حتى تكون كالمعلقة التي لا يعاشرها معاشرة الأزواج بالحسنى ولا يمكنها من التزوج، فهو آثم بينه وبين الله تعالى بهذه المراجعة، فلا يباح للرجل أن يرد مطلقته إلى عصمته إلا بإرادة إصلاح ذات البين ونية المعاشرة بالمعروف.
والطلاق الذي تحل فيه الرجعة قبل انقضاء العدة يسمى طلاقًا رجعيًا، وهنالك طلاق بائن لا تحل مراجعة المطلقة بعده.
ومن مباحث اللفظ أن كلمة أحق هنا بمعنى حقيقين كما قالوا.
ولما كانت إرادة الإصلاح برد الرجل امرأته إلى عصمته إنما تتحقق بأن يقوم بحقوقها كما يلزمها أن تقوم بحقوقه ذكر جل شأنه حق كل منهما على الآخر بعبارة مجملة تعد ركنًا من أركان الإصلاح في البشر وهي قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ هذه كلمة جليلة جدًا جمعت على إيجازها ما لا يؤدى بالتفصيل إلا في سفر كبير فهي قاعدة كلية ناطقة بأن المرأة مساوية للرجل في جميع الحقوق إلا أمرًا واحدًا عبر عنه بقوله ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ وسيأتي بيانه، وقد أحال في معرفة ما لهن وما عليهن على المعروف بين الناس في معاشراتهم ومعاملاتهم في أهليهم.
وما يجري عليه عرف الناس هو تابع لشرائعهم وعقائدهم وآدابهم وعاداتهم، فهذه الجملة تعطي الرجل ميزانًا يزن به معاملته لزوجته في جميع الشؤون والأحوال، فإذا هم بمطالبتها بأمر من الأمور يتذكر أنه يجب عليه مثله بإزائه، ولهذا قال ابن عباس : إنني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لهذه الآية.
وليس المراد بالمثل المثل بأعيان الأشياء وأشخاصها، وإنما المراد أن الحقوق بينهما متبادلة وأنهما أكفاء، فيا من عمل تعمله المرأة للرجل إلا وللرجل عمل يقابله لها، إن لم يكن مثله في شخصه، فهو مثله في جنسه، فهما متماثلان في الحقوق والأعمال، كما أنهما متماثلان في الذات والإحساس والشعور والعقل، أي أن كلًا منهما بشر تام له عقل يتفكر في مصالحه، و قلب يحب ما يلائمه ويسر به، ويكره ما لا يلائمه وينفر منه، فليس من العدل أن يتحكم أحد الصنفين بالآخر ويتخذه عبدًا يستذله ويستخدمه في مصالحه، ولا سيما بعد عقد الزوجية والدخول في الحياة المشتركة التي لا تكون سعيدة إلا باحترام كل من الزوجين الآخر والقيام بحقوقه.
هذه الدرجة التي رفع النساء إليها، لم يرفعهن إليها دين سابق ولا شريعة من الشرائع، بل لم تصل إليها أمة مل الأمم قبل الإسلام ولا بعده، وهذه الأمم الأوربية التي كان من آثار تقدمها في الحضارة والمدنية أن بالغت في تكريم النساء و احترامهن، وعنيت بتربيتهن وتعليمهن العلوم والفنون، لا تزال دون هذه الدرجة التي رفع الإسلام النساء إليها، ولا تزال قوانين بعضها تمنع المرأة من حق التصرف في مالها بدون إذن زوجها، وغير ذلك من الحقوق التي منحتها إياها الشريعة الإسلامية من نحو ثلاثة عشر قرنًا ونصف، وقد كان النساء في أوروبا منذ خمسين سنة بمنزلة الأرقاء في كل شيء كما كن في عهد الجاهلية عند العرب أو أسوأ حالًا، ونحن لا نقول إن الدين المسيحي أمرهم بذلك، لأننا نعتقد أن تعليم المسيح لم يخلص إليهم كاملًا سالمًا من الإضافات والبدع، ومن المعروف أن ما كانوا عليه من الدين لم يرق المرأة وإنما كان ارتقاؤها من أثر المدنية الجديدة في القرن الماضي.
وقد صار هؤلاء الإفرنج الذين قصرت مدنيتهم عن شريعتنا في إعلاء شأن النساء يفخرون علينا، بل يرموننا بالهمجية في معاملة النساء، ويزعم الجاهلون منهم بالإسلام أن ما نحن عليه هو أثر ديننا.
إن أحد السائحين من الإفرنج زارني في الأزهر وبينا نحن ماران في المسجد رأى الإفرنجي بنتًا مارة فيه، فبهت، وقال: ما هذا؟
أنثى تدخل الجامع!!!
فقلت له: وما وجه الغرابة في ذلك؟
قال: إننا نعتقد أن الإسلام قرر أن النساء ليس لهن أرواح، وليس عليهن عبادة!!
فبينت له غلطه وفسرت له بعض الآيات فيهن.
فانظروا كيف صرنا حجة على ديننا؟
وإلى جهل هؤلاء الناس بالإسلام حتى مثل هذا الرجل الذي هو رئيس لجمعية كبيرة فما بالكم بعامتهم؟!.
إذا كان الله قد جعل للنساء على الرجال مثل ما لهم عليهن إلا ما ميزهم به من الرياسة، فالواجب على الرجال بمقتضى كفالة الرياسة أن يعلموهن ما يمكنهن من القيام بما يجب عليهن ويجعل لهن في النفوس احترامًا يعين على القيام بحقوقهن ويسهل طريقه، فإن الإنسان بحكم الطبع يحترم من يراه مؤدبًا عالمًا بما يجب عليه عامًلا به، ولا يسهل عليه أن يمتهنه أو يهينه، وإن بدرت منه بادرة في حقه رجع على نفسه باللائمة، فكان ذلك زاجرًا له عن مثلها.
خاطب الله تعالى النساء بالإيمان والمعرفة والأعمال الصالحة في العبادات والمعاملات كما خاطب الرجال، وجعل لهن عليهم مثل ما جعله لهم عليهن، و قرن أسماءهن بأسمائهم في آيات كثيرة، وبايع النبي المؤمنات كما بايع المؤمنين، وأمرهن بتعلم الكتاب والحكمة كما أمرهم، وأجمعت الأمة على ما مضى به الكتاب والسنة من أنهن مجزيات على أعمالهن في الدنيا والآخرة، أفيجوز بعد هذا كله أن يحرمن من العلم بما عليهن من الواجبات والحقوق لربهن ولبعولتهن ولأولادهن ولذي القربى وللأمة والملة؟
العلم الإجمالي بما يطلب فعله شرط في توجه النفس إليه، إذ يستحيل أن تتوجه إلى المجهول المطلق، والعلم التفصيلي به المبين لفائدة فعله ومضرة تركه يعد سببًا للعناية بفعله والتوقي من إهماله، فكيف يمكن للنساء أن يؤدين تلك الواجبات والحقوق مع الجهل بها إجمالًا وتفصيلًا؟
وكيف تسعد في الدنيا أو الآخرة أمة نصفها كالبهائم لا يؤدي ما يجب عليه لربه ولا لنفسه ولا لأهله ولا للناس، والنصف الآخر قريب من ذلك لأنه لا يؤدي إلا قليلًا مما يجب عليه من ذلك ويترك الباقي، ومنه إعانة ذلك النصف الضعيف على القيام بما يجب عليه من علم وعمل، أو إلزامه إياه بما له عليه من السلطة والرياسة.
إن ما يجب أن تعلمه المرأة من عقائد دينها وآدابه وعباداته محدود، ولكن ما يطلب منها لنظام بيتها وتربية أولادها ونحو ذلك من أمور الدنيا كأحكام المعاملات -إن كانت في بيت غنى ونعمة- يختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، كما يختلف بحسب ذلك الواجب على الرجال، ألا ترى الفقهاء يوجبون على الرجل النفقة والسكنى والخدمة اللائقة بحال المرأة؟
ألا ترى أن فروض الكفايات قد اتسعت دائرتها؟
فبعد أن كان اتخاذ السيوف والرماح والقسي كافيًا في الدفاع عن الحوزة صار هذا الدفاع متوقفًا على المدافع والبنادق والبوارج وعلى علوم كثيرة صارت واجبة اليوم ولم تكن واجبة ولا موجودة بالأمس، ألم تر أن تمريض المرضى ومداواة الجرحى كان يسيرًا على النساء في عصر النبي وعصر الخلفاء ، وقد صار الآن متوقفًا على تعلم فنون متعددة وتربية خاصة، أي الأمرين أفضل في نظر الإسلام؟
أتمريض المرأة لزوجها إذا هو مرض أم اتخاذ ممرضة أجنبية تطلع على عورته وتكتشف مخبآت بيته؟
وهل يتيسر للمرأة أن تمرض زوجها أو ولدها إذا كانت جاهلة بقانون الصحة وبأسماء الأدوية؟
نعم قد تيسر للكثيرات من الجاهلات قتل مرضاهن بزيادة مقادير الأدوية السامة أو بجعل دواء مكان آخر.
روی ابن النذر و الحاكم و صححه و غيرهما عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في تفسير قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ علموا أنفسكم وأهليكم الخير وأدبوهم.
والمراد بالأهل النساء والأولاد ذكورًا وإناثًا، وزاد بعضهم هنا العبد والأمة، وهو من أهل المكان أُهولًا عمر، وأهل الرجل وتأهل تزوج.
وأهل الرجل زوجه وأهل بيته الذين يسكنون معه فيه والأصل فيه القرابة.
وجمع الأهل أهلون وربما قيل الأهالي.
وإذا كان الرجل يقي نفسه وأهله نار الآخرة بتعليمهم وتأديبهم، فهو كذلك يقيهم بذلك نار الدنيا وهي المعيشة المنغصة بالشقاء وعدم النظام.
والآية تدل على اعتبار العرف في حقوق كل من الزوجين على الآخر ما لم يُحِلّ العرف حرامًا أو يحرم حلالًا مما عرف بالنص، والعرف يختلف باختلاف الناس والأزمنة، ولكن أكثر فقهاء المذاهب المعروفة يقولون إن حق الرجل على المرأة أن لا تمنعه من نفسها بغير عذر شرعي، و حقها عليه النفقة والسكنى إلخ.
وقالوا لا يلزمها عجن ولا خبز ولا طبخ ولا غير ذلك من مصالح بيته أو ماله وملكه.
والأقرب إلى هداية الآية ما قاله بعض المحدثين والحنابلة: قال في حاشية المقنع بعد ذكر القول بأنه لا يجب عليها ما ذكر، وقال أبو بكر بن أبي شيبة والجوزجاني.
عليها ذلك، واحتجا بقضية علي وفاطمة رضي الله عنهما فإن النبي قضى على ابنته بخدمة البيت، وعلى علي ما كان خارجًا من البيت من عمل.
رواه الجوزجاني: من طرق، قال وقد قال :"لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أن رجلًا أمر امرأته أن تنتقل من جبل أسود إلى جبل أحمر أو من جبل أحمر إلى جبل أسود لكان نولها (أي حقها) أن تفعل ذلك "ورواه بإسناده، قال: فهذا طاعة فيما لا منفعة فيه فكيف بمؤنة معاشه؟
وقال الشيخ تقي الدين يجب عليها المعروف من مثلها لمثله.
قال في (الإنصاف) والصواب أن يرجع في ذلك إلى عرف البلد.
ما قضى به النبي بين بنته و ربيبه و صهره (عليهما السلام) هو ما تقضي به فطرة الله تعالى، وهو توزيع الأعمال بين الزوجين على المرأة تدبير المنزل والقيام بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه.
وهذا هو المماثلة بين الزوجين في الجملة، وهو لا ينافي استعانة كل منهما بالخدم والأجراء عند الحاجة إلى ذلك مع القدرة عليه، ولا مساعدة كل منهما للآخر في عمله أحيانًا إذا كانت هناك ضرورة، وإنما ذلك هو الأصل والتقسيم الفطري الذي تقوم به مصلحة الناس وهم لا يستغنون في ذلك ولا في غيره عن التعاون ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ - ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ .
وما قاله الشيخ تقي الدين وما بينه به في (الإنصاف) من الرجوع إلى العرف لا يعدو ما في الآية قيد شعرة.
وإذا أردت أن تعرف مسافة البعد بين ما يعمل أكثر المسلمين وما يعتقدون من شريعتهم، فانظر في معاملتهم لنسائهم، تجدهم يظلمونهن بقدر الاستطاعة، لا يصد أحدهم عن ظلم امرأته إلا العجز، ويحملونهن ما لا يحملنه إلا بالتكلف والجهد، ويكثرون الشكوى من تقصيرهن، ولئن سألتهم عن اعتقادهم فيما يجب لهم عليهن ليقولن كما يقول أكثر فقهائهم: إنه لا يجب لنا عليهن خدمة ولا طبخ، ولا غسل، ولا كنس ولا قرش ، ولا إرضاع طفل ولا تربية ولد، ولا إشراف على الخدم الذين نستأجرهم لذلك، إن يجب عليهن إلا المكث في البيت والتمكين من الاستمتاع، وهذان الأمران عدميان، أي عدم الخروج من المنزل بغير إذن، وعدم المعارضة بالاستمتاع، فالمعنى أنه لا يجب عليهن للرجال عمل قط، ولا للأولاد مع وجود آبائهم أيضًا.
وأما قوله تعالى ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ فهو يوجب على المرأة شيئًا وعلى الرجل أشياء.
ذلك أن هذه الدرجة هي درجة الرياسة والقيام على المصالح المفسرة بقوله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ فالحياة الزوجية حياة اجتماعية ولا بد لكل اجتماع من رئيس لأن المجتمعين لا بد أن تختلف آراؤهم ورغباتهم في بعض الأمور، ولا تقوم مصلحتهم إلا إذا كان لهم رئيس يرجع إلى رأيه في الخلاف لئلا يعمل كل على ضد الآخر فتفصم عروة الوحدة الجامعة ويختل النظام، والرجل أحق بالرياسة لأنه أعلم بالمصلحة، وأقدر على التنفيذ بقوته وماله، ومن ثم كان المطالب شرعًا بحماية المرأة والنفقة عليها، وكانت هي مطالبة بطاعته في المعروف، فإن نشزت عن طاعته كان له تأديبها بالوعظ والهجر والضرب غير المبرح إن تعين تأديبًا، يجوز ذلك لرئيس البيت لأجل مصلحة العشيرة وحسن العشرة، كما يجوز مثله لقائد الجيش ولرئيس الأمة لأجل مصلحة الجماعة.
وأما الاعتداء على النساء لأجل التحكم أو التشفي أو شفاء الغيظ فهو من الظلم الذي لا يجوز بحال، قال :"كلكم راعٍ و كلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤول عن رعيتها -إلى أن قال- فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" وسيأتي تفصيل لهذه السلطة في سورة النساء إن شاء الله تعالى.
وختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ولذكر العزة والحكمة ههنا وجهان: أحدهما - إعطاء المرأة من الحقوق على الرجل مثل ما له عليها بعد أن كانت مهضومة الحقوق عند العرب وجميع الأمم.
والثاني - جعل الرجل رئيسًا عليها، فكأن من لم يرض بهذه الأحكام الحكيمة يكون منازعًا لله تعالى في عزة سلطانه، ومنكرًا لحكمته في أحكامه، فهي تتضمن الوعيد على المخالفة كما عهدنا من سنة القرآن <div class="verse-tafsir"