الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 204 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٣٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره أي : أنه إذا طلق الرجل امرأته طلقة ثالثة بعد ما أرسل عليها الطلاق مرتين ، فإنها تحرم عليه حتى تنكح زوجا غيره ، أي : حتى يطأها زوج آخر في نكاح صحيح ، فلو وطئها واطئ في غير نكاح ، ولو في ملك اليمين لم تحل للأول ; لأنه ليس بزوج ، وهكذا لو تزوجت ، ولكن لم يدخل بها الزوج لم تحل للأول ، واشتهر بين كثير من الفقهاء عن سعيد بن المسيب ، رحمه الله ، أنه يقول : يحصل المقصود من تحليلها للأول بمجرد العقد على الثاني .
وفي صحته عنه نظر ، على أن الشيخ أبا عمر بن عبد البر قد حكاه عنه في الاستذكار ، فالله أعلم .
وقد قال أبو جعفر بن جرير ، رحمه الله : حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، عن سالم بن رزين ، عن سالم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة ، فيتزوجها زوج آخر فيطلقها ، قبل أن يدخل بها : أترجع إلى الأول ؟
قال : " لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها " .
هكذا وقع في رواية ابن جرير ، وقد رواه الإمام أحمد فقال : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن علقمة بن مرثد ، سمعت سالم بن رزين يحدث عن سالم بن عبد الله ، يعني : ابن عمر ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : في الرجل تكون له المرأة فيطلقها ، ثم يتزوجها رجل فيطلقها قبل أن يدخل بها ، فترجع إلى زوجها الأول ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حتى يذوق العسيلة " .
وهكذا رواه النسائي ، عن عمرو بن علي الفلاس ، وابن ماجه عن محمد بن بشار بندار كلاهما عن محمد بن جعفر غندر ، عن شعبة ، به كذلك .
فهذا من رواية سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا ، على خلاف ما يحكى عنه ، فبعيد أن يخالف ما رواه بغير مستند ، والله أعلم .
وقد روى أحمد أيضا ، والنسائي ، وابن جرير هذا الحديث من طريق سفيان الثوري ، عن علقمة بن مرثد ، عن رزين بن سليمان الأحمري ، عن ابن عمر قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر ، فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها ، قبل أن يدخل بها : هل تحل للأول ؟
قال : " لا حتى يذوق العسيلة " .
وهذا لفظ أحمد ، وفي رواية لأحمد : سليمان بن رزين .
حديث آخر : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا محمد بن دينار ، حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي ، عن أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثا فتزوجت بعده رجلا فطلقها قبل أن يدخل بها : أتحل لزوجها الأول ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته " .
ورواه ابن جرير ، عن محمد بن إبراهيم الأنماطي ، عن هشام بن عبد الملك ، حدثنا محمد بن دينار ، فذكره .
قلت : ومحمد بن دينار بن صندل أبو بكر الأزدي ثم الطاحي البصري ، ويقال له : ابن أبي الفرات : اختلفوا فيه ، فمنهم من ضعفه ، ومنهم من قواه وقبله وحسن له .
وقال أبو داود : أنه تغير قبل موته ، فالله أعلم .
حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني ، حدثنا أبي ، حدثنا شيبان ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي الحارث الغفاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا فتتزوج زوجا غيره ، فيطلقها قبل أن يدخل بها ، فيريد الأول أن يراجعها ، قال : " لا حتى يذوق الآخر عسيلتها " .
ثم رواه من وجه آخر عن شيبان ، وهو ابن عبد الرحمن ، به .
وأبو الحارث غير معروف .
حديث آخر : قال ابن جرير : حدثنا ابن مثنى ، حدثنا يحيى ، عن عبيد الله ، حدثنا القاسم ، عن عائشة : أن رجلا طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجت زوجا فطلقها قبل أن يمسها ، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحل للأول ؟
فقال : " لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول " .
أخرجه البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، من طرق ، عن عبيد الله بن عمر العمري ، عن القاسم بن عبد الرحمن بن أبي بكر ، عن عمته عائشة ، به .
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثنا عبيد الله بن إسماعيل الهباري ، وسفيان بن وكيع ، وأبو هشام الرفاعي قالوا : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ، فتزوجت رجلا غيره ، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها : أتحل لزوجها الأول ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته " .
وكذا رواه أبو داود عن مسدد ، والنسائي عن أبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، وهو محمد بن خازم الضرير ، به .
طريق أخرى : قال مسلم في صحيحه : حدثنا محمد بن العلاء الهمداني ، حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن المرأة يتزوجها الرجل فيطلقها ، فتتزوج رجلا فيطلقها قبل أن يدخل بها : أتحل لزوجها الأول ؟
قال : " لا حتى يذوق عسيلتها " .
قال مسلم : وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا ابن فضيل : وحدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو معاوية جميعا ، عن هشام بهذا الإسناد .
وقد رواه البخاري من طريق أبي معاوية محمد بن حازم ، عن هشام به .
وتفرد به مسلم من الوجهين الآخرين .
وهكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الله بن المبارك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعا بنحوه أو مثله .
وهذا إسناد جيد .
وكذا رواه ابن جرير أيضا ، من طريق علي بن زيد بن جدعان ، عن امرأة أبيه أمينة أم محمد عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله .
وهذا السياق مختصر من الحديث الذي رواه البخاري : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا يحيى ، عن هشام ، حدثني أبي ، عن عائشة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وحدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها ، فتزوجت آخر فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرت له أنه لا يأتيها ، وأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب فقال : " لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " .
تفرد به من هذين الوجهين .
طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : دخلت امرأة رفاعة القرظي وأنا وأبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن رفاعة طلقني البتة ، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني ، وإنما عنده مثل الهدبة ، وأخذت هدبة من جلبابها ، وخالد بن سعيد بن العاص بالباب لم يؤذن له ، فقال : يا أبا بكر ، ألا تنهى هذه عما تجهر به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم !
فما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على التبسم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كأنك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " .
وهكذا رواه البخاري من حديث عبد الله بن المبارك ، ومسلم من حديث عبد الرزاق ، والنسائي من حديث يزيد بن زريع ، ثلاثتهم عن معمر به .
وفي حديث عبد الرزاق عند مسلم : أن رفاعة طلقها آخر ثلاث تطليقات .
وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طريق سفيان بن عيينة ، والبخاري من طريق عقيل ، ومسلم من طريق يونس بن يزيد [ وعنده ثلاث تطليقات ، والنسائي من طريق أيوب بن موسى ، ورواه صالح بن أبي الأخضر ] كلهم عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، به .
وقال مالك عن المسور بن رفاعة القرظي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير : أن رفاعة بن سموال طلق امرأته تميمة بنت وهب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ، فنكحت عبد الرحمن بن الزبير ، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ، ففارقها ، فأراد رفاعة أن ينكحها ، وهو زوجها الأول الذي كان طلقها ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنهاه عن تزويجها ، وقال : " لا تحل لك حتى تذوق العسيلة " كذا رواه أصحاب الموطأ عن مالك وفيه انقطاع .
وقد رواه إبراهيم بن طهمان ، وعبد الله بن وهب ، عن مالك ، عن رفاعة ، عن الزبير بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، فوصله .
فصل والمقصود من الزوج الثاني أن يكون راغبا في المرأة ، قاصدا لدوام عشرتها ، كما هو المشروع من التزويج ، واشترط الإمام مالك مع ذلك أن يطأها الثاني وطئا مباحا ، فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض أو نفساء أو والزوج صائم أو محرم أو معتكف ، لم تحل للأول بهذا الوطء .
وكذا لو كان الزوج الثاني ذميا لم تحل للمسلم بنكاحه ; لأن أنكحة الكفار باطلة عنده .
واشترط الحسن البصري فيما حكاه عنه الشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ينزل الزوج الثاني ، وكأنه تمسك بما فهمه من قوله عليه السلام : " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " ، ويلزم على هذا أن تنزل المرأة أيضا .
وليس المراد بالعسيلة المني لما رواه الإمام أحمد والنسائي ، عن عائشة رضي الله عنها : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا إن العسيلة الجماع " فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول ، فهذا هو المحلل الذي وردت الأحاديث بذمه ولعنه ، ومتى صرح بمقصوده في العقد بطل النكاح عند جمهور الأئمة .
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك الحديث الأول : عن ابن مسعود .
قال الإمام أحمد : حدثنا الفضل بن دكين ، حدثنا سفيان ، عن أبي قيس ، عن الهذيل ، عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة ، والواصلة والمستوصلة ، والمحلل والمحلل له ، وآكل الربا وموكله .
ثم رواه أحمد ، والترمذي ، والنسائي من غير وجه ، عن سفيان ، وهو الثوري ، عن أبي قيس واسمه عبد الرحمن بن ثروان الأودي ، عن هزيل بن شرحبيل الأودي ، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم به .
ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
قال : والعمل على هذا عند أهل العلم من الصحابة ، منهم : عمر ، وعثمان ، وابن عمر .
وهو قول الفقهاء من التابعين ، ويروى ذلك عن علي ، وابن مسعود ، وابن عباس .
طريق أخرى : عن ابن مسعود .
قال الإمام أحمد : حدثنا زكريا بن عدي ، حدثنا عبيد الله ، عن عبد الكريم ، عن أبي الواصل ، عن ابن مسعود ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله المحلل والمحلل له " .
طريق أخرى : روى الإمام أحمد ، والنسائي ، من حديث الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن الحارث الأعور ، عن عبد الله بن مسعود قال : آكل الربا وموكله ، وشاهداه وكاتبه إذا علموا به ، والواصلة ، والمستوصلة ، ولاوي الصدقة ، والمتعدي فيها ، والمرتد على عقبيه إعراضا بعد هجرته ، والمحلل والمحلل له ، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة .
الحديث الثاني : عن علي رضي الله عنه .
قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا سفيان ، عن جابر [ وهو ابن يزيد الجعفي ] عن الشعبي ، عن الحارث ، عن علي قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله ، وشاهديه وكاتبه ، والواشمة والمستوشمة للحسن ، ومانع الصدقة ، والمحلل ، والمحلل له ، وكان ينهى عن النوح .
وكذا رواه عن غندر ، عن شعبة ، عن جابر ، وهو ابن يزيد الجعفي ، عن الشعبي عن الحارث ، عن علي ، به .
وكذا رواه من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، وحصين بن عبد الرحمن ، ومجالد بن سعيد ، وابن عون ، عن عامر الشعبي ، به .
وقد رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث الشعبي ، به .
ثم قال أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله ، حدثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب الربا ، وآكله ، وكاتبه ، وشاهده ، والمحلل ، والمحلل له .
الحديث الثالث : عن جابر : قال الترمذي : حدثنا أبو سعيد الأشج ، أخبرنا أشعث بن عبد الرحمن بن زبيد اليامي ، حدثنا مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله وعن الحارث ، عن علي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له ثم قال : وليس إسناده بالقائم ، ومجالد ضعفه غير واحد من أهل العلم ، منهم أحمد بن حنبل .
قال : ورواه ابن نمير ، عن مجالد ، عن الشعبي ، عن جابر بن عبد الله ، عن علي .
قال : وهذا وهم من ابن نمير ، والحديث الأول أصح .
الحديث الرابع : عن عقبة بن عامر : قال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه : حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح المصري ، حدثنا أبي ، سمعت الليث بن سعد يقول : قال أبو مصعب مشرح هو : ابن عاهان ، قال عقبة بن عامر : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا أخبركم بالتيس المستعار ؟
" قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : " هو المحلل ، لعن الله المحلل والمحلل له " .
تفرد به ابن ماجه .
وكذا رواه إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، عن عثمان بن صالح ، عن الليث ، به ، ثم قال : كانوا ينكرون على عثمان في هذا الحديث إنكارا شديدا .
قلت : عثمان هذا أحد الثقات ، روى عنه البخاري في صحيحه .
ثم قد تابعه غيره ، فرواه جعفر الفريابي عن العباس المعروف بابن فريق عن أبي صالح عبد الله بن صالح ، عن الليث به ، فبرئ من عهدته والله أعلم .
الحديث الخامس : عن ابن عباس .
قال ابن ماجه : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو عامر ، عن زمعة بن صالح ، عن سلمة بن وهرام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له .
طريق أخرى : قال الإمام الحافظ خطيب دمشق أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني السعدي : حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحلل قال : " لا إلا نكاح رغبة ، لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ، ثم يذوق عسيلتها " .
ويتقوى هذان الإسنادان بما رواه أبو بكر بن أبي شيبة ، عن حميد بن عبد الرحمن ، عن موسى بن أبي الفرات ، عن عمرو بن دينار ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو من هذا فيتقوى كل من هذا المرسل والذي قبله بالآخر ، والله أعلم .
الحديث السادس : عن أبي هريرة .
قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عامر ، حدثنا عبد الله ، هو ابن جعفر ، عن عثمان بن محمد المقبري ، عن أبي هريرة قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له .
وهكذا رواه أبو بكر بن أبي شيبة ، والجوزجاني ، والبيهقي ، من طريق عبد الله بن جعفر القرشي .
وقد وثقه أحمد بن حنبل ، وعلي بن المديني ، ويحيى بن معين وغيرهم .
وأخرج له مسلم في صحيحه ، عن عثمان بن محمد الأخنسي وثقه ابن معين عن سعيد المقبري ، وهو متفق عليه .
الحديث السابع : عن ابن عمر .
قال الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو العباس الأصم ، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا أبو غسان محمد بن مطرف المدني ، عن عمر بن نافع ، عن أبيه أنه قال : جاء رجل إلى ابن عمر ، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثا ، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ، ليحلها لأخيه : هل تحل للأول ؟
فقال : لا إلا نكاح رغبة ، كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ثم قال : هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
وقد رواه الثوري ، عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر ، به .
وهذه الصيغة مشعرة بالرفع .
وهكذا روى أبو بكر بن أبي شيبة ، والجوزجاني ، وحرب الكرماني ، وأبو بكر الأثرم ، من حديث الأعمش ، عن المسيب بن رافع ، عن قبيصة بن جابر ، عن عمر أنه قال : لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما .
وروى البيهقي من حديث ابن لهيعة ، عن بكير بن الأشج ، عن سليمان بن يسار : أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوج امرأة ليحلها لزوجها ، ففرق بينهما .
وكذا روي عن علي ، وابن عباس ، وغير واحد من الصحابة ، رضي الله عنهم .
وقوله : فإن طلقها أي : الزوج الثاني بعد الدخول بها فلا جناح عليهما أن يتراجعا أي : المرأة والزوج الأول إن ظنا أن يقيما حدود الله أي : يتعاشرا بالمعروف [ وقال مجاهد : إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة ] وتلك حدود الله أي : شرائعه وأحكامه ( يبينها ) أي : يوضحها لقوم يعلمون وقد اختلف الأئمة ، رحمهم الله ، فيما إذا طلق الرجل امرأته طلقة أو طلقتين ، وتركها حتى انقضت عدتها ، ثم تزوجت بآخر فدخل بها ، ثم طلقها فانقضت عدتها ، ثم تزوجها الأول : هل تعود إليه بما بقي من الثلاث ، كما هو مذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وهو قول طائفة من الصحابة ، رضي الله عنهم ؟
أو يكون الزوج الثاني قد هدم ما قبله من الطلاق ، فإذا عادت إلى الأول تعود بمجموع الثلاث ، كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه رحمهم الله ؟
وحجتهم أن الزوج الثاني إذا هدم الثلاث فلأن يهدم ما دونها بطريق الأولى والأحرى ، والله أعلم .
فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره القول في تأويل قوله تعالى : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } اختلف أهل التأويل فيما دل عليه هذا القول من الله تعالى ذكره ; فقال بعضهم : دل على أنه إن طلق الرجل امرأته التطليقة الثالثة بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : { الطلاق مرتان } فإن امرأته تلك لا تحل له بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجا غيره , يعني به غير المطلق .
ذكر من قال ذلك : 3856 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قال : جعل الله الطلاق ثلاثا , فإذا طلقها واحدة فهو أحق بها ما لم تنقض العدة , وعدتها ثلاث حيض , فإن انقضت العدة قبل أن يكون راجعها فقد بانت منه , وصارت أحق بنفسها , وصار خاطبا من الخطاب , فكان الرجل إذا أراد طلاق أهله نظر حيضتها , حتى إذا طهرت طلقها تطليقة في قبل عدتها عند شاهدي عدل , فإن بدا له مراجعتها راجعها ما كانت في عدتها , وإن تركها حتى تنقضي عدتها فقد بانت منه بواحدة , وإن بدا له طلاقها بعد الواحدة وهي في عدتها نظر حيضتها , حتى إذا طهرت طلقها تطليقة أخرى في قبل عدتها , فإن بدا له مراجعتها راجعها , فكانت عنده على واحدة , وإن بدا له طلاقها طلقها الثالثة عند طهرها , فهذه الثالثة التي قال الله تعالى ذكره : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } 3857 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس قوله : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } يقول : إن طلقها ثلاثا , فلا تحل حتى تنكح زوجا غيره .
3858 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين فله الرجعة ما لم تنقض العدة , قال : والثالثة قوله : { فإن طلقها } يعني بالثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره .
* حدثنا يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , بنحوه .
3859 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فإن طلقها } بعد التطليقتين فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره , وهذه الثالثة وقال آخرون : بل دل هذا القول على ما يلزم مسرح امرأته بإحسان بعد التطليقتين اللتين قال الله تعالى ذكره فيهما : { الطلاق مرتان } قالوا : وإنما بين الله تعالى ذكره بهذا القول عن حكم قوله : { أو تسريح بإحسان } وأعلم أنه إن سرح الرجل امرأته بعد التطليقتين فلا تحل له المسرحة كذلك إلا بعد زوج .
ذكر من قال ذلك : 3860 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غير } قال : عاد إلى قوله : { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } .
* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
قال أبو جعفر : والذي قاله مجاهد في ذلك عندنا أولى بالصواب للذي ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي رويناه عنه أنه قال : أو سئل فقيل : هذا قول الله تعالى ذكره : { الطلاق مرتان } فأين الثالثة ؟
قال : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " .
فأخبر صلى الله عليه وسلم , أن الثالثة إنما هي قوله : { أو تسريح بإحسان } فإذ كان التسريح بالإحسان هو الثالثة , فمعلوم أن قوله : { فإن طلقها فلا تحل لا من بعد حتى تنكح زوجا غيره } من الدلالة على التطليقة الثالثة بمعزل , وأنه إنما هو بيان عن الذي يحل للمسرح بالإحسان إن سرح زوجته بعد التطليقتين , والذي يحرم عليه منها , والحال التي يجوز له نكاحها فيها , وإعلام عباده أن بعد التسريح على ما وصفت لا رجعة للرجل على امرأته .
فإن قال قائل : فأي النكاحين عنى الله بقوله : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } النكاح الذي هو جماع أم النكاح الذي هو عقد تزويج ؟
قيل : كلاهما , وذلك أن المرأة إذا نكحت رجلا نكاح تزويج لم يطأها في ذلك النكاح ناكحها ولم يجامعها حتى يطلقها لم تحل للأول , وكذلك إن وطئها واطئ بغير نكاح لم تحل للأول بإجماع الأمة جميعا .
فإذ كان ذلك كذلك , فمعلوم أن تأويل قوله : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } نكاحا صحيحا , ثم يجامعها فيه , ثم يطلقها .
فإن قال : فإن ذكر الجماع غير موجود في كتاب الله تعالى ذكره , فما الدلالة على أن معناه ما قلت ؟
قيل : الدلالة على ذلك إجماع الأمة جميعا على أن ذلك معناه .
وبعد , فإن الله تعالى ذكره قال : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } فلو نكحت زوجا غيره بعقب , الطلاق قبل انقضاء عدتها , كان لا شك أنها ناكحة نكاحا بغير المعنى الذي أباح الله تعالى ذكره لها ذلك به , وإن لم يكن ذكر العدة مقرونا بقوله : { فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } لدلالته على أن ذلك كذلك بقوله : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ; وكذلك قوله : { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وإن لم يكن مقرونا به ذكر الجماع والمباشرة والإفضاء فقد دل على أن ذلك كذلك بوحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيانه ذلك على لسانه لعباده .
ذكر الأخبار المروية بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : 3861 - حدثني عبيد الله بن إسماعيل الهباري , وسفيان بن وكيع , وأبو هشام الرفاعي , قالوا : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن إبراهيم , عن الأسود , عن عائشة , قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت رجلا غيره فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها , أتحل لزوجها الأول ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تحل لزوجها الأول حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته " .
* حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , نحوه .
3862 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا ابن عيينة , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قال : سمعتها تقول : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت : كنت عند رفاعة فطلقني , فبت طلاقي , فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير , وإن ما معه مثل هدبة الثوب , فقال لها : " تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟
لا , حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " .
* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني يونس , عن ابن شهاب , عن عروة , عن عائشة , نحوه .
* حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني الليث , قال : ثني عقيل , عن ابن شهاب , قال : ثنى عروة بن الزبير , أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أن امرأة رفاعة القرظي جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله , فذكر مثله .
3863 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة أن رفاعة القرظي طلق امرأته , فبت طلاقها , فتزوجها بعد عبد الرحمن بن الزبير , فجاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا نبي الله إنها كانت عند رفاعة , فطلقها آخر ثلاث تطليقات , فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير , وإنه والله ما معه يا رسول الله إلا مثل الهدبة .
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قال لها : " لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟
لا , حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " قالت : وأبو بكر جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم وخالد بن سعيد بن العاص بباب الحجرة لم يؤذن له , فطفق خالد ينادي يا أبا بكر يقول : يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تجهر به عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
.
3864 - حدثنا محمد بن يزيد الأودي , قال : ثنا يحيى بن سليم , عن عبيد الله , عن القاسم , عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا حتى يذوق من عسيلتها ما ذاق الأول " .
* حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا معتمر بن سليمان , قال : سمعت عبيد الله , قال : سمعت القاسم يحدث عن عائشة , قال : قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا حتى يذوق من عسيلتها ما ذاق صاحبه " .
* حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا يحيى , عن عبيد الله , قال : ثنا القاسم , عن عائشة , أن رجلا طلق امرأته ثلاثا , فتزوجت زوجا , فطلقها قبل أن يمسها , فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحل للأول ؟
قال : " لا حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول " .
3865 - حدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا موسى بن عيسى الليثي , عن زائدة , عن علي بن زيد , عن أم محمد , عن عائشة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره , فيذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه " .
3866 - حدثني العباس بن أبي طالب , قال : أخبرنا سعيد بن حفص الطلحي , قال : أخبرنا شيبان , عن يحيى , عن أبي الحارث الغفاري , عن أبي هريرة , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال : " وحتى يذوق عسيلتها " .
3867 - حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس العسقلاني , قال : ثني أبي , قال : ثنا شيبان , قال : ثنا يحيى بن أبي كثير , عن أبي الحارث الغفاري , عن أبي هريرة , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرأة يطلقها زوجها ثلاثا , فتتزوج غيره , فيطلقها قبل أن يدخل بها , فيريد الأول أن يراجعها , قال : " لا , حتى يذوق عسيلتها " .
3868 - حدثني محمد بن إبراهيم الأنماطي , قال : ثنا هشام بن عبد الملك , قال : ثنا محمد بن دينار , قال : حدثنا يحيى بن يزيد الهنائي , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل طلق امرأته ثلاثا , فتزوجها آخر فطلقها قبل أن يدخل بها , أترجع إلى زوجها الأول ؟
قال : " لا , حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته " .
3869 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , ويعقوب بن ماهان , قالا : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يحيى بن أبي إسحاق , عن سليمان بن يسار , عن عبيد الله بن العباس : أن الغميصاء أو الرميصاء جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو زوجها , وتزعم أنه لا يصل إليها , قال : فما كان إلا يسيرا حتى جاء زوجها , فزعم أنها كاذبة , ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره " .
3870 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن علقمة بن مرثد , عن سالم بن رزين الأحمري , عن سالم بن عبد الله , عن سعيد بن المسيب , عن ابن عمر , عن النبي صلى الله عليه وسلم في رجل يتزوج المرأة فيطلقها قبل أن يدخل بها البتة , فتتزوج زوجا آخر , فيطلقها قبل أن يدخل بها , أترجع إلى الأول ؟
قال : " لا حتى تذوق عسيلته ويذوق عسيلتها " .
* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن , قال : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن رزين الأحمري , عن ابن عمر , عن النبي أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا , فيتزوجها رجل , فأغلق الباب , فطلقها قبل أن يدخل بها , أترجع إلى زوجها الآخر ؟
قال : " لا حتى يذوق عسيلتها " .
* حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن علقمة بن مرثد , عن سليمان بن رزين , عن ابن عمر أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن رجل طلق امرأته , فتزوجت بعده , ثم طلقها أو مات عنها , أيتزوجها الأول ؟
قال : " لا حتى تذوق عسيلته " .فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله القول في تأويل قوله تعالى : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } يعني تعالى ذكره بقوله : { فإن طلقها } فإن طلق المرأة التي بانت من زوجها بآخر التطليقات الثلاث بعد ما نكحها مطلقها الثاني , زوجها الذي نكحها بعد بينونتها من الأول ; { فلا جناح عليهما } يقول تعالى ذكره : فلا حرج على المرأة التي طلقها هذا الثاني من بعد بينونتها من الأول , وبعد نكاحه إياها , وعلى الزوج الأول الذي كانت حرمت عليه ببينونتها منه بآخر التطليقات أن يتراجعا بنكاح جديد .
كما : 3871 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : { فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله } يقول : إذا تزوجت بعد الأول , فدخل الآخر بها , فلا حرج على الأول أن يتزوجها إذا طلق الآخر أو مات عنها , فقد حلت له .
3872 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا هشام , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك , قال : إذا طلق واحدة أو ثنتين , فله الرجعة ما لم تنقض العدة .
قال : والثالثة قوله : { فإن طلقها } يعني الثالثة فلا رجعة له عليها حتى تنكح زوجا غيره , فيدخل بها , فإن طلقها هذا الأخير بعد ما يدخل بها , فلا جناح عليهما أن يتراجعا - يعني الأول - إن ظنا أن يقيما حدود الله .
وأما قوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } فإن معناه : إن رجوا مطمعا أن يقيما حدود الله .
وإقامتهما حدود الله : العمل بها , وحدود الله : ما أمرهما به , وأوجب بكل واحد منهما على صاحبه , وألزم كل واحد منهما بسبب النكاح الذي يكون بينهما .
وقد بينا معنى الحدود ومعنى إقامة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع .
وكان مجاهد يقول في تأويل قوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } ما : 3873 - حدثني به محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { إن ظنا أن يقيما حدود الله } إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة .
* حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
وقد وجه بعض أهل التأويل قوله { إن ظنا } إلى أنه بمعنى : إن أيقنا .
وذلك ما لا وجه له , لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى ذكره .
فإذ كان ذلك كذلك , فما المعنى الذي به يوقن الرجل والمرأة أنهما إذا تراجعا أقاما حدود الله ؟
ولكن معنى ذلك كما قال تعالى ذكره : { إذ ظنا } بمعنى طمعا بذلك ورجواه ; " وأن " التي في قوله { أن يقيما } في موضع نصب ب " ظنا " , و " أن " التي في { أن يتراجعا } جعلها بعض أهل العربية في موضع نصب بفقد الخافض , لأن معنى الكلام : فلا جناح عليهما في أن يتراجعا , فلما حذفت " في " التي كانت تخفضها نصبها , فكأنه قال : فلا جناح عليهما تراجعهما .
وكان بعضهم يقول : موضعه خفض , وإن لم يكن معها خافضها , وإن كان محذوفا فمعروف موضعه .وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون القول في تأويل قوله تعالى : { وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون } يعني تعالى ذكره بقوله : { وتلك حدود الله } هذه الأمور التي بينها لعباده في الطلاق والرجعة والفدية والعدة والإيلاء وغير ذلك مما يبينه لهم في هذه الآيات , حدود الله معالم فصول حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته , { يبينها } : يفصلها , فيميز بينها , ويعرفهم أحكامها لقوم يعلمونها إذا بينها الله لهم , فيعرفون أنها من عند الله , فيصدقون بها , ويعملون بما أودعهم الله من علمه , دون الذين قد طبع الله على قلوبهم , وقضى عليهم أنهم لا يؤمنون بها , ولا يصدقون بأنها من عند الله , فهم يجهلون أنها من الله , وأنها تنزيل من حكيم حميد .
ولذلك خص القوم الذي يعلمون بالبيان دون الذين يجهلون , إذ كان الذين يجهلون أنها من عنده قد آيس نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من تصديق كثير منهم بها , وإن كان بينها لهم من وجه الحجة عليهم ولزوم العمل لهم بها , وإنما أخرجها من أن تكون بيانا لهم من وجه تركهم الإقرار والتصديق به .
قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون قوله تعالى : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : احتج بعض مشايخ خراسان من الحنفية بهذه الآية على أن المختلعة يلحقها الطلاق ، قالوا : فشرع الله سبحانه صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق ؛ لأن الفاء حرف تعقيب ، فيبعد أن يرجع إلى قوله : الطلاق مرتان لأن الذي تخلل من الكلام يمنع بناء قوله فإن طلقها على قوله الطلاق مرتان بل الأقرب عوده على ما يليه كما في الاستثناء ولا يعود إلى ما تقدمه إلا بدلالة ، كما أن قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فصار مقصورا على ما يليه غير عائد على ما تقدمه حتى لا يشترط الدخول في أمهات النساء .وقد اختلف العلماء في الطلاق بعد الخلع في العدة ، فقالت طائفة : إذا خالع الرجل زوجته ثم طلقها وهي في العدة لحقها الطلاق ما دامت في العدة ، كذلك قال سعيد بن المسيب وشريح وطاوس والنخعي والزهري والحكم وحماد والثوري وأصحاب الرأي .
وفيه قول ثان وهو ( أن الطلاق لا يلزمها ) ، وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، وهو قول مالك إلا أن مالكا قال : إن افتدت منه على أن يطلقها ثلاثا متتابعا نسقا حين طلقها فذلك ثابت عليه ، وإن كان بين ذلك صمات فما أتبعه بعد الصمات فليس بشيء ، وإنما كان ذلك لأن نسق الكلام بعضه على بعض متصلا يوجب له حكما واحدا ، وكذلك إذا اتصل الاستثناء باليمين بالله أثر وثبت له حكم الاستثناء ، وإذا انفصل عنه لم يكن له تعلق بما تقدم من الكلام .الثانية : المراد بقوله تعالى : فإن طلقها الطلقة الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره .
وهذا مجمع عليه لا خلاف فيه .واختلفوا فيما يكفي من النكاح ، وما الذي يبيح التحليل ، فقال سعيد بن المسيب ومن وافقه : مجرد العقد كاف .
وقال الحسن بن أبي الحسن : لا يكفي مجرد الوطء حتى يكون إنزال .
وذهب الجمهور من العلماء والكافة من الفقهاء إلى أن الوطء كاف في ذلك ، وهو التقاء [ ص: 137 ] الختانين الذي يوجب الحد والغسل ، ويفسد الصوم والحج ويحصن الزوجين ويوجب كمال الصداق .
قال ابن العربي : ما مرت بي في الفقه مسألة أعسر منها ، وذلك أن من أصول الفقه أن الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها ؟
فإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا أن نقول بقول سعيد بن المسيب .
وإن قلنا : إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب الحشفة في الإحلال ؛ لأنه آخر ذوق العسيلة على ما قاله الحسن .
قال ابن المنذر : ومعنى ذوق العسيلة هو الوطء ، وعلى هذا جماعة العلماء إلا سعيد بن المسيب قال : أما الناس فيقولون : لا تحل للأول حتى يجامعها الثاني ، وأنا أقول : إذا تزوجها زواجا صحيحا لا يريد بذلك إحلالها فلا بأس أن يتزوجها الأول .
وهذا قول لا نعلم أحدا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج ، والسنة مستغنى بها عما سواها .قلت : وقد قال بقول سعيد بن المسيب سعيد بن جبير ، ذكره النحاس في كتاب " معاني القرآن " له .
قال : وأهل العلم على أن النكاح هاهنا الجماع ؛ لأنه قال : زوجا غيره فقد تقدمت الزوجية فصار النكاح الجماع ، إلا سعيد بن جبير فإنه قال : النكاح هاهنا التزوج الصحيح إذا لم يرد إحلالها .قلت : وأظنهما لم يبلغهما حديث العسيلة أو لم يصح عندهما فأخذا بظاهر القرآن ، وهو قوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره والله أعلم .
روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا طلق الرجل امرأته ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه .
قال بعض علماء الحنفية : من عقد على مذهب سعيد بن المسيب فللقاضي أن يفسخه ، ولا يعتبر فيه خلافه لأنه خارج عن إجماع العلماء .
قال علماؤنا : ويفهم من قوله عليه السلام : حتى يذوق كل واحد منهما عسيلة صاحبه استواؤهما في إدراك لذة الجماع ، وهو حجة لأحد القولين عندنا في أنه لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها ؛ لأنها لم تذق العسيلة إذا لم تدركها .الثالثة : روى النسائي عن عبد الله قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة وآكل الربا وموكله والمحلل والمحلل له .
وروى الترمذي [ ص: 138 ] عن عبد الله بن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له .
وقال : هذا حديث حسن صحيح .
وقد روي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه .
والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وغيرهم ، وهو قول الفقهاء من التابعين ، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق ، وسمعت الجارود يذكر عن وكيع أنه قال بهذا ، وقال : ينبغي أن يرمى بهذا الباب من قول أصحاب الرأي .
وقال سفيان : إذا تزوج الرجل المرأة ليحلها ثم بدا له أن يمسكها فلا تحل له حتى يتزوجها بنكاح جديد .قال أبو عمر بن عبد البر : اختلف العلماء في نكاح المحلل ، فقال مالك ، المحلل لا يقيم على نكاحه حتى يستقبل نكاحا جديدا ، فإن أصابها فلها مهر مثلها ، ولا تحلها إصابته لزوجها الأول ، وسواء علما أو لم يعلما إذا تزوجها ليحلها ، ولا يقر على نكاحه ويفسخ ، وبه قال الثوري والأوزاعي .
وفيه قول ثان روي عن الثوري في نكاح الخيار والمحلل أن النكاح جائز والشرط باطل ، وهو قول ابن أبي ليلى في ذلك وفي نكاح المتعة .
وروي عن الأوزاعي في نكاح المحلل : بئس ما صنع والنكاح جائز .
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد : النكاح جائز إن دخل بها ، وله أن يمسكها إن شاء .
وقال أبو حنيفة مرة هو وأصحابه : لا تحل للأول إن تزوجها ليحلها ، ومرة قالوا : تحل له بهذا النكاح إذا جامعها وطلقها .
ولم يختلفوا في أن نكاح هذا الزوج صحيح ، وأن له أن يقيم عليه .
وفيه قول ثالث - قال الشافعي : إذا قال أتزوجك لأحلك ثم لا نكاح بيننا بعد - ذلك فهذا ضرب من نكاح المتعة ، وهو فاسد لا يقر عليه ويفسخ ، ولو وطئ على هذا لم يكن تحليلا .
فإن تزوجها تزوجا مطلقا لم يشترط ولا اشترط عليه التحليل فللشافعي في ذلك قولان في كتابه القديم : أحدهما مثل قول مالك ، والآخر مثل قول أبي حنيفة .
ولم يختلف قوله في كتابه الجديد المصري أن النكاح صحيح إذا لم يشترط ، وهو قول داود .قلت : وحكى الماوردي عن الشافعي أنه إن شرط التحليل قبل العقد صح النكاح وأحلها للأول ، وإن شرطاه في العقد بطل النكاح ولم يحلها للأول ، قال : وهو قول الشافعي .
وقال الحسن وإبراهيم : إذا هم أحد الثلاثة بالتحليل فسد النكاح ، وهذا تشديد .
وقال سالم [ ص: 139 ] والقاسم : لا بأس أن يتزوجها ليحلها إذا لم يعلم الزوجان وهو مأجور ، وبه قال ربيعة ويحيى بن سعيد ، وقاله داود بن علي إذا لم يظهر ذلك في اشتراطه في حين العقد .الرابعة : مدار جواز نكاح التحليل عند علمائنا على الزوج الناكح ، وسواء شرط ذلك أو نواه ، ومتى كان شيء من ذلك فسد نكاحه ولم يقر عليه ، ولم يحلل وطؤه المرأة لزوجها .
وعلم الزوج المطلق وجهله في ذلك سواء .
وقد قيل : إنه ينبغي له إذا علم أن الناكح لها لذلك تزوجها أن يتنزه عن مراجعتها ، ولا يحلها عند مالك إلا نكاح رغبة لحاجته إليها ، ولا يقصد به التحليل ، ويكون وطؤه لها وطئا مباحا : لا تكون صائمة ولا محرمة ولا في حيضتها ، ويكون الزوج بالغا مسلما .
وقال الشافعي : إذا أصابها بنكاح صحيح وغيب الحشفة في فرجها فقد ذاقا العسيلة ، وسواء في ذلك قوي النكاح وضعيفه ، وسواء أدخله بيده أم بيدها ، وكان من صبي أو مراهق أو مجبوب بقي له ما يغيبه كما يغيب غير الخصي ، وسواء أصابها الزوج محرمة أو صائمة ، وهذا كله - على ما وصف الشافعي - قول أبي حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح ، وقول بعض أصحاب مالك .الخامسة : قال ابن حبيب : وإن تزوجها فإن أعجبته أمسكها ، وإلا كان قد احتسب في تحليلها الأجر لم يجز ، لما خالط نكاحه من نية التحليل ، ولا تحل بذلك للأول .السادسة : وطء السيد لأمته التي قد بت زوجها طلاقها لا يحلها ، إذ ليس بزوج ، روي عن علي بن أبي طالب ، وهو قول عبيدة ومسروق والشعبي وإبراهيم وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وحماد بن أبي سليمان وأبي الزناد ، وعليه جماعة فقهاء الأمصار .
ويروى عن عثمان وزيد بن ثابت والزبير خلاف ذلك ، وأنه يحلها إذا غشيها سيدها غشيانا لا يريد بذلك مخادعة ولا إحلالا ، وترجع إلى زوجها بخطبة وصداق .
والقول الأول أصح ، لقوله تعالى : حتى تنكح زوجا غيره والسيد إنما تسلط بملك اليمين وهذا واضح .السابعة : في موطإ مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار سئلا عن رجل زوج عبدا له جارية له فطلقها العبد البتة ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين ؟
فقالا : لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره .الثامنة : روي عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن رجل كانت تحته أمة مملوكة فاشتراها وقد كان طلقها واحدة ، فقال : تحل له بملك يمينه ما لم يبت طلاقها ، فإن بت طلاقها فلا تحل له بملك يمينه حتى تنكح زوجا غيره .
قال أبو عمر : وعلى هذا جماعة العلماء وأئمة الفتوى : مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور .
وكان ابن عباس [ ص: 140 ] وعطاء وطاوس والحسن يقولون : ( إذا اشتراها الذي بت طلاقها حلت له بملك اليمين ) ، على عموم قوله عز وجل : أو ما ملكت أيمانكم .
قال أبو عمر : وهذا خطأ من القول ؛ لأن قوله عز وجل : أو ما ملكت أيمانكم لا يبيح الأمهات ولا الأخوات ، فكذلك سائر المحرمات .التاسعة : إذا طلق المسلم زوجته الذمية ثلاثا فنكحها ذمي ودخل بها ثم طلقها ، فقالت طائفة : الذمي زوج لها ، ولها أن ترجع إلى الأول ، هكذا قال الحسن والزهري وسفيان الثوري والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي .
قال ابن المنذر : وكذلك نقول ؛ لأن الله تعالى قال : حتى تنكح زوجا غيره والنصراني زوج .
وقال مالك وربيعة : لا يحلها .العاشرة : النكاح الفاسد لا يحل المطلقة ثلاثا في قول الجمهور .
مالك والثوري .
والشافعي والأوزاعي وأصحاب الرأي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد ، كلهم يقولون : لا تحل للزوج الأول إلا بنكاح صحيح ، وكان الحكم يقول : هو زوج .
قال ابن المنذر : ليس بزوج ؛ لأن أحكام الأزواج في الظهار والإيلاء واللعان غير ثابتة بينهما .
وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن المرأة إذا قالت للزوج الأول : قد تزوجت ودخل علي زوجي وصدقها أنها تحل للأول .
قال الشافعي : والورع ألا يفعل إذا وقع في نفسه أنها كذبته .الحادية عشرة : جاء عن عمر بن الخطاب في هذا الباب تغليظ شديد وهو قوله : ( لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما ) .
وقال ابن عمر : التحليل سفاح ، ولا يزالان زانيين ولو أقاما عشرين سنة .
قال أبو عمر : لا يحتمل قول عمر إلا التغليظ ؛ لأنه قد صح عنه أنه وضع الحد عن الواطئ فرجا حراما قد جهل تحريمه وعذره بالجهالة ، فالتأويل أولى بذلك ولا خلاف أنه لا رجم عليه .قوله تعالى : فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : فإن طلقها يريد الزوج الثاني .
فلا جناح عليهما أي المرأة والزوج الأول ، قاله ابن عباس ، ولا خلاف فيه .
قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثا ثم انقضت عدتها ونكحت زوجا آخر ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها ثم نكحت زوجها الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات .واختلفوا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين ثم تتزوج غيره ثم ترجع إلى زوجها [ ص: 141 ] الأول ، فقالت طائفة : تكون على ما بقي من طلاقها ، وكذلك قال الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعمران بن حصين وأبو هريرة .
ويروى ذلك عن زيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وبه قال عبيدة السلماني وسعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن نصر .
وفيه قول ثان وهو ( أن النكاح جديد والطلاق جديد ) ، هذا قول ابن عمر وابن عباس ، وبه قال عطاء والنخعي وشريح والنعمان ويعقوب .
وذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو معاوية ووكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال : كان أصحاب عبد الله يقولون : أيهدم الزوج الثلاث ، ولا يهدم الواحدة والاثنتين!
قال : وحدثنا حفص عن حجاج عن طلحة عن إبراهيم أن أصحاب عبد الله كانوا يقولون : يهدم الزوج الواحدة والاثنتين كما يهدم الثلاث ، إلا عبيدة فإنه قال : هي على ما بقي من طلاقها ، ذكره أبو عمر .
قال ابن المنذر : وبالقول الأول أقول .
وفيه قول ثالث وهو : إن كان دخل بها الأخير فطلاق جديد ونكاح جديد ، وإن لم يكن دخل بها فعلى ما بقي ، هذا قول إبراهيم النخعي .الثانية : قوله تعالى : إن ظنا أن يقيما حدود الله شرط .
قال طاوس : إن ظنا أن كل واحد منهما يحسن عشرة صاحبه .
وقيل : حدود الله فرائضه ، أي إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني ، فمتى علم الزوج أنه يعجز عن نفقة زوجته أو صداقها أو شيء من حقوقها الواجبة عليه فلا يحل له أن يتزوجها حتى يبين لها ، أو يعلم من نفسه القدرة على أداء حقوقها ، وكذلك لو كانت به علة تمنعه من الاستمتاع كان عليه أن يبين ، كيلا يغر المرأة من نفسه .
وكذلك لا يجوز أن يغرها بنسب يدعيه ولا مال له ولا صناعة يذكرها وهو كاذب فيها .
وكذلك يجب على المرأة إذا علمت من نفسها العجز عن قيامها بحقوق الزوج ، أو كان بها علة تمنع الاستمتاع من جنون أو جذام أو برص أو داء في الفرج لم يجز لها أن تغره ، وعليها أن تبين له ما بها من ذلك ، كما يجب على بائع السلعة أن يبين ما بسلعته من العيوب ، ومتى وجد أحد الزوجين بصاحبه عيبا فله الرد ، فإن كان العيب بالرجل فلها الصداق إن كان دخل بها ، وإن لم يدخل بها فلها نصفه .
وإن كان العيب بالمرأة ردها الزوج وأخذ ما كان أعطاها من الصداق ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني بياضة فوجد بكشحها برصا فردها وقال : دلستم علي .واختلفت الرواية عن مالك في امرأة العنين إذا سلمت نفسها ثم فرق بينهما بالعنة ، فقال [ ص: 142 ] مرة : لها جميع الصداق ، وقال مرة : لها نصف الصداق ، وهذا ينبني على اختلاف قوله : بم تستحق الصداق بالتسليم أو الدخول ؟
قولان .الثالثة : قال ابن خويزمنداد : واختلف أصحابنا هل على الزوجة خدمة أو لا ؟
فقال بعض أصحابنا : ليس على الزوجة خدمة ، وذلك أن العقد يتناول الاستمتاع لا الخدمة ، ألا ترى أنه ليس بعقد إجارة ولا تملك رقبة ، وإنما هو عقد على الاستمتاع ، والمستحق بالعقد هو الاستمتاع دون غيره ، فلا تطالب بأكثر منه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا .
وقال بعض أصحابنا : عليها خدمة مثلها ، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة أو ترفه فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم ، وإن كانت متوسطة الحال فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك ، وإن كانت دون ذلك فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل .
وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل في بلدهن كلفت ما يكلفه نساؤهم ، وذلك أن الله تعالى قال : ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف .
وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الأمر وحديثه بما ذكرنا ، ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يتكلفون الطحين والخبيز والطبخ وفرش الفراش وتقريب الطعام وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت من ذلك ، ولا يسوغ لها الامتناع ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ، ويأخذونهن بالخدمة ، فلولا أنها مستحقة لما طالبوهن ذلك .الرابعة : قوله تعالى : وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون حدود الله : ما منع منه ، والحد مانع من الاجتزاء على الفواحش ، وأحدت المرأة : امتنعت من الزينة ، ورجل محدود : ممنوع من الخير ، والبواب حداد أي مانع .
وقد تقدم هذا مستوفى .
وإنما قال : لقوم يعلمون لأن الجاهل إذا كثر له أمره ونهيه فإنه لا يحفظه ولا يتعاهده .
والعالم يحفظ ويتعاهد ، فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال .
يقول تعالى: { فَإِنْ طَلَّقَهَا } أي: الطلقة الثالثة { فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } أي: نكاحا صحيحا ويطؤها, لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحا, ويدخل فيه العقد والوطء, وهذا بالاتفاق.
ويشترط أن يكون نكاح الثاني, نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول, فليس بنكاح, ولا يفيد التحليل، ولا يفيد وطء السيد, لأنه ليس بزوج، فإذا تزوجها الثاني راغبا ووطئها, ثم فارقها وانقضت عدتها { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } أي: على الزوج الأول والزوجة { أَنْ يَتَرَاجَعَا } أي: يجددا عقدا جديدا بينهما, لإضافته التراجع إليهما, فدل على اعتبار التراضي.
ولكن يشترط في التراجع أن يظنا { أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ } بأن يقوم كل منهما, بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق, وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة, فهنا لا جناح عليهما في التراجع.
ومفهوم الآية الكريمة, أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله, بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية, والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا, لأن جميع الأمور, إن لم يقم فيها أمر الله, ويسلك بها طاعته, لم يحل الإقدام عليها.
وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان, إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور, خصوصا الولايات, الصغار, والكبار, نظر في نفسه ، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك, ووثق بها, أقدم, وإلا أحجم.
ولما بين تعالى هذه الأحكام العظيمة قال: { وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ } أي: شرائعه التي حددها وبينها ووضحها.
{ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } لأنهم هم المنتفعون بها, النافعون لغيرهم.
وفي هذا من فضيلة أهل العلم, ما لا يخفى, لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده, خاصا بهم, وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده, معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها.
قوله تعالى : ( فإن طلقها ) يعني الطلقة الثالثة ( فلا تحل له من بعد ) أي من بعد الطلقة الثالثة ( حتى تنكح زوجا غيره ) أي : غير المطلق فيجامعها والنكاح يتناول الوطء والعقد جميعا نزلت في تميمة وقيل في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظي كانت تحت ابن عمها رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي فطلقها ثلاثا .
أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمعها تقول : جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني كنت عند رفاعة القرظي فطلقني فبت طلاقي وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة " قالت نعم قال : " لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " .
وروي أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إن زوجي قد مسني فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم كذبت بقولك الأول فلن نصدقك في الآخر .
فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أرجع إلى زوجي الأول فإن زوجي الآخر قد مسني وطلقني فقال لها أبو بكر : قد شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أتيته وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه أتت عمر رضي الله عنه وقالت له مثل ذلك فقال لها عمر رضي الله عنه : لئن رجعت إليه لأرجمنك .
قوله تعالى : ( فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) يعني فإن طلقها الزوج الثاني بعدما جامعها ( فلا جناح عليهما ) يعني على المرأة وعلى الزوج الأول ( أن يتراجعا ) يعني بنكاح جديد ( إن ظنا ) أي علما وقيل رجوا لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله عز وجل ( أن يقيما حدود الله ) أي يكون بينهما الصلاح وحسن الصحبة وقال مجاهد : معناه إن علما أن نكاحهما على غير الدلسة وأراد بالدلسة التحليل وهو مذهب سفيان الثوري والأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق قالوا : إذا تزوجت المطلقة ثلاثا زوجا آخر ليحللها للزوج الأول : فإن النكاح فاسد وذهب جماعة إلى أنه إن لم يشرط في النكاح مع الثاني أنه يفارقها فالنكاح صحيح ويحصل به التحليل ولها صداق مثلها غير أنه يكره إذا كان في عزمها ذلك .
أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي أخبرنا أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ أنا الحسن بن الفرج أخبرنا عمرو بن خالد الحراني ، عن عبيد الله بن عبد الكريم هو الجزري عن أبي واصل عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : " لعن المحلل والمحلل له " وقال نافع : أتى رجل ابن عمر فقال له : إن رجلا طلق امرأته ثلاثا فانطلق أخ له من غير مؤامرة فتزوجها ليحلها للأول فقال : لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لعن الله المحلل والمحلل له " ( وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون ) يعني يعلمون ما أمرهم الله تعالى به .
«فإن طلقها» الزوج بعد الثنتين «فلا تحل له من بعد» بعد الطلقة الثالثة «حتى تنكح» تتزوج «زوجا غيره» ويطأها كما في الحديث رواه الشيخان «فإن طلقها» أي الزوج الثاني «فلا جناح عليهما» أي الزوجة والزوج الأول «أن يتراجعا» إلى النكاح بعد انقضاء العدة «إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك» المذكورات «حدود الله يُبَيِّنها لقوم يعلمون» يتدبرون.
فإن طلَّق الرجل زوجته الطلقة الثالثة، فلا تحلُّ له إلا إذا تزوجت رجلا غيره زواجًا صحيحًا وجامعها فيه ويكون الزواج عن رغبة، لا بنية تحليل المرأة لزوجها الأول، فإن طلقها الزوج الآخر أو مات عنها وانقضت عدتها، فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتزوجا بعقد جديد، ومهر جديد، إن غلب على ظنهما أن يقيما أحكام الله التي شرعها للزوجين.
وتلك أحكام الله المحددة يبينها لقوم يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم المنتفعون بها.
ثم بين - سبحانه - أحكام الطلاق المكمل للثلاث ، بعد بيانه لأحكام الطلاق الرجعي وأحكام الخلع فقال - تعالى - : ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) .أي : فإن طلق الرجل زوجته طلقة ثالثة بعد الطلقتين اللتين أباح الله له مراجعتها بعد كل منهما في أثناء العدة ، فإنه في هذه الحالة تكون زوجته محرمة عليه ، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً شرعياً صحيحاً ، بأن يدخل بها ، ويباشرها مباشرة شرعية كما يباشر الأزواج زوجاتهم .فالمراد بالنكاح في قوله تعالى : ( حتى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) الزواج بشخص آخر يدخل بها .
دخولا صحيحاً .
ويويد هذا المعنى ويؤكده ما جاء في الحديث المشهور الذي أخرجه البخاري وغيره عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي .
وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي ، وإن ما معه مثل الهدبة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟
لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " .وواضح من ذوق العسيلة أن يدخل بها ويجامعها ، وعلى هذا انعقد إجماع الفقهاء .ولم يلتفتوا إلى ما نسبه بعضهم إلى سعيد بن المسيب من أنه أجاز للمرأة أن تعود إلى زوجها الأول بعد عقد زواجها على الثاني دون أن يدخل بها .
وحملوا هذا المنسوب إلى سعيد بن المسيب على أنه من شواذ الفتيا التي لا وزن لها لمخالفتها لنص حديث صحيح لعله لم يبلغه .ثم قال - تعالى - : ( فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ) أي : فإن طلق الزوج الثاني تلك المرأة التيسبق طلاقها من الزوج الأول ، فلا إثم عليها وعلى زوجها الأول في أن يرجع كل منهما إلى صاحبه بعقد جديد بعد انقضاء العدة ما داما يغلب على ظنهما أنهما سيقيمان حدود الله ، ويؤدي كل واحد منهما ما يجب عليه نحو صاحبه بأمانة وإخلاص .وقوله : ( أَن يَتَرَاجَعَآ ) في موضع جر بإضمار حرف الجر أي في أن يتراجعا وقوله ( أَن يُقِيمَا ) في موضع نصب على أنه سد مسد مفعولي ظن .قال صاحب الكشاف : ولم يقل : إن علما أنهما يقيمان حدود الله لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله .
ومن فسر الظن ها هنا بالعلم فقدوهم ولأن الإِتسان لم يعلم ما في الغد وإنما يظن ظناً " .ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله : ( وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) .أي : وتلك الأحكام المذكورة عن الطلاق وعن غيره مما كلف الله به عباده بينها ويوضحها بتلك الطرق الحكيمة لقوم يعلمون الحق ، ويعملون بمقتضى علمهم .وبهذا نرى أن الآية الكريمة قد بينت أنه لا يحل للمرأة التي طلقت من زوجها أن تعود إليه بعد الطلقة الثالثة إلا بعد أن تتزوج آخر زواجاً صحيحاً يدلخ بها فيه ويجامعها ثم يطلقها وتنقضي عدتها منه .ومن حكم هذا التشريع الحكيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق زوجاتهم ، وزجرهم عن التساهل في إيقاع الطلاق ، فإن الرجل الشريف الطبع ، العزيز النفس إذا علم أن زوجته لن تحل له بعد الطلقة الثالثة إلا إذا افترشها شخص آخر توقف عن إيقاع الطلاق ، وتباعد عن التسرع والاندفاع وحاول أن يصلح ما بينه وبين أهله بالمعالجة الحكيمة التي تتميز بسعة الصدر وضبط النفس .هذا ، وقد ساق الإِمام ابن كثير سبعة أحاديث في النهي عن نكاح المحلل - وهو أن يعقد رجل على امرأة قد طلقت ثلاثاً من زوجها بقصد إحلالها لهذا الزوج لا بقصد الزواج الدائم ثم يدخل بها دخولا صورياً وليس شرعياً - ومن هذه الأحاديث ما رواه الإِمام أحمد والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود قال : " لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ، وآكل الربا وموكله " .وعن عقبة بن عامر قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا أخبركم بالتيس المستعار "؟
قالوا : بلى يا رسول الله .
قال : هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له " .وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن نكاح المحلل فقال : " لا ، إلا نكاح رغبة - لا نكاح دلسة أي لا نكاح غش وتدليس - ولا استهزاء بكتاب الله - ثم يذوق عسيلتها .
.
" .وجاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه - أي من غير مشورة ورغبة منه - ليحلها لأخيه فهل تحل للأول؟
فقال : لا إلا نكاح رغبة كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم .ثم قال ابن كثير : والمقصود أن الزوج الثاني يكون راغباً في المرأة قاصداً لدوام عشرتها كما هو المشروع من التزويج .
واشترط الإِمام ملاك مع ذلك أن يطأها الثاني وطأ مباحاً فلو وطئها وهي محرمة أو صائمة أو معتكفة أو حائض .
.
لم تحل للأول بهذا الوطء والمراد بالعسيلة الجامع لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا إن العسيلة الجماع " .وبعد أن بين - سبحانه - في الآية السابقة أن الزوج مخير بين الإِمساك والتسريح في مدة العدة ، عقب ذلك ببيان أن هذا التخيير من حقه حتى آخروقت في العدة ، وذلك لتذكيره بأن الإِمساك أفضل من التسريح ، وأن عليه ألا يلجأ إلى الطلاق إلا إذا سدجت طرق الإِصلاح والمعالجة ، وأنه إذا اختار الطلاق فعليه أن يسلك فيه طريق الحق والعدل لا طريق الباطل والجور .
اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة، وفيه مسائل: المسألة الأولى: الذين قالوا: إن قوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ تفسير لقوله: ﴿ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ وهذا قول مجاهد، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله: ﴿ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ الطلقة الثالثة، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالاً ثلاثة أحدها: أن يراجعها، وهو المراد بقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ والثاني: أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة، وهو المراد بقوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ والثالث: أن يطلقها طلقة ثالثة، وهو المراد بقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ فإذا كانت الأقسام ثلاثة، والله تعالى ذكر ألفاظاً ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة، فأما إن جعلنا قوله: ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار، وأهملنا القسم الثالث، ومعلوم أن الأول أولى.
واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي، ونظم الآية ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ .
فإن قيل: فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين؟.
قلنا: السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك: فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة، ثم أتبعه بحكم الخلع، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم.
المسألة الثانية: مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط: تعتد منه، وتعقد للثاني، ويطؤها، ثم يطلقها، ثم تعتد منه، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد، واختلف العلماء في أن شرط الوطء بالسنة، أو بالكتاب، قال أبو مسلم الأصفهاني: الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار.
وقبل الخوض في الدليل لابد من التنبيه على مقدمة، قال عثمان بن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة، فقال: فرقت العرب بالاستعمال، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أرادوا أنه عقد عليها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة، وأقول: هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل واحد من المضافين، فإذا قيل: نكح فلان زوجته، فهذا النكاح أمر حاصل بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته، ثم الزوجة ليست اسماً لتلك المرأة بحسب ذاتها بل اسماً لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا قلنا نكح فلان زوجته، فالناكح متأخر عن المفهوم من الزوجية، والزوجية متقدمة على الزوجة من حيث إنها زوجة، تقدم المفرد على المركب، وإذا كان كذلك لزم القطع بأن ذلك النكاح غير الزوجية، إذا ثبت هذا كان قوله: ﴿ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ يقتضي أن يكون ذلك النكاح غير الزوجية، فكل من قال بذلك قال: إنه الوطء، فثبت أن الآية دالة على أنه لابد من الوطء، فقوله: ﴿ تَنْكِحَ ﴾ يدل على الوطء، وقوله: ﴿ زَوْجًا ﴾ يدل على العقد، وأما قول من يقول: إن الآية غير دالة على الوطء، وإنما ثبت الوطء بالسنة فضعيف، لأن الآية تقتضي نفي الحل ممدوداً إلى غاية، وهي قوله: ﴿ حتى تَنْكِحَ ﴾ وما كان غاية للشيء يجب انتهاء الحكم عند ثبوته، فيلزم انتهاء الحرمة عند حصول النكاح، فلو كان النكاح عبارة عن العقد لكانت الآية دالة على وجوب انتهاء الحرمة عند حصول العقد، فكان رفعها بالخبر نسخاً للقرآن بخبر الواحد، وأنه غير جائز، أما إذا حملنا النكاح على الوطء، وحملنا قوله: ﴿ زَوْجًا ﴾ على العقد، لم يلزم هذا الإشكال، وأما الخبر المشهور في السنة فما روي أن تميمة بنت عبد الرحمن القرظي، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرظي ابن عمها، فطلقها ثلاثاً، فتزوجت بعبد الرحمن بن الزبير القرظي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: كنت تحت رفاعة فطلقني فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثواب، وأنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى ابن عمي؟
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك والمراد بالعسيلة الجماع شبه اللذة فيه بالعسل، فلبثت ما شاء الله ثم عادت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: إن زوجي مسني فكذبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: كذبت في الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتت أبا بكر فاستأذنت، فقال: لا ترجعي إليه فلبثت حتى مضى لسبيله، فأتت عمر فاستأذنت فقال لئن رجعت إليه لأرجمنك، وفي قصة رفاعة نزل قوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ .
أما القياس فلأن المقصود من توقيف حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يفترش زوجته رجل آخر، ولهذا المعنى قال بعض أهل العلم إنما حرم الله تعالى على نساء النبي أن ينكحن غيره لما فيه من الغضاضة، ومعلوم أن الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصح جعله مانعاً وزاجراً.
المسألة الثالثة: قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو اثنتين، ثم نكحت زوجاً آخر وأصابها، ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة، وهي التي بقيت له من الطلقات الأولى، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث، حجة الشافعي أن هذه طلقة ثالثة، فوجب أن تحصل الحرمة الغليظة، إنما قلنا إنها طلقة ثالثة لأنها طلقة وجدت بعد الطلقتين، والطلقة الثالثة موجبة للحرمة الغليظة، لقوله تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ﴾ الآية وقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ أعم من أن يطلقها الطلقة الثالثة مسبوقاً بنكاح غيره، أو غير مسبوق بنكاح غيره فكان الكل داخلاً فيه.
المسألة الرابعة: مذهب الشافعي رضي الله عنه: إذا تزوج بالمطلقة ثلاثاً للغير على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما، فهذا نكاح متعة بأجل مجهول، وهو باطل ولو تزوجها بشرط أن لا يطلقها إذا أحلها للأول ففيه قولان أحدهما: لا يصح والثاني: يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة، ولو تزوجها مطلقاً معتقداً بأنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به، وقال مالك والثوري وأحمد: هذا النكاح باطل دليلنا أن الآية تدل على أن الحرمة تنتهي بوطء مسبوق بعقد، وقد وجدت فوجب القول بانتهاء الحرمة وحيث حكمنا بفساد النكاح، فوطئها هل يقع به التحليل قولان والأصح أنه لا يقع به التحليل.
أما قوله تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ فالمعنى: إن طلقها الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة لأنه تعالى قد ذكره بقوله: ﴿ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ أي على المرأة المطلقة والزوج الأول أن يتراجعا بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لأن الزوجية كانت حاصلة بينهما قبل ذلك، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي، بقي في الآية مسألتان: المسألة الأولى: ظاهر الآية يقتضي أن عندما يطلقها الزوج الثاني تحل المراجعة للزوج الأول، إلا أنه مخصوص بقوله تعالى: ﴿ والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء ﴾ لأن المقصود من العدة استبراء الرحم، وهذا المعنى حاصل هاهنا، وهذا هو الذي عول عليه سعيد بن المسيب في أن التحليل يحصل بمجرد العقد، لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة، وهذه الآية تدل على سقوط العدة، لأن الفاء في قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ تدل على أن حل المراجعة حاصل عقيب طلاق الزوج الثاني إلا أن الجواب ما قدمنا.
المسألة الثانية: قال الخليل والكسائي: موضع ﴿ أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ خفض بإضمار الخافض، تقديره: في أن يتراجعا، وقال الفراء: موضعه نصب بنزع الخافض.
أما قوله تعالى: ﴿ إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قال كثير من المفسرين ﴿ إِن ظَنَّا ﴾ أي إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدود الله، وهذا القول ضعيف من وجوه: أحدها: أنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد ولكن علمت أنه يقوم زيد والثاني: أن الإنسان لا يعلم ما في القدر وإنما يظنه والثالث: أنه بمنزلة قوله تعالى: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ فِي ذلك إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا ﴾ فإن المعتبر هناك الظن فكذا هاهنا، وإذا بطل هذا القول فالمراد منه نفس الظن، أي متى حصل هذا الظن، وحصل لهما العزم على إقامة حدود الله، حسنت هذه المراجعة ومتى لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالمراجعة تحرم.
المسألة الثانية: كلمة ﴿ إن ﴾ في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول: ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة: بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى، وقصد الإقامة لحدود الله وأوامره، ثم قال بعد ذلك: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إشارة إلى ما بينها من التكاليف، وقوله: ﴿ يُبَيّنُهَا ﴾ إشارة إلى الاستقبال والجمع بينهما متناقض وعندي أن هذه النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يتطرق إليها تخصيصات كثيرة، وأكثر تلك المخصصات إنما عرفت بالسنة، فكان المراد والله أعلم أن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله وسيبينها الله تعالى كمال البيان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو كقوله تعالى: ﴿ لِيُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قرأ عاصم في رواية أبان ﴿ نبينها ﴾ بالنون وهي نون التعظيم والباقون بالياء على أنه يرجع على اسم الله تعالى.
والمسألة الثالثة: إنما خص العلماء بهذا البيان لوجوه: أحدها: أنهم هم الذين ينتفعون بالآيات فغيرهم بمنزلة من لا يعتد به، وهو كقوله: ﴿ فِيهِ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ ، والثاني: أنه خصهم بالذكر كقوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ والثالث: يعني به العرب لعلمهم باللسان، والرابع: يريد من له عقل وعلم، كقوله: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون ﴾ والمقصود أنه لا يكلف إلا عاقلاً عالماً بما يكلفه، لأنه متى كان كذلك فقد أزيح عذر المكلف، والخامس: أن قوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ يعني ما تقدم ذكره من الأحكام يبينها الله لمن يعلم أن الله أنزل الكتاب وبعث الرسول ليعملوا بأمره وينتهوا عما نهوا عنه.
<div class="verse-tafsir"
﴿ الطلاق ﴾ بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم، أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله: ﴿ ثم ارجع البصر كرّتين ﴾ [الملك: 4] أي كرّة بعد كرّة، لا كرّتين اثنتين.
ونحو ذلك من التثاني التي يراد بها التكرير قولهم: لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك ودواليك.
وقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان ﴾ تخيير لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون، بين أن يمسكوا النساء بحسن العشرة والقيام بمواجبهنّ، وبين أن يسرحوهنّ السراح الجميل الذي علمهم.
وقيل: معناه الطلاق الرجعي مرّتان، لأنه لا رجعة بعد الثلاث، فإمساك بمعروف أي برجعة، أو تسريح بإحسان أي بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدّة، أو بأن لا يراجعها مراجعة يريد بها تطويل العدة عليها وضرارها.
وقيل: بأن يطلقها الثالثة في الطهر الثالث.
وروي: أنّ سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الثالثة؟
فقال عليه الصلاة والسلام: «أو تسريح بإحسان» وعند أبي حنيفة وأصحابه: الجمع بين التطليقتين والثلاث بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه، لما روي في حديث ابن عمر: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة» وعند الشافعي.
لا بأس بإرسال الثلاث.
لحديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها ثلاثًا بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليه.
روي: أنّ جميلة بنت عبد الله بن أبيّ كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه وهو يحبها.
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا ثابت، لا يجمع رأسي ورأسه شيء، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، ما أطيقه بغضاً، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدّة فإذا هو أشدهم سوادًا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً فنزلت، وكان قد أصدقها حديقة فاختلعت منه بها وهو أوّل خلع كان في الإسلام.
فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ﴾ ؟
إن قلت للأزواج لم يطابقه قوله ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ وإن قلت للأئمة والحكام فهؤلاء ليسوا بآخذين منهن ولا بمؤتيهن؟
قلت: يجوز الأمران جميعاً: أن يكون أوّل الخطاب للأزواج، وآخره للأئمة والحكام، ونحو ذلك غير عزيز في القرآن وغيره، وأن يكون الخطاب كله للأئمة والحكام، لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم، فكأنهم الآخذون والمؤتون ﴿ مِمَّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ مما أعطيتموهنّ من الصدقات ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية، لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ فلا جناح على الرجل فيما أخذ ولا عليها فيما أعطت ﴿ فِيمَا افتدت بِهِ ﴾ فيما فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر.
والخلع بالزيادة على المهر مكروه وهو جائز في الحكم.
وروي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر رضي الله عنه، فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟
قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر لعيني منهن.
فقال لزوجها: اخلعها ولو بقرطها.
قال قتادة: يعني بمالها كله، هذا إذا كان النشوز منها، فإن كان منه كره له أن يأخذ منها شيئاً.
وقرئ (إلا) أن يخافا، على البناء للمفعول وإبدال أن لا يقيما من ألف الضمير، وهو من بدل الاشتمال كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله.
ونحوه: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ [الأنبياء: 3] ويعضده قراءة عبد الله ﴿ إلا أن تخافوا ﴾ وفي قراءة أبي: ﴿ إلا أن يظنا ﴾ .
ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن.
يقولون: أخاف أن يكون كذا، وأفرق أن يكون، يريدون أظن ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ الطلاق المذكور الموصوف بالتكرار في قوله تعالى: ﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ واستوفى نصابه.
أو فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرّتين ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ﴾ من بعد ذلك التطليق.
﴿ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ حتى تتزوّج غيره، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كما التزوج.
ويقال: فلانة ناكح في بني فلان.
وقد تعلق من اقتصر على العقد في التحليل بظاهره وهو سعيد ابن المسيب.
والذي عليه الجمهور أنه لابد من الإصابة، لما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها: أنّ امرأة رفاعة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوّجني، وإنما معه مثل هدبة الثوب وإنه طلقني قبل أن يمسني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟
لا، حتى تذوقي عُسيلته ويذوق عُسيلتك» وروي: أنها لبثت ما شاء الله، ثم رجعت فقالت: إنه كان قد مسني، فقال لها: كذبت في قولك الأوّل، فلن أصدّقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر رضي الله عنه فقالت: أأرجع إلى زوجي الأوّل.
فقال: قد عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لك ما قال، فلا ترجعي إليه، فلما قبض أبو بكر رضي الله عنه قالت مثله لعمر رضي الله عنه فقال: إن أتيتني بعد مرّتك هذه لأرجمنك، فمنعها.
فإن قلت فما تقول في النكاح المعقود بشرط التحليل؟
قلت: ذهب سفيان والأوزاعي وأبو عبيد ومالك وغيرهم إلى أنه غير جائز، وهو جائز عند أبي حنيفة مع الكراهة.
وعنه أنهما إن أضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه لعن المحلل والمحلل له» وعن عمر رضي الله عنه: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما وعن عثمان رضي الله عنه: لا نكاح إلا نكاح رغبة غير مدالسة ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا ﴾ الزوج الثاني.
﴿ أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج ﴿ إِن ظَنَّا ﴾ إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية.
ولم يقل: إن علماً أنهما يقيمان، لأنّ اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله عز وجل.
ومن فسر الظن هاهنا بالعلم فقد وهم من طريق اللفظ والمعنى، لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن: علمت أنه يقوم، ولأنّ الإنسان لا يعلم ما في الغد، وإنما يظن ظناً.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ فَإنَّ تَعْقِيبَهُ لِلْخُلْعِ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّلْقَتَيْنِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ طَلْقَةً رابِعَةً لَوْ كانَ الخُلْعُ طَلاقًا.
والأظْهَرُ أنَّهُ طَلاقٌ لِأنَّهُ فُرْقَةٌ بِاخْتِيارِ الزَّوْجِ فَهو كالطَّلاقِ بِالعِوَضِ، وقَوْلُهُ ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ أوْ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ اعْتَرَضَ بَيْنَهُما ذِكْرُ الخُلْعِ دَلالَةً عَلى أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ مَجّانًا تارَةً وبِعِوَضٍ أُخْرى، والمَعْنى فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الثِّنْتَيْنِ.
﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ﴾ مِن بَعْدِ ذَلِكَ الطَّلاقِ.
﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ حَتّى تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ، والنِّكاحُ يَسْتَنِدُ إلى كُلٍّ مِنهُما كالتَّزَوُّجِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِهِ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى العَقْدِ كابْنِ المُسَيِّبِ واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإصابَةِ لِما رُوِيَ: «أنَّ امْرَأةَ رِفاعَةَ قالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ : إنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، وإنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ تَزَوَّجَنِي وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : « أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟
قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» .» فالآيَةُ مُطْلَقَةٌ قَيَّدَتْها السُّنَّةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُفَسَّرَ النِّكاحُ بِالإصابَةِ، ويَكُونُ العَقْدُ مُسْتَفادًا مِن لَفْظِ الزَّوْجِ.
والحِكْمَةُ في هَذا الحُكْمِ الرَّدْعُ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الطَّلاقِ والعَوْدُ إلى المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا والرَّغْبَةُ فِيها، والنِّكاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ فاسِدٌ عِنْدَ الأكْثَرِ.
وجَوَّزَهُ أبُو حَنِيفَةَ مَعَ الكَراهَةِ، وقَدْ «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ.» ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ الزَّوْجُ الثّانِي ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا ﴾ أنْ يَرْجِعَ كُلٌّ مِنَ المَرْأةِ والزَّوْجِ الأوَّلِ إلى الآخَرِ بِالزَّواجِ، ﴿ إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ إنْ كانَ في ظَنِّهِما أنَّهُما يُقِيمانِ ما حَدَّهُ اللَّهُ وشَرَعَهُ مِن حُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ، وتَفْسِيرُ الظَّنِّ بِالعِلْمِ هاهُنا غَيْرُ سَدِيدٍ لِأنَّ عَواقِبَ الأُمُورِ غَيْبٌ تُظَنُّ ولا تُعْلَمُ، ولِأنَّهُ لا يُقالُ عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ لِأنَّ أنِ النّاصِبَةَ لِلتَّوَقُّعِ وهو يُنافِي العِلْمَ.
﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ أيِ الأحْكامُ المَذْكُورَةُ.
﴿ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ يَفْهَمُونَ ويَعْلَمُونَ بِمُقْتَضى العِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
{فَإِن طَلَّقَهَا} مرة ثالثة بعد المرتين فإن قلت الخلق طلاق عندنا وكذا عند الشافعى رحمه الله في قول فكأن هذه تطليقة رابعة قلت الخلع طلاق ببدل فيكون طلقة ثالثة وهذا بيان للتلك أي فإن طلقها الثالثة ببدل فحكم التحليل كذا {فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ} من بعد التطليقة الثالثة {حتى تَنْكِحَ زَوْجًا
غَيْرَهُ} حتى يتزوج غيره والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج وفيه دليل على أن النكاح ينعقد بعبارتهم والإصابة شرطت بحيث العسيلة كما عرف في أصول الفقه والفقه فيه أنه لما أقدم على فراق لم يبق للندم مخلص لم تحل له إلا بدخول فحل عليها ليمتنع عن ارتكابه {فَإِن طَلَّقَهَا} الزوج الثاني بعد الوطء {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} على الزوج الأول وعليها {أَن يَتَرَاجَعَا} أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالزواج {إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله} إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية ولم يقل إن علما أنهما يقيمان لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله {وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيّنُهَا} وبالنون المفضل {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} يفهمون ما بين لهم
﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ لا مُتَعَلِّقًا بِآيَةِ الخُلْعِ لِيُلْزِمَ المَحْذُورَ، ويَكُونُ ذِكْرُ الخَلْعِ اعْتِراضًا لِبَيانِ أنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ مَجّانًا تارَةً وبِعِوَضٍ أُخْرى، والمَعْنى فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ الثِّنْتَيْنِ أوْ بَعْدَ الطَّلاقِ المَوْصُوفِ بِما تَقَدَّمَ.
﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ التَّطْلِيقِ ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أيْ: تَتَزَوَّجُ زَوْجًا غَيْرَهُ ويُجامِعُها، فَلا يَكْفِي مُجَرَّدُ العَقْدِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ المُسَيِّبِ وخَطَّؤُهُ؛ لِأنَّ العَقْدَ فُهِمَ مِن زَوْجًا، والجِماعَ مِن تَنْكِحُ، وبِتَقْدِيرِ عَدَمِ الفَهْمِ، وحَمْلُ النِّكاحِ عَلى العَقْدِ تَكُونُ الآيَةُ مُطْلَقَةً إلّا أنَّ السُّنَّةَ قَيَّدَتْها، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وجَماعَةٌ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها -، قالَتْ: «جاءَتِ امْرَأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَتْ: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وما مَعَهُ الأمْثَلُ هُدْبَةَ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، فَقالَ: أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ، لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ”،» وعَنْ عِكْرِمَةَ:“إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في هَذِهِ المَرْأةِ، واسْمُها عائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ، وكانَ نَزَلَ فِيها ﴿ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ ”، فَيُجامِعُها، فَإنْ طَلَّقَها بَعْدَ ما جامَعَها، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا، وفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النّاكِحَ الثّانِيَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ زَوْجًا، فَلَوْ كانَتْ أمَةً وطُلِّقَتْ ألْبَتَّةَ، ثُمَّ وطِئَها سَيِّدُها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ، وعَلى أنَّهُ لَوِ اشْتَراها الزَّوْجُ مِن سَيِّدِها أوْ وهَبَها سَيِّدُها لَهُ بَعْدَ أنْ بَتَّ طَلاقَها، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وطْؤُها في الصُّورَتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ ﴿ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ وعَلى أنَّ الوَلِيَّ لَيْسَ شَرْطًا في النِّكاحِ؛ لِأنَّهُ أضافَ العَقْدَ إلَيْها، والحِكْمَةُ في هَذا الحُكْمِ رَدْعُ الزَّوْجِ عَنِ التَّسَرُّعِ إلى الطَّلاقِ؛ لِأنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّهُ إذا بَتَّ الطَّلاقَ لا تَحِلُّ لَهُ حَتّى يُجامِعَها رَجُلٌ آخَرُ، ولَعَلَّهُ عَدُّوهُ ارْتَدَعَ عَنْ أنْ يُطَلِّقَها ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّهُ وإنْ كانَ جائِزًا شَرْعًا، لَكِنْ تَنْفِرُ عَنْهُ الطِّباعُ وتَأْباهُ غَيْرَةُ الرِّجالِ، والنِّكاحُ بِشَرْطِ التَّحْلِيلِ فاسِدٌ عِنْدَ مالِكٍ وأحْمَدَ والثَّوْرِيِّ والظّاهِرِيَّةِ وكَثِيرِينَ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «“ألا أُخْبِرُكم بِالتَّيْسِ المُسْتَعارِ؟
قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هو المُحَلِّلُ، لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلُ لَهُ» وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -، قالَ: لا أُوتى بِمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّلٍ لَهُ إلّا رَجَمْتُهُما"، والبَيْهَقِيُّ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أنَّ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: رُفِعَ إلَيْهِ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأةً لِيُحَلِّلها لِزَوْجِها فَفَرَّقَ بَيْنَهُما، وقالَ: لا تَرْجِعُ إلَيْهِ إلّا بِنِكاحِ رَغْبَةٍ غَيْرِ دُلْسَةٍ، وعِنْدَنا هو مَكْرُوهٌ.
والحَدِيثُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ صِحَّةِ النِّكاحِ؛ لِما أنَّ المَنعَ عَنِ العَقْدِ لا يَدُلُّ عَلى فَسادِهِ، وفي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ مُحَلِّلًا ما يَقْتَضِي الصِّحَّةَ؛ لِأنَّها سَبَبُ الحِلِّ، وحَمَلَ بَعْضُهُمُ الحَدِيثَ عَلى مَنِ اتَّخَذَهُ تَكَسُّبًا أوْ عَلى ما إذا شَرَطَ التَّحْلِيلَ في صُلْبِ العَقْدِ لا عَلى مَن أضْمَرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ، بَلْ قِيلَ: إنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مَأْجُورٌ ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ الزَّوْجُ الثّانِي ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ أيْ: عَلى الزَّوْجِ الأوَّلِ والمَرْأةِ ﴿ أنْ يَتَراجَعا ﴾ أنْ يَرْجِعَ كُلٌّ مِنهُما إلى صاحِبِهِ بِالزَّواجِ بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ ﴿ إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ إنْ كانَ في ظَنِّهِما أنَّهُما يُقِيمانِ حُقُوقَ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي حَدَّها اللَّهُ - تَعالى - وشَرَعَها، وتَفْسِيرُ الظَّنِّ بِالعِلْمِ هَهُنا قِيلَ: غَيْرُ صَحِيحٌ لَفْظًا، أمّا مَعْنى فَلِأنَّهُ لا يَعْلَمُ ما في المُسْتَقْبَلِ يَقِينًا في الأكْثَرِ، وأمّا لَفْظا فَلِأنَّ أنِ المَصْدَرِيَّةَ لِلتَّوَقُّعِ وهو يُنافِي العِلْمَ، ورُدَّ بِأنَّ المُسْتَقْبَلَ قَدْ يُعْلَمُ ويُتَيَقَّنُ في بَعْضِ الأُمُورِ وهو يَكْفِي لِلصِّحَّةِ، وبِأنَّ سِيبَوَيْهِ أجازَ - وهو شَيْخُ العَرَبِيَّةِ - ما عَلِمْتُ إلّا أنْ يَقُومَ زَيْدٌ والمُخالِفُ لَهُ فِيهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا يَخْفى أنَّ الِاعْتِراضَ الأوَّلَ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا؛ لِأنَّ المُسْتَقْبَلَ وإنْ كانَ قَدْ يُعْلَمُ في بَعْضِ الأُمُورِ إلّا أنَّ ما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ المُراجَعَةُ مَرْبُوطَةً بِالعِلْمِ، بَلِ الظَّنُّ يَكْفِي فِيها، ﴿ وتِلْكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ إلى هُنا ﴿ حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أيْ: أحْكامِهِ المُعَيَّنَةِ المَحْمِيَّةِ مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِالتَّغْيِيرِ والمُخالَفَةِ ﴿ يُبَيِّنُها ﴾ بِهَذا البَيانِ اللّائِقِ، أوْ سـيُبَيِّنُها بِناءً عَلى أنْ بَعْضَها يَلْحَقُهُ زِيادَةُ كَشْفٍ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ، أوْ حالٌ مِن حُدُودُ اللَّهِ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، وقُرِئَ (نُبَيِّنُها) بِالنُّونِ عَلى الِالتِفاتِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ 230﴾ أيْ: يَفْهَمُونَ ويَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى العِلْمِ، فَهو لِلتَّحْرِيضِ عَلى العَمَلِ - كَما قِيلَ - أوْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالبَيانِ، أوْ لِأنَّ ما سَيَلْحَقُ بَعْضَ الحُدُودِ مِنهُ لا يَعْقِلُهُ إلّا الرّاسِخُونَ، أوْ لِيُخْرِجَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، يعني أوجبوا الطلاق بترك الجماع، حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر.
وقال بعضهم: لا يقع الطلاق، ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو يطلقها.
وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة.
أشهر وهو قول علمائنا.
وروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي أوجبوا الطلاق بترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بكلمة الإيلاء عَلِيمٌ بهم.
وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، يعني وجب عليهن العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أي ثلاث حيض.
وقال بعضهم: ثلاثة أطهار.
وقال أكثر أهل العلم: المراد به الحيض.
وأصل القرء: الوقت.
وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات، ولكن المراد به الخصوص، لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات: الأمة والصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخولة.
ثم قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، يعني الحمل والحيض، لا يحل لها أن تقول: إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقول إن كن يصدقن بالله واليوم الاخر.
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما للرجال على النساء، يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعياً.
وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، يقول بما عرف شرعاً، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي فضيلة في النفقة والمهر.
وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه الرجعة.
ثم بيّن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، فقال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، يعني يقول: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان.
فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، يعني إذا راجعها، يمسكها بمعروف، ينفق عليها، ويكسوها، ولا يؤذيها، ويحسن معاشرتها أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يؤدي حقها، ويخلي سبيلها.
ويقال: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها.
ويقال: يتركها حتى تنقضي عدتها.
ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال: أو تسرح بإحسان.
قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلق تطليقة أو تطليقتين، كان الزوج أحق بها وإذا طلقها الثالثة، كانت المرأة أحق بنفسها واحتج بقول الأعشى وكانت امرأته من بني مروان، فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته، فلما طلقها واحدة قالوا له: عد فطلقها الثانية، فلما طلقها الثانية قالوا له: عد فطلقها الثالثة، فعرف أنها بانت منه ولا تحل له، فقال عند ذلك: أَيَا جَارتِي بِينِي فإِنَّكِ طَالِقَه ...
كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَه وبَيِنِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ مِنَ العَصَا ...
وَأَنْ لاَ تَزَالُ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَه وَذُوقِي قَنَى الحَيِّ إنِّي ذَائِق ...
قَنَاة أُنَاسٍ مِثْلَ ما أنت ذائقة ثم قال تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.
نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وزوجها ثابت بن قيس وكانت تبغضه، فأتت رسول الله فقالت: لا أنا ولا ثابت فقال لها: «أَتُرَدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» فقالت: نعم وزيادة.
فقال: «أَمَّا الزِّيَادَة، فلا» .
فدعا رسول الله زوجها وخلعها من زوجها، فذلك قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من المهر إِلَّا أَنْ يَخافا، يعني: يعلما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي أمر الله فيما أمر ونهى.
قرأ حمزة يَخافا بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: بالنصب.
وقرأ ابن مسعود: إِلا أَنْ يخافوا.
ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، يقول: إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممَّا افتدت به المرأة، إن كان النشوز من قبل المرأة.
فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أن يأخذ، بدليل ما قاله في آية أخرى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] .
ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي أحكامه وفرائضه فَلا تَعْتَدُوها، أي لا تجاوزوها.
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يقول: الضارون الشاقون بأنفسهم.
ويقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، يعني الطلاق مرتان، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة.
وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله بالتطليقة الثالثة، فأولئك هم الظالمون فَإِنْ طَلَّقَها الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الثالثة، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة.
وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثاً، وكانت تدعى تميمة بنت وهب، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فأتت النبيّ وقالت: إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» فقالت: نعم.
قال: «لَيْسَ ذلك مَا لَمْ تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ» .
فذلك قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، يعني إذا طلقها الثالثة.
قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني واحدة أو اثنتين فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، يعني المرأة والزوج أَنْ يَتَراجَعا.
ويقال: فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما دخل عليها، فلا جناح عليهما- يعني المرأة والزوج الأول- أن يتراجعا، يعني أن يتزوجها مرة أخرى.
إِنْ ظَنَّا، يعني إن علما أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني.
قوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه، يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.
ويقال: إنما قال: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، لأن الجاهل إذا بيّن له، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم يحفظ ويتعاهد.
فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال.
ثم وقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن يغتسلن، وقبل أن يخرجن من العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان.
قوله: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة.
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض، وأرادت أن تغتسل، راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها عدتها.
فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً.
لِتَعْتَدُوا، أي لتظلموهن.
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الإضرار، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار.
وقال الزجاج: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يعني عرَّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه، تعرض لعذاب الله، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه.
ثم قال: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، يعني القرآن لعباً.
ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقاً، ويجعلونه لعباً، فنزل: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.
قرأ عاصم في رواية حفص: هُزُواً بغير همز، وكذلك قوله: كُفُواً أَحَدٌ [الصمد: 4] والباقون: بالهمز.
وهما لغتان، ومعناهما واحد.
ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يقول: احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام.
وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ، يقول: احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ وَالْحِكْمَةِ يعني الفقه في القرآن يَعِظُكُمْ بِهِ، يقول: ينهاكم عن الضرار.
وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالكم فيجازيكم به.
وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يقول: انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه.
فنزلت هذه الآية: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ، أي يؤمر به.
مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي يصدق بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم، وَأَطْهَرُ من الريبة.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ من حب كل واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.
ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة، لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها، فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء.
وقال الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل، وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب.
وقال مقاتل: فدعا رسول الله معقلاً، وقال: «إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنَاً فَلَا تَمْنَعْ أُخْتَكَ عَنْ أَبِي الدَّحْدَاحِ» ، فقال: آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح، كان للحاكم أن يزوجها.
<div class="verse-tafsir"
وقال طَاوُسٌ «١» ، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم: لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها «٢» ، وقال ابن المُسَيِّب: لا أرى أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا «٣» .
وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ...
الآية: أي: هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالى على تجاوُزِ الحَدِّ بقوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وهو كما قال صلّى الله عليه وسلم: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» «٤» .
وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ...
الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:
هو ابتداء الطلْقةِ الثالثةِ «١» قال ع «٢» : فيجيء التسريحُ المتقدِّم ترك المرأة تتمُّ عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على اتباع الحديثِ الصحيحِ في امرأة رِفَاعَةَ «٣» ، حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ «٤» ، فقال لها النبيُّ صلّى الله عليه وسلم: «لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إلى رِفَاعَةَ، لاَ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» «٥» فرأَى العلماء أنه لا يحلّها إلا الوطء.
وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن، قال: لا يحلُّها إلا الإنزال،
وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ «١» ، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح.
وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ...
الآية: المعنى: فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي: المرأة والزوج الأول.
قاله ابن عَبَّاس «٢» ، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا على بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا.
وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ...
الآية: خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة، مضارَّةً لها بأن يرتجع قرب انقضائها، ثم يطلِّق بعد ذلك قاله الضَّحَّاك وغيره «١» ، ولا خلاف فيه.
ومعنى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربْنَ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى: أمسكوهنَّ راجِعُوهنَّ- وبِمَعْرُوفٍ: قِيلَ: هو الإِشهاد «٢» - وَلا تُمْسِكُوهُنَّ، أي: لا تراجعوهنَّ ضِراراً، وباقي الآية بَيِّنٌ.
وقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً ...
الآية: المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن: نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعباً أو هازئاً، أو راجَعَ كذلك «٣» .
وقالتْ عائشةُ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ» «٤» .
ثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه عليهم بالقرآن، والسّنّة، وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه.
وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ...
الآية: خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ لأنهم المراد في تَعْضُلُوهنَّ، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ لأن المعنى يقتضي ذلكَ.
وقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى: إِن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ: الأزواجُ وذلك ٥٨ أبأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة عضْلاً/ عن نكاحِ الغَيْر، فقوله: أَزْواجَهُنَّ على هذا، يعني به: الرجالَ إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ الأولياء، فالأزواج
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ ذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ في تَمِيمَةَ بِنْتِ وهْبِ بْنِ عَتِيكٍ النَّضِيرِيِّ، وُفِيَ زَوْجِها رَفاعَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَظِيِّ.
وقالَ غَيْرُ مُقاتِلٍ: «إنَّها عائِشَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتِيكٍ، كانَتْ تَحْتَ رِفاعَةَ بْنَ وهْبِ بْنِ عَتِيكٍ وهو ابْنُ عَمِّها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ طَلَّقَها، فَأتَتْ إلى النَّبِيِّ ، فَقالَتْ: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفاعَةَ، فَطَلَّقَنِي، فَأبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وإنَّهُ طَلَّقَنِي قَبْلَ أنْ يَمَسَّنِي، أفَأرْجِعُ إلى ابْنِ عَمِّي؟
فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، ، وقالَ: "أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟
لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ يَعْنِي: الزَّوْجَ المُطَلِّقَ مَرَّتَيْنِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: هي الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ.
واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى عادَ بِهَذِهِ الآَيَةِ بَعْدَ الكَلامِ في حُكْمِ الخُلْعِ إلى تَمامِ الكَلامِ في الطَّلاقِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ يَعْنِي: الثّانِي ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما ﴾ يَعْنِي: المَرْأةَ، والزَّوْجَ الأوَّلَ ﴿ إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ قالَ طاوُوسٌ: ما فَرَضَ اللَّهُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن حُسْنِ العِشْرَةِ والصُّحْبَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ (يُبَيِّنُها) بِالياءِ.
وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ بِالنُّونِ (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) قالَ الزَّجّاجُ: يَعْلَمُونَ أنَّ أمْرَ اللَّهِ حَقٌّ.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللهِ وتِلْكَ حُدُودَ اللهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، والسُدِّيُّ: هَذا ابْتِداءُ الطَلْقَةِ الثالِثَةِ، فَيَجِيءُ التَسْرِيحُ المُتَقَدِّمُ تَرْكُ المَرْأةِ تَتِمُّ عِدَّتُها مِنَ الثانِيَةِ.
ومِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ الخُلْعَ فَسْخُ عِصْمَةٍ، ولَيْسَ بِطَلاقٍ، واحْتَجَّ مِن هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ اللهِ تَعالى الطَلاقَيْنِ، ثُمَّ ذِكْرُهُ الخُلْعَ، ثُمَّ ذِكْرُهُ الثالِثَةَ بَعْدَ الطَلاقَيْنِ، ولَمْ يَكُ لِلْخُلْعِ حُكْمٌ يُعْتَدُّ بِهِ.
ذَكَرَ هَذا ابْنُ المُنْذِرِ في الإشْرافِ عنهُ، وعن عِكْرِمَةَ، وطاوُسٍ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وذَكَرَ عَنِ الجُمْهُورِ خِلافَ قَوْلِهِمْ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ بَيانُ ما يَلْزَمُ المَسْرَحَ.
والتَسْرِيحُ: هو الطَلْقَةُ الثالِثَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو تَسْرِيحٌ ﴾ يُحْتَمَلُ الوَجْهَيْنِ: إمّا تَرَكَها تَتِمُّ العِدَّةَ، وإمّا إرْدافُ الثالِثَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ الِاحْتِمالِ الواحِدِ، إذِ الِاحْتِمالُ الثانِي قَدْ عُلِمَ مِنهُ أنَّهُ لا حُكْمَ لَهُ عَلَيْها بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
و"تَنْكِحَ" في اللُغَةِ جارٍ عَلى حَقِيقَتِهِ في الوَطْءِ ومَجازٌ في العَقْدِ.
واجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ في هَذِهِ النازِلَةِ عَلى اتِّباعِ الحَدِيثِ الصَحِيحِ في «بِنْتِ سَمَوْألَ، امْرَأةَ رِفاعَةَ حِينَ تَزَوَّجَها عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الزُبَيْرِ، وكانَ رِفاعَةُ قَدْ طَلَّقَها ثَلاثًا، فَقالَتْ لِلنَّبِيِّ : إنِّي لا أُرِيدُ البَقاءَ مَعَ عَبْدِ الرَحْمَنِ، ما مَعَهُ إلّا مَثَلُ الهُدْبَةِ"، فَقالَ لَها رَسُولُ اللهِ : لَعَلَّكَ أرَدْتَ الرُجُوعَ إلى رِفاعَةَ ؟؟
لا.
حَتّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكَ وتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ».
فَرَأى العُلَماءُ أنَّ النِكاحَ المُحَلَّ إنَّما هو الدُخُولُ والوَطْءُ وكُلُّهم عَلى أنَّ مَغِيبَ الحَشَفَةِ يَحِلُّ، إلّا الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ فَإنَّهُ قالَ: "لا يَحِلُّ إلّا الإنْزالُ، وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةِ، وقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: التِقاءُ الخِتانَيْنِ يَحِلُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى واحِدٌ، إذْ لا يَلْتَقِي الخِتانانِ إلّا مَعَ المَغِيبِ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ.
ورُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ العَقْدَ عَلَيْها يَحِلُّها لِلْأوَّلِ، وخُطِّئَ هَذا القَوْلُ لِخِلافِهِ الحَدِيثِ الصَحِيحِ، ويَتَأوَّلُ عَلى سَعِيدٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَبْلُغْهُ، ولَمّا رَأى العَقْدَ عامِلًا في مَنعِ الرَجُلِ نِكاحَ امْرَأةٍ قَدْ عَقَدَ عَلَيْها أبُوهُ قاسٍ عَلَيْهِ عَمِلَ العَقْدُ في تَحْلِيلِ المُطَلَّقَةِ وتَحْلِيلُ المُطَلَّقَةِ تَرْخِيصٌ، فَلا يَتِمُّ إلّا بِالأوفى، ومَنَعَ الِابْنَ شِدَّةَ تَدَخُّلٍ بِأرَقِّ الأسْبابِ عَلى أصْلِهِمْ في البِرِّ والحِنْثِ.
والَّذِي يَحِلُّ عِنْدَ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ: النِكاحُ الصَحِيحُ والوَطْءُ المُباحُ، والمُحَلَّلُ إذا وافَقَ المَرْأةَ: فَلَمْ تُنْكَحْ زَوْجًا، ولا يَحِلُّ ذَلِكَ، ولا أعْلَمَ في اتِّفاقِهِ مَعَ الزَوْجَةِ خِلافًا.
وَقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ: إذا قَصَدَ المُحَلِّلُ التَحْلِيلَ وحْدَهُ لَمْ يَحِلَّ، وكَذَلِكَ إنْ قَصَدَتْهُ المَرْأةُ وحْدَها.
ورَخَّصَ فِيهِ -مَعَ قَصْدِ المَرْأةِ وحْدَها- إبْراهِيمُ، والشَعْبِيُّ إذا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ الزَوْجُ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إذا هم أحَدُ الثَلاثَةِ بِالتَحْلِيلِ لَمْ تَحِلَّ لِلْأوَّلِ وهَذا شاذٌّ.
وقالَ سالِمٌ والقاسِمُ: لا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَها لِيُحِلَّها إذا لَمْ يَعْلَمِ الزَوْجانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ ﴾ الآيَةُ.
المَعْنى: إنْ طَلَّقَها المُتَزَوِّجُ الثانِي فَلا جَناحَ عَلَيْهِما أيِ المَرْأةُ والزَوْجُ الأوَّلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولا خِلافَ فِيهِ، والظَنُّ هُنا عَلى بابِهِ مِن تَغْلِيبِ أحَدِ الجائِزَيْنِ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أيْقَنّا".
وقَوْلُهُ في ذَلِكَ ضَعِيفٌ، و"حُدُودُ اللهِ" الأُمُورُ الَّتِي أمَرَ ألّا تَتَعَدّى.
وخَصَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا لَهُمْ، وإذْ هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِما بَيَّنَ، أيْ نُصِبَ لِلْعِبْرَةِ مِن قَوْلٍ أو صَنْعَةٍ.
وأمّا إنْ أرَدْنا بِالتَبْيِينِ خَلْقَ البَيانِ في القَلْبِ فَذَلِكَ يُوجِبُ تَخْصِيصَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ مَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ لَمْ يُبَيِّنْ لَهُ شَيْءٌ، وقَرَأ السَبْعَةُ "يُبَيِّنُها" بِالياءِ.
وقَرَأ عاصِمٌ فِيما رُوِيَ عنهُ "نُبَيِّنُها" بِالنُونِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ ﴾ الآيَةُ -خِطابٌ لِلرِّجالِ لا يَخْتَصُّ بِحُكْمِهِ إلّا الأزْواجُ، وذَلِكَ نَهْيُ لِلرَّجُلِ أنْ يَطَوِّلَ العِدَّةَ عَلى المَرْأةِ مُضارَّةً مِنهُ لَها، بِأنْ يَرْتَجِعَ قُرْبَ انْقِضائِها، ثُمَّ يُطَلِّقُ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَهُ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ، ولا خِلافَ فِيهِ.
ومَعْنى ( بَلَّغْنَ أجْلهنَّ ) قارَبْنَ، لِأنَّ المَعْنى يَضْطَرُّ إلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ بَعْدَ بُلُوغِ الأجَلِ لا خِيارَ لَهُ في الإمْساكِ.
وَمَعْنى "أمْسِكُوهُنَّ": راجِعُوهُنَّ و"بِمَعْرُوفٍ" قِيلَ: هو الإشْهادُ، "وَلا تُمْسِكُوهُنَّ" أيْ لا تُراجِعُوهُنَّ ضِرارًا، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع مرتب على قوله: ﴿ الطلاق مرتان فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ [البقرة: 229] وما بينهما بمنزلة الاعتراض، على أن تقديمه يكسبه تأثيراً في تفريع هذا على جميع ما تقدم؛ لأنه قد علم من مجموع ذلك أن بعد المرتين تخييراً بني المراجعة وعدمها، فرتب على تقدير المراجعة المعبر عنها بالإمساك ﴿ فإن طلقها ﴾ وهو يدل بطريق الاقتضاء على مقدر أي فإن راجعها فطلقها لبيان حكم الطلقة الثالثة.
وقد تهيأ السامع لتلقي هذا الحكم من قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ [البقرة: 229] إذ علم أن ذلك بيان لآخر عدد في الرجعي وأن ما بعده بتات، فذكر قوله: ﴿ فإن طلقها ﴾ زيادة في البيان، وتمهيد لقوله: ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ إلخ فالفاء إما عاطفة لجملة ﴿ فإن طلقها ﴾ على جملة ﴿ فإمساك ﴾ [البقرة: 229] باعتبار ما فيها من قوله ﴿ فإمساك ﴾ ، إن كان المراد من الإمساك المراجعة ومن التسريح عدمها، أي فإن أمسك المطلق أي راجع ثم طلقها، فلا تحل له من بعد، وهذا هو الظاهر، وإما فصيحة لبيان قوله: ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ [البقرة: 229]، إن كان المراد من التسريح إحداث الطلاق، أي فإن ازداد بعد المراجعة فسرح فلا تحل له من بعد، وإعادة هذا على هذا الوجه ليرتب عليه تحريم المراجعة إلا بعد زوج، تصريحاً بما فهم من قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ ويكون التعبير بالطلاق هنا دون التسريح للبيان وللتفنن على الوجهين المتقدمين، ولا يعوزك توزيعه عليهما، والضمير المستتر راجع للمطلق المستفاد من قوله: ﴿ الطلاق مرتان ﴾ والضمير المنصوب راجع للمطلقة المستفادة من الطلاق أيضاً، كما تقدم في قوله: ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ [البقرة: 229].
والآية بيان لنهاية حق المراجعة صراحة، وهي إما إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وتشريع إسلامي جديد، وإما نسخ لما تقرر أول الإسلام إذا صح ما رواه أبو داود في «سننه»، في باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث، عن ابن عباس «أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثاً فنسخ ذلك ونزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ .
ولا يصح بحال عطف قوله: ﴿ فإن طلقها ﴾ على جملة ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ﴾ [البقرة: 229]، ولا صدق الضميرين على ما صدقت عليه ضمائر ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما ﴾ ، و ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ لعدم صحة تعلق حكم قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ بما تعلق به حكم قوله: ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا ﴾ [البقرة: 229] إلخ إذ لا يصح تفريع الطلاق الذي لا تحل بعده المرأة على وقوع الخلع، إذ ليس ذلك من أحكام الإسلام في قول أحد، فمن العجيب ما وقع في «شرح الخطابي على سنن أبي داود»: أن ابن عباس احتج لكون الخلع فسخاً بأن الله ذكر الخلع ثم أعقبه بقوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ الآية قال: " فلو كان الخلع طلاقاً لكان الطلاق أربعاً " ولا أحسب هذا يصح عن ابن عباس لعدم جريه على معاني الاستعمال العربي.
وقوله: ﴿ فلا تحل له ﴾ أي تحرم عليه وذكر قوله: ﴿ من بعد ﴾ أي من بعد ثلاث تطليقات تسجيلاً على المطلق، وإيماء إلى علة التحريم، وهي تهاون المطلق بشأن امرأته، واستخفافه بحق المعاشرة، حتى جعلها لعبة تقلبها عواصف غضبه وحماقته، فلما ذكر لهم قوله ﴿ من بعد ﴾ علم المطلقون أنهم لم يكونوا محقين في أحوالهم التي كانوا عليها في الجاهلية.
والمراد من قوله: ﴿ تنكح زوجاً غيره ﴾ أن تعقد على زوج آخر، لأن لفظ النكاح في كلام العرب لا معنى له إلا العقد بين الزوجين، ولم أر لهم إطلاقاً آخر فيه لا حقيقة ولا مجازاً، وأياً ما كان إطلاقه في الكلام فالمراد في هاته الآية العقد بدليل إسناده إلى المرأة، فإن المعنى الذي ادعى المدعون أنه من معاني النكاح بالاشتراك والمجاز أعني المسيس، لا يسند في كلام العرب للمرأة أصلاً، وهذه نكتة غفلوا عنها في المقام.
وحكمة هذا التشريع العظيم ردع الأزواج عن الاستخفاف بحقوق أزواجهم، وجعلهن لُعباً في بيوتهم، فجعل للزوج الطلقة الأولى هفوة، والثانية تجربة، والثالثة فراقاً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث موسى والخضر: «فكانت الأولى من موسى نسياناً والثانية شرطاً والثالثة عمداً فلذلك قال له الخضر في الثالث ﴿ هذا فراق بيني وبينك ﴾ [الكهف: 78].
وقد رتب الله على الطلقة الثالثة حكمين وهما سلب الزوج حق الرجعة، بمجرد الطلاق، وسلب المرأة حق الرضا بالرجوع إليه إلا بعد زوج، واشتراط التزوج بزوج ثان بعد ذلك لقصد تحذير الأزواج من المسارعة بالطلقة الثالثة، إلا بعد التأمل والتريث، الذي لا يبقى بعده رجاء في حسن المعاشرة، للعلم بحرمة العود إلا بعد زوج، فهو عقاب للأزواج المستخفين بحقوق المرأة، إذا تكرر منهم ذلك ثلاثاً، بعقوبة ترجع إلى إيلام الوجدان، لما ارتكز في النفوس من شدة النفرة من اقتران امرأته برجل آخر، وينشده حال المرأة قول ابن الزَّبير: وفي الناس إن رثَّتْ حِبالك وَاصل *** وفي الأرض عن دار القِلَى متحول وفي الطيبي قال الزجاج: «إنما جعل الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل فحرم عليهما التزوج بعد الثلاث لئلا يعجلوا وأن يثبتوا» وقد علم السامعون أن اشتراط نكاح زوج آخر هو تربية للمطلقين، فلم يخطر ببال أحد إلا أن يكون المراد من النكاح في الآية حقيقته وهي العقد، إلا أن العقد لما كان وسيلة لما يقصد له في غالب الأحوال من البناء وما بعده، كان العقد الذي لا يعقبه وطء العاقد لزوجه غير معتد به فيما قصد منه، ولا يعبأ المطلق الموقع الثلاث بمجرد عقد زوج آخر لم يمس فيه المرأة، ولذلك لما طلق رفاعة بن سموأل القرظي زوجه تميمة ابنة وهب طلقة صادفت أخرى الثلاث، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزَّبير القرظي، جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: «يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإنما معه مثل هدبة هذا الثوب» وأشارت إلى هدب ثوب لها فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة " قالت «نعم» قال " لا، حتى تذوقي عسيلته " الحديث، فدل سؤالها على أنها تتوقع عدم الاعتداد بنكاح ابن الزبير في تحليل من بتها، لعدم حصول المقصود من النكاية والتربية بالمطلق، فاتفق علماء الإسلام على أن النكاح الذي يحل المبتوتة هو دخول الزوج الثاني بالمرأة ومسيسه لها، ولا أحسب دليلهم في ذلك إلا الرجوع إلى مقصد الشريعة، الذي علمه سائر من فهم هذا الكلام العربي الفصيح، فلا حاجة بنا إلى متح دلاء الاستدلال بأن هذا من لفظ النكاح المراد به في خصوص هذه الآية المسيسُ أو هو من حديث رفاعة، حتى يكون من تقييد الكتاب بخبر الواحد، أو هو من الزيادة على النص حتى يجئ فيه الخلاف في أنها نسخ أم لا، وفي أن نسخ الكتاب بخبر الواحد يجوز أم لا، كل ذلك دخول فيما لا طائل تحت تطويل تقريره بل حسبنا إجماع الصحابة وأهل اللسان على فهم هذا المقصد من لفظ القرآن، ولم يشذ عن ذلك إلا سعيد بن المسيب فإنه قال: يحل المبتوتة مجرد العقد على زوج ثان، وهو شذوذ ينافي المقصود؛ إذ أية فائدة تحصل من العقد، إن هو إلا تعب للعاقدين، والولي، والشهود إلا أن يجعل الحكم منوطاً بالعقد، باعتبار ما يحصل بعده غالباً، فإذا تخلف ما يحصل بعده اغتفر، من باب التعليل بالمظنة، ولم يتابعه عليه أحد معروف، ونسبه النحاس لسعيد بن جبير، وأحسب ذلك سهواً منه واشتباهاً، وقد أمر الله بهذا الحكم، مرتباً على حصول الطلاق الثالث بعد طلقتين تقدمتاه فوجب امتثاله وعلمت حكمته فلا شك في أن يقتصر به على مورده، ولا يتعدى حكمه ذلك إلى كل طلاق عبر فيه المطلق بلفظ الثلاث تغليظاً، أو تأكيداً، أو كذباً لأن ذلك ليس طلاقاً بعد طلاقين، ولا تتحقق فيه حكمة التأديب على سوء الصنيع، وما المتلفظ بالثلاث في طلاقه الأول إلا كغير المتلفظ بها في كون طلقته الأولى، لا تصير ثانية، وغاية ما اكتسبه مقاله أنه عد في الحمقى أو الكذابين، فلا يعاقب على ذلك بالتفريق بينه وبين زوجه، وعلى هذا الحكم استمر العمل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدر من خلافة عمر، كما ورد في كتب الصحيح: «الموطأ» وما بعده، عن ابن عباس رضي الله عنه، وقد ورد في بعض الآثار رواية حديث ابن عمر حين طلق امرأته في الحيض أنه طلقها ثلاثاً في كلمة، وورد حديث ركانة بن عبد يزيد المطلبي، أنه طلق امرأته ثلاثاً في كلمة واحدة فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: إنما ملكك الله واحدة فأمره أن يراجعها.
ثم إن عمر بن الخطاب في السنة الثالثة من خلافته حدثت حوادث من الطلاق بلفظ الثلاث في كلمة واحدة فقال: أرى الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم.
وقد اختلف علماء الإسلام فيما يلزم من تلفظ بطلاق الثلاث في طلقة ليست ثالثة، فقال الجمهور: يلزمه الثلاث أخذاً بما قضى به عمر بن الخطاب وتأيد قضاؤه بسكوت الصحابة لم يغيروا عليه فهو إجماع سكوتي، وبناء على تشبيه الطلاق بالنذور والأيمان، يلزم المكلف فيها ما التزمه، ولا خلاف في أن عمر بن الخطاب قضى بذلك ولم ينكر عليه أحد، ولكنه قضى بذلك عن اجتهاد فهو مذهب له، ومذهب الصحابي لا يقوم حجة على غيره، وما أيدوه به من سكوت الصحابة لا دليل فيه؛ لأن الإجماع السكوتي ليس بحجة عند النحارير من الأئمة مثل الشافعي والباقلاني والغزالي والإمام الرازي، وخاصة أنه صدر من عمر بن الخطاب مصدر القضاء والزجر، فهو قضاء في مجال الاجتهاد لا يجب على أحد تغييره، ولكن القضاء جزئي لا يلزم اطراد العمل به، وتصرف الإمام بتحجير المباح لمصلحة مجال للنظر، فهذا ليس من الإجماع الذي لا تجوز مخالفته.
وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الرحمن ابن عوف والزبير بن العوام ومحمد بن إسحاق وحجاج بن أرطاة وطاووس والظاهرية وجماعة من مالكية الأندلس: منهم محمد بن زنباع، ومحمد بن بقي بن مخلد، ومحمد بن عبد السلام الخشني، فقيه عصره بقرطبة، وأصبغ بن الحباب من فقهاء قرطبة، وأحمد بن مغيث الطليطلي الفقيه الجليل، وقال ابن تيمية من الحنابلة: إن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع إلا طلقة واحدة وهو الأرجح من جهة النظر والأثر.
واحتجوا بحجج كثيرة أولاها وأعظمها هذه الآية فإن الله تعالى جعل الطلاق مرتين ثم ثالثة، ورتب حرمة العود على حصول الثالثة بالفعل لا بالقول، فإذا قال الرجل لامرأته: هي طالق طلاقاً ولم تكن تلك الطلقة ثالثة بالفعل والتكرر كذب في وصفها بأنها ثلاث، وإنما هي واحدة أو ثانية فكيف يقدم على تحريم عودها إليه والله تعالى لم يحرم عليه ذلك، قال ابن عباس: «وهل هو إلا كمن قال: قرأت سورة البقرة ثلاث مرات وقد قرأها واحدة فإن قوله ثلاث مرات يكون كاذباً».
الثانية أن الله تعالى قصد من تعدد الطلاق التوسعة على الناس؛ لأن المعاشر لا يدري تأثير مفارقة عشيره إياه، فإذا طلق الزوج امرأته يظهر له الندم وعدم الصبر على مفارقتها، فيختار الرجوع فلو جعل الطلقة الواحدة مانعة بمجرد اللفظ من الرجعة، تعطل المقصد الشرعي من إثبات حق الرجعة، قال ابن رشد الحفيد في «البداية» «وكأن الجمهور غلبوا حكم التغليظ في الطلاق سداً للذريعة ولكن تبطل بذلك الرخصة الشرعية والرفق المقصود من قوله تعالى: ﴿ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً ﴾ [الطلاق: 1].
الثالثة قال ابن مغيث: إن الله تعالى يقول: ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وموقع الثلاث غير محسن، لأن فيها ترك توسعة الله تعالى، وقد يخرَّج هذا بقياس على غير مسألة في «المدونة»: من ذلك قول الإنسان: ﴿ مالي صدقة في المساكين ﴾ قال مالك يجزئه الثلث.
الرابعة احتجوا بحديث ابن عباس في «الصحيحين» " كان طلاق الثلاث في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر طلقة واحدة ".
وأجاب عنه الجمهور بأن راويه طاووس وقد روى بقية أصحاب ابن عباس عنه أنه قال من طلق امرأته ثلاثاً فقد عصى ربه وبانت منه زوجه، وهذا يوهن رواية طاووس، فإن ابن عباس لا يخالف الصحابة إلى رأي نفسه، حتى قال ابن عبد البر رواية طاووس وهم وغلط، وعلى فرض صحتها، فالمراد أن الناس كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الناس ثلاث تطليقات وهو معنى قول عمر «إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة» فلو كان ذلك واقعاً في زمن الرسول وأبي بكر لما قال عمر إنهم استعجلوا ولا عابه عليهم، وهذا جواب ضعيف، قال أبو الوليد الباجي: الرواية عن طاووس بذلك صحيحة.
وأقول: أما مخالفة ابن عباس لما رواه فلا يوهن الرواية كما تقرر في الأصول، ونحن نأخذ بروايته وليس علينا أن نأخذ برأيه، وأما ما تأولوه من أن المراد من الحديث أن الناس كانوا يوقعون طلقة واحدة بدل إيقاع الثلاث فهو تأويل غير صحيح ومناف لألفاظ الرواية ولقول عمر «فلو أمضيناه عليهم» فإن كان إمضاؤه عليهم سابقاً من عهد الرسول لم يبق معنى لقوله: «فلو أمضيناه عليهم» وإن لم يكن إمضاؤه سابقاً بل كان غير ماض حصل المقصود من الاستدلال.
الخامسة ما رواه الدارقطني أن ركانة بن عبد يزيد المطلبي طلق زوجه ثلاثاً في كلمة واحدة فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إنما هي واحدة أو إنما تلك واحدة فارتجعها.
وأجاب عنه أنصار الجمهور بأنه حديث مضطرب؛ لأنه روي أن ركانة طلق، وفي رواية أن يزيد بن ركانة طلق وفي رواية طلق زوجه ثلاثاً وزاد في بعض الروايات أنه طلقها ثلاثاً وقال: أردت واحدة فاستحلفه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
وهو جواب واهٍ لأنه سواء صحت الزيادة أم لم تصح فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالواحدة فيما فيه لفظ الثلاث، ولا قائل من الجمهور بالتوهية فالحديث حجة عليهم لا محالة إلا أن روايته ليست في مرتبة معتبرة من الصحة.
السادسة ما رواه الدارقطني في حديث تطليق ابن عمر زوجه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإنه زاد فيه أنه طلقها ثلاثاً ولا شك أن معناه ثلاثاً في كلمة، لأنها لو كانت طلقة صادفت آخر الثلاث لما جاز إرجاعها إليه، ووجه الدليل أنه لما أمره أن يردها فقد عدها عليه واحدة فقط، وهذا دليل ضعيف جداً لضعف الرواية ولكون مثل هذه الزيادة مما لا يغفل عنها رواة الحديث في كتب الصحيح ك«الموطأ» و«صحيح البخاري» و«مسلم».
والحق أنه لا يقع إلا طلقة واحدة ولا يعتد بقول المطلق ثلاثاً.
وذهب مقاتل وداود الظاهري في رواية عنه أن طلاق الثلاث في كلمة واحدة لا يقع طلاقاً بالمرة، واحتج بأن القرآن ذكر الطلاق المفرَّق ولم يذكر المجموع فلا يلزم لأنه غير مذكور في القرآن.
ولو احتج لهما بأنه منهي عنه والمنهي عنه فاسد لكان قريباً، لولا أن الفساد لا يعتري الفسوخ، وهذا مذهب شاذ وباطل، وقد أجمع المسلمون على عدم العمل به، وكيف لا يقع طلاقاً وفيه لفظ الطلاق.
وذهب ابن جبير وعطاء وابن دينار وجابر بن زيد إلى أن طلاق البكر ثلاثاً في كلمة يقع طلقة واحدة، لأنه قبل البناء بخلاف طلاق بالمبني بها وكأنَّ وجه قولهم فيه: وأن معنى الثلاث فيه كناية عن البينونة والمطلقة قبل البناء تبينها الواحدة.
ووصف ﴿ زوجاً غيره ﴾ تحذير للأزواج من الطلقة الثالثة، لأنه بذكر المغايرة يتذكر أن زوجته ستصير لغيره كحديث الواعظ الذي اتعظ بقول الشاعر: اليومَ عندك دَلُّها وحديثُها *** وغداً لغيرك زندها والمعصم وأسند الرجعة إلى المتفارقين بصيغة المفاعلة لتوقفها على رضا الزوجة بعد البينونة ثم علق ذلك بقوله: ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ أي أن يسيرا في المستقبل على حسن المعاشرة وإلا فلا فائدة في إعادة الخصومات.
و ﴿ حدود الله ﴾ هي أحكامه وشرائعه، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها.
وحقيقة الحدود هي الفواصل بين الأرضين ونحوها وقد تقدم في قوله: ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ [البقرة: 229] والإقامة استعارة لحفظ الأحكام تبعاً لاستعارة الحدود إلى الأحكام كقولهم: نَقَض فلان غزله، وأما قوله: ﴿ وتلك حدود الله يبينها ﴾ فالبيان صالح لمناسبة المعنى الحقيقي والمجازي؛ لأنّ إقامة الحدّ الفاصل فيه بيان للناظرين.
والمراد ﴿ بقوم يعلمون ﴾ ، الذين يفهمون الأحكام فهماً يهيئهم للعمل بها، وبإدراك مصالحها، ولا يتحيلون في فهمها.
﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ الله يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ الواو اعتراضية، والجملة معترضة بين الجملتين المعطوفة إحداهما على الأخرى، وموقع هذه الجملة كموقع جملة ﴿ تلك حدود الله فلا تعتدوها ﴾ [البقرة: 229] المتقدمة آنفاً.
و ﴿ وتلك حدود الله ﴾ تقدم الكلام عليها قريباً.
وتبيين الحدود ذكرها للناس موضحة مفصلة معللة، ويتعلق قوله ﴿ لقوم يعلمون ﴾ بفعل ﴿ يبينها ﴾ ، ووصف القوم بأنهم يعلمون صريح في التنويه بالذين يدركون ما في أحكام الله من المصالح، وهو تعريض بالمشركين الذين يعرضون عن اتّباع الإسلام.
وإقحام كلمة (لقوم) للإِيذان بأن صفة العلم سجيتهم وملكة فيهم، كما تقدم بيانه عند قوله تعالى: ﴿ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار إلى قوله لأيات لقوم يعقلون ﴾ [البقرة: 164].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بَيانٌ لِعَدَدِ الطَّلاقِ وتَقْدِيرُهُ: بِالثَّلاثِ، وأنَّهُ يَمْلِكُ في الِاثْنَيْنِ الرَّجْعَةَ ولا يَمْلِكُها في الثّالِثَةِ، وهو قَوْلُ عُرْوَةَ وقَتادَةَ، ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ ناسِيًا، إنْ راجَعَ امْرَأتَهُ قُبَيْلَ أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُها كانَتِ امْرَأتَهُ، فَغَضِبَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَلى امْرَأتِهِ، فَقالَ لَها: لا أقْرَبُكِ ولا تَخْتَلِينَ مِنِّي، قالَتْ لَهُ كَيْفَ؟
أُطَلِّقُكِ فَإذا دَنا أجْلُكِ راجَعْتُكِ، فَشَكَتْ زَوْجَها إلى النَّبِيِّ ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ الطَّلاقُ مَرَّتانِ ﴾ الآيَةَ.
» والتَّأْوِيلُ الثّانِي: أنَّهُ بَيانٌ لِسُنَّةِ الطَّلاقِ أنْ يُوقِعَ في كُلِّ قَوْلٍ طَلْقَةً واحِدَةً، وهو قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: الأوَّلُ: هَذا في الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، رَوى سُفْيانُ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ فَقالَ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَأيْنَ الثّالِثَةُ؟
قالَ: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ »، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ.
والثّانِي: ﴿ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ الرَّجْعَةُ بَعْدَ الثّانِيَةِ ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ والإمْساكُ عَنْ رَجْعَتِها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ.
الإحْسانُ هو تَأْدِيَةُ حَقِّها، والكَفُّ عَنْ أذاها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ يَعْنِي مِنَ الصَّداقِ ﴿ إلا أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الياءِ مِن (يَخافا)، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِها، والخَوْفُ هَهُنا بِمَعْنى الظَّنِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أتانِي كَلامٌ عَنْ نَصِيبٍ يَقُولُهُ وما خِفْتُ بِالإسْلامِ أنَّكَ عائِبِي يَعْنِي وما ظَنَنْتُ.
وَفي ﴿ أنْ يَخافا ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنْ يَظْهَرَ مِنَ المَرْأةِ النُّشُوزُ وسُوءُ الخُلُقِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنْ لا تُطِيعَ لَهُ أمْرًا، ولا تَبَرَّ لَهُ قَسَمًا، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ.
والثّالِثُ: هو أنْ يُبْدِيَ لِسانُها أنَّها لَهُ كارِهَةٌ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
والرّابِعُ: أنْ يَكْرَهَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، فَلا يُقِيمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَقِّ صاحِبِهِ، وهو قَوْلُ طاوُسٍ، وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والقاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، رَوى ثابِتُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ « (المُخْتَلِعاتُ والمُنْتَزِعاتُ هُنَّ المُنافِقاتُ)» .
يَعْنِي الَّتِي تُخالِعُ زَوْجَها لِمَيْلِها إلى غَيْرِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: افْتَدَتْ بِهِ نَفْسَها مِنَ الصَّداقِ وحْدَهُ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، والحَسَنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ تُخالِعَ زَوْجَها بِالصَّداقِ وبِأكْثَرَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، والشّافِعِيِّ.
رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: أنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ حَدَّثَتْهُ قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ يُقِلُّ عَلَيَّ الخُبْزَ إذا حَضَرَ، ويَحْرِمُنِي إذا غابَ، قالَتْ: وكانَتْ مِنِّي زَلَّةٌ يَوْمًا فَقُلْتُ: أنْخَلِعُ مِنكَ بِكُلِّ شَيْءٍ أمْلِكُهُ، قالَ: نَعَمْ، قالَتْ فَفَعَلْتُ، قالَتْ: فَخاصَمَ عَمِّي مُعاذَ بْنَ عَفْراءَ إلى عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، فَأجازَ الخُلْعَ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ ما دُونُ عِقاصِ الرَّأْسِ.
واخْتَلَفُوا في نَسْخِها، فَحُكِيَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ الخُلْعَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا ﴾ وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في جَوازِ الخُلْعِ.
وَقَدْ رَوى أيُّوبُ، عَنْ كَثِيرٍ مَوْلى سَمُرَةَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أُتِيَ بِامْرَأةٍ ناشِزَةٍ، فَأمَرَ بِها إلى بَيْتِ كَثِيرٍ، فَحَبَسَها ثَلاثًا، ثُمَّ دَعاها فَقالَ: كَيْفَ وجَدْتِ مَكانَكِ؟
قالَتْ: ما وجَدْتُ راحَةً مُنْذُ كُنْتُ إلّا هَذِهِ اللَّيالِيَ الَّتِي حَبَسْتَنِي، فَقالَ لِزَوْجِها: اخْلَعْها ولَوْ مِن قُرْطِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ طَلَّقَها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ تَخْيِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ ﴾ ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
﴿ فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ يَعْنِي أنَّها لا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ المُطَلِّقِ ثَلاثًا حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ نِكاحَ الثّانِي إذا طَلَّقَها مِنهُ أحَلَّها لِلْأوَّلِ سَواءٌ دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.
والثّانِي: أنَّها لا تَحِلُّ لِلْأوَّلِ بِنِكاحِ الثّانِي، حَتّى يَدْخُلَ بِها فَتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَها، لِلسُّنَّةِ المَرْوِيَّةِ فِيهِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ يقول: فإن طلقها ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح غيره.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فإن طلقها فلا تحل له ﴾ قال: عاد إلى قوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ [ البقرة: 229] .
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ قال: هذه الثالثة التي ذكر الله عز وجل، جعل الله عقوبة الثالثة أن لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
وأخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب ﴿ فإن طلقها فلا تحل له ﴾ قال: هذه الثالثة.
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن أم سلمة «أن غلاماً لها طلق امرأة تطليقتين، فاستفتت أم سلمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره» .
وأخرج الشافعي والبيهقي عن عمر بن الخطاب قال: ينكح العبد امرأتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد الأمة حيضتين، فإن لم تكن تحيض فشهرين.
وأخرج مالك والشافعي والنحاس في ناسخه والبيهقي عن ابن عمر.
أنه كان يقول: إذا طلق العبد امرأته اثنتين فقد حرمت عليه حتى تنكح زوجاً غيره حرة كانت أو أمة، وعدة الأمة حيضتان وعدة الحرة ثلاث حيض.
وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن ابن المسيب.
أن نفيعاً مكاتباً لأم سلمة طلق امرأته حرة تطليقتين، فاستفتى عثمان بن عفان فقال له: حرمت عليك.
وأخرج مالك والشافعي والبيهقي عن سليمان بن يسار.
أن نفيعاً مكاتباً لأم سلمة كانت تحته حرة، فطلقها اثنتين ثم أراد أن يراجعها، فأمره أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي عثمان بن عفان يسأله عن ذلك، فذهب إليه وعنده زيد بن ثابت، فسألهما فقالا: حرمت عليك حرمت عليك.
وأما قوله تعالى: ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ويهزها.
وأخرج ابن المنذر عن مقاتل بن حيان قال: «نزلت هذه الآية في عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضري، كانت عند رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها فطلقها طلاقاً بائناً، فتزوّجت بعده عبد الرحمن بن الزبير القرظي فطلقها، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنه طلقني قبل أن يمسني أفأرجع إلى الأول؟
قال: لا حتى يمس.
فلبثت ما شاء الله، ثم أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: إنه قد مسّني.
فقال: كذبت بقولك الأوّل فلم أصدّقك في الآخر.
فلبثت حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى الأول فإن الآخر قد مسني؟
فقال أبو بكر: شهدت النبي صلى الله عليه وسلم قال لك: لا ترجعي إليه فلما مات أبو بكر أتت عمر فقال له: لئن أتيتني بعد هذه المرة لأرجمنك فمنعها، وكان نزل فيها ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ فيجامعها، فإن طلقها بعد ما جامعها فلا جناح عليهما أن يتراجعا» .
وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبنت طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك؟» .
وأخرج والبخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والبيهقي عن عائشة «أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت زوجاً وطلقها قبل أن يمسها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أتحل للأول؟
قال: لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس.
أن المرأة التي طلق رفاعة القرظي اسمها تميمة بنت وهب بن عبيد، وهي من بني النضير.
وأخرج مالك والشافعي وابن سعد والبيهقي عن الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير «أن رفاعة بن سموأل القرظي طلق امرأته تميمة بنت وهب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، فنكحها عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول الذي كان طلقها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاه أن يتزوجها وقال: لا تحل لك حتى تذوق العسيلة» .
وأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير عن أبيه «أن رفاعة بن سموأل طلق امرأته، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله قد تزوجني عبد الرحمن وما معه إلا مثل هذه، وأومأت إلى هدبة من ثوبها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن كلامها ثم قال لها تريدين أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك؟» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته فتزوجت زوجاً غيره، فدخل بها ثم طلقها قبل أن يواقعها أتحل لزوجها الأول؟
قال: لا حتى تذوق عسيلة الآخر ويذوق عسيلتها» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وابن جرير والبيهقي عن ابن عمر قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثاً فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول؟
قال: لا حتى تذوق عسيلته.
وفي لفظ: حتى يجامعها الآخر» .
وأخرج أحمد وابن جرير والبيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل كانت تحته امرأة فطلقها ثلاثاً فتزوجت بعده رجلاً، فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لزوجها الأول؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها وذاقت من عسيلته» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في المرأة يطلقها زوجها ثلاثاً فتتزوج زوجاً غيره، فيطلقها قبل أن يدخل بها فيريد الأول أن يراجعها قال: لا حتى يذوق عسيلتها» .
وأخرج أحمد والنسائي عن عبد الله بن عباس «أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء زوجها فقال: يا رسول الله هي كاذبة، وهو يصل إليها ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس ذلك لك حتى يذوق عسيلتك رجل غيره» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة وأنس قالا: لا تحل للأوّل حتى يجامعها الآخر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: لا تحل له حتى يهزها به هزيز البكر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تحل له حتى يقشقشها به.
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه ليحلها لأخيه هل تحل للأوّل؟
فقال: لا الا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا الا نكاح رغبة لا نكاح دلسة ولا استهزاء بكتاب الله، ثم يذوق عسيلتها» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمرو بن دينار عن النبي صلى الله عليه وسلم.
نحوه.
وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له.
وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والبيهقي في سننه عن علي «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لعن الله المحلل والمحلل له» .
وأخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن المحلل والمحلل له.
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بالتيس المستعار؟
قالوا: بلى يا رسول الله قال: هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له» .
وأخرج أحمد وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله المحلل والمحلل له» .
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو بكر بن الأثرم في سننه والبيهقي عن عمر، أنه قال: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.
وأخرج البيهقي عن سليمان بن يسار «أن عثمان بن عفان رفع إليه رجل تزوّج امرأة ليحللها لزوجها، ففرق بينهما وقال: لا ترجع إليه الا نكاح رغبة غير دلسة» .
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس.
أن رجلاً سأله فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثاً قال: إن عمك عصى الله فاندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجاً.
قال: كيف ترى في رجل يحلها له؟
قال: من يخادع الله يخدعه.
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبيهقي عن زيد بن ثابت.
أنه كان يقول في الرجل يطلق الأمة ثلاثاً ثم يشتريها: إنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
وأخرج مالك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار، أنهما سئلا عن رجل زوج عبداً له جارية فطلقها العبد البتة، ثم وهبها سيدها له هل تحل له بملك اليمين؟
فقالا: لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
وأخرج البيهقي عن عبيدة السلماني قال: إذا كان تحت الرجل مملوكة فطلقها- يعني البتة- ثم وقع عليها سيدها لا يحلها لزوجها إلا أن يكون زوج لا تحل له إلا من الباب الذي حرمت عليه.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن مسعود قال: لا يحلها لزوجها وطء سيدها حتى تنكح زوجاً غيره.
وأخرج عبد الرزاق عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان.
أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، فأتى ابن عباس يسأله وعنده أبو هريرة فقال ابن عباس: إحدى المعضلات يا أبا هريرة.
فقال أبو هريرة: واحدة تبتها، وثلاث تحرمها.
فقال ابن عباس: نورتها يا أبا هريرة.
وأما قوله تعالى: ﴿ فإن طلقها فلا جناح عليهما ﴾ الآية.
أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن محمد بن الحنفية قال: قال علي رضي الله عنه: «أشكل علي امران.
قوله: ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ﴾ فدرست القرآن، فعلمت أنه يعني إذا طلقها زوجها الآخر رجعت إلى زوجها الأول المطلق ثلاثاً.
قال: وكنت رجلاً مذاء، فاستحيت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن ابنته كانت تحتي، فأمرت المقداد بن الأسود فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال» فيه الوضوء «» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس ﴿ فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا ﴾ يقول: إذا تزوّجت بعد الأول فدخل بها الآخر فلا حرج على الأول أن يتزوّجها إذا طلقها الآخر، أو مات عنها فقد حلت له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ يقول: إن ظنا أن نكاحهما على غير دلسة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ يقول: على أمر الله وطاعته.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ قال صاحب النظم: قوله: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ فصل مضمن فصلًا آخر، قد اعترض بينهما فصل سواهما، وهو قوله: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا ﴾ إلى آخرها.
فلما فرغ من الفصل المعترض عاد إلى الفصل الأول الذي ضمنه الفصل الثالث، فقال: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ يعنى: الزوج المطلق اثنتين المضمر في اللفظ الذي أخرجه مخرج الخبر بقوله: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ ففي هذا دليل على أن تأويل قوله: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ (١) ﴿ بِإِحْسَانٍ ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ﴾ أي: من بعد التطليقة الثالثة.
وهو رفع على الغاية؛ لأنه لما حذف من الكلام ما أضيف إليه (بعدُ) رفع على الغاية (٣) ﴿ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أي: غير المُطَلِّقِ، والنكاح لفظ يتناول العقد والوطء جميعًا، فلا تحل للأول ما لم يصبها الثاني (٤) قال لعائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرظى (٥) (٦) (٧) فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبتَّ طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هُدْبَةِ الثوب (٨) ، وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رِفاعة؟
لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عُسيلتك (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ يعنى: الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة، لأنه قد ذكره بقوله: ﴿ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ (١١) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ يعنى: على المرأة المطلقة وعلى الزوج الأول، ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ بنكاح جديد، فذكر لفظ النكاح بلفظ التراجع، لما كان بينهما قبل هذا من الزوجية، فإذا تناكحا فقد تراجعا إلى ما كانا عليه من النكاح، فهذا تراجع لغوي (١٢) ومحل (أن) في قوله: ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ نصب؛ لأن المعنى: لا جناح عليهما في أن يتراجعا (١٣) قال (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) ﴿ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ﴾ (١٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ ظَنَّا ﴾ أي: إن علما وأيقنا أنهما يقيمان حدودَ الله (١٩) وقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ خص العالمين بالذكر، وهو في المعنى عام لهم ولغيرهم؛ لأنهم الذين ينتفعون ببيان (٢٠) (٢١) ﴿ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ .
(١) من قوله: ففي هذا.
ساقط من (ي).
(٢) ساقطة من (ي).
(٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1096، "البحر المحيط" 2/ 200.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 476 - 477، "تفسير الثعلبي" 2/ 1096.
(٥) هي عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك النضيري القرظي، زوج رفاعة بن وهب، نزلت في طلاقها هذه آيات، صحابية.
ينظر "أسد الغابة" 2/ 233، 7/ 193.
وقد وقع في اسم المطلقة اختلاف ينظر "فتح الباري" 9/ 464 - 465.
(٦) هو: رفاعة بن وهب بن عتيك، صحابي طلق زوجه طلاقا بائناً فنزل بشأنه قرآن.
ينظر "أسد الغابة" 2/ 233.
وينظر الاختلاف فيه في "فتح الباري" 9/ 464.
(٧) عبد الرحمن بن الزبير بن باطيا القرظي المدني، وقال ابن منده: هو ابن الزبير بن زيد الأوسي، قال ابن الأثير: واتفقوا على أنه هو الذي تزوج المرأة التي طلقها رفاعة.
ينظر "المؤتلف والمختلف" 3/ 1139، و"الإصابة" 4/ 159.
(٨) أرادت أن متاعه في عدم الانتشار والاسترخاء كطرف الثوب الذي لم ينسج.
ينظر "فتح الباري" 9/ 465.
(٩) رواه البخاري (2639) كتاب: الشهادات، باب: شهادة المختبئ، ومسلم (1433) كتاب: النكاح، باب: لا تحل المطلقة ثلاثا حتى تنكح زوجا ويطأها عن عائشة.
(١٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308 - 309.
(١١) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 308، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102.
(١٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1102.
(١٣) من قوله: (نصب ..) ساقطة من (ش).
(١٤) في (م): (وقال).
(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309.
(١٦) في (ي): (يريد).
(١٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 148.
(١٨) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102، "التبيان" 135، "البحر المحيط" 2/ 202.
(١٩) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 74، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 78، وتأويل مشكل القرآن ص 187، وقيل: (إن ظنا) أي: رجوا، ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم؛ لأن أحدا لا يعلم ما هو كائن إلا الله.
ينظر "تفسير الطبري" 2/ 478 - 479، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 309، "تفسير الثعلبي" 2/ 1102.
(٢٠) ساقطة من (ي).
(٢١) في (ش) (لنباهيهم).
<div class="verse-tafsir"
﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه دون زوج آخر، وقيل: بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السنة ﴿ فَإِمْسَاكٌ ﴾ ارتجاع، وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ حسن المعاشرة وتوفية الحقوق ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ ﴾ هو تركها حتى تنقضي العدة فتبين منه ﴿ بإحسان ﴾ المتعة، وقيل: التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، وروي في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد؛ لأن قوله تعالى بعد ذلك ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكراراً، والطلقة الرابعة لا معنى لها ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ﴾ الآية: نزلت بسبب ثابت بن قيس: اشتكت منه امرأته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أتردّين عليه حديقته، قالت: نعم فدعاه فطلقها على ذلك.
وحكمها على العموم.
وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية، وهي الخلع، وظاهرها أنه: لا يجوز الخلع إلاّ إذا خاف الزوجان ﴿ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما.
ثم إن المخالعة على أربعة أحوال: الأول: أن تكون من غير ضرر من الزود ولا من الزوجة: فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ ﴾ الآية [النساء: 4] ومنعها قوم لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ ، والثاني: أن يكون الضرر منهما جميعاً فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ [النساء: 19] وأجازه الشافعي لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ الثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصة، فأجازه الجمهور لظاهر هذه الآية، والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة: فمنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية [النساء: 20] وأجازه أبو حنيفة مطلقاً، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ خطاب للحكام والمتوسطين في هذا الأمر ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ هذه هي الطقلة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله: الطلاق مرتان ﴿ حتى تَنْكِحَ ﴾ أجمعت الأئمة على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطء، لقوله صلى الله عليه وسلم للمطلقة ثلاثاً حين أرادت الرجوع إلى مطلقها قبل أن يمسها الزوج الآخر: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد يحلها دون وطء، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع، وإنما تحل عند مالك إذا كان النكاح صحيحاً لا شبهة فيه، والوطء مباحاً في غيرحيض ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام، خلافاً لابن الماجشون في الوطء غير المباح، وأما نكاح المحلل فحرام، ولا يحل الزوجة لزوجها عند مالك، خلافاً لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نية المحلل لا نية المرأة، ولا المحلل له، وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ يعني هذا الزوج الثاني ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ ﴾ أي على الزوجة والزوج الأول ﴿ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ أي أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ الآية خطاب للأزواج، وهي نهي عن أن يطول الرجل العدة على المرأة مضارة منه لها، بل يرتجع قرب انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذٍ، ومعنى ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذٍ، ومعنى ﴿ أَمْسِكُوهُنَّ ﴾ راجعوهنّ ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ هنا قبل: هو الإشهاد وقيل: النفقة ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ أي لا تمنعوهن ﴿ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ أي: يراجعن الأزواج الذين طلقوهن، قال السهيلي: نزلت في معقل بن يسار كان له أخت، فطلقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله وذلك؛ أنّ رجلاً طلق أخته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد مراجعتها فمنعها جابر وقال: تركتها وأنت أملك بها، لا زَوَّجْتُكها أبداً، فنزلت الآية، والمعروف هنا: العدل، وقيل: الإشهاد، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في نكاح وليه؛ خلافاً لأبي حنيفة ﴿ ذلك يُوعَظُ بِهِ ﴾ خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل واحد على حدته، ولذلك وحد ضمير الخطاب ﴿ ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ خطاباً للمؤمنين والإشارة إلى ترك العضل، ومعنى أزكى أطيب للنفس، ومعنى أطهر: أي للدين والعرض.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أن يخافا ﴾ بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء ﴿ نبينها ﴾ بالنون المفضل.
الباقون بياء الغيبة ﴿ يفعل ذلك ﴾ مدغماً حيث كان: أبو الحرث عن علي ﴿ فقد ظلم ﴾ مظهراً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى.
الوقوف: ﴿ قروء ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ إصلاحاً ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ مرتان ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ حدود الله ﴾ الأول ط ﴿ افتدت به ﴾ ط ﴿ تعتدوها ﴾ ج ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لتعتدوا ﴾ ج ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ هزوا ﴾ ص لطول ما بعده ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه.
التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق.
ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة.
واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولاً بها ولا عدة عليه لقوله ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها ﴾ وإما أن تكون مدخولاً بها وحينئذ إن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل قال : ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ﴾ وإن كانت حائلاً فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن ﴾ وإن كان المحيض في حقها ممكناً فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله ﴿ والمطلقات ﴾ لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض.
لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاقلفظ الكل على الغالب لا المغلوب.
فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض.
وههنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟
لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما.
وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باقٍ على تناوله الأغلب.
وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود.
وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد وتقوّ.
ولو قيل: "وليتربصن المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال "يتربصن ثلاثة قروء" تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن.
والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين.
وفي الصحاح بفتح القاف فقط.
ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما.
وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر.
وقيل بالعكس.
وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت.
وقيل: "هذا قارئ الرياح" لوقت هبوبها.
ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتاً معيناً وهذا قول أبي عمرو بن العلاء.
ثم إن الله أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين.
ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية.
وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض.
وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى.
وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها.
وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها.
ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله ﴿ فطلقوهن لعدتهن ﴾ أي في زمان عدتهن.
وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن كما تقول: "لثلاث بقين من الشهر" أي مستقبلاً لثلاث.
وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: "لثلاث بقين من الشهر" معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه.
فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه.
ولما كان الإذن حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة.
وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟
الأقراء الأطهار.
ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم.
وأيضاً التركيب يدل على الجمع.
وأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج.
فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة.
وأيضاً الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع.
ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له.
وأيضاً الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب.
حجة أبي حنيفة قوله "دعي الصلاة أيام أقرائك" وقوله "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني.
فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه.
وانتصاب ﴿ ثلاث قروء ﴾ على أنه مفعول به كقولهم "المحتكر يتربص الغلاء" أي يتربصن مضي ثلاثة قروء.
أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء.
وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دو القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: ﴿ بأنفسهن ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة.
وأيضاً فلعل القروء أكثر استعمالاً فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم "ثلاثة شسوع".
ثم إن أمر العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذراً على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوماً وساعة.
لأنها إذا طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوماً وليلة - وهو أقل الحيض - ثم طهرت خمسة عشر يوماً - وهو أقل الطهر - ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار.
فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معاً.
وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما.
أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني.
وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولاً فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة.
وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها.
وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ﴾ وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل.
وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه.
وفي قوله ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.
وفيه أن من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.
الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ والبعل الزوج والجمع البعولة.
والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة.
وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع.
ويقال للمرأة أيضاً بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك.
يقال: مَنْ بعل هذه الناقة؟
أي مَنْ ربها وصاحبها؟
ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله "بعل حسن البعولة" وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن.
قال تعالى في موضع: ﴿ ولئن رددت إلى ربي ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولئن رجعت ﴾ فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة.
وإنما تكون البعولة أحق عند الله برجعتهن إن أرادوا إصلاحاً لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعاً لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.
فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقاً فيها؟
فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم.
والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل.
فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال.
قال أبو هريرة: "قيل لرسول الله : أي النساء خير؟
قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره" وفي حديث حجة الوداع "ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله ﴿ ولهن مثل الذي عليهن ﴾ وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان.
﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب.
أصلها من درج الرجل.
والضب يدرج دروجاً أي مشى ودرج أي مضى لسبيله.
ودرج القوم إذا انقرضوا.
وفي المثل "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات.
وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال : "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان" وفي خبر آخر "اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة" وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر.
ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم ﴾ وعن النبي "لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها" ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.
الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة.
وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له.
فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله فنزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها.
والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث.
وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أن العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة.
والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم.
وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ﴾ أي كرة بعد كرة، وقولهم "لبيك وسعديك".
وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام.
وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة م، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو "طلقوا مرتين أو دفعتين" إلى لفظ الخبر كما مر في قوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثاً لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة - إنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه.
وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة.
وأما قول ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين.
فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه.
ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة.
روي أنه لما نزل قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قيل له : فأين الثالثة؟
فقال: هو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة.
ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح.
فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ طلقة رابعة وإنه غير جائز.
وأيضاً لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ أو يطلقها وذلك قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ فلو جعلنا التسريح طلاقاً لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها.
وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة.
ثم إن إكمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده.
الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه لما أمر بالتسريح مقروناً بإحسان بيَّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة النساء ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ﴾ والخطاب في قوله ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للأزواج وفي قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ للأئمة والحكام.
ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضاً للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون "روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي.
وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب.
فأتت رسول الله وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً.
فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟
قالت: نعم وأزيده.
فقال : لا، حديقته فقط.
ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها" ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام.
ومعنى قوله ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع.
فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ ثم قال: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت.
ومعنى ﴿ فيما افتدت به ﴾ فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، ولقوله لا حديقته فقط.
حين قالت جميلة: نعم وأزيده.
ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعدما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له.
وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين.
فكما أن للمرأة عند النكاح أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟
قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن.
فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها.
ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله.
وقيل: هو من قولهم "خذه ولو بقرطي مارية" وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار.
ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى.
وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.
والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديباً فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً والزوج مأثوم بما فعل.
فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أناه إذا لم تطعه اعتدى عليها.
ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله ﴿ فمن خاف من موصٍ جنفاً ﴾ ومن قرأ ﴿ إلا أن يخافا ﴾ على البناء للمفعول جعل ﴿ ألا يقيما ﴾ بدلاً من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل "خيف زيد تركه إقامة حدود الله" ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خلعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود م وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقاً كما لو قال: أنت طالق على كذا.
ولأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع.
وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه.
والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر.
ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقاً وقد قال عقيب ذلك ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ لكان الطلاق أربعاً، ولأن النبي أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد ﴿ تلك ﴾ أي المذكورات من أحكام الطلاق ﴿ حدود الله فلا تعتدوها ﴾ فلا تتجاوزوا عنها ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ والظالم اسم ذم وتحقير.
فوقوع هذا الاسم عليه يكون جارياً مجرى الوعيد.
وكيف لا والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضاً بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة.
الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره.
والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم.
هذا عند من يفسر قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ بالطلاق الرجعي.
وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق.
فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ واستوفى نصابه ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ ذلك ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .
ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله ﴿ زوجاً ﴾ يدل على العقد.
وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات ﴾ ويؤيد هذاما روي عن عائشة "أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني.
وإن ما معه مثل هدبة الثوب.
فقال رسول الله : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟
لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" .
كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل.
ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه.
فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها.
وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة.
ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً.
ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل.
ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة.
ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به.
وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل.
وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح.
وعن النبي "لعن المحلل والمحلل له" وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.
﴿ فإن طلقها ﴾ أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ على المرأة المطلقة والزوج الأول في ﴿ أن يتراجعا ﴾ بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة.
والجواب أن الآية مخصوصة بقوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً.
من قرأ ﴿ نبينها ﴾ بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال.
وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة.
فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ﴾ وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك.
ثم إنه لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل إلى أحد هذين: الأول قوله ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها.
والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها.
يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضاً يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ.
فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين.
ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً ﴾ مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر.
وقيل: الضرار سوء العشرة.
وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله.
ومعنى قوله ﴿ لتعتدوا ﴾ أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً ﴾ أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية.
وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء ﴿ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ﴾ بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين.
أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله وتكاليفه ﴿ ولا تتخذوا آيات الله هزواً ﴾ فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزئ بها.
أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث.
وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعباً.
فنزلت فقرأها رسول الله وقال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" وروي "الطلاق والعناق والنكاح" وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله كان كالمستهزئ بآيات الله.
ثم إنه لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم.
فبدأ أولاً بذكرها على الإجمال فقال: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد ، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: ﴿ وما أنزل عليكم ﴾ عطفاً على النعمة ﴿ من الكتاب والحكمة ﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿ يعظكم به ﴾ في محل النصب حالاً مما أنزل أو من فاعل "أنزل".
ويحتمل أن يكون ﴿ ما أنزل ﴾ الصلة والموصول مبتدأ، وقوله ﴿ يعظكم به ﴾ خبراً ﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم ﴾ فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ بلوغ الأجل ههنا على الحقيقة.
عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن.
وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الدواء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المتجمعة المكتنزة في عصبة.
والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا - اي الرجال والنساء - تراضياً واقعاً بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول.
وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعاً للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها.
وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس.
فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها.
فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبداً.
قال: ففيَّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.
وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت.
وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: "وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء" لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة.
والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها.
قالوا: ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجاً لهن.
والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه.
فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجاً لهن.
وقيل: الوجه أن يكون خطاباً للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين.
ثم إن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في ﴿ لا تعضلوهن ﴾ للأولياء وفيه ما فيه.
ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلاً لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج.
وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر.
وتمسك أبو حنيفة بقوله ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه اضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك.
ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى المتسبب مثل "بنى الأمير داراً" وإنما ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازاً لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا.
وأما قوله ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن الخطاب في قوله في سورة الطلاق ﴿ ذلكم يوعظ به من كان ﴾ للمكلفين مجموعين.
وقوله ﴿ من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تخصيص لهم بالوعظ لأنهم هم المنتفعون بذلك.
ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وأيضاً لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ أي أنمى وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ لأن علمه فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص.
فقد تخفى المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق.
التأويل: إنه من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة.
وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً.
﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن ﴾ أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً.
والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير متناهية ﴿ والله عزيز ﴾ أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه ﴿ حكيم ﴾ لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر.
ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله ﴿ فلا جناح ﴾ في التراجع ﴿ إن ظنا ﴾ فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران.
وفيه أن الله يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن ﴾ فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان.
وأما قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين ﴿ فلا جناح عليهما فيها افتدت به ﴾ كأن لم يكن بينهما صحبة ﴿ فإن الله سميع ﴾ بمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالهم والله ولي التوفيق.
ثم اختلف الناس في الأقراء في قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ : قال بعضهم: الأقراء: هي الأطهار.
وقال آخررون: هي الحيض.
وهو قولنا.
وعلى ذلك اختلف الصحابة: قال عمر وعلي وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم أجمعين -: هي الحيض.
وقالت عائشة وزيد بن ثابت وابن عمر - رضي الله عنهم -: هي الأطهار.
وبه أخذ أهل المدينة، وقالوا: قلنا ذلك بالسنة والأخبار عن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - واللسان، والمناقضة: أما السنة: فقوله لعمر: "مر ابنك فليراجعها، ثم ليطلقها وهي طاهر أو حامل من غير جماع؛ فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء" ؛ فدل أن العدة التي تطلق لها النساء هي الأطهار.
لكن الجواب لهذا من وجهين: أحدهما: أنه جعل ذلك عدة للطلاق، لا عدة عن الطلاق.
والعدة للطلاق غير العدة عن الطلاق؛ وكذا نقول في الطهر الذي تطلق فيه النساء: إنها للطلاق، لا عنها.
والثاني: أن من قول الرجل أن له الإيقاع في آخر أجزاء الطهر، وقد ذكر في الخبر: "الطلاق لقُبُلِ عدتهن" ، ولو كان المعنيُّ به: الطهر، لكان الطلاق في آخر آجزاء الطهر قبل الحيض - في آخر أجزاء الطهر، لا في القُبُل.
فثبت أن القول بجعل الطهر عدة عن الطلاق بعيد.
وأما اللسان فهو قول الناس: قرأ الماء في حوضه، وقرأ الطعام في شدقه، أي: حبس، والطهر بسبب حبس الدم.
لكن عندنا: الطهر جبلة وأصل، وعليها خلقت وأنشئت، والحيض عارض، فإذا كان في الرحم دم خرج، وإلا كانت على أصل خلقتها طاهراً؛ لأن الطهر يحبس الدم، فإذا كان هذا ما ذكرنا بطل احتجاجه باللغة واللسان.
وأما الناقضة [فـ] هي أن يقول: جعلتم هي معتدة مع زوال الأذى عنها ما لم تغتسل في إبقاء حق الرجعة.
فأما دعوى المناقضة فهي بعيدة؛ لأن الكتاب جعلها باقية ما لم تغتسل على حكم الأذى؛ فإن كان فيه طعن فعلى الكتاب.
وقال: ذكر الله : ﴿ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ باسم التذكير، لا باسم التأنيث؛ فدل أنه أراد الأطهار، يقال: ثلاثة رجال، وثلاث نسوة، فإذا أدخل فيه (الهاء) عقل أنه أراد الطهر.
قيل: إن اللغة لا تمنع عن تسيمة شيء واحد باسم التذكير والتأنيث كالبر والحنطة ونحو ذلك إذا لم يكن من ذي روح، فإذا كان كذلك فلا دلالة فيه على جعل ذلك طهراً.
وقال: القرء: هو الانتقال من حال إلى حال؛ يقال: أقرأ النجم: إذا غاب، وأقرأ: إذا طلع، ونحوه.
لكن هذا ليس بشيء؛ لأنه لو كان القرء هو الانتقال من حال إلى حال لكان يقال للنجم إذا طلع: أقرأ؛ فيكون الاسم للظهور، لا للغيبوبة، أو لهما جميعاً؛ فلا دلالة في ذلك.
وأما الأصل عندنا: فقوله عز وجل: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، فأمر بالإمساك عند بلوغ أجلهن.
والبلوغ: اسم للتمام.
ثم لا يخلو بلوغ الأجل من أن يكون بالإشراف على أول أجزاء الطهر أو عند انتهائه.
فإن كان على انتهاء الطهر فلا غاية له ينتهي إليه ليقطع عليه الحكم، وإن كان على الإشراف عليه أيضاً كذلك، ثم لو حمل على الانتهاء أيضاً يبعد بما يعرف ذلك بالحيض الذي يقطع جهة الإمساك؛ فحمل على ما يعرف، لا على ما لا يعرف - والله أعلم فثبت أنه الحيض؛ لأن لها الغاية.
والثاني: قوله : ﴿ وَٱللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ ﴾ ، كذا اتفقوا فيه أنه مذكور على البدل، ولم يعرف ذكر الأبدال في الأشياء إلا على أثر الأصول حيثما ذكر - ذكر الحيض عند ذكر البدل - فبان أن المبدل من ذلك إنما هي الحيض، المجعولة أصولاً في تقضي العدة هو الحيض.
واحتجوا بقوله : "عدة الأمة حيضتان" ؛ ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض.
[ثم الدليل على أن المراد من قوله: ﴿ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، وإن احتمل الطهر، يرجع إلى الحيض [وجوه: أحدها:] أن (ثلاثة) اسم لتمام العدد، فيصير كأنه قال: ثلاثة أطهار، لو أراد به الطهر، أو ثلاثة حيض، لو أراد به الحيض.
ثم هم على اختلافهم اتفقوا على أنه بالحيض ثلاثة، وبالطهر طهران وبعض الأول.
ثبت أن الحيض أولى مع ما كان فيه الاحتياط إذ احتمل الوجهين أن يدخلا جميعاً في الحق لا يزال بعد أن ثبت إلا بالبيان، ويبين ذا أن في الخبر تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لقبلها النساء، أنه الحيض حتى يكون قبله الطهر مع ما يحتمل عدة فعل الطلاق في الانقضاء يبين ذلك ما روي عن رسول الله ، أنه قال: "إن عدة الأمة حيضتان" .
وهي بعض عدة الحرة، ووقت طلاقها وقت طلاق الحرة.
فبان أن العدة اثنتان [والثاني: ذكر الحيض عند ذكر البدل وذلك حكم الأبدال أن يذكر أصولها عند ذكرها.
والثالث: قوله ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ والبلوغ اسم للتمام ووفاء بعد المراجعة من بعد الإشراف عليه، وهو بالطهر لا يعلم حتى يرى الدم؛ لأن الطهر لا غاية له، وذلك يمنع على قولهم الرجعة؛ فثبت أنه الحيض؛ لأن له الغاية، وإن لم ينقطع الدم وقت ولما كان الطلاق وقت ابتداء الحرمة، وذلك طهر، ووقت تقضي العدة وقت تمام ذلك، فهو التطهر، مع ما ينقضي سبب الملك باطلاق، ووقته الطهر، وبقية الملك بتقضي العدة، فيجب أن يكون وقته الطهر على إلحاق جميع الفروع مع الأصول، وإلحاق التوابع بالمتبوعين، ولا قوة إلا بالله].
ثبت أن أصل ما به تنقضي العدة هو الحيض].
وقال الشافعي: قوله : "عدة الأمة حيضتان" أي: قرءان والقرءان هما الطهران.
فيقال له: [أبلغت في المقلة]، وأفرطت في الحجاج، حيث فهمت من الحيض القرء، وهو أوضح عند أهل اللسان بالسماع من المفهوم له به مع ما في ذلك تجهيل رسول الله باللسان، وهو أفصح العرب وأعلم البشر، حيث عبر عن الطهر بالحيض.
ووجه آخر: أنهم اتفقوا على أنه لو طلق في بعض الطهر فالبقية منه عدة، ومثله من الاعتداد قرءان ونصف، والكتاب أوجب الاعتداد بالثلاث؛ فثبت أن الأمر بالاعتداد أمر بالحيض، لا بالإطهار للمعنى الذي وصفنا، وإن كان القرء اسماً للطهر والحيض في اللغة.
ثم الأصل في المسألة: أن أول ابتداء الحل لزوجها ولغيره بالطهر، وكذلك نهاية الحل إنما جعلت بالأطهار.
ثم الأصل: أن ابتداء حرمتها على الزوج الأول بالطهر، فيجعل انتهاء الحرمة في مثله بالطهر.
وحاصل هذا أنه جعل نهاية الحل فيه وفي غيره بما به ابتداء الحل، فكذا يجعل نهاية الحرمة فيه وفي غيره بما به ابتداؤه.
وإذا ثبت أن المنظور في الحل والحرمة في الابتداء بالابتداء، وجب أن يكون المنظور في الحل والحرمة بالانتهاء.
ثم في قوله: ﴿ وَٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ ، وفي نحو هذه الآيات دلالة تأخر البيان، حيث لم يبين ما الأقراء؟، ولم يبين الاعتزال من أي موضع، ومن أي مكان؟، ولم يبين المخالطة في ماذا، وفي أي شيء؟
فالاختلاف فيه باق إلى يوم التناد؛ فبطل قول من ينكر تأخر البيان، وثبت قول من أقر به.
وبالله التوفيق.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
ففي الآية دلائل: أحدها: أن ذكر حرمة الكتمان فيمن آمن ليس بشرط فيه دون غيره؛ إذ قد يلزم ذلك من هو غير مؤمن، إذ هو غير مستحسن في العقل.
ففيه الدليل على أن الحكم الموجب لعلة يجوز لزومه فيما ارتفعت عنه تلك العلة وعدمت وهو كقوله: ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، وقد يلزم (إصلاح ذات البين) في غير الإيمان، وكذا قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ ، وقد يلزم ترك الربا للمعاهد، وقد يجوز ذلك للمسلم في غير داره؛ فدل أن الحكم إذا ذكر لعلة في أحد لا يمنع لزوم ذلك في غير المذكور.
قال الشيخ - رحمه الله -: فيه دليل على أن إضافة الحكم إلى سبب لا يمنع حقه ارتفاعه.
وفيه دليل ألا يحل ذلك لمن قد آمن في الخلق؛ لأن حقه التصديق وإظهار الحق، وفي الكتمان والتكذيب ترك ما فيه من الشرط.
والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ .
قال بعضهم: الحبل والحيض.
وكذلك روي عن علي وعبد الله بن مسعود وعبد الله ابن عباس، رضي الله عنهم، أنهم قالوا: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ : الحبل والحيض؛ فثبت أن موضع الحيض الرحم.
ثم الرحم يشغله الحبل عن خروج الدم؛ فبان أن الحامل لا تحيض.
وعلى ذلك قوله : "إنما ذلك دم عرق انقطع" .
وهو الأمر الظاهر المتعارف في النساء أن الحبل يحبس الدم.
وقال بعض أهل التأويل: ﴿ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيۤ أَرْحَامِهِنَّ ﴾ : الحبل خاصة دون الحيض؛ لوجهين: أحدهما: أنهن في الجاهلية كن يكتمن ذلك فيلحقن بغير الآباء، فأوعدن على ذلك بعد الإسلام؛ فثبت أن الحيض لا يحتمل.
والثاني: أن الحيض لا ينسب بكونه في الرحم، فإذا كان غير منسوب إليه لم يحتمل كونه فيه.
والله أعلم.
لكن الوجه فيه ما ذكرنا من قول الصحابة، وما فيه من الدلالة أنهن مؤتمنات فيما يخبرن؛ لوجهين: أحدهما: ما جاء في الخبر من أن الأمانة أن تؤتمن المرأة على فرجها.
والثاني: لولا أنها ممن يقبل خبرها فيه لما أوعدن على الكتمان.
ثم يحتمل الكتمان من وجهين: أحدهما: أن يكتمن ذلك يستوجبن به الإنفاق من عند أزواجهن بقولهن: العدة باقية، وذلك يحتمل الحيض والحبل جميعاً.
ويحتمل: ما قاله بعض أهل التأويل من إبقاء حق الرجعة.
ويحتمل قول أبي حنيفة، رحمه الله ، في كتمانها، إذ قال في المرأة إذا جاءت بولد في العدة، فشهدت امرأة على الولادة والحبل: لم يكن ظاهراً أن يقبل قولها؛ إذ هي أمرت بالإظهار، والكتمان أورث تهمة في القبول.
ويحتمل: ألا يحل لهن أن يكتمن الحبل فيلحقن بغيرهم من الأزواج.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أنهن لا يملكن الرجعة، ولا منع أزواجهن عن المراجعة، بل ذلك إلى بعولتهن.
ويحتمل: ﴿ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ في نكاح في العدة، لا في حق الرجعة؛ إذ الزوج يملك نكاحها في العدة، وغيره من الناس لا يملك، كقوله: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُوۤاْ عُقْدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ .
وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾ ، فيه دليل أن قوله: ﴿ ٱلْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ ﴾ ، إنما عنى به المطلق طلاقاً لم يقطع على نفسه جهة العود.
وقوله في ذلك: ﴿ إِنْ أَرَادُوۤاْ إِصْلاَحاً ﴾ ، يحتمل وجوهاً: يحتمل: إصلاح ما بينهن.
ويحتمل: إن أرادوا إمساكهن بالمعروف، كقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً ﴾ ، فهو ممسك لها وإن كان مضرّاً.
ثم الأصل في هذا: أنه وإن قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ، ليس على ألا يصير ممسكاً لها بغير المعروف.
وأصل هذا: أن ليس في القول بأن ﴿ لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ ، دليل الجواز، والفساد إذا فعل ذلك.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ أي: في الوقت الذي يعيد به، أو ﴿ فِي ذَلِكَ ﴾ القروء.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله يقول: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
وقال آخرون: لهن من الكفاف ما عليهن من الخدمة.
وقال غيرهم: لهن من الحق في المهور بتسليم الأزواج إليهن ما عليهن من تسليم الأبضاع إلى الأزاوج؛ فيدل هذا على أن الخلوة، والتسليم منها، يحل محل قبض الحق منها لزوجها.
وقيل: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ ، الحقوق ما تلزمهن من حقوق الأزواج، يلزم مثلها على الأزواج لهن، وإن كانت مختلفة.
وقوله: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .
قيل: هو الطلاق بيد الرجل وليس بيدها.
وقيل: هي الإمارة والطاعة والأمر.
وقيل: هي ما فضل الله به عليها من الجهاد والميراث وغيره.
وقيل: لهم من الفضيلة من الولايات والشهادات والعقل، وذلك ليس لهن.
وقيل: هي فضيلة في الحق وبما ساق إليها من المهر.
وقال الشيخ أبو منصور، رحمه الله ، في قوله: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ ٱلَّذِي عَلَيْهِنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، أي من الحقوق على الأزواج.
ثم يحتمل حقوقهن المهر والنفقة، ويحتمل ما أتبع من قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، ويحتمل قضاء ما لها من الحوائج خارج البيت مما به قوام دينها ووقايتها عن النار.
وعليها من الحقوق: مقابل الأول: البذل له وألا يوطئن فرشهن أحداً.
ومقابل الثاني: أن يحسن إليهن في البر باللسان والقول المعروف الذي فيه تطيب نفسه به، كما وصف الحميدة منهن.
"من إذا نظرت إليها سرتك، وإذا دعوتها أجابتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها".
ومقابل الثالث: ألا تتلقاه بمكروه، ولا تقابله بما يضجره ويغضبه مع الخدمة وكفاية الداخل مما به قوام دينه.
والله أعلم.
و"الدرجة": التي ما له من الملك فيها، والفضل في الحقوق عليها، وما جعل "قواماً عليها"، وغير ذلك.
والله أعلم.
ويحتمل: ما لهن من قوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، وعليهن بذل حقهم المعروف، والإحسان إليهم فيما يبغون من الخدمة والقيام بكفاية داخل البيت، مع حفظ ماله عندها، والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ .
فيه دلالة أنه يطلق بنيتين بمرتين.
وقوله: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ .
أن له الرجعة بعد طلاقين، بذكره مرتين.
وفيه أن المطلق في الطهر الثالث من غير رجعة مطلق للسنة؛ لما خير بين الإمساك أو التسريح من غير مراجعة، وهو على مالك؛ لأنه يقول: ليس له أن يزيد على تطليقة واحدة إلا أن يراجع.
والتسريح بإحسان: هو التطليقة الثالثة، كذلك "روي عن رسول الله ، أنه سئل عن التسريح بإحسان، فقال: هو التطليقة الثالثة" فإن قيل: أيش الحكمة في ذكر (المعروف) في الإمساك، و(الإحسان) في التسريح.
قيل: وذلك أن في (التسريح) قطع الحقوق التي أوجبها النكاح، فأمر عند قطعها عنها بالإحسان إليها مبتدئا، والإحسان أبداً إنما يكون عند ابتداء الفعل، لا عند المكافأة.
وأما (المعروف) في الإمساك فالنكاح أوجب ذلك؛ كقوله: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ .
قيل: "الميثاق الغليظ": الحقوق التي أوجب النكاح.
وهذا - والله أعلم - وجه الحكمة، و(المعروف) ما عرفا في النكاح، و(الإحسان) هو ما يبتدئ مما لم يعرفا.
وقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ .
فظاهر هذه الآية الكريمة يوجب ابتداء الخطاب للأزواج، ثم آخرها يوجب الخطاب لهما جميعاً، ثم آخرها يوجب الخطاب لغير الأزواج يحفظ عليهما حدود الصحبة، فيشبه أن يكون في الآية الإضمار (فهما الحكمين)، فيكون كقوله: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ ﴾ ، فيكونان هما اللذان يحفظان عليها الحد والمحدود.
ويحتمل: أن يكون الخطاب في قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ للحكام؛ لأنهم هم الذين يتولون النظر في أمور الناس ليقوموهم على حفظ حدود الله.
ثم القول عندنا في قوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، إذا كان النشوز واقعاً من قبل الزوج فإنه لا يحل له أخذ شيء على الخلع استدلالاً بقوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ .
وأما إذا كان النشوز من قبلها فإنه لا بأس أن يأخذ قدر المهر، ويكره الزيادة [وتجوز].
أما قدر المهر فإنه لا بأس إذا كان من قبلها استدلالاً بقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ ، ذكر رفع الحرج عن الذي فدى فيما عنه نهي في غير هذا وهو المؤتمن؛ لذلك قلنا: إنه يجوز إذا كان النشوز من قبلها قدر المهر.
وأما الزيادة فإنها تكره استدلالاً بما روي في الخبر: "أن امرأة أتت رسول الله فذكرت بغض زوجها، فقال: أتردين عليه حديقته؟
فقالت: نعم، وزيادة.
فقال: أما الزيادة فلا" .
ففيه الدلالة أن النشوز إذا كان من قبلها فإنه يجوز قدر المهر.
وقال ابن داود: خالف الشافعي ظاهر الكتاب فيما جعل له أخذ ما فدى والزيادة، والكتاب رفع الحرج عن أخذها ما فدى، لم يجعل له غيره بقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ .
وقال ابن شريح: ما ذلك الأخذ في الطلاق، إنما ذلك في الطلاق كرها؛ لأنه ليس في الآية ذكر الطلاق.
واستدل بقوله: {َ ﴿ آتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ﴾ ، فجعل له أكل ما أخذ بالوصف الذي ذكره، ثم كان له أخذ ما تبذل في غير الطلاق، فعلى ذلك في الطلاق [وفي الطلاق] أحق.
والله أعلم.
والأصل عندنا: جواز ما بذلت أخذه مما احتيج به الرجل إن كان له ذلك في غير الطلاق، وهو في الطلاق أجوزه؛ لأنها تنتفع، غير أنه يكره له الفضل لما ذكرنا من الآية والخبر.
ثم يجوز هو لأنه تبادل، فكان كالعقود التي تكره لربح ما لم يضمن على الجواز فكذا هذا.
والأصل: بأن الطلاق بالبذل بينها، وهو لو لم يملك البينونة مطلقاً لم يملكه بما شرط؛ فثبت أنه يملك.
وأصله: أنه بالطلاق، ويصرف إليها ما ملك عليها بالعقد فانتفعت بإزاء ما بذلت؛ لذلك سلم للزوج ما أخذ.
والله أعلم.
قال: ويكره أخذ الزيادة بما فيه رفع النكاح، فيصير أخذ ما يأخذ بالذي أعطى، فما يفضل عليه ليس بإزائه بدل، وذلك وصف الربا.
والله أعلم.
ثم اختلف في قوله: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ ﴾ : قيل: ﴿ يَخَافَآ ﴾ علما، يعني الرجل والمرأة.
وقيل: علم الحكمان ألا يقيما حدود الله.
وعلى ذلك قوله: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ ، ﴿ خِفْتُمْ ﴾ يعني علمتم.
وقيل: الخوف هو الخوف، فكأنه أقرب؛ لأن العلم يكون فيما مضى من الحال أنهما أقاما حدوداً أو لم يقيما.
وأما الخوف في حادث الوقت أمكن؛ لأنه لا يعلم باليقين؛ لذلك كان ما ذكرنا، وهو كقوله: ﴿ قُلْ إِنِّيۤ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ .
ثم ختلف في قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ : قال بعضهم: أراد بقوله: (عليهما)، (عليه) خاصة.
وهذا جائز في اللغة إضافة الشيء إلى الاثنين.
والمراد واحد منهما، كقوله: ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما، ومثله كثير.
وقال آخرون: أريدا جميعاً: المرأة بالفداء، والزوج بالأخذ؛ لأن الزوج نهي عن أخذ شيء مما آتاها بقوله: ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً ﴾ ، ثم أباح ورفع الحرج منه بالأخذ على الشرط.
وقيل: أراد بذلك الزوج خاصة.
وهو ما ذكرنا.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾ .
قيل: إذا لم يفهم بحد من حدود الله ما يفهم من حد الخلق، كيف فهم من استواء الرب ومجيئه من قوله: ﴿ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، و ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ ﴾ ما فهم من استواء الخلق ومجيئهم؟
والاستواء والمجيء إلى احتمال معان أن ينفي عنه التشبيه أكثر من احتمال الحدود التي في الشاهد.
فإذا لم يفهم من هذا ذلك لم يجز أن يفهم من الأول ما فهموا، وقد قال: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ حُدُودُ ٱللَّهِ ﴾ .
قيل: أحكام الله وسننه.
وقيل: أوامره ونواهيه.
[وقيل: آدابه وهو واحد.] وقوله: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ مستحلاًّ بها، فيكفر بتعديه ذلك، فهو ظالم - ظلم كفر.
ويحتمل: ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ ﴾ تجاوز أمر الله وما نهاه عنه غير مستحل لها، فهو ظالم نفسه، غير كافر.
وقوله: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ .
هذه الآية رجعت إلى الأولى قوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ ﴾ ، فإن طلقها بعد التطليقتين تطليقة أخرى ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، وقوله: ﴿ ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَٰنٍ ﴾ ، قيل: التطليقة الثالثة، وعلى ذلك جاء الخبر، وهو واحد عندنا، يدل عليه أيضاً قوله : ﴿ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ .
ويحتمل: عقد النكاح خاصة، دون الجماع من الثاني؛ إذ ليس في الآية ذكر الدخول بها.
وأما عندنا: فهو على الجماع في النكاح الثاني، يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: "لا، حتى تذوق من عسيلته ويذوق من عسليتها" ، فيكون النكاح مضمراً، وهو أولى؛ لأن الآية في عقوبة الأول ولا يشتد عليه النكاح حتى يتصل به الوطء.
وفيه دلالة على كراهية التطليقة الثالثة - إذ هي لا تحل له بعدها إلا بعد دخول زوج آخر بها، وذلك مما ينفر عنه الطبع ويكرهه.
وقوله: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ .
فيه دليل على أن في التراجع إيجاب عقد بهما جميعاً؛ فدل على قطع رجعه الثاني المحل للزوج الأول، وذلك أن لا رجعة فيه لغيره.
وقوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ ، أضاف (الرد) إلى الأزواج؛ فدل أنهم ينفردون به دونهن.
ثم ذكر الكتاب: ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ ، جعل سبب الحل على الزوج الأول نكاح الثاني، لم يجز أن ينهى عنه، وقد جعل هو سبب رفع الحرمة؛ إذ مثل هذا - في أحكام الله - لا يوجد ولا يستقيم وهو كالوضوء فيما جعل سبباً لإقامة الصلاة، ولم يجز أن يجعل سبباً لها ثم يكره الإقدام عليه وينهى عنه، وكالتحريم إذ جعل سبباً للدخول بها في الصلاة لم يجز النهي عنها، وبها قوامها، كذا هذا، لما جعل سبباً لرفع الحرمة به لا جائز أن ينهى عنه.
ثم فيه دلالة جواز نكاح المحلل.
فإن سئلنا عن قوله عليه الصلاة والسلام: "لعن الله المحلل المحلل له" .
قيل: لحوق اللعن لأجل النكاح على قصد الفراق والطلاق، ليس لأجل التحليل على الأول، ورفع الحرمة عنه، دليله قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يحب كل ذواق مطلاق" ؛ وذلك لقصده الفراق بنكاح؛ إذ النكاح بني في الأصل على البقاء والدوام عليه، وفيه التعفف، وفي الطلاق زوال ما به يقصد؛ فلهذا لحق ما لحقه من اللعن.
ثم المحلل له لما طلب بنكاح الزوج الثاني ما ينفر عنه الطباع ويكرهه من عودها إليه بعد مضاجعة غيره إياها، واستمتاعه بها منع لهذا المعنى عن إيقاع الثالثة، لكن إذا تفكر حرمتها عليه إلا بنكاح آخر، انزجر عن ذلك.
ثم العقد نفسه لا ينفر عنه الطباع ولا يكرهه؛ ثبت أن الدخول شرط فيه ليكون زجراً ومنعاً عن ارتكابه.
وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ ﴾ ، يخرج على الترخيص؛ وذلك - والله أعلم - أن الطلاق يحرمها عليه ويبينها منه كما تحرم عليه هي بأنواع الحرم يحرم فأخبر - عز وجل - وأباح له النكاح بعد وقوع الحرمة - أن هذه الحرمة ليست كغيرها من الحرم التي لا ترتفع أبداً.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
فإن طلقها زوجها طلقة ثالثة لم يحل له نكاحها من جديد حتَّى تتزوج رجلًا غيره زواجًا صحيحًا لرغبة لا لقصد التحليل، ويجامعها في هذا النِّكَاح، فإن طلقها الزوج الثانى أو توفي عنها؛ فلا إثم على المرأة وزوجها الأول أن يتراجعا بعقد ومهر جديدين، إن غلب على ظنهما أنهما يقومان بما يلزمهما من الأحكام الشرعية، وتلك الأحكام الشرعية يبينها الله لأناس يعلمون أحكامه وحدوده؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بها.
من فوائد الآيات بيَّن الله تعالى أحكام النِّكَاح والطلاق بيانًا شاملًا حتَّى يعرف الناس حدود الحلال والحرام فلا يتجاوزوها.
عظَّم الله شأن النِّكَاح وحرم التلاعب فيه بالألفاظ فجعلها ملزمة، وألغى التلاعب بكثرة الطلاق والرجعة فجعل لها حدًّا بطلقتين رجعيتين ثم تحرم عليه إلا أن تنكح زوجًا غيره ثم يطلقها.
المعاشرة الزوجية تكون بالمعروف، فإن تعذر ذلك فلا بأس من الطلاق، ولا حرج على أحد الزوجين أن يطلبه.
<div class="verse-tafsir" id="91.v1KvZ"
بعد أن بين الله أن الطلاق مرتان وأنه يكون بلا عوض وقد يكون بعوض قال: ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ أي فإن طلقها بعد المرتين طلقة ثالثة -وهي التسريح بإحسان- فلا يملك مراجعتها بعد ذلك إلا إذا تزوجت بآخر زواجًا صحيحًا مقصودًا حصل به ما يراد بالزواج من الغشيان.
عبر عن الطلقة الثالثة "بإن" دون "إذا" للإشعار بأنها لا ينبغي أن تقع مطلقًا، كأنه تعالى لا يرضى أن يتجاوز الطلاق المرتين.
والنكاح له إطلاقان: العقد، وما وراء العقد، وهو المقصود منه الذي يكنى عنه بالدخول.
وقد ذهب سعيد بن المسيب إلى أن الحل يحصل بمجرد العقد، وهو خلاف ما عليه الجماهير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إذ قالوا لا بد من المخالطة الزوجية أخذًا من إسناد النكاح إلى المرأة مع العلم بأن المرأة لا تتولى العقد ومن تسمية من تنكح زوجًا.
وهذا هو الموافق لحديث العسيلة الصحيح والمنطبق على الحكمة في منع المراجعة.
روى الشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من حديث عائشة قالت جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب.
فتبسم النبي وقال: "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟
لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" والعسيلة كناية عن أقل ما يكون من تغشى الرجل للمرأة.
وذكر السيوطي في أسباب النزول أن هذه الآية نزلت في امرأة رفاعة هذه واسمها عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك، ورفاعة بن وهب بن عتيك ابن عمها.
وساق الحديث من رواية ابن المنذر عن مقاتل بن حيان وفيه أنها قالت إنه طلقني -أي عبد الرحمن زوجها الثاني- قبل أن يمسني أفأرجع إلى الأول؟
قال: "لا حتى يمس..." وقال المفسرون والفقهاء في حكمة ذلك أنه إذا علم الرجل أن المرأة لا تحل له بعد أن يطلقها ثلاث مرات إلا إذا نكحت زوجًا غيره فإنه يرتدع لأنه مما تأباه غيرة الرجال وشهامتهم، ولا سيما إذا كان الزوج الآخر عدوًا أو مناظرًا للأول، ولنا أن نزيد على ذلك أن الذي يطلق زوجته ثم يشعر بالحاجة إليها فيرتجعها نادمًا على طلاقها، ثم يمقت عشرتها بعد ذلك فيطلقها، ثم يبدو له ويترجح عنده عدم الإستغناء عنها فيرتجعها ثانية، فإنه يتم له بذلك اختبارها، لأن الطلاق الأول ربما جاء عن غير روية تامة ومعرفة صحيحة منه بمقدار حاجته إلى امرأته، ولكن الطلاق الثاني لا يكون كذلك، لأنه لا يكون إلا بعد الندم على ما كان أولًا والشعور بأنه كان خطأ، ولذلك قلنا إن الاختبار يتم به فإذا هو راجعها بعده كان ذلك ترجيحًا لإمساكها على تسريحها، ويبعد أن يعود إلى ترجيح التسريح بعد أن رآه بالاختبار التام مرجوحًا، فإن هو عاد وطلق ثالثة كان ناقص العقل والتأديب، فلا يستحق أن تجعل المرأة كرة بيده يقذفها متى شاء تقلبه ويرتجعها متى شاء هواه، بل يكون من الحكمة أن تبين منه ويخرج أمرها من يده، لأنه علم أن لا ثقة بالتئامها وإقامتهما حدود الله تعالى.
فإن اتفق بعد ذلك أن تزوجت برجل آخر عن رغبة، واتفق أن طلقها الآخر أو مات عنها، ثم رغب فيها الأول وأحب أن يتزوج بها -وقد علم أنها صارت فراشًا لغيره- ورضيت هي بالعود إليه، فإن الرجاء في التئامهما وإقامتهما حدود الله تعالى يكون حينئذ قويًا جدًا، ولذلك أحلت له بعد العدة، وقد شرحنا الحكمة بناء على ما فسرنا به كون الطلاق مرتين، و كون النكاح لزوج آخر هو ما يكون بين الزوجين بالعقد الصحيح وهو الحق.
﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ الزوج الثاني ﴿ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ أي الزوج الثاني والمرأة ﴿ أَنْ يَتَرَاجَعَا ﴾ خلافًا (للجلال) وغيره من القائلين أن المراد الزوج الأول والمرأة .
وحكمته بعد قوله تعالى ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ هي إزالة وهم من يتوهم أن الزوج الأول يكون أحق بها، ولا تظهر لنا حكمة في قولهم إن المراد الزوج الأول والمرأة.
وعلى كل من القولين لا بد في التراجع من مراعاة شرطه وهو قوله ﴿ إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ أي ترجح عند كل منهما أنه يقوم بحق الآخر على الوجه الذي حده ، فلا بد من حسن القصد وسلامة النية من كل من الزوجين، لأن الله تعالى ما وضع هذه الحدود للزوجين إلا ليصلح حالهما ويستقيم عملهما، فإن كانت هناك نية سوء فإن هذا التراجع لا قيمة له عند الله تعالى، وإن صح عند القاضي أو المفتي عملًا بالظاهر.
وقد فسر بعضهم الظن هنا بالعلم، ولا وجه له لغة ولا فعلًا إذ لا يعلم أحد باليقين كيف يعامل الآخر في المستقبل ويكفي أن ينوي إقامة الحدود الشرعية ويغلب على ظنه القدرة على تنفيذ ما نواه، قال ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ الإشارة بتلك إلى الأحكام في الآية أو الآيتين يبينها في كتابه لأهل العلم بفائدتها وما فيها من المصلحة، ومن علم المصلحة في شيء كان مندفعًا بطبعه إلى العمل به وإقامته على الوجه الذي تتحقق به الفائدة منه، يبينها لهؤلاء الذين يعلمون الحقائق لأنهم هم الذين يقيمونها لا من يجهل ذلك فيأخذ بظاهر قول المفتي أو القاضي ولا يجعل لحسن النية وإخلاص القلب مدخلًا في عمله، فيرجع إلى المرأة ويضمر لها السوء ويبغيها الانتقام، وقد بينا معنى هذه الحدود في تفسير ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ إلا فليعلم كل مسلم أن الآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثًا هو ما كان زواجًا صحيحًا عن رغبة، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته، فمن تزوج بامرأة مطلقة ثلاثًا بقصد إحلالها للأول كان زواجه صوريًا غير صحيح، ولا تحل به المرأة للأول، بل هو معصية لعن الشارع فاعلها، وهو لا يلعن من فعل فعلًا مشروعًا ولا مكروهًا فقط، بل المشهور عند جمهور العلماء أن اللعن إنما يكون على كبائر المعاصي، فإن عادت إليه كانت حرامًا، ومثال ذلك مثال من طهر الدم بالبول، وهو رجس على رجس.
وبهذا قال مالك وأحمد والثوري وأهل الظاهر وخلائق غيرهم من أهل الحديث والفقه، وعندي أن نكاح التحليل شر من نكاح المتعة وأشد فسادًا وعارًا.
وقال آخرون من الفقهاء إنه جائز مع الكراهة ما لم يشترط في العقد لأن القضاء بالظواهر، لا بالمقاصد والضمائر، نقول نعم ولكن الدين القيم هو أن يكون الظاهر عنوان الباطن وإلا كان نفاقًا، على أن باغي التحليل ليس بمتزوج حقيقة الزواج الذي شرعه الله وبينه لا عند نفسه ولا عند من أراده على التحليل وتواطأ معه عليه، فإن عذر القاضى المنفذ له بجهله للواقع عملًا بالظاهر، فلا يعذر به العالم به، والمقترف له.
وقد أوضح ذلك الحافظ الفقيه ابن القيم في (إعلام الموقعين) ثم الإيضاح.
ومن غرائب الانتصار للتقليد أن استدل بعضهم (كالألوسي) على صحة نكاح المحلل بتسميته محللًا في الحديث الناطق بتحريم التحليل، وإنما سماه بذلك من أرادوه أول مرة عند حاجتهم إليه، وبعد التسمية سئل عنه الشارع فلم يجز عمله، ولا يصح أن تكون حكاية لفظ الاسم مبطلة لمضمون الحكم، فالناس هم الذين سموا، والشارع هو الذي حرم.
أخرج أحمد والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن ابن مسعود أن رسول الله قال:"ألا أخبركم بالتيس المستعار"قالوا بلى يا رسول الله قال:"هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له"قال الترمذي والعمل على ذلك عند أهل العلم منهم عمر وابنه وعثمان وهو قول الفقهاء من التابعين.
وروى أبو إسحاق الجوزجاني عن ابن عباس رضى الله عنهما قال سئل رسول الله عن المحلل فقال:"لا، إلا نكاح رغبة لا دلسة ولا استهزاء بكتاب الله ثم تذوق العسيلة"وروى ابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والأثرم عن عمر أنه قال: لا أوتى بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما، فسئل ابنه عن ذلك فقال كلاهما زان، وسأل رجل ابن عمر فقال ما تقول في امرأة تزوجتها لأحلها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم؟
فقال له ابن عمر: لا، إلا نكاح رغبة إن أعجبتك أمسكتها، وإن كرهتها فارقتها، وإن كنا لنعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله .
وسئل عن تحليل المرأة لزوجها فقال ذلك هو السفاح.
وعن رجل طلق ابنة عمه ثم ندم ورغب فيها فأراد أن يتزوجها رجل ليحلها له فقال: كلاهما زان وإن مكثا عشرين سنة أو نحوها، إذا كان يعلم أنه يريد أن يحلها.
وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عمن طلق امرأته ثلاثًا ثم ندم فقال:"هو رجل عصى الله فأندمه وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجًا؟
فقيل له فكيف ترى في رجل يحلها له؟
فقال من يخادع الله يخدعه".
وأنت ترى مع هذا أن رذيلة التحليل قد فشت في الأشرار الذين جعلوا رخصة الطلاق عادة ومثابة، ولا سيما مع الفتوى والحكم بأن الطلاق مرة واحدة بلفظ الثلاث يقع ثلاثًا، اتخذ غوغاء المسلمين دينهم هزوًا ولعبًا، فصار الإسلام نفسه يعاب بهم وما عيبه سواهم.
وقد رأيت في لبنان رجلًا نصرانيًا ولع بشراء الكتب الإسلامية وغيرها وأكثر من النظر فيها، فاهتدى إلى حقية الإسلامية مع الميل إلى التصوف، فأسلم، وقال لي لم أجد في الإسلام غير ثلاثة عيوب لا يمكن أن تكون من الله أقبحها مسألة "التجحيش" أي التحليل، فبينت له الحق فيها فاقتنع.
<div class="verse-tafsir"