الآية ٢٣٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٢ من سورة البقرة

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوْا۟ بَيْنَهُم بِٱلْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ٢٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 159 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين ، فتنقضي عدتها ، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها ، وتريد المرأة ذلك ، فيمنعها أولياؤها من ذلك ، فنهى الله أن يمنعوها .

وكذا روى العوفي ، عنه ، وكذا قال مسروق ، وإبراهيم النخعي ، والزهري والضحاك إنها أنزلت في ذلك .

وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية ، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تزوج نفسها ، وأنه لا بد في تزويجها من ولي ، كما قاله الترمذي وابن جرير عند هذه الآية ، كما جاء في الحديث : لا تزوج المرأة المرأة ، ولا تزوج المرأة نفسها ، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها .

وفي الأثر الآخر : لا نكاح إلا بولي مرشد ، وشاهدي عدل .

وفي هذه المسألة نزاع بين العلماء محرر في موضعه من كتب الفروع ، وقد قررنا ذلك في كتاب " الأحكام " ، ولله الحمد والمنة .

وقد روي أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته ، فقال البخاري ، رحمه الله ، في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية : حدثنا عبيد الله بن سعيد ، حدثنا أبو عامر العقدي ، حدثنا عباد بن راشد ، حدثنا الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت تخطب إلي قال البخاري : وقال إبراهيم ، عن يونس ، عن الحسن : حدثني معقل بن يسار .

وحدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا يونس ، عن الحسن : أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها ، فتركها حتى انقضت عدتها ، فخطبها ، فأبى معقل ، فنزلت : ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) .

وهكذا رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن أبي حاتم ، وابن جرير ، وابن مردويه من طرق متعددة ، عن الحسن ، عن معقل بن يسار ، به .

وصححه الترمذي أيضا ، ولفظه عن معقل بن يسار : أنه زوج أخته رجلا من المسلمين ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت عنده ما كانت ، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة ، فهويها وهويته ، ثم خطبها مع الخطاب ، فقال له : يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها ، فطلقتها !

والله لا ترجع إليك أبدا ، آخر ما عليك .

قال : فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها ، فأنزل الله : ( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ) إلى قوله : ( وأنتم لا تعلمون ) فلما سمعها معقل قال : سمع لربي وطاعة ثم دعاه ، فقال : أزوجك وأكرمك ، زاد ابن مردويه : وكفرت عن يميني .

وروى ابن جرير عن ابن جريج قال : هي جمل بنت يسار كانت تحت أبي البداح ، وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق السبيعي قال : هي فاطمة بنت يسار .

وهكذا ذكر غير واحد من السلف : أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار وأخته .

وقال السدي : نزلت في جابر بن عبد الله ، وابنة عم له ، والصحيح الأول ، والله أعلم .

وقوله : ( ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) أي : هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ، يأتمر به ويتعظ به وينفعل له ( من كان منكم ) أيها الناس ( يؤمن بالله واليوم الآخر ) أي : يؤمن بشرع الله ، ويخاف وعيد الله وعذابه في الدار الآخرة وما فيها من الجزاء ( ذلكم أزكى لكم وأطهر ) أي : اتباعكم شرع الله في رد الموليات إلى أزواجهن ، وترك الحمية في ذلك ، أزكى لكم وأطهر لقلوبكم ( والله يعلم ) أي : من المصالح فيما يأمر به وينهى عنه ( وأنتم لا تعلمون ) أي : الخيرة فيما تأتون ولا فيما تذرون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ قال أبو جعفر: ذكر أن هذه الآية نـزلت في رجل كانت له أخت كان زوجها من ابن عم لها فطلقها، وتركها فلم يراجعها حتى انقضت عدتها, ثم خطبها منه, فأبى أن يزوجها إياه ومنعها منه، وهي فيه راغبة.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في الرجل الذي كان فعل ذلك، فنـزلت فيه هذه الآية.

فقال بعضهم كان ذلك الرجل: " معقل بن يسار المزني".

* ذكر من قال ذلك: 4927- حدثني محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الأعلى قال، حدثنا سعيد, عن قتادة عن الحسن, عن معقل بن يسار قال: كانت أخته تحت رجل فطلقها، ثم خلا عنها، (18) حتى إذا انقضت عدتها خطبها, فحمي معقل من ذلك، أَنَفًا، (19) وقال: خلا عنها وهو يقدر عليها!!

(20) فحال بينه وبينها، فأنـزل الله تعالى ذكره: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ".

(21) &; 5-18 &; 4928- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن الفضل بن دلهم, عن الحسن, عن معقل بن يسار: أن أخته طلقها زوجها, فأراد أن يراجعها, فمنعها معقل، فأنـزل الله تعالى ذكره: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " إلى آخر الآية.

(22) 4929- حدثنا محمد بن عبد الله المخزومي قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا عباد بن راشد قال، حدثنا الحسن قال، حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب وأمنعها الناس, حتى خطب إلي ابن عم لي فأنكحتها, فاصطحبا ما شاء الله, ثم إنه طلقها طلاقا له رجعة, ثم تركها حتى انقضت عدتها, ثم خطبت إلي، فأتاني يخطبها مع الخطاب, فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس, فآثرتك بها, ثم طلقت طلاقا لك فيه رجعة, فلما خُطبت إلي آتيتني تخطبها مع الخطاب!

والله لا أنكحكها أبدا!

قال: ففي نـزلت هذه الآية: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف "، قال: فكفرت عن يميني، وأنكحتها إياه.

(23) 4930- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا &; 5-19 &; تراضوا بينهم بالمعروف "، ذكر لنا أن رجلا طلق امرأته تطليقة, ثم خلا عنها حتى انقضت عدتها, ثم قرب بعد ذلك يخطبها = والمرأة أخت معقل بن يسار= فأنف من ذلك معقل بن يسار, وقال: خلا عنها وهي في عدتها، ولو شاء راجعها, ثم يريد أن يراجعها وقد بانت منه!

فأبى عليها أن يزوجها إياه.

وذكر لنا أن نبي لله، لما نـزلت هذه الآية، دعاه فتلاها عليه, فترك الحمية واستقاد لأمر الله.

(24) 4931- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن يونس , عن الحسن قوله تعالى: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن "، إلى آخر الآية, قال: نـزلت هذه الآية في معقل بن يسار.

قال الحسن: حدثني معقل بن يسار أنها نـزلت فيه, قال: زوجت أختا لي من رجل فطلقها, حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها , فقلت له: زوجتك وفرشتك أختي وأكرمتك, ثم طلقتها, ثم جئت تخطبها!

لا تعود إليك أبدا!

قال: وكان رجل صدق لا بأس به, وكانت المرأة تحب أن ترجع إليه, قال الله تعالى ذكره: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ".

قال، فقلت: الآن أفعل يا رسول الله!

فزوجها منه.

(25) &; 5-20 &; 4932- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا أبو بكر الهذلي, عن بكر بن عبد الله المزني قال: كانت أخت معقل بن يسار تحت رجل فطلقها, فخطب إليه فمنعها أخوها، (26) فنـزلت: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن " إلى آخر الآية.

4933- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله : " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " الآية, قال: نـزلت في امرأة من مزينة طلقها زوجها وأبينت منه, فنكحها آخر, فعضلها أخوها معقل بن يسار، يضارها خيفة أن ترجع إلى زوجها الأول = قال ابن جريج، وقال عكرمة: نـزلت في معقل بن يسار.

قال ابن جريج: أخته جمل ابنة يسار، كانت تحت أبي البداح، (27) طلقها, فانقضت عدتها, فخطبها, فعضلها معقل بن يسار.

4934- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف "، نـزلت في امرأة من مزينة طلقها زوجها، فعضلها أخوها أن ترجع إلى زوجها الأول = وهو معقل بن يسار أخوها.

&; 5-21 &; 4935- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله = إلا أنه لم يقل فيه: " وهو معقل بن يسار ".

4936- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك قال، أخبرنا سفيان, عن أبي إسحاق الهمداني: أن فاطمة بنت يسار طلقها زوجها, ثم بدا له فخطبها, فأبى معقل, فقال: زوجناك فطلقتها وفعلت!

فأنـزل الله تعالى ذكره: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ".

(28) 4937- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن وقتادة في قوله: " فلا تعضلوهن "، قال: نـزلت في معقل بن يسار, كانت أخته تحت رجل فطلقها, حتى إذا انقضت عدتها جاء فخطبها, فعضلها معقل فأبى أن ينكحها إياه, فنـزلت فيها هذه الآية، يعني به الأولياء، يقول: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ".

4938- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن رجل, عن معقل بن يسار قال: كانت أختي عند رجل فطلقها تطليقة بائنة, فخطبها, فأبيت أن أزوجها منه, فأنـزل الله تعالى ذكره: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن "، الآية.

* * * وقال آخرون كان الرجل: " جابر بن عبد الله الأنصاري".

* ذكر من قال ذلك: 4939- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف "، قال: نـزلت في جابر بن عبد الله &; 5-22 &; الأنصاري, وكانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة, فانقضت عدتها، ثم رجع يريد رجعتها.

فأما جابر فقال: طلقت ابنة عمنا، ثم تريد أن تنكحها الثانية!

وكانت المرأة تريد زوجها، قد راضته.

فنـزلت هذه الآية.

* * * وقال آخرون: نـزلت هذه الآية دلالة على نهي الرجل مضارة وليَّته من النساء, يعضلها عن النكاح.

* ذكر من قال ذلك: 4940- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " فهذا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، فتنقضي عدتها, ثم يبدو له في تزويجها وأن يراجعها, وتريد المرأة فيمنعها أولياؤها من ذلك, فنهى الله سبحانه أن يمنعوها.

4941- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي , عن أبيه, عن ابن عباس: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف "، كان الرجل يطلق امرأته تبين منه وينقضي أجلها، (29) ويريد أن يراجعها وترضى بذلك, فيأبى أهلها, قال الله تعالى ذكره: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ".

4942- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال، أخبرنا ابن المبارك, عن سفيان, عن منصور, عن أبي الضحى, عن مسروق في قوله: " فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " قال: كان الرجل يطلق امرأته ثم يبدو له أن يتزوجها, فيأبى أولياء المرأة أن يزوجوها, فقال الله تعالى ذكره: " فلا &; 5-23 &; تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ".

4943- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة, عن أصحابه, عن إبراهيم في قوله: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن "، قال: المرأة تكون عند الرجل فيطلقها, ثم يريد أن يعود إليها، فلا يعضلها وليها أن ينكحها إياه.

4944- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث, عن يونس, عن ابن شهاب: قال الله تعالى ذكره: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن " الآية, فإذا طلق الرجل المرأة وهو وليها, فانقضت عدتها, فليس له أن يعضلها حتى يرثها، ويمنعها أن تستعف بزوج.

4945- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن "، هو الرجل يطلق امرأته تطليقة، ثم يسكت عنها فيكون خاطبا من الخطاب, فقال الله لأولياء المرأة: " لا تعضلوهن ", يقول: لا تمنعوهن أن يرجعن إلى أزواجهن بنكاح جديد =" إذا تراضوا بينهم بالمعروف "، = إذا رضيت المرأة وأرادت أن تراجع زوجها بنكاح جديد.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من القول في هذه الآية أن يقال: إن الله تعالى ذكره أنـزلها دلالة على تحريمه على أولياء النساء مضارة من كانوا له أولياء من النساء، بعضلهن عمن أردن نكاحه من أزواج كانوا لهن, فبن منهن بما تبين به المرأة من زوجها من طلاق أو فسخ نكاح.

وقد يجوز أن تكون نـزلت في أمر معقل بن يسار وأمر أخته، أو في أمر جابر بن عبد الله وأمر ابنة عمه.

وأي ذلك كان، فالآية دالة على ما ذكرت.

* * * &; 5-24 &; ويعني بقوله تعالى: " فلا تعضلوهن "، لا تضيقوا عليهن بمنعكم إياهن أيها الأولياء من مراجعة أزواجهن بنكاح جديد، تبتغون بذلك مضارتهن.

* * * يقال منه: " عضل فلان فلانة عن الأزواج يعضلها عضلا "، وقد ذكر لنا أن حيا من أحياء العرب من لغتها: " عضل يعضل ".

فمن كان من لغته " عضل ", فإنه إن صار إلى " يفعَل ", قال: " يعضَل " بفتح " الضاد ".

والقراءة على ضم " الضاد " دون كسرها, والضم من لغة من قال " عضل ".

(30) * * * وأصل " العضل "، الضيق, ومنه قول عمر رحمة الله عليه: " وقد أعضل بي أهل العراق, لا يرضون عن وال, ولا يرضى عنهم وال ", (31) يعني بذلك حملوني على أمر ضيق شديد لا أطيق القيام به.

ومنه أيضا " الداء العضال " وهو الداء الذي لا يطاق علاجه، لضيقه عن العلاج, وتجاوزه حد الأدواء التي يكون لها علاج, ومنه قول ذي الرمة: ولــم أقــذف لمؤمنــة حصـان بــإذن اللــه موجبــة عضــالا (32) &; 5-25 &; ومنه قيل: " عضل الفضاء بالجيش لكثرتم "، إذا ضاق عنهم من كثرتهم.

وقيل: " عضلت المرأة "، إذا نشب الولد في رحمها فضاق عليه الخروج منها, ومنه قول أوس بن حجر: وليس أخــوك الـدائم العهـد بـالذي يــذمك إن ولـى ويـرضيك مقبـلا (33) ولكنــه النــائي إذا كــنت آمنـا وصـاحبك الأدنـى إذا الأمـر أعضلا * * * و " أن " التي في قوله: " أن ينكحن "، في موضع نصب قوله: " تعضلوهن ".

ومعنى قوله: " إذا تراضوا بينهم بالمعروف "، إذا تراضى الأزواج والنساء بما يحل, ويجوز أن يكون عوضا من أبضاعهن من المهور، (34) ونكاح جديد مستأنف، كما:- 4946- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن عمير بن عبد الله, عن عبد الملك بن المغيرة, عن عبد الرحمن بن البيلماني, قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: أنكحوا الأيامى.

فقال رجل: يا رسول الله، ما العلائق بينهم؟

قال: " ما تراضى عليه أهلوهم ".

(35) &; 5-26 &; 4947- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا محمد بن الحارث قال، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني, عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلي الله عليه وسلم، بنحو منه.

(36) * * * قال أبو جعفر: وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: " لا نكاح إلا بولي من العصبة ".

وذلك أن الله تعالى ذكره منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك.

فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها, أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها -لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم, إذ كان لا سبيل له إلى عضلها.

وذلك أنها إن كانت متى أردات النكاح جاز لها إنكاح نفسها، أو إنكاح من توكله إنكاحها، (37) &; 5-27 &; فلا عضل هنالك لها من أحد فينهى عاضلها عن عضلها.

وفي فساد القول بأن لا معنى لنهي الله عما نهى عنه، صحة القول بأن لولي المرأة في تزويجها حقا لا يصح عقده إلا به.

وهو المعنى الذي أمر الله به الولي:= من تزويجها إذا خطبها خاطبها ورضيت به, وكان رضى عند أوليائها، جائزا في حكم المسلمين لمثلها أن تنكح مثله= ونهاه عن خلافه: من عضلها, ومنعها عما أرادت من ذلك، وتراضت هي والخاطب به.

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله ذلك، ما ذكر في هذه الآية: من نهي أولياء المرأة عن عضلها عن النكاح، يقول: فهذا الذي نهيتكم عنه من عضلهن عن النكاح، عظة مني من كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر- يعني يصدق بالله، فيوحده, ويقر بربوبيته، (38) " واليوم الآخر " يقول: ومن يؤمن باليوم الآخر، فيصدق بالبعث للجزاء والثواب والعقاب، (39) ليتقي الله في نفسه, فلا يظلمها بضرار وليته ومنعها من نكاح من رضيته لنفسها، ممن أذنت لها في نكاحه.

* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " ذلك يوعظ به "، وهو &; 5-28 &; خطاب لجميع, وقد قال من قبل : فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ؟

وإذا جاز أن يقال في خطاب الجميع " ذلك "، أفيجوز أن تقول لجماعة من الناس وأنت تخاطبهم: " أيها القوم، هذا غلامك، وهذا خادمك ", وأنت تريد: هذا خادمكم، وهذا غلامكم ؟

قيل: لا إن ذلك غير جائز مع الأسماء الموضوعات، (40) لأن ما أضيف له الأسماء غيرها، (41) فلا يفهم سامع سمع قول قائل لجماعة: " أيها القوم، هذا غلامك ", أنه عنى بذلك هذا غلامكم - إلا على استخطاء الناطق في منطقه ذلك.

فإن طلب لمنطقه ذلك وجها في الصواب، (42) صرف كلامه ذلك إلى أنه انصرف عن خطاب القوم بما أراد خطابهم به، إلى خطاب رجل واحد منهم أو من غيرهم , وترك مجاوزة القوم بما أراد مجاوزتهم به من الكلام.

(43) وليس ذلك كذلك في" ذلك " لكثرة جري ذلك على ألسن العرب في منطقها وكلامها, حتى صارت " الكاف " -التي هي كناية اسم المخاطب فيها- كهيئة حرف من حروف الكلمة التي هي متصلة.

وصارت الكلمة بها كقول القائل: " هذا ", كأنها ليس معها اسم مخاطب.

(44) فمن قال: " ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر "، أقر " الكاف " من " ذلك " موحدة مفتوحة في خطاب الواحدة من النساء، والواحد من الرجال, والتثنية ، والجمع.

ومن قال: " ذلكم يوعظ به "، كسر " الكاف " في خطاب الواحدة من النساء, وفتح في خطاب الواحد من الرجال، فقال في خطاب الاثنين &; 5-29 &; منهم: (45) " ذلكما ", وفي خطاب الجمع " ذلكم ".

وقد قيل : إن قوله: " ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله "، خطاب للنبي صلي الله عليه وسلم, ولذلك وحد (46) ثم رجع إلى خطاب المؤمنين بقوله: " من كان منكم يؤمن بالله ".

وإذا وجه التأويل إلى هذا الوجه، لم يكن فيه مؤونة.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (232) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله " ذلكم " نكاحهن أزواجهن, ومراجعة أزواجهن إياهن، (47) بما أباح لهن من نكاح ومهر جديد=" أزكى لكم "، أيها الأولياء والأزواج والزوجات.

* * * ويعني بقوله: " أزكى لكم "، أفضل وخير عند الله من فرقتهن أزواجهن.

وقد دللنا فيما مضى على معنى " الزكاة ", فأغنى ذلك عن إعادته.

(48) * * * وأما قوله: " وأطهر "، فإنه يعني بذلك: أطهر لقلوبكم وقلوبهن وقلوب أزواجهن من الريبة.

وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما - أعني الزوج والمرأة - علاقة حب, لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحله الله لهما, &; 5-30 &; ولم يؤمن من أوليائهما أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا منه بريئين.

فأمر الله تعالى ذكره الأولياء -إذا أراد الأزواج التراجع بعد البينونة، بنكاح مستأنف، في الحال التي أذن الله لهما بالتراجع (49) = أن لا يعضل وليته عما أرادت من ذلك, وأن يزوجها.

لأن ذلك أفضل لجميعهم, وأطهر لقلوبهم مما يخاف سبوقه إليها من المعاني المكروهة.

(50) ثم أخبر تعالى ذكره عباده أنه يعلم من سرائرهم وخفيات أمورهم ما لا يعلمه بعضهم من بعض, ودلهم بقوله لهم ذلك في هذا الموضع، أنه إنما أمر أولياء النساء بإنكاح من كانوا أولياءه من النساء إذا تراضت المرأة والزوج الخاطب بينهم بالمعروف, ونهاهم عن عضلهن عن ذلك= لما علم مما في قلب الخاطب والمخطوب من غلبة الهوى والميل من كل واحد منهما إلى صاحبه بالمودة والمحبة, فقال لهم تعالى ذكره: افعلوا ما أمرتكم به، إن كنتم تؤمنون بي، وبثوابي وبعقابي في معادكم في الآخرة, فإني أعلم من قلب الخاطب والمخطوبة ما لا تعلمونه من الهوى والمحبة.

وفعلكم ذلك أفضل لكم عند الله ولهم, وأزكى وأطهر لقلوبكم وقلوبهن في العاجل.

(51) ----------------- الهوامش: (18) خلا عن الشيء : تركه .

وهذا الفعل الثلاثي قلما تصيبه واضحا في كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق .

وقد جاء في ثنايا العبارة في مادة (خلا) من لسان العرب ، وأتى به واضحا الشيرازي في معيار اللغة .

والرواية الآتية تدل على صحة معناه كذلك .

وهكذا جاء في مخطوطة الطبري ومطبوعته"خلا" ثلاثيا في الموضعين ، وجاء في رواية البخاري التي سنذكرها بعد"خَلَّى عَنْها" في الموضعين ، وهي بمعناها .

(19) قال ابن حجر في الفتح : "حمى - بكسر ثانية ، وأنفًا ، بفتح الهمزة والنون ، أي ترك الفعل غيظا وترفعا" وحمى : أخذته الحمية ، وهي الأنفة والغيرة .

(20) خلا عن الشيء : تركه .

وهذا الفعل الثلاثي قلما تصيبه واضحا في كتب اللغة ، ولكنه عربي معرق .

وقد جاء في ثنايا العبارة في مادة (خلا) من لسان العرب ، وأتى به واضحا الشيرازي في معيار اللغة .

والرواية الآتية تدل على صحة معناه كذلك .

وهكذا جاء في مخطوطة الطبري ومطبوعته"خلا" ثلاثيا في الموضعين ، وجاء في رواية البخاري التي سنذكرها بعد"خلى عنها" في الموضعين ، وهي بمعناها .

(21) الأثر : 4927- أخرجه البخاري بروايته عن محمد بن المثنى ، عن عبد الأعلى (الفتح 9 : 425-426) ، وفي رواية البخاري زيادة : "فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليه .

فترك الحمية واستقاد لأمر الله" .

وستأتي في مرسل قتادة الآتي برقم : 4930 ، وسأشرحها في التعليق هناك .

(22) الأثر : 4928- أخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 280 وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد .

ولم يخرجاه" ، وعقب عليه الذهبي فقال : "الفضل ، ضعفه ابن معين ، وقواه غيره" .

بيد أن ابن أبي حاتم ذكر في ترجمته في الجرح والتعديل 3/2/61 : "سئل يحيى بن معين عن الفضل بن دلهم فقال : حديثه صالح" وانظر الاختلاف في أمر الفضل في ترجمته في التهذيب .

(23) الأثر : 4929-"محمد بن عبد الله بن المبارك القرشي المخرمي" (بضم الميم وفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة ، نسبة إلى"المخرم" ، وهي محلة كانت ببغداد ، بين الرصافة ونهر المعلى .

توفي ببغداد سنة 260 ، قال النسائي : "كان أحد الثقات ، ما رأينا بالعراق مثله" .

وقال الدارقطني : "ثقة جليل متقن" .

وقد مضت رواية الطبري عنه رقم : 3730 .

وكان في المطبوعة : "المخزومي" .

وهذا الأثر ، أخرجه البخاري بروايته عن عبيد الله بن سعيد ، عن أبي عامر العقدي ، ولم يذكر إلا صدر الخبر ، ليثبت به تحديث الحسن عن معقل لقوله : "حدثني معقل بن يسار" (فتح الباري 8 : 143) .

وأخرجه أبو داود ، بروايته عن محمد بن المثنى ، عن أبي عامر العقدي ، وهو مختصر .

(24) الأثر : 4930- هو إسناد الطبري الدائر في التفسير ، من تفسير قتادة ، بيد أنه من معنى رواية قتادة عن الحسن ، رقم : 4927 ، وفي آخر الزيادة التي أشرنا إليه في رواية البخاري للأثر السالف .

و"الحمية" الأنفة والغضب .

واستفاد للشيء ، أذعن وأطاع ، من"قاد الدابة يقودها" .

أي ألقى بقيادة غير جامح ولا معاند .

(25) الأثر : 4931- أخرجه البخاري .

قال : "حدثنا أحمد بن أبي عمر ، قال حدثنا أبي ، قال حدثني إبراهيم ، عن يونس" و"أحمد بن أبي عمر" هو : أحمد بن حفص بن عبد الله بن راشد .

و"إبراهيم" هو : "إبراهيم بن طهمان ، و"يونس" هو : يونس بن عبيد (الفتح 9 : 160) وقد استقصى الكلام فيه الحافظ ابن حجر ، ثم ذكره في (الفتح 8 : 143) ، وأخرجه الحاكم في المستدرك 2 : 174 ، والبيهقي في السنن 7 : 138 ، كلاهما من طريق أحمد بن حفص بمثل رواية البخاري ، وهي مثل رواية الطبري ، وإن كان فيها خلاف في بعض اللفظ ، كما أشار إليه الحافظ في الفتح ، وذكر ما فيه من الروايات .

وها هنا خلاف لم يذكره الحافظ في قوله : "فرشتك أختي" ، فهكذا هو في المخطوطة والمطبوعة ، وفي المستدرك والذهبي جميعا ، وفي سائر الروايات"أفرشتك" ، وهما صواب في العربية جميعا .

من قولهم : "فرشت فلانا بساطا واْفرشته إياه" : إذا بسطته له .

وفرش له أخته وأفرشها له : جعلها له فراشا .

والفراش كناية عن المرأة .

(26) في المخطوطة : "إخوتها" ، والذي في المطبوعة أحرى بالصواب ، لمشاكلته سائر الروايات .

(27) في المطبوعة : "جميل" بوزن التصغير ، كما قال ابن حجر في الفتح والإصابة (9 : 160) والذي في المخطوطة مضبوط بالقلم"جمل" بضم الجيم .

وقد ذكرها فيه أيضًا وفي الإصابة (بضم أوله وسكون الميم) .

وقال ابن حجر أنه وقع في تفسير الطبري"جميل" ، ولكن هذه المخطوطة شاهدة على اختلاف نسخ الطبري .

واختلف في اسمها واسم"أبي البداح" اختلاف طويل ، فراجعه في فتح الباري 9 : 160 ، والإصابة .

وسيأتي في رقم : 4936 أن اسمها"فاطمة" .

(28) الأثر : 4936-"أبو إسحاق الهمداني" ، هو"أبو إسحاق السبيعي ، عمرو بن عبد الله بن عبيد ، من سبيع ، والسبيع من همدان" روى عن علي والمغيرة بن شعبة ، ومات سنة 126 .

(29) في المطبوعة : "تبين منه" بغير فاء ، والصواب من المخطوطة .

(30) هذا البيان لا تجده في كتب اللغة ، وليس فيها ما رواه عن لغة هذا الحي من العرب .

وقوله"عضل يعضل" بكسر الضاد الأولى وفتح الثانية ، مضبوط بالقلم في المخطوطة ، كما ضبطت سائر الأفعال .

(31) روى الزمخشري وصاحب اللسان في مادة (عضل) : "أعضل بي أهل الكوفة ، ما يرضون بأمير ولا يرضى عنهم أمير" ثم قال الزمخشري : "وروى : غلبني أهل الكوفة ، أستعمل عليهم المؤمن فيضعف ، وأستعمل عليهم الفاجر فيفجر!" (32) ديوانه 441- من أبيات وصف بها صنعة شعره فقال : وشــعر قــد أرقـت لـه غـريب أجنبـــه المســـاند والمحـــالا غــرائب قــد عـرفن بكـل أفـق مــن الآفــاق تفتعــل افتعــالا فبـــت أقيمــه , وأقــد منــه قـــوافي لا أعــد لهــا مثــالا غــرائب قــد عـرفن بكـل أفـق مــن الآفــاق تفتعــل افتعــالا فلــم أقـذف .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وهذا البيت الأخير ، يعرض فيه بأئمة الهجاء في عصره ، جرير والفرزدق والأخطل وسائر من تراموا بالسباب .

والحصان : العفيفة الطاهرة .

والموجبة : أي التي توجب حد القذف ، أو توجب النار ، أعاذنا الله منها!

والعضال : التي لا مخرج منها ولا علاج لها .

وسياق البيت : ولم أقذف موجبة عضالا -لمؤمنة حصان .

.

.

يعني : لم أرم الكلمة الشائنة والسباب الفاحش ، أبغي به أمرأة عفيفة قد برأها الله مما يقال .

ورواية الديوان"بحمد الله" ، وهي أجود .

هذا والبيت في المخطوطة فاسد : "لرمته حصال"!!

(33) ديوانه ، القصيدة : 31 .

وهما بيتان قد كشفا عن سرائر الناس بلا مداجاة .

فقلما تظفر بذلك .

(34) الأبضاع جمع بضع (بضم فسكون) : وهو الفرج ، والجماع ، وعقد النكاح ، والمهر ، والمراد الأول .

(35) الحديث : 4946- عبد الرحمن : هو ابن مهدي .

سفيان : هو الثوري .

عمير بن عبد الله بن بشر الخثعمي : ثقة ، وثقه ابن نمير وغيره .

عبد الملك بن المغيرة الطائفي : تابعي ثقة ، وهو يروي هنا عن تابعي آخر .

عبد الرحمن بن البيلماني ، مولى عمر : تابعي ثقة ، تكلم فيه بعض العلماء ، والحق أن ما أنكر من حديثه إنما جاء مما رواه عنه ابنه محمد .

وأما هو فثقة .

وهذا الحديث ضعيف ، لأنه مرسل .

وقد رواه البيهقي 7 : 239 ، من طريق قيس بن الربيع ، عن عمير بن عبد الله ، بهذا الإسناد .

ثم رواه من طريق حفص بن غياث وأبي معاوية ، عن حجاج بن أرطاة ، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي ، ثم قال : "هذا منقطع" .

(36) الحديث : 4947- هو تكرار للحديث قبله ، ولكنه في هذا متصل ، بذكر"ابن عمر" فيه .

وهو ضعيف أيضًا .

بل هو أشد ضعفا من ذاك المرسل .

محمد بن الحارث بن زياد بن الربيع الحارثي : ثقة ، متكلم فيه .

وقد فصلنا القول في ترجيحه ، في شرح المسند : 5371 .

محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني : ضعيف جدا ، والبلاء في أحاديث أبيه ، ثم في أحاديث محمد ابن الحارث الحارثي -إنما هو من ناحيته .

روى عن أبيه أحاديث مناكير لا أصل لها ، أو مراسيل لا أصل لوصلها ، وروى عنه محمد الحارثي - فتكلم في كل منهما من أجله .

وقد فصلنا القول في تضعيفه ، في شرح المسند : 4910 .

وهذا الحديث رواه البيهقي 7 : 239 ، من طريق بندار ، وهو محمد بن بشار ، شيخ الطبري هنا - بهذا الإسناد .

ثم رواه من طريق أبي عبد الرحمن الحضرمي صالح بن عبد الجبار ، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن أبيه ، عن ابن عباس!

ثم نقل عن أبي أحمد بن عدي ، قال : محمد ابن عبد الرحمن بن البيلماني ضعيف .

ومحمد بن الحارث ضعيف .

والضعف على حديثهما بين" .

ونقله السيوطي 1 : 287 ، من حديث ابن عمر ، ونسبه لابن أبي شيبة ، وابن جرير ، وابن مردويه .

ثم سكت عن ضعفه .

(37) في المطبوعة : "من توكله إنكاحها" بإسقاط الباء ، وأثبت ما في المخطوطة .

(38) انظر ما سلف في معنى"الإيمان" في مادة (أمن) من فهارس اللغة في الأجزاء الماضية .

(39) انظر ما سلف في تفسير"اليوم الآخر" 1 : 271 / 2 : 148 .

(40) "الأسماء الموضوعات" ، كأن"الاسم الموضوع" ، هو"الاسم المتمكن ، أو المعرب" ، ضريع"الاسم غير المتمكن ، أو المبني" .

(41) قوله : "غيرها" ، أي غير الأسماء .

(42) في المطبوعة : "وجها فالصواب" ، وهي خطأ محض ، والصواب من المخطوطة .

(43) في المطبوعة : "مجاوزة القوم .

.

.

مجاوزتهم" بالجيم والزاي في الموضعين ، وهو كلام غير بصير .

والصواب ما في المخطوطة وما يقتضيه السياق .

(44) يعني أنها صارت بمنزلة"هذا" في جريها كأنها كلمة واحدة ، وهي مركبة من"الهاء" و"ذا" ، الذي هو اسم إشارة .

(45) في المطبوعة والمخطوطة : "فقال في خطاب .

.

.

" بالفاء ، وهو لا يستقيم .

(46) في المطبوعة"ولذلك وجه" ، وهو كلام مسلوب المعنى ، والصواب من المخطوطة .

(47) في المطبوعة : "نكاح أزواجهن لهن" ، وفي المخطوطة : "نكاحهن أزواجهن لهن" ، والذي في المطبوعة وجه من التصحيح لما في المخطوطة ، ولكني رأيت أن للتصحيح وجها آخر ، هو حذف"لهن" .

وذلك لأنه أراد بقوله : "نكاحهن أزواجهن" ، ما جاء في الآية : "أن ينكحن أزواجهن" بإسناد"النكاح" إلى النساء ، فلذلك آثرت هذا التصحيح ، ولئلا يكون في الكلام تكرير لقوله بعد"ومراجعة أزواجهن إياهن" .

(48) انظر ما سلف 1 : 573-574 /2 : 297 / 3 : 88 .

(49) في المطبوعة : "أذن الله لهما" ، والمخطوطة ليس فيها زيادة"الله" .

(50) "سبوق" مصدر"سبق" ، لم يرد في كتب اللغة ، ولكن الطيري يكثر استعماله كما أشرنا إليه آنفًا في الجزء 4 : 287 ، 288 / ثم : 427 / ثم : 446 ، والتعليقات عليها .

(51) هذا كلام حبر رباني حكيم ، قد فقهه الله في أمور دينه ، وآتاه الحكمة في أمور دنياه ، وعلمه من تأويل كتابه ، فحمل الأمانة وأداها ، ونصح للناس فعلمهم وفطنهم ، ولم يشغله في تفسير كتاب ربه نحو ولا لغة ولا فقه ولا أصول -كما اصطلحوا عليه- عن كشف المعاني للناس مخاطبا بها قلوبهم وعقولهم ، ليبين لهم ما أنزل الله على نبيه ، بالعهد الذي أخذه الله على العلماء .

فرحم الله أبا جعفر ، وغفر الله للمفسرين من بعده .

وقلما تصيب مثل ما كتب في كتاب من كتب التفسير .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : " فلا تعضلوهن " روي أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي البداح فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها ، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها وقال : وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه .

فنزلت الآية .

قال مقاتل : فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقلا فقال : إن كنت مؤمنا فلا تمنع أختك عن أبي البداح فقال : آمنت بالله ، وزوجها منه .

وروى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدتها فخطبها فأبى معقل فنزلت : فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن .

وأخرجه أيضا الدارقطني عن الحسن قال : حدثني معقل بن يسار قال : كانت لي أخت فخطبت إلي فكنت أمنعها الناس ، فأتى ابن عم لي فخطبها فأنكحتها إياه ، فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقا رجعيا ثم تركها حتى انقضت عدتها فخطبها مع الخطاب ، فقلت : منعتها الناس وزوجتك إياها ثم طلقتها طلاقا له رجعة ثم تركتها حتى انقضت عدتها فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب لا [ ص: 146 ] أزوجك أبدا فأنزل الله ، أو قال أنزلت : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه .

في رواية للبخاري : فحمي معقل من ذلك أنفا ، وقال : خلى عنها وهو يقدر عليها ثم يخطبها فأنزل الله الآية ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه الآية فترك الحمية وانقاد لأمر الله تعالى .

وقيل : هو معقل بن سنان ( بالنون ) .

قال النحاس : رواه الشافعي في كتبه عن معقل بن يسار أو سنان .

وقال الطحاوي : هو معقل بن سنان .الثانية : إذا ثبت هذا ففي الآية دليل على أنه لا يجوز النكاح بغير ولي لأن أخت معقل كانت ثيبا ، ولو كان الأمر إليها دون وليها لزوجت نفسها ، ولم تحتج إلى وليها معقل ، فالخطاب إذا في قوله تعالى : فلا تعضلوهن للأولياء ، وأن الأمر إليهم في التزويج مع رضاهن .

وقد قيل : إن الخطاب في ذلك للأزواج ، وذلك بأن يكون الارتجاع مضارة عضلا عن نكاح الغير بتطويل العدة عليها .

واحتج بها أصحاب أبي حنيفة على أن تزوج المرأة نفسها قالوا : لأن الله تعالى أضاف ذلك إليها كما قال : فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، ولم يذكر الولي .

وقد تقدم القول في هذه المسألة مستوفى .

والأول أصح لما ذكرناه من سبب النزول .

والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : فبلغن أجلهن بلوغ الأجل في هذا الموضع : تناهيه ؛ لأن ابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة .

و ( تعضلوهن ) معناه تحبسوهن .

وحكى الخليل : دجاجة معضل : قد احتبس بيضها .

وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس ، يقال : أردت أمرا فعضلتني عنه أي منعتني عنه وضيقت علي .

وأعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل ، ومنه قولهم : إنه لعضلة من العضل إذا كان لا يقدر على وجه الحيلة فيه .

وقال الأزهري : أصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه ، وعضلت الدجاجة : نشب بيضها .

وفي حديث معاوية : ( معضلة ولا أبا حسن ) ، أي مسألة صعبة ضيقة المخارج .

وقال طاوس : لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلا ابن عباس .

وكل مشكل عند العرب معضل ، ومنه قول الشافعي :إذا المعضلات تصدينني كشفت حقائقها بالنظر[ ص: 147 ] ويقال : أعضل الأمر إذا اشتد .

وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء .

وعضل فلان أيمه أي منعها ، يعضلها ويعضلها ( بالضم والكسر ) لغتان .الرابعة : قوله تعالى : ذلك يوعظ به من كان ولم يقل " ذلكم " لأنه محمول على معنى الجمع .

ولو كان " ذلكم " لجاز ، مثل ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم أي ما لكم فيه من الصلاح .

وأنتم لا تعلمون ذلك .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا خطابٌ لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها، من أب وغيره; أن يعضلها; أي: يمنعها من التزوج به حنقا عليه; وغضبا; واشمئزازا لما فعل من الطلاق الأول.

وذكر أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإيمانه يمنعه من العضل، فإن ذلك أزكى لكم وأطهر وأطيب مما يظن الولي أنَّ عدم تزويجه هو الرأي: واللائق وأنه يقابل بطلاقه الأول بعدم التزويج له كما هو عادة المترفعين المتكبرين.

فإن كان يظن أن المصلحة في عدم تزويجه، فالله {يعلم وأنتم لا تعلمون} فامتثلوا أمر من هو عالم بمصالحكم، مريد لها، قادر عليها، ميسر لها من الوجه الذي تعرفون وغيره.

وفي هذه الآية، دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء عن العضل، ولا ينهاهم إلا عن أمر، هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ) نزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني كانت تحت أبي البداح عاصم بن عدي بن عجلان فطلقها .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أخبرنا أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني إبراهيم عن يونس عن الحسن قال حدثني معقل بن يسار قال زوجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها فقلت له : زوجتك وفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها؟

لا والله لا تعود إليك أبدا وكان رجلا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فأنزل الله تعالى ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) فقلت : الآن أفعل يا رسول الله قال : فزوجتها إياه .

قوله تعالى : ( فبلغن أجلهن ) أي انقضت عدتهن ( فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ) أي لا تمنعوهن عن النكاح والعضل : المنع وأصله الضيق والشدة يقال : عضلت المرأة إذا نشب ولدها في بطنها فضاق عليه الخروج والداء العضال الذي لا يطاق وفي الآية دليل على أن المرأة لا تلي عقد النكاح إذ لو كانت تملك ذلك لم يكن هناك عضل ولا لنهي الولي عن العضل معنى وقيل : الآية خطاب مع الأزواج لمنعهم من الإضرار لأن ابتداء الآية خطاب معهم والأول أصح .

( إذا تراضوا بينهم بالمعروف ) بعقد حلال ومهر جائز ) ( ذلك ) أي ذلك الذي ذكر من النهي ( يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ) وإنما قال ذلك موحدا والخطاب للأولياء لأن الأصل في مخاطبة الجمع : ذلكم ثم كثر حتى توهموا أن الكاف من نفس الحرف وليس بكاف خطاب فقالوا ذلك فإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة منصوبة في الاثنين والجمع والمؤنث ، والمذكر قيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم فلذلك وحد ثم رجع إلى خطاب المؤمنين فقال ( ذلكم أزكى لكم ) أي خير لكم ) ( وأطهر ) لقلوبكم من الريبة وذلك أنه إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حب لم يؤمن أن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحل الله لهما ولم يؤمن من الأولياء أن يسبق إلى قلوبهم منهما ما لعلهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون ( والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) أي يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلمون أنتم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن» انقضت عدتهن «فلا تعضلوهن» خطاب للأولياء أي تمنعوهن من «أن ينكحن أزواجهن» المطلقين لهن لأن سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل بن يسار كما رواه الحاكم «إذا تراضوا» أي الأزواج والنساء «بينهم بالمعروف» شرعا «ذلك» النهي عن العضل «يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر» لأنه المنتفع به «ذلكم» أي ترك العضل «أزكى» خير «لكم وأطهر» لكم ولهم لما يُخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما «والله يعلم» ما فيه المصلحة «وأنتم لا تعلمون» ذلك فاتَّبعوا أوامره.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذا طلَّقتم نساءكم دون الثلاث وانتهت عدتهن من غير مراجعة لهن، فلا تضيقوا -أيها الأولياء- على المطلقات بمنعهن من العودة إلى أزواجهن بعقد جديد إذا أردن ذلك، وحدث التراضي شرعًا وعرفًا.

ذلك يوعظ به من كان منكم صادق الإيمان بالله واليوم الآخر.

إن تَرْكَ العضل وتمكين الأزواج من نكاح زوجاتهم أكثر نماء وطهارة لأعراضكم، وأعظم منفعة وثوابًا لكم.

والله يعلم ما فيه صلاحكم وأنتم لا تعلمون ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما ينبغي اتباعه عند حصول الطلاق وإمضائه حتى لا يقع ظلم أو جور فقال - تعالى - : ( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف ) .قال القرطبي : تعضلوهن معناه تحبسوهن ، ودجاجة معضل أي : قد احتبس بيضها ، وقيل : العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس .

يقال : أعضل الأمر : إذا ضاقت عليك فيه الحيل .

قال الأزهري : وأصل العضل من قولهم : عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه ويقال أعضل الأمر إذا اشتد ، وداء عضال أي شديد عسر البرء أعيا الأطباء .

.

.

" .والمعنى : وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن أي : انقضت عدتهن وخلت الموانع من زواجهن ، فلا تمنعوهن من الزواج بمن يردن الزواج به ، متى حصل التراضي بين الأزواج والزوجات على ما يحسن في الدين ، وتقره العقول السليمة ، ويجري به العرف الحسن .والمراد ببلوغ الآجل هنا بلوغ أقصى العدة ، بخلاف البلوغ في الآية التي قبل هذه ، فإن المراد به المشارفة والمقاربة كما أشرنا من قبل لأن المعنى يحتم ذلك ، والخطاب هنا للأزواج وللأولياء ولكل من له تأثير على المرأة المطلقة ، وذلك لأن منع الزوجة من الزواج بعد انقضاء عدتها قد يكون من جانب الزوج السابق ، لا سيما إذا كان صاحب جاه وسلطان وسطوة ، فإنه يعز عليه أن يتزوج مطلقته أحد بعده فيمنعها من الزواج .وقد يكون المنع من جانب الأولياء ، وقد أورد المفسرين آثاراً تشهد لذلك منها - كما يقول الآلوسي - ما أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود من طرق شتى عن معقل بن يسار قال : كان لي أخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه ، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقه ، ولم يراجعها حتحى انقضت العدة ، فهويها وهوته ثم خطبها مع الخطاب .

فقلت له : أكرمتك بها وزوجتكما فطلقتها ثم جئت تخطبها ، والله لا ترجع إليك أبداً ، وكان رجلا لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فعلم الله - تعالى - حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل هذه الآية .

ففي نزلت فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه .

.

" .وعبر - سبحانه - عن الرجال الذين هم محل الرضا من النساء بالأزواج فقال ( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ) مع أن الزواج لم يتحقق بعد ، للإِشارة إلى الحقيقة المقررة الثابتة ، وهي أن من يقع اختيارها عليه ، ولم يكن اقترانها به فيه ما يشينها أو يشين أسرتها ، فمن الواجب ألا يمانع أحد في إتمام هذا الزواج ، بل على الجميع أن يقروه وينفذوه ، لأن شريعة الله والفطرة الإِنسانية يقضيان بذلك .وقوله : ( أَن يَنكِحْنَ ) تقديره : من أن ينكحن فهو في محل جر عند الخليل والكسائي وفي محل نصب عند غيرهما ، وقوله : ( إِذَا تَرَاضَوْاْ ) ظرف لأن ينكحن أو لقوله : ( فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ) وقوله : ( بالمعروف ) متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تراضوا ، أو هو نعت لمصدر محذوف أي تراضياً كائناً بالمعروف أو هو متعلق بتراضوا .

أي تراضوا بما يحسن في الدين والمروءة ، وفيه إشعار بأن المنع من التزوج بغير كفء أو بما دون مهر المثل ليس من العضل المنهي عنه .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله ( ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) .أي : ذلك القول الحكين ، والتوجيه الكريم المشتمل على أفضل الأحكام وأسماها يوعظ به ، ويستجيب له من كان منكم عميق الإِيمان بالله - تعالى - وبثوابه وبعقابه يوم القيامة .

لذكلم الذي شرعه الله لكم - أيها المؤمنون - من ترك عضل النساء والإِضرار بهن وغير ذلك من الأحكام ( أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ) أي أعظم بركة ونفعاً ، وأكثر تطهيراً من دنس الآثام ، فإن المرأة إذا عوملت معاملة كريمة ، ولم تظلم في رغباتها المشروعة ، التمزمت في سلوكها العفاف والخلق الشريف ، أما إذا شعرت بالظلم والامتهان فإن هذا الشعور قد يدفعها إلى ارتكاب ما نهى الله عنه .والله تعالى يعلم ما فيه مصلحتكم ومنفعتكم ، وأنتم لا تعلمون ذلك ، فامتثلوا ما أمركم به واجتنبوا ما نهاكم عنه تفوزوا وتسعدوا .والإِشارة بقوله : ( ذلك ) إلى ما فصل من أحكام وما أمر به من أفعال والخطاب لكل من يصلح للخطاب من المكلفين .وخصص الوعظ بالمؤمنين لأنهم هم الذين ينتفعون به ، وترق معه قلوبهم وتخشع له نفوسهم .وأتى - سبحانه - بضمير الجمع ( ذلكم ) بعد أن قال في صدر الجملة ( ذلك ) للإشارة إلى أن حماية المرأة من الهوان ومنع التضييق عليها في اختيار زوجها واجب على جميع المؤمنين ، وأن فائدة ذلك ستعود عليهم جميعاً ما دام هذا الاختيار في حدود الآداب التي جاء بها الإِسلام .وقوله : ( والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) رد على كل معترض على تطبيق شريعة الله ، أو متهاون في ذلك بدعوى أنها ليست صالحة للظروف التي يعيش ذلك المعترض أو هذا المتهاون فيها ، لأن شرع الله فيه النفع الدائم والمصلحة الحقيقية ، والنتائج المرضية ، لأنه شرع من يعلم كل شيء ولا يجهل شيئاً ، ويعلم ما هو الأنفع والأصلح للناس في كل زمان ومكان ، ولم يشرع لهم - سبحانه - إلا ما فيه مصلحتهم ومنفعتهم ، وما دام علم الله - تعالى - هو الكامل ، وعلم الإِنسان علم قاصر ، فعلينا أن نتبع شرع الله في كل شئوننا ، ولنقل لأولئك المعترضين أو المتهاونين : سيروا معنا في طريق الحق فذلكم ( أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) .وبعد : فهذه خمس آيات قد تحدثت عن جملة من الأحكام التي تتعلق بالطلاق ، وإذا كان الإِسلام قد شرع الطلاق عند الضرورة التي تحتمها مصلحة الزوجين ، فإنه في الوقت نفسه قد وضع كثيراً من التعاليم التي يؤدي اتباعها إلا الإبقاء على الحياة الزوجية ، وعلى قيامها على المودة والرحمة ، ومن ذلك :1 - أنه أرشد أتباعه إلى أفضل السبل لاختيار الزوج ، بأن جعل أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق القويم ، لأنه متى كان كل من الزوجين متحلياً بالإِيمان والتقوى ، استقرت الحياة الزوجية بينهما ، وقامت على المودة والرحمة وحسن المعاشرة .2 - أنه أمر كلا الزوجين بأن يبذل كل واحد منهما قصارى جهده في أداء حق صاحبه ، وإدخال السرور على نفسه ، فإذا ما نجم خلاف بينهما فعليهما أن يعالجاه بالحكمة والعدل ، وأن يجعلا الأناة والصبر رائدهما ، فإن الحياة الزوجية بحكم استمرارها وتشابك مطالبها لا تخلو من اختلاف بين الزوجين .3 - دعا الإِسلام إلى الإِصلاح ما بين الزوجين إن ابتدأت العلاقة تسير في غير طريق المودة ، فقال - تعالى - ( وَإِنِ امرأة خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً والصلح خَيْرٌ .

.

.

) كما دعا أولى الأمر أن يتدخلوا للإِصلاح بين الزوجين عند نشوب الشقاق بينهما أو عند خوفه فقال - تعالى - ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ) 4 - نهى الإِسلام عن إيقاع الطلاق على الزوجة في حال حيضها ، أو في حال طهر باشرها فيه ، لأن المرأة في هاتين الحالتين قد تكون على هيئة لا تجعل الرجل مشوقاً إليها .

.

.وأباح له أن يوقع الطلاق في طهر لم يجامعها فيه ، لأن إيقاعه في هذه الحالة يكون دليلا على استحكم النفرة بينهما .5 - نهى الإِسلام عن الطلاق البات بالنسبة للمرأة المدخول بها ، وأمر الزوج بأن يجعل طلاقه رجعياً ، وأعطاه فرصة طويلة تقرب من ثلاثة أشهر ليراجع خلالها نفسه ، فإن وجد الخير في مراجعة زوجته راجعها بقصد الإِصلاح واستمرار الحياة الزوجية ، وإن وجد الخير في غير ذلك تركها حتى تنقضي عدتها وفارقها بالمعروف عملا بقوله - تعالى - : ( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) .6 - جعل الإِسلام الطلاق بيد الرجل ، لأنه هو الذي وقعت عليه معظم أعباء الزواج ، وهو الذي سيتحمل ما سيترتب على الطلاق من تكاليف ، ولا شك أنه بمقتضى هذه التكاليف وبمقتضى حرصه على استقرار حياته ، سيتأنَّى ويتروى فلا يوقع الطلاق إلا إذا كان مضطراً إلى ذلك .كما أن الإِسلام أباح للمرأة أن تفتدي نفسها من زوجها ، أو ترفع أمرها للقاضي ليفرق بينها وبينه إذال تيقنت من استحالة استمرار الحالة الزوجية بينهما لأي سبب من الأسباب .

وفي هذه الحالة فللقاضي أن يفرق بينهما إذا رأى أن المصلحة تقتضي ذلك .7 - أباح الإِسلام للرجل الذي طلق امرأته ثلاثاً أن يعود إليها من جديد ، وذلك بعد طلاقها من رجل آخر يكون قد تزوجها زواجاً شرعياً وانقضت عدتها منه ، وفي ذلك ما فيه من التأديب لهما ، والتهذيب لسلوكهما .8 - وردت أحاديث متعددة تنهى عن إيقاع الطلاق إلا عند الضرورة وتتوعد المرأة التي تطلب من زوجها أن يطلقها بدون سبب معقول بالعذاب الشديد ، ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس - أي من غير عذر شرعي أو سبب قوي - فحرام عليها رائحة الجنة " وروى أبو داود وغيره عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " .هذه بعض التشريعات التي وضعها الإِسلام لصيانة الحياة الزوجية من التصدع والانهيار ، ومنها نرى أن الإِسلام وإن كان قد شرع الطلاق ، إلا أنه لا يدعو إليه إلا إذا كانت مصلحة الزوجين أو أحدهما تقتضيه وتستلزمه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الحكم السادس من أحكام الطلاق، وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزول الآية وجهان الأول: روي أن معقل بن يسار زوج أخته جميل بن عبد الله بن عاصم، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فجاء يخطبها لنفسه ورضيت المرأة بذلك، فقال لها معقل: إنه طلقك ثم تريدين مراجعته وجهي من وجهك حرام إن راجعتيه فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم معقل بن يسار وتلا عليه هذه الآية فقال معقل: رغم أنفي لأمر ربي، اللهم رضيت وسلمت لأمرك، وأنكح أخته زوجها والثاني: روي عن مجاهد والسدي أن جابر ابن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وكان جابر يقول فيّ نزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: العضل المنع، يقال: عضل فلان ابنته، إذا منعها من التزوج، فهو يعضلها ويعضلها، بضم الضاد وبكسرها وأنشد الأخفش: وإن قصائدي لك فاصطنعني *** كرائم قد عضلن عن النكاح وأصل العضل في اللغة الضيق، يقال: عضلت المرأة إذا نشب الولد في بطنها، وكذلك عضلت الشاة، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، قال أوس بن حجر: ترى الأرض منا بالفضاء مريضة *** معضلة منا بجيش عرمرم وأعضل المريض الأطباء أي أعياهم، وسميت العضلة عضلة لأن القوى المحركة منشؤها منها، ويقال: داء عضال، للأمر إذا اشتد، ومنه قول أوس: وليس أخوك الدائم العهد بالذي *** يذمك إن ولى ويرضيك مقبلاً ولكنه النائي إذا كنت آمنا *** وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا المسألة الثالثة: اختلف المفسرون في أن قوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ خطاب لمن؟

فقال الأكثرون إنه خطاب للأولياء، وقال بعضهم إنه خطاب للأزواج، وهذا هو المختار، الذي يدل عليه أن قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ جملة واحدة مركبة من شرط وجزاء، فالشرط قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ والجزاء قوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ ولا شك أن الشرط وهو قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء ﴾ خطاب مع الأزواج، فوجب أن يكون الجزاء وهو قوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ خطاباً معهم أيضاً، إذ لو لم يكن كذلك لصار تقدير الآية: إذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء وحيئنذٍ لا يكون بين الشرط وبين الجزاء مناسبة أصلاً وذلك يوجب تفكك نظم الكلام وتنزيه كلام الله عن مثله واجب، فهذا كلام قوي متين في تقرير هذا القول، ثم إنه يتأكد بوجهين آخرين الأول: أن من أول آية في الطلاق إلى هذا الموضع كان الخطاب كله مع الأزواج، وألبتة ما جرى للأولياء ذكر فكان صرف هذا الخطاب إلى الأولياء على خلاف النظم والثاني: ما قبل هذه الآية خطاب مع الأزواج في كيفية معاملتهم مع النساء قبل انقضاء العدة، فإذا جعلنا هذه الآية خطاباً لهم في كيفية معاملتهم مع النساء بعد انقضاء العدة كان الكلام منتظماً، والترتيب مستقيماً، أما إذا جعلناه خطاباً للأولياء لم يحصل فيه مثل هذا الترتيب الحسن اللطيف، فكان صرف الخطاب إلى الأزواج أولى.

حجة من قال الآية خطاب للأولياء وجوه: الأول: وهو عمدتهم الكبرى: أن الروايات المشهورة في سبب نزول الآية دالة على أن هذه الآية خطاب مع الأولياء لا مع الأزواج، ويمكن أن يجاب عنه بأنه لما وقع التعارض بين هذه الحجة وبين الحجة التي ذكرناها كانت الحجة التي ذكرناها أولى بالرعاية لأن المحافظة على نظم الكلام أولى من المحافظة على خبر الواحد وأيضاً فلأن الروايات متعارضة، فروي عن معقل أنه كان يقول، إن هذه الآية لو كانت خطاباً مع الأزواج لكانت إما أن تكون خطاباً قبل انقضاء العدة أو مع انقضائها، والأول باطل لأن ذلك مستفاد من الآية، فلو حملنا هذه الآية على مثل ذلك المعنى كان تكراراً من غير فائدة، وأيضاً فقد قال تعالى: ﴿ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف ﴾ فنهى عن العضل حال حصول التراضي، ولا يحصل التراضي بالنكاح إلا بعد التصريح بالخطبة، ولا يجوز التصريح بالخطبة إلا بعد انقضاء العدة، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ  ﴾ والثاني: أيضاً باطل لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج قدرة على عضل المرأة، فكيف يصرف هذا النهي إليه، ويمكن أن يجاب عنه بأن الرجل قد يكون بحيث يشتد ندمه على مفارقة المرأة بعد انقضاء عدتها وتلحقه الغيرة إذا رأى من يخطبها، وحينئذٍ يعضلها عن أن ينكحها غيره إما بأن يجحد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالتهديد والوعيد، أو يسيء القول فيها وذلك بأن ينسبها إلى أمور تنفر الرجل عن الرغبة فيها، فالله تعالى نهى الأزواج عن هذه الأفعال وعرفهم أن ترك هذه الأفعال أزكى لهم وأطهر من دنس الآثام.

الحجة الثالثة لهم قالوا قوله تعالى: ﴿ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن ﴾ معناه: ولا تمنعوهن من أن ينكحن الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك، وهذا الكلام لا ينتظم إلا إذا جعلنا الآية خطاباً للأولياء، لأنهم كانوا يمنعونهن من العود إلى الذين كانوا أزواجاً لهن قبل ذلك، فأما إذا جعلنا الآية خطاباً للأزواج، فهذا الكلام لا يصح، ويمكن أن يجاب عنه بأن معنى قوله: ﴿ يَنكِحْنَ أزواجهن ﴾ من يريدون أن يتزوجوهن فيكونون أزواجاً والعرب قد تسمي الشيء باسم ما يؤول إليه، فهذا جملة الكلام في هذا الباب.

المسألة الرابعة: تمسك الشافعي رضي الله عنه بهذه الآية في بيان أن النكاح بغير ولي لا يجوز وبنى ذلك الاستدلال على أن الخطاب في هذه الآية مع الأولياء، قال: وإذا ثبت هذا وجب أن يكون التزويج إلى الأولياء لا إلى النساء، لأنه لو كان للمرأة أن تتزوج بنفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، ولو لم يقدر الولي على هذا العضل لما نهاه الله عز وجل عن العضل، وحيث نهاه عن العضل كان قادراً على العضل، وإذا كان الولي قادراً على العضل وجب أن لا تكون المرأة متمكنة من النكاح، واعلم أن هذا الاستدلال بناءً على أن هذا الخطاب مع الأولياء، وقد تقدم ما فيه من المباحث، ثم إن سلمنا هذه المقدمة لكن لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ أن يخليها ورأيها في ذلك، وذلك لأن الغالب في النساء الأيامى أن يركن إلى رأي الأولياء في باب النكاح، وإن كان الاستئذان الشرعي لهن، وإن يكن تحت تدبيرهم ورأيهم، وحينئذٍ يكونون متمكنين من منعهن لتمكنهم من تزويجهن، فيكون النهي محمولاً على هذا الوجه، وهو منقول عن ابن عباس في تفسير الآية، وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع، لأنه مهما عضل لا يبقى لعضله أثر، وعلى هذا الوجه فصدور العضل عنه غير معتبر، وتمسك أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله تعالى: ﴿ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن ﴾ على أن النكاح بغير ولي جائز، وقال إنه تعالى أضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله، والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك، ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، قالوا: وهذا النص متأكد بقوله تعالى: ﴿ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ  ﴾ وبقوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بالمعروف  ﴾ وترويجها نفسها من الكفء فعل بالمعروف فوجب أن يصح، وحقيقة هذه الإضافة على المباشر دون الخطاب، وأيضاً قوله تعالى: ﴿ وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىّ إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا  ﴾ دليل واضح مع أنه لم يحضر هناك ولي البتة، وأجاب أصحابنا بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر قد يضاف أيضاً إلى المتسبب، يقال: بنى الأمير داراً، وضرب ديناراً، وهذا وإن كان مجازاً إلا أنه يجب المصير إليه لدلالة الأحاديث على بطلان هذا النكاح.

المسألة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ محمول في هذه الآية على انقضاء العدة، قال الشافعي رضي الله عنه: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين، ومعنى هذا الكلام أنه تعالى قال في الآية السابقة: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ ولو كانت عدتها قد انقضت لما قال: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ لأن إمساكها بعد انقضاء العدة لا يجوز، ولما قال: ﴿ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ لأنها بعد انقضاء العدة تكون مسرحة فلا حاجة إلى تسريحها، وأما هذه الآية التي نحن فيها فالله تعالى نهى عن عضلهن عن التزوج بالأزواج، وهذا النهي إنما يحسن في الوقت الذي يمكنها أن تتزوج فيه بالأزواج، وذلك إنما يكون بعد انقضاء العدة، فهذا هو المراد من قول الشافعي رضي الله عنه، دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين.

أما قوله تعالى: ﴿ إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في التراضي وجهان: أحدهما: ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز وشهود عدول.

وثانيها: أن المراد منه ما يضاد ما ذكرناه في قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لّتَعْتَدُواْ  ﴾ فيكون معنى الآية أن يرضى كل واحد منهما ما لزمه في هذا العقد لصاحبه، حتى تحصل الصحبة الجميلة، وتدوم الألفة.

المسألة الثانية: قال بعضهم: التراضي بالمعروف، هو مهر المثل، وفرعوا عليه مسألة فقهية وهي أنها إذا زوجت نفسها ونقصت عن مهر مثلها نقصاناً فاحشاً، فالنكاح صحيح عند أبي حنيفة، وللولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس للولي ذلك.

حجة أبي حنيفة رحمه الله في هذه الآية هو قوله تعالى: ﴿ إِذَا تراضوا بَيْنَهُم بالمعروف ﴾ وأيضاً أنها بهذا النقصان أرادت إلحاق الشين بالأولياء، لأن الأولياء يتضررون بذلك لأنهم يعيرون بقلة المهور، ويتفاخرون بكثرتها، ولهذا يكتمون المهر القليل حياء ويظهرون المهر الكثير رياء، وأيضاً فإن نساء العشيرة يتضررن بذلك لأنه ربما وقعت الحاجة إلى إيجاب مهر المثل لبعضهن، فيعتبرون ذلك بهذا المهر القليل، فلا جرم للأولياء أن يمنعوها عن ذلك وينوبوا عن نساء العشيرة ثم أنه تعالى لما بين حكمة التكليف قرنه بالتهديد فقال: ﴿ ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر ﴾ وذلك لأن من حق الوعظ أن يتضمن التحذير من المخالفة كما يتضمن الترغيب في الموافقة، فكانت الآية تهديداً من هذا الوجه.

وفي الآية سؤالان: السؤال الأول: لم وحد الكاف في قوله تعالى: ﴿ ذلك ﴾ مع أنه يخاطب جماعة؟.

والجواب: هذا جائز في اللغة، والتثنية أيضاً جائزة، والقرآن نزل باللغتين جميعاً، قال تعالى: ﴿ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى  ﴾ وقال: ﴿ فذلكن الذي لُمْتُنَّنِى فِيهِ  ﴾ وقال: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ وقال: ﴿ أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة  ﴾ .

السؤال الثاني: لم خصص هذا الوعظ بالمؤمنين دون غيرهم؟.

الجواب: لوجوه: أحدها: لما كان المؤمن هو المنتفع به حسن تخصيصه به كقوله: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ وهو هدى للكل، كما قال: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها  ﴾ ، ﴿ إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر  ﴾ مع أنه كان منذراً للكل كما قال: ﴿ لِيَكُونَ للعالمين نَذِيراً  ﴾ .

وثانيها: احتج بعضهم بهذه الآية على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الدين، قالوا: والدليل عليه أن قوله: ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من بيان الأحكام، فلما خصص ذلك بالمؤمنين دل على أن التكليف بفروع الشرائع غير حاصل إلا في حق المؤمنين وهذا ضعيف، لأنه ثبت أن ذلك التكليف عام، قال تعالى: ﴿ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت  ﴾ .

وثالثها: أن بيان الأحكام وإن كان عاماً في حق المكلفين، إلا أن كون ذلك البيان وعظاً مختص بالمؤمنين، لأن هذه التكاليف إنما توجب على الكفار على سبيل إثباتها بالدليل القاهر الملزم المعجز، أما المؤمن الذي يقر بحقيقتها، فإنها إنما تذكر له وتشرح له على سبيل التنبيه والتحذير، ثم قال: ﴿ ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ يقال: زكا الزرع إذا نما فقوله: ﴿ أزكى لَكُمْ ﴾ إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وقوله: ﴿ وَأَطْهَرُ ﴾ إشارة إلى إزالة الذنوب والمعاصي التي يكون حصولها سبباً لحصول العقاب، ثم قال: ﴿ والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ والمعنى أن المكلف وإن كان يعلم وجه الصلاح في هذه التكاليف على الجملة، إلا أن التفصيل في هذه الأمور غير معلوم والله تعالى عالم في كل ما أمر ونهى بالكمية والكيفية بحسب الواقع وبحسب التقدير، لأنه تعالى عالم بما لا نهاية له من المعلومات، فلما كان كذلك صح أن يقول: ﴿ والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ويجوز أن يراد به والله يعلم من يعمل على وفق هذه التكاليف ومن لا يعمل بها وعلى جميع الوجوه فالمقصود من الآيات تقرير طريقة الوعد والوعيد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها.

والأجل يقع على المدّة كلها، وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان: أجل، وللموت الذي ينتهي به: أجل، وكذلك الغاية والأمد، يقول النحويون (من) لابتداء الغاية، و (إلى) لانتهاء الغاية.

وقال: كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ الْعُمْرِ ** وَمُودٍ إذَاانْتَهَى أمَدُهْ ويتسع في البلوغ أيضاً فيقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه.

ويقال: قد وصلت، ولم يصل وإنما شارف، ولأنه قد علم أنّ الإمساك بعد تقضِّي الأجل لا وجه له، لأنها بعد تقضيه غير زوجة له و في غير عدّة منه، فلا سبيل له عليها ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ فإما أن يراجعها من غير طلب ضرار بالمراجعة ﴿ أَوْ سَرّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ وإما أن يخليها حتى تنقضي عدّتها وتبين من غير ضرار ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا ﴾ كان الرجل يطلق المرأة ويتركها حتى يقرب انقضاء عدتها، ثم يراجعها لا عن حاجة، ولكن ليطوّل العدة عليها، فهو الإمساك ضراراً ﴿ لّتَعْتَدُواْ ﴾ لتظلموهنّ.

وقيل: لتلجئوهن إلى الافتداء ﴿ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ بتعريضها لعقاب الله ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا ﴾ أي جدّوا في الأخذ بها والعمل بما فيها، وارعوها حق رعايتها، وإلا فقد اتخذتموها هزواً ولعباً.

ويقال لمن يجدّ في الأمر: إنما أنت لا عب وهازئ.

ويقال: كن يهودياً وإلا فلا تلعب بالتوراة.

وقيل: كان الرجل يطلق ويعتق ويتزوّج ويقول: كنت لاعباً.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدّهن جدّ وهزلهن جدّ: الطلاق والنكاح والرجعة» ﴿ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بالإسلام وبنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة ﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ بما أنزل عليكم ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ إما أن يخاطب به الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً، ولحمية الجاهلية لا يتركونهنّ يتزوّجن من شئن من الأزواج.

والمعنى: أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهنّ، وإما أن يخاطب به الأولياء في عضلهنّ أن يرجعن إلى أزواجهنّ روي: أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأوّل.

وقيل: في جابر بن عبد الله حين عضل بنت عم له.

والوجه أن يكون خطاباً للناس، أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين.

والعضل: الحبس والتضييق.

ومنه: عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج.

وأنشد لابن هرمة: وَإنَّ قَصَائِدِي لَكَ فَاصْطَنِعْنِي ** عَقَائِلُ قَدْ عَضُلْنَ عَنِ النِّكَاح وبلوغ الأجل على الحقيقة.

وعن الشافعي رحمه الله: دلّ سياق الكلامين على افتراق البلوغين ﴿ إِذَا تراضوا ﴾ إذا تراضى الخطاب والنساء ﴿ بالمعروف ﴾ بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط وقيل: بمهر المثل.

ومن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فللأولياء أن يعترضوا.

فإن قلت: لمن الخطاب في قوله: ﴿ ذلك يُوعَظُ بِهِ ﴾ ؟

قلت: يجوز أن يكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل أحد.

ونحوه ﴿ ذلك خير لكم وأطهر ﴾ [المجادلة: 12] ﴿ أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ من أدناس الآثام، وقيل: (أزكى وأطهر) أفضل وأطيب ﴿ والله يَعْلَمُ ﴾ ما في ذلك من الزكاء والطهر ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ه، أو: والله يعلم ما تستصلحون به من الأحكام والشرائع وأنتم تجهلونه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ أيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، وعَنِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ.

﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ ﴾ المُخاطَبُ بِهِ الأوْلِياءُ لِما رُوِيَ (أنَّها نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ حِينَ عَضَلَ أُخْتَهُ جُمَيْلاءَ أنْ تَرْجِعَ إلى زَوْجِها الأوَّلِ بِالِاسْتِئْنافِ) فَيَكُونُ دَلِيلًا عَلى أنَّ المَرْأةَ لا تُزَوِّجُ نَفْسَها، إذْ لَوْ تَمَكَّنَتْ مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِعَضْلِ الوَلِيِّ مَعْنًى، ولا يُعارَضُ بِإسْنادِ النِّكاحِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُ بِسَبَبِ تَوَقُّفِهِ عَلى إذْنِهِنَّ.

وقِيلَ الأزْواجُ الَّذِينَ يَعْضُلُونَ نِساءَهم بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ ولا يَتْرُكُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ عُدْوانًا وقَسْرًا، لِأنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِ ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ .

وقِيلَ الأوْلِياءُ والأزْواجُ.

وقِيلَ النّاسُ كُلُّهُمْ، والمَعْنى: لا يُوجَدُ فِيما بَيْنَكم هَذا الأمْرُ فَإنَّهُ إذا وُجِدَ بَيْنَهم وهم راضُونَ بِهِ كانُوا الفاعِلِينَ لَهُ.

والعَضْلُ الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ ومِنهُ عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ إذا نَشِبَ بَيْضُها فَلَمْ يُخْرِجْ.

﴿ إذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ ﴾ أيِ الخُطّابُ والنِّساءُ وهو ظَرْفٌ لِأنَّهُ يَنْكِحْنَ أوْ لا تَعْضُلُوهُنَّ.

﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ بِما يَعْرِفُهُ الشَّرْعُ وتَسْتَحْسِنُهُ المُرُوءَةُ، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ تَراضِيًا كائِنًا بِالمَعْرُوفِ.

وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ العَضْلَ عَنِ التَّزَوُّجِ مِن غَيْرِ كُفُؤٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَضى ذِكْرُهُ، والخِطابُ لِلْجَمِيعِ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ، أوْ كُلِّ واحِدٍ، أوْ أنَّ الكافَ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي دُونَ تَعْيِينِ المُخاطَبِينَ، أوْ لِلرَّسُولِ  عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: ﴿ يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَقِيقَةَ المُشارِ إلَيْهِ أمْرٌ لا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ أحَدٍ.

﴿ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ لِأنَّهُ المُتَّعِظُ بِهِ والمُنْتَفِعُ.

﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيِ العَمَلُ بِمُقْتَضى ما ذُكِرَ.

﴿ أزْكى لَكُمْ ﴾ أنْفَعُ.

﴿ وَأطْهَرُ ﴾ مِن دَنَسِ الآثامِ.

﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ والصَّلاحِ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ لِقُصُورِ عِلْمِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أي انقضت عدتهن فدل سياق الكلامين على اقتران البلوغين لأن النكاح يعقبه هنا وذا يكون بعد العدة الأولى الرجعة وذا يكون في العدة {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} فلا تمنعوهن العضل المنع والتضييق {أَن يَنكِحْنَ} من أن ينكحن {أزواجهن} الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن وفيه إشارة إلى انعقاد النكاح بعبارة النساء والخطاب للازواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً ولا يتركونهن يتزوجهن من شئن من الأزواج سموا أزواجاً باسم ما يؤول إليه أو للأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن الذين كانوا أزواجاً لهن سموا أزواجاً باعتبار ما كان نزلت فى معقل بن يسار حين عضل أخته أن ترجع إلى الزوج الأول أو للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين {إِذَا تراضوا بَيْنَهُم} إذا تراضى الخطاب والنساء {بالمعروف} بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط أو بمهر المثل والكفء لأن عند عدم أحدهما للأولياء أن يتعرضوا والخطاب في {ذلك} للنبى صلى الله عليه وسلم أو لكل واحد {يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ منكم يؤمن بالله واليوم الآخر} فالمواعظ

البقرة (٢٣٢ _ ٢٣٣)

إنما تنجح فيهم {ذلكم} أي ترك العضل والضرار {أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أي لكم من أدناس الآثام أو أزكى وأطهر أفضل وأطيب {والله يَعْلَمُ} ما في ذلك من الزكاء والطهر {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ أيِ: انْقَضَّتْ عِدَّتُهُنَّ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ.

﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ ﴾ أيْ: لا تَمْنَعُوهُنَّ ذَلِكَ، وأصْلُ العَضَلِ الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ، ومِنهُ عَضَّلَتِ الدَّجاجَةُ بِالتَّشْدِيدِ إذا نَشِبَتْ بَيْضَتُها ولَمْ تَخْرُجْ، والفِعْلُ مُثَلَّثُ العَيْنِ، واخْتُلِفَ في الخِطابِ فَقِيلَ - واخْتارَهُ الإمامُ - أنَّهُ لِلْأزْواجِ المُطَلِّقِينَ؛ حَيْثُ كانُوا يَعْضِلُونَ مُطَلَّقاتِهِمْ بَعْدَ مُضِيِّ العِدَّةِ، ولا يَدَعُونَهُنَّ يَتَزَوَّجْنَ ظُلْمًا وقَسْرًا لِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ، وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بِأنْ يَدُسَّ إلى مَن يَخْطُبُهُنَّ ما يُخِيفُهُ أوْ يَنْسُبُ إلَيْهِنَّ ما يُنَفِّرُ الرَّجُلَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ، وعَلَيْهِ يَحْمِلُ الأزْواجَ عَلى مَن يُرِدْنَ أنْ يَتَزَوَّجْنَهُ، والعَرَبُ كَثِيرًا ما تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ ما يُئُولُ إلَيْهِ، وقِيلَ: واخْتارَهُ القاضِي، إنَّهُ لِلْأوْلِياءِ، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وأبُو داوُدَ وخَلْقٌ كَثِيرٌ مِن طُرُقٍ شَتّى عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ، قالَ: ”كانَتْ لِي أُخْتٌ فَأتانِي ابْنُ عَمٍّ لِي فَأنْكَحْتُها إيّاهُ، فَكانَتْ عِنْدَهُ ما كانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَها تَطْلِيقَةً ولَمْ يُراجِعْها حَتّى انْقَضَتِ العِدَّةُ فَهَوِيَها وهَوَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَها مَعَ الخُطّابِ، فَقُلْتُ لَهُ: يا لُكَعُ، أكْرَمْتُكَ بِها وزَوَّجْتُكَها فَطَلَّقْتَها ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُها، واللَّهِ لا تَرْجِعُ إلَيْكَ أبَدًا، وكانَ رَجُلًا لا بَأْسَ بِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَعَلِمَ اللَّهُ - تَعالى - حاجَتَهُ إلَيْها وحاجَتَها إلى بَعْلِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ، قالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ، فَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وأنْكَحْتُها إيّاهُ“، وفي لَفْظٍ: فَلَمّا سَمِعَها مَعْقِلٌ قالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وطاعَةً، ثُمَّ دَعاهُ، فَقالَ: أُزَوِّجُكَ وأُكْرِمُكَ، وعَلَيْهِ يَحْمِلُ الأزْواجُ عَلى الَّذِينَ كانُوا أزْواجًا وخِطابُ التَّطْلِيقِ حِينَئِذٍ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ لِما تَوَجَّهَ لَهُ هَذا الخِطابُ، ويَكُونُ نِسْبَةَ التَّطْلِيقِ لِلْأوْلِياءِ بِاعْتِبارِ التَّسَبُّبِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّصَدِّي لِلْعَضَلِ، وإمّا أنْ يَبْقى عَلى ظاهِرِهِ لِلْأزْواجِ المُطَلِّقِينَ، ويُتَحَمَّلُ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ اتِّكالًا عَلى ظُهُورِ المَعْنى، وقِيلَ - واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ -: إنَّهُ لِجَمِيعِ النّاسِ، فَيَتَناوَلُ عَضْلَ الأزْواجِ والأوْلِياءِ جَمِيعًا، ويَسْلَمُ مِنَ انْتِشارِ ضَمِيرَيِ الخِطابِ والتَّفْرِيقِ بَيْنَ الإسْنادَيْنِ مَعَ المُطابَقَةِ لِسَبَبِ النُّزُولِ، وفِيهِ تَهْوِيلُ أمْرِ العَضْلِ بِأنَّ مِن حَقِّ الأوْلِياءِ أنْ لا يَحُومُوا حَوْلَهُ وحَقُّ النّاسِ كافَّةً أنْ يَنْصُرُوا المَظْلُومَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ الخِطاباتِ السّابِقَةَ كَذَلِكَ، وذَكَرَ أنَّ المُباشَرَةَ لِتَوَقُّفِها عَلى الشُّرُوطِ العَقْلِيَّةِ والشَّرْعِيَّةِ تَوَزَّعَتْ بِحَسْبِها، كَما إذا قِيلَ لِجَماعَةٍ مَعْدُودَةٍ أوْ غَيْرِ مَحْصُورَةٍ: أدُّوا الزَّكاةَ وزَوِّجُوا الأكْفاءَ وامْنَعُوا الظَّلَمَةَ كانَ الكُلُّ مُخاطَبِينَ والتَّوَزُّعُ عَلى ما مَرَّ، هَذا ولَيْسَ في الآيَةِ عَلى أيِّ وجْهٍ حُمِلَتْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تُزَوِّجَ نَفْسَها كَما وُهِمَ، ونَهْيُ الأوْلِياءِ عَنِ العَضْلِ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ النِّكاحِ عَلى رِضاهُمْ، بَلْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُنَّ؛ لِأنَّهُنَّ وإنْ قَدَرْنَ عَلى تَزْوِيجِ أنْفُسِهِنَّ شَرْعًا، لَكِنَّهُنَّ يَحْتَرِزْنَ عَنْ ذَلِكَ مَخافَةَ اللَّوْمِ والقَطِيعَةِ أوْ مَخافَةَ البَطْشِ بِهِنَّ، وفي إسْنادِ النِّكاحِ إلَيْهِنَّ إيماءٌ إلى عَدَمِ التَّوَقُّفِ والإلْزامِ المُجازِ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، وجَوَّزَ في ﴿ أنْ يَنْكِحْنَ ﴾ وجْهانِ: الأوَّلُ أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ قَبْلَهُ، والثّانِي أنْ يَكُونَ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، والمَحَلُّ إمّا نَصْبٌ أوْ جَرٌّ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ ﴿ إذا تَراضَوْا ﴾ ظَرْفٌ (لِلا تَعْضُلُوا) والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ التَّغْلِيبِ والتَّقْيِيدِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المُعْتادُ لا لِتَجْوِيزِ المَنعِ قَبْلَ تَمامِ التَّراضِي، وقِيلَ: ظَرْفٌ (لِأنْ يَنْكِحْنَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: بَيْنَهم ظَرْفٌ لِلتَّراضِي مُفِيدٌ لِرُسُوخِهِ واسْتِحْكامِهِ ﴿ بِالمَعْرُوفِ ﴾ أيْ: بِما لا يَكُونُ مُسْتَنْكَرًا شَرْعًا ومُرُوءَةً، والباءُ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ ﴿ تَراضَوْا ﴾ أوْ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَراضِيًا كائِنًا بِالمَعْرُوفِ وإمّا بِـ(تَراضَوْا) أوْ بِـ(يَنْكِحْنَ)، وفي التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّ المَنعَ مِنَ التَّزَوُّجِ بِغَيْرِ كُفْءٍ أوْ بِما دُونَ مَهْرِ المِثْلِ لَيْسَ مِن بابِ العَضْلِ، ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِلَ، والخِطابُ لِلْجَمْعِ عَلى تَأْوِيلِ القَبِيلِ أوْ لِكُلِّ واحِدٍ واحِدٍ أوْ أنَّ الكافَ تَدُلُّ عَلى خِطابٍ قُطِعَ فِيهِ النَّظَرُ عَنِ المُخاطَبِ وحْدَةً وتَذْكِيرًا وغَيْرَهُما.

والمَقْصُودُ الدَّلالَةُ عَلى حُضُورِ المُشارِ إلَيْهِ عِنْدَ مَن خُوطِبَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي الغائِبِ أوْ لِلرَّسُولِ - صَلّى اللهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - لِيُطابِقَ ما في سُورَةِ الطَّلاقِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ أمْرٌ لا يَكادُ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ أحَدٍ، بَلْ لا بُدَّ لِتَصَوُّرِ ذَلِكَ مِن مُؤَيَّدٍ مِن عِنْدِ اللهِ - تَعالى - ﴿ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ﴾ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ المُسارِعُ إلى الِامْتِثالِ إجْلالًا لِلَّهِ - تَعالى - وخَوْفًا مِن عِقابِهِ، ومِنكم إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ(كانَ) عَلى رَأْيِ مَن يَرى ذَلِكَ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ يُؤْمِنُ ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ أيْ: الِاتِّعاظِ بِهِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ ﴿ أزْكى لَكُمْ ﴾ أيْ: أعْظَمَ بِرْكَةً ونَفْعًا، ﴿ وأطْهَرُ ﴾ أيْ: أكْثَرَ تَطْهِيرًا مِن دَنَسِ الآثامِ، وحَذَفَ (لَكُمُ) اكْتِفاءً بِما في سابِقِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ أطْهَرُ لَكم ولَهم لِما يُخْشى عَلى الزَّوْجَيْنِ مِنَ الرِّيبَةِ بِسَبَبِ العَلاقَةِ بَيْنَهُما، ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 232﴾ ذَلِكَ، فَلا رَأْيٌ إلّا الِاتِّباعُ، ويُحْتَمَلُ تَعْمِيمُ المَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ، ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفائِدَةُ الجُمْلَةِ الحَثُّ عَلى الِامْتِثالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، يعني أوجبوا الطلاق بترك الجماع، حتى مضت أربعة أشهر وقعت عليها تطليقة بمضي أربعة أشهر.

وقال بعضهم: لا يقع الطلاق، ولكن يؤمر الزوج بعد مضي أربعة أشهر أن يجامعها أو يطلقها.

وقال بعضهم يقع الطلاق بمضي أربعة.

أشهر وهو قول علمائنا.

وروي عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: عزيمة الطلاق انقضاء أربعة أشهر، وذلك قوله تعالى: وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ، أي أوجبوا الطلاق بترك الجماع فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لمقالتهم بكلمة الإيلاء عَلِيمٌ بهم.

وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ، يعني وجب عليهن العدة ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، أي ثلاث حيض.

وقال بعضهم: ثلاثة أطهار.

وقال أكثر أهل العلم: المراد به الحيض.

وأصل القرء: الوقت.

وظاهر الآية عام في إيجاب العدة على جميع المطلقات، ولكن المراد به الخصوص، لأنه لم يدخل في الآية خمس من المطلقات: الأمة والصغيرة والآيسة والحامل وغير المدخولة.

ثم قال: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ، يعني الحمل والحيض، لا يحل لها أن تقول: إني حامل وليست بحامل أو إني حائض وليست بحائض إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، يقول إن كن يصدقن بالله واليوم الاخر.

وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً، يعني للنساء على الأزواج من الحقوق مثل ما للرجال على النساء، يعني في حال التربص إذا كان الطلاق رجعياً.

وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، يقول بما عرف شرعاً، وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ، أي فضيلة في النفقة والمهر.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فيما حكم من الرجعة في الطلاق الذي يملك فيه الرجعة.

ثم بيّن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، فقال تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ، يعني يقول: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة تطليقتان.

فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، يعني إذا راجعها، يمسكها بمعروف، ينفق عليها، ويكسوها، ولا يؤذيها، ويحسن معاشرتها أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يؤدي حقها، ويخلي سبيلها.

ويقال: أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ، يعني يطلقها التطليقة الثالثة ويعطي مهرها.

ويقال: يتركها حتى تنقضي عدتها.

ويقال يؤتي حقها ويخلي سبيلها ويقال: أو تسرح بإحسان.

قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية إذا طلق تطليقة أو تطليقتين، كان الزوج أحق بها وإذا طلقها الثالثة، كانت المرأة أحق بنفسها واحتج بقول الأعشى وكانت امرأته من بني مروان، فأخذه بنو مروان حتى يطلق امرأته، فلما طلقها واحدة قالوا له: عد فطلقها الثانية، فلما طلقها الثانية قالوا له: عد فطلقها الثالثة، فعرف أنها بانت منه ولا تحل له، فقال عند ذلك: أَيَا جَارتِي بِينِي فإِنَّكِ طَالِقَه ...

كَذَاكَ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَه وبَيِنِي فَإِنَّ البَيْنَ خَيْرٌ مِنَ العَصَا ...

وَأَنْ لاَ تَزَالُ فَوْقَ رَأْسِكِ بَارِقَه وَذُوقِي قَنَى الحَيِّ إنِّي ذَائِق ...

قَنَاة أُنَاسٍ مِثْلَ ما أنت ذائقة ثم قال تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً.

نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي ابن سلول، وزوجها ثابت بن قيس وكانت تبغضه، فأتت رسول الله  فقالت: لا أنا ولا ثابت فقال لها: «أَتُرَدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» فقالت: نعم وزيادة.

فقال: «أَمَّا الزِّيَادَة، فلا» .

فدعا رسول الله  زوجها وخلعها من زوجها، فذلك قوله تعالى: وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً من المهر إِلَّا أَنْ يَخافا، يعني: يعلما أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي أمر الله فيما أمر ونهى.

قرأ حمزة يَخافا بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، والباقون: بالنصب.

وقرأ ابن مسعود: إِلا أَنْ يخافوا.

ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، يقول: إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام، فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممَّا افتدت به المرأة، إن كان النشوز من قبل المرأة.

فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أن يأخذ، بدليل ما قاله في آية أخرى: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [النساء: 20] .

ثم قال تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي أحكامه وفرائضه فَلا تَعْتَدُوها، أي لا تجاوزوها.

وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، أي يتجاوز أحكام الله وفرائضه بترك ما أمر الله تعالى أو بعمل ما نهاه فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، يقول: الضارون الشاقون بأنفسهم.

ويقال: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، يعني الطلاق مرتان، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة.

وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله بالتطليقة الثالثة، فأولئك هم الظالمون فَإِنْ طَلَّقَها الثالثة، فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الثالثة، حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها وإنما عرف الدخول بالسنة.

وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثاً، وكانت تدعى تميمة بنت وهب، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير، فأتت النبيّ  وقالت: إن رفاعة طلقني فبتَّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها: «أَتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» فقالت: نعم.

قال: «لَيْسَ ذلك مَا لَمْ تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ وَيَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ» .

فذلك قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، يعني إذا طلقها الثالثة.

قوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها، يعني واحدة أو اثنتين فَلا جُناحَ عَلَيْهِما، يعني المرأة والزوج أَنْ يَتَراجَعا.

ويقال: فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما دخل عليها، فلا جناح عليهما- يعني المرأة والزوج الأول- أن يتراجعا، يعني أن يتزوجها مرة أخرى.

إِنْ ظَنَّا، يعني إن علما أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ، أي فرائض الله يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني.

قوله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي فرائض الله وأمره ونهيه وأحكامه، يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.

ويقال: إنما قال: لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، لأن الجاهل إذا بيّن له، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد والعالم يحفظ ويتعاهد.

فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال.

ثم وقوله: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، أي مضى عليهن ثلاث حيض قبل أن يغتسلن، وقبل أن يخرجن من العدة فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، يعني يراجعها ويمسكها بالإحسان.

قوله: أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أو لا يراجعها ويتركها حتى تخرج من العدة.

وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً والضرار في ذلك أن يدعها حتى إذا حاضت ثلاث حيض، وأرادت أن تغتسل، راجعها ثم طلقها يريد بذلك أن يطول عليها عدتها.

فنهى الله عن ذلك فقال تعالى: وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً.

لِتَعْتَدُوا، أي لتظلموهن.

وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الإضرار، فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يقول: أضر بنفسه بمعصيته في الإضرار.

وقال الزجاج: فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، يعني عرَّض نفسه للعذاب، لأن إتيان ما نهى الله عنه، تعرض لعذاب الله، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه.

ثم قال: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً، يعني القرآن لعباً.

ويقال إنهم كانوا يطلقون ولا يعدون ذلك طلاقاً، ويجعلونه لعباً، فنزل: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً.

قرأ عاصم في رواية حفص: هُزُواً بغير همز، وكذلك قوله: كُفُواً أَحَدٌ [الصمد: 4] والباقون: بالهمز.

وهما لغتان، ومعناهما واحد.

ثم قال تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، يقول: احفظوا نعمة الله عليكم بالإسلام.

وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ، يقول: احفظوا ما ينزل الله عليكم في القرآن من المواعظ وَالْحِكْمَةِ يعني الفقه في القرآن يَعِظُكُمْ بِهِ، يقول: ينهاكم عن الضرار.

وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرار، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالكم فيجازيكم به.

وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، يقول: انقضت عدتهن فَلا تَعْضُلُوهُنَّ، يقول: لا تحبسوهن ولا تمنعوهن أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بمهر ونكاح جديد وذلك أن معقل بن يسار كانت أخته تحت أبي الدحداح، فطلقها وتركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم فخطبها فرضيت وأبى أخوها أن يزوجها له وقال لها: وجهي من وجهك حرام إن تزوجتيه.

فنزلت هذه الآية: فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ، أي يؤمر به.

مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أي يصدق بالله واليوم الآخر ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ، يعني خير لكم ويقال: أصلح لكم، وَأَطْهَرُ من الريبة.

وَاللَّهُ يَعْلَمُ من حب كل واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ذلك.

ويقال: ذلكم أطهر لقلوبكم من العداوة، لأن المرأة تأتي الحاكم فيزوجها، فتدخل في قلوبهم العداوة والبغضاء.

وقال الضحاك: والله يعلم أن الخير في الوفاء والعدل، وأنتم لا تعلمون ما عليكم بالتفريق من العقوبة ومن العذاب.

وقال مقاتل: فدعا رسول الله  معقلاً، وقال: «إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنَاً فَلَا تَمْنَعْ أُخْتَكَ عَنْ أَبِي الدَّحْدَاحِ» ، فقال: آمنت بالله وزوجتها منه وفي هذه الآية دليل أن الولي إذا منع المرأة عن النكاح، كان للحاكم أن يزوجها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال طَاوُسٌ «١» ، والزُّهْرِيّ، والحَسَن، وغيرهم: لا يجوزُ له أنْ يزيدَ على المَهْر الذي أعطاها «٢» ، وقال ابن المُسَيِّب: لا أرى أن يأخذ منها كلَّ مالِها، ولكنْ لِيَدَعْ لها شيئًا «٣» .

وقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ...

الآية: أي: هذه الأوامر والنواهي، فلا تتجاوزُوها، ثم توعَّد تعالى على تجاوُزِ الحَدِّ بقوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وهو كما قال صلّى الله عليه وسلم: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» «٤» .

وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ ...

الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:

هو ابتداء الطلْقةِ الثالثةِ «١» قال ع «٢» : فيجيء التسريحُ المتقدِّم ترك المرأة تتمُّ عِدَّتها من الثانية، وأجمعتِ الأُمَّةُ في هذه النازلةِ على اتباع الحديثِ الصحيحِ في امرأة رِفَاعَةَ «٣» ، حِينَ تزوَّجت عبْدَ الرحمنِ بْنَ الزَّبِيرِ «٤» ، فقال لها النبيُّ صلّى الله عليه وسلم: «لَعَلَّكِ أَرَدتِّ الرُّجُوعَ إلى رِفَاعَةَ، لاَ حتى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ» «٥» فرأَى العلماء أنه لا يحلّها إلا الوطء.

وكلُّهم على أن مَغِيبَ الحَشَفة يُحِلُّ إِلا الحسنَ بْنَ أبي الحَسَن، قال: لا يحلُّها إلا الإنزال،

وهو ذَوْقُ العُسَيْلَةَ «١» ، والذي يُحِلُّها عند مالك النكاحُ الصحيحُ، والوطْء المُباح.

وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ ...

الآية: المعنى: فإِنْ طلَّقها المتزوِّج الثَّاني، فلا جُنَاح عليهما، أي: المرأة والزوج الأول.

قاله ابن عَبَّاس «٢» ، ولا خلاف فيه، والظنُّ هنا على بابه من تغليبِ أحد الجائزَيْن، وخص الذين يعلمون بالذكر تشريفا.

وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ...

الآية: خطابٌ للرجالِ، نُهِي الرجُلُ أن يطول العدَّة، مضارَّةً لها بأن يرتجع قرب انقضائها، ثم يطلِّق بعد ذلك قاله الضَّحَّاك وغيره «١» ، ولا خلاف فيه.

ومعنى: فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ: قاربْنَ لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإِمساك، ومعنى: أمسكوهنَّ راجِعُوهنَّ- وبِمَعْرُوفٍ: قِيلَ: هو الإِشهاد «٢» - وَلا تُمْسِكُوهُنَّ، أي: لا تراجعوهنَّ ضِراراً، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً ...

الآية: المرادُ بآياته النازلَةُ في الأوامر والنَّواهِي، وقال الحسن: نزلَتْ هذه الآية فيمَنْ طَلَّق لاعباً أو هازئاً، أو راجَعَ كذلك «٣» .

وقالتْ عائشةُ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ» «٤» .

ثم ذَكَّرَ اللَّه عباده بإِنعامه سبحانه عليهم بالقرآن، والسّنّة، وَالْحِكْمَةِ: هي السُّنَّة المبينة مرادَ اللَّه سبحانه.

وقوله تعالى: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ...

الآية: خطابٌ للمؤمنين الذين منْهم الأزواج، ومنهم الأولياءُ لأنهم المراد في تَعْضُلُوهنَّ، وبلوغ الأجلِ في هذا الموضِعِ تناهِيهِ لأن المعنى يقتضي ذلكَ.

وقد قال بعضُ النَّاسِ في هذا المعنى: إِن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ: الأزواجُ وذلك ٥٨ أبأن يكون الاِرتجاعُ مضارَّة عضْلاً/ عن نكاحِ الغَيْر، فقوله: أَزْواجَهُنَّ على هذا، يعني به: الرجالَ إِذ منهم الأزواج، وعلى أن المراد ب تَعْضُلُوهُنَّ الأولياء، فالأزواج

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ما رَوى الحَسَنُ أنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسارٍ زَوْجَ أُخْتِهِ مِن رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَكانَتْ عِنْدَهُ ما كانَتْ، فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً [ثُمَّ تَرَكَها ] ومَضَتِ العِدَّةُ، فَكانَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها، فَخَطَبَها مَعَ الخَطّابِ، فَرَضِيَتْ أنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، فَخَطَبَها إلى مَعْقِلٍ، فَغَضِبَ مَعْقِلٌ، وقالَ: أكْرَمْتُكَ بِها، فَطَلَّقْتَها؟!

لا واللَّهِ!

لا تَرْجِعُ إلَيْكَ آَخِرَ ما عَلَيْكَ.

قالَ الحَسَنُ: فَعَلِمَ اللَّهُ، عَزَّ وجَلَّ، حاجَةَ الرَّجُلِ إلى امْرَأتِهِ، وحاجَةَ المَرْأةِ إلى بَعْلِها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَسَمِعَها مَعْقِلٌ، فَقالَ: سَمْعًا لِرَبِّي، وطاعَةً، فَدَعا زَوْجَها، فَقالَ: أُزَوِّجُكَ، وأُكْرِمُكَ.

ذَكَرَ عَبْدُ الغَنِيِّ الحافِظُ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهُ سَمّى هَذِهِ المَرْأةَ، فَقالَ: جَمِيلَةُ بِنْتُ يَسارٍ.

والثّانِي: أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيَّ كانَتْ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ، فَطَلَّقَها زَوْجُها تَطْلِيقَةً، فانْقَضَتْ عِدَّتُها، ثُمَّ رَجَعَ يُرِيدُ رَجْعَتَها، فَأبى جابِرٌ، وقالَ: طَلَّقْتَ ابْنَةَ عَمِّنا، ثُمَّ تُرِيدُ أنْ تَنْكِحَها الثّانِيَةَ؟!

وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ زَوْجَها، قَدْ راضَتْهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَ السُّدِّيُّ: فَأمّا بُلُوغُ الأجَلِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَهو انْقِضاءُ العِدَّةِ، بِخِلافِ الَّتِي قَبْلَها.

قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: دَلَّ اخْتِلافُ الكَلامَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ: مَعْناهُ: لا تَحْبِسُوهُنَّ.

والعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّدائِدِ: مُعْضِلاتٌ.

وداءٌ عُضالٌ: قَدْ أعْيا.

قالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: ولَيْسَ أخُوكَ الدّائِمُ العَهْدِ بِالذِي يَذُمُّكَ إنَّ ولّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلًا ولَكِنَّهُ النّائِي إذا كُنْتَ آَمِنًا ∗∗∗ وصاحِبُكَ الأدْنى إذا الأمْرُ أعْضَلا وَقالَتْ لَيْلى الأخْيَلِيَّةُ: إذا نَزَلَ الحَجّاجُ أرْضًا مَرِيضَةً ∗∗∗ تَتَبَّعَ أقْصى دائِها فَشَفاها ∗∗∗ شَفاها مِنَ الدّاءِ العُضالِ الَّذِي بِها ∗∗∗ غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُ العَضْلِ، مِن قَوْلِهِمْ: عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ، فَهي مُعْضِلٌ: إذا احْتُبِسَ بَيْضُها ونَشَبَ فَلَمْ يَخْرُجْ، وعَضَلَتِ النّاقَةُ أيْضًا: إذا احْتَبَسَ ولَدُها في بَطْنِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: إذا تَراضى الزَّوْجانِ بِالنِّكاحِ الصَّحِيحِ.

قالَ الشّافِعِيُّ: وهَذِهِ الآَيَةُ أبَيْنُ آَيَةٍ في أنَّهُ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تَتَزَوَّجَ إلّا بِوَلِيٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: الإشارَةُ إلى نَهْيِ الوَلِيِّ عَنِ المَنعِ.

قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ: "ذَلِكَ" ولَمْ يَقُلْ: "ذُلِكُمْ" وهو يُخاطِبُ جَماعَةً، لِأنَّ لَفْظَ الجَماعَةِ لَفْظُ الواحِدِ، والمَعْنى ذَلِكَ أيُّها القَبِيلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكم أزْكى لَكُمْ ﴾ يَعْنِي رَدُّ النِّساءِ إلى أزْواجِهِنَّ، أفْضَلُ مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهم ﴿ وَأطْهَرُ ﴾ أيْ: أنْقى لِقُلُوبِكم مِنَ الرِّيبَةِ لِئَلّا يَكُونَ هُناكَ نَوْعُ مَحَبَّةٍ، فَيَجْتَمِعانِ عَلى غَيْرِ وجْهِ صَلاحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: يَعْلَمُ وِدَّ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِصِحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والثّانِي: يَعْلَمُ مَصالِحَكم عاجِلًا وآَجِلًا، قالَهُ الزَّجّاجُ في آَخَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللهِ هُزُوًا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ واتَّقُوا اللهِ واعْلَمُوا أنَّ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكم أزْكى لَكم وأطْهَرُ واللهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ المُرادُ: آياتُهُ النازِلَةُ في الأوامِرِ والنَواهِي.

وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن طَلَّقَ لاعِبًا أو هازِلًا، أو راجِعَ كَذَلِكَ.

وقالَتْهُ عائِشَةُ، وقالَ رَسُولُ اللهِ  : «ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِكاحُ، والطَلاقُ، والرَجْعَةُ»، ووَقَعَ هَذا الحَدِيثُ في المُدَوَّنَةِ مِن كَلامِ ابْنِ المُسَيِّبِ.

" النِكاحُ، والطَلاقُ، والعِتْقُ، ثُمَّ ذَكَّرَ اللهُ عِبادَهُ بِإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ والسُنَّةِ.

و"الحِكْمَةُ" هي السُنَّةُ المُبَيِّنَةُ عَلى لِسانِ رَسُولِ اللهِ  مُرادَ اللهِ فِيما لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ في الكِتابِ، والوَصْفُ بِـ "عَلِيمٌ" يَقْتَضِيهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي ظاهِرُها خِلافُ النِيَّةِ فِيها كالمُحَلِّلِ والمُرْتَجِعِ مُضارَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ .

الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مِنهُمُ الأزْواجُ، ومِنهُمُ الأولِياءُ، لِأنَّهُمُ المُرادُ في "تَعْضُلُوهُنَّ".

وَبُلُوغُ الأجَلِ في هَذا المَوْضِعِ تَناهِيهِ لِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِي ذَلِكَ.

وقَدْ قالَ بَعْضُ الناسِ في هَذا المَوْضِعِ: إنَّ المُرادَ بِـ "تَعْضُلُوهُنَّ" الأزْواجُ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الِارْتِجاعُ مُضارَّةً عَضْلًا عن نِكاحِ الغَيْرِ.

فَقَوْلُهُ: "أزْواجَهُنَّ" عَلى هَذا يَعْنِي بِهِ الرِجالَ إذْ مِنهُمُ الأزْواجُ، وعَلى أنَّ المُرادَ بِـ "تَعْضُلُوهُنَّ" الأولِياءُ، فالأزْواجُ هُمُ الَّذِينَ كُنَّ في عِصْمَتِهِمْ.

والعَضْلُ: المَنعُ مِنَ الزَواجِ.

وهو مِن مَعْنى التَضْيِيقِ والتَعْسِيرِ كَما يُقالُ: أعْضَلَتِ الدَجاجَةُ إذا عَسُرَ بَيْضُها، والداءُ العُضالُ العَسِيرُ البُرْءِ.

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في مِعْقَلِ بْنِ يَسارٍ وأُخْتِهِ وقِيلَ: في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا طَلَّقَ أُخْتَهُ، وقِيلَ بِنْتُ عَمِّهِ وتَرَكَها حَتّى تَمَّتْ عِدَّتَها، ثُمَّ أرادَ ارْتِجاعَها فَغارَ جابِرٌ، وقالَ: تَرَكْتَها وأنْتَ أمْلَكُ بِها، لا زَوَّجْتُكَها أبَدًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي ثُبُوتَ حَقِّ الوَلِيِّ في إنْكاحِ ولِيَّتِهِ، وأنَّ النِكاحَ يَفْتَقِرُ إلى ولِيٍّ، خِلافَ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ: "إنَّ الوَلِيَّ لَيْسَ مِن شُرُوطِ النِكاحِ".

وقَوْلُهُ: "بِالمَعْرُوفِ" مَعْناهُ: المَهْرُ والإشْهادُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكُمْ ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ  ، ثُمَّ رُجُوعٌ إلى خِطابِ الجَماعَةِ، والإشارَةُ في "ذَلِكَ" إلى تَرْكِ العَضَلِ، و( أزْكى وأطْهَرُ ) مَعْناهُ، أطْيَبُ لِلنَّفْسِ، وأطْهَرُ لِلْعِرْضِ والدِينِ، بِسَبَبِ العَلاقاتِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الأزْواجِ، ورُبَّما لَمْ يَعْلَمْها الوَلِيُّ فَيُؤَدِّي العَضْلُ إلى الفَسادِ والمُخالَطَةِ عَلى ما لا يَنْبَغِي، واللهُ تَعالى يَعْلَمُ مِن ذَلِكَ ما لا يَعْلَمُ البَشَرُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

المراد من هذه الآية مخاطبة أولياء النساء بألا يمنعوهن من مراجعة أزواجهن بعد أن أمر المفارقين بإمساكهن بمعروف ورغبهم في ذلك، إذ قد علم أن المرأة إذا رأت الرغبة من الرجل الذي كانت تألفه وتعاشره لم تلبث أن تقرن رغبته برغبتها، فإن المرأة سريعة الانفعال قريبة القلب، فإذا جاء منع فإنما يجيء من قبل الأولياء ولذلك لم يذكر الله ترغيب النساء في الرضا بمراجعة أزواجهن ونهى الأولياء عن منعهن من ذلك.

وقد عرف من شأن الأولياء في الجاهلية وما قاربها، الأنفة من أصهارهم، عند حدوث الشقاق بينهم وبين ولاياهم، وربما رأوا الطلاق استخفافاً بأولياء المرأة وقلة اكتراث بهم، فحملتهم الحمية على قصد الانتقام منهم عند ما يرون منهم ندامة، ورغبة في المراجعة وقد روى في «الصحيح» أن البداح بن عاصم الأنصاري طلق زوجه جُميلا بالتصغير وقيل جُمْلا وقيل جميلة ابنة معقل بن يسار فلما انقضت عدتها، أراد مراجعتها، فقال له أبوها معقل بن يسار: «إنك طلقتها طلاقاً له الرجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إليَّ أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتكها أبداً» فنزلت هذه الآية، قال معقل «فكفرت عن يميني وأرجعتها إليه» وقال الواحدي: نزلت في جابر بن عبد الله كانت له ابنة عم طلقها زوجها وانقضت عدتها، ثم جاء يريد مراجعتها، وكانت راغبة فيه، فمنعه جابر من ذلك فنزلت.

والمراد من أجلهن هو العدة، وهو يعضد أن ذلك هو المراد من نظيره في الآية السابقة، وعن الشافعي «دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين» فجعل البلوغ في الآية الأولى، بمعنى مشارفة بلوغ الأجل، وجعله هنا بمعنى انتهاء الأجل.

فجملة ﴿ وإذا طلقتم النساء ﴾ عطف على ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغت أجلهن فأمسكوهن بمعروف ﴾ [البقرة: 231] الآية.

والخطاب الواقع في قوله ﴿ طلقتم ﴾ و ﴿ تعضلوهن ﴾ ينبغي أن يحمل على أنه موجه إلى جهة واحدة دون اختلاف التوجه، فيكون موجهاً إلى جميع المسلمين، لأن كل واحد صالح لأن يقع منه الطلاق إن كان زوجاً، ويقع منه العضل إن كان ولياً، والقرينة ظاهرة على مثله فلا يكاد يخفى في استعمالهم، ولما كان المسند إليه أحد الفعلين، غير المسند إليه الفعل الآخر، إذ لا يكون الطلاق ممن يكون منه العضل ولا العكس، كان كل فريق يأخذ من الخطاب ما هو به جدير، فالمراد بقوله: ﴿ طلقتم ﴾ أوقعتم الطلاق، فهم الأزواج، وبقوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ النهي عن صدور العضل، وهم أولياء النساء.

وجعل في «الكشاف» الخطاب للناس عامة أي إذا وجد فيكم الطلاق وبلغ المطلقات أجلهن، فلا يقع منكم العضل ووجه تفسيره هذا بقوله: «لأنه إذا وجد العضل بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين».

والعضل: المنع والحبس وعدم الانتقال، فمنه عضَّلت المرأة بالتشديد إذا عسرت ولادتها وعضَّلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج، والمعاضلة في الكلام: احتباس المعنى حتى لا يبدو من الألفاظ، وهو التعقيد، وشاع في كلام العرب في منع الولي مولاته من النكاح.

وفي الشرع هو المنع بدون وجه صلاح، فالأب لا يعد عاضلاً برد كفء أو اثنين، وغير الأب يعد عاضلاً برد كفء واحد.

وإسناد النكاح إلى النساء هنا لأنه هو المعضول عنه، والمراد بأزواجهن طالبو المراجعة بعد انقضاء العدة، وسماهن أزواجاً مجازاً باعتبار ما كان، لقرب تلك الحالة، وللإشارة إلى أن المنع ظلم؛ فإنهم كانوا أزواجاً لهن من قبل، فهم أحق بأن يُرَجَّعن إليهم.

وقوله: ﴿ إذا تراضوا بينهم بالمعروف ﴾ شرط للنهي، لأن الولي إذا علم عدم التراضي بين الزوجين، ورأى أن المراجعة ستعود إلى دخل وفساد فله أن يمنع مولاته نصحاً لها، وفي هذا الشرط إيماء إلى علة النهي: وهي أن الولي لا يحق له منعها مع تراضي الزوجين بعود المعاشرة، إذ لا يكون الولي أدرى بميلها منها، على حد قولهم في المثل المشهور «رضي الخصمان ولم يرض القاضي».

وفي الآية إشارة إلى اعتبار الولاية للمرأة في النكاح بناء على غالب الأحوال يومئذٍ؛ لأن جانب المرأة جانب ضعيف مطموع فيه، معصوم عن الامتهان، فلا يليق تركها تتولى مثل هذا الأمر بنفسها؛ لأنه ينافي نفاستها وضعفها، فقد يستخف بحقوقها الرجال، حرصاً على منافعهم وهي تضعف عن المعارضة.

ووجه الإشارة: أن الله أشار إلى حقين: حق الولي بالنهي عن العضل؛ إذ لو لم يكن الأمر بيده لما نهي عن منعه، ولا يقال: نهي عن استعمال ما ليس بحق له لأنه لو كان كذلك لكان النهي عن البغي والعدوان كافياً، ولجيء بصيغة: ما يكون لكم ونحوها وحق المرأة في الرضا ولأجله أسند الله النكاح إلى ضمير النساء، ولم يقل: أن تُنكحوهن أزواجهن، وهذا مذهب مالك والشافعي وجمهور فقهاء الإسلام، وشذ أبو حنيفة في المشهور عنه فلم يشترط الولاية في النكاح، واحتج له الجصاص بأن الله أسند النكاح هنا للنساء وهو استدلال بعيد استعمال العرب في قولهم: نكحت المرأة، فإنه بمعنى تزوجت دون تفصيل بكيفية هذا التزوج لأنه لا خلاف في أن رضا المرأة بالزوج هو العقد المسمى بالنكاح، وإنما الخلاف في اشتراط مباشرة الولي لذلك دون جبر، وهذا لا ينافيه إسناد النكاح إليهن، أما ولاية الإجبار فليست من غرض هذه الآية؛ لأنها واردة في شأن الأيامى ولا جبر على أيم باتفاق العلماء.

وقوله: ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ إشارة إلى حكم النهي عن العضل، وإفراد الكاف مع اسم الإشارة مع أن المخاطب جماعة، رعياً لتناسي أصل وضعها من الخطاب إلى ما استعملت فيه من معنى بعد المشار إليه فقط، فإفرادها في أسماء الإشارة هو الأصل، وأما جمعها في قوله ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ فتجديد لأصل وضعها.

ومعنى أزكى وأطهر أنه أوفر للعرض وأقرب للخير، فأزكى دال على النماء والوفر، وذلك أنهم كانوا يعضلونهن حمية وحفاظاً على المروءة من لحاق ما فيه شائبة الحطيطة، فأعلمهم الله أن عدم العضل أوفر للعرض؛ لأن فيه سعياً إلى استبقاء الود بين العائلات التي تقاربت بالصهر والنسب؛ فإذا كان العضل إباية للضيم، فالإذن لهن بالمراجعة حلم وعفو ورفاء للحال وذلك أنفع من إباية الضيم.

وأما قوله: ﴿ وأطهر ﴾ فهو معنى أنزه، أي إنه أقطع لأسباب العداوات والإحن والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة، وماذا تضر الخصومة في وقت قليل يعقبها رضا ما تضر الإحن الباقية والعداوات المتأصلة، والقلوب المحرَّقة.

ولك أن تجعل ﴿ أزكى ﴾ بالمعنى الأول، ناظراً لأحوال الدنيا، وأطهر بمعنى فيه السلامة من الذنوب في الآخرة، فيكون أطهر مسلوب المفاضلة، جاء على صيغة التفضيل للمزاوجة مع قوله ﴿ أزكى ﴾ .

وقوله: ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ تذييل وإزالة لاستغرابهم حين تلقى هذا الحكم، لمخالفته لعاداتهم القديمة، وما اعتقدوا نفعاً وصلاحاً وإباء على أعراضهم، فعلمهم الله أن ما أمرهم به ونهاهم عنه هو الحق، لأن الله يعلم النافع، وهم لا يعلمون إلاّ ظاهراً، فمفعول ﴿ يعلم ﴾ محذوف أي والله يعلم ما فيه كمال زكاتكم وطهارتكم؛ وأنتم لا تعلمون ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ ﴾ بُلُوغُ الأجَلِ هَهُنا [تَناهِيهِ]، بِخِلافِ بُلُوغِ الأجَلِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لَها أنْ تَنْكِحَ غَيْرَهُ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، قالَ الشّافِعِيُّ: فَدَخَلَ اخْتِلافُ المَعْنَيَيْنِ عَلى افْتِراقِ البُلُوغَيْنِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ وفي العَضْلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَنعُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: داءٌ عُضالٌ إذا امْتَنَعَ مِن أنْ يُداوى، وفُلانٌ عُضَلَةٌ أيْ داهِيَةٌ، لِأنَّهُ امْتَنَعَ بِدَهائِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ العَضْلَ الضِّيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: قَدْ أعْضَلَ بِالجَيْشِ الفَضاءُ، إذا ضاقَ بِهِمْ.

وَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قَدْ أعْضَلَ بِي أهْلُ العِراقِ، لا يَرْضَوْنَ عَنْ والٍ، ولا يَرْضى عَنْهم والٍ، وقالَ أوْسُ بْنُ حُجْرٍ: ولَيْسَ أخُوكَ الدّائِمُ العَهْدِ بِالَّذِي يَذُمُّكَ إنْ ولّى ويُرْضِيكَ مُقْبِلا ∗∗∗ ولَكِنَّهُ النّائِي إذا كُنْتَ آمِنًا ∗∗∗ وصاحِبُكَ الأدْنى إذا الأمْرُ أعْضَلا فَنَهى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أوْلِياءَ المَرْأةِ عَنْ عَضْلِها ومَنعِها مِن نِكاحِ مَن رَضِيَتْهُ مِنَ الأزْواجِ.

وَفي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إذا تَراضَوْا بَيْنَهم بِالمَعْرُوفِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إذا تَراضى الزَّوْجانِ.

والثّانِي: إذا رَضِيَتِ المَرْأةُ بِالزَّوْجِ الكافِي.

قالَ الشّافِعِيُّ: وهَذا بَيِّنٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى يَدُلُّ عَلى أنْ لَيْسَ لِلْمَرْأةِ أنْ تُنْكَحَ بِغَيْرِ ولِيٍّ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَن نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ زَوَّجَ أُخْتَهُ، ثُمَّ طَلَّقَها زَوْجُها وتَراضَيا بَعْدَ العِدَّةِ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَعَضَلَها مَعْقِلٌ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ بِنْتِ عَمٍّ لَهُ، وقَدْ طَلَّقَها زَوْجُها، ثُمَّ خَطَبَها فَأبى أنْ يُزَوِّجَهُ بِها، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عُمُومًا في نَهْيِ كُلِّ ولِيٍّ عَنْ مُضارَّةِ ولِيَّتِهِ مِنَ النِّساءِ أنْ يَعْضُلَها عَنِ النِّكاحِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والزُّهْرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج وكيع والبخاري وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم والبيهقي من طرق عن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت فأتاني ابن عم لي فانكحتها إياه، فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطاب، فقلت له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكما فطلقتها ثم جئت تخطبها، والله لا ترجع إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله تعالى ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾ قال: ففي نزلت هذه الآية.

فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.

وفي لفظ: فلما سمعها معقل قال: سمع لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتقضي عدتها ثم يبدو له تزوجها وان يراجعها، وتريد المرأة ذلك فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ يقول: فلا تمنعوهن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في امرأة من مزينة، طلقها زوجها وأبينت منه فعضلها أخوها معقل بن يسار يضارها خيفة أن ترجع إلى زوجها الأول.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته جمل بنت يسار، كانت تحت أبي البداح، طلقها فانقضت عدتها، فخطبها فعضلها معقل.

وأخرج ابن جرير عن أبي إسحاق الهمداني.

أن فاطمة بنت يسار طلقها زوجها، ثم بدا له فخطبها فأبى معقل فقال: زوجناك فطلقتها وفعلت.

فأنزل الله: ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن السدي قال: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري كانت له ابنة عم فطلقها زوجها تطليقة، وانقضت عدتها فأراد مراجعتها فأبى جابر فقال: طلقت بنت عمنا ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها، فأنزل الله: ﴿ وإذا طلقتم النساء...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ﴾ قال: إذا رضيت الصداق.

قال: طلق رجل امرأته فندم وندمت.

فأراد أن يراجعها فأبى وليها، فنزلت هذه الآية.

وأخرج ابن المنذر عن أبي جعفر قال: إن الولي في القرآن.

يقول الله: ﴿ فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ إذا تراضوا بينهم بالمعروف ﴾ يعني بمهر، وبينة، ونكاح، مؤتنف.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انكحوا الأيامى.

فقال رجل: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما العلائق بينهم؟

قال: ما تراضى عليه أهلوهن» .

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك قال: ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ قال: الله يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلم أنت أيها الولي.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الطلاق مَرَّتَانِ ﴾ بيان لعدد الطلاق الذي يرتجع منه دون زوج آخر، وقيل: بيان لعدد الطلاق الذي يجوز إيقاعه، وهو طلاق السنة ﴿ فَإِمْسَاكٌ ﴾ ارتجاع، وهو مرفوع بالابتداء أو بالخبر ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ حسن المعاشرة وتوفية الحقوق ﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ ﴾ هو تركها حتى تنقضي العدة فتبين منه ﴿ بإحسان ﴾ المتعة، وقيل: التسريح هنا الطلقة الثالثة بعد الاثنتين، وروي في ذلك حديث ضعيف وهو بعيد؛ لأن قوله تعالى بعد ذلك ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ هو الطلقة الثالثة، وعلى ذلك يكون تكراراً، والطلقة الرابعة لا معنى لها ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ ﴾ الآية: نزلت بسبب ثابت بن قيس: اشتكت منه امرأته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: أتردّين عليه حديقته، قالت: نعم فدعاه فطلقها على ذلك.

وحكمها على العموم.

وهو خطاب للأزواج في حكم الفدية، وهي الخلع، وظاهرها أنه: لا يجوز الخلع إلاّ إذا خاف الزوجان ﴿ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ وذلك إذا ساء ما بينهما وقبحت معاشرتهما.

ثم إن المخالعة على أربعة أحوال: الأول: أن تكون من غير ضرر من الزود ولا من الزوجة: فأجازه مالك وغيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ ﴾ الآية [النساء: 4] ومنعها قوم لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ ، والثاني: أن يكون الضرر منهما جميعاً فمنعه مالك في المشهور لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ [النساء: 19] وأجازه الشافعي لقوله تعالى: ﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ الثالث: أن يكون الضرر من الزوجة خاصة، فأجازه الجمهور لظاهر هذه الآية، والرابع: أن يكون الضرر من الزوج خاصة: فمنعه الجمهور لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ ﴾ الآية [النساء: 20] وأجازه أبو حنيفة مطلقاً، وقوله في ذلك مخالف للكتاب والسنة ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ خطاب للحكام والمتوسطين في هذا الأمر ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ هذه هي الطقلة الثالثة بعد الطلقتين المذكورتين في قوله: الطلاق مرتان ﴿ حتى تَنْكِحَ ﴾ أجمعت الأئمة على أن النكاح هنا هو العقد مع الدخول والوطء، لقوله صلى الله عليه وسلم للمطلقة ثلاثاً حين أرادت الرجوع إلى مطلقها قبل أن يمسها الزوج الآخر: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك وروي عن سعيد بن المسيب أن العقد يحلها دون وطء، وهو قول مرفوض لمخالفته للحديث، وخرقه للإجماع، وإنما تحل عند مالك إذا كان النكاح صحيحاً لا شبهة فيه، والوطء مباحاً في غيرحيض ولا إحرام ولا اعتكاف ولا صيام، خلافاً لابن الماجشون في الوطء غير المباح، وأما نكاح المحلل فحرام، ولا يحل الزوجة لزوجها عند مالك، خلافاً لأبي حنيفة والمعتبر في ذلك نية المحلل لا نية المرأة، ولا المحلل له، وقال قوم: من نوى التحليل منهم أفسد ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا ﴾ يعني هذا الزوج الثاني ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ ﴾ أي على الزوجة والزوج الأول ﴿ أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله ﴾ أي أوامره فيما يجب من حقوق الزوجة ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء ﴾ الآية خطاب للأزواج، وهي نهي عن أن يطول الرجل العدة على المرأة مضارة منه لها، بل يرتجع قرب انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذٍ، ومعنى ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ في هذا الموضع: قاربن انقضاء العدّة، وليس المراد انقضاؤها، لأنه ليس بيده إمساك حينئذٍ، ومعنى ﴿ أَمْسِكُوهُنَّ ﴾ راجعوهنّ ﴿ بِمَعْرُوفٍ ﴾ هنا قبل: هو الإشهاد وقيل: النفقة ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ أي لا تمنعوهن ﴿ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ أي: يراجعن الأزواج الذين طلقوهن، قال السهيلي: نزلت في معقل بن يسار كان له أخت، فطلقها زوجها ثم أراد مراجعتها وأرادت هي مراجعته، فمنعها أخوها، وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله وذلك؛ أنّ رجلاً طلق أخته وتركها حتى تمت عدتها، ثم أراد مراجعتها فمنعها جابر وقال: تركتها وأنت أملك بها، لا زَوَّجْتُكها أبداً، فنزلت الآية، والمعروف هنا: العدل، وقيل: الإشهاد، وهذه الآية تقتضي ثبوت حق الولي في نكاح وليه؛ خلافاً لأبي حنيفة ﴿ ذلك يُوعَظُ بِهِ ﴾ خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولكل واحد على حدته، ولذلك وحد ضمير الخطاب ﴿ ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ خطاباً للمؤمنين والإشارة إلى ترك العضل، ومعنى أزكى أطيب للنفس، ومعنى أطهر: أي للدين والعرض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن يخافا ﴾ بضم الياء: يزيد وحمزة ويعقوب الباقون بفتح الياء ﴿ نبينها ﴾ بالنون المفضل.

الباقون بياء الغيبة ﴿ يفعل ذلك ﴾ مدغماً حيث كان: أبو الحرث عن علي ﴿ فقد ظلم ﴾ مظهراً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وعاصم غير الأعشى.

الوقوف: ﴿ قروء ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ إصلاحاً ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ص لعطف المتفقتين ولا تمام المقصود في تفضيل الرجال ﴿ درجة ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ مرتان ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ بإحسان ﴾ ط ﴿ حدود الله ﴾ الأول ط ﴿ افتدت به ﴾ ط ﴿ تعتدوها ﴾ ج ﴿ الظالمون ﴾ ه ﴿ غيره ﴾ ص لأن الطلاق للزوج الثاني على خطر الوجود لا منتظر معهود فكان خارجاً من مقتضى الجملة الأولى ﴿ أن يقيما حدود الله ﴾ ط ﴿ يعلمون ﴾ ه ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ ص لطول الكلام ﴿ لتعتدوا ﴾ ج ﴿ نفسه ﴾ ط ﴿ هزوا ﴾ ص لطول ما بعده ﴿ يعظكم به ﴾ ط ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ الآخر ﴾ ط ﴿ وأطهر ﴾ ط ﴿ لا تعلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الحادي عشر: الطلاق.

ويشتمل على أحكام أولها: وجوب العدة.

واعلم أن المطلقة وهي التي أوقع الطلاق عليها إما أن تكون أجنبية ولا يقع الطلاق عليها في عرف الشرع بالإجماع وإما أن تكون منكوحة وحينئذ إما أن لا تكون مدخولاً بها ولا عدة عليه لقوله  ﴿ إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها  ﴾ وإما أن تكون مدخولاً بها وحينئذ إن كانت حاملاً فعدتها بوضع الحمل قال  : ﴿ وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن  ﴾ وإن كانت حائلاً فإن امتنع الحيض في حقها إما للصغر المفرط أو الكبر المفرط فعدتها بالأشهر لا بالأقراء لقوله  ﴿ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن  ﴾ وإن كان المحيض في حقها ممكناً فإن كانت رقيقة فعدتها قرآن، وإن كانت حرة فعدتها ثلاثة أقراء لهذه الآية، فظهر أن قوله ﴿ والمطلقات ﴾ لا يتناول إلا المنكوحة الحرة المدخول بها كالحائل من ذوات الحيض.

لا يقال: العام إنما يحسن تخصيصه إذا كان الباقي أكثر من حيث إنه جرت العادة بإطلاقلفظ الكل على الغالب لا المغلوب.

فيقال: الثوب أسود إذا كان الغالب عليه السواد لا البياض.

وههنا الباقي قسم واحد من الأقسام الخمسة فكيف يحسن إطلاق لفظ العام عليه؟

لأنا نقول: أما الأجنبية فتخرج بعرف الشرع كما مر، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم، وكذا الحامل والآيسة لأن إيجاب الاعتداء بالأقراء إنما يكون حيث يحصل الأقراء ولا أقراء في حقهما.

وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن اللفظ باقٍ على تناوله الأغلب.

وإنما لم يقل وليتربصن المطلقات بل أخرج الأمر في صورة الخبر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتلقى بالمسارعة إلى امتثاله، فكأنهن امتثلن فهو يخبر عن موجود.

وبناء الكلام على المبتدأ مما زاده أيضاً فضل تأكيد وتقوّ.

ولو قيل: "وليتربصن المطلقات" لم يكن بتلك الوكادة وفي ذكر الأنفس دون أن يقال "يتربصن ثلاثة قروء" تهييج لهن على التربص لأن فيه ما يستنكفن منه، فإن أنفس النساء طوامح إلى الرجال، نوازع إليهم، فأمرن أن يقبضن أنفسهن.

والقروء جمع قرء بفتح القاف أو ضمها، والراء ساكنة في الحالين.

وفي الصحاح بفتح القاف فقط.

ولا خلاف أن اسم القرء يقع على الطهر والحيض، والمشهور أنه حقيقة فيهما.

وقيل: حقيقة في الحيض مجاز في الطهر.

وقيل بالعكس.

وقيل: إنه موضوع لمعنى واحد مشترك بينهما إما لأن القرء هو الاجتماع ثم في وقت الحيض يجتمع الدم في الرحم وفي وقت الطهر يجتمع الدم في البدن وهو قول الأصمعي والأخفش والفراء والكسائي، وإما لأنه عبارة عن الانتقال من حالة إلى حالة وهو قول أبي عبيد، وإما لأن القرء هو الوقت.

وقيل: "هذا قارئ الرياح" لوقت هبوبها.

ولا يخفى أن لكل من الطهر والحيض وقتاً معيناً وهذا قول أبي عمرو بن العلاء.

ثم إن الله  أمر المطلقة بثلاثة أشياء تسمى أقراء، لكن العلماء أجمعوا على أن الثلاثة يجب أن تكون من أحد الجنسين.

ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنها الأطهار، ويروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة ومالك وربيعة وأحمد في رواية.

وقال عمر وعلي وابن مسعود: هي الحيض.

وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى.

وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال إذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها.

وعند أبي حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر، أو من الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها.

ثم قال: إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل، وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء أو يمضي عليها وقت صلاة حجة الشافعي قوله  ﴿ فطلقوهن لعدتهن  ﴾ أي في زمان عدتهن.

وأجيب بأن معنى الآية مستقبلات لعدتهن كما تقول: "لثلاث بقين من الشهر" أي مستقبلاً لثلاث.

وقيل: هذا يقوي استدلال الشافعي لأن قول القائل: "لثلاث بقين من الشهر" معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه.

فمعنى الآية طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه.

ولما كان الإذن حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة.

وروي عن عائشة أنها قالت: هل تدرون ما الأقراء؟

الأقراء الأطهار.

ثم قال الشافعي: النساء بهذا أعلم.

وأيضاً التركيب يدل على الجمع.

وأكثر أحوال الرحم اجتماعاً واشتمالاً على الدم آخر الطهر، إذ لو لم تمتلئ بذلك الفائض لما سالت إلى الخارج.

فمن أول الطهر يأخذ في الاجتماع والازدياد إلى آخره، والآخر هو حال كمال الاجتماع فآخر الطهر هو القرء بالحقيقة.

وأيضاً الاعتداد بالأطهار أقل زماناً من الاعتداد بالحيض، فيلزم المصير إليه لأن الأصل أن لا يكون لأحد على غيره حق الحبس والمنع.

ولما كانت المدة أقل كان أقرب إلى هذا الأصل وأوفق له.

وأيضاً الآية تدل على أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء خرجت عن العهدة فتكون متمكنة من الاعتداد بالأطهار التي مدتها أقل، ومن الاعتداد بالحيض التي مدتها أكثر، فيكون الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب.

حجة أبي حنيفة قوله  "دعي الصلاة أيام أقرائك" وقوله "طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان" ولأن الغرض الأصلي من العدة استبراء الرحم والحيض هو الذي يستبرأ به الأرحام، ولأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وفي تقليل مدة العدة تحليل بضعها للزوج الثاني.

فالتكثير أحوط ولأن إطلاق طهر كامل على بعض الطهر خلاف الظاهر، وإذا تعارضت الوجوه ضعفت الترجيحات ويكون حكم الله  في كل أحد ما أدى اجتهاده إليه.

وانتصاب ﴿ ثلاث قروء ﴾ على أنه مفعول به كقولهم "المحتكر يتربص الغلاء" أي يتربصن مضي ثلاثة قروء.

أو على الظرفية أي مدة ثلاثة قروء.

وإنما جاء المميز على جمع الكثرة دو القلة التي هي الأقراء للاتساع فإنهم يستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر ولهذا قال: ﴿ بأنفسهن ﴾ وما هي إلا نفوس كثيرة.

وأيضاً فلعل القروء أكثر استعمالاً فنزلا القليل بمنزلة المهمل فيكون مثل قولهم "ثلاثة شسوع".

ثم إن أمر العدة لما كان مبنياً على انقضاء القرء في حق ذوات الأقراء وعلى وضع الحمل في حق الحامل وكان الوصول إلى معرفة ذلك متعذراً على الرجال، جعلت المرأة أمينة في العدة، وجعل القول قولها إذا ادعت انقضاء قرئها في مدة يمكن ذلك فيها، وهو عند الشافعي اثنان وثلاثون يوماً وساعة.

لأنها إذا طلقت طاهراً فحاضت بعد ساعة ثم حاضت يوماً وليلة - وهو أقل الحيض - ثم طهرت خمسة عشر يوماً - وهو أقل الطهر - ثم حاضت مرة أخرى يوماً وليلة، ثم طهرت خمسة عشر ثم رأت الدم، فقد انقضت عدتها لحصول ثلاثة أطهار.

فمتى ادعت هذا أو أكثر منه قبل قولها، وكذلك إذا كانت حاملاً فادعت سقوط الولد كان القول قولها لأنها على أصل أمانتها ولهذا قال  : ﴿ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: إن الكتمان راجع إلى الحبل والحيض معاً.

وذلك أن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما.

أما كتمان الحمل فإذا كتمت الحمل قصرت مدة عدتها فتتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر وأحبت أن تلصق ولدها بالزوج الثاني.

وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء، فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطل رجعته، فإذا حاضت أولاً فكتمته ثم أظهرت عند الحيضة الثانية أن ذلك أول حيضها فقد طولت العدة، وهكذا إن كتمت الحيضة الثالثة.

وإذا كتمت أن حيضها باق فقد قطعت الرجعة على زوجها.

وقيل: المراد النهي عن كتمان الحبل فقط لأن المخلوق في الأرحام هو الحبل لا الحيض، ولأن حمل المعنى على ما هو شريف أولى لقوله  ﴿ هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء  ﴾ وقيل: المراد النهي عن كتمان الحيض لأن الآية وردت عقيب ذكر الأقراء ولم يتقدم ذكر الحمل.

وقيل: يجوز أن يراد اللائي يبغين إسقاط ما في بطونهن من الأجنة فلا يعترفن به ويجحدنه لذلك، فجعل كتمان ما في أرحامهن كناية عن إسقاطه.

وفي قوله ﴿ إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تعظيم لفعلهن، وإن من آمن بالله وبعقابه لا يجترئ على مثله من العظائم.

وفيه أن من جعل أميناً في شيء فخان فيه فأمره عند الله شديد.

الحكم الثاني للطلاق الحكم الثاني للطلاق: الرجعة وذلك قوله ﴿ وبعولتهن أحق بردهن ﴾ والبعل الزوج والجمع البعولة.

والتاء لتأكيد التأنيث في الجماعة كصقورة.

وليس هذا في كل جمع وإنما هو مقصور على السماع.

ويقال للمرأة أيضاً بعل وبعلة كما يقال زوج وزوجة والبعل: السيد المالك.

يقال: مَنْ بعل هذه الناقة؟

أي مَنْ ربها وصاحبها؟

ويجوز أن يراد بالبعولة المصدر من قوله "بعل حسن البعولة" وعلى هذا فالمضاف محذوف أي أهل بعولتهن أحق بردهن برجعتهن.

قال تعالى في موضع: ﴿ ولئن رددت إلى ربي  ﴾ وفي موضع آخر ﴿ ولئن رجعت  ﴾ فكأنه يردها من التربص إلى خلافه، ومن الحرمة إلى الحل في ذلك أي في مدة التربص، لأنه إذا انقضى ذلك الوقت بطل حق الرد والرجعة.

وإنما تكون البعولة أحق عند الله  برجعتهن إن أرادوا إصلاحاً لما بينهم وبينهن وإحساناً إليهن لا الضرار وتطويل العدة كما في قوله ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا ﴾ فلو راجعها لقصد المضارة استوجب من الله العقاب، وإن صحت رجعته شرعاً لأنا نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر.

فإن قيل: كيف جعلوه أحق بالرجعة كأن للنساء حقاً فيها؟

فالجواب أن الرجل إن أراد الرجعة وأبتها المرأة وجب إيثار قوله على قولها فهذا هو المعنى بالأحقية أو نقول: إنهن إن كتمن ما في أرحامهن لأجل أن يتزوّج بهن آخر، فإذا فعلن ذلك كان الزوج الأول أحق بردهن، وإن ثبت للزوج الثاني حق في الظاهر ولهن من الحق على الرجال مثل الذي للرجال عليهن بالمعروف بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم.

والمراد بالمماثلة مماثلة الواجب في كونهما من الحسنة لا في جنس الفعل.

فإذا غسلت ثيابه أو خبزت لا يجب عليه أن يفعل نحو ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال.

قال أبو هريرة: "قيل لرسول الله  : أي النساء خير؟

قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر ولا تخونه في نفسها وماله بما يكره" وفي حديث حجة الوداع "ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن" وعن ابن عباس أنه قال: إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي لقوله  ﴿ ولهن مثل الذي عليهن ﴾ وقيل: معنى الآية ولهن على الزوج من إرادة الإصلاح عند المراجعة مثل ما عليهن من ترك الكتمان.

﴿ وللرجال عليهن درجة ﴾ زيادة في الحق وفضيلة وهي واحدة الدرجات الطبقات من المراتب.

أصلها من درج الرجل.

والضب يدرج دروجاً أي مشى ودرج أي مضى لسبيله.

ودرج القوم إذا انقرضوا.

وفي المثل "أكذب من دبَّ ودرج" أي أكذب الأحياء والأموات.

وقد فضل الله الرجال على النساء في أمور: في العقل وفي الدية وفي الميراث وفي نصيبه من المغنم، وفي صلاحية الإمامة والقضاء والشهادة، وفي أن له أن يتزوج عليها ويتسرى وليس لها ذلك، وفي أن له أن يطلقها وإذا طلقها راجعها شاءت المرأة أم أبت ولا قدرة للمرأة على التطليق ولا على الرجعة فإذن المرأة كالأسير العاجز في يد الرجل ولهذا قال  : "استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان" وفي خبر آخر "اتقوا الله الضعيفين اليتيم والمرأة" وذلك أن من كانت نعمة الله عليه أكثر كان صدور الذنب عنه أقبح، واستحقاقه للزجر أشد، وقيل: بل الغرض من الآية أن فوائد الزوجية هي السكن والازدواج والألفة والمودة واشتباك الأنساب واستكثار الأعوان والأحباب وحصول اللذة، وكل ذلك مشترك بين الجانبين، بل يمكن أن يقال: نصيب المرأة منها أوفر.

ثم إن الزوج اختص بأنواع من الكلفة وهي التزام المهر والنفقة والذب عنها والقيام بمصالحها، فيكون وجوب الخدمة على المرأة أشد رعاية لهذه الحقوق الزائدة فيكون هذا كقوله  ﴿ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم  ﴾ وعن النبي  "لو أمرت أحداً بالسجود لغير الله لأمرت المرأة بالسجود لزوجها" ﴿ والله عزيز حكيم ﴾ غالب لا يمنع مصيب في أفعاله، وأحكامه لا يتطرق إليها احتمال العبث والسفه والغلط والباطل.

الحكم الثالث للطلاق: هو الطلاق الذي يثبت فيه الرجعة.

وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يطلق امرأته ثم يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، ولو طلقها ألف مرة كانت القدرة على المراجعة ثابتة له.

فجاءت امرأة إلى عائشة فشكت أن زوجها يطلقها ويراجعها يضارها بذلك، فذكرت عائشة ذلك لرسول الله  فنزل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ فعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها.

والمعنى أن الطلاق الرجعي مرتان ولا رجعة بعد الثلاث.

وهذا تفسير من جوز الجمع بين الطلقات الثلاث وهو مذهب الشافعي وهو أليق بنظم الكلام لأنه تعالى بيّن في الآية الأولى أن حق الرجعة ثابت للزوج ولم يذكر أن ذلك الحق ثابت دائماً أو إلى غاية معينة فكان ذلك كالمجمل أن العام فيفتقر إلى مبين أو مخصص، فذكر عقيبه أن الطلاق المعهود السابق الذي يثبت فيه للزوج حق الرجعة هو أن يوجد طلقتان فقط، فإذا وصلت التطليقة إلى هذه الغاية بطل حق الرجعة.

والطلاق بمعنى التطليق كالسلام بمعنى التسليم.

وقيل: إن هذا كلام مبتدأ والمعنى: أن التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير كقوله  ﴿ ثم ارجع البصر كرتين  ﴾ أي كرة بعد كرة، وقولهم "لبيك وسعديك".

وهذا التفسير قول من قال: الجمع بين الثلاث حرام.

وزعم أبو زيد الدبوسي في الأسرار أن هذا هو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وعمران بن الحصين وأبي موسى الأشعري وأبي الدرداء وحذيفة  م، ويؤكده العدول عن لفظ الأمر وهو "طلقوا مرتين أو دفعتين" إلى لفظ الخبر كما مر في قوله ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ثم من هؤلاء من قال: لو طلقها ثنتين أو ثلاثاً لا يقع إلا واحدة وهذا هو الأقيس، واختاره كثير من علماء أهل البيت لأن النهي يدل على اشتمال المنهي عنه على مفسدة راجحة، والقول بالوقوع سعي في إدخال تلك المفسدة في الوجود ومنهم من قال: - وهو اختيار أبي حنيفة - إنه وإن كان محرماً إلا أنه يقع ويكون بدعة، والسنة أن لا يوقع عليها إلا واحدة في طهر لم يجامعها فيه.

وهذا منه بناء على أن النهي لا يدل على الفساد، ومما يؤيد مذهب الشافعي حديث العجلاني الذي لاعن امرأته فطلقها بين يدي رسول الله  فلم ينكر عليه، ومما يؤكد مذهب أبي حنيفة حديث ابن عمر أن رسول الله  قال له: إنما السنة أن تستقبل الطهر استقبالاً فتطلقها لكل قرء تطليقة.

وأما قول ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ أي أمركم بعد الرجعة أو بعد معرفة كيفية التطليق أحد هذين.

فالتسريح الإرسال والإطلاق والإمساك نقيضه.

ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الإصلاح ومعنى التسريح بإحسان قيل: هو أن يوقع عليها الطلقة الثالثة.

روي أنه لما نزل قوله  ﴿ الطلاق مرتان ﴾ قيل له  : فأين الثالثة؟

فقال: هو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ وقيل: هو أن يترك المراجعة حتى تبين بانقضاء العدة.

ويروى عن الضحاك والسدي وهو أقرب لولا الخبر الذي رويناه لأن الفاء في قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ تقتضي وقوع هذه الطلقة متأخرة عن ذلك التسريح.

فلو كان المراد بالتسريح هو الطلقة الثالثة لكان قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ طلقة رابعة وإنه غير جائز.

وأيضاً لو حملنا التسريح على ترك المراجعة كانت الآية متناولة لجميع الأقسام، لأنه بعد الطلقة الثانية إما أن يراجعها وهو قوله ﴿ فإمساك بمعروف ﴾ أو لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي عدتها وتحصل البينونة وهو قوله ﴿ أو تسريح بإحسان ﴾ أو يطلقها وذلك قوله ﴿ فإن طلقها ﴾ فلو جعلنا التسريح طلاقاً لزم إهمال أحد الأقسام وتكرير بعضها.

وأما الحكمة في إثبات حق الرجعة فهي أن النعم مجهولة إذا فقدت عرفت، فلو كانت الطلقة الواحدة مانعة عن الرجعة فربما ظهرت المحبة بعد المفارقة وعظمت المشقة.

ثم إن إكمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة فلهذا ثبت حق المراجعة بعد المفارقة مرتين ليجرب الإنسان أحوال قلبه، فإن كان الأصلح له إمساكها راجعها وأمسكها بالمعروف، وإن كان الأصلح تسريحها سرحها على أحسن الوجوه وهو أن يؤدي حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها، وهذا التدريج والترتيب يدل على كمال رأفته بعبده.

الحكم الرابع من أحكام الطلاق: بيان الخلع وذلك قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ وسبب ارتباط هذا بما قبله أنه  لما أمر بالتسريح مقروناً بإحسان بيَّن عقيبه أن من جملة الإحسان أنه إذا طلقها لا يأخذ منها شيئاً مما أعطاها من المهر والثياب وسائر ما تفضل به عليها، لأنه ملك بضعها واستمتع بها في مقابلة ما أعطاها إلا إذا فارقها على عوض ويدخل فيه النهي من أن يضيق عليها ليلجئها إلى الافتداء كما قال في سورة النساء ﴿ ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن  ﴾ والخطاب في قوله ﴿ ولا يحل لكم ﴾ للأزواج وفي قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ للأئمة والحكام.

ويجوز أن يكون الخطاب الأول أيضاً للأئمة لأنهم الذين يأمرون بالأخذ والإيتاء عند الترافع إليهم فكأنهم الآخذون والمؤتون "روي أن الآية نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي.

وفي سنن أبي داود أن المرأة كانت حبيبة بنت سهل الأنصارية، كانت تحت ثابت بن قيس بن شماس وكانت تبغضه أشد البغض وكان يحبها أشد الحب.

فأتت رسول الله  وقالت: فرق بيني وبينه، والله ما أعيب عليه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام ما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة فإذا هو أشدهم سواداً وأقصرهم قامةً وأقبحهم وجهاً.

فقال ثابت: مرها فلترد علي الحديقة التي أعطيتها، فقال لها: ما تقولين؟

قالت: نعم وأزيده.

فقال  : لا، حديقته فقط.

ثم قال لثابت: خذ منها ما أعطيتها وخل سبيلها" ففعل، وكان ذلك أول خلع في الإسلام.

ومعنى قوله ﴿ إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ﴾ إلا أن يخاف الزوجان ترك إقامة حدود الله فيما يلزمهما من مواجب الزوجية واختلفوا في مقدار ما يجوز به الخلع.

فعن الشعبي والزهري والحسن وعطاء وطاوس أنه لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها وهو قول علي كرم الله وجهه لقوله  ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ ثم قال: ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ أي فلا جناح على الرجل فيما أخذ، ولا عليها فيما أعطت.

ومعنى ﴿ فيما افتدت به ﴾ فيما افتدت نفسها واختلعت به فوجب أن يكون هذا راجعاً إلى ما آتاها، ولقوله  لا حديقته فقط.

حين قالت جميلة: نعم وأزيده.

ولأن ذلك إجحاف بجانب المرأة وضرار بالمرأة بعدما استبيح من بضعها ولهذا قال سعيد بن المسيب: لا يأخذ إلا دون ما أعطاها حتى يكون الفضل له.

وأما سائر الفقهاء فإنهم قالوا: الخلع عقد معاوضة فينبغي أن لا يتقدر بمقدار معين.

فكما أن للمرأة عند النكاح أن لا ترضى إلا بالصداق الكثير، فكذلك للزوج أن لا يرضى عند المخالعة إلا بالبذل الكثير لا سيما وقد أظهرت الاستخفاف بالزوج حيث أظهرت بغضه وكراهته، ويتأكد هذا بما روي أن امرأة نشزت على زوجها فرفعت إلى عمر فأباتها في بيت الزبل ثلاث ليال ثم دعاها فقال: كيف وجدت مبيتك؟

قالت: ما بت منذ كنت عنده أقر ليعين منهن.

فقال عمر لزوجها: اخلعها ولو بقرطها أي حتى قرطها.

ولهذا قال قتادة يعني بمالها كله.

وقيل: هو من قولهم "خذه ولو بقرطي مارية" وذلك فيهما درّتان قيمتهما أربعون ألف دينار.

ويصح الخلع في حالتي الشقاق والوفاق عند أكثر المجتهدين لقوله  ﴿ فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً  ﴾ فإذا جاز لها أن تهب مهرها من غير أن يحصل لنفسها شيئاً بإزاء ما بذلت، كان ذلك في الخلع الذي تصير بسببه مالكة لنفسها أولى.

وذهب الزهري والنخعي وداود إلى أنه لا يباح الخلع إلا عند الغضب والخوف من أن لا يقيما حدود الله كما في الآية، وإن وقع الخلع في غير هذه الحالة فالخلع فاسد.

والجمهور على أنه لا كراهة في الخلع إن جرى في حال الشقاق، أو كانت تكره صحبته لسوء خلقه أو دينه كما في الآية، أو وقع وتحرجت عن الإخلال ببعض حقوقه لما بها من الكراهة فافتدت ليطلقها، أو ضربها الزوج تأديباً فافتدت، أو منعها حقها من النفقة وغيرها فافتدت لتتخلص منه وإن كان الزوج يكره صحبتها فأساء العشرة ومنعها بعض حقها حتى ضجرت وافتدت، فالخلع مكروه وإن كان نافذاً والزوج مأثوم بما فعل.

فالخلع المباح هو أن تكون المرأة بحيث تخاف الفتنة على نفسها والزوج يخاف أناه إذا لم تطعه اعتدى عليها.

ويجوز أن يكون الخوف بمعنى الظن كما سبق في قوله ﴿ فمن خاف من موصٍ جنفاً  ﴾ ومن قرأ ﴿ إلا أن يخافا ﴾ على البناء للمفعول جعل ﴿ ألا يقيما ﴾ بدلاً من ألف الضمير بدل الاشتمال مثل "خيف زيد تركه إقامة حدود الله" ثم الفرقة الحاصلة على العوض إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن لم يجر إلا لفظ الخلع فللشافعي فيه قولان: الجديد أنه طلاق ينتقص به العدد وإذا خلعها ثلاث مرات لم ينكحها إلا بمحلل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود  م وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني ووجه بأنها فرقة لا يملكها غير الزوج فيكون طلاقاً كما لو قال: أنت طالق على كذا.

ولأنه لو كان فسخاً لما صح بالزيادة على المهر المسمى كالإقالة في البيع.

وإذا خالعها ولم يذكر المهر وجب أن يرد عليها المهر كالإقالة فإن الثمن يجب رده وإن لم يذكراه.

والقديم أنه فسخ لا ينتقص به العدد ويجوز تحديد النكاح بعد الخلع من غير حصر.

ويروى هذا عن ابن عمر وابن عباس قالوا: لأنه لو كان طلاقاً وقد قال عقيب ذلك ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد ﴾ لكان الطلاق أربعاً، ولأن النبي  أذن لثابت في مخالعته امرأته ولم يستكشف عن الحال مع أن الطلاق في زمان الحيض وفي الطهر الذي حصل الجماع فيه حرام، ولما روى عكرمة عن ابن عباس أن امرأة ثابت بن قيس لما اختلعت منه جعل النبي  عدتها حيضة ولو كانت مطلقة لم يقتصر لها على قرء واحد ﴿ تلك ﴾ أي المذكورات من أحكام الطلاق ﴿ حدود الله فلا تعتدوها ﴾ فلا تتجاوزوا عنها ﴿ ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون ﴾ والظالم اسم ذم وتحقير.

فوقوع هذا الاسم عليه يكون جارياً مجرى الوعيد.

وكيف لا والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين ﴾ ثم إنه ظلم من الإنسان على نفسه حيث أقدم على المعصية، وظلم على الغير أيضاً بتقدير أن لا تتم المرأة عدته أو كتمت شيئاً مما خلق في رحمها، أو ترك الرجل الإمساك بالمعروف أو التسريح بإحسان، أو أخذ من جملة ما آتاها شيئاً لا بسبب نشوز من جهة المرأة.

الحكم الخامس من أحكام الطلاق: بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة وذلك قوله ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ والسبب في إيقاع آية الخلع بين آية الرجعة وبين هذه بعد ما مر من مناسبتها للتسريح بإحسان، هو أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة، ومعنى الآية فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين فلا تحل له من بعد ذلك التطليق حتى تنكح أي تتزوج غيره.

والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزوج فيقال: فلانة ناكح في بني فلان أي لها زوج منهم.

هذا عند من يفسر قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ بالطلاق الرجعي.

وأما عند من يفسره بأن التطليق الشرعي هو الذي يوقع على التفريق.

فالمعنى عنده أنه إن طلقها الطلاق الموصوف بالتكرار في قوله ﴿ الطلاق مرتان ﴾ واستوفى نصابه ﴿ فلا تحل له من بعد ﴾ ذلك ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ .

ومذهب جمهور المجتهدين أن النكاح ههنا بمعنى الوطء، لأن قوله ﴿ زوجاً ﴾ يدل على العقد.

وقد نقلنا هذا عن أبي علي فيما سلف في تفسير قوله ﴿ ولا تنكحوا المشركات  ﴾ ويؤيد هذاما روي عن عائشة "أن امرأة رفاعة جاءت إلى النبي  فقالت: إن رفاعة طلقني فبت طلاقي وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني.

وإن ما معه مثل هدبة الثوب.

فقال رسول الله  : تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟

لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" .

كنى بالعسيلة عن لذة الجماع وإنما أنث لأن من العرب من يؤنث العسل.

ويروى أنها لبثت ما شاء الله ثم رجعت فقالت: إنه قد كان مسني فقال لها: كذبت في قولك الأول فلن أصدقك في الآخر، فلبثت حتى قبض رسول الله  فأتت أبا بكر فقالت: أرجع إلى زوجي الأول فقال: قد عهدت رسول الله  حين قال لك ما قال فلا ترجعي إليه.

فلما قبض أبو بكر قالت مثله لعمر فقال: إن أتيتني بعد مرتك هذه لأرجمنك فمنعها.

وأيضاً المقصود من توقيت حصول الحل على هذا الشرط زجر الزوج عن الطلاق لأن الغالب أن الزوج يستنكر أن يستفرش زوجته رجل آخر ولهذا قال بعض أهل العلم: إنما حرم الله على نساء النبي  أن ينكحن زوجاً غيره لما فيه من الغضاضة.

ومعلوم أن هذا الزجر إنما يحصل بتوقيف الحل على الدخول، فأما مجرد العقد فليس فيه زيادة نفرة فلا يصلح جعله مانعاً وزاجراً.

ثم قال الشافعي: إذا طلق زوجته واحدة أو ثنتين ثم نكحت زوجاً آخر وأبانها ثم عادت إلى الأول بنكاح جديد لم يكن له عليها إلا طلقة واحدة وهي التي بقيت من الطلقات، لأن هذه طلقة ثالثة من حيث إنها وجدت بعد طلقتين، والطلقة الثالثة توجب الحرمة الغليظة، وقال أبو حنيفة: بل يملك عليها ثلاثاً كما لو نكحت زوجاً بعد الثلاث وإذا تزوج الغير بالمطلقة ثلاثاً على أنه إذا أحلها للأول بأن أصابها فلا نكاح بينهما فهذا متعة بأجل مجهول وهو باطل.

ولو تزوجها بشرط أن يطلقها إذا أحلها للأول فقولان: أحدهما لا يصح، والثاني يصح ويبطل الشرط وبه قال أبو حنيفة.

ولو تزوجها مطلقاً مضمراً أنه إذا أحلها طلقها فالنكاح صحيح ويكره ذلك ويأثم به.

وقال مالك وأحمد والثوري: هذا النكاح باطل.

وحيث حكمنا بفساد النكاح فالوطء لا يقع به التحليل على الأصح.

وعن النبي  "لعن المحلل والمحلل له" وعن عمر: لا أوتي بمحلل ولا محلل له إلا رجمتهما.

﴿ فإن طلقها ﴾ أي الزوج الثاني الذي تزوجها بعد الطلقة الثالثة ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ على المرأة المطلقة والزوج الأول في ﴿ أن يتراجعا ﴾ بنكاح جديد إلى ما كانا عليه من النكاح فهذا تراجع لغوي وظاهر الآية يقتضي أن يحل للزوج الأول هذا التراجع عقيب ما يطلقها الزوج الثاني من غير عدة بدلالة فاء التعقيب في قوله ﴿ فلا جناح عليهما ﴾ ولهذا ذهب سعيد بن المسيب إلى أن النكاح ههنا بمعنى العقد، وأن التحليل يحصل بمجرد العقد لأن الوطء لو كان معتبراً لكانت العدة واجبة.

والجواب أن الآية مخصوصة بقوله  ﴿ والمطلقات يتربصن ﴾ ﴿ إن ظنا أن يقيما حدود الله ﴾ إن كان في ظنهما وفي عزيمتهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل إن علما، ولا يجوز أن يفسر الظن ههنا بالعلم لأن اليقين في الاستقبال مغيب عن الإنسان، فإن لم يحصل هذا الظن وخافا عند المراجعة من نشوز منها أو إضرار منه فالرجوع مذموم إلا أنه يصح شرعاً.

من قرأ ﴿ نبينها ﴾ بالنون فمن طريقة الالتفات والنون للتعظيم، ومن قرأ بالياء فظاهر وصيغة المضارع أريد بها ههنا الحال فلا إشكال.

وجوز بعضهم أن يكون المراد بها الاستقبال، وذلك أن النصوص التي تقدمت أكثرها عامة يدخل فيها التخصيص وذلك يعرف بالسنة.

فكان المراد - والله أعلم - إن هذه الأحكام التي تقدمت هي حدود الله، وسيبينها الله على لسان نبيه كمال البيان فهو كقوله  ﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس  ﴾ وإنما خص البيان بالعلماء لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ثم إنه  لما بين الأحكام المهمة للطلاق استأنف لحكمي الإمساك والتسريح ببيانين آخرين في آيتين متعاقبتين، لأن جملة الأمر في الطلاق يؤل إلى أحد هذين: الأول قوله  ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ أي آخر عدتهن وشارفن منتهاها.

والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها.

يقال لعمر الإنسان أجل، وللموت الذي ينتهي به أجل، ويتسع في البلوغ أيضاً يقال: بلغ البلد إذا شارفه وداناه، ويقول الرجل لصاحبه: إذا بلغت مكة فاغتسل بذي طوى يريد به مشارفة البلوغ.

فهذا من باب المجاز الذي يطلق فيه اسم الكل على الأكثر، ولأنه قد علم أن الإمساك بعد تقضي الأجل لا وجه له لأنها بعد تقضيه غير زوجة له وفي غير عدة منه فلا سبيل له عليها ﴿ فأمسكوهن بمعروف ﴾ راجعوها من غير توخي ضرار بالمراجعة ﴿ أو سرحوهن بمعروف ﴾ خلوها حتى تنقضي عدتها ونبين.

ولما أمر بعد الطلاق بأحد الأمرين، استأنف حكم كل منهما فقدم حكم الإمساك على طريقة النهي لا الأمر، لأن المأمور يمتثل بمرة واحدة فلعله يمسكها بمعروف في الحال لكن في قلبه أن يضارها في الاستقبال، والمنهي لا يمتثل إلا إذا انتهى في كل الأوقات فيكون أدل على الدوام والثبات فقال: ﴿ ولا تمسكوهن ضراراً ﴾ مضارة وتشمل موجبات النفرة والعداوة كلها، وروي أن الرجل كان يطلق المرأة ثم يدعها فإذا قارب انقضاء القرء الثالث راجعها، وهكذا يفعل بها في العدة تسعة أشهر أو أكثر.

وقيل: الضرار سوء العشرة.

وقيل: تضييق النفقة وكانوا يفعلون في الجاهلية أكثر هذه الأفعال رجاء أن تختلع المرأة منه بماله.

ومعنى قوله ﴿ لتعتدوا ﴾ أي لا تضاروهن ليكون عاقبة أمركم الاعتداء كقوله ﴿ فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً  ﴾ أو لا تضاروهن على قصد الاعتداء عليهن فتكونون متعمدين لتلك المعصية.

وقيل: لتلجؤهن إلى الافتداء ﴿ ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ﴾ بتعريضها لعقاب الله، أو بتفويته عليها منافع الدنيا والدين.

أما الدنيا فلأنه إذا اشتهر بتلك المعاملة لم يرغب في التزويج منه ولا في معاملته أحد، وأما منافع الدين فالثواب الحاصل على حسن العشرة مع الأهل وعلى الانقياد لأحكام الله  وتكاليفه ﴿ ولا تتخذوا آيات الله هزواً ﴾ فمن أقربائه يجب طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصلت إليه هذه التكاليف المذكورة في أبواب العدة والرجعة والخلع وترك المضارة ولم يتشمر لأدائها كان كالمستهزئ بها.

أو المراد لا تتهاونوا بتكاليف الله كما يتهاون بما يكون من باب الهزء والعبث.

وعن أبي الدرداء: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويعتق ويتزوج ويقول: كنت لاعباً.

فنزلت فقرأها رسول الله  وقال: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة" وروي "الطلاق والعناق والنكاح" وعن عطاء: المعنى أن المستغفر من الذنب إذا كان مصراً عليه أو على مثله كان كالمستهزئ بآيات الله.

ثم إنه  لما رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد رغبهم أيضاً في أدائها بأن ذكرهم أقسام نعمه عليهم.

فبدأ أولاً بذكرها على الإجمال فقال: ﴿ واذكروا نعمة الله عليكم ﴾ وهذا يتناول كل نعمة لله على العبد في الدنيا والدين وقيل: المراد بها الإسلام ونبوة محمد  ، ثم خصص نعم الدين بالذكر لشرفها فقال: ﴿ وما أنزل عليكم ﴾ عطفاً على النعمة ﴿ من الكتاب والحكمة ﴾ من القرآن والسنة وذكرها مقابلتها بالشكر والقيام بحقها ﴿ يعظكم به ﴾ في محل النصب حالاً مما أنزل أو من فاعل "أنزل".

ويحتمل أن يكون ﴿ ما أنزل ﴾ الصلة والموصول مبتدأ، وقوله ﴿ يعظكم به ﴾ خبراً ﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ واعلموا أن الله بكل شيءٍ عليم ﴾ فيه وعد ووعيد وترغيب وترهيب الثاني: وهو حكم المرأة المطلقة بعد انقضاء العدة قوله عز من قائل ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن ﴾ بلوغ الأجل ههنا على الحقيقة.

عن الشافعي: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ لا تحبسوهن ولا تضيقوا عليهن.

وأصل العضل الضيق ومنه عضلت الدجاجة، إذا نشب بيضها فلم يخرج، وعضلت الأرض بالجيش إذا ضاقت بهم لكثرتهم، وأعضل الدواء الأطباء إذا أعياهم، والعضلة اللحمة المتجمعة المكتنزة في عصبة.

والخطاب للأزواج الذين يمنعون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلماً وقسراً ولحمية الجاهلية من أن ينكحن أزواجهن الذين يرغبن فيهم ويصلحون لهن إذا تراضوا - اي الرجال والنساء - تراضياً واقعاً بينهم بالمعروف بما يحسن في الدين والمروءة من الشرائط كالعقد الحلال والمهر الجائز والشهود والعدول.

وقيل: بمهر المثل وفرعوا عليه مسألة فقهية توافق مذهب أبي حنيفة وهي: أنها إذا زوجت نفسها بأقل من مهر مثلها فالنكاح صحيح لكن للولي أن يعترض عليها بسبب النقصان عن المهر دفعاً للشين عن الأولياء ولأن نساء العشيرة يتضررن بذلك فقد يعتبر مهورهن بمهرها.

وزعم كثير من المفسرين أن الخطاب في قوله ﴿ فلا تعضلوهن ﴾ للأولياء لما روى البخاري في صحيحه أن معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تخطب إلي وأمنعها من الناس.

فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فاصطحبا ما شاء الله ثم طلقها طلاقاً له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها.

فلما خطبت إلي أتاني يخطبها مع الخطاب فقلت له: خطبت إلي فمنعتها الناس وآثرتك بها وزوجتك ثم طلقتها طلاقاً لك رجعة، ثم تركتها حتى انقضت عدتها، فلما خطبت إلي أتيتني تخطبها مع الخطاب، والله لا أنكحتهكها أبداً.

قال: ففيَّ نزلت هذه الآية فكفرت عن يميني وأنكحتها إياه.

وعن مجاهد والسدي أن جابر بن عبد الله كانت له بنت عم فطلقها زوجها وأراد رجعتها بعد العدة فأبى جابر فنزلت.

وأجيب بأن رعاية نظم كلام الله أولى من محافظة خبر الواحد، ولا يخفى تفكك النظم لو قيل: "وإذا طلقتم النساء أيها الأزواج فلا تعضلوهن أيها الأولياء" لأنه لا يبقى بين الشرط والجزاء مناسبة، قالوا: ليس بعد انقضاء العدة قدرة للزوج على عضل المرأة.

والجواب أنه قد يقدر على الظلم وقد يجعد الطلاق أو يدعي أنه كان راجعها في العدة، أو يدس إلى من يخطبها بالوعيد والتهديد، أو ينسبها إلى أمور تنفر الناس عنها.

قالوا: ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ يدل على أن الأولياء كانوا يمنعونهن من العود إلى أولئك الذين كانوا أزواجاً لهن.

والجواب أن العرب قد تسمي الشيء بما يؤل إليه.

فالمراد من يردن أن يتزوّجنهم فيكونوا أزواجاً لهن.

وقيل: الوجه أن يكون خطاباً للناس أي لا يوجد فيما بينكم عضل، لأنه إذا وجد بينهم وهم راضون كانوا في حكم العاضلين.

ثم إن الشافعي تمسك بالآية في أن النكاح لا يجوز إلا بولي، لأنه لو جاز للمرأة أن تزوج نفسها أو توكل من يزوجها لما كان الولي قادراً على عضلها من النكاح، وهذا مبني على أن الخطاب في ﴿ لا تعضلوهن ﴾ للأولياء وفيه ما فيه.

ولو سلم فلم يجوز أن يكون الاستبداد الشرعي حاصلاً لهن، ولكن يمنعها الولي من بعض الجهات التي قلنا في الزوج.

وأيضاً فثبوت العضل في حق الولي ممتنع لأنه مهما عضل انعزل، وإذا انعزل لا يبقى لعضله أثر.

وتمسك أبو حنيفة بقوله  ﴿ أن ينكحن أزواجهن ﴾ على أن النكاح بغير ولي جائز، وذلك أنه  اضاف النكاح إليها إضافة الفعل إلى فاعله والتصرف إلى مباشره، ونهى الولي عن منعها من ذلك.

ولو كان ذلك التصرف فاسداً لما نهى الولي عن منعها منه، ويتأكد هذا النص بقوله ﴿ حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وأجيب بأن الفعل كما يضاف إلى المباشر فقد يضاف أيضاً إلى المتسبب مثل "بنى الأمير داراً" وإنما ذهبنا إلى هذا وإن كان مجازاً لدلالة الحديث على بطلان هذا النكاح هذا.

وأما قوله ﴿ ذلك يوعظ به ﴾ فالخطاب فيه إما للرسول أو لكل أحد على الانفراد كما أن الخطاب في قوله في سورة الطلاق ﴿ ذلكم يوعظ به من كان  ﴾ للمكلفين مجموعين.

وقوله ﴿ من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ تخصيص لهم بالوعظ لأنهم هم المنتفعون بذلك.

ومن استدل بهذا على أن الكفار ليسوا مخاطبين بفروع الشريعة يكذبه التكاليف العامة كقوله ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ وأيضاً لا يلزم من تخصيص العظة بالمؤمنين تخصيص التكليف بهم ﴿ ذلكم أزكى لكم ﴾ أي أنمى وهو إشارة إلى استحقاق الثواب الدائم، وأطهر أي من أدناس الآثام ﴿ والله يعلم وأنتم لا تعلمون ﴾ لأن علمه  فعلي كامل وعلمنا انفعالي ناقص.

فقد تخفى المصلحة والعاقبة علينا، أو تشتبه المصلحة بالمفسدة فلا صلاح للمكلف إلا في طاعة علام الغيوب ليحوز سعادة الدارين والله ولي التوفيق.

التأويل: إنه  من كمال الكرم والاصطناع إذا صدر من العبد أمارات النشوز والانقطاع أمهله إلى انقضاء عدة الجفاء، فلعله يعود إلى إقامة شرائط الوفاء، وتتحرك داعية في صميم قلبه من نتائج محبة ربه، إذ لم يكن له أن يكتم ما خلق الله في رحم قلبه من المحبة.

وإن ابتلاه الله بمحنة الفرقة فيقرع بأصبع الندامة باب التوبة، ويقوم على قدم الغرامة في طلب الرجعة والأوبة فيقال له من غاية الفضل والنوال: يا قارع الباب دع نفسك وتعال، من طلب منا فلاحاً فليلزم عتبتنا مساء وصباحاً.

﴿ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحاً ولهن مثل الذي عليهن ﴾ أي للعباد حق في ذمة الربوبية كما أن الله تعالى حقاً في ذمة عباده، فإذا تقرب العبد إليه شبراً فالله أحق برعاية الحق فيقرب إليه ذراعاً.

والفضل له على الإطلاق لا بدرجة بل بدرجات غير متناهية ﴿ والله عزيز ﴾ أعز من أن يراعي العباد مع عجزهم كمال حقوقه ﴿ حكيم ﴾ لا تقتضي حكمته أن يطالبهم بما ليس في وسعهم بل يقبل منهم القليل ويوفيهم الثواب الجزيل ﴿ الطلاق مرتان ﴾ يعني أن أهل الصحبة لا يفارقون بجريمة ولا جريمتين كما في قصة موسى والخضر.

ثم في الثالثة إن سلكوا سبيل الهجران فلا يحل للإخوان أن يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقاً مثله، فإن ندم بعد ذلك عن أفعاله وسام ذلك الصديق وأمثاله ورجع إلى صحبة أشكاله ﴿ فلا جناح ﴾ في التراجع ﴿ إن ظنا ﴾ فيه خيراً ولا يجوز لأحد من الإخوان أن يعضله من صحبة الأقران.

وفيه أن الله  يتجاوز عن زلات العبد مرة بعد أخرى، فإذا أصر العبد ابتلاه بالخذلان وجعله قرين الشيطان كما قال: ﴿ ومن يعش عن ذكر الرحمن  ﴾ فإن طلق قرين الشيطان ورجع إلى باب الرحمن تداركه بالغفران والرضوان.

وأما قوله ﴿ ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً ﴾ فإشارة إلى أنه ليس لأهل الصحبة - وإن اتفقت المفارقة - أن يستردوا خواطرهم عن الرفقاء بالكلية، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه إلا أن يؤدي إلى مداهنة وإهمال حق من حقوق الدين ﴿ فلا جناح عليهما فيها افتدت به ﴾ كأن لم يكن بينهما صحبة ﴿ فإن الله سميع ﴾ بمقالتهم ﴿ عليم ﴾ بحالهم والله ولي التوفيق.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾ .

وقال عز وجل: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ ، ذكر في الآية الأولى (الإمساك)، والإمساك المعروف: هو إمساكها على ما كان من الملك.

وذكر في الآية الأخيرة (الرد)، والرد لا يكون إلا بعد الخروج من الملك.

هذا هو الظاهر في الآية.

لكن بعض أهل العلم يقولون: إنه يمسكها على الملك الأول ويردها من الحرمة إلى الحل؛ لأن من مذهبهم: أن الطلاق يوجب الحرمة، ولا يخرجها من ملكه.

وهذا جائز أن يحرم المرأة على زوجها وهي بعد في ملكه.

فإذا كان كذلك فأمر بالإمساك على الملك الأول وبالرد من الحرمة إلى الحل.

وهو قول أهل المدينة أي يردها من العدة إلى ما لا عدة، ويمسكها بلا عدة.

وأما عندنا: فهو واحد بحدث الإمساك، دليله قوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ ﴾ ، ولو لم يكن الإمساك سوى القصد إليه، لكان لم يكن بالقصد إليها مضرّاً.

وهو فيما أمر بالإمساك بالمعروف فيه وجهان: أحدهما: هو أن يمسكها على ما كان يمسكها من قبل من مراعاة الحقوق ومحافظة الحدود.

ويحتمل ما قيل: ألا تطول عليها العدة، على ما ذكر في القصة من تطويل العدة عليها، وفيه نزلت الآية.

وفيه دلالة أن الزوج يملك جعل الطلاق بائناً بعدما وقع رجعيّاً؛ لأنه يصير بائناً بتركه المراجعة؛ فعلى ذلك يملك إلحاق الصفة من بعد وقوعه، فيصير بائناً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله  -: الأصل عندنا في المناهي: أنها لا تدل على فساد الفعل ولا تستدل بالنهي على الفساد، كقوله  : ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ ، على ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ ﴾ ، أنه يصير ممسكاً لها وإن كان فيه ضراراً لها، وهكذا هذا في كل ما يشبه هذا من قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً  ﴾ ، أنه إذن بالفعل في حال فهو وإن أوجب نهياً في الفعل، فذلك لا يدل على الفساد في حال أخرى.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَتَّخِذُوۤاْ آيَاتِ ٱللَّهِ هُزُواً ﴾ .

معناه - والله أعلم - أي لا تعملوا بآيات الله عمل من يخرج فعله بها مخرج فعل الهازئ؛ لأنه مقعول أن أهل الإيمان والتوحيد لا يتخذون آيات الله هزواً، ولا يقصدون إلى ذلك.

وقيل: إنهم في الجاهلية كانوا يلعبون بالطلاق والعتاق، ويمسكونهم بعد الطلاق والعتاق على ما كانوا يمسكون قبل الطلاق وقبل العتاق، فنهوا عن ذلك بعد الإسلام والتوحيد.

ثم اختلف في ﴿ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ : قيل: حجج الله.

وقيل: أحكام الله.

وقيل: دين الله.

ويحتمل: ﴿ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ ، الآيات المعروفة.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ﴾ ، يحتمل وجوهاً: يحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ﴾ ههنا محمداً  ، وهو من أعظم النعم.

ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ﴾ ، الإسلام وشرائعه.

ويحتمل: ﴿ نِعْمَتَ ﴾ ، هي التي أنعمها على خلقه جملة.

النعمة على ثلاثة أوجه: النعمة بالإسلام، تقتضي منه المحافظة.

والنعمة الخاصة، تقتضي الشكر.

والنعم العامة جملة، تقتضي منه التوحيد.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، وهو القرآن.

ففيه دلالة أن ﴿ ٱلْكِتَابِ ﴾ ، هو منزل، ليس كما يقول القرامطة؛ لأنهم يقولون: بأن محمداً  ألف القرآن، وإنما كان يوحى إليه كما يتوهم الرجل شيئاً فيجعله كلاماً.

وقوله: ﴿ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، اختلف فيه: قيل: ﴿ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، الفقه.

وقيل: ﴿ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، الحلال والحرام.

وقيل: ﴿ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، المواعظ.

وقيل: ﴿ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، هي الإصابة: إصابة موضع كل شيء منه.

وقيل: ﴿ وَٱلْحِكْمَةِ ﴾ ، القرآن، وهو من الإحكام والإتقان، كأنه قال - عز وجل -: "اذكروا ما أعطاكم من الفقه والإصابة والكتاب المحكم والمتقن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه".

وقوله: ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ ، يعني بالقرآن.

وفي قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ، تخويف وتحذير، ليعلموا أن كل شيء في علمه، وأنه لا يعزب عنه شيء في علمه.

وبالله العصمة.

وقوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .

اختلف في تأويله: قال قائلون: فيه دليل فساد النكاح دون الأولياء، واحتجوا بأن قالوا: قال الله  : ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ ، ولا ينهى عن القول من غير أن يعمل، إذ القول فيما لا يعمل غير ضار لعضلها به؛ فثبت أنه عامل، وأن له فيه حقّاً إلى أن نهوا، ثبت أن قوله: "لا تعضل"، منع؛ إذ لو لم يجعل منعاً لم يكن ضارّاً به.

وقال آخرون: فيه دليل جواز نكاحهن دون الأولياء؛ لأنه  قال: ﴿ أَن يَنكِحْنَ ﴾ ، واستدلوا: بأن النكاح على وجود العضل يجوز، ولو كان العضل سبب المنع في الجواز لم يحتمل جوازه إذا فات.

وفيه أن العضل إذا لم يكن، جاز للنساء تولي النكاح.

واحتجوا أيضاً بما أضاف النكاح إليهن بقوله: ﴿ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ  ﴾ ، وأضاف الإنكاح إلى الأولياء على إرادة إدخال الصغار، والثاني على وجوب الحق لهن عليهم، لا أن يجب لهم عليهن.

ثم الأصل: بأن كل نكاح أريد بالذكر الصغار وأضيف الإنكاح إلى الأولياء؛ كقوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ  ﴾ ، ﴿ وَلاَ تُنْكِحُواْ ٱلْمُشِرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُواْ  ﴾ ، مع ما احتمل دخول البالغين في هذا، دليله قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا ٱفْتَدَتْ بِهِ ﴾ ، والفدية لا تصح من الصغار، وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ ﴾ ، والصغار لا يخاطبن بإقامة حدود الله، وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾ ، وإن كان متأخراً في الذكر.

بهذا قيل إن وقوع الإنكاح بالإضافة في الصغار إلى الأولياء، وفي الكبار إليهن، ثم ذكر الكفاءة والمهر، وجرى إضافته إلى الأولياء، لذلك كان لهم التعرض في فسخه.

ثم قوله: ﴿ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، رجع ذلك إلى المهر؛ لأن (التراضي) فعل اثنين، والمهر يتعرف بهما؛ لأن القصة في امرأة بعينها وكانت ظهرت كفاءة زوجها لها، وقال في الكفاءة: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ  ﴾ ، ووجود الكفاءة إنما تكون من إحدى الجانبين، فذكر ذلك مضافاً إلى الأولياء، لم يجز دونهم.

والأصل في مسألة النكاح: أن الحق في النكاح لها على الولي، لا للولي عليها، دليله: ما يزوج على الولي إذا عدم ويجوز عليه إذا وجد، وزوج عليه إذا أبى، وهي لا تجبر بإرادة الولي إذا أبت؛ فبان أن الحق لها قبله، ومن ترك حق نفسه في عقد له قبل آخر لم يوجب ذلك فساده.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ، فيه دليل على أن النهي عن العضل إنما كان في الأوزاج كانوا لهن، دليله قوله: ﴿ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ ، ولا يسمى (الأزواج) إلا بعد النكاح، ويدل أيضاً قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ ﴾ ، ذكر (الطلاق) فدل أنه كان في أزواج كان لهن.

ويحتمل: أن يكون في الابتداء من غير أن كان ثم نكاح، وجائز تسمية الشيء باسم ما يئول الأمر إليه لقرب حالهن بهم.

وأما أهل التفسير بأجمعهم قالوا: إن الآية نزلت في أخت مقعل بن يسار المزني، أن زوجها قد طلقها وانقضت عدتها، ثم أراد الزوج أن يتزوجها ثانية وتهوي المرأة ذلك، فيقول الولي: لا أزوجها إياه؛ فنزل قوله  : ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بِٱلْمَعْرُوفِ ﴾ ، وهو يحتمل المعنى الذي ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

قيل: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ ، أي ينهاكم به، كقوله: ﴿ يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً  ﴾ ، أي: ينهاكم.

وقيل: ﴿ يُوعَظُ بِهِ ﴾ ، أي: يؤمر به.

وقوله: ﴿ ذٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ .

قيل: إذا وضعن أنفسهن حيث هوين فذلك أزكى وأطهر لكم من العضل من ذلك؛ ولعل العضل يحملهن على الفساد والريبة.

وقيل: المراجعة خير لكم من الفرقة، وأطهر لقلوبكم من الريبة.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أي: الله يعلم من حب كل واحد منهما صاحبه، وأنتم لا تعلمون ذلك.

ويحتمل: ﴿ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ فيما صلاحكم، ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا طلقتم نساءكم أقل من ثلاث طلقات، وانتهت عدتهن، فلا تمنعوهن -أيها الأولياء- حينئذ من العودة إلى أزواجهن بعقد ونكاح جديد إذا رغبن في ذلك، وتراضين مع أزواجهن عليه، ذلك الحكم المتضمن النهي عن منعهن يُذكَّر به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر، ذلكم أكثر نماء للخير فيكم، وأشد طُهْرًا لأعراضكم وأعمالكم من الأدناس، والله يعلم حقائق الأمور وعواقبها وأنتم لا تعلمون ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.dd2g6"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ  ﴾ الأجل آخر المدة المضروبة والمراد به انقضاء العدة لا قربها كما في الآية التي قبلها.

قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين ذلك أن الإمساك بمعروف والتسريح بمعروف في الآية السابقة لا يتأتى بعد انقضاء العدة، لأن انقضاءها إمضاء للتسريح، لا محل معه للتخيير، وإنما التخيير يستمر إلى قرب انقضائها، والنهي عن العضل في هذه الآية يقتضي أن المراد ببلوغ الأجل انقضاؤه إذ لا محل للعضل قبله لبقاء العصمة ﴿ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ  ﴾ حكم جديد غير الأحكام السابقة هو تحريم العضل أي منع المرأة من الزواج وقد كان من عادات الجاهلية أن يتحكم الرجال في تزويج النساء إذ لم يكن يزوج المرأة إلا وليها، فقد يزوجها بمن تكره ويمنعها ممن تحب لمحض الهوى.

وقال المفسرون إن الرجال المطلقين كانوا يفعلون ذلك: يتحكم الرجل بمطلقته فيمنعها أن تتزوج أنفة وكبرًا أن يرى امرأته تحت غيره، فكان يصد عنها الأزواج بضروب من الصد والمنع، كما كان يراجعها في آخر العدة لأجل العضل، وقد أثبت الإسلام الولاية للأقربين وحرم العضل وهو المنع من الزواج، وأن يزوج الولي المرأة بدون إذنها، فجمع بين المصلحتين.

وقد اختلف المفسرون في الخطاب هنا، فقيل هو للأزواج أي لا تعضلوا مطلقاتكم أيها الأزواج بعد انقضاء العدة أن ينكحن أزواجهن، واضطر أصحاب هذا القول إلى جعل الأزواج بمعنى الرجال الذين سيكونون أزواجًا.

وقيل هو للأزواج والأولياء على التوزيع، وقالوا لا بأس بالتفكيك في الضمائر لظهور المراد وعدم الاشتباه، وقيل للأولياء واستدلوا بما ورد في سبب نزول الآية في الصحيح.

أخرج البخاري وأصحاب السنن وغيرهم بأسانيد شتى من حديث معقل بن يسار قال كان لي أُخت فأتاني ابن عم لي فأنكحتها إياه فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة ولم يراجعها حتى انقضت العدة فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقلت له يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها فطلقتها ثم جئت تخطبها؟

والله لا ترجع إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها فأنزل الله هذه الآية قال: "فَفِيَّ نزلت، فَكَفّرْت عن يميني وأنكحتها إياه".

وفي لفظ فلما سمعها معقل قال: سمعًا لربي وطاعة، ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك، وذلك أن النبي  دعاه فتلا عليه الآية -ومن هنا تعرف خطأ من قال إن إسناد النكاح إلى النساء هنا يفيد أنهن هن اللواتي يعقدن النكاح، فإن هذا الإسناد يطلق في القديم والحديث على من زوجها وليها.

كانوا يقولون: نكحت فلانة فلانًا كما يقولون حتى الآن تزوجت فلانة بفلان، وإنما يكون العاقد وليها.

و تكن أُخت معقل حاولت أن تعقد على زوجها فمنعها وإنما طلبها الزوج منه فامتنع أن ينكحه إياها فصدق عليه أنه منعها أن تنكح زوجها، ونزلت فيه الآية وفهمها النبي  والصحابة وغيرهم من العرب كالإمام الشافعي بهذا المعنى.

وفي الخطاب وجه ثالث رجحه الزمخشري وهو أنه للأمة لأنها متكافلة في المصالح العامة على حسب الشريعة، كأنه يقول يا أيها الذين آمنوا إذا وقع منكم تطليق للنساء وانقضت عدتهن وأراد أزواجهن أو غيرهم أن ينكحوهن وأردن هن ذلك فلا تعضلوهن أن ينكحن أي لا تمنعوهن من الزواج.

وعلى هذا الوجه يأخذ كل واحد حظه من الخطاب للمجموع، وتقدم لهذا الخطاب نظائر وما خطاب بني اسرائيل في عصر التنزيل بما كان من آبائهم في زمن موسى وما بعده مسندًا إليهم.

والحكمة في هذا الخطاب العام هنا أن يعلم المسلمون أنه يجب على من علم منهم بوقوع المنكر من أولياء النساء أو غيرهم أن ينهوه عن ذلك حتى يفيء إلى أمر الله، وأنهم إذا سكتوا على المنكر ورضوا به يأثمون.

والسر في تكافل الأمة أن الأفراد إذا وكلوا إلى أنفسهم فكثيرًا ما يرجحون أهواءهم وشهواتهم على الحق والمصلحة، ثم يقتدي بعضهم ببعض مع عدم النكير، فيكثر الشر والمنكر في الأمة فتهلك، ففي التكافل والتعاون على إزالة المنكر دفاع عن الأمة، ولكل مكلف حق في ذلك، لأن البلاء إذا وقع فإنه يصيبه سهم منه.

قال تعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ  كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ .

ثم قال ﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ  ﴾ أي إذ تراضى مريدو التزوج من الرجال والنساء، بأن رضي كل من الرجل والمرأة بالآخر زوجًا.

وقوله ﴿ بَيْنَهُمْ  ﴾ يشعر بأن لا نكر في أن يخطب الرجل المرأة إلى نفسها ويتفق معها على التزوج بها ويحرم حينئذ عضلها أي امتناع الولي أن يزوجها منه إذا كان ذلك التراضي في الخطبة بالمعروف شرعًا وعادة، بأن لا يكون هناك محرم ولا شيء يخل بالمروءة ويلحق العار بالمرأة وأهلها، وقد استدل الفقهاء بهذا على أن العضل من غير الكفء غير محرم كأن تريد الشريفة في قومها أن تتزوج برجل خسيس يلحقها منه الغضاضة، ويمس ما لقومها من الشرف والكرامة، فينبغي أن تصرف عنه بالوعظ والنصيحة.

ويجوز بعض الفقهاء العضل إذا كان المهر دون مهر المثل.

وعندي أنه إذا أرادت المرأة أن تتزوج بأقل من مهر مثلها، ولم يكن الحامل على ذلك فساد الأخلاق المسقط للكرامة أو اتباع الهوى وإرضاء الشهوة بل كان ميلًا إلى رجل مستقيم يرجى منه حسن العشرة وصلاح المعيشة إلا أنه يعسر عليه دفع مهر كثير مع نفقات الزواج الأخرى، فلا يجوز حينئذ العضل بل يجب تزويجه.

﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ  ﴾ الوعظ النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل.

أي ذلك الذي تقدم من الأحكام والحدود المقرونة بالحكم والترغيب والترهيب يوعظ به أهل الإيمان بالله والجزاء على الأعمال في الآخرة فإن هؤلاء هم الذين يتقبلونه ويتعظون به فتخشع له قلوبهم، ويتحرون العمل به قبولًا لتأديب ربهم، وطلبًا للانتفاع به في الدنيا، ورجاء في مثوبته ورضوانه في الأخرى.

وأما الذين لا يؤمنون حق الإيمان كالمعطلين والمقلدين الذين يقولون آمنا بأفواههم لأنهم سمعوا قومهم يقولون ذلك ولم تؤمن قلوبهم لأنهم لم يتلقوا أصول الإيمان بالبرهان، الذي يملك من القلب مواقع التأثير ومسالك الوجدان، فإن وعظهم به عبث لا ينفع، وقول لا يسمع، لأنهم يتبعون في معاملة النساء أهواءهم، ويقلدون ما وجدوا عليه آباءهم وعشراءهم.

والآية تدل على أن الإيمان الصحيح يقتضي العمل وقد غفل عن هذا الأكثرون، وقرره الأئمة المحققون، كأنه يقول من كان مؤمنًا فلا شك أنه يتعظ بهذا.

يشير إلى أن من لم يتعظ ويعمل بها فليس بمؤمن.

وتدل على أن أحكام الدين حتى المعاملات منها ينبغي أن تساق إلى الناس مساق الوعظ المحرك للقلوب، لا أن تسرد سردًا جافًا كما ترى في كتب الفقه.

﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ  ﴾ الزكاء النماء والبركة في الشيء، والمشار إليه في ﴿ ذَلِكُمْ  ﴾ هو النهي عن عضل النساء بقيده وشرطه، والمراد أنه مزيد في نماء متبعيه وصلاح حالهم ما بعده مزيد يفضله، وأنه أطهر لأعراضهم وأنسابهم، وأحفظ لشرفهم وأحسابهم، لأن عضل النساء والتضييق عليهن مدعاة لفسوقهن، ومفسدة لأخلاقهن، وسبب لفساد نظام البيوت وشقاء الذراري، مثل في نفسك حال امرأة كأخت معقل بن يسار تزوجت برجل عرفها وعرفته، فأحبها وأحبته، ثم غضب مرة وطلقها، وبعد انقضاء العدة ندم على ما فعل، وأحب أن يعود إلى امرأته التي تحبه، واعتادت الأنس به والسكون إليه، فعضلها وليها اتباعًا لهواه، واعتزازًا بسلطته، ألا يكون ذلك مضيعة لولدهما ومغواة لهما؟

ومثل أيضًا وليًا يمنع موليته من الزواج بمن تحب ويزوجها بمن تكره اتباعًا لهواه أو عادة قومه، كما كانت العرب تفعل، وانظر أترجو أن يصلح حالهما، ويقيما حدود الله بينهما؟

أم يخشى أن يغويها الشيطان بالآخر ويغويه بها، ويستدرجها في الغواية فلا يقفان إلا عند نهاية حدودها؟

وهكذا مثل كل مخالفة لهذه الأحكام تجدها مفسدة.

وقد كان الناس لجهلهم بوجوه المصالح الاجتماعية على كمالها، لا يرون للنساء شأنًا في صلاح حياتهم الاجتماعية وفسادها، حتى علمهم الوحي ذلك، ولكن الناس لا يأخذون من الوحي في كل زمان إلا بقدر استعدادهم، وإن ما جاء به القرآن من الأحكام لإصلاح حال البيوت بحسن معاملة النساء لم تعمل به الأمة على وجه الكمال، بل نسيت معظمه في هذا الزمان، وعادت إلى جهالة الجاهلية.

ولهذا الجهل السابق ولتوهم الذين يسيئون معاملة النساء من الرجال أنهم يفعلون ما هو مصلحة لهم ومحافظة على شرفهم، ختم هذه المواعظ والأحكام والحكم بقوله ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي يعلم سبحانه ما لكم في ذلك من الزكاء والطهر وسائر المصالح ودفع المفاسد وأنتم لا تعلمون ذلك كله علمًا صحيحًا خاليًا من الأهواء والأوهام، واعتزاز الرجال بقدرتهم على التحكم في النساء، ولذلك ذكركم في إثر النهي عن عضل النساء عن الزواج بهذه الثلاث (١) أنها موعظة يتعظ بها من يؤمن بالله واليوم الأخر.

(٢) أنها أزكى لكم وأطهر لأعراضكم.

(٣) أن الله يعلم كل ذلك كغيره وأنتم لا تعلمون.

وهذه آيات علمه ظاهرة، فإن البشر من جميع الأمم، لا من العرب وحدهم، لم يهتدوا إلى هذه الأحكام المنزلة في هذه السورة النافعة باختبارهم الطويل، بل عزبت حكمتها عن نفوس الأكثرين بعد أن نزل الوحي بها فلم يعملوا بها، وكان يجب على المؤمن الذكي أن يقيمها على وجهها ملاحظًا فوائدها، وعلى المؤمن الغبي أن يسلم أمر ربه بها تسليمًا وإن لم تظهر له فائدتها في الدنيا اكتفاء بأن الله تعالى يعلم من ذلك ما لا يعلم هو.

والذين يجهلون هذه المزية لهداية الدين من غير أهله يفضلون هداية الحكمة البشرية عليها بأن متبعها يترك الشر لأنه شر ضار، ويفعل الخير لأنه خير نافع، وأن متبع الدين يفعل ما لا يعقل له فائدة.

وهذا غلط أو مغالطة، فإن الدين قد جاء بالحكمة مؤيدة للكتاب كما قال: ﴿ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  ﴾ فمن جمع بين الكتاب والحكمة فهو المؤمن الكامل، ومن عجز عن فهم حكمة الأحكام والآداب فيه من عامي وبليد أو حديث عهد بالإسلام لم يفته وقد هدي إلى الإيمان أن يترك الشر ويفعل الخير لأن الذي نهاه عن الأول وأمره بالثاني هو الله، وهو أعلم منه ومن كل حكماء خلقه.

ومن دقائق البلاغة في الآية اختلاف الخطاب بالإشارة فإنه لما جعل الوعظ بما ذكر من الأحكام والحكم خاصًا بمن يؤمن بالله واليوم الآخر وجه الخطاب به إلى النبي  بقوله ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ  ﴾ إلخ وأما كونه أزكى وأطهر فقد جعله عامًا وخاطب به الناس كافةً بقوله ﴿ ذَلِكُمْ  ﴾ إلخ وقد تقدم توجيه الأول وأما توجيه الثاني فهو أن كل من عمل بهذه الأحكام فإنها تكون زكاء له وبركة في بيته وذريته وطهرًا لعرضه وشرفه، سواء أوعظ بتلك الآيات فاتعظ لإيمانه أم عمل بها لسبب آخر بأن بلغته غفلًا من الموعظة غير مسندة إلى الوحي أو قلد بها بعض العاملين، وكون الخطاب بقوله ﴿ ذَلِكَ  ﴾ للنبي  هو أحد الوجوه التي ذكروها فيه، قال البيضاوي في توجيهه إنه على طريقة قوله: ﴿ يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ  ﴾ للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد: وقيل الخطاب للجمع على تأويل القبيل وقيل كل أحد، وقيل لمجرد الخطاب والفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين ذكر ذلك كله في البيضاوي.

وسئل الفخر الرازي: لم وحد الكاف في قوله تعالى ﴿ ذَلِكَ  ﴾ مع أنه يخاطب جماعة؟

وأجاب بأن هذا جائز، والتثنية أيضًا جائزة، والقرآن نزل باللغتين جميعًا قال تعالى: ﴿ ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي  ﴾ وقال: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ  ﴾ إلخ ما أورد.

وهو جواب مبهم موهم، فإن التثنية هنا واردة في خطاب الاثنين، والجمع المؤنث وارد في خطاب النسوة اللاتي قطعن أيديهن فلا يصح شيء مما ذكره في هذا المقام.

والمعروف في الاستعمال، ولَعله مراده، أن الكاف المفردة تستعمل في كل خطاب سواء كان المخاطب مفردًا أو مثنى أو جمعًا وهي لغة بعض العرب، فإذا تحول المتكلم عنها وجب أن يكون كلامه على حسب المخاطبين.

تقول للرجل "ذلك" بفتح الكاف وبكسره للمرة وذلكما للاثنين مطلقًا وذلكم للذكور وذلكن للإناث وهي لغة قريش.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل