الآية ٢٣٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٣٩ من سورة البقرة

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًۭا ۖ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا۟ تَعْلَمُونَ ٢٣٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٣٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٣٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) لما أمر تعالى عباده بالمحافظة على الصلوات ، والقيام بحدودها ، وشدد الأمر بتأكيدها ذكر الحال التي يشتغل الشخص فيها عن أدائها على الوجه الأكمل ، وهي حال القتال والتحام الحرب فقال : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) أي : فصلوا على أي حال كان ، رجالا أو ركبانا : يعني : مستقبلي القبلة وغير مستقبليها كما قال مالك ، عن نافع : أن ابن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها .

ثم قال : فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا على أقدامهم ، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها .

قال نافع : لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

ورواه البخاري وهذا لفظه ومسلم ورواه البخاري أيضا من وجه آخر عن ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم : نحوه أو قريبا منه ولمسلم أيضا عن ابن عمر قال : فإن كان خوف أشد من ذلك فصل راكبا أو قائما تومئ إيماء .

وفي حديث عبد الله بن أنيس الجهني لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ، إلى خالد بن سفيان الهذلي ليقتله وكان نحو عرفة أو عرفات فلما واجهه حانت صلاة العصر قال : فخشيت أن تفوتني فجعلت أصلي وأنا أومئ إيماء .

الحديث بطوله رواه أحمد وأبو داود بإسناد جيد وهذا من رخص الله التي رخص لعباده ووضعه الآصار والأغلال عنهم .

وقد روى ابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال في هذه الآية : يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه .

قال : وروي عن الحسن ومجاهد ومكحول والسدي والحكم ومالك والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح نحو ذلك وزادوا : يومئ برأسه أينما توجه .

ثم قال : حدثنا أبي ، حدثنا أبو غسان حدثنا داود يعني ابن علية عن مطرف عن عطية عن جابر بن عبد الله قال : إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه [ إيماء ] حيث كان وجهه فذلك قوله : ( فرجالا أو ركبانا ) وروي عن الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وعطية والحكم وحماد وقتادة نحو ذلك .

وقد ذهب الإمام أحمد فيما نص عليه ، إلى أن صلاة الخوف تفعل في بعض الأحيان ركعة واحدة إذا تلاحم الجيشان ، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن جرير من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري زاد مسلم والنسائي : وأيوب بن عائذ كلاهما عن بكير بن الأخنس الكوفي ، عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وبه قال الحسن البصري وقتادة والضحاك وغيرهم .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار حدثنا ابن مهدي عن شعبة قال : سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة ، فقالوا : ركعة .

وهكذا روى الثوري عنهم سواء .

وقال ابن جرير أيضا : حدثني سعيد بن عمرو السكوني حدثنا بقية بن الوليد حدثنا المسعودي حدثنا يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله قال : صلاة الخوف .

ركعة واختار هذا القول ابن جرير .

وقال البخاري : " باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو " وقال الأوزاعي : إن كان تهيأ الفتح ، ولم يقدروا على الصلاة صلوا إيماء كل امرئ لنفسه فإن لم يقدروا على الإيماء أخروا الصلاة حتى ينكشف القتال أو يأمنوا فيصلوا ركعتين ، فإن لم يقدروا صلوا ركعة وسجدتين فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير ويؤخرونها حتى يأمنوا .

وبه قال مكحول وقال أنس بن مالك : حضرت مناهضة حصن تستر عند إضاءة الفجر ، واشتد اشتعال القتال فلم يقدروا على الصلاة فلم نصل إلا بعد ارتفاع النهار فصليناها ونحن مع أبي موسى ففتح لنا .

قال أنس : وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها .

هذا لفظ البخاري ثم استشهد على ذلك بحديث تأخيره ، عليه السلام ، صلاة العصر يوم الخندق بعذر المحاربة إلى غيبوبة الشمس وبقوله عليه السلام ، بعد ذلك لأصحابه لما جهزهم إلى بني قريظة : " لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " ، فمنهم من أدركته الصلاة في الطريق فصلوا وقالوا : لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا تعجيل السير ومنهم من أدركته فلم يصل إلى أن غربت الشمس في بني قريظة فلم يعنف واحدا من الفريقين .

وهذا يدل على اختيار البخاري لهذا القول ، والجمهور على خلافه ويعولون على أن صلاة الخوف على الصفة التي ورد بها القرآن في سورة النساء ووردت بها الأحاديث لم تكن مشروعة في غزوة الخندق ، وإنما شرعت بعد ذلك .

وقد جاء مصرحا بهذا في حديث أبي سعيد وغيره وأما مكحول والأوزاعي والبخاري فيجيبون بأن مشروعية صلاة الخوف بعد ذلك لا تنافي جواز ذلك ; لأن هذا حال نادر خاص فيجوز فيه مثل ما قلنا بدليل صنيع الصحابة زمن عمر في فتح تستر وقد اشتهر ولم ينكر ، والله أعلم .

وقوله : ( فإذا أمنتم فاذكروا الله ) أي : أقيموا صلاتكم كما أمرتم فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها وهجودها ( كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) أي : مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة ، فقابلوه بالشكر والذكر ، كقوله بعد ذكر صلاة الخوف : ( فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) [ النساء : 103 ] وستأتي الأحاديث الواردة في صلاة الخوف وصفاتها في سورة النساء عند قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) الآية [ النساء : 102 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وقوموا لله في صلاتكم مطيعين له= لما قد بيناه من معناه= فإن خفتم من عدو لكم، أيها الناس, تخشونهم على أنفسكم في حال التقائكم معهم أن تصلوا قياما على أرجلكم بالأرض قانتين لله= فصلوا " رجالا "، مشاة على أرجلكم, وأنتم في حربكم وقتالكم وجهاد عدوكم=" أو ركبانا "، على ظهور دوابكم, فإن ذلك يجزيكم حينئذ من القيام منكم، قانتين.

(112) * * * ولما قلنا من أن معنى ذلك كذلك, جاز نصب " الرجال " بالمعنى المحذوف.

وذلك أن العرب تفعل ذلك في الجزاء خاصة، لأن ثانيه شبيه بالمعطوف على أوله.

ويبين ذلك أنهم يقولون: " إن خيرا فخيرا, وإن شرا فشرا ", بمعنى: إن تفعل خيرا تصب خيرا, وإن تفعل شرا تصب شرا, فيعطفون الجواب على الأول لانجزام الثاني بجزم الأول.

فكذلك قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، بمعنى: إن خفتم أن تصلوا قياما بالأرض، فصلوا رجالا.

* * * " والرجال " جمع " راجل " و " رجل "، وأما أهل الحجاز فإنهم يقولون لواحد " الرجال "" رجل ", مسموع منهم: " مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا "، (113) &; 5-238 &; وقد سمع من بعض أحياء العرب في واحدهم " رجلان ", كما قال بعض بني عقيل: عــلى إذا أبصــرت ليـلى بخـلوة أن ازدار بيـت اللـه رجـلان حافيـا (114) فمن قال " رجلان " للذكر, قال للأنثى " رجلى ", وجاز في جمع المذكر والمؤنث فيه أن يقال: " أتى القوم رجالى ورجالى " مثل " كسالى وكسالى ".

* * * وقد حكي عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك: " فإن خفتم فرجالا " مشددة.

وعن بعضهم أنه كان يقرأ: " فرجالا "، (115) وكلتا القراءتين غير جائزة القراءة بها عندنا، لخلافها القراءة الموروثة المستفيضة في أمصار المسلمين.

(116) * * * وأما " الركبان ", فجمع " راكب " , يقال: " هو راكب، وهم ركبان وركب وركبة وركاب وأركب وأركوب ", يقال: " جاءنا أركوب من الناس وأراكيب ".

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5535- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا مغيرة, عن إبراهيم قال: سألته عن قوله: " فرجالا أو ركبانا "، قال: عند المطاردة، يصلى حيث كان وجهه, راكبا أو راجلا ويجعل السجود أخفض من الركوع, ويصلي ركعتين يومئ إيماء.

5536- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا سفيان, &; 5-239 &; عن مغيرة عن إبراهيم في قوله: " فرجالا أو ركبانا " قال: صلاة الضراب ركعتين، يومئ إيماء.

5537- حدثني أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد, عن سفيان, عن مغيرة , عن إبراهيم قوله: " فرجالا أو ركبانا "، قال: يصلي ركعتين حيث كان وجهه، يومئ إيماء.

5538- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا إسرائيل, عن سالم, عن سعيد بن جبير." فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا طردت الخيل فأومئ إيماء.

5539- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن مالك, عن سعيد قال: يومئ إيماء.

5540- حدثنا أحمد قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا هشيم, عن يونس, عن الحسن: " فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا كان عند القتال صلى راكبا أو ماشيا حيث كان وجهه، يومئ إيماء.

5541- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في القتال على الخيل, فإذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا, أو كما قدر على أن يومئ برأسه أو يتكلم بلسانه.

5542- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بنحوه= إلا أنه قال: أو راكبا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضا: أو راكبا, أو ما قدر أن يومئ برأسه= وسائر الحديث مثله.

5543- حدثنا يحيى بن أبي طالب قال، حدثنا يزيد قال، أخبرنا جويبر, &; 5-240 &; عن الضحاك في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا التقوا عند القتال وطلبوا أو طلبوا أو طلبهم سبع, فصلاتهم تكبيرتان إيماء، أي جهة كانت.

5544- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن الضحاك في قوله: " رجالا أو ركبانا "، قال: ذلك عند القتال، (117) يصلي حيث كان وجهه، راكبا أو راجلا إذا كان يطلب أو يطلبه سبع, فليصل ركعة، يومئ إيماء, فإن لم يستطع فليكبر تكبيرتين.

5545- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن الفضل بن دلهم, عن الحسن: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: ركعة وأنت تمشي, وأنت يوضع بك بعيرك ويركض بك فرسك، على أي جهة كان.

(118) 5546- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، أما " رجالا " فعلى أرجلكم، إذا قاتلتم, يصلي الرجل يومئ برأسه أينما توجه, والراكب على دابته يومئ برأسه أينما توجه.

(119) &; 5-241 &; 5547- (120) حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، الآية، أحل الله لك إذا كنت خائفا عند القتال، أن تصلي وأنت راكب، وأنت تسعى, تومئ برأسك من حيث كان وجهك، إن قدرت على ركعتين, وإلا فواحدة.

5548- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن ابن طاوس , عن أبيه: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: ذاك عند المسايفة.

5549- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك, عن معمر, عن الزهري في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: إذا طلب الأعداء فقد حلَّ لهم أن يصلوا قِبَل أي جهة كانوا، رجالا أو ركبانا، يومئون إيماء ركعتين= وقال قتادة: تجزي ركعة.

5550- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: كانوا إذا خشوا العدو صلوا ركعتين، راكبا كان أو راجلا.

5551- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن مغيرة,عن إبراهيم في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو راكبانا "، قال : يصلي الرجل في القتال المكتوبة على دابته وعلى راحلته حيث كان جهه, يومئ إيماء عند كل ركوع وسجود, ولكن السجود أخفض من الركوع.

فهذا حين تأخذ السيوف بعضها بعضا، هذا في المطاردة.

5552- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي قال: كان قتادة يقول: إن استطاع ركعتين وإلا فواحدة، يومئ إيماء, إن شاء راكبا أو راجلا قال الله تعالى ذكره: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ".

&; 5-242 &; 5553- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ بن هشام قال، حدثني أبي, عن قتادة, عن الحسن قال، في الخائف الذي يطلبه العدو, قال: إن استطاع أن يصلي ركعتين , وإلا صلى ركعة.

5554- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا معاذ عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن يونس, عن الحسن قال: ركعة.

5555- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادا وقتادة عن صلاة المسايفة, فقالوا: ركعة .

5556- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا شعبة قال: سألت الحكم وحمادا وقتادة، عن صلاة المسايفة, فقالوا: يومئ إيماء حيث كان وجهه.

5557- حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر, عن حماد والحكم وقتادة: أنهم سئلوا عن الصلاة عند المسايفة, فقالوا: ركعة حيث وجهك.

5558- حدثني أبو السائب قال، حدثنا ابن فضيل, عن أشعث بن سوار قال: سألت ابن سيرين عن صلاة المنهزم فقال: كيف استطاع.

5559- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن سعيد بن يزيد, عن أبي نضرة, عن جابر بن غراب قال: كنا نقاتل القوم وعلينا هرم بن حيان, فحضرت الصلاة فقالوا: الصلاة، الصلاة !

فقال هرم: يسجد الرجل حيث كان وجهه سجدة.

قال: ونحن مستقبلو المشرق.

(121) 5560- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن الجريري, عن أبي &; 5-243 &; نضرة قال: كان هرم بن حيان على جيش، فحضروا العدو فقال: يسجد كل رجل منكم تحت جنته حيث كان وجهه سجدة, أو ما استيسر= فقلت لأبي نضرة : ما " ما استيسر " ؟

قال: يومئ.

(122) 5561- حدثنا سوار بن عبد الله قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا أبو مسلمة, عن أبي نضرة قال، حدثني جابر بن غراب قال: كنا مع هرم بن حيان نقاتل العدو مستقبلي المشرق, فحضرت الصلاة فقالوا: الصلاة!

فقال : يسجد الرجل تحت جنته سجدة.

(123) 5562- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك, عن عبد الملك بن أبي سليمان, عن عطاء في قوله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، قال: تصلي حيث توجهت راكبا وماشيا, وحيث توجهت بك دابتك, تومئ إيماء للمكتوبة.

5563- حدثني سعيد بن عمرو السكوني قال، حدثنا هبة بن الوليد قال، حدثنا المسعودي قال، حدثني يزيد الفقير, عن جابر بن عبد الله قال: صلاة الخوف ركعة.

(124) &; 5-244 &; 5564- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا موسى بن محمد الأنصاري، عن عبد الملك, عن عطاء في هذه الآية قال: إذا كان خائفا صلى على أي حال كان.

(125) .

5565- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك- وسألته عن قول الله: " فرجالا أو ركبانا " - قال: راكبا وماشيا, ولو كانت إنما عنى بها الناس, لم يأت إلا " رجالا " وانقطعت الآية.

(126) إنما هي" رجال ": مشاة، وقرأ: (127) يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ [سورة الحج: 27] قال: يأتون مشاة وركبانا.

* * * قال أبو جعفر: الخوف الذي للمصلي أن يصلي من أجله المكتوبة ماشيا راجلا وراكبا جائلا (128) الخوف على المهجة عند السلة والمسايفة في قتال من أمر &; 5-245 &; بقتاله، (129) من عدو للمسلمين, أو محارب, أو طلب سبع, أو جمل صائل، أو سيل سائل فخاف الغرق فيه.

(130) وكل ما الأغلب من شأنه هلاك المرء منه إن صلى صلاة الأمن، فإنه إذا كان ذلك كذلك, فله أن يصلي صلاة شدة الخوف حيث كان وجهه، يومئ إيماء لعموم كتاب الله: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، ولم يخص الخوف على ذلك على نوع من الأنواع, بعد أن يكون الخوف، صفته ما ذكرت.

* * * وإنما قلنا إن الخوف الذي يجوز للمصلي أن يصلي كذلك، هو الذي الأغلب منه الهلاك بإقامة الصلاة بحدودها, وذلك حال شدة الخوف، لأن: - 5566- محمد بن حميد وسفيان بن وكيع حدثاني قالا حدثنا جرير, عن عبد الله بن نافع, عن أبيه, عن ابن عمر قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف : يقوم الأمير وطائفة من الناس معه فيسجدون سجدة واحدة, ثم تكون طائفة منهم بينهم وبين العدو.

ثم ينصرف الذين سجدوا سجدة مع أميرهم, ثم يكونون مكان الذين لم يصلوا, ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون مع أميرهم سجدة واحدة.

ثم ينصرف أميرهم وقد قضى صلاته، ويصلي بعد صلاته كل واحد من الطائفتين سجدة لنفسه, وإن كان خوف أشد من ذلك " فرجالا أو ركبانا ".

(131) &; 5-246 &; 5567- حدثني سعيد بن يحيى الأموي قال، حدثني أبي قال، حدثنا ابن جريح, عن موسى بن عقبة, عن نافع , عن ابن عمر قال: إذا اختلطوا - يعني في القتال - فإنما هو الذكر, وأشارة بالرأس.

قال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وإن كانوا أكثر من ذلك، فيصلون قياما وركبانا ".

(132) * * * = ففصل النبي بين حكم صلاة الخوف في غير حال المسايفة والمطاردة، وبين حكم صلاة الخوف في حال شدة الخوف والمسايفة, على ما روينا عن ابن عمر.

فكان معلوما بذلك أن قوله تعالى ذكره: " فإن خفتم فرجالا أو ركبانا "، إنما عنى به الخوف الذي وصفنا صفته.

&; 5-247 &; وبنحو الذي روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، روى عن ابن عمر أنه كان يقول: 5568- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية, عن أيوب, عن نافع, عن ابن عمر أنه قال: في صلاة الخوف: يصلى بطائفة من القوم ركعة، وطائفة تحرس.

ثم ينطلق هؤلاء الذين صلى بهم ركعة حتى يقوموا مقام أصحابهم.

ثم يحيي أولئك فيصلي بهم ركعة, ثم يسلم, وتقوم كل طائفة فتصلي ركعة.

قال: فإن كان خوف أشد من ذلك " فرجالا أو ركبانا ".

(133) * * * وأما عدد الركعات في تلك الحال من الصلاة, فإني أحب أن لا يقصر من عددها في حال الأمن.

وإن قصر عن ذلك فصلى ركعة، رأيتها مجزئة, لأن: - 5569- بشر بن معاذ حدثني قال، حدثنا أبو عوانة, عن بكر بن الأخنس, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا, وفي السفر ركعتين, وفي الخوف ركعة.

(134) * * * &; 5-248 &; القول في تأويل قوله : فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) قال أبو جعفر: وتأويل ذلك : " فإذا أمنتم "، أيها المؤمنون، من عدوكم أن يقدر على قتلكم في حال اشتغالكم بصلاتكم التي فرضها عليكم- ومن غيره ممن كنتم تخافونه على أنفسكم في حال صلاتكم- فاطمأننتم, =" فاذكروا الله " في صلاتكم وفي غيرها بالشكر له والحمد والثناء عليه, على ما أنعم به عليكم من التوفيق لإصابة الحق الذي ضل عنه أعداؤكم من أهل الكفر بالله, = كما ذكركم بتعليمه إياكم من أحكامه, وحلاله وحرامه, وأخبار من قبلكم من الأمم السالفة, والأنباء الحادثة بعدكم- في عاجل الدنيا وآجل الآخرة, التي جهلها غيركم وبصركم، من ذلك وغيره, إنعاما منه عليكم بذلك, فعلمكم منه ما لم تكونوا من قبل تعليمه إياكم تعلمون.

* * * وكان مجاهد يقول في قوله: " فإذا أمنتم "، ما: - 5570- حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن ليث, عن مجاهد: " فإذا أمنتم "، قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة.

* * * وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد: 5571- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فإذا أمنتم فاذكروا الله "، قال: فإذا أمنتم فصلوا الصلاة كما افترض الله عليكم- إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة.

* * * وقوله ها هنا: " فاذكروا الله "، قال: الصلاة،" كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ".

(135) * * * &; 5-249 &; قال أبو جعفر: وهذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد، قول غيره أولى بالصواب منه, لإجماع الجميع على أن الخوف متى زال، فواجب على المصلي المكتوبة- وإن كان في سفر- أداؤها بركوعها وسجودها وحدودها, وقائما بالأرض غير ماش ولا راكب, كالذي يجب عليه من ذلك إذا كان مقيما في مصره وبلده, إلا ما أبيح له من القصر فيها في سفره.

ولم يجر في هذه الآية للسفر ذكر, فيتوجه قوله: " فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون "، إليه.

وإنما جرى ذكر الصلاة في حال الأمن، وحال شده الخوف, فعرف الله سبحانه وتعالى عباده صفة الواجب عليهم من الصلاة فيهما.

(136) ثم قال: " فإذا أمنتم " فزال الخوف، فأقيموا صلاتكم &; 5-250 &; وذكري فيها وفي غيرها، مثل الذي أوجبته عليكم قبل حدوث حال الخوف.

وبعد، (137) فإن كان جرى للسفر ذكر, ثم أراد الله تعالى ذكره تعريف خلقه صفة الواجب عليهم من الصلاة بعد مقامهم، لقال: فإذا أقمتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون= ولم يقل: " فإذا أمنتم ".

وفي قوله تعالى ذكره: " فإذا أمنتم "، الدلالة الواضحة على صحة قول من وجه تأويل ذلك إلى الذي قلنا فيه, وخلاف قول مجاهد.

(138) --------------------- الهوامش: (112) في المخطوطة : "من القيام منكم أو قانتين" ، بزيادة"أو" ، وهو لا معنى له ، إلا أن يكون في الكلام سقطا ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، فهو مستقيم .

(113) هذا البيان عن لغات العرب في"رجل" ، غي مستوفي في كتب اللغة .

(114) اللسان (رجل) ، عن ابن الأعرابي ، واستشهد به ابن هشام في"باب الحال" وتعدده للمفرد ، وروايته : " .

.

.

ليلى بخفية زيارة بيت الله .

.

.

" .

وقوله : "ازدار" هو"افتعل" من"الزيارة" .

(115) يعني بضم الراء وتخفيف الجيم المفتوحة ، وهي مذكورة في شواذ القراءات .

(116) في المطبوعة : "بخلاف القراءة الموروثة" ، والصواب ما في المخطوطة .

(117) في المطبوعة : "ذاك عند القتال" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(118) وضع البعير يضع وضعا ، وأوضعه أيضاعا : وهو سير حثيث وإن كان لا يبلغ أقصى الجهد .

(119) عند هذا انتهى جزء من التقسيم القديم الذي نقلت عنه المخطوطة ، فيها هنا ما نصه : "وصلى الله على محمد النبي وعلى آل وصحبه وسلم كثيرا على الأصل المنقول منه هذه النسخة : بغلت بالسماع وأخي علي حرسه الله ، وأبو الفتح أحمد بن عمر الجهاري ، ومحمد بن علي الأرموي ، ونصر بن الحسين الطبري - بقراءتي على القاضي أبي الحسن الخصيب بن عبد الله ، عن أبي محمد الفرغاني ، عن أبي جعفر الطبري .

وذلك في شعبان من سنة ثمان وأربعمئة ، وهو يقابلني بكتابه .

وكتب محمد بن أحمد بن عيسى السعدي في التاريخ ، وسمع عبد الرحيم بن أحمد (النحوي؟؟) من موضع سماعه إلى هاهنا مع الجماعة" .

(120) بدأ في التقسيم القديم : "بسم الله الرحمن الرحيم" (121) الأثر : 5559-"جابر بن غراب النمري البصري" ، روى عن هرم بن حيان ، روى عنه أبو نصرة .

مترجم في الكبير 1 /2 /209 ، والجرح والتعديل 1 /1 / 497 .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : "جابر بن عراب" ، وهو تصحيف .

و"سعيد بن يزيد" ، و"أبو مسلمة" الآتي في رقم : 5561 .

وهذا الأثر رواه ابن حزم في المحلى 5 : 36 من طريق : "شعبة عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة .

.

.

" ، بغير هذا اللفظ كما سيأتي في رقم : 5561 .

(122) الأثر : 5560- هو مختصر الذي قبله والذي يليه ، غير مرفوع إلى جابر بن غراب .

وفي المخطوطة : "فحصروا العدو" بالصاد المهملة ، وكأن الصواب ما في المطبوعة .

كما تدل عليه معاني الأثرين : السالف والتالي .

وفي المطبوعة : "تحت جيبه" وفي المخطوطة : "تحت حسه" غي منقوطة .

والصواب من المحلى 5 : 36 .

والجنة (بضم الجيم وتشديد النون) : هي ما واراك من السلاح واستترت به ، كالدروع وغيره من لباس الوقاية في الحرب .

في المطبوعة : "ما استيسر" ، بحذف"ما" الثانية الاستفهامية ، وهو خطأ .

(123) الأثر : 5561- انظر الأثرين السالفين ، والتعليق عليهما .

وفي المطبوعة : "مستقبل المشرق" ، وهو خطأ ناسخ .

وفي المطبوعة : "تحت جيبه" كما في رقم : 5560 ، وفي المخطوطة : "تحت حسه" غير منقوطة ، والصواب من المحلى 5 : 36 ، ونص ما رواه : "وعن شعبة ، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر بن غراب ، كنا مصافي العدو بفارس ، ووجوهنا إلى المشرق ، فقال هرم بن حيان : ليركع كل إنسان منكم ركعة تحت جنته حيث كان وجهه" .

(124) الأثر : 5563-"سعيد بن عمرو بن سعيد السكوني" أبو عثمان الحمصي ، روى عن بقية ، والمعافى بن عمران الحمصي وغيرهما .

وعنه النسائي ، صدوق ، ذكره ابن حبان في القات .

مترجم في التهذيب .

و"بقية بن الوليد" ، قال أحمد ، وسئل عن بقية وإسماعيل بن عياش : "بقية أحب إلي ، وإذا حدث عن قوم ليسوا بمعروفين فلا تقبلوا عنه" .

وكان في المطبوعة والمخطوطة : "هبة بن الوليد" وهو خطأ .

والصواب من تفسير ابن كثبر 1 : 585 .

و"المسعودي" ، هو : عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي .

و"يزيد الفقير" هو : يزيد بن صهيب الفقير ، أبو عثمان الكوفي ، روي عن جابر وأبي سعيد وابن عمر ، ثقة صدوق .

وسمي"الفقير" ، لأنه كان يشكو فقار ظهره .

مترجم في التهذيب وغيره .

وانظر السنن الكبرى 3 : 263 ، والمحلى 5 : 35 .

(125) الأثر : 5564"موسى بن محمد الأنصاري" ، يعد في الكوفيين ، مترجم في الكبير للبخاري 4 /1 /294 ، وابن أبي حاتم 4 /1 /160 ، وهو ثقة .

(126) في المخطوطة والمطبوعة : "انقطعت الألف" ، وقد استظهر مصحح الطبعة الأميرية أنها"وانقطعت الآية" ، وأرجح أنها الصواب ، والناسخ في هذا الموضع من النسخة عجل كثير السهو والخطأ ، كما رأيت فيما مضى ، وكما سترى فيما يأتي .

وقد خلط بعضهم في تعليقه على هذا الموضع من الطبري .

(127) في المطبوعة : "وعن يأتوك رجالا .

.

.

" ، وهو خطأ لا شك فيه .

أما المخطوطة ففيها"ومزايا ترك" ، وصواب تحريفها وتصحيفها ، هو ما أثبت .

ويعني أن مالكا استدل بهذه الآية على معنى"فرجالا" كما هو بين .

(128) الجائل : هو الذي يجول في الحرب جولة على عدوه ، وجولته : دورانه وهو على فرسه ليستمكن من قرنه .

(129) في المطبوعة : "الخوف على المهمة عند السلمة" ، وهو خلط غث .

وفي المخطوطة : "الخوف على المهمة عند المسلة" ، والصواب ما أثبت من قراءتي لهذا النص .

والمهجة : الروح ، وخالص النفس .

والسلة : استلال السيوف ، يقال : "أتيناهم عند السلة" ، أي عند استلال السيوف إذا حمي الوطيس .

(130) صال الجمل يصول ، فهو صائل وصؤول : وذلك إذا وثب على راعيه فأكله ، وواثب الناس يأكلهم ويعدو عليهم ويطردهم من مخافته .

(131) الحديث : 5566- جرير : هو ابن عبد الحميد الضبي .

عبد الله بن نافع مولى ابن عمر : ضعيف جدا .

قال فيه البخاري في الضعفاء : "منكر الحديث" .

فصلنا القول في تضعيفه في المسند : 4769 .

وهذا الحديث هكذا رواه جرير عن عبد الله بن نافع ، عن أبيه ، عن ابن عمر - مرفوعا .

وكذلك رواه ابن ماجه : 12587 ، عن محمد بن الصباح ، عن جرير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر - مرفوعا أيضًا .

وإسناده صحيح .

وأشار الحافظ في الفتح 2 : 360 إلى رواية ابن ماجه هذه ، وقال : "وإسناده جيد" .

ورواه -بمعناه- مالك في الموطأ ، ص : 184 ، "عن نافع : أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال .

.

.

" ، فذكر نحوه من كلام ابن عمر ، ثم قال في آخره : "قال مالك : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر حدثه إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" .

وكذلك رواه البخاري 8 : 150 ، عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك .

وروى الشافعي في الأم 1 : 197 ، عن مالك - قطعه من أوله ، ثم أشار إلى سائره وذكر آخره .

وكذلك رواه البيهقي3 : 256 ، من طريق الشافعي عن مالك .

وذكره السيوطي 1 : 308 ، من رواية مالك ، وزاد نسبته لعبد الرزاق .

فهذا الشك في رفعه من نافع عند مالك -ثم الجزم برفعه في رواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عند ابن ماجه- : يقويان رواية جرير عن عبد الله بن نافع ، التي هنا .

(132) الحديث : 5567- سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي : مضت ترجمته في : 2255 .

وهذا الحديث رواه البخاي 3 : 259 (فتح) ، عن سعيد بن يحيى -شبخ الطبري- بهذا الإسناد ولم يذكر لفظه كاملا .

وذكر الحافظ ، ص : 360 ، رواية الطبري هذه ، أيضاحا لرواية البخاري .

ورواه البيهقي 3 : 255-256 ، من طريق الهيثم بن خلف الدوري ، عن سعيد بن يحيى الأموي ، به .

وذكر لفظه ، ثم أشار إلى رواية البخاري .

وقوله : "اختلطوا" : يعني اختلط الجيشان ، حال المسايفة والالتحام .

وهكذا ثبت هذا الحرف في الفتح نقلا عن الطبري ، والسنن الكبرى للبيهقي ، ووقع في المخطوطة والمطبوعة : "اختلفوا" - بالفاء بدل الطاء .

وهو تحريف من الناسخين .

وقوله : "وإشارة بالرأس" : يعني أنهم يصلون بالإيماء ، يذكرون ويقرءون ، ويشيرون إلى الركوع والسجود .

وهذا هو الثابت في الفتح والسنن الكبرى .

ووقع في المخطوطة والمطبوعة : "وأشار بالرأس" .

وهو تحريف أيضًا .

(133) الخبر : 5568- هذا موقوف على ابن عمر ، صريحا ، وهو في معنى الحديث الماضي : 5566 .

(134) الحديث : 5569 بكير بن الأخنس الليثي الكوفي : تابعي ثقة .

و"بكير" : بالتصغير .

ووقع في المطبوعة"بكر" - بدون الياء ، وهو خطأ .

والحديث رواه أحمد بن المسند : 2124 عن يزيد ، و : 2293 ، عن عفان ، و : 3332 ، عن وكيع - ثلاثتهم عن أبي عوانة ، به .

ورواه البخاري في التاريخ الكبير -موجزا كعادته- في ترجمة بكير 1 /2 /112 ، عن أبي نعيم ، عن أبي عوانة .

ورواه مسلم 1 : 192 ، عن أربعة شيوخ ، عن أبي عوانة .

وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 3 : 135 ، من طريق يحيى بن يحيى ، عن أبي عوانة .

ورواه أحمد أيضًا : 2177 ، عن القاسم بن مالك المزني ، عن أيوب بن عائذ ، عن بكير بن الأخنس ، به .

وكذلك رواه مسلم 1 : 192 ، من طريق القاسم بن مالك .

ورواه البيهقي 3 : 263-264 ، بإسنادين من طريق أيوب بن عائذ .

وذكره ابن كثير 1 : 585 ، وزاد نسبته لأبي داود ، والنسائي ، وابن ماجه .

(135) من أول قوله : "وقوله ها هنا : اذكروا الله .

.

.

" إلى آخر هذه الفقرة ، هي من كلام مجاهد في الأثر : 5570 فيما أرجح ، وأخشى أن يكون الناسخ قد أفسد سياق الكلام ، وأنا أرجح ان قوله آنفًا : "وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد" ثم الأثر رقم 5571 ، ينبغي أن يكون مقدما على الأثر : 5570 .

وأرجح أن قوله : "وقوله ها هنا" كلام فاسد ، وأن"ها هنا" كانت في الأصل القديم إشارة إلى تأخير الكلام من أول قوله : "وكان مجاهد يقول .

.

.

" ثم الأثر : 5570 ، إلى ما بعد الأثر : 5571 ، فيكون السياق : "فعلمكم منه ما لم تكونوا من قبل تعليمه إياكم تعلمون .

وبمثل الذي قلنا من ذلك قال ابن زيد : 5570- حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب .

.

.

وكان مجاهد يقول في قوله : "فإذا أمنتم" ما : - 5571- حدنا به أبو كريب ، قال حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد : "فإذا أمنتم" ، قال : خرجتم من السفر إلى دار الإقامة .

وقوله : "اذكروا الله" ، قال : الصلاة ، "كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون" .

قال أبو جعفر : وهذا القول الذي ذكرنا عن مجاهد .

.

.

" هذا ما أرجح أن أصل الطبري كان عليه ، وأخطأ الناسخ فهم إشارة الناسخ قبله بقوله : "ها هنا" يعني نقل الكلام من هناك إلى"ها هنا" .

ولكني لم أستجز هذا التغيير في المطبوعة ، وإن كنت لا أشك فيما رجحته (136) في المخطوطة : "وصفه الواجب عليهم" ، والصواب ما في المطبوعة .

(137) في المطبوعة : "قبل حدوث حال الخوف وبعده ، فإن كان جرى للسفر ذكر .

.

.

" وهو خلط قبيح ، جعل بعض المصححين يضع مكان"فإن كان جرى" ، "فلو كان جرى .

.

.

" فترك الكلام خلطا لا معنى له ، وصحح ما ليس في حاجة إلى تصحيح!!

هذا ، والصواب ما في المخطوطة كما أثبته .

(138) في المطبوعة : "وإلى خلاف قول مجاهد" ، بزيادة"إلى" ، وهي زيادة فاسدة مفسدة .

وقوله : "خلاف" معطوف على قوله : "على صحة قول .

.

.

"

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون فيه تسع مسائل : الأولى : قوله تعالى : فإن خفتم من الخوف الذي هو الفزع .

( فرجالا ) أي فصلوا رجالا .

( أو ركبانا ) معطوف عليه .

والرجال جمع راجل أو رجل من قولهم : رجل الإنسان [ ص: 204 ] يرجل رجلا إذا عدم المركوب ومشى على قدميه ، فهو رجل وراجل ورجل - ( بضم الجيم ) وهي لغة أهل الحجاز ، يقولون : مشى فلان إلى بيت الله حافيا رجلا ، - حكاه الطبري وغيره - ورجلان ورجيل ورجل ، ويجمع على رجال ورجلى ورجال ورجالة ورجالى ورجلان ورجلة ورجلة ( بفتح الجيم ) وأرجلة وأراجل وأراجيل .

والرجل الذي هو اسم الجنس يجمع أيضا على رجال .الثانية : لما أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قنوت وهو الوقار والسكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطمأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحيانا ، وبين أن هذه العبادة لا تسقط عن العبد في حال ، ورخص لعبيده في الصلاة رجالا على الأقدام وركبانا على الخيل والإبل ونحوها ، إيماء وإشارة بالرأس حيثما توجه ، هذا قول العلماء ، وهذه هي صلاة الفذ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المسايفة أو من سبع يطلبه أو من عدو يتبعه أو سيل يحمله ، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمنته هذه الآية .الثالثة : هذه الرخصة في ضمنها إجماع العلماء أن يكون الإنسان حيثما توجه من السموت ويتقلب ويتصرف بحسب نظره في نجاة نفسه .الرابعة : واختلف في الخوف الذي تجوز فيه الصلاة رجالا وركبانا ، فقال الشافعي : هو إطلال العدو عليهم فيتراءون معا والمسلمون في غير حصن حتى ينالهم السلاح من الرمي أو أكثر من أن يقرب العدو فيه منهم من الطعن والضرب ، أو يأتي من يصدق خبره فيخبره بأن العدو قريب منه ومسيرهم جادين إليه ، فإن لم يكن واحد من هذين المعنيين فلا يجوز له أن يصلي صلاة الخوف .

فإن صلوا بالخبر صلاة الخوف ثم ذهب العدو لم يعيدوا ، وقيل : يعيدون ، وهو قول أبي حنيفة .

قال أبو عمر : فالحال التي يجوز منها للخائف أن يصلي راجلا أو راكبا مستقبل القبلة أو غير مستقبلها هي حال شدة الخوف ، والحال التي وردت الآثار فيها هي غير هذه .

وهي صلاة الخوف بالإمام وانقسام الناس وليس حكمها في هذه الآية ، وهذا يأتي بيانه في سورة " النساء " إن شاء الله تعالى .

وفرق مالك بين خوف العدو المقاتل وبين خوف السبع ونحوه من جمل صائل أو سيل أو ما الأغلب من شأنه الهلاك ، فإنه استحب من غير خوف العدو الإعادة في الوقت إن وقع الأمن .

وأكثر فقهاء الأمصار على أن الأمر سواء .[ ص: 205 ] الخامسة : قال أبو حنيفة : إن القتال يفسد الصلاة ، وحديث ابن عمر يرد عليه ، وظاهر الآية أقوى دليل عليه ، وسيأتي هذا في ( النساء ) إن شاء الله تعالى .

قال الشافعي : لما رخص تبارك وتعالى في جواز ترك بعض الشروط دل ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها ، والله أعلم .السادسة : لا نقصان في عدد الركعات في الخوف عن صلاة المسافر عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة وغيرهما : يصلي ركعة إيماء ، روى مسلم عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن ابن عباس قال : فرض الله الصلاة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة .

قال ابن عبد البر : انفرد به بكير بن الأخنس وليس بحجة فيما ينفرد به ، والصلاة أولى ما احتيط فيه ، ومن صلى ركعتين في خوفه وسفره خرج من الاختلاف إلى اليقين .

وقال الضحاك بن مزاحم : يصلي صاحب خوف الموت في المسايفة وغيرها ركعة فإن لم يقدر فليكبر تكبيرتين .

وقال إسحاق بن راهويه : فإن لم يقدر إلا على تكبيرة واحدة أجزأت عنه ذكره ابن المنذر .قوله تعالى : فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم أي ارجعوا إلى ما أمرتم به من إتمام الأركان .

وقال مجاهد : ( أمنتم ) خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة ، ورد الطبري على هذا القول .

وقالت فرقة : ( أمنتم ) زال خوفكم الذي ألجأكم إلى هذه الصلاة .السابعة : واختلف العلماء من هذا الباب في بناء الخائف إذا أمن ، فقال مالك : إن صلى ركعة آمنا ثم خاف ركب وبنى ، وكذلك إن صلى ركعة راكبا وهو خائف ثم أمن نزل وبنى ، وهو أحد قولي الشافعي ، وبه قال المزني .

وقال أبو حنيفة : إذا افتتح الصلاة آمنا ثم خاف استقبل ولم يبن فإن صلى خائفا ثم أمن بنى .

وقال الشافعي : يبني النازل ولا يبني الراكب .

وقال أبو يوسف : لا يبني في شيء من هذا كله .? الثامنة : قوله تعالى : فاذكروا الله قيل : معناه اشكروه على هذه النعمة في تعليمكم هذه الصلاة التي وقع بها الإجزاء ، ولم تفتكم صلاة من الصلوات وهو الذي لم تكونوا تعلمونه .

فالكاف في قوله ( كما ) بمعنى الشكر ، تقول : افعل بي كما فعلت بك كذا مكافأة وشكرا .

و " ما " في قوله ( ما لم ) مفعولة ب ( علمكم ) .[ ص: 206 ] التاسعة : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : الصلاة أصلها الدعاء ، وحالة الخوف أولى بالدعاء ، فلهذا لم تسقط الصلاة بالخوف ، فإذا لم تسقط الصلاة بالخوف فأحرى ألا تسقط بغيره من مرض أو نحوه ، فأمر الله سبحانه وتعالى بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة أو مرض ، وحضر أو سفر ، وقدرة أو عجز وخوف أو أمن ، لا تسقط عن المكلف بحال ، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال .

وسيأتي بيان حكم المريض في آخر ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى .

والمقصود من هذا أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، ولا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين لزم فعلها ، وبهذا تميزت عن سائر العبادات ، كلها تسقط بالأعذار ويترخص فيها بالرخص .

قال ابن العربي : ولهذا قال علماؤنا : وهي مسألة عظمى ، إن تارك الصلاة يقتل ؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال ، وقالوا فيها : إحدى دعائم الإسلام لا تجوز النيابة عنها ببدن ولا مال ، فيقتل تاركها ، أصله الشهادتان .

وسيأتي ما للعلماء في تارك الصلاة في ( براءة ) إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ فَإِنْ خِفْتُمْ } لم يذكر ما يخاف منه ليشمل الخوف من كافر وظالم وسبع، وغير ذلك من أنواع المخاوف، أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة فصلوها { رِجَالًا } أي: ماشين على أقدامكم، { أَوْ رُكْبَانًا } على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل بل أوجب من صلاتها مطمئنا خارج الوقت { فَإِذَا أَمِنْتُمْ } أي: زال الخوف عنكم { فَاذْكُرُوا اللَّهَ } وهذا يشمل جميع أنواع الذكر ومنه الصلاة على كمالها وتمامها { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } فإنها نعمة عظيمة ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر ليبقي نعمته عليكم ويزيدكم عليها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( فإن خفتم فرجالا ) ( فرجالا ) أي رجالة يقال : راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وقائم وقيام ونائم ونيام ( أو ركبانا ) على دوابهم وهو جمع راكب معناه إن لم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين للصلاة حقها لخوف فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركبانا على ظهور دوابكم وهذا في حال المقاتلة والمسايفة يصلي حيث كان وجهه راجلا أو راكبا مستقبل القبلة وغير مستقبلها ويومئ بالركوع والسجود ويجعل السجود أخفض من الركوع وكذلك إذا قصده سبع أو غشيه سيل يخاف منه على نفسه فعدا أمامه مصليا بالإيماء يجوز .

والصلاة في حال الخوف على أقسام فهذه صلاة شدة الخوف وسائر الأقسام سيأتي بيانها في سورة النساء إن شاء الله تعالى ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم وروى عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : فرض الله الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وهو قول عطاء وطاووس والحسن ومجاهد وقتادة : أنه يصلي في حال شدة الخوف ركعة وقال سعيد بن جبير : إذا كنت في القتال وضرب الناس بعضهم بعضا فقل " سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر واذكر الله فتلك صلاتك .

.

.

( فإذا أمنتم فاذكروا الله ) أي فصلوا الصلوات الخمس تامة بحقوقها ( كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فإن خفتم» من عدو أو سيل أو سبع «فرجالا» جمع راجل أي مشاة صلوا «أو ركبانا» جمع راكب أي كيف أمكن مستقبلي القبلة أو غيرها ويومئ بالركوع والسجود «فإذا أمنتم» من الخوف «فاذكروا الله» أي صلّوا «كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون» قبل تعليمه من فرائضها وحقوقها والكاف بمعنى مثل وما مصدرية أو موصولة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فإن خفتم من عدو لكم فصلوا صلاة الخوف ماشين، أو راكبين، على أي هيئة تستطيعونها ولو بالإيماء، أو إلى غير جهة القبلة، فإذا زال خوفكم فصلُّوا صلاة الأمن، واذكروا الله فيها، ولا تنقصوها عن هيئتها الأصلية، واشكروا له على ما علَّمكم من أمور العبادات والأحكام ما لم تكونوا على علم به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

والفاء في قوله : ( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) للتفريع أي : حافظوا على الصلاة في كل وقت ، وأدوها بخشوع واطمئنان ، فإن كان بكم خوف من عدو في حال المقاتلة في الحرب أو من غيره لسبب من الأسباب ، فصلوا رجلين أي ماشين على الأقدام ، أو راكبين على ركائبكم بإيماء ، سواء وليتم وجوهكم شطر القبلة أولا .و ( رجالا ) جمع راجل .

وهو القوى على المشي برجليه .

يقال : رَجل الإِنسان يرجل رجلا إذا لم يحد ما يركبه ومشى على قدميه ، والركابن جمع راكب للجمل أو الفرس أو غيرهما .وجواب الشرط محذوف والتقدير : فإن خفتم فصلوا رجلين أو راكبين ، وهذان اللفظان أي - رجالا أو ركباناً - حالان من الضمير في " فصلوا " المحذوف .والآية الكريمة تدل على شدة عناية الإِسلام بشأن الصلاة ، فقد أمر الله - تعالى - عباده بأن يحافظوا عليها في حالتي الأمن والخوف ، والصحة والمرض ، والسفر والإِقامة .وقد بسط هذا المعنى الأستاذ الإِمام محمد عبده فقال ما ملخصه : وقوله - تعالى - : ( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) هذا تأكيد للمحافظة على الصلاة ، وبيان أنها لا تسقط بحال ، لأن حال الخوف على النفس أو العرض أو المال هو مظنة العذر في الترك كما يكون السفر عذراً في ترك الصيام .

.

والسبب في عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال أنها عمل قلبي ، وإنما فرضت تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبي المقصود بالذات ، وهو تذكر سلطان الله - تعالى - المستولي علينا وعلى العالم كله ، ومن شأن الإِنسان إذا أراد عملا قلبياً يجتمع فيه الذكر أن يستعين على ذلك ببعض ما ينسابه من قول وعمل .ولا ريب أن هذه الهيأة التي اختارها الله - تعالى - للصلاة هي أفضل معين على استحضار سلطانه فإن قولك " الله أكبر " في فاتحة الصلاة وعند الانتقال فبها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور يكون الله أكبر وأعظم من كل شيء ما يغمر روحك ، ويستولي على إرادتك .

.

وكذلك الشأن في سائر أعمال الصلاة .فإذا تعذر عليك الإِتيان ببعض تلك الأعمال البدنية؛ فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية التي هي روح الصلاة وغيرها ، وهي الإِقبال على الله - تعالى - واستحضار سلطانه ، مع الإِشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإِمكان الذي لا يمنع من مدافعه الخوف الطارئ من سبع مفترس ، أو عدو مغتال ، أو لص محتال .

.

فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شيء في حال من الأحوال .

.

"وقال الإِمام ابن العربي : قوله - تعالى - ( فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ) أمر الله - تعالى - بالمحافظة على الصلاة في كل حال من صحة ومرض ، وحضر وسفر ، وقدرة وعجز ، وخوف وأمن ، لا تسقط عن المكلف بحال ، ولا يتطرق إلى فرضيتها اختلال .

وقد قال صلى الله عليه وسلم : " صل قائماً ، فإن لم تستطع فقاعداً ، فإن لم تستطع فعلى جنب " .والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن ، لا تسقط بحال حتى لو لم يتفق فعلها إلا بالإِشارة بالعين للزم فعليها كذلك إذا لم يقدر على حركة سائر الجوارح ، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات ، فإن العبادات كلها تسقط بالأعذار ، ولذلك قال علماؤنا : " إن تارك الصلاة يقتل ، لأنها أشبهت الإِيمان الذي لا يسقط بحال ، ولا تجوز النيابة فيها ببد ولا مال " .ثم قال - تعالى - : ( فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) أي فإذا زال خوفكم وصرتم آمنين مطمئنين ، ( فاذكروا الله ) أي فأدوا الصلاة تامة كاملة مثل ما علمكم إياها ربكم على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم وقد من الله - تعالى - عليكم بهذا التعليم الذي كنتم تجهلونه فضلا منه وكرماً .وعبر - سبحانه - " بإن " المفيدة للشك في حالة الخوف ، وبإذا المفيدة للتحقيق في حالة الأمن ، للإِشعار بأن حالة الأمن هي الحالة الكثيرة الثابتة ، وأن حالة الخوف هي الحالة القليلة الطارئة ، وفي ذلك فضل جزيل من الله - تعالى - على عباده يحملهم على شكره وطاعته ، حيث وهبهم الأمان والاطمئنان في أغلب أوقات حياتهم .وبذلك نرى أن هاتين الآيتين الكريمتين قد أمرتا المسلم بأن يحافظ على الصلاة محافظة تامة ، إذ في هذه المحافظة سعادة للإِنسان ، ودافع له على أداء الحقوق لأربابها ، وزاجر له عن اقتراف ما نها الله عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها بأركانها وشروطها، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع الأمن دون الخوف، فقال: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: يروى ﴿ فَرِجَالاً ﴾ بضم الراء و ﴿ رِجَالاً ﴾ بالتشديد و ﴿ رَجُلاً ﴾ .

المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله معنى الآية: فإن خفتم عدواً فحذف المفعول لإحاطة العلم به، قال صاحب الكشاف: فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى: فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً، وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود.

المسألة الثالثة: في الرجال قولان أحدهما: رجالاً جمع راجل مثل تجار وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشياً كان أو وافقاً ويقال في جمع راجل: رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال.

والقول الثاني: ما ذكره القفال، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع، لأن راجلاً يجمع على راجل، ثم يجمع رجل على رجال، والركبان جمع راكب، مثل فرسان وفارس، قال القفال: ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل، فأما من كان على فرس فإنما يقال له فارس، والله أعلم.

المسألة الرابعة: رجالاً نصب على الحال، والعامل فيه محذوف، والتقدير: فصلوا رجالاً أو ركباناً.

المسألة الخامسة: صلاة الخوف قسمان أحدهما: أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية والثاني: في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ  ﴾ وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين.

إذا عرفت هذا فنقول: إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد، فمذهب الشافعي رحمه الله أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يومئون بالركوع والسجود، ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر، واحتج الشافعي رحمه الله بهذه الآية من وجهين: الأول: قال ابن عمر: ﴿ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الوجه الثاني: وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال، فصار قوله: ﴿ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ يدل على الترخص في ترك التوجه، وأيضاً يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأن مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود، فصح بما ذكرنا دلالة رجالاً أو ركباناً على جواز ترك الاستقبال، وعلى جواز الاكتفاء بالإيماء في الركوع والسجود.

إذا ثبت هذا فلنتكلم فيما يسقط عنه وفيما لا يسقط، فنقول: لا شك أن الصلاة إنما تتم بمجموع أمور ثلاثة أحدها: فعل القلب وهو النية، وذلك لا يسقط لأنه لا يتبدل حال الخوف بسبب ذلك والثاني: فعل اللسان وهي القراءة، وهي لا تسقط عند الخوف، ولا يجوز له أيضاً أن يتكلم حال الصلاة بكلام أجنبي، أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها والثالث: أعمال الجوارح فنقول: أما القيام والقعود فساقطان عنه لا محالة وأما الاستقبال فساقط على ما بيناه، وأما الركوع والسجود فالإيماء قائم مقامهما، فيجب أن يجعل الإيماء النائب عن السجود أخفض من الإيماء النائب عن الركوع، لأن هذا القدر ممكن، وأما ترك الطهارة فغير جائز لأجل الخوف، فإنه يمكنه التطهير بالماء أو التراب، إنما الخلاف في أنه إذا وجد الماء وامتنع عليه التوضي به هل يجوز له أن يتيمم بالغبار الذي يتمكن منه حال ركوبه، والأصح أنه يجوز، لأنه إذا كان خوف العطش يرخص التيمم، فالخوف على النفس أولى أن يرخص في ذلك، فهذا تفصيل قول الشافعي رحمه الله وبالجملة فاعتماده في هذا الباب على قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم».

واحتج أبو حنيفة بأنه عليه السلام أخر الصلاة يوم الخندق فوجب علينا ذلك أيضاً.

والجواب: أن يوم الخندق لم يبلغ الخوف هذا الحد ومع ذلك فإنه صلى الله عليه وسلم أخَّرَ الصلاة فعلمنا كون هذه الآية ناسخة لذلك الفعل.

المسألة السادسة: اختلفوا في الخوف الذي يفيد هذه الرخصة وطريق الضبط أن نقول: الخوف إما أن يكون في القتال، أو في غير القتال، أما الخوف في القتال فإما أن يكون في قتال واجب، أو مباح، أو محظور، أما القتال الواجب فهو كالقتال مع الكفار وهو الأصل في صلاة الخوف، وفيه نزلت الآية، ويلتحق به قتال أهل البغي، قال تعالى: ﴿ فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِئ إلى أَمْرِ الله  ﴾ وأما القتال المباح فقد قال القاضي أبو المحاسن الطبري في كتاب شرح المختصر: أن دفع الإنسان عن نفسه مباح غير واجب بخلاف ما إذا قصد الكافر نفسه، فإنه يجب الدفع لئلا يكون إخلالاً بحق الإسلام.

إذا عرفت هذا فنقول: أما القتال في الدفع عن النفس وفي الدفع عن كل حيوان محترم، فإنه يجوز فيه صلاة الخوف، أما قصد أخذ ماله، أو إتلاف حاله، فهل له أن يصلي صلاة شدة الخوف، فيه قولان: الأصح أن يجوز، واحتج الشافعي بقوله عليه السلام: من قتل دون ماله فهو شهيد فدل هذا على أن الدفع عن المال كالدفع عن النفس والثاني: لا يجوز لأن حرمة الزوج أعظم، أما القتال المحظور فإنه لا تجوز فيه صلاة الخوف، لأن هذا رخصة والرخصة إعانة والعاصي لا يستحق الإعانة، أما الخوف الحاصل لا في القتال، كالهارب من الحرق والغرق والسبع وكذا المطالب بالدين إذا كان معسراً خائفاً من الحبس، عاجزاً عن بينة الإعسار، فلهم أن يصلوا هذه الصلاة، لأن قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ مطلق يتناول الكل.

فإن قيل: قوله: ﴿ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا ﴾ يدل على أن المراد منه الخوف من العدو حال المقاتلة.

قلنا: هب أنه كذلك إلا أنه لما ثبت هناك دفعاً للضرر، وهذا المعنى قائم هاهنا، فوجب أن يكون ذلك الحكم مشروعاً والله أعلم.

المسألة الرابعة: روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاة في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة، والجمهور على أن الواجب في الحضر أربع، وفي السفر ركعتان سواء كان في الخوف أو لم يكن، وأن قول ابن عباس متروك.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ ﴾ فالمعنى بزوال الخوف الذي هو سبب الرخصة ﴿ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم ﴾ وفيه قولان الأول: فاذكروا بمعنى فافعلوا الصلاة كما علمكم بقوله: ﴿ حافظوا عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى وَقُومُواْ لِلَّهِ قانتين  ﴾ وكما بينه بشروطه وأركانه، لأن سبب الرخصة إذا زال عاد الوجوب فيه كما كان من قبل، والصلاة قد تسمى ذكراً لقوله تعالى: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله  ﴾ .

والقول الثاني: ﴿ فاذكروا الله ﴾ أي فاشكروه لأجل إنعامه عليكم بالأمن، طعن القاضي في هذا القول وقال: إن هذا الذكر لما كان معلقاً بشرط مخصوص، وهو حصول الأمن بعد الخوف لم يكن حمله على ذكر يلزم مع الخوف والأمن جميعاً على حد واحد، ومعلوم أن مع الخوف يلزم الشكر، كما يلزم مع الأمن، لأن في كلا الحالين نعمة الله تعالى متصلة، والخوف هاهنا من جهة الكفار لا من جهته تعالى، فالواجب حمل قوله تعالى: ﴿ فاذكروا الله ﴾ على ذكر يختص بهذه الحالة.

والقول الثالث: أنه دخل تحت قوله: ﴿ فاذكروا الله ﴾ الصلاة والشكر جميعاً، لأن الأمن بسبب الشكر محدد يلزم فعله مع فعل الصلاة في أوقاتها.

أما قوله تعالى: ﴿ كَمَا عَلَّمَكُم ﴾ فبيان إنعامه علينا بالتعليم والتعريف، وأن ذلك من نعمه تعالى، ولولا هدايته لم نصل إلى ذلك، ثم إن إصحابنا فسروا هذا التعليم بخلق العلم والمعتزلة فسروه بوضع الدلائل، وفعل الألطاف، وقوله تعالى: ﴿ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ إشارة إلى ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من زمان الجهالة والضلالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ والصلاة الوسطى ﴾ أي الوسطى بين الصلوات، أو الفضلى، من قولهم للأفضل: الأوسط.

وإنما أفردت وعطفت على الصلاة لانفرادها بالفضل وهي صلاة العصر.

وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم ناراً» وقال عليه الصلاة والسلام: «إنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب» وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أمليها عليك كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، فأملت عليه: والصلاة الوسطى صلاة العصر وروي عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم: والصلاة الوسطى وصلاة العصر؛ بالواو.

فعلى هذه القراءة يكون التخصيص لصلاتين: إحداهما الصلاة الوسطى، إمّا الظهر، وإمّا الفجر وإمّا المغرب، على اختلاف الروايات فيها، والثانية: العصر، وقيل: فضلها لما في وقتها من اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما: هي صلاة الظهر لأنها في وسط النهار، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها بالهاجرة، ولم تكن صلاة أشدّ على أصحابه منها.

وعن مجاهد: هي الفجر لأنها بين صلاتي النهار وصلاتي الليل.

وعن قبيصة بن ذؤيب: هي المغرب، لأنها وتر النهار ولا تنقص في السفر من الثلاث وقرأ عبد الله: ﴿ وعلى الصلاة الوسطى ﴾ : وقرأت عائشة رضي الله عنها ﴿ والصلاة الوسطى ﴾ بالنصب على المدح والاختصاص.

وقرأ نافع: ﴿ الوصطى ﴾ ، بالصاد ﴿ وَقُومُواْ لِلَّهِ ﴾ في الصلاة ﴿ قانتين ﴾ ذاكرين لله في قيامكم.

والقنوت: أن تذكر الله قائماً.

وعن عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا.

وعن مجاهد: هو الركود وكف الأيدي والبصر.

وروي: أنهم كانوا إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمدّ بصره أو يلتفت، أو يقلب الحصا، أو يحدّث نفسه بشيء من أمور الدنيا ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره ﴿ فَرِجَالاً ﴾ فصلوا راجلين، وهو جمع راجل كقائم وقيام، أو رجل يقال: رجل رجل، أي راجل.

وقرئ: ﴿ فرجالا ﴾ .

بضم الراء، ﴿ ورجالاً ﴾ بالتشديد ﴿ ورجلاً ﴾ .

وعند أبي حنيفة رحمه الله: لا يصلون في حال المشي والمسايفة ما لم يمكن الوقوف: وعند الشافعي رحمه الله: يصلون في كل حال، والراكب يومئ ويسقط عنه التوجه إلى القبلة ﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ من صلاة الأمن، أو فإذا أمنتم فاشكروا الله على الأمن، واذكروه بالعبادة، كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع، وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.

﴿ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا ﴾ فَصَلُّوا راجِلِينَ أوْ راكِبِينَ ورِجالًا جَمْعُ راجِلٍ أوْ رَجُلٍ بِمَعْناهُ كَقائِمٍ وقِيامٍ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُسايَفَةِ وإلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى لا يُصَلّى حالَ المَشْيِ والمُسايَفَةِ ما لَمْ يَكُنِ الوُقُوفُ.

﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ وزالَ خَوْفُكم.

﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ صَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ أوِ اشْكُرُوهُ عَلى الأمْنِ ﴿ كَما عَلَّمَكُمْ ﴾ ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ وكَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ حالَتَيِ الخَوْفِ والأمْنِ.

أوْ شُكْرًا يُوازِيهِ وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ.

﴿ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ مَفْعُولُ عَلَّمَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَإِنْ خِفْتُمْ} فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره {فَرِجَالاً} حال أي فصلوا راجلين وهو جمع راجل كقائم وقيام {أَوْ رُكْبَانًا} وحداناً بإيماء ويسقط عنه التوجه إلى القبلة {فَإِذَا أَمِنتُمْ} فإذا زال خوفكم {فاذكروا الله} فصلوا صلاة الأمن {كَمَا عَلَّمَكُم} أي ذكراً مثل ما علمكم {مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} من صلاة الأمن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ ﴿ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا ﴾ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ في جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: فَصَلُّوا راجِلِينَ أوْ راكِبِينَ، والأوَّلُ جَمْعُ راجِلٍ، وهو الماشِي عَلى رِجْلَيْهِ، ورَجُلٌ بِفَتْحٍ فَضَمٍّ أوْ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ بِمَعْناهُ، وقِيلَ: الرّاجِلُ الكائِنُ عَلى رِجْلَيْهِ واقِفًا أوْ ماشِيًا، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ بِظاهِرِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ الصَّلاةِ حالَ المُسايَفَةِ وإنْ لَمْ يَكُنِ الوُقُوفُ، وذَهَبَ إمامُنا إلى أنَّ المَشْيَ وكَذا القِتالَ يُبْطِلُها، وإذا أدّى الأمْرُ إلى ذَلِكَ؛ أخَّرَها ثُمَّ صَلّاها آمِنًا، فَقَدْ أخْرَجَ الشّافِعِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ قالَ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى ذَهَبَ هَوِيُّ مِنَ اللَّيْلِ حَتّى كُفِينا القِتالُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ ﴾ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _ بِلالًا فَأمَرَ فَأقامَ الظُّهْرَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّي، ثُمَّ أقامَ العَصْرَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ المَغْرِبَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ العِشاءَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، وفي لَفْظٍ: فَصَلّى كُلَّ صَلاةٍ ما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها،» وقَدْ كانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ في ذاتِ الرِّقاعِ وهي قَبْلَ الخَنْدَقِ، كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ السِّيَرِ، وأُجِيبُ بِمَنعِ أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ مُطْلَقًا ولَوْ شَدِيدًا شُرِّعَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ؛ لِيُسْتَدَلَّ بِما وقَعَ فِيهِ مِنَ التَّأْخِيرِ، ويُجْعَلَ ناسِخًا لِما في الآيَةِ كَما قِيلَ، والمَشْرُوعُ في ذاتِ الرِّقاعِ قَبْلَ صَلاةِ الخَوْفِ غَيْرِ الشَّدِيدِ، وهي الَّتِي نَزَلَتْ فِيها ﴿ وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ لا صَلاةَ شِدَّةِ الخَوْفِ المُبَيَّنَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، والنِّزاعُ إنَّما هو فِيها، وهي لَمْ تُشَرَّعْ قَبْلَ الخَنْدَقِ بَلْ بَعْدَهُ وفِيهِ كانَ الخَوْفُ شَدِيدًا فَلا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ، وقَدْ أجابَ بَعْضُ الحَنَفِيَّةِ بِأنّا سَلَّمْنا جَمِيعَ ذَلِكَ إلّا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ نَصًّا في جَوازِ الصَّلاةِ مَعَ المَشْيِ أوِ المُسايَفَةِ، إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الرّاجِلُ فِيها بِمَعْنى: الواقِفِ عَلى رِجْلَيْهِ، لا سِيَّما وقَدْ قُوبِلَ بِالرّاكِبِ، وقَدْ عُلِمَ مِن خارِجٍ وُجُوبُ عَدَمِ الإخْلالِ في الصَّلاةِ، وهَذا إخْلالٌ كُلِّيٌّ لا يُحْتَمَلُ فِيها؛ لِإخْراجِهِ لَها عَنْ ماهِيَّتِها بِالكُلِّيَّةِ، وأنْتَ تَعْلَمُ إذا أنْصَفْتَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ صَرِيحَةٌ مَعَ الشّافِعِيَّةِ؛ لَسَبْقِ وقُومُوا والدِّينُ يُسْرٌ لا عُسْرَ، والمَقاماتُ مُخْتَلِفَةٌ، والمَيْسُورُ لا يَسْقُطُ بِالمَعْسُورِ، وما لا يُدْرَكُ لا يُتْرَكُ، فَلْيُفْهَمْ، وقُرِئَ: رُجالًا، بِضَمِّ الرّاءِ مَعَ التَّخْفِيفِ، وبِضَمِّها مَعَ التَّشْدِيدِ، وقُرِئَ: فَرَجُلًا أيْضًا، ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ وزالَ خَوْفُكُمْ، وعَنْ مُجاهِدٍ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، ولَعَلَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: فَصَلُّوا صَلاةَ الأمْنِ، كَما قالَ ابْنُ زَيْدٍ وعَبَّرَ عَنْها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ أرْكانِها، وقِيلَ: المُرادُ اشْكُرُوهُ عَلى الأمْنِ، وبَعْضُهم أوْجَبَ الإعادَةَ، وفَسَّرَ هَذا بِأعِيدُوا الصَّلاةَ، وهو مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، ﴿ كَما عَلَّمَكُمْ ﴾ أيْ: ذِكْرًا مِثْلَ ما عَلَّمَكم مِنَ الشَّرائِعِ، وكَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ حالَتَيِ الأمْنِ والخَوْفِ، أوْ شُكْرًا يُوازِي ذَلِكَ، و( ما ) مَصْدَرِيَّةٌ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةٌ وفِيهِ بُعْدٌ ﴿ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ مَفْعُولُ ( عَلَّمَكم )، وزادَ ( تَكُونُوا )؛ لِيُفِيدَ النَّظْمَ، ووَقَعَ في مَوْضِعٍ آخَرَ بِدُونِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ﴾ فَقِيلَ: الفائِدَةُ في ذِكْرِ المَفْعُولِ فِيهِ، وإنْ كانَ الإنْسانُ لا يَعْلَمُ إلّا ما لَمْ يَعْلَمِ، التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ حالَةِ الجَهْلِ الَّتِي انْتَقَلَ عَنْها، فَإنَّهُ أوْضَحُ في الِامْتِنانِ، وفي إيرادِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى؛ بِأنَّ المُفِيدَ لِمَشْكُوكُيَّةِ وُقُوعِ الخَوْفِ ونُدْرَتِهِ، وتَصْدِيرِ الثّانِيَةِ بِـ ( إذا ) المُنْبِئَةُ عَنْ تَحَقُّقِ وُقُوعِ الأمْنِ وكَثْرَتِهِ، مَعَ الإيجازِ في جَوابِ الأُولى، والإطْنابِ في جَوابِ الثّانِيَةِ المَبْنِيَّيْنِ عَلى تَنْزِيلِ مَقامِ وُقُوعِ المَأْمُورِ بِهِ فِيهِما مَنزِلَةَ مَقامِ وُقُوعِ الأمْرِ تَنْزِيلًا مُسْتَدْعِيًا لِإجْراءِ مُقْتَضى المَقامِ الأوَّلِ في كُلٍّ مِنهُما مَجْرى مُقْتَضى المَقامِ الثّانِي؛ مِنَ الجَزالَةِ والِاعْتِبارِ، كَما قِيلَ، ما فِيهِ عِبْرَةٌ لِذَوِي الأبْصارِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى قال ابن عباس: أي حافظوا على الصلوات المكتوبات الخمس في مواقيتها بوضوئها وركوعها وسجودها وَالصَّلاةِ الْوُسْطى، يعني الصلاة الوسطى خاصة حافظوا عليها.

ويقال: هي صلاة العصر.

ويقال هي صلاة الصبح ويقال: هي صلاة الظهر.

حدثنا القاسم بن محمد بن روزبه قال: حدّثنا عيسى بن خشنام قال: حدثنا سويد بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين أنه بلغه، عن رجل، عن زيد بن ثابت أنه بلغه، عن علي وابن عباس أنهما كانا يقولان: صلاة الوسطى صلاة الصبح.

قال مالك: وذلك رأي.

أخبرني القاسم بن محمد قال: حدّثنا عيسى بن خنشام قال: حدثنا سويد بن سعيد بن مالك بن أنس، عن داود بن الحصين، عن رجل، عن زيد بن ثابت أنه قال: صلاة الوسطى: صلاة الظهر.

وبهذا الإسناد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن الحكم، عن أبي يونس مولى عائشة-  ا- أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني فلما بلغتها آذنتها، فأملت علي: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى: صلاة العصر.

قال الفقيه: حدّثنا أبو إبراهيم الترمذي، عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر الطحاوي قال: حدّثنا علي بن معبد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم عن أبي إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي، عن عمرو بن رافع، مولى عمر وكان يكتب المصاحف أنه قال: اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفاً وقالت: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها، حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله  ، فلما بلغتها أتيتها بالورقة فقالت: اكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر.

ويقال: هي قراءة عبد الله بن مسعود.

وروي عن أبي هريرة وابن عمر أنهما قالا: صلاة الوسطى العصر وروي عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن عليّ أنه قال: كنت ظننت أنها صلاة الفجر، حتى سمعت رسول الله  يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر، قال: «مَلأَ الله بُطُونَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَاراً، شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطَى، صَلاةِ العَصْرِ» .

وإنما كان فائدة التخصيص بصلاة العصر، لأن ذلك وقت الشغل ويخاف فوتها ما لا يخاف لسائر الصلوات.

وقد أكد بالذكر قال: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى خاصة.

ومن طريق المعقول يدل أيضاً على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، لأن قبلها صلاتي النهار وبعدها صلاتي الليل.

ثم قال تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، أي قوموا لله طائعين في الصلاة مطيعين.

ويقال: صلوا لله قائمين، فكأنه أمر بطول القيام في الصلاة.

كما قال في آية أخرى: يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ [آل عمران: 43] .

وروي عن رسول الله  أنه سئل عن أفضل الصلاة فقال: «التِي يُطِيلُ القُنُوتَ فِيهَا» ، يعني القيام.

ويقال: قانتين، يعني ساكتين، كما روي عن زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وقال الزجاج: المشهور في اللغة الدعاء في القيام، وحقيقة القانت القائم بأمر الله تعالى.

ثم قال: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً، يعني إذا خفتم العدو فصلوا قياماً، فإن لم تستطيعوا فصلوا ركباناً على الدواب، حيث ما توجهت بكم بالإيماء.

وهذا موافق لما روي عن النبيّ  أنه ذكر صلاة الخوف، ثم قال في آخره «فَإنْ كانَ الخَوْفُ أَشَدَّ مِنْ ذِّلِكَ، صَلُّوا عَلَى أَقْدَامِكُمْ أَوْ رُكْبَاناً مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» .

فَإِذا أَمِنْتُمْ، يعني العدو والخوف، فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ، يعني صلوا كما علمكم أربعاً أو اثنتين.

وعلمكم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ، يعني علمكم الصلاة ولم تكونوا تعلمون من قبل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

المَهْر، ثم خاطب تعالَى الجميعَ نادباً بقوله: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى، أي: يا جميعَ الناسِ، وقرأ عليُّ بن أبي طالبٍ.

وغيره: «وَلاَ تَنَاسَوا الفَضْلَ» ، وهي قراءةٌ متمكِّنة المعنى «١» لأنه موضع تناسٍ، لا نسيان إِلا على التشْبيه.

وقوله تعالى: وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ: ندْبٌ إِلى المجاملة.

وقوله: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ خَبَرٌ، وضمنه الوَعْد للمحسِنِ والحِرْمان لغير المحسن.

حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)

قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى ...

الآية: الْخِطابُ لجميع الأمة، والآية أَمْر بالمحافظةِ عَلَى إِقامة الصَّلوات في أوقاتها، وبجميع شروطها، وخرَّج الطحاويُّ «٢» عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيُّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أُمِرَ بِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَنْ يُضْرَبَ فِي قَبْرِهِ مِائَةُ جَلْدَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ تعالى وَيَدْعُوهُ، حتى صَارَتْ وَاحِدَةً، فامتلأ قَبْرُهُ عَلَيْهِ نَاراً، فَلَمَّا ارتفع عَنْهُ، أَفَاقَ، فَقَالَ: عَلاَمَ جَلَدتَّنِي؟

قَالَ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ، ومَرَرْتَ على مَظْلُومٍ، فَلَمْ تَنْصُرْهُ» «٣» .

انتهى من «التذْكِرَة» للقرطبيِّ «٤» .

وفي الحديثِ: «أنَّ الصَّلاَةَ ثَلاَثَةُ أَثْلاَثٍ الطُّهُورُ ثُلُثٌ، وَالرُّكُوعُ ثلث، والسّجود ثلث،

فَمَنْ أَدَّاهَا بِحَقِّهَا، قُبِلَتْ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ، وَقُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ صَلاَتُهُ، رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ» رواه النَّسَائِيّ «١» .

انتهى من «الكوكب الدَّرِّيِّ» .

وروى مالكٌ في «الموطَّإ» ، عن يَحْيَى بْنِ سعيدٍ «٢» أنه قال: «بلَغَنِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُنْظَرُ فِيهِ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الصَّلاَةُ، فَإِنْ قُبِلَتْ مِنْهُ، نُظِرَ فيما بقي من عمله، وإن لم تقبل منه، لم ينظر في شيء من عمله» «٣» .

قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» : وقد رُوِيَ هذا الحديثُ مسنَداً عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مِنْ وجوهٍ صِحَاحٍ، ثم أسند أبو عمر عن أنَسِ بنِ حكيمٍ الضَّبِّيِّ «٤» ، قال: قَالَ لِي أبو هُرَيْرة: إِذا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ، فأخبرهم أنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ المُسْلِمُ صَلاَةُ المَكْتُوبَةِ، فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلاَّ قِيلَ:

انظروا، هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ، أُكْمِلَتِ الفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ، ثُمَّ يُفْعَلُ بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك» «٥» ،

وفي رواية تميم الدّاريّ «١» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذا المعنى.

قال: «ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ على حَسَبِ ذَلِكَ» «٢» .

انتهى.

وذكَرَ اللَّه سبحانه الصَّلاةَ الوسطى ثانيةً، وقد دَخَلَتْ قَبْلُ في عموم قوله:

«الصَّلَوَاتِ» لأنه أراد تشريفَهَا.

واختلف النَّاس في تعيينها.

فقال عليٌّ، وابن عبَّاسٍ، وجماعة من الصَّحابة: إِنها صلاةُ الصُّبْح «٣» ، وهو قول مالكٍ، وقالتْ فرقةٌ: هي الظُّهْر، وورد فيه حديث، وقالت فرقة: هي صلاة العصر، وفي

مُصْحَف عائشةَ «١» ، وإِملاء حَفْصَة: «صَلاَةِ العَصْرِ» وعلى هذا القول جمهورُ العلماءِ، وبه أقولُ.

وقال قَبِيصَةُ بن ذُوَيْبٍ «٢» : هي صلاة المَغْرِب «٣» ، وحكى أبو عمر بن عبد البَرِّ عن فرقة أنها صلاة العشَاءِ الآخِرَةِ، وقالتْ فرقة: الصلاة الوسطى لم يعيِّنها اللَّه سبْحانه، فهي في جملة الخَمْس غير معيَّنة كليلة القَدْر، وقالت فرقة: هي صلاة الجمعة، وقال بعض ٦٠ ب العلماء: هي الخَمْس، وقوله أولاً: عَلَى الصَّلَواتِ يعم النفْلَ/، والفَرْض، ثم خَصْ الفرْضَ بالذِّكْر.

وقوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ معناه في صلاتِكُمْ.

واختلف في معنى قانِتِينَ.

فقال الشَّعْبِيُّ وغيره: معناه مطيعين «٤» ، قال الضَّحَّاك: كل قُنُوتٍ في القرآن، فإِنما يعنى به الطاعة «٥» ، وقاله أبو سعيد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم وقال ابْنُ مسعودٍ وغيره: القُنُوت:

السُّكُوت «٦» وذلك أنهم كانوا يتكلَّمون في الصلاة حتى نزلَتْ هذه الآيةُ، فأمروا بالسُّكُوت، وقال مجاهد: معنى قانِتِينَ خاشِعِينَ،، فالقنوتُ: طُولُ الركوعِ والخشوعِ، وغضُّ البصر، وخَفْضُ الجَنَاح «٧» ، قال ع «٨» : وإِحضارُ الخَشْية، والفكر في الوقوف

بين يَدَيِ اللَّه سبحَانَه، وقال الرَّبِيعُ: القنوتُ: طولُ القيَامِ، وطولُ الرُّكُوعَ «١» .

وقال قومٌ: القنوتُ: الدعاء، وقانِتِينَ: معناه دَاعِينَ، روي معناه عن ابن عَبَّاس «٢» .

وقول تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً ...

الآية، أمر اللَّه تعالى بالقيامِ له في الصلاة بحالة قُنُوت، وهو الوقار والسَّكينة، وهدوء الجوارحِ، وهذا على الحالة الغالبَةِ من الأمْن والطُّمأْنينة، ثم ذكر تعالى حالة الخَوْف الطارئَة أحيانا، فرخّص لعبيده في الصّلاة فَرِجالًا: متصرّفين على الأقدام، ورُكْباناً: على الخَيْل والإِبل ونحوهما إِيماء، وإِشارة بالرأس حيث ما توجَّه، هذا قول جميع العلماءِ، وهذه هي صلاة الفَذِّ الذي قد ضايقه الخَوْفُ على نَفْسه في حال المسايفة، أو مِنْ سَبُعٍ يطلبه، أو عدو يتبعه، أو سَيْلٍ يحملُه، وبالجملة فكلُّ أمرْ يخافُ منْه على رُوحِهِ، فهو مبيحٌ ما تضمَّنته هذه الآية.

وأما صَلاَةُ الخَوْف بالإِمام، وانقسام النَّاس، فليس حكْمُها في هذه الآية، وسيأتي، إِن شاء اللَّه، في «سورة النساء» «٣» .

والرُّكْبَان: جمع رَاكِبٍ «٤» ، وهذه الرخْصَة في ضِمنها بإِجماعٍ من العلماء: أن يكون الإنسان حيثُ ما توجَّه ويتقلَّب ويتصرَّف بحسب نَظَره في نجاة نَفْسِهِ.

ت: وروى أبو داودَ في «سُنَنِهِ» ، عن عبد اللَّه بن أُنَيْسٍ «٥» ، قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا ﴾ أيْ: خِفْتُمْ عَدُوًّا، فَصَلُّوا رِجالًا، وهو جَمْعُ راجِلٍ، والرُّكْبانُ جَمْعُ راكِبٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى تَأْكِيدِ أمْرِ الصَّلاةِ، لِأنَّهُ أمَرَ بِفِعْلِها عَلى كُلِّ حالٍ.

وقِيلَ إنَّ هَذِهِ الآَيَةَ أُنْزِلَتْ بَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ لَهم صَلاةَ الخَوْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ  ﴾ .

ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ أيْ: خَوْفًا أشَدَّ مِن ذَلِكَ، فَصَلُّوا عِنْدَ المُسايَفَةِ كَيْفَ قَدِرْتُمْ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآَيَةِ، وبَيْنَ ما رَوىابْنُ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ صَلّى يَوْمَ الخَنْدَقِ الظُّهْرَ والعَصْرَ، والمَغْرِبَ والعِشاءَ بَعْدَ ما غابَ الشَّفَقُ؟» فالجَوابُ: أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الأثْرَمُ: فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ الَّذِي كانَ يَوْمَ الخَنْدَقِ مَنسُوخٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّلاةُ، فَتَقْدِيرُهُ فَصَلُّوا كَما كُنْتُمْ تُصَلُّونَ آَمِنِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الثَّناءُ عَلى اللَّهِ، والحَمْدُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أو رُكْبانًا فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالقِيامِ لَهُ في الصَلاةِ، بِحالَةِ قُنُوتٍ، وهو الوَقارُ والسَكِينَةُ، وهُدُوءُ الجَوارِحِ، وهَذا عَلى الحالَةِ الغالِبَةِ مِنَ الأمْنِ والطُمَأْنِينَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَةَ الخَوْفِ الطارِئَةَ أحْيانًا، فَرَخَّصَ لِعَبِيدِهِ في الصَلاةِ رِجالًا مُتَصَرِّفِينَ عَلى الأقْدامِ، و"رُكْبانًا" عَلى الخَيْلِ والإبِلِ ونَحْوِهِما، إيماءً وإشارَةً بِالرَأْسِ حَيْثُ ما تَوَجَّهَ.

هَذا قَوْلُ جَمِيعِ العُلَماءِ، وهَذِهِ هي صَلاةُ الفَذِّ الَّذِي قَدْ يُضايِقُهُ الخَوْفُ عَلى نَفْسِهِ في حالِ المُسايَفَةِ، أو مِن سَبْعٍ يَطْلُبُهُ، أو عَدُوٍّ يَتْبَعُهُ، أو سَيْلٍ يَحْمِلُهُ.

وبِالجُمْلَةِ فَكُلُّ أمْرٍ يُخافُ مِنهُ عَلى رُوحِهِ فَهو مُبِيحٌ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ.

وَأمّا صَلاةُ الخَوْفِ بِالإمامِ وانْقِسامِ الناسِ فَلَيْسَ حُكْمُها في هَذِهِ الآيَةِ.

وفَرَّقَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ بَيْنَ خَوْفِ العَدُوِّ المُقاتِلِ، وبَيْنَ خَوْفِ السَبْعِ ونَحْوِهِ، بِأنِ اسْتَحَبَّ في غَيْرِ خَوْفِ العَدُوِّ الإعادَةَ في الوَقْتِ، إنْ وقْعَ الأمْنُ، وأكْثَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ الأمْرَ سَواءٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِجالا ﴾ هو جَمْعُ راجِلٍ، أو رَجُلٍ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَلَ الإنْسانُ يَرْجُلُ رَجُلًا، إذا عَدِمَ المَرْكِبَ ومَشى عَلى قَدَمَيْهِ، فَهو رَجِلٌ وراجِلٌ ورَجُلٌ- بِضَمِّ الجِيمِ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، يَقُولُونَ: مَشى فُلانٌ إلى بَيْتِ اللهِ حافِيًا رَجْلًا، حَكاهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ، ورَجْلانِ ورُجَيْلٌ ورَجْلٌ.

وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ في رَجْلانِ: عَلَيَّ إذا لاقَيْتُ لَيْلى بِخَلْوَةٍ أنَ ازْدارَ بَيْتَ اللهِ رَجْلانَ حافِيا ويُجْمَعُ عَلى رِجالٍ ورُجَيْلى ورَجالى ورُجالى ورَجّالَةٌ ورُجّالٌ ورُجّالى ورُجْلانٌ ورَجْلَةٌ ورِجَلَةٌ بِفَتْحِ الجِيمِ وأرْجِلَةٌ وأراجِلُ وأراجِيلٌ، والرَجُلِ الَّذِي هو اسْمُ الجِنْسِ يُجْمَعُ أيْضًا عَلى رِجالٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَأْتُوكَ رِجالا  ﴾ هُما مِن لَفْظِ الرَجِلَةِ أيْ عَدَمُ المَرْكُوبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكُمْ  ﴾ فَهو جَمْعُ اسْمِ الجِنْسِ المَعْرُوفِ، وحَكى المَهْدَوِيُّ عن عِكْرِمَةَ، وأبِي مِجْلَزٍ أنَّهُما قَرَآ: "فَرُجّالًا" بِضَمِّ الراءِ وشَدِّ الجِيمِ المَفْتُوحَةِ.

وعن عِكْرِمَةَ أيْضًا أنَّهُ قَرَأ: "فَرِجالًا" بِضَمِّ الراءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قَرَأ: "فَرُجَّلا" دُونَ ألِفٍ عَلى وزْنِ فُعَّلٍ بِضَمِّ الفاءِ وشَدِّ العَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أو رُكْبانًا"، وقَرَأ بُدَيْلُ بْنُ مَيْسَرَةَ فَرِجالًا فَرُكْبانًا" بِالفاءِ.

والرُكْبانُ جَمْعُ راكِبٍ، وهَذِهِ الرُخْصَةُ في ضِمْنِها بِإجْماعٍ مِنَ العُلَماءِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ حَيْثُ ما تُوُجِّهَ مِنَ السَماواتِ، ويَتَقَلَّبُ ويَتَصَرَّفُ بِحَسَبَ نَظَرِهِ في نَجاةِ نَفْسِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ كَمْ يُصَلِّي مِنَ الرَكَعاتِ؟

فَمالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ لا يَرَوْنَ أنْ يَنْقُصَ مِن عَدَدِ الرَكَعاتِ شَيْئًا، بَلْ يُصَلِّي المُسافِرُ رَكْعَتَيْنِ ولا بُدَّ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: يُصَلِّي رَكْعَةً إيماءً.

ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: فَرَضَ اللهُ الصَلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً.

وقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: يُصَلِّي صاحِبُ خَوْفِ المَوْتِ في المُسايَفَةِ وغَيْرِها رَكْعَةً، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيُكَبِّرْ تَكْبِيرَتَيْنِ.

وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ إلّا عَلى تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأتْ عنهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنْذِرِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللهَ ﴾ الآيَةُ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَإذا زالَ خَوْفُكُمُ الَّذِي أجاءَكم إلى هَذِهِ الصَلاةِ فاذْكُرُوا اللهَ بِالشُكْرِ عَلى هَذِهِ النِعْمَةِ في تَعْلِيمِكم هَذِهِ الصَلاةَ الَّتِي وقَعَ بِها الإجْزاءُ، ولَمْ تَفُتْكم صَلاةٌ مِنَ الصَلَواتِ، وهَذا هو الَّذِي لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: فَإذا كُنْتُمْ آمِنِينَ قَبْلُ، أو بَعْدُ، كَأنَّهُ قالَ: فَمَتى كُنْتُمْ عَلى أمْنٍ فاذْكُرُوا اللهَ، أيْ صَلَّوُا الصَلاةَ الَّتِي قَدْ عَلِمْتُمُوها، أيْ: فَصَلُّوا كَما عَلَّمَكم صَلاةً تامَّةً.

حَكاهُ النَقّاشُ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ: ﴿ ما لَمْ تَكُونُوا ﴾ بَدَلٌ مِن "ما" الَّتِي في قَوْلِهِ، "كَما"، وإلّا لَمْ يَتَّسِقْ لَفْظُ الآيَةِ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ "ما" مَفْعُولَةٌ بِـ "عَلَّمَكُمْ".

وَقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ فَإذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ.

ورَدَّ الطَبَرِيُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وذَلِكَ فِيهِ تَحْوِيمٌ عَلى المَعْنى كَثِيرٌ، والكافُ في قَوْلِهِ "كَما" لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَ ذِكْرِ الإنْسانِ لِلَّهِ ونِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ في أنَّ تُعادِلا، وكانَ الذِكْرُ شَبِيهًا بِالنِعْمَةِ في القَدْرِ وكَفاءً لَها، ومَن تَأوَّلَ "اذْكُرُوا" بِمَعْنى صَلُّوا عَلى ما ذَكَرْناهُ، فالكافُ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَ صَلاةِ العَبْدِ والهَيْئَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تفريع على قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ [البقرة: 238] للتنبيه على أن حالة الخوف لا تكون عذراً في ترك المحافظة على الصلوات، ولكنها عذر في ترك القيام لله قانتين، فأفاد هذا التفريع غرضين: أحدهما بصريح لفظه، والآخر بلازم معناه.

والخوف هنا خوف العدو، وبذلك سميت صلاة الخوف، والعرب تسمي الحرب بأسماء الخوف فيقولون الرَّوْع ويقولون الفَزَع، قال عمرو بن كلثوم: وتحملنا غداة الروع جرد *** البيت.

وقال سبرة بن عمر الفقعسي: ونسوتكم في الروع باد وجوهها *** يُخَلْنَ إماءً والإماء حرائر وفي الحديث: «إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع» ولا يعرف إطلاق الخوف على الحرب قبل القرآن قال تعالى: ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ [البقرة: 155].

والمعنى: فإن حاربتم أو كنتم في حرب، ومنه سمى الفقهاء صلاة الخوف الصلاة التي يؤديها المسلمون وهم يصافون العدو في ساحة الحرب وإيثار كلمة الخوف في هذه الآية لتشمل خوف العدو وخوف السباع وقطاع الطريق، وغيرها.

و ﴿ رجالاً ﴾ جمع راجل كالصحاب و ﴿ ركباناً ﴾ جمع راكب وهما حالان من محذوف أي فصلوا رجالاً أو ركباناً وهذا في معنى الاستثناء من قوله: ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ [البقرة: 238] لأن هاته الحالة تخالف القنوت في حالة الترجل، وتخالفهما معاً في حالة الركوب.

والآية إشارة إلى أن صلاة الخوف لا يشترط فيها الخشوع، لأنها تكون مع الاشتغال بالقتال ولا يشترط فيها القيام.

وهذا الخوف يسقط ما ذكر من شروط الصلاة، وهو هنا صلاة الناس فرادى، وذلك عند مالك إذا اشتد الخوف وأظلهم العدو ولم يكن حصن بحيث تتعذر الصلاة جماعة مع الإمام، وليست هذه الآية لبيان صلاة الجيش في الحرب جماعة المذكورة في سورة النساء، والظاهر أن الله شرع للناس في أول الأمر صلاة الخوف فرادى على الحال التي يتمكنون معها من مواجهة العدو، ثم شرع لهم صلاة الخوف جماعة في سورة النساء، وأيضاً شملت هذه الآية كل خوف من سباع أو قطاع طريق أو من سيل الماء، قال مالك: وتستحب إعادة الصلاة، وقال أبو حنيفة: يصلون كما وصف الله ويعيدون، لأن القتال في الصلاة مفسد عنده.

وقوله: ﴿ فإذا أمنتم فاذكروا الله ﴾ أراد الصلاة أي ارجعوا إلى الذكر المعروف.

وجاء في الأمن بإذا وفي الخوف بإن بشارة للمسلمين بأنهم سيكون لهم النصر والأمن.

وقوله: ﴿ كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ الكاف للتشبيه أي اذكروه ذكراً يشابه ما من به عليكم من علم الشريعة في تفاصيل هذه الآيات المتقدمة، والمقصود من المشابهة المشابهة في التقدير الاعتباري، أي أن يكون الذكر بنية الشكر على تلك النعمة والجزاء، فإن الشيء المجازى به شيء آخر يعتبر كالمشابه له، ولذلك يطلق عليه اسم المقدار، وقد يسمون هذه الكاف كاف التعليل، والتعليل مستفاد من التشبيه، لأن العلة على قدر المعلول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ ﴾ وفي المُحافَظَةِ عَلَيْها قَوْلانِ: أحَدُهُما: ذِكْرُها.

والثّانِي: تَعْجِيلُها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ وإنَّما خَصَّ الوُسْطى بِالذِّكْرِ وإنْ دَخَلَتْ في جُمْلَةِ الصَّلَواتِ لِاخْتِصاصِها بِالفَضْلِ، وفِيها خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صَلاةُ العَصْرِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأبِي أيُّوبَ، وعائِشَةَ، وأُمِّ سَلَمَةَ، وحَفْصَةَ، وأُمِّ حَبِيبَةَ.

رَوى عَمْرُو بْنُ رافِعٍ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ  أنَّها قالَتْ لِكاتِبِ مُصْحَفِها: إذا بَلَغْتَ مَواقِيتَ الصَّلاةِ فَأخْبِرْنِي، حَتّى أُخْبِرَكَ بِما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَلَمّا أخْبَرَها قالَتِ: اكْتُبْ، فَإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ: (حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى وهي صَلاةُ العَصْرِ)» .

ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ  العَصْرَ يَوْمَ الخَنْدَقِ إلّا بَعْدَما غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: (ما لَهم مَلَأ اللَّهُ قُلُوبَهم وقُبُورَهم نارًا شَغَلُونا عَنِ الصَّلاةِ الوُسْطى حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ)» .

ورَوى التَّيْمِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « ( الصَّلاةُ الوُسْطى صَلاةُ العَصْرِ)» .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها صَلاةُ الظُّهْرِ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وابْنِ عُمَرَ.

قالَ ابْنُ عُمَرَ: هي الَّتِي تَوَجَّهَ فِيها رَسُولُ اللَّهِ  إلى القِبْلَةِ.

وَرَوى ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالهاجِرَةِ، ولَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلاةً أشَدَّ عَلى أصْحابِهِ مِنها، قالَ فَنَزَلَتْ: ﴿ حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى ﴾ » وقالَ: إنَّ قَبْلَها صَلاتَيْنِ وبَعْدَها صَلاتَيْنِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأقَلِّها ولا بِأكْثَرِها ولا تُقْصَرُ في السَّفَرِ، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمْ يُؤَخِّرْها عَنْ وقْتِها ولَمْ يُعَجِّلْها.

والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّها صَلاةُ الصُّبْحِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُصَلِّيها بَيْنَ سَوادِ اللَّيْلِ وبَياضِ النَّهارِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ ولا صَلاةَ مَفْرُوضَةً يُقْنَتُ فِيها إلّا الصُّبْحُ، ولِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيِ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ.

والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّها إحْدى الصَّلَواتِ الخَمْسِ ولا تُعْرَفُ بِعَيْنِها، لِيَكُونَ أبْعَثَ لَهم عَلى المُحافَظَةِ عَلى جَمِيعِها، وهَذا قَوْلُ نافِعٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، والرَّبِيعِ ابْنِ خُثَيْمٍ.

وَفِيها قَوْلٌ سادِسٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجُمُعَةِ خاصَّةً.

وَفِيها قَوْلٌ سابِعٌ: أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطى صَلاةُ الجَماعَةِ مِن جَمِيعِ الصَّلَواتِ.

وَفي تَسْمِيَتِها بِالوُسْطى ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ مَحَلًّا، لِأنَّها بَيْنَ صَلاتَيْ لَيْلٍ وصَلاتَيْ نَهارٍ.

والثّانِي: لِأنَّها أوْسَطُ الصَّلاةِ عَدَدًا، لِأنَّ أكْثَرَهُنَّ أرْبَعٌ وأقَلَّهُنَّ رَكْعَتانِ.

والثّالِثُ: لِأنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ ووَسَطُ الشَّيْءِ ووُسْطاهُ أفْضَلُهُ، وتَكُونُ الوُسْطى بِمَعْنى الفُضْلى.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ﴾ وفِيهِ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: يَعْنِي طائِعِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والشَّعْبِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ.

والثّانِي: ساكِتِينَ عَمّا نَهاكُمُ اللَّهُ أنْ تَتَكَلَّمُوا بِهِ في صَلاتِكم، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وزَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: خاشِعِينَ، نَهْيًا عَنِ العَبَثِ والتَّفَلُّتِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والرّابِعُ: داعِينَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والخامِسُ: طُولُ القِيامِ في الصَّلاةِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.

والسّادِسُ: .....

وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أيْضًا.

واخْتُلِفَ في أصْلِ القُنُوتِ، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَهُ الدَّوامُ عَلى أمْرٍ واحِدٍ.

والثّانِي: أصْلُهُ الطّاعَةُ.

والثّالِثُ: أصْلُهُ الدُّعاءُ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا ﴾ الرِّجالُ جَمْعُ راجِلٍ، والرُّكْبانُ جَمْعُ راكِبٍ، مِثْلُ قائِمٍ وقِيامٍ.

يَعْنِي فَإنْ خِفْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فَصَلُّوا عَلى أرْجُلِكم أوْ رَكائِبِكم، وُقُوفًا ومُشاةً، إلى القِبْلَةِ وغَيْرِ القِبْلَةِ، مُومِئًا أوْ غَيْرَ مُومِئٍ، عَلى حَسَبِ قُدْرَتِهِ.

واخْتُلِفَ في قَدْرِ صَلاتِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها عَلى عَدَدِها تُصَلّى رَكْعَتَيْنِ، وقالَ الحَسَنُ: تُصَلّى رَكْعَةً واحِدَةً إذا كانَ خائِفًا.

واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ أمْنِهِ، فَذَهَبَ أهْلُ الحِجازِ إلى سُقُوطِ الإعادَةِ عَنْهُ لِعُذْرِهِ.

وَذَهَبَ أهْلُ العِراقِ إلى وُجُوبِ الإعادَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ مَشْيَهُ فِيها عَمَلٌ لَيْسَ مِنها.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإذا أمِنتُمْ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ وفِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَإذا أمِنتُمْ فَصَلُّوا كَما عَلَّمَكم، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: يُرِيدُ فاذْكُرُوهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ والحَمْدِ لَهُ، كَما عَلَّمَكم مِن أمْرِ دِينِكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبخاري وابن جرير والبيهقي من طريق نافع قال: كان ابن عمر إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الإِمام وطائفة من الناس فيصلي بهم الإِمام ركعة، وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الإِمام وقد صلى ركعتين، فتقوم كل واحدة من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإِمام، فيكون كل واحد من الطائفتين قد صلى ركعتين، وإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً أو قياماً على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها.

قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي من طريق نافع عن ابن عمر قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف في بعض أيامه، فقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدوّ، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، ثم قضت الطائفتان ركعة ركعة.

قال: وقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك فصل راكباً أو قائماً تومئ إيماء» .

وأخرج ابن ماجة من طريق نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف «أن يكون الإِمام يصلي بطائفة معه فيسجدون سجدة واحدة وتكون طائفة منهم بينهم وبين العدو، ثم ينصرف الذين سجدوا السجدة مع أميرهم، ثم يكونوا مكان الذين لم يصلوا ويتقدم الذين لم يصلوا فيصلوا مع أميرهم سجدة واحدة، ثم ينصرف أميرهم وقد صلى صلاته، ويصلي كل واحد من الطائفتين بصلاته سجدة لنفسه، فإن كان خوفاً أشد من ذلك فرجالاً أو ركباناً» .

وأخرج البزار عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة المسايفة ركعة، أي وجه كان الرجل يجزئ عنه، فإن فعل ذلك لم يعده» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ قال: يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه ﴿ فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ يعني كما علمكم أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن جابر بن عبدالله قال: إذا كانت المسايفة فليومئ برأسه حيث كان وجهه، فذلك قوله: ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ فرجالاً ﴾ قال: مشاة ﴿ أو ركباناً ﴾ قال: لأصحاب محمد على الخيل في القتال، إذا وقع الخوف فليصلّ الرجل إلى كل جهة، قائماً أو راكباً أو ما قدر على أن يومئ إيماء برأسه أو يتكلم بلسانه.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: أحل الله لك إذا كنت خائفاً أن تصلّي وأنت راكب، وأنت تسعى وتومئ إيماء حيث كان وجهك للقبلة، أو لغير ذلك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ قال: هذا في العدو يصلي الراكب والماشي يومئون إيماء حيث كان وجوههم، والركعة الواحدة تجزئك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد قال: يصلي ركعتين، فإن لم يستطع فركعة، فإن لم يستطع فتكبيرة حيث كان وجهه.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس ﴿ فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ قال: ركعة ركعة.

وأخرج أبو داود عن عبدالله بن أنيس قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن سفيان الهذلي وكان نحو عرنة وعرفات فقال: اذهب فاقتله.

قال: فرأيته وقد حضرت صلاة العصر فقلت: إني لأخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومئ إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال لي: من أنت؟

قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذلك.

قال: إني لفي ذلك.

فمشيت معه ساعة حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم في قوله: ﴿ إن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ قال: إذا حضرت الصلاة في المطادرة فأومئ حيث كان وجهك، واجعل السجود أخفض من الركوع.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ قال: ذلك عند الضراب بالسيف تصلي ركعة إيماء حيث كان وجهك، راكباً كنت أو ماشياً أو ساعياً.

وأخرج الطيالسي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وأبو يعلى والبيهقي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك، وذلك قوله: ﴿ وكفى الله المؤمنين القتال ﴾ [ الأحزاب: 25] فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأقام لكل صلاة إقامة، وذلك قبل أن ينزل عليه ﴿ فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً ﴾ » .

وأخرج وكيع وابن جرير عن مجاهد ﴿ فإذا أمنتم ﴾ قال: خرجتم من دار السفر إلى دار الإِقامه.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فصلوا الصلاة كما افترض عليكم، إذا جاء الخوف كانت لهم رخصة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ﴾ الآية، أراد خفتم عدوًّا فحذف المفعول لإحاطه العلم به.

والرِّجَالُ: جمع رَاجِل، مثل: تَاجِر وتِجَارُ، وصَاحِب وصِحَاب (١) (٢) والرُّكبان: جمع راكبٍ، مثل: فارس وفرسان (٣) (٤) (٥) قال المفسرون: هذا في المُسَايَفَة والمطاردة، يكبر الرجل مستقبلَ القبلة إن أمكنه، وإن (٦) (٧) وما روي عن ابن عباس أنه قال: فرض الله على لسان نبيكم الصلاةَ في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (٨) (٩) (١٠) والصلاة بالإيماء في شدة الخوف لا يختص (١١) (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ فصلوا الصلوات الخمس تامةً بحقوقها ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ يريد: كما افترض عليكم في مواقيتها (١٤) (١) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 321، "تفسير الطبري" 2/ 572 - 573، و"تفسير الثعلبي" 2/ 1281.

(٢) ينظر في رجل: "تهذيب اللغة" 2/ 1371 - 1375، "المفردات" ص196، == و"القاموس" ص 1003 - 1004، وزاد في جمعه: رُجالَى ورَجالَى، ورجْلى ورُجْلان بالضم، ورَجْلة، ورِجْلة وأرجِلَة، وأراجل وأَراجيل.

(٣) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1456 - 1458، و"القاموس" ص 91، ونقل الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1282 عن المفضل قال: لا يقال راكب إلا لصاحب الجمل، وأما صاحب الفرس فيقال له: فارس، ولراكب الحمار: حمَّار، ولراكب البغل: بغّال.

(٤) في (ي) (ذلكم).

(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1283، "تفسير البغوي" 1/ 290.

(٦) في (ي) ولم يمكنه.

(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1283، "تفسير البغوي" 1/ 290.

(٨) أخرجه مسلم (687) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: صلاة المسافرين.

(٩) قال النووي في "المجموع" 4/ 404: إن صلاة الخوف لا يتغير عدد ركعاتها، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا ابن عباس والحسن البصري والضحاك وإسحاق بن راهويه، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جابر وطاوس، فإنهم قالوا: الواجب في الخوف عند شدة القتال ركعة واحدة وقال == البغوي في "تفسيره" 1/ 290: ولا ينتقص عدد الركعات بالخوف عند أكثر أهل العلم.

(١٠) في (أ) و (م) قال.

(١١) في (م): (لا تختص).

(١٢) في (م): (وما إلا وغلب)، وفي (ي): (وأما الأغلب).

(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1283، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 576، "البحر المحيط" 2/ 244.

(١٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 1285، "تفسير البغوي" 1/ 290.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَإنْ خِفْتُمْ ﴾ أي من عدوّ أو سبع أو غير ذلك مما يخاف منه على النفس ﴿ فَرِجَالاً ﴾ جمع راجل أي على رجليه ﴿ أَوْ رُكْبَاناً ﴾ جمع راكب: أي: صلوا كيف ما كنتم من ركوب أو غيره، وذلك في صلاة المسايفة، ولا تنقص منها عن ركعتين في السفر، وأربع في الحضر عند مالك ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله ﴾ الآية: قيل المعنى: إذا زال الخوف فصلوا الصلاة التي علمتموها وهي التامة، وقيل إذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم هذه الصلاة التي تجزئكم في حال الخوف، فالذكر على القول الأوّل في حال الصلاة، وعلى الثاني بمعنى الشكر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وصية ﴾ بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ قانتين ﴾ ه ﴿ أو ركباناً ﴾ ج لأن "إذا" في معنى الشرط مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ.

﴿ إخراج ﴾ ج ﴿ من معروف ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ .

التفسير: الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه  لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين.

وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة.

والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح.

ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ وفي الحديث "احفظ الله يحفظك" وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وحفظته عن الفتن والمحن ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع.

في الخبر "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان" و "إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه" وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه  أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات.

وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها، ولمثل ذلك أخفى الله  ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها.

وعن الربيع: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن؟

قال السائل: لا.

قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى.

القول الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق.

والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين.

القول الثالث: أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة.

ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار.

وأيضاً إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب والعشاء، والصبح متوسط بينهما.

وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما.

قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما.

وقد أقسم الله  بها في قوله ﴿ والفجر وليالٍ عشر  ﴾ وأيضاً قال  : ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد.

وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح.

وأيضاً لا شك أنه  أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش.

وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها.

وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين: الصلاة خير من النوم.

وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً.

فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور.

وعن علي  أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر.

وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى.

القول الرابع: أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى.

وعن زيد بن ثابت أن النبي  كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال  : "لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم" فنزلت هذه الآية.

وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها.

وعن عائشة أنها كانت تقرأ ﴿ والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ وكانت تقول: سمعت ذلك عن رسول الله  .

فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله.

وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة.

القول الخامس: أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة  م، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله  "من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وقد أقسم الله بها في قوله ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر.

فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم.

وعن علي  أن النبي  قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً" رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة.

وهو عظيم الموقع في المسألة.

وفي صحيح مسلم "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" "وعن النبي  أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب.

وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله  يقرؤها فأملت عليه ﴿ والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ " القول السادس: أنها صلاة المغرب.

عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر.

القول السابع: أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب والصبح.

ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي  "من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة" وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها.

ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى.

وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً  ﴾ أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ ولأن قوله ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر.

وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي مطيعين لما روي أنه  قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله  ﴾ ﴿ فالصالحات قانتات  ﴾ فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها.

وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه  كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل، وقد صلى رسول الله  وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ساكتين.

عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من جسده.

ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ أي فصلوا راجلين أو راكبين.

وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً.

وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام و الركوع والسجود.

ورجالاً جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: رجل رجل أي راجل.

والركبان جمع راكب كفارس وفرسان.

ولا يقال راكب إلا لمن كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس.

لكن المراد في الآية أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم.

واعلم أن صلاة الخوف، إما أن تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله  ، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية.

ومذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنَّه لا ضرورة إليه بل الشجاع الساكت أهيب.

وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه  أخر الصلاة يوم الخندق.

وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل.

ويدخل في الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن المال.

أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا المطالب إذا كان معسراً خائفاً من الحبس عاجزاً عن بينة الإعسار يرخص أيضاً في هذه الصلاة لأن قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ مطلق يتناول الكل ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ من صلاة الأمن بقوله ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ كما بينه بشروطه وأركانه.

والصلاة قد تسمى ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم بالأمن.

وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه.

وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

و "ما" في ﴿ كما علمكم ﴾ إما مصدرية أو كافة.

الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ الآية.

من قرأ ﴿ وصية ﴾ بالرفع فـ ﴿ وصية ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأزواجهم ﴾ وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن.

ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا وصية أو يوصون وصية مثل "أنت سير البريد" أي أنت تسير سير البريد أو ألزم الذين يتوفون منكم وصية متاعاً نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعاً.

والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو نصب على الحال، أو نصب بالوصية و ﴿ غير إخراج ﴾ نصب على المصدر المؤكد كقولك "هذا القول غير ما تقول" أو بدل من ﴿ متاعاً ﴾ أو حال من الأزواج أي غير مخرجات.

والمعنى أن حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعده حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن.

وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله ﴿ أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي هو الربع والثمن لقوله  "ألا لا وصية لوارث" وعن علي  وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلاً.

وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس وعائشة، واختاره المزني قياساً على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين.

وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد.

وبناء الخلاف على خبر "فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: فسألت رسول الله  أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم.

فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" .

فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب.

وعن مجاهد أنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها الحول.

قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما معمولاً بها.

وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله  فيلزمكم القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولاً.

فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن - أي قبل ذلك - وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله  ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة.

والسبب فيه أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله  في هذه الآية أن ذلك غير واجب.

ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: "جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟

فقال رسول الله  لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا.

ثم قال رسول الله  : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" .

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به.

قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح.

ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

وإنما قال ههنا ﴿ من معروف ﴾ منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه.

وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع.

ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال  : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول  ﴾ .

الحكم التاسع عشر: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر.

وروي أنها لما نزلت ﴿ ومتعوهن ﴾ إلى قوله ﴿ متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقاً على من كان متقياً عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه  اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة فهي مستثناة من عموم هذه الآية.

ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم يفرض.

واختلفوا في استحقاقها المتعة.

فالقديم من قول الشافعي وبه قال ابو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله  ﴿ فتعالين أمتعكن  ﴾ وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي.

وليست كالمطلقة المذكورة لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق في مقابلة استباحة البضع فيجب لها المتعة للإيحاش.

وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة تمسكاً بظاهر عموم الآية.

وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل ﴿ متاعاً إلى الحول ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ .

و(المحافظة) هو المفاعلة والمفاعلة هي فعل اثنين.

فهو - والله أعلم - أنه إذا حفظها على وقتها ولم يسهو عنها حفظته، وهو كما ذكر في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ  ﴾ .

وفي حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: (إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر).

فعلى ذلك إذا حفظها على أوقاتها مع أحكامها وسننها، ولم يدخل ما ليس فيها - من الكلام، والالتفات، وغير ذلك مما نهى عنه - حفظته.

وكذلك قوله  : ﴿ وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ  ﴾ ، من المفاعلة، فإذا بادر إليها بدرت إليه.

وبالله التوفيق.

وقوله عز وجل: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ .

اختلف أهل العلم في تأويله: قال بعضهم: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ ، أراد كل الصلاة لا صلاة دون صلاة.

وهو - والله أعلم - أن الصلاة هي الوسطى، هي من الدين.

وهو على ما جاء: الإيمان كذا كذا بضعة، أعلاها كذا كذا، وأدناها كذا، فعلى ذلك قوله: والصلاة هي الوسطى من الدين، ليست بأعلاها ولا بأدناها، ولكنها الوسطى من الدين.

وقال آخرون: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ ، هي صلاة العصر.

وعلى ذلك روي عن رسول الله  أنه قال: "هي العصر" .

وذكر في حرف حفصة - رضي الله  عنها -: أنها صلاة العصر.

وقال قائلون: هي الفجر؛ ذهبوا في ذلك إلى أن النهار يجمع الصلاتين، والليل بطرفيه كذلك، فالفجر أوسطها.

وكذلك روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: هي الفجر.

وقال آخرون: هي الظهر؛ ذهبوا في ذلك إلى أنها إنما تقام وسط النهار، فسميت بذلك.

وكذلك روي عن ابن عمر - رضي الله  عنه - أنه قال: هي صلاة الظهر.

ومن قال: هي العصر، ذهب في ذلك إلى ما روي من الخبر، وإلى أن العصر هي الوسطة من صلاتي النهار وصلاتي الليل؛ لأن صلاتين بالنهار قبلها، وصلاتين بالليل بعدها، فهي الواسطة.

والقياس: أن تكون هي المغرب؛ لأن الظهر سميت أولى، والعصر تكون الثانية، فالمغرب هي الواسطة.

لكن لم يقولوا به.

وفيه دلالة أن الصلاة وتر؛ لأن الشفع مما لا وسطى له.

ثم جهة الخصوصية - أيها كانت؟

فإن كانت عصراً: فهو ما ذكر أن الكفرة حملوا على أصحاب رسول الله  في صلاة العصر، فلم يتهيأ لهم إقامتها، فقالوا: احفظوا عليهم صلاة هي أكرم عليهم من أنفسهم وأموالهم.

فظهر بهذا أن لها فضلاً وخصوصية من عند الله ورسوله.

وما روي في الخبر أيضاً من قوله  : "من فاتته العصر وتر أهله وماله" فإن كانت فجراً؛ فلأن الكتاب ذكرها بقوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  ﴾ ، ولما قيل: إن ملائكة الليل والنهار يشهدونها، فظهرت لها الخصوصية والفضل.

ومن قال: إنها ظهر، ذهب إلى خصوصيتها وفضيلتها ما جاء عن رسول الله  أنه كان يصلي قبل الظهر أربعا إذا زالت الشمس، وقال: إن أبواب السماء تفتح في ذلك الوقت.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ وٱلصَّلَٰوةِ ٱلْوُسْطَىٰ ﴾ : تكلم فيه بوجهين: أحدهما: أن الصلاة هي الوسطى، من أمر الدين فهي على أن الأرفع من أمر الدين هو التوحيد والإيمان وذلك هو الذي لا يرتفع بعذر، ولا يسقط بسقوط المحنة، إذ ذلك في الدارين جميعاً وهو الإخلاص، ونفي جميع معاني الخلف به عمن يوحده ويؤمن به وسائر العبادات قد يقدم مع وجود أمور الدنيا والدين والمعاش معها وفي حالها بالذي به قوامها، والتوحيد لا، ثم الصلاة مما بها ترك جميع ما ذكرت في حال فعلها فيما به فعلها، فهي تشبه الإيمان من هذا الوجه، ثم تسقط هي للأعذار، ولا تجب في غيره دار المحنة على ما عليه أمر غيرها من العبادات؛ فصارت بذلك الوسطى من أمر الدين.

والله الموفق.

والثاني: أن تكون هي صلاة من جملتها، فتذكر بحرف التخصيص لها من الجملة، لوجهين: أحدهما: لبيان جملة الفرائض أنها وتر، لا الشفع؛ إذ لا وسطى للشفع، فيكون في ذلك بطلان قول قوم أنكروا العدد لها، وقوم زعموا أنها صلاتان في الجملة.

والله أعلم.

والثاني: أن يراد بذلك التفضيل للصلاة من الصلوات في الحث على فعلها والترغيب في محافظتها، ويجيء أن تكون تلك معروفة عند الذين خوطبوا، إما بالاسم أو بحال من النوازل؛ لأنه لا يحتمل أن يرغب في فعل لا يعلم حقيقة ذلك.

الله أعلم.

ثم لا يكون لاختلاف من لم يشهد النوازل التي عرفت المراد، فقال كل مبلغ جهده فيما أدى إليه رأيه من الترغيب في الفعل أنه على ذلك، لكنهم اختلفوا: فمنهم من اعتبر بالركعات، فقال: أكثرها أربع، وأقلها ركعتان، والوسطى منها ثلاث، فصرف التأويل إلى المغرب.

استدل في الترغيب [بما جاء "إن الله وتر يحب الوتر" وبما جاء من الترغيب] في تعجيلها المبادرة في فعلها، حتى لم يؤذن بالاشتغال عنها عند هجوم وقتها لنافلة وللحاجة.

وذلك بعض ما يعرف من معنى المحافظة، وهي أن الصلوات جعلن متصلات الأوقات، وهي الوسطى منهن.

والله أعلم.

وقوم ردوا إلى صلاة الفجر بما في ذلك من الترغيب والتخصيص بالأمر، كقوله: ﴿ وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً  ﴾ ، وما أخبر من شهود ملائكة الليل والنهار، ولأن وقتها الوسط من أحوال الخلق، إذ أحوالهم تكون سكوناً مرة، وانتشاراً ثانياً، وبذلك ختم أوقات السكون وافتتاح أحوال الانتشار، ووسط الشيء: هو الذي فيه حظ الحواشي، وقد وجد ذلك في وقت هذه الصلاة.

والله أعلم.

ومنهم من صرف إلى العصر بما جاء في ذلك من الترغيب ومن الوعيد في ترك ذلك، وبها ختم أحوال الزلات التي تدخل في المكاسب، فتكون بها التوبة عنها والاستغفار منها.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ حَافِظُواْ ﴾ على مخاطبة الجملة على الإشتراك؛ إذا المفاعلة اسم ذلك على تضمن الترغيب في الجماعات، أو على لزوم كثرة عدد الصلاة، أو على ما خرج الأمر بالمسارعة إلى الخيرات والمسابقة لها، وكل في ذلك - والله أعلم - على أن الظهر سميت أولى، فعلى ذلك تكون المغرب الوسطى.

وقوله  : ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ .

قيل: خاشعين خاضعين فيها، لا يدخل فيها ما ليس منها؛ وعلى ذلك روي عن زيد ابن أرقم، أنه قال: "كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله  ، فلما نزل قوله: ﴿ وَقُومُواْ للَّهِ قَٰنِتِينَ ﴾ ، [مطيعين] أمرنا بالسكوت في صلاتهم خاضعين خاشعين، ونهينا عن الكلام" ؛ وعلى ذلك سمى الدعاء قنوتاً.

وقال آخرون: ﴿ قَٰنِتِينَ ﴾ ، أي مطيعين.

وذلك ما قيل: إن أهل الأديان يقومون في صلاتهم خاضعين ساهين، فأمر أهل الإسلام أن يقوموا مطيعين.

و"القنوت" هو القيام، على ما روي عن رسول الله  ، "أنه سئل عن أفضل الصلوات، فقال: طول القنوت" .

وأصل القنوت - ما ذكرنا - هو القيام، غير الذي يقوم لآخر، يقوم على الخضوع والخشوع والسكوت.

وليس في الآية أنه أمر بذلك في الصلاة، غير أن أهل التأويل صرفوا إلى ذلك؛ لأنها ذكرت على أثر ذكر الصلاة.

وكذلك قوله: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ﴾ ليس فيه أن ذلك في الصلاة، لكنهم صرفوا إليها ذلك؛ لأنه ذكر على أثر ذلك الصلاة.

ثم اختلف فيه: قالوا: ﴿ رُكْبَاناً ﴾ على الدواب، حيثما توجهت بهم الدواب يصلون عليها في حال السير والوقوف.

وعلى ذلك جاءت الآثار من فعل رسول الله  ، وفعل الصحابة، رضوان الله  عليهم أجمعين، في النوافل، فتكون الفرائض عند العذر به مرادة بالآية، بل على ما ظهر فعل النوافل في غيره بالسنة.

وأما قوله: ﴿ فَرِجَالاً ﴾ فمما اختلف فيه: قال: ما يكون ﴿ فَرِجَالاً ﴾ ، فمشاة، وهو من الرجل وترجَّل: مشى راجلا.

وأما عندنا: فهو على المعروف من الصلاة على الأرجل والأقدام قياماً وقعوداً، لا يزال عن الظاهر.

والمعروف الذي عرف الفعل به على ما عرف من الصلاة على الأرجل.

وقوله: ﴿ رُكْبَاناً ﴾ على ما عرف عن الركوب، وهو في حال السير، ولم نر الصلاة تقوم مع المشي فيها.

فإن قيل: صلاة الخوف فيها مشي، فقامت.

قيل: إن المشي ليس في فعل الصلاة؛ لأنهم في الوقت الذي يمشون لا يفعلون فعل الصلاة، وهو كما يقال: إن الصلاة لا تقوم مع الحدث، فإذا أحدث فيها فذهب ليتوضأ، ليس هو في وقت الحدث مصلياً، وإن بقي في حكم الصلاة.

فعلى ذلك المشي في صلاة، ليس هو في فعل الصلاة، وإن كان باقياً على حكم الصلاة؛ والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

يحتمل: قوله ﴿ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ﴾ وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ﴾ يحتمل: أن يصرف إلى الصلاة، أي: صلوا كما علمكم أن تصلوا في حال الأمر.

ويحتمل: أن يصرف إلى غيره من الأذكار، كقوله  : ﴿ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ  ﴾ .

ويحتمل: أن يصرف إلى الشكر، أي: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، واشكروها بي، كقوله  : ﴿ فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ  ﴾ .

والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ  ﴾ ، و ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ ، دليل أن الله  صنع في فعل العباد حث أضاف التعليم إلى نفسه، وهو أن خلق فعل التعليم منه؛ إذ لو لم يكن منه فيه صنع لكان أضيف ذلك المعلم دون البيان؛ فدل إضافته إليه على أن له فيه فعلاً.

نعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم ﴾ .

آي: صلوا له كما علمكم من الصلاة في حال الأمن، إذ معلوم تقدم الأمر بالصلاة وتعليم حدودها.

﴿ وَقُومُواْ ﴾ في الرخصة في التخفيف بحال العذر.

ويحتمل: اذكروا الله بشكر أنما أمنكم كما علمكم من الشكر له في النعم، وأي ذلك كان فهو الذي علمهم بعد أن كانوا غير عالمين به.

والله أعلم.

ودل إضافة التعليم في هذه الآية، وكذلك في قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ  ﴾ ، إليه على وجود الأسباب من الله  له في الأمرين على أن كان من الله  في أحد الأمرين ما ليس منه في الآخر، ومعنى الأسباب فيهما واحد؛ ثبت أنه على خلق فعل التعليم ونفيه.

والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فإن خفتم من عدوٍّ ونحوه، فلم تقدروا على أدائها تامة فصلوا مشاة على أرجلكم أو راكبين على الإبل والخيل ونحوها، أو على أي صفة تقدرون عليها، فإذا زال الخوف عنكم فاذكروا الله كما علَّمكم، ومنه ذِكرُه في الصلاة على كمالها وتمامها، واذكروه أيضًا لتعليمه إياكم ما لم تكونوا تعلمونه من النور والهدى.

<div class="verse-tafsir" id="91.58adG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كانت الآيات السابقة أحكامًا بعضها في العبادات، وبعضها في الحدود والمعاملات، آخرها معاملة الأزواج، ورأينا من سنة القرآن أن يختم كل حكم أو عدة أحكام بذكر الله تعالى والأمر بتقواه، والتذكير بعلمه بحال العبد وبما أعد له من الجزاء على عمله، وفي هذا ما فيه من نفخ روح الدين في الأعمال وإشرابها حقيقة الإخلاص.

ولكن هذا التذكير القولي بما يبعث على إقامة تلك الأحكام على وجهها قد يغفل المرء عن تدبره، ويغيب عن الذهن تذكره، بانهماك الناس في معايشهم واشتغالهم بما يكافحون من شدائد الدنيا، أو ما يلذ لهم من نعيمها، ولهذه الضروب من المكافحات، والفنون من التمتع باللذات، سلطان قاهر على النفس، وحاكم مسخر للعقل والحس، يتنكب بالمرء سبيل الهدى، حتى تتفرق به سبل الهوى، فمن ثم كان المكلف محتاجًا في تأديب الشهوات الحيوانية، إلى مذكر يذكره بمكانته الروحانية، التي هي كمال حقيقته الإنسانية، وهذا المذكر هو الصلاة فهي التي تخلع الإنسان من تلك الشواغل التي لا بد له منها، وتوجهه إلى ربه جل وعلا، فتكثر له مراقبته، حتى تعلو بذلك همته، وتزكو نفسه، فتترفع عن البغي والعدوان، وتتنزه عن دناءة الفسق والعصيان، ويحبب إليها العدل والإحسان، بل ترتقي في معارج الفضل إلى مستوى الامتنان، فتكون جديرة بإقامة تلك الحدود، وزيادة ما يحب الله تعالى من الكرم والجود، ذلك أن الصلاة تنهى، بإقامتها على وجهها، عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله فيها أعظم من جميع المؤثرات وأكبر، فإذا كان الإنسان قد خلق هلوعًا، إذا مسه الشر جزوعًا، وإذا مسه الخير منوعًا، فقد استثنى الله تعالى من هذا الحكم الكلي المصلين، إذا كانوا على الصلاة الحقيقية محافظين.

لهذا قال: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ قال بعض المفسرين في وجه اختيار لفظ المحافظة على الحفظ إن الصيغة على أصلها تفيد المشاركة في الحفظ وهي هنا بين العبد وربه كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الله الذي أمرك بها، كقوله ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ  ﴾ أو بين المصلي والصلاة نفسها أي احفظوها تحفظكم من الفحشاء والمنكر بتنزيه نفوسكم عنهما، ومن البلاء والمحن بتقوية نفوسكم عليهما كما قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ  ﴾ ، وعندي أنه قال حافظوا على الصلوات ولم يقل احفظوها، لأن المفاعلة تدل على المنازعة والمقاومة، ولا يظهر قول بعضهم إن المفاعلة للمشاركة لأن الصلاة تحفظه كما يحفظها، إلا لو كانت العبارة حافظوا الصلوات، ولكنه قال على الصلوات، أي اجتهدوا في حفظها والمداومة عليها.

والصلوات هي الخمس المعروفة ببيان من بين للناس ما نزل إليهم، ونقلت عنه بالتواتر العملي، وأجمع عليها المسلمون من جميع الفرق، فهم على تفرقهم في كثير من المسائل متفقون على أن جاحد صلاة من الخمس لا يعد مسلمًا، على أنهم استنبطوا كونها خمسًا من ذكر الوسطى في الجمع كما في تفسير الرازي.

وهو من قبيل التماس النكتة، ومن آيات أخرى كقوله تعالي: ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ  وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ  ﴾ ، وسيأتي بيان كل شيء في محله إن شاء الله تعالى.

وكانوا يعبرون عن الصلاة بالتسبيح، يقولون سبح الغداة مثلًا.

أي صلي الفجر.

والصلاة الوسطى هي إحدى الخمس.

والوسطى مؤنث الأوسط، ويستعمل بمعنى المتوسط بين شيئين أو أشياء لها طرفان متساويان، وبمعنى الأفضل، وبكل من المعنيين قال قائلون.

ولذلك اختلفوا في: أي الصلوات أفضل وأيتها المتوسطة.

وللعلماء في ذلك ثمانية عشر قولًا أوردها الشوكاني (في نيل الوطار) أصحها رواية ما ذهب إليه الجمهور من كونها صلاة العصر لحديث علي عند أحمد ومسلم وأبي داود مرفوعًا "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" ورواه أحمد والشيخان عنه بلفظ أن النبي  قال يوم الأحزاب: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس "ولم يذكر العصر، ولذلك قال بعضهم إنها الظهر لأنه شغل يوم الأحزاب عنها وعن العصر جميعًا وهي متوسطة وكانت تشق عليهم لأنها تؤدى في وقت الحر والعمل، وفي رواية عن علي عند عبد الله بن أحمد في مسند أبيه كنا نعدها الفجر فقال رسول الله  :"هي صلاة العصر".

ووجه ما رواه أولًا توسطها وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا  ﴾ فقد أشار في الآية إلى الصلوات وجعل لصلاة الفجر مزية خاصة بها وهو كون قرآنها مشهودًا، وورد في معناه أنها تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار.

وفي الحديث التصريح بأن صلاة العصر تشارك صلاة الفجر بهذه المزية.

ولأصحاب الأقوال الأخرى في تعيين الصلاة الوسطى أحاديث لا تصل إلى درجة ما ورد في صلاة العصر، فقيل هي الفجر وقيل هي الظهر كما وقيل هي المغرب وقال الأخفش هي صلاة الجمعة.

وقال بعضهم إنها غير معروفة وأن الله تعالى أبهم الصلاة الفضلى التي ثوابها أكثر لنحافظ على كل صلاة.

ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس لكان يتبادر إلى فهمي من قوله: ﴿ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى  ﴾ أن المراد بالصلاة الفعل وبالوسطى الفضلى، أي حافظوا على أفضل أنواع الصلاة وهي التي يحضر فيها القلب، وتتوجه بها النفس إلى الله تعالى وتخشع لذكره وتدبر كلامه، لا صلاة المرائين ولا الغافلين.

ويقوي هذا قوله بعدها ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ فهو بيان لمعنى الفضل في الفضلى وتأكيد له، إذ قالوا إن في القنوت معنى المداومة على الضراعة والخشوع، أي قوموا ملتزمين لخشية الله تعالى واستشعار هيبته وعظمته، ولا تكمل الصلاة وتكون حقيقية ينشأ عنها ما ذكر الله تعالى من فائدتها إلا بهذا، وهو يتوقف على التفرغ من كل فكر وعمل يشغل عن حضور القلب في الصلاة، وخشوعه لما فيها من ذكر الله بقدر الطاقة.

وقد روى أحمد والشيخان وأصحاب السنن ما عدا ابن ماجة من حديث زيد ابن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ  ﴾ فأمرنا بالسكون ونهينا عن الكلام.

وذلك أن القنوت عبارة عن الانصراف عن شؤون الدنيا إلى مناجاه الله تعالى والتوجه إليه لدعائه وذكره، وحديث الناس مناف له فيلزم من القنوت تركه، ويدل على ذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: كنا نسلم على النبي  وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد، فقلنا -أي بعد الصلاة- يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا فقال "إن في الصلاة شغلاً" وقال سعيد بن المسيب المراد بالقنوت هنا القنوت المعروف في صلاة الصبح وهو إن صح يرجح أنها الصلاة الوسطى.

المحافظة على الصلوات آية الإيمان الكبرى، وقد جعل الشرع الصلاة والزكاة شرطًا لصحة الإسلام وأخوة الدين وما له من الحقوق، قال تعالى في أوائل سورة التوبة في الكلام على المشركين المعتدين ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ  ﴾ ، والأحاديث في منطوق الآية ومفهومها كثيرة.

منها حديث ابن عمر عند أحمد والبخاري ومسلم أن النبي  قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله  "، والمراد بالناس هنا المشركون أهل الأوثان لا أهل الكتاب الذين تقبل مهم الجزية ومن في حكمهم كالمجوس، ذلك أنهم هم الذين كانوا يقاومون دعوة الإسلام ما لا يقاومها سواهم، وكان استقرار الدين من غير دخول مشركي جزيرة العرب في الإسلام ضربًا من المحال، والكلام هنا في مكانة الصلاة من الإسلام لا في الدعوة وحمايتها.

وروى أحمد ومسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث جابر قال، قال رسول الله  :"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة".

وروى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن حبان والحاكم من حديث بريدة قال سمعت رسول الله  يقول: "العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة فمن تركها فقد كفر" صححه النسائي والعراقي.

وروى أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي  أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف"، وفي الآثار ما يشعر بأن الصحابة كانوا متفقين على ذلك فقد روى الترمذي والحاكم، وقال صحيح على شرط الشيخين، عن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب رسول الله  لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.

أرأيت هذه الآيات العزيزة، والأحاديث الناطقة بالعزيمة، فقد نال التأويل منها نيله في الزمن الماضي، وأعرض جماهير المسلمين عنها في الزمن الحاضر، حتى كثر التاركون الغافلون والمارقون وقل عدد المصلين الساهين وندر المصلون المحافظون، ذلك أن الإسلام عند هؤلاء المسلمين، الذين يصفون أنفسهم بالمتمدنين، قد خرج عن كونه عقيدة دينية، إلى كونه جنسية سياسية، آية الاستمساك به والمحافظة عليه والدفاع عنه مدح كبراء حكامه وإن كانوا لا يقيمون حدوده ولا ينفذون أحكامه، بل رفعوا أنفسهم إلى مرتبة التشريع العام، واستبدال القوانين الوضعية بما نزل الله من الأحكام، فلا غرو أن يعد الذي يلغو بمدح دولته أو بذم عدو لها من أكبر أنصار الإسلام، وإن كان لا يعرف حقيقة عقيدته ولا يقيم الصلاة ولا يؤتي الزكاة، ولا يحفل بغير ذلك مما أنزل الله، ولا يشترط أن يكون مخلصًا في دفاعه يتحرى به وجه المنفعة العامة لا تَتَبُّع طرق المال والجاه، أرأيت هؤلاء المسلمين سياسة؟

إن أحدهم لتتلى عليه تلك الآيات والأحاديث فيصر مستكبرًا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرًا، فمنهم من يصده عنها عدم إيمانه بها وهو الذي قد يصف نفسه أو يصفه أقرانه "بالمتمدن والمتنور" ومنهم من يصدف به عنها الاتكال على شفاعة الشافعين، والغرور بالانتساب إلى الإسلام، والاعتقاد بأن النسبة إليه كافية في نيل سعادة الآخرة وعدم المؤاخذة فيها على شيء، ولا سيما الذي يسمي نفسه "محسوبًا على أحد الصالحين"، وهذا اعتقاد أكثر العامة، ولهم من مشايخ الطرق وغيرهم ما يمدهم في غيهم، ويستدرجهم في غرورهم، وما أعظم غرور من يأخذ منهم العهد، ويحافظ على الورد.

نعم إن للإسلام دولة وإن كان هو في نفسه دينًا لا جنسية، ووظيفته دولته أو حكومته إنما هي نشر دعوته، وحفظ عقائده وآدابه، وإقامة فرائضه وسنته، وتنفيذ أحكامه في داره فمن ينصر حكومة الإسلام فإنما ينصرها بمساعدتها على ذلك بالعمل به في نفسه، ويحمل غيره من حاكم ومحكوم عليه، لأنه هو المقوم والمعزز للأمة، وإنما الدولة بالأمة.

وإن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة هما أعظم شعائر الإسلام، فالصلاة هي الركن الركين لصلاح النفوس، والزكاة هي الركن الركين لصلاح الاجتماع، فإذا هدما فلا إسلام في الدولة.

ماذا كان من أثر ترك الصلاة والتهاون بالدين في المدن والقرى والمزارع؟

كان من أثره في المدن فشو الفواحش والمنكرات، تجد حانات الخمر ومواخير الفجور والرقص وبيوت القمار غاصة بخاصة الناس وعامتهم حتى في ليالي رمضان، ليالي الذكر والقرآن، وعبد الناس المال، لا يبالون أجاء من حرام أم من حلال، وانقبضت الأيدي عن أعمال الخير، وانبسطت في أفعال الشر، وزال التعاطف والتراحم، وقلت الثقة من أفراد الأمة بعضهم ببعض فلا يكاد يثق المسلم إلا بالأجنبي، وغير ذلك من فساد الأخلاق، وقبح الفعال من الأفراد، وأكبر من ذلك انحلال الروابط الملية بل تقطع أكثرها، حتى كادت الأمة تخرج عن كونها أمة حقيقية متكافلة بالمصالح الاجتماعية والتعاون على الأعمال المشتركة التي تحفظ وحدتها، وطفق بعض هؤلاء "المتمدنين" الذي قطعوا روابطها بأيديهم، يفكرون في جعل الرابطة الوطنية لأهل كل قطر بدلًا من الرابطة الملية الجامعة لأهل الأقطار الكثيرة، فلم يفلحوا ولكن أثر كلامهم أردأ التأثير في مصر، فالأمة الآن في دور الانسلاخ عما كانت به أمة بسيرة سلفها الصالحين، فتنكبها هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا  ﴾ وهذا الانسلاخ هو الغي الذي توعدهم الله تعالى به في الدنيا.

وأما أثر ذلك في القرى والمزارع فاستحلال جماهير الفلاحين لإهلاك الحرث والنسل عملًا لا قولًا، وذلك باعتداء بعضهم على زرع البعض بالقلع قبل ظهور الثمرة وبالسرقة بعدها، وعلى بهائمه بالقتل بالسم أو السلاح، بل باعتدائهم على أنفسهم بالسلب والنهب والقتل، حتى أعيا ذلك الحكومة على اهتمامها بأمرهم، فبلاد الأرياف المصرية لا أمن فيها على النفس والمال بتأمين الحكومة لأنها صارت كالبوادي التي ليس فيها حكام، لا يعتمد أحد على غير نفسه وعصبته في حفظ نفسه وحقيقته، ولو حافظ هؤلاء وأولئك على الصلوات كما أمر الله تعالى لانتهوا عن الفحشاء والمنكر بالوازع النفسي، فإن الصلاة كما يقول مختار باشا الغازي كالبوليس -"المحتسب"- الملازم يمنع من عمل السوء.

وأنَّى يحافظون عليها ومنهم الذي كفر بالله تقليدًا، ومنهم الذي آمن تقليدًا بما وجد عليه آباءه، وهو أن مرضاة الله تعالى بالنجاة من عذابه والفوز بنعيم الآخرة عنده لا تحصل إلا بواسطة أحد الأولياء الميتين، وإنما يتوسطون لمن يحتفل بموالدهم، أو يسيب لهم السوائب من البقر وغير البقر، ويقدم لأضرحتهم الهدايا والنذور، ومنهم الذي يتعلم كيفية أقوال الصلاة وأعمالها البدنية يؤدونها وهم عن الله ساهون، يراؤون الناس ويمنعون الماعون، وهؤلاء هم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ  ﴾ وإنما المحافظون على الصلاة هم الذي قال فيهم: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ إلخ الآيات.

المحافظ على هذه الصلاة الفضلى ينتهي عن الفحشاء والمنكر، فلا يرضى لنفسه أن يكون حلسًا من أحلاس بيوت القمار ومعاهد اللهو والفسق.

المحافظ على هذه الصلاة لا يمنع الماعون، بل يبذل معونته ورفده لمن يراه مستحقًا لهما.

المحافظ على هذه الصلاة لا يخلف ولا يلوي في حق غيره عليه، وإن حقًا فرضه على نفسه، أو التزمه برًا بغيره، كالاشتراك في الجمعيات الخيرية.

المحافظ على هذه الصلاة لا يضيع حقوق أهله وعياله، ولا حقوق أقاربه وجيرانه، ولا حقوق معامليه وإخوانه.

المحافظ على هذه الصلاة يعظم الحق وأهله، ويحتقر الباطل وجنده، فلا يرضى لنفسه ولا لأمته بالذل والهوان، ولا يعتز بأهل البغي والعدوان.

المحافظ على هذه الصلاة لا تجزعه النوائب، ولا تفل غرار عزمه المصائب، ولا تبطره النعم، ولا تقطع رجاءه النقم، ولا تعبث به الخرافات والأوهام، ولا تطير به رياح الأماني والأحلام، فهو الإنسان الكامل الذي يؤمن شره، ويرجى في الناس خيره، ولو أن فينا طائفة من المصلين الخاشعين، لأقمنا بهم الحجة على المارقين والمرتابين.

ولكن المحافظ على الصلوات والصلاة الوسطى مع القنوت والخشوع قد صار أندر من الكبريت الأحمر، ومن عرفه لا يصدق أن للصلاة يدًا في آدابه العالية، واستقامته في السر والعلانية.

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ  ﴾ .

ثم قال تعالى ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا  ﴾ أي فإن خفتم أن تقوموا لله فيها قانتين مجتمعين فيفتنكم الأعداء بهجومهم عليكم، أو إن خفتم أي خطر أو ضرر من قيامكم قانتين فصلوا كيفما تيسر لكم راجلين أو راكبين، فالرجال جمع راجل وهو الماشي والركبان جمع راكب.

هذا تأكيد للمحافظة وبيان أن الصلاة لا تسقط بحال، لأن حال الخوف على النفس، أو العرض، أو المال هو مظنة العذر في الترك، كما لا يكون السفر عذرًا في ترك الصيام، وكالأعذار الكثيرة لترك صلاة الجمعة، واستبدال صلاة الظهر بها، والسبب في عدم سقوط الصلاة عن المكلف بحال؛ أنها عمل قلبي، وإنما فرضت فيها تلك الأعمال الظاهرة لأنها مساعدة على العمل القلبي المقصود بالذات، وهو تذكر سلطان الله تعالى المستولي علينا وعلى العالم كله، ومن شأن الإنسان إذا أراد عملًا قلبيًا يجتمع فيه الفكر، ويصح فيه توجه النفس وحضور النفس، أن يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل.

ولا ريب أن هذه الهيأة التي اختارها الله تعالى للصلاة هي أفضل معين على استحضار سلطانة، وتذكر كرمه وإحسانه، فإن قولك "الله أكبر" في فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون الله أكبر وأعظم من كل شيء تشغل به نفسك وتوجه إليه همك، ما يغمر روحك، ويستولي على قلبك وإرادتك، وفي قراءة الفاتحة من الثناء على الله تعالى وتذكر رحمته وربوبيته ومعاهدته على اختصاصك إياه بالعبادة والاستعانة، ومن دعائه لأن يهديك صراطه الذي استقام عليه من سبقت لهم منه النعمة من عباده الصالحين ما فيها مما تقدم شرحه في تفسيرها، وكل ما تقرأه من القرآن بعد الفاتحة له في نفس آثار محمودة تختلف باختلاف ما في القرآن من المعارف العالية، والحكمة البالغة، والعبر العظيمة، والهداية القويمة، وانحناؤك للركوع وللسجود بعد ذلك يقوي في النفس معنى العبودية، وتذكر عظمة الألوهية ونعم الربوبية، لما في هذين العملين من علامة الخضوع والخروج عن المألوف، وما شرع فيهما من تسبيح الله، وتذكر عظمته وعلوه جل ثناؤه.

فإذا تعذر عليك الإتيان ببعض الأعمال البدنية، فإن ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية، التي هي روح الصلاة وغيرها وهي الإقبال على الله تعالى واستحضار سلطانه مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الإمكان، الذي لا يمنع من مدافعة الخوف الطارئ من سبع مفترس، أو عدو مغتال، أو لص محتال، وكيف يسقط طلب الصلاة القلبية في حال الخوف وهو يساعد على الخروج منه، أو تخفيف وقعه، فالآية تعلمنا أنه يجب أن لا يذهلنا عن الله شيء من الأشياء، ولا يشغلنا عنه شاغل ولا خوف في حال من الأحوال، ولذلك قال ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا  ﴾ أي فصلوا مشاة أو راكبين كيفما اتفق وهذا في حال الملاحمة في القتال أو مقاومة العدو ودفع الصائل أو الفرار من الأسد، أي ممارسة ذلك بالفعل، فإن كان الوقت وقت صلاة صلى المكلف راجلًا أو راكبًا لا يمنعه من صلاته الكر والفر، ولا الطعن والضرب، ويأتي من أقوال الصلاة بما يأتي مع الحضور والذكر ويومئ بالركوع والسجود بقدر الاستطاعة، ولا يلتزم التوجه إلى القبلة.

وأما صلاة الخوف في غير هذه الحالة كصلاة الجند المعسكر بإزاء العدو جماعة فهي مذكورة في سورة النساء.

﴿ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي زال خوفكم وأطمأننتم فاذكروا الله لأنه علمكم كيف تعبدونه وتصلون له في حال الخوف، فيكون ذلك عونًا لكم على دفعه أي تذكروا نعمه عليكم بهذا التعليم واشكروه له، هذا إذا قيل إن الكاف للتعليل، وإذا قلنا إن الكاف للبدلية فالمعنى فاذكروه على الطريقة التي علمكم إياها من قبل، أي فصلوا على السنة المعروفة في الأمن بإتمام القيام والاستقبال والركوع والسجود.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله