الآية ٢٤٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٠ من سورة البقرة

وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَٰجًۭا وَصِيَّةًۭ لِّأَزْوَٰجِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍۢ ۚ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِى مَا فَعَلْنَ فِىٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍۢ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ ٢٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 116 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الأكثرون : هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله : ( يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) قال البخاري : حدثنا أمية حدثنا يزيد بن زريع عن حبيب عن ابن أبي مليكة ، قال ابن الزبير : قلت لعثمان بن عفان : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها ؟

قال : يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه .

ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان : إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها ، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها ؟

فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي ، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج وعثمان بن عطاء عن عطاء عن ابن عباس في قوله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج ) فكان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة ، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع أو الثمن مما ترك الزوج .

ثم قال : وروي عن أبي موسى الأشعري ، وابن الزبير ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك وزيد بن أسلم والسدي ومقاتل بن حيان ، وعطاء الخراساني والربيع بن أنس : أنها منسوخة .

وروي من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال : كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ثم أنزل الله بعد : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ) فهذه عدة المتوفى عنها زوجها إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها وقال : ( ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن [ مما تركتم ] ) [ النساء : 12 ] فبين ميراث المرأة وترك الوصية والنفقة .

قال : وروي عن مجاهد والحسن وعكرمة وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل بن حيان ، قالوا : نسختها ( أربعة أشهر وعشرا ) قال : وروي عن سعيد بن المسيب قال : نسختها التي في الأحزاب : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات [ ثم طلقتموهن ] ) [ الأحزاب : 49 ] .

قلت : وروي عن [ مقاتل و ] قتادة : أنها منسوخة بآية الميراث .

وقال البخاري : حدثنا إسحاق ابن راهويه ، حدثنا روح حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ) قال : كانت هذه العدة ، تعتد عند أهل زوجها واجب فأنزل الله : ( والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية إن شاءت سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت وهو قول الله : ( غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم ) فالعدة كما هي واجب عليها ، زعم ذلك عن مجاهد : رحمه الله .

وقال عطاء : وقال ابن عباس : نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها فتعتد حيث شاءت وهو قول الله تعالى : ( غير إخراج ) قال عطاء : إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت لقول الله : ( فلا جناح عليكم فيما فعلن [ في أنفسهن ] ) قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى ، فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها .

ثم أسند البخاري عن ابن عباس مثل ما تقدم عنه .

فهذا القول الذي عول عليه مجاهد وعطاء من أن هذه الآية لم تدل على وجوب الاعتداد سنة كما زعمه الجمهور حتى يكون ذلك منسوخا بالأربعة الأشهر وعشر ، وإنما دلت على أن ذلك كان من باب الوصاة بالزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا إن اخترن ذلك ، ولهذا قال : ( وصية لأزواجهم ) أي : يوصيكم الله بهن وصية كقوله : ( يوصيكم الله في أولادكم ) الآية [ النساء : 11 ] وقال : ( وصية من الله ) [ النساء : 12 ] وقيل : إنما انتصب على معنى : فلتوصوا بهن وصية .

وقرأ آخرون بالرفع " وصية " على معنى : كتب عليكم وصية واختارها ابن جرير ولا يمنعن من ذلك لقوله : ( غير إخراج ) فأما إذا انقضت عدتهن بالأربعة الأشهر والعشر أو بوضع الحمل ، واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله ( فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) وهذا القول له اتجاه ، وفي اللفظ مساعدة له ، وقد اختاره جماعة منهم : الإمام أبو العباس ابن تيمية ورده آخرون منهم : الشيخ أبو عمر بن عبد البر .

وقول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث إن أرادوا ما زاد على الأربعة أشهر والعشر فمسلم ، وإن أرادوا أن سكنى الأربعة الأشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة ، وهما قولان للشافعي رحمه الله ، وقد استدلوا على وجوب السكنى في منزل الزوج بما رواه مالك في موطئه عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة ، عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة : أن الفريعة بنت مالك بن سنان وهي أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أخبرتها : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا ، حتى إذا كان بطرف القدوم لحقهم فقتلوه .

قالت : فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي في بني خدرة فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم " قالت : فانصرفت ، حتى إذا كنت في الحجرة ناداني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر بي فنوديت له فقال : " كيف قلت ؟

" فرددت عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي .

فقال : " امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله " قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا .

قالت : فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته ، فاتبعه وقضى به .

وكذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث مالك به ، ورواه النسائي أيضا وابن ماجه من طرق عن سعد بن إسحاق به ، وقال الترمذي : حسن صحيح .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: " والذين يتوفون منكم "، أيها الرجال ويذرون أزواجا = يعني زوجات كن له نساء في حياته, بنكاح= لا ملك يمين.

ثم صرف الخبر عن ذكر من ابتدأ الخبر بذكره, نظير الذي مضى من ذلك في قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234] (139) إلى الخبر عن ذكر أزواجهم.

وقد ذكرنا وجه &; 5-251 &; ذلك, ودللنا على صحة القول فيه في نظيره الذي قد تقدم قبله, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

(140) * * * ثم قال تعالى ذكره: " وصية لأزواجهم "، فاختلفت القرأة في قراءة ذلك: فقرأ بعضهم: " وصية لأزواجهم "، بنصب " الوصية "، بمعنى: فليوصوا وصية لأزواجهم, أو: عليهم [أن يوصوا] وصية لأزواجهم.

(141) * * * و قرأ آخرون: ( وَصِيِّةٌ لأزْوَاجِهِمْ )برفع " الوصية ".

* * * ثم اختلف أهل العربية في وجه رفع " الوصية ".

فقال بعضهم: رفعت بمعنى: كتبت عليهم الوصية.

واعتل في ذلك بأنها كذلك في قراءة عبد الله.

(142) فتأويل الكلام على ما قاله هذا القائل: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا، كتبت عليهم وصية لأزواجهم- ثم ترك ذكر " كتبت ", ورفعت " الوصية " بذلك المعنى، وإن كان متروكا ذكره.

* * * وقال آخرون منهم: بل " الوصية " مرفوعة بقوله: " لأزواجهم " فتأول: لأزواجهم وصية.

* * * والقول الأول أولى بالصواب في ذلك, وهو أن تكون " الوصية " إذا رفعت مرفوعة بمعنى: كتبت عليكم وصية لأزواجكم.

لأن العرب تضمر النكرات مرافعها قبلها إذا أضمرت, فإذا أظهرت بدأت به قبلها, فتقول: " جاءني رجل اليوم ", &; 5-252 &; وإذا قالوا: " رجل جاءني اليوم " لم يكادوا أن يقولونه إلا والرجل حاضر يشيرون إليه ب " هذا ", (143) أو غائب قد علم المخبر عنه خبره, أو بحذف " هذا " وإضماره وإن حذفوه، لمعرفة السامع بمعنى المتكلم, كما قال الله تعالى ذكره: سُورَةٌ أَنْـزَلْنَاهَا [سورة النور: 1] و بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [سورة التوبة: 1]، فكذلك ذلك في قوله: " وصية لأزواجهم ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى القراءتين بالصواب في ذلك عندنا قراءة من قرأه رفعا، لدلالة ظاهر القرآن على أن مقام المتوفى عنها زوجها في بيت زوجها المتوفى حولا كاملا كان حقا لها قبل نـزول قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234]، وقبل نـزول آية الميراث (144) =ولتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو الذي دل عليه الظاهر من ذلك, أوصى لهن أزواجهن بذلك قبل وفاتهن، أو لم يوصوا لهن به.

* * * فإن قال قائل: وما الدلالة على ذلك؟

قيل: لما قال الله تعالى ذكره: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم "، وكان الموصي لا شك، إنما يوصي في حياته بما يأمر بإنفاذه بعد وفاته, (145) وكان محالا أن يوصي بعد وفاته, كان تعالى ذكره إنما جعل لامرأة الميت سكن الحول بعد وفاته (146) =، (147) علمنا أنه حق لها وجب في ماله بغير وصية منه &; 5-253 &; لها, إذ كان الميت مستحيلا أن يكون منه وصية بعد وفاته.

* * * ولو كان معنى الكلام على ما تأوله من قال: " فليوص وصية ", لكان التنـزيل: والذين تحضرهم الوفاة ويذرون أزواجا، وصية لأزواجهم, (148) كما قال: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ [سورة البقرة: 180] * * * وبعدُ, فلو كان ذلك واجبًا لهن بوصية من أزواجهن المتوفّين, لم يكن ذلك حقًّا لهن إذا لم يوص أزواجهن لهن قبل وفاتهم, ولكان قد كان لورثتهم إخراجهن قبل الحول، (149) وقد قال الله تعالى ذكره: " غير إخراج ".

ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما ظنه في تأويله قارئُه: " وصيةً لأزواجهم "، بمعنى: أن الله تعالى كان أمر أزواجهن بالوصية لهنّ.

وإنما تأويل ذلك: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا، كتب الله لأزواجهم عليكم وصية منه لهن أيها المؤمنون- أن لا تخرجوهن من منازل أزواجهن حولا كما قال تعالى ذكره في" سورة النساء غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ [سورة النساء: 12]، ثم ترك ذكر: " كتب الله "، اكتفاء بدلالة الكلام عليه, ورفعت " الوصية " بالمعنى الذي قلنا قبل.

* * * فإن قال قائل: فهل يجوز نصب " الوصية " [على الحال، بمعتى موصين] لهن وصية؟

(150) &; 5-254 &; قيل: لا لأن ذلك إنما كان يكون جائزا لو تقدم " الوصية " من الكلام ما يصلح أن تكون الوصية خارجة منه, فأما ولم يتقدمه ما يحسن أن تكون منصوبة بخروجها منه, فغير جائز نصبها بذلك المعنى.

* * * * ذكر بعض من قال: إن سكنى حول كامل كان حقا لأزواج المتوفين بعد موتهم= على ما قلنا= (151) أوصى بذلك أزواجهن لهن أو لم يوصوا لهن به, وأن ذلك نسخ بما ذكرنا من الأربعة الأشهر والعشر والميراث.

5572- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن منهال قال، حدثنا همام بن يحيى قال: سألت قتادة عن قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، فقال: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا في مال زوجها، ما لم تخرج.

ثم نسخ ذلك بعد في" سورة النساء ", فجعل لها فريضة معلومة: الثمن إن كان له ولد, والربع إن لم يكن له ولد, وعدتها أربعة أشهر وعشرا, فقال تعالى ذكره: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234]، فنسخت هذه الآية ما كان قبلها من أمر الحول.

5573- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج " الآية، قال: كان هذا من قبل أن تنـزل آية الميراث, فكانت المرأة إذا توفي عنها زوجها كان لها السكنى والنفقة حولا إن شاءت, فنسخ ذلك في" سورة النساء ", فجعل لها فريضة معلومة: جعل لها الثمن إن كان له ولد, وإن لم يكن له ولد فلها الربع، وجعل عدتها أربعة أشهر وعشر, فقال: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا .

&; 5-255 &; 5574- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، فكان الرجل إذا مات وترك امرأته, اعتدت سنة في بيته, ينفق عليها من ماله، ثم أنـزل الله تعالى ذكره بعد: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فهذه عدة المتوفى عنها زوجها.

إلا أن تكون حاملا فعدتها أن تضع ما في بطنها.

وقال في ميراثها: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ [سورة النساء: 12]، فبين الله ميراث المرأة, وترك الوصية والنفقة.

5575- حدثنا عن الحسين بن الفرج قال سمعت أبا معاذ قال، سمعت عبيد الله بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله: " وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، كان الرجل إذا توفي أنفق على امرأته في عامه إلى الحول, ولا تزوج حتى تستكمل الحول.

وهذا منسوخ: نسخ النفقة عليها الربع والثمن من الميراث, ونسخ الحول أربعة أشهر وعشر.

5576- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصيه لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، قال: الرجل إذا توفي أنفق على امرأته إلى الحول, ولا تزوج حتى يمضي الحول, فأنـزل الله تعالى ذكره: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فنسخ الأجل الحول, ونسخ النفقة الميراث الربع والثمن.

5577- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، قال: كان ميراث المرأة من زوجها &; 5-256 &; من ربعه: (152) أن تسكن إن شاءت من يوم يموت زوجها إلى الحول, يقول: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ الآية، ثم نسخها ما فرض الله من الميراث= قال، وقال مجاهد: " وصية لأزواجهم " سكنى الحول, ثم نسخ هذه الآية الميراث.

5578- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: كان لأزواج الموتى حين كانت الوصية، نفقة سنة.

فنسخ الله ذلك الذي كتب للزوجة من نفقة السنة بالميراث, فجعل لها الربع أو الثمن= وفي قوله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، قال: هذه الناسخة.

* * * * ذكر من قال: كان ذلك يكون لهن بوصية من أزواجهن لهن به: 5579- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " الآية، قال: كانت هذه من قبل الفرائض, فكان الرجل يوصي لامرأته ولمن شاء.

ثم نسخ ذلك بعد, فألحق الله تعالى بأهل المواريث ميراثهم, وجعل للمرأة إن كان له ولد الثمن, وإن لم يكن له ولد فلها الربع.

وكان ينفق على المرأة حولا من مال زوجها, ثم تحول من بيته.

فنسخته العدة أربعة أشهر وعشرا, ونسخ الربع أو الثمن الوصية لهن, فصارت الوصية لذوي القرابة الذين لا يرثون.

5580- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم "، إلى فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ، يوم نـزلت هذه الآية، كان الرجل إذا مات أوصى لامرأته &; 5-257 &; بنفقتها وسكناها سنة, وكانت عدتها أربعة أشهر وعشرا, فإن هي خرجت حين تنقضي أربعة أشهر وعشرا، انقطعت عنها النفقة, فذلك قوله: فَإِنْ خَرَجْنَ ، وهذا قبل أن تنـزل آية الفرائض, فنسخه الربع والثمن, فأخذت نصيبها, ولم يكن لها سكنى ولا نفقة.

5581- حدثني أحمد بن المقدام قال، حدثنا المعتمر قال، سمعت أبي قال، يزعم قتادة أنه كان يوصى للمرأة بنفقتها إلى رأس الحول.

* * * * ذكر من قال: " نسخ ذلك ما كان لهن من المتاع إلى الحول، من غير تبيينه على أي وجه كان ذلك لهن ": (153) 5582- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن حبيب, عن إبراهيم في قوله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصيه لأزواجهم متاعا إلى الحول "، قال: هي منسوخة.

5583- حدثنا الحسن بن الزبرقان قال، حدثنا أسامة, عن سفيان, عن حبيب بن أبي ثابت قال: سمعت إبراهيم يقول, فذكر نحوه.

5584- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح, عن حصين, عن يزيد النحوي, عن عكرمة والحسن البصري قالا " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، نسخ ذلك بآية الميراث وما فرض لهن فيها من الربع والثمن, ونسخ أجل الحول أن جعل أجلها أربعة أشهر وعشرا.

5585- حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن يونس, عن ابن سيرين, عن ابن عباس: أنه قام يخطب الناس ها هنا, فقرأ لهم سورة &; 5-258 &; البقرة, فبين لهم فيها، (154) فأتى على هذه الآية : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [سورة البقرة: 180]، قال: فنسخت هذه.

ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا " إلى قوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ )، فقال: وهذه .

(155) * * * وقال آخرون: هذه الآية ثابتة الحكم، لم ينسخ منها شيء.

* ذكر من قال ذلك: 5586- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [سورة البقرة: 234]، قال: كانت هذه للمعتدة، تعتد عند أهل زوجها، واجبا ذلك عليها, فأنـزل الله: " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج "، إلى قوله: مِنْ مَعْرُوفٍ .

قال: جعل الله لهم تمام السنة، سبعة أشهر وعشرين ليلة، وصية: إن شاءت سكنت في وصيتها, وإن شاءت خرجت, وهو قول الله تعالى ذكره: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ )، قال: والعدة كما هي واجبة.

5587- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

5588- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى= وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل= عن ابن أبي نجيح, عن عطاء, عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند أهله، تعتد &; 5-259 &; حيث شاءت, وهو قول الله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ ).

قال عطاء: إن شاءت اعتدت عند أهله وسكنت في وصيتها, وإن شاءت خرجت، لقول الله تعالى ذكره: فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ = قال عطاء: جاء الميراث بنسخ السكنى، تعتد حيث شاءت ولا سكنى لها.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال عندي في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله تعالى ذكره كان جعل لأزواج من مات من الرجال بعد موتهم، سكنى حول في منـزله, ونفقتها في مال زوجها الميت إلى انقضاء السنة، (156) ووجب على ورثة الميت أن لا يخرجوهن قبل تمام الحول من المسكن الذي يسكنه, وإن هن تركن حقهن من ذلك وخرجن، لم تكن ورثة الميت من خروجهن في حرج.

ثم إن الله تعالى ذكره نسخ النفقة بآية الميراث, وأبطل مما كان جعل لهن من سكنى حول سبعة أشهر وعشرين ليلة, وردهن إلى أربعة أشهر وعشر، على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم.

5589- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا حجاج قال، أخبرنا حيوة بن شريح, عن ابن عجلان, عن سعيد بن إسحاق بن كعب بن عجرة, وأخبره عن عمته زينب ابنة كعب بن عجرة, عن فريعة أخت أبي سعيد الخدري: أن زوجها خرج في طلب عبد له, فلحقه بمكان قريب فقاتله، وأعانه عليه أعبد معه فقتلوه، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن زوجها خرج في طلب عبد له, فلقيه علوج فقتلوه, وإني في مكان ليس فيه أحد غيري, وإن أجمع لأمري أن أنتقل إلى أهلي!

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل امكثي مكانك حتى يبلغ الكتاب أجله.

(157) &; 5-260 &; وأما قوله: " متاعا "، فإن معناه: جعل ذلك لهن متاعا, أي الوصية التي كتبها الله لهن.

وإنما نصب " المتاع ", لأن في قوله: " وصية لأزواجهم "، معنى متعهن الله, فقيل: " متاعا "، مصدرا من معناه لا من لفظه.

* * * وقوله: (غَيْرَ إِخْرَاجٍ )، فإن معناه أن الله تعالى ذكره جعل ما جعل لهن من الوصية متاعا منه لهن إلى الحول، لا إخراجا من مسكن زوجها= يعني: لا إخراج فيه منه حتى ينقضي الحول.

فنصب " غير " على النعت ل " لمتاع "، كقول القائل: " هذا قيام غير قعود ", بمعنى: هذا قيام لا قعود معه, أو: لا قعود فيه.

* * * وقد زعم بعضهم أنه منصوب بمعنى: لا تخرجوهن إخراجا، وذلك خطأ من القول.

لأن ذلك إذا نصب على هذا التأويل، كان نصبه من كلام آخر غير الأول, وإنما هو منصوب بما نصب " المتاع " على النعت له.

(158) * * * &; 5-261 &; القول في تأويل قوله : فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن المتاع الذي جعله الله لهن إلى الحول في مال أزواجهن بعد وفاتهم وفي مساكنهم، ونهى ورثته عن إخراجهن, إنما هو لهن ما أقمن في مساكن أزواجهن, وأن حقوقهن من ذلك تبطل بخروجهن إن خرجن من منازل أزواجهن قبل الحول من قبل أنفسهن، بغير إخراج من ورثة الميت.

ثم أخبر تعالى ذكره أنه لا حرج على أولياء الميت في خروجهن وتركهن الحداد على أزواجهن.

لأن المقام حولا في بيوت أزواجهن والحداد عليه تمام حول كامل، لم يكن فرضا عليهن, وإنما كان ذلك إباحة من الله تعالى ذكره لهن إن أقمن تمام الحول محدات.

فأما إن خرجن فلا جناح على أولياء الميت ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من معروف, وذلك ترك الحداد.

يقول: فلا حرج عليكم في التزين إن تزينّ وتطيبن وتزوجن, لأن ذلك لهن.

وإنما قلنا: " لا حرج عليهنّ في خروجهن ", وإن كان إنما قال تعالى ذكره: " فلا جناح عليكم "، لأن ذلك لو كان عليهن فيه جناح, لكان على أولياء الرجل فيه جناح بتركهم إياهن والخروج، مع قدرتهم على منعهنّ من ذلك.

ولكن لما لم يكن عليهن جناح في خروجهن وترك الحداد, وضع عن أولياء الميت وغيرهم الحرج فيما فعلن من معروف, وذلك في أنفسهن.

وقد مضت الرواية عن أهل التأويل بما قلناه في ذلك قبل.

* * * وأما قوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )، فإنه يعني تعالى ذكره: " والله عزيز "، في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده من الرجال والنساء, فمنع من &; 5-262 &; كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل: من المتعة والصداق والوصية، وإخراجهن قبل انقضاء الحول، وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها= ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات=" حكيم "، فيما قضى بين عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )، وفي غير ذلك من أحكامه وأقضيته.

----------------------- الهوامش : (139) اقتصر في المخطوطة والمطبوعة على ذكر الآية إلى قوله : "ويذرون أزواجا" ، فأتممتها للبيان .

(140) انظر ما سلف في هذا الجزء : 77-79 .

(141) ما بين القوسين زيادة لا يستقيم الكلام إلا بها .

(142) قراءة عبد الله بن مسعود : { كتب عليكم الوصية لأزواجكم } انظر شواذ القراءات لابن خالويه : 15 ، ومعاني القرآن للفراء : 1/156 ، وغيرها المصححون .

(143) في المخطوطة"لم يكادوا أن يقولونه .

.

.

" ، وفي المطبوعة : "أن يقولوه" ، وأرجح أن الصواب ما أثبت بإسقاط"أن" التي في المخطوطة .

(144) انظر ما سيأتي ص : 254-258 .

(145) في المطبوعة : "يؤمر بإنفاذه .

.

.

" ، والصواب من المخطوطة .

(146) في المطبوعة : "فكان تعالى ذكره إنما جعل .

.

.

" بالفاء مكان الواو ، والصواب من المخطوطة .

وفي المطبوعة : "سكنى الحول" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهما سواء .

(147) في المطبوعة : "علما بأنه حق لها" ، وفي المخطوطة"علمنا به حق" غير منقوطة ، والصواب ما أثبت ، وسياق الجملة : "لما قال الله تعالى .

.

.

وكان الموصى .

.

.

وكان محالا .

.

.

وكان تعالى ذكره .

.

.

= علمنا أنه حق .

.

.

" (148) هذا رد الطبري على من قرأها بالنصب .

(149) في المطبوعة : "ولكان لورثتهم إخراجهن" بإسقاط"قد كان" ، وفي المخطوطة : "ولكان لورثتهم قد كان إخراجهن" ، بتقديم"لورثتهم" ، والصواب ما أثبت .

(150) كان مكان ما بين القوسين بياض في المخطوطة والمطبوعة ، وهذه الزيادة بين القوسين استظهرتها من سياق الكلام .

وهو يريد في كلامه الآتي خروج الحال مصدرا نحو قولهم : "طلع بغتة ، وجاء ركضا ، وقتلته صبرا ، ولقيته كفاحا" .

وانظر سيبوبه 1 : 186 ، وأوضح المسالك 1 : 195 وغيرهما .

هذا ما استطعت أن أقدره من كلام أبي جعفر ورده هذا القول ، وكأنه الصواب إن شاء الله .

(151) انظر ما سلف ص : 252 والتعليق رقم : 3 .

(152) في المطبوعة : "من ريعه" بالياء المثناة التحتية .

وليس لها معنى هنا .

والربع : المنزل والدار والمسكن ، وفي حديث أسامة أنه قال له : "هل ترك لنا عقيل من ربع؟" : أي منزل ، والجمع رباع وربوع وأربع .

وهذه الكلمة"من ربعه" أسقطها الدر المنثور من روايته للأثر 1 : 309 .

(153) في المطبوعة : "من غير بينة" ، والصواب ما في المخطوطة .

(154) في المطبوعة : "فبين لهم فيها" ، والصواب ما في المخطوطة ورقم : 2652 ، أي فسر لهم منها ما فسر .

(155) الأثر : 5585- مضى مختصرا برقم : 2652 .

(156) في المخطوطة : "إلى انقضاء وجب" ، وما بينهما بياض ، وما في المطبوعة أشبه بالصواب (157) الحديث : 5589- حجاج : هو ابن رشدين بن سعد .

وهو الذي يروي عن حيوة بن شريح ، ويروي عنه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم .

وهو -عندنا- ثقة .

وقد مضت ترجمته مفصلة في : 763 .

ابن عجلان : هو محمد بن عجلان المدني الثقة ، مضى في : 304 .

سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة : مضى في : 5090 .

وقد وقع في المطبوعة هنا"سعيد" بدل"سعد" - كما وقع فيما مضى .

والأشهر ما أثبتنا .

والحديث مضى مختصرا : 5090 ، من رواية فليح بن سليمان ، عن سعد بن إسحاق ، بهذا الإسناد .

وفصلنا القول في تخريجه ، مطولا ومختصرا ، كأنا استوعبنا هناك ما وجدنا من طرقه ، إلا روايات الطحاوي فقد رواه في معاني الآثار 2 : 45-46 بتسعة أسانيد .

وإلا الطريق التي هنا ، فلم نكن رأيناها .

ثم لم نجد هذه الطريق في شيء من الدواوين ، غير الطبري .

أما الحديث في ذاته فصحيح ، ورواياته الصحاح - التي أشرنا إليها هناك : مطولة مفصلة بأكثر مما هنا .

فريعة بنت مالك ، أخت أبي سعيد : هي بضم الفاء بالتصغير ، في أكثر الروايات .

ووقع اسمها في المخطوطة هنا"الفارعة" .

ولم أجدها في شيء من الروايات هكذا ، إلا في إحدى روايات النسائي 2 : 113 .

وكذلك لم يذكر الحافظ في الإصابة هذ الرواية إلا عن رواية النسائي .

والحديث ذكره ابن كثير 1 : 588-589 ، عن رواية الموطأ ، التي أشرنا إليها فيما مضى .

وهي في الموطأ ، ص : 591 .

(158) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 156 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيمفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أن المتوفى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى عنها حولا ، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل ، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها ، ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر ، ونسخت النفقة بالربع والثمن في سورة " النساء " قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع .

وفي السكنى خلاف للعلماء ، روى البخاري عن ابن الزبير قال : قلت لعثمان هذه الآية التي في " البقرة " : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - ( غير إخراج ) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها أو تدعها ؟

قال : يا ابن أخي لا أغير شيئا منه من مكانه .

وقال الطبري عن مجاهد : إن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها ، والعدة كانت قد ثبتت أربعة أشهر وعشرا ، ثم جعل الله لهن [ ص: 207 ] وصية منه سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة ، فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، وهو قول الله عز وجل : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم .

قال ابن عطية : وهذا كله قد زال حكمه بالنسخ المتفق عليه إلا ما قوله الطبري مجاهدا رحمهما الله تعالى ، وفي ذلك نظر على الطبري .

وقال القاضي عياض : والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر .

قال غيره : معنى قوله ( وصية ) أي من الله تعالى تجب على النساء بعد وفاة الزوج بلزوم البيوت سنة ثم نسخ .قلت : ما ذكره الطبري عن مجاهد صحيح ثابت ، خرج البخاري قال : حدثنا إسحاق قال حدثنا روح قال حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا قال : كانت هذه العدة تعتد عند أهل زوجها واجبة فأنزل الله تعالى : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا - إلى قوله - من معروف قال : جعل الله لها تمام السنة سبعة أشهر وعشرين ليلة وصية ، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت ، وهو قوله تعالى : غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم إلا أن القول الأول أظهر لقوله عليه السلام : إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة عند رأس الحول .

.

.

الحديث .

وهذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم عن حالة المتوفى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع ، فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت حولا ثم نسخ بالأربعة الأشهر والعشر ، هذا - مع وضوحه في السنة الثابتة المنقولة بأخبار الآحاد - إجماع من علماء المسلمين لا خلاف فيه ، قاله أبو عمر ، قال : وكذلك سائر الآية .

فقوله عز وجل : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج منسوخ كله عند جمهور العلماء ، ثم نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول ، إلا رواية شاذة مهجورة جاءت عن ابن أبي نجيح عن مجاهد لم يتابع عليها ، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فيما علمت .

وقد روى ابن جريج عن مجاهد مثل ما عليه الناس ، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف ، وبالله التوفيق .[ ص: 208 ] الثانية : قوله تعالى : ( وصية ) قرأ نافع وابن كثير والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر " وصية " بالرفع على الابتداء ، وخبره " لأزواجهم " .

ويحتمل أن يكون المعنى عليهم وصية ، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة ، قال الطبري : قال بعض النحاة : المعنى كتبت عليهم وصية ، ويكون قوله " لأزواجهم " صفة ، قال : وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود .

وقرأ أبو عمرو وحمزة وابن عامر ( وصية ) بالنصب ، وذلك حمل على الفعل ، أي فليوصوا وصية .

ثم الميت لا يوصي ولكنه أراد إذا قربوا من الوفاة ، و ( لأزواجهم ) على هذه القراءة أيضا صفة .

وقيل : المعنى أوصى الله وصية .

( متاعا ) أي متعوهن متاعا : أو جعل الله لهن ذلك متاعا لدلالة الكلام عليه ، ويجوز أن يكون نصبا على الحال أو بالمصدر الذي هو الوصية ، كقوله : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ، والمتاع هاهنا نفقة سنتها .الثالثة : قوله تعالى : غير إخراج معناه ليس لأولياء الميت ووارثي المنزل إخراجها و " غير " نصب على المصدر عند الأخفش ، كأنه قال لا إخراجا .

وقيل : نصب لأنه صفة المتاع وقيل : نصب على الحال من الموصين أي متعوهن غير مخرجات .

وقيل : بنزع الخافض ، أي من غير إخراج .الرابعة : قوله تعالى : فإن خرجن الآية ؛ معناه فإن خرجن باختيارهن قبل الحول .

فلا جناح عليكم أي لا حرج على أحد ولي أو حاكم أو غيره ؛ لأنه لا يجب عليها المقام في بيت زوجها حولا .

وقيل : أي لا جناح في قطع النفقة عنهن ، أو لا جناح عليهن في التشوف إلى الأزواج ، إذ قد انقطعت عنهن مراقبتكم أيها الورثة ، ثم عليها ألا تتزوج قبل انقضاء العدة بالحول ، أو لا جناح في تزويجهن بعد انقضاء العدة ؛ لأنه قال من معروف وهو ما يوافق الشرع ( والله عزيز ) صفة تقتضي الوعيد بالنسبة لمن خالف الحد في هذه النازلة ، فأخرج المرأة وهي لا تريد الخروج .

( حكيم ) أي محكم لما يريد من أمور عباده .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: الأزواج الذين يموتون ويتركون خلفهم أزواجا فعليهم أن يوصوا { وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } أي: يوصون أن يلزمن بيوتهم مدة سنة لا يخرجن منها { فإن خرجن } من أنفسهن { فلا جناح عليكم } أيها الأولياء { فيما فعلن في أنفسهم من معروف والله عزيز حكيم } أي: من مراجعة الزينة والطيب ونحو ذلك وأكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة بما قبلها وهي قوله: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وقيل لم تنسخها بل الآية الأولى دلت على أن أربعة أشهر وعشر واجبة، وما زاد على ذلك فهي مستحبة ينبغي فعلها تكميلا لحق الزوج، ومراعاة للزوجة، والدليل على أن ذلك مستحب أنه هنا نفى الجناح عن الأولياء إن خرجن قبل تكميل الحول، فلو كان لزوم المسكن واجبا لم ينف الحرج عنهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( والذين يتوفون منكم ) يا معشر الرجال ( ويذرون ) أي يتركون ( أزواجا ) أي زوجات ( وصية لأزواجهم ) قرأ أهل البصرة وابن عامر وحمزة وحفص وصية بالنصب على معنى فليوصوا وصية وقرأ الباقون بالرفع أي كتب عليكم الوصية ( متاعا إلى الحول ) متاعا نصب على المصدر أي متعوهن متاعا وقيل : جعل الله ذلك لهن متاعا والمتاع نفقة سنة لطعامها وكسوتها وسكنها وما تحتاج إليه ( غير إخراج ) نصب على الحال وقيل بنزع حرف على الصفة أي من غير إخراج نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات فأنزل الله هذه الآية فأعطى النبي صلى الله عليه وسلم والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيئا وأمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا كاملا وكانت عدة الوفاة في ابتداء الإسلام حولا كاملا وكان يحرم على الوارث إخراجها من البيت قبل تمام الحول وكانت نفقتها وسكناها واجبة في مال زوجها تلك السنة ما لم تخرج ولم يكن لها الميراث فإن خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها وكان على الرجل أن يوصي بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع والثمن ونسخ عدة الحول بأربعة أشهر وعشر .

قوله تعالى : ( فإن خرجن ) يعني من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة ( فلا جناح عليكم ) يا أولياء الميت ( في ما فعلن في أنفسهن من معروف ) يعني التزين للنكاح ولرفع الجناح عن الرجال وجهان : أحدهما : لا جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل انقضاء الحول .

والآخر : لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج لأن مقامها في بيت زوجها حولا غير واجب عليها خيرها الله تعالى بين أن تقيم حولا ولها النفقة والسكنى وبين أن تخرج فلا نفقة ولا سكنى إلى أن نسخه بأربعة أشهر وعشر .

( والله عزيز حكيم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجا» فليوصوا «وصيةً» وفي قراءة بالرفع أي عليهم «لأزواجهم» وليعطوهن «متاعا» ما يتمتعن به من النفقة والكسوة «إلى» تمام «الحول غير إخراج» حال أي غير مخرجات من مسكنهن «فإن خرجن» بأنفسهن «فلا جناح عليكم» يا أولياء الميت «في ما فعلن في أنفسهن من معروف» شرعا كالتزين وترك الإحداد وقطع النفقة عنها «والله عزيز» في ملكه «حكيم» في صنعه والوصية المذكورة منسوخة بآية الميراث وتربص الحول بآية أربعة أشهر وعشرا السابقة المتأخرة في النزول والسكنى ثابتة لها عند الشافعي رحمه الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والأزواج الذين يموتون ويتركون زوجات بعدهم، فعليهم وصيةً لهنَّ: أن يُمَتَّعن سنه تامة من يوم الوفاة، بالسكنى في منزل الزوج من غير إخراج الورثة لهن مدة السنة؛ جبرًا لخاطر الزوجة، وبرًا بالمتوفَّى.

فإن خرجت الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة فلا إثم عليكم -أيها الورثة- في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة.

والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه.

وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا).

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم السورة الكريمة حديثها عن أحكام الزواج وما يتعلق به من طلاق ووصية وعدة وغير ذلك من أحكام بقوله - تعالى - :( والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً .

.

.

)الآية الكريمة من هذه الآيات تبين بعض الحقوق التي شرعها الله - تعالى - للمرأة التي توفي عنها زوجها .والمعنى : لقد شرع الله لكم فيما شرع من أحكام ، أن على المسلم قبل أن يحضره الموت أن يوصى لزوجته التي على قيد الحياة بما تنتفع به انتفاعاً مستمراً لمدة حول من وفاته ، ولا يصح أن يخرجها أحد من مسكن الزوجية .وقوله : ( وَصِيَّةً ) فيه قراءتان مشهورتان .القراءة الأولى بالنصب ، والتقدير : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً فليوصوا وصية ، أو كتب الله عليهم وصية لأزواجهم .والقراءة الثانية بالرفع والتقدير : فعليهم وصية لأزواجهم .وعلى قراءة النصب تكون كلمة ( وَصِيَّةً ) مفعولا مطلقاً أو مفعولا به ، وعلى قراء الرفع تكون مبتدأ محذوف الخبر .

وقوله : ( لأَزْوَاجِهِمْ ) جار ومجرور متعلق بمحذوف صفة لكلمة ( وَصِيَّةً ) على القراءتين .

أي : وصية كائنة لأزواجهم .والمراد بقوله : ( مَّتَاعاً ) ما تتمتع به الزوجة من السكن والنفقة بعد وفاة زوجها بوصية منه .

وهو منصوب على المصدر أي متعوهن متاعاً أوم على المفعولية .

أي جعل الله لهن ذلك متاعاً .وقال - سبحانه - : ( مَّتَاعاً إِلَى الحول ) للتنصيص على أن هذه المدة تمتد حولا كاملا منذ وفاة زوجها ، إذ كلمة حول تدل على التحول أي حتى تعود الأيام التي حدثت فيها الوفاة .

وقوله : " غير إخراج " حال من أزواجهم أي غير مخرجات من مسكن الزوجية ، فلا يصح لورثة الميت أن يخرجوهن من مسكن الزوجية بغير رضاهن ، لأن بقاءهن في مسكن الزوجية حق شرعه الله لهن ، فلا يجوز لأحد أن يسلبه منهن بغير رضاهن .ثم قال - تعالى - : ( فَإِنْ خَرَجْنَ ) من منزل الزوجية برضاهن ورغبتهن ( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ) أي فلا إثم عليكم أيها المسلمون ( فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ) أي فيما فعلن في أنفسهن من أمور لا ينكرها الشرع كالتزين والتطيب والتزوج بعد انتهاء عدتها وهي أربعة أشهر وعشرة أيام .هذا ، وللعلماء في تفسير هذه الآية اتجاهان مشهوران :أما الاتجاه الأول : فيرى أصحابه أن هذه الآية منسوخة لأنها توجب على الزوج حين مشارفة الموت أن يوصي لزوجته بالنفقة والسكني حولا ، ويجب عليها الاعتداد حولان ، وهي مخيرة بين السكنى في بيته حولا ولها النفقة ، وبين أن تخجر منه ولا نفقة لها ، ولم يكن لها ميراث من زوجها قالوا : وكان هذا الحكم في ابتداء الإِسلام .

وقد نسخ وجوب الوصية بالنفقة والسكنى بآية المواريث وبحديث " ألا لا وصية لوارث " حيث جعل لها الربع أو الثمن عوضاً عن النفقة والسكنى ونسخ وجوب العدة حولا بقوله - تعالى - قبل ذلك : ( والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) الآية .قالوا : ومما يشهد لذلك ما أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : نسخت بآية الميراث بما فرض الله لن من الربع والثمن " ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً " .وقد حكى هذا الرأي صاحب الكشاف فقال : والمعنى : أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصلوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا ، أي : ينفق عليهن من تركته ولا يخرجهن من مساكنهن .

وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة بقوله : ( أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) وقيل نسخ ما زاد منه على هذا المقدار .

ونسخت النفقة بالإِرث الذي هو الربع والثمن .واختلف في السكني فعند أبي حنيفة لا سكنى .

ثم قال : فإن قلت كيف نسخت الآية المتقدمة والمتأخرة؟

قلت : قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل .

كقوله - تعالى - : ( سَيَقُولُ السفهآء ) مع قوله : ( قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء ) وعلى هذا الاتجاه سار جمهور المفسرين .أما الاتجاه الثاني : فيرى أصحابه أن هذه الآية محكمة وليست منسوخة وممن ذهب إلى هذا الاتجاه مجاهد ، فقد قال ما ملخصه : دلت الآية الأولى وهي ( يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) على أن هذه عدتها المفروضة تعتدها عند أهل زوجها .

ودلت هذه الآية بزيادة سبعة أشهر وعشرين ليلة على العدة السابقة تمام الحول ، وأن ذلك من باب الوصية للزوجات أن يمكن من السكنى في بيوت أزواجهن بعد وفاتهم حولا كاملا ولا يمنعن من ذلك لقوله : ( غَيْرَ إِخْرَاجٍ ) فإذا انقضت عدتهن بالأربعة أشهر والعشر - أو بوضع الحمل - واخترن الخروج والانتقال من ذلك المنزل فإنهن لا يمنعن من ذلك لقوله : ( فَإِنْ خَرَجْنَ ) .ومن المفسرين الذين أيدوا هذا الاتجاه الإِمام ابن كثير فقد قال - بعد أن ساق قول مجاهد - وهذا القول له اتجاه وفي اللفظ مساعدة له وقد اختاره جماعة منهم الإِمام أبو العباس بن تيمية .كما أيده أيضاً الإِمام الفخر في تفسيره ، فقد قال بعد أن ساق بعض الأدلة التي تثبت ضعف قول من قال بالنسخ : " فكان المصير إلى قول مجاهد ألوى من التزام النسخ من غير دليل " .والخلاصة أن أصحاب هذا الاتجاه الثاني لا يرون معارضة بين هذه الآية وبين آية ( والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) لأن الآية التي معنا لا تتحدث عن عدة المتوفي عنها زوجها وإنما تتحدث عن حقها في البقاء في منزل الزوجية بعد وفاة زوجها ، وأن هذا الحق ثابت لها فإن شاءت بقيت فيه ، وإن شاءت خرجت منه على حسب ما نراه مصلحة لها ، ولأنها لا يوجد من ألفاظها أو معانيها ما يلزم المرأة بالتربص والامتناع عن الأزواج مدة معينة .أما الآية الثانية فنراها واضحة في الأمر بالتربص أربعة أشهر وعشراً ، وهي العدة التي يجب أن تمتنع فيها المرأة التي مات عنها زوجها عن التزين والتعرض للزواج .

إذن فلا تعارض بين الآيتين ومتى انتفى التعارض انتفى النسخ .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي : عزيز في انتقامه ممن تعدى حدوده ، إذ هو القاهر فوق عباده ، حكيم فيما شرع لهم من آداب وأحكام فينبغي أن يمتثل الناس أوامره ويجتنبوا ما نهاهم عنه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم السابع عشر: الوفاة: فيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم ﴿ وَصِيَّة ﴾ بالرفع، والباقون بالنصب، أما الرفع ففيه أقوال الأول: أن قوله: ﴿ وَصِيَّة ﴾ مبتدأ وقوله: ﴿ لأَزْوَاجِهِم ﴾ خبر، وحسن الابتداء بالنكرة، لأنها متخصصة بسبب تخصيص الموضع، كما حسن قوله: سلام عليكم، وخير بين يديك والثاني: أن يكون قوله: ﴿ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم ﴾ مبتدأ، ويضمر له خبر، والتقدير فعليهم وصية لأزواجهم، ونظيره قوله: ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ ، ﴿ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ  ﴾ ، ﴿ فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ  ﴾ والثالث: تقدير الآية: الأمر وصية، أو المفروض، أو الحكم وصية، وعلى هذا الوجه أضمرنا المبتدأ والرابع: تقدير الآية: كتب عليكم وصية والخامس: تقديره: ليكون منكم وصية والسادس: تقدير الآية: ووصية الذين يتوفون منكم وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائزة حسنة، وأما قراءة النصب ففيها وجوه: الأول: تقدير الآية فليوصوا وصية والثاني: تقديرها: توصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد أي تسير سير البريد الثالث: تقديرها: ألزم الذين يتوفون وصية.

أما قوله تعالى: ﴿ متاعا ﴾ ففيه وجوه: الأول: أن يكون على معنى: متعوهن متاعاً، فيكون التقدير: فليوصوا لهن وصية، وليمتعوهن متاعاً الثاني: أن يكون التقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبل الكلام يدل على هذا الثالث: أنه نصب على الحال.

أما قوله: ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ ففيه قولان الأول: أنه نصب بوقوعه موقع الحال كأنه قال: متعوهن مقيمات غير مخرجات والثاني: انتصب بنزع الخافض، أراد من غير إخراج.

المسألة الثانية: في هذه الآية ثلاثة أقوال الأول: وهو اختيار جمهور المفسرين، أنها منسوخة، قالوا: كان الحكم في ابتداء الإسلام أنه إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من ميراثه شيء إلا النفقة والسكنى سنة، وكان الحول عزيمة عليها في الصبر عن التزوج، ولكنها كانت مخيرة في أن تعتد إن شاءت في بيت الزوج، وإن شاءت خرجت قبل الحول، لكنها متى خرجت سقطت نفقتها، هذا جملة ما في هذه الآية، لأنا إن قرأنا ﴿ وَصِيَّة ﴾ بالرفع، كان المعنى: فعليهم وصية، وإن قرأناها بالنصب، كان المعنى: فليوصوا وصية، وعلى القراءتين هذه الوصية واجبة، ثم إن هذه الوصية صارت مفسرة بأمرين أحدهما: المتاع والنفقة إلى الحول والثاني: السكنى إلى الحول، ثم أنزل تعالى أنهن إن خرجن فلا جناح عليكم في ذلك، فثبت أن هذه الآية توجب أمرين أحدهما: وجوب النفقة والسكنى من مال الزوج سنة والثاني: وجوب الاعتداد سنة، لأن وجوب السكنى والنفقة من مال الميت سنة توجب المنع من التزوج بزوج آخر في هذه السنة، ثم إن الله تعالى نسخ هذين الحكمين، أما الوصية بالنفقة والسكنى فلأن القرآن دل على ثبوت الميراث لها، والسنة دلت على أنه لا وصية لوارث، فصار مجموع القرآن والسنة ناسخاً للوصية للزوجة بالنفقة والسكنى في الحول، وأما وجوب العدة في الحول فهو منسوخ بقوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا  ﴾ فهذا القول هو الذي اتفق عليه أكثر المتقدمين والمتأخرين من المفسرين.

القول الثاني: وهو قول مجاهد: أن الله تعالى أنزل في عدة المتوفى عنها زوجها آيتين أحدهما: ما تقدم وهو قوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ والأخرى: هذه الآية، فوجب تنزيل هاتين الآيتين على حالتين.

فنقول: إنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها، كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً على ما في تلك الآية المتقدمة، وأما إن اختارت السكنى في دار زوجها، والأخذ من ماله وتركته، فعدتها هي الحول، وتنزيل الآيتين على هذين التقديرين أولى، حتى يكون كل واحد منهما معمولاً به.

القول الثالث: وهو قول أبي مسلم الأصفهاني: أن معنى الآية: من يتوفى منكم ويذرون أزواجاً، وقد وصوا وصية لأزواجهم بنفقة الحول وسكنى الحول فإن خرجن قبل ذلك وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله تعالى لهن فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة، قال: والسبب أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً كاملاً، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فبين الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب، وعلى هذا التقدير فالنسخ زائل، واحتج على قوله بوجوه: أحدها: أن النسخ خلاف الأصل فوجب المصير إلى عدمه بقدر الإمكان الثاني: أن يكون الناسخ متأخراً عن المنسوخ في النزول، وإذا كان متأخراً عنه في النزول كان الأحسن أن يكون متأخراً عنه في التلاوة أيضاً، لأن هذا الترتيب أحسن، فأما تقدم الناسخ على المنسوخ في التلاوة، فهو وإن كان جائزاً في الجملة، إلا أنه يعد من سوء الترتيب وتنزيه كلام الله تعالى عنه واجب بقدر الإمكان ولما كانت هذه الآية متأخرة عن تلك التلاوة، كان الأولى أن لا يحكم بكونها منسوخة بتلك.

الوجه الثالث: وهو أنه ثبت في علم أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين النسخ وبين التخصيص، كان التخصيص أولى، وهاهنا إن خصصنا هاتين الآيتين بالحالتين على ما هو قول مجاهد اندفع النسخ فكان المصير إلى قول مجاهد أولى من التزام النسخ من غير دليل، وأما على قول أبي مسلم فالكلام أظهر، لأنكم تقولون تقدير الآية: فعليهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها: فليوصوا وصية، فأنتم تضيفون هذا الحكم إلى الله تعالى، وأبو مسلم يقول: بل تقدير الآية: والذين يتوفون منكم ولهم وصية لأزواجهم، أو تقديرها: وقد أوصوا وصية لأزواجهم، فهو يضيف هذا الكلام إلى الزوج، وإذا كان لابد من الإضمار فليس إضماركم أولى من إضماره، ثم على تقدير أن يكون الإضمار ما ذكرتم يلزم تطرق النسخ إلى الآية، وعند هذا يشهد كل عقل سليم بأن إضمار أبي مسلم أولى من إضماركم، وأن التزام هذا النسخ التزام له من غير دليل، مع ما في القول بهذا النسخ من سوء الترتيب الذي يجب تنزيه كلام الله تعالى عنه، وهذا كلام واضح.

وإذا عرفت هذا فنقول: هذه الآية من أولها إلى آخرها تكون جملة واحدة شرطية، فالشرط هو قوله: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ فهذا كله شرط، والجزاء هو قوله: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾ فهذا تقرير قول أبي مسلم، وهو في غاية الصحة.

المسألة الثالثة: المعتدة عن فرقة الوفاة لا نفقة لها ولا كسوة، حاملاً كانت أو حائلاً، وروي عن علي عليه السلام وابن عمر رضي الله عنهما، أن لها النفقة إذا كانت حاملاً، وعن جابر وابن عباس رضي الله عنهم أنهما قالا لا نفقة لها حسبها الميراث، وهل تستحق السكنى فيه قولان أحدهما: لا تستحق السكنى وهو قول علي عليه السلام وابن عباس وعائشة، ومذهب أبي حنيفة واختيار المزني والثاني: تستحق وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال مالك والثوري وأحمد، وبناء القولين على خبر فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قتل زوجها قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم إني أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما تركني في منزل يملكه فقال عليه السلام: «نعم» فانصرفت حين إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، واختلفوا في تنزيل هذا الحديث، قيل لم يوجب في الابتداء، ثم أوجب فصار الأول منسوخاً، وقيل: أمرها بالمكث في بيتها أمراً على سبيل الاستحباب لا على سبيل الوجوب، واحتج المزني رحمه الله على أنه لا سكنى لها، فقال: أجمعنا على أنه لا نفقة لها، لأن الملك انقطع بالموت، فكذلك السكنى، بدليل أنهم أجمعوا على أن من وجب له نفقة وسكنى من والد وولد على رجل فمات انقطعت نفقتهم وسكناهم، لأن ماله صار ميراثاً للورثة، فكذا هاهنا.

أجاب الأصحاب فقالوا: لا يمكن قياس السكنى على النفقة لأن المطلقة الثلاث تستحق السكنى بكل حال ولا تستحق النفقة لنفسها عند المزني ولأن النفقة وجبت في مقابلة التمكين من الاستمتاع ولا يمكن هاهنا، وأما السكنى فوجبت لتحصين النساء وهو موجود هاهنا فافترقا.

إذا عرفت هذا فنقول: القائلون بأن هذه الآية منسوخة لابد وأن يختلف قولهم بسبب هذه المسألة، وذلك لأن هذه الآية توجب النفقة والسكنى، أما وجوب النفقة فقد صار منسوخاً، وأما وجوب السكنى فهل صار منسوخاً أم لا؟

والكلام فيه ما ذكرناه.

المسألة الرابعة: القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالاً فقالوا: الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمر بالوصية، فكيف يوصي المتوفى؟

وأجابوا عنه بأن المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم  ﴾ وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ فالمعنى: لا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين، ومن الإقدام على النكاح، وفي رفع الجناح وجهان: أحدهما: لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول والثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

تقديره فيمن قرأ وصية بالرفع: ووصية الذين يتوفون، أو وحكم الذين يتوفون وصية لأزواجهم، أو والذين يتوفون أهل وصية لأزواجهم.

وفيمن قرأ بالنصب: والذين يتوفون يوصون وصية، كقولك: إنما أنت سير البريد، بإضمار تسير.

أو والزم الذين يتوفون وصية.

وتدل عليه قراءة عبد الله: ﴿ كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول ﴾ ، مكان قوله: ﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لاّزْوَاجِهِم متاعا إِلَى الحول ﴾ وقرأ أبيّ: ﴿ متاع لأزواجهم متاعاً ﴾ .

وروي عنه: ﴿ فمتاع لأزواجهم ﴾ .

ومتاعاً نصب بالوصية، إلا إذا أضمرت يوصون، فإنه نصب بالفعل.

وعلى قراءة أبيّ متاعاً نصب بمتاع، لأنه في معنى التمتيع؛ كقولك: الحمد لله حمد الشاكرين، وأعجبني ضرب لك زيداً ضرباً شديداً.

و ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ مصدر مؤكد كقولك: هذا القول غير ما تقول.

أو بدل من متاعاً.

أو حال من الأزواج، أي غير مخرجات.

والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً، أي ينفق عليهنّ من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخت المدة بقوله: ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ وقيل: نسخ ما زاد منه على هذا المقدار، ونسخت النفقة بالإرث الذي هو الربع والثمن.

واختلف في السكنى، فعند أبي حنيفة وأصحابه: لا سكنى لهن ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ ﴾ من التزين والتعرض للخطاب ﴿ مِن مَّعْرُوفٍ ﴾ مما ليس بمنكر شرعاً.

فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمةُ المتأخرةَ؟

قلت: قد تكون الآية متقدّمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿ سَيَقُولُ السفهاء ﴾ [البقرة: 142] مع قوله ﴿ قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء ﴾ [البقرة: 144] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ ﴾ قَرَأها بِالنَّصْبِ أبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ عَلى تَقْدِيرِ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم يُوصُونَ وصِيَّةً، أوْ لِيُوصُوا وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وصِيَّةً، أوْ أُلْزِمُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ وصِيَّةً.

ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ لِأزْواجِكم مَتاعًا إلى الحَوْلِ مَكانَهُ.

وَقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ ووَصِيَّةِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، أوْ وحُكْمُهم وصِيَّةً، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ، أوْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، أوْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ وقُرِئَ « مَتاعٌ» بَدَلَها.

﴿ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ﴾ نُصِبَ بِيُوصُونَ إنْ أُضْمِرَتْ وإلّا فَبِالوَصِيَّةِ وبِمَتاعٍ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّمْتِيعِ.

﴿ غَيْرَ إخْراجٍ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ كَقَوْلِكَ هَذا القَوْلُ غَيْرُ ما تَقُولُ، أوْ حالٌ مِن أزْواجِهِمْ أيْ غَيْرَ مُخْرَجاتِ، والمَعْنى: أنَّهُ يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يَحْتَضِرُوا لِأزْواجِهِمْ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالسُّكْنى والنَّفَقَةِ، وكانَ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَتِ المُدَّةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ فَهو مُتَأخِّرٌ في النُّزُولِ، وسَقَطَتِ النَّفَقَةُ بِتَوْرِيثِها الرُّبْعَ أوِ الثُّمْنَ، والسُّكْنى لَها بَعْدَ ثابِتَةٍ عِنْدَنا خِلافًا لِأبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.

﴿ فَإنْ خَرَجْنَ ﴾ عَنْ مَنزِلِ الأزْواجِ.

﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيُّها الأئِمَّةُ.

﴿ فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ ﴾ كالتَّطَيُّبِ وتَرْكِ الإحْدادِ.

﴿ مِن مَعْرُوفٍ ﴾ مِمّا لَمْ يُنْكِرْهُ الشَّرْعُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَيْها مُلازَمَةُ مَسْكَنِ الزَّوْجِ والحِدادِ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ مُخَيَّرَةً بَيْنَ المُلازَمَةِ وأخْذِ النَّفَقَةِ وبَيْنَ الخُرُوجِ وتَرْكِها.

﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ خالَفَهُ مِنهم.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ يُراعِي مَصالِحَهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم} بالنصب شامي وأبو عمرو وحمزة وحفص أي فليوصوا وصية عن الزجاج غيرهم بالرفع أي فعليهم وصيةٌ {متاعا} نصب بالوصية لأنها مصدر أو

تقديره متعوهن متاعاً {إِلَى الحول} صفة لمتاعا {غَيْرَ إِخْرَاجٍ} مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول أو بدل من متاعاً والمعنى أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا أى يتفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن وكان ذلك مشروعاً في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا} إلى قوله أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا والناسخ متقدم عليه تلاوة ومتأخر نزولاً كقوله تعالى {سيقول السفهاء من الناس} مع قوله تعالى {قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السماء} {فَإِنْ خَرَجْنَ} بعد الحول {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ في ما فعلن في أنفسهن} من

البقرة (٢٤٠ _ ٢٤٥)

التزين والتعرض للخطاب {مِن مَّعْرُوفٍ} مما ليس بمنكر شرعاً {والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ} فيما حكم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا ﴾ عَوْدٌ إلى بَيانِ بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُفَصَّلَةِ فِيما سَبَقَ، وفي يُتَوَفَّوْنَ مَجازُ المَشارِقَةِ ﴿ وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، عَنْ عاصِمٍ: بِنَصْبِ وصِيَّةٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: لِيُوصُوا أوْ يُوصُونَ وصِيَّةً، أوْ كَتَبَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، أوْ أُلْزِمُوا وصِيَّةً، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الوَصِيَّةَ لِأزْواجِكم ﴿ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ﴾ مَكانٌ ( والَّذِينَ ) إلَخْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بِتَقْدِيرِ: لِيَصِحَّ الحَمْلُ؛ أيْ: ووَصِيَّةُ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ، أوْ حُكْمُهم وصِيَّةٌ، أوْ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أهْلُ وصِيَّةٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ نائِبَ فاعِلِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأً لِخَبَرٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ عَلَيْهِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ، أوْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، وقَرَأ أُبَيٌّ: مَتاعٌ لِأزْواجِهِمْ، ورُوِيَ عَنْهُ: فَمَتاعٌ بِالفاءِ ﴿ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ﴾ نُصِبَ بِـ ( يُوصُونَ ) إنْ أضْمَرْتَهُ، ويَكُونُ مِن بابِ الحَذْفِ والإيصالِ، وإلّا فَـ ( بِالوَصِيَّةِ )؛ لِأنَّها بِمَعْنى التَّوْصِيَةِ، وبِـ ( مَتاعٍ ) عَلى قِراءَةِ أُبَيٌّ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّمَتُّعِ ﴿ غَيْرَ إخْراجٍ ﴾ بَدَلٌ مِنهُ؛ بَدَلُ اشْتِمالٍ إنِ اعْتُبِرَ اللُّزُومُ بَيْنَ التَّمَتُّعِ إلى الحَوْلِ وبَيْنَ غَيْرِ الإخْراجِ، وبَدَلُ الكُلِّ بِحَسَبِ الذّاتِ، فَإنَّهُما مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ ومُتَغايِرانِ بِالوَصْفِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ البَدَلِ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ إلى غَيْرِ تَقْدِيرِهِ ﴿ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ﴾ مَتاعٌ ﴿ غَيْرَ إخْراجٍ ﴾ وإلّا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ ( مَتاعًا ) مُفَسَّرٌ بِالإنْفاقِ، وغَيْرَ إخْراجٍ عِبارَةٌ عَنِ الإسْكانِ، ولَيْسَ مَدْلُولُهُ مَدْلُولَ الأوَّلِ، ولا جُزْأهُ، ولا مُلابِسًا لَهُ، فَيَكُونُ بَدَلَ غَلَطٍ، وهو لا يَصِحُّ في الكَلامِ المَجِيدِ، فَيَتَعَيَّنُ التَّقْدِيرُ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ إبْدالَ الخاصِّ مِنَ العامِّ، وهو مِن قَبِيلِ إبْدالِ الكُلِّ مِنَ الجُزْءِ؛ نَحْوَ: رَأيْتُ القَمَرَ فَلَكَهُ، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، كَما صَرَّحَ بِهِ صاحِبُ المِفْتاحِ، وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ ( مَتاعًا ) مُفَسَّرٌ بِالإنْفاقِ فَقَطْ، بَلِ المَتاعُ عامٌّ شامِلٌ لِلْإنْفاقِ والإسْكانِ جَمِيعًا، فَيَكُونُ ﴿ غَيْرَ إخْراجٍ ﴾ عِبارَةً عَنِ الإسْكانِ الَّذِي هو بَعْضٌ مِن ( مَتاعًا ) فَيَكُونُ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ بِأنْ يُمَتَّعْنَ حَوْلًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُنَّ لا يَخْرُجْنَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَخْرُجْنَ ( غَيْرَ إخْراجٍ)، ويَكُونُ تَأْكِيدًا لِنَفْيِ الإخْراجِ الدّالِّ عَلَيْهِ ( لا يَخْرُجْنَ )، فَيُؤَوَّلُ إلى قَوْلِكَ: لا يَخْرُجْنَ لا يَخْرُجْنَ، وأنْ يَكُونَ حالًا مِن ( أزْواجِهِمْ )، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها حالٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ إذْ لا مَعْنى لِتَقْيِيدِ الإيصاءِ بِمَفْهُومِ هَذِهِ الحالَةِ، وأنَّها مُقَدَّرَةٌ؛ لِأنَّ مَعْنى نَفْيِ الإخْراجِ إلى الحَوْلِ لَيْسَ مُقارِنًا لِلْإيصاءِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأنْ يَكُونَ صِفَةَ مَتاعٍ، أوْ مَنصُوبًا بِنَزْعِ الخافِضِ، والمَعْنى: يَجِبُ عَلى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ أنْ يُوصُوا قَبْلَ أنْ يَحْتَضِرُوا لِأزْواجِهِمْ؛ بِأنْ يُمَتَّعْنَ بَعْدَهم حَوْلًا بِالنَّفَقَةِ والسُّكْنى، وكانَ ذَلِكَ عَلى الصَّحِيحِ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نُسِخَتِ المُدَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ وهو وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في التِّلاوَةِ؛ فَهو مُتَأخِّرٌ في النُّزُولِ، وكَذا النَّفَقَةُ بِتَوْرِيثِهِنَّ الرُّبُعَ أوِ الثُّمُنَ، واخْتُلِفَ في سُقُوطِ السُّكْنى وعَدَمِهِ، والَّذِي عَلَيْهِ ساداتُنا الحَنَفِيَّةُ الأُوَلُ، وحُجَّتُهم أنَّ مالَ الزَّوْجِ صارَ مِيراثًا لِلْوارِثِ وانْقَطَعَ مُلْكُهُ بِالمَوْتِ، وذَهَبَ الشّافِعِيَّةُ إلى الثّانِي؛ لِقَوْلِهِ _ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ _: ”امْكُثِي في بَيْتِكِ حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجْلَهُ“ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ لَها السُّكْنى في مالِ الزَّوْجِ، والكَلامُ فِيهِ ﴿ فَإنْ خَرَجْنَ ﴾ بَعْدَ الحَوْلِ ومُضِيِّ العِدَّةِ، وقِيلَ: في الأثْناءِ بِاخْتِيارِهِنَّ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ يا أوْلِياءَ المَيِّتِ، أوْ أيُّها الأئِمَّةُ ﴿ فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ ﴾ لا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ؛ كالتَّطَيُّبِ، والتَّزَيُّنِ، وتَرْكِ الحِدادِ، والتَّعَرُّضِ لِلْخُطّابِ، أوْ في تَرْكِ مَنعِهِنَّ مِنَ الخُرُوجِ، أوْ قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ، فَلا نَصَّ في الآيَةِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مُلازَمَةُ مَسْكَنِ الزَّوْجِ والحِدادِ عَلَيْهِ، وإنَّما كُنَّ مُخَيَّراتٍ بَيْنَ المُلازَمَةِ وأخْذِ النَّفَقَةِ، وبَيْنَ الخُرُوجِ وتَرْكِها ﴿ واللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، يَنْتَقِمُ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ في الإيصاءِ وإنْفاذِ الوَصِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ يُراعِي فِي أحْكامِهِ مَصالِحَ عِبادِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُمْتَثَلَ أمْرُهُ ونَهْيُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً، أي يموتون ويتركون نساءهم من بعدهم وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ، أي يوصون لنسائهم.

قرأ ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم «وَصِيَّةٌ» بالضم، يعني عليهم وصية وقرأ الباقون: بالنصب، يعني يوصون وصية لأزواجهم.

مَتاعاً، أي نفقة وكسوة إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ، يقول: لا يخرجن من بيوت أزواجهن.

وهذا في أول الشريعة كانت العدة حولاً وهكذا كان في الجاهلية.

ألا ترى إلى قول لبيد: وَهُمُ رَبِيعٌ لِلمُجَاوِرِ فِيهِم ...

وَالمُرْمِلاتِ إِذَا تَطَاوَلَ عَامُهَا ثم نسخ ما زاد على الأربعة أشهر وعشراً، ونسخت الوصية للأزواج بقول النبي  : «لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» .

ويقال: نسخ بآية الميراث.

ثم قال تعالى: فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ، يعني من الزينة يحتمل أنه أراد به الخروج بعد مضي السنة، ويحتمل الخروج في السنة إذا خرجت بعذر في أمر لا بدلها منه.

وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وقد ذكرناها.

وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ.

والمطلقات أربع: مطلقة يسمى لها مهراً، ومطلقة لم يسم لها مهراً، ومطلقة دخل بها، ومطلقة لم يدخل بها، فالمتعة لا تكون واجبة إلا لمطلقة واحدة وهي التي لم يسم لها مهراً وطلقها قبل الدخول.

كما ذكر في الآية التي سبق ذكرها وفي سائر المطلقات المتعة مستحبة وليست بواجبة.

حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، أي واجباً على المتقين، وذلك فيما بينه وبين الله تعالى، فلا يجب عليه إلا في المطلقة التي ذكرنا.

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ، يعني أمره ونهيه، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ما أمرتم به.

ويقال: آياته يعني دلائله.

ويقال: آيات القرآن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الله صلّى الله عليه وسلم إلى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ، وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ وَعَرَفَاتٍ، قَالَ: «اذهب فاقتله» ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرْتُ صَلاَةَ العَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلاَةَ، فانطلقت أَمْشِيَ وأنا أصلّي أومئ إِيمَاءً نَحْوَهُ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ، قَالَ لِي: «مَنْ أَنْتَ» ؟

قُلْتُ: رَجُلٌ مِنَ العَرَبِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ، فَجِئْتُكَ فِي ذَلِكَ، قَالَ: إِنِّي لَفِي ذَلِكَ، فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً حتى إِذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حتى بَرَدَ» «١» .

انتهى، وقد ترْجَم عليه «بَابٌ فِي صَلاَةِ الطَّالِبِ» .

قال ع «٢» : واختلف النَّاس، كَمْ يصلِّي من الركعات؟

والذي عليه مالكٌ وجماعةٌ: أنه لا ينقصُ من عدد الركعاتِ شيئاً، فيصلِّي المسافر ركعتَيْن.

واختلف المتأوِّلون في قوله سبحانه: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ...

الآية: فقالَتْ فرقةٌ: المعنى: إِذا زال خَوْفُكُم، فاذكروا اللَّه سبحانه بالشُّكْر على هذه النعمة، وقالتْ فرقة: اذكروا اللَّه، أي: صَلُّوا كما علمتم صلاةً تامَّة، يعني فيما يستقبل من الصّلوات.

قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ ٦٠ ب غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ/ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: الَّذِينَ: رَفْعٌ بالاِبتداء، وخبره مضمرٌ، تقديره: فعليهم وصيَّةٌ لأزواجهم، وفي قراءة ابن مسعود «٣» : كُتِبَ عليكُمْ وصيَّةً، قالت فرقة: كانَتْ هذه وصيَّةً من اللَّه تعالى تَجِبُ بعد وفاة الزوْجِ، قال قتادة: كانتِ المرأةُ إِذا تُوُفِّيَ عنها زوجُها، لها السكنى والنفقة حولاً في مال الزَّوْج، ما لم تخرجْ برأْيها «٤» ، ثم نُسِخَ ما في هذه الآية من النفقة بالربع أو بالثّمن

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا ﴾ رَوى ابْنُ حَيّانِ «أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن أهْلِ الطّائِفِ، يُقالُ: لَهُ حَكِيمُ بْنُ الحارِثِ هاجَرَ إلى المَدِينَةِ، ومَعَهُ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، ولَهُ أوْلادٌ، فَماتَ فَرُفِعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ  ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأعْطى النَّبِيُّ  ، أبَوَيْهِ وأوْلادَهُ مِن مِيراثِهِ، ولَمْ يُعْطِ امْرَأتَهُ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّهُ أمَرَهم أنْ يُنْفِقُوا عَلَيْها مِن تَرِكَةِ زَوْجِها حَوْلًا.» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ "وَصِيَّةً" بِالنَّصْبِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ "وَصِيَّةٌ" بِالرَّفْعِ.

وعَنْ عاصِمٍ كالقِراءَتَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن نَصَبَ حَمَلَهُ عَلى الفِعْلِ، أيْ: لِيُوصُوا وصِيَّةً، ومَن رَفَعَ، فَمِن وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنْ يَجْعَلَ الوَصِيَّةَ مُبْتَدَأ، والخَبَرَ لِأزْواجِهِمْ.

والثّانِي: أنْ يُضْمِرَ لَهُ خَبَرًا، تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ.

والمُرادُ مَن قارَبَ الوَفاةَ، فَلْيُوصِ، لِأنَّ المُتَوَفّى لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَتاعًا إلى الحَوْلِ ﴾ أيْ: مَتِّعُوهُنَّ إلى الحَوْلِ، ولا تُخْرِجُوهُنَّ.

والمُرادُ بِذَلِكَ نَفَقَةُ السَّنَةِ وكُسْوَتُها وسُكْناها ﴿ فَإنْ خَرَجْنَ ﴾ أيْ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِنَّ ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: أوْلِياءَ المَيِّتِ.

﴿ فِي ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ ﴾ يَعْنِي التَّشَوُّفَ إلى النِّكاحِ.

وفي ماذا رَفَعَ الجُناحَ عَنِ الرِّجالِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ في قَطْعِ النَّفَقَةِ عَنْهُنَّ إذا خَرَجْنَ قَبْلَ انْقِضاءِ الحَوْلِ.

والثّانِي: في تَرْكِ مَنعِهِنَّ مِنَ الخُرُوجِ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَقامُها الحَوْلَ واجِبًا عَلَيْها، بَلْ كانَتْ مُخَيَّرَةً في ذَلِكَ.

* فَصْلٌ ذَكَرَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا ماتَ أحَدُهم، مَكَثَتْ زَوْجَتُهُ في بَيْتِهِ حَوْلًا، يُنْفِقُ عَلَيْها مِن مِيراثِهِ، فَإذا تَمَّ الحَوْلُ، خَرَجَتْ إلى بابِ بَيْتِها، ومَعَها بَعْرَةٌ، فَرَمَتْ بِها كَلْبًا، وخَرَجَتْ بِذَلِكَ مِن عِدَّتِها.

وكانَ مَعْنى رَمْيِها بِالبَعْرَةِ أنَّها تَقُولُ: مُكْثِي بَعْدَ وفاةِ زَوْجِي أهْوَنُ عِنْدِي مِن هَذِهِ البَعْرَةِ.

ثُمَّ جاءَ الإسْلامُ، فَأقَرَّهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مَن مَكَثَ الحَوْلَ بِهَذِهِ الآَيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالآَيَةِ المُتَقَدِّمَةِ في نَظْمِ القُرْآَنِ عَلى هَذِهِ الآَيَةِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا ﴾ وَنُسِخَ الأمْرُ بِالوَصِيَّةِ لَها بِما فَرَضَ لَها مِن مِيراثِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في ما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ مِن مَعْرُوفٍ واللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ "الَّذِينَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في الجُمْلَةِ الَّتِي هي ﴿ وَصِيَّةً لأزْواجِهِمْ ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "وَصِيَّةٌ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ أحَدُهُما: الِابْتِداءُ، والخَبَرُ في الظَرْفِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: "لِأزْواجِهِمْ".

ويَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِنَكِرَةٍ مِن حَيْثُ هو مَوْضِعُ تَخْصِيصٍ، كَما حَسُنَ أنْ يَرْتَفِعَ "سَلامٌ عَلَيْكَ".

و"خَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ" و"أمْتٌ في حَجَرٍ لا فِيكَ".

لِأنَّها مَواضِعُ دُعاءٍ، والوَجْهُ الآخَرُ أنْ تُضْمِرَ لَهُ خَبَرًا تُقَدِّرَهُ: عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: "لِأزْواجِهِمْ" صِفَةٌ.

قالَ الطَبَرِيُّ: قالَ بَعْضُ النُحاةِ: المَعْنى: كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وصِيَّةٌ، قالَ: وكَذَلِكَ هي في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ.

وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: "وَصِيَّةً" بِالنَصْبِ، وذَلِكَ حُمِلَ عَلى الفِعْلِ كَأنَّهُ قالَ: لِيُوصُوا وصِيَّةً و"لِأزْواجِهِمْ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- صِفَةٌ أيْضًا.

قالَهارُونُ: وفي حَرْفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "وَصِيَّةٌ لِأزْواجِهِمْ، مَتاعٌ" بِالرَفْعِ، وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "الوَصِيَّةُ لِأزْواجِهِمْ مَتاعًا".

وحَكى الخِفافُ أنَّ في حَرْفٍ أُبَيٍّ "فَمَتاعٌ لِأزْواجِهِمْ" بَدَلُ "وَصِيَّةٍ".

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الرَجُلَ إذا ماتَ، كانَ لِزَوْجَتِهِ أنْ تُقِيمَ في مَنزِلِهِ سَنَةً، ويُنْفِقَ عَلَيْها مِن مالِهِ، وذَلِكَ وصِيَّةٌ لَها.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ -مِمَّنْ هي هَذِهِ الوَصِيَّةُ؟- فَقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَتْ وصِيَّةً مِنَ اللهِ تَعالى، تَجِبُ بَعْدَ وفاةِ الزَوْجِ.

قالَقَتادَةُ: كانَتِ المَرْأةُ إذا تُوفِّيَ عنها زَوْجُها، فَلَها السُكْنى والنَفَقَةُ حَوْلًا في مالِ زَوْجِها، ما لَمْ تَخْرُجْ بِرَأْيِها، ثُمَّ نَسَخَ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ النَفَقَةِ بِالرُبْعِ أوِ الثَمَنِ الَّذِي في سُورَةِ النِساءِ، ونُسِخَ سُكْنى الحَوْلِ بِالأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ، وقالَ الرَبِيعُ، وابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وعَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ هي مِنَ الزَوْجِ، كانُوا نَدَبُوا إلى أنْ يُوصُوا لِلزَّوْجاتِ بِذَلِكَ، فـَ "يُتَوَفَّوْنَ" عَلى هَذا القَوْلِ مَعْناهُ: يُقارِبُونَ الوَفاةَ، ويَحْتَضِرُونَ، لِأنَّ المَيِّتَ لا يُوصِي.

قالَ هَذا القَوْلَ قَتادَةُ أيْضًا، والسُدِّيُّ، وعَلَيْهِ حَمَلَ الآيَةَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في الحُجَّةِ.

قالَ السُدِّيُّ: "إلّا أنَّ العِدَّةِ كانَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، وكانَ الرِجالُ يُوَصُّونَ بِسُكْنى سَنَةٍ، ونَفَقَتِها، ما لَمْ تَخْرُجْ، فَلَوْ خَرَجَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ -الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشْرِ- سَقَطَتِ الوَصِيَّةُ، ثُمَّ نَسَخَ اللهُ تَعالى ذَلِكَ بِنُزُولِ الفَرائِضِ فَأخَذَتْ رُبْعَها أو ثُمُنَها، ولَمْ يَكُنْ لَها سُكْنى ولا نَفَقَةَ، وصارَتِ الوَصايا لِمَن لا يَرِثُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ لا نَسْخَ فِيها، والعِدَّةُ كانَتْ قَدْ ثَبَتَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا، ثُمَّ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ وصِيَّةً مِنهُ سُكْنى سَبْعَةَ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَإنْ شاءَتِ المَرْأةُ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها، وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ إخْراجٍ فَإنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وألْفاظُ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللهُ الَّتِي حَكى عنها الطَبَرِيُّ، لا يَلْزَمُ مِنها أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ، وَلا نَصَّ مُجاهِدٌ ذَلِكَ، بَلْ يُمْكِنُ أنَّهُ أرادَ ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بَعْدُ بِالمِيراثِ.

و"مَتاعًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ.

وكانَ هَذا الأمْرُ إلى الحَوْلِ مِن حَيْثُ العامُّ مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الزَمانِ، قَدْ أخَذَ بِحَظٍّ مِنَ الطَوْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غَيْرَ إخْراجٍ ﴾ مَعْناهُ: لَيْسَ لِأولِياءِ المَيِّتِ ووارِثِي المَنزِلِ إخْراجُها، و"غَيْرَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ عِنْدَ الأخْفَشِ، كَأنَّهُ قالَ: لا إخْراجًا، وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ المُوصِينَ.

وقِيلَ: هي صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: "مَتاعًا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ خَرَجْنَ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: أنَّ الخُرُوجَ إذا كانَ مِن قِبَلِ الزَوْجَةِ، فَلا جُناحَ عَلى أحَدٍ -وَلِيٌّ أو حاكِمٌ أو غَيْرُهُ- فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ، مِن تَزْوِيجٍ، وتَرْكِ حِدادٍ، وتَزَيُّنٍ، إذا كانَ ذَلِكَ مِنَ المَعْرُوفِ الَّذِي لا يُنْكَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللهُ عَزِيزٌ ﴾ صِفَةٌ تَقْتَضِي الوَعِيدَ بِالنِقْمَةِ لِمَن خالَفَ الحَدَّ في هَذِهِ النازِلَةِ، فَأخْرَجَ المَرْأةَ، وهي لا تُرِيدُ الخُرُوجَ، "حَكِيمٌ"، أيْ مُحْكِمٌ لِما يَأْمُرُ بِهِ عِبادَهُ.

وهَذا كُلُّهُ قَدْ زالَ حُكْمُهُ بِالنَسْخِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، إلّا ما قَوَّلَهُ الطَبَرِيُّ مُجاهِدًا رَحِمَهُ اللهُ.

وفي ذَلِكَ نَظَرٌ عَلى الطَبَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية هنا بعد قوله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن ﴾ [البقرة: 243] إلى آخرها في غاية الإشكال فإن حكمها يخالف في الظاهر حكم نظيرتها التي تقدمت، وعلى قول الجمهور هاته الآية سابقة في النزول على آية ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن ﴾ يزداد موقعها غرابة إذ هي سابقة في النزول متأخرة في الوضع.

والجمهور على أن هذه الآية شرعت حكم تربص المتوفى عنها حولاً في بيت زوجها وذلك في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بعدة الوفاة وبالميراث، روي هذا عن ابن عباس، وقتادة والربيع وجابر بن زيد.

وفي البخاري في كتاب التفسير عن عبد الله بن الزبير قال: «قلت لعثمان هذه الآية، ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم ﴾ قد نسختها الآية الآخرى فلم تكتبها، قال: لا أغير شيئاً منه عن مكانه بابن أخي» فاقتضى أن هذا هو موضع هذه الآية، وأن الآية التي قبلها ناسخة لها، وعليه فيكون وضعها هنا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم لقول عثمان «لا أغير شيئاً منه عن مكانه» ويحتمل أن ابن الزبير أراد بالآية الأخرى آية سورة النساء في الميراث.

وفي البخاري قال مجاهد «شرع الله العدة أربعة أشهر وعشراً تعتد عند أهل زوجها واجباً، ثم نزلت ﴿ وصية لأزواجهم ﴾ فجعل الله لها تمام السنة وصية، إن شاءت سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، ولم يكن لها يومئذ ميراث معين، فكان ذلك حقها في تركة زوجها، ثم نسخ ذلك بالميراث» فلا تعرض في هذه الآية للعدة ولكنها في بيان حكم آخر وهو إيجاب الوصية لها بالسكنى حولاً: إن شاءت أن تحتبس عن التزوج حولاً مراعاة لما كانوا عليه، ويكون الحول تكميلاً لمدة السكنى لا للعدة، وهذا الذي قاله مجاهد أصرح ما في هذا الباب، وهو المقبول.

واعلموا أن العرب في الجاهلية كان من عادتهم المتبعة أن المرأة إذا توفي عنها زوجها تمكث في شر بيت لها حولاً، محدة لابسة شر ثيابها متجنبة الزينة والطيب، كما تقدم في حاشية تفسير قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف ﴾ [البقرة: 234] عن «الموطأ»، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك الغلو في سوء الحالة، وشرع عدة الوفاة والإحداد، فلما ثقل ذلك على الناس، في مبدأ أمر تغيير العادة، أمر الأزواج بالوصية لأزواجهم بسكنى الحول بمنزل الزوج والإنفاق عليها من ماله، إن شاءت السكنى بمنزل الزوج، فإن خرجت وأبت السكنى هنالك لم ينفق عليها، فصار الخيار للمرأة في ذلك بعد أن كان حقاً عليها لا تستطيع تركه، ثم نسخ الإنفاق والوصية بالميراث، فاللَّه لما أراد نسخ عدة الجاهلية، وراعى لطفه بالناس في قطعهم عن معتادهم، أقر الاعتداد بالحول، وأقر ما معه من المكث في البيت مدة العدة، لكنه أوقفه على وصية الزوج عند وفاته لزوجه بالسكنى، وعلى قبول الزوجة ذلك، فإن لم يوص لها أو لم تقبل، فليس عليها السكنى، ولها الخروج، وتعتد حيث شاءت، ونسخ ﴿ وصية ﴾ السكنى حولاً بالمواريث، وبقي لها السكنى في محل زوجها مدة العدة مشروعاً بحديث الفُريعة.

وقوله: ﴿ وصية لأزواجهم ﴾ قرأه نافع وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم، وأبو جعفر ويعقوب وخلف: برفع (وصية) على الابتداء، محولاً عن المفعول المطلق، وأصله وصية بالنصب بدلا من فعله، فحول إلى الرفع لقصد الدوام كقولهم: حمد وشكر، و ﴿ صبر جميل ﴾ [يوسف: 18] كما تقدم في تفسير ﴿ الحمد لله ﴾ [الفاتحة: 18] وقوله: ﴿ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ﴾ [البقرة: 229] ولما كان المصدر في المفعول المطلق، في مثل هذا، دالاً على النوعية، جاز عند وقوعه مبتدأ أن يبقى منكراً، إذ ليس المقصود فردا غير معين حتى ينافي الابتداء، بل المقصود النوع، وعليه فقوله: ﴿ لأزواجهم ﴾ خبر، وقرأه أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص عن عاصم: ﴿ وصيّةً ﴾ بالنصب فيكون قوله: ﴿ لأزواجهم ﴾ متعلقاً به على أصل المفعول المطلق الآتي بدلاً من فعله لإفادة الأمر.

وظاهر الآية أن الوصية وصية المتوفين، فتكون من الوصية التي أمر بها من تحضره الوفاة مثل الوصية التي في قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ [البقرة: 180] فعلى هذا الاعتبار إذا لم يوص المتوفَّى لزوجه بالسكنى فلا سكنى لها وقد تقدم أن الزوجة مع الوصية مخيرة بين أن تقبل الوصية، وبين أن تخرج.

وقال ابن عطية: قالت فرقة منهم ابن عباس والضحاك وعطاء والربيع: أن قوله ﴿ وصية لأزواجهم ﴾ هي وصية من الله تعالى للأزواج بلزوم البيوت حولاً، وعلى هذا القول فهو كقوله تعالى: ﴿ يوصيكم الله في أولادكم ﴾ [النساء: 11] وقوله: ﴿ وصية من الله ﴾ [النساء: 12] فذلك لا يتوقف على إيصاء المتوفين ولا على قبول الزوجات، بل هو حكم من الله يجب تنفيذه، وعليه يتعين أن يكون ﴿ لأزواجهم ﴾ متعلقاً بوصية، وتعلقه به هو الذي سوغ الابتداء به، والخبر محذوف دل عليه المقام لعدم تأتي ما قرر في الوجه الأول.

وقوله: ﴿ متاعاً إلى الحول ﴾ : تقدم معنى المتاع في قوله: ﴿ متاعاً بالمعروف حقا على المحسنين ﴾ [البقرة: 236] والمتاع هنا هو السكنى، وهو منصوب على حذف فعله أي ليمتعوهن متاعاً، وانتصب متاعاً على نزع الخافض، فهو متعلق بوصية والتقدير وصية لأزواجهم بمتاع.

و(إلى) مؤذنة بشيء جعلت غايته الحول، وتقديره متاعاً بسكنى إلى الحول، كما دل عليه قوله: ﴿ غير إخراج ﴾ .

والتعريف في الحول تعريف العهد، وهو الحول المعروف عند العرب من عهد الجاهلية الذي تعتد به المرأة المتوفى عنها، فهو كتعريفه في قول لبيد: إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ومن يَبْككِ حولاً كاملاً فقد اعتذر وقوله: ﴿ غير إخراج ﴾ حال من ﴿ متاعاً ﴾ مؤكدة، أو بدل من ﴿ متاعاً ﴾ بدلاً مطابقاً، والعرب تؤكد الشيء بنفي ضده، ومنه قول أبي العباس الأعمى يمدح بني أمية: خباءٌ على المنابر فُرسا *** نٌ عليها وقالَةٌ غيرُ خُرْس وقوله: ﴿ فإن خرجن فلا جناح عليكم ﴾ هو على قول فرقة معناه: فإن أبين قبول الوصية فخرجن، فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من الخروج وغيره من المعروف عدا الخطبة والتزوج، والتزين في العدة، فذلك ليس من المعروف.

وعلى قول الفرقة الأخرى التي جعلت الوصية من الله، يجب أن يكون قوله: ﴿ فإن خرجن ﴾ عطفاً على مقدر للإيجاز، مثل: ﴿ أن اضرب بعصاك البحر فانفلق ﴾ [الشعراء: 63] أي فإن تم الحول فخرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن أي من تزوج وغيره من المعروف عدا المنكر كالزنا وغيره، والحاصل أن المعروف يفسر بغير ما حرم عليها في الحالة التي وقع فيها الخروج وكل ذلك فعل في نفسها.

قال ابن عرفة في «تفسيره» «وتنكير معروف هنا وتعريفه في الآية المتقدمة، لأن هذه الآية نزلت قبل الأخرى، فصار هنالك معهوداً».

وأحسب هذا غير مستقيم، وأن التعريف تعريف الجنس، وهو والنكرة سواء، وقد تقدم الكلام عن القراءة المنسوبة إلى علي بفتح ياء ﴿ يتوفون ﴾ وما فيها من نكتة عربية عند قوله تعالى: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن ﴾ [البقرة: 234] الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ﴾ الآيَةَ.

أمّا الوَصِيَّةُ فَقَدْ كانَتْ بَدَلَ المِيراثِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ المَوارِيثِ، وأمّا الحَوْلُ فَقَدْ كانَتْ عِدَّةُ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، ونُسِخَتْ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ....

والثّانِي: أنَّها لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.

وَقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ وهو أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا قالَ: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ وعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: إنْ أحْسَنْتُ فَعَلْتُ، وإنْ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ لَمْ أفْعَلْ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، وإنَّما خَصَّ المُتَّقِينَ بِالذِّكْرِ - وإنْ كانَ عامًّا - تَشْرِيفًا لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري والبيهقي في سننه عن ابن الزبير قال: قلت لعثمان بن عفان ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً ﴾ قد نسختها الآية الأخرى، فلم تكتبها أو تدعها؟

قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يتوفون منكم...

﴾ الآية.

قال: كان للمتوفى عنها زوجها نفقتها وسكناها في الدار سنة، فنسختها آية المواريث فجعل لهن الربع والثمن مما ترك الزوج.

وأخرج ابن جرير عن عطاء في الآية قال: كان ميراث المرأة من زوجها أن تسكن إن شاءت من يوم يموت زوجها إلى الحول، يقول ﴿ فإن خرجن فلا جناح عليكم ﴾ ثم نسخها ما فرض الله من الميراث.

وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير إخراج ﴾ قال: نسخ الله ذلك بآية الميراث، بما فرض الله لهن من الربع والثمن، ونسخ أجل الحول بأن جعل أجلها أربعة أشهر وعشراً.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي من طريق ابن سيرين عن ابن عباس.

أنه قام يخطب الناس، فقرأ لهم سورة البقرة، فبين لهم منها فأتى على هذه الآية ﴿ إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين ﴾ [ البقرة: 180] فقال: نسخت هذه، ثم قرأ حتى أتى على هذه الآية ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ إلى قوله: ﴿ غير إخراج ﴾ فقال: وهذه.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق عن جابر بن عبدالله قال: ليس للمتوفى عنها زوجها نفقة حسبها الميراث.

وأخرج أبو داود في ناسخه والنسائي عن عكرمة في قوله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول ﴾ قال: نسخها ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ [ البقرة: 234] .

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وصية لأزواجهم ﴾ قال: كانت المرأة يوصى لها زوجها بنفقة سنة ما لم تخرج وتتزوج، فنسخ ذلك بقوله: ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ [ البقرة: 234] فنسخت هذه الآية الأخرى، وفرض عليهن التربص أربعة أشهر وعشراً، وفرض لهن الربع والثمن.

وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن زيد بن أسلم عن قتادة في الآية قال: كانت المرأة يوصي لها زوجها بالسكنى والنفقة ما لم تخرج وتتزوج، ثم نسخ ذلك وفرض لها الربع ان لم يكن لزوجها ولد، والثمن ان كان لزوجها ولد، ونسخ هذه الآية قوله: ﴿ يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً ﴾ [ البقرة: 234] فنسخت هذه الآية الوصية إلى الحول.

وأخرج ابن راهويه في نفسيره عن مقاتل بن حيان «أن رجلاً من أهل الطائف قدم المدينة وله أولاد رجال ونساء ومعه أبواه وامرأته، فمات بالمدينة فرفع ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأعطى الوالدين وأعطى أولاده بالمعروف، ولم يعط امرأته شيئاً غير أنهم أمروا أن ينفقوا عليها من تركة زوجها إلى الحول، وفيه نزلت ﴿ والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً...

﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ قال: النكاح الحلال الطيب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ﴾ الآية.

قال ابن عباس وغيره من المفسرين: نزلت الآية في رجل من أهل الطائف يقال (١)  فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فأعطى رسول الله  والديه وأولادَه ميراثه، ولم يعطِ امرأته شيئًا، غير أنَّهُ أمرَهم أن يُنفقوا عليها من تركةِ زوجها حَوْلًا (٢) فكان الأمر في ابتداء الإسلام على هذا، إذا مات الرجل لم يكن لامرأته من الميراث شيء إلا السُّكْنى والنفقة سنة، ما لم تخرج من بيت زوجها، وكان المتوفى يوصي بذلك لها، فإن خرجت من بيت زوجها لم يكن لها نفقة، وكان الحول عزيمةً عليها في الصبر عن (٣) هذا جملةُ حكم هذه الآية.

ثم وَرَدَ النَّسْخُ على هذه الآية من وجهين: أحدهما (٤) والوجه الثاني: أن الميراث ثبت (٥) (٦) واختلف القراء في رفع الوصية ونصبها (٧) فمن رفع فله وجهان: أحدهما: أن يجعل الوصية مبتدأ، والظرف خبره، وهو قوله: ﴿ لَأَزْوَاجِهِم ﴾ ، وحَسُنَ الابتداء بالنكرة، لأنَّه موضعُ تخصيصٍ (٨) والوجه الآخر: أن يُضمر (٩) ﴿ لَأَزْوَاجِهِم ﴾ صفةً للنكرة التي هي الوصية، وتقدير الخبر المضمر: فعليهم وصية لأزواجهم (١٠) قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا (١١) ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ  ﴾ ﴿ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ  ﴾ ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ  ﴾ .

ونحوهما (١٢) ومن نصب حمله على الفعل، أىِ: فليوصوا وصيةً، فتُنْصَب الوصيةُ على المصدر، ويكون قوله: ﴿ لَأَزْوَاجِهِم ﴾ وصفًا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك.

ومن حجتهم: أن الظرف إذا تأخر عن (١٣) ﴿ وَلَهُمْ أَعْمَالٌ  ﴾ ﴿ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)  ﴾ فإذا تأخرت فالأكثر (١٤) ﴿ لَأَزْوَاجِهِم ﴾ ، فالأحسن أن تكون صفة للنكرة لا خبرًا (١٥) فإن قيل: كيف يوصي المتوفّى، والله تعالى ذكر الوفاة ثم أمر بالوصية؟.

قلنا: المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها (١٦) وجواب آخر: وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله، بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ  ﴾ وهذا المعنى إنما يحسن على قراءة من قرأ بالرفع (١٧) وقوله تعالى: ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ ﴾ انتصب على معنى: متعوهن متاعًا، فيكون كقوله: ﴿ وَصِيَّةً ﴾ عند من قرأها بالنصب، ويجوز أن يكون على تأويل: جعل الله لهن ذلك متاعًا؛ لأن ما قبله من الكلام قد دل على هذا.

وقيل: إنه عبارة عن الحال، وقيل: نصب بالمصدر الذي هو الوصية، كقوله (١٨) ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا  ﴾ (١٩) وعنى بالمتاع: نفقة سنتها لطعامها (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ نصب على أنه (٢٢) وقيل: انتصب بنزع (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ يعنى: من قبل أنفسهن قبل الحول من غير إخراج الورثة، ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ يا أولياء الميت ﴿ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ ﴾ يعنى: التشوف (٢٥) (٢٦) قال عطاء: يريد التزوج بعد العِدة، يعنى: إذا مضت لها ثلاثة قروء كان لها أن تتزوج، وهذا منسوخ كما بينا (٢٧) (٢٨) أحدهما: لا جناح في قَطْعِ النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول.

والثاني: لا جُناحَ عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مُقامَها حولًا في بيت زوجها غيرُ واجب عليها (٢٩) (١) في (م): فقال.

(٢) ذكره الثعلبي 2/ 1288، واليه وحده عزاه الحافظ في "الإصابة" 2/ 32، وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 311 عن الضحاك عن ابن عباس، وعزاه ابن حجر في "العجاب" 1/ 600، والسيوطي في "اللباب" ص 52، وفي "الدر" 1/ 550 إلى إسحاق بن راهويه في "تفسيره"، وأورد مقاتل في "تفسيره" 1/ 202 نحوه، وروى أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 129، والطبري في "تفسيره" 2/ 580، وغيرهم عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل إذا مات وترك امرأته اعتدت سنة في بيته ينفق عليها من ماله ..

الحديث.

(٣) في (ي): (في).

(٤) ساقطة من (ي).

(٥) في (ي): يثبت.

(٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1290، وينظر "صحيح البخاري" (4536) كتاب: التفسير،== باب: والذين يتوفون منكم، "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 129، "تفسير الطبري" 2/ 582، "ونواسخ القرآن" لابن الجوزي ص252، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" 9/ 493: قال ابن بطال: وأطبقوا على أن آية الحول منسوخة، وأن السكنى تبعا للعدة، فلما نسخ الحول في العدة بالأربعة أشهر وعشر نسخت السكنى أيضا، وقال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في أن العدة بالحول نسخت إلى أربعة أشهر وعشر.

وذهب مجاهد كما رواه البخاري (5344) كتاب: الطلاق، باب: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾ ، وآخرون من أهل العلم أن الآية محكمة، قال الشيخ السعدي في "تفسيره": ومن تأمل الآيتين اتضح له أن القول الآخر في الآية -وهو عدم النسخ- هو الصواب، وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا على وجه التحتيم على المرأة، وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم حولا كاملا جبرا لخاطرها وبرا بميتهم، ولهذا قال: ﴿ وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ ﴾ ، أي: وصية من الله لأهل الميت أن يستوصوا بزوجته ويمتعوها ولا يخرجوها.

اهـ.

وذكر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 318 أن قول عطاء ومن تابعه على أن ذلك منسوخ بآية الميراث، إن أرادوا ما زاد على الأربعة والعشر فمسلّم، وان أرادوا أن سكنى الأربعة أشهر وعشر لا تجب في تركة الميت فهذا محل خلاف بين الأئمة.

(٧) قرأ بالرفع: ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر والكسائي، وقرأ الباقون بالنصب.

ينظر السبعة لابن مجاهد ص 184.

(٨) في "الحجة" لأبي علي: تحضيض.

(٩) في (ش): (يضمر).

(١٠) كذا نقله من "الحجة" 2/ 341 - 342.

(١١) عند الثعلبي: رأينا هذا.

(١٢) نقله عنه الثعلبي2/ 1287.

(١٣) في (ش) و (ي): (على).

(١٤) في (ي): فأكثر.

(١٥) من "الحجة" لأبي علي 2/ 343.

(١٦) من "الحجة" لأبي علي 2/ 343.

(١٧) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 245.

(١٨) ليست في (ي).

(١٩) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323، "تفسير الثعلبي" 2/ 1287، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 132، "التبيان" ص143.

(٢٠) في (ش): إطعامها.

(٢١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1288، وزاد: وكسوتها وسكناها وما تحتاج إليه.

(٢٢) ساقط من (ي).

(٢٣) في (ي): انتزع بنصب.

(٢٤) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 323، "تفسير الثعلبي" 2/ 1288،"مشكل إعراب القرآن" 1/ 132، "التبيان" ص143.

(٢٥) في (ش): (الشوق)، وفي (م): (التشوق).

(٢٦) "تفسير الثعلبي" 2/ 1291، "تفسير البغوي" 1/ 291.

(٢٧) ينظر كلامه عند تفسيره لآية 106 في: بيان الصحيح في النسخ.

(٢٨) في (ي): (في).

(٢٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1291، "تفسير البغوي" 1/ 291.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأزواجهم ﴾ هذه الآية منسوخة ومعناها: أن الرجل إذا مات كان لزوجته أن تقيم في منزله سنة وينفق عليها من ماله، وذلك وصية لها ثم نسخ إقامتها سنة بالأربعة الأشهر والعشر، ونسخت النفقة بالربع أو الثمن الذي لها في الميراث حسبما ذكر في سورة النساء، وإعراب وصية مبتدأ، وأزواجهم خبر، أومضمر تقديره: فعليهم وصية، وقرئت بالنصب على المصدر، تقديره: ليوصوا وصية، ومتاعاً نصب على المصدر ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ أي ليس لأولياء الميت إخراج المرأة ﴿ فَإِنْ خَرَجْنَ ﴾ معناه إذا كان الخروج من قبل المرأة فلا جناح على أحد فيما فعلت في نفسها من تزوّج وزينة ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عام في إمتاع كل مطلقة، وبعمومه أخذ أبو ثور، واستثنى الجمهور المطلقة قبل الدخول، وقد فرض لها بالآية المتقدمة منه، واستثنى مالك المختلعة والملاعنة ﴿ حَقّاً عَلَى المتقين ﴾ يدل على وجول المتعة وهي الإحسان للمطلقات.

لأن التقوى واجبة ولذلك قال بعضهم: نزلت مؤكدة للمتعة لأنه نزل قبلها حقاً على المحسنين، فقال رجل: فإن لم أرد أن أحسن لم أمتع، فنزلت: حقاً على المتقين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ وصية ﴾ بالنصب: أبو عمر وابن عامر وحمزة وحفص ويعقوب غير روبس.

الباقون بالرفع.

الوقوف: ﴿ قانتين ﴾ ه ﴿ أو ركباناً ﴾ ج لأن "إذا" في معنى الشرط مع فاء التعقيب ﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ أزواجاً ﴾ ج لانقطاع النظم ومكان الحذف لأن التقدير فعليهم وصية أو فليوصوا وصية، والوصل أجوز لاتصال المعنى فإن وصية أو وصية قام مقام خبر المبتدأ.

﴿ إخراج ﴾ ج ﴿ من معروف ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ بالمعروف ﴾ ط ﴿ المتقين ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ .

التفسير: الحكم السابع عشر: الصلاة، وذلك أنه  لما بين للمكلفين ما بين من معالم الدين وشعائر اليقين أعقبها بذكر الصلاة التي تفيد انكسار القلب من هيبة الله تعالى وزوال التمرد وحصول الانقياد لأوامره والانتهاء عن مناهيه تحصيلاً لسعادة الطرفين وتكميلاً لمصالح الدارين.

وقد أجمع المسلمون على أن الصلوات المكتوبة خمس، وفي الآية إشارة إلى ذلك لأن الصلوات جمع فأقلها ثلاث، والصلاة الوسطى تدل على شيء زائد والإلزام التكرار، وذلك الزائد لو كان الرابع لم يكن للمجموع وسطى فلا أقل من خمسة.

والمراد بمحافظتها رعاية جميع شرائطها من طهارة البدن والثوب والمكان، ومن ستر العورة واستقبال القبلة والإتيان بأركانها وأبعاضها وهيآتها والاحتراز عن مفسداتها من أعمال القلب وأعمال اللسان والجوارح.

ومعنى المفاعلة في المحافظة إما لأنها بين العبد والرب كأنه قيل: احفظ الصلاة يحفظك الإله الذي أمرك بالصلاة كقوله ﴿ فاذكروني أذكركم  ﴾ وفي الحديث "احفظ الله يحفظك" وإما لأنها بين المصلي والصلاة فمن حفظ الصلاة حفظته الصلاة عن المناهي ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وحفظته عن الفتن والمحن ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ وكيف لا وفي الصلاة القراءة والقرآن شافع مشفع.

في الخبر "تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان فتشهدان وتشفعان" و "إن سورة الملك تصرف عن المتهجد بها عذاب القبر وتجادل عنه في الحشر وتقف في الصراط عند قدميه وتقول للنار لا سبيل لك عليه" وفي الصلاة الوسطى سبعة أقوال: الأول: أنه  أمرنا بالمحافظة على الصلاة الوسطى ولم يبين لنا أنها أي الصلوات.

وما يروى من أخبار الآحاد لا معوّل عليها فيجب أن تؤدى كلها على نعت الكمال والتمام، ولعل هذا هو الحكمة في إبهامها، ولمثل ذلك أخفى الله  ليلة القدر في ليالي رمضان، وساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في أسمائه، ووقت الموت في الأوقات ليكون المكلف خائفاً عازاماً على التوبة في كل الأوقات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء، عن محمد بن سيرين أن رجلاً سأل زيد بن ثابت عن الصلاة الوسطى فقال: حافظ على الصلوات كلها تصبها.

وعن الربيع: أرأيت لو علمتها بعينها أكنت محافظاً عليها ومضيعاً سائرهن؟

قال السائل: لا.

قال الربيع: فإن حافظت عليهن فقد حافظت على الصلاة الوسطى.

القول الثاني: أن الوسطى مجموع الصلوات الخمس، فإن الإيمان بضع وسبعون درجة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطرق.

والصلوات المكتوبات واسطة بين الطرفين.

القول الثالث: أنها صلاة الصبح وهو قول علي وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر وأبي أمامة.

ومن التابعين قول طاوس وعطاء وعكرمة ومجاهد وهو مذهب الشافعي قالوا: إن هذه الصلاة تصلى في الغلس فبعضها في ظلمة الليل وآخرها في ضوء النهار.

وأيضاً إن في النهار صلاتين: الظهر والعصر، وفي الليل صلاتين: المغرب والعشاء، والصبح متوسط بينهما.

وأيضاً الظهر والعصر يجمعان في السفر وكذا المغرب والعشاء والفجر منفرد بينهما.

قال القفال: وتحقيق هذا يرجع إلى ما يقوله الناس: فلان متوسط إذا لم يمل إلى أحد الخصمين وكان منفرداً بنفسه عنهما.

وقد أقسم الله  بها في قوله ﴿ والفجر وليالٍ عشر  ﴾ وأيضاً قال  : ﴿ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً  ﴾ واتفقوا على أن المراد منه صلاة الفجر فخصها في تلك الآية بالذكر للتأكيد وخص الصلاة الوسطى في هذه الآية بالذكر للتأكيد، فيغلب على الظن أنهما واحد.

وأيضاً قرن هذه الصلاة بذكر القنوت في قوله ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ وليس في المفروضة صلاة صبح فيها القنوت إلا الصبح.

وأيضاً لا شك أنه  أفردها بالذكر لأجل التأكيد والصبح أحوج الصلوات إلى ذلك، ففيه ترك النوم اللذيذ واستعمال الماء البارد والخروج إلى المسجد في الوقت الموحش.

وأيضاً الإفراد بالذكر ينبئ عن الفضل، ولا ريب في فضيلة صلاة الصبح ولهذا جاء ﴿ والمستغفرين بالأسحار  ﴾ وروي أن التكبيرة الأولى منها في الجماعة خير من الدنيا وما فيها.

وخصت بالأذان مرتين: أولاهما قبل الوقت إيقاظاً للناس حتى لا تفوتهم ألبتة، وخص أذانها بالتثويب وهو أن يقول بعد الجيعلتين: الصلاة خير من النوم.

وإن الانسان إذا قام من منامه فكأنه صار موجوداً بعد العدم، وعند ذلك يزول عن الخلائق ظلمة الليل وظلمة النوم والغفلة وظلمة الفجر والحيرة، ويملأ العالم نوراً والأبدان حياة وعقلاً وقوةً وفهماً.

فهذا الوقت أليق الأوقات بأن يشتغل العبد بأداء العبودية وإظهار الخضوع والاستكانة لفاطر السموات والأرض وجاعل الظلمات والنور.

وعن علي  أنه سئل عن الصلاة الوسطى فقال: كنا نرى أنها الفجر.

وعن ابن عباس أنه صلى الصبح ثم قال: هذه هي الصلاة الوسطى.

القول الرابع: أنها صلاة الظهر ويروى عن عمر وزيد وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، لأن الظهر كان شاقاً عليهم لوقوعه في وقت القيلولة وشدة الحر فصرف المبالغة إليه أولى.

وعن زيد بن ثابت أن النبي  كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، وربما لم يكن وراءه إلا الصف والصفان فقال  : "لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم" فنزلت هذه الآية.

وأيضاً ليس في المكتوبات صلاة وقعت وسط الليل والنهار إلا هذه، وإنها صلاة بين صلاتين نهاريتين: الفجر والعصر وأنها صلاة بين البردين: برد الغداة وبرد العشي، وإن أول إمامة جبرائيل كان في صلاة الظهر كما ورد في الأحاديث الصحاح، وإن صلاة الجمعة مع ما ورد في فضلها تنوب عن الظهر لا عن غيرها.

وعن عائشة أنها كانت تقرأ ﴿ والصلاة الوسطى وصلاة العصر ﴾ وكانت تقول: سمعت ذلك عن رسول الله  .

فيغلب على الظن أن المعطوف عليه العصر هو الظهر الذي قبله.

وروي أن قوماً كانوا عند زيد بن ثابت فأرسلوا إلى أسامة بن زيد وسألوه عن الصلاة الوسطى فقال: هي صلاة الظهر، كانت تقام في الهاجرة.

القول الخامس: أنها صلاة العصر ويروى عن علي وابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة  م، ومن الفقهاء النخعي وقتادة والضحاك وهو مروي عن أبي حنيفة أيضاً لما ورد من التأكيد فيه كقوله  "من فاته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله" وقد أقسم الله بها في قوله ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر  ﴾ ولما يحتاج في معرفة وقتها إلى تأمل أكثر من حال الظهر.

فالمغرب يعرف بغروب جرم الشمس، والعشاء يعرف بغروب الشفق، والفجر بطلوع الصبح الصادق، والظهر بدلوك الشمس عن دائرة نصف النهار، ولما في وقتها من اشتغال الناس بحوائجهم.

وعن علي  أن النبي  قال يوم الخندق: "شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس ملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً" رواه البخاري وملسم وسائر الأئمة.

وهو عظيم الموقع في المسألة.

وفي صحيح مسلم "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" "وعن النبي  أنها الصلاة التي شغل عنها سليمان بن داود حتى توارت بالحجاب.

وعن حفصة أنها قالت لمن كتب لها المصحف: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى أملي عليك كما سمعت رسول الله  يقرؤها فأملت عليه ﴿ والصلاة الوسطى صلاة العصر ﴾ " القول السادس: أنها صلاة المغرب.

عن قبيصة بن ذؤيب لأنها بين بياض النهار وسواد الليل، ولأنها وسط في الطول والقصر.

القول السابع: أنها صلاة العشاء لأنها متوسطة بين صلاتين لا تقصران: المغرب والصبح.

ولما ورد في فضلها عن عثمان بن عفان عن النبي  "من صلى العشاء الآخرة في جماعة كان كقيام نصف ليلة" وقال أهل التحقيق: القلب هو الذي في وسط الإنسان بل هو واسطة بين الروح والجسد فكأنه قيل: حافظوا على صورة الصلوات بشرائطها، وحافظوا على معاني الصلوات وحقائقها بدوام شهود القلب للرب في الصلاة وبعدها.

ثم إن الشافعي احتج بالآية على أن الوتر ليس بواجب وإلا كانت الصلوات ستاً فلم يبق لها وسطى.

وهذا إنما يتم لو كان المراد الوسطى في العدد، لكنه يحتمل أن يكون الوسطى في الفضيلة من قوله ﴿ وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً  ﴾ أو الوسطى في الزمان وهو الظهر، أو الوسطى في المقدار كالمغرب فإنه ثلاث ركعات فيتوسط بين الاثنتين والأربع، أو الوسطى في الصفة كصلاة الصبح يتوسط بين صفتي الظلام والضياء ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ عن ابن عباس أن القنوت هو الدعاء والذكر لقوله تعالى ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً  ﴾ ولأن قوله ﴿ حافظوا على الصلوات ﴾ أمر بما في الصلاة من الفعل فيكون القنوت عبارة عن كل ما في الصلاة من الذكر.

وعن الحسن والشعبي وسعيد بن جبير وطاوس وقتادة والضحاك ومقاتل: قانتين أي مطيعين لما روي أنه  قال: "كل قنوت في القرآن فهو الطاعة" ﴿ ومن يقنت منكن لله ورسوله  ﴾ ﴿ فالصالحات قانتات  ﴾ فالقنوت عبارة عن إكمال الطاعة والاحتراز عن إيقاع الخلل في أركانها وسننها وآدابها.

وفيه زجر لمن لم يبال كيف صلى فخفف واقتصر على ما لا يجزى وذهب إلى أنه لا حاجة لله إلى صلاة العباد، ولو كان كما قالوا وجب أن لا يصلي أصلاً لأنه  كما لا يحتاج إلى الكثير من عبادتنا فكذلك لا يحتاج إلى القليل، وقد صلى رسول الله  وسائر الرسل والسلف الصالح فأطالوا وخشعوا واستكانوا وكانوا أعلم بالله من هؤلاء الجهال وقيل: قانتين ساكتين.

عن زيد بن أرقم وعبد الله بن مسعود كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت ﴿ وقوموا لله قانتين ﴾ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.

وعن مجاهد: القنوت عبارة عن الخشوع وخفض الجناح وسكون الأطراف، وكان أحدهم إذا صلى خاف ربه فلا يلتفت، ولا يقلب الحصى، ولا يبعث بشيء من جسده.

ولا فحذف المفعول به للعلم به أو فإن حصل لكم خوف أو كنتم على حالة الخوف على أنه متروك المفعول ﴿ فرجالاً أو ركباناً ﴾ أي فصلوا راجلين أو راكبين.

وقيل: المعنى فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالاً أو ركباناً.

وعلى هذا فالآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام و الركوع والسجود.

ورجالاً جمع راجل كقيام جمع قائم وتجار جمع تاجر، أو جمع رجل يقال: رجل رجل أي راجل.

والركبان جمع راكب كفارس وفرسان.

ولا يقال راكب إلا لمن كان على إبل، فإن كان على فرس فإنما يقال له: فارس.

لكن المراد في الآية أعم، وتخصيص اللفظ بالركبان لأنه الغالب فيهم.

واعلم أن صلاة الخوف، إما أن تكون في غير حال القتال وسوف يجيء بيانها في سورة النساء إن شاء الله  ، وإما أن تكون عند التحام القتال وهو المراد بهذه الآية.

ومذهب الشافعي أنهم يصلون ركباناً على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة، ويقتصرون من الركوع والسجود على الإيماء إلا أنهم يجعلون السجود أخفض من الركوع، ويحترزون عن الصيحان، أنَّه لا ضرورة إليه بل الشجاع الساكت أهيب.

وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر لأنه  أخر الصلاة يوم الخندق.

وأجيب بأن الآية ناسخة لذلك الفعل.

ويدخل في الخوف المفيد لهذه الرخصة الخوف في القتال الواجب كالقتال مع الكفار أو مع أهل البغي، وفي القتال المباح كالدفاع عن النفس، أو عن حيوان محترم، أو عن المال.

أما القتال المحظور فإنه لا يجوز فيه صلاة الخوف لأن الرخص لا تناط بالمعاصي والخوف الحاصل لا في القتال كالهارب من الحرق والغرق والسبع، وكذا المطالب إذا كان معسراً خائفاً من الحبس عاجزاً عن بينة الإعسار يرخص أيضاً في هذه الصلاة لأن قوله ﴿ فإن خفتم ﴾ مطلق يتناول الكل ﴿ فإذا أمنتم ﴾ فإذا زال خوفكم ﴿ فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ﴾ من صلاة الأمن بقوله ﴿ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ﴾ كما بينه بشروطه وأركانه.

والصلاة قد تسمى ذكراً ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ وقيل: فاذكروا الله أي فاشكروا الله لأجل إنعامه عليكم بالأمن.

وقيل: فاشكروه على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم من الشرائع على لسان نبيه.

وكيف تصلون في حال الخوف وفي حال الأمن.

و "ما" في ﴿ كما علمكم ﴾ إما مصدرية أو كافة.

الحكم الثامن عشر: عدة الوفاة بوجه آخر ﴿ والذين يتوفون منكم ﴾ الآية.

من قرأ ﴿ وصية ﴾ بالرفع فـ ﴿ وصية ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ لأزواجهم ﴾ وجاز وقوع النكرة مبتدأ لتخصيصه بما تخصص منهم وصية، أو وصية الذين يتوفون وصية، أو الذين يتوفون أهل وصية إلى الحول، وكل هذه الوجوه جائز حسن.

ومن قرأ بالنصب فعلى تقدير فليوصوا وصية أو يوصون وصية مثل "أنت سير البريد" أي أنت تسير سير البريد أو ألزم الذين يتوفون منكم وصية متاعاً نصب على المصدر على معنى فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعاً.

والتقدير: جعل الله لهن ذلك متاعاً لأن ما قبله من الكلام يدل عليه، أو نصب على الحال، أو نصب بالوصية و ﴿ غير إخراج ﴾ نصب على المصدر المؤكد كقولك "هذا القول غير ما تقول" أو بدل من ﴿ متاعاً ﴾ أو حال من الأزواج أي غير مخرجات.

والمعنى أن حق الذين يتوفون منكم عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يحتضروا بأن تمتع أزواجهم بعده حولاً كاملاً أي ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن.

وأكثر المفسرين على أن ذلك كان في أول الإسلام ثم نسخت المدة بقوله ﴿ أربعة أشهر وعشراً  ﴾ أو نسخ ما زاد منه على هذا المقدار بالإرث الذي هو الربع والثمن لقوله  "ألا لا وصية لوارث" وعن علي  وابن عمر أن لها النفقة وإن كانت حائلاً.

وأما السكنى فعند أبي حنيفة وأصحابه لا سكنى لهن وهو قول علي وابن عباس وعائشة، واختاره المزني قياساً على النفقة في مقابلة التمكين ولا تمكين.

وأما السكنى فلتحصين الماء وهو موجود، وعند الشافعي لهن ذلك على الأظهر وهو قول عمر وعثمان وابن مسعود وابن عمر وأم سلمة، ووافقه مالك والثوري وأحمد.

وبناء الخلاف على خبر "فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري قالت: فسألت رسول الله  أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي ما أنزلني بمنزل يملكه فقال: نعم.

فانصرفت حتى إذا كنت في المسجد أو في الحجرة دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" .

فحمل بعضهم الأمر الثاني على النسخ وآخرون على الاستحباب.

وعن مجاهد أنها إن لم تختر السكنى في دار زوجها ولم تأخذ النفقة من مال زوجها كانت عدتها أربعة أشهر وعشراً وإن اختارت السكنى في داره والأخذ من ماله وتركته فعدتها الحول.

قال: وإنما نزلنا الآية على هذين التقديرين لتكون كل واحدة منهما معمولاً بها.

وعن أبي مسلم: إنكم تضيفون الوصية إلى حكم الله  فيلزمكم القول بالنسخ، ونحن نضيف الحكم إلى الزوج حتى يصير معنى الآية: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً وقد وصوا وصية لأزواجهم بالنفقة والسكنى حولاً.

فهذا المجموع شرط وجوابه فإن خرجن - أي قبل ذلك - وخالفن وصية الزوج بعد أن يقمن المدة التي ضربها الله  ﴿ فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ﴾ أي نكاح صحيح، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة.

والسبب فيه أنهم كانوا في زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول، فبيّن الله  في هذه الآية أن ذلك غير واجب.

ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول: "جاءت امرأة إلى رسول الله  فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟

فقال رسول الله  لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا.

ثم قال رسول الله  : إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" .

قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟

فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً، ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به.

قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن في أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح.

ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.

وإنما قال ههنا ﴿ من معروف ﴾ منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه.

وأما في الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع.

ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة في النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال  : ﴿ كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول  ﴾ .

الحكم التاسع عشر: ﴿ وللمطلقات متاع ﴾ عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعد ما أوجبها لواحدة منهن وهي المذكورة في الحكم الخامس عشر.

وروي أنها لما نزلت ﴿ ومتعوهن ﴾ إلى قوله ﴿ متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين ﴾ قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت فإن لم أرد ذلك لم أفعل فنزلت هذه الآية أي حقاً على من كان متقياً عن الكفر والمعاصي واعلم أن المطلقات قسمان: مطلقة قبل الدخول فلها المتعة إن لم يفرض لها مهر كما مر في الحكم الخامس عشر، وإن فرض لها مهر فلا متعة لها وحسبها نصف المهر لأنه  اقتصر على ذلك ولم يذكر المتعة فهي مستثناة من عموم هذه الآية.

ومطلقة بعد الدخول سواء فرض لها أم لم يفرض.

واختلفوا في استحقاقها المتعة.

فالقديم من قول الشافعي وبه قال ابو حنيفة، لا متعة لها لأنها تستحق المهر كالمطلقة بعد الفرض وقبل الدخول.

وفي الجديد لها المتعة وهو قول علي وابنه الحسن وابن عمر لعموم الآية، ولقوله  ﴿ فتعالين أمتعكن  ﴾ وكان ذلك في حق نساء دخل بهن النبي.

وليست كالمطلقة المذكورة لأنها استحقت الصداق لا بمقابلة عوض، وهذه استحقت الصداق في مقابلة استباحة البضع فيجب لها المتعة للإيحاش.

وعن سعيد بن جبير وأبي العالية والزهري أنها واجبة لكل مطلقة تمسكاً بظاهر عموم الآية.

وقيل: المراد بهذا المتعة النفقة في العدة بدليل ﴿ متاعاً إلى الحول ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى ٱلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أنها تخرج على وجهين: على النسخ قوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً  ﴾ .

ويحتمل: على نسخ الوصية خاصة دون نسخ العدة، وأن الأمر بالاعتداد في الآيتين أمر واحد - أربعة أشهر وعشراً، ونسخ الوصية بآية الميراث وبقول رسول الله  : "لا وصية لوارث" وفيه دلالة: أن للموصى له خياراً بين قبول الوصية وبين ردها.

وفيه أيضاً: أن له أن يردها إذا قبل بقوله  : ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ ، إذ في الخروج ردها وذلك بعد القبول.

وقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيۤ أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ ، قد ذكرنا فيما تقدم أنها تحتمل وجهين: تحتمل: ما فعلن في أنفسهن من معروف، من التشويف والتزيين.

وكذلك روي في حرف ابن مسعود - رضي الله  عنه -: "لا جناح عليهن أن يتشوفن ويتزين ويلتمسن الأزواج".

ويحتمل: وضعن أنفسهن في الأكفاء بمهر مثلهن.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ ﴾ .

تحتمل الآية أن تكون في المطلقات المدخولات بهن وقد فرض لهن أن يأمر الأزواج بالمتعة ندباً، لا وجوباً، على ما روي عن الحسن بن علي - رضي الله  عنهما - أنه متع بعشرة آلاف، على ما روي عن ابن عباس وابن عمر، رضي الله  عنهما، أنهما قالا: إن كنت من المتقين ومن المحسنين فمتعها.

فهو أمر ندب، لا أمر إيجاب يجبر على ذلك.

وإن كانت في المطلقة التي لم يدخل بها ولا فرض لها صداقاً فهو على ما يقوله - وهي واجبة يجبر على ذلك؛ فتخرج هذه الآية والتي قبلها، قوله  : ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى ٱلْمُقْتِرِ قَدَرُهُ  ﴾ ، على مخرج واحد، غير أن في إحديهما بيان قدر المتعة، وليس في الأخرى سوى ما ذكر.

ويحتمل وجه آخر: وهو أن الأمر بالمتعة أمر بالإنفاق عليها والكسوة لها إذا دخل بها، ما دامت في العدة.

أو على الاختيار على ما ذكرنا، لا على الإيجاب؛ إذ لو كان على الوجوب لكان في ذلك إيجاب بدلين - الصداق والمتعة - ولم يعرف عقد من العقود أوجب بدلين؛ فكذلك هذا.

والله أعلم.

والثاني: أن الطلاق سبب إسقاط، لا سبب إيجاب.

فإذا كان كذلك لم يجز أن يوجب السبب الذي هو سبب الإسقاط؛ لذلك لم يجب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .

ما سبق ذكره من الأحكام من الأمر بالاعتداد، والإنفاق عليهن، والتمتع وغير ذلك ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ، أمره ونهيه.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ : أي كما يبين في هذا يبين في جميع ما يعلم لكم إلى بيان ذلك حاجة على قدر ما أراد من البيان - من بيان كفاية أو مبالغة - ليعلم أن جميع ما إليه بالخلق حاجة داخل تحت البيان، يوصل إلى ذلك بقدر ما تحتمله العقول على ما يكرم الله المجاهدين فيه في طلب مرضاته.

ولا قوة إلا بالله.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

والذين يموتون منكم ويتركون وراءهم أزواجًا عليهم أن بوصوا لهن بأن يُمتَّعن بالسكنى والنفقة عامًا كاملًا لا يُخرجهن ورثتكم؛ جبرًا لهن لما أصابهن، ووفاء للميت، فإن خرجن قبل إكمال العام من تلقاء أنفسهن فلا إثم عليكم ولا عليهن فيما فعلن في أنفسهن من التزين والتطيب، والله عزيز لا غالب له، حكيم في تدبيره وشرعه وقدره.

هذا وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن حكمِ هذه الآية منسوخ بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234].

<div class="verse-tafsir" id="91.lKL4B"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات تتمة ما في السورة من أحكام الأزواج.

وقد جاء الأمر بالمحافظة على الصلوات في أثناء هذه الأحكام -والصلاة عماد الدين- للعناية بها، فمن حافظ على الصلوات كان جديرًا بالوقوف عند حدود الله تعالى والعمل بشريعته ولذلك قال ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ  ﴾ وقد بيّنا وجه ذلك، وقد خطر لي وجه آخر هو الذي يطرد في أسلوب القرآن الخاص في مزج مقاصد القرآن بعضها ببعض من عقائد وحكم ومواعظ وأحكام تعبدية ومدنية وغيرها، وهو نفي السآمة عن القارىء والسامع من طول النوع الواحد منها، وتجديد نشاطهما وفهمهما واعتبارهما في الصلاة وغيرها.

قوله ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا  ﴾ إلخ فيه قولان: أحدهما: أن عدة الوفاة كانت في أول الإسلام سنة كاملة مجاراة لعادات العرب، ولكن مع تخيير المرأة في الاعتداد في بيت الميت فإن اعتدت فيه وجبت نفقتها من تركته وحرم على الورثة إخراجها، وإن خرجت هي سقط حقها في النفقة، وقالوا إنه لم يكن للمرأة من ميراث زوجها إلا هذا المتاع والنفقة، فقوله تعالى ﴿ وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ  ﴾ معناه فليوصوا وصية لأزواجهم أو فعليهم وصية لأزواجهم إذ قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم (وصية) بالنصب، وقرأها ابن كثير ونافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالرفع، وقوله ﴿ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ  ﴾ معناه أن يمتعوا متاعًا أو متعوهن متاعًا، كأنه قال فليوصوا لهن وصية وليمتعوهن متاعًا إلى آخر الحول، وقيل إن التقدير جعل الله ذلك لهن متاعًا.

وقوله ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ معناه غير مخرجات، أي يجب ذلك لهن مقيمات في دار الميت غير مخرجات فلا يمنعن السكنى.

والأحسن ما قاله بعضهم من أن متاعًا مصدر بمعنى تمتيعًا أو معمول للمصدر الذي هو وصية ومعنى ﴿ غَيْرَ إِخْرَاجٍ  ﴾ غير مخرجات وهو حال من الأزواج، والنكتة في العدول عنه هي أن المراد يوصي الرجل بعدم إخراج زوجه وأن ينفذ أولياؤه وصيته فلا يخرجونهم من بيوتهن، ولو قال "غير مخرجات" لكان تحتيمًا عليهن بالبقاء ولأفاد عدم جواز إخراجهن لأحد ولو كان وليًا كأبيها، وليس هذا بمراد، فعبارة الآية تفيد المعنى المراد ولا توهم سواه - هذا ما ذهب إليه الجمهور في معنى الآية فهي عندهم توجب أن تكون عدة الوفاة سنة كاملة وأن ينفق على المعتدة من تركة زوجها مقيمة في داره لا يجوز إخراجها منه إلا أن تخرج باختيارها فتسقط نفقتها.

قالوا ثم نسخت بجعل العدة أربعة أشهر وعشرًا كما في تلك الآية التي تقدمت عليها في الذكر وهي متأخرة عنها في النزول، وبجعلها وارثة للزوج بنص القرآن مع تحريم الوصية للوارث في الحديث.

وهناك وجه آخر يتصل بقول الجمهور وهو أن الآية كانت في فرض الوصية، وطلب مع هذا الفرض من ورثة الميت أن لا يخرجن النساء في مدة الحول.

وأن الخروج الذي يبرأ به أولياء الميت من الوصية المفروضة التي هي النفقة هو الخروج الذي بعد العدة التي هي أربعة أشهر وعشر، وهو قول ضعيف.

والقول الثاني: إن هذه الآية لم يذكر فيها التربص الذي هو الاعتداد كما ذكر في غيرها من آيات العدة السابقة، وإنما ذكر الوصية والمراد بها أن يستوصي الرجال بالنساء اللواتي يتوفى أزواجهن خيرًا بأن لا يخرجوهن من بيوت أزواجهن بعدما كان من قوة علاقتهن بها إلى مدة سنة كاملة تمر فيها عليهن الفصول الأربعة التي يتذكرن أزواجهن فيها، وأن يجعل لهن في مدة السنة شيء من المال ينفقنه على أنفسهن إلا إذا خرجن وتعرضن للزواج أو تزوجن بعد العدة المفروضة في الآية السابقة.

ولكن لم يعمل أحد من الصحابة ولا من بعدهم بهذا، ولذلك قال الجمهور إنه منسوخ، وذهب بعض الصحابة والتابعين إلى أن الأمر بالوصية كان للندب وتهاون الناس به كما تهاونوا في كثير من المندوبات - أي كاستئذان الأولاد الذين لم يبلغوا عند دخول بيوتهم في الأوقات الثلاثة التي هي مظنة التهاون بالستر قبل صلاة الفجر وحين وضع الثياب من الظهيرة في أيام الحر ومن بعده صلاة العشاء- وعلى هذا فلا نسخ لأنهم مجمعون على أنه لا يصار إلى النسخ إذا أمكن الجمع بين النصين.

والتقدير على الوجه المختار: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا وصية من الله لأزواجهم أو فالله يوصي وصية لأزواجهم أن يمتعن متاعًا ولا يخرجن من بيوت أزواجهن إلى تمام الحول، فإن خرجن من تلقاء أنفسهن فلا جناح عليكم أيها المخاطبون بالوصية فيهم في ما فعلن من المعروف شرعًا وعادة كالتعرض للخُطّاب بعد العدة والتزوج، إذ لا ولاية لكم عليهن فهن حرائر لا يمنعن إلا من المنكر الذي يمنع منه كل مكلف.

وجعل الوصية من الله تعالى معهود في القرآن كقوله ﴿ يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ  ﴾ وقوله ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ  ﴾ وهذا هو المتبادر من النظم الكريم.

وقد ختم الآية بقوله ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  ﴾ للتذكير بأن لله العزة والغلبة فيما يريد من تحويل الأمم من عادات ضارة إلى سنن نافعة تقتضيها الحكمة، كتحويل العرب من عاداتهم في العدة والحداد بجعل المرأة أسيرة ذليلة مقهورة مدة سنة كاملة إلى ما هو خير من ذلك وهو إكرامها ما دامت في بيت زوجها بين أهله، وعدم الحجر على حريتها إذا أرادت الخروج منه ما دامت في حظيرة الشرع وآداب الأمة المعروفة.

فهذه الحكمة البالغة توافق مصلحة الأفراد والجمعيات في كل زمان ومكان.

ثم قال تعالى ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ  ﴾ قال (الجلال): "كرره ليعمم الممسوسة أيضًا إذ الآية السابقة في غيرها"وليس قوله بصحيح إذ كأن ما تقدم خاص وما هنا عام.

والصواب أن كل آية من الآيات التي وردت في المطلقات وردت في نوع منهن فتقدم حكم من لم تمس وقد فرض لها، وحكم المدخول بها المفروض لها، وبقي حكم الممسوسة سواء فرض لها أم لا فذكره هنا، ولم يذكر ذلك بالترتيب، لأن القرآن ليس كتابًا فنيًا فيكون لكل مقصد من مقاصده باب خاص به، وإنما هو كتاب هداية ووعظ ينتقل بالإنسان من شأن من شؤونه إلى آخر، ويعود إلى مباحث المقصد الواحد المرة بعد المرة، مع التفنن في العبارة، والتنويع في البيان، حتى لا يمل تاليه وسامعه من المواظبة على الاهتداء.

يوجز أحيانًا بما يعجز كل أحد عن الإتيان بمثله إذا كان المقام يقتضي الإيجاز، ويطنب في مقام آخر حيث ينبغي الاطناب، وهو معجز في إطنابه كإيجازه، لا لغو فيه ولا حشو، ولكل مقام فيه مقال ينطبق على الحكمة، ويعين على التدبر والتذكر.

ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام المسرودة هنا بقوله ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ  ﴾ إلخ، فزعم بعضهم أن المراد المطلقات المعهودات اللواتي سبق الأمر بتمتيعهن، واستدلوا بما رواه ابن جرير عن ابن زيد قال: لما نزلت ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، قال رجل إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل.

فأنزل الله هذه الآية وفسروا المتقين بمتقي الكفر، وليست هذه الرواية مما يحتج به، وقد قدمنا أن ذكر المحسنين هناك لا يدل على التخيير.

وقال بعضهم إن هذا حكم عام فتجب المتعة لكل مطلقة.

ولا تكرار على هذا مع الآية الآمرة بتمتيع من لم تمس ولم يفرض لها، لأن هذه الآية مسوقة لحكم هذه المتعة من غير تخصيص ولا تقييد بكونها تختلف باختلاف حال الرجل في الإيسار.

وتلك سيقت لبيان نفي الجناح عمن طلق من لم يمسها ولم يفرض لها، وجاء في السياق أنه يجب لها تمتيع حسن بحسب وسع المطلق لما تقدم بيانه في تفسيرها.

فعلى هذا تكون المتعة مشروعة لكل مطلقة، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبي العالية والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق، واستدلوا بعموم هذه الآي وبقوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا  ﴾ وقد كن مدخولًا بهن مفروضًا لهن المهر.

والقائلون بهذا منهم من يقول إنها واجبة لكل مطلقة ومنهم من يقول واجبة لمن لم تمس ولم يفرض لها مندوبة لغيرها.

وحجة من قال إن التمتيع خاص بمن لم تمس ولم يفرض لها هي أنه بدل مما يجب لغيرها من نصف المهر إن فرض لها ولم تمس أو المهر المسمى أو مهر المثل إذا كانت ممسوسة.

وحسبنا أن الله تعالى جعل تمتيع المطلقات حقًا على المتقين، وقد فسروه بالذين يتقون الشرك، أو هو حق على كل مؤمن مطلقًا إلا أن يثبت أن ما تستحقه من المهر يسمى متاعًا في عرف القرآن فحينئذٍ تكون هذه الآية فذلكة لسائر الآيات، كأنه قال لكل مطلقة متاع تمتع به فمنهن من متاعها المهر المسمى أو المقدر، ومنهن من متاعها نصفه، ومنهن من لها متاع غير محدود لأنه على حسب الاستطاعة.

وأحوط الأقوال وأوسطها قول من جعل المتعة غير المهر وأوجبها لمن لا تستحق مهرًا وندبها لغيرها.

ثم ختم الله تعالى هذه الأحكام بقوله ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ﴾ أي مضت سنته تعالى بأن يبيّن لكم آياته في أحكام دينه مثل هذا النحو من البيان، وهو أن يذكر الحكم وفائدته ويقرنه بذكر الله والموعظة الحسنة التي تعين على العمل به، ليعدكم بذلك لكمال العقل فتتحروا الاستفادة من كل عمل فعليكم أن تعقلوا ما تخاطبون به لتكونوا على بصيرة من دينكم، عارفين بانطباق أحكامه على مصالحكم بما فيها من تزكية نفوسكم والتأليف بين قلوبكم، فتكونوا حقيقين بإقامتها والمحافظة عليها.

وليس معنى العقل أن يجعل المعنى في حاشية من حواشي الدماغ، غير مستقر في الذهن ولا مؤثر في النفس، بل معناه أن يتدبر الشيء ويتأمله حتى تذعن نفسه لما أودع فيه إذعانًا يكون له أثر في العمل، فمن لم يعقل الكلام بهذا المعنى فهو ميت وإن كان يزعم أنه حي -ميت من عالم العقلاء، حي بالحياة الحيوانية- وقد فهمنا هذه الأحكام ولكن ما عقلناها، ولو عقلناها لما أهملناها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد