الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٦ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 173 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٤٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : هذا النبي هو يوشع بن نون .
قال ابن جرير : يعني ابن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب .
وهذا القول بعيد ; لأن هذا كان بعد موسى بدهر طويل ، وكان ذلك في زمان داود عليه السلام ، كما هو مصرح به في القصة وقد كان بين داود وموسى ما ينيف عن ألف سنة والله أعلم .
وقال السدي : هو شمعون وقال مجاهد : هو شمويل عليه السلام .
وكذا قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه وهو : شمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن إليهو بن تهو بن صوف بن علقمة بن ماحث بن عموصا بن عزريا بن صفنيه بن علقمة بن أبي ياسف بن قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليه السلام .
وقال وهب بن منبه وغيره : كان بنو إسرائيل بعد موسى عليه السلام على طريق الاستقامة مدة الزمان ، ثم أحدثوا الأحداث وعبد بعضهم الأصنام ، ولم يزل بين أظهرهم من الأنبياء من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويقيمهم على منهج التوراة إلى أن فعلوا ما فعلوا فسلط الله عليهم أعداءهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وأسروا خلقا كثيرا وأخذوا منهم بلادا كثيرة ، ولم يكن أحد يقاتلهم إلا غلبوه وذلك أنهم كان عندهم التوراة والتابوت الذي كان في قديم الزمان وكان ذلك موروثا لخلفهم عن سلفهم إلى موسى الكليم عليه الصلاة والسلام فلم يزل بهم تماديهم على الضلال حتى استلبه منهم بعض الملوك في بعض الحروب وأخذ التوراة من أيديهم ولم يبق من يحفظها فيهم إلا القليل وانقطعت النبوة من أسباطهم ولم يبق من سبط لاوي الذي يكون فيه الأنبياء إلا امرأة حامل من بعلها وقد قتل فأخذوها فحبسوها في بيت واحتفظوا بها لعل الله يرزقها غلاما يكون نبيا لهم ولم تزل [ تلك ] المرأة تدعو الله عز وجل أن يرزقها غلاما فسمع الله لها ووهبها غلاما ، فسمته شمويل : أي : سمع الله .
ومنهم من يقول : شمعون وهو بمعناه فشب ذلك الغلام ونشأ فيهم وأنبته الله نباتا حسنا فلما بلغ سن الأنبياء أوحى الله إليه وأمره بالدعوة إليه وتوحيده ، فدعا بني إسرائيل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا يقاتلون معه أعداءهم وكان الملك أيضا قد باد فيهم فقال لهم النبي : فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكا ألا تفوا بما التزمتم من القتال معه ( قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ) أي : وقد أخذت منا البلاد وسبيت الأولاد ؟
قال الله تعالى : ( فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ) أي : ما وفوا بما وعدوا بل نكل عن الجهاد أكثرهم والله عليم بهم .
القول في تأويل قوله : أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " ألم تر "، ألم تر، يا محمد، بقلبك, (1) فتعلم بخبري إياك، يا محمد=" إلى الملأ "، يعني: إلى وجوه بني إسرائيل وأشرافهم ورؤسائهم=" من بعد موسى "، يقول: من بعد ما قبض موسى فمات=" إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ".
فذكر لي أن النبي الذي قال لهم ذلك شمويل (2) بن بالى (3) بن علقمة (4) بن يرحام (5) بن إليهو (6) بن تهو بن &; 5-292 &; صوف (7) بن علقمة بن ماحث (8) بن عموصا (9) بن عزريا بن صفنية (10) بن علقمة بن أبي ياسف (11) بن قارون (12) بن يصهر (13) بن قاهث (14) بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
5626- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, (15) عن وهب بن منبه.
5627- وحدثني أيضا المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهب بن منبه يقول: هو شمويل، هو شمويل- ولم ينسبه كما نسبه ابن إسحاق.
(16) * * * وقال السدي: بل اسمه شمعون.
وقال: إنما سمي" شمعون "، لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما, فاستجاب الله لها دعاءها، فرزقها, فولدت غلاما فسمته &; 5-293 &; " شمعون "، تقول: الله تعالى سمع دعائي.
5628- حدثني [بذلك] موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي.
(17) * * * فكأن " شمعون "" فعلون " عند السدي, من قولها: إنَّه سمع الله دعاءها.
(18) * * * 5629- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد قوله: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم "، قال: شمؤل.
(19) * * * وقال آخرون : بل الذي سأله قومه من بني إسرائيل أن يبعث لهم ملكا يقاتلون في سبيل الله، يوشع (20) بن نون بن أفراثيم (21) بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم.
5630- حدثني بذلك الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ ، قال: كان نبيهم الذي بعد موسى يوشع بن نون، قال: وهو أحد الرجلين اللذين أنعم الله عليهما.
(22) * * * وأما قوله: " ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" ، فاختلف أهل التأويل في &; 5-294 &; السبب الذي من أجله سأل الملأ من بني إسرائيل نبيهم ذلك.
فقال بعضهم: كان سبب مسألتهم إياه، ما: - 5631- حدثنا به محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن وهب بن منبه قال: خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون، يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله.
ثم خلف فيهم كالب بن يوفنا (23) يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله تعالى.
ثم خلف فيهم حزقيل (24) بن بوزي، وهو ابن العجوز.
ثم إن الله قبض حزقيل, وعظمت في بني إسرائيل الأحداث, ونسوا ما كان من عهد الله إليهم, حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله.
فبعث الله إليهم إلياس (25) بن نسى (26) بن فنحاص (27) بن العيزار (28) بن هارون بن عمران نبيا.
وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى، يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة.
وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أحاب, (29) وكان يسمع منه ويصدقه.
فكان إلياس يقيم له أمره.
وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله, فجعل إلياس يدعوهم إلى الله, وجعلوا لا يسمعون منه شيئا, إلا ما كان من ذلك الملك.
والملوك متفرقة بالشام, كل ملك &; 5-295 &; له ناحية منها يأكلها.
(30) فقال ذلك الملك= الذي كان إلياس معه يقوم له أمره، ويراه على هدى من بين أصحابه = يوما: يا إلياس، والله ما أرى ما تدعو إليه الناس إلا باطلا!
والله ما أرى فلانا وفلانا- وعدد ملوكا من ملوك بني إسرائيل (31) - قد عبدوا الأوثان من دون الله، إلا على مثل ما نحن عليه, يأكلون ويشربون ويتنعمون مملكين، (32) ما ينقص من دنياهم [أمرهم الذي تزعم أنه باطل]؟
(33) وما نرى لنا عليهم من فضل.
ويزعمون - (34) والله أعلم - أن إلياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده، ثم رفضه وخرج عنه.
ففعل ذلك الملك فعل أصحابه, عبد الأوثان, وصنع ما يصنعون.
(35) ثم خلف من بعده فيهم اليسع, (36) فكان فيهم ما شاء الله أن يكون, ثم قبضه الله إليه.
وخلفت فيهم الخلوف, وعظمت فيهم الخطايا, وعندهم التابوت يتوارثونه كابرا عن كابر, فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون.
فكانوا لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويزحفون به معهم, (37) إلا هزم الله ذلك العدو.
(38) ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاء , (39) وكان الله قد بارك لهم في جبلهم &; 5-296 &; من إيليا، لا يدخله عليهم عدو، ولا يحتاجون معه إلى غيره.
وكان أحدهم -فيما يذكرون- يجمع التراب على الصخرة, ثم ينبذ فيه الحب , فيخرج الله له ما يأكل سنته هو وعياله.
ويكون لأحدهم الزيتونة، فيعتصر منها ما يأكل هو وعياله سنته.
فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهد الله إليهم, نـزل بهم عدو فخرجوا إليه, وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه, ثم زحفوا به, فقوتلوا حتى استلب من بين أيديهم.
فأتى ملكهم إيلاء فأخبر أن التابوت قد أخذ واستلب, فمالت عنقه, فمات كمدا عليه.
فمرج أمرهم عليهم، (40) ووطئهم عدوهم, حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم.
(41) وفيهم نبي لهم قد كان الله بعثه إليهم، فكانوا لا يقبلون منه شيئا، يقال له " شمويل ", (42) وهو الذي ذكر الله لنبيه محمد: " ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله " إلى قوله: وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ، يقول الله: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ ، إلى قوله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
= قال ابن إسحاق: فكان من حديثهم فيما حدثني به بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه: أنه لما نـزل بهم البلاء ووطئت بلادهم, كلموا نبيهم شمويل بن بالي فقالوا: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ".
وإنما كان قوام بني إسرائيل الاجتماع على الملوك, وطاعة الملوك أنبياءهم.
وكان الملك هو يسير بالجموع، والنبي يقوم له أمره ويأتيه بالخبر من ربه.
فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم, فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم.
فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر &; 5-297 &; الرسل, ففريقا يكذبون فلا يقبلون منه شيئا, وفريقا يقتلون.
فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ".
فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء ولا صدق ولا رغبة في الجهاد.
فقالوا: إنما كنا نهاب الجهاد ونـزهد فيه، أنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤها أحد، فلا يظهر علينا فيها عدو, فأما إذ بلغ ذلك، فإنه لا بد من الجهاد, فنطيع ربنا في جهاد عدونا، ونمنع أبناءها ونساءنا وذرارينا.
5632- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل " إلى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، قال الربيع: ذكر لنا -والله أعلم- أن موسى لما حضرته الوفاة، استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل, وأن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى.
ثم إن وشع بن نون توفي، واستخلف فيهم آخر, فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى صلى الله عليه وسلم.
ثم استخلف آخر فسار فيهم بسيرة صاحبيه.
ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا.
ثم استخلف آخر، فأنكروا عامة أمره.
ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله.
ثم إن بني إسرائيل أتوا نبيا من أنبيائهم حين أوذوا في أنفسهم وأموالهم, (43) فقالوا له: سل ربك أن يكتب علينا القتال!
فقال لهم ذلك النبي: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا ، إلى قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .
5633- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج في قوله: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا "، قال قال ابن عباس: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان, وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم.
(44) &; 5-298 &; 5634- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، أخبرنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول في قوله : " إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا "، قال: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان.
* * * وقال آخرون: كان سبب مسألتهم نبيهم ذلك, ما: - 5635- حدثني به موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله "، قال: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة, وكان ملك العمالقة جالوت، (45) وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم.
وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيا يقاتلون معه.
وكان سبط النبوة قد هلكوا, فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى, فأخذوها فحبسوها في بيت، رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام, لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها.
فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما, فولدت غلاما فسمته شمعون.
(46) فكبر الغلام، فأرسلته يتعلم التوراة في بيت المقدس, (47) وكفله شيخ من علمائهم وتبناه.
فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا، أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ= وكان لا يتمن عليه أحدا غيره= (48) فدعاه بلحن الشيخ: " يا شماول!"، (49) فقام &; 5-299 &; الغلام فزعا إلى الشيخ, فقال: يا أبتاه، دعوتني؟
فكره الشيخ أن يقول: " لا " فيفزع الغلام, فقال: يا بني ارجع فنم!
فرجع فنام.
ثم دعاه الثانية, فأتاه الغلام أيضا فقال: دعوتني؟
فقال: ارجع فنم, فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني!
فلما كانت الثالثة، ظهر له جبريل فقال: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك, فإن الله قد بعثك فيهم نبيا.
فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم تئن لك!
(50) وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، آية من نبوتك!
فقال لهم شمعون: عسى إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا.
(51) * * * قال أبو جعفر: وغير جائز في قول الله تعالى ذكره: " نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" إذا قرئ " بالنون " غير الجزم، على معنى المجازاة وشرط الأمر.
فإن ظن ظان أن الرفع فيه جائز وقد قرئ بالنون، بمعنى: الذي نقاتل به في سبيل الله, (52) فإن ذلك غير جائز.
لأن العرب لا تضمر حرفين.
(53) ولكن لو كان قرئ ذلك " بالياء " لجاز رفعه, لأنه يكون لو قرئ كذلك صلة ل " الملك ", فيصير تأويل الكلام حينئذ: ابعث لنا الذي يقاتل في سبيل الله, كما قال تعالى ذكره: وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ [سورة البقرة: 129]، لأن قوله يَتْلُو من صلة الرسول.
(54) &; 5-300 &; القول في تأويل قوله : قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: قال النبي الذي سألوه أن يبعث لهم ملكا يقاتلوا في سبيل الله: " هل عسيتم "، هل، تعدون (55) " إن كتب ", يعني: إن فرض عليكم القتال (56) =" ألا تقاتلوا "، يعني: أن لا تفوا بما تعدون الله من أنفسكم، من الجهاد في سبيله، فإنكم أهل نكث وغدر وقلة وفاء بما تعدون؟=" قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله "، يعني: قال الملأ من بني إسرائيل لنبيهم ذلك: وأي شيء يمنعنا أن نقاتل في سبيل الله عدونا وعدو الله=" وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا "، بالقهر والغلبة؟
* * * فإن قال لنا قائل: وما وجه دخول " أن " في قوله: " وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله "، وحذفه من قوله: وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ ؟
[سورة الحديد: 8] قيل: هما لغتان فصيحتان للعرب: تحذف " أن " مرة مع قولها: (57) " ما لك ", فتقول: " ما لك لا تفعل كذا "، بمعنى: ما لك غير فاعله, كما قال الشاعر: (58) * ما لك ترغين ولا ترغو الخلف * &; 5-301 &; وذلك هو الكلام الذي لا حاجة بالمتكلم به إلى الاستشهاد على صحته، لفشو ذلك على ألسن العرب.
= وتثبت " أن " فيه أخرى, توجيها لقولها: " ما لك " إلى معناه, إذ كان معناه: ما منعك؟
كما قال تعالى ذكره: مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [سورة الأعراف: 12]، ثم قال في سورة أخرى في نظيره : مَا لَكَ أَلا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ [سورة الحجر: 32]، فوضع " مَا مَنَعَكَ " موضع " ما لك "، و " ما لك " موضع " ما منعك "، لاتفاق معنييهما، وإن اختلفت ألفاظهما, كما تفعل العرب ذلك في نظائره مما تتفق معانيه وتختلف ألفاظه, كما قال الشاعر: (59) يقـول إذا اقلـولى عليهـا وأقـردت: ألا هــل أخــو عيش لذيـذ بـدائم? (60) &; 5-302 &; فأدخل في" دائم "" الباء " مع " هل "، وهي استفهام.
وإنما تدخل في خبر " ما " التي في معنى الجحد، لتقارب معنى الاستفهام والجحد.
(61) * * * وكان بعض أهل العربية يقول: (62) أدخلت " أن " في: " ألا تقاتلوا "، لأنه بمعنى قول القائل: ما لك في ألا تقاتل.
ولو كان ذلك جائزا، لجاز أن يقال: " ما لك أن قمت= وما لك أنك قائم "، وذلك غير جائز.
لأن المنع إنما يكون للمستقبل من الأفعال, كما يقال: " منعتك أن تقوم "، ولا يقال: " منعتك أن قمت "، فلذلك قيل في" مالك ": " مالك ألا تقوم " ولم يقل: " ما لك أن قمت ".
* * * وقال آخرون منهم: (63) " أن " ها هنا زائدة بعد " ما لنا "، كما تزاد بعد " لما " و " لو "، (64) وهي تزاد في هذا المعنى كثيرا.
قال: ومعناه: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله؟
فأعمل " أن " وهي زائدة، وقال الفرزدق: لـو لـم تكـن غطفـان لا ذنوب لها إذن لــلام ذوو أحســابها عمــرا (65) &; 5-303 &; والمعنى: لو لم تكن غطفان لها ذنوب=" ولا " زائدة فأعملها.
(66) = وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه، آخرون.
وقالوا: غير جائز أن تجعل " أن " زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل- فلا وجه لدعوى مدع أن " أن " زائدة, معنى مفهوم صحيح.
قالوا: وأما قوله: * لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها * &; 5-304 &; = فإن " لا " غير زائدة في هذا الموضع, لأنه جحد, والجحد إذا جحد صار إثباتا.
قالوا: فقوله: " لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها "، إثبات الذنوب لها, كما يقال: " ما أخوك ليس يقوم "، بمعنى: هو يقوم.
* * * وقال آخرون: معنى قوله: " ما لنا ألا نقاتل ": ما لنا ولأن لا نقاتل, ثم حذفت " الواو " فتركت, كما يقال في الكلام: " ما لك ولأن تذهب إلى فلان "، فألقي منها " الواو ", لأن " أن " حرف غير متمكن في الأسماء.
وقالوا: نجيز أن يقال: " ما لك أن تقوم "، ولا نجيز: " ما لك القيام "، لأن القيام اسم صحيح و " أن " اسم غير صحيح.
وقالوا: قد تقول العرب: " إياك أن تتكلم "، بمعنى: إياك وأن تتكلم.
* * * وأنكر ذلك من قولهم آخرون وقالوا: لو جاز أن يقال ذلك على التأويل الذي تأوله قائل من حكينا قوله, لوجب أن يكون جائزا: " ضربتك بالجارية وأنت كفيل ", بمعنى: وأنت كفيل بالجارية= وأن تقول: " رأيتك إيانا وتريد ", بمعنى : " رأيتك وإيانا تريد ".
(67) لأن العرب تقول: " إياك بالباطل تنطق "، قالوا: فلو كانت " الواو " مضمرة في" أن "، لجاز جميع ما ذكرنا، ولكن ذلك غير جائز, لأن ما بعد " الواو " من الأفاعيل غير جائز له أن يقع على ما قبلها، (68) واستشهدوا على فساد قول من زعم أن " الواو " مضمرة مع " أن " بقول الشاعر: فبـــح بالســرائر فــي أهلهــا إيــاك فــي غــيرهم أن تبوحـا (69) &; 5-305 &; = وأنَّ " أن تبوحا "، لو كان فيها " واو " مضمرة، لم يجز تقديم " في غيرهم " عليها.
(70) * * * وأما تأويل قوله تعالى: " وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا " ، فإنه يعني: وقد أخرج من غلب عليه من رجالنا ونسائنا من ديارهم وأولادهم، ومن سبي.
وهذا الكلام ظاهره العموم وباطنه الخصوص، لأن الذين قالوا لنبيهم: " ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله "، كانوا في ديارهم وأوطانهم, وإنما كان أخرج من داره وولده من أسر وقهر منهم.
* * * وأما قوله: " فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ" ، يقول: فلما فرض عليهم قتال عدوهم والجهاد في سبيله=" تولوا إلا قليلا منهم "، يقول: أدبروا مولين عن القتال, وضيعوا ما سألوه نبيهم من فرض الجهاد.
والقليل الذي استثناهم الله منهم, هم الذين عبروا النهر مع طالوت.
وسنذكر سبب تولي من تولى منهم، وعبور من عبر منهم النهر بعد إن شاء الله، إذا أتينا عليه.
* * * يقول الله تعالى ذكره: " وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" ، يعني: والله ذو علم بمن ظلم منهم نفسه, فأخلف الله ما وعده من نفسه، وخالف أمر ربه فيما سأله ابتداء أن يوجبه عليه.
* * * وهذا من الله تعالى ذكره تقريع لليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم، ومخالفتهم أمر ربهم.
يقول الله تعالى ذكره لهم: إنكم، يا معشر اليهود، عصيتم الله وخالفتم أمره فيما سألتموه أن يفرضه عليكم ابتداء، من غير أن يبتدئكم ربكم بفرض ما عصيتموه &; 5-306 &; فيه, فأنتم بمعصيته - فيما ابتدأكم به من إلزام فرضه- أحرى.
* * * وفي هذا الكلام متروك قد استغني بذكر ما ذكر عما ترك منه.
وذلك أن معنى الكلام: " قالوا: وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا "= فسأل نبيهم ربهم أن يبعث لهم ملكا يقاتلون معه في سبيل الله، فبعث لهم ملكا, وكتب عليهم القتال=" فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين ".
---------------- الهوامش : (1) انظر معنى"ألم تر" ، و" الرؤية" فيما سلف : ص : 266 ، والمراجع في التعليق .
(2) ساذكر في التعليقات الآتية ما جاء في هذا النسب من الأسماء ، على رسمها في كتاب القوم الذي بين أيدينا ، من أخبار الأيام الأول .
في الإصحاح السادس .
و"شمويل" هناك هو"صموئيل" .
(3) "بالي" ، لم يرد له ذكر في نسب"شمويل" من كتاب القوم ، بل هو عندهم"صموئيل بن"القانة" .
(4) (ألقانة) (5) ( يروحام) .
وفي المطبوعة : "برحام" خطأ ، وهو في المخطوطة غير منقوط وأما في تاريخ الطبري 1 : 242 فهو بالحاء المعجمة .
(6) ( إيليئيل) .
الظاهر أنه هو"إليهو" .
(7) (توح) ، وفي المطبوعة : "يهو صوق" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة"بهو صوف" غير منقوط ، وكلاهما أسقط"بن" بين الكلمتين .
و الصواب من تاريخ الطبري .
و" توح" مذكور في كتاب القوم ، في كتاب صموئيل الأول ، الإصحاح الأول برسم : "توحو" .
(8) ( محث) .
(9) (عما ساى) والنسب في كتاب القوم بعد ذلك : "عما ساى بن ألقانة بن يوثيل بن عز ريا بن صفنيا بن تحث بن أسير بن أبياساف" ، وبعضه لم يذكر في النسب الذي رواه الطبري ، وفيما رواه بعد ذلك تقديم و تاخير كما ترى .
(10) (صفنيا) ، وفي المطبوعة و المخطوطة : " صفية" .
(11) ( أبياساف) وفي المطبوعة : "أبى ياسق" ، وفي المخطوطة" أبي ياسف" .
(12) (قورح) .
(13) ( يصهار) .
(14) ( قهات) .
(15) في المطبوعة و المخطوطة : "عن أبي إسحق" ، وهو خطأ ، وهو إسناد دائر في الطبري عن"محمد بن إسحق" صاحب السيرة .
(16) في المخطوطة و المطبوعة : "كما نسبه إسحاق" ، وهو خطأ ظاهر ، وانظر التعليق السالف .
(17) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق ، كما في إسناد الأثر السالف ، (18) في المطبوعة : "من قولها سمع" أسقط" أنه" وأثبت ما في المخطوطة .
(19) في المطبوعة : " شمعون" ، وهو خطأ لا شك فيه ، و الصواب ما في المخطوطة والدر المنثور 1 : 315 .
(20) (يشوع) .
(21) (أفرايم) ، وفي المطبوعة( أفراثيم) ، و الصواب ما أثبت من التاريخ 1 : 225 ، وفي المخطوطة غير منقوطة .
(22) يعني المذكورين في قوله تعالى في [ سورة المائدة : 23] { قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا } ، الآية .
(23) ( يفنة) وفي المطبوعة : " يوقنا" ، و الصواب من المخطوطة و التاريخ 1 : 238 .
(24) ( حزقيال) في كتاب القوم .
(25) (إيليا) ، وهو"إيليا التشبى" مذكور في"الملوك الأول" إصحاح : 17 .
(26) لم أجد نسب"إيليا" ، وقوله : "نسى"لم أجده .
وهو في المخطوطة"سى" غير منقوطة ولا واضحة ، وفي تاريخ الطبري 1 : 239"إلياس بن ياسين" .
(27) ( فينحاس) .
(28) (العازار) .
(29) (أخاب)"في الملوك الأول" الإصحاح : 16 ، 17 .
وهو في المطبوعة والتاريخ والمخطوطة : "أحاب" ، مهمل الحاء .
(30) (يأكلها) أي يغلب عليها ، ويصير له ما لها وخراجها .
وفي حديث عمرو بن عنبسة : ( ومأكول حمير من آكلها ، الماكول : الرعية -والآكلون : الملوك .
وهم يسمون سادة الأحياء الذين يأخذون المرباع وغيره" الآكال" ، وفي الحديث : "أمرت بقرية تأكل القرى" ، هي المدنية ، أي يغلب أهلها بالإسلام على غيرها من القرى .
(31) في المطبوعة : "يعدد ملوكا .
.
" وأثبت ما في المخطوطة ، وفي تاريخ الطبري : "يعد" .
(32) في المطبوعة : "مالكين" ، وفي المخطوطة : "ملكين" ، وأثبت ما في تاريخ الطبري .
(33) الزيادة التي بين القوسين من تاريخ الطبري ، ولا يستقيم الكلام إلا بها .
(34) في المطبوعة : "ويزعمون" وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(35) إلى هذا الموضع رواه الطبري بإسناده هذا في تاريخه1 : 239 / ثم الذي يليه في 1 / 240 فصلت بينهما روايات أخرى .
(36) (أليشع) في كتاب القوم .
(37) في المطبوعة والمخطوطة : "وكانوا .
.
.
" ، وأثبت ما في التاريخ ، فهو أجود .
(38) بعد هذا في التاريخ ما نصه : "والسكنية - فيما ذكر ابن إسحق ، عن وهب بن منبه ، من بعض أهل إسرائيل -رأس هرة ميتة ، فإذا صرخت في التابوت بصراخ هرة ، أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح .
(39) ( عالي) في كتاب القوم وفي تاريخ الطبري"إيلاف" .
والمرجح أن الذي في المطبوعة والمخطوطة هو الصواب ، لقربه من لفظ"عالي" وإن كان الطبري قد ذكر في تاريخه 1 : 243"عيلى" ، .
وعالي ، من عظماء كهنة بني إسرائيل وقضى لهم أربعين سنة .
وخبر موت عالي عند استلاب التابوت ، مذكور في كتاب القوم"صموئيل الأول" الإصحاح الرابع .
(40) في تاريخ الطبري : "فمرج أمرهم بينهم" .
ومرج الأمر : اختلط والتبس واضطرب في الفتنة .
(41) إلى هذا الموضع ، انتهى ما رواه الطبري في التاريخ 1 : 240-241 .
(42) (صموئيل) في كتاب القوم .
(43) في المطبوعة : "في نفوسهم" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(44) استخرج (بالبناء للمجهول) : حمل على الخروج من بلاده .
وهذا لفظ لم يذكره أصحاب المعاجم ، وهو عربية معرقة .
(45) ( جليات) في كتاب القوم .
(46) في تاريخ الطبري بعد قوله شمعون : "تقول" : الله سمع دعائي" .
وانظر الأثر السالف رقم : 5628 وما قبله وما بعده .
(47) في المطبوعة : "فأرسلته يتعلم" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .
(48) في المطبوعة : "لا يأتمن" ، وفي تاريخ الطبري مطبوعة مصر : "لايئتمن" في الأوربية والمخطوطة : "لا يتمن" .
وأمنه وأمنه وائتمنه واتمنه (بتشديد التاء) سواء ، وانظر تعليق صاحب اللسان على قول من قال إن الأخيرة نادرة .
(49) اللحن : اللغة و اللهجة .
وفي التاريخ : "شمويل" ، وظاهر هذا الخبر يدل على أن"شمعون" هو"شمويل" وأنهما لغتان بمعنى واحد .
وانظر الآثار السالفة 5626 -5629 ، والتعليقات عليها .
(50) في المطبوعة"ولم تنل لك" وهو تصحيف .
وفي تاريخ الطبري : "ولم تبالك" ، من المبالاة ، وهي ليست بشيء .
وفي الدر المنثور : "ولم يأن لك" ، وفي المخطوطة : "ولم تنل لك" وظاهر أنها"تئن" .
من"آن يئين أينا" : أي حان .
مثل"أني لك يأني" ، بمعناه ، أي لم تبلغ بعد أوان أن تكون نبيا .
(51) الأثر : 5635- في تاريخ الطبري 1: 242 ، والدر المنثور 1: 315 ، وفي المطبوعة ختم الأثر بقوله : "والله أعلم" ، وهي زيادة من ناسخ لا معنى لها هنا ، وليست في المخطوطة .
(52) في المخطوطة والمطبوعة : " الذي نقاتل" بحذف"به" ، وهو خطأ يدل عليه السياق ، وما جاء في معاني القرآن للفراء 1 : 157 .
(53) يعني"الذي" و"به" .
(54) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 157- 162 ، فهو قد استوعب القول في هذه القراءة ، وفي هذا الباب من العربية .
و"الصلة" : التابع ، كالنعت والحال ، ويعني به نعت النكرة ، هنا .
(55) انظر هذا التفسير في مجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 77 .
(56) انظر معنى" كتب" فيما سلف 3 : 357 ، 364- 365 ، 409/ 4 : 297 .
(57) في المطبوعة والمخطوطة : "مع قولنا" ، والسياق الآتي يقتضي ما أثبت .
(58) لم أعرف قائله ، وإن كنت أذكر أنى قرأته مع أبيات أخر من الرجز .
وهو في معاني القرآن للفراء 1 : 163 ، واللسان (خلف) .
والخلفة (بفتح الخاء وكسر اللام) الناقة الحامل ، وجمعها خلف ، وهو نادر ، وهذا البيت شاهده ، وإنما الجمع السائر أن يقال للنوق الحوامل"مخاض" ، كقولهم : "امرأة ، ونسوه" ، وهذا الراجز يقول لناقته : ما زغاؤك ، والحوامل لا ترغو؟
يعني أنها إنما ترغو حنينا إلى بلاده وبلادها .
حيث فارق من كان يحب ، كما قال الشماطيط الغطفاني لناقته : أرار اللــه مخــك فـي السـلامى إلــى مــن بــالحنين تشـوقينا!!
فــإني مثـل مـا تجـدين وجـدي, ولكــــني أســـر وتعلنينـــا!
وبـي مثـل الـذي بـك, غـير أنـي أجــل عــن العقــال, وتعقلينـا!
هذا ، وقد كان في المطبوعة"ملك ترعين ولا ترعوا الخلف" ، وهو في المخطوطة على الصواب ، ولكنه غير منقوط كعادة ناسخها في كثير من المواضع .
(59) هو الفرزدق .
(60) ديوانه : 863 ، والنقائض : 753 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 164 ، واللسان (قرد) (قلا) (هلل) يهجمو جريرا ، ويعرض بالبعث ، وقبله ، يعرض بأن قوم جرير ، وهم كليب بن يربوع ، كان يغشون الأتن : وليس كـــليبي, إذا جــن ليلــه إذا لــم يجـد ريـح الأتـان, بنـائم يقــــــول- إذا اقلـــــولي .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وفي المطبوعة : "تقول" .
وقد شرحه ابن بري على هذه الرواية شرحا فاسدا جدا في"قرد" ، وشرحه ابن الأعرابي أيضًا في (قلا) على هذه الرواية ، فكان أيضًا شرحا شديد الفساد .
ورغم أنه أراد امرأة يزنى بها .
والصواب أنه أراد ما ذكرت من غشيان إناث الحمير ، لا إناث البشر!!
وقوله : "اقلولي" أي علا على ظهرها مستوفزا قلقا لا يستقر ، واختيار الفرزدق لهذا الحرف عجب من العجب في تصوير ما أراد .
وأقرد الرجل وغيره : سكن وتماوت .
يريد أن الأتان قد رضيت فأسمحت فسكت له .
فلما بلغ ذلك منه ومنها قال : "ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم" ، يكشف عن شدة حبه وشغفه بذلك ، وأنه يأسف ويتحسر علي أنه أمر ينقضي ولا يدوم .
وقد زعموا أن"هل" هنا بمعنى الجحد أي ليس أخو عيش لذيذ بدائم .
(اللسان : هلل) .
(61) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 163- 164 ، وقد استوفى الكلام فيما فتحه الطبري .
(62) هو الكسائي ، كما صرح به الفراء في معاني القرآن 1 : 165 .
(63) هو أبو الحسن الأخفش ، كما يتبين من تفسير أبي حيان والقرطبي والمغني .
(64) في المطبوعة : " زائدة بعد فلما ولما ولو" ، وهو تخليط .
وفي المخطوطة "بعد مليما .
.
.
" مضطربة الكتبة ، فالصواب عندي أن تكون : "مالنا" ، ولما أخطأ الناسخ الكتابة والقراءة ، حذف "كما تزاد" ، وهذا هو صواب المعنى والحمد لله (65) ديوانه : 283 ، وسيأتي في التفسير 9 : 165 ، والخزانة 2 : 87 ، والعيى (الخزانة) 2 : 322 يهجو عمر بن هبيرة الفزاري وهو أحد الأمراء وعمال سليمان بن عبد الملك .
وقومه .
فزارة ابن ذبيان ، من ولد غطفان بن سعد بن قيس عيلان بن مضر .
وهو شعر جيد في بابه ، وقبل البيت أبيات منها : يـا قيس عيـلان, إنـي كنت قلت لكم يا قيس عيلان : أن لا تسرعوا الضجرا إنـي متـى أهـج قومـا لا أدع لهـم سـمعا, إذ استمعوا صوتي, ولا بصرا ثم قال بعد ذلك أبيات : لـو لـم تكـن غطفان .
.
.
.
.
.
.
هذا مجمع من رأيت يذهب إلى إن"الذنوب"جمع"ذنب" ، وهو عندي ليس بشيء ، وإنما انحطوا في آثار الأخفش ، حين استشهد بالبيت على إعمال"لا" الزائدة .
وصواب البيت عندي (لا ذنوب لها) وليس في البيت شاهد عندئذ .
والظاهر أن الأخفش أخطأ في الاستشهاد به .
والذنوب( بفتح الذال) : الخط والنصب ، وأصله الدلو الملأى .
وهو بهذا المعنى في قوله تعالى : { فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ } ، أي حظا من العذاب .
قال الفراء : " الذنوب الدلو العظيمة ، ولكن العرب تذهب به إلى الحظ والنصيب" .
وقال الزمخشري : "ولهم ذنوب من كذا" أي نصيب ، قال عمرو ابن شأس : وفـي كـل حـي قـد خـبطت بنعمة فحــق لشـأس مـن نـداك ذنـوب أقول : يقول الفرزدق : لو لم تكن غطفان خسيسة لاحظ لها من الشرف والحسب والمروءة -"إذن للام ذوو أحسابها عمرا" .
وبذلك يبرأ البيت من السخف ومن تكلف النحاة .
هذا وانظر هجاء الفرزدق لعمر بن هبيرة في طبقات فحول الشعراء : 287- 288وقوله : فســد الزمــان وبــدلت أعلامـه حــتى أميــة عـن فـزارة تـنزع يقول : تبدلت الدنيا ، حتى صارت أمية تحتمي بفزارة وتصدر عن رأيها .
يتعجب من ذلك لخسة فزارة عنده .
(66) استشهد بهذا على إعمال الزائدة وهو"لا" ، كما أعملت"أن" في الآية .
(67) في المطبوعة : "رأيتك أبانا ويزيد ، بمعنى : رأيتك وأبانا يزيد" ، وهو كلام ساقط هالك .
والصواب من المخطوطة ، وإن كان غير منقوط الحروف ، ومن معاني القرآن للفراء 1 : 165 .
(68) "الأفاعيل" الأفعال .
ووقوعها على ما قبلها ، إما بالعمل فيه أو بالتعليق به .
(69) لم أعرف قائله ، وهو في معاني القرآن للفراء 1 : 165 ، والسرائر جمع سريرة ، والسريرة : السر هنا .
(70) في المخطوطة والمطبوعة : " تقديم غيرهم" بإسقاط"في" ، والصواب من معاني القرآن للفراء 1 : 166 ، وقد استوفى الكلام في ذلك ، وكأن ما هنا منقول عنه بنصه .
قوله تعالى : ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين[ ص: 222 ] ذكر في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل .
والملأ : الأشراف من الناس ، كأنهم ممتلئون شرفا .
وقال الزجاج : سموا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم .
والملأ في هذه الآية القوم ؛ لأن المعنى يقتضيه .
والملأ : اسم للجمع كالقوم والرهط .
والملأ أيضا : حسن الخلق ، ومنه الحديث " أحسنوا الملأ فكلكم سيروى " خرجه مسلم .قوله تعالى : ( من بعد موسى ) : أي من بعد وفاته .
إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا قيل : هو شمويل بن بال بن علقمة ويعرف بابن العجوز .
ويقال فيه : شمعون ، قاله السدي : وإنما قيل : ابن العجوز لأن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد وقد كبرت وعقمت فوهبه الله تعالى لها .
ويقال له : سمعون لأنها دعت الله أن يرزقها الولد فسمع دعاءها فولدت غلاما فسمته " سمعون " ، تقول : سمع الله دعائي ، والسين تصير شينا بلغة العبرانية ، وهو من ولد يعقوب .
وقال مقاتل : هو من نسل هارون عليه السلام .
وقال قتادة : هو يوشع بن نون .
قال ابن عطية : وهذا ضعيف لأن مدة داود هي من بعد موسى بقرون من الناس ، ويوشع هو فتى موسى .
وذكر المحاسبي أن اسمه إسماعيل ، والله أعلم .
وهذه الآية هي خبر عن قوم من بني إسرائيل نالتهم ذلة وغلبة عدو فطلبوا الإذن في الجهاد وأن يؤمروا به ، فلما أمروا كع أكثرهم وصبر الأقل فنصرهم الله .
وفي الخبر أن هؤلاء المذكورين هم الذين أميتوا ثم أحيوا ، والله أعلم .قوله تعالى ( نقاتل ) : بالنون والجزم ، وقراءة جمهور القراء على جواب الأمر .
وقرأ الضحاك وابن أبي عبلة بالياء ورفع الفعل ، فهو في موضع الصفة للملك .قوله تعالى : قال هل عسيتم " عسيتم " بالفتح والكسر لغتان ، وبالثانية قرأ نافع ، والباقون بالأولى وهي الأشهر .
قال أبو حاتم : وليس للكسر وجه ، وبه قرأ الحسن وطلحة .
قال مكي في اسم الفاعل : عس ، فهذا يدل على كسر السين في الماضي .
والفتح في السين هي اللغة الفاشية .
قال أبو علي : ووجه الكسر قول العرب : هو عس بذلك ، مثل حر وشج ، وقد جاء فعل وفعل في نحو نعم ونعم ، وكذلك عسيت وعسيت ، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال : عسي زيد ، مثل رضي زيد ، فإن قيل فهو القياس وإن لم يقل ، فسائغ أن [ ص: 223 ] يؤخذ باللغتين فتستعمل إحداهما موضع الأخرى .
ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار ؟
.
إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قال الزجاج : ألا تقاتلوا في موضع نصب ، أي هل عسيتم مقاتلة .
قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله قال الأخفش : " أن " زائدة .
وقال الفراء : هو محمول على المعنى ، أي وما منعنا ، كما تقول : ما لك ألا تصلي ؟
أي ما منعك .
وقيل : المعنى وأي شيء لنا في ألا نقاتل في سبيل الله!
قال النحاس : وهذا أجودها .
و " أن " في موضع نصب .
وقد أخرجنا من ديارنا تعليل ، وكذلك ( وأبنائنا ) أي بسبب ذرارينا .قوله تعالى : ( فلما كتب عليهم ) أي فرض عليهم .
( القتال تولوا ) أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب وأن نفوسهم ربما قد تذهب تولوا أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم ، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها .
وعن هذا المعنى نهى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاثبتوا رواه الأئمة .
ثم أخبر الله تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل الله تعالى .
يقص تعالى على نبيه قصة الملأ من بني إسرائيل وهم الأشراف والرؤساء، وخص الملأ بالذكر، لأنهم في العادة هم الذين يبحثون عن مصالحهم ليتفقوا فيتبعهم غيرهم على ما يرونه، وذلك أنهم أتوا إلى نبي لهم بعد موسى عليه السلام فقالوا له { ابعث لنا ملكا } أي: عيِّن لنا ملكا { نقاتل في سبيل الله } ليجتمع متفرقنا ويقاوم بنا عدونا، ولعلهم في ذلك الوقت ليس لهم رئيس يجمعهم، كما جرت عادة القبائل أصحاب البيوت، كل بيت لا يرضى أن يكون من البيت الآخر رئيس، فالتمسوا من نبيهم تعيين ملك يرضي الطرفين ويكون تعيينه خاصا لعوائدهم، وكانت أنبياء بني إسرائيل تسوسهم، كلما مات نبي خلفه نبي آخر، فلما قالوا لنبيهم تلك المقالة { قال } لهم نبيهم { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } أي: لعلكم تطلبون شيئا وهو إذا كتب عليكم لا تقومون به، فعرض عليهم العافية فلم يقبلوها، واعتمدوا على عزمهم ونيتهم، فقالوا: { وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } أي: أي شيء يمنعنا من القتال وقد ألجأنا إليه، بأن أخرجنا من أوطاننا وسبيت ذرارينا، فهذا موجب لكوننا نقاتل ولو لم يكتب علينا، فكيف مع أنه فرض علينا وقد حصل ما حصل، ولهذا لما لم تكن نياتهم حسنة ولم يقوَ توكلهم على ربهم { فلما كتب عليهم القتال تولوا } فجبنوا عن قتال الأعداء وضعفوا عن المصادمة، وزال ما كانوا عزموا عليه، واستولى على أكثرهم الخور والجبن { إلا قليلا منهم } فعصمهم الله وثبتهم وقوى قلوبهم فالتزموا أمر الله ووطنوا أنفسهم على مقارعة أعدائه، فحازوا شرف الدنيا والآخرة، وأما أكثرهم فظلموا أنفسهم وتركوا أمر الله، فلهذا قال: { والله عليم بالظالمين }ـ
قوله تعالى ( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل ) والملأ من القوم : وجوههم وأشرافهم وأصل الملأ الجماعة من الناس ولا واحد له من لفظه كالقوم والرهط والإبل والخيل والجيش وجمعه أملاء ( من بعد موسى ) أي من بعد موت موسى ( إذ قالوا لنبي لهم ) واختلفوا في ذلك النبي فقال قتادة هو يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليه السلام وقال السدي : اسمه شمعون وإنما سمي شمعون لأن أمه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها فولدت غلاما فسمته سمعون تقول سمع الله تعالى دعائي والسين تصير شينا بالعبرانية وهو شمعون بن صفية بن علقمة من ولد لاوي بن يعقوب ، وقال سائر المفسرين : هو إشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة ، وقال مقاتل : هو من نسل هارون وقال مجاهد : هو إشمويل وهو بالعبرانية إسماعيل بن يال بن علقمة .
وقال وهب وابن إسحاق والكلبي وغيرهم : كان سبب مسألتهم إياه ذلك لما مات موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن نون ، يقيم فيهم التوراة وأمر الله تعالى حتى قبضه الله تعالى ثم خلف فيهم كالب كذلك حتى قبضه الله تعالى ثم خلف حزقيل حتى قبضه الله ثم عظمت الأحداث في بني إسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الأوثان فبعث الله إليهم إلياس نبيا فدعاهم إلى الله تعالى وكانت الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة ثم خلف من بعد إلياس اليسع فكان فيهم ما شاء الله ثم قبضه الله وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا فظهر لهم عدو يقال له البلشاثا وهم قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوا على كثير من أرضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم وأسروا من أبناء ملوكهم أربعين وأربعمائة غلام فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة ولم يكن لهم نبي يدير أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها وجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما فولدت غلاما فسمته إشمويل تقول : سمع الله تعالى دعائي فكبر الغلام فأسلمته ليتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام أتاه جبريل وهو نائم إلى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه أحدا فدعاه جبريل بلحن الشيخ يا إشمويل فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال : يا أبتاه دعوتني؟
فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام فقال يا بني ارجع فنم فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام : يا أبت دعوتني؟
فقال ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني ( فرجع الغلام فنام ) فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله عز وجل قد بعثك فيهم نبيا فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم تنلك وقالوا له : إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك لأنبيائهم فكان الملك هو الذي يسير بالجموع والنبي يقيم له أمره ويشير عليه برشده ويأتيه بالخبر من ربه قال وهب بن منبه : بعث الله تعالى إشمويل نبيا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا لإشمويل : ( ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ) جزم على جواب الأمر فلما قالوا له ذلك ( قال هل عسيتم ) استفهام شك .
قرأ نافع : عسيتم بكسر السين كل القرآن وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة بدليل قوله تعالى : ( عسى ربكم ) ( إن كتب ) فرض ( عليكم القتال ) مع ذلك الملك ( ألا تقاتلوا ) أن لا تفوا بما تقولوا معه ( قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ) فإن قيل فما وجه دخول أن في هذا الموضع والعرب لا تقول ما لك أن لا تفعل وإنما يقال ما لك لا تفعل؟
قيل : دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان فالإثبات كقوله تعالى : " ما لك أن لا تكون مع الساجدين " ( 32 - الحجر ) والحذف كقوله تعالى : " ما لكم لا تؤمنون بالله " ( 8 - الحديد ) وقال الكسائي : معناه وما لنا في أن لا نقاتل فحذف " في " وقال الفراء : أي وما يمنعنا أن لا نقاتل في سبيل الله كقوله تعالى : " ما منعك أن لا تسجد " ( 12 - الأعراف ) وقال الأخفش : " أن " هاهنا زائدة معناه : وما لنا لا نقاتل في سبيل الله ( وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ) أي أخرج من غلب عليهم من ديارهم ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص لأن الذين قالوا لنبيهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله كانوا في ديارهم وأوطانهم وإنما أخرج من أسر منهم ومعنى الآية أنهم قالوا مجيبين لنبيهم : إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يظهر علينا عدونا فأما إذا بلغ ذلك منا فنطيع ربنا في الجهاد ونمنع نساءنا وأولادنا .
قال الله تعالى : ( فلما كتب عليهم القتال تولوا ) أعرضوا عن الجهاد وضيعوا أمر الله ( إلا قليلا منهم ) الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى ( والله عليم بالظالمين ) .
«ألم تر إلى الملأ» الجماعة «من بني إسرائيل من بعد» موت «موسى» أي إلى قصتهم وخبرهم «إذ قالوا لنبي لهم» هو شمويل «ابعث» أقم «لنا ملكا نقاتل» معه «في سبيل الله» تنتظم به كلمتنا ونرجع إليه «قال» النبي لهم «هل عسَيتم» بالفتح والكسر «إن كتب عليكم القتال أ» ن «لا تقاتلوا» خبر عسى والاستفهام لتقرير التوقع بها «قالوا وما لنا أ» ن «لا نقاتل في سبيل الله وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا» بسبيهم وقتلهم وقد فعل بهم ذلك قوم جالوت أي لا مانع لنا منه مع وجود مقتضيه قال تعالى: «فلما كُتب عليهم القتال تولوا» عنه وجبنوا «إلا قليلا منهم» وهم الذين عبروا النهر مع طالوت كما سيأتي «والله عليم بالظالمين» فمجازيهم وسأل النبي إرسال ملك فأجابه إلى إرسال طالوت.
ألم تعلم -أيها الرسول- قصة الأشراف والوجهاء من بني إسرائيل من بعد زمان موسى؛ حين طلبوا من نبيهم أن يولي عليهم ملكا، يجتمعون تحت قيادته، ويقاتلون أعداءهم في سبيل الله.
قال لهم نبيهم: هل الأمر كما أتوقعه إنْ فُرِض عليكم القتال في سبيل الله أنكم لا تقاتلون؛ فإني أتوقع جبنكم وفراركم من القتال، قالوا مستنكرين توقع نبيهم: وأي مانع يمنعنا عن القتال في سبيل الله، وقد أَخْرَجَنَا عدوُّنا من ديارنا، وأبعدنا عن أولادنا بالقتل والأسر؟
فلما فرض الله عليهم القتال مع الملِك الذي عيَّنه لهم جَبُنوا وفرُّوا عن القتال، إلا قليلا منهم ثبتوا بفضل الله.
والله عليم بالظالمين الناكثين عهودهم.
قوله - تعالى - : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى ) إلخ استئناف ثان بعد قول قبل ذلك : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ ) وقد سيق هذا الاستئناف مساق الاستدلال لقوله - تعالى - : ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله ) حتى تتشجع النفوس على الجهاد ، وتهون عليها المصاعب في سبيل حياة العزة والكرامة .و ( الملإ ) الأشراف من الناس .
وهو اسم للجماعة لا واحد له من لفظه .
وإنما سمى الأشراف بذلك لأن هيبتهم تملأ الصدور ، أو لأنهم يتمالؤون أي يتعاونون في شئونهم ، وأصل الباب الاجتماع بما لا يحتمل المزيد .والمعنى : كما سبق أن بينا في قوله : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ ) قد علمت أيها العاقل حال أولئك القوم من بني إسرائيل الذين كانوا بعد وفاة موسى - عليه السلام - إذ قالوا لنبي لهم أقم لنا أميراً لكي نقاتل معه في سبيل الله .
ومن لم يعلم فها فنحن أولاء نعلمه بحالهم فعليه أن يعتبر ويتعظ .فقوله : ( مِن بَعْدِ موسى ) بيان للزمن الذي كان يعيش فيه أولئك الملأ من بني إسرائيل والمراد بالنبي الذي قالوا له ( ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله ) على الراجح - " شمويل بن حنة " وكان السبب في طلبهم هذا من نبيهم أن العمالقة أتباع جالوت كانوا قد أخرجوهم من ديارهم ، وأنزلوا بهم هزائم شديدة ، فطلبوا من ذلك لكي يستردوا مجدهم الضائع ، وعزهم المسلوب ، على يد هذا القائد المختار من جهة نبيهم .وفي الإِتيان بلفظ هذا النبي بصيغة التنكير إشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبي وإنما المقصود معرفة حال أولئك القوم ، وما جرى لهم مع نبيهم من أحداث من شأنها أن تدعو إلى الاعتبار والاتعاظ .
وهذه طريقة القرآن في سرد القصص لا يهتم بالأشخاص والأزمان إلا بالقدر الذي يستدعيه المقام .
أما الاهتمام الأكبر فيجعله لما اشتملت عليه القصة من وجوه العظات والعبر .ويبدوا أنه كان يتوجس منهم خيفة لأنه أعرف بطبيعتهم ، فنراه يقول لهم كما حكى القرآن عنه : ( قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ) .فالاستفهام للتقرير والتحذير .
أي إني أتوقع عدم قتالكم إذا فرض عليكم القتال ، فراجعوا أنفسكم وقوتكم قبل أن تطلبوا هذا الطلب ، لأنه إذا فرض عليكم ثم نكصتم على أعقابكم فإن عاقبتكم ستكون شراً لا شك في ذلك .وعسى هنا بمعنى التوقع والمقاربة .
والجملة استئناف بياني .قال صاحب الكشاف؛ والمعنى : هل قاربتم ألا تقاتلوا؟
يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟
أراد أن يقول : عسيتم ألا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل ( هَلْ ) مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه .وخبر ( عَسَيْتُمْ ) : " ألا تقاتلوا " والشرط فاصل بينهما .ثم حكى القرآن ردهم على نبيهم فقال : ( قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ) .أي قال الملإِ من بني إسرائيل على سبيل الإِنكار والتعجب مما قاله نبيهم : وأي صارف يصرفنا عن القتال وحالنا كما نرى؟
إننا قد أخرجنا من ديارنا وحيل بيننا وبين أبنائنا وفلذات قلوبنا فكيف لا نقاتل مع أن الدواعي موجودة ، والبواعث متوفرة ، والأسباب مهيئة؟
فأنت تراهم في إجابتهم هذه يستنكرون ما توقعه نبيهم منهم ، ويجزمون بأن الطريق الوحيد لعزتهم إنما هو القتال وأن هذا الأمر لا مراجعة فيه ولا جدال .
وهكذا شأن الجبناء والمغرورين في كل زمان ومكان يرحبون بالمعارك قبل قدومها فإذا ما جد الجد كذبت أعمالهم أقوالهم ، وأعطوا أدبارهم لأعدائهم!ثم حكى القرآن أن نبيهم كان صادقاً فيما توقعه منهم من جبن وكذب ، وأنهم قو م يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فقال - تعالى - : ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) .أي : فحين فرض عليهم القتال بعد أن الحوا في طلبه ، أعرضوا عنه ، ونفروا منه إلا عدداً قليلا منهم فإنه ثبت على الحق ، ووفى بعهده .قال الآلوسي : وقوله ( إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) وهم الذين جاوزوا النهر وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر عدة أهل بدر على ما أخرجه البخاري عن البراء - رضي الله عنه - والقلة إضافية فلا يرد وصف هذا العدد أحيانا بأنه جم غفير .ثم ختم الله - تعالى - عليم بالظالمين الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد ، وبترك ما أمرهم الله به بعد أن عاهدوه على عدم الترك .
القصة الثانية: قصة طالوت: الملأ الأشراف من الناس، وهو اسم الجماعة، كالقوم والرهط والجيش، وجمعه أملاء، قال الشاعر: وقال لها الأملاء من كل معشر *** وخير أقاويل الرجال سديدها وأصلها من الملء، وهم الذين يملأون العيون هيبة ورواء، وقيل: هم الذين يملأون المكان إذا حضروا، وقال الزجاج: الملأ الرؤساء، سموا بذلك لأنهم يملأون القلوب بما يحتاج إليه، من قولهم: ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملئ.
قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابعث لَنَا ﴾ في الآية مسائل: المسألة الأولى: تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض القتال بقوله: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ ثم أمرنا بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني إسرائيل، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء الله تعالى.
المسألة الثانية: لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل، سواء علمنا أن النبي من كان من أولئك، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئاً من ذلك، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف، وإنما يعلم من ذلك النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود، وأما خبر الواحد فإنه لا يفيد إلا الظن، ومنهم من قال: إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ موسى ﴾ وهذا ضعيف لأن قوله: ﴿ مِن بَعْدِ موسى ﴾ كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان، ومنهم من قال: كان اسم ذلك النبي أشمويل من بني هرون واسمه بالعربية: إسماعيل، وهو قول الأكثرين، وقال السدي: هو شمعون، سمته أمه بذلك، لأنها دعت الله تعالى أن يرزقها ولداً فاستجاب الله تعالى دعاءها، فسمته شمعون، يعني سمع دعاءها فيه، والسين تصير شيناً بالعبرانية، وهو من ولد لاوى بن يعقوب عليه السلام.
المسألة الثالثة: قال وهب والكلبي: إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل، والخطايا عظمت فيهم، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبى كثيراً من ذراريهم، فسألوا نبيهم ملكاً تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء، ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك، ويقيم أمر دينهم، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم.
أما قوله: ﴿ نقاتل فِي سَبِيلِ الله ﴾ فاعلم أنه قرئ ﴿ نقاتل ﴾ بالنون والجزم على الجواب، وبالنون والرفع على أنه حال، أي ابعثه لنا مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قيل: ما تصنعون بالملك، قالوا نقاتل، وقرئ بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لقوله: ﴿ مَلَكًا ﴾ أما قوله: ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَن لا تقاتلوا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وحده ﴿ عَسَيْتُمْ ﴾ بكسر السين هاهنا، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون: هو عسى بكذا وهذا يقوي ﴿ عَسَيْتُمْ ﴾ بكسر السين، ألا ترى أن عسى بكذا، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين: الأول: أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة، وليست الياء من ﴿ عَسَى ﴾ كذلك، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى.
والجواب الثاني: هب أن القياس يقتضي جواز ﴿ عسى رَبُّكُمْ ﴾ إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر.
المسألة الثانية: خبر ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ وهو قوله: ﴿ أَن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل ﴿ هَلُ ﴾ مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير، وثبت أن المتوقع كائن له، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر ﴾ معناه التقرير، ثم إنه تعالى ذكر أن القوم قالوا: ﴿ وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل فِي سَبِيلِ الله ﴾ وهذا يدل على ضمان قوي خصوصاً واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك، وهو قولهم: ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا ﴾ لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته.
فإن قيل: المشهور أنه يقال: مالك تفعل كذا؟
ولا يقال: مالك أن تفعل كذا؟
قال تعالى: ﴿ مَالَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾ وقال: ﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله ﴾ .
والجواب من وجهين: الأول: وهو قول المبرد: أن ﴿ مَا ﴾ في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه قال: ما لنا نترك القتال، وعلى هذا الطريق يزول السؤال.
الوجه الثاني: أن نسلم أن ﴿ مَا ﴾ هاهنا بمعنى الاستفهام، ثم على هذا القول وجوه: الأول: قال الأخفش: أن هاهنا زائدة، والمعنى: ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل الثاني: قال الفراء: الكلام هاهنا محمول على المعنى، لأن قولك: مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل؟
فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال تعالى: ﴿ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ ﴾ وقال: ﴿ مالك أَن لا تَكُونَ مَعَ الساجدين ﴾ الثالث: قال الكسائي: معنى ﴿ وَمَا لَنَا أَن لا نقاتل ﴾ أي شيء لنا في ترك القتال؟
ثم سقطت كلمة ﴿ فِى ﴾ ورجح أبو علي الفارسي، قول الكسائي على قول الفراء، قال: وذلك لأن على قول الفراء لابد من إضمار حرف الجر، والتقدير: ما يمنعنا من أن نقاتل، إذا كان لابد من إضمار حرف الجر على القولين، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره، وعلى قول الفراء لا يبقى، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى.
أما قوله: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ ﴾ فاعلم أن في الكلام محذوفاً تقديره: فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال فتولوا.
أما قوله: ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ ﴾ فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم، وقيل: كان عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر ﴿ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله ﴾ فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجراً عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثاً على الجهاد، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ﴾ هو يوشع أو شمعون أو اشمويل ﴿ ابعث لَنَا ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره، طلبوا من نبيهم نحو ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من التأمير على الجيوش التي كان يجهزها، ومن أمرهم بطاعته وامتثال أوامره.
وروي أنه أمر الناس إذا سافروا أن يجعلوا أحدهم أميراً عليهم ﴿ نقاتل ﴾ قرئ بالنون والجزم على الجواب.
وبالنون والرفع على أنه حال، أي ابعثه لنا مقدّرين القتال.
أو استئناف كأنه قال لهم: ما تصنعون بالملك؟
فقالوا: نقاتل.
وقرئ: ﴿ يقاتل ﴾ بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لملكا.
وخبر (عسيتم) ﴿ أَلاَّ تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما.
والمعنى: هل قاربتم أن لا تقاتلوا؟
يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون؟
أراد أن يقول: عسيتم أن لا تقاتلوا، بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده ومظنون.
وأراد بالاستفهام التقرير، وتثبيت أنّ المتوقع كائن، وأنه صائب في توقعه، كقوله تعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان ﴾ [الإنسان: 1] معناه التقرير.
وقرئ ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين وهي ضعيفة ﴿ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل ﴾ وأيّ داع لنا إلى ترك القتال، وأي غرض لنا فيه ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا ﴾ وذلك أنّ قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.
﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ ﴾ قيل كان القليل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر ﴿ والله عَلِيمٌ بالظالمين ﴾ وعيد لهم على ظلمهم في القعود عن القتال وترك الجهاد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ المَلَأُ جَماعَةٌ يَجْتَمِعُونَ لِلتَّشاوُرِ، ولا واحِدَ لَهُ كالقَوْمِ ومِن لِلتَّبْعِيضِ.
﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ أيْ مِن بَعْدِ وفاتِهِ ومِن لِلِابْتِداءِ.
﴿ إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ﴾ هو يُوشَعُ، أوْ شَمْعُونُ، أوْ شَمْوِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أقِمْ لَنا أمِيرًا نَنْهَضُ مَعَهُ لِلْقِتالِ يُدَبِّرُ أمْرَهُ ونُصْدُرُ فِيهِ عَنْ رَأْيِهِ، وجَزَمَ ﴿ نُقاتِلْ ﴾ عَلى الجَوابِ.
وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ أيِ ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، ويُقاتِلُ بِالياءِ مَجْزُومًا ومَرْفُوعًا عَلى الجَوابِ والوَصْفِ لَمَلِكًا.
﴿ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا ﴾ فَصَلَ بَيْنَ عَسى وخَبَرِهِ بِالشَّرْطِ، والمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ، فَأدْخَلَ هَلْ عَلى فِعْلِ التَّوَقُّعِ مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو المُتَوَقَّعُ عِنْدَهُ تَقْرِيرًا وتَثْبِيتًا.
وقَرَأ نافِعٌ عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ.
﴿ قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا ﴾ أيْ أيُّ غَرَضٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ وقَدْ عَرَضَ لَنا ما يُوجِبُهُ ويَحُثُّ عَلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ عَنِ الأوْطانِ والإفْرادِ عَنِ الأوْلادِ، وذَلِكَ أنَّ جالُوتَ ومَن مَعَهُ مِنَ العَمالِقَةِ كانُوا يَسْكُنُونَ ساحِلَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، فَظَهَرُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فَأخَذُوا دِيارَهم وسَبَوْا أوْلادَهم وأسَرُوا مِن أبْناءِ المُلُوكِ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ.
﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ بِعَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ وعِيدٌ لَهم عَلى ظُلْمِهِمْ في تَرْكِ الجِهادِ.
<div class="verse-tafsir"
{ألم تر إلى الملإ} الأشراف لأنهم يملئون القلوب جلالة والعيون مهابة {من بني إسرائيل} من للتبعيض {مِن بَعْدِ موسى} من بعد موته ومن لابتداء الغاية {إِذْ قَالُواْ} حين قالوا {لِنَبِىّ لهم} هو شمعون أو يوشع أو اشمويل {ابعث لَنَا مَلِكًا} أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وننتهي إلى أمره {نقاتل} بالنون والجزم على الجواب {فِى سَبِيلِ الله} صلة نقاتل {قَالَ} النبي {هَلْ عَسَيْتُمْ} عسيتم حيث كان نافع {إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال} شرط فاصل بين اسم عسى وخبره وهو {أَلاَّ تقاتلوا} والمعنى هل قاربتم أن لا تقاتلوا يعني هل الأمر كما أتوقعه أنكم لا تقاتلون وتجبنون فأدخل هل مستفهماً عما هو متوقع عنده وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه {قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل فِى سَبِيلِ الله} وأي داعٍ لنا إلى ترك القتال وأي غرض لنا فيه {وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا} الواو في وقد للحال وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة
وأربعين يعنون إذا بلغ الأمر منا هذا المبلغ فلا بد من الجهاد {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال} أي أجيبوا إلى ملتمسهم {تَوَلَّوْاْ} أعرضوا عنه {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} وهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر {والله عَلِيمٌ بالظالمين} وعيد لهم على ظلمهم بترك الجهاد
﴿ ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ المَلَأُ مِنَ القَوْمِ: وُجُوهُهم وأشْرافُهُمْ، وهو اسْمٌ لِلْجَماعَةِ، لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، وأصْلُ البابِ الِاجْتِماعُ فِيما لا يَحْتَمِلُ المَزِيدَ، وإنَّما سُمِّيَ الأشْرافُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ هَيْبَتَهم تَمْلَأُ الصُّدُورَ، أوْ لِأنَّهم يَتَمالَئُونَ؛ أيْ: يَتَعاوَنُونَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، و( مِن ) لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، وقَعَ حالًا مِنَ المَلَإ ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ وفاتِهِ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ و( مِن ) لِلِابْتِداءِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ما قَبْلَهُ، ولا يَضُرُّ اتِّحادُ الحَرْفَيْنِ لَفْظًا؛ لِاخْتِلافِهِما مَعْنًى ﴿ إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو أشْمَوِيلُ بْنُ حَنَّةَ بْنِ العاقِرِ، وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، وعَنِ السُّدِّيِّ: أنَّهُ شَمْعُونُ، وقالَ قَتادَةُ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لِمَكانِ مَن بَعُدَ مِن قَبْلُ، وهي ظاهِرَةٌ في الِاتِّصالِ، ورَدَّ بِأنْ يُوشَعَ هَذا فَتى مُوسى _ عَلَيْهِما السَّلامُ _ وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ داوُدَ قُرُونٌ كَثِيرَةٌ، والِاتِّصالُ غَيْرُ لازِمٍ، و( إذْ ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ( ألَمْ تَرَ ) قِصَّةَ المَلَإ أوْ حَدِيثَهم حِينَ قالُوا: ﴿ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا ﴾ أيْ: أقِمْ لَنا أمِيرًا، وأصْلُ البَعْثِ إرْسالُ المَبْعُوثِ مِنَ المَكانِ الَّذِي هو فِيهِ، لَكِنْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مُتَعَلِّقِهِ، يُقالُ: بُعِثَ البَعِيرُ مِن مَبْرَكِهِ: إذا أثارَهُ، وبَعَثْتَهُ في السَّيْرِ: إذا هَيَّجْتَهُ، وبَعَثَ اللَّهُ تَعالى المَيِّتَ: إذا أحْياهُ، وضُرِبَ البَعْثُ عَلى الجُنْدِ: إذا أُمِرُوا بِالِارْتِحالِ ﴿ نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ مَجْذُومٌ بِالأمْرِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيِ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تَفْعَلُونَ مَعَ المَلِكِ؟
فَأُجِيبَ: نُقاتِلُ، وقُرِئَ: يُقاتِلْ بِالياءِ مَجْزُومًا ومَرْفُوعًا عَلى الجَوابِ لِلْأمْرِ والوَصْفِ لِـ ( مَلِكًا )، وسَبَبُ طَلَبِهِمْ ذَلِكَ عَلى ما في بَعْضِ الآثارِ: أنَّهُ لَمّا ماتَ مُوسى خَلَفَهُ يُوشَعُ؛ لِيُقِيمَ فِيهِمْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْكُمَ بِالتَّوْراةِ، ثُمَّ خَلَفَهُ كالِبُ كَذَلِكَ، ثُمَّ حِزْقِيلُ كَذَلِكَ، ثُمَّ إلْياسُ كَذَلِكَ، ثُمَّ اليَسَعُ كَذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهم عَدُوٌّ وهُمُ العَمالِقَةُ قَوْمُ جالُوتَ، وكانُوا سُكّانَ بَحْرِ الرُّومِ بَيْنَ مِصْرَ وفِلَسْطِينَ، وظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وغَلَبُوا عَلى كَثِيرٍ مِن بِلادِهِمْ، وأسَرُوا مِن أبْناءِ مُلُوكِهِمْ أرْبَعَمِائَةٍ وأرْبَعِينَ، وضَرَبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ، وأخَذُوا تَوْراتَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ لَهم نَبِيٌّ إذْ ذاكَ يُدَبِّرُ أمْرَهُمْ، وكانَ سِبْطُ النُّبُوَّةِ قَدْ هَلَكُوا إلّا امْرَأةً حُبْلى، فَوَلَدَتْ غُلامًا فَسَمَّتْهُ أشْمَوِيلَ، ومَعْناهُ: إسْماعِيلُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، فَلَمّا كَبِرَ سَلَّمَتْهُ التَّوْراةَ وتَعَلَّمَها في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَفَلَهُ شَيْخٌ مِن عُلَمائِهِمْ، فَلَمّا كَبِرَ نَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى، وأرْسَلَهُ إلَيْهِمْ، فَقالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا؛ فابْعَثْ لَنا مَلِكًا الآيَةَ، وكانَ قِوامُ أمْرِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالِاجْتِماعِ عَلى المُلُوكِ، وطاعَةِ أنْبِيائِهِمْ، وكانَ المَلِكُ هو الَّذِي يَسِيرُ بِالجُمُوعِ، والنَّبِيُّ هو الَّذِي يُقِيمُ أمْرَهُ، ويُرْشِدُهُ، ويُشِيرُ عَلَيْهِ ﴿ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا ﴾ عَسى مِنَ النَّواسِخِ، وخَبَرُها ( أنْ لا تُقاتِلُوا ) وفُصِلَ بِالشَّرْطِ اعْتِناءً بِهِ، والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا كَما أتَوَقَّعُهُ مِنكُمْ، والمُرادُ: تَقْرِيرُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ وتَثْبِيتُهُ عَلى ما قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنْ عَسَيْتُمْ أنْ لا تُقاتِلُوا مَعْناهُ: تَوَقُّعُ عَدَمِ القِتالِ، و( هَلْ ) لا يُسْتَفْهَمُ بِها إلّا عَمّا دَخَلَتْهُ، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَنِ التَّوَقُّعِ لا المُتَوَقَّعِ، ولا يَلْزَمُ مِن تَقْرِيرِ الِاسْتِفْهامِ أنَّ المُتَوَقَّعَ ثابِتٌ، بَلْ إنَّ التَّوَقُّعَ كائِنٌ، وأيْنَ هَذا مِن ذاكَ؟!
وأُجِيبُ بِأنَّ الِاسْتِفْهامَ دَخَلَ عَلى جُمْلَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى تَوَقُّعٍ ومُتَوَقَّعٍ، ولا سَبِيلَ إلى الأوَّلِ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ لا يُسْتَفْهَمُ عَنْ تَوَقُّعِهِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ عَنِ المُتَوَقَّعِ، ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ؛ كانَ المُرادُ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ، وقِيلَ: لَمّا كانَتْ عَسى لِإنْشاءِ التَّوَقُّعِ، ولا تَخْرُجُ عَنْهُ؛ جُعِلَ الِاسْتِفْهامُ التَّقْرِيرِيُّ مُتَوَجِّهًا إلى المُتَوَقَّعِ، وهو الخَبَرُ الَّذِي هو مَحَلُّ الفائِدَةِ، فَقَرَّرَهُ وثَبَّتَهُ، وكَوْنُ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ يَلِي الهَمْزَةَ لَيْسَ أمْرًا كُلِّيًّا، وقِيلَ: إنَّ عَسى لَيْسَتْ مِنَ النَّواسِخِ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى قارَبَ، وأنَّ وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لَها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إنَّها خَبَرٌ لا إنْشاءَ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِدُخُولِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْها، ووُقُوعِها خَبَرًا في قَوْلِهِ: لا تُكْثِرَنْ إنِّي عَسَيْتُ صائِمًا ولا يَخْفى ما فِيهِ، وإنَّما ذُكِرَ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ كِتابَةُ القِتالِ دُونَ ما التَمَسُوهُ، مَعَ أنَّهُ أظْهَرُ تَعَلُّقًا بِكَلامِهِمْ؛ مُبالَغَةً في بَيانِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّهم إذا لَمْ يُقاتِلُوا عِنْدَ فَرْضِيَّةِ القِتالِ عَلَيْهِمْ، بِإيجابِ اللَّهِ تَعالى؛ فَلَأنْ لا يُقاتِلُوا عِنْدَ عَدَمِ فَرْضِيَّتِهِ أوْلى، ولِأنَّ ما ذَكَرُوهُ رُبَّما يُوهِمُ أنَّ سَبَبَ تَخَلُّفِهِمْ هو المَبْعُوثُ، لا نَفْسَ القِتالِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أقامَ هَذا مَقامَ ذَلِكَ؛ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ البَعْثَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ القِتالُ إذا وقَعَ فَإنَّما يَقَعُ عَلى وجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لِلْفَرْضِيَّةِ، وقُرِئَ: عَسِيتُمْ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي لُغَةٌ قَلِيلَةٌ، ﴿ قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: ما الدّاعِي لَنا إلى أنْ لا نُقاتِلَ؟
أيْ: إلى تَرْكِ القِتالِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ ( لَنا )، أوْ بِهِ نَفْسِهِ، وهو خَبَرٌ عَنْ ( ما )، ودَخَلَتِ الواوُ لِتَدُلَّ عَلى رَبْطِ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ، ولَوْ حُذِفَتْ لَجازَ أنْ يَكُونَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ، قالَهُ أبُو البَقاءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى مَحْذُوفٍ؛ كَأنَّهم قالُوا: عَدَمُ القِتالِ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ مِنّا، وما لَنا أنْ لا نُقاتِلَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ تَحاشِيًا عَنْ مُشافَهَةِ نَبِيِّهِمْ بِما هو ظاهِرٌ في رَدِّ كَلامِهِ، والشّائِعُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ: ما لَنا نَفْعَلُ أوْ لا نَفْعَلُ، عَلى أنَّ الجُمْلَةَ حالٌ، ولَمّا مَنَعَ مِن ذَلِكَ هُنا أنَّ المَصْدَرِيَّةَ إذْ لا تُوافِقُهُ التُزِمَ فِيهِ ما التُزِمَ،والأخْفَشٌ ادَّعى زِيادَةَ ( أنْ ) وأنَّ العَمَلَ لا يُنافِيها، والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى الحالِ، كَما في الشّائِعِ، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى حَذْفِ الواوِ، ويُؤَوَّلُ إلى: ما لَنا ولِأنْ لا نُقاتِلَ؛ كَقَوْلِكَ: إيّاكَ وأنْ تَتَكَلَّمَ، وقَدْ يُقالُ: إيّاكَ أنْ تَتَكَلَّمَ، والمَعْنى عَلى الواوِ، وقِيلَ: إنَّ ما هُنا نافِيَةٌ؛ أيْ: لَيْسَ لَنا تَرْكُ القِتالِ ﴿ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ ( نُقاتِلَ ) والغَرَضُ الإخْبارُ بِأنَّهم يُقاتِلُونَ لا مَحالَةَ، إذْ قَدْ عَرَضَ لَهم ما يُوجِبُ المُقاتَلَةَ إيجابًا قَوِيًّا، وهو الإخْراجُ عَنِ الأوْطانِ، والِاغْتِرابُ مِنَ الأهْلِ والأوْلادِ، وإفْرادُ الأبْناءِ بِالذِّكْرِ؛ لِمَزِيدِ تَقْوِيَةِ أسْبابِ القِتالِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى الدِّيارِ، وفِيهِ حَذْفُ مُضافٍ عِنْدَ أبِي البَقاءِ؛ أيْ: ومِن بَيْنِ أبْنائِنا، وقِيلَ: لا حَذْفَ، والعَطْفُ عَلى حَدِّ عَلَّقْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وفِي الكَلامِ إسْنادُ ما لِلْبَعْضِ لا لِلْكُلِّ، إذِ المُخْرَجُ بَعْضُهم لا كُلُّهُمْ ﴿ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ﴾ بَعْدَ سُؤالِ النَّبِيِّ وبَعْثِ المَلِكِ؛ ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ أعْرَضُوا وضَيَّعُوا أمْرَ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ لا في ابْتِداءِ الأمْرِ، بَلْ بَعْدَ مُشاهَدَةِ كَثْرَةِ العَدُوِّ وشَوْكَتِهِ، كَما سَيَجِيءُ، وإنَّما ذُكِرَ هَهُنا مَآلُ أمْرِهِمْ إجْمالًا؛ إظْهارًا لِما بَيْنَ قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ مِنَ التَّنافِي والتَّبايُنِ ﴿ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ جاوَزُوا النَّهْرَ، وكانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشْرَةَ عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ، عَلى ما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، عَنِ البَراءِ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ _ والقِلَّةُ إضافِيَّةٌ، فَلا يَرِدُ وصْفُ هَذا العَدَدِ أحْيانًا بِأنَّهُ جَمٌّ غَفِيرٌ ﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ ﴾ ومِنهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا بِالتَّوَلِّي عَنِ القِتالِ وتَرْكِ الجِهادَ، وتَنافَتْ أقْوالُهم وأفْعالُهُمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُرِيدَ مِنها الوَعِيدُ عَلى ذَلِكَ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، يعني الرؤساء والقادة.
وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم.
وقال بعضهم: الناظر إذا نظر إليهم، امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم، وسبوهم، وأخرجوهم من ديارهم.
وكان رئيسهم جالوت، فلما اضطر المسلمون في ذلك جاءوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا- - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ، يعني أشمويل: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكاً، يعني رجلاً ينتظم به أمرنا.
نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ف قالَ لهم أشمويل: هَلْ عَسَيْتُمْ.
قرأ نافع: هَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين، وقرأ الباقون: بالنصب، وهي اللغة المعروفة.
والأول لغة لبعض العرب هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا، يعني إذا بعث الله لكم ملكاً وفرض عليكم القتال، لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال.
قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يقول: كيف لا نقاتل في سبيل الله وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا.
فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، أي فرض عليهم القتال.
تَوَلَّوْا وتركوا القتال ولم يثبتوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني إن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال.
ثم بيّن لهم القصة بقوله: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه، وقد جعل لكم طالوت ملكاً وكان طالوت فيهم حقير الشأن، وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا.
ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك.
ويقال: كان رجلاً يبيع الخمر، ويقال: كان بقاراً، ويقال: كان دباغاً، ولكنه كان عالماً فرفعه الله بعلمه.
قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا، يعني المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟
لأن منا الملوك.
وَلَمْ يُؤْتَ طالوت سَعَةً مِنَ الْمالِ ينفق علينا.
والملك يحتاج إلى مال ينفق على جنوده وأعوانه.
قالَ لهم نبيهم- -: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ، يعني اختاره عليكم وَزادَهُ بَسْطَةً، أي فضيلة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان رجلاً جسيماً وكان عالماً.
ويقال: كان عالماً بأمر الحرب.
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.
والواسع في اللغة: هو الغني.
ويقال: واسع بعطية الملك، عالم لمن يعطيه.
ويقال: واسع يعني باسط الرزق، عليم بمن يصلح له الملك.
فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه.
وقالوا له: إن كان الله تعالى أمرك بذلك، فأتنا بآية قال الله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت، وكان التابوت للمسلمين، فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر.
فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في مزبلة- أي في مخرأة لهم- فابتلاهم الله تعالى بالباسور.
ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت، وأصل الجذام من وقت أيوب- - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل.
فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم، فذلك قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ يعني علامة ملكة أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ.
فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.
قال الكلبي: سكينة أي: طمأنينة، إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم بالظفر.
وقال مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان، فإذا صوَّتت، عرفوا أن النصر لهم.
ويقال: كانت جوهراً أحمر يسمع منه الصوت.
ويقال: كانت ريحاً تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت.
قوله تعالى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، يعني الرضاض من الألواح، وقفيز من منّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون قال الكلبي: وكان التابوت من عود الشمشار الذي يتخذ منه الأمشاط، فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور، عرفوا أن ذلك من التابوت، فقالوا: لعل إله بني إسرائيل الذي فينا، يعنون التابوت، هو الذي يفعل بنا هذا الفعل، فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة، وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما، وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل، فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم.
وذلك قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، يعني الملائكة ساقوا العجلة.
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ، يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه.
قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفاً، فصاروا في حر شديد، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء.
ف قالَ لهم طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وهو بين الأردن وفلسطين وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصاً في نيته من غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال، لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر، يدخل الضعف والوهن في العسكر، لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون.
ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي، حتى أخبر طالوت قومه حيث قال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، يعني ليس معي على عدوي، إذا شرب بغير غرفة.
وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، يعني لم يشرب منه يعني غرفة.
فَإِنَّهُ مِنِّي، أي معي على عدوي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: غُرْفَةً بنصب الغين، وقرأ الباقون برفع الغين.
فمن قرأ بالنصب، يكون مصدر غرفة، أي مرة واحدة باليد.
ومن قرأ بالضم، هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل: الخَطوة والخُطوة.
قال بعض المفسرين: الغَرفة بكف واحدة والغُرفة بالكفين.
وقال بعضهم: كلاهما لغتان ومعناهما واحد.
فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش، وقفوا في النهر، فَشَرِبُوا مِنْهُ بغير غرفة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.
وروي عن رسول الله أنه قال لأصحابه يوم بدر: «أَنْتُمْ عَلَى عَدَدِ المُرْسَلِينَ وَعَدَدِ قَوْمِ طَالوتَ ثَلاثمائةٍ وثلاثة عشر» ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا.
ويقال: قد ظهر على شفاههم علامة، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب، فردهم وأمسك المخلصين منهم.
فَلَمَّا جاوَزَهُ، يعني جاوز النهر.
هُوَ، يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودنوا إلى عسكر جالوت، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح.
قالُوا، أي المؤمنون: لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، لما رأوا من كثرتهم.
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم.
ويقال: أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، وهم أهل العلم منهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، يعني كم من جند قليل، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً عدتهم بِإِذْنِ اللَّهِ، أي بنصر الله وأمره، إذا خلصت نيتهم، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة على عدوهم أي معينهم.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، يقول: خرجوا واصطفوا لجالوت.
دعوا الله تعالى، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، أي أصبب علينا صبراً، معناه ارزقنا الصبر على القتال، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.
قال وكان داود- - راعياً، وكان له سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم- وكان اسمه إيشا- أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج، مرَّ على حجر فقال له الحجر: خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرَّ بآخر فقال له: خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا، ثم مرَّ بثالث فقال له: خذني فأنا الذي أقتل جالوت، فأخذه وجعله في مخلاته فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال: من يبارزني؟
فلم يخرج إليه أحد.
ثم قال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق، لخرج إلي بعضكم.
فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟
فقالوا له: اسكت.
فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته، فمر طالوت به وهو يحرض الناس، فقال له داود: وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟
قال طالوت: أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي.
قال داود: فأنا أخرج إليه.
فأعطاه طالوت درعه وسيفه، فلما خرج في الدرع جرها، لأن طالوت كان أطول الناس، فرجع داود إلى طالوت وقال: إني لم أتعود القتال في الدرع، فرد الدرع إليه.
فقال له طالوت: فهل جربت نفسك؟
قال: نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين.
فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غير هذا؟
قال: نعم دخل أسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتها، فقال له: هذا أشد، ثم قال لَّهُ مَا اسمك؟
قال: داود بن إيشا.
فعرفه.
فرأى أنه أجلد إخوته، فأخذ قذافته وخرج.
فلما رآه جالوت قال: خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب؟
فقال له داود: وهل أنت إلا مثل الكلاب؟
قال الكلبي: وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل، فقال له جالوت: إما أن ترميني وإما أن أرميك.
فقال له داود: بل أنا أرميك.
ثم أخذ واحداً من الأحجار الثلاثة فرماه، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقاً كثيراً.
وقال بعضهم: صارت الأحجار كلها واحداً فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقاً كثيراً.
وقال بعضهم: رمى واحداً بعد واحد، فقتل جالوت وخلقاً كثيراً وهزمهم الله بإذنه، فذلك قوله عز وجل: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.
ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه، فقال له وزراؤه: إن دفعت إليه نصف ملكك، فيصير منازعاً لك في ملكك، ويفسد عليك الملك.
فامتنع من ذلك وأراد قتل داود- - وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك، فتحول الملك كله إلى داود.
ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود.
فذلك قوله عز وجل: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، يعني ملك اثني عشر سبطاً وَالْحِكْمَةَ، يعني النبوة، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب.
وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين- عليهم السلام- ويدفع بالمؤمنين عن الكفار، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أي هلك أهلها.
ويقال: ولولا دفع الله جالوت بطالوت، لهلكت بنو إسرائيل كلهم.
ويقال: ولولا دفع الله البلايا بسبب المطيعين، لهلك الناس كما جاء في الأثر: لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صباً.
وروي عن الحسن أنه قال: لولا الصالحون لهلك الطالحون.
ويقال: لولا ما أمر الله المؤمنين بحرب الكفار، لفسدت الأرض بغلبة الكفار.
ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان، فينتفع بها أهل سائر البلدان وينتفع بعضهم ببعض، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض.
قرأ نافع هاهنا وَلَوْلاَ دِفَاع الله وفي الحج: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [الحج: 38] بالألف.
وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان.
ثم قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم.
تِلْكَ آياتُ اللَّهِ وهو ما قصّ عليه من أخبار الأمم.
نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي ننزلها بقراءة جبريل عليك بِالْحَقِّ، أي بالصدق.
وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم.
وقال الزجاج تلك آيات الله، أي هذه الآيات التي أنبئت، أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته، إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون وإنك من هؤلاء المرسلين، لأنك قد أتيتهم بالعلامات.
<div class="verse-tafsir"
في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ» ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ» ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر.
انتهى.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)
قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ...
الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلمّا أمروا، كعّ أكثرهم «١» ، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين ليحذروا المَكْرُوه منْه ويقتدوا بالحسن.
والْمَلَإِ: في هذه الآية جميعُ القَوْم لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ» تشبيها، ومِنْ بَعْدِ مُوسى: معناه: مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته.
وقوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَهُمُ، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل «٢» .
وقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ «٣» ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حاربها، وروي أنها
كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم.
وقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ» ، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم «١» حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً ...
الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور- عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة/ التّقرير، وسبر ما عندهم بقوله: ٦٢ أهَلْ عَسَيْتُمْ، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ.
ص: لِنَبِيٍّ متعلِّق ب قالُوا، واللامُ معناها: التبليغُ.
انتهى.
ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا» «٢» .
ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر بقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.
وقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ...
الآية: قال وهب بن منبّه «٣» :
وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً «١» ، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً «٢» ، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ» ، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ.
قال ع «٣» : وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و «اصطفى» : مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت «٤» .
ت: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، أي:
انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم.
انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام.
ولما علم نبيُّهم- عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم- عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وواسِعٌ: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قول النبيّ لهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟
وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ.
قال ع: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.
وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره «١» .
واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم/ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلّا لهذا التابوت، ٦٢ ب فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر.
وقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت «٢» ، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم.
وقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...
الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة «٣» ، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب «٤» .
وقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها «٥» ، وقال قتادة: سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: وقار لكم من ربِّكم «٦» .
قال ع: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى أن مجيء التابوتِ آية لهم، إن كانوا
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَلَأُ: الرِّجالُ في كُلِّ القُرْآَنِ لا يَكُونُ فِيهِمُ امْرَأةٌ، وكَذَلِكَ القَوْمُ والنَّفَرُ والرَّهْطُ.
وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ: هُمُ الوُجُوهُ، وذَوُو الرَّأْيِ، وإنَّما سُمُّوا مَلَأ، لِأنَّهم مَلِيؤُونَ بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِنهم.
وفي نَبِيِّهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ شَمُوِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبٌ.
والثّانِي: أنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: أنَّهُ نَبِيٌّ، يُقالُ: لَهُ سَمِعُونُ بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّها دَعَتِ اللَّهَ أنَّ يَرْزُقَها غُلامًا، فَسُمِعَ دُعاؤُها فِيهِ، فَسَمَّتْهُ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَسَبَبُ سُؤالِهِمْ مَلِكًا أنَّ عَدُوَّهم غَلَبَ عَلَيْهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُقاتِلْ ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالياءِ والرَّفْعِ، كِنايَةٌ عَنِ المَلِكِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ نافِعٌ بِكَسْرِها هاهُنا، وفي سُورَةِ "مُحَمَّدٍ" وهي لُغَتانِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ﴾ أيْ: فَرَضَ ﴿ ألا تُقاتِلُوا ﴾ أيْ: لَعَلَّكم تَجْبُنُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا ﴾ يَعْنُونَ أُخْرِجَ بَعْضُنا وهُمُ الَّذِينَ سُبُوا مِنهم وقُهِرُوا، فَظاهِرُهُ العُمُومُ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الجِهادِ.
﴿ إلا قَلِيلا ﴾ وهُمُ الَّذِينَ عَبَرُوا النَّهْرَ، وسَيَأْتِي ذِكْرُهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألا تُقاتِلُوا ﴾ هَذِهِ الآيَةُ خَبَرٌ عن قَوْمٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، نالَتْهم ذِلَّةٌ وغَلَبَةٌ عَدُوٌّ، فَطَلَبُوا الإذْنَ في الجِهادِ وأنْ يُؤْمَرُوا بِهِ، فَلَمّا أُمِرُوا كَعَّ أكْثَرُهم وصَبَرَ الأقَلُّ فَنَصَرَهُمُ اللهُ.
وفي هَذا كُلِّهِ مِثالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِيَحْذَرَ المَكْرُوهَ مِنهُ ويَقْتَدِي بِالحُسْنِ.
و"المَلَأُ" في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعُ القَوْمِ، لِأنَّ المَعْنى يَقْتَضِيهِ، وهَذا هو أصْلُ اللَفْظَةِ، ويُسَمّى الأشْرافُ المَلَأ تَشْبِيهًا.
وقَوْلُهُ: ﴿ مِن بَعْدِ مُوسى ﴾ مَعْناهُ: مِن بَعْدِ مَوْتِهِ وانْقِضاءِ مَدَّتِهِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في النَبِيِّ الَّذِي قِيلَ لَهُ: "ابْعَثْ" -فَقالَ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ، عن وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: هو شَمُوِيلُ بْنُ بالِي.
وقالَ السُدِّيُّ: هو شَمْعُونُ.
وقالَ قَتادَةُ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ مُدَّةَ داوُدَ هي بَعْدَ مُدَّةِ مُوسى بِقُرُونٍ مِنَ الناسِ، ويُوشَعُ هو فَتى مُوسى، وكانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَغْلِبُ مَن حارَبَها.
ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَضَعُ التابُوتَ الَّذِي فِيهِ السَكِينَةُ والبَقِيَّةُ في مَأْزِقِ الحَرْبِ فَلا تَزالُ تَغْلِبُ حَتّى عَصَوْا، وظَهَرَتْ فِيهِمُ الأحْداثُ وخالَفَ مُلُوكُهُمُ الأنْبِياءَ واتَّبَعُوا الشَهَواتِ.
وقَدْ كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أقامَ أُمُورَهم بِأنْ يَكُونَ أنْبِياؤُهم يُسَدِّدُونَ مُلُوكَهُمْ، فَلَمّا فَعَلُوا ما ذَكَرْناهُ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ أُمَمًا مِنَ الكَفَرَةِ فَغَلَبُوهُمْ، وأخَذَ لَهُمُ التابُوتَ في بَعْضِ الحُرُوبِ، فَذَلَّ أمْرُهم.
وقالَ السُدِّيُّ: كانَ الغالِبُ لَهم جالُوتُ وهو مِنَ العَمالِقَةِ، فَلَمّا رَأوا أنَّهُ الِاصْطِلامُ وذَهابُ الذَكَرِ أنِفَ بَعْضُهُمْ، وتَكَلَّمُوا في أمْرِهِمْ.
حَتّى اجْتَمَعَ مَلَؤُهم عَلى أنْ قالُوا لِنَبِيِّ الوَقْتِ: ﴿ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا ﴾ ، الآيَةُ، وإنَّما طَلَبُوا مَلِكًا يَقُومُ بِأمْرِ القِتالِ، وكانَتِ المَمْلَكَةُ في سِبْطٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَهم بَنُو يَهُوذا، فَعَلِمَ النَبِيُّ بِالوَحْيِ أنَّهُ لَيْسَ في بَيْتِ المَمْلَكَةِ مَن يَقُومُ بِأمْرِ الحَرْبِ، ويَسَّرَ اللهُ لِذَلِكَ طالُوتَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "نُقاتِلُ" بِالنُونِ وجَزْمِ اللامِ عَلى جَوابِ الأمْرِ.
وقَرَأ الضَحّاكُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ "يُقاتِلُ" بِالياءِ ورَفْعِ الفِعْلِ فَهو في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِلْمَلِكِ.
وأرادَ النَبِيُّ المَذْكُورُ عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يَتَوَثَّقَ مِنهم فَوَقَفَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ وسَبَرَ ما عِنْدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ وقَرَأ نافِعٌ: "عَسَيْتُمْ" بِكَسْرِ العَيْنِ في المَوْضِعَيْنِ، وفَتَحَ الباقُونَ السِينَ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأكْثَرُ فَتْحً السِينِ وهو المَشْهُورُ.
ووَجْهُ الكَسْرِ قَوْلُ العَرَبِ: هو عَسٌّ بِذَلِكَ، مِثْلُ حُرٌّ وشَجٌّ، وقَدْ جاءَ فَعَلَ وفَعِلَ في نَحْوِ: نَقَمَ ونَقِمَ، فَكَذَلِكَ عَسَيْتُ وعَسِيتُ، فَإنْ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ظاهِرٍ فَقِياسُ عَسَيْتُمْ أنْ يُقالَ: عَسِيَ زَيْدٌ مِثْلُ رَضِيَ.
فَإنْ قِيلَ -فَهُوَ القِياسُ، وإنْ لَمْ يَقُلْ فَسائِغٌ أنْ يُؤْخَذَ بِاللُغَتَيْنِ، فَيُسْتَعْمَلُ إحْداهُما في مَوْضِعِ الأُخْرى كَما فَعَلَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ.
ومَعْنى هَذِهِ المَقالَةِ: هَلْ أنْتُمْ قَرِيبٌ مِنَ التَوَلِّي والفِرارِ إنَّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ؟
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا وما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلا قَلِيلا مِنهم واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُنا ألّا نُقاتِلَ وقَدْ وُتِرْنا وأُخْرِجْنا مِن دِيارِنا؟، وقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وإنْ كانَ القائِلُ لَمْ يَخْرُجْ مِن حَيْثُ قَدْ أخْرَجَ مَن هو مِثْلُهُ، وفي حُكْمِهِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم لَمّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ ورَأوُا الحَقِيقَةَ ورَجَعَتْ أفْكارُهم إلى مُباشَرَةِ الحَرْبِ تَوَلَّوْا، أيِ اضْطَرَبَتْ نِيّاتُهُمْ، وفَتَرَتْ عَزائِمُهُمْ، وهَذا شَأْنُ الأُمَمِ المُتَنَعِّمَةِ المائِلَةِ إلى الدَعَةِ، تَتَمَنّى الحَرْبَ أوقاتَ الأنَفَةِ، فَإذا حَضَرَتِ الحَرْبُ كَعَّتْ وانْقادَتْ لِطَبْعِها.
وعن هَذا المَعْنى نَهى النَبِيُّ بِقَوْلِهِ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ، واسْألُوا اللهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاثْبُتُوا».
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن قَلِيلٍ مِنهم أنَّهم ثَبَتُوا عَلى النِيَّةِ الأُولى، واسْتَمَرَّتْ عَزِيمَتُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ تَوَعَّدَ الظالِمِينَ في لَفْظِ الخَبَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ: ﴿ واللهُ عَلِيمٌ بِالظالِمِينَ ﴾ .
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "تَوَلَّوْا إلّا أنْ يَكُونَ قَلِيلٌ مِنهُمْ".
<div class="verse-tafsir"
جملة: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل ﴾ استئناف ثان من جملة ﴿ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم ﴾ [البقرة: 243] سيق مساق الاستدلال لجملة ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ [البقرة: 190] وفيها زيادة تأكيد لفظاعة حال التقاعس عن القتال بعد التهيؤ له في سبيل الله، والتكرير في مثله يفيد مزيد تحذير وتعريض بالتوبيخ؛ فإن المأمورين بالجهاد في قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله ﴾ لا يخلون من نفر تعتريهم هواجس تثبطهم عن القتال، حباً للحياة ومن نفر تعترضهم خواطر تهون عليهم الموت عند مشاهدة أكدار الحياة، ومصائب المذلة، فضرب الله لهذين الحالين مثلين: أحدهما ما تقدم في قوله: ﴿ ألم تر إلى الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ والثاني قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل ﴾ وقد قدم أحدهما وأخر الآخر ليقع التحريض على القتال بينهما.
” ومناسبة تقديم الأولى أنها تشنع حال الذين استسلموا واستضعفوا أنفسهم، فخرجوا من ديارهم مع كثرتهم، وهذه الحالة أنسب بأن تقدم بين يدي الأمر بالقتال والدفاع عن البيضة؛ لأن الأمر بذلك بعدها يقع موقع القبول من السامعين لا محالة، ومناسبة تأخير الثانية أنها تمثيل حال الذين عرفوا فائدة القتال في سبيل الله لقولهم: ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ إلخ.
فسألوه دون أن يفرض عليهم فلما عين لهم القتال نكصوا على أعقابهم، وموضع العبرة هو التحذير من الوقوع في مثل حالهم بعد الشروع في القتال أو بعد كتبه عليهم، فلله بلاغة هذا الكلام، وبراعة هذا الأسلوب تقديماً وتأخيراً.
وتقدم القول على ﴿ ألم تر ﴾ [البقرة: 243] في الآية قبل هذه.
والملأ: الجماعة الذين أمرهم واحد، وهو اسم جمع كالقوم والرهط، وكأنه مشتق من الملْء وهو تعمير الوعاء بالماء ونحوه، وأنه مؤذن بالتشاور لقولهم: تمالأ القوم إذا اتفقوا على شيء والكل مأخوذ من ملء الماء؛ فإنهم كانوا يملأون قربهم وأوعيتهم كل مساء عند الورد، فإذا ملأ أحد لآخر فقد كفاه شيئاً مهماً؛ لأن الماء قوام الحياة، فضربوا ذلك مثلاً للتعاون على الأمر النافع الذي به قوام الحياة والتمثيل بأحوال الماء في مثل هذا منه قول علي «اللهم عليك بقريش فإنهم قد قطعوا رحمي وأكفأوا إنائي» تمثيلاً لإضاعتهم حقه.
وقوله: ﴿ من بعد موسى ﴾ إعلام بأن أصحاب هذه القصة كانوا مع نبيء بعد موسى، فإن زمان موسى لم يكن فيه نصب ملوك على بني إسرائيل وكأنه إشارة إلى أنهم أضاعوا الانتفاع بالزمن الذي كان فيه رسولهم بين ظهرانيهم، فكانوا يقولون: اذهب أنت وربك فقاتلا، وكان النصر لهم معه أرجى لهم ببركة رسولهم، والمقصود التعريض بتحذير المسلمين من الاختلاف على رسولهم.
وتنكير نبيء لهم للإشارة إلى أن محل العبرة ليس هو شخص النبي فلا حاجة إلى تعيينه، وإنما المقصود حال القوم وهذا دأب القرآن في قصصه، وهذا النبي هو صمويل وهو بالعربية شمويل بالشين المعجمة ولذلك لم يقل: إذ قالوا لنبيهم، إذ لم يكن هذا النبي معهوداً عند السامعين حتى يعرف لهم بالإضافة.
وفي قوله: ﴿ لنبيء لهم ﴾ تأييد لقول علماء النحو إن أصل الإضافة أن تكون على تقدير لام الجر، ومعنى ﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ عين لنا ملكاً؛ وذلك أنه لما لم يكن فيهم ملك في حالة الحاجة إلى ملك فكأن الملك غائب عنهم، وكأن حالهم يستدعي حضوره فإذا عين لهم شخص ملكاً فكأنه كان غائباً عنهم فبعث أي أرسل إليهم، أو هو مستعار من بعث البعير أي إنهاضه للمشي.
وقوله: ﴿ هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ﴾ الآية، استفهام تقريري وتحذير، فقوله: ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ مستفهم عنه بهل وخبر لعسى متوقع، ودليل على جواب الشرط ﴿ إن كتب عليكم القتال ﴾ وهذا من أبدع الإيجاز فقد حكى جملاً كثيرة وقعت في كلام بينهم، وذلك أنه قررهم على إضمارهم نية عدم القتال اختباراً وسبراً لمقدار عزمهم عليه، ولذلك جاء في الاستفهام بالنفي فقال ما يؤدي معنى «هلْ لاَ تقاتلون» ولم يقل: هل تقاتلون؛ لأن المستفهم عنه هو الطرَف الراجح عند المستفهم، وإن كان الطرَف الآخر مقدراً، وإذا خرج الاستفهام إلى معانيه المجازية كانت حاجة المتكلم إلى اختيار الطرف الراجح متأكدة.
وتوقع منهم عدم القتال وحذرهم من عدم القتال إن فرض عليهم، فجملة: ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ يتنازع معناها كل من هَل وَعسى وإنْ، وأُعطيت لعسى، فلذلك قرنت بإنْ، وهي دليل للبقية فيقدر لكل عامل ما يقتضيه.
والمقصود من هذا الكلام التحريض لأن ذا الهمة يأنف من نسبته إلى التقصير، فإذا سجل ذلك عليه قبل وجود دواعيه كان على حذر من وقوعه في المستقبل، كما يقول من يوصي غيره: افعل كذا وكذا وما أظنك تفعل.
وقرأ نافع وحده عسيتم بكسر السين على غير قياس، وقرأه الجمهور بفتح السين وهما لغتان في عسى إذا اتصل بها ضمير المتكلم أو المخاطب، وكأنهم قصدوا من كسر السين التخفيف بإماتة سكون الياء.
وقوله: ﴿ قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ جاءت واو العطف في حكاية قولهم؛ إذ كان في كلامهم ما يفيد إرادة أن يكون جوابهم عن كلامه معطوفاً على قولهم: ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ ما يؤدَّى مثله بواو العطف فأرادوا تأكيد رغبتهم، في تعيين ملك يدبر أمور القتال، بأنهم ينكرون كل خاطر يخطر في نفوسهم من التثبيط عن القتال، فجعلوا كلام نبيئهم بمنزلة كلام معترض في أثناء كلامهم الذي كملوه، فما يحصل به جوابهم عن شك نبيهم في ثباتهم، فكان نظم كلامهم على طريقة قوله تعالى حكاية عن الرسل: ﴿ وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [آل عمران: 122]، ﴿ وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ﴾ [إبراهيم: 12].
و (ما) اسم استفهام بمعنى أي شيء واللام للاختصاص والاستفهام إنكاري وتعجبي من قول نبيهم: ﴿ هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ﴾ لأن شأن المتعجب منه أن يسأل عن سببه.
واسم الاستفهام في موضع الابتداء، و ﴿ لنا ﴾ خبره، ومعناه ما حصل لنا أو ما استقرَّ لنا، فاللام في قوله: ﴿ لنا ﴾ لام الاختصاص و«أن» حرف مصدر واستقبال، و ﴿ نقاتل ﴾ منصوب بأن، ولما كان حرف المصدر يقتضي أن يكون الفعل بعده في تأويل المصدر، فالمصدر المنسبك من أن وفعلها إما أن يجعل مجروراً بحرف جر مقدر قبل أن مناسب لتعلق (لا نقاتل) بالخبر ما لنا في ألا نقاتل أي انتفاء قتالنا أو ما لنا لأَلانقاتل أي لأجل انتفاء قتالنا، فيكون معنى الكلام إنكارهم أن يثبت لهم سبب يحملهم على تركهم القتال، أو سبب لأجل تركهم القتال، أي لا يكون لهم ذلك.
وإما أن يجعل المصدر المنسبك بدلاً من ضمير ﴿ لنا ﴾ : بَدَل اشتمال، والتقدير: ما لنا لِتَرْكِنا القتال.
ومثل هذا النظم يجيء بأشكال خمسة: مثل ﴿ مالك لا تأمنا على يوسف ﴾ [يوسف: 11] ﴿ ومالي لا أعبد الذي فطرني ﴾ [يس: 22] ﴿ ما لكم كيف تحكمون ﴾ [النساء: 88] فمالك والتلدد حول نجد ﴿ فما لكم في المنافقين فئتين ﴾ [الصافات: 154]، والأكثر أن يكون ما بعد الاستفهام في موضع حال، ولكن الإعراب يختلف ومآل المعنى متحد.
و«ما» مبتدأ و«لنا» خبره، والمعنى: أي شيء كان لنا.
وجملة «ألا نُقَاتل» حال وهي قيد للاستفهام الإنكاري، أي لا يثبت لنا شيء في حالة تركنا القتال.
وهذا كنظائره في قولك: مالي لا أفعل أو مالي أفعل، فإن مصدرية مجرورة بحرف جر محذوف يقدر بفي أو لام الجر، متعلق بما تعلقَ به ﴿ لنا ﴾ .
وجملة ﴿ وقد أخرجنا ﴾ حال معللة لوجه الإنكار، أي إنهم في هذه الحال أبعد الناس عن ترك القتال؛ لأن أسباب حب الحياة تضعف في حالة الضر والكدر بالإخراج من الديار والأبناء.
وعطف الأبناء على الديار لأن الإخراج يطلق على إبعاد الشيء من حيزه، وعلى إبعاده من بين ما يصاحبه، ولا حاجة إلى دعوى جعل الواو عاطفة عاملاً محذوفاً تقديره وأبعدنا عن أبنائنا.
وقوله: ﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا ﴾ الخ.
جملة معترضة، وهي محل العبرة والموعظة لتحذير المسلمين من حال هؤلاء أن يتولوا عن القتال بعد أن أخرجهم المشركون من ديارهم وأبنائهم، وبعد أن تمنوا قتال أعدائهم وفرضه الله عليهم والإشارة إلى ما حكاه الله عنهم بعد بقوله: ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ [البقرة: 249] إلخ.
وقوله: ﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ تذييل، لأن فعلهم هذا من الظلم؛ لأنهم لما طلبوا القتال خيلوا أنهم محبون له ثم نكصوا عنه.
ومن أحسن التأديب قول الراجز: مَن قال لاَ في حاجة *** مسؤولة فما ظلم وإنما الظالم من *** يقول لا بعد نعم وهذه الآية أشارت إلى قصة عظيمة من تاريخ بني إسرائيل، لما فيها من العلم والعبرة، فإن القرآن يأتي بذكر الحوادث التاريخية تعليماً للأمة بفوائد ما في التاريخ، ويختار لذلك ما هو من تاريخ أهل الشرائع، لأنه أقرب للغرض الذي جاء لأجله القرآن.
هذه القصة هي حادث انتقال نظام حكومة بني إسرائيل من الصبغة الشورية، المعبر عنها عندهم بعصر القضاة إلى الصبغة الملكية، المعبر عنها بعصر الملوك وذلك أنه لما توفي موسى عليه السلام في حدود سنة 1380 قبل الميلاد المسيحي، خلفه في الأمة الإسرائيلية يوشع بن نُون، الذي عهد له موسى في آخر حياته بأن يخلفه فلما صار أمر بني إسرائيل إلى يوشع جعل لأسباط بني إسرائيل حكاماً يسوسونهم ويقضون بينهم، وسماهم القضاة فكانوا في مدن متعددة، وكان من أولئك الحكام أنبياء، وكان هنالك أنبياء غير حكام، وكان كل سِبط من بني إسرائيل يسيرون على ما يظهر لهم، وكان من قضاتهم وأنبيائهم صمويل بن القانة، من سبط أفرايم، قاضياً لجميع بني إسرائيل، وكان محبوباً عندهم، فلما شاخ وكبر وقعت حروب بين بني إسرائيل والفلسطينيين وكانت سجالاً بينهم، ثم كان الانتصار للفلسطينيين، فأخذوا بعض قرى بني إسرائيل حتى إن تابوت العهد، الذي سيأتي الكلام عليه، أسره الفلسطينيون، وذهبوا به إلى (أَشدود) بلادهم وبقي بأيديهم عدة أشهر، فلما رأت بنو إسرائيل ما حل بهم من الهزيمة، ظنوا أن سبب ذلك هو ضعف صمويل عن تدبير أمورهم، وظنوا أن انتظام أمر الفلسطينيين، لم يكن إلاّ بسبب النظام الملكي، وكانوا يومئذٍ يتوقعون هجوم ناحاش: ملك العمونيين عليهم أيضاً، فاجتمعت إسرائيل وأرسلوا عرفاءهم من كل مدينة، وطلبوا من صمويل أن يقيم لهم ملكاً يقاتل بهم في سبيل الله، فاستاء صمويل من ذلك، وحذرهم عواقب حكم الملوك «إن الملك يأخذ بينكم لخدمته وخدمة خيله ويتخذ منكم من يركض أمام مراكبه، ويسخر منكم حراثين لحرثه، وعملة لعُدد حربه، وأدوات مراكبه، ويجعل بناتكم عطَّارات وطباخات وخبازات، ويصطفي من حقولكم، وكرومكم، وزياتينكم، أجودها فيعطيها لعبيده، ويتخذكم عبيداً، فإذا صرختم بعد ذلك في وجه ملككم لا يستجيب الله لكم، فقالوا: لا بد لنا من ملك لنكون مثل سائر الأمم، وقال لهم: هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ الخ.
وكان ذلك في أوائل القرن الحادي عشر قبل المسيح.
وقوله: ﴿ وقد أخرجنا من ديارنا وأبناءنا ﴾ يقتضي أن الفلسطينيين أخذوا بعض مدن بني إسرائيل، وقد صُرح بذلك إجمالاً في الإصحاح السابع من سفر صمويل الأول، وأنهم أسروا أبناءهم، وأطلقوا كهولهم وشيوخهم، وفي ذكر الإخراج من الديار والأبناء تلهيب للمهاجرين من المسلمين على مقاتلة المشركين الذين أخرجوهم من مكة، وفرقوا بينهم وبين نسائهم، وبينهم وبين أبنائهم، كما قال تعالى: ﴿ وما للكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ [النساء: 75].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى المَلإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ المَلَأُ: الجَماعَةُ.
﴿ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سَمْوِيلُ، وهو قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.
والثّانِي: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّالِثُ: شَمْعُونُ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ سَمِعَ دُعاءَها فِيهِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
﴿ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ في سَبَبِ سُؤالِهِمْ لِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَألُوا ذَلِكَ لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّ الجَبابِرَةَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِمُ اسْتَزَلُّوهم، فَسَألُوا قِتالَهم، وهو قَوْلُ وهْبٍ والرَّبِيعِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: ذكر لنا- والله أعلم- أن موسى لما حضرته الوفاة استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل، وأن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى، ثم أن يوشع بن نون توفي واستخلف فيهم آخر، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى، ثم استخلف آخر فسار فيهم بسيرة صاحبيه، ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا، ثم استخلف آخر فأنكروا عامة أمره، ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله، ثم أن بني إسرائيل أتوا نبياً من أنبيائهم حين أوذوا في أنفسهم وأموالهم، فقالوا له: سل ربك أن يكتب علينا القتال.
فقال لهم ذلك النبي: ﴿ هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا...
﴾ الآية.
فبعث الله طالوت ملكاً، وكان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط مملكة، ولم يكن طالوت من سبط النبوّة ولا من سبط المملكة، فلما بعث لهم ملكاً أنكروا ذلك وقالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ فقال: ﴿ إن الله اصطفاه عليكم ﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى...
﴾ الآية.
قال: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإِيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم، فلما كتب عليهم القتال وذلك حين أتاهم التابوت قال: وكان من بني اسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط خلافة، فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة، ولا تكون النبوّة إلا في سبط النبوّة ﴿ فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ﴾ وليس من أحد السبطين، لا من سبط النبوّة ولا من سبط الخلافة ﴿ قال إن الله اصطفاه عليكم....
﴾ الآية فأبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ﴾ [ البقرة: 248] وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفعه منها، وجمع ما بقي فجعله في التابوت، وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت- والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحا- فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا: نعم، فسلموا له وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم.
ويقولون: إن آدم نزل بذلك التابوت، وبالركن، وبعصا موسى من الجنة، وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن وهب بن منبه قال: خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوارة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم حزقيل بن بورى وهو ابن العجوز، ثم أن الله قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث إليهم إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران نبياً.
وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة، وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أجان وكان يسمع منه ويصدقه، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشام كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الملك لإِلياس: ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، أرى فلان وفلاناً- يعدد ملوك بني إسرائيل- قد عبدوا الأوثان، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون ما ينقص من دنياهم، فاسترجع إلياس وقام شعره ثم رفضه وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان.
ثم خلف من بعده فيهم اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابراً عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون، وكان لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويرجعون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو، فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليهم، نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم، فمرج أمرهم عليهم ووطئهم عدوهم حتى أصاب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبي لهم يقال له شمويل، وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم...
﴾ الآية.
فكلموه وقالوا ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ .
وإنما كان قوام بني اسرائيل الاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له بأمره ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقاً يكذبون فلا يقبلون منه شيئاً وفريقاً يقتلون، فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء، ولا صدق، ولا رغبة في الجهاد.
فقالوا: إنا كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه، إنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطأها أحد فلا يظهر علينا عدو، فأما إذا بلغ ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا.
فلما قالوا له ذلك سأل الله شمويل أن يبعث لهم ملكاً.
فقال الله له: انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن- فهو ملك بني إسرائيل- فادهن رأسه منه وملكه عليهم، فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلاً عليه، وكان طالوت رجلاً دبَّاغاً يعمل الأدم، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبط بنيامين سبطاً لم يكن فيهم نبوة ولا ملك، فخرج طالوت في ابتغاء دابة له أضلته ومعه غلام، فمرا ببيت النبي عليه السلام فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير.
فقال طالوت: ما بما قلت من بأس فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما ويسألانه أن يدعو لهما فيها إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام النبي عليه السلام فأخذه، ثم قال لطالوت: قرب رأسك فقربه، فدهنه منه ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم، وكان اسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أشال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أنس بن يامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجلس عنده وقال: الناس ملك طالوت.
فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم فقالوا له: ما شأن طالوت تملك علينا وليس من بيت النبوة ولا المملكة، قد عرفت أن النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا؟!
فقال لهم ﴿ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن وهب بن منبه قال: قالت بنو إسرائيل لشمويل: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال: قد كفاكم الله القتال.
قالوا: إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه، فأوحى الله إلى شمويل: أن ابعث لهم طالوت ملكاً، وادهنه بدهن القدس.
وضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاماً له يطلبانها، فجاؤوا إلى شمويل يسألونه عنها فقال: إن الله قد بعثك ملكاً على بني إسرائيل.
قال: أنا؟!
قال: نعم.
قال: وما علمت أن سبطي ادنى أسباط بني إسرائيل؟
قال: بلى.
قال: فبأي آية؟
قال: بآية أن ترجع وقد وجد أبوك حمره، فدهنه بدهن القدس فقال لبني إسرائيل ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ﴾ قال: شمؤل.
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال: هو يوشع بن نون.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ﴾ قال: هو الشمول ابن حنة بن العاقر.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت، وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم، وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه، وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى، فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت تدعو الله أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً فسمته شمعون.
فكبر الغلام فاسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحداً غيره، فدعاه بلحن الشيخ يا شماؤل، فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟
فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام، فقال: يا بني ارجع فنم.
فرجع فنام، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال: دعوتني؟
فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني.
فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبياً، فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم يأن لك، وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك.
فقال لهم شمعون: عسى أن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ﴿ قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله...
﴾ الآية.
فدعا الله فأتي بعصا تكون على مقدار طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكاً.
فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا.
فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها.
وكان طالوت رجلاً سقاء يسقي على حمار له، فضلّ حماره، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها.
فقال لهم نبيهم ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ قال القوم: ما كنت قط أكذب منك الساعة، ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ قالوا: فإن كنت صادقاً فأتنا بآية ان هذا ملك.
قال: ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت...
﴾ [ البقرة: 248] الآية.
فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون وسلموا بملك طالوت.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: كان طالوت سقاء يبيع الماء.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا أنى يكون له الملك علينا ﴾ قال: لم يقولوا ذلك، إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان كان في أحدهما النبوة وفي الآخر الملك، فلا يبعث نبي إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحد إلا من كان من سبط الملك، وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين ﴿ قال إن الله اصطفاه ﴾ يعني اختاره عليكم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله: ﴿ أنى ﴾ يعني من أين.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس ﴿ وزاده بسطة ﴾ يقول: فضيلة ﴿ في العلم والجسم ﴾ يقول: كان عظيماً جسيماً يفضل بني إسرائيل بعنقه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ وزاده بسطة في العلم ﴾ قال: العلم بالحرب.
وأخرج ابن جرير عن وهب في قوله: ﴿ والجسم ﴾ قال: كان فوق بني إسرائيل بمنكبيه فصاعداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والله يؤتي ملكه من يشاء ﴾ قال: سلطانه.
وأخرج ابن المنذر عن وهب أنه سئل أنبي كان طالوت؟
قال: لا، لم يأته وحي.
وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ يعني ألم تخبر يا محمد عن الملأ ﴿ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ﴾ اشمويل ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل ﴾ إلى قوله: ﴿ وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ﴾ يعني أخرجتنا العمالقة، وكان رأس العمالقة يومئذ جالوت، فسأل الله نبيهم أن يبعث لهم ملكاً.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾ قال: هم الذين قال الله: ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ [ النساء: 77] .
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ نحن أحق بالملك منه ﴾ قال: لأنه لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الخلافة.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: بعث الله لهم طالوت ملكاً وكان من سبط لم تكن فيه مملكة ولا نبوة، وكان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة، فكان سبط النبوة سبط لاوي، وكان سبط المملكة سبط يهوذا، فلما بعث طالوت من غير سبط النبوة والمملكة أنكروا ذلك وعجبوا منه و ﴿ قالوا أنى يكون له الملك علينا ﴾ قالوا: كيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا المملكة.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل له ضرتان، وكانت إحداهما تلد والأخرى لا تلد، فاشتد على التي لا تلد فتطهرت، فخرجت إلى المسجد لتدعو الله فلقيها حكم بني اسرائيل- وحكماؤهم الذين يدبرون أمورهم- فقال: أين تذهبين؟
قالت: حاجة لي إلى ربي.
قال: اللهم اقض لها حاجتها فعلقت بغلام وهو الشمول، فلما ولدت جعلته محرراً، وكانوا يجعلون المحرر إذا بلغ السعي في المسجد يخدم أهله، فلما بلغ الشمول السعي دفع إلى أهل المسجد يخدم، فنودي الشمول ليلة، فأتى الحكم فقال: دعوتني؟
فقال: لا، فلما كانت الليلة الأخرى دعي، فأتى الحكم فقال: دعوتني؟
فقال: لا، وكان الحكم يعلم كيف تكون النبوة فقال: دعيت البارحة الأولى؟
قال: نعم.
قال: ودعيت البارحة؟
قال: نعم.
قال: فإن دعيت الليلة فقل لبيك وسعديك والخير في يديك والمهدي من هديت، أنا عبدك بين يديك مرني بما شئت.
فأوحي إليه، فأتى الحكم فقال: دعيت الليلة؟
قال: نعم، وأوحي إلي.
قال: فذكرت لك بشيء؟
قال: لا عليك أن لا تسألني.
قال: ما أبيت أن تخبرني إلا وقد ذكر لك شيء من أمري، فألح عليه وأبى أن يدعه حتى أخبره.
فقال: قيل لي: إنه قد حضرت هلكتك وارتشى ابنك في حكمك، فكان لا يدبر أمراً إلا انتكث ولا يبعث جيشاً إلا هزم، حتى بعث جيشاً وبعث معهم بالتوراة يستفتح بها فهزموا، وأخذت التوراة فصعد المنبر وهو آسف غضبان، فوقع فانكسرت رجله أو فخذه فمات من ذلك، فعند ذلك قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكاً وهو الشمول بن حنة العاقر.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية.
الملأ: الأشراف من الناس، وهو اسمٌ للجماعة، كالقومِ والرَّهْطِ والجيش، وجمعه: أملاء، قال الشاعر: وقال لها الأَمْلاَء من كلِّ مَعْشَر ...
وخَيْرُ أقَاوِيلِ الرِّجَالِ سَدِيدُها (١) وأصله من الملأ، فالملأ: هم الذين يملؤون العيون هيبة ورُواءً (٢) (٣) وقال أبو إسحاق: الملأ: الرؤساء سموا بذلك لأنهم مِلآءٌ ومُلآءُ (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا ﴾ قال قتادة: هو يوشع (٧) وقال السدي: هو شمعون (٨) وقال سائر المفسرين: هو أشمويل (٩) وكان سبب قولهم ذلك لنبيهم، فيما قال الكلبي (١٠) (١١) (١٢) ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ﴾ وهذا استفهام شك، يقول: لعلكم أن تَجْبُنُوا عن القتال (١٣) وقرأ نافع وحده (عسِيتم) بكسر السين، واللغة المشهورة فتحها (١٤) ووجه قراءة نافع: ما حكاه ابن الأعرابي: أنهم يقولون: هو عسٍ بكذا، وما أعساهُ، وأَعْسِ به، فقولهم: عسٍ، يقوي عسِيتم بكسر السين، ألا ترى أن عسٍ، مثل (١٥) ﴿ عَسَى رَبُّكُمْ ﴾ قيس: القياس هذا، وله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع (١٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ اختلف النحويون في وجه دخول (أن) هاهنا، والقائل يقول: ما لَكَ تفعل كذا كقوله: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ و ﴿ وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ .
فقال الأخفش: (أن) هاهنا زائدة.
المعنى: وما لنا لا نقاتل في سبيل الله (١٧) وقال الفرَّاءُ: ذهب الى المعنى؛ لأن قول: مَا لَكَ لا تصلي، معناه: ما يمنعك أن تصلي، فلما ذهب إلى معنى المنع أدخل أن (١٨) ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ ﴾ ، وعلى هذا المعنى قال: ﴿ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ ﴾ (١٩) وقال الكسائيُّ: المعنى: وما لنا في أن نقاتل، فأسقط (في) (٢٠) وقال: المعنى: أي شيء لنا في أن لا نقاتل.
أي: أيُّ غرضٍ (٢١) (٢٢) ورجح أبو علي الفارسي قول الكسائي على قول الفراء، فقال: إذا اتجه للكلام وجه صحيح وكان مستمرًّا على الأصول، فلا معنى للعدول عنه إلى غيره، وكما جاز وقوع الفعل موقع الحال في قولك: ما لك تفعل كذا، والمعنى: ما لك فاعلًا، كذلك يجوز وقوع حرف الجر موقعها، كما ذكر الكسائي، وسد مَسَدَّها، ألا ترى أنك تقول: خرجت في الثياب، كما تقول: خرجت لابسًا، فالظرف هاهنا يقع موقع الحال، فكذلك في الآية، فإذا كان ما ذكرناه من تقدير حرف الجر متجها (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وعلى الأقوال كلها (أن لا نقاتل (٢٩) ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ وقوله: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴾ ، كأنه (٣٠) ﴿ مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا ﴾ ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ ﴾ (٣١) (٣٢) وذهب المبرد في هذه الآية إلى غير ما ذهب إليه هؤلاء، وهو أنه قال: ما في هذه الآية جحدٌ لا استفهام، كأنه قيل: ما لنا ترك القتال، وعلى هذا سهل الأمر في دخول أن (٣٣) وقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا ﴾ ظاهرُ الكلام العموم وباطنه الخصوص؛ لأن الذين قالوا هذا لم يُخْرَجُوا من دِيَارِهم، ولكن إذا أُخْرِج بعضُهم جاز لكلهم أن يقولوا هذا، كما يقال: قتلناكم يوم ذي قار، وكما قال موسى بن جابر الحنفي (٣٤) ذهبتُم فلُذْتمُ بالأميرِ وقُلْتُم ...
تَرَكْنا أحَادِيثًا ولَحْمًا مُوضّعَا (٣٥) والذين قالوا هذا لم يكونوا بهذه الصفة، وعنوا بالإخراج من الديار: السبيَ والقهر (٣٦) (٣٧) وقوله تعالى: ﴿ وَأَبْنَائِنَا ﴾ أرادوا: أُفْرِدنا من أبنائنا بالتفريق بيننا بالسبي والقتل.
ومعنى الآية: أنهم أجابوا نبيَّهم بأن قالوا: إنما كنا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ وهم الذين عبروا النهر، ويأتي (٤٢) (٤٣) قال عطاء: وفي هذا تحريض للمهاجرين والأنصار، ووعيدٌ لمن تَخلَّفَ عن النبي في القتال (٤٤) ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ يريد: المشركين والمنافقين (٤٥) (١) البيت من الطويل، وهو بلا نسبة في "أساس البلاغة" 2/ 397 مادة: ملأ.
(٢) في (ش) ورؤًا.
(٣) ينظر في الملأَ: "تهذيب اللغة" 4/ 3437 - 3438، "المفردات" ص 474 - 475، "لسان العرب" 7/ 4252 - 4253.
(٤) في (ش) (مُلآة)، وقد كتبت الأولى والثانية في النسخ مِلآء ومُلآء.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 325 - 326، ولفظه: لأنهم مُلء بما يحتاج إليه منهم، وفي "تهذيب اللغة" 4/ 3438: س ملاء بما يحتاج إليه منهم.
(٦) ساقط من (ش).
(٧) أخرجه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 97، والطبري في "تفسيره" 2/ 596، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 463، واستبعده ابن كثير 1/ 322 قال: لا هذا كان بعد موسى بدهر طويل، وكان ذلك في زمان داود كما هو مصرح به في القصة.
وينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 352.
(٨) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 596، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 463.
(٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1334، وكذا يروى عن ابن إسحاق ووهب بن منبه فيما أخرج الطبري 2/ 595.
(١٠) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1335، والبغوي في "تفسيره" 1/ 296.
(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 596 - 597، وذكر الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1335.
(١٢) في (ي): عدوهم.
(١٣) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1339.
(١٤) ينظر: "السبعة" ص 186، "والنشر" 1/ 230.
(١٥) ساقط من (ي).
(١٦) "الحجة" لأبي علي 2/ 350.
(١٧) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 180، وتمام كلامه: (أن) هاهنا زائدة، كما زيدت بعد (فلما) و (ولما) و (ولو) فهي تزاد في هذا المعنى كثيرا، ومعناه: ما لنا لا نقاتل، فأعمل (أن) وهي زائدة كما قال: ما أتاني من أحد، فأعمل (من) وهي زائدة.
انتهى كلامه.
وفي "البحر المحيط" 2/ 256 رد مذهب الأخفش، ومذهب من قال: إن المعنى (ما لنا وأن نقاتل) فحذف الواو كما حكاه الطبري في "تفسيره" 2/ 600، فقال أبو حيان: وهذا ومذهب أبي الحسن ليس بشيء؛ لأن الزيادة والحذف على خلاف الأصل، ولا نذهب إليهما إلا لضرورة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم الزيادة والحذف.
وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 600: وأنكر ما قال هذا القائل من قوله الذي حكينا عنه آخرون، غير جائز أن تجعل (أن) زائدة في الكلام وهو صحيح في المعنى وبالكلام إليه الحاجة، قالوا: والمعنى: ما يمنعنا ألا نقاتل، فلا وجه لدعوى مدّع أن (أن) زائدة معنى مفهوم صحيح.
(١٨) في (ش): (أنَّ).
(١٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 163 - 164.
(٢٠) نقله عنه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 165، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1341.
(٢١) في (ي): (أي: أي شيء) وفي (ش): (أي أي لنا).
(٢٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 327.
(٢٣) من قوله: (موقعها ..) ساقط من (ش).
(٢٤) في (ش): (متحركًا).
(٢٥) من قوله: (أي ما ..) ساقط من (ي).
(٢٦) في "الإغفال": (لا نستحسن).
(٢٧) من قوله: (كما أن ..) ساقط من (ي).
(٢٨) من "الإغفال" ص 537 - 540 بتصرف واختصار.
(٢٩) في (ي) (لا تقاتلوا).
(٣٠) في (ش): (له).
(٣١) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 325، "تفسير الثعلبي" 2/ 1340، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 134، "التبيان" 147،"البحر المحيط" 2/ 256.
(٣٢) في "النوادر" ص 65، وينظر "الإغفال" ص 539، و"المخصص" 1/ 127، و"اللسان" 6/ 3228، و"التاج" 2/ 275، قال أبو زيد: الغروب: الدموع حين تخرج، وغربا العين: مقدمها ومؤخرها.
(٣٣) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 256.
(٣٤) هو: موسى بن جابر بن أرقم بن مسلمة أو سلمة بن عبيد الحنفي، شاعر مكثر من مخضرمي الجاهلية والإسلام، من أهل اليمامة، كان نصرانيًّا يقال له: أزيرق اليمامة، ويعرف بابن الفريعة.
ينظر: "النجوم الزاهرة" 2/ 231، "الأعلام" 7/ 320.
(٣٥) البيت ذكر في "ديوان الحماسة" 1/ 140.
(٣٦) في (ي): (القهر والسبي).
(٣٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1342، "تفسير البغوي" 1/ 297.
(٣٨) في (ي): (مالا).
(٣٩) في (م): (فلما).
(٤٠) في (ي) و (ش): (إذا).
(٤١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1342 - 1343، "تفسير البغوي" 1/ 297.
(٤٢) في (ي) (وسيأتي).
(٤٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1343، "تفسير البغوي" 1/ 297.
(٤٤) لعله من الرواية التي تقدم ذكرها في قسم الدراسة.
(٤٥) في (ي): (بالمشركين والمنافقين).
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ ﴾ رؤية قلب، وكانوا قوماً نالهم الذلة من أعدائهم، فطلبوا الإذن في القتال فلما أمروا به كرهوه ﴿ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ﴾ قيل اسمه شمويل، وقيل شمعون ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ ﴾ أي: قاربتم، وأراد النبي المذكور أن يتوثق منهم، ويجوز في السين من عَسِيتم الكسر والفتح، وهو أفصح ولذلك انفرد نافع بالكسر، وأما إذ لم يتصل بعسى ضمير فلا يجوز فيها إلاّ الفتح.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.
الباقون بالفتح.
وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.
﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط ﴾ ﴿ الله يبسط ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط ﴾ ﴿ فما اسطاعوا ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الباقون بالسكون.
﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.
الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.
الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .
الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.
التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.
قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.
وخير أقاويل الرجال سديدها.
قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.
والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.
لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.
منهم من قال: إن النبي هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.
والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.
وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.
والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.
﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.
وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.
وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.
ما تصنعون بالملك؟
فقالوا: نقاتل.
وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟
وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.
والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.
فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.
ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.
وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.
وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.
روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.
وههنا محذوف التقدير: فسأل الله ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.
﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.
﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.
وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.
قوله ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.
وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.
و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.
وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.
فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.
استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.
الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.
فعن وهب أنه كان دباغاً.
وعن السدي أنه كان مكارياً.
وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.
وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.
الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.
وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.
والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.
وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.
والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.
روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.
وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.
والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.
الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.
الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.
قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.
اعلم أن ظاهر قوله ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي .
ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله جائز.
ولهذا كثرت معجزات محمد ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.
ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.
فقيل: إن الله أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.
وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.
فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.
وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله رفعه بعد ما قبض موسى لسخطه على بني إسرائيل.
ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.
وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.
أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.
وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.
وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.
والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.
والجواب أن التحدي كان من النبي لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.
وأما البقية فبمعنى الباقية.
يقال: بقي من الشيء بقية.
والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.
وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.
وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.
وعن علي : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.
وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.
قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.
وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.
قال : ﴿ أدخلوا آل فرعون ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.
﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.
والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال : "الأرواح جنود مجندة" .
روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.
ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.
فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.
فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.
قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.
عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.
ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.
ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.
﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.
ومنه طعم الشيء لمذاقه.
واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟
فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.
حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.
وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.
ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.
ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.
والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.
عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.
ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.
فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.
يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.
والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.
قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.
وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.
ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.
ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.
والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.
فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.
وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.
فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.
والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.
يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.
وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.
عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.
والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.
﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله وأن يكون من قول الذين يظنون.
قوله ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.
واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .
والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.
أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.
ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.
فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟
فسكتوه.
فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟
فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.
فقال داود: فأنا خارج إليه.
وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.
ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.
قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.
﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.
وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.
ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.
قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.
وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.
وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟
فالجواب أنه أراد أن يذكر كيفية ترقي داود في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.
﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.
وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد ﴿ وقل ربي زدني علماً ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله ﴾ .
واعلم أن الله ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.
وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.
فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.
وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.
ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.
وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.
وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.
التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.
تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.
﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.
قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.
ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.
وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.
وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .
في هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ ﴾ ، دلالة إثبات رسالة محمد عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات؛ لأن القصة فيهم كانت ظاهرة في أهل الكتاب، ورسول الله لم يختلف إلى أحد منهم، ولا نظر إلى كتبهم، ثم أخبر على ما كان، دل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.
ثم فيه دلالة: أن كل نبي منهم كان إنما يشاور الأشراف من قومه والرؤساء منهم، وإليهم يصرف تدبير الأمور، ولا إلى السفلة منهم والرَّزالة.
وفيه دلالة أيضاً: أن الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، لم يكونوا يتولون الجهاد والقتال بأنفسهم، ولكن الملوك هم الذين يتولون ذلك.
ثم الملوك هم الراجعون إلى تدبير الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، في أمر الدين والآخرة، حيث سألوا (ملكاً) يقاتلون معه عدوهم.
ذكر أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وآخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فمضوا زماناً ليس لهم ملك يقاتل عدوهم، فقال النبي لهم، وهو من نسل هارون ابن عمران أخي موسى: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ ﴾ عدونا، فقال لهم نبيهم: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ﴾ اسختبار عن سؤالهم الذي سألوا، أحق هو أم شيء أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في سبيل الله، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك، وغاية رغبتهم فيها، ما لأجله كان السؤال، إن قالوا: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ﴾ ، من القتل، وأخذ الأموال وسبي الذراري.
﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ ﴾ ، أي: فرض، ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ ، من كراهية القتال والجهاد في سبيل الله.
وقيل: ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفراً لم يتولوا عما سألوا.
ثم قال لهم نبيهم.
قوله : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً ﴾ .
قيل: سمي "طالوتا" لطوله وقته.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ .
يتوجه مثل هذا الكلام وجهين: أحدهما: على الإنكار، فلا يحمل على الإنكار؛ لأنه كفر.
والثاني: على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكاً، لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك، ولا يولي إلا أحد رجلين: إما بالوارثة من الآباء، أو بالسعة في المال، لذلك قالوا: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ ، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال.
ثم بين لهم عز وجل أن جهة الاختيار ليس إليهم، وأن سبب الملك ليس ما ذكرنا دون غيره، بل الله عز وجل يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ذكروا بفضل علم وبفضل قوة، حيث قال: ﴿ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ﴾ .
قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة.
ثم يحتمل قوله: ﴿ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، علم الحرب والقتال.
ويحتمل: علم الأشياء الأخر على حفظ الرغبة وغيره.
قال الشيخ، رحمه الله ، في قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ : فهو - والله أعلم - لأي معنى جعل له الملك علينا؟
أو كيف يكون له الملك علينا، ونحن بظاهر الأسباب التي تحقق الملك أملك، فنكون بها أحق بالملك منه بين الله أن المعنى الذي له صار أحق بالملك منهم في ذلك الأمر.
والله أعلم.
والحرف ﴿ أَنَّىٰ ﴾ وإن كان مما يتعارف في الإنكار فليس هو كذلك في الحقيقة؛ إذ قد أخبرهم من هو نبي عندهم، ومن تقرر عنده نبوة أحد لا يحتمل تكذيبه إياه في هذا.
والله أعلم.
وقد يحتمل كون أهل النفاق فيهم، فيكون منهم الإنكار أيضاً كما كان أمثال ذلك في عهد رسول الله يؤيد سؤالهم الآية حتى قال: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ كذا.
والله أعلم.
ويؤيد ذلك كثرة مخالفتهم إياه لما امتحنوا بالنهر.
والله الموفق.
وفي هذا ونحو ذلك دلالة جواز الآيات بغير الرسل إذا كان فيهم تصديق الرسل، [وكذلك قصة مريم، وكذلك عمل صاحب سليمان، وغير ذلك مما جاء به الكتاب، لكن ذلك يجوز إذا كان منهم تصديق الرسول] فيكون في التحقيق كآيات لهم ظهرت على ألسن غيرهم أو أيديهم.
ومن أراد بها ادعاء الرسالة لنفسه فيعجز عن ذلك، بل لا يكرم الله بها من يعلم أنه يدعو إلى تصديق الكذب ومضاهاة الرسل.
وبهذا يجاب لمن يعارض بمن يتعلم القرآن، ثم يأتي موضعاً لا يعرف فيحتج به في نبوته، مع ما في ذلك أوجه تمنع الاحتجاج به من ذلك، بما فيه من الإخبار عن الأسئلة والأنباء عن أمور لا توجد هنالك - والله أعلم - بما لا يعلم أوله أنه من تعلم تقدم منه إلى من هو حجة له، أو عن وحي إليه، إذ لم يكن امتحن من قبل.
والحجة ما يخرج من المعتاد وحمل الطبيعة، يكرم بها وقت الدعوة بلا سبب سبق منه في مثله ولا عناية.
ولا قوة إلا بالله.
وبعد فإنه قد ظهر في جميع من لسانه ذلك اللسان ممن لا يطاق الدفع لمثله ولا إنكار وانتشر أمر الآتي به، فيظهر بذلك كذبه، ويفتضح عند الدعوى قبل المحنة والتأمل فيما جاء به إلا أن يأتي به من ليس ذلك لسانه، ولا معنى للاحتجاج به في أمثالهم.
والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .
﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، أي غني، يغني من يشاء ويعطيه، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ، بمن يصلح الملك.
وقوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
كأنهم سألوا نبيهم: ما آية مكله؟
فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة.
ذكر في القصة: أن التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت من بين أيديهم إلى العدو، ويستنصرون به على عدوهم.
وفيه سكينة، كأنها رأس هرة فإذا أن ذلك الرأس سمع التابوت أنين ذلك الرأس دف نحو العدو، وهم يمضون معه ما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه.
فلما هربت بنو إسرائيل وعصوا الأنبياء سلط الله عليهم عدوهم، وأخذوا منه التابوت لما سئموا وملوا، ثم رد عليهم بعد زمان طويل، وجعل ذلك آية من آيات ملك طالوت.
فلا ندري كيف كانت القصة.
ثم اختلف في قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، ريح هفافة، فيها صورة كوجه الإنسان.
وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهرة، لها جناحان، فإذا تصوتت عرفوا النصرة.
وقيل: السكينة: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.
وقيل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: في التابوت ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، أي طمأنينة من ربكم، كأن التابوت في أي مكان كان اطمأنوا إليه وسكنوا.
فلا ندري ما السكينة؟
سوى أننا عرفنا أن قلوبهم كانت تسكن إليه وتطمئن.
فليس لنا إلى معرفة (السكينة)، وكيفيتها حاجة.
وقوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .
قيل: "البقية" فيه رضاض الألواح - وهو كسرها - وثياب موسى، وثياب هارون.
وقيل: عصا موسى، وعصا هارون.
وقيل: (البقية) قفيز من مَنٍّ، وهو الترنجبين الذي كان يأكله بنو إسرائيل في أرض التيه.
وقيل: فيه سنة موسى وهارون، وعلمهما.
والله أعلم بذلك.
وفي الآية دليل جرى الآية على أيدي الأولياء، لما أعطى لطالوت آية لملكه تشبه آيات الأنبياء حيث أخبر أنه كان ﴿ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ﴾ \[هي القوة في داره، وهم كانوا لم يمروا ذلك وقت حمل الملائكة\] إياه، لكن تلك الآيات في الحاصل تكون للأنبياء يجريها الله على أيدي الأولياء إلا أن يكون للأولياء ذلك.
ثم من ادعى من الأولياء بتلك الآيات النبوة لنفسه يعجزه الله عن ذلك، ويخرج الآية من أن تصير آية له، نحو من أتى مدينة من المدائن التي لم يبلغ أهلها هذا القرآن، ولا عرفوه ولا سمعوا ذلك من أحد قط، فجعل يقرأ ذلك عليهم عن ظهر قلبه، وادعى بذلك رسالة لنفسه، أيسع أهل ذلك البلد أن يصدقوه فيما ادعى، أم لا؟
فإن لأصحابنا، رحمهم الله ، جوابان: أحدهما: بأن في القرآن ما يظهر به كذب هذا المدعي في دعوته من نحو قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ عن كذا، ومن نحو الأخبار، والحكايات، والقصص التي فيها مما لا يحتمل كونها إلا بتقدم أسباب فيكذبه ذلك، فلم يلزمهم تصديقه.
وبالله العصمة.
والثاني: قالوا: إذا ادعى ذلك به يعجزه الله عز وجل عن تلاوته، وإجرائه على لسانه، وادعاء ما ادعى بذلك.
وكأن هذا أقرب.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
ألم يبلغ علمك -أيها النبي- خبر الأشراف من بني إسرائيل بعد زمن موسى ، حين قالوا لنبي لهم: أقم لنا مَلِكًا نقاتل معه في سبيل الله، فقال لهم نبيهم: لعلكم إن فرض الله عليكم القتال ألا تقاتلوا في سبيل الله!
قالوا منكرين ظنه فيهم: أي مانع يمنعنا من القتال في سبيل الله مع وجود ما يقتضي ذلك منا؟
فقد أَخرجَنا أعداؤنا من أوطاننا، وأسروا أبناءنا، فنقاتل لاستعادة أوطاننا وتخليص أَسْرَانا، فلما فرض الله عليهم القتال أعرضوا إذ لم يوفّوا بما وعدوا به إلا قلة منهم، والله عليم بالظالمين المعرضين عن أمره، الناقضين لعهده، وسيجازيهم على ذلك.
<div class="verse-tafsir" id="91.6eWxl"
تقدم في تفسير ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ ﴾ أن القرآن لم يعين أولئك القوم ولا الزمان ولا المكان اللذين كانوا فيهما -يعنى على القول بأنها قصة واقعة لا ضرب مثل كما قال "عطاء"- ثم ذكر ههنا قصة أخرى عن بني إسرائيل فعين القوم، وذكر أنه كان لهم نبي، ولم يذكر اسمه، ولا الزمان ولا المكان اللذين حدثت فيهما القصة، ولكنه ذكر بعد ذلك اسم "طالوت" و "جالوت" و "داود".
يظن كثير من الناس الآن -كما ظن كثير ممن قبلهم- أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة، وليس القرآن تاريخًا ولا قصصًا، وإنما هو هداية وموعظة، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها، ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها، وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ ﴾ وبيان سنن الاجتماع كما قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾ وقال: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ﴾ وغير ذلك من الآيات.
والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة، فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة، ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها، فلا غرو أن يكون في هذه القصص التي يعظنا الله بها ويعلمنا سننه ما لا يعرفه الناس، لأنه لم يرو ولم يدون بالكتاب.
وقد اهتدى بعض المؤرخين الراقين في هذه الأزمنة إلى الاقتداء بهذا، فصار أهل المنزلة العالية منهم يذكرون من وقائع التاريخ ما يستنبطون منه الحكام الاجتماعية وهو المور الكلية، ولا يحفلون بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة، ولما في قراءتها من الإسراف في الزمن والإضاعة للعمر بغير فائدة توازنه، وبهذه الطريقة يمكن إيداع ما عرف من تاريخ العالم في مجلد واحد يوثق به ويستفاد منه، فلا يكون عرضه للتكذيب والطعن، كما هو الشأن في المصنفات التي تستقصي الوقائع الجزئية مفصلة تفصيلًا.
إن محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بإدخال ما يروون فيها على أنه بيان لها هي مخالفة لسننه، وصرف للقلوب عن موعظته.
وإضاعة لمقصده وحكمته، فالواجب أن نفهم ما فيه، ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه.
ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه، ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه، وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل إلينا بالتواتر الصحيح هو الحق وخبره هو الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب، فلا نعده شبهة على القرآن، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه، فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها، ولا تواتر يعتد به بالأولى، وإنما انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر كان يجب عليهم - لو أنصفوا - أن يؤرخوا به أجمعين.
فإن قيل: إن قصص العهدين العتيق والجديد التي يسمى مجموعها (الكتاب المقدس) هي وحي من الله شهد لها القرآن وهي تعارض بعض قصصه.
قلنا: أولًا:إن تلك الكتب ليس لها أسانيد متصلة متواترة.
وثانيًا:إن القرآن إنما أثبت أن الله تعالى أعطى موسى التوراة وهي الشريعة وأن أتباعه قد حفظوا منها نصيبًا ونسوا نصيبًا، وأنهم حرفوا النصيب الذي أوتوه، وأنه أعطى عيسى الإنجيل، وهو مواعظ وبشارة، وقال في أتباعه مثل ما قاله في اليهود ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾ ويجد القارئ تفصيل هذه الحقائق في الحقائق في تفسير سورة آل عمران والمائدة والأعراف بالنقول من تاريخ الفريقين.
بعد هذا نقول: إن وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق، وبذل المال في هذه السبيل، سبيل الله لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة، التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم.
وهذه القصة -قصة قوم من بني إسرائيل- تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون إليه، وعندهم شريعة تهديهم إذا استهدوا، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، فعلموا أن القتال ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال، فاستحقوا الخزي والنكال، فهذه القصة المفصلة فيها بيان لما في تلك القصة المجملة: فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم، واستيلاء العدو على ديارهم.
فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا مسبب عن خروجهم فارين بجبنهم، ولم تصرح بسبب إحيائهم الذي تراخت مدته، ولكن ما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه الله تعالى أضعافًا كثيرة، قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم، وجاءت هذه القصة الإسرائيلية تمثل العبرة فيه، وتفصل كيفية احتياج الناس إليه، إذ بينت أن هؤلاء الناس احتاجوا إلى مدافعة العادين عليهم، واسترجاع ديارهم وأبنائهم من أيديهم، واشتد الشعور بالحاجة حتى طلبوا من نبيهم الزعيم الذي يقودهم في ميدان الجلاد، وقاموا بما قاموا به من الاستعداد.
ولكن الضعف كان بلغ من نفوسهم مبلغًا لم تنفع معه تلك العدة، فتولوا وأعرضوا للأسباب التي أشير إليها، وألهم القليل منهم رشدهم واعتبروا فانتصروا.
قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ تقدم الكلام على هذا الضرب من الاستفهام في تفسير القصة السابقة لهذه.
"والملأ القوم يجتمعون للتشاور لا واحد له "قال البيضاوي وغيره.
وقال غيرهم: الملأ الأشراف من الناس.
وهو اسم للجماعة كالقوم والرهط والجيش وجمعه أملاء، سموا ملأ لأنهم يملأون العيون رواء والقلوب هيبة ﴿ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ وهذا النبي لم يسمه القرآن، وقال (الجلال) هو شمويل وهذا أقوى أقوال المفسرين.
وهو معرب صمويل أو صموئيل، وقيل إنه يوشع، وهذا من الجهل بالتاريخ فإن يوشع هو فتى موسى، والقصة حدثت في زمن داود والزمن بينهما بعيد، وبعث الملك عبارة عن إقامته وتوليته عليهم ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا ﴾ قرأ نافع وحده ﴿ عَسَيْتُمْ ﴾ بكسر السين وهي لغة غير مشهورة، والباقون بفتحها وهي اللغة المشهورة.
والمعنى هل قاربتم أن تحجموا عن القتال إن كتب عليكم كما أتوقع -أو- أأتوقع منكم الجبن عن القتال إن هو كتب عليكم؟
فعسى للمقاربة أو للتوقع ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ أي أي داع لنا يدعونا إلى أن لا نقاتل وقد وجد سبب القتال، وهو إخراجنا من ديارنا بإجلاء العدو إيانا عنها، وأفردنا عن أولادنا بسبيه إياهم واستعباده لهم؟
﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ ذلك أن الأمم إذا قهرها العدو ونكل بها يفسد بأسها، ويغلب عليها الجبن والمهانة.
فإذا أراد الله تعالى إحياءها بعد موتها بنفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون، فيعملون ما لا يعمل الأكثرون، كما علمت من تفسير قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ وما هو منك ببعيد، ولم يكن هؤلاء القوم قد استعد منهم للحياة إلا القليل.
وفي الآية من الفوائد الاجتماعية أن الأمم التي تفسد أخلاقها وتضعف قد تفكر في المدافعة عند الحاجة إليها وتعزم على القيام بها إذا توفرت شرائطها التي يتخيلونها على حد قول الشاعر: وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ثم إذا توفرت الشروط يضعفون ويجبنون، ويزعمون أنها غير كافية ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعًا عنها وحفاظًا لحقها، فهو يجزيهم وصفهم، فيكونون في الدنيا أذلاء مستضعفين، وفي الآخرة أشقياء معذبين.
﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ ﴾ .
طالوت هو الذي يسمونه (شاول) وقد سماه الله طالوت فهو طالوت.
أي أننا لا نعبأ بما في كتبهم لما قدمنا.
وإذا علم القارئ أن القوم لا يعرفون كاتب سفري صموئيل الأول والثاني من هو؟
ولا في أي زمن كتبا، فإنه يسهل عليه أن لا يعتد بتسميتهم.
وأما استنكارهم جعله ملكًا فقد صرحوا به وقالوا إن منهم من احتقره، ولكن أخبارهم لا تتصل بأسبابها، ولا تقرن بعللها، وقال المفسرين في استنكارهم لملكه وزعمهم أنهم أحق بالملك منه، إنه كان من أولاد بنيامين لا من بيت يهوذا، وهو بيت الملك، ولا من بيت لاوى وهو بيت النبوة، وفهم بعضهم من قوله ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ ﴾ أنه كان فقيرًا وقالوا كان راعيًا أو دباغًا أو سقاء.
ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيهم ملوك قبله، ونفيهم سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرًا وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس وهي أنهم يرون أن الملك لا بد أن يكون وراثًا للملك، أو ذا نسب عظيم يسهل على شرفاء الناس وعظمائهم الخضوع له، وذا مال عظيم يدبر به الملك، والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء، وإن لم يمتازوا عليهم بمعارفهم وصفاتهم الذاتية، فبيّن الله تعالى فيما حكاه عن نبيه في أولئك القوم أنهم مخطئون في زعمهم أن استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال بقوله.
﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ فسروا اصطفاه الله تعالى هنا بوحيه لذلك النبي أن يجعل طالوت ملكًا عليهم، ولعله لو كان هذا هو المراد لقال اصطفاه لكم كما قال: ﴿ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ ﴾ والمتبادر عندي أن معناه فضله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من الله، لأن هذه الأمور هي بيان لأسباب الاختيار وهي أربعة: الاستعداد الفطري.
السعة في العلم الذي يكون به التدبير.
بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر على قاعدة "العقل السليم في الجسم السليم" وللشجاعة والقدرة على المدافعة وللهيبة والوقار.
توفيق الله تعالى الأسباب له وهو ما عبر عنه بقوله ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ والاستعداد هو الركن الأول في المرتبة فلذلك قدمه، والعلم بحال الأمة ومواضع قوتها وضعفها، وجودة الفكر في تدبير شؤونها، هو الركن الثاني في المرتبة، فكم من عالم بحال زمانه غير مستعد للسلطة اتخذه من هو مستعد لها سراجًا يستضيء برأيه في تأسيس مملكة أو سياستها، ولم ينهض به رأيه إلى أن يكون هو السيد الزعيم فيها.
وكمال الجسم في قواه وروائه هو الركن الثالث في المرتبة وهو في الناس أكثر من سابقيه.
وأما المال فليس بركن من أركان تأسيس الملك، لأن المزايا الثلاث إذا وجدت سهل على صاحبها الإتيان بالمال.
وإنا لنعرف في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي، ولكن استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها وشجاعته كانت كافية للاستيلاء عليها والاستعانة بأهل العلم بالإدارة والشجعان على تمكين سلطته فيها.
وقد قدم الأركان الثلاثة على الرابع لأنها تتعلق بمواهب الرجل الذي اختير ملكًا فأنكر القوم اختياره فهي المقصودة بالجواب.
وأما توفيق الله تعالى بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها لسعيه فليس من مواهبه ومزاياه فتقدم في أسباب اختياره، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانًا للحقيقة، ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفًا له.
ولله در الشاعر العربي حيث قال صفات الجدير بالاختيار لزعامة الأمة وقيادتها: فقلدوا أمركم لله دركمو رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفًا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا وليس يشغله مال يثمره عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا ..."أي أن له سنة في تهيئة من يشاء للملك"...
ثم ختم بقوله تعالى ]] على طريقة القرآن في التنبيه على الدليل بعد الحكم والتذكير بأسمائه الحسنى وآثارها، أي واسع التصرف والقدرة إذا شاء أمرًا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة، عليم بوجوه الحكمة فلا يضع سننه في استحقاق الملك عبثًا، ولا يترك أمر العباد في اجتماعهم سدى، بل وضع لهم من السنن الحكمية ما هو منتهى الإبداع والإتقان، وليس في الإمكان أبدع مما كان.
هذا وقد جرى المفسرون على أن وجوه الرد على منكري جعل طالوت ملكًا أربعة وأحسن عبارة لهم على اختصارها عبارة البيضاوي قال: لما استعبدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك ...
(أولًا)بأن العمدة فيه اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.
(ثانيًا)بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو في مكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وقد زاده الله فيها، وقد كان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه.
(ثالثًا)بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء.
(رابعًا) بأنه ]] الفضل يوسع الفضل على الفقير ويغنيه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمن يليق بالملك وغيره.
<div class="verse-tafsir"