الآية ٢٤٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٧ من سورة البقرة

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًۭا ۚ قَالُوٓا۟ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةًۭ مِّنَ ٱلْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُۥ بَسْطَةًۭ فِى ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ ۖ وَٱللَّهُ يُؤْتِى مُلْكَهُۥ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌۭ ٢٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 144 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ي : لما طلبوا من نبيهم أن يعين لهم ملكا منهم فعين لهم طالوت وكان رجلا من أجنادهم ولم يكن من بيت الملك فيهم ; لأن الملك فيهم كان في سبط يهوذا ، ولم يكن هذا من ذلك السبط فلهذا قالوا : ( أنى يكون له الملك علينا ) أي : كيف يكون ملكا علينا ( ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال ) أي : ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك ، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقاء وقيل : دباغا .

وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنت وكان الأولى بهم طاعة وقول معروف ثم قد أجابهم النبي قائلا ( إن الله اصطفاه عليكم ) أي : اختاره لكم من بينكم والله أعلم به منكم .

يقول : لست أنا الذي عينته من تلقاء نفسي بل الله أمرني به لما طلبتم مني ذلك ( وزاده بسطة في العلم والجسم ) أي : وهو مع هذا أعلم منكم ، وأنبل وأشكل منكم وأشد قوة وصبرا في الحرب ومعرفة بها أي : أتم علما وقامة منكم .

ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه ثم قال : ( والله يؤتي ملكه من يشاء ) أي : هو الحاكم الذي ما شاء فعل ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون لعلمه [ وحكمته ] ورأفته بخلقه ; ولهذا قال : ( والله واسع عليم ) أي : هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: وقال للملأ من بني إسرائيل نبيهم شمويل: إن الله قد أعطاكم ما سألتم, وبعث لكم طالوت ملكا.

فلما قال لهم نبيهم شمويل ذلك، قالوا: أنى يكون لطالوت الملك علينا, وهو من سبط بنيامين بن يعقوب= وسبط بنيامين سبط لا ملك فيهم ولا نبوة= ونحن أحق بالملك منه, لأنا من سبط يهوذا بن يعقوب=" ولم يؤت سعة من المال "، يعني: ولم يؤت طالوت كثيرا من المال, لأنه سقاء= وقيل: كان دباغا.

* * * وكان سبب تمليك الله طالوت على بني إسرائيل، وقولهم ما قالوا لنبيهم شمويل: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال "، ما: - 5636- حدثنا به ابن حميد قال، حدثنا سلمة بن الفضل قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه قال: لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بالي ما قالوا له, سأل الله نبيهم شمويل أن يبعث &; 5-307 &; لهم ملكا, فقال الله له: انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك, (71) فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن, (72) فهو ملك بني إسرائيل, فادهن رأسه منه وملكه عليهم، وأخبره بالذي جاءه- (73) فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلا عليه.

(74) وكان طالوت رجلا دباغا يعمل الأدم, (75) وكان من سبط بنيامين بن يعقوب.

وكان سبط بنيامين سبطا لم يكن فيه نبوة ولا ملك.

فخرج طالوت في طلب دابة له أضلته، (76) ومعه غلام له.

فمرا ببيت النبي عليه السلام, فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا، فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير!

فقال طالوت.

ما بما قلت من بأس!

فدخلا عليه, فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما ويسألانه أن يدعو لهما فيها, إذ نش الدهن الذي في القرن, فقام إليه النبي عليه السلام فأخذه, ثم قال لطالوت: قرب رأسك!

فقربه, فدهنه منه، ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم!= وكان اسم " طالوت " بالسريانية: شاول (77) بن قيس بن &; 5-308 &; أبيال (78) بن ضرار (79) بن يحرب (80) بن أفيح بن آيس (81) بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم= فجلس عنده، وقال الناس: ملك طالوت!!

فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم وقالوا له: ما شأن طالوت يملك علينا، وليس في بيت النبوة المملكة ؟

قد عرفت أن النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا !

فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ .

5637- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل, عن عبد الكريم, عن عبد الصمد بن معقل, عن وهب بن منبه قال : قالت بنو إسرائيل لأشمويل: (82) ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله !

قال: قد كفاكم الله القتال !

قالوا: إنا نتخوف من حولنا، فيكون لنا ملك نفزع إليه !

فأوحى الله إلى أشمويل: أن ابعث لهم طالوت ملكا, وادهنه بدهن القدس.

فضلت حمر لأبي طالوت, (83) فأرسله وغلاما له يطلبانها, فجاءا إلى أشمويل يسألانه عنها, (84) فقال: إن الله قد بعثك ملكا على بني إسرائيل.

قال: أنا؟

قال: نعم!

قال: أو ما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟

(85) قال : بلى.

قال: أفما علمت أن قبيلتي أدنى قبائل سبطي؟!

قال: بلى!

قال: أما علمت أن بيتي أدنى بيوت قبيلتي؟

قال: &; 5-309 &; بلى!

قال: فبأية آية؟

قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره, وإذا كنت بمكان كذا وكذا نـزل عليك الوحي!

فدهنه بدهن القدس.

فقال لبني إسرائيل: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ".

5638- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط , عن السدي قال: لما كذبت بنو إسرائيل شمعون, (86) =وقالوا له: إن كنت صادقا، فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك.

قال لهم شمعون: عسى إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟

قَالُوا وَمَا لَنَا أَلا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية= دعا الله، فأتي بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا, فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها.

وكان طالوت رجلا سقاء يسقي على حمار له, فضل حماره, فانطلق يطلبه في الطريق.

فلما رأوه دعوه فقاسوه بها, فكان مثلها , فقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ".

قال القوم: ما كنت قط أكذب منك الساعة!

ونحن من سبط المملكة، وليس هو من سبط المملكة, ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك!

فقال النبي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ .

(87) 5639- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك , عن عمرو بن دينار, عن عكرمة قال: كان طالوت سقاء يبيع الماء.

5640- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: بعث الله طالوت ملكا , وكان من سبط بنيامين، سبط لم يكن فيهم &; 5-310 &; مملكة ولا نبوة.

وكان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة, وسبط مملكة.

وكان سبط النبوة سبط لاوي، إليه موسى = وسبط المملكة يهوذا، إليه داود وسليمان.

فلما بعث من غير سبط النبوة والمملكة، أنكروا ذلك وعجبوا منه وقالوا: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه "؟

قالوا: وكيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة !

فقال الله تعالى ذكره: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ .

5641- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا ، قال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا " .

قالوا: " أنى يكون له الملك علينا "؟

قال: وكان من سبط لم يكن فيهم ملك ولا نبوة, فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ .

5642- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا "، وكان في بني إسرائيل سبطان : سبط نبوة, وسبط خلافة، فلذلك قالوا: " أنى يكون له الملك علينا " ؟

يقولون: " ومن أين يكون له الملك علينا, وليس من سبط النبوة ولا سبط الخلافة "؟

قال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ .

5643- حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال، حدثنا عبيد بن سليمان, قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله: " أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا "، فذكر نحوه.

5644- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: لما قالت بنو إسرائيل لنبيهم: سل ربك أن يكتب علينا القتال!

فقال لهم ذلك النبي: هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ؟

الآية، قال: فبعث الله طالوت ملكا.

قال: وكان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط مملكة, ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا من سبط المملكة.

فلما بعث لهم &; 5-311 &; ملكا، أنكروا ذلك وعجبوا وقالوا: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال "؟

قالوا: وكيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا من سبط المملكة؟

فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ الآية.

5645- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: أما ذكر طالوت إذ قالوا: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال " ؟

فإنهم لم يقولوا ذلك إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان: كان في أحدهما النبوة, وكان في الآخر الملك، فلا يبعث إلا من كان من سبط النبوة, ولا يملك على الأرض أحد إلا من كان من سبط الملك.

وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين، واختاره عليهم، وزاده بسطة في العلم والجسم.

ومن أجل ذلك قالوا: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه "، وليس من واحد من السبطين؟

قال: ف إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ إلى: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ .

5646- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى الآية، هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإيمان, وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم =" فلما كتب عليهم القتال "، وذلك حين أتاهم التابوت.

قال: وكان من بني إسرائيل سبطان: سبط نبوة وسبط خلافة, فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة, ولا تكون النبوة إلا في سبط النبوة, = فقال لهم نبيهم: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه "، وليس من أحد السبطين: لا من سبط النبوة، ولا سبط الخلافة؟

قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ، الآية.

(88) * * * &; 5-312 &; وقد قيل: إن معنى " الْمُلْكُ" في هذا الموضع: الإمرة على الجيش.

* ذكر من قال ذلك: 5647- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا "، قال: كان أمير الجيش.

5648- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد بمثله= إلا أنه قال: كان أميرا على الجيش.

* * * قال أبو جعفر: وقد بينا معنى " أنى ", ومعنى " الملك "، فيما مضى, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

(89) * * * القول في تأويل قوله : قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إن الله اصطفاه عليكم "، قال نبيهم شمويل لهم: " إن الله اصطفاه عليكم "، يعني: اختاره عليكم، كما: - 5649- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: " اصطفاه عليكم "، اختاره.

(90) 5650- حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك : " إن الله اصطفاه عليكم "، قال: اختاره عليكم.

&; 5-313 &; 5651- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " إن الله اصطفاه عليكم "، اختاره.

* * * وأما قوله: " وزاده بسطة في العلم والجسم "، فإنه يعني بذلك أن الله بسط له في العلم والجسم, وآتاه من العلم فضلا على ما أتى غيره من الذين خوطبوا بهذا الخطاب.

وذلك أنه ذكر أنه أتاه وحي من الله، وأما " في الجسم ", فإنه أوتي من الزيادة في طوله عليهم ما لم يؤته غيره منهم.

كما: - 5652- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل, عن وهب بن منبه قال: لما قالت بنو إسرائيل: " أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم " .

قال: واجتمع بنو إسرائيل فكان طالوت فوقهم من منكبيه فصاعدا.

* * * وقال السدي: أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعصا تكون مقدارا على طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكا، فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا.

فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا مثلها.

فقاسوا طالوت بها فكان مثلها.

5653- حدثني بذلك موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي.

(91) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده " مع اصطفائه إياه " بسطة في العلم والجسم ".

يعني بذلك: بسط له مع ذلك في العلم والجسم.

* ذكر من قال ذلك: 5654- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم "، بعد هذا.

* * * &; 5-314 &; القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الملك لله وبيده دون غيره يؤتيه=" يؤتيه "، يقول: يؤتي ذلك من يشاء، فيضعه عنده ويخصه به, ويمنعه من أحب من خلقه.

(92) يقول: فلا تستنكروا، يا معشر الملإ من بني إسرائيل، أن يبعث الله طالوت ملكا عليكم، وإن لم يكن من أهل بيت المملكة, فإن الملك ليس بميراث عن الآباء والأسلاف, ولكنه بيد الله يعطيه من يشاء من خلقه, فلا تتخيروا على الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 5655- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه: " والله يؤتي ملكه من يشاء "، الملك بيد الله يضعه حيث شاء, ليس لكم أن تختاروا فيه.

5656- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج قال، مجاهد: ملكه سلطانه.

5657- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " والله يؤتي ملكه من يشاء "، سلطانه.

* * * وأما قوله: " والله واسع عليم "، فإنه يعني بذلك " والله واسع " بفضله فينعم به على من أحب, ويريد به من يشاء= (93) " عليم " بمن هو أهل لملكه الذي &; 5-315 &; يؤتيه, وفضله الذي يعطيه, فيعطيه ذلك لعلمه به, وبأنه لما أعطاه أهل: إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به.

(94) ----------- الهوامش : (71) القرن : قرن الثور وغيره ، وكأنه أراد هنا : القنينة التي يكون فيها الدهن والطيب ، وكأنهم كانوا يتخذونها من قرون البقر وغيرها ، وقد سموا المحجمة التي يحتجم بها"قرنا" ولم أجد هذا الحرف بهذا المعنى في كتب اللغة ، ولكنه صحيح كما رأيت .

(72) نش الماء ينش نشا : ونشيشا : صوت عند الغليان .

(73) في المخطوطة"بالذي حاه" غير منقوطة ، ولولا أن في المطبوعة ، صواب أيضًا ، لقلت إنها : "بالذي حباه الله" ، يعني الملك .

(74) هكذا جاءت هذه الجملة في المطبوعة والمخطوطة والدر المنثور 1 : 351 .

وأخشى أن تكون"متى" زائدة ، أو تكون"مأتى ذلك الرجل 00" .

(75) الأدم جمع أديم .

وهو جمع عزيز ، وقال سيبوله : هو اسم للجمع .

قال التوزي : "الجلد أول ما يدبغ فهو أديم ، فإذا رد في الدباغ مرة أخرى فهو اللديم" .

(76) يقال : أضله الأمر : إذا ذهب عنه وفارقه فلم يقدر عليه .

وهذا من عجيب العربية .

وفي المخطوطة : "أطلته" ، وهو خطأ ، والصواب ما في المطبوعة والدر المنثور .

(77) في المخطوطة والمطبوعة : "شادل" .

والصواب من التاريخ 1 : 247 ، والدر المنثور 1 : 315 ، وهو كذلك في كتاب القوم .

(78) (أبيئيل) في كتاب القوم .

(79) (صرور) في كتاب القوم .

(80) (بكورة) في كتاب القوم ، وفي التاريخ"بحرت" ، وكأنها الصواب .

(81) لم أجد في كتاب القوم ، وفي التاريخ (أيش) .

(82) في تاريخ الطبري 1 : 244"لأشمويل" ، وفيما سيأتي بعد"أشمويل" في سائر المواضع .

وكذلك في المخطوطة ، أما المطبوعة ، فكان فيما"لشمويل" ، وفي سائر المواضع"شمويل" فأثبيت ما في المخطوطة والتاريخ .

(83) في المطبوعة : " وضلت" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .

(84) في المخطوطة والمطبوعة : "فجاؤوا .

.

.

يسألونه عنها" ، والصواب ما في التاريخ كما أثبته .

(85) في المخطوطة والمطبوعة : " وما علمت" وأثبت ما في التاريخ ، وهو مقتضى السياق .

(86) انظر الأثر السالف : 5635 ، وما قبله في الاختلاف في اسم هذا النبي عليه السلام .

(87) الأثر : 5638- هو تتمة الأثر السالف : 5635 ، وهو في تاريخ الطبري بعلوله 1 : 242- 243 .

(88) الأثر : 5646- هو تتمة الأثر السالف : 5633 .

(89) انظر تفسير"أنى" فيما سلف 4 : 398- 416 ، وتفسير معنى"الملك" فيما سلف 1 : 148- 150 ، ثم 2 : 488 .

(90) انظر تفسير"الاصطفاء" فيما سلف 3 : 91 .

(91) الأثر : 5653- هو بعض الأثر السالف : 5638 .

(92) في المطبوعة : "ويمنحه من أحب..." ، وأثبت ما في المخطوطة .

(93) في المخطوطة : "فينعم له ، والصواب ما في المطبوعة : وفي المطبوعة : "ويريد به من يشاء" ، وفي المخطوطة : " ويريد فيه..." غير منقوطة وصواب قراءتها ما أثبت .

(94) في المخطوطة : "وإما لا نه" وبينهما بياض على قدر كلمة ، ولم أستطع أن أجد كلمة في البياض ، وتركت ما في المطبوعة على حاله ، وإن كنت لا أرضاه كل الرضى .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم قوله تعالى : وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا أي أجابكم إلى ما سألتم ، وكان طالوت سقاء .

وقيل : دباغا .

وقيل : مكاريا ، وكان عالما فلذلك رفعه الله على ما يأتي : وكان من سبط بنيامين ولم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الملك ، وكانت النبوة في بني لاوى ، والملك في سبط يهوذا فلذلك أنكروا .

قال وهب بن منبه : لما قال الملأ من بني إسرائيل لشمويل بن بال ما قالوا ، سأل الله تعالى أن يبعث إليهم ملكا ويدله عليه ، فقال الله [ ص: 224 ] تعالى له : انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن ، فهو ملك بني إسرائيل فادهن رأسه منه وملكه عليهم .

قال : وكان طالوت دباغا فخرج في ابتغاء دابة أضلها ، فقصد شمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا ، فنش الدهن على ما زعموا ، قال : فقام إليه شمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت ، وقال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى بتقديمه ، ثم قال لبني إسرائيل : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا .

وطالوت وجالوت اسمان أعجميان معربان ، ولذلك لم ينصرفا ، وكذلك داود ، والجمع طواليت وجواليت ودواويد ، ولو سميت رجلا بطاوس وراقود لصرفت وإن كانا أعجميين .

والفرق بين هذا والأول أنك تقول : الطاوس ، فتدخل الألف واللام فيمكن في العربية ولا يمكن هذا في ذاك .قوله تعالى : أنى يكون له الملك علينا أي كيف يملكنا ونحن أحق بالملك منه .

جروا على سنتهم في تعنيتهم الأنبياء وحيدهم عن أمر الله تعالى فقالوا : أنى أي من أي جهة ، ف " أنى " في موضع نصب على الظرف ، ونحن من سبط الملوك وهو ليس كذلك وهو فقير ، فتركوا السبب الأقوى وهو قدر الله تعالى وقضاؤه السابق حتى احتج عليهم نبيهم بقوله : إن الله اصطفاه أي اختاره وهو الحجة القاطعة ، وبين لهم مع ذلك تعليل اصطفاء طالوت ، وهو بسطته في العلم الذي هو ملاك الإنسان ، والجسم الذي هو معينه في الحرب وعدته عند اللقاء ، فتضمنت بيان صفة الإمام وأحوال الإمامة ، وأنها مستحقة بالعلم والدين والقوة لا بالنسب ، فلا حظ للنسب فيها مع العلم وفضائل النفس وأنها متقدمة عليه لأن الله تعالى أخبر أنه اختاره عليهم لعلمه وقوته ، وإن كانوا أشرف منتسبا .

وقد مضى في أول السورة من ذكر الإمامة وشروطها ما يكفي ويغني .

وهذه الآية أصل فيها .

قال ابن عباس : كان طالوت يومئذ أعلم رجل في بني إسرائيل وأجمله وأتمه ، وزيادة الجسم مما يهيب العدو .

وقيل : سمي طالوت لطوله .

وقيل : زيادة الجسم كانت بكثرة معاني الخير والشجاعة ، ولم يرد عظم الجسم ، ألم تر إلى قول الشاعر ( هو عباس بن مرداس ) :ترى الرجل النحيف فتزدريه وفي أثوابه أسد هصور [ ص: 225 ] ويعجبك الطرير فتبتليهفيخلف ظنك الرجل الطرير وقد عظم البعير بغير لبفلم يستغن بالعظم البعيرقلت : ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم لأزواجه : أسرعكن لحاقا بي أطولكن يدا فكن يتطاولن ، فكانت زينب أولهن موتا ؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق ، خرجه مسلم .

وقال بعض المتأولين : المراد بالعلم علم الحرب ، وهذا تخصيص العموم من غير دليل .

وقد قيل : زيادة العلم بأن أوحى الله إليه ، وعلى هذا كان طالوت نبيا ، وسيأتي .قوله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء ذهب بعض المتأولين إلى أن هذا من قول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم .

وقيل : هو من قول شمويل وهو الأظهر .

قال لهم ذلك لما علم من تعنتهم وجدالهم في الحجج ، فأراد أن يتمم كلامه بالقطعي الذي لا اعتراض عليه فقال الله تعالى : والله يؤتي ملكه من يشاء .

وإضافة ملك الدنيا إلى الله تعالى إضافة مملوك إلى ملك .

ثم قال لهم على جهة التغبيط والتنبيه من غير سؤال منهم : ( إن آية ملكه ) .

ويحتمل أن يكونوا سألوه الدلالة على صدقه في قوله : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا .

قال ابن عطية : والأول أظهر بمساق الآية ، والثاني أشبه بأخلاق بني إسرائيل الذميمة ، وإليه ذهب الطبري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ والله عليم بالظالمين وقال لهم نبيهم } مجيبا لطلبهم { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } فكان هذا تعيينا من الله الواجب عليهم فيه القبول والانقياد وترك الاعتراض، ولكن أبوا إلا أن يعترضوا، فقالوا: { أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال } أي: كيف يكون ملكا وهو دوننا في الشرف والنسب ونحن أحق بالملك منه.

ومع هذا فهو فقير ليس عنده ما يقوم به الملك من الأموال، وهذا بناء منهم على ظن فاسد، وهو أن الملك ونحوه من الولايات مستلزم لشرف النسب وكثرة المال، ولم يعلموا أن الصفات الحقيقية التي توجب التقديم مقدمة عليها، فلهذا قال لهم نبيهم: { إن الله اصطفاه عليكم } فلزمكم الانقياد لذلك { وزاده بسطة في العلم والجسم } أي: فضله عليكم بالعلم والجسم، أي: بقوة الرأي والجسم اللذين بهما تتم أمور الملك، لأنه إذا تم رأيه وقوي على تنفيذ ما يقتضيه الرأي المصيب، حصل بذلك الكمال، ومتى فاته واحد من الأمرين اختل عليه الأمر، فلو كان قوي البدن مع ضعف الرأي، حصل في الملك خرق وقهر ومخالفة للمشروع، قوة على غير حكمة، ولو كان عالما بالأمور وليس له قوة على تنفيذها لم يفده الرأي الذي لا ينفذه شيئا { والله واسع } الفضل كثير الكرم، لا يخص برحمته وبره العام أحدا عن أحد، ولا شريفا عن وضيع، ولكنه مع ذلك { عليم } بمن يستحق الفضل فيضعه فيه، فأزال بهذا الكلام ما في قلوبهم من كل ريب وشك وشبهة لتبيينه أن أسباب الملك متوفرة فيه، وأن فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، ليس له راد، ولا لإحسانه صاد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) وذلك أن إشمويل سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل له : إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر هذا القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل فادهن به رأسه وملكه عليهم وكان طالوت اسمه بالعبرانية شاول بن قيس من أولاد بنيامين بن يعقوب سمي طالوت لطوله وكان أطول من كل أحد برأسه ومنكبيه وكان رجلا دباغا يعمل الأديم قاله وهب وقال السدي : كان رجلا سقاء يسقي على حمار له من النيل فضل حماره فخرج في طلبه وقيل كان خربندجا وقال وهب : بل ضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاما له في طلبها فمر ببيت إشمويل فقال الغلام لطالوت : لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نش الدهن الذي في القرن فقام إشمويل عليه السلام فقاس طالوت بالعصا فكانت طوله فقال لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملكك عليهم فقال طالوت : أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل ؟

( قال بلى ) قال فبأي آية قال : بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك .

ثم قال لبني إسرائيل : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ( قالوا أنى يكون له الملك علينا ) أي من أين يكون له الملك علينا ( ونحن أحق ) أولى ( بالملك منه ) وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان : سبط نبوة وسبط مملكة فكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من أحدهما إنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا فغضب الله تعالى عليهم ونزع الملك والنبوة عنهم وكانوا يسمونه سبط الإثم فلما قال لهم نبيهم ذلك أنكروا عليه لأنه لم يكن من سبط المملكة ومع ذلك قالوا هو فقير ( ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه ) اختاره ( عليكم وزاده بسطة ) فضيلة وسعة ( في العلم والجسم ) وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته وقيل : إنه أتاه الوحي حين أوتي الملك وقال الكلبي : ( وزاده بسطة في العلم ) بالحرب وفي ( الجسم ) بالطول وقيل الجسم بالجمال وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم ( والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ) قيل : الواسع ذو السعة وهو الذي يعطي عن غنى والعليم العالم ، وقيل العالم بما كان والعليم بما يكون فقالوا له : فما آية ملكه؟

فقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فذلك قوله تعالى : ( وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنَى» كيف «يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه» لأنه ليس من سبط المملكة ولا النبوة وكان دباغا أو راعيا «ولم يؤت سعة من المال» يستعين بها على إقامة الملك «قال» النبي لهم «إن الله اصطفاه» اختاره للملك «عليكم وزاده بسطة» سعة «في العلم والجسم» وكان أعلم بني إسرائيل يومئذ وأجملهم وأتمهم خلقا «والله يؤتي ملكه من يشاء» إيتاءه لا اعتراض عليه «والله واسع» فضله «عليم» بمن هو أهل له.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال لهم نبيهم: إن الله قد أرسل إليكم طالوت مَلِكًا إجابة لطلبكم، يقودكم لقتال عدوكم كما طلبتم.

قال كبراء بني إسرائيل: كيف يكون طالوت مَلِكًا علينا، وهو لا يستحق ذلك؟

لأنه ليس من سبط الملوك، ولا من بيت النبوة، ولم يُعْط كثرة في الأموال يستعين بها في ملكه، فنحن أحق بالملك منه؛ لأننا من سبط الملوك ومن بيت النبوة.

قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم وهو سبحانه أعلم بأمور عباده، وزاده سَعَة في العلم وقوة في الجسم ليجاهد العدو.

والله مالك الملك يعطي ملكه مَن يشاء من عباده، والله واسع الفضل والعطاء، عليم بحقائق الأمور، لا يخفى عليه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين القرآن ما أخبرهم به نبيهم ليحملهم على الطاعة والامتثال فقال - تعالى - : ( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً ) .أي وقال لهم بعد أو أوحى إليه بما يوحى : إن الله - تعالى - وهو العليم الخبير بأحوال عباده قد بعث لكم ومن أجل مصلحتكم طالوت ليكون ملكاً عليكم ، وقائدا لكم في قتالكم لأعدائكم ، فأطيعوه واتبعوا ما يأمركم به .و ( طَالُوتَ ) اسم أعجمي قيل هو المسمى في التوراة باسم " شاول " وقيل إن هذا الاسم لقب له من الطول كملكوت من الملك ، لأن طالوت كان طويلا جسيما .ولقد كان الذي يقتضيه العقل أن يطيعوا أمر نبيهم ، ولكنهم لجوا في جدالهم وطغيانهم وقالوا لنبيهم معترضين على من اختراه الله قائدا لهم .

( أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال ) .( أنى ) أداة استفهام بمعنى كيف ، والاستفهام هنا للتعجب من جعل طالوت ملكاً عليهم .

أي قالوا لنبيهم منكرين ومتعجبين من اختيار طالوت ملكاً عليهم : كيف يكون له الملك علينا والحال أننا أحق بالملك منه لأننا أشرف منه نسباً ، إذ منا من هو نسل الملوك أما طالوت فليس من نسلهم ، وفضلا عن ذلك فهو لا يملك من المال ما يملكه بعضنا فكيف يكون هذا الشخص ملكاً علينا؟فأنت تراهم لانعدام المقاييس الصحيحة عندهم ظنوا أن المؤهلات الحقيقية لاستحقاق الملك والقيادة إنما تكون بالنسب وكثرة المال أما الكفاءة العقلية ، والقوة البدنية ، والقدرة الشخصية فلا قيمة لها عندهم لانطماس بصيرتهم ، وسوء تفكيرهم .قال بعضهم : " وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل وهو سبط لاوى بن يعقوب .

وسبط المملكة .

بسبط يهوذا ، ولم يكن طالوت من أحد هذين السبطين بل من ولد بنيامين .

والواو في قوله : ( وَنَحْنُ أَحَقُّ ) للحال ، والواو الثانية في قوله : ( وَلَمْ يُؤْتَ ) عاطفة جامعة للجملتين في الحكم .ثم حكى القرآن ما رد به نبيهم عليهم فقال : ( قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) .أي قال لهم نبيهم مدللا على أحقية طالوت بالقيادة : إن الله - تعالى - ( اصطفاه عَلَيْكُمْ ) أي اختاره وفضله عليكم واختياره يجب أن يقابل بالإِذعان والتسليم .

وثانيا : ( وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم ) أي أن الله - تعالى - منحه سعة في العلم والمعرفة والعقل والإِحكام في التفكير المستقيم لم يمنحها لكم ، وثالثاً : في ( والجسم ) بأن أعطاه جسماً قوياً ضخماً مهيباً .

وهذه الصفات ما وجدت في شخص إلا وكان أهلا للقيادة والريادة وفضلا عن كل ذلك فمالك الملك هو الذي اختاره فكيف تعترضون يا من تدعون أنكم تريدون القتال في سبيل الله؟

لذا نراه - سبحانه - يضيف الملك الحقيقي إليه فيقول : ( والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ) أي : يعطي ملكه لمن يشاء من عباده لحكمة يعلمها .

فلا يجوز لأحد أن يعترض على اختياره ، والله واسع الفضل والعطاء " عليم " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه لما بين في الآية الأولى أنه أجابهم إلى ما سألوا، ثم إنهم تولوا فبين أن أول ما تولوا إنكارهم إمرة طالوت، وذلك لأنهم طلبوا من نبيهم أن يطلب من الله أن يعين لهم ملكاً فأجابهم بأن الله قد بعث لهم طالوت ملكاً، قال صاحب الكشاف: طالوت اسم أعجمي، كجالوت، وداود وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطول لما وصف به من البسطة في الجسم، ووزنه إن كان من الطول فعلوت، وأصله طولوت، إلا أن امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربياً كما وافق حطة حنطة، وعلى هذا التقدير يكون أحد سببيه العجمة لكونه عبرانياً، ثم إن الله تعالى لما عينه لأن يكون ملكاً لهم أظهروا التولي عن طاعته، والإعراض عن حكمه، وقالوا: ﴿ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا ﴾ واستبعدوا جداً أن يكون هو ملكاً عليهم، قال المفسرون: وسبب هذا الاستبعاد أن النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من أسباط بني إسرائيل، وهو سبط لاوى بن يعقوب، ومنه موسى وهرون، وسبط المملكة، سبط يهوذا، ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين، بل كان من ولد بنيامين فلهذا السبب أنكروا كونه ملكاً لهم، وزعموا أنهم أحق بالملك منه، ثم أنهم أكدوا هذه الشبهة بشبهة أخرى، وهي قولهم: ولم يؤت سعة من المال، وذلك إشارة إلى أنه فقير، واختلفوا فقال وهب، كان دبّاغاً، وقال السدي: كان مكارياً، وقال آخرون، كان سقاء.

فإن قيل: ما الفرق بين الواوين في قوله: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ ﴾ وفي قوله: ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ ﴾ .

قلنا: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً، والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به، ثم إنه تعالى أجاب عن شبههم بوجوه: الأول: قوله: ﴿ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: معنى الآية أنه تعالى خصه بالملك والإمرة.

واعلم أن القوم لما كانوا مقرين بنبوة ذلك النبي، كان إخباره عن الله تعالى أنه جعل طالوت ملكاً عليهم حجة قاطعة في ثبوت الملك له لأن تجويز الكذب على الأنبياء عليهم السلام يقتضي رفع الوثوق بقولهم وذلك يقدح في ثبوت نبوتهم ورسالتهم، وإذا ثبت صدق المخبر ثبت أن الله تعالى خصه بالملك، وإذا ثبت ذلك كان ملكاً واجب الطاعة وكانت الاعتراضات ساقطة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ اصطفاه ﴾ أي أخذ الملك من غيره صافياً له، واصطفاه، واستصفاه بمعنى الاستخلاص، وهو أن يأخذ الشيء خالصاً لنفسه، وقال الزجاج: إنه مأخوذ من الصفوة، والأصل فيه اصتفى بالتاء فأبدلت التاء طاء ليسهل النطق بها بعد الصاد، وكيفما كان الاشتقاق فالمراد ما ذكرناه أنه تعالى خصه بالملك والإمرة، وعلى هذا الوجه وصف تعالى نفسه بأنه اصطفى الرسل ووصفهم بأنهم: المصطفون الأخيار ووصف الرسول بأنه المصطفى.

المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول: إن الإمامة موروثة، وذلك لأن بني إسرائيل أنكروا أن يكون ملكهم من لا يكون من بيت المملكة، فأعلمهم الله تعالى أن هذا ساقط، والمستحق لذلك من خصه الله تعالى بذلك وهو نظير قوله: ﴿ تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء  ﴾ .

الوجه الثاني: في الجواب عن هذه الشبهة قوله تعالى: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم ﴾ وتقرير هذا الجواب أنهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك الثاني: أنه فقير، والله تعالى بين أنه أهل للملك وقرر ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما: العلم والثاني: القدرة، وهذان الوصفان أشد مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين الأولين وبيانه من وجوه: أحدها: أن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية، والمال والجاه ليسا كذلك والثاني: أن العلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لجوهر نفس الإنسان والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان الثالث: أن العلم والقدرة لا يمكن سلبهما عن الإنسان، والمال والجاه يمكن سلبهما عن الإنسان والرابع: أن العلم بأمر الحروب، والقوي الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في حفظ مصلحة البلد، وفي دفع شر الأعداء أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا لم يكن له علم بضبط المصالح، وقدرة على دفع الأعداء، فثبت بما ذكرنا أن إسناد الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده إلى النسيب الغني ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم ﴾ وهذا يدل على أن العلوم الحاصلة للخلق، إنما حصلت بتخليق الله تعالى وإيجاده، وقالت المعتزلة هذه الإضافة إنما كانت لأنه تعالى هو الذي يعطي العقل ونصب الدلائل، وأجاب الأصحاب بأن الأصل في الإضافة المباشرة دون التسبب.

المسألة الثانية: قال بعضهم: المراد بالبسطة في الجسم طول القامة، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبه، وإنما سمي طالوت لطوله، وقيل المراد من البسطة في الجسم الجمال، وكان أجمل بني إسرائيل وقيل: المراد القوة، وهذا القول عندي أصح لأن المنتفع به في دفع الأعداء هو القوة والشدة، لا الطول والجمال.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قدم البسطة في العلم، على البسطة في الجسم، وهذا منه تعالى تنبيه على أن الفضائل النفسانية أعلى وأشرف وأكمل من الفضائل الجسمانية.

الوجه الثالث: في الجواب عن الشبهة قوله تعالى: ﴿ والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاء ﴾ وتقريره أن الملك لله والعبيد لله فهو سبحانه يؤتي ملكه من يشاء ولا اعتراض لأحد عليه في فعله، لأن المالك إذا تصرف في ملكه فلا اعتراض لأحد عليه في فعله.

الوجه الرابع: في الجواب قوله تعالى: ﴿ والله واسع عَلِيمٌ ﴾ وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه تعالى واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، والتقدير: أنتم طعنتم في طالوت بكونه فقيراً، والله تعالى واسع الفضل والرحمة، فإذا فوض الملك إليه، فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال، فالله تعالى يفتح عليه باب الرزق والسعة في المال.

والقول الثاني: أنه واسع، بمعنى موسع، أي يوسع على من يشاء من نعمه، وتعلقه بما قبله على ما ذكرناه والثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة، ويجيء فاعل ومعناه ذو كذا، كقوله: ﴿ عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ  ﴾ أي ذات رضا، وهم ناصب ذو نصب، ثم بين بقوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ أنه تعالى مع قدرته على إغناء الفقير عالم بمقادير ما يحتاج إليه في تدبير الملك، وعالم بحال ذلك الملك في الحاضر والمستقبل، فيختار لعلمه بجميع العواقب ما هو مصلحته في قيامه بأمر الملك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ طَالُوتَ ﴾ اسم أعجمي كجالوت وداود.

وإنما امتنع من الصرف لتعريفه وعجمته، وزعموا أنه من الطوال لما وصف به من البسطة في الجسم.

ووزنه إن كان من الطول (فعلوت) منه، أصله طولوت، إلا أنّ امتناع صرفه يدفع أن يكون منه، إلا أن يقال: هو اسم عبراني وافق عربياً، كما وافق حنطاء حنطة، وبشمالاها لها رحمانا رحيماً بسم الله الرحمن الرحيم، فهو من الطول كما لو كان عربياً، وكان أحد سببيه العجمة لكونه عبرانياً ﴿ أنى ﴾ كيف ومن أين، وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له.

فإن قلت، ما الفرق بين الواوين في ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ ﴾ ، ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ ﴾ ؟

قلت: الأولى للحال، والثانية لعطف الجملة على الجملة الواقعة حالاً، قد انتظمتهما معاً في حكم واو الحال.

والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بدّ للملك من مال يعتضد به.

وإنما قالوا ذلك لأنّ النبوّة كانت في سبط لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهوذا ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً.

وروي: أنّ نبيهم دعا الله تعالى حين طلبوا منه ملكاً، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت ﴿ قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ ﴾ يريد أنّ الله هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكم الله.

ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العلم المبسوط والجسامة.

والظاهر أنّ المراد بالعلم المعرفة بما طلبوه لأجله من أمر الحرب.

ويجوز أن يكون عالماً بالديانات وبغيرها.

وقيل: قد أوحي إليه ونبئ.

وذلك أنّ الملك لابد أن يكون من أهل العلم، فإنّ الجاهل مزدرى غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين جهارة لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب.

والبسطة: السعة والامتداد.

وروي أن الرجل القائم كان يمدّ يده فينال رأسه ﴿ يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ﴾ أي الملك له غير منازع فيه، فهو يؤتيه من يشاء: من يستصلحه للملك ﴿ والله واسع ﴾ الفضل والعطاء، يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بمن يصطفيه للملك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ طالُوتُ عَلَمٌ عِبْرِيٌّ كَداوُدَ وجَعَلَهُ فَعَلُوتًا مِنَ الطَّوْلِ تَعَسَّفَ يَدْفَعُهُ مَنعُ صَرْفِهِ، رُوِيَ أنَّ نَبِيَّهم  لَمّا دَعا اللَّهَ أنْ يُمَلِّكَهم أتى بَعْضًا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ ﴿ قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ﴾ مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ ويَسْتَأْهِلُ.

﴿ وَنَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ ﴾ والحالُ أنّا أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ وِراثَةً ومُكْنَةً وإنَّهُ فَقِيرٌ لا مالَ لَهُ يَعْتَضِدُ بِهِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ لِأنَّ طالُوتَ كانَ فَقِيرًا راعِيًا أوْ سَقّاءً أوْ دَبّاغًا مِن أوْلادٍ بِنْيامِينَ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمُ النُّبُوَّةُ والمُلْكُ، وإنَّما كانَتِ النُّبُوَّةُ في أوْلادِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ والمُلْكُ في أوْلادِ يَهُوذا وكانَ فِيهِمْ مِنَ السِّبْطَيْنِ خَلْقٌ.

﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ لَمّا اسْتَبْعَدُوا تَمَلُّكَهُ لِفَقْرِهِ وسُقُوطِ نَسَبِهِ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ.

أوَّلًا بِأنَّ العُمْدَةَ فِيهِ اصْطَفاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وقَدِ اخْتارَهُ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ مِنكُمْ، وثانِيًا بِأنَّ الشَّرْطَ فِيهِ وُفُورُ العِلْمِ لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ الأُمُورِ السِّياسِيَّةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ لِيَكُونَ أعْظَمَ خَطَرًا في القُلُوبِ، وأقْوى عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، لا ما ذَكَرْتُمْ.

وقَدْ زادَهُ اللَّهُ فِيهِما وكانَ الرَّجُلُ القائِمُ يَمُدُّ يَدَهُ فَيَنالُ رَأْسَهُ، وثالِثًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مالِكُ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ فَلَهُ أنْ يُؤْتِيَهُ مَن يَشاءُ، ورابِعًا أنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ ويُغْنِيهِ عَلِيمٌ بِمَن يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)

{وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ} هو اسم أعجمي كجالوت وداود ومنع من الصرف

البقرة (٢٤٧ _ ٢٤٨)

للتعريف والعجمة {مَلِكًا} حال {قَالُواْ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا} أي كيف ومن أين وهو إنكار لتملكه عليهم واستبعاد له {وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ} الواو للحال {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال} أي كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب عليه السلام والملك في سبط يهوذا وهو كان من سبط بنيامين وكان رجلاً سقاء أو دباغاً فقيراً وروي أنه نبيهم دعا الله حيث طلبوا منه ملكاً فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت {قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ} الطاء في اصطفاه بدل من التاء لمكان الصاد الساكنة أي اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكمه ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما العم المبسوط والجسامة فقال {وَزَادَهُ بَسْطَةً} مفعول ثانٍ {فِي العلم والجسم} قالوا كان أعلم بني إسرائيل بالحرب والديانات في وقته وأطول من كل إنسان برأسه ومنكبه والبسطة السعة والامتداد والملك لا بد أن يكون من أهل العلم فإن الجاهل ذليل مزدري غير منتفع به وأن يكون حسيما لأنه أعظم في النفوس وأهيب في القلوب {والله يُؤْتِى مُلْكَهُ مَن

يَشَاء} أي الملك له غير منازع فيه وهو يؤتيه من يشاء إيتاءه وليس ذلك بالوراثة {والله واسع} أى واسع الفضل والعطاء يوسع على من ليس له سعة من المال ويغنيه بعد الفقر {عَلِيمٌ} بمن يصطفيه للملك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ ﴾ شُرُوعٌ في التَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ؛ أيْ: قالَ بَعْدَ أنْ أُوحِيَ لَهم ما أُوحِيَ ﴿ إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ يُدَبِّرُ أمْرَكُمْ، وتُصْدِرُونَ عَنْ رَأْيِهِ في القِتالِ، و( طالُوتَ ) فِيهِ قَوْلانِ؛ أظْهَرُهُما: أنَّهُ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ عِبْرِيٌّ كَداوُدَ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وقِيلَ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مِنَ الطُّولِ، وأصْلُهُ: طَوَلُوتٌ كَرَهَبُوتٍ ورَحَمُوتٍ؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها، ومُنِعَ صَرْفُهُ حِينَئِذٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وشِبْهِ العُجْمَةِ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ، وأمّا ادِّعاءُ العَدْلِ عَنْ طَوِيلٍ والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبْرانِيٌّ وافَقَ العَرَبِيَّ؛ فَتَكَلُّفٌ، و( مَلِكًا ) حالٌ مِن ( طالُوتَ )، أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: أنَّ نَبِيَّهم لَمّا دَعا رَبَّهُ أنْ يُمَلِّكَهم أتى بِعَصا يُقاسُ بِها مَن يُمَلَّكُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يُساوِها إلّا طالُوتُ، وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أنَّهُ لَمّا دَعا اللَّهَ تَعالى؛ قالَ لَهُ: انْظُرِ القَرْنَ الَّذِي فِيهِ الدُّهْنُ في بَيْتِكَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي فِيهِ فَهو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، فادْهِنْ رَأْسَهُ مِنهُ، ومَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ، فَأقامَ يَنْتَظِرُ مَتى يَدْخُلُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ، وكانَ طالُوتُ رَجُلًا دَبّاغًا يَعْمَلُ الأُدُمَ، وقِيلَ: كانَ سَقّاءً، وكانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ _ عَلَيْهِ السَّلامُ _ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ نُبُوَّةٌ ولا مُلْكٌ، فَخَرَجَ طالُوتُ في ابْتِغاءِ دابَّةٍ لَهُ ضَلَّتْ، ومَعَهُ غُلامٌ، فَمَرّا بِبَيْتِ النَّبِيِّ، فَقالَ غُلامُ طالُوتَ لَهُ: لَوْ دَخَلْتَ بِنا عَلى هَذا النَّبِيِّ فَسَألْناهُ عَنْ أمْرِ دابَّتِنا؛ فَيُرْشِدَنا ويَدْعُوَ لَنا فِيها بِخَيْرٍ، فَقالَ طالُوتُ: ما بِما قُلْتَ مِن بَأْسٍ، فَدَخَلا عَلَيْهِ، فَبَيْنَما هو عِنْدَهُ يَذْكُرُ لَهُ شَأْنَ دابَّتِهِ، ويَسْألُهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُ إذْ نَشَّ الدُّهْنَ الَّذِي في القَرْنِ، فَقامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ فَأخَذَهُ، ثُمَّ قالَ لِطالُوتَ: قَرِّبْ رَأْسَكَ، فَقَرَّبَهُ فَدَهَنَهُ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: أنْتَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي أمَرَنِي اللَّهُ تَعالى أنْ أُمَلِّكَكَ عَلَيْهِمْ، فَجَلَسَ عِنْدَهُ وقالَ النّاسُ: مُلِّكَ طالُوتُ، فَأتَتْ عُظَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيَّهم مُسْتَغْرِبِينِ ذَلِكَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ ولا المُلْكِ ﴿ قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ، أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ؟

والِاسْتِفْهامُ حَقِيقِيٌّ أوْ لِلتَّعَجُّبِ، لا لِتَكْذِيبِ نَبِيِّهِمْ، والإنْكارِ عَلَيْهِ في رَأْيٍ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ المُلْكِ، و( يَكُونُ ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ النّاقِصَةَ، فَيَكُونَ الخَبَرُ ( لَهُ )، و( عَلَيْنا ) حالٌ مِنَ المُلْكِ، أوِ الخَبَرُ ( عَلَيْنا )، و( لَهُ ) حالٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التّامَّةَ، فَيَكُونَ ( لَهُ ) مُتَعَلِّقًا بِها، و(عَلَيْنا ) حالٌ ﴿ ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ ﴾ الواوُ الأُولى حالِيَّةٌ، والثّانِيَةُ عاطِفَةٌ جامِعَةٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ؛ أيْ: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا؟

والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ؛ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ مِنهُ، ولِعَدَمِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ المُلْكُ مِنَ المالِ، أوْ لِعَدَمِ ما يَجْبُرُ نَقْصَهُ لَوْ كانَ، ويُلْحِقُهُ بِالأشْرافِ عُرْفًا مِن ذَلِكَ، وأصْلُ سَعَةٍ وُسْعَةٌ بِالواوِ، وحُذِفَتْ لِحَذْفِها مِن ( يَسَعُ )، وكانَ حَقُّ الفِعْلِ كَسْرَ السِّينِ فِيهِ؛ لِيَتَأتّى الحَذْفُ كَما في ( يَعِدُ )، وإنَّما ارْتُكِبَ الفَتْحُ لِحَرْفِ الحَلْقِ، فَهو عارِضٌ؛ ولِذا أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ الكَسْرَةِ؛ ولِذَلِكَ الفَتْحِ فُتِحَتِ السِّينُ في المَصْدَرِ، ولَمْ تُكْسَرْ كَما كُسِرَتْ عَيْنُ عِدَةٍ ﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِأبْلَغِ وجْهٍ وأكْمَلِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْتَبْعِدُوا تَمَلُّكَهُ عَلَيْكم لِفَقْرِهِ وانْحِطاطِ نَسَبِهِ عَنْكُمْ؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ مَلاكَ الأمْرِ هو اصْطِفاءُ اللَّهِ تَعالى، وقَدِ اصْطَفاهُ واخْتارَهُ وهو سُبْحانُهُ أعْلَمُ بِالمَصالِحِ لَكُمْ، وأما ثانِيًا: فَلِأنَّ العُمْدَةَ وُفُورُ العِلْمِ؛ لِيُتَمَكَّنَ بِهِ مِن مَعْرِفَةِ الأُمُورِ السِّياسِيَّةِ، وجَسامَةُ البَدَنِ؛ لِيَكُونَ أعْظَمَ خَطَرًا في القُلُوبِ، وأقْوى عَلى كِفاحِ الأعْداءِ، ومُكابَدَةِ الحُرُوبِ، لا ما ذَكَرْتُمْ، وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِحَظٍّ وافِرٍ مِنهُما، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّهُ تَعالى مالِكُ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، ولِلْمالِكِ أنْ يُمَكِّنَ مَن شاءَ مِنَ التَّصَرُّفِ في مُلْكِهِ بِإذْنِهِ، وأما رابِعًا: فَلِأنَّهُ سُبْحانَهُ واسِعُ الفَضْلِ، يُوَسِّعُ عَلى الفَقِيرِ فَيُغْنِيَهِ، عَلِيمٌ بِما يَلِيقُ بِالمُلْكِ مِنَ النَّسِيبِ وغَيْرِهِ، وفي تَقْدِيمِ البَسْطَةِ في العِلْمِ عَلى البَسْطَةِ في الجِسْمِ إيماءٌ إلى أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الفَضائِلِ الجُسْمانِيَّةِ، بَلْ يَكادُ لا يَكُونُ بَيْنَهُما نِسْبَةٌ، لا سِيَّما ضَخامَةُ الجِسْمِ؛ ولِهَذا حَمَلَ بَعْضُهُمُ البَسْطَةَ فِيهِ هُنا عَلى الجَمالِ أوِ القُوَّةِ، لا عَلى المِقْدارِ كَطُولِ القامَةِ، كَما قِيلَ: إنَّ الرَّجُلَ القائِمَ كانَ يَمُدُّ يَدَهُ حَتّى يَنالَ رَأْسَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ كَمالًا لَكانَ أحَقُّ الخَلْقِ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ _  _، مَعَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ رَبْعَةً مِنَ الرِّجالِ،» ولَعَلَّ ذِكْرَ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّهُ صِفَةٌ تَزِيدُ المَلِكَ المَطْلُوبَ لِقِتالِ العَمالِقَةِ حُسْنًا؛ لِأنَّهم كانُوا ضِخامًا ذَوِي بَسْطَةٍ في الأجْسامِ، وكانَ ظِلُّ مَلِكِهِمْ جالُوتَ مِيلًا عَلى ما في بَعْضِ الأخْبارِ، لا أنَّها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي عُمْدَةٌ في المُلُوكِ مِن حَيْثُ هُمْ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن تَحَقَّقَ أنَّ المَرْءَ بِأصْغَرَيْهِ لا بِكِبَرِ جِسْمِهِ وطُولِ بُرْدَيْهِ وفِي اخْتِيارِ واسِعٌ وعَلِيمٌ في الإخْبارِ عَنْهُ تَعالى هُنا مَن حُسْنِ المُناسِبَةِ لِبَسْطَةِ الجِسْمِ، وكَثْرَةِ العِلْمِ ما تَهْتَشُّ لَهُ الخَواطِرُ، لا سِيَّما عَلى ما يَتَبادَرُ مِن بَسْطَةِ الجِسْمِ، وقِدَمِ الوَصْفِ الأوَّلِ، مَعَ أنَّ ما يُناسِبُهُ ظاهِرًا مُؤَخَّرٌ؛ لِأنَّ لَهُ مُناسَبَةَ مَعْنًى لِأوَّلِ الأخْبارِ؛ إذِ الِاصْطِفاءُ مِن سِعَةِ الفَضْلِ أيْضًا، ولِأنَّ ( عَلِيمٌ ) أوْفَقُ بِالفَواصِلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، يعني الرؤساء والقادة.

وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم.

وقال بعضهم: الناظر إذا نظر إليهم، امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم، وسبوهم، وأخرجوهم من ديارهم.

وكان رئيسهم جالوت، فلما اضطر المسلمون في ذلك جاءوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا-  - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ، يعني أشمويل: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكاً، يعني رجلاً ينتظم به أمرنا.

نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ف قالَ لهم أشمويل: هَلْ عَسَيْتُمْ.

قرأ نافع: هَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين، وقرأ الباقون: بالنصب، وهي اللغة المعروفة.

والأول لغة لبعض العرب هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا، يعني إذا بعث الله لكم ملكاً وفرض عليكم القتال، لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال.

قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يقول: كيف لا نقاتل في سبيل الله وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا.

فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، أي فرض عليهم القتال.

تَوَلَّوْا وتركوا القتال ولم يثبتوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني إن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال.

ثم بيّن لهم القصة بقوله: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه، وقد جعل لكم طالوت ملكاً وكان طالوت فيهم حقير الشأن، وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا.

ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك.

ويقال: كان رجلاً يبيع الخمر، ويقال: كان بقاراً، ويقال: كان دباغاً، ولكنه كان عالماً فرفعه الله بعلمه.

قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا، يعني المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟

لأن منا الملوك.

وَلَمْ يُؤْتَ طالوت سَعَةً مِنَ الْمالِ ينفق علينا.

والملك يحتاج إلى مال ينفق على جنوده وأعوانه.

قالَ لهم نبيهم-  -: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ، يعني اختاره عليكم وَزادَهُ بَسْطَةً، أي فضيلة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان رجلاً جسيماً وكان عالماً.

ويقال: كان عالماً بأمر الحرب.

وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

والواسع في اللغة: هو الغني.

ويقال: واسع بعطية الملك، عالم لمن يعطيه.

ويقال: واسع يعني باسط الرزق، عليم بمن يصلح له الملك.

فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه.

وقالوا له: إن كان الله تعالى أمرك بذلك، فأتنا بآية قال الله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت، وكان التابوت للمسلمين، فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر.

فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في مزبلة- أي في مخرأة لهم- فابتلاهم الله تعالى بالباسور.

ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت، وأصل الجذام من وقت أيوب-  - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل.

فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم، فذلك قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ يعني علامة ملكة أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ.

فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.

قال الكلبي: سكينة أي: طمأنينة، إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم بالظفر.

وقال مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان، فإذا صوَّتت، عرفوا أن النصر لهم.

ويقال: كانت جوهراً أحمر يسمع منه الصوت.

ويقال: كانت ريحاً تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت.

قوله تعالى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، يعني الرضاض من الألواح، وقفيز من منّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون قال الكلبي: وكان التابوت من عود الشمشار الذي يتخذ منه الأمشاط، فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور، عرفوا أن ذلك من التابوت، فقالوا: لعل إله بني إسرائيل الذي فينا، يعنون التابوت، هو الذي يفعل بنا هذا الفعل، فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة، وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما، وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل، فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم.

وذلك قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، يعني الملائكة ساقوا العجلة.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ، يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه.

قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفاً، فصاروا في حر شديد، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء.

ف قالَ لهم طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وهو بين الأردن وفلسطين وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصاً في نيته من غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال، لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر، يدخل الضعف والوهن في العسكر، لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون.

ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي، حتى أخبر طالوت قومه حيث قال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، يعني ليس معي على عدوي، إذا شرب بغير غرفة.

وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، يعني لم يشرب منه يعني غرفة.

فَإِنَّهُ مِنِّي، أي معي على عدوي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: غُرْفَةً بنصب الغين، وقرأ الباقون برفع الغين.

فمن قرأ بالنصب، يكون مصدر غرفة، أي مرة واحدة باليد.

ومن قرأ بالضم، هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل: الخَطوة والخُطوة.

قال بعض المفسرين: الغَرفة بكف واحدة والغُرفة بالكفين.

وقال بعضهم: كلاهما لغتان ومعناهما واحد.

فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش، وقفوا في النهر، فَشَرِبُوا مِنْهُ بغير غرفة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وروي عن رسول الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: «أَنْتُمْ عَلَى عَدَدِ المُرْسَلِينَ وَعَدَدِ قَوْمِ طَالوتَ ثَلاثمائةٍ وثلاثة عشر» ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا.

ويقال: قد ظهر على شفاههم علامة، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب، فردهم وأمسك المخلصين منهم.

فَلَمَّا جاوَزَهُ، يعني جاوز النهر.

هُوَ، يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودنوا إلى عسكر جالوت، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح.

قالُوا، أي المؤمنون: لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، لما رأوا من كثرتهم.

قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم.

ويقال: أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، وهم أهل العلم منهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، يعني كم من جند قليل، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً عدتهم بِإِذْنِ اللَّهِ، أي بنصر الله وأمره، إذا خلصت نيتهم، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة على عدوهم أي معينهم.

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، يقول: خرجوا واصطفوا لجالوت.

دعوا الله تعالى، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، أي أصبب علينا صبراً، معناه ارزقنا الصبر على القتال، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.

قال وكان داود-  - راعياً، وكان له سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم- وكان اسمه إيشا- أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج، مرَّ على حجر فقال له الحجر: خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرَّ بآخر فقال له: خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا، ثم مرَّ بثالث فقال له: خذني فأنا الذي أقتل جالوت، فأخذه وجعله في مخلاته فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال: من يبارزني؟

فلم يخرج إليه أحد.

ثم قال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق، لخرج إلي بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟

فقالوا له: اسكت.

فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته، فمر طالوت به وهو يحرض الناس، فقال له داود: وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

قال طالوت: أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي.

قال داود: فأنا أخرج إليه.

فأعطاه طالوت درعه وسيفه، فلما خرج في الدرع جرها، لأن طالوت كان أطول الناس، فرجع داود إلى طالوت وقال: إني لم أتعود القتال في الدرع، فرد الدرع إليه.

فقال له طالوت: فهل جربت نفسك؟

قال: نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين.

فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غير هذا؟

قال: نعم دخل أسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتها، فقال له: هذا أشد، ثم قال لَّهُ مَا اسمك؟

قال: داود بن إيشا.

فعرفه.

فرأى أنه أجلد إخوته، فأخذ قذافته وخرج.

فلما رآه جالوت قال: خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب؟

فقال له داود: وهل أنت إلا مثل الكلاب؟

قال الكلبي: وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل، فقال له جالوت: إما أن ترميني وإما أن أرميك.

فقال له داود: بل أنا أرميك.

ثم أخذ واحداً من الأحجار الثلاثة فرماه، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: صارت الأحجار كلها واحداً فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: رمى واحداً بعد واحد، فقتل جالوت وخلقاً كثيراً وهزمهم الله بإذنه، فذلك قوله عز وجل: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.

ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه، فقال له وزراؤه: إن دفعت إليه نصف ملكك، فيصير منازعاً لك في ملكك، ويفسد عليك الملك.

فامتنع من ذلك وأراد قتل داود-  - وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك، فتحول الملك كله إلى داود.

ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود.

فذلك قوله عز وجل: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، يعني ملك اثني عشر سبطاً وَالْحِكْمَةَ، يعني النبوة، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب.

وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين- عليهم السلام- ويدفع بالمؤمنين عن الكفار، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أي هلك أهلها.

ويقال: ولولا دفع الله جالوت بطالوت، لهلكت بنو إسرائيل كلهم.

ويقال: ولولا دفع الله البلايا بسبب المطيعين، لهلك الناس كما جاء في الأثر: لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صباً.

وروي عن الحسن أنه قال: لولا الصالحون لهلك الطالحون.

ويقال: لولا ما أمر الله المؤمنين بحرب الكفار، لفسدت الأرض بغلبة الكفار.

ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان، فينتفع بها أهل سائر البلدان وينتفع بعضهم ببعض، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض.

قرأ نافع هاهنا وَلَوْلاَ دِفَاع الله وفي الحج: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [الحج: 38] بالألف.

وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان.

ثم قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم.

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ وهو ما قصّ عليه من أخبار الأمم.

نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي ننزلها بقراءة جبريل عليك بِالْحَقِّ، أي بالصدق.

وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم.

وقال الزجاج تلك آيات الله، أي هذه الآيات التي أنبئت، أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته، إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون وإنك من هؤلاء المرسلين، لأنك قد أتيتهم بالعلامات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في هذين الاِسمَيْن أنْ يقْرَنَ أحدهما في الذِّكْر بالآخر ليكون ذلك أدلَّ على القدرة والحكمةِ ولهذا السببِ قال اللَّه تعالى: وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وإذا ذكرت «القابضَ» منْفرداً عن «البَاسِطِ» ، كنْتَ قد وصفته بالمَنْع والحرمانِ، وذلك غير جائز، وقوله: «المُعِزُّ المُذِلّ» ، وقد عرفْتَ أنه يجبُ في أَمثالِ هذَيْن ذكْرُ كل واحد منهما مع الآخر.

انتهى.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)

قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى ...

الآية: هذه الآية خَبَرٌ عن قوم من بني إِسرائيل نالتهم ذِلَّةٌ وغَلَبة عَدُوٍّ فطلبوا الإِذن في الجِهَاد، وأن يؤمروا به، فلمّا أمروا، كعّ أكثرهم «١» ، وصبر الأقلُّ، فنصرهم اللَّه، وفي هذا كلِّه مثالٌ للمؤمنين ليحذروا المَكْرُوه منْه ويقتدوا بالحسن.

والْمَلَإِ: في هذه الآية جميعُ القَوْم لأن المعنى يقتضيه، وهو أصل اللفظة، ويسمى الأشرافُ «المَلأَ» تشبيها، ومِنْ بَعْدِ مُوسى: معناه: مِنْ بعد موته، وانقضاء مدَّته.

وقوله تعالى: لِنَبِيٍّ لَهُمُ، قال ابن إِسحاق وغيره: هو شمويلُ بْن بَابِل «٢» .

وقال السدِّيُّ: هو شَمْعُونُ «٣» ، وكانت بنو إِسرائيل تغلِبُ من حاربها، وروي أنها

كانت تَضَعُ التابوتَ الذي فيه السكينةِ والبقيَّة في مَأْزِقِ الحرب، فلا تزال تَغْلِبُ حتى عصَتْ، وظهرتْ فيهم الأحداث، وخالف ملوكهم الأنبياء، واتَّبعوا الشَّهوات، وقد كان اللَّه تعالى أقام أمورهم بأنْ يكون أنبياؤهم يسدِّدون ملوكهم، فلما فعلوا ما ذكرناه، سلَّط اللَّه عليهم أُمماً من الكَفَرة، فغلَبُوهم، وأُخِذَ لهم التابوتُ في بعض الحُرُوب، فذلّ أمرهم.

وقال السُّدِّيُّ: كان الغالبُ لهم «جَالُوتَ» ، وهو من العمالقة، فلما رأوا أنه الاِصطلامُ، وذَهَابُ الذِّكْرِ، أَنِفَ بعضُهمْ وتكلَّموا في أمرهم «١» حتى اجتمع ملأهم على أنْ قالوا لنبيِّ الوَقْتِ: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً ...

الآية، وإِنما طلبوا مَلِكاً يقوم بأمر القتَال، وكانت المَمْلَكَة في سِبْطٍ من أسباط بني إِسرائيل يقال لهم: بَنُو يَهُوذا، فعلم النبيُّ بالوحْي، أنه ليس في بيْتِ المَمْلَكَة من يقوم بأمر الحَرْب، ويسَّر اللَّه لذلك طَالُوت، وقرأ جمهور النَّاسِ: «نُقَاتِلْ» بالنون وجزم اللام على جواب الأمر، وأراد النبيُّ المذكور- عليه السلام- أن يتوثَّق منهم، فوقفهم على جهة/ التّقرير، وسبر ما عندهم بقوله: ٦٢ أهَلْ عَسَيْتُمْ، ومعنى هذه المقالةِ، هل أنتم قريبٌ من التولِّي والفرار، إِن كُتِبَ عليكم القِتَالُ.

ص: لِنَبِيٍّ متعلِّق ب قالُوا، واللامُ معناها: التبليغُ.

انتهى.

ثم أخبر تعالى أنه لما فرض عليهم القتالَ، تولَّوْا، أي: اضطربت نياتهم، وفَتَرت عزائمهم، إلا قليلاً منهم، وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلَة إِلى الدَّعَة تتمنَّى الحرب أوقاتِ السَّعَة، فإِذا حَضَرت الحَرْب، كَعَّتْ، وعن هذا المعنى نهى النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدْوِّ، واسألوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فاثبتوا» «٢» .

ثم توعَّد سبحانه الظالمينَ في لَفْظ الخبر بقوله: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.

وقوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ...

الآية: قال وهب بن منبّه «٣» :

وكان طالوتُ رجلاً دبَّاغاً «١» ، وقال السُّدِّيُّ: سَقَّاءً «٢» ، وكان من سِبْط «بِنْيَامِينَ» ، وكان سبطاً لا نبوَّةَ فيه، ولا ملكَ، ثم إِن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وحادُوا عن أمر اللَّه، وجَرَوْا على سَنَنِهِمْ، فقالوا: أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ، أي: لم يؤت مالاً واسعاً، يجمع به نفوسَ الرجالِ، ويَغْلِبُ به أهْل الأَنَفَةِ.

قال ع «٣» : وترك القَوْمُ السَّببَ الأقوى، وهو قَدَرُ اللَّه وقضاؤُه السَّابقُ، وأنه مالكُ الملكِ فاحتج عليهم نبيُّهم بالحُجَّة القاطعة، وبيَّن لهم مع ذلك تعليلَ اصطفاء طالوتَ ببَسْطَته في العِلْمِ، وهو مِلاَكُ الإِنسان، والجِسْمِ الذي هو مُعِينُهُ في الحرب، وعُدَّتُهُ عند اللقاء، و «اصطفى» : مأخوذٌ من الصَّفْوة، والجمهورُ على أنَّ العلْم في هذه الآية يرادُ به العمومُ في المعارف، وقيل: المرادُ عِلْمُ الحرب، وأما جِسْمُهُ، فقال وهْبُ بنُ مُنَبِّهٍ: إِن أطْولَ رجُلٍ في بني إِسرائيل كان يَبْلُغ مَنْكِبَ طالوت «٤» .

ت: قال أبو عُبَيْد الهَرَوِيُّ: قوله: وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ، أي:

انبساطا وتوسُّعاً في العلْم، وطولاً وتماماً في الجسم.

انتهى من شرحه لِغَرِيبَيِ القُرآن وأحاديثِ النبيِّ عليه السلام.

ولما علم نبيُّهم- عليه السلام- تعنُّتهم وجدالَهم، تمَّم كلامه بالقَطْع الذي لا اعتراض عليه، وهو قوله: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ، وظاهر اللفظ أنه من قول نبيِّهم- عليه السلام-، وذهب بعض المتأوِّلين إِلى أنَّه من قول اللَّه تعالى لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، والأول أظهر، وواسِعٌ: معناه: وسعَتْ قدرته، وعلمه كلَّ شيْء، وأما قول النبيّ لهم: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ، فإِن الطبريَّ ذهب إِلى أن بني إِسرائيل تعنَّتوا، وقالوا لنبيِّهم: وما آية مُلْكِ طالُوتَ؟

وذلك على جهة سؤالِ الدَّلالة على صِدْقه في قوله: إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ.

قال ع: ويحتمل أنَّ نبيَّهم قال لهم ذلك على جهة التغليظِ والتنبيه على هذه النعمة الَّتي قرَنَها بمُلْكِ طَالُوت، دون تكْذيب منْهم لنبيِّهم، وهذا عندي أظهر من لفظ الآية، وتأويلُ الطبريِّ أشبهُ بأخلاقِ بني إِسرائيل الذميمةِ فإنّهم أهل تكذيب وتعنّت واعوجاج.

وقد حكى الطبريُّ معناه عن ابْنِ عَبَّاس وغيره «١» .

واختلف في كيفيَّة إِتيان التابُوتِ، فقال وهب: لما صار التابوتُ عند القومِ الذين غَلَبُوا بني إِسْرَائيل، وضَعُوه في كنيسة لهم فيها أصنامٌ، فكانت الأصنام تُصْبِحُ منكَّسة، فجعلوه في قرية قَوْمٍ، فأصاب أولئك القَوْم/ أوجاعٌ، فقالوا: ما هذا إلّا لهذا التابوت، ٦٢ ب فلنردَّه إِلى بني إِسرائيل، فأخذوا عَجَلَةً، فجعلوا التابُوتَ علَيْها، وربَطُوها ببقرتَيْن، فأرسلوهما في الأرضِ نَحْو بلادِ بَني إسرائيل، فبعث اللَّه ملائكَةً تَسُوقُ البقرتَيْنِ حتى دخَلَتَا به على بني إِسرائيل، وهم في أمر طَالُوتَ، فأيقنوا بالنَّصْر.

وقال قتادةُ، والربيعُ: كان هذا التابوتُ مما تركه موسى عنْد يُوشَعَ، فجعله يُوشَعُ في البريَّة، ومَرَّتْ علَيْه الدُّهُور حتى جاء وقْتُ طَالُوت، فحملَتْه الملائكةُ في الهَوَاء حتى وضعْته بينهم، فاستوثقت بنو إِسرائيل عند ذلك على طالوت «٢» ، وقيل غير هذا، واللَّه أعلم.

وقوله تعالى: فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ...

الآية: قال ابن عَبَّاس: السكينةُ طَسْتٌ من ذهَبٍ من الجَنَّة «٣» ، وقال مجاهدٌ: السكينة لها رأس كرأس الهِرَّة، وجنَاحَان، وذَنَب «٤» .

وقال عطاءٌ: السكينة ما يعرفونَ من الآياتِ، فيسكنون إِليها «٥» ، وقال قتادة: سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي: وقار لكم من ربِّكم «٦» .

قال ع: والصحيحُ أن التابوت كانَتْ فيه أشياء فاضلةٌ من بقايا الأنبياء وآثارهم، تَسْكُن إِلى ذلك النُّفُوس، وتأنس به، ثم قَرَّر تعالى أن مجيء التابوتِ آية لهم، إن كانوا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ الزَّجّاجُ: طالُوتُ، وجالُوتُ، وداوُدُ، لا تُصْرَفُ، لِأنَّها أسْماءٌ أعْجَمِيَّةٌ، وهي مَعارِفٌ، فاجْتَمَعَ فِيها التَّعْرِيفُ والعُجْمَةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (أنّى لَهُ المُلْكُ) مِن أيِّ جِهَةٍ يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما قالُوا ذَلِكَ، لِأنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ سِبْطانِ، في أحَدِهِما النُّبُوَّةُ، وفي الآَخَرِ المُلْكُ، فَلَمْ يَكُنْ هو مِن أحَدِ السِّبْطَيْنِ.

قالَ قَتادَةُ.

كانَتِ النُّبُوَّةُ في سِبْطِ لاوِي، والمُلْكُ في سِبْطِ يَهُوذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ ﴾ أيْ: لَمْ يُؤْتَ ما يَتَمَلَّكُ بِهِ المَلِكُ.

﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيِ: اخْتارَهُ، وهو "افْتَعَلَ" مِنَ الصَّفْوَةِ.

والبَسْطَةِ: السِّعَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو مِن قَوْلِكَ: بَسَطْتُ الشَّيْءَ: إذا كانَ مَجْمُوعًا، فَفَتَحْتُهُ، ووَسِعْتُهُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ طالُوتُ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ بِالحَرْبِ، وكانَ يَفُوقُ النّاسَ بِمَنكِبَيْهِ وعُنُقِهِ ورَأْسِهِ.

وهَلْ كانَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ قَبْلَ المُلْكِ، أمْ أحْدَثَتْ لَهُ بَعْدَ المُلْكِ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: قَبْلَ المُلْكِ، قالَهُ وهْبٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: بَعْدَ المُلْكِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والمُرادُ بِتَعْظِيمِ الجِسْمِ، فَضْلُ القُوَّةِ، إذِ العادَةُ أنَّ مَن كانَ أعْظَمَ جِسْمًا، كانَ أكْثَرَ قُوَّةً والواسِعُ: الغَنِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ ﴾ .

قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّهُ لَمّا قالَ المَلَأُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِشَمْوِيلَ بْنِ بالِي ما قالُوا، سَألَ اللهَ تَعالى أنْ يَبْعَثَ لَهم مَلِكًا ويَدُلَّهُ عَلَيْهِ، فَقالَ اللهُ تَعالى لَهُ: انْظُرْ إلى القَرْنِ الَّذِي فِيهِ الدُهْنُ في بَيْتِكَ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْكَ رَجُلٌ فَنَشَّ الدُهْنَ الَّذِي في القَرْنِ فَهو مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، فادْهُنْ رَأْسَهُ مِنهُ، ومَلِّكْهُ عَلَيْهِمْ.

قالَ: وكانَ طالُوتُ رَجُلًا دَبّاغًا، وكانَ مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، وكانَ سِبْطُهُ لا نُبُوَّةَ فِيهِ ولا مُلْكَ، فَخَرَجَ طالُوتُ في بِغاءِ دابَّةٍ لَهُ أضَلَّها، فَقَصَدَ شَمْوِيلَ عَسى أنْ يَدْعُوَ لَهُ في أمْرِ الدابَّةِ أو يَجِدَ عِنْدَهُ فَرَجًا فَنَشَّ الدُهْنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهو دُهْنُ القُدْسِ فِيما يَزْعُمُونَ.

قالَ: فَقامَ إلَيْهِ شَمْوِيلُ فَأخَذَهُ ودَهَنَ مِنهُ رَأسَ طالُوتَ، وقالَ لَهُ: أنْتَ مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي أمَرَنِي اللهُ بِتَقْدِيمِهِ، ثُمَّ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ إنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ ، وطالُوتُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.

وقالَ السُدِّيُّ: إنَّ اللهَ أرْسَلَ إلى شَمْعُونَ عَصًا، وقالَ لَهُ: مَن دَخَلَ عَلَيْكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَ عَلى طُولِ هَذِهِ العَصا فَهو مَلِكُهُمْ، فَقِيسَ بِها بَنُو إسْرائِيلَ فَكانَتْ تَطُولُهم حَتّى مَرَّ بِهِمْ طالُوتُ في بِغاءِ حِمارِهِ الَّذِي كانَ يَسْقِي عَلَيْهِ، وكانَ رَجُلًا سَقّاءً، فَدَعَوْهُ فَقاسُوهُ بِالعَصا، فَكانَ مِثْلَها، فَقالَ لَهم نَبِيُّهم ما قالَ.

ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَنَّتُوا وحادُوا عن أمْرِ اللهِ تَعالى، وجَرَوْا عَلى سُنَنِهِمْ، فَقالُوا: ﴿ أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ﴾ أيْ لِأنَّهُ لَيْسَ في بَيْتِ مَلِكٍ، ولا سَبَقَتْ لَهُ فِيهِ سابِقَةٌ، ولَمْ يُؤْتَ مالًا واسِعًا يَجْمَعُ بِهِ نُفُوسَ الرِجالِ حَتّى يَغْلِبَ أهْلَ الأنَفَةِ بِمالِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَرَكَ القَوْمُ السَبَبَ الأقْوى وهو قَدَرُ اللهِ وقَضاؤُهُ السابِقُ، وأنَّهُ مالِكُ المُلْكِ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ نَبِيُّهم عَلَيْهِ السَلامُ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وبَيَّنَ لَهم مَعَ ذَلِكَ تَعْلِيلَ اصْطِفاءِ طالُوتَ، وأنَّهُ بَسْطَةٌ في العِلْمِ، وهو مِلاكُ الإنْسانِ.

والجِسْمِ الَّذِي هو مُعِينُهُ في الحَرْبِ وعُدَّتُهُ عِنْدَ اللِقاءِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ سِبْطانِ - أحَدُهُما لِلنُّبُوَّةِ، والآخَرُ لِلْمُلْكِ، فَلا يُبْعَثُ نَبِيٌّ إلّا مِنَ الواحِدِ، ولا مَلِكٌ إلّا مِنَ الآخَرِ، فَلَمّا بُعِثَ طالُوتُ مِن غَيْرِ ذَلِكَ قالُوا مَقالَتَهم.

قالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى المُلْكِ في هَذِهِ الآيَةِ الإمْرَةُ عَلى الجَيْشِ ولَكِنَّهم قَلِقُوا لِأنَّ مِن عادَةِ مَن تَوَلّى الحَرْبَ وغَلَبَ أنْ يَسْتَمِرَّ مَلِكًا.

واصْطَفِي: افْتَعَلَ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَفْوَةِ.

وقَرَأ نافِعٌ "بَصْطَةً" بِالصادِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ "بَسْطَةً" بِالسِينِ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ العِلْمَ في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِ العُمُومُ في المَعارِفِ.

وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المُرادُ عِلْمُ الحَرْبِ.

وأمّا جِسْمُهُ فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّ أطْوَلَ رَجُلٍ في بَنِي إسْرائِيلَ كانَ يَبْلُغُ مَنكِبَ طالُوتَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعاد الفعل في قوله: ﴿ وقال لهم نبيهم ﴾ للدلالة على أن كلامه هذا ليس من بقية كلامه الأول، بل هو حديث آخر متأخر عنه وذلك أنه بعد أن حذرهم عواقب الحكومة الملكية وحذرهم التولي عن القتال، تكلم معهم كلاماً آخَرَ في وقت آخر.

وتأكيدُ الخبر بإنَّ إيذان بأن من شأن هذا الخبر أن يُتلقى بالاستغراب والشك، كما أنبأ عنه قولهم: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ .

ووقع في سفر صمويل في الإصحاح التاسع أنه لما صمم بنو إسرائيل في سؤالهم أن يعين لهم مِلكاً، صلى لله تعالى فأوحى الله إليه أنْ أجبْهم إلى كل ما طلبوه، فأجابهم وقال لهم: اذهبوا إلى مدنكم، ثم أوحى الله إليه صفة الملك الذي سيعينه لهم، وأَنه لقيه رجل من بنيامين اسمه شَاول بن قيس، فوجد فيه الصفة وهي أنه أطول القوم، ومسَحَهُ صمويلُ ملكاً على إسرائيل، إذْ صب على رأسه زيتاً، وقبَّله وجمع بني إسرائيل بعد أيام في بلد المصفاة وأحضره وعينه لهم ملكاً، وذلك سنة 1095 قبل المسيح.

وهذا الملك هو الذي سمي في الآية طالوت وهو شاول وطالوت لقبهُ، وهو وزن اسم مصدر من الطول، على وزن فعَلُوت مثل جَبَروت ومَلكوت ورَهَبوت ورغَبوت ورحموت، ومنه طاغوت أصله طَغَيُوت فوقع فيه قلب مكاني، وطالوت وصف به للمبالغة في طول قامته، ولعله جعل لقباً له في القرآن للإِشارة إلى الصفة التي عرف بها لصمويل في الوحي الذي أوحى الله إليه كما تقدم، ولمراعاة التنظير بينه وبين جالوت غريمه في الحرب، أو كان ذلك لقباً له في قومه قبلَ أن يؤتى الملك، وإنما يلقب بأمثال هذا اللقب من كان من العموم.

ووزن فَعَلوت وزن نادر في العربية ولعله من بقايا العربية القديمة السامية، وهذا هو الذي يؤذن به منعه من الصرف، فإن منعه من الصرف لا علة له إلاّ العلمية والعجمة، وجزم الراغب بأنه اسم عجمي ولم يُذكر في كتب اللغة لذلك ولعله عومل معاملة الاسم العجمي لمَّا جُعل علماً على هذا العَجمي في العربية، فعُجمته عارضة وليس هو عجمياً بالأصالة، لأنه لم يعرف هذا الاسم في لغة العبرانيين كداوود وشاوول، ويجوز أن يكون منعه من الصرف لمصيره بالإبدال إلى شبه وزن فاعُول، ووزنُ فاعول في الأعلام عجمي، مثل هاروت وماروت وشاوول وداوود، ولذلك منعوا قابوس من الصرف، ولم يعتدوا باشتقاقه من القبس، وكأنَّ عدول القرآن عن ذكره باسمه شاول لثقل هذا اللفظ وخفة طالوت.

وأَنَّى في قوله: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ بمعنى كيف، وهو استفهام مستعمل في التعجب، تعجبوا من جعل مِثله ملكاً، وكان رجلاً فلاحاً من بيت حقير، إلاّ أنه كان شجاعاً، وكان أطول القوم، ولما اختاره صمويل لذلك، فتح الله عليه بالحكمة، وتنبأ نبوءات كثيرة، ورضيت به بعض إسرائيل، وأباه بعضهم، ففي سفر صمويل أن الذين لم يرضَوا به هم بنو بليعال والقرآن ذكر أن بني إسرائيل قالوا: أنى يكون له الملك علينا وهو الحق؛ لأنهم لا بد أن يكونوا قد ظنوا أن مَلكهم سيكون من كبرائهم وقوادهم.

والسر في اختيار نبيئهم لهم هذا الملك أنه أراد أن تبقى لهم حالتهم الشورية بقدر الإمكان، فجعل مَلِكهم من عامتهم لا من سادتهم، لتكون قدمه في الملك غير راسخة، فلا يخشى منه أن يشتد في استعباد أمته، لأن الملوك في ابتداء تأسيس الدول يكونون أقرب إلى الخير لأنهم لم يعتادوا عظمة الملك ولم ينسوا مساواتَهم لأمثالهم، وما يزالون يتوقعون الخلع، ولهذا كانت الخلافة سُنَّةَ الإسلام، وكانت الوراثة مبدأ الملك في الإسلام، إذ عهد معاوية ابن أبي سفيان لابنه يزيد بالخلافة بعده، والظن به أنه لم يكن يسعه يومئذٍ إلاّ ذلك؛ لأن شيعة بني أمية راغبون فيه، ثم كانت قاعدة الوراثة للملك في دول الإسلام وهي من تقاليد الدول من أقدم عصور التاريخ، وهي سنة سيئة ولهذا تجد مؤسسي الدول أفضل ملوك عائلاتهم، وقواد بني إسرائيل لم يتفطنوا لهذه الحكمة لقصر أنظارهم، وإنما نظروا إلى قلة جدته، فتوهموا ذلك مانعاً من تمليكه عليهم، ولم يعلموا أن الاعتبار بالخلال النفسانية، وأن الغنى غنى النفس لا وفرة المال وماذا تجدي وفرته إذا لم يكن ينفقه في المصالح، وقد قال الراجز: قدني من نصر الخُبَيْبين قَدِي *** ليسَ الإمامُ بالشحيح المُلحد فقولهم: ﴿ ونحن أحق بالملك ﴾ جملة حالية، والضمير من المتكلمين، وهم قادة بني إسرائيل وجعلوا الجملة حالاً للدلالة على أنهم لما ذكروا أحقيتهم بالملك لم يحتاجوا إلى الاستدلال على ذلك؛ لأن هذا الأمر عندهم مسلم معروف، إذ هم قادة وعرفاء، وشاوول رجل من السوقة، فهذا تسجيل منهم بأرجحيتهم عليه، وقوله: ﴿ ولم يؤت سعة من المال ﴾ معطوفة على جملة الحال فهي حال ثانية.

وهذا إبداء مانع فيه من ولايته الملك في نظرهم، وهو أنه فقير، وشأن الملك أن يكون ذا مال ليكفي نوائب الأمة فينفق المال في العدد والعطاء وإغاثة الملهوف، فكيف يستطيع من ليس بذي مال أن يكون ملكاً، وإنما قالوا هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك؛ فإنهم رأوا الملوك المجاورين لهم في بذخة وسعة، فظنوا ذلك من شروط الملك.

ولذا أجابهم نبيئهم بقوله: ﴿ إن الله اصطفاه عليكم ﴾ رادّاً على قولهم: ﴿ ونحن أحق بالملك منه ﴾ فإنهم استندوا إلى اصطفاء الجمهور إياهم فأجابهم بأنه أرجح منهم لأن الله اصطفاه، وبقوله: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ راداً عليهم قولهم: ﴿ ولم يؤت سعة من المال ﴾ أي زاده عليكم بسطة في العلم والجسم، فأعلمهم نبيئهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي وقوة البدن؛ لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة، لا سيما في وقت المضائق، وعند تعذر الاستشارة أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش.

وقدم النبي في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم، قال أبو الطيب: الرأي قبلَ شجاعةِ الشجعان *** هو أَوَّلٌ وهي المحل الثاني فالعلم المراد هنا، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة، وقيل: هو علم النبوءة، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدوداً من أنبيائهم.

ولم يجبهم نبيئهم عن قوله: ﴿ ولم يؤت سعة من المال ﴾ اكتفاء بدلالة اقتصاره على قوله: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ فإنه ببسطة العلم وبالنصر يتوافر له المال؛ لأن «المال تجلبه الرعية» كما قال أرسططاليس، ولأن الملك ولو كان ذا ثروة، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة، وقد ولي على الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار، وغنى الأمة في بيت مالها ومنه تقوم مصالحها، وأرزاق ولاة أمورها.

والبسطة اسم من البسط وهو السعة والانتشار، فالبسطة الوفرة والقوة من الشيء، وسيجيء كلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ وزادكم في الخلق ﴾ في الأعراف (69).

وقوله: والله يؤتي ملكه من يشاء } يحتمل أن يكون من كلام النبي، فيكون قد رجع بهم إلى التسليم إلى أمر الله، بعد أن بين لهم شيئاً من حكمة الله في ذلك.

ويحتمل أن يكون تذييلاً للقصة من كلام الله تعالى، وكذلك قوله: ﴿ والله واسع عليم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ ﴾ قالَ وهْبٌ، والسُّدِّيُّ: إنَّما أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن سِبْطِ النُّبُوَّةِ، ولا مِن سِبْطِ المَمْلَكَةِ، بَلْ كانَ مِن أخْمَلِ سِبْطٍ في بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ ﴾ يَعْنِي زِيادَةً في العِلْمِ وعِظَمًا في الجِسْمِ.

واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ ذَلِكَ فِيهِ قَبْلَ المُلْكِ؟

فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، والسُّدِّيُّ: كانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ المُلْكِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: زِيادَةُ ذَلِكَ بَعْدَ المُلْكِ.

﴿ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ وفي واسِعٍ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: واسِعُ الفَضْلِ، فَحَذَفَ ذِكْرَ الفَضْلِ اكْتِفاءً بِدَلِيلِ اللَّفْظِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ كَبِيرٌ، بِمَعْنى كَبِيرِ القَدْرِ.

الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى مُوَسِّعِ النِّعْمَةِ عَلى مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى ذُو سَعَةٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في الآية قال: ذكر لنا- والله أعلم- أن موسى لما حضرته الوفاة استخلف فتاه يوشع بن نون على بني إسرائيل، وأن يوشع بن نون سار فيهم بكتاب الله التوراة وسنة نبيه موسى، ثم أن يوشع بن نون توفي واستخلف فيهم آخر، فسار فيهم بكتاب الله وسنة نبيه موسى، ثم استخلف آخر فسار فيهم بسيرة صاحبيه، ثم استخلف آخر فعرفوا وأنكروا، ثم استخلف آخر فأنكروا عامة أمره، ثم استخلف آخر فأنكروا أمره كله، ثم أن بني إسرائيل أتوا نبياً من أنبيائهم حين أوذوا في أنفسهم وأموالهم، فقالوا له: سل ربك أن يكتب علينا القتال.

فقال لهم ذلك النبي: ﴿ هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا...

﴾ الآية.

فبعث الله طالوت ملكاً، وكان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط مملكة، ولم يكن طالوت من سبط النبوّة ولا من سبط المملكة، فلما بعث لهم ملكاً أنكروا ذلك وقالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ فقال: ﴿ إن الله اصطفاه عليكم ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى...

﴾ الآية.

قال: هذا حين رفعت التوراة واستخرج أهل الإِيمان، وكانت الجبابرة قد أخرجتهم من ديارهم وأبنائهم، فلما كتب عليهم القتال وذلك حين أتاهم التابوت قال: وكان من بني اسرائيل سبطان سبط نبوّة وسبط خلافة، فلا تكون الخلافة إلا في سبط الخلافة، ولا تكون النبوّة إلا في سبط النبوّة ﴿ فقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ﴾ وليس من أحد السبطين، لا من سبط النبوّة ولا من سبط الخلافة ﴿ قال إن الله اصطفاه عليكم....

﴾ الآية فأبوا أن يسلموا له الرياسة حتى قال لهم ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ﴾ [ البقرة: 248] وكان موسى حين ألقى الألواح تكسرت ورفعه منها، وجمع ما بقي فجعله في التابوت، وكانت العمالقة قد سبت ذلك التابوت- والعمالقة فرقة من عاد كانوا بأريحا- فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت، فلما رأوا ذلك قالوا: نعم، فسلموا له وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم.

ويقولون: إن آدم نزل بذلك التابوت، وبالركن، وبعصا موسى من الجنة، وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية، وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن وهب بن منبه قال: خلف بعد موسى في بني إسرائيل يوشع بن نون يقيم فيهم التوارة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم كالب بن يوقنا يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه الله، ثم خلف فيهم حزقيل بن بورى وهو ابن العجوز، ثم أن الله قبض حزقيل وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث إليهم إلياس بن نسي بن فنحاص بن العيزار بن هرون بن عمران نبياً.

وإنما كانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى يبعثون إليهم بتجديد ما نسوا من التوراة، وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل يقال له أجان وكان يسمع منه ويصدقه، فكان إلياس يقيم له أمره، وكان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وجعلوا لا يسمعون منه شيئاً إلا ما كان من ذلك الملك، والملوك متفرقة بالشام كل ملك له ناحية منها يأكلها، فقال ذلك الملك لإِلياس: ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلاً، أرى فلان وفلاناً- يعدد ملوك بني إسرائيل- قد عبدوا الأوثان، وهم يأكلون ويشربون ويتنعمون ما ينقص من دنياهم، فاسترجع إلياس وقام شعره ثم رفضه وخرج عنه، ففعل ذلك الملك فعل أصحابه وعبد الأوثان.

ثم خلف من بعده فيهم اليسع فكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا وعندهم التابوت يتوارثونه كابراً عن كابر، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون، وكان لا يلقاهم عدو فيقدمون التابوت ويرجعون به معهم إلا هزم الله ذلك العدو، فلما عظمت أحداثهم وتركوا عهد الله إليهم، نزل بهم عدو فخرجوا إليه وأخرجوا معهم التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به فقوتلوا حتى استلب من أيديهم، فمرج أمرهم عليهم ووطئهم عدوهم حتى أصاب من أبنائهم ونسائهم، وفيهم نبي لهم يقال له شمويل، وهو الذي ذكره الله في قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم...

﴾ الآية.

فكلموه وقالوا ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ .

وإنما كان قوام بني اسرائيل الاجتماع على الملوك وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو يسير بالجموع والنبي يقوم له بأمره ويأتيه بالخبر من ربه، فإذا فعلوا ذلك صلح أمرهم، فإذا عتت ملوكهم وتركوا أمر أنبيائهم فسد أمرهم، فكانت الملوك إذا تابعتها الجماعة على الضلالة تركوا أمر الرسل، ففريقاً يكذبون فلا يقبلون منه شيئاً وفريقاً يقتلون، فلم يزل ذلك البلاء بهم حتى قالوا له ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله ﴾ فقال لهم: إنه ليس عندكم وفاء، ولا صدق، ولا رغبة في الجهاد.

فقالوا: إنا كنا نهاب الجهاد ونزهد فيه، إنا كنا ممنوعين في بلادنا لا يطأها أحد فلا يظهر علينا عدو، فأما إذا بلغ ذلك فإنه لا بد من الجهاد، فنطيع ربنا في جهاد عدونا ونمنع أبناءنا ونساءنا وذرارينا.

فلما قالوا له ذلك سأل الله شمويل أن يبعث لهم ملكاً.

فقال الله له: انظر القرن الذي فيه الدهن في بيتك، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن- فهو ملك بني إسرائيل- فادهن رأسه منه وملكه عليهم، فأقام ينتظر متى ذلك الرجل داخلاً عليه، وكان طالوت رجلاً دبَّاغاً يعمل الأدم، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان سبط بنيامين سبطاً لم يكن فيهم نبوة ولا ملك، فخرج طالوت في ابتغاء دابة له أضلته ومعه غلام، فمرا ببيت النبي عليه السلام فقال غلام طالوت لطالوت: لو دخلت بنا على هذا النبي فسألناه عن أمر دابتنا فيرشدنا ويدعو لنا فيها بخير.

فقال طالوت: ما بما قلت من بأس فدخلا عليه، فبينما هما عنده يذكران له شأن دابتهما ويسألانه أن يدعو لهما فيها إذ نش الدهن الذي في القرن، فقام النبي عليه السلام فأخذه، ثم قال لطالوت: قرب رأسك فقربه، فدهنه منه ثم قال: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم، وكان اسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أشال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أنس بن يامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فجلس عنده وقال: الناس ملك طالوت.

فأتت عظماء بني إسرائيل نبيهم فقالوا له: ما شأن طالوت تملك علينا وليس من بيت النبوة ولا المملكة، قد عرفت أن النبوة والملك في آل لاوي وآل يهوذا؟!

فقال لهم ﴿ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من وجه آخر عن وهب بن منبه قال: قالت بنو إسرائيل لشمويل: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال: قد كفاكم الله القتال.

قالوا: إنا نتخوف من حولنا فيكون لنا ملك نفزع إليه، فأوحى الله إلى شمويل: أن ابعث لهم طالوت ملكاً، وادهنه بدهن القدس.

وضلت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاماً له يطلبانها، فجاؤوا إلى شمويل يسألونه عنها فقال: إن الله قد بعثك ملكاً على بني إسرائيل.

قال: أنا؟!

قال: نعم.

قال: وما علمت أن سبطي ادنى أسباط بني إسرائيل؟

قال: بلى.

قال: فبأي آية؟

قال: بآية أن ترجع وقد وجد أبوك حمره، فدهنه بدهن القدس فقال لبني إسرائيل ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً قالوا أنى يكون له الملك...

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ﴾ قال: شمؤل.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال: هو يوشع بن نون.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عمرو بن مرة عن أبي عبيدة ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ﴾ قال: هو الشمول ابن حنة بن العاقر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة جالوت، وأنهم ظهروا على بني إسرائيل فضربوا عليهم الجزية وأخذوا توراتهم، وكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبياً يقاتلون معه، وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلا امرأة حبلى، فأخذوها فحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدله بغلام لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت تدعو الله أن يرزقها غلاماً، فولدت غلاماً فسمته شمعون.

فكبر الغلام فاسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبناه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبياً أتاه جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحداً غيره، فدعاه بلحن الشيخ يا شماؤل، فقام الغلام فزعاً إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني؟

فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع الغلام، فقال: يا بني ارجع فنم.

فرجع فنام، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال: دعوتني؟

فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني.

فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال: اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، فإن الله قد بعثك فيهم نبياً، فلما أتاهم كذبوه وقالوا: استعجلت بالنبوة ولم يأن لك، وقالوا: إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله آية نبوتك.

فقال لهم شمعون: عسى أن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا ﴿ قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله...

﴾ الآية.

فدعا الله فأتي بعصا تكون على مقدار طول الرجل الذي يبعث فيهم ملكاً.

فقال: إن صاحبكم يكون طوله طول هذه العصا.

فقاسوا أنفسهم بها فلم يكونوا مثلها.

وكان طالوت رجلاً سقاء يسقي على حمار له، فضلّ حماره، فانطلق يطلبه في الطريق، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها.

فقال لهم نبيهم ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ قال القوم: ما كنت قط أكذب منك الساعة، ونحن من سبط المملكة وليس هو من سبط المملكة، ولم يؤت سعة من المال فنتبعه لذلك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ قالوا: فإن كنت صادقاً فأتنا بآية ان هذا ملك.

قال: ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت...

﴾ [ البقرة: 248] الآية.

فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون وسلموا بملك طالوت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة قال: كان طالوت سقاء يبيع الماء.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿ قالوا أنى يكون له الملك علينا ﴾ قال: لم يقولوا ذلك، إلا أنه كان في بني إسرائيل سبطان كان في أحدهما النبوة وفي الآخر الملك، فلا يبعث نبي إلا من كان من سبط النبوة، ولا يملك على الأرض أحد إلا من كان من سبط الملك، وأنه ابتعث طالوت حين ابتعثه وليس من أحد السبطين ﴿ قال إن الله اصطفاه ﴾ يعني اختاره عليكم.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك في قوله: ﴿ أنى ﴾ يعني من أين.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك عن ابن عباس ﴿ وزاده بسطة ﴾ يقول: فضيلة ﴿ في العلم والجسم ﴾ يقول: كان عظيماً جسيماً يفضل بني إسرائيل بعنقه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه في قوله: ﴿ وزاده بسطة في العلم ﴾ قال: العلم بالحرب.

وأخرج ابن جرير عن وهب في قوله: ﴿ والجسم ﴾ قال: كان فوق بني إسرائيل بمنكبيه فصاعداً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ والله يؤتي ملكه من يشاء ﴾ قال: سلطانه.

وأخرج ابن المنذر عن وهب أنه سئل أنبي كان طالوت؟

قال: لا، لم يأته وحي.

وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ يعني ألم تخبر يا محمد عن الملأ ﴿ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ﴾ اشمويل ﴿ ابعث لنا ملكاً نقاتل ﴾ إلى قوله: ﴿ وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ﴾ يعني أخرجتنا العمالقة، وكان رأس العمالقة يومئذ جالوت، فسأل الله نبيهم أن يبعث لهم ملكاً.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى ﴾ قال: هم الذين قال الله: ﴿ ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ [ النساء: 77] .

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ نحن أحق بالملك منه ﴾ قال: لأنه لم يكن من سبط النبوة ولا من سبط الخلافة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: بعث الله لهم طالوت ملكاً وكان من سبط لم تكن فيه مملكة ولا نبوة، وكان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة، فكان سبط النبوة سبط لاوي، وكان سبط المملكة سبط يهوذا، فلما بعث طالوت من غير سبط النبوة والمملكة أنكروا ذلك وعجبوا منه و ﴿ قالوا أنى يكون له الملك علينا ﴾ قالوا: كيف يكون له الملك علينا وليس من سبط النبوة ولا المملكة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل له ضرتان، وكانت إحداهما تلد والأخرى لا تلد، فاشتد على التي لا تلد فتطهرت، فخرجت إلى المسجد لتدعو الله فلقيها حكم بني اسرائيل- وحكماؤهم الذين يدبرون أمورهم- فقال: أين تذهبين؟

قالت: حاجة لي إلى ربي.

قال: اللهم اقض لها حاجتها فعلقت بغلام وهو الشمول، فلما ولدت جعلته محرراً، وكانوا يجعلون المحرر إذا بلغ السعي في المسجد يخدم أهله، فلما بلغ الشمول السعي دفع إلى أهل المسجد يخدم، فنودي الشمول ليلة، فأتى الحكم فقال: دعوتني؟

فقال: لا، فلما كانت الليلة الأخرى دعي، فأتى الحكم فقال: دعوتني؟

فقال: لا، وكان الحكم يعلم كيف تكون النبوة فقال: دعيت البارحة الأولى؟

قال: نعم.

قال: ودعيت البارحة؟

قال: نعم.

قال: فإن دعيت الليلة فقل لبيك وسعديك والخير في يديك والمهدي من هديت، أنا عبدك بين يديك مرني بما شئت.

فأوحي إليه، فأتى الحكم فقال: دعيت الليلة؟

قال: نعم، وأوحي إلي.

قال: فذكرت لك بشيء؟

قال: لا عليك أن لا تسألني.

قال: ما أبيت أن تخبرني إلا وقد ذكر لك شيء من أمري، فألح عليه وأبى أن يدعه حتى أخبره.

فقال: قيل لي: إنه قد حضرت هلكتك وارتشى ابنك في حكمك، فكان لا يدبر أمراً إلا انتكث ولا يبعث جيشاً إلا هزم، حتى بعث جيشاً وبعث معهم بالتوراة يستفتح بها فهزموا، وأخذت التوراة فصعد المنبر وهو آسف غضبان، فوقع فانكسرت رجله أو فخذه فمات من ذلك، فعند ذلك قالوا لنبيهم: ابعث لنا ملكاً وهو الشمول بن حنة العاقر.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ﴾ أي: قد أجابكم إلى ما سألتم، من بَعْثِ الملكِ يُقَاتِل وتُقَاتلون معه، وكان طالوتُ رجلًا دبَّاغًا، يعمل الأدم، وكان من أدنى بيوت بني إسرائيل، وكان من سبط بنيامن، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة، ولذلك أنكروا مُلكه (١) ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ﴾ أي: لم يؤت ما يتملك به الملوك ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ﴾ اختصه بالملك ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ (٢) قال ابن عباس: كان طالوتُ يومئذ أعلمَ رجلٍ في بنى إسرائيل وأجمله وأتمه (٣) والبسطة: الزيادة في كل شيء، ويسمى طول القامة: بَسْطَةً.

والزيادة في المال والعلم وفي كل شيء: بسطة (٤) وقال الكلبي: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ بالحرب (٥) ﴿ وَالْجِسْمِ ﴾ يعني: بالطول.

وكان يفوقُ الناسَ برأسه ومنكبه (٦) (٧) ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ قيل في الواسع ثلاثة أقوال: أحدها: أنه واسع الفضل والرزق والرحمة، وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير وعظيم (١٠) (١١) (١٢) والثاني: أنه واسع بمعنى: مُوَسِّع، أي: يوسع على من يشاء (من عباده) (١٣) (١٤) ﴿ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ معناه: يوسع على من يشاء، ويعلم أين ينبغي أن تكون السعة.

الثالث: أنه واسع بمعنى ذو سعة (١٥) (١٦) ﴿ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ  ﴾ أي ذات رضى، وهمّ ناصب: ذو نصب، فلما قال لهم النبي ذلك، قالوا له: لا نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك تريد أن تحمله علينا مضارة لنا إذ سألناك ملكًا، فأراهم النبي على صحة مُلْك طالوت وتمليك الله إياه آيةً (١٧) (١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1347، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 602 - 604، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 465، "تفسير عبد الرزاق" 1/ 97.

(٢) "تفسير الطبري" 2/ 601، "تفسير الثعلبي" 2/ 1347.

(٣) ينظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 466.

(٤) ينظر في بسطة: "تهذيب اللغة" 1/ 334، "المفردات" ص56 - 57، "اللسان" 1/ 283.

(٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1348، "تفسير البغوي" 1/ 298، وقال القرطبي: وهذا تخصيص للعموم بغير دليل.

(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره 2/ 466 عن ابن عباس، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1348.

(٧) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1348.

(٨) كذا في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 328 - 329.

(٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1349.

(١٠) في (ي): (كبير عظيم).

(١١) في (ي): (الزهري).

(١٢) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3889 (مادة: وسع).

(١٣) زيادة من (م).

(١٤) في: "معاني القرآن" 1/ 329.

(١٥) "تفسير البغوي" 1/ 298.

(١٦) في (ش): (وعلى فاعل).

(١٧) "زاد المسير" 1/ 294.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ طَالُوتَ مَلِكاً ﴾ قال وهب بن منبه: أوحى الله إلى نبيهم عصا، وقال له: إذا دخل عليك رجل على طول هذه العصا فهو ملكهم فكان ذلك طالوت ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ ﴾ روي أنه كان دباغاً ولم يكن من بيت الملك، والواو في قوله ونحن واو الحال والواو في قوله: ولم يؤت لعطف الجملة على الأخرى ﴿ بَسْطَةً فِي العلم والجسم ﴾ كان عالماً بالعلوم وقيل: بالحروب وكان أطول رجل يصل إلى منكبه ﴿ والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ﴾ رد عليهم في اعتقادهم أن الملك يستحق بالبيت أو المال.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.

الباقون بالفتح.

وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.

﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط  ﴾ ﴿ الله يبسط  ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ فما اسطاعوا  ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون.

﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .

الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.

قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.

وخير أقاويل الرجال سديدها.

قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.

والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.

لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.

منهم من قال: إن النبي  هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله  ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.

والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.

وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.

والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.

﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.

وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.

وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.

ما تصنعون بالملك؟

فقالوا: نقاتل.

وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟

وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.

والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.

فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.

ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.

وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.

وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.

روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.

وههنا محذوف التقدير: فسأل الله  ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.

﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.

﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.

وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.

قوله  ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.

وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.

و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.

وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.

فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.

استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.

الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.

فعن وهب أنه كان دباغاً.

وعن السدي أنه كان مكارياً.

وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.

وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.

الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله  بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.

وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.

والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.

وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.

والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.

روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.

وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.

والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.

الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.

الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.

قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.

اعلم أن ظاهر قوله  ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي  .

ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه  لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله  جائز.

ولهذا كثرت معجزات محمد  ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.

فقيل: إن الله  أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.

وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي  عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.

وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله  رفعه بعد ما قبض موسى  لسخطه على بني إسرائيل.

ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.

وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.

أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.

والجواب أن التحدي كان من النبي  لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.

وأما البقية فبمعنى الباقية.

يقال: بقي من الشيء بقية.

والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله  "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.

وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله  ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.

وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.

وعن علي  : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.

وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.

قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.

وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.

قال  : ﴿ أدخلوا آل فرعون  ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون  ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله  لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.

والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال  : "الأرواح جنود مجندة" .

روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.

فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي  أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.

قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.

عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.

ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.

﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.

ومنه طعم الشيء لمذاقه.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.

حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.

وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.

ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.

ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.

والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.

عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.

ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا  من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.

يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله  فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.

والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.

قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.

ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله  ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.

والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.

فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.

وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.

فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.

والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.

يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.

وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.

عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.

والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله  وأن يكون من قول الذين يظنون.

قوله  ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.

واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد  كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .

والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.

أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.

ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوه.

فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.

فقال داود: فأنا خارج إليه.

وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.

ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.

قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.

﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله  كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.

ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.

قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال  : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.

وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.

وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله  ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟

فالجواب أنه  أراد أن يذكر كيفية ترقي داود  في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.

﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.

وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد  ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه  يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله  ﴾ .

واعلم أن الله  ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.

وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.

فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال  : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.

وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.

ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.

وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي  قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.

وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.

التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.

تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.

قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.

ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله  بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.

وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات  ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد  يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.

وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد  ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلإِ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىۤ إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ بِٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

في هذه الآية والتي قبلها قوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمْ  ﴾ ، دلالة إثبات رسالة محمد عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات؛ لأن القصة فيهم كانت ظاهرة في أهل الكتاب، ورسول الله  لم يختلف إلى أحد منهم، ولا نظر إلى كتبهم، ثم أخبر على ما كان، دل أنه إنما عرف ذلك بالله عز وجل.

ثم فيه دلالة: أن كل نبي منهم كان إنما يشاور الأشراف من قومه والرؤساء منهم، وإليهم يصرف تدبير الأمور، ولا إلى السفلة منهم والرَّزالة.

وفيه دلالة أيضاً: أن الأنبياء، صلوات الله عليهم وسلامه، لم يكونوا يتولون الجهاد والقتال بأنفسهم، ولكن الملوك هم الذين يتولون ذلك.

ثم الملوك هم الراجعون إلى تدبير الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام، في أمر الدين والآخرة، حيث سألوا (ملكاً) يقاتلون معه عدوهم.

ذكر أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم وسبوهم وآخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فمضوا زماناً ليس لهم ملك يقاتل عدوهم، فقال النبي لهم، وهو من نسل هارون ابن عمران أخي موسى: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ ﴾ عدونا، فقال لهم نبيهم: ﴿ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ ﴾ اسختبار عن سؤالهم الذي سألوا، أحق هو أم شيء أجروه على ألسنتهم من غير تحقيق، لئلا يستوجبوا العذاب بتركهم ذلك إذا أجيبوا وأعطوا ما سألوا وتمنوا؛ لما عرف من شدة القتال مع العدو والجهاد في سبيل الله، وكراهية ذلك في كل قوم إلى أن بينوا أنهم عن حق سألوا لما تبينوا العلة التي حملتهم على ذلك، وغاية رغبتهم فيها، ما لأجله كان السؤال، إن قالوا: ﴿ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا ﴾ ، من القتل، وأخذ الأموال وسبي الذراري.

﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ ﴾ ، أي: فرض، ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، فيه دلالة على أنه قد كان فيهم ما كان في هذه من قوله: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ ، من كراهية القتال والجهاد في سبيل الله.

وقيل: ﴿ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفراً لم يتولوا عما سألوا.

ثم قال لهم نبيهم.

قوله  : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً ﴾ .

قيل: سمي "طالوتا" لطوله وقته.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ .

يتوجه مثل هذا الكلام وجهين: أحدهما: على الإنكار، فلا يحمل على الإنكار؛ لأنه كفر.

والثاني: على الاسترشاد وطلب العلم لهم منه في ذلك عن جهة جعله له ملكاً، لما قد عرفوا أن لا يستوجب الملك، ولا يولي إلا أحد رجلين: إما بالوارثة من الآباء، أو بالسعة في المال، لذلك قالوا: ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ ﴾ ، لأنهم كانوا أبناء الملوك وأرباب الأموال.

ثم بين لهم عز وجل أن جهة الاختيار ليس إليهم، وأن سبب الملك ليس ما ذكرنا دون غيره، بل الله عز وجل يختار من يشاء لذلك بأسباب سوى ما ذكروا بفضل علم وبفضل قوة، حيث قال: ﴿ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ ﴾ .

قرر عندهم أن الملك يحتاج إلى فضل علم وفضل قوة.

ثم يحتمل قوله: ﴿ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ ﴾ ، علم الحرب والقتال.

ويحتمل: علم الأشياء الأخر على حفظ الرغبة وغيره.

قال الشيخ، رحمه الله  ، في قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ ﴾ : فهو - والله أعلم - لأي معنى جعل له الملك علينا؟

أو كيف يكون له الملك علينا، ونحن بظاهر الأسباب التي تحقق الملك أملك، فنكون بها أحق بالملك منه بين الله أن المعنى الذي له صار أحق بالملك منهم في ذلك الأمر.

والله أعلم.

والحرف ﴿ أَنَّىٰ ﴾ وإن كان مما يتعارف في الإنكار فليس هو كذلك في الحقيقة؛ إذ قد أخبرهم من هو نبي عندهم، ومن تقرر عنده نبوة أحد لا يحتمل تكذيبه إياه في هذا.

والله أعلم.

وقد يحتمل كون أهل النفاق فيهم، فيكون منهم الإنكار أيضاً كما كان أمثال ذلك في عهد رسول الله  يؤيد سؤالهم الآية حتى قال: ﴿ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ ﴾ كذا.

والله  أعلم.

ويؤيد ذلك كثرة مخالفتهم إياه لما امتحنوا بالنهر.

والله الموفق.

وفي هذا ونحو ذلك دلالة جواز الآيات بغير الرسل إذا كان فيهم تصديق الرسل، [وكذلك قصة مريم، وكذلك عمل صاحب سليمان، وغير ذلك مما جاء به الكتاب، لكن ذلك يجوز إذا كان منهم تصديق الرسول] فيكون في التحقيق كآيات لهم ظهرت على ألسن غيرهم أو أيديهم.

ومن أراد بها ادعاء الرسالة لنفسه فيعجز عن ذلك، بل لا يكرم الله بها من يعلم أنه يدعو إلى تصديق الكذب ومضاهاة الرسل.

وبهذا يجاب لمن يعارض بمن يتعلم القرآن، ثم يأتي موضعاً لا يعرف فيحتج به في نبوته، مع ما في ذلك أوجه تمنع الاحتجاج به من ذلك، بما فيه من الإخبار عن الأسئلة والأنباء عن أمور لا توجد هنالك - والله أعلم - بما لا يعلم أوله أنه من تعلم تقدم منه إلى من هو حجة له، أو عن وحي إليه، إذ لم يكن امتحن من قبل.

والحجة ما يخرج من المعتاد وحمل الطبيعة، يكرم بها وقت الدعوة بلا سبب سبق منه في مثله ولا عناية.

ولا قوة إلا بالله.

وبعد فإنه قد ظهر في جميع من لسانه ذلك اللسان ممن لا يطاق الدفع لمثله ولا إنكار وانتشر أمر الآتي به، فيظهر بذلك كذبه، ويفتضح عند الدعوى قبل المحنة والتأمل فيما جاء به إلا أن يأتي به من ليس ذلك لسانه، ولا معنى للاحتجاج به في أمثالهم.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

﴿ وَاسِعٌ ﴾ ، أي غني، يغني من يشاء ويعطيه، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ، بمن يصلح الملك.

وقوله: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

كأنهم سألوا نبيهم: ما آية مكله؟

فقال لهم نبيهم: إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت تحمله الملائكة.

ذكر في القصة: أن التابوت يكون مع الأنبياء، إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت من بين أيديهم إلى العدو، ويستنصرون به على عدوهم.

وفيه سكينة، كأنها رأس هرة فإذا أن ذلك الرأس سمع التابوت أنين ذلك الرأس دف نحو العدو، وهم يمضون معه ما مضى، فإذا استقر ثبتوا خلفه.

فلما هربت بنو إسرائيل وعصوا الأنبياء سلط الله  عليهم عدوهم، وأخذوا منه التابوت لما سئموا وملوا، ثم رد عليهم بعد زمان طويل، وجعل ذلك آية من آيات ملك طالوت.

فلا ندري كيف كانت القصة.

ثم اختلف في قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .

قيل: ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، ريح هفافة، فيها صورة كوجه الإنسان.

وقيل: السكينة لها وجه كوجه الهرة، لها جناحان، فإذا تصوتت عرفوا النصرة.

وقيل: السكينة: طست من ذهب من الجنة، كان يغسل فيه قلوب الأنبياء.

وقيل: ﴿ فِيهِ ﴾ ، أي: في التابوت ﴿ سَكِينَةٌ ﴾ ، أي طمأنينة من ربكم، كأن التابوت في أي مكان كان اطمأنوا إليه وسكنوا.

فلا ندري ما السكينة؟

سوى أننا عرفنا أن قلوبهم كانت تسكن إليه وتطمئن.

فليس لنا إلى معرفة (السكينة)، وكيفيتها حاجة.

وقوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل: "البقية" فيه رضاض الألواح - وهو كسرها - وثياب موسى، وثياب هارون.

وقيل: عصا موسى، وعصا هارون.

وقيل: (البقية) قفيز من مَنٍّ، وهو الترنجبين الذي كان يأكله بنو إسرائيل في أرض التيه.

وقيل: فيه سنة موسى وهارون، وعلمهما.

والله أعلم بذلك.

وفي الآية دليل جرى الآية على أيدي الأولياء، لما أعطى لطالوت آية لملكه تشبه آيات الأنبياء حيث أخبر أنه كان ﴿ تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ﴾ \[هي القوة في داره، وهم كانوا لم يمروا ذلك وقت حمل الملائكة\] إياه، لكن تلك الآيات في الحاصل تكون للأنبياء يجريها الله  على أيدي الأولياء إلا أن يكون للأولياء ذلك.

ثم من ادعى من الأولياء بتلك الآيات النبوة لنفسه يعجزه الله  عن ذلك، ويخرج الآية من أن تصير آية له، نحو من أتى مدينة من المدائن التي لم يبلغ أهلها هذا القرآن، ولا عرفوه ولا سمعوا ذلك من أحد قط، فجعل يقرأ ذلك عليهم عن ظهر قلبه، وادعى بذلك رسالة لنفسه، أيسع أهل ذلك البلد أن يصدقوه فيما ادعى، أم لا؟

فإن لأصحابنا، رحمهم الله  ، جوابان: أحدهما: بأن في القرآن ما يظهر به كذب هذا المدعي في دعوته من نحو قوله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾ عن كذا، ومن نحو الأخبار، والحكايات، والقصص التي فيها مما لا يحتمل كونها إلا بتقدم أسباب فيكذبه ذلك، فلم يلزمهم تصديقه.

وبالله العصمة.

والثاني: قالوا: إذا ادعى ذلك به يعجزه الله عز وجل عن تلاوته، وإجرائه على لسانه، وادعاء ما ادعى بذلك.

وكأن هذا أقرب.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقال لهم نبيهم: إن الله قد أقام لكم طالوت ملكًا عليكم لتقاتلوا تحت رايته، قال أشرافهم مستنكرين هذا الاختيار ومعترضين عليه: كيف يكون له المُلك علينا، ونحن أولى بالمُلك منه؛ إذ لم يكن من أبناء الملوك، ولم يُعْطَ مالًا واسعًا يستعين به على الملك؟!

قال لهم نبيهم: إن الله اختاره عليكم، وزاده عليكم سعة في العلم وقوة في الجسم، والله يؤتي ملكه من يشاء بحكمته ورحمته، والله واسع الفضل يعطي من يشاء، عليم بمن يستحقه من خلقه.

<div class="verse-tafsir" id="91.60Z58"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم في تفسير ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ أن القرآن لم يعين أولئك القوم ولا الزمان ولا المكان اللذين كانوا فيهما -يعنى على القول بأنها قصة واقعة لا ضرب مثل كما قال "عطاء"- ثم ذكر ههنا قصة أخرى عن بني إسرائيل فعين القوم، وذكر أنه كان لهم نبي، ولم يذكر اسمه، ولا الزمان ولا المكان اللذين حدثت فيهما القصة، ولكنه ذكر بعد ذلك اسم "طالوت" و "جالوت" و "داود".

يظن كثير من الناس الآن -كما ظن كثير ممن قبلهم- أن القصص التي جاءت في القرآن يجب أن تتفق مع ما جاء في كتب بني إسرائيل المعروفة عند النصارى بالعهد العتيق أو كتب التاريخ القديمة، وليس القرآن تاريخًا ولا قصصًا، وإنما هو هداية وموعظة، فلا يذكر قصة لبيان تاريخ حدوثها، ولا لأجل التفكه بها أو الإحاطة بتفصيلها، وإنما يذكر ما يذكره لأجل العبرة كما قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ  ﴾ وبيان سنن الاجتماع كما قال: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ  ﴾ وقال: ﴿ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات.

والحوادث المتقدمة منها ما هو معروف والله تعالى يذكر من هذا وذاك ما شاء أن يذكر لأجل العبرة والموعظة، فيكتفي من القصة بموضع العبرة ومحل الفائدة، ولا يأتي بها مفصلة بجزئياتها التي لا تزيد في العبرة بل ربما تشغل عنها، فلا غرو أن يكون في هذه القصص التي يعظنا الله بها ويعلمنا سننه ما لا يعرفه الناس، لأنه لم يرو ولم يدون بالكتاب.

وقد اهتدى بعض المؤرخين الراقين في هذه الأزمنة إلى الاقتداء بهذا، فصار أهل المنزلة العالية منهم يذكرون من وقائع التاريخ ما يستنبطون منه الحكام الاجتماعية وهو المور الكلية، ولا يحفلون بالجزئيات لما يقع فيها من الخلاف الذي يذهب بالثقة، ولما في قراءتها من الإسراف في الزمن والإضاعة للعمر بغير فائدة توازنه، وبهذه الطريقة يمكن إيداع ما عرف من تاريخ العالم في مجلد واحد يوثق به ويستفاد منه، فلا يكون عرضه للتكذيب والطعن، كما هو الشأن في المصنفات التي تستقصي الوقائع الجزئية مفصلة تفصيلًا.

إن محاولة جعل قصص القرآن ككتب التاريخ بإدخال ما يروون فيها على أنه بيان لها هي مخالفة لسننه، وصرف للقلوب عن موعظته.

وإضاعة لمقصده وحكمته، فالواجب أن نفهم ما فيه، ونعمل أفكارنا في استخراج العبر منه.

ونزع نفوسنا عما ذمه وقبحه، ونحملها على التحلي بما استحسنه ومدحه، وإذا ورد في كتب أهل الملل أو المؤرخين ما يخالف بعض هذه القصص فعلينا أن نجزم بأن ما أوحاه الله إلى نبيه ونقل إلينا بالتواتر الصحيح هو الحق وخبره هو الصادق، وما خالفه هو الباطل، وناقله مخطئ أو كاذب، فلا نعده شبهة على القرآن، ولا نكلف أنفسنا الجواب عنه، فإن حال التاريخ قبل الإسلام كانت مشتبهة الأعلام، حالكة الظلام، فلا رواية يوثق بها، للمعرفة التامة بسيرة رجال سندها، ولا تواتر يعتد به بالأولى، وإنما انتقل العالم بعد نزول القرآن من حال إلى حال، فكان بداية تاريخ جديد للبشر كان يجب عليهم - لو أنصفوا - أن يؤرخوا به أجمعين.

فإن قيل: إن قصص العهدين العتيق والجديد التي يسمى مجموعها (الكتاب المقدس) هي وحي من الله شهد لها القرآن وهي تعارض بعض قصصه.

قلنا: أولًا:إن تلك الكتب ليس لها أسانيد متصلة متواترة.

وثانيًا:إن القرآن إنما أثبت أن الله تعالى أعطى موسى  التوراة وهي الشريعة وأن أتباعه قد حفظوا منها نصيبًا ونسوا نصيبًا، وأنهم حرفوا النصيب الذي أوتوه، وأنه أعطى عيسى  الإنجيل، وهو مواعظ وبشارة، وقال في أتباعه مثل ما قاله في اليهود ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ  ﴾ ويجد القارئ تفصيل هذه الحقائق في الحقائق في تفسير سورة آل عمران والمائدة والأعراف بالنقول من تاريخ الفريقين.

بعد هذا نقول: إن وجه الاتصال بين آيات هذه القصة وما قبلها هو أن الآيات التي قبلها نزلت في شرع القتال لحماية الحقيقة وإعلاء شأن الحق، وبذل المال في هذه السبيل، سبيل الله لعزة الأمم ومنعتها وحياتها الطيبة، التي يقع من ينحرف عنها من الأقوام في الهلاك والموت، كما علم من قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من عدوهم على كثرتهم.

وهذه القصة -قصة قوم من بني إسرائيل- تؤيد ما قبلها من حاجة الأمم إلى دفع الهلاك عنها، فهي تمثل لنا حال قوم لهم نبي يرجعون إليه، وعندهم شريعة تهديهم إذا استهدوا، وقد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم بالقهر، كما خرج أصحاب القصة الأولى بالجبن، فعلموا أن القتال ضرورة لا بد من ارتكابها ما دام العدوان في البشر، وبعد هذا كله جبنوا وضعفوا عن القتال، فاستحقوا الخزي والنكال، فهذه القصة المفصلة فيها بيان لما في تلك القصة المجملة: فر أولئك من ديارهم فماتوا بذهاب استقلالهم، واستيلاء العدو على ديارهم.

فالآية هناك صريحة في أن موتهم هذا مسبب عن خروجهم فارين بجبنهم، ولم تصرح بسبب إحيائهم الذي تراخت مدته، ولكن ما جاء بعدها من الأمر بالقتال وبذل المال الذي يضاعفه الله تعالى أضعافًا كثيرة، قد هدانا إلى سنته في حياة الأمم، وجاءت هذه القصة الإسرائيلية تمثل العبرة فيه، وتفصل كيفية احتياج الناس إليه، إذ بينت أن هؤلاء الناس احتاجوا إلى مدافعة العادين عليهم، واسترجاع ديارهم وأبنائهم من أيديهم، واشتد الشعور بالحاجة حتى طلبوا من نبيهم الزعيم الذي يقودهم في ميدان الجلاد، وقاموا بما قاموا به من الاستعداد.

ولكن الضعف كان بلغ من نفوسهم مبلغًا لم تنفع معه تلك العدة، فتولوا وأعرضوا للأسباب التي أشير إليها، وألهم القليل منهم رشدهم واعتبروا فانتصروا.

قال تعالى ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى  ﴾ تقدم الكلام على هذا الضرب من الاستفهام في تفسير القصة السابقة لهذه.

"والملأ القوم يجتمعون للتشاور لا واحد له "قال البيضاوي وغيره.

وقال غيرهم: الملأ الأشراف من الناس.

وهو اسم للجماعة كالقوم والرهط والجيش وجمعه أملاء، سموا ملأ لأنهم يملأون العيون رواء والقلوب هيبة ﴿ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ وهذا النبي لم يسمه القرآن، وقال (الجلال) هو شمويل وهذا أقوى أقوال المفسرين.

وهو معرب صمويل أو صموئيل، وقيل إنه يوشع، وهذا من الجهل بالتاريخ فإن يوشع هو فتى موسى، والقصة حدثت في زمن داود والزمن بينهما بعيد، وبعث الملك عبارة عن إقامته وتوليته عليهم ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا  ﴾ قرأ نافع وحده ﴿ عَسَيْتُمْ  ﴾ بكسر السين وهي لغة غير مشهورة، والباقون بفتحها وهي اللغة المشهورة.

والمعنى هل قاربتم أن تحجموا عن القتال إن كتب عليكم كما أتوقع -أو- أأتوقع منكم الجبن عن القتال إن هو كتب عليكم؟

فعسى للمقاربة أو للتوقع ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا  ﴾ أي أي داع لنا يدعونا إلى أن لا نقاتل وقد وجد سبب القتال، وهو إخراجنا من ديارنا بإجلاء العدو إيانا عنها، وأفردنا عن أولادنا بسبيه إياهم واستعباده لهم؟

﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ  ﴾ ذلك أن الأمم إذا قهرها العدو ونكل بها يفسد بأسها، ويغلب عليها الجبن والمهانة.

فإذا أراد الله تعالى إحياءها بعد موتها بنفخ روح الشجاعة والإقدام في خيارها وهم الأقلون، فيعملون ما لا يعمل الأكثرون، كما علمت من تفسير قوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ  ﴾ وما هو منك ببعيد، ولم يكن هؤلاء القوم قد استعد منهم للحياة إلا القليل.

وفي الآية من الفوائد الاجتماعية أن الأمم التي تفسد أخلاقها وتضعف قد تفكر في المدافعة عند الحاجة إليها وتعزم على القيام بها إذا توفرت شرائطها التي يتخيلونها على حد قول الشاعر: وإذا ما خلا الجبان بأرض طلب الطعن وحده والنزالا ثم إذا توفرت الشروط يضعفون ويجبنون، ويزعمون أنها غير كافية ليعذروا أنفسهم وما هم بمعذورين ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  ﴾ الذين يظلمون أنفسهم وأمتهم بترك الجهاد دفاعًا عنها وحفاظًا لحقها، فهو يجزيهم وصفهم، فيكونون في الدنيا أذلاء مستضعفين، وفي الآخرة أشقياء معذبين.

﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ  ﴾ .

طالوت هو الذي يسمونه (شاول) وقد سماه الله طالوت فهو طالوت.

أي أننا لا نعبأ بما في كتبهم لما قدمنا.

وإذا علم القارئ أن القوم لا يعرفون كاتب سفري صموئيل الأول والثاني من هو؟

ولا في أي زمن كتبا، فإنه يسهل عليه أن لا يعتد بتسميتهم.

وأما استنكارهم جعله ملكًا فقد صرحوا به وقالوا إن منهم من احتقره، ولكن أخبارهم لا تتصل بأسبابها، ولا تقرن بعللها، وقال المفسرين في استنكارهم لملكه وزعمهم أنهم أحق بالملك منه، إنه كان من أولاد بنيامين لا من بيت يهوذا، وهو بيت الملك، ولا من بيت لاوى وهو بيت النبوة، وفهم بعضهم من قوله ﴿ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ  ﴾ أنه كان فقيرًا وقالوا كان راعيًا أو دباغًا أو سقاء.

ولا يصح كلامهم في بيت الملك لأنه لم يكن فيهم ملوك قبله، ونفيهم سعة المال التي تؤهله للملك في رأي القائلين لا تدل على أنه كان فقيرًا وإنما العبرة في العبارة هي ما دلت عليه من طباع الناس وهي أنهم يرون أن الملك لا بد أن يكون وراثًا للملك، أو ذا نسب عظيم يسهل على شرفاء الناس وعظمائهم الخضوع له، وذا مال عظيم يدبر به الملك، والسبب في هذا أنهم قد اعتادوا الخضوع للشرفاء والأغنياء، وإن لم يمتازوا عليهم بمعارفهم وصفاتهم الذاتية، فبيّن الله تعالى فيما حكاه عن نبيه في أولئك القوم أنهم مخطئون في زعمهم أن استحقاق الملك يكون بالنسب وسعة المال بقوله.

﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ  ﴾ فسروا اصطفاه الله تعالى هنا بوحيه لذلك النبي أن يجعل طالوت ملكًا عليهم، ولعله لو كان هذا هو المراد لقال اصطفاه لكم كما قال: ﴿ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ  ﴾ والمتبادر عندي أن معناه فضله واختاره عليكم بما أودع فيه من الاستعداد الفطري للملك، ولا ينافي هذا كون اختياره كان بوحي من الله، لأن هذه الأمور هي بيان لأسباب الاختيار وهي أربعة: الاستعداد الفطري.

السعة في العلم الذي يكون به التدبير.

بسطة الجسم المعبر بها عن صحته وكمال قواه المستلزم ذلك لصحة الفكر على قاعدة "العقل السليم في الجسم السليم" وللشجاعة والقدرة على المدافعة وللهيبة والوقار.

توفيق الله تعالى الأسباب له وهو ما عبر عنه بقوله ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ  ﴾ والاستعداد هو الركن الأول في المرتبة فلذلك قدمه، والعلم بحال الأمة ومواضع قوتها وضعفها، وجودة الفكر في تدبير شؤونها، هو الركن الثاني في المرتبة، فكم من عالم بحال زمانه غير مستعد للسلطة اتخذه من هو مستعد لها سراجًا يستضيء برأيه في تأسيس مملكة أو سياستها، ولم ينهض به رأيه إلى أن يكون هو السيد الزعيم فيها.

وكمال الجسم في قواه وروائه هو الركن الثالث في المرتبة وهو في الناس أكثر من سابقيه.

وأما المال فليس بركن من أركان تأسيس الملك، لأن المزايا الثلاث إذا وجدت سهل على صاحبها الإتيان بالمال.

وإنا لنعرف في الناس من أسس دولة وهو فقير أمي، ولكن استعداده ومعرفته بحال الأمة التي سادها وشجاعته كانت كافية للاستيلاء عليها والاستعانة بأهل العلم بالإدارة والشجعان على تمكين سلطته فيها.

وقد قدم الأركان الثلاثة على الرابع لأنها تتعلق بمواهب الرجل الذي اختير ملكًا فأنكر القوم اختياره فهي المقصودة بالجواب.

وأما توفيق الله تعالى بتسخير الأسباب التي لا عمل له فيها لسعيه فليس من مواهبه ومزاياه فتقدم في أسباب اختياره، وإنما تذكر تتمة للفائدة وبيانًا للحقيقة، ولذلك ذكرت قاعدة عامة لا وصفًا له.

ولله در الشاعر العربي حيث قال صفات الجدير بالاختيار لزعامة الأمة وقيادتها: فقلدوا أمركم لله دركمو رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا لا مترفًا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عض مكروه به خشعا وليس يشغله مال يثمره عنكم، ولا ولد يبغي له الرفعا ..."أي أن له سنة في تهيئة من يشاء للملك"...

ثم ختم بقوله تعالى ]] على طريقة القرآن في التنبيه على الدليل بعد الحكم والتذكير بأسمائه الحسنى وآثارها، أي واسع التصرف والقدرة إذا شاء أمرًا اقتضته حكمته في نظام الخليقة فإنه يقع لا محالة، عليم بوجوه الحكمة فلا يضع سننه في استحقاق الملك عبثًا، ولا يترك أمر العباد في اجتماعهم سدى، بل وضع لهم من السنن الحكمية ما هو منتهى الإبداع والإتقان، وليس في الإمكان أبدع مما كان.

هذا وقد جرى المفسرون على أن وجوه الرد على منكري جعل طالوت ملكًا أربعة وأحسن عبارة لهم على اختصارها عبارة البيضاوي قال: لما استعبدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك ...

(أولًا)بأن العمدة فيه اصطفاء الله تعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم.

(ثانيًا)بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن من معرفة الأمور السياسية وجسامة البدن ليكون أعظم خطرًا في القلوب، وأقوى على مقاومة العدو في مكابدة الحروب، لا ما ذكرتم، وقد زاده الله فيها، وقد كان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه.

(ثالثًا)بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء.

(رابعًا) بأنه ]] الفضل يوسع الفضل على الفقير ويغنيه ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ بمن يليق بالملك وغيره.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر