الآية ٢٤٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٤٩ من سورة البقرة

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍۢ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّى وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّىٓ إِلَّا مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةًۢ بِيَدِهِۦ ۚ فَشَرِبُوا۟ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ ۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍۢ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةًۭ كَثِيرَةًۢ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ٢٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 221 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٤٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٤٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى مخبرا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفا فالله أعلم ، أنه قال : ( إن الله مبتليكم [ بنهر ] ) قال ابن عباس وغيره : وهو نهر بين الأردن وفلسطين يعني : نهر الشريعة المشهور ( فمن شرب منه فليس مني ) أي : فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه ( ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ) أي : فلا بأس عليه قال الله تعالى ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) قال ابن جريج : قال ابن عباس : من اغترف منه بيده روي ، ومن شرب منه لم يرو .

وكذا رواه السدي عن أبي مالك ، عن ابن عباس .

وكذا قال قتادة وابن شوذب .

وقال السدي : كان الجيش ثمانين ألفا فشرب ستة وسبعون ألفا وتبقى معه أربعة آلاف كذا قال .

وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومسعر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء بن عازب قال : كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر ، وما جازه معه إلا مؤمن .

ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن البراء قال : " كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت ، الذين جازوا معه النهر ، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة " .

ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير ، عن أبي إسحاق عن البراء بنحوه ولهذا قال تعالى : ( فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) أي : استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم [ وهم ] العالمون بأن وعد الله حق فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد .

ولهذا قالوا : ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ قال أبو جعفر: وفي هذا الخبر من الله تعالى ذكره، متروك قد استغني بدلالة ما ذكر عليه عن ذكره.

ومعنى الكلام: إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ , فأتاهم التابوت فيه سكينة من ربهم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة, فصدقوا عند ذلك نبيهم وأقروا بأن الله قد بعث طالوت ملكا عليهم, وأذعنوا له بذلك.

يدل على ذلك قوله: " فلما فصل طالوت بالجنود ".

وما كان ليفصل بهم إلا بعد رضاهم به وتسليمهم الملك له, لأنه لم يكن ممن يقدر على إكراههم على ذلك، فيظن به أنه حملهم على ذلك كرها.

* * * وأما قوله: " فصل " فإنه يعني به: شخص بالجند ورحل بهم.

* * * وأصل " الفصل " القطع, يقال، منه: " فصل الرجل من موضع كذا وكذا ", يعني به قطع ذلك, فجاوزه شاخصا إلى غيره," يفصل فصولا "، و " فصل العظم والقول من غيره، فهو يفصله فصلا "، إذا قطعه فأبانه، و " فصل الصبي فصالا "، إذا قطعه عن اللبن (1) .

و " قول فصل "، يقطع فيفرق بين الحق والباطل لا يرد.

* * * وقيل: إن طالوت فصل بالجنود يومئذ من بيت المقدس وهم ثمانون ألف مقاتل, لم يتخلف من بني إسرائيل عن الفصول معه إلا ذو علة لعلته, أو كبير لهرمه, أو معذور لا طاقة له بالنهوض معه.

* ذكر من قال ذلك: 5707- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه قال: خرج بهم طالوت حين استوسقوا له, ولم يتخلف عنه إلا كبير ذو علة, أو ضرير معذور, أو رجل في ضيعة لا بد له من تخلف فيها.

(2) 5708- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: لما جاءهم التابوت آمنوا بنبوة شمعون, وسلموا ملك طالوت, فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا.

(3) * * * قال أبو جعفر: فلما فصل بهم طالوت على ما وصفنا، قال: " إن الله مبتليكم بنهر "، يقول: إن الله مختبركم بنهر, ليعلم كيف طاعتكم له.

* * * وقد دللنا على أن معنى " الابتلاء "، الاختبار، فيما مضى بما أغنى عن إعادته.

(4) * وبما قلنا في ذلك كان قتادة يقول.

5709- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قول الله تعالى: " إن الله مبتليكم بنهر "، قال: إن الله يبتلي خلقه بما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه.

* * * وقيل: إن طالوت قال: " إن الله مبتليكم بنهر "، لأنهم شكوا إلى طالوت قلة المياه بينهم وبين عدوهم, وسألوه أن يدعو الله لهم أن يجري بينهم وبين عدوهم نهرا, فقال لهم طالوت حينئذ ما أخبر عنه أنه قاله من قوله: " إن الله مبتليكم بنهر ".

* ذكر من قال ذلك: 5710- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق قال، حدثني بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه قال: لما فصل طالوت بالجنود قالوا: إن المياه لا تحملنا, فادع الله لنا يجري لنا نهرا!

فقال لهم طالوت: " إن الله مبتليكم بنهر " الآية.

* * * " والنهر " الذي أخبرهم طالوت أن الله مبتليهم به، قيل: هو نهر بين الأردن وفلسطين.

* ذكر من قال ذلك: 5712- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: " إن الله مبتليكم بنهر "، قال الربيع: ذكر لنا، والله أعلم، أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

5712- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " إن الله مبتليكم بنهر "، قال: ذكر لنا أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

5713- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة قوله: " إن الله مبتليكم بنهر "، قال: هو نهر بين الأردن وفلسطين.

5714- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن ابن عباس: فلما فصل طالوت بالجنود غازيا إلى جالوت, قال طالوت لبني إسرائيل: " إن الله مبتليكم بنهر "، قال: نهر بين فلسطين والأردن, نهر عذب الماء طيبه.

وقال آخرون: بل هو نهر فلسطين.

* ذكر من قال ذلك: 5715- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: " إن الله مبتليكم بنهر "، فالنهر الذي ابتلي به بنو إسرائيل، نهر فلسطين.

5716- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إن الله مبتليكم بنهر "، هو نهر فلسطين.

* * * وأما قوله: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم ".

فإنه خبر من الله تعالى ذكره عن طالوت بما قال لجنوده، إذ شكوا إليه العطش, فأخبر أن الله مبتليهم بنهر, (5) ثم أعلمهم أن الابتلاء الذي أخبرهم عن الله به من ذلك النهر, هو أن من شرب من مائه فليس هو منه= يعني بذلك: أنه ليس من أهل ولايته وطاعته, ولا من المؤمنين بالله وبلقائه.

ويدل على أن ذلك كذلك قول الله تعالى ذكره: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ، فأخرج من لم يجاوز النهر من الذين آمنوا، ثم أخلص ذكر المؤمنين بالله ولقائه عند دنوهم من جالوت وجنوده بقوله: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، وأخبرهم أنه من لم يطعمه= يعني: من لم يطعم الماء من ذلك النهر." والهاء " في قوله: " فمن شرب منه "، وفي قوله: " ومن لم يطعمه "، عائدة على " النهر ",والمعنى لمائه.

وإنما ترك ذكر " الماء " اكتفاء بفهم السامع بذكر النهر لذلك: (6) أن المراد به الماء الذي فيه.

* * * ومعنى قوله: " لم يطعمه "، لم يذقه, يعني: ومن لم يذق ماء ذلك النهر فهو مني= يقول: هو من أهل ولايتي وطاعتي، والمؤمنين بالله وبلقائه.

ثم استثنى من " من " في قوله: " ومن لم يطعمه "، المغترفين بأيديهم غرفة, (7) فقال: ومن لم يطعم ماء ذلك النهر، (8) إلا غرفة يغترفها بيده، فإنه مني.

* * * ثم اختلفت القرأة في قراءة قوله: " إلا من اغترف غرفة بيده " .

فقرأه عامة قرأة أهل المدينة والبصرة: (غرفة)، بنصب " الغين " من " الغرفة " بمعنى الغرفة الواحدة, من قولك،" اغترفت غرفة ", و " الغرفة "، و " الغرفة " هي الفعل &; 5-343 &; بعينه من " الاغتراف ".

(9) .

* * * وقرأه آخرون بالضم, بمعنى الماء الذي يصير في كف المغترف.

ف " الغرفة " الاسم, و " الغرفة " المصدر.

* * * وأعجب القراءتين في ذلك إلي، ضم " الغين " في" الغرفة "، بمعنى: إلا من اغترف كفا من ماء= لاختلاف " غرفة " إذا فتحت غينها, وما هي له مصدر.

وذلك أن مصدر " اغترف "،" اغترافة ", وإنما " غرفة " مصدر: " غرفت ".

فلما كانت " غرفة " مخالفة مصدر " اغترف "، كانت " الغرفة " التي بمعنى الاسم على ما قد وصفنا، أشبه منها ب " الغرفة " التي هي بمعنى الفعل.

(10) * * * قال أبو جعفر: وذكر لنا أن عامتهم شربوا من ذلك الماء, فكان من شرب منه عطش, ومن اغترف غرفة روي .

* ذكر من قال ذلك: 5717- حدثني بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم "، فشرب القوم على قدر يقينهم.

أما الكفار فجعلوا يشربون فلا يروون, وأما المؤمنون فجعل الرجل يغترف غرفة بيده فتجزيه وترويه.

5718- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده "، قال: كان الكفار يشربون فلا يروون, وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزيهم ذلك.

&; 5-344 &; 5719- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم "، يعني المؤمنين منهم.

وكان القوم كثيرا، فشربوا منه إلا قليلا منهم= يعني المؤمنين منهم.

كان أحدهم يغترف الغرفة فيجزيه ذلك ويرويه.

5720- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: قال لما أصبح التابوت وما فيه في دار طالوت, آمنوا بنبوة شمعون, وسلموا ملك طالوت, فخرجوا معه وهم ثمانون ألفا.

وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأسا, فخرج يسير بين يدي الجند, ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي.

فلما خرجوا قال لهم طالوت: " إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني"، فشربوا منه هيبة من جالوت, فعبر منهم أربعة آلاف, (11) ورجع ستة وسبعون ألفا، فمن شرب منه عطش, ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي.

(12) .

5721- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: ألقى الله على لسان طالوت حين فصل بالجنود, فقال: لا يصحبني أحد إلا أحد له نية في الجهاد.

فلم يتخلف عنه مؤمن, ولم يتبعه منافق،...

رجعوا كفارا، لكذبهم في قيلهم إذ قالوا: " لن نمس هذا الماء غرفة ولا غير " = (13) وذلك أنه قال لهم: " إن الله مبتليكم بنهر "، الآية، فقالوا: لن نمس من هذا، غرفة ولا غير غرفة = (14) قال: وأخذ البقية الغرفة فشربوا منها حتى كفتهم, وفضل منهم.

(15) قال: والذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوها.

5722- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس في قوله: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده "، فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه.

فمن اغترف غرفة وأطاعه، روي لطاعته.

(16) ومن شرب فأكثر، عصى فلم يرو لمعصيته.

5723- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق في حديث ذكره, عن بعض أهل العلم, عن وهب بن منبه في قوله: " فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده "، يقول الله تعالى ذكره: " فشربوا منه إلا قليلا منهم "، وكان -فيما يزعمون- من تتابع منهم في الشرب الذي نهي عنه لم يروه, ومن لم يطعمه إلا كما أمر: غرفة بيده، أجزاه وكفاه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " فلما جاوزه هو "، فلما جاوز النهر طالوت." والهاء " في" جاوزه " عائدة على " النهر ", و " هو " كناية &; 5-346 &; اسم طالوت= وقوله: " والذين آمنوا معه "، يعني: وجاوز النهر معه الذين آمنوا، قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

* * * ثم اختلف في عدة من جاوز النهر معه يومئذ، ومن قال منهم: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ".

فقال بعضهم: كانت عدتهم عدة أهل بدر: ثلثمئة رجل وبضعة عشر رجلا.

* ذكر من قال ذلك: 5724- حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال، حدثنا مصعب بن المقدام= وحدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري= قالا جميعا، حدثنا إسرائيل قال، حدثنا أبو إسحاق, عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر معه, ولم يجز معه إلا مؤمن: ثلثمئة وبضعة عشر رجلا.

(17) 5725- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا أبو بكر قال، حدثنا أبو إسحاق, عن البراء قال: كنا نتحدث أنَّ أصحاب بدر يوم بدر كعدة أصحاب طالوت، ثلثمئة رجل وثلاثة عشر رجلا الذين جاوزوا النهر.

(18) &; 5-347 &; 5726- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عامر قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر ثلثمئة وبضعة عشر رجلا على عدة أصحاب طالوت من جاز معه, وما جاز معه إلا مؤمن.

(19) 5727- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء بنحوه.

(20) 5728- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن البراء قال: كنا نتحدث أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يوم بدر على عدة أصحاب طالوت يوم جاوزوا النهر, وما جاوز معه إلا مسلم.

(21) 5729- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا مسعر, عن أبي إسحاق, عن البراء مثله.

(22) 5730- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة &; 5-348 &; أصحاب طالوت يوم لقي.

وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمئة وبضعة عشر رجلا.

5731- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قال: محص الله الذين آمنوا عند النهر، وكانوا ثلثمئة, وفوق العشرة ودون العشرين, فجاء داود صلى الله عليه وسلم فأكمل به العدة.

* * * وقال آخرون: بل جاوز معه النهر أربعة آلاف, وإنما خلص أهل الإيمان منهم من أهل الكفر والنفاق، حين لقوا جالوت.

* ذكر من قال ذلك: 5732- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: عبر مع طالوت النهر من بني إسرائيل أربعة آلاف, فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه فنظروا إلى جالوت، رجعوا أيضا وقالوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ".

فرجع عنه أيضا ثلاثة آلاف وستمئة وبضعة وثمانون, وخلص في ثلثمئة وبضعة عشر، عدة أهل بدر.

(23) 5733- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: لما جاوزه هو والذين آمنوا معه, قال الذين شربوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ".

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي; وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة, والكافر الذي شرب منه الكثير.

ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت &; 5-349 &; ولقائه, وانخزل عنه أهل الشرك والنفاق= (24) وهم الذين قالوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده " = ومضى أهل البصيرة بأمر الله على بصائرهم, وهم أهل الثبات على الإيمان, فقالوا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ .

* * * فإن ظن ذو غفلة أنه غير جائز أن يكون جاوز النهر مع طالوت إلا أهل الإيمان الذين ثبتوا معه على إيمانهم, ومن لم يشرب من النهر إلا الغرفة, لأن الله تعالى ذكره قال: " فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ"، فكان معلوما أنه لم يجاوز معه إلا أهل الإيمان, على ما روي به الخبر عن البراء بن عازب, ولأن أهل الكفر لو كانوا جاوزوا النهر كما جاوزه أهل الإيمان، لما خص الله بالذكر في ذلك أهل الإيمان= (25) فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن.

وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الفريقان- أعني فريق الإيمان وفريق الكفر جاوزوا النهر, وأخبر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم, عن المؤمنين بالمجاوزة, لأنهم كانوا من الذين جاوزوه مع ملكهم وترك ذكر أهل الكفر, وإن كانوا قد جاوزوا النهر مع المؤمنين .

والذي يدل على صحة ما قلنا في ذلك، قول الله تعالى ذكره: " فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله "، فأوجب الله تعالى ذكره أن الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ ، هم الذين قالوا عند مجاوزة النهر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، دون غيرهم الذين لا يظنون أنهم ملاقو &; 5-350 &; الله- وأن " الذين لا يظنون أنهم ملاقو الله "، هم الذين قالوا: (لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) وغير جائز أن يضاف الإيمان إلى من جحد أنه ملاقي الله، أو شك فيه.

(26) * * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في أمر هذين الفريقين= أعني القائلين: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده "، والقائلين: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله "، من هما؟

فقال بعضهم: الفريق الذين قالوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده "، هم أهل كفر بالله ونفاق, وليسوا ممن شهد قتال جالوت وجنوده, لأنهم انصرفوا عن طالوت ومن ثبت معه لقتال عدو الله جالوت ومن معه, وهم الذين عصوا أمر الله لشربهم من النهر.

* ذكر من قال ذلك: 5734- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي بذلك.

* * * وهو قول ابن عباس.

وقد ذكرنا الرواية بذلك عنه آنفا.

(27) * * * 5735- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن &; 5-351 &; ابن جريج: " قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله "، الذين اغترفوا وأطاعوا، الذين مضوا مع طالوت المؤمنون, وجلس الذين شكوا.

* * * وقال آخرون: كلا الفريقين كان أهل إيمان, ولم يكن منهم أحد شرب من الماء إلا غرفة, بل كانوا جميعا أهل طاعة, ولكن بعضهم كان أصح يقينا من بعض.

وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ".

والآخرون كانوا أضعف يقينا.

وهم الذين قالوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ".

* ذكر من قال ذلك: 5736- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين "، ويكون [والله] المؤمنون بعضهم أفضل جدا وعزما من بعض, وهم مؤمنون كلهم.

(28) 5737- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله "، أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة أصحاب طالوت: ثلثمئة.

= قال قتادة: وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر ثلثمئة وبضعة عشر.

5438- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الذين لم يأخذوا الغرفة أقوى من الذين أخذوا, وهم الذين قالوا : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ".

* * * ويجب على القول الذي روي عن البراء بن عازب: أنه لم يجاوز النهر مع طالوت &; 5-352 &; إلا عدة أصحاب بدر- أن يكون كلا الفريقين اللذين وصفهما الله بما وصفهما به، أمرهما على نحو ما قال فيهما قتادة وابن زيد.

* * * قال أبو جعفر: وأولى القولين في تأويل الآية ما قاله ابن عباس والسدي وابن جريج، وقد ذكرنا الحجة في ذلك فيما مضى قبل آنفا.

(29) * * * وأما تأويل قوله: " قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله "، فإنه يعني: قال الذين يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو الله.

(30) 5739- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي" قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله "، الذين يستيقنون.

* * * فتأويل الكلام: قال الذين يوقنون بالمعاد ويصدقون بالمرجع إلى الله، للذين قالوا: " لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده "=" كم من فئة قليلة "، يعني ب " كم "، كثيرا، غلبت فئة قليلة=" فئة كثيرة بإذن الله ", يعني: بقضاء الله وقدره= (31) " والله مع الصابرين "، يقول : مع الحابسين أنفسهم على رضاه وطاعته.

(32) * * * وقد أتينا على البيان عن وجوه " الظن "، وأن أحد معانيه: العلم اليقين، بما يدل على صحة ذلك فيما مضى, فكرهنا إعادته.

(33) * * * وأما " الفئة "، فإنهم الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه, وهو مثل " الرهط" و " النفر "، يجمع (34) " فئات "، و " فئون " في الرفع، و " فئين " في &; 5-353 &; النصب والخفض، بفتح نونها في كل حال.

و " فئين " بالرفع بإعراب نونها بالرفع وترك الياء فيها, وفي النصب " فئينا ", وفي الخفض " فئين ", فيكون الإعراب في الخفض والنصب في نونها.

وفي كل ذلك مقرة فيها " الياء " على حالها.

فإن أضيفت قيل: " هؤلاء فئينك "، (35) بإقرار النون وحذف التنوين, كما قال الذين لغتهم: " هذه سنين "، في جمع " السنة "=: " هذه سنينك "، بإثبات النون وإعرابها وحذف التنوين منها للإضافة.

وكذلك العمل في كل منقوص مثل " مئة " و " ثبة " و " قلة " و " عزة ": فأما ما كان نقصه من أوله، فإن جمعه بالتاء، مثل " عدة وعدات "، و " صلة وصلات ".

* * * وأما قوله: " والله مع الصابرين " فإنه يعني: والله معين الصابرين على الجهاد في سبيله وغير ذلك من طاعته, وظهورهم ونصرهم على أعدائه الصادين عن سبيله, المخالفين منهاج دينه.

* * * وكذلك يقال لكل معين رجلا على غيره: " هو معه "، بمعنى هو معه بالعون له والنصرة.

(36) ---------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"الفصال" فيما سلف من هذا الجزء : 67 .

(2) الأثر : 5707- استوسقوا له : اجتمعوا له بالطاعة : ودانوا ، (انظر ما سلف ص : 231) في آخر الأثر : 5659 ، والتعليق عليه .

والضرير : المرض المهزول ، قد أضر به المرض .

(3) الأثر : 5708- في التاريخ 1 : 243 من خبر طويل مضى أكثره فيما سلف .

(4) انظر ما سلف 2 : 49/3 : 7 ، 220 .

(5) في المخطوطة والمطبوعة : "00 عن طالوت أنه قال لجنوده ، 00 فأخبر أن الله" ، وهي عبارة لا تستقيم علي جادة الكلام ، فجعلت"أنه" ، "بما" ، وجعلت"فأخبر" ، "فأخبرهم" .

وأعود فأقول إن الناسخ في هذا الموضع كثير السهو والخطأ من فرط عجلته .

(6) في المخطوطة والمطبوعة : "كذلك" ، والصواب ما أثبت ، وسياق العبارة : اكتفاء بفهم السامع لذلك بذكر النهر : أن المراد00 (7) أكثر المفسرين قد جعل الاستثناء من قوله : "فن شرب منه" ، وقال أبوحيان في تفسيره 1 : 265 وقال : "وقع في بعض التصانيف ما نصه : "إلا من اغترف" ، استثناء من الأولى ، وإن شئت من الثانية ، لأنه حكم على أن من لم يطعمه فإنه منه ، فيلزم في الاستثناء من هذا أن من اغترف منه بيده غرفة فليس منه .

والأمر ليس كذلك ، لأنه مفسوح لهم الاغتراف غرفة باليد دون الكروع فيه .

وهو ظاهر الاستثناء من الأولى ، لأنه حكم فيها : أن من شرب منه فليس منه ، فيلزم في الاستثناء أن من اغترف غرفة بيده منه ، فإنه منه ، إذ هو مفسوح له في ذلك .

وهكذا الإستثناء ، يكون من النفى إثباتا ، ومن الإثبات نفيا ، على الصحيح من المذاهب في هذه المسالة" .

وانظر أيضًا تعليق ابن المنير على الكشاف بهامش 1 : 149- 150 ، وأما العكبري في إعراب القرآن إنه قال : "إلا من اغترب-استثناء من الجنس ، وموضعه نصب .

وأنت بالخيار ، إن شئت جعلته استثناء من"من الأولى ، وإن شئت من"من"الثانية" .

وهذا يرجع صواب معنى الطبري ، وصواب ما صححناه ، فإنهكان في المخطوطة والمطبوعة : "ثم استثنى من قوله00" .

والمخطوطة كما أسلف مرارا مضطربة في هذا الموضع ، وفي مواضع من أشياء ذلك .

وسترى ذلك في التعليق التالي .

والظاهر أن الطبري أراد أن القوم كانوا فئتين : فئه شربت من الماء ، وفئة مؤمنة لم تطعم من الماء إلا غرفة .

وبذلك يصح كل ما قاله .

وهذا بين سيأتي بعد في ص 348- 350 أن من جاوز مع طالوت النهر : الذي لم يشرب من الماء إلا الغرفة ، والكافر الذي شرب منه الكثير" .

وكأن المؤمنين جميعا -عنده- قد شربوا من الماء غرفة .

هذا ما أرجحه ، والله ولى التوفيق .

(8) في المخطوطة : "فقالوا : من لم يطعم ومن لم يطعم ماء ذلك النهر00" وهو خلط من الكلام .

(9) "الفعل" يعني المصدر ، كما سلف آنفًا ص : 330 تعليق : 1 ، وكما سيصرح به الجمل التالية إلى آخر الكلام .

(10) هذا تفصيل جيد قلما تصيبه في كتب اللغة .

وانظر اللسان مادة (غرف) وقوله الكسائي وغيره في ذلك .

(11) في المطبوعة والمخطوطة : "فعبر منهم" بإسقاط"معه" ، وأثبتها من التاريخ .

(12) الأثر : 5720-هو جزء من الخبر الذي في التاريخ 1 : 242- 243 ، وقد جزأه الطبري في هذا التفسير في مواضع كثيرة أشرنا إليها رقم : 5635 ، 5638 ، 5679 ، 5690 ، 5708 .

(13) في المخطوطة : "ولم تتبعه منافق ، رجعوا كفارا ، فلما رأى قلتهم قالوا : لن نمس هذه الماء" وكلتا العبارتين لا تستقيم في الحالتين .

وأنا أرجح أنه قد سقط من الناسخ سطر أو بعض سطر ، معناه : أن بعض الذين خرجوا معه ، رجعوا كفارا لكذبهم في قيلهم ذلك .

و الذى يرجح ذلك عندي أنه يقول بعد"قال : وأخذ البقية الغرفة" ، فهذا دليل على أنه قد أجرى قبل ذلك ذكر الذين شربوا من النهر .

فن هذا ، وقد كان في المطبوعة : "ولا غيرها" ، فأثبت ما في المخطوطة ، فهو صواب .

(14) في المطبوعة : "لن نمس من هذا" بزيادة"من" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(15) في المطبوعة : "فشربوا منها" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(16) في المطبوعة : "روي بطاعته" والذي أثبت ، أشبه بالمخطوطة وبالصواب .

(17) الحديث : 5724 - هذا الحديث عن البراء بن عازب في عدة أهل بدر .

وقد رواه الطبري بستة أسانيد ، كلها عن أبي إسحاق السبيعي ، عن البراء بن عازب .

ورواه أحمد في المسند 4 : 290 (حلبي) ، عن وكيع عن أبيه -هو الجراح بن مليح- وسفيان .

وهو الثوري ، وإسرائيل ، ثلاثتهم عن أبي إسحاق ، عن البراء .

ورواه البخاري 8 : 228 ، من طريق زهير ، ومن طريق إسرائيل ، ومن طريق الثوري - ثلاثتهم عن أبي إسحاق ، به .

وذكره ابن كثير 1 : 603 ، عن روايات الطبري ، ملخصة الأسانيد .

ثم ذكر أنه رواه البخاري .

وذكره السيوطي 1 : 318 ، وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الدلائل .

ولكنه نسي أن ينسبه لأحمد .

(18) الحديث : 5725-أبو بكر-الراوى عن أبي إسحاق : هو ابن عياش .

وقد ذكر أخي السيد محمود محمد شاكر أنه وجد في المخطوطة ، في آخر هذا الحديث"كلمة غريبة جدا ، بعد قوله" الذين جاوزوا النهر" وهي"فسكت"-واضحة جدا .

ولم أجدها في مكان آخر ولم أستطع أن أعرف ما هي .

وقد حذفت في المطبوعة" .

وأقول : إني لم أجد-أيضًا- هذه الكلمة ، ولم أستطع أن أعرف ما هي؟

ولذلك رأينا حذفها من مطبوعتنا هذه ، مع بيان ذلك ، أداء للأمانة العلمية .

(19) احديث : 5726-أبو عامر : هو العقدي ، عبد الملك بن عمرو .

(20) الحديث : 5727-والد وكيع : هو الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي ، وهو ثقة ، تكلم فيه بغير حجة ، كما بينا في شرح المسند ، في الحديث : 650 .

ورواية وكيع عن أبيه هذا الحديث- هي إحدى روايات المسند ، التي أشرنا إليها في الحديث الماضي : 5724 .

(21) الحديث : 5728-مؤمل : هو ابن إسماعيل العدوى .

وسفيان-في هذا والذي قبله : هو الثوري .

(22) الحديث : 5729 -أبو أحمد : هو الزبيري ، محمد بن عبدالله بن الزبير الأسدي .

مسعر : هو ابن كدام ، مضت ترجمته في : 1974 .

(23) الأثر : 5732 -هو جزء من الأثر الطويل الذى رواه في التاريخ 1 : 242- 243 ، وجزأه في التفسير ، كما أشرنا إليه في التعليق على الأثر : 5720 .

ورواية أبي جعفر هنا : "وخلص في ثلثمئة وبضعة عشر" ، وفي التاريخ"وتسعة عشر" .

(24) في المطبوعة : "وانخذل عنه" ، بالذال ، وهو خطأ غث لا يقال هنا ، والصواب في المخطوطة .

وانخزل عنه : انقطع وانفرد ، وفي حديث آخر : "انخزل عبدالله بن أبي من ذلك المكان" ، أي انفرد ورجع بقومه .

(25) السياق : "فإن ظن ذو غفلة00 فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن" .

(26) هذه حجة بينة ماضية ، تتضمن من البصر والفهم والدقة ما ينبغي أن يوقف عنده .

(27) انظر الأثر رقم : 5722 .

(28) ما بين القوسين زيادة من المخطوطة .

(29) انظرما سلف : 349 ، 350 .

(30) انظر القول في قوله : "ملاقو الله" فيما سلف 2 : 20-22 /4 : 419 .

(31) انظر تفسي"الإذن" فيما سلف 2 : 449 ، 450/ 4 : 287 ، 371 .

(32) انظر معنى"الصبر" فيما سلف 2 : 11 ، 124/ 3 : 214 ، 349 ، وفهارس اللغة .

(33) انظر ما سلف 2 : 17 - 20/ ثم : 265 .

(34) في المطبوعة : "جمعه" ، وأثبت ما في المخطوطة .

(35) في المطبوعة : " فئنك" ، وهو خطأ .

(36) انظر تفسير"فيما سلف 3 : 214 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين فيه إحدى عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : فلما فصل طالوت بالجنود " فصل " معناه خرج بهم .

فصلت الشيء فانفصل ، أي قطعته فانقطع .

قال وهب بن منبه : فلما فصل طالوت قالوا له : إن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر .

وكان عدد الجنود - في قول السدي - ثمانين ألفا .

وقال وهب : لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض .

والابتلاء : الاختبار .

والنهر والنهر لغتان .

واشتقاقه من السعة ، ومنه النهار وقد تقدم .

قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين .

وقرأ الجمهور " بنهر " بفتح الهاء .

وقرأ مجاهد وحميد الأعرج " بنهر " بإسكان الهاء .

ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم ، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك ، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى ، فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو [ ص: 229 ] في غاية العذوبة والحسن ، فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال .

وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية ، كما قال عروة :واحسوا قراح الماء والماء باردقلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : حسب المرء لقيمات يقمن صلبه .

وقاله بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها ، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة .قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر ، لكن معناه صحيح من غير هذا .الثانية : استدل من قال إن طالوت كان نبيا بقوله : " إن الله مبتليكم " وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه ، وجعل الإلهام ابتلاء من الله لهم .

ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا ، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب .

وقد ذهب قوم إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم ؛ لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم ، وسيأتي بيانه في ( النساء ) إن شاء الله تعالى .الثالثة : قوله تعالى : فمن شرب منه فليس مني شرب قيل معناه كرع .

ومعنى فليس مني أي ليس من أصحابي في هذه الحرب ، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان .

قال السدي : كانوا ثمانين ألفا ، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان ، وفي الحديث من غشنا فليس منا أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا .

قال ( هو النابغة الذبياني ) [ ص: 230 ] :إذا حاولت في أسد فجورا فإني لست منك ولست منيوهذا مهيع في كلام العرب ، يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست مني .الرابعة : قوله تعالى : ومن لم يطعمه فإنه مني يقال : طعمت الشيء أي ذقته .

وأطعمته الماء أي أذقته ، ولم يقل ومن لم يشربه لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر ، ولغة القرآن أفصح اللغات ، فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء .الخامسة : استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع ؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم ، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ، ولهذه المبالغة لم يأت الكلام " ومن لم يشرب منه " .السادسة : لما قال تعالى : ومن لم يطعمه دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا ، قال ابن العربي : وهو الصحيح من المذهب .

قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف .

وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن ، فعلى هذا القول لا يجوز عند التفاضل ، وذلك عنده فيه ربا ؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن .

وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل ، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا .السابعة : قال ابن العربي قال أبو حنيفة : من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه ، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر ، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق ؛ لأن الله سبحانه فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد .

قال : وهذا فاسد لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا ، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث ، فاعلمه .قلت : قول أبي حنيفة أصح ، فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة .

قال الجوهري وغيره : وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء ، وفيه لغة أخرى ( كرع ) بكسر الراء يكرع كرعا .

والكرع : ماء السماء يكرع فيه .

وأما [ ص: 231 ] السنة فذكر ابن ماجه في سننه : حدثنا واصل بن عبد الأعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال : مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد وهذا نص .

وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف .الثامنة : قوله تعالى : إلا من اغترف غرفة بيده الاغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة ، ومنه المغرفة ، والغرف مثل الاغتراف .

وقرئ " غرفة " بفتح الغين وهي مصدر ، ولم يقل ( اغترافة ) ؛ لأن معنى الغرف والاغتراف واحد .

والغرفة المرة الواحدة .

وقرئ " غرفة " بضم الغين وهي الشيء المغترف .

وقال بعض المفسرين : الغرفة بالكف الواحد والغرفة بالكفين .

وقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد .

وقال علي رضي الله عنه : الأكف أنظف الآنية ، ومنه قول الحسن :لا يدلفون إلى ماء بآنية إلا اغترافا من الغدران بالراحالدليف : المشي الرويد .قلت : ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل وآناء النهار ، مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم عليهما السلام إذ طرح القدح فقال أف هذا مع الدنيا .

خرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة ، وقال : لا يلغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مخمرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء .

.

.

الحديث كما تقدم ، وفي إسناده بقية بن الوليد ، قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .

وقال أبو زرعة : إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة .التاسعة : فشربوا منه إلا قليلا منهم قال ابن عباس : شربوا على قدر [ ص: 232 ] يقينهم فشرب الكفار شرب الهيم وشرب العاصون دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فلم يرو ، بل برح به العطش ، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة .العاشرة : قوله تعالى : فلما جاوزه هو الهاء تعود على النهر ، و " هو " توكيد .

" والذين " في موضع رفع عطفا على المضمر في " جاوزه " يقال : جاوزت المكان مجاوزة وجوازا .

والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه .

قال ابن عباس والسدي : جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب ، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون ، فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله .

وأكثر المفسرين : على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة ، فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم!

فقال أولو العزم منهم : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله .

قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا - وما جاز معه إلا مؤمن .الحادية عشرة : قوله تعالى : قال الذين يظنون والظن هنا بمعنى اليقين ، ويجوز أن يكون شكا لا علما ، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء ، فوقع الشك في القتل .قوله تعالى : كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم ، من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته .

وفي قولهم رضي الله عنهم : ( كم من فئة قليلة ) الآية ، تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه .قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل ؟

لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة ، وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري : قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم .

وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم .

فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون [ ص: 233 ] والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة .

قال الله تعالى : اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله ، وقال : وعلى الله فتوكلوا ، وقال : إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ، وقال : ولينصرن الله من ينصره ، وقال : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون .

فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره ، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا ، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: لما تملَّك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك تجهزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل وكانوا عددا كثيرا وجما غفيرا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك فقال: { إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني } فهو عاص ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته { ومن لم يطعمه } أي: لم يشرب منه فإنه مني { إلا من اغترف غرفة بيده } فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشربوا من النهر الشرب المنهي عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكلا على الله، وتضرعا واستكانة وتبرؤا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم، فلهذا قال تعالى: { فلما جاوزه } أي: النهر { هو } أي: طالوت { والذين آمنوا معه } وهم الذين أطاعوا أمر الله ولم يشربوا من النهر الشرب المنهي عنه فرأوا...

قلتهم وكثرة أعدائهم، قالوا أي: قال كثير منهم { لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } لكثرتهم وعَددهم وعُددهم { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله } أي: يستيقنون ذلك، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ، مثبتين لباقيهم ومطمئنين لخواطرهم، وآمرين لهم بالصبر { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } أي: بإرادته ومشيئته فالأمر لله تعالى، والعزيز من أعزه الله، والذليل من أذله الله، فلا تغني الكثرة مع خذلانه، ولا تضر القلة مع نصره، { والله مع الصابرين } بالنصر والمعونة والتوفيق، فأعظم جالب لمعونة الله صبر العبد لله، فوقعت موعظته في قلوبهم وأثرت معهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

فلما فصل طالوت بالجنود ) أي خرج بهم وأصل الفصل : القطع يعني قطع مستقره شاخصا إلى غيره فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل وقيل : ثمانون ألفا لم يتخلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو معذور لعذره وذلك أنهم لما رأوا التابوت لم يشكوا في النصر فتسارعوا إلى الجهاد فقال طالوت : لا حاجة لي في كل ما أرى لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة يشتغل بها ولا رجل عليه دين ، ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ولا أبتغي إلا الشباب النشيط الفارغ فاجتمع له ثمانون ألفا ممن شرطه وكان في حر شديد فشكوا قلة الماء بينهم وبين عدوهم فقالوا : إن المياه قليلة لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا .

( قال ) طالوت ( إن الله مبتليكم ) مختبركم ليرى طاعتكم - وهو أعلم - ( بنهر ) قال ابن عباس والسدي : هو نهر فلسطين وقال قتادة نهر بين الأردن وفلسطين عذب ( فمن شرب منه فليس مني ) أي ليس من أهل ديني وطاعتي ( ومن لم يطعمه ) يشربه ( فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ) قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو " غرفة " بفتح الغين وقرأ الآخرون بضم الغين وهما لغتان قال الكسائي : الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف والغرفة : بالفتح الاغتراف فالضم اسم والفتح مصدر ( فشربوا منه إلا قليلا منهم ) نصب على الاستثناء واختلفوا في القليل الذين لم يشربوا فقال السدي : كانوا أربعة آلاف وقال غيره : ثلاثمائة وبضعة عشر وهو الصحيح .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا عبد الله بن رجاء أنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال : كنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة .

ويروى ثلاثمائة وثلاثة عشر فلما وصلوا إلى النهر وقد ألقي عليهم العطش فشرب منه الكل إلا هذا العدد القليل فمن اغترف غرفة كما أمر الله قوي قلبه وصح إيمانه وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وحمله ودوابه والذين شربوا وخالفوا أمر الله اسودت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو فلم يجاوزوا ولم يشهدوا الفتح .

وقيل : كلهم جاوزوا ولكن لم يحضر القتال إلا الذين لم يشربوا ( فلما جاوزه ) يعني النهر ( هو ) يعني طالوت ( والذين آمنوا معه ) يعني القليل ( قالوا ) يعني الذين شربوا وخالفوا أمر الله وكانوا أهل شك ونفاق ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) قال ابن عباس رضي الله عنهما والسدي : فانحرفوا ولم يجاوزوا ( قال الذين يظنون ) يستيقنون ( أنهم ملاقو الله ) الذين ثبتوا مع طالوت ( كم من فئة ) جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه وجمعه فئات وفئون في الرفع وفئين في الخفض والنصب ( قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ) بقضائه وإرادته ( والله مع الصابرين ) بالنصر والمعونة .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فلمَّا فصل» خرج «طالوت بالجنود» من بيت المقدس وكان الحر شديدا وطلبوا منه الماء «قال إن الله مبتليكم» مختبركم «بنهر» ليظهر المطيع منكم والعاصي وهو بين الأردن وفلسطين «فمن شرب منه» أي من مائه «فليس مني» أي من أتباعي «ومن لم يطعمه» يذقه «فإنه مني إلا من اغترف غرفة» بالفتح والضم «بيده» فاكتفى بها ولم يزد عليها فإنه مني «فشربوا منه» لما وافوه بكثرة «إلا قليلا منهم» فاقتصروا على الغرفة روي أنها كفتهم لشربهم ودوابهم وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا «فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه» وهم الذين اقتصروا على الغرفة «قالوا» أي الذين شربوا «لا طاقة» قوة «لنا اليوم بجالوت وجنوده» أي بقتالهم وجبنوا ولم يجاوزوه «قال الذين يظنون» يوقنون «أنهم ملاقوا الله» بالبعث وهم الذين جاوزوه «كم» خبرية بمعني كثير «من فئة» جماعة «قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله» بإرادته «والله مع الصابرين» بالعون والنصر.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فلما خرج طالوت بجنوده لقتال العمالقة قال لهم: إن الله ممتحنكم على الصبر بنهر أمامكم تعبرونه؛ ليتميَّز المؤمن من المنافق، فمن شرب منكم من ماء النهر فليس مني، ولا يصلح للجهاد معي، ومن لم يذق الماء فإنه مني؛ لأنه مطيع لأمري وصالح للجهاد، إلا مَن ترخَّص واغترف غُرْفة واحدة بيده فلا لوم عليه.

فلما وصلوا إلى النهر انكبوا على الماء، وأفرطوا في الشرب منه، إلا عددًا قليلا منهم صبروا على العطش والحر، واكتفوا بغُرْفة اليد، وحينئذ تخلف العصاة.

ولما عبر طالوت النهر هو والقلة المؤمنة معه -وهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا لملاقاة العدو، ورأوا كثرة عدوهم وعدَّتهم، قالوا: لا قدرة لنا اليوم بجالوت وجنوده الأشداء، فأجاب الذين يوقنون بلقاء الله، يُذَكِّرون إخوانهم بالله وقدرته قائلين: كم من جماعة قليلة مؤمنة صابرة، غلبت بإذن الله وأمره جماعة كثيرة كافرة باغية.

والله مع الصابرين بتوفيقه ونصره، وحسن مثوبته.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما دار بين طالوت وجنوده فقال : ( فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) .( فَصَلَ ) بمعنى الفصل .

قال الزمخشري : " فصل عن موضع كذا : إذا انفصل عنه وجاوزه .

وأصله فصل نفسه .

ثم كثر : حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل .

وقيل : فصل عن البلد فصولا .

ويجوز أن يكون فصله فصلا ، وفصل فصولا كوقف وصد ونحوهما والمعنى انفصل عن بلده .

"و ( النهر ) بالفتح والسكون - : المجرى الواسع الذي يجري فيه الماء مأخوذ من نهر الأرض بمعنى شقها .أي : فلما انفصل بهم عن المكان الذي كانوا يقيمون فيه ، وتوجهوا معه لقتال جالوت وجنوده ، قال لهم ( إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ) أي مختبركم وممتحنكم بنهر ، وكان طالوت قد سار بهم في أرض قفرة فأصابهم عطش شديد .

وفي هذا الابتلايء اختبار لعزيمتهم ، وامتحان لصبرهم على المتاعب حتى يتميز من يصير على الحرب ممن لا يصبر ، ومن شأن القواد الأقوياء العقلاء أنهم يختبرون جنودهم قبل اقتحام المعارك حتى يكونوا على بينة من أمرهم .

ثم بين لهم موضع الاختبار فقال .

( فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ) .( يَطْعَمْهُ ) أي يذقه من طعم الشيء يطعمه إذا ذاقه مأكولا أو مشروباً .( الغرفة ) - بالضم - اسم للشيء المغترف وجمعه غراف .

وأما الغرفة - بالفتح - فهي اسم للمرأة الواحدة من الغرف وقيل : هما لغتان بمعنى واحد .أي قال لهم طالوت : من شرب من هذا النهر فليس من شيعتي ، فعليه أن يتركني ولا يصاحبني في خوض هذه المعركة لأنه ثبت ضعفه وخوره ، ومن لم يذقه أصلا فإنه من شيعتي وحزبي الذي سكيون معي في هذه المعركة الخطيرة .

ثم أباح لهم أن يغترفوا من النهر غرفة يخففون بها من عطشهم فقال : ( إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ) فإنه لا يخرج بذل عن كونه منى .وفي هذه الجملة الكريمة قدم - سبحانه - جواب الشرط على الاستثناء من الشرط فقد قال ( وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ) والتأليف المعهود للناس أن يقال : ( ومن لم يطعمه إلا من اغترف بيده فإنه منى ) ولكن الآية الكريمة جاءت بتقديم الجواب على الاستثناء لحكمه بليغه ، وهي المسارعة إلى بيان الحكم ، وإثبات أن أساس الصلة التي تربطهم بنبيهم أن يمتثلوا أمره وألا يشربوا من النهر ، ثم رخص لهم بعد ذلك في الاغتراف باليد غرفة واحدة .وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذا المعنى فقال : فإن قلت : مم استثنى قوله ( إِلاَّ مَنِ اغترف ) قلت : من قوله : ( فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ) والجملة الثانية في حكم المتأخرة إلا أنها قدمت للعناية .

.

ومعناه : " الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع " .ثم ختم - سبحانه - ما كان من بني إسرائيل نتيجة لهذا الامتحان فقال : ( فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ) .أي : فشربوا من النهر حتى امتلأت بطونهم مخالفين بذلك أمر قائدهم في وقت تعظم فيه المخالفة لأنه وقت إقدام على الحرب ، إلا عدداً قليلا منهم فإنهم لم يشربوا إلا كما رخص لهم قائدهم .

وعلى هذا التفسير - الذي قال به جمهور المفسرين - يكون جميع الذين مع طالوت قد شربوا من النهر إلا أن كثيراً منهم قد شربوا حتى امتلأت بطونهم مخالفين أمر قائدهم ، وقلة منهم شربت غرفة واحدة وهي التي رخص لهم قائدهم في شربها .وبعض المفسرين يقسم اتباع طالوت ثلاثة أقسام :قسم شرب كثيراً مخالفاً أمر طالوت .وقسم شرب غرفة واحدة بيده كما رخص له قائده .وقسم لم يشرب أصلا لا قليلاً ولا كثيراً مؤثراً العزيمة على الرخصة وهذا القسم هو الذي اعتمد عليه طالوت اعتماداً كبيراً في تناوله لأعدائه .وممن ذكر هذا التقسيم من المفسرين الإِمام القرطبي فقد قال : " قال ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم ، فشرب الكفار شرب الهيم ، وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئاً ، وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فلم يرو بل برح به العطش ، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة " .ثم بين - سبحانه - ما كان من أتباع طالوت بعد اجتيازهم للنهر معه فقال : ( فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِه ) .أي : فلما جاوز طالوت ومن معه النهر وتخطوه ، وشاهدوا كثرة جند جالوت ، قال بعض الذين مع طالوت لبعض بقلق ووجل : لا قدرة لنا اليوم على محاربة أعدائنا ومقاومتهم فهم أكثر منا عَدداً ، وأوفر عُددا .والضمير ( هو ) في قوله : ( هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ ) مؤكد للضمير المستكن في جاوز .

والقائلون ، هذا القول هم بعض المؤمنين الذين عبروا معه النهر ، ولم يقولوا ذلك هروباً أو نكوصاً عن القتال ، وإنما قالوه كمظهر من مظاهر الوجل الذي يعتري بعض النفوس عند الاستعداد للقتال ، لأن الذين عصوا الله وخالفوا طالوت بشربهم من النهر جبنوا عن لقاء العدو ولم يسيروا معه لقتالهم .

أما المؤمنون الصادقون الذين اتصلت قلوبهم بالله ، والذين أذعنوا أنه لا نصر إلأا منه ولا اعتماد إلا عليه ، فقد حكى القرآن موقفهم المشرف فقال : ( قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين ) .أي : قال الذين يتيقنون أنهم ملاقوا الله يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم .

قالوا مشجعين لإخوانهم الذين تهيبوا قتال أعدائهم : كم من جماعة قليلة بإيمانها وصبرها تغلبت بإذن الله وتيسيره على جماعة كثيرة بسبب كفرها وجبنها وتفككها ، والله - تعالى - بعونه وتأييده مع الصابرين .وعلى هذا التفسير يكون المراد بلقاء الله الحشر إليه بعد الموت ، ومجازاة الناس على ما قدموا من عمل ، ويكون المراد بالظن اليقين لأن كل مؤمن متيقن بأن البعث حق .ويجوز أن يكون المراد بلقاء الله قربهم من رضاه يوم القيامة ، وإثابتهم على جهادهم بالجنة ، وعليه يكون الظن على معناه الحقيقي وهو الاعتقاد الراجح ، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب .و ( كم ) في قولهم ( كَم مِّن فِئَةٍ ) خبرية للتكثير ، وفي هذا التعبير الذي حكاه القرآن عنهم دليل على قواه إيمانهم وصفاء نفوسهم وثقتهم في نصر الله ثقة لا تحد ، لأنهم أتوا بصيغة التكثير حتى لكأنما أن القاعدة العامة هي انتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة الكافرة .وفي تعليقهم النصر على إذن الله للإِشعار بأنهم لم يعتمدوا على قوتهم وثباتهم وشجاعتهم فحسب وإنما جعلوا اعتمادهم الأكبر على تأييد الله لهم .

وهذا شأن العقلاء يبذلون أقصى جهدهم في بلوغ غايتهم مستعينين على ذلك بتأييد الله وتوفيقه .ورحم الله الإِمام القرطبي الذي عاصر دول الإِسلام في الأندلس وهي تسير في طريق الضعف والتدهور فقد قال في ختام تفسيره لهذه الآية : قلت : هكذا يجب علينا أن نفعل؟

لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة ، منعت من ذلك حتى انكسر العدد الكبير منا أمام اليسير من العدو وكما شاهدناه غير مرة ، وذلك بما كسبت أيدينا!

وفي البخاري : وقال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم .

وفي البخاري - أيضاً - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل ، والاعتماد ضعيف ، والتقوى زائلة!!

قال - تعالى - : ( اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ واتقوا الله ) وقال : ( وَعَلَى الله فتوكلوا ) وقال : ( إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ ) وقال : ( وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ ) وقال : ( إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ ) فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم ﴿ إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكًا ﴾ كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى، ثم إن ذلك النبي لما قال: ﴿ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً في كون طالوت ملكاً، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق، ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر يدل على كون ذلك النبي صادقاً في ذلك الكلام، ويدل أيضاً على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام، ومحمد عليه الصلاة والسلام، فلهذا قال تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءَايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن مجيء ذلك التابوت لابد وأن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله، دالة على صدق تلك الدعوى، ثم قال أصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت، قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كلّ من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما، حتى أتوا منزل طالوت، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكاً لهم، فذلك هو قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أن يأتيكم التابوت ﴾ والإتيان على هذا مجاز، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعاً، كما يقال: ربحت الدراهم، وخسرت التجارة.

والرواية الثانية: أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه، وكان من خشب، وكانوا يعرفونه، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل، ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران، بل نزل من السماء إلى الأرض، والملائكة كانوا يحفظونه، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً، لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل: حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق، وإن كان الحامل غيره.

واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة، ثم فيه احتمالان أحدهما: أن يكون مجئ التابوت معجزاً، وذلك هو الذي قررناه والثاني: أن لا يكون التابوت معجزاً، بل يكون ما فيه هو المعجز، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خالياً، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت، ثم إن النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتاباً يدل على أن ملكهم هو طالوت، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزاً قاطعاً دالاً على أنه من عند الله تعالى، ولفظ القرآن يحتمل هذا، لأن قوله: ﴿ يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: وزن التابوت إما أن يكون فعلوتاً أو فاعولاً، والثاني مرجوح، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد، نحو: سلس وقلق، فلا يقال: تابوت من تبت قياساً على ما نقل، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول، وهو أنه فعلوت من التوب، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

المسألة الثالثة: قرأ الكل: التابوت بالتاء، وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

المسألة الرابعة: من الناس من قال: إن طالوت كان نبياً، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبياً، ولا يقال: إن هذا كان من كرامات الأولياء، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي، وهذا كان على سبيل التحدي، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات.

والجواب: لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه.

أما قوله تعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ السكينة ﴾ فعيلة من السكون، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم، نحو: القضية والبقية والعزيمة.

المسألة الثانية: اختلفوا في السكينة، وضبط الأقوال فيها أن نقول: المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئاً حاصلاً في التابوت أو ما كان كذلك.

والقسم الثاني: هو قول أبي بكر الأصم، فإنه قال: ﴿ آية مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك، وتزول نفرتكم عنه، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلابد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية.

وأما القسم الأول: وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعاً في التابوت، وعلى هذا ففيه أقوال الأول: وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام، بأن الله ينصر طالوت وجنوده، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني: وهو قول علي عليه السلام: كان لها وجه كوجه الإنسان، وكان لها ريح هفافة والثالث: قول ابن عباس رضي الله عنهما: هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر.

القول الرابع: وهو قول عمرو بن عبيد: إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم.

واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن، وهو كقوله في قصة الغار: ﴿ فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين  ﴾ فكذا قوله تعالى: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ معناه الأمن والسكون.

واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين: الأول: أن قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ يدل على كون التابوت ظرفاً للسكينة والثاني: وهو أنه عطف عليه قوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى ﴾ فكما أن التابوت كان ظرفاً للبقية وجب أن يكون ظرفاً للسكينة.

والجواب عن الأول: أن كلمة ﴿ فِى ﴾ كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام: «في النفس المؤمنة مائة من الإبل».

وقال: «في خمس من الإبل شاة» أي بسببه فقوله في هذه الآية: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ أي بسببه تحصل السكينة.

والجواب عن الثاني: لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما.

وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعاً في التابوت فقالوا: البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم.

أما قوله: ﴿ آل موسى وآل هارون ﴾ ففيه قولان الأول: قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري: «لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» وأراد به داود نفسه، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام.

والقول الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون، فيكون الآل هم الأتباع، قال تعالى: ﴿ ادخلوا آل فرعون أشد العذاب  ﴾ .

وأما قوله: ﴿ تَحْمِلُهُ الملائكة ﴾ فقد تقدم القول فيه.

وأما قوله: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي.

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود ﴾ فيه مسائل.

المسألة الأولى: اعلم أن وجه اتصال هذه الآية بما قبلها يظهر بتقدير محذوف يدل عليه باقي الكلام، والتقدير أنه لما أتاهم بآية التابوت أذعنوا له، وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

فلما فصل بهم أي فارق بهم حد بلده وانقطع عنه، ومعنى الفصل القطع، يقال: قول فصل، إذا كان يقطع بين الحق والباطل وفصلت اللحم عن العظم فصلاً وفاصل الرجل شريكه وامرأته فصالاً، ويقال للفطام فصال، لأنه يقطع عن الرضاع، وفصل عن المكان قطعه بالمجاوزة عنه، ومنه قوله: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ العير  ﴾ قال صاحب الكشاف قوله: فصل عن موضع كذا أصله فصل نفسه، ثم لأجل الكثرة في الاستعمال حذفوا المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كما يقال انفصل والجنود جمع جند وكل صنف من الخلق جند على حدة، يقال للجراد الكثيرة إنها جنود الله، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: «الأرواح جنود مجندة».

المسألة الثانية: روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل يبني بناءً لم يفرغ منه ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن عليها ولا أبغي إلا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع إليه ممن اختار ثمانون ألفاً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا القائل من كان فقال الأكثرون: أنه هو طالوت وهذا هو الأظهر لأن قوله لابد وأن يكون مسنداً إلى مذكور سابق، والمذكور السابق هو طالوت، ثم على هذا يحتمل أن يكون القول من طالوت لكنه تحمله من نبي الوقت، وعلى هذا التقدير لا يلزم أن يكون طالوت نبياً ويحتمل أن يكون من قبل نفسه فلابد من وحي أتاه عن ربه، وذلك يقتضي أنه مع الملك كان نبياً.

والقول الثاني: أن قائل هذا القول هو النبي المذكور في أول الآية، والتقدير: فلما فصل طالوت بالجنود قال لهم نبيهم: ﴿ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ ونبي ذلك الوقت هو اشمويل عليه السلام.

المسألة الثانية: في حكمة هذا الابتلاء وجهان الأول: قال القاضي: كان مشهوراً من بني إسرائيل أنهم يخالفون الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة فأراد الله تعالى إظهار علامة قبل لقاء العدو يتميز بها من يصبر على الحرب ممن لا يصبر لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو، فلما كان هذا هو الصلاح قبل مقاتلة العدو لا جرم قال: ﴿ فَإِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ الثاني: أنه تعالى ابتلاهم ليتعودوا الصبر على الشدائد.

المسألة الثالثة: في النهر أقوال أحدها: وهو قول قتادة والربيع، أنه نهر بين الأردن وفلسطين والثاني: وهو قول ابن عباس والسدي: أنه نهر فلسطين، قال القاضي: والتوفيق بين القولين أن النهر الممتد من بلد قد يضاف إلى أحد البلدين.

القول الثالث: وهو الذي رواه صاحب الكشاف: أن الوقت كان قيظاً فسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً فقال: إن الله مبتليكم بما اقترحتموه من النهر.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ ﴾ أي ممتحنكم امتحان العبد كما قال: ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ  ﴾ ولما كان الابتلاء بين الناس إنما يكون لظهور الشيء، وثبت أن الله تعالى لا يثبت، ولا يعاقب على علمه، إنما يفعل ذلك بظهور الأفعال بين الناس، وذلك لا يحصل إلا بالتكليف لا جرم سمي التكليف ابتلاء، وفيه لغتان بلا يبلو، وابتلى يبتلي، قال الشاعر: ولقد بلوتك وابتليت خليفتي *** ولقد كفاك مودتي بتأدب فجاء باللغتين.

المسألة الخامسة: نهر ونهر بتسكين الهاء وتحريكها لغتان، وكل ثلاثي حشوه حرف من حروف الحلق فإنه يجئ على هذين، كقولك: صخر وصخر، وشعر وشعر، وقالوا: بحر وبحر، وقال الشاعر: كأنما خلقت كفاء من حجر *** فليس بين يديه والندى عمل يرى التيمم في بر وفي بحر *** مخافة أن يرى في كفه بلل أما قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ كالزجر، يعني ليس من أهل ديني وطاعتي، ونظيره قوله تعالى: ﴿ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ﴾ ثم قال قبل هذا: ﴿ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بالمنكر وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف ﴾ وأيضاً نظيره قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا» أي ليس على ديننا ومذهبنا والله أعلم.

المسألة الثانية: قال أهل اللغة ﴿ لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ أي لم يذقه، وهو من الطعم، وهو يقع على الطعام والشراب هذا ما قاله أهل اللغة، وعندي إنما اختير هذا اللفظ لوجهين من الفائدة أحدهما: أن الإنسان إذا عطش جداً، ثم شرب الماء وأراد وصف ذلك الماء بالطيب واللذة قال: إن هذا الماء كأنه الجلاب، وكأنه عسل فيصفه بالطعوم اللذيذة، فقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ معناه أنه وإن بلغ به العطش إلى حيث يكون ذلك الماء في فمه كالموصوف بهذه الطعوم الطيبة فإنه يجب عليه الاحتراز عنه، وأن لا يشربه والثاني: أن من جعل الماء في فمه وتمضمض به ثم أخرجه من الفم، فإنه يصدق عليه أنه ذاقه وطعمه، ولا يصدق عليه أنه شربه، فلو قال: ومن لم يشربه فإنه مني كان المنع مقصوراً على الشرب، أما لما قال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ كان المنع حاصلاً في الشرب وفي المضمضة، ومعلوم أن هذا التكليف أشق، وأن الممنوع من شرب الماء إذا تمضمض به وجد نوع خفة وراحة.

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ ثم قال بعده: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ وكان ينبغي أن يقال: ومن لم يطعم منه ليكون آخر الآية مطابقاً أولها، إلا أنه ترك ذلك اللفظ، واختير هذا لفائدة، وهي أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

قال أبو حنيفة لا يحنث إلا إذا كرع من النهر، حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث، لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربه متصلاً بذلك الشيء، وهذا لا يحصل إلا بأن يشرب من النهر، وقال الباقون إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث، لأن ذلك وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز معروف مشهور.

إذا عرفت هذا فنقول: إن قوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ ظاهره أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر، حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي، فلما كان هذا الاحتمال قائماً في اللفظ الأول ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام، فقال: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى ﴾ أضاف الطعم والشرب إلى الماء لا إلى النهر إزالة لذلك الإبهام.

أما قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ غَرْفَةً ﴾ بفتح الغين، وكذلك يعقوب وخلف، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالضم، قال أهل اللغة الغرفة بالضم الشيء القليل الذي يحصل في الكف، والغرفة بالفتح الفعل، وهو الاغتراف مرة واحدة، ومثله الأكلة والأكلة، يقال: فلان يأكل في النهار أكله واحدة، وما أكلت عندهم إلا أكلة بالضم أي شيئاً قليلاً كاللقمة، ويقال: الحزة من اللحم بالضم للقطعة اليسيرة منه، وحززت اللحم حزة أي قطعته مرة واحدة، ونحوه: الخطوة والخطوة بالضم مقدار ما بين القدمين، والخطوة أن يخطو مرة واحدة، وقال المبرد: غرفة بالفتح مصدر يقع على قليل ما في يده وكثيره والغرفة بالضم اسم ملء الكف أو ما اغترف به.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف ﴾ استثناء من قوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ وهذه الجملة في حكم المتصلة بالاستثناء، إلا أنها قدمت في الذكر للعناية.

المسألة الثالثة: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحمل منها.

وأقول: هذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما: أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاءه مرة واحدة، بغرفة واحدة، بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه وخدمه، ولأن يحمله مع نفسه والثاني: أنه كان يأخذ القليل إلا أن الله تعالى يجعل البركة فيه حتى يكفي لكل هؤلاء، وهذا كان معجزة لنبي ذلك الزمان، كما أنه تعالى كان يروي الخلق العظيم من الماء القليل في زمان محمد عليه الصلاة والسلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبي والأعمش ﴿ إِلاَّ قَلِيلٌ ﴾ قال صاحب الكشاف: وهذا بسبب ميلهم إلى المعنى، وإعراضهم عن اللفظ، لأن قوله: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ ﴾ في معنى: فلم يطيعوه، لا جرم حمل عليه كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

المسألة الثانية: قد ذكرنا أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز الصديق عن الزنديق، والموافق عن المخالف، فلما ذكر الله تعالى أن الذين يكونون أهلاً لهذا القتال هم الذين لا يشربون من هذا النهر، وأن كل من شرب منه فإنه لا يكون مأذوناً في هذا القتال، وكان في قلبهم نفرة شديدة عن ذلك القتال، لا جرم أقدموا على الشرب، فتميز الموافق عن المخالف، والصديق عن العدو، ويروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد، وقع أكثرهم في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله تعالى، فلم يزيدوا على الاغتراف، وأما الذين شربوا وخالفوا أمر الله فاسودت شفاههم وغلبهم العطش ولم يرووا، وبقوا على شط النهر، وجبنوا على لقاء العدو، وأما الذين أطاعوا أمر الله تعالى، فقوي قلبهم وصح إيمانهم، وعبروا النهر سالمين.

المسألة الثالثة: القليل الذي لم يشرب قيل: إنه أربعة آلاف، والمشهور وهو قول الحسن أنهم كانوا على عدد أهل بدر ثلثمائة وبضعة عشر وهم المؤمنون، والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

أما قوله: ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: لا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاع الله تعالى في باب الشرب من النهر، وإنما اختلفوا في أن رجوعهم إلى بلدهم كان قبل عبور النهر أو بعده، وفيه قولان الأول: أنه ما عبر معه إلا المطيع، واحتج هذا القائل بأمور الأول: أن الله تعالى قال: ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ فالمراد بقوله: ﴿ الذين ءامَنُواْ مَعَهُ ﴾ الذين وافقوه في تلك الطاعة، فلما ذكر الله تعالى كل العسكر، ثم خص المطيعين بأنهم عبروا النهر، علمنا أنه ما عبر النهر أحد إلا المطيعين.

الحجة الثانية: الآية المتقدمة وهي قوله تعالى حكاية عن طالوت ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، كالرجل الذي يقول لغيره: لست أنت منا في هذا الأمر، قال: ومعنى ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ ﴾ أي ليتسببوا به إلى الرجوع، وذلك لفساد دينهم وقلبهم.

الحجة الثالثة: أن المقصود من هذا الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي والمتمرد، حتى يصرفهم عن نفسه ويردهم قبل أن يرتدوا عند حضور العدو، وإذا كان المقصود من هذا الابتلاء ليس إلا هذا المعنى كان الظاهر أنه صرفهم عن نفسه في ذلك الوقت وما أذن لهم في عبور النهر.

القول الثاني: أنه استصحب كل جنوده وكلهم عبروا النهر واعتمدوا في إثبات هذا القول على قوله تعالى حكاية عن قوم طالوت ﴿ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق، وهذه الحجة ضعيفة، وبيان ضعفها من وجوه: أحدها: يحتمل أن يقال: إن طالوت لما عزم على مجاوزة النهر وتخلف الأكثرون ذكر المتخلفون أن عذرنا في هذا التخلف أنه لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده فنحن معذورون في هذا التخلف، أقصى ما في الباب أن يقال: إن الفاء في قوله: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ ﴾ تقتضي أن يكون قولهم: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ ﴾ إنما وقع بعد المجاوزة، إلا أنا نقول يحتمل أن يقال: إن طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع من المكالمة، ويحتمل أن يكون المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، وعلى هذا التقدير فالإشكال أيضاً زائل.

والجواب الثاني: أنه يحتمل أن يقال: المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: بعضهم ممن يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالباً على طبعه، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب لا يبالي بالموت في طاعة الله تعالى.

فالقسم الأول: هم الذين قالوا: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم ﴾ .

والقسم الثاني: هم الذين أجابوا بقولهم: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً ﴾ .

والجواب الثالث: يحتمل أن يقال: القسم الأول من المؤمنين لما شاهدوا قلة عسكرهم قالوا: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ فلابد أن نوطن أنفسنا على القتل، لأنه لا سبيل إلى الفرار من أمر الله، والقسم الثاني قالوا: لا نوطن أنفسنا بل نرجو من الله الفتح والظفر، فكان غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الفريق الثاني الترغيب في طلب الفتح والنصرة، وعلى هذا التقدير لا يكون في واحد من القولين ما ينقض الآخر.

المسألة الثانية: الطاقة مصدر بمنزلة الإطاقة، يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة، ومثلها أطاع إطاعة، والاسم الطاعة، وأغار يغير إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة وفي المثل: أساء سمعاً فأساء جابة، أي جواباً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ ففيه سؤال، وهو أنه تعالى لم جعلهم ظانين ولم يجعلهم حازمين؟.

وجوابه: أن السبب فيه أمور الأول: وهو قول قتادة: أن المراد من لقاء الله الموت، قال عليه الصلاة والسلام: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه».

وهؤلاء المؤمنون لما وطنوا أنفسهم على القتل، وغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت، لا جرم قيل في صفتهم: إنهم يظنون أنهم ملاقوا الله الثاني: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ أي ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك لأن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، فلابد أن يكون ظاناً راجياً وإن بلغ في الطاعة أبلغ الأمر، إلا من أخبر الله بعاقبة أمره، وهذا قول أبي مسلم وهو حسن.

الوجه الثالث: أن يكون المعنى: قال الذين يظنون أنهم ملاقوا طاعة الله، وذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يكون قاطعاً بأن هذا العمل الذي عمله طاعة، لأنه ربما أتى فيه بشيء من الرياء والسمعة، ولا يكون بنية خالصة فحيئذٍ لا يكون الفعل طاعة، إنما الممكن فيه أن يظن أنه أتى به على نعت الطاعة والإخلاص.

الوجه الرابع: أنا ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ ﴾ أن المراد بالسكينة على قول بعض المفسرين أنه كان في التابوت كتب إلهية نازلة على الأنبياء المتقدمين، دالة على حصول النصر والظفر لطالوت وجنوده، ولكنه ما كان في تلك الكتب أن النصر والظفر يحصل في المرة الأولى أو بعدها، فقوله: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ يعني الذين يظنون أنهم ملاقوا وعد الله بالظفر، وإنما جعله ظناً لا يقيناً لأن حصوله في الجملة وإن كان قطعاً إلا أن حصوله في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل حسن الظن.

الوجه الخامس: قال كثير من المفسرين: المراد بقوله: ﴿ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله ﴾ أنهم يعلمون ويوقنون، إلا أنه أطلق لفظ الظن على اليقين على سبيل المجاز لما بين الظن واليقين من المشابهة في تأكد الاعتقاد.

أما قوله: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد منه تقوية قلوب الذين قالوا: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ والمعنى أنه لا عبرة بكثرة العدد إنما العبرة بالتأييد الإلهي، والنصر السماوي، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة.

المسألة الثانية: الفئة: الجماعة، لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: أصل الفئة من قولهم: فأوت رأسه بالسيف، وفأيت إذا قطعت، فالفئة الفرقة من الناس، كأنها قطعة منهم.

المسألة الثالثة: قال الفراء: لو ألغيت من هاهنا جاز في فئة الرفع والنصب والخفض، أما النصب فلأن ﴿ كَمْ ﴾ بمنزلة عدد فنصب ما بعده نحو عشرين رجلاً، وأما الخفض فبتقدير دخول حرف ﴿ مِنْ ﴾ عليه، وأما الرفع فعلى نية تقديم الفعل كأنه قيل: كم غلبت فئة.

وأما قوله: ﴿ والله مَعَ الصابرين ﴾ فلا شبهة أن المراد المعونة والنصرة، ثم يحتمل أن يكون هذا قولاً للذين قالوا: ﴿ كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ﴾ ويحتمل أن يكون قولاً من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَصْلٌ ﴾ عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله: فصل نفسه، ثم كثر محذوف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي كانفصل.

وقيل: فصل عن البلد فصولاً.

ويجوزأن يكون: فصله فصلاً، وفصل فصولاً كوقف وصدّ ونحوهما.

والمعنى: انفصل عن بلده ﴿ بالجنود ﴾ روي أنه قال لقومه: لا يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا رجل متزوّج بامرأة لم يبن عليها، ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه مما اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة، فسألوا أن يجري الله لهم نهراً، ف ﴿ قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم ﴾ بما اقترحتموه من النهر ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ﴾ فمن ابتدأ شربه من النهر بأن كرع فيه ﴿ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ فليس بمتصل بي ومتحد معي، من قولهم: فلان مني، كأنه بعضه؛ لاختلاطهما واتحادهما.

ويجوز أن يراد فليس من جملتي وأشياعي ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ ﴾ ومن لم يذقه، من طعم الشيء، إذا ذاقه.

ومنه طِعم الشيء، لمذاقه.

قال: وَإنْ شِئْت لَمْ أطْعَمْ نَقَاخاً وَلاَ بَرْدَا ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم.

ويقال: ما ذقت غماضاً.

ونحوه من الابتلاء: ما ابتلى الله به أهل أيلة من ترك الصيد مع إتيان الحيتان شرَّعاً، بل هو أشد منه وأصعب.

وإنما عرف ذلك طالوت بإخبار من النبي.

وإن كان نبياً كما يروي عن بعضهم فبالوحي.

وقرئ ﴿ بنهر ﴾ بالسكون.

فإن قلت: ممَّ استثنى قوله: ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف ﴾ ؟

قلت: من قوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي ﴾ والجملة الثانية في حكم المتأخرة، إلا أنها قدّمت للعناية كما قدم ﴿ والصابئون ﴾ [المائدة: 69] في قوله: ﴿ إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون ﴾ ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، والدليل عليه قوله: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ ﴾ أي فكرعوا فيه ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ ﴾ وقرئ: ﴿ غَرفة ﴾ بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف.

وقرأ أبيّ والأعمش: ﴿ إلا قليل ﴾ ، بالرفع.

وهذا من ميلهم مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً، وهو باب جليل من علم العربية.

فلما كان معنى ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ ﴾ في معنى فلم يطيعوه، حمل عليه، كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

ونحوه قول الفرزدق: ............

لمْ يَدَعْ ** مِنَ الْمَالِ إلاّ مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ كأنه قال: لم يبق من المال إلا مسحت أو مجلف.

وقيل: لم يبق مع طالوت إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً ﴿ والذين ءامَنُواْ ﴾ يعني القليل ﴿ قَالَ الذين يَظُنُّونَ ﴾ يعني الخُلّص منهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاه الله وأيقنوه.

أو الذين تيقنوا أنهم يستشهدون عما قريب ويلقون الله، والمؤمنون مختلفون في قوة اليقين ونصوع البصيرة.

وقيل: الضمير في ﴿ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ﴾ للكثير الذين انخذلوا، والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه، كأنهم تقاولوا بذلك والنهر بينهما.

يظهر أولئك عذرهم في الانخذال، ويرد عليهم هؤلاء ما يعتذرون به.

وروي: أنّ الغرفة كانت تكفي الرجل لشربه وإداوته.

والذين شربوا منه اسودّت شفاههم وغلبهم العطش.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ ﴾ انْفَصَلَ بِهِمْ عَنْ بَلَدِهِ لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وأصْلُهُ فَصَلَ نَفْسَهُ عَنْهُ ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ حُذِفَ مَفْعُولُهُ صارَ كاللّازِمِ.

رُوِيَ: أنَّهُ قالَ لَهم لا يَخْرُجُ مَعِي إلّا الشّابُّ النَّشِيطُ الفارِغُ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا فَسَلَكُوا مَفازَهُ وسَألُوهُ أنْ يُجْرِيَ اللَّهُ لَهم نَهْرًا.

﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ ﴾ مَعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِما اقْتَرَحْتُمُوهُ.

﴿ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ فَلَيْسَ مِن أشْياعِي، أوْ لَيْسَ بِمُتَّحِدٍ مَعِي.

﴿ وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ أيْ مِن لَمْ يَذُقْهُ مِن طَعِمَ الشَّيْءَ إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا أوْ مَشْرُوبًا قالَ الشّاعِرُ: وإنْ شِئْتُ لَمْ أطْعِمْ نُقاخًا ولا بَرَدا وَإنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ إنْ كانَ نَبِيًّا كَما قِيلَ، أوْ بِإخْبارِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿ إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ فَمَن شَرِبَ مِنهُ، وإنَّما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ لِلْعِنايَةِ بِها كَما قُدِّمَ والصّائِبُونَ عَلى الخَبَرِ في قَوْلِهِ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا ﴾ والمَعْنى الرُّخْصَةُ في القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ ﴿ غُرْفَةً ﴾ بِضَمِّ الغَيْنِ.

﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ أيْ فَكَرَعُوا فِيهِ إذِ الأصْلُ في الشُّرْبِ مِنهُ أنْ لا يَكُونَ بِوَسَطٍ، وتَعْمِيمُ الأوَّلِ لِيَتَّصِلَ الِاسْتِثْناءُ، أوْ أفْرَطُوا في الشُّرْبِ مِنهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم.

وقُرِئَ بِالرَّفْعِ حَمْلًا عَلى المَعْنى فَإنَّ قَوْلَهُ فَشَرِبُوا مِنهُ في مَعْنى فَلَمْ يُطِيعُوهُ والقَلِيلُ كانُوا ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.

وقِيلَ ثَلاثَةُ آلافٍ.

وقِيلَ: ألْفًا.

رُوِيَ أنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلى الغُرْفَةِ كَفَتْهُ لِشُرْبِهِ وإداوَتِهِ، ومَن لَمْ يَقْتَصِرْ غَلَبَ عَلَيْهِ واسْوَدَّتْ شَفَتُهُ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَمْضِيَ وهَكَذا الدُّنْيا لِقاصِدِ الآخِرَةِ.

﴿ فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ أيِ القَلِيلُ الَّذِينَ لَمْ يُخالِفُوهُ.

﴿ قالُوا ﴾ أيْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.

﴿ لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ ﴾ أيْ قالَ الخُلَّصُ مِنهُمُ الَّذِينَ تَيَقَّنُوا لِقاءَ اللَّهِ وتَوَقَّعُوا ثَوابَهُ، أوْ عَلِمُوا أنَّهم يَسْتَشْهِدُونَ عَمّا قَرِيبٌ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى.

وقِيلَ: هُمُ القَلِيلُ الَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ، والضَّمِيرُ في ﴿ قالُوا ﴾ لِلْكَثِيرِ المُنْخَذِلِينَ عَنْهُ اعْتِذارًا في التَّخَلُّفِ وتَخْذِيلًا لِلْقَلِيلِ، وكَأنَّهم تَقاوَلُوا بِهِ والنَّهْرُ بَيْنَهُما.

﴿ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ بِحُكْمِهِ وتَيْسِيرِهِ، وكَمْ تَحْتَمِلُ الخَبَرَ والِاسْتِفْهامَ، ومِن مُبَيِّنَةٌ أوْ مَزِيدَةٌ.

والفِئَةُ الفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ إذا شَقَقْتَهُ، أوْ مِن فاءَ رَجَعَ فَوَزْنُها فِعَةٌ أوْ فِلَةٌ.

﴿ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ .

بِالنَّصْرِ والإثابَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ} خرج {بالجنود} عن بلده إلى جهاد العدو وبالجنود في موضع الحال أي مختلطاً بالجنود وهم ثمانون ألفاً وكان الوقت قيظاً وسألوا أن يجري الله لهم نهراً {قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم} مختبركم أي يعاملكم معاملة المختبر {بِنَهَرٍ} وهو نهر فلسطين ليتميز المحق في الجهاد من المعذر {فَمَن شَرِبَ مِنْهُ} كريما {فَلَيْسَ مِنّي} فليس من أتباعي

وأشياعي {وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ} ومن لم يذقه من طعم الشئ إذا ذاقه {فَإِنَّهُ مِنّى} وبفتح الياء مدني وأبو عمرو واستثنى {إِلا مَنِ اغترف} من وقوله فمن شرب منه فليس مني والجملة الثانية في حكم المتأخرة عن الاستثناء إلا أنها قدمت للعناية {غُرْفَةً بِيَدِهِ} غرفة حجازي وأبو عمرو بمعنى المصدر وبالضم بمعنى المعروف ومعناه الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكرع والدليل عليه {فَشَرِبُواْ مِنْهُ} أي فكرعوا {إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ} وهم ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً {فَلَمَّا جَاوَزَهُ} أي النهر {هُوَ} طالوت {والذين آمنوا مَعَهُ} أي القليل {قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم} أي لا قوة لنا {بِجَالُوتَ} هو جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد وكان في بيضته ثلثمائة رطل من الحديد {وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله} يوقنون بالشهادة قيل الضمير في قالوا للكثير الذين انخذلوا والذين يظنون هم القليل الذين ثبتوا معه وروى أنه الغرفة كانت تكفى الرجل لشربه وأدواته والذين شربوا منه اسودت شفاههم وغلبهم العطش {كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} كم خبرية وموضعها رفع بالابتداء {غَلبَت} خبرها {فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله} بنصره {والله مَعَ الصابرين} بالنصر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ ﴾ أيِ: انْفَصَلَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ مُصاحِبًا لَهم لِقِتالِ العَمالِقَةِ، وأصْلُهُ فَصْلُ نَفْسِهِ عَنْهُ، ولَمّا اتَّحَدَ فاعِلُهُ ومَفْعُولُهُ شاعَ اسْتِعْمالُهُ مَحْذُوفَ المَفْعُولِ حَتّى نَزَلَ مَنزِلَةَ القاصِرِ كانْفَصَلَ، وقِيلَ: فَصَّلَ فُصُولًا، وجُوِّزَ كَوْنُهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ، مُمْتازًا مِنَ المُتَعَدِّي بِمَصْدَرِهِ؛ كَوَقَفَ وُقُوفًا، ووَقَّفَهُ وقْفًا، وصَدَّ عَنْهُ صُدُودًا، أوْ صَدَّهُ صَدًّا، وهو بابٌ مَشْهُورٌ، والجُنُودُ: الأعْوانُ والأنْصارُ، جَمْعُ جُنْدٍ، وفِيهِ مَعْنى الجَمْعِ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ لِقَوْمِهِ: لا يَخْرُجُ مَعِي رَجُلٌ بَنى بِناءً لَمْ يَفْرَغْ مِنهُ، ولا تاجِرٌ مُشْتَغِلٌ بِالتِّجارَةِ، ولا مُتَزَوِّجٌ بِامْرَأةٍ لَمْ يَبْنِ عَلَيْها، ولا أبْتَغِي إلّا الشّابَّ النَّشِيطَ الفارِغَ، فاجْتَمَعَ إلَيْهِ مِمَّنِ اخْتارَهُ ثَمانُونَ ألْفًا، وقِيلَ: سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ الوَقْتُ قَيْظًا، فَسَلَكُوا مَفازَةً فَسَألُوا نَهْرًا ﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ ﴾ أيْ: مُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يُرِيدُ أنْ يَخْتَبِرَكُمْ؛ لِيَظْهَرَ لِلْعِيانِ الصّادِقُ مِنكم والكاذِبُ ﴿ بِنَهَرٍ ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها وهي لُغَةٌ فِيهِ، وكانَ ذَلِكَ نَهْرَ فِلَسْطِينَ، كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ وعَنْ قَتادَةَ، والرَّبِيعِ: أنَّهُ نَهَرٌ بَيْنَ فِلَسْطِينَ والأُرْدُنِ ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنهُ ﴾ أيِ: ابْتَدَأ شُرْبَهُ لِمَزِيدِ عَطَشِهِ مِن نَفْسِ النَّهْرِ؛ بِأنْ كَرَعَ لِأنَّهُ الشُّرْبُ مِنهُ حَقِيقَةٌ، وهَذا كَثِيرًا ما يَفْعَلُهُ العَطْشانُ المُشْرِفُ عَلى الهَلاكِ، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: فَمَن شَرِبَ مِن مائِهِ مُطْلَقًا ﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ أيْ: مِن أشْياعِي، أوْ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ بِي، ومُتَّحِدٍ مَعِي، فَمِنَ اتِّصالِيَّةٌ وهي غَيْرُ التَّبْعِيضِيَّةِ عِنْدَ بَعْضٍ، وكَأنَّها بَيانِيَّةٌ عِنْدَهُ، وعَيَّنَها عِنْدَ آخَرِينَ ﴿ ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي ﴾ أيْ: مَن لَمْ يَذُقْهُ؛ مِن طَعِمَ الشَّيْءَ: إذا ذاقَهُ مَأْكُولًا كانَ أوْ مَشْرُوبًا، حَكاهُ الأزْهَرِيُّ، عَنِ اللَّيْثِ، وذَكَرَ الجَوْهَرِيُّ أنَّ الطَّعْمَ ما يُؤَدِّيهِ الذَّوْقُ، ولَيْسَ هو نَفْسَ الذَّوْقِ، فَمَن فَسَّرَهُ بِهِ عَلى هَذا؛ فَقَدَ تَوَسَّعَ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِعْمالُ طَعِمَ الماءَ بِمَعْنى ذاقَ طَعْمَهُ مُسْتَفِيضٌ لا يُعابُ اسْتِعْمالُهُ لَدى العَرَبِ العَرْباءِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ وإنْ شِئْتِ لَمْ أطْعَمْ نُقاخًا ولا بَرْدا وأمّا اسْتِعْمالُهُ بِمَعْنى شَرِبَهُ واتَّخَذَهُ طَعامًا فَقَبِيحٌ، إلّا أنْ يَقْتَضِيَهُ المَقامُ، كَما في حَدِيثِ زَمْزَمَ:”طَعامُ طُعْمٍ وشِفاءُ سُقْمٍ“ فَإنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها تُغَذِّي بِخِلافِ سائِرِ المِياهِ، ولا يَخْدِشُ هَذا ما حُكِيَ أنَّ خالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيَّ قالَ عَلى مِنبَرِ الكُوفَةِ وقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِ المُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ: أطْعِمُونِي ماءً، فَعابَتْ عَلَيْهِ العَرَبُ ذَلِكَ وهَجَوْهُ بِهِ وحَمَلُوهُ عَلى شِدَّةِ جَزَعِهِ، وقِيلَ فِيهِ: بَلِ المَنابِرُ مِن خَوْفٍ ومِن وهَلٍ واسْتَطْعَمَ الماءَ لَمّا جَدَّ في الهَرَبِ وألْحَنُ النّاسِ كُلُّ النّاسِ قاطِبَةً ∗∗∗ وكانَ يَوْلَعُ بِالتَّشْدِيقِ بِالخُطَبِ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما عِيبَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ صَدَرَ عَنْ جَزَعٍ، فَكانَ مَظِنَّةَ الوَهْمِ وعَدَمِ قَصْدِ المَعْنى الصَّحِيحِ، وإلّا فَوُقُوعُ مِثْلِهِ في كَلامِهِمْ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُشَكَّ فِيهِ، وإنَّما عَلِمَ طالُوتُ أنَّ مَن شَرِبَ عَصاهُ، ومَن لَمْ يَطْعَمْ أطاعَهُ، بِواسِطَةِ الوَحْيِ إلى نَبِيِّ بَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّما لَمْ يُخْبِرْهُمُ النَّبِيُّ نَفْسُهُ بِتِلْكَ، بَلْ ألْقاهُ إلى طالُوتَ فَأخْبَرَ بِهِ، كَأنَّهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ لِيَكُونَ لَهُ وقْعٌ في قُلُوبِهِمْ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةِ وحْيٍ إلَيْهِ، بِناءً عَلى أنَّهُ نُبِّئَ بَعْدَ أنْ مُلِّكَ، وهو قَوْلٌ لا ثَبْتَ لَهُ، والقَوْلُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالفِراسَةِ والإلْهامِ بَعِيدٌ ﴿ إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ، أوْ ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ، فَإنَّ فُسِّرَ الشُّرْبُ بِالكُرُوعِ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا وإلّا كانَ مُتَّصِلًا، وفائِدَةُ تَقْدِيمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الإيذانُ بِأنَّها مِن تَتِمَّةِ الأُولى، وأنَّ الغَرَضَ مِنها تَأْكِيدُها وتَتْمِيمُها؛ نَهْيًا عَنِ الكُرُوعِ مِن كُلِّ وجْهٍ، وإفادَةَ أنَّ المُغْتَرِفَ لَيْسَ بِذائِقٍ حُكْمًا، فَيُؤَكِّدُ تَرْخِيصَ الِاغْتِرافِ، ولَوْ أُخِّرَتْ لَمْ تُفِدْ هَذِهِ الفَوائِدَ، ولاخْتَلَّ النَّظْمُ لِدَلالَةِ الِاسْتِثْناءِ إذْ ذاكَ عَلى أنَّ المُغْتَرِفَ مُتَّحِدٌ مَعَهُ، ودَلالَةِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ بِمَفْهُومِها عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُتَحَدٍّ مَعَهُ، ولا يَصِحُّ في الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مِن أحَدِ الضَّمِيرَيْنِ الرّاجِعَيْنِ إلى المَوْصُولَيْنِ في الصِّلَةِ؛ لِلْفَصْلِ بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ حِينَئِذٍ بِالخَبَرِ، وأداءُ المَعْنى في الأوَّلِ إلى أنَّ المُجْتَرِئَ في الشُّرْبِ بِغُرْفَةٍ واحِدَةٍ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِهِ مُتَّحِدًا مَعَهُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ شَرِبُوا كُلُّهم إلّا المُغْتَرِفَ لَيْسَ مِنِّي، ولا يَصِحُّ أيْضًا أنْ يَكُونَ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي، أوِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِ في الخَبَرِ خِلافًا لِلْبَعْضِ، إذْ لا فَرْقَ لِأدائِهِ إلى أنَّ المُجْتَرِئَ المَذْكُورَ مُخْرَجٌ مِن حُكْمِ الِاتِّحادِ مَعَهُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: والَّذِينَ لَمْ يَذُوقُوهُ فَإنَّهم كُلَّهم إلّا المُغْتَرِفَ مِنهم مُتَّصِلُونَ بِي مُتَّحِدُونَ مَعِي، ولَيْسَ بِالمُرادِ أصْلًا، والغُرْفَةُ ما يُغْرَفُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأهْلُ المَدِينَةِ: غَرْفَةً بِفَتْحِ الغَيْنِ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، وقِيلَ: الغُرْفَةُ والغَرْفَةُ مَصْدَرانِ، والضَّمُّ والفَتْحُ لُغَتانِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِاغْتَرَفَ، أوْ بِغُرْفَةٍ في قَوْلٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها ﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: فابْتُلُوا بِهِ فَشَرِبُوا، والمُرادُ إمّا كَرَعُوا وهو المُتَبادَرُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما _ أوْ أفْرَطُوا في الشُّرْبِ إلّا قَلِيلًا مِنهم لَمْ يَكْرَعُوا، أوْ لَمْ يُفَرِّطُوا في الشُّرْبِ، بَلِ اقْتَصَرُوا عَلى الغَرْفَةِ بِاليَدِ، وكانَتْ تَكْفِيهِمْ لِشُرْبِهِمْ وإداوَتِهِمْ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ _ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما _ وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا أنَّ مَن شَرِبَ لَمْ يَزْدَدْ إلّا عَطَشًا، وفي رِوايَةٍ: إنَّ الَّذِينَ شَرِبُوا اسْوَدَّتْ شِفاهُهُمْ، وغَلَبَهُمُ العَطَشُ، وكانَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ المُعْجِزَةِ لِذَلِكَ النَّبِيِّ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأعْمَشُ: إلّا قَلِيلٌ بِالرَّفْعِ، وجَعَلُوهُ مِنَ المَيْلِ إلى جانِبِ المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ ﴾ في قُوَّةٍ أنْ يُقالَ: فَلَمْ يُطِيعُوهُ، فَحَقَّ أنْ يَرِدَ المُسْتَثْنى مَرْفُوعًا؛ كَما في قَوْلِ الفَرَزْدَقَ: وعَضُّ زَمانٌ يابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ فَإنَّ قَوْلَهُ: لَمْ يَدْعُ في حُكْمِ لَمْ يَبْقَ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى التَّأْوِيلِ، وجَوَّزَ في المُوجِبِ وجْهَيْنِ: النَّصْبَ وهو الأفْصَحُ، والإتْباعُ لِما قَبْلَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ، وأوْرَدَ لَهُ قَوْلَهُ: وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ فَلَمّا جاوَزَهُ ﴾ أيِ: النَّهْرَ وتَخَطّاهُ ﴿ هُوَ ﴾ أيْ: طالُوتُ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ المُؤَكَّدِ بِالمُنْفَصِلِ، والمُرادُ بِهِمُ القَلِيلُونَ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِمْ، وإيماءً إلى أنَّ مِن عَداهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ ﴿ مَعَهُ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاوَزَ لا بِآمَنُوا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ ( الَّذِينَ )، بِناءً عَلى أنَّ الواوَ لِلْحالِ كَأنَّهُ قِيلَ: ( فَلَمّا جاوَزَهُ ) والحالُ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كائِنُونَ ( مَعَهُ ) ﴿ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ أيْ: لا قُدْرَةَ لَنا بِمُحارَبَتِهِمْ ومُقاوَمَتِهِمْ، فَضْلًا عَنِ الغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، وجالُوتُ كَطالُوتَ، والقائِلُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ، وهو إظْهارُ ضَعْفٍ لا نُكُوصَ، لَمّا شاهَدُوا مِنَ الأعْداءِ ما شاهَدُوا مِنَ الكَثْرَةِ والشِّدَّةِ؛ قِيلَ: كانُوا مِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ شاكِي السِّلاحِ، وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ ألْفٍ ﴿ قالَ ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّشْجِيعِ لِذَلِكَ البَعْضِ، وهو اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ ﴾ أيْ: يَتَيَقَّنُونَ ﴿ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ ﴾ بِالبَعْثِ والرُّجُوعِ إلى ما عِنْدَهُ، وهُمُ الخُلَّصُ مِن أُولَئِكَ، والأعْلَوْنَ إيمانًا فَلا يُنافِي وصْفُهم بِذَلِكَ إيمانَ الباقِينَ، فَإنَّ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ مُتَفاوِتَةٌ، ويُحْتَمَلُ إبْقاءُ الظَّنِّ عَلى مَعْناهُ، والمُرادُ: يَظُنُّونَ أنَّهم يَسْتَشْهِدُونَ عَمّا قَرِيبٌ، ويَلْقَوْنَ اللَّهَ تَعالى، وقِيلَ: المَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ كافَّةً، وضَمِيرُ ( قالُوا ) لِلْمُنْخَزِلِينَ عَنْهُمْ، كَأنَّهم قالُوا ذَلِكَ اعْتِذارًا عَنِ التَّخَلُّفِ والنَّهْرِ بَيْنَهُما، ولا يَخْفى بَعْدَهُ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهم قالُوا هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ لِقاءِ العَدُوِّ، ولَمْ يَكُنِ المُنْخَزِلُونَ إذْ ذاكَ مَعَهُمْ، وأيْضًا أيُّ حاجَةٍ إلى إبْداءِ العُذْرِ عَنِ التَّخَلُّفِ، مَعَ ما سَبَقَ مِن طالُوتَ أنَّ الكارِعِينَ لَيْسُوا مِنهُ في شَيْءٍ، فَلَوْ لَمْ يَنْخَزِلُوا لَمُنِعُوا مِنَ الذَّهابِ ( مَعَهُ ﴿ كَمْ مِن فِئَةٍ ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ النّاسِ وجَماعَةٍ؛ مِن فَأوْتَ رَأْسَهُ إذا شَقَقْتَهُ، أوْ مِن فاءَ إلَيْهِ إذا رَجَعَ، وأصْلُها عَلى الأوَّلِ فِيوَةٌ؛ فَحُذِفَتْ لامُها فَوَزْنُها فِعَةٌ، وأصْلُها عَلى الثّانِي فِيئَةٌ؛ فَحُذِفَتْ عَيْنُها فَوَزْنُها فِلَةٌ، و( كَمْ ) هُنا خَبَرِيَّةٌ، ومَعْناها كَثِيرٌ، و( مِن ) زائِدَةٌ، و( فِئَةٍ ) تَمْيِيزٌ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ ( مِن فِئَةٍ ) في مَوْضِعِ رَفْعِ صِفَةٍ لِـ ( كَمْ ) كَما تَقُولُ: عِنْدِي مِائَةٌ مِن دِرْهَمٍ ودِينارٍ، وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ كَمِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، ولَعَلَّهُ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ونُقِلَ عَنِ الرِّضى أنَّ ( مِن ) لا تَدْخُلُ بَعْدَ ( كَمِ ) الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فالقَوْلُ بِالخَبَرِيَّةِ أوْلى ﴿ قَلِيلَةٍ ﴾ نَعْتٌ لِفِئَةٍ عَلى لَفْظِها ﴿ غَلَبَتْ ﴾ أيْ: قَهَرَتْ عِنْدَ المُحارَبَةِ ﴿ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ أيْ: بِحُكْمِهِ وتَيْسِيرِهِ، ولَمْ يَقُولُوا أطاقَتْ حَسْبَما وقَعَ في كَلامِ أصْحابِهِمْ؛ مُبالَغَةً في تَشْجِيعِهِمْ، وتَسْكِينِ قُلُوبِهِمْ، وإذا حُمِلَ التَّنْوِينُ في ( فِئَةٍ ) الأُولى لِلتَّحْقِيرِ، وفي ( فِئَةً ) الثّانِيَةَ لِلتَّعْظِيمِ؛ كانَ أبْلَغَ في التَّشْجِيعِ، وأكْمَلَ في التَّسْكِينِ، وقَدْ ورَدَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: لَهُ حاجِبٌ عَنْ كُلِّ أمْرٍ يَشِينُهُ ∗∗∗ ولَيْسَ لَهُ عَنْ طالِبِ العُرْفِ حاجِبُ وهَذا كَما تَرى ناشِئٌ مِن كَمالِ إيمانِهِمْ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَصْدِيقِهِمْ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْجِزُهُ إحْياءُ المَوْتى، كَما لا يُعْجِزُهُ إماتَةُ الأحْياءِ، فَضْلًا عَنْ نُصْرَةِ الضُّعَفاءِ، فَلا رَيْبَ في أنَّ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِمّا لَهُ كَمالُ مُلاءَمَةٍ لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ، لا سِيَّما وقَدْ أخَذَ فِيهِ إذْنَ اللَّهِ تَعالى وحُكْمَهُ، ومَن لا يُؤْمِنُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَعالى؛ لا يَكادُ يَقْرَبُ مِن هَذا القَيْدِ قَيْدَ شِبْرٍ، فانْدَفَعَ بِهَذا ما قالَهُ مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ: مِن أنَّ هَذا الجَوابَ كَما تَرى ناشِئٌ مِن كَمالِ ثِقَتِهِمْ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعالى وتَوْفِيقِهِ، ولا دَخْلَ في ذَلِكَ لِظَنِّ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى بِالبَعْثِ، ولا لِتُوقِّعِ ثَوابِهِ _ عَزَّ شَأْنُهُ _ ولا رَيْبَ في أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَدارًا لِلْحُكْمِ الوارِدِ عَلى المَوْصُولِ، ولا أقَلَّ مِن أنَّ يَكُونَ وصْفًا مُلائِمًا لَهُ، فَإنَّ المُلاءَمَةَ عَلى ما جادَ بِهِ هَذا الذِّهْنُ الكَلِيلُ حَصَلَتْ عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، فَلا حاجَةَ في تَحْصِيلِها إلى ما ذَكَرَهُ _ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى _ بَعْدُ؛ مِن إخْراجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ الشّائِعِ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ إلى يَوْمِ مُلاقاتِهِ تَعالى، وحَمْلِ مُلاقاتِهِ سُبْحانَهُ عَلى مُلاقاةِ نَصْرِهِ تَعالى وتَأْيِيدِهِ، وجَعْلِ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ عَنْهُ مُبالَغَةً، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِعْمالِ ذَلِكَ في جَمِيعِ الكِتابِ المَجِيدِ، ولَيْسَ هو مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ المُرادُ مِنهُ المَعِيَّةُ بِالنَّصْرِ والإحْسانِ؛ لِأنَّهُ في سائِرِ القُرْآنِ مَأْلُوفٌ اسْتِعْمالُهُ في مِثْلِ ذَلِكَ، كَما لا يَخْفى، وهو يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الأعْلَيْنَ؛ أُتِيَ بِهِ تَكْمِيلًا لِلتَّشْجِيعِ، وتَرْغِيبًا بِالصَّبْرِ، بِالإشارَةِ إلى ما فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ مِن جِهَتِهِ تَعالى، جِيءَ بِهِ تَقْرِيرًا لِكَلامِهِمْ، ودُعاءً لِلسّامِعِينَ إلى مِثْلِ حالِ هَؤُلاءِ، المُشِيرُ إلَيْها مَقالُهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، يعني الرؤساء والقادة.

وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم.

وقال بعضهم: الناظر إذا نظر إليهم، امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم، وسبوهم، وأخرجوهم من ديارهم.

وكان رئيسهم جالوت، فلما اضطر المسلمون في ذلك جاءوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا-  - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ، يعني أشمويل: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكاً، يعني رجلاً ينتظم به أمرنا.

نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ف قالَ لهم أشمويل: هَلْ عَسَيْتُمْ.

قرأ نافع: هَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين، وقرأ الباقون: بالنصب، وهي اللغة المعروفة.

والأول لغة لبعض العرب هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا، يعني إذا بعث الله لكم ملكاً وفرض عليكم القتال، لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال.

قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يقول: كيف لا نقاتل في سبيل الله وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا.

فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، أي فرض عليهم القتال.

تَوَلَّوْا وتركوا القتال ولم يثبتوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني إن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال.

ثم بيّن لهم القصة بقوله: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه، وقد جعل لكم طالوت ملكاً وكان طالوت فيهم حقير الشأن، وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا.

ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك.

ويقال: كان رجلاً يبيع الخمر، ويقال: كان بقاراً، ويقال: كان دباغاً، ولكنه كان عالماً فرفعه الله بعلمه.

قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا، يعني المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟

لأن منا الملوك.

وَلَمْ يُؤْتَ طالوت سَعَةً مِنَ الْمالِ ينفق علينا.

والملك يحتاج إلى مال ينفق على جنوده وأعوانه.

قالَ لهم نبيهم-  -: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ، يعني اختاره عليكم وَزادَهُ بَسْطَةً، أي فضيلة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان رجلاً جسيماً وكان عالماً.

ويقال: كان عالماً بأمر الحرب.

وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

والواسع في اللغة: هو الغني.

ويقال: واسع بعطية الملك، عالم لمن يعطيه.

ويقال: واسع يعني باسط الرزق، عليم بمن يصلح له الملك.

فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه.

وقالوا له: إن كان الله تعالى أمرك بذلك، فأتنا بآية قال الله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت، وكان التابوت للمسلمين، فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر.

فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في مزبلة- أي في مخرأة لهم- فابتلاهم الله تعالى بالباسور.

ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت، وأصل الجذام من وقت أيوب-  - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل.

فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم، فذلك قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ يعني علامة ملكة أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ.

فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.

قال الكلبي: سكينة أي: طمأنينة، إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم بالظفر.

وقال مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان، فإذا صوَّتت، عرفوا أن النصر لهم.

ويقال: كانت جوهراً أحمر يسمع منه الصوت.

ويقال: كانت ريحاً تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت.

قوله تعالى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، يعني الرضاض من الألواح، وقفيز من منّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون قال الكلبي: وكان التابوت من عود الشمشار الذي يتخذ منه الأمشاط، فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور، عرفوا أن ذلك من التابوت، فقالوا: لعل إله بني إسرائيل الذي فينا، يعنون التابوت، هو الذي يفعل بنا هذا الفعل، فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة، وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما، وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل، فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم.

وذلك قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، يعني الملائكة ساقوا العجلة.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ، يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه.

قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفاً، فصاروا في حر شديد، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء.

ف قالَ لهم طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وهو بين الأردن وفلسطين وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصاً في نيته من غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال، لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر، يدخل الضعف والوهن في العسكر، لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون.

ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي، حتى أخبر طالوت قومه حيث قال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، يعني ليس معي على عدوي، إذا شرب بغير غرفة.

وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، يعني لم يشرب منه يعني غرفة.

فَإِنَّهُ مِنِّي، أي معي على عدوي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: غُرْفَةً بنصب الغين، وقرأ الباقون برفع الغين.

فمن قرأ بالنصب، يكون مصدر غرفة، أي مرة واحدة باليد.

ومن قرأ بالضم، هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل: الخَطوة والخُطوة.

قال بعض المفسرين: الغَرفة بكف واحدة والغُرفة بالكفين.

وقال بعضهم: كلاهما لغتان ومعناهما واحد.

فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش، وقفوا في النهر، فَشَرِبُوا مِنْهُ بغير غرفة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وروي عن رسول الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: «أَنْتُمْ عَلَى عَدَدِ المُرْسَلِينَ وَعَدَدِ قَوْمِ طَالوتَ ثَلاثمائةٍ وثلاثة عشر» ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا.

ويقال: قد ظهر على شفاههم علامة، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب، فردهم وأمسك المخلصين منهم.

فَلَمَّا جاوَزَهُ، يعني جاوز النهر.

هُوَ، يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودنوا إلى عسكر جالوت، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح.

قالُوا، أي المؤمنون: لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، لما رأوا من كثرتهم.

قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم.

ويقال: أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، وهم أهل العلم منهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، يعني كم من جند قليل، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً عدتهم بِإِذْنِ اللَّهِ، أي بنصر الله وأمره، إذا خلصت نيتهم، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة على عدوهم أي معينهم.

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، يقول: خرجوا واصطفوا لجالوت.

دعوا الله تعالى، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، أي أصبب علينا صبراً، معناه ارزقنا الصبر على القتال، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.

قال وكان داود-  - راعياً، وكان له سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم- وكان اسمه إيشا- أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج، مرَّ على حجر فقال له الحجر: خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرَّ بآخر فقال له: خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا، ثم مرَّ بثالث فقال له: خذني فأنا الذي أقتل جالوت، فأخذه وجعله في مخلاته فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال: من يبارزني؟

فلم يخرج إليه أحد.

ثم قال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق، لخرج إلي بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟

فقالوا له: اسكت.

فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته، فمر طالوت به وهو يحرض الناس، فقال له داود: وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

قال طالوت: أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي.

قال داود: فأنا أخرج إليه.

فأعطاه طالوت درعه وسيفه، فلما خرج في الدرع جرها، لأن طالوت كان أطول الناس، فرجع داود إلى طالوت وقال: إني لم أتعود القتال في الدرع، فرد الدرع إليه.

فقال له طالوت: فهل جربت نفسك؟

قال: نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين.

فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غير هذا؟

قال: نعم دخل أسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتها، فقال له: هذا أشد، ثم قال لَّهُ مَا اسمك؟

قال: داود بن إيشا.

فعرفه.

فرأى أنه أجلد إخوته، فأخذ قذافته وخرج.

فلما رآه جالوت قال: خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب؟

فقال له داود: وهل أنت إلا مثل الكلاب؟

قال الكلبي: وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل، فقال له جالوت: إما أن ترميني وإما أن أرميك.

فقال له داود: بل أنا أرميك.

ثم أخذ واحداً من الأحجار الثلاثة فرماه، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: صارت الأحجار كلها واحداً فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: رمى واحداً بعد واحد، فقتل جالوت وخلقاً كثيراً وهزمهم الله بإذنه، فذلك قوله عز وجل: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.

ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه، فقال له وزراؤه: إن دفعت إليه نصف ملكك، فيصير منازعاً لك في ملكك، ويفسد عليك الملك.

فامتنع من ذلك وأراد قتل داود-  - وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك، فتحول الملك كله إلى داود.

ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود.

فذلك قوله عز وجل: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، يعني ملك اثني عشر سبطاً وَالْحِكْمَةَ، يعني النبوة، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب.

وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين- عليهم السلام- ويدفع بالمؤمنين عن الكفار، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أي هلك أهلها.

ويقال: ولولا دفع الله جالوت بطالوت، لهلكت بنو إسرائيل كلهم.

ويقال: ولولا دفع الله البلايا بسبب المطيعين، لهلك الناس كما جاء في الأثر: لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صباً.

وروي عن الحسن أنه قال: لولا الصالحون لهلك الطالحون.

ويقال: لولا ما أمر الله المؤمنين بحرب الكفار، لفسدت الأرض بغلبة الكفار.

ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان، فينتفع بها أهل سائر البلدان وينتفع بعضهم ببعض، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض.

قرأ نافع هاهنا وَلَوْلاَ دِفَاع الله وفي الحج: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [الحج: 38] بالألف.

وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان.

ثم قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم.

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ وهو ما قصّ عليه من أخبار الأمم.

نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي ننزلها بقراءة جبريل عليك بِالْحَقِّ، أي بالصدق.

وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم.

وقال الزجاج تلك آيات الله، أي هذه الآيات التي أنبئت، أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته، إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون وإنك من هؤلاء المرسلين، لأنك قد أتيتهم بالعلامات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ممَّن يؤمن ويُبْصر.

ت: وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريّ المتقدّم.

فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)

وقوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ ...

الآية، أي: لما اتفق ملأهم على تمليك طالوتَ، وفصل بهم، أيْ: خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة.

قال السُّدِّيُّ وغيره: وكانوا ثمانين ألفاً «١» ، قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي:

مختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال.

ت: ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه.

قال ابن عَبَّاس: وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ «٢» ، وقال أيضاً: هو نهر فلسطين «٣» .

قال ع: وظاهرُ قولِ طالوتَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ «١» الصَّابرين على شَظَف «٢» العَيْش الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله:

فَلَيْسَ مِنِّي، أي: ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٣» ، و «مَنْ رَمَانَا بالنّبل، ...

فَلَيْسَ مِنَّا» «١» ، و «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ» «٢» .

وفي قوله: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ سدُّ الذرائعِ لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم،

فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ: ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ.

ص: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ: استثناءٌ من الجملة الأولى، وهو قوله:

فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أيْ: إِلاَّ من اغترف غُرْفة بيَده، دون الكَرْع، / فهو منِّي، ٦٣ أوالاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر، أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل: يعود على الأخيرة، وقيل: إِلى الجميع «١» .

وقال أبو البقاء: إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ «مَنِ» الأولى، وإِنْ شئْتَ مِنْ «مَنِ» الثانيةِ، وتُعُقِّبَ بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، لَلَزِمَ أنْ يكون: مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ليس منه لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات على الصحيح، وليس كذلك لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولى، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولى، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه، فليس منه، فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه، فإِنه منه.

انتهى.

ثم أخبر تعالى أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وانصرف من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين، لم يَشْرَبْ شيئاً، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب، فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله،

وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة «١» .

وقوله تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ...

الآية: أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً.

وقوله تعالى: قالُوا لاَ طاقَةَ.

قال ابن عبَّاس: قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر:

لاَ «٢» طاقَةَ لَنَا على جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالى، وهم عِدَّة أهل بَدْر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ، والظنُّ على هذا القول: اليقينُ والفئةُ: الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم- رضي اللَّه عنهم- كَمْ مِنْ فِئَةٍ ...

الآية: تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، واقتداء بمن صَدَق ربَّه، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بنصره وتأييده.

وقوله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ...

الآية:

بَرَزُوا: معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ: أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة، ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيراً يرعى غنَماً لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه: لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه: يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزاً، فكَعَّ الناسُ عَنْه حتى قال طالوتُ: مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال: أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت: فاركب فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ، وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشى قَليلاً، رجَع، فقال الناسُ: جَبُنَ الفتى، فقَالَ داوُد: إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادَتِي، قال: وكان داوُدُ من أرمى النّاس بالمقلاع، ٦٣ ب فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، / فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت: «أنْتَ، يا فتى، تَخْرُجُ إِلَيَّ» .

قال: نعم، قال: هكذا كما

يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال: نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ: لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ فرُوِيَ أنَّها التأمت، فصارَتْ واحداً، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ، ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، واختلط النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له: إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ «١» الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ «٢» ، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيروى أنَّ طالُوتَ تخلى له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة.

وأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه، فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه- صلَّى اللَّه على نبيِّنا وعلَيْه-.

وقوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ...

الآية:

أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة على مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيراً.

ص: وَلكِنَّ استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه على جميع العالمين لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه إِذ لم يبلِّغه مقاصده واحتيج إلى هذا التقديرِ لأن «لَكِنَّ» تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا- انتهى.

والإِشارةُ ب تِلْكَ إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحاب نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغير ذلك من وجوه العبر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ ﴾ أيْ: خَرَجَ وشَخَصَ.

وفي عَدَدِ مَن خَرَجَ مَعَهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَبْعُونَ ألْفًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: ثَمانُونَ ألْفًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مِائَةُ ألْفٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ: وسارُوا في حَرٍّ شَدِيدٍ، فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالنَّهْرِ.

والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.

وفي النَّهْرِ لُغَتانِ.

إحْداهُما: تَحْرِيكُ الهاءِ، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، والثّانِي: تَسْكِينُها، وبِها قَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، وفي هَذا النَّهْرِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ نَهْرُ فِلِسْطِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ، والثّانِي: نَهْرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِ وفِلِسْطِينَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

ووَجْهُ الحِكْمَةِ في ابْتِلائِهِمْ بِهِ أنْ يَعْلَمَ طالُوتُ مَن لَهُ نِيَّةٌ في القِتالِ مِنهم، ومَن لَيْسَ لَهُ نِيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ أيْ: لَيْسَ مِن أصْحابِي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، "غَرْفَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِضَمِّها، قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ الغَيْنَ، أرادَ المَرَّةَ الواحِدَةَ بِاليَدِ، ومَن ضَمَّها، أرادَ مِلْءَ اليَدِ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّ الغُرْفَةَ كانَ يَشْرَبُ مِنها الرَّجُلُ، ودابَّتُهُ، وخَدَمُهُ ويَمْلَأُ قِرْبَتَهُ.

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: لَمْ يُرِدْ بِهِ غَرْفَةَ الكَفِّ، وإنَّما أرادَ المَرَّةَ الواحِدَةَ بِقِرْبَةٍ أوْ جَرَّةٍ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ.

وفي عَدَدِ القَلِيلِ الَّذِينَ لَمْ يَشْرَبُوا إلّا غَرْفَةً قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرْبَعَةُ آَلافِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وهو الصَّحِيحُ، لِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَهُ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ "أنْتُمْ بِعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ يَوْمَ لِقاءِ جالُوتَ"» وكانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا طاقَةَ لَنا ﴾ أيْ: لا قُوَّةَ لَنا، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: أطَقْتُ الشَّيْءَ إطاقَةً وطاقَةً، وطَوْقًا، مِثْلُ قَوْلِكَ: أطَعْتُهُ إطاعَةً وطاعَةً وطَوْعًا.

واخْتَلَفُوا في القائِلِينَ لِهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ شَرِبُوا أكْثَرَ مِن غَرْفَةٍ، فَإنَّهُمُ انْصَرَفُوا، ولَمْ يَشْهَدُوا، وكانُوا أهْلَ شَكٍّ ونِفاقٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ قَلَّتْ بَصائِرُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قَوْلُ الَّذِينَ جاوَزُوا مَعَهُ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، لِما رَأوْا مِن قِلَّتِهِمْ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ ﴾ في هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ، قالَهُ السُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ الظَّنُّ الَّذِي هو التَّرَدُّدُ، فَإنَّ القَوْمَ تَوَهَّمُوا لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ أنَّهم سَيُقْتَلُونَ فَيَلْقَوْنَ اللَّهَ، قالَهُ الزَّجّاجُ في آَخَرِينَ.

وفي الظّانِّينَ هَذا الظَّنَّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الثَّلاثُمِائَةِ والثَّلاثَةَ عَشَرَ، قالُوا لِلرّاجِعِينَ: كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم أُولُو العَزْمِ والفَضْلِ مِنَ الثَّلاثِمِائَةِ والثَّلاثَةَ عَشَرَ.

والفِئَةُ: الفِرْقَةُ، قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لَهُمْ: فِئَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالعَصا، وفَأيْتُهُ: إذا شَقَقْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِنَصْرِ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ أيْ بِالنَّصْرِ والإعانَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ قالَ إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ .

قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مَتْرُوكٌ مِنَ اللَفْظِ يَدُلُّ مَعْنى ما ذُكِرَ عَلَيْهِ، وهُوَ: "فاتَّفَقَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى طالُوتَ مَلِكًا وأذْعَنُوا وتَهَيَّئُوا لِغَزْوِهِمْ عَدُوَّهم "فَلَمّا فَصَلَ" و"فَصَلَ" مَعْناهُ: خَرَجَ بِهِمْ مِنَ القُطْرِ وفَصَلَ حالَ السَفَرِ مِن حالِ الإقامَةِ.

قالَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانُوا ثَمانِينَ ألْفًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا مَحالَةَ أنَّهم كانَ فِيهِمُ المُؤْمِنُ والمُنافِقُ والمُجِدُّ والكَسْلانُ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمْ يَتَخَلَّفْ عنهُ إلّا ذُو عُذْرٍ مِن صِغَرٍ أو كِبَرٍ أو مَرَضٍ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في النَهْرِ- فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: لَمّا فَصَلَ طالُوتُ قالُوا لَهُ: إنَّ المِياهَ لا تَحْمِلُنا فادْعُ اللهَ يُجْرِ لَنا نَهْرًا، فَقالَ لَهم طالُوتُ: ﴿ إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ ﴾ الآيَةَ.

وقالَ قَتادَةُ: النَهْرُ الَّذِي ابْتَلاهُمُ اللهُ بِهِ هو نَهْرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ- وقالَ أيْضًا هو والسُدِّيُّ: النَهْرُ نَهْرُ فِلَسْطِينَ- وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "بِنَهَرٍ" بِفَتْحِ الهاءِ.

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ، وأبُو السَمّالِ، وغَيْرُهُمْ: "بِنَهْرٍ" بِإسْكانِ الهاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

ومَعْنى هَذا الِابْتِلاءِ أنَّهُ اخْتِبارٌ لَهُمْ، فَمَن ظَهَرَتْ طاعَتُهُ في تَرْكِ الماءِ عُلِمَ أنَّهُ يُطِيعُ فِيما عَدا ذَلِكَ، ومَن غَلَبَ شَهْوَتَهُ في الماءِ وعَصى الأمْرَ فَهو بِالعِصْيانِ في الشَدائِدِ أحْرى.

ورُوِيَ أنَّهم أتَوُا النَهْرَ وهم قَدْ نالَهم عَطَشٌ وهو في غايَةِ العُذُوبَةِ والحُسْنِ، ولِذَلِكَ رُخِّصَ لِلْمُطِيعِينَ في الغُرْفَةِ لِيَرْتَفِعَ عنهم أذى العَطَشِ بَعْضَ الِارْتِفاعِ، ولِيَكْسِرُوا نِزاعَ النَفْسِ في هَذِهِ الحالِ إلى الِاغْتِرافِ بِالأيْدِي لِنَظافَتِهِ وسُهُولَتِهِ، وقَدْ قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "الأكُفُّ أنْظَفُ الآنِيَةِ" ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَدْلِفُونَ إلى ماءٍ بِآنِيَةٍ ∗∗∗ إلّا اغْتِرافًا مِنَ الغُدْرانِ بِالراحِ وَظاهِرُ قَوْلِ طالُوتَ: ﴿ إنَّ اللهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ ﴾ هو أنَّ ذَلِكَ بِوَحْيٍ إلى النَبِيِّ، وإخْبارٍ مِنَ النَبِيِّ لِطالُوتَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِمّا ألْهَمَ اللهُ طالُوتَ إلَيْهِ فَجَرَّبَ بِهِ جُنْدَهُ، وجُعِلَ الإلْهامُ ابْتِلاءً مِنَ اللهِ لَهُمْ، وهَذِهِ النَزْعَةُ واجِبٌ أنْ تَقَعَ مِن كُلِّ مُتَوَلِّي حَرْبٍ، فَلَيْسَ يُحارِبُ إلّا بِالجُنْدِ المُطِيعِ- ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ: "عَلِيٌّ في أخْبَثِ جُنْدٍ وأعْصاهُ، وأنا في أصَحِّ جُنْدٍ وأطْوَعِهِ"، ومِنهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "أفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأْيِي بِالعِصْيانِ".

وبَيِّنٌ أنَّ الغُرْفَةَ كافَّةٌ ضَرَرَ العَطَشِ عِنْدَ الحُزْمَةِ الصابِرِينَ عَلى شَظَفِ العَيْشِ الَّذِينَ هِمَمُهم في غَيْرِ الرَفاهِيَةِ، كَما قالَ عُرْوَةٌ: .................

∗∗∗ ∗∗∗ وأحْسُو قَراحَ الماءِ والماءُ بارِدُ فَيُشْبِهُ أنَّ طالُوتَ أرادَ تَجْرِبَةَ القَوْمِ.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذافَةَ السَهْمِيَّ إنَّما أمَرَ أصْحابَهُ بِإيقادِ النارِ والدُخُولِ فِيها تَجْرِبَةً لِطاعَتِهِمْ لَكِنَّهُ حَمَلَهُ مِزاحُهُ عَلى تَخْشِينِ الأمْرِ الَّذِي كَلَّفَهم.

وقَوْلُهُ: "فَلَيْسَ مِنِّي" أيْ لَيْسَ مِن أصْحابِي في هَذِهِ الحَرْبِ، ولَمْ يُخْرِجْهم بِذَلِكَ عَنِ الإيمانِ.

ومِثْلُ هَذا قَوْلُ النَبِيِّ  : « "مَن غَشَّنا فَلَيْسَ مِنّا، ومَن رَمانا بِالنَبْلِ فَلَيْسَ مِنّا، ولَيْسَ مِنّا مَن شَقَّ الجُيُوبَ ولَطَمَ الخُدُودَ"»، وفي قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ ﴾ سَدٌّ لِلذَّرائِعِ، لِأنَّ أدْنى الذَوْقِ يَدْخُلُ في لَفْظِ الطُعْمِ، فَإذا وقَعَ النَهْيُ عَنِ الطُعْمِ فَلا سَبِيلَ إلى وُقُوعِ الشُرْبِ مِمَّنْ يَتَجَنَّبُ الطُعْمَ، ولِهَذِهِ المُبالَغاتِ لَمْ يَأْتِ الكَلامُ: "وَمَن لَمْ يَشْرَبْ مِنهُ".

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: "غَرْفَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَصْدَرِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ ماءَ غُرْفَةٍ.

وقَرَأ الباقُونَ: "غُرْفَةً" بِضَمِّ الغَيْنِ، وهَذا عَلى تَعْدِيَةِ الفِعْلِ إلى المَفْعُولِ بِهِ، لِأنَّ الغُرْفَةَ هي العَيْنُ المُغْتَرِفَةُ، فَهَذا بِمَنزِلَةِ: إلّا مَنِ اغْتَرَفَ ماءً، وكانَ أبُو عَلِيٍّ يُرَجِّحُ ضَمَّ الغَيْنِ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّ "غَرْفَةً" بِالفَتْحِ إنَّما هو مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ اغْتِرافٍ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عنهم أنَّ الأكْثَرَ شَرِبَ وخالَفَ ما أُرِيدَ مِنهُ- ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، وغَيْرِهِما أنَّ القَوْمَ شَرِبُوا عَلى قَدْرِ يَقِينِهِمْ- فَشَرِبَ الكُفّارُ شُرْبَ الهِيمِ، وشَرِبَ العاصُونَ دُونَ ذَلِكَ، وانْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، وبَقِيَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْرَبْ شَيْئًا، وأخَذَ بَعْضُهُمُ الغُرْفَةَ.

فَأمّا مَن شَرِبَ فَلَمْ يُرْوَ بَلْ بَرَّحَ بِهِ العَطَشُ، وأمّا مَن تَرَكَ الماءَ فَحَسُنَتْ حالُهُ، وكانَ أجْلَدَ مِمَّنْ أخَذَ الغُرْفَةَ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللهِ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإذْنِ اللهِ واللهُ مَعَ الصابِرِينَ.

﴾ جاوَزَ: فاعَلَ مِن جازَ يَجُوزُ، وهي مُفاعَلَةٌ مِنَ اثْنَيْنِ في كُلِّ مَوْضِعٍ.

لِأنَّ النَهْرَ وما أشْبَهَهُ كَأنَّهُ يُجاوِزُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كَمْ كانُوا- فَقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ كَعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ جاوَزُوا مَعَهُ النَهْرَ- ثَلاثُمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وفي رِوايَةٍ: وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وما جازَ مَعَهُ إلّا مُؤْمِنٌ.

وقالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَسُولَ اللهِ  قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ: أنْتُمْ كَعِدَّةِ أصْحابِ طالُوتَ:» وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: "بَلْ جازَ مَعَهُ أرْبَعَةُ آلافِ رَجُلٍ".

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "فِيهِمْ مَن شَرِبَ" قالا: فَلَمّا نَظَرُوا إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ: "قالُوا: لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ"، ورَجَعَ مِنهم ثَلاثَةُ آلافٍ وسِتُّمِائَةٍ وبِضْعَةٌ وثَمانُونَ، هَذا نَصُّ قَوْلِ السُدِّيِّ، ومَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ قالَتِ الجَهَلَةُ: لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ عَلى جِهَةِ اسْتِكْثارِ العَدُوِّ، فَقالَ أهْلُ الصَلابَةِ مِنهم والتَصْمِيمِ والِاسْتِماتَةِ: ﴿ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ﴾ الآيَةَ.

وظَنُّ لِقاءِ اللهِ -عَلى هَذا القَوْلِ- يَحْسُنُ أنْ يَكُونَ ظَنًّا عَلى بابِهِ، أيْ: يَظُنُّونَ أنَّهم يُسْتَشْهَدُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِعَزْمِهِمْ عَلى صِدْقِ القِتالِ، كَما جَرى لِعَبْدِ اللهِ بْنِ حَرامٍ في أُحُدٍ، ولِغَيْرِهِ.

وعَلى القَوْلِ الثانِي، قالَ كَثِيرٌ مِنَ الأرْبَعَةِ الآلافِ: لا طاقَةَ لَنا عَلى جِهَةِ الفَشَلِ والفَزَعِ مِنَ المَوْتِ، وانْصَرَفُوا عن طالُوتَ، فَقالَ المُؤْمِنُونَ المُوقِنُونَ بِالبَعْثِ والرُجُوعِ إلى اللهِ وهم عِدَّةُ أهْلِ بَدْرٍ ﴿ كَمْ مِن فِئَةٍ ﴾ ، والظَنُّ -عَلى هَذا- بِمَعْنى اليَقِينِ، وهو فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ولا خَرَجَ إلى الحِسِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ في الأرْبَعَةِ الآلافِ مَن شَرِبَ يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ .

وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ إنَّما جاوَزَ النَهْرَ مَن لَمْ يَشْرَبْ إلّا غُرْفَةً، ومَن لَمْ يَشْرَبْ جُمْلَةً، ثُمَّ كانَتْ بَصائِرُ هَؤُلاءِ مُخْتَلِفَةً، فَبَعْضٌ كَعَّ، وقَلِيلٌ صَمَّمَ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "كَأيِّنْ مِن فِئَةٍ"، والفِئَةُ: الجَماعَةُ الَّتِي يُرْجَعُ إلَيْها في الشَدائِدِ.

مِن قَوْلِهِمْ: فاءَ يَفِيءُ إذا رَجَعَ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلُ الواحِدُ فِئَةً تَشْبِيهًا والمَلِكُ فِئَةَ الناسِ، والجَبَلُ فِئَةً، والحِصْنُ- كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ.

وفِي قَوْلِهِمْ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: كَمْ مِن فِئَةٍ الآيَةِ، تَحْرِيضٌ بِالمِثالِ، وحَضٌّ واسْتِشْعارٌ لِلصَّبْرِ واقْتِداءٌ بِمَن صَدَقَ رَبَّهُ - وإذْنُ اللهِ هُنا: تَمْكِينُهُ، وعِلْمُهُ- مَجْمُوعُ ذَلِكَ هو الإذْنُ ﴿ واللهُ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ بِنَصْرِهِ وتَأْيِيدِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

{لله.

عطفت الفاء جملة: (لما فصل)، على جملة ﴿ وقال لهم نبيهم فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ منى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين * فَهَزَمُوهُم ﴾ [البقرة: 248] ﴿ إن الله قد بعث لكم ﴾ [البقرة: 247] لأن بعث الملك لأجل القتال، يترتب عليه الخروج للقتال الذي سألوا لأجله بعث النبي، وقد حذف بين الجملتين كلام كثير مقدر: وهو الرضا بالملك، ومجيء التابوت، وتجنيد الجنود؛ لأن ذلك مما يدل عليه جملة فصل طالوت بالجنود.

ومعنى فصل بالجنود: قطع وابتعد بهم، أي تجاوزوا مساكنهم وقراهم التي خرجوا منها وهو فعل متعد لأن أصله فصل الشيء عن الشيء ثم عدوه إلى الفاعل فقالوا فصل نفسه حتى صار بمعنى انفصل، فحذفوا مفعوله لكثرة الاستعمال، ولذلك تجد مصدره الفصل بوزن مصدر المتعدي، ولكنهم ربما قالوا فصل فصولاً نظراً لحالة قصوره، كما قالوا صده صداً، ثم قالوا صد هو صداً، ثم قالوا صد صدوداً.

ونظيره في حديث صفة الوحي «أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال» أي فيفصل نفسه عني، والمعنى فينفصل عني.

وضمير ﴿ قال ﴾ راجع إلى (طالوت)، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم يخرج معهم، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم، مع أنه لم يكن نبيئاً، يوحى إليه: إما إستناداً لإخبار تلقاه من صمويل، وإما لأنه اجتهد أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك، فأخبر عن اجتهاده، إذ هو حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في شرعهم أن الله أوجب على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به، وطاعة الملك فيما يراه من مصالحهم، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم بهذه البلوى فجعل البلوى من الله؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها.

وعلى كل فتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل، وغضبه على العاصي، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل.

والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر، وهو نهر الأردن، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش، فإن السير في الحرب يعطش الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشاً وشهوة، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم: لأن المحارب إذا شرب ماء كثيراً بعد التعب، انحلت عراه ومال إلى الراحة، وأثقله الماء.

والعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم: فلما شَارَفَتْ أَعلام طي *** وطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب سَقَيْنَاهُنَّ من سهل الأداوى *** فمصطبح على عَجَل وآبي يريد أن الذي مارس الحرب مراراً لم يشرب؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد، فإذا كان حاجزاً كان أخفَّ له وأسرعَ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه، ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة.

والنهَر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف، ونظيره في ذلك شَعَر وبَحَر وحَجَر فالسكون ثابت لجميعها.

وقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي فليس متصلاً بي ولا علقة بيني وبينه، وأصل «من» في مثل هذا التركيب للتبعيض، وهو تبعيض مجازي في الاتصال، وقال تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ [آل عمران: 28] وقال النابغة: إذا حاولتَ في أَسدِ فجوراً *** فإني لستُ منك ولستَ مني وسمى بعض النحاة «من» هذه بالاتصالية.

ومعنى قول طالوت «ليس مني» يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش، فلا يكمل الجهاد معه، والظاهر الأول لقوله ﴿ ومن لم يطعَمْه فإنه مني ﴾ لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله: ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ غنية عن قوله: ومن لم يطعمه فإنه مني؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ من قوله: ﴿ فمن شرب منه ﴾ لأنه من الشاربين، وإنما أخره عن هذه الجملة، وأتى به بعد جملة ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة لها؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى منطوق الأولى ومفهوم الثانية، فإن مفهوم (من لم يطعمه فإنه منّي) أن من طعمه ليس منه، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئاً، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب، وليس هو قسماً واسطة.

والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول، وإنما ذكرت قريباً منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين: «وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم؛ لأن شاول حلف القوم قائلاً ملعون من يأكل خبزاً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي» وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر، في حرب جَدعون قاضي إسرائيل للمديانيين، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول.

وقوله: ﴿ لم يطعمه ﴾ بمعنى لم يذقه، فهو من الطعم بفتح الطاء، وهو الذوق أي اختبار المطعوم، وكان أصله اختبار طعم الطعام أي ملوحته أو ضدها، أو حلاوته أو ضدها، ثم توسع فيه فأطلق على اختبار المشروب، ويعرف ذلك بالقرينة، قال الحارث بن خالد المخزومي وقيل العرجي: فإِنْ شئتتِ حرَّمْتُ النساء سواكم *** وإنْ شِئتتِ لم أَطْعم نقاخاً ولا بَرْدا فالمعنى لم أذق.

فأما أن يطلق الطعم على الشرب أي ابتلاع الماء فلاَ، لأن الطعم الأكل ولذلك جاء في الآية والبيت منفياً، لأن المراد أنه لم يحصل أقَل ما يطلق عليه اسم الذوق، ومن أجل هذا عيروا خالد بن عبد الله القسري لما أخبر وهو على المنبر بخروج المغيرة بن سعيد عليه فقال «أطعموني ماء» إذ لم يعرف في كلام العرب الأمر من الإطعام إلاّ بمعنى الأكل، وأما من يطلب الشراب فإنما يقول اسقوني لأنه لا يقال طعم بمعنى شرب، وإنما هو بمعنى أكل.

والغرفة بفتح الغين في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، المرَّة من الغرف وهو أخذ الماء باليد، وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف، بضم الغين، وهو المقدار المغروف من الماء.

ووجه تقييده بقوله: ﴿ بيده ﴾ مع أن الغرف لا يكون إلاّ باليد لدفع توهم أن يكون المراد تقديرَ مقدار الماء المشروب، فيتناوله بعضهم كرهاً، فربما زاد على المقدار فجعلت الرخصة الأخذ باليد.

وقد دل قوله: ﴿ فشربوا منه ﴾ على قِلة صبرهم، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا: ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو، وكانوا يسرون الخوف، فلما اقترب الجيشان، لم يستطيعوا كتمان ما بهم.

وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه، وهو قائد من قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جُلْيَات كان طوله ستة أذرع وشبراً، وكان مسلحاً مدرعاً، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل، فكان إذا خرج للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجنبهم.

وقوله: ﴿ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ الآية، أي الذين لا يحبون الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في مرضاة الله شهادة وفي الحديث «من أحب لقاء اللهأحب الله لقاءه» فالظن على بابه.

وفي قوله: ﴿ كم من فئة ﴾ خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم، ولذلك دعوا إلى ما به النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا ﴿ والله مع الصابرين ﴾ .

والفئة: الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع، لأن بعضهم يرجع إلى بعض، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة، لأن الجيش يفئ إليها.

وقوله: ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ هذا دعاؤهم حين اللقاء بطلب الصبر من الله، وعبروا عن إلهامهم إلى الصبر بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظَ الدالة عليهما، كقول أبي كبير الهذلي: كثير الهوى شَتَّى النوى والمسالك *** وقد تقدم نظيره، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم، فشبه عدمه بثبات القدم في المأزق.

وقد أشارت الآية في قوله: ﴿ فهزموهم ﴾ إلخ إلى انتصار بني إسرائيل على الفلسطينيين وهو انتصار عظيم كان به نجاح بني إسرائيل في فلسطين وبلاد العمالقة، مع قلة عددهم فقد قال مؤرخوهم إن طالوت لما خرج لحرب الفلسطينيين جمع جيشاً فيه ثلاثة آلاف رجل، فلما رأوا كثرة الفلسطينيين حصل لهم ضنك شديد واختبأ معظم الجيش في جبل افرايم في المغارات والغياض والآبار، ولم يعبروا الأردن، ووجم طالوت واستخار صمويل، وخرج للقتال فلما اجتاز نهر الأردن عد الجيش الذي معه فلم يجد إلاّ نحو ستمائة رجل، ثم وقعت مقاتلات كان النصر فيها لبني إسرائيل، وتشجع الذين جبنوا واختبأوا في المغارات وغيرها فخرجوا وراء الفلسطينيين وغنموا غنيمة كثيرة، وفي تلك الأيام من غير بيان في كتب اليهود لمقدار المدد بين الحوادث ولا تنصيص على المتقدم منها والمتأخر ومع انتقالات في القصص غير متناسبة، ظهر داود بن يسى اليهودي إذ أوحى الله إلى صمويل أن يذهب إلى بيت يسى في بيت لحم ويمسح أصغر أبناء يسى ليكون ملكاً على إسرائيل بعد حين، وساق الله داود إلى شاول (طالوت) بتقدير عجيب فحظى عند شاول، وكان داود من قبل راعي غنم أبيه، وكان ذا شجاعة ونشاط وحسن سمت، وله نبوغ في رمي المقلاع، فكان ذات يوم التقى الفلسطينيون مع جيش طالوت وخرج زعيم من زعماء فلسطين اسمه جُلْيَات كما تقدم، فلم يستطع أحد مبارزته فانبرى له داود ورماه بالمقلاع فأصاب الحجر جبهته وأسقطه إلى الأرض واعتلاه داود واخترط سيفه وقطع رأسه، فذهب به إلى شاول وانهزم الفلسطينيون، وزوج شاول ابنته المسماة ميكال من داود، وصار داود بعد حين ملكاً عوض شاول، ثم آتاه الله النبوءة فصار ملكاً نبيئاً، وعلمه مما يشاء.

ويأتي ذكر داود عند قوله تعالى: ﴿ وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه ﴾ في سورة الأنعام (83).

وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين}.

ذيلت هذه الآية العظيمة كل الوقائع العجيبة التي أشارت بها الآيات السالفة لتدفع عن السامع المتبصر ما يخامره من تطلب الحكمة في حدثان هذه الوقائع وأمثالها في هذا العالم ولكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الأكوان وحكمة من حكم التاريخ، ونظم العمران التي لم يهتد إليها أحد قبل نزول هذه الآية، وقبل إدراك ما في مطاويها، عطفت على العبر الماضية كما عطف قوله: ﴿ وقال لهم نبيهم ﴾ [البقرة: 247] وما بعده من رؤوس الآي.

وعدل عن المتعارف في أمثالها من ترك العطف، وسلوك سبيل الاستئناف.

وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب (ولولا دفاع الله الناس) بصيغة المفاعلة، وقرأه الجمهور (دفع) بصيغة المجرد.

والدفاع مصدر دافع الذي هو مبالغة في دفع لا للمفاعلة، كقول موسى بن جابر الحنفي: لا أشتهي يا قوم إلاّ كارهاً *** باب الأمير ولا دفاع الحاجب وإضافته إلى الله مجاز عقلي كما هو في قوله: ﴿ إن الله يدفع عن الذين آمنوا ﴾ [الحج: 38] أي يدفع لأن الذي يدفع حقيقة هو الذي يباشر الدفع في متعارف الناس وإنما أسند إلى الله لأنه الذي قدره وقدر أسبابه، ولذلك قال: ﴿ بعضهم ببعض ﴾ فجعل سبب الدفاع بعضهم وهو من باب ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [الأنفال: 17] وأصل معنى الدفع الضرب باليد للإقصاء عن المرام.

قال: فدفعتها فتدافعت *** وهو ذب عن مصلحة الدافع.

ومعنى الآية: أنه لولا وقوع دفع بعض الناس بعضاً آخر بتكوين الله وإيداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض، أي من على الأرض، واختل نظام ما عليها، ذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف، خلقها قابلة للاضمحلال، وأودع في أفرادها سننا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده، ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثاً في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلاّ وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافاً عن الأفراد عند اضمحلالها، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان، والبذر في النبت، والنضح في المعادن، والتولد في العناصر الكيماوية.

ووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بقاء الأنواع، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة، لاختلال أو انعدام صلاحيتها، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها، وقد تقدم لنا تفسير قوله: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205].

ثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع، أودع في الأفراد أيضاً قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة، وهي قوى تطلُّب الملائم ودفع المنافي، أو تطلُّب البقاء وكراهية الهلاك، ولذلك أودع في جميع الكائنات إدراكات تنساق بها، بدون تأمل أو بتأمل، إلى ما فيه صلاحها وبقاؤها، كانسياق الوليد لالتهام الثدي، وأطفال الحيوان إلى الأثداء والمراعي، ثم تتوسع هذه الإدراكات، فيتفرع عنها كل ما فيه جلب النافع الملائم عن بصيرة واعتياد، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية.

وأودع أيضاً في جميع الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها، ودفع العوادي عنها، عن غير بصيرة، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه، وتعريض البقرة رأسها بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة المدافع، ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ابتداء بإهلاك من يُتوقع منه الضر، ومن طلب الكِن، واتخاذ السلاح، ومقاومة العدو عند توقع الهلاك، ولو بآخر ما في القوة وهو القوة الغاضبة ولهذا تزيد قوة المدافعة اشتداداً عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان.

وما جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمريد السوء به أدل دليل على أن الله خلقها لإرادة بقائها، وقد عَوَّضَ الإنسان عما وهبه إلى الحيوان العقلَ والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضرراً، وعلى إيقاع الضر بمن يريده به قبل أن يقصده به، وهو المعبر عنه بالاستعداد.

ثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع، أو فرد من الأفراد خصائص فيها منافع لغيره ولنفسه ليحرص كل على إبقاء الآخر، فهذا ناموس عام، وجعل الإنسان بما أودَعه من العقل هو المهيمن على بقية الأنواع.

وجعل له العلم بما في الأنواع من الخصائص، وبما في أفراد نوعه من الفوائد.

فخلق الله تعالى أسباب الدفاع بمنزلة دفع من الله يدفع مريد الضر بوسائل يستعملها المراد إضراره، ولولا هذه الوسائل التي خولها الله تعالى أفراد الأنواع، لاشتد طمع القوي في إهلاك الضعيف، ولاشتدت جراءة من يجلب النفع إلى نفسه على منافع يجدها في غيره، فابتزها منه، ولأفرَطتْ أفراد كل نوع في جلب النافع الملائم إلى أنفسها بسلب النافع الملائم لغيرها، مما هو له، ولتناسى صاحب الحاجة حين الاحتياج ما في بقاء غيره من المنفعة له أيضاً.

وهكذا يتسلط كل ذي شهوة على غيره، وكل قوي على ضعيفه، فيهلك القوي الضعيف، ويهلك الأقوى القويَّ، وتذهب الأفراد تباعاً، والأنواع كذلك حتى لا يبقى إلاّ أقوى الأفراد من أقوى الأنواع، وذلك شيء قليل، حتى إذا بقي أعوزته حاجات كثيرة لا يجدها في نفسه، وكان يجدها في غيره من أفراد نوعه، كحاجة أفراد البشر بعضهم إلى بعض، أو من أنواع أخر، كحاجة الإنسان إلى البقرة، فيذهب هدراً.

ولما كان نوع الإنسان هو المهيمن على بقية موجودات الأرض وهو الذي تظهر في أفراده جميع التطورات والمساعي، خصتهُ الآية بالكلام فقالت: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ إذ جعل الله في الإنسان القوة الشاهية لبقائه وبقاء نوعه، وجعل فيه القوة الغاضبة لرد المفرط في طلب النافع لنفسه، وفي ذلك استبقاء بقية الأنواع؛ لأن الإنسان يذب عنها لما في بقائها من منافع له.

وبهذا الدفاع حصلت سلامة القوي، وهو ظاهر، وسلامة الضعيف أيضاً لأن القوي إذا وجد التعب والمكدرات في جلب النافع سئم ذلك، واقتصر على ما تدعو إليه الضرورة.

وإنما كان الحاصل هو الفساد، لولا الدفاع، دون الصلاح، لأن الفساد كثيراً ما تندفع إليه القوة الشاهية بما يوجد في أكثر المفاسد من اللذات العاجلة القصيرة الزمن، ولأن في كثير من النفوس أو أكثرها الميل إلى مفاسد كثيرة، لأن طبع النفوس الشريرة ألا تراعي مضرة غيرها، بخلاف النفوس الصالحة، فالنفوس الشريرة أعمد إلى انتهاك حرمات غيرها، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين، لأسرع ذلك في فساد حالهم، ولعم الفساد أمورهم في أسرع وقت.

وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب منافع غيره، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل، ولأجلها تتألف العصبيات والدعوات إلى الحق، والإنحاء على الظالمين، وهزم الكافرين.

ثم إن دفاع الناس بعضهم بعضاً يصد المفسد عن محاولة الفساد، ونفس شعور المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة.

ومعنى فساد الأرض: إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس، أي لفسد أهل الأرض، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في الآية احتباك، والتقدير: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس.

والآية مسوقة مساق الامتنان، فلذلك قال تعالى: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ لأنا لا نحب فساد الأرض، إذ في فسادها بمعنى فساد ما عليها اختلالُ نظامنا وذهاب أسباب سعادتنا، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ فهو استدراك مما تضمنته «لولا» من تقدير انتفاء الدفاع؛ لأن أصل لولا لو مع لا النافية، أي لو كان انتفاءُ الدفاع موجوداً لفسدت الأرض وهذا الاستدراك في هذه الآية أدل دليل على تركيب (لولا) من (لو) و(لا)، إذ لا يتم الاستدراك على قوله: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض وجود الدفاع، إن قلنا «لولا» حرف امتناع لوجود.

وعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ ﴾ وهو جَمْعُ جُنْدٍ، والأجْنادُ لِلْقَلِيلِ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا ثَمانِينَ ألْفَ مُقاتِلٍ.

﴿ قالَ إنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ ﴾ اخْتَلَفُوا في النَّهْرِ، فَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والرَّبِيعِ أنَّهُ نَهْرٌ بَيْنَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطِينَ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْرُ فِلَسْطِينَ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: السَّبَبُ الَّذِي ابْتُلُوا لِأجْلِهِ بِالنَّهْرِ، شِكايَتُهم قِلَّةَ الماءِ وخَوْفَ العَطَشِ.

﴿ فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ أيْ لَيْسَ مِن أهْلِ وِلايَتِي.

﴿ وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالفَتْحِ، وقَرَأ الباقُونَ (غُرْفَةً) بِالضَّمِّ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ الغُرْفَةَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْماءِ المَشْرُوبِ، والغَرْفَةُ بِالفَتْحِ اسْمٌ لِلْفِعْلِ.

﴿ فَشَرِبُوا مِنهُ إلا قَلِيلا مِنهُمْ ﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: جازَ مَعَهُ النَّهْرَ أرْبَعَةُ آلافٍ، ونافَقَ سِتَّةٌ وسَبْعُونَ ألْفًا، فَكانَ داوُدُ مِمَّنْ خَلُصَ لِلَّهِ تَعالى.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ مَنِ اسْتَكْثَرَ مِنهُ عَطِشَ، ومَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً مِنهُ رُوِيَ.

﴿ فَلَمّا جاوَزَهُ هو والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ قِيلَ: كانَ المُؤْمِنُونَ ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةَ أهْلِ بَدْرٍ.

واخْتَلَفُوا، هَلْ تَجاوَزَهُ مَعَهم كافِرٌ أمْ لا؟

فَحُكِيَ عَنِ البَراءِ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ: أنَّهُ ما تَجاوَزَهُ إلّا مُؤْمِنٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: تَجاوَزَهُ الكافِرُونَ، إلّا أنَّهُمُ انْخَذَلُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ قالُوا لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ مَن قَلَّتْ بَصِيرَتَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكُفْرِ الَّذِينَ انْخَذَلُوا، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ، قالَ عِكْرِمَةُ: فَنافَقَ الأرْبَعَةُ الآلافِ إلّا ثَلاثَمِائَةٍ وبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا كَعِدَّةِ أهْلِ بَدْرٍ، وداوُدُ فِيهِمْ.

﴿ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الباقُونَ مِنَ الأرْبَعَةِ الآلافِ.

وَفي الظَّنِّ هَهُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى اليَقِينِ، ومَعْناهُ الَّذِينَ يَسْتَيْقِنُونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ كَما قالَ دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ: فَقُلْتُ لَهم ظُنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ سَراتُهُمُ في الفارِسِيِّ المُسَرَّدِ أيْ تَيَقَّنُوا.

والثّانِي: بِمَعْنى الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ بِالقَتْلِ في الوَقْعَةِ.

﴿ كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ والفِئَةُ: الفِرْقَةُ ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ قالَ الحَسَنُ: بِنَصْرِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ إذا أذِنَ في القِتالِ نَصَرَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي وقَعَ الإذْنُ فِيهِ.

﴿ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ يَعْنِي بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، وهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ عِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.

وَذَكَرَ بَعْضُ مَن يَتَعاطى غَوامِضَ المَعانِي، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلدُّنْيا يُشَبِّهُها بِالنَّهْرِ، والشّارِبِ مِنهُ بِالمائِلِ إلَيْها والمُسْتَكْثِرِ مِنها، والتّارِكِ لِشُرْبِهِ بِالمُنْحَرِفِ عَنْها والزّاهِدِ فِيها، والمُغْتَرِفِ مِنهُ بِيَدِهِ بِالآخِذِ مِنها قَدْرَ حاجَتِهِ، وأحْوالُ الثَّلاثَةِ عِنْدَ اللَّهِ مُخْتَلِفَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: خرجوا مع طالوت وهم ثمانون ألفاً، وكان جالوت من أعظم الناس وأشدهم بأساً، فخرج يسير بين يدي الجند فلا تجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو من لقي، فلما خرجوا قال لهم طالوت ﴿ إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ﴾ فشربوا منه هيبة من جالوت، فعبر منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفاً، فمن شرب منه عطش، ومن لم يشرب منه إلا غرفة روي ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ فنظروا إلى جالوت رجعوا أيضاً و ﴿ قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ فرجع عنه ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون، وجلس في ثلثمائة وبضعة عشر عدة أهل بدر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ يقول: بالعطش، فلما انتهوا إلى النهر- وهو نهر الأردن- كرع فيه عامة الناس فشربوا، فلم يزد من شرب إلا عطشاً، وأجزأ من اغترف غرفة بيده وانقطع الظمأ عنه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ غازياً إلى جالوت قال طالوت لبني إسرائيل ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ بين فلسطين والأردن، نهر عذب الماء طيبه، فشرب كل إنسان كقدر الذي في قلبه، فمن اغترف غرفة واطاعه روي بطاعته، ومن شرب فأكثر عصى فلم يرو ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ قال الذين شربوا ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون ﴾ الذين اغترفوا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إن الله مبتليكم بنهر ﴾ قال: نهر فلسطين.

وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في الآية قال: كان الكفار يشربون فلا يروون، وكان المسلمون يغترفون غرفة فيجزئهم ذلك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: في تلك الغرفة ما شربوا وسقوا دوابهم.

وأخرج سعيد بن منصور عن عثمان بن عفان أنه قرأ ﴿ إلا من اغترف غرفة ﴾ بضم الغين.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ فشربوا منه إلا قليلاً منهم ﴾ قال: القليل ثلثمائة وبضعة عشر، عدة أهل بدر.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن البراء قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلثمائة.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر «أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي، وكان الصحابة يوم بدر ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: كان عدة أصحاب طالوت يوم جالوت ثلثمائة وبضعة عشر.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبيدة قال: عدة الذين شهدوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بدراً كعدد الذين جاوزوا مع طالوت النهر، عدتهم ثلثمائة وثلاثة عشر.

وأخرج إسحاق بن بشر في المبتدأ وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: كانوا ثلثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، فردهم طالوت ومضى في ثلثمائه وثلاثة عشر، وكان اشمويل دفع إلى طالوت درعاً فقال له: من استوى هذا الدرع عليه فإنه يقتل جالوت بإذن الله تعالى، ونادى منادي طالوت، من قتل جالوت زوجته ابنتي، وله نصف ملكي ومالي.

وكان الله سبب هذا الأمر على يدي داود بن ايشا، وهو من ولد خصرون بن فارض بن يهود بن يعقوب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو الله ﴾ قال: الذين يستيقنون.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقو الله ﴾ قال: الذين شروا أنفسهم لله ووطنوها على الموت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: تلقى المؤمنين بعضهم أفضل من بعض جداً، وعزماً وهم كلهم مؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ﴾ الآية.

وجْهُ اتصال هذه الآية بما قبلها (١) (٢) ﴿ فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ﴾ بعد تلك (٣) (٤) ومعنى الفصل: القطع (٥) ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ  ﴾ .

وفَصَلْتُ اللحم عن العظم فَصْلًا، وفَاصَل الرجل شَريكَه وامْرَأَتَه فِصَالًا (٦) (٧) (٨) قال السدي: وكانوا يومئذ ثمانين ألف مقاتل (٩) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ يعنى: قال طالوت.

قال وهب (١٠) ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ ﴾ (١١) وهذا لا يجوز أن يقوله إلّا نبي؛ لأن الله عز وجل عالم الغيب، فلا يظهر على غيبه أحدًا، إلا من ارتضى من رسول.

فيجوز أن طالوت قال ذلك بوحى من الله إليه، فقد قيل: إنه لما مُلِّك عليهم صار نبيًّا، ويجوز أن يكون قال ذلك بإخبار نبيٍّ إياه (١٢) وإنما وقع الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب، فإن طالوت كان لا يعلم بمن له نيةٌ في القتال معه، ومن ليست له نية، فابْتُلُوا بالنهر ليتميَّزَ المحقق من المعذِّر، وذلك النهر: هو نَهْر فِلَسْطين في قول ابن عباس (١٣) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ ، الكناية تعود على النهر في الظاهر، وهو في المعنى للماء.

وقوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ أي: من أهل ديني وطاعتي (١٤) وقيل: تأويله: ليس معي على عدوي، كقوله  : "من غشنا فليس منّا (١٥) (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾ طَعْمُ كُلِّ شيء ذوقُه، ومثله التطعُّمُ، يقال: تطعَّمت منه، أي: ذُقْتُه، قال ابن الأنباري: العرب تقول: قد أَطْعَمْتُكَ الماءَ، يراد به: أَذَقْتُكَ، وطعمت الماء أَطْعَمُه، بمعنى: ذقُته أذوقه (١٨) (١٩) أنشدنا أبو العباس العَرْجِي (٢٠) (٢١) أراد: لم أذق.

والنُّقَاخُ: الماءُ العَذْب (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ الاغتراف: الأَخْذُ من الشيء باليدِ أو بآلة كما يُغْتَرَفُ من الماء.

والمِغْرَفَةُ: الآلة التي يُغْرَفُ بها، وكذلك الغَرْفُ مثل الاغْتِرَاف (٢٣) واختلف القراء في فتح الغين من (غرفة) وضمها (٢٤) فمن فتح الغين عدَّى الفعل إلى المصدر، والمفعول محذوف في قوله، والمعنى: إلا من اغترف ماءً غَرْفةً.

ومن ضم الغين عدَّى الفعل إلى المفعول به، ولم (٢٥) (٢٦) وبعد عَطَائِكَ المِائةَ الرَّتَاَعا (٢٧) (٢٨) فعلى هذا يجوز أن ينتصب الغُرْفة، انتصاب الغَرْفَة.

وزعم بعضهم (٢٩) (٣٠) وليس فيما قال حجة؛ لأنه إذا كان معنى الغرف والاغتراف واحدًا جاز: اغْتِرَافةً (٣١) (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ قال المفسرون: قال لهم طالوت: من شرب من النهر وأكثر فقد عصى الله عز وجل وخالف أمره وتعرَّض لعقابه، ومَنِ اغترف غرفة بيده أقنعته، فهجموا على النهر بعد عطش شديد أضر بهم فوقع أكثر أصحاب طالوت في النهر، وأكثروا الشرب، وأطاع قوم قليل عددهم، فلم يزيدوا على الاغتراف، فأما من اغترف كما أمره الله تعالى: قوي قلبه، وصحَّ إيمانه، وعبر النَّهْرَ سالمًا، وكَفَتْه تلك الغرفة الواحدة لشربه ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله عز وجل اسودَّت شفاهُهم، وغلبهم العطش فلم يرووا، وبقوا على شاطئ النهر، وجبنوا عن لقاء العدو (٣٣) (٣٤) قالوا: وتلك الغرفة المباحة لم تكن ملء الكف، ولكن المراد بالغرفة أن يغترف مرةً واحدةً بقربةٍ أو جرةٍ وما أشبه ذلك، تكفيه وتكفي دابته، غير أن العصاة انغمسوا في النهر ولم يغترفوا، بل شربوا منه وسقوا دوابهم.

وأولئك القليل، الذين لزموا الاغتراف، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، في أصح الأقاويل (٣٥)  قال لأصحابه يوم بدر: "أنتم اليوم على عدة أصحاب طالوت حين عبروا النهر، وما جاز معه إلا مؤمن"، قال البراء بن عازب: وكنا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ يقال: جاوزتُ المكان والطريق مجاوزةً وجوازًا، وكذلك جُزْتُ الطريق، فأنا (٣٧) (٣٨) البيت، والمَجَازُ في الكلام هو ما جاز في الاستعمال، أي: نَفَدَ واستمرَّ على وَجْهِهِ، ومنه يقال: هذا يَجُوزُ.

أي: يمرُّ على وجهِه (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ الطاقة: [مصدرٌ بمنزلة] (٤١) (٤٢) قال ابن عباس والسدي: يعنى هؤلاء الذين شربوا، وخالفوا أمرَ الله عز وجل، وكانوا أهل شك ونفاق، قالوا: ﴿ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ وانصرفوا عن طالوت، ولم يشهدوا قتال جالوت (٤٣) وقال الحسن وقتادة وابن زيد: هم المؤمنون الذين عبروا مع طالوت النهر، ممن ضَعُفَت بصيرتُهم ولم يبلغوا منزلة غيرهم (٤٤) وهذا اختيار الزجاج، لأنه قال: لما رأوا قلتهم قال بعضهم لبعض: ﴿ لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ ﴾ يعنى: القليل الذين اغترفوا (٤٥) وعلى قول الحسن: هم صلحاء المؤمنين والأماثل منهم.

ومعنى يَظُنّون: يَعْلمون وُيوقِنون (٤٦) ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ (٤٧) ويجوز أن يكون الظن هاهنا (٤٨) أحدهما: قال الذين يتوهمون أنهم يُقْتلون مع طالوت فيلْقَون الله تعالى شهداء (٤٩) والثاني: الذين يظنون أنهم ملاقو ثواب الله فحذف المضاف، وهو كثير.

وقوله تعالى: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ﴾ قال الفراء: لو ألقيت (٥٠) (٥١) (٥٢) ومن خفض قال: طالت صحبة (من) للنكرة في كم (٥٣) ومن رفع نوى تقديمَ الفعل، كأنه قيل: كم غلبت فئة، وأنشد: كم عَمَّةٍ لك يا جَرِيرُ وخَالةٍ ...

فَدْعَاءَ قد حَلَبَتْ عليَّ عِشَاري (٥٤) قال: يجوز فيه الأَوْجُه الثلاثة، وأنشد في جوازِ الرفعِ قولَ امرئ القيس: تَنُوصُ وكم من دُويها من مَفَازَةٍ ...

وكم أرضِ جَدْبٍ (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ أصل (مع): للمصاحبة (٦٠) (٦١) ﴿ الصَّابِرِينَ ﴾ قال عطاء: على طاعة الله، وعن محارمه.

(١) ساقط من (ي).

(٢) في (ي) فإنه.

(٣) في (ي) و (ش) (ذلك).

(٤) "البحر المحيط" 2/ 263.

(٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1363، "تفسير البغوي" 1/ 301 (٦) ينظر "تهذيب اللغة" 3/ 2795، "المفردات" ص 382 - 383، "لسان العرب" 6/ 3423 مادة (فصل).

(٧) ينظر: "المفردات" ص 107 - 108، "لسان العرب" 2/ 698.

(مادة: جند).

(٨) الحديث رواه البخاري تعليقًا من رواية عائشة، (3336) كتاب: الأنبياء، باب: الأرواح جنود مجندة، وقال الحافظ في "الفتح" 6/ 369: وصله المصنف في "الأدب المفرد" عن عبد الله بن صالح عن الليث وأخرجه من رواية أبي هريرة  ومسلم (2638) كتاب: البر، باب: الأرواح جنود مجندة.

(٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 618، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 472.

(١٠) وهب بن مُنبه اليماني: أبو عبد الله، صاحب القصص والأخبار، كانت له معرفة بأخبار الأوائل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وثَّقه أكثرهم، وضعفه عمرو الفلاس، اختُلف في تاريخ وفاته فقيل سنة 110هـ، وقيل 116هـ، وقيل بينهما، ينظر "وفيات الأعيان" 6/ 35، "طبقات ابن سعد" 5/ 543.

(١١) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 618.

(١٢) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 264.

(١٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" 2/ 619، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 473.

(١٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 1366، "تفسير البغوي" 1/ 301.

(١٥) أخرجه ابن ماجه (2225) كتاب: التجارات، باب: النهي عن الغش، وأحمد في "المسند" 2/ 50، وأصله في مسلم.

(١٦) في (ي) و (ش): (أو ليس).

(١٧) ينظر: "تفسير القرطبي" 3/ 252.

(١٨) نقله عن ابن الأنباري أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 264.

(١٩) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2193، "المفردات" ص 307، "لسان العرب" 5/ 2675 (مادة: طعم)، وذكر الراغب أن الطعم: تناول الغذاء، قيل: وقد يستعمل في الشراب، كقوله: ومن لم يطعمه فإنه مني.

وقال بعضهم: إنما قال: (ومن لم يطعمه) تنبيهًا على أنه محظور عليه أن يشربه إلا غرفة، فإن الماء قد يطعم إذا كان مع شيء يمضع.

(٢٠) عبد الله بن عمر بن عبد الله العرجي، وقال في "اللسان" 8/ 4517 (مادة: نقخ): اسمه عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان ونسب إلى العَرْج وهو موضع ولد به، كان ينزل بموضع قبل الطائف يقال له: العرج، فنُسب إليه، وكان من الشعراء.

ينظر "الشعر والشعراء" 381.

(٢١) البيت نسب لعمر بن أبي ربيعة، ينظر: "ديوانه" ص 95، "اللسان" 8/ 4517 (مادة: نقخ) وروايته: أحرمت.

والبرد هنا: الريق.

(٢٢) قال في "اللسان" 8/ 4516 (مادة: نقخ): والنقاخ: الماء البارد العذب الصافي الخالص الذي يكاد ينقخ الفؤاد ببرده، وقال ثعلب: هو الماء الطيب فقط.

(٢٣) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2656، "المفردات" ص 362، "لسان العرب" 6/ 3242 (مادة: غرف).

(٢٤) قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو (غَرفة) بالفتح، والباقون بالضم.

ينظر "السبعة" لابن مجاهد ص 198.

(٢٥) في (ي): (ومن).

(٢٦) في "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 140، عن أبي عمرو: ما كان باليد فهو غَرفة -بالفتح- وما كان بإناء فهو غُرفة -بالضم-، وقال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 330 - 331: من قال: غرفة كان معناه: غَرفة واحدة باليد، ومن قال: غُرفة كان معناه: مقدار ملء اليد.

(٢٧) في (ي): (الرباعا).

(٢٨) صدر البيت: أكفرا بعد رد الموت عني ينظر: "ديوان القطامي" ص 41، وفي "الخصائص" 2/ 221، "أمالي ابن الشجري" 2/ 42، "شرح المفصل" 1/ 20، "شرح الشواهد" للعيني 3/ 505، "همع الهوامع" 1/ 188، "مجاز القرآن" لأبي عبيد 2/ 9، "البحر المحيط" 1/ 272.

(٢٩) في (م): (بعضهم إلى).

(٣٠) شرح القراءة وتوجيهها منقول من "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 351 بتصرف، وكذا رجح هذه القراءة الطبري في "تفسيره".

قال أبو حيان في "البحر" 2/ 265 معلقًا: وهذا الترجيح الذي يذكره المفسرون والنحويون بين القراءتين لا ينبغي، لأن هذه القراءات كلها صحيحة ومروية ثابتة عن رسول الله  ، ولكل منها وجه ظاهر حسن في العربية، فلا يمكن فيها ترجيح قراءة على قراءة.

(٣١) من قوله: (إذا كان).

ساقط من (ش).

(٣٢) ينظر: "الحجة" 2/ 351 - 352، "البحر المحيط" 2/ 265.

(٣٣) قوله: (عن لقاء العدو).

ساقط من (ي) وفي (ش): (جبنوا من لقاء العدو).

(٣٤) "تفسير الثعلبي" 2/ 1369، الفخر الرازي في "تفسيره" 6/ 182 (٣٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 621، و"تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 475، والثعلبي 2/ 1368.

(٣٦) رواه البخاري 3956 - 3959 كتاب: المغازي، باب: عدة أصحاب بدر عن البراء ابن عازب.

(٣٧) في (ي): (وأنا).

(٣٨) البيت بتمامه: فلما أجزنا ساحة الحي وانْتَحَى ...

بنا بَطْنُ خَبْت ذي حِقَافٍ عَقَنْقَل وهو لامرئ القيس في "ديوانه" ص 15، "تهذيب اللغة" 1/ 519، "لسان العرب" 2/ 724 مادة: جوز.

(٣٩) في (ش): (على وجهه ومنه يقال: لا يمنعه مانع).

(٤٠) ينظر في (جاز): "تهذيب اللغة" 1/ 519، 520، "المفردات" 110، "لسان العرب" 2/ 724 (مادة: جوز).

(٤١) ساقط من (م).

(٤٢) كذا في"معاني القرآن" للزجاج 1/ 231، وقوله: (طوقًا وطوعًا) إنما هما مصدران للثلاثي منه، قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2230: يقال: طاق يطوق طوقًا، وأطاق يطيق إطاقة وطاقة، كما يقال: طاع يطوع طوعًا، فأطاع يطيع إطاعة وطاعة.

(٤٣) أخرجه عنهما بنحوه دون ألفاظه الطبري في "تفسيره" 2/ 622، وذكره البغوي في "تفسيره" 1/ 302.

(٤٤) نقل ذلك عنهم ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 298.

(٤٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 331.

(٤٦) نقله الزجاج عن أهل اللغة في "معاني القرآن" 1/ 331، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1370.

(٤٧) ينظر: "تفسير البسيط" للواحدي ت/ د: الفوزان.

(٤٨) ساقط من (ي).

(٤٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 331.

(٥٠) في (م) لعلها: (ألغيت).

(٥١) ساقط من (ش).

(٥٢) في (ي) (استفهام).

(٥٣) في (ي) و (ش) (كما).

(٥٤) البيت للفرزدق يهجو جريرًا، في "ديوانه" 1/ 361، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 169، و"الأشباه والنظائر" 8/ 123، و"أوضح المسالك" 4/ 271.

والفَدَع: اعوجاجٌ وعيبٌ في القدم، والعشار: جمع العشراء، وهي الناقة التي أتى عليها من يوم أرسل عليها الفحل عشرة أشهر.

(٥٥) في (ش): (جذب).

(٥٦) كذا إلى هنا نقل من "معاني القرآن" للفراء 1/ 168 - 169.

وينظر في الإعراب: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 327، "التبيان" 149، "البحر المحيط" 2/ 268.

(٥٧) ورد البيت هكذا: وكم دونها من مهمة ومفازة ...

وكم أرضُ جَدْبٍ دونها ولصوصُ والبيت في "ديوانه" ص 91.

وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 169 ورد البيت هكذا: تبوص وكم من دونها من مفازة ...

وكم أرض جَدْب دونها ولصُوصُ= وقبله قوله: أمن ذكر سلمى أن نأتك تنوص ...

فتقصر عنها خطوة أو تبوص تنوص: أي تتحول، فتقصر عنها خطوة، أي تتأخر عنها أو تبوص، البوص السبق والفوت، أي: تسبقها، أي: أنك لا توافقها فى "السير" معها، وهو يخاطب نفسه.

(٥٨) في (ي): (كأنه) (٥٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 332، وينظر "تهذيب اللغة" 3/ 2730 مادة (فأى)، قال الأزهري: والفئة، بوزن فعة: الفرقة من الناس، مأخوذ من فأيت رأسه، أي شققته، وكانت في الأصل فئوة بوزن (فعلة) فنقص، وجمع الفئة فئون وفئات.

وذكر العكبري في التبيان 149 قولا آخر فقال: وأصل فئة (فيئة)، لأنه من فاء يفيء إذا رجع، فالمحذوف عينها.

(٦٠) ينظر: "لسان العرب" 7/ 4234 (مادة: معع).

(٦١) "تفسير الطبري" 2/ 624.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَصَلَ طَالُوتُ ﴾ أي خرج من موضعه إلى الجهاد ﴿ بِنَهَرٍ ﴾ قيل هو نهر فلسطين ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ﴾ الآية: اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب باليد ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً ﴾ رخص لهم في الغرفة باليد، وقرئ بفتح الغين وهو المصدر، وبضمها هو الاسم ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ قيل: كانوا ثمانين ألفاً فشربوا منه كلهم إلاّ ثلاثمائة وبضعة عشر: عدد أصحاب بدر، فأما من شرب فاشتد عليه العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش ﴿ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ كان كافراً عدوّاً لهم وهو ملك العمالقة، ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ أي يوقنون وهم أهل البصائر من أصحابه ﴿ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ كان داود في جند طالوت فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل، وفي ذلك قصص كثيرة غير صحيحة ﴿ والحكمة ﴾ هنا النبوة والزبور ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطيور، وغير ذلك ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله ﴾ الآية: منه على العباد بدفع بعضهم ببعض، وقرئ دفاع بالألف، ودفع بغير ألف، والمعنى متفق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.

الباقون بالفتح.

وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.

﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط  ﴾ ﴿ الله يبسط  ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ فما اسطاعوا  ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون.

﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .

الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.

قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.

وخير أقاويل الرجال سديدها.

قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.

والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.

لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.

منهم من قال: إن النبي  هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله  ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.

والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.

وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.

والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.

﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.

وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.

وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.

ما تصنعون بالملك؟

فقالوا: نقاتل.

وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟

وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.

والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.

فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.

ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.

وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.

وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.

روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.

وههنا محذوف التقدير: فسأل الله  ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.

﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.

﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.

وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.

قوله  ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.

وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.

و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.

وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.

فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.

استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.

الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.

فعن وهب أنه كان دباغاً.

وعن السدي أنه كان مكارياً.

وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.

وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.

الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله  بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.

وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.

والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.

وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.

والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.

روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.

وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.

والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.

الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.

الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.

قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.

اعلم أن ظاهر قوله  ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي  .

ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه  لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله  جائز.

ولهذا كثرت معجزات محمد  ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.

فقيل: إن الله  أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.

وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي  عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.

وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله  رفعه بعد ما قبض موسى  لسخطه على بني إسرائيل.

ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.

وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.

أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.

والجواب أن التحدي كان من النبي  لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.

وأما البقية فبمعنى الباقية.

يقال: بقي من الشيء بقية.

والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله  "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.

وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله  ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.

وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.

وعن علي  : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.

وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.

قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.

وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.

قال  : ﴿ أدخلوا آل فرعون  ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون  ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله  لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.

والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال  : "الأرواح جنود مجندة" .

روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.

فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي  أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.

قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.

عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.

ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.

﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.

ومنه طعم الشيء لمذاقه.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.

حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.

وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.

ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.

ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.

والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.

عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.

ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا  من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.

يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله  فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.

والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.

قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.

ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله  ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.

والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.

فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.

وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.

فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.

والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.

يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.

وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.

عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.

والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله  وأن يكون من قول الذين يظنون.

قوله  ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.

واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد  كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .

والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.

أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.

ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوه.

فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.

فقال داود: فأنا خارج إليه.

وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.

ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.

قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.

﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله  كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.

ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.

قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال  : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.

وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.

وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله  ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟

فالجواب أنه  أراد أن يذكر كيفية ترقي داود  في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.

﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.

وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد  ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه  يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله  ﴾ .

واعلم أن الله  ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.

وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.

فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال  : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.

وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.

ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.

وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي  قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.

وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.

التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.

تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.

قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.

ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله  بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.

وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات  ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد  يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.

وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد  ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ ﴾ .

أي: من المدينة.

قيل: هم سبعون ألفا.

وقيل: كانوا مائة ألف، سار بهم في حر شديد، فنزلوا في قفرة من الأرض، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء، فقال لهم طالوت: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ .

قيل: نهر بين الأردن وفلسطين.

وقيل: هو نهر فلسطين.

[وقيل: إنما قال لهم: إن الله مبتليكم بنهر نبيهم.

وقوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ ﴾ غرفة كفاه، ومن شرب أكثر منه لم يروه؛ لأنهم عصوه.

وقيل] ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ .

أي: ليس معي على عدوي، أي: لا يخرج معي.

ويجوز ﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ من أتباعي وشيعتي.

وجائز أن يكون به ظهور النفاق والصدق ﴿ مِنِّي ﴾ في الدين.

﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ ﴾ .

يقول: ﴿ مِنِّي ﴾ ، أي معي على عدوي.

فيه دليل أن يسمي الشراب باسم الطعام.

والطعام باسمه.

﴿ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ .

استنثى (الغرفة)، كأنه قال: من شرب منه فليس مني إلا غرفة.

ففيه جواز الثنيا من الكلام المتقدم وإن كان دخل بين حرف الثنيا وحرف الأول شيء آخر.

وهو يدل لأصحابنا، رحمهم الله  ، حيث قالوا: فيمن أقر، فقال: "لفلان على كُرُّ حنطة وكر شعير إلا نصف كر حنطة"، أنه يصدق ويلزمه من الحنظة نصف كر.

ويحتمل أن يكون الثنيا على ما يليه قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً ﴾ .

وقيل: شرب شرب الدواب.

و(الغرفة) هي شرب.

وقوله: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ .

قيل: (القليل) هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً اغترفوا غرفة واحدة بأيديهم، وكانت الغرفة يشرب منها هو وخدمه ودوابه.

وقيل: إنما استثنى الغرفة باليد لئلا يكرعوا كراع الدواب، ففعل بعضهم ذلك، فرد طالوت العصاة منهم، فلم يقطعوا معه، وقطع معه الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً وهو قوله  : ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ .

قيل: هو قول بعضهم لبعض: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ ؛ لأنهم أكثر منا، وكانوا مائة ألف، وهو ثلاثمائة وثلاثية عشر.

والله أعلم بذلك العدد.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: الذين يعلمون ويقرون بالبعث.

﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: عددهم.

وقيل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ ﴾ ، يعني يخشون أنهم يقتلون؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الموت، فطابت أنفسهم بالموت ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ .

وقوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي بأمر الله.

لكنه لا يحتمل الغلبة بالأمر، ولكن ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، عندنا: بنصر الله.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

بالنصر والمعونة لهم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ .

يعني لقتالهم.

وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

يقول: اصبب.

ويقال: أتمم علينا صبرا.

وهكذا الواجب على كل من لقي العدو أن يدعو بمثل هذا.

وعلى قول المعتزلة لا معنى لهذا الدعاء، لأنه قد كان فعل بهذا الأصلح.

فاستجاب الله دعاءهم، وهزم عدوهم؛ وهو قوله  : ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، بأمر الله.

لكن لا يحتمل؛ لأنهم كانوا يقاتلون بالأمر، ولا يهزمون بالأمر.

وقال آخرون: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، يعلم الله، كان في علمه في الأزل أنهم يهزمونهم.

وقيل: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، بنصر الله.

وهو أقرب.

والله أعلم.

وقيل في القصة: إن داود،  ، كان راعياً، وكان له سبعة إخوة مع طالوت خرجوا معه للقتال: ولما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أرسل داود إليهم لينظر ما أمرهم ويأتيه بخبرهم.

قال: فأتاهم وهم في الصفوف.

فبرز جالوت، فلم يخرج إليه أحد.

فقال: (يا بني إسرائيل) لو كنتم على حق لخرج إلي بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟

قال: فقالوا: اسكت.

قال: فذهب داود إلى طالوت، فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو.

ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

قال طالوت: أنكحه ابنتي، وأجعل له نصف ملكي.

فقال داود لطالوت: فأنا أخرج إليه.

فلما قال داود: (أنا أخرج إليه)، قال له طالوت: من أنت؟

قال: أنا داود بن فلان.

فعرفه طالوت، ورأى أنه أجلد إخوته.

قال: فأعطاه طالوت درعه وسيفه.

قال: فلما خرج داود في الدرع جرها في الأرض؛ لأن طالوت كان أطول منه.

قال: فأخذ داود العصا ثم خرج إلى جالوت.

فمر بثلاثة أحجار، فقلن: يا داود خذنا معك، ففينا ميتة جالوت.

فأخذها ثم مضى نحوه.

وعلى جالوت بيضة هي ثلاثمائة رطل.

فقال له جالوت: إما أن ترميني، وإما أن أرميك؟

فقال له داود: بل أنا أرميك.

فرماه بها، فأصابه في آخرها، فوقعت في صدره، فنفذته وقتلته، وقتل الحجر بعد ما نفذ جنوداً كثيرة، وهزم الله جنوده.

وهو قوله: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ ، والقصة طويلة فلا ندري كيف كانت القصة وليس لنا إلى معرفتها حاجة.

وقوله: ﴿ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

فالملك يحتمل: علم الحرب، وسياسة القتال؛ إذ لم يكونوا يقاتلون إلا تحت أيدي الملوك، وهو كقوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ ٱلْمُلْكَ ﴾ ، بما عقد له من الخلافة؛ كقوله: ﴿ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وذكر: ﴿ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ الأمرين لما كان من قرب زمانه على ما عليه ابتداء الآية أن الملك يكون غير نبي، فجمعا جميعاً له فيكون على ذلك تأويل الحكمة أنها النبوة.

﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، قيل: هي الفقه.

وقيل: هي النبوة.

وقد تقدم ذكره.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ .

قيل: صعنة الدروع، كقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ  ﴾ .

وقيل: كلام الطير، وتسبيح الجبال، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ  ﴾ .

وذلك مما خص به داود دون غيره من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.

ويحتمل: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ ، أشياء أخر.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: دفع بالكفار بعضهم ببعض شرهم عن المسلمين، لما شغل بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض أعداء إلى أن لم يتفرغوا عن أنفسهم للمسلمين، وإلا كان في ذلك فساد الأرض.

وقال آخرون: دفع بالرسل والأنبياء شرهم عن المسلمين، وكفاهم بهم.

وقال غيرهم: دفع بالمؤمنين بعضهم عن بعض - دفع بالمجاهدين في سبيل الله عن القاعدين عن الجهاد، وإلا لغلب المشركون على الأرض.

وقيل: بدفع بالمصلي عمن لا يصلي، وبالمزكي عمن لا يزكي، وبالحاج عمن لا يحج، وبالصائم عمن لا يصوم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ .

قيل: لو لم يدفع بعضهم ببعض لقتل بعضهم بعضاً، وأهلك فريق فريقاً، وفي ذلك تفانيهم وفسادهم، وفي ذلك فساد الأرض.

وقال آخرون: لو لم يدفع لفسدت الأرض، أراد بفساد الأرض فساد أهلها؛ لأنه لو لم يدفع لغلب المشركون على أراضي الإسلام وأهلها.

فإذا غلبوا فسد أهلها.

وقال: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ، إذا غاب المشركون عليها هدمت المساجد والصوامع، ففيه فساد الأرض.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: ليس هو بذي فضل على أحد؛ لأن عليه أن يفعل ذلك، وأن يدفع ذلك كله عن المسلمين على قولهم، فإذا كان عليه ذلك لا يصير هو بما يدفع مفضلاً ولا ممتنّاً.

فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ ، ما ذكره من قتل داود جالوت بالأحجار.

ذكر في القصة مع ضعف داود وقوة جالوت، على ما قيل: إن قامته كانت قدر ميل، وإن بيضته كانت ثلاثمائة رطل.

ويحتمل: ما ذكر من قيام القليل للكثير؛ لأنه قيل: إن جنود جالوت مائة ألف، وجنود طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر.

وذلك من الآيات.

ويحتمل: جميع ما قص الله عليه في القرآن من خبر الأمم السالفة.

والله أعلم.

وفي قتل داود جالوت، وقتل القليل الكثير، دليل: أنهم لم يقتلوا لقوة أنفسهم، ولكنهم بالله وبنصره إياهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: من آيات وحدانيته: قتل داود جالوت مع ضعف داود وقوة عدوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فلما خرج طالوت بالجنود عن البلد قال لهم: إن الله مختبركم بنهر، فمن شرب منه فليس على طريقتي، ولا يصاحبني في قتال، ومن لم يشرب منه فإنه على طريقتي، ويصاحبني في القتال، إلا من اضطر فشرب مقدار غرفة بكفِّ يده فلا شيء عليه، فشرب الجنود إلا قليلًا منهم صبروا على عدم الشرب مع شدة العطش، فلما جاوز طالوت النهر هو والمؤمنون معه، قال بعض جنوده: لا قدرة لنا اليوم على قتال جالوت وجنوده، وعندئذ قال الذين يوقنون أنهم ملاقو الله يوم القيامة: كم من طائفة مؤمنة قليلة العدد غلبت طائفة كافرة كثيرة العدد بإذن الله وعونه، فالعبرة في النصر بالإيمان لا بالكثرة، والله مع الصابرين من عباده يؤيدهم وينصرهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.3MYAk"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وقوله تعالى ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ  ﴾ يدل على أن بني إسرائيل لم يقتنعوا بما احتج به عليهم نبيهم من استحقاق طالوت الملك بما اختاره الله وأعده له باصطفائه، وإيتائه من سعة العلم وبسطة الجسم ما يمكنه من القيام بأعبائه، حتى جعل لذلك آية تدلهم على العناية به، وهي عود التابوت إليهم، وهذا التابوت المعرف له صندوق له قصة معروفة في كتب اليهود.

ففي أول الفصل الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه: "وكلم الرب موسى قائلًا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه يأخذون تقدمتي.

وهذه هي التقدمة التي يأخذونها منهم: ذهب وفضة ونحاس وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود نحس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة، فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم بحسب جميع ما أنا أريك عن مثال المسكن ومثال جميع آنيته، هكذا تصنعون.

فيصنعون تابوتًا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، وارتفاعه ذراع ونصف.

وتغشيه بذهب نقي، من داخل وخارج تغشيه، وتصنع عليه إكليلًا من ذهب حواليه.

وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع، على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان.

وتصنيع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب، وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما.

تبقى العصوان في حلقة التابوت لا تنزعان منها.

وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك.

وتصنع غطاء من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف.

وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تضعهما على طرفي الغطاء.

فاصنع كروبًا واحدًا على الطرف من هنا، وكروبًا آخر على الطرف من هناك، من الغطاء تصنعون الكروبين على طرفيه.

ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى الآخر.

نحو الغطاء يكون وجها الكروبين.

وتجعل الغطاء على التابوت من فوق، وفي التابوت تضع الشهادة التي أنا أعطيك".

هذا ما ورد في صفة الأمر بصنع ذلك التابوت الديني، وذكر بعده كيفية صنع المائدة الدينية، وآنيتها، والمسكن، والمذبح، وخيمة العهد، ومنارة السراج، والثياب المقدسة.

ثم فصل في الفصل ٢٧ منه كيف كان صنع هذا التابوت والمائدة والمنار ومذبح البخور.

وهي غرائب يعدها عقلاء هذه العصور ألاعيب، والحكمة فيها والله أعلم أن بني إسرائيل كانوا -وقد استعبدهم وثنيو المصرين أحقابًا- قد ملكت قلوبهم عظمة تلك الهياكل الوثنية، وما فيها من الزينة والصنعة التي تدهش الناظر، وتشغل الخاطر، فأراد الله تعالى أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه  وتذكر به، فالتابوت سمي أولًا تابوت الشهادة أي شهادة الله سبحانه، ثم تابوت الرب وتابوت الله، كذلك أضيف إلى الله تعالى كل شيء صنع للعبادة.

وهذا مما يدل على أن تلك الديانة ليست دائمة، فلا غرو إذا نسخ الإسلام كل هذا الزخرف والصنعة من المساجد التي يعبد فيها الله تعالى حتى لا يشتغل المصلي عن مناجاة الله بشيء منها، وما كلفه ذلك الشعب الذي وصفته كتبه المقدسة بأنه صلب الرقبة كما تقول العرب "عريض القفا" على قرب عهده بالوثنية وإحاطة الشعوب الوثنية به من كل جانب لا يليق بحال البشر في طور ارتقائهم، إذ لا يربى الرجل العاقل، بمثل ما يربى به الطفل أو اليافع، وفي سائر فصول سفر الخروج الثلاثة تفصيل لما قدمه بنو إسرائيل لصنع تلك الدار التي يقدس فيها الله، ولصنع الخيمة والتابوت وغير ذلك، وغرضنا منها معرفة حقيقة التابوت عندهم فإنك لتجد في بعض كتب التفسير وكتب القصص عندنا أقوالًا غريبة عنه منها أنه مع آدم من الجنة، ومنشأ تلك الأقوال ما كان ينبذ به الإسرائيليون من القصص بين المسلمين مخادعة لهم، ليكثر الكذب في تفسيرهم للقرآن فيضلوا به، ويجد رؤساء اليهود مجالًا واسعًا للطعن في القرآن يصدعون به قومهم عنه.

وفي آخر فصول سفر الخروج أن موسى  وضع اللوحين اللذين فيهما شهادة الله، أي وصاياه لبني إسرائيل، في التابوت، وفي كتبهم الأخرى أنه كان بعده عند فتاه يشوع أي (يوشع) وأنهم كانوا يستنصرون بهذا التابوت فإذا ضعفوا في القتال وجيء به وقدموه تثوب إليهم شجاعتهم، وينصرهم الله تعالى، أي ينصرهم بتلك الشجاعة التي تتجدد لهم بإحضار التابوت لا بالتابوت نفسه، ولذلك غُلِبُوا على التابوت فأخذ منهم عندما ضعف يقينهم وفسدت أخلاقهم، فلم يغن عنهم التابوت شيئًا.

ثم كانت حرب بين الفلسطينيين وبني إسرائيل على عهد "عاليا" أو "عالي" الكاهن فانتصر الفلسطينيون وأخذوا التابوت من بني إسرائيل بعد أن نكلوا بهم تنكيلًا فمات "عالى" قهرًا، وكان صموئيل -الذي يدعى في الكتب العربية شمويل- قاضيًا لبني إسرائيل من بعده، وهو نبيهم الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا ففعل كما تقدم، وجعل رجوع التابوت إليه آية لملك طالوت الذي أقامه لهم.

وقالوا في سبب إتيان التابوت إن أهل فلسطين ابتلوا بعد أخذ التابوت بالفيران في زرعهم والبواسير في أنفسهم، فتشاءموا منه، وظنوا أن إله إسرائيل انتقم منهم فأعادوه على عجلة تجرها بقرتان، ووضعوا فيه صور فيران وصور بواسير من الذهب جعلوا ذلك كفارة لذنبهم.

ومن المدون في التاريخ المقدس عندهم أنه لما أحرق البابليون هيكل سليمان فقدت التوراة وتابوت العهد معًا لأنها قد أحرقها فيه.

وأما قوله تعالى في التابوت ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ  ﴾ فقد كثرت فيه الروايات ومنها ما لا يدل عليه نقل ولا يقبله عقل، على أنها متعارضة لا يمكن الجمع بينها كما ترى في تفسير ابن جرير، وهو أم التفاسير، وقد أوردنا ما أوردنا من كتب اليهود ليعلم أن أكثر ما ذكر عن التابوت وعما فيه من الغرائب لا أصل له في تلك الكتب.

وإنما وحي الله تعالى ناطق بأن فيه سكينة، والسكينة في اللغة ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وفي إتيان الصندوق سكينة لا تخفى لما كان له من الشأن الديني عند القوم، أو فيه ما يحدث لهم سكينة وهي الفيران والبواسير الذهب التي تدل على خوف العدو، أو الألواح أو رضاضتها وهي البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وروي عن عطاء نحو ما قلناه.

قال ابن جرير وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات.

وقوله ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ يحتمل وجهين: (أحدهما): إن المراد بالملائكة صور الكروبين وقد حمل التابوت أي وضع عليهما كما تقول في وصف القصور والتماثيل المصنوعة: فيها فلان على فرس من نحاس، تريد تمثال الملك وتمثال الفرس.

(ثانيهما): إن البقرتين اللتين حملتا التابوت من بعض بلاد الفلسطينيين إلى بني إسرائيل كانتا تسيران مسخرتين بإلهام الملائكة.

وفي كتب القوم أن البقرتين اللتين جرتا عجلة التابوت لم يكن لهما قائد ولا سائق، وما يجري بإلهام لا كسب فيه للبشر وهو من الخير يسند إلى إلهام الملائكة.

روى نحو هذا ابن جرير قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهماإلخ وختم الآية بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ قالوا يتحمل أن يكون هذا تتمة كلام نبي بني إسرائيل لهم أي إن في مجيء التابوت علامة أو حجة لكم تدل على عناية الله بكم، واصطفائه لكم هذا الملك الذي ينهض بشؤونكم وينكل بأعدائكم، فعليكم أن ترضوا بملكه ولا تفرقوا عنه.

ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى لهذه الأمة معناه أن فيما أوحاه الله تعالى إلى نبيه  من هذه القصة آية بينة على نبوته إذ لولا الوحي لما كان يعرفها وهو الأمي الذي لم يقرأ ولم يتعلم شيئًا، ولا كان يعرف ما انطوت عليه من العبرة والفائدة، ولا سيما ما يعتبر في الملوك من الصفات التي تؤهلهم للقيام بأعباء السياسة وأعمال الرياسة، وإنما يكون ذلك آية بينة وعبرة نافعة لمن يؤمن بالله وآياته التي يؤيد بها أنبياءه ورسله عليهم السلام، لذلك قيدها بالشرط الذي حذف جوابه لدلالة الكلام عليه.

علم من السياق أن الغرض الأول من طلب القوم نصب الملك عليهم هو أن يتولى قيادتهم للقتال في سبيل الله، ويثأر من أولئك الوثنيين الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فكان المتوقع بعد بيان نصب الملك أن يذكر ما كان من شأنه في القتال وذلك ما بينه تعالى ذكره بقوله ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ  ﴾ فصل بالجنود انفصل بهم من مقامهم وقادهم لقتال أعدائهم، وأصله: فصل نفسه عنه مصاحبًا لهم، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وأصله الأرض الغليظة ذات الحجارة ثم قيل لكل مجتمع قوي جند.

والشرب تناول الماء بالفم وابتلاعه، وطعم الشيء من غذاء وشراب ذاقه قال الشاعر: * وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا * والغرفة بالفتح المرة من غرف الشيء إذا رفعه من محله وتناوله وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحجازيون.

والغرفة بالضم ما يغترف وبها قرأ ابن عامر والكوفيون.

لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم ثم أذعنوا من بعد وكان إذغان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء أراد الله أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته في معامع وينفي من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون، أو كان فيهم من يكرهه، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدًا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسومونه الفشل، أخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال إلا أن يكون ما يشربه قليلًا وهو غرفة تؤخذ باليد، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعًا من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم يطعمه أي يذقه بالمرة فإنه منه وهو الذي يركن إليه ويوثق به تمام الثقة، فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالأمر وحكمه أن يتبرأ منه، ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة، ومرتبة من لا يذوقة البتة وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول على جهاده، قال تعالى ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ  ﴾ ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتنزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ  ﴾ والعدد القليل من أهل العزائم، يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم، كما يعلم من قوله تعالى ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ  ﴾ أي فلما جاوز النهر طالوت هو والذين أمنوا معه ﴿ قَالُوا  ﴾ أي الجنود وهم أولئك الذين شربوا منه إلا قليلًا منهم، ﴿ لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ  ﴾ الطاقة أدنى درجات القوة كما تقدم في تفسير آية الصيام، وجالوت هو أشهر أبطال أعدائهم الفلسطينيين وعربه النصارى الذين ترجموا سفر صموئيل الذي فيه القصة "جليات" ولا اعتداد بتعريبهم والعبارة تشعر بأن جنود الفلسطينيين كانوا أكثر من الإسرائيليين أي قال جمهور الجنود ليس لنا أدنى شيء من جنس الطاقة بلقاء جالوت وجنوده.

﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ وهؤلاء اللذين يظنون أنهم ملاقوا الله في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر مع طالوت، وقد توهم بعض الناس أن الآخرين الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه لأنه تعالى لم يذكرهم وظنوا أن القولين من المؤمنين الذين جاوزوا النهر، قال ضعافهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: وقال أقوياؤهم: كم من فئة قليلة إلخ ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعد هذه، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين يعتد بهم، ويتبرأ من المتخلفين العاصين كما علم من قوله في الابتلاء.

سياق الكلام فيمن فصل بهم من الجنود وابتلوا بالنهر وقد قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا، ثم أعلمنا أن فريقًا منهم وصفهم بالمؤمنين جاوزوا النهر مع طالوت فعلمنا أنهم هو الذين أطاعوا ولم يشربوا، ثم أخبرنا بقولين يصلح أحدهما لمعارضة الآخر ورده.

(الأول) أسنده إلى ضمير الجماعة المحكي عنهم الذين قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا منهم، ومثله يصدر ممن خالف القائد وجبن عن القتال.

(الثاني)أسنده إلى الذين يظنون أنهم ملاقو الله وهو ينطبق على الذين أطاعوا القائد واتحدوا معه فلم يعصوا ويتفق مع وصف الإيمان الذي سبقه، فعلمناه أن الجميع جاوزوا النهر وأن هذين القولين كانا بعد مجاوزته، وأن التصريح بمجاوزة المؤمنين منهم ليست للحصر وإنما هي لبيان المعية والمصاحبة فإن القوم افترقوا عند النهر فسبق من لم يشرب والتف حول القائد وجاوزوا النهر معه، وتخلف الآخرون قليلًا للشرب والارتفاق بالماء ثم جاوزوا ولحقوا بالآخرين كما علم من محاورتهم معهم بما ظهر به أثر ما في نفس كل فريق منهما على لسانه.

ومن بديع إيجاز القرآن أن يحذف الشيء ويأتي في السياق بما يدل عليه، وأن يذكر القوم بوصف غير ما دل عليه الكلام أو يجعله في مكان الضمير لإفادة أن هذا الوصف المذكور هو السبب في الفعل أو الوصف الذي سيق الكلام لتقريره، كما وصف الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرب، وسبب الشجاعة والإقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددًا.

هذا ما ظهر في بيان هذه العبارة ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: لما جاوزوه هو والذين آمنوا معه قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: (قال ابن جرير) وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه وانخذل عنه أهل الشرك والنفاق: إلخ.

وفيه ذكر قول كل من الفريقين ووسم من يقول بأنه لم يجاوز مع طالوت النهر إلا أهل الإيمان بالغفلة ورد عليه قوله.

وفي كتب اليهود أن الابتلاء بترك شرب الماء كان على يد جدعون قبل قصة طالوت، ويوردون ذلك بما لا يليق بالله تعالى ولكنه يوافق ما بنيت عليه حوادث تاريخهم من كونها كلها عجائب وخوارق عادات لا شيء منها مبني على سنن الله تعالى في الاجتماع البشري.

ففي الفصل السابع من سفر القضاة ما نصه: "وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر على إسرائيل قائلًا يدي خلصتني والآن ناد في آذان الشعب قائلًا من كان خائفًا ومرتعدًا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد، فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفًا وبقي عشرة آلاف، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرًا، انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب معك.

وكل من أقول لك عنه لا يذهب معك فهو لا يذهب، فنزل بالشعب إلى الماء، وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب.

كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل، وأما باقي الشعب جميعًا فجثوا على ركبهم لشرب الماء.

فقال الرب لجدعون بالثلاث مئة رجل الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه" اهـ.

وقد علمت أن القوم خلطوا في تاريخهم: وأن أكثره لا يُعرَف كاتبوه، ومنه سفر صموئيل الذي فيه قصة طالوت، وعبارته تدل على أنه كتب بعد حدوث وقائعه، فإن الكاتب يذكر بعض الأشياء ويقول إنها لا تزال إلى الآن كأن الزمن كان كافيًا لأن تندرس فيه جميع الرسوم والمعالم التي عهدت عند وقوع تلك الوقائع وهم لا يعرفون كاتبه، وإننا نرى المؤرخين في زمامنا يغلطون بما يقع في عهدهم غلطًا أبعد من هذا الغلط في إسناد الشيء إلى غير فاعله وتقديمه أو تأخيره عن زمنه، وكما فات مؤرخي بني إسرائيل تحرير الوقائع والحوادث بالتدقيق، فاتهم ما فيها من العبر والحكم، فأين ما نقلنا في تفسير هذه القصة عنهم مما تجده في عبارة القرآن من صنوف العبرة؟

فالحق ما قاله الله تعالى في مسألة النهر وغيرها، ولا يعتبر ما خالفه من أقوال سائر الكتب معارضًا له فيحتاج إلى التوفيق أو الجواب كما تقدم في مقدمة تفسير هذه القصة والله أعلم وأحكم.

﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا  ﴾ أي لما ظهر طالوت وجنوده بالبراز وهي بالفتح ما استوى من الأرض ﴿ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ  ﴾ وهم أعداؤهم الفلسطينيون ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي لجأ قوم طالوت المؤمنون إلى الله تعالى يدعونه بأن يفرغ على قلوبهم الصبر، ويثبت أقدامهم في مواقع القتال بثبات قلوبهم واطمئنانها بالإيمان والثقة به، وينصرهم على القوم الكافرين عبدة الأوثان، الذين تعلقت قلوبهم بالأوهام، وهذه الأمور الثلاثة بعضها مرتب على بعض بحسب الأسباب الغالبة، فالصبر سبب للثبات الذي هو سبب من أسباب النصر، وأجدر الناس بالصبر المؤمنون بالله  الغالب على أمره.

﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي فاستجاب لهم ربهم ما سألوا ببركة التوجه إليه وتذكرهم ما يؤمنون به من قوته التي لا تغالب فهزموهم أي كسروهم كسرة انتهت بدفعهم من المعركة وهربهم منها بإرادته المنفذة لسنته في نصر المؤمنين الصابرين الثابتين، على الكافرين ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ  ﴾ قالوا إن جالوت جبار الفلسطينيين طلب البراز فلم يجرأ أحد من بني إسرائيل على مبارزته حتى أن طالوت جعل لم يقتله أن يزوجه ابنته ويحكمه في ملكه، ثم برز له داود بن يس وكان غلامًا يرعى الغنم ولم يقبل أن يلبس درعًا ولا أن يحمل سلاحًا بل حمل مقلاعه وحجارته، فسخر منه جالوت واحتمى عليه إذا لم يستعد له، وقال هل أنا كلب فتخرج إلي بالمقلاع؟

فرماه داود بمقلاعه فأصاب الحجر راسه فصرعه فدنا منه فاحتز رأسه وجاء به فألقاه إلى طالوت فعرف داود وكان له الشأن الذي ورث به ملك إسرائيل كما قال تعالى ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ  ﴾ فسروا الحكمة هنا بالنبوة، والأظهر عندي بالزبور الذي أوحاه الله إليه كما قال في آية أخرى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا  ﴾ وبه كان نبيًا، وأما تعليمه مما يشاء فهو صنعة الدروع كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ  ﴾ .

ثم بين تعالى حكمة الإذن بالقتال الذي قررته الآيات فقال ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ قرأ نافع "دفاع الله" والباقون "دفع الله" أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق وأهل الفساد في الأرض بأهل الإصلاح فيها، لغلب أهل الباطل والإفساد في الأرض وبغوا على الصالحين وأوقعوا بهم، حتى يكون لهم السلطان وحدهم، فتفسد الأرض بفسادهم، فكان من فضل الله على العالمين وإحسانه إلى الناس أجمعين، أن أذن لأهل دينه الحق المصلحين في الأرض، بقتال المفسدين فيها من الكافرين والبغاة المعتدين، فأهل الحق حرب لأهل الباطل في كل زمان والله ناصرهم ما نصروا الحق وأرادوا الإصلاح في الأرض.

وقد سمى هذا دفعًا على قراءة الجمهور باعتبار أنه منه سبحانه، إذ كان سنة من سننه في الاجتماع البشري، وسماه دفاعًا في قراءة نافع باعتبار أن كلا من أهل الحق المصلحين وأهل الباطل المفسدين يقاوم الآخر ويقاتله.

ثم بيّن أن إيتاء النبي الأمي أمثال هذه القصص من دلائل نبوته فقال ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ يشير إلى قصة الذين خرجوا من ديارهم وقصة بني إسرائيل التي بعدها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ  ﴾ فيه تعريض بأن ما يقوله بنو إسرائيل مخالفًا لهذا فهو باطل ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ  ﴾ إذ لولا الرسالة لما عرفت شيئًا من هذه القصص وأنت لم تكن في أزمنة وقوعها ولا تعلمت شيئًا من التاريخ ولو تعلمته لجئت بها على النحو الذي عند أهل الكتاب أو غيرهم من القصاصين.

وقد قرر تعالى هذه الحجة على نبوته  في سورة القصص بعد ذكر قصة موسى في مدين وذكر نبوته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ  وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد