الآية ٢٥٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٤ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَـٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَـٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَـٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٢٥٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 79 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم في سبيله سبيل الخير ليدخروا ثواب ذلك عند ربهم ومليكهم وليبادروا إلى ذلك في هذه الحياة الدنيا ( من قبل أن يأتي يوم ) يعني : يوم القيامة ( لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) أي : لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله ، ولو جاء بملء الأرض ذهبا ولا تنفعه خلة أحد ، يعني : صداقته بل ولا نسابته كما قال : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) [ المؤمنون : 101 ] ( ولا شفاعة ) أي : ولا تنفعهم شفاعة الشافعين .

وقوله : ( والكافرون هم الظالمون ) مبتدأ محصور في خبره أي : ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذ كافرا .

وقد روى ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال : الحمد لله الذي قال : ( والكافرون هم الظالمون ) ولم يقل : والظالمون هم الكافرون .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا في سبيل الله مما رزقناكم من أموالكم، وتصدقوا منها، وآتوا منها الحقوق التي فرضناها عليكم.

وكذلك كان ابن جريج يقول فيما بلغنا عنه: 5760 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم "، قال: من الزكاة والتطوع.

* * * =" من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، يقول: ادخروا لأنفسكم عند الله في دنياكم من أموالكم، بالنفقة منها في سبيل الله، والصدقة على أهل المسكنة والحاجة، وإيتاء ما فرض الله عليكم فيها، وابتاعوا بها ما عنده مما أعده لأوليائه من الكرامة، بتقديم ذلك لأنفسكم، ما دام لكم السبيل إلى ابتياعه، بما ندبتكم إليه، وأمرتكم به من النفقة من أموالكم=" من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه "، يعني من قبل مجيء يوم لا بيع فيه، يقول: لا تقدرون فيه على ابتياع ما كنتم على ابتياعه- بالنفقة من أموالكم التي رزقتكموها- بما أمرتكم به، أو ندبتكم إليه في الدنيا قادرين، (8) لأنه يوم جزاء وثواب وعقاب، لا يوم عمل واكتساب وطاعة ومعصية، فيكون لكم إلى ابتياع منازل أهل الكرامة بالنفقة حينئذ- أو &; 5-383 &; بالعمل بطاعة الله، سبيل (9) .

ثم أعلمهم تعالى ذكره أن ذلك اليوم = مع ارتفاع العمل الذي ينال به رضى الله أو الوصول إلى كرامته بالنفقة من الأموال، (10) إذ كان لا مال هنالك يمكن إدراك ذلك به = يوم لا مخالة فيه نافعة كما كانت في الدنيا، فإن خليل الرجل في الدنيا قد كان ينفعه فيها بالنصرة له على من حاوله بمكروه وأراده بسوء، والمظاهرة له على ذلك.

فآيسهم تعالى ذكره أيضا من ذلك، لأنه لا أحد يوم القيامة ينصر أحدا من الله، بل الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ كما قال الله تعالى ذكره، (11) وأخبرهم أيضا أنهم يومئذ= مع فقدهم السبيل إلى ابتياع ما كان لهم إلى ابتياعه سبيل في الدنيا بالنفقة من أموالهم، والعمل بأبدانهم، وعدمهم النصراء من الخلان، والظهراء من الإخوان (12) = لا شافع لهم يشفع عند الله كما كان ذلك لهم في الدنيا، فقد كان بعضهم يشفع في الدنيا لبعض بالقرابة والجوار والخلة، وغير ذلك من الأسباب، فبطل ذلك كله يومئذ، كما أخبر تعالى ذكره عن قيل أعدائه من أهل الجحيم في الآخرة إذا صاروا فيها: ( فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: 100-101] * * * وهذه الآية مخرجها في الشفاعة عام والمراد بها خاص، وإنما معناه: " من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، لأهل الكفر بالله، لأن أهل &; 5-384 &; ولاية الله والإيمان به، يشفع بعضهم لبعض.

وقد بينا صحة ذلك بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع (13) .

* * * وكان قتادة يقول في ذلك بما:- 5761 - حدثنا به بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: " يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة "، قد علم الله أن ناسا يتحابون في الدنيا، ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين.

* * * وأما قوله: " والكافرون هم الظالمون "، فإنه يعني تعالى ذكره بذلك: والجاحدون لله المكذبون به وبرسله=" هم الظالمون "، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله.

* * * وقد دللنا على معنى " الظلم " بشواهده فيما مضى قبل بما أغنى عن إعادته (14) .

* * * قال أبو جعفر: وفي قوله تعالى ذكره في هذا الموضع: " والكافرون هم الظالمون "، دلالة واضحة على صحة ما قلناه، وأن قوله: " ولا خلة ولا شفاعة "، إنما هو مراد به أهل الكفر، فلذلك أتبع قوله ذلك: " والكافرون هم الظالمون " .

فدل بذلك على أن معنى ذلك: حرمنا الكفار النصرة من الأخلاء، والشفاعة من الأولياء والأقرباء، ولم نكن لهم في فعلنا ذلك بهم ظالمين، إذ كان ذلك جزاء منا لما سلف منهم من الكفر بالله في الدنيا، بل الكافرون هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي أوجبوا لها العقوبة من ربهم.

* * * &; 5-385 &; فإن قال قائل: وكيف صرف الوعيد إلى الكفار والآية مبتدأة بذكر أهل الإيمان؟

قيل له: إن الآية قد تقدمها ذكر صنفين من الناس: أحدهما أهل كفر، والآخر أهل إيمان، وذلك قوله: وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ .

ثم عقب الله تعالى ذكره الصنفين بما ذكرهم به، بحض أهل الإيمان به على ما يقربهم إليه من النفقة في طاعته (15) وفي جهاد أعدائه من أهل الكفر به، قبل مجيء اليوم الذي وصف صفته.

وأخبر فيه عن حال أعدائه من أهل الكفر به، إذ كان قتال أهل الكفر به في معصيته ونفقتهم في الصد عن سبيله، فقال تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا أنفقوا أنتم مما رزقناكم في طاعتي، إذ كان أهل الكفر بي ينفقون في معصيتي= من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه فيدرك أهل الكفر فيه ابتياع ما فرطوا في ابتياعه في دنياهم= ولا خلة لهم يومئذ تنصرهم مني، ولا شافع لهم يشفع عندي فتنجيهم شفاعته لهم من عقابي.

وهذا يومئذ فعلي بهم جزاء لهم على كفرهم، (16) وهم الظالمون أنفسهم دوني، لأني غير ظلام لعبيدي.

وقد:- 5762 - حدثني محمد بن عبد الرحيم، قال: حدثني عمرو بن أبي سلمة، قال: سمعت عمر بن سليمان، يحدث عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: " والكافرون هم الظالمون "، ولم يقل: " الظالمون هم الكافرون ".

--------------- الهوامش : (8) في المطبوعة والمخطوطة : "بالنفقة من أموالكم التي أمرتكم به" ، وهو كلام مختل ، سقط فيما أرجح ما أثبته : "رزقتكموها ، بما" .

وسياق العبارة : ما كنتم على ابتياعه...بما أمرتكم به...

قادرين" .

والذي بينهما فواصل .

(9) في المطبوعة و المخطوطة : "فيكون لهم إلى ابتياع..." والصواب في هذا السياق : "لكم وقوله : "سبيل" اسم كان في"فيكون لكم إلى ابتياع..." .

(10) ارتفاع العمل : انقضاؤه وذهابه .

يقال : "ارتفع الخصام بينهما" ، و"ارتفع الخلاف" أي انقضى وذهب ، فلم يبق ما يختلفان عليه أو يختصمان .

وهو مجاز من"ارتفع الشيء ارتفاعا" : إذا علا .

وهذا معنى لم تقيده المعاجم ، وهو عربى صحيح كثير الورود في كتب العلماء ، ن وقد سلف في كلام أبي جعفر ، وشرحته ولا أعرف موضعه الساعة .

(11) هى آية"سورة الزخرف" : 67 .

(12) النصراء جمع نصير .

والخلان جمع خليل : والظهراء جمع ظهير : وهو المعين الذي يقوى ظهرك ويشد أزرك .

(13) انظر ما سلف 2 : 23 ، 33 .

(14) انظر معنى"الكفر" فيما سلف من فهارس اللغة / ومعنى"الظلم" فيما سلف 1 : 523 ، 524 ، وفي فهارس اللغة .

(15) في المطبوعة : "يحض" بالياء في أوله ، فعلا .

وهي في المخطوطة غير منقوطة ، وصواب قراءتها بباء الجر ، اسما .

وقوله : "بحض" ، متعلق بقوله : "ثم عقب الله" .

(16) في المخطوطة والمطبوعة : "وهذا يومئذ فعل بهم" ، وصواب السياق يقتضى ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمونقال الحسن : هي الزكاة المفروضة .

وقال ابن جريج وسعيد بن جبير : هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع .

قال ابن عطية .

وهذا صحيح ، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله ، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله : والكافرون هم الظالمون أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال .قلت : وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه .

وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم وحذرهم من الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة ، كما قال : فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق .

والخلة : خالص المودة ، مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين .

والخلالة والخلالة والخلالة : الصداقة والمودة ، قال الشاعر : ( هو النابغة الجعدي )وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحبوأبو مرحب كنية الظل ، ويقال : هو كنية عرقوب الذي قيل فيه : مواعيد عرقوب .

والخلة بالضم أيضا : ما خلا من النبت ، يقال : الخلة خبز الإبل والحمض فاكهتها .

والخلة بالفتح : الحاجة والفقر .

والخلة : ابن مخاض ، عن الأصمعي .

يقال : أتاهم بقرص كأنه [ ص: 244 ] فرسن خلة .

والأنثى خلة أيضا .

ويقال للميت : اللهم أصلح خلته ، أي الثلمة التي ترك .

والخلة : الخمرة الحامضة .

والخلة ( بالكسر ) : واحدة خلل السيوف ، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره ، وهي أيضا سيور تلبس ظهر سيتي القوس .

والخلة أيضا : ما يبقى بين الأسنان .

وسيأتي في ( النساء ) اشتقاق الخليل ومعناه .

فأخبر الله تعالى ألا خلة في الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله .

وحقيقتها رحمة منه تعالى شرف بها الذي أذن له في أن يشفع .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة " بالنصب من غير تنوين ، وكذلك في سورة ( إبراهيم ) " لا بيع فيه ولا خلال " وفي الطور " لا لغو فيها ولا تأثيم " وأنشد حسان بن ثابت :ألا طعان ولا فرسان عادية إلا تجشؤكم عند التنانيروألف الاستفهام غير مغيرة عمل " لا " كقولك : ألا رجل عندك ، ويجوز ألا رجل ولا امرأة كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه .

وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين ، كما قال الراعي :وما صرمتك حتى قلت معلنة لا ناقة لي في هذا ولا جملويروى " وما هجرتك " فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف ، كأنه جواب لمن قال : هل فيه من بيع ؟

فسأل سؤالا عاما فأجيب جوابا عاما بالنفي .

و " لا " مع الاسم المنفي بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء ، والخبر " فيه " .

وإن شئت جعلته صفة ليوم ، ومن رفع جعل " لا " بمنزلة ليس .

وجعل الجواب غير عام ، وكأنه جواب من قال : هل فيه بيع ؟

بإسقاط من ، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه ، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و " فيه " الخبر .

قال مكي : والاختيار الرفع ؛ لأن أكثر القراء عليه ، ويجوز في غير القرآن لا بيع فيه ولا خلة ، وأنشد سيبويه لرجل من مذحج :هذا لعمركم الصغار بعينه لا أم لي إن كان ذاك ولا أبويجوز أن تبني الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول : لا رجل فيه ولا امرأة ، وأنشد سيبويه :لا نسب اليوم ولا خلة اتسع الخرق على الراقع[ ص: 245 ] ف " لا " زائدة في الموضعين ، الأول عطف على الموضع والثاني على اللفظ ووجه خامس أن ترفع الأول وتبني الثاني كقولك : لا رجل فيها ولا امرأة ، قال أمية :فلا لغو ولا تأثيم فيها وما فاهوا به أبدا مقيموهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وقد تقدم هذا والحمد لله .

( والكافرون ) ابتداء .

( هم ) ابتداء ثان ، ( الظالمون ) خبر الثاني ، وإن شئت كانت " هم " زائدة للفصل و " الظالمون " خبر " الكافرون " .

قال عطاء بن دينار : والحمد لله الذي قال : والكافرون هم الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا من لطف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرا وأجرا موفرا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون ويحصل الخزي على الظالمين، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده وتعدوا الحلال إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله، فلهذا قال تعالى: { والكافرون هم الظالمون } وهذا من باب الحصر، أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى: { إن الشرك لظلم عظيم }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ) قال السدي : أراد به الزكاة المفروضة وقال غيره : أراد به صدقة التطوع والنفقة في الخير ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ) أي لا فداء فيه سماه بيعا لأن الفداء شراء نفسه ( ولا خلة ) لا صداقة ( ولا شفاعة ) إلا بإذن الله قرأ ابن كثير ونافع وأهل البصرة كلها بالنصب وكذلك في سورة إبراهيم ( الآية 31 ) " لا بيع فيه ولا خلال " وفي سورة الطور ( الآية 23 ) " لا لغو فيها ولا تأثيم " وقرأ الآخرون كلها بالرفع والتنوين ( والكافرون هم الظالمون ) لأنهم وضعوا العبادة في غير موضعها .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم» زكاته «من قبل أن يأتي يوم لا بيْعٌ» فداء «فيه ولا خُلَّة» صداقة تنفع «ولا شَفَاعَةَ» بغير إذنه وهو يوم القيامة وفي قراءة برفع الثلاثة «والكافرون» بالله أو بما فرض عليهم «هم الظالمون» لوضعهم أمر الله في غير محله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا من آمنتم بالله وصدَّقتم رسوله وعملتم بهديه أخرجوا الزكاة المفروضة، وتصدَّقوا مما أعطاكم الله قبل مجيء يوم القيامة حين لا بيع فيكون ربح، ولا مال تفتدون به أنفسكم مِن عذاب الله، ولا صداقة صديق تُنقذكم، ولا شافع يملك تخفيف العذاب عنكم.

والكافرون هم الظالمون المتجاوزون حدود الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وجه القرآن نداء إلى المؤمنين أمرهم فيه ببذل أموالهم في سبيل الدفاع عن الحق ، حتى يكونوا أهلا لرضا الله ومثوبته .( ياأيها الذين .

.

.

)الخلة : الصداقة والمودة مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين ، وسميت بذلك لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها ، أو لشدة الحاجة إليها .

ومنه سمي الخليل خليلا لاحتياج الإِنسان إليه .والشفاعة مأخوذة من الشفع بمعنى الضم ، وتطلق على انضمام شخص إلى آخر لنفعه أو نصرته ، وأكثر ما تستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى ما هو دونه .والمعنى : عليكم أيها المؤمنون أن تنفقوا في وجوه الخير كإعانة المجاهدين ومساعدة الفقراء والبائسين من أموالكم التي رزقكم الله إياها بفضله وكرمه ، ومن قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى تقدموا عن طريقها ما تفتدون به أنفسكم ، ولا يكون فيه صديق يدفع عنكم ، ولا شفيع يشفع لكم فيحط من سيئاتكم إلا أن يأذن رب العالمين بالشفاعة تفضلا منه وكرماً .فالآية الكريمة تحض المؤمنين على الإِنفاق في سبيل الله ، لأنه هو أهم عناصر القوة في الأمة ، وأفضل وسيلة لإِقامة المجتمع الصالح المتكافل .

والمراد بالإِنفاق هنا ما يشمل الفرض والنفل ، والأمر المطلق الطلب ، إلا أن هذا الطلب قد يصل إلى درجة الوجوب إذا نزلت بالأمة شدة لم تكف الزكاة عن دفعها .وقوله : ( مِمَّا رَزَقْنَاكُم ) إشعار بأن هذا المال الذي بين أيدي الأغنياء ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه ، ونعمة أنعم بها عليهم ، فمن الواجب عليهم شكرها بألا يبخلوا بجزء منه على الإِنفاق في وجوه الخير ، لأن هذا البخل سيعود عليهم بما يضرهم .وفي قوله : ( مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ ) .

.

إلخ حث آخر على التعجيل بالإِنفاق ، لأنه تذكير للناس بهذا الوقت الذي تنتهي فيه الأعمال ، ولا يمكن فيه استدراك ما فاتهم ، ولا تعويض ما فقدوه من طاعات .

فكأنه - سبحانه - يقول لهم : نجوا أنفسكم بالمسارعة إلى الإنفاق من قبل أن يأتي يوم لا منجاة فيه إلا بالعمل الصالح الذي قدمتموه .و ( من ) في قوله ( مِمَّا رَزَقْنَاكُم ) للتبعيض .

وفي قوله ( مِّن قَبْلِ ) لابتداء الغاية : ومفعول أنفقوا محذوف والتقدير أنفقوا شيئاً مما رزقناكم .والشفاعة المنفية هنا هي التي لا يقبلها الله - تعالى - وهي التي لا يأذن بها ، أما شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فقد أذن الله له بها وقبلها منه ، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي في أن النبي صلى الله عليه وسلم ستكون له شفاعة في دفع العذاب عن أقوام من المؤمنين وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلمين ، ومن ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله .

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر .

وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والكافرون هُمُ الظالمون ) أي والكافرون الجاحدون لنعمه هم الظالمون لأنفسهم ، لأنهم حالوا بينها وبين الهداية بإيثارهم العاجلة على الآجلة ، والغي على الرشد ، والشر على الخير ، والبخل على السخاء .أما المؤمنون فليسوا كذلك لأنهم سلكوا الطريق المستقيم ، وبذلوا الكثير من أموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله ، وفي إعانة المحتاجين .وبذلك نرى أن الآية الكريمة قد حضت المؤمنين على المسارعة في إنفاق أموالهم في وجوه الخير من قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه ما كان نافعاً في الدنيا من أقوال وأعمال وأنها قد توعدت من يبخل عن الإِنفاق في سبيل الله بسوء العاقبة ، لأنه تشبه بالكافرين في بخلهم وإمساكهم عن بذل أموالهم في وجوه الخير .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن أصعب الأشياء على الإنسان بذل النفس في القتال، وبذل المال في الإنفاق فلما قدم الأمر بالقتال أعقبه بالأمر بالإنفاق، وأيضاً فيه وجه آخر، وهو أنه تعالى أمر بالقتال فيما سبق بقوله: ﴿ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله  ﴾ ثم أعقبه بقوله: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا  ﴾ والمقصود منه إنفاق المال في الجهاد، ثم إنه مرة ثانية أكد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، ثم أعقبه بالأمر بالإنفاق في الجهاد، وهو قوله: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ ﴾ .

إذا عرفت وجه النظم فنقول في الآية مسائل: المسألة الأولى: المعتزلة احتجوا على أن الرزق لا يكون إلا حلالاً بقوله: ﴿ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ فنقول: الله تعالى أمر بالإنفاق من كل ما كان رزقاً بالإجماع أما ما كان حراماً فإنه لا يجوز إنفاقه، وهذا يفيد القطع بأن الرزق لا يكون حراماً، والأصحاب قالوا: ظاهر الآية وإن كان يدل على الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً إلا أنا نخصص هذا الأمر بإنفاق كل ما كان رزقاً حلالاً.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن قوله: ﴿ أَنفَقُواْ ﴾ مختص بالإنفاق الواجب كالزكاة أم هو عام في كل الإنفاقات سواء كانت واجبة أو مندوبة، فقال الحسن: هذا الأمر مختص بالزكاة، قال لأن قوله: ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ كالوعد والوعيد لا يتوجه إلا على الواجب وقال الأكثرون: هذا الأمر يتناول الواجب والمندوب، وليس في الآية وعيد، فكأنه قيل: حصلوا منافع الآخرة حين تكونون في الدنيا، فإنكم إذا خرجتم من الدنيا لا يمكنكم تحصيلها واكتسابها في الآخرة والقول الثالث: أن المراد منه الإنفاق في الجهاد: والدليل عليه أنه مذكور بعد الأمر بالجهاد، فكان المراد منه الإنفاق في الجهاد، وهذا قول الأصم.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿ لاَّ بَيْعٌ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة ﴾ بالنصب، وفي سورة إبراهيم عليه السلام ﴿ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال  ﴾ وفي الطور ﴿ لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ  ﴾ والباقون جميعاً بالرفع، والفرق بين النصب والرفع قد ذكرناه في قوله: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ  ﴾ .

المسألة الرابعة: المقصود من الآية أن الإنسان يجئ وحده، ولا يكون معه شيء مما حصله في الدنيا، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً  ﴾ .

أما قوله: ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ ففيه وجهان الأول: أن البيع هاهنا بمعنى الفدية، كما قال: ﴿ فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ  ﴾ وقال: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ  ﴾ وقال: ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا  ﴾ فكأنه قال: من قبل أن يأتي يوم لا تجارة فيه فتكتسب ما تفتدي به من العذاب والثاني: أن يكون المعنى: قدموا لأنفسكم من المال الذي هو في ملككم قبل أن يأتي اليوم الذي لا يكون فيه تجارة ولا مبايعة حتى يكتسب شيء من المال.

أما قوله: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ فالمراد المودة، ونظيره من الآيات قوله تعالى: ﴿ الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين  ﴾ وقال: ﴿ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب  ﴾ وقال: ﴿ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً  ﴾ وقال حكاية عن الكفار: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شافعين وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ وقال: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ وأما قوله: ﴿ وَلاَ شفاعة ﴾ يقتضي نفي كل الشفاعات.

واعلم أن قوله: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة ﴾ عام في الكل، إلا أن سائر الدلائل دلت على ثبوت المودة والمحبة بين المؤمنين، وعلى ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وقد بيناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله  ﴾ ﴿ لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة  ﴾ .

واعلم أن السبب في عدم الخلة والشفاعة يوم القيامة أمور أحدها: أن كل أحد يكون مشغولاً بنفسه، على ما قال تعالى: ﴿ لِكُلّ امرئ مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ  ﴾ والثاني: أن الخوف الشديد غالب على كل أحد، على ما قال: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى  ﴾ والثالث: أنه إذا نزل العذاب بسبب الكفر والفسق صار مبغضاً لهذين الأمرين، وإذا صار مبغضاً لهما صار مبغضاً لمن كان موصوفاً بهما.

أما قوله تعالى: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ فنقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ ولم يقل الظالمون هم الكافرون، ثم ذكروا في تأويل هذه الآية وجوهاً أحدها: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة ﴾ أوهم ذلك نفي الخلة والشفاعة مطلقاً، فذكر تعالى عقيبه: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ ليدل على أن ذلك النفي مختص بالكافرين، وعلى هذا التقدير تصير الآية دالة على إثبات الشفاعة في حق الفساق، قال القاضي: هذا التأويل غير صحيح لأن قوله: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ كلام مبتدأ فلم يجب تعليقه بما تقدم.

والجواب: أنا لو جعلنا هذا الكلام مبتدأ، تطرق الخُلفْ إلى كلام الله تعالى، لأن غير الكافرين قد يكون ظالماً، أما إذا علقناه بما تقدم زال الإشكال فوجب المصير إلى تعليقه بما قبله.

التأويل الثاني: أن الكافرين إذا دخلوا النار عَجَزوا عن التخلص عن ذلك العذاب، فالله تعالى لم يظلمهم بذلك العذاب، بل هم الذين ظلموا أنفسهم حيث اختاروا الكفر والفسق حتى صاروا مستحقين لهذا العذاب، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا  ﴾ .

والتأويل الثالث: أن الكافرين هم الظالمون حيث تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم وحاجتهم وأنتم أيها الحاضرون لا تقتدوا بهم في هذا الاختيار الردئ، ولكن قدموا لأنفسكم ما تجعلونه يوم القيامة فدية لأنفسكم من عذاب الله.

والتأويل الرابع: الكافرون هم الظالمون لأنفسهم بوضع الأمور في غير مواضعها، لتوقعهم الشفاعة ممن لا يشفع لهم عند الله، فإنهم كانوا يقولون في الأوثان: ﴿ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله  ﴾ ، وقالوا أيضاً: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى  ﴾ فمن عبد جماداً وتوقع أن يكون شفيعاً له عند الله فقد ظلم نفسه حيث توقع الخير ممن لا يجوز التوقع منه.

والتأويل الخامس: المراد من الظلم ترك الإنفاق، قال تعالى: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا  ﴾ أي أعطت ولم تمنع فيكون معنى الآية والكافرون التاركون للإنفاق في سبيل الله، وأما المسلم فلابد وأن ينفق منه شيئاً قل أو كثر.

والتأويل السادس: ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ أي هم الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال: العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا هاهنا، وأكثر هذه الوجوه قد ذكرها القفال رحمه الله والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ تِلْكَ الرسل ﴾ إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات ﴿ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام.

وقرئ: ﴿ كلم الله ﴾ بالنصب.

وقرأ اليماني: ﴿ كالم الله ﴾ ، من المكالمه، ويدل عليه قولهم: كليم الله، بمعنى مكالمه ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة.

والظاهر أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر.

ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات.

وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس.

ويقال للرجل: من فعل هذا؟

فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه.

وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟

فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره.

ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولي العزم من الرسل.

وعن ابن عباس رضي الله عنه: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحاً بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة؛ وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء فدخل عليه السلام فقال: «فيم أنتم؟

فذكرنا له.

فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها» فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟

قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة.

ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل.

وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلاً بالآيات منهم فقد فضل على غيره.

ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها.

كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله ﴾ مشيئة إلجاء وقسر ﴿ مَا اقتتل الذين ﴾ من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضاً ﴿ ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ ﴾ لالتزامه دين الأنبياء ﴿ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ﴾ إعراضه عنه ﴿ وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا ﴾ كرّره للتأكيد ﴿ ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ من الخذلان والعصمة ﴿ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ ﴾ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ حتى تبتاعوا ما تنفقونه ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ حتى يسامحكم أخلاؤكم به.

وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات.

لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال ﴿ والكافرون ﴾ للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ [النور: 55] مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ [فصلت: 6] وقرئ: ﴿ لا بيعُ فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ ﴾ بالرفع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ ما أوْجَبْتُ عَلَيْكم إنْفاقَهُ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ ﴾ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى تَدارُكِ ما فَرَّطْتُمْ، والخَلاصِ مِن عَذابِهِ إذْ لا بَيْعَ فِيهِ فَتَحْصِّلُونَ ما تُنْفِقُونَهُ، أوْ تَفْتَدُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ ولا خُلَّةَ حَتّى يُعِينَكم عَلَيْهِ أخِلّاؤُكم أوْ يُسامِحُوكم بِهِ ولا شَفاعَةَ ﴿ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلا ﴾ حَتّى تَتَّكِلُوا عَلى شُفَعاءَ تَشْفَعُ لَكم في حَطِّ ما في ذِمَمِكُمْ، وإنَّما رُفِعَتْ ثَلاثَتُها مَعَ قَصْدِ التَّعْمِيمِ لِأنَّها في التَّقْدِيرِ جَوابُ: هَلْ فِيهِ بَيْعٌ؟

أوْ خُلَّةٌ؟

أوْ شَفاعَةٌ؟

وقَدْ فَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ.

﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ يُرِيدُ والتّارِكُونَ لِلزَّكاةِ هم ظالِمُونَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، أوْ وضَعُوا المالَ في غَيْرِ مَوْضِعَهُ وصَرَفُوهُ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، فَوُضِعَ الكافِرُونَ مَوْضِعَهُ تَغْلِيظًا لَهم وتَهْدِيدًا كَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ مَكانَ ومَن لَمْ يَحُجَّ وإيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الزَّكاةِ مِن صِفاتِ الكُفّارِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ما رزقناكم} في الجهاد في سبيل الله أو هو عام في كل صدقة واجبة {مّن قبل أن يأتى يوم لا بيع فيه} أي من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه {وَلاَ خُلَّةٌ} حتى يسامحكم أخلاؤكم به {وَلاَ شفاعة} أي للكافرين فأما المؤمنون فلهم شفاعة أو إلا بإذنه {والكافرون هُمُ الظالمون} أنفسهم بتركهم التقديم ليوم حاجاتهم أو الكافرون بهذا اليوم هم الظالمون لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة مكي وبصري

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ قِيلَ: أرادَ بِهِ الفَرْضَ كالزَّكاةِ دُونَ النَّفْلِ لِأنَّ الأمْرَ حَقِيقَةٌ في الوُجُوبِ ولِاقْتِرانِ الوَعِيدِ بِهِ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ، وقِيلَ: يَدْخُلُ فِيهِ الفَرْضُ والنَّفْلُ وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ واخْتارَهُ البَلْخِيُّ، وجَعَلَ الأمْرَ لِمُطْلَقِ الطَّلَبِ ولَيْسَ فِيما بَعْدُ سِوى الإخْبارِ بِأهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ وشَدائِدِها تَرْغِيبًا في الإنْفاقِ ولَيْسَ فِيهِ وعِيدٌ عَلى تَرْكِهِ لِيَتَعَيَّنَ الوُجُوبُ، وقالَ الأصَمُّ: المُرادُ بِهِ الإنْفاقُ في الجِهادِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَذْكُورٌ بَعْدَ الأمْرِ بِالجِهادِ مَعْنًى، وبِذَلِكَ تَرْتَبِطُ الآيَةُ بِما قَبْلَها ولا يَخْفى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُسْمَعَ لِأنَّ الِارْتِباطَ عَلى تَقْدِيرِ العُمُومِ حاصِلٌ أيْضًا بِدُخُولِ الإنْفاقِ المَذْكُورِ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكَذا عَلى تَقْدِيرِ إرادَةِ الفَرْضِ لِأنَّ الإنْفاقَ في الجِهادِ قَدْ يَكُونُ فَرْضًا إذا تَوَقَّفَ الفَرْضُ عَلَيْهِ، و(ما) مَوْصُولَةٌ حُذِفَ عائِدُها والتَّعَرُّضُ لِوُصُولِهِ مِنهُ تَعالى لِلْحَثِّ عَلى الإنْفاقِ والتَّرْغِيبِ فِيهِ.

﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ﴾ أيْ لا مَوَدَّةٌ ولا صَداقَةٌ ﴿ ولا شَفاعَةٌ ﴾ أيْ لِأحَدٍ إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ الرَّحْمَنُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى وأرادَ بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُرادُ مِن وصْفِهِ بِما ذَكَرَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ فِيهِ عَلى تَحْصِيلِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِأنَّ مَن في ذِمَّتِهِ حَقٌّ مَثَلًا إمّا أنْ يَأْخُذَ بِالبَيْعِ ما يُؤَدِّيهِ بِهِ وإمّا أنْ يُعِينَهُ أصْدِقاؤُهُ وإمّا أنْ يَلْتَجِئَ إلى مَن يَشْفَعُ لَهُ في حَطِّهِ والكُلٌّ مُنْتَفٍ ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ و(مِن) مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَتْ بِهِ أُخْتُها ولا ضَيْرَ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما إذِ الأُولى: تَبْعِيضِيَّةٌ وهَذِهِ لِابْتِداءِ الغايَةِ وإنَّما رُفِعَتْ هَذِهِ المَنفِيّاتُ الثَّلاثَةُ مَعَ أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ والمُناسِبُ لَهُ الفَتْحُ لِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ هَلْ بِيعٌ فِيهِ أوْ خُلَّةٌ أوْ شَفاعَةٌ والبَيْعُ وأخَواهُ فِيهِ مَرْفُوعَةٌ فَناسَبَ رَفْعَها في الجَوابِ مَعَ حُصُولِ العُمُومِ في الجُمْلَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِمَثابَةِ العُمُومِ الحاصِلِ عَلى تَقْدِيرِ الفَتْحِ، وقَدْ فَتَحَها اِبْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ في ذِكْرِ ما هو نَصٌّ في العُمُومِ كَذا قالُوا، ولَعَلَّ الأوْجُهَ القَوْلُ بِأنَّ الرَّفْعَ لِضَعْفِ العُمُومِ في غالِبِها وهو الخُلَّةُ والشَّفاعَةُ لِلِاسْتِثْناءِ الواقِعِ في بَعْضِ الآياتِ، والمَغْلُوبُ مُنْقادٌ لِحُكْمِ الغالِبِ، وأمّا ما قالُوهُ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ ما بَعْدَ (يَوْمٍ) جُمْلَةٌ وقَعَتْ بَعْدَ نَكِرَةٍ فَهي صِفَةٌ غَيْرُ مَقْطُوعَةٍ ولا يُقَدَّرُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ إذا لَمْ يَكُنْ قَطْعُ سُؤالٍ قَطْعًا، واعْتِبارُ كَوْنِ النَّكِرَةِ مَوْصُوفَةً بِما يُفْهِمُهُ التَّنْوِينُ مِنَ التَّعْظِيمِ فَتُقَدَّرُ الجُمْلَةُ صِفَةً مَقْطُوعَةً تَحْقِيقًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا لَهُ فَيَصِحُّ تَقْدِيرُ السُّؤالِ حِينَئِذٍ مِمّا لا يَكادُ يَقْبَلُهُ الذِّهْنُ السَّلِيمُ.

﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ  ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّونَ لِإطْلاقِ هَذا الوَصْفِ عَلَيْهِمْ لِتَناهِي ظُلْمِهِمْ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ أيْ فالمُؤْمِنُونَ المُتَّقُونَ مُوفُونَ والكافِرُونَ الخ، والمُرادُ بِهِمْ تارِكُو الإنْفاقِ رَأْسًا، وعَبَّرَ عَنِ التّارِكِ بِالكافِرِ تَغْلِيظًا حَيْثُ شَبَّهَ فِعْلَهُ وهو تَرْكُ الإنْفاقِ بِالكُفْرِ، أوْ جَعَلَ مُشارَفَةً عَلَيْهِ، أوْ عَبَّرَ بِالمَلْزُومِ عَنِ اللّازِمِ فَهو إمّا اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ مَجازُ مُشارَفَةٍ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ كِنايَةٌ ومِثْلُ ذَلِكَ وضْعُ ﴿ مَن كَفَرَ ﴾ مَوْضِعَ مَن لَمْ يَحُجَّ آخِرَ آيَةِ الحَجِّ، وبَعْضُهم لَمْ يَتَجَوَّزْ بِالكُفْرِ، وقالَ: إنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الكُفْرِ بِاَللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، وفائِدَةُ الإخْبارِ حِينَئِذٍ الإشارَةُ إلى أنَّ نَفْيَ تِلْكَ الأشْياءِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وأنَّ ذَلِكَ لا يُعَدُّ مِنّا ظُلْمًا لَهم لِأنَّهم هُمُ الظّالِمُونَ لِأنْفُسِهِمُ المُتَسَبِّبُونَ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ، أي تصدقوا.

قال بعضهم: أراد به الزكاة المفروضة.

وقال بعضهم: صدقة التطوع.

ثم بيّن لهم أن الدنيا فانية وأنه في الآخرة لا ينفعهم شيء إلا ما قدموه.

قال تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ، يقول: لا فداء فيه وَلا خُلَّةٌ يعني الصدقة وهذا كما قال في آية أخرى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: 67] .

وَلا شَفاعَةٌ للكافرين كما يكون في الدنيا.

قرأ ابن كثير وأبو عمرو لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ بالنصب وكذلك في سورة إبراهيم: «لاَ بَيْعَ فِيهِ وَلاَ خِلاَلَ» وقرأ الباقون بالضم مع التنوين.

ثم قال تعالى عز وجل: وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ أنفسهم.

والظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه.

وكان المشركون يقولون: الأصنام شركاؤه وهم شفعاؤنا عند الله فوحد الله نفسه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ...

الآية: «تِلْكَ» : رفْعٌ بِالابتداءِ، والرسُل: خبره، ويجوز أنْ يكُونَ «الرُّسُلُ» عطْفَ بيانٍ، و «فَضَّلْنَا» : الخبَر، و «تِلْكَ» : إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعْض النَّبيِّين على بعضٍ من غير تعْيين.

وقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ:

قال مجاهد وغيره: هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوَّات «١» إِلى غير ذلك ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وغيره ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسى- عليه السلام- إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ جبريلُ- عليه ٦٤ أالسلام- وقد تقدَّم/ ما قال العلماءُ فيه.

وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ...

الآية: معنى الآيةِ: ولو شاء اللَّه ما اقتتل النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ، فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر بغياً وحَسَداً، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك، لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه.

ص: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ، قيل: في الكلام حذْفٌ، أي: فاختلف أممهم، فاقتتلوا، ولو شاء اللَّهُ، فمفعولُ «شَاءَ» محذوفٌ، أي: «أَلاَّ يَقْتَتِلُوا» انتهى.

وقوله: مَا اقْتَتَلُوا، أي: بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ على مَرِّ الدهر، وذلك هو

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ تَحُثُّ عَلى الصَّدَقاتِ، والإنْفاقِ في وُجُوهِ الطّاعاتِ.

وقالَ الحَسَنُ: أرادَ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ ﴾ يَعْنِي: يَوْمَ القِيامَةِ ﴿ لا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو (لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ) بِالنَّصْبِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ، ومِثْلُهُ في "إبْراهِيمَ" (لا بَيْعَ فِيهِ) وفي الطَّوْرِ (لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ) وقَرَأ نافِعٌ وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، جَمِيعُ ذَلِكَ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا فِدْيَةَ فِيهِ، وقِيلَ: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَ البَيْعِ لِما فِيهِ مِنَ المُعاوَضَةِ، وأخَذَ البَدَلَ.

والخُلَّةُ: الصَّداقَةُ.

وقِيلَ: إنَّما نَفى هَذِهِ الأشْياءَ، لِأنَّهُ عَنى عَنِ الكافِرِينَ، وهَذِهِ الأشْياءُ لا تَنْفَعُهم، ولِهَذا قالَ: ﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ ﴾ <div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ والكافِرُونَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هَذِهِ الآيَةُ تَجْمَعُ الزَكاةَ والتَطَوُّعَ، وهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ، فالزَكاةُ واجِبَةٌ، والتَطَوُّعُ مَندُوبٌ إلَيْهِ.

وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها مُرادٌ بِها جَمِيعُ وُجُوهِ البِرِّ: مِن سَبِيلِ خَيْرٍ، وصِلَةِ رَحِمٍ، ولَكِنَّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآيات في ذِكْرِ القِتالِ وأنَّ اللهَ يَدْفَعُ بِالمُؤْمِنِينَ في صُدُورِ الكافِرِينَ يَتَرَجَّحُ مِنهُ أنَّ هَذا النَدْبَ إنَّما هو في سَبِيلِ اللهِ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ أيْ: فَكافِحُوهم بِالقِتالِ بِالأنْفُسِ وإنْفاقِ الأمْوالِ- ونَدَبَ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ إلى إنْفاقِ شَيْءٍ مِمّا أنْعَمَ بِهِ، وهَذا غايَةُ التَفَضُّلِ فِعْلًا وقَوْلًا- وحَذَّرَ تَعالى مِنَ الإمْساكِ إلى أنْ يَجِيءَ يَوْمٌ لا يُمْكِنُ فِيهِ بَيْعٌ ولا شِراءٌ ولا اسْتِدْراكُ نَفَقَةٍ في ذاتِ اللهِ، إذْ هي مُبايَعَةٌ عَلى ما قَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ  ﴾ أو إذِ البَيْعُ فِدْيَةٌ، لِأنَّ المَرْءَ قَدْ يَشْتَرِي نَفْسَهُ ومُرادَهُ بِمالِهِ، وكَأنَّ مَعْنى الآيَةِ مَعْنى سائِرِ الآيِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ إلّا فِدْيَةَ يَوْمِ القِيامَةِ -وَأخْبَرَ اللهُ تَعالى بِعَدَمِ الخُلَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: خُلَّةٌ نافِعَةٌ تَقْتَضِي المُساهَمَةَ، كَما كانَتْ في الدُنْيا، وأهْلُ التَقْوى بَيْنَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ خُلَّةٌ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلَيْها، وخُلَّةُ غَيْرِهِمْ لا تُغْنِي مِنَ اللهِ شَيْئًا- وأخْبَرَ تَعالى أنَّ الشَفاعَةَ أيْضًا مَعْدُومَةٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

فَحَمَلَ الطَبَرِيُّ ذَلِكَ عَلى عُمُومِ اللَفْظِ وخُصُوصِ المَعْنى، وأنَّ المُرادَ: "وَلا شَفاعَةَ لِلْكُفّارِ"، وهَذا لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، بَلِ الشَفاعَةُ المَعْرُوفَةُ في الدُنْيا وهي انْتِدابُ الشافِعِ وتَحَكُّمُهُ عَلى كُرْهِ المَشْفُوعِ عِنْدَهُ مُرْتَفِعَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ البَتَّةَ، وإنَّما تُوجَدُ شَفاعَةٌ بِإذْنِ اللهِ تَعالى، فَحَقِيقَتُها رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى لَكِنَّهُ شَرَّفَ الَّذِي أذِنَ لَهُ في أنْ يَشْفَعَ، وإنَّما المَعْدُومُ مِثْلُ حالِ الدُنْيا مِنَ البَيْعِ والخُلَّةِ والشَفاعَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "لا بَيْعَ فِيهِ ولا خُلَّةَ ولا شَفاعَةَ" بِالنَصْبِ، في كُلِّ ذَلِكَ بِلا تَنْوِينٍ وكَذَلِكَ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: "لا بَيْعَ فِيهِ ولا خِلالَ" وفي الطُورِ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ"، وقَرَأ الباقُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ.

و"الظالِمُونَ" واضِعُو الشَيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

وقالَ عَطاءُ بْنُ دِينارٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قالَ: ﴿ والكافِرُونَ هُمُ الظالِمُونَ ﴾ ولَمْ يَقُلِ: "الظالِمُونَ هُمُ الكافِرُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

موقع هذه الآية مثل موقع ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسنا ﴾ [البقرة: 245] الآية لأنّه لما دعاهم إلى بذل نفوسهم للقتال في سبيل الله فقال: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أنّ الله سميع عليم ﴾ [البقرة: 244] شفَّعَهُ بالدعوة إلى بذل المال في الجهاد بقوله: ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ [البقرة: 245] على طريقة قوله: ﴿ وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ﴾ [الأنفال: 72]، وكانت هذه الآية في قوة التذييل لآية ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً ﴾ لأنّ صيغة هذه الآية أظهر في إرادة عموم الإنفاق المطلوب في الإسلام، فالمراد بالإنفاق هنا ما هو أعم من الإنفاق في سبيل الله، ولذلك حذف المفعول والمتعلق لقصد الانتقال إلى الأمر بالصدقات الواجبة وغيرها، وستجيء آيات في تفصيل ذلك.

وقوله: ﴿ مما رزقناكم ﴾ حث على الإنفاق واستحقاق فيه.

وقوله: ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ حث آخر لأنه يذكر بأن هنالك وقتاً تنتهي الأعمال إليه ويتعذّر الاستدراك فيه، واليوم هو يوم القيامة، وانتفاء البيع والخلة والشفاعة كناية عن تعذّر التدارك للفائِت، لأن المرء يحصل ما يعوزه بطرق هي المعاوضة المعبر عنها بالبيع، والارتفاق من الغير وذلك بسبب الخلة، أو بسبب توسط الواسطة إلى من ليس بخليل.

والخلة بضم الخاء المودة والصحبة، ويجوز كسر الخاء ولم يقرأ به أحد، وتطلق الخلة بالضم على الصديق تسمية بالمصدر فيستوي فيه الواحد وغيره والمذكر وغيره قال الحماسي: ألاَ أبلِغَا خُلَّتي راشِدا *** وصنوي قديماً إذا ما اتصل وقال كعب: أكرِم بها خُلةً، البيت.

فيجوز أن يراد هنا بالخلة المودة، ونفي المودة في ذلك لِحصول أثرها وهو الدّفع عن الخليل كقوله تعالى: ﴿ واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً ﴾ [لقمان: 33]، ويجوز أن يكون نفي الخليل كناية عن نفي لازمه وهو النفع كقوله: ﴿ يوم لا ينفع مال ولا بنون ﴾ [الشعراء: 88]، قال كعب بن زهير: وقَال كل خليل كنت آمُلُه *** لا ألهِيَنَّك إني عنك مشغول وقرأ الجمهور ﴿ لا بيع فيه ﴾ وما بعده بالرفع لأنّ المراد بالبيع والخلة والشفاعة الأجناس لا محالة، إذ هي من أسماء المعاني التي لا آحاد لها في الخارج فهي أسماء أجناس لا نكرات، ولذلك لا يحتمل نفيها إرادة نفي الواحد حتى يحتاج عند قصد التنصيص على إرادة نفي الجنس إلى بناء الاسم على الفتح، بخلاف نحو لا رجلَ في الدار ولا إلَه إلا الله، ولهذا جاءت الرواية في قول إحدى صواحب أم زرع «زوجي كلَيْللِ تِهَامَهْ لا حَرٌّ ولا قُرٌّ ولا مَخَافَةٌ ولا سآمهْ» بالرفع لا غير، لأنّها أسماء أجناس كما في هذه الآية.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح لنفي الجنس نصّاً فالقراءتان متساويتان معنى، ومن التكلّف هنا قول البيضاوي إنّ وجه قراءة الرفع وقوع النفي في تقدير جواب لسؤال قائل هل بيعٌ فيه أو خلّة أو شفاعة.

والشفاعة الوساطة في طلب النافع، والسعي إلى من يراد استحقاق رضاه على مغضوب منه عليه أو إزالة وحشة أو بغضاء بينهما، فهي مشتقة من الشفع ضد الوتر، يقال شفع كمنع إذا صيّر الشيء شفعاً، وشفع أيضاً كمنع إذا سعى في الإرضاء ونحوه لأنّ المغضوب عليه والمحروم يبعد عن واصله فيصير وتراً فإذا سعى الشفيع بجلب المنفعة والرضا فقد أعادهما شفعاً، فالشفاعة تقتضي مشفوعاً إليه ومشفوعاً فيه، وهي في عرفهم لا يتصدّى لها إلاّ من يتحقّق قبول شفاعته، ويقال شفع فلان عند فلان في فلان فشفَّعهُ فيه أي فقبل شفاعته، وفي الحديث: «قالوا هذا جدير إن خطب بأن ينكح وإن شفع بأن يشفع».

وبهذا يظهر أنّ الشفاعة تكون في دفع المضرة وتكون في جلب المنفعة قال: فذاك فتًى إن تأته في صنيعة *** إلى ماله لا تأته بشفيع ومما جاء في منشور الخليفة القادر بالله للسلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي «ولّيناك كورة خراسان ولقبناك يمين الدولة، بشفاعة أبي حامد الإسفرائيني»، أي بواسطته ورغبته.

فالشفاعة في العرف تقتضي إدلال الشفيع عند المشفوع لديه، ولهذا نفاها الله تعالى هنا بمعنى نفي استحقاق أحد من المخلوقات أن يكون شفيعاً عند الله بإدلال، وأثبتها في آيات أخرى كقوله قريباً ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ [البقرة: 255] وقوله: ﴿ ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28]، وثبتت للرسول عليه السلام في أحاديث كثيرة وأشير إليها بقوله تعالى: ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ﴾ [الإسراء: 79] وفسّرت الآية بذلك في الحديث الصحيح، ولذلك كان من أصول اعتقادنا إثبات الشفاعة للنبيء صلى الله عليه وسلم وأنكرها المعتزلة وهم مخطئون في إنكارها وملبسون في استدلالهم، والمسألة مبسوطة في كتب الكلام.

والشفاعة المنفية هنا مراد بها الشفاعة التي لا يسع المشفوعَ إليه ردّها، فلا يعارض ما ورد من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة لأنّ تلك كرامة أكرمه الله تعالى بها وأذن له فيها إذ يقول: «اشفع تشفع» فهي ترجع إلى قوله تعالى: ﴿ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ﴾ [البقرة: 255] وقوله: ﴿ ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى ﴾ [الأنبياء: 28] وقوله: ﴿ ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له ﴾ [سبأ: 23].

وقوله: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ صيغة قصر نشأت عن قوله: ﴿ لا بيع فيه ولا خلّة ولا شفاعة ﴾ فدلّت على أن ذلك النفي تعريض وتهديد للمشركين فعقب بزيادة التغليظ عليهم والتنديد بأنّ ذلك التهديد والمهدّد به قد جلبوه لأنفسهم بمكابرتهم فما ظلمهم الله، وهذا أشدّ وقعاً على المعاقب لأنّ المظلوم يجد لنفسه سلوّاً بأنّه معتدى عليه، فالقصر قصر قلب، بتنزيلهم منزلة من يعتقد أنّهم مظلومون.

ولك أن تجعلَه قصراً حقيقياً ادّعائياً لأنّ ظلمهم لما كان أشدّ الظلم جعلوا كمن انحصر الظلم فيهم.

والمراد بالكافرين ظاهراً المشركون، وهذا من بدائع بلاغة القرآن، فإنّ هذه الجملة صالحة أيضاً لتذييل الأمر بالإنفاق في سبيل الله، لأنّ ذلك الإنفاق لقتال المشركين الذين بدأوا الدين بالمناوأة، فهم الظالمون لا المؤمنون الذين يقاتلونهم لحماية الدين والذبّ عن حوزته.

وذكر الكافرين في مقام التسجيل فيه تنزيه للمؤمنين عن أن يتركوا الإنفاق إذ لا يظنّ بهم ذلك، فتركه والكفر متلازمان، فالكافرون يظلمون أنفسهم، والمؤمنون لا يظلمونها، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ [فصلت: 6، 7]، وذلك أنّ القرآن يصوّر المؤمنين في أكمل مراتب الإيمان ويقابل حالهم بحال الكفار تغليظاً وتنزيهاً، ومن هذه الآية وأمثالها اعتقد بعض فرق الإسلام أنّ المعاصي تبطل الإيمان كما قدّمناه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، لِتَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ.

والثّانِي: في الدُّنْيا بِأنْ جَعَلَ بَعْضَهم خَلِيلًا، وبَعْضَهم كَلِيمًا، وبَعْضَهم مَلِكًا، وسَخَّرَ لِبَعْضِهِمُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ، وأحْيا بِبَعْضِهِمُ المَوْتى، وأبْرَأ الأكْمَهَ، والأبْرَصَ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: بِالشَّرائِعِ، فَمِنهم مَن شَرَّعَ، ومِنهم مَن لَمْ يُشَرِّعْ.

﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ أوْحى إلى بَعْضِهِمْ في مَنامِهِ، وأرْسَلَ إلى بَعْضِهِمُ المَلائِكَةَ في يَقَظَتِهِ.

والثّانِي: أنْ بَعَثَ بَعْضَهم إلى قَوْمِهِ، وبَعَثَ بَعْضَهم إلى كافَّةِ النّاسِ.

﴿ وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَجُ الواضِحَةُ، والبَراهِينُ القاهِرَةُ.

والثّانِي: أنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ.

﴿ وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجِبْرِيلَ.

والثّانِي: بِأنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ.

﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أمَرَ بِالقِتالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ.

والثّانِي: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لاضْطَرَّهم إلى الإيمانِ، ولَما حَصَلَ فِيهِمْ خِيارٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ في الزكاة والتطوّع.

وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال: يقال نسخت الزكاة كل صدقة في القرآن ونسخ شهر رمضان كل صوم.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: قد علم الله أن أناساً يتخالون في الدنيا ويشفع بعضهم لبعض، فأما يوم القيامة فلا خلة إلا خلة المتقين.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار قال: الحمد لله الذي قال: ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ ولم يقل: والظالمون هم الكافرون.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ قال الحسن: أراد الزكاة المفروضة، قال: لأنه مقرون بوعيد، وقال الآخرون (١) وقال أبو إسحاق: أي: أنفقوا في الجهاد، ولْيُعِنْ بعضكم بعضًا عليه (٢) ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ ﴾ يعنى: يوم القيامة، يريد: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدلٌ ولا فداء، كقوله: ﴿ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا  ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا  ﴾ ، فذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل.

﴿ وَلَا خُلَّهٌ ﴾ الخُلَّةُ: مَصْدَرُ الخَلِيْل، وكذلك الخِلاَلة، والخُلَّةُ أيضًا تكون اسمًا، كما قال: ألا أبْلِغا خُلَّتِي رَاشِدًا ...

وصِنْوِي قِديمًا إذا ما اتَّصَل (٣) يريد: خليلى (٤) وقوله تعالى: ﴿ شَفَاعَةٌ ﴾ إنما عم نفيَ الشفاعة؛ لأنه عنى الكافرين بأن هذه الأشياء لا تنفعهم، ألا ترى أنه قال عقيب هذا: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ أي: هم الذين وضعوا الأمرَ غيرَ موضِعِه (٥) ﴿ قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآية [إبراهيم: 31].

(١) في (ي) و (م): (آخرون).

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 335.

(٣) البيت في "اللسان" 2/ 1252 (مادة: خلل) غير منسوب لأحد، وفي "اللسان": إذا ما اتصل.

(٤) ينظر في (خلل): "تهذيب اللغة" 1/ 1095 - 1098، "المفردات" ص 159 وقال: الخلة: المودة، إما لأنها تتخلل النفس، أي: تتوسطها، وإما لأنها تخل النفس فتؤثر فيه تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليها.

وينظر أيضًا "اللسان" 2/ 1248 - 1254.

(٥) ينظر "تفسيرالثعلبي" 2/ 1409.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنْفِقُواْ ﴾ يعم الزكاة والتطوّع ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ أي: لا يتصرف أحد في ماله، والمراد: لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق في الدنيا؛ ويدخل فيه نفي الفدية لأنه بشراء الإنسان نفسه ﴿ وَلاَ شفاعة ﴾ أي ليس في يوم القيامة شفاعة إلاّ بإذن الله؛ فهو في الحقيقة رحمة من الله للمشفوع فيه، وكرامة للشافع ليس فيها تحكم على الله، وعلى هذا يحمل ما ورد من نفي الشفاعة في القرآن؛ أعني أن لا تقع إلاّ بإذن الله؛ فلا تعارض بينه وبين إثباتها، وحيث ما كان سياق الكلام في أهوال يوم القيامة، والتخويف بها نفيت الشفاعة على الإطلاق، ومبالغة في التهويل.

وحيث ما كان سياق الكلام تعظيم الله نفيت الشفاعة إلاّ بإذنه ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ قال عطاء ابن دينار: الحمد لله الذي قال هكذا، ولم يقل: والظالمون هو الكافرون.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ بالفتح غير منون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير؛ الباقون: بالرفع والتنوين.

وكذلك في سورة إبراهيم: ﴿ لا بيع فيه ولا خلال  ﴾ وكذلك في سورة الطور: ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم  ﴾ .

الوقوف: بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين 5 على بعض م؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى  من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم.

درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون 5.

التفسير: ﴿ تلك ﴾ القصص المذكورة من حديث الألوف وإماتتهم ثم إحيائهم، ومن تمليك طالوت وظهور الآية التى هى إتيان التابوت، وغلبة الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير؛ ﴿ آيات الله ﴾ الباهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته ورحمته؛ ﴿ نتلوها عليك ﴾ بتلاوة جبرائيل وفيه تشريف عظيم لجبرائيل كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ ﴿ بالحق ﴾ باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك من غير تفاوت، ولأن في تلاوتها حكمة شريفة وهي اعتبار المكلفين من أمتك ليحتملوا شدائد الجهاد كما/ احتملها الأمم السالفة، ولأنها تدل على نبوّتك من قبل أنها أخبار بالغيب لما فيها من الفصاحة والبلاغة.

ثم أكّد ذلك بقوله: ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة ودراسة، وفيه أيضاً تسلية للنبي  فيما يراه من الكفار وأهل النفاق من الخلاف والشقاق كما رآه الرسل قبله، فالمصيبة إذا عمت طابت.

ولمثل هذا كرر فقال: ﴿ تلك الرسل ﴾ أي الذين تعرفهم وأنت من جملتهم ﴿ فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ﴾ فضله الله بأن كلمه الله من غير سفير وهو موسى  ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ قيل إن ﴿ درجات ﴾ نصب بنزع الخافض، وقيل رفع لبعضهم كقوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً  ﴾ أي له، وقيل حال من بعضهم أي ذا درجات، وقيل مصدر في موضع الحال، وقيل انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال: ورفعنا بعضهم رفعات.

وأيَّد عيسى بروح القدس ومع ذلك قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك بعد مشاهدة المعجزات وأنت رسول مثلهم، فلا تحزن على ما ترى من قومك ولو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضاه الله فهو كائن وما قدره فهو واقع.

واعلم أن الأمة أجمعت على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً أفضل الكل لوجوه منها قوله  : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ ومنها قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك  ﴾ قرن ذكره بذكر محمد  في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء؛ ومنها أنه قرن طاعته بطاعته: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله  ﴾ وبيعته ببيعته ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله  ﴾ وعزته بعزته: ﴿ ولله العزة ولرسوله  ﴾ ورضاه برضاه ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه  ﴾ وأجابته بإجابته ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول  ﴾ ومحبته بمحبته: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله  ﴾ .

ومنها أن معجزاته أكثر وقد ترتقي إلى ألف من جملتها القرآن، بل القرآن يشتمل على ألفي معجزة وأزيد، لأن التحدي وقع بأقصر سورة هي الكوثر وإنها ثلاث آيات، وكل ثلاث آيات من القرآن تصلح للتحدي فيكون معجزاً برأسه.

ومنها أن معجزته، وهي القرآن، باقية على وجه الدهر ومعجزاتهم قد انقضت وانقرضت مع أن معجزته من جنس ما لا يبقى زمانين وهي الأصوات والحروف ومعجزاتهم من جنس ما يبقى مدة طويلة.

ومنها أنه اجتمع فيه من الخصال الجميلة والخلال المرضية ما كان متفرقاً فيهم وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده  ﴾ أي أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها، فإنه لا يجوز أن يكون مأموراً/ بالاقتداء بهم في أصول الدين لأنه تقليد، ولا في الفروع فإن شرعه ناسخ الشرائع، فإذن المراد محاسن الأخلاق.

ومنها أنه بعث إلى الخلق كافة وكان يتحمَّل أعباء الرسالة أكثر فيكون ثوابه أزيد.

ومنها أن هذا الدين أفضل وإلا لم ينسخ به سائر الأديان فيكون شارعه أفضل، ومنها أن أُمَّته أفضل: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس  ﴾ وإذا كان التابع أفضل فالمتبوع أفضل.

ومنها أن أمته أكثر لكونه مبعوثاً إلى الجن والإنس، ولا يخفى أن لكثرة التابعين أثراً قوياً في علو شأن المتبوع.

ومنها أن كل نبيٍّ نودي في القرآن فقد نودي باسمه.

﴿ يا آدم اسكن  ﴾ ، ﴿ يا موسى إني أنا الله  ﴾ ، ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم  ﴾ ، ﴿ يا عيسى إني متوفِّيك  ﴾ .

وأما النبي  فإنه نودي بقوله: ﴿ يا أيها النبي  ﴾ وغيرها كثير ﴿ يا أيها الرسول  ﴾ ، بل أقسم بحياته، ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون  ﴾ .

وأما الأحاديث في هذا الباب؛ فعن ابن عباس قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله  يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه.

قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم لبعض: عجباً إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلاً واتخذ إبراهيم خليلاً.

وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلّمه تكليماً.

وقال آخر: ماذا بأعجب من جَعْل عيسى كلمة الله وروحه.

وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته.

فسلم رسول الله  على أصحابه وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وأن موسى نجيّ الله وهو كذلك، وأن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك.

ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول شفيع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرّك حلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر" .

وفي الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله  : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحِلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة" وروى البيهقي في كتابه في فضائل الصحابة "ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي  هذا سيد العرب فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟

فقال: أنا سيد العالمين وهو سيد العرب" .

ومما يؤكّد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة ريئس القرية.

ولما كانت نبوة محمد  أعمّ من نبوة سائر الأنبياء فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة، فلا جرم أُعطي من كنوز العلم والحكمة وذخائز المعارف والحقائق، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده.

هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من معجزاته؛ فآدم جُعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحاً وريحاناً، وأُوتي موسى العصا واليد البيضاء، وداود لان الحديدُ في يده، وسليمان أُعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مُسَخرين له، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى قال: " "لا تفضلوني على يونس بن متى" .

وقال: " "لا تخيروا بين الأنيباء" " .

وقال "لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا " وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها.

والجواب أن كون آدم مسجوداً للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد  بدليل قوله  : " آدم ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة" " وقوله: " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين" .

ونُقل أن جبريل  أخذ ركاب محمد  ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود، وأنه  يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة، وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرَّة واحدة على أن ذلك السجود أيضاً إنما كان لأجل نور محمد  الذي كان في جبهته، وأن أول الفكر آخر العمل ولهذا قال: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" ومَنْ تأمَّل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كانت لنبي قبله معجزة أفضل منها لمحمد  .

وأما قوله: " "لا تفضلوني...

ولا تخيروا " ، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب.

وأيضاً التمييز بين الشخصين إنما يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعاً وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد، فورد النهي عنه حتى لا يؤدي إلى محذور.

والحاصل أن التوفيق بين قوله "لا تفضلوني" وبين ما مرّ من الأحاديث أن كلاً منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر، فحيث رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء/ السالفة منعهم عن ذلك، وقال: " "أنا أكرم الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين" .

وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك وقال: "لا تفضلوني"؛ على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء، للواقع فقد يكون الشيء حقاً في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى المكلف، فالمراد بهذا الأمر: لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمّكم، وإنما المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم.

ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله: ﴿ من كلم الله ﴾ التقدير: من كلمه، فحذف العائد وقرىء كلم الله بالنصب وليس بقوي؛ فإن كلّ مصلٍّ فإنه يكلم الله قال  " المصلي يناجي ربه" .

وإنما الشرف في أن يكلمه الله قال الأشعري: المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا في جهة.

وقالت المعتزلة: سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال.

واتفقوا على أن موسى قد كلمه الله واختُلف في أن محمداً  ليلة المعراج هل كلمه الله أم لا؛ منهم مَنْ قال نعم بدليل قوله: ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ وأورد ههنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة، فقد كلم الله إبليس حيث قال: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين  ﴾ الآيات، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه  كلّمة من غير واسطة، فلعلّ الواسطة كانت موجودة، قلت: هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان: مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس: ﴿ وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين  ﴾ وكما في أهل النار: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\].

أما قوله: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ فقيل: المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة فاتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطى داود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح.

وخصّ يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان، وخصّ محمداً  بالبعث إلى الثقلين وكونه خاتم النبيين إلى سائر خصائصه.

هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب.

أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه؛ وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى/ من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة محمد  وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذٍ من الفصاحة والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر.

وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة.

وفيه وجه ثالث وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات يتعلق بالدنيا وهو كثرة الأُمة والصحابة وقوة الدولة.

وإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أنّ محمداً  كان مستجمعاً للكل؛ فمنصبه أعلى، ومعجزته أقوى وأبقى، وقومه أكثر، ودولته أعظم وأوفر، وقيل: المراد بهذه الآية محمد  لأنه هو المفضَّل على الكل.

وإنما قال: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل عظيماً فيقال له: من فعل هذا؟

فيقول: أحدكم أو بعضكم، ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به.

وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه.

ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يبق فيه فخامة.

وليس قوله ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ تكراراً لقوله ﴿ فضلنا بعضهم على بعض ﴾ لأن المفهوم من قوله ﴿ فضلنا ﴾ هو وجود نفس الفضل.

والمفهوم من قوله ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ هوالتفاوت بالدرجات الكثيرة.

﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ﴾ قد سبق تفسيره، وإنما عدل عن الغيبة إلى الحكاية لأن الضمير في قوله ﴿ وآتينا ﴾ للتعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء، وأما قوله ﴿ كلم الله ﴾ فأهيب من قوله ﴿ كلمنا ﴾ فلهذا اختير الغيبة.

وسبب تخصيص موسى وعيسى بالذكر هو أن أمتهما موجودون حاضرون، فنبَّه على أن هذين الرسولين مع علو درجتهما وتبيُّن معجزاتهما، لم يحصل الانقياد من أمتهما لهما بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا ثم إن الرسل بعد مجيء البينات ووضوح الدلائل اختلف أقوامهم فمنهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا، فلهذا قال  : ﴿ ولو شاء الله ﴾ أي أن لا يقتتلوا ما اقتتل الذين من بعدهم لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضاً ولكن اختلفوا فمنهم من آمن لالتزامه دين الأنبياء، ومنهم من كفر بإعراضه عنه ولو شاء الله ما اقتتلوا.

كرر الكلام تكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، ولكن الله يفعل ما يريد.

وفي الآية دلالة على صحة مسألة خلق الأعمال، ومسألة إرادة الكائنات، وأن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله عز وجل في العبد، والمعتزلة يقيدون المطلق في الآيتين فيقولون المراد ولو شاء الله مشيئة الجاء وقسر كما يقال لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ولم يشرب النصارى الخمر ويقولون المراد يفعل ما يريد من أفعال نفسه.

ثم إنه/ تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل  ﴾ وأعقبه بقوله ﴿ منْ ذا الذي يقرض الله  ﴾ ، والغرض منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكّد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه تارة أخرى الأمر بالإنفاق في الجهاد بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ وعن الحسن أنه مختص بالزكاة لأن قوله ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ كالوعيد وأنه لا يتوجه إلا على الواجب، والأكثرون على أنه عام يتناول الواجب والمندوب.

وليس في الآية وعيد وإنما الغرض أن يعلم أن منافع الآخرة لا تكتسب إلا في الدنيا، وأن الإنسان يجيء وحده وما معه إلا ما قدم من أعماله.

ومعنى قوله ﴿ لا بيع ﴾ أنه لا تجارة فيه فيكتسب ما يفتدى به من العذاب، أو يكتسب مالاً حتى ينفق منه، ﴿ ولا خلة ﴾ لا مودة، لأن كلّ أحد يكون مشغولاً بنفسه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، أو لأن الخوف الشديد غالب على كل أحد يوم تذهل كل مرضعة عما أَرضعت.

ثم إنه لما نفى الخلة والشفاعة مطلقاً ذكر عقيبة قوله ﴿ الكافرون هم الظالمون ﴾ ليدلّ على أن ذلك النفي مختص بالكافرين وعلى هذا فتصير الآية دالة على ثبوت الشفاعة في حق الفسَّاق.

نقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون، ولم يقل والظالمون هم الكافرون.

وقيل أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، لأنهم تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، فقال ﴿ والكافرون ﴾ للتغليظ كقوله ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين  ﴾ أي ومن لم يحج.

وقيل المراد.

إن الكافرين إذا دخلوا النار فالله لم يظلمهم بذلك، بل هم الذين ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والفسق.

فهو كقوله ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً  ﴾ وقيل "الكافرون" هم الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها لتوقعهم الشفاعة من الأصنام، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

وقيل المعنى والكافرون هم التاركون الإنفاق في سبيل الله من قوله ﴿ آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا  ﴾ وأما المسلم فإنه ينفق في سبيل الله قل أم كثر.

وفائدة الفصل أنهم الكاملون في الظلم البالغون فيه المبلغ العظيم.

التأويل: ﴿ تلك آيات الله ﴾ أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نجلوها عليك بالحقيقة كما هي ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ويخرجونهم من الظلمات/ إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السموات وأنت عبرت المكونات ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى  ﴾ فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول: " ما أوذي نبي مثل أوذيت" " لأن غيرك ما سقي من شرب ما سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت.

﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكلّ من أهل الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم.

وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، كما قال  : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى" .

ثم إن الفضل فضلان: عام يمتاز به عن المردودين ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون  ﴾ ؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين.

والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد بلفظ الوحدان في قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور  ﴾ ﴿ ويخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ .

والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال: ﴿ والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض.

فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السموات، كما روي عنه  أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم  في السماء السابعة، وأن محمداً  ما بقي في مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه، ولهذا سماه الله نوراً ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين  ﴾ : ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال: ﴿ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ﴾ ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل فخاطب أهل الإيمان أي: إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار حقّاً فتصدقوا من كل ما رزقناكم من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان، ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ لا يشترى فيه ما يباع من الأموال والأنفس في سوق ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم  ﴾ ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن ﴿ الأخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين  ﴾ ﴿ ولا شفاعة ﴾ لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر.

والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ .

قوله: ﴿ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .

يحتمل: تفضيل بعضهم على بعض ما ذكر ﴿ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ﴾ ، ومنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم من سخر له الريح والطير، ما كان في الأنبياء مثله.

ويحتمل: ﴿ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، في الحجاج، والحجج على القوم؛ لأن فيهم من كان أكثر محاجة لقومه وأعظم حججاً، وهو إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، وموسى.

ويحتمل: "التفضيل" التمكين في الأرض، مكن لبعضهم ما لم يكن للباقين.

ويحتمل: ذلك في الآخرة في الشفاعة، ورفع الدرجات.

ويحتمل: ﴿ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، في الرسالة؛ لأن منهم من أرسل إلى الإنس والجن جميعاً، ومنهم من أرسل إلى الإنس خاصة، [ومنهم من أرسل إلى قومه خاصة] ومنهم من أرسل إلى نفر.

والله أعلم.

وقد ذكرنا ألا يكون من الله تفضيل لبعض الرسل على بعض على قول المعتزلة؛ لأنه [فعل] ما عليه أن يفعل، وكل من فعل ما عليه أن يفعل، فإنه لا يوصف بالفضل والإفضال؛ دل أنه ليس على ما يقولون ويذهبون إليه.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ هذه الآية والآيتان من بعدها - قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ ، على المعتزلة.

لأنه أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا.

وهم يقولون: شاء ألا يقتتلوا، ولكن اقتتلوا.

والاقتتال هو فعل اثنين، وفيهم من اقتتل ظالما، وفيهم من اقتتل غير ظالم، دليله قوله: ﴿ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ ، أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا وأخبر أنه يفعل ما يريد ثبت الفعل في الإرادة وهم يقولون لا يفعل ما يريد.

وكذلك قوله ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ أخبر أنه لو شاء ما اختلفوا وهم يقولون: شاء ألا يختلفوا ولكن اختلفوا ثم لا يجوز صرف الآية إلى مشيئة القسر والجبر؛ لأن المشيئة التي ذكرها الله  معروفة في الناس فلا يجوز صرفها إلى غير المشيئة المعروفة إلا بعد تقدم ذكر أو بيان أنها هي المرادة وقوله: ﴿ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ ولا اختلفوا فجعلهم على أمر واحد ودين واحد كقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ والمعتزلة يقولون: شاء أن يصيروا أمة واحدة ولكن لم يصيروا فنعوذ بالله من السرف في القول والقول في الله بما لا يليق به.

وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم ﴾ يحتمل الأمر بالإنفاق، أمر بتقديم الطاعات والمسارعة إلى الخيرات قبل أن يأتي يوم يمنعه ويعجزه عن ذلك وهو الموت.

ويحتمل أمره بالإنفاق من الأموال في طاعة الله من قبل أن يأتى يوم، وهو يوم القيامة ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ قيل: لا فداء، و ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ ، ﴿ وَلاَ شَفَاعَةٌ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ أي لا ينفع خليل خليله كما ينفع في الدنيا وكذلك لا شفيع تنفع شفاعته كما تنفع في الدنيا.

ويحتمل: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ﴾ ، أي: لا ينفع أحد أحدا، ولا يخال أحد أحدا، ولا يشفع أحدا أحدا.

ويحتمل: ﴿ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ ، أنهم يملكون بيع أنفسهم من الله  ما داموا أحياء، فإذا ماتوا لم يملكوا، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ .

فأول الآية وإن خرج الخطاب للمؤمنين فالوصف فيها وصف الكافرين، لكن فيها زجر للمؤمنين مثل صنيع الكفار.

وقوله  : ﴿ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ قيل: الله هو اسم المعبود، وكذلك تسمي العرب كل معبود إلها ومعناه - والله أعلم - أن الذي يستحق العبادة ويحق أن يعبد هو الله الذي لا إله إلا هو لا الذي تعبدونه أنتم من الأوثان والأصنام التي لا تنفعكم عبادتكم إياها ولا يضركم ترككم العبادة لها.

ويحتمل أن يكون على إضمار: أن قل الله الذي لا إله إلا هو لأنهم كانوا يقرون بالخالق ويقرون بالإله؛ كقوله عز وجل ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 86-87\] وكقوله: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 88-89\] فإذا كانوا يقرون به فأخبرهم أن الذي يقرون به ويسمونه هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ويحتمل أن يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا الله  وآمنوا به، ولم يعرفوا نعته وصفته فعلمهم نعته وصفته أنه الحي القيوم إلى آخر.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، أنفقوا مما رزقناكم من مُختلف الأموال الحلال، من قبل أن يأتي يوم القيامة، حينئذ لا بيع فيه يكتسب منه الإنسان ما ينفعه، ولا صداقة تنفعه في وقت الشدة، ولا وساطة تَدفع ضرًّا أو تَجلب نفعًا إلا بعد أن ياذن الله لمن يشاء ويرضى، والكافرون هم الظالمون حقًّا لكفرهم بالله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.a4L9R"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعد أن ذكرنا تعالى بالرسل وما كان من أقوامهم بعدهم من الاختلاف والاقتتال، عاد إلى أمرنا بالإنفاق بأسلوب آخر كما تقدم التنبيه في تفسير الآية السابقة.

هناك يقول ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ  ﴾ وقد نبهنا على ما في هذا الخطاب من اللطف والبلاغة.

وأزيد هنا أن هذا اللطف إنما يفعل فعله ويبلغ نهاية تأثيره فيمن بلغ في الإيمان إلى عين اليقين، وعرج في الكمال إلى منازل الصديقين، ولطف وجدانه وشعوره، وتألق ضياؤه ونوره، وما كل المؤمنين يدرجون في هذه المدارج، أو يرتقون على هذه المعارج، فالأكثرون منهم يفعل في نفوسهم الترهيب، ما لا يفعل الترغيب، فهم لا ينفقون في سبيل الله إلا خوفًا من عقابه، أو طمعًا في ثوابه، وقد يعرض للضعفاء من هؤلاء الغرور بشفاعة تغني هنالك عن العمل، أو فدية تقي صاحبها عاقبة ما كان عليه من الزلل، فأمثال هؤلاء يعالجون بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ  ﴾ قرأ أبو عمر وابن كثير ويعقوب: لا بيع: وما عطف عليه بالفتح والباقون بالرفع.

قالوا إن المراد بالإنفاق هنا الإنفاق الواجب، لأن الكلام يتضمن الوعيد على الترك، وهو لا يكون إلا على ترك الواجب وقال بعضهم بل يشتمل المندوب.

ومن الواجب على أغنياء المسلمين إذا وقع الفساد في الأمة وتوقفت إزالته على المال أن يبذلوه لدفع المفاسد الفاشية والغوائل الغاشية وحفظ المصالح العامة.

وفي قوله تعالى ﴿ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ  ﴾ إشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه عليهم فأين هذا من الطلب بصيغة الإقراض؟.

كأنه يقول: إننا ما رزقناكم الرزق الحسن واستخلفناكم فيه إلا وقد نقلناه من أيدي قوم أساءوا التصرف فحبسوا المال وأمسكوه عن المصالح والمنافع التي يرتقي بها شأن البشر بالتعاون على البر والخير، فلا تكونوا مثلهم فإنهم ظلموا أنفسهم وقومهم ببخلهم فكانوا كافرين بنعم الله تعالى عليهم إذ لم يضعوها في مواضعها ولذلك ختم الآية بقوله ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ  ﴾ وسيأتي بيانه.

أما البيع والخلة والشفاعة فللمفسرين في بيان المراد بنفيها طريقان: أحدهما:إن المراد بالبيع والكسب بأي نوع من أنواع المبادلة والمعاوضة والمراد بالخلة - وهي الصداقة والمحبة للقرابة وغيرها لازمها وهو ما يكون وراءها من الكسب كالصلة والهدية والوصية والإرث، وبالشفاعة -وهي معروفة- لازمها في الكسب وهو ما يكون في إقطاعات الملوك والأمراء لبعض الناس وإنما يكون غالبًا بالتوسل إليهم والشفاعة عندهم، فهذه الثلاث من طرائق جمع المال وسعة الرزق في الدنيا، فهو يقول: يا أيها الذين آمنوا بادروا إلى الإنفاق في سبيل الله مما تناله أيديكم وأنتم متمكنون منه ابتغاء مرضاة الله به قبل أن يأتي يوم الجزاء الذي لا تجدون فيه ما تتقربون به إليه مما يكسب ببيع وتجارة، ولا مما ينال بخلة أو شفاعة.

فإنه هو اليوم الذي يظهر فيه فقر العباد وكون الملك لله الواحد القهار.

أما الطريق الثاني:فقد فسروا فيه البيع بالافتداء وجعلوا فيه الخلة والشفاعة على ظاهرهما، أي أنفقوا فإن الإنفاق في سبيل الخير والبر -وهي سبيل الله- هو الذي ينجيكم في ذلك اليوم الذي لا ينجي الأشحة الباخلين فيه من عذاب الله تعالى فداء فيفتدوا منه أنفسهم ولا خلة يحمل فيها خليل شيئًا من أوزار خليله أو يهبه شيئًا من حسناته ولا شفاعة يؤثر بها الشفيع في إرادة الله تعالى فيحولها عن مجازاة الكافر بالنعمة الباخل بالصدقة المستحق للمقت والعقوبة بتدنيس نفسه وتدسيتها في الدنيا.

لو فتشتم عن خفايا النفس لوجدتم أن العلة الصحيحة في منع الزكاة ونحوها من النفقات الواجبة هي أن حب المال أعلى في قلب المانع من حب الله تعالى، وشأن المال أعظم في نفسه من حقوق الله  ، لأن النفس تذعن دائمًا لما هو ارجح في شعورها نفعًا، وأعظم في وجدانها وقعًا، مهما تعارضت وجوه المنافع.

ولو وزنتم جميع أنواع الظلم الذي يصدر من الإنسان لوجدتم أرجحها ظلم الباخل بفضل ماله على ملهوف يغيثه ومضطر يكشف ضرورته أو على المصالح العامة التي تقي أمته مصارع الهلكات، أو ترفعها على غيرها درجات أو تسد الخروق التي حدثت في بناء الدين، أو تزيل السدود والعقبات من طريق المسلمين، فإن هذا النوع من الظلم هو الذي لا يعذر صاحبه بوجه من وجوه العذر التي يتعلل بها سواه من ظالمي أنفسهم، أو التي قد تكون أعذارًا طبيعية فيمن لم يأخذ بأدب الدين كثورة الغضب وسورة الشهوة العارضة.

ترى كثيرًا من أغنياء المسلمين عارفين بما عليه أمتهم من الجهل بأمور الدين ومصالح الدنيا وفساد الأخلاق وتقطع الروابط وتراخي الأواخي وما نشأ عن ذلك من هضم حقوقها وانتزاع منافعها من أيدي أبنائها ويعلمون أن إصلاحهم يتوقف على بذل شيء من أموالهم ينفق على التربية والتعليم ونحوهما من المنافع العامة ثم هو يُدعَون إلى بذل قليل من كثير ما خزنوه في صناديق الحديد وما ينفقونه في شهواتهم ولذاتهم وتأييد أهوائهم وحظوظهم فيبخلون بذلك ويرونه مغرمًا ثقيلًا، ولا يحفلون بوعد الله للمنافقين في سبيله ولا وعيده للباخلين بفضله.

وأمثال هؤلاء لا يستحقون أن يكونوا من المسلمين لأنه لا يوجد في نفس الواحد منهم عرق ينبض في التألم لمصائب الإسلام وأهله فمن كان يرى أن ماله أفضل من دينه في الوجدان والعمل وهواه أرجح من رضوان الله فهو كافر حقيقة وإن سمى نفسه مؤمنًا فما إيمانه إلا كإيمان من نزل فيهم: ﴿ وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ فهناك يحكى عنهم دعوى الإيمان ويحكم عليهم بعدمه لأن عملهم لا يشهد لإيمانهم وههنا يعبر عنهم بالكافرين.

ومن المستبعد أن يطلق الله تعالى هذين الوصفين على من كان للإيمان في قلبه بقية تبعثه على الإنفاق في سبيله إيثارًا لرضوانه وخشيته على الشهوات والحظوظ الباطلة، وترجى على حب المال.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر