الآية ٢٦٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٥ من سورة البقرة

وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍۭ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌۭ فَـَٔاتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌۭ فَطَلٌّۭ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ٢٦٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٦٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٦٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا مثل المؤمنين المنفقين ( أموالهم ابتغاء مرضاة الله ) عنهم في ذلك ( وتثبيتا من أنفسهم ) أي : وهم متحققون مثبتون أن الله سيجزيهم على ذلك أوفر الجزاء ، ونظير هذا في المعنى ، قوله عليه السلام في الحديث المتفق على صحته : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا .

.

.

" أي : يؤمن أن الله شرعه ، ويحتسب عند الله ثوابه .

قال الشعبي : ( وتثبيتا من أنفسهم ) أي : تصديقا ويقينا .

وكذا قال قتادة ، وأبو صالح ، وابن زيد .

واختاره ابن جرير .

وقال مجاهد والحسن : أي : يتثبتون أين يضعون صدقاتهم .

وقوله : ( كمثل جنة بربوة ) أي : كمثل بستان بربوة .

وهو عند الجمهور : المكان المرتفع المستوي من الأرض .

وزاد ابن عباس والضحاك : وتجري فيه الأنهار .

قال ابن جرير : وفي الربوة ثلاث لغات هن ثلاث قراءات : بضم الراء ، وبها قرأ عامة أهل المدينة والحجاز والعراق .

وفتحها ، وهي قراءة بعض أهل الشام والكوفة ، ويقال : إنها لغة تميم .

وكسر الراء ، ويذكر أنها قراءة ابن عباس .

وقوله : ( أصابها وابل ) وهو المطر الشديد ، كما تقدم ، ( فآتت أكلها ) أي : ثمرتها ) ضعفين ) أي : بالنسبة إلى غيرها من الجنان .

( فإن لم يصبها وابل فطل ) قال الضحاك : هو الرذاذ ، وهو اللين من المطر .

أي : هذه الجنة بهذه الربوة لا تمحل أبدا ; لأنها إن لم يصبها وابل فطل ، وأيا ما كان فهو كفايتها ، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدا ، بل يتقبله الله ويكثره وينميه ، كل عامل بحسبه ; ولهذا قال : ( والله بما تعملون بصير ) أي : لا يخفى عليه من أعمال عباده شيء .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله عز وجل : وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ) فيصَّدَّقون بها، ويحملون عليها في سبيل الله، ويقوُّون بها أهل الحاجة من الغزاة والمجاهدين في سبيل الله، وفي غير ذلك من طاعات الله، طلب مرضاته = (1) .

&; 5-531 &; =( وتثبيتًا من أنفسهم ) يعني بذلك: وتثبيتًا لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله وتحقيقًا, من قول القائل: " ثَبَّتُّ فلانًا في هذا الأمر " - إذ صححت عزمَه، وحققته، وقويت فيه رأيه -" أثبته تثبيتًا ", كما قال ابن رواحة: فَثَبَّـتَ اللـهُ مَـا آتَـاكَ مِـنْ حَسَـنٍ تَثْبِيـتَ مُوسَـى, وَنَصْرًا كَالَّذِي نُصِرُوا (2) * * * وإنما عنى الله جل وعز بذلك: أن أنفسهم كانت موقنة مصدقة بوعد الله إياها فيما أنفقت في طاعته بغير منّ ولا أذى, فثبتَتْهم في إنفاق أموالهم ابتغاء مرضاة الله, وصححت عزمهم وآراءهم، (3) .

يقينًا منها بذلك, (4) .

وتصديقًا بوعد الله إياها ما وعدها.

ولذلك قال من قال من أهل التأويل في قوله: ( وتثبيتًا )، وتصديقًا = ومن قال منهم: ويقينًا = لأن تثبيت أنفس المنفقين أموالَهم ابتغاء مرضاة الله إياهم, (5) .

إنما كان عن يقين منها وتصديق بوعد الله.

* ذكر من قال ذلك من أهل التأويل: 6063 - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا يحيى قال، حدثنا سفيان, عن أبي موسى, عن الشعبي: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، قال: تصديقًا ويقينًا.

&; 5-532 &; 6064 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان, عن أبي موسى, عن الشعبي: ( وتثبيتًا من أنفسهم ) قال: وتصديقًا من أنفسهم ثبات ونُصرة.

6065 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، قال: يقينًا من أنفسهم.

قال: التثبيت اليقين.

6066 - حدثني يونس قال، حدثنا علي بن معبد, عن أبي معاوية, عن إسماعيل, عن أبي صالح في قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم ) يقول: يقينًا من عند أنفسهم.

* * * وقال آخرون: معنى قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم ) أنهم كانوا يتثبتون في الموضع الذي يضعون فيه صدقاتهم.

* ذكر من قال ذلك: 6067 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( وتثبيتًا من أنفسهم ) قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم.

6068 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، حدثنا ابن المبارك, عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، فقلت له: ما ذلك التثبيت؟

قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم.

6069 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن عثمان بن الأسود, عن مجاهد: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، قال: كانوا يتثبتون أين يضعونها.

6070 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن علي بن علي بن رفاعة, عن الحسن في قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، قال: كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم -يعني زكاتهم.

&; 5-533 &; 6071 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، حدثنا ابن المبارك, عن علي بن علي, قال: سمعت الحسن قرأ: ( ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من أنفسهم )، قال: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت, فإن كان لله مضى, وإن خالطه شك أمسك.

* * * قال أبو جعفر: وهذا التأويل الذي ذكرناه عن مجاهد والحسن، تأويل بعيد المعنى مما يدل عليه ظاهر التلاوة, وذلك أنهم تأولوا قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، بمعنى: " وتثبُّتًا ", فزعموا أنّ ذلك إنما قيل كذلك، لأن القوم كانوا يتثبتون أين يضعون أموالهم.

ولو كان التأويل كذلك, لكان: " وتثبتًا من أنفسهم "; لأن المصدر من الكلام إن كان على " تفعَّلت "" التفعُّل ", (6) .

فيقال: " تكرمت تكرمًا ", و " تكلمت تكلمًا ", وكما قال جل ثناؤه: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ [النحل: 47]، من قول القائل: " تخوّف فلان هذا الأمر تخوفًا ".

فكذلك قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، لو كان من " تثبَّت القومُ في وضع صدقاتهم مواضعها "، لكان الكلام: " وتثبُّتًا من أنفسهم ", لا " وتثبيتًا ".

ولكن معنى ذلك ما قلنا: من أنه: وتثبيتٌ من أنفس القوم إياهم، بصحة العزم واليقين بوعد الله تعالى ذكره.

* * * فإن قال قائل: وما تنكر أن يكون ذلك نظيرَ قول الله عز وجل: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا [المزمل: 8]، ولم يقل: " تبتُّلا ".

قيل: إن هذا مخالف لذلك.

وذلك أن هذا إنما جاز أن يقال فيه: " تبتيلا " لظهور " وتبتَّل إليه ", فكان في ظهوره دلالةٌ على متروك من الكلام الذي منه &; 5-534 &; قيل: " تبتيلا ".

وذلك أن المتروك هو: " تبتل فيبتلك الله إليه تبتيلا ".

وقد تفعل العرب مثلَ ذلك أحيانا: تخرج المصادر على غير ألفاظ الأفعال التي تقدمتها، إذا كانت الأفعال المتقدمة تدل على ما أخرجت منه, كما قال جل وعز: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا [نوح: 17]، وقال: وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا [آل عمران: 37]، و " النبات ": مصدر " نبت ".

وإنما جاز ذلك لمجيء " أنبت " قبله, فدل على المتروك الذي منه قيل " نباتًا ", والمعنى: " والله أنبتكم فنبتم من الأرض نباتًا ".

وليس [ في ] قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم ) كلامًا يجوز أن يكون متوهَّمًا به أنه معدول عن بنائه، (7) .

ومعنى الكلام: " ويتثبتون في وضع الصدقات مواضعها ", فيصرف إلى المعاني التي صرف إليها قوله: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا ، وما أشبه ذلك من المصادر المعدولة عن الأفعال التي هي ظاهرة قبلها.

* * * وقال آخرون: معنى قوله: ( وتثبيتًا من أنفسهم )، احتسابًا من أنفسهم.

* ذكر من قال ذلك: 6073 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( وتثبيتًا من أنفسهم ) يقول: احتسابًا من أنفسهم.

(8) .

* * * قال أبو جعفر: وهذا القول أيضًا بعيد المعنى من معنى " التثبيت ", لأن التثبيت لا يعرف في شيء من الكلام بمعنى " الاحتساب ", إلا أن يكون أراد مفسِّرُه كذلك: أن أنفس المنفقين كانت محتسبة في تثبيتها أصحابها.

فإن كان ذلك كان عنده معنى الكلام, فليس الاحتساب بمعنًى حينئذ للتثبيت، فيترجَم عنه به.

* * * &; 5-535 &; القول في تأويل قوله تعالى : كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل وعز: ومثل الذين ينفقون أموالهم, فيتصدقون بها, ويُسبِّلُونها في طاعة الله بغير منٍّ على من تصدقوا بها عليه، ولا أذى منهم لهم بها، ابتغاء رضوان الله وتصديقًا من أنفسهم بوعده =( كمثل جنة ) .

* * * و " الجنة ": البستان.

وقد دللنا فيما مضى على أن " الجنة " البستان، بما فيه الكفاية من إعادته.

(9) .

* * * =( برَبْوة ) والرَّبوة من الأرض: ما نشز منها فارتفع عن السيل.

وإنما وصفها بذلك جل ثناؤه, لأن ما ارتفع عن المسايل والأودية أغلظ, وجنان ما غُلظ من الأرض أحسنُ وأزكى ثمرًا وغرسًا وزرعًا، مما رقَّ منها, ولذلك قال أعشى بني ثعلبة في وصف روضة: مَـا رَوْضَـةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَـضْرَاءُ جَـادَ عَلَيْهَـا مُسْـبِلٌ هَطِلُ (10) &; 5-536 &; فوصفها بأنها من رياض الحزن, لأن الحزون: غرسها ونباتها أحسن وأقوى من غروس الأودية والتلاع وزروعها.

* * * وفي" الربوة " لغات ثلاث, وقد قرأ بكل لغة منهنّ جماعة من القرأة, وهي" رُبوة " بضم الراء, وبها قرأت عامة قرأة أهل المدينة والحجاز والعراق.

و " رَبوة " بفتح الراء, وبها قرأ بعض أهل الشام, وبعض أهل الكوفة, ويقال إنها لغة لتميم.

و " رِبوه " بكسر الراء, وبها قرأ -فيما ذكر- ابن عباس.

* * * قال أبو جعفر: وغير جائز عندي أن يقرأ ذلك إلا بإحدى اللغتين: إما بفتح " الراء ", وإما بضمها, لأن قراءة الناس في أمصارهم بإحداهما.

وأنا لقراءتها بضمها أشدّ إيثارًا مني بفتحها, لأنها أشهر اللغتين في العرب.

فأما الكسر، فإنّ في رفض القراءة به، دِلالةٌ واضحة على أن القراءة به غير جائزة.

* * * وإنما سميت " الربوة " لأنها " ربت " فغلظت وعلت, من قول القائل: " ربا هذا الشيء يربو "، إذا انتفخ فعظُم.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 6074 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: ( كمثل جنة بربوة )، قال: الربوة المكان الظاهرُ المستوي.

&; 5-537 &; 6075 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال مجاهد: هي الأرض المستوية المرتفعة.

6076 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( كمثل جنة بربوة ) يقولا بنشز من الأرض.

6077 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: ( كمثل جنة بربوة ) والربوة: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار، (11) والذي فيه الجِنان.

6078 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (بربوة )، برابية من الأرض.

6079 - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: ( كمثل جنة بربوة )، والربوة النشز من الأرض.

6080 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, قال: قال ابن جريج, قال ابن عباس: ( كمثل جنه بربوة )، قال: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار.

* * * وكان آخرون يقولون: هي المستوية.

* ذكر من قال ذلك: 6081 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن الحسن في قوله: ( كمثل جنه بربوة )، قال: هي الأرض المستوية التي تعلو فوق المياه.

* * * قال أبو جعفر: وأما قوله: ( أصابها وابل ) فإنه يعني جل ثناؤه: أصاب &; 5-538 &; الجنة التي بالربوة من الأرض، وابلٌ من المطر, وهو الشديد العظيم القطر منه.

(12) .

* * * وقوله: ( فآتت أكلها ضعفين )، فإنه يعني الجنة: أنها أضعف ثمرها ضعفين حين أصابها الوابل من المطر.

* * * و " الأكل ": هو الشيء المأكول, وهو مثل " الرُّعْب والهُزْء "، (13) .

وما أشبه ذلك من الأسماء التي تأتي على " فُعْل ".

وأما " الأكل " بفتح " الألف " وتسكين " الكاف ", فهو فِعْل الآكل, يقال منه: " أكلت أكلا وأكلتُ أكلة واحدة ", كما قال الشاعر: (14) .

وَمَــا أَكْلَــةٌ إنْ نِلْتُهــا بِغَنِيمَـةٍ, وَلا جَوْعَــةٌ إِنْ جُعْتُهَــا بِغَــرَام (15) ففتح " الألف "، لأنها بمعنى الفعل.

ويدلك على أن ذلك كذلك قوله: " ولا جَوْعة ", وإن ضُمت الألف من " الأكلة " كان معناه: الطعام الذي أكلته, فيكون معنى ذلك حينئذ: ما طعام أكلته بغنيمة.

* * * &; 5-539 &; وأما قوله: ( فإن لم يصبها وابل فطلّ ) فإن " الطل "، هو النَّدَى والليِّن من المطر، كما: - 6082 - حدثنا عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج: ( فطل ) ندى = عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس.

6083 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما " الطل "، فالندى.

6084 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( فإن لم يصبها وابل فطلّ )، أي طشٌ.

6085 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك: ( فطلّ ) قال: الطل: الرذاذ من المطر, يعني: الليّن منه.

6086 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: ( فطل) أي طشٌ.

* * * قال أبو جعفر: وإنما يعني تعالى ذكره بهذا المثل: كما ضعَّفتُ ثمرة هذه الجنة التي وصفتُ صفتها حين جاد الوابل، فإن أخطأ هذا الوابل، فالطل كذلك.

يضعِّف الله صَدقة المتصدِّق والمنفق ماله ابتغاء مرضاته وتثبيتًا من نفسه، من غير مَنِّ ولا أذى, قلَّت نفقته أو كثرت، لا تخيب ولا تُخلِف نفقته, كما تضعَّف الجنة التي وصف جل ثناؤه صفتها، قل ما أصابها من المطر أو كثُر لا يُخلِف خيرُها بحال من الأحوال.

* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 6087 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل )، يقول: كما أضعفتُ &; 5-540 &; ثمرة تلك الجنة, فكذلك تُضاعف ثمرة هذا المنفق ضِعفين.

6088 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: ( فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل )، هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن, يقول: ليس لخيره خُلْف, كما ليس لخير هذه الجنة خُلْف على أيّ حال, إمَّا وابلٌ, وإمّا طلّ.

6089 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك, قال: هذا مثل من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله.

6090 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ .

الآية, قال: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن.

* * * فإن قال قائل: وكيف قيل: ( فإن لم يصبها وابل فطل ) وهذا خبرٌ عن أمر قد مضى؟

قيل: يراد فيه " كان ", ومعنى الكلام: فآتت أكلها ضعفين, فإن لم يكن الوابلُ أصابها, أصابها طل.

وذلك في الكلام نحو قول القائل: " حَبَست فرسين, فإن لم أحبس اثنين فواحدًا بقيمته ", بمعنى: " إلا أكن " - لا بدَّ من إضمار " كان ", لأنه خبر.

(16) .

ومنه قول الشاعر: (17) .

إِذَا مَــا انْتَسَـبْنَا لَـمْ تَلِـدْنِي لَئِيمَـةٌ وَلَـمْ تَجِـدِي مِـنْ أَنْ تُقِـرِّي بها بُدَّا (18) * * * &; 5-541 &; القول في تأويل قوله : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) قال أبو جعفر: يعني بذلك: ( والله بما تعملون ) أيها الناس، في نفقاتكم التي تنفقونها =( بصير ), لا يخفي عليه منها ولا من أعمالكم فيها وفي غيرها شيء، يعلم مَنِ المنفق منكم بالمنّ والأذى، والمنفق ابتغاء مرضاة الله وتثبيتًا من نفسه, فيُحصي عليكم حتى يجازيَ جميعكم جزاءه على عمله, إن خيرًا فخيرًا, وإن شرًّا فشرًّا.

وإنما يعني بهذا القول جل ذكره, التحذيرَ من عقابه في النفقات التي ينفقها عباده وغير ذلك من الأعمال أن يأتي أحدٌ من خلقه ما قد تقدّم فيه بالنهي عنه, أو يفرّطَ فيما قد أمر به, لأن ذلك بمرأى من الله ومَسمَع, يعلمه ويحصيه عليهم, وهو لخلقه بالمرصاد.

(19) .

-------- الهوامش: (1) في المطبوعة والمخطوطة : "طلب مرضاته ، وتثبيتًا يعنى بذلك وتثبيتًا من أنفسهم يعنى لهم وهو كلام مختل ، والظاهر أن الناسخ لجلج في كتابته فأعاد وكرر ، فحذفت"وتثبيتًا يعني بذلك" وأضفت"بذلك وتثبيتا" بعد"يعنى الثانية التي بقيت .

(2) سيرة ابن هشام 4 : 16 ، وابن سعد 3/ 2 /81 ، والمختلف والمؤتلف للآمدي : 126 والاستيعاب 1 : 305 ، وطبقات فحول الشعراء : 188 ، من أبيات يثني فيها على رسول رب العالمين .

وروى الآمدي وابن هشام السطر الثاني"في المرسلين ونصرًا كالذي نصروا" .

ولما سمع رسول الله عليه وسلم هذا البيت ، أقبل عليه بوجهه مبتسمًا وقال : "وإياك فثبت الله" .

(3) في المخطوطة : "فيثبتهم في إنفاق أموالهم..." ، وهو سهو من الناسخ ، أو خطأ في قراءة النسخة التي نقل عنها .

وفي المطبوعة : "فثبتهم...وصحح عزمهم" ، فغير ما في المخطوطة ، وجعل"صححت" ، "صحح" ، لم يفهم ما أراد الطبري .

وانظر التعليق التالي .

(4) في المطبوعة : "وأراهم" ، ومثلها في المخطوطة ، والصواب"وآراءهم" كما أثبتها .

يعنى أن نفوسهم صححت عزمهم وآراءهم في إنفاق أموالهم .

وهذا ما يدل عليه تفسير الطبري .

لقولهم"ثبت فلانا في الأمر" ، كما سلف منذ قليل .

(5) "إياهم" مفعول المصدر"تثبيت" ، أي أن أنفسهم ثبتتهم في الإنفاق .

(6) في المطبوعة : "إن كان على تفعلت" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وعبارة الطبري عربية محكمة ، بمعنى : لأن المصدر من الكلام الذي كان..." .

(7) في المطبوعة : "وليس قوله...كلامًا يجوز" بالنصب ، وفي المخطوطة : "وليس قوله...كلام يجوز" بالرفع ، وظاهر أن الصواب ما أثبت من زيادة : "في" ، بمعنى أنه ليس في الجملة فعل سابق يتوهم به أن المصدر معدول به عن بنائه .

(8) سقط من الترقيم سهوا رقم : 6072 .

(9) انظر ما سلف 1 : 384 .

(10) ديوانه : 43 ، وسيأتي هو والأبيات التي تليه في التفسير 21 : 19 (بولاق) ، من قصيدته البارعة المشهورة .

يصف شذا صاحبته حين تقوم : إِذَا تَقُـومُ يَضُـوعُ المِسْــكُ أَصْـوِرَةً وَالـزَّنْبَقُ الـوَرْدُ مِـن أَرْدَانِهَـا شَمِلُ مَـا رَوْضَـةٌ مِن رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ خَـضْرَاءُ جَـادَ عَلَيْهـا مُسْـبِلٌ هَطِلُ يُضَـاحِكُ الشَّـمسَ مِنْهَـا كَوْكَبٌ شَرِقٌ مُــؤَزَّرٌ بعَميــم النَّبْــتِ مُكْتَهِـلُ يَوْمًـا بِـأَطْيَبَ منهـا نَشْـرَ رَائِحَـةٍ وَلا بِأَحْسَــنَ مِنْهَـا إِذْ دَنَـا الأُْصُـلُ ضاع المسك يضوع ، وتضوع : تحرك وسطع رائحته .

وأصورة جمع صوار : وهو وعاء المسك ، أو القطعة منه .

والورد : الأحمر ، وهو أجود الزنبق .

وشمل : شامل ، عدل به من"فاعل" إلى"فعل" .

والحزن : موضع في أرضى بني أسد وبني يربوع ، وهو أرض غليظة كثيرة الرياض ممرعة ، وهو مربع من أجل مرابع العرب .

مسبل : مرسل ماء على الأرض .

هطل : متفرق غزيز دائم= والكوكب : النور والزهر ، يلمع كأنه كوكب .

شرق : ريان ، فهو أشد لبريقه وصفائه .

مؤزر : قد صار عليه النبات كالإزار يلبسه اللابس ، تغطى الخضرة أعواده .

ونبت عميم : ثم وطال والتف .

واكتهل النور : بلغ منتهى نمائه ، وذلك أحسن له .

يقول : ما هذه الروضة التي وصف زهرها ونباتها ما وصف...

بأطيب من صاحبته إذا قامت في أول يومها ، حين تتغير الأفواه والأبدان من وخم النوم .

والأصل جمع أصيل : وهو وقت العشي ، حين تفتر الأبدان من طول تعب يومها ، فيفسد رائحتها الجهد والعرق .

(11) في المخطوطة : "الذي تجري فيه الأنهار" ، وأثبت ما في المطبوعة ، لأنه موافق ما في الدر المنثور 1 : 339 ، ولأنه هو صواب المعنى ، ولأنه سيأتي على الصواب بعد قليل في الأثر : 6080 .

(12) انظر تفسير"وابل" فيما سلف قريبا ص : 524 .

(13) في المطبوعة : "والهدء" ، وأثبت ما في المخطوطة .

ولم يشر الطبري إلى ضم الكاف في"الأكل" وهي قراءتنا في مصحفنا .

(14) أبو مضرس النهدي .

(15) حماسة الشجري : 24 ، من أبيات جياد ، وقبله ، بروايته ، وهي التي أثبتها : وإنِّـي لَمِـنْ قَـوْمٍ إذا حَـارَبُوا العِدَى سَـمَوا فَـوْقَ جُـرْدٍ للطِّعَـانِ كِـرَامِ وإنِّــي إذَا مَـا القُـوتُ قَـلَّ لَمُؤْثِـرٌ رَفِيقِـي عَـلى نفْسِـي بِجُـلِّ طَعَامِي فمَــا أكْلَــةٌ إنْ نِلْتُهَــا بِغَنِيمَــةٍ .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وكان في المطبوعة : "وما أكلة أكلتها" ، وفي المخطوطة : "وما أكله إن أكلتها" ، وظاهر أن الناسخ أخطأ فوضع"أكلتها" مكان"نلتها" ، وإن كلام الطبري في شرح البيت يوهم روايته : "وما أكلته أكلتها..." .

وقوله : "بغرام" ، أي بعذاب شديد .

والغرام : اللازم من العذاب والشر الدائم .

(16) هذا كله في معاني القرآن للفراء 1 : 178 .

(17) زائدة بن صعصعة الفقعسي .

(18) سلف تخريجه وبيانه في 2 : 165 ، 353 .

(19) في المطبوعة : "بخلقه" .

لم يحسن قراءة المخطوطة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصيرقوله تعالى : ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم[ ص: 286 ] ( ابتغاء ) مفعول من أجله .

وتثبيتا من أنفسهم عطف عليه .

وقال مكي في المشكل : كلاهما مفعول من أجله .

قال ابن عطية : وهو مردود ، ولا يصح في " تثبيتا " أنه مفعول من أجله ؛ لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت .

و ( ابتغاء ) نصب على المصدر في موضع الحال ، وكان يتوجه فيه النصب على المفعول من أجله ، لكن النصب على المصدر هو الصواب من جهة عطف المصدر الذي هو تثبيتا عليه .

ولما ذكر الله تعالى صفة صدقات القوم الذين لا خلاق لصدقاتهم ، ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما ، عقب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم إذ كانت على وفق الشرع ووجهه .

و ( ابتغاء ) معناه طلب .

و ( مرضات ) مصدر من رضي يرضى .

( وتثبيتا ) معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم ، قاله مجاهد والحسن .

قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت ، فإن كان ذلك لله أمضاه وإن خالطه شك أمسك .

وقيل : معناه تصديقا ويقينا ، قاله ابن عباس .

وقال ابن عباس أيضا وقتادة : معناه واحتسابا من أنفسهم .

وقال الشعبي والسدي وقتادة أيضا وابن زيد وأبو صالح وغيرهم : ( وتثبيتا ) معناه وتيقنا أي أن نفوسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تعالى تثبيتا .

وهذه الأقوال الثلاث أصوب من قول الحسن ومجاهد ؛ لأن المعنى الذي ذهبا إليه إنما عبارته " وتثبيتا " مصدر على غير المصدر .

قال ابن عطية : وهذا لا يسوغ إلا مع ذكر المصدر والإفصاح بالفعل المتقدم ، كقوله تعالى : والله أنبتكم من الأرض نباتا ، وتبتل إليه تبتيلا .

وأما إذا لم يقع إفصاح بفعل فليس لك أن تأتي بمصدر في غير معناه ثم تقول : أحمله على معنى كذا وكذا ، لفعل لم يتقدم له ذكر .

قال ابن عطية : هذا مهيع كلام العرب فيما علمته .

وقال النحاس : لو كان كما قال مجاهد لكان وتثبتا من تثبت كتكرمت تكرما ، وقول قتادة : احتسابا ، لا يعرف إلا أن يراد به أن أنفسهم تثبتهم محتسبة ، وهذا بعيد .

وقول الشعبي حسن ، أي تثبيتا من أنفسهم لهم على إنفاق ذلك في طاعة الله عز وجل ، يقال : ثبت فلانا في هذا الأمر ، أي صححت عزمه ، وقويت فيه رأيه ، أثبته تثبيتا ، أي أنفسهم موقنة بوعد الله على تثبيتهم في ذلك .

وقيل : وتثبيتا من أنفسهم أي يقرون بأن الله تعالى يثبت عليها ، أي وتثبيتا من أنفسهم لثوابها ، بخلاف المنافق الذي لا يحتسب الثواب .قوله تعالى : كمثل جنة بربوة الجنة : البستان ، وهي قطعة أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها ، فهي مأخوذة من لفظ الجن والجنين لاستتارهم .

وقد تقدم .

والربوة : المكان المرتفع ارتفاعا يسيرا ، معه في الأغلب كثافة تراب ، وما كان كذلك فنباته أحسن ، ولذلك [ ص: 287 ] خص الربوة بالذكر .

قال ابن عطية : ورياض الحزن ليست من هذا كما زعم الطبري ، بل تلك هي الرياض المنسوبة إلى نجد ؛ لأنها خير من رياض تهامة ، ونبات نجد أعطر ، ونسيمه أبرد وأرق ، ونجد يقال لها حزن .

وقلما يصلح هواء تهامة إلا بالليل ، ولذلك قالت الأعرابية : " زوجي كليل تهامة " .

وقال السدي : ( بربوة ) أي برباوة ، وهو ما انخفض من الأرض .

قال ابن عطية : وهذه عبارة قلقة ، ولفظ الربوة هو مأخوذ من ربا يربو إذا زاد .قلت : عبارة السدي ليست بشيء ؛ لأن بناء " ر بو " معناه الزيادة في كلام العرب ، ومنه الربو للنفس العالي .

ربا يربو إذا أخذه الربو .

وربا الفرس إذا أخذه الربو من عدو أو فزع .

وقال الفراء في قوله تعالى : أخذهم أخذة رابية ؛ أي زائدة ، كقولك : أربيت إذا أخذت أكثر مما أعطيت .

وربوت في بني فلان وربيت أي نشأت فيهم .

وقال الخليل : الربوة أرض مرتفعة طيبة وخص الله تعالى بالذكر التي لا يجري فيها ماء من حيث العرف في بلاد العرب ، فمثل لهم ما يحسونه ويدركونه .

وقال ابن عباس : الربوة المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار ؛ لأن قوله تعالى : أصابها وابل إلى آخر الآية يدل على أنها ليس فيها ماء جار ، ولم يرد جنس التي تجري فيها الأنهار ؛ لأن الله تعالى قد ذكر ربوة ذات قرار ومعين .

والمعروف من كلام العرب أن الربوة ما ارتفع عما جاوره ، سواء جرى فيها ماء أو لم يجر .

وفيها خمس لغات " ربوة " بضم الراء ، وبها قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ونافع وأبو عمرو .

و " ربوة " بفتح الراء ، وبها قرأ عاصم وابن عامر والحسن .

" وربوة " بكسر الراء ، وبها قرأ ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي .

و " رباوة " بالفتح ، وبها قرأ أبو جعفر وأبو عبد الرحمن ، وقال الشاعر :من منزلي في روضة برباوة بين النخيل إلى بقيع الغرقد؟

و " رباوة " بالكسر ، وبها قرأ الأشهب العقيلي .

قال الفراء : ويقال برباوة وبرباوة ، وكله من الرابية ، وفعله ربا يربو .قوله تعالى : ( أصابها ) يعني الربوة .

وابل أي مطر شديد قال الشاعر ( أعشى بن ميمون ) :ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها وابل هطل( فآتت ) أي أعطت .

( أكلها ) بضم الهمزة : الثمر الذي يؤكل ، ومنه قوله تعالى : تؤتي أكلها كل حين .

والشيء المأكول من كل شيء يقال له أكل .

والأكلة : اللقمة ، [ ص: 288 ] ومنه الحديث : فإن كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين يعني لقمة أو لقمتين ، خرجه مسلم .

وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص ، كسرج الفرس وباب الدار .

وإلا فليس الثمر مما تأكله الجنة .

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو " أكلها " بضم الهمزة وسكون الكاف ، وكذلك كل مضاف إلى مؤنث ، وفارقهما أبو عمرو فيما أضيف إلى مذكر مثل أكله أو كان غير مضاف إلى شيء مثل أكل خمط فثقل أبو عمرو ذلك وخففاه .

وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي في جميع ما ذكرناه بالتثقيل .

ويقال : أكل وأكل بمعنى .

( ضعفين ) أي أعطت ضعفي ثمر غيرها من الأرضين .

وقال بعض أهل العلم : حملت مرتين في السنة ، والأول أكثر ، أي أخرجت من الزرع ما يخرج غيرها في سنتين .قوله تعالى : فإن لم يصبها وابل فطل تأكيد منه تعالى لمدح هذه الربوة بأنها إن لم يصبها وابل فإن الطل يكفيها وينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين ، وذلك لكرم الأرض وطيبها .

قال المبرد وغيره : تقديره فطل يكفيها .

وقال الزجاج : فالذي يصيبها طل .

والطل : المطر الضعيف المستدق من القطر الخفيف ، قاله ابن عباس وغيره ، وهو مشهور اللغة .

وقال قوم منهم مجاهد : الطل : الندى .

قال ابن عطية : وهو تجوز وتشبيه .

قال النحاس : وحكى أهل اللغة وبلت وأوبلت ، وطلت وأطلت .

وفي الصحاح : الطل أضعف المطر ، والجمع الطلال ، تقول منه : طلت الأرض وأطلها الندى فهي مطلولة .

قال الماوردي : وزرع الطل أضعف من زرع المطر وأقل ريعا ، وفيه - وإن قل - تماسك ونف .

قال بعضهم : في الآية تقديم وتأخير ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فإن لم يصبها وابل فطل فآتت أكلها ضعفين .

يعني اخضرت أوراق البستان وخرجت ثمرتها ضعفين .قلت : التأويل الأول أصوب ولا حاجة إلى التقديم والتأخير .

فشبه تعالى نمو نفقات هؤلاء المخلصين الذين يربي الله صدقاتهم كتربية الفلو والفصيل بنمو نبات الجنة بالربوة الموصوفة ، بخلاف الصفوان الذي انكشف عنه ترابه فبقي صلدا .

وخرج مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه [ ص: 289 ] فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون مثل الجبل أو أعظم خرجه الموطأ أيضا .قوله تعالى : ( والله بما تعملون بصير ) وعد ووعيد .

وقرأ الزهري " يعملون " بالياء كأنه يريد به الناس أجمع ، أو يريد المنفقين فقط ، فهو وعد محض .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا مثل المنفقين أموالهم على وجه تزكو عليه نفقاتهم وتقبل به صدقاتهم فقال تعالى: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله } أي: قصدهم بذلك رضى ربهم والفوز بقربه { وتثبيتا من أنفسهم } أي: صدر الإنفاق على وجه منشرحة له النفس سخية به، لا على وجه التردد وضعف النفس في إخراجها وذلك أن النفقة يعرض لها آفتان إما أن يقصد الإنسان بها محمدة الناس ومدحهم وهو الرياء، أو يخرجها على خور وضعف عزيمة وتردد، فهؤلاء سلموا من هاتين الآفتين فأنفقوا ابتغاء مرضات الله لا لغير ذلك من المقاصد، وتثبيتا من أنفسهم، فمثل نفقة هؤلاء { كمثل جنة } أي: كثيرة الأشجار غزيرة الظلال، من الاجتنان وهو الستر، لستر أشجارها ما فيها، وهذه الجنة { بربوة } أي: محل مرتفع ضاح للشمس في أول النهار ووسطه وآخره، فثماره أكثر الثمار وأحسنها، ليست بمحل نازل عن الرياح والشمس، فـ { أصابها } أي: تلك الجنة التي بربوة { وابل } وهو المطر الغزير { فآتت أكلها ضعفين } أي: تضاعفت ثمراتها لطيب أرضها ووجود الأسباب الموجبة لذلك، وحصول الماء الكثير الذي ينميها ويكملها { فإن لم يصبها وابل فطل } أي: مطر قليل يكفيها لطيب منبتها، فهذه حالة المنفقين أهل النفقات الكثيرة والقليلة كل على حسب حاله، وكل ينمى له ما أنفق أتم تنمية وأكملها والمنمي لها هو الذي أرحم بك من نفسك، الذي يريد مصلحتك حيث لا تريدها، فيالله لو قدر وجود بستان في هذه الدار بهذه الصفة لأسرعت إليه الهمم وتزاحم عليه كل أحد، ولحصل الاقتتال عنده، مع انقضاء هذه الدار وفنائها وكثرة آفاتها وشدة نصبها وعنائها، وهذا الثواب الذي ذكره الله كأن المؤمن ينظر إليه بعين بصيرة الإيمان، دائم مستمر فيه أنواع المسرات والفرحات، ومع هذا تجد النفوس عنه راقدة، والعزائم عن طلبه خامدة، أترى ذلك زهدا في الآخرة ونعيمها، أم ضعف إيمان بوعد الله ورجاء ثوابه؟!

وإلا فلو تيقن العبد ذلك حق اليقين وباشر الإيمان به بشاشة قلبه لانبعثت من قلبه مزعجات الشوق إليه، وتوجهت همم عزائمه إليه، وطوعت نفسه له بكثرة النفقات رجاء المثوبات، ولهذا قال تعالى: { والله بما تعملون بصير } فيعلم عمل كل عامل ومصدر ذلك العمل، فيجازيه عليه أتم الجزاء

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ) أي طلب رضا الله تعالى ( وتثبيتا من أنفسهم ) قال قتادة : احتسابا وقال الشعبي والكلبي : تصديقا من أنفسهم أي يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم على يقين بالثواب وتصديق بوعد الله ويعلمون أن ما أخرجوا خير لهم مما تركوا وقيل على يقين بإخلاف الله عليهم .

وقال عطاء ومجاهد : يثبتون أي يضعون أموالهم قال الحسن : كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت فإن كان لله أمضى وإن كان يخالطه شك أمسك وعلى هذا القول يكون التثبيت بمعنى التثبت كقوله تعالى : " وتبتل إليه تبتيلا ( 8 - المزمل ) أي تبتلا ( كمثل جنة ) أي بستان قال ( المبرد ) والفراء : إذا كان في البستان نخل فهو جنة وإن كان فيه كرم فهو فردوس ( بربوة ) قرأ ابن عامر وعاصم بربوة وإلى ربوة في سورة المؤمنون بفتح الراء وقرأ الأخرون بضمها وهي المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار فلا يعلوه الماء ولا يعلو عن الماء وإنما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى ( أصابها وابل ) مطر شديد كثير ( فآتت أكلها ) ثمرها قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف وقرأ الباقون بالتثقيل وزاد نافع وابن كثير تخفيف أكله والأكل وخفف أبو عمرو رسلنا ورسلكم ورسلهم وسبلنا .

( ضعفين ) أي أضعفت في الحمل قال عطاء : حملت في السنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين وقال عكرمة : حملت في السنة مرتين ( فإن لم يصبها وابل فطل ) أي فطش وهو المطر الضعيف الخفيف ويكون دائما .

قال السدي : هو الندى وهذا مثل ضربه الله تعالى لعمل المؤمن المخلص فيقول : كما أن هذه الجنة تريع في كل حال ولا تخلف سواء قل المطر أو كثر كذلك يضعف الله صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي سواء قلت نفقته أو كثرت وذلك أن الطل إذا كان يدوم يعمل عمل الوابل الشديد .

( والله بما تعملون بصير ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ومثل» نفقات «الذين ينفقون أموالهم ابتغاء» طلب «مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم» أي تحقيقا للثواب عليه بخلاف المنافقين الذين لا يرجونه لإنكارهم له ومَن ابتدائية «كمثل جنة» بستان «بِرُبْوَةٍ» بضم الراء وفتحتها مكان مرتفع مستو «أصابها وابل فآتت» أعطت «أكلَها» بضم الكاف وسكونها ثمرها «ضعفين» مثلَيْ ما يثمر غيرها «فإن لم يصبها وابل فطلٌ» مطر خفيف يصيبها ويكفيها لارتفاعها، المعنى: تثمر وتزكو كثر المطر أم قل فكذلك نفقات من ذكر تزكو عند الله كثرت أم قلت «والله بما تعلمون بصير» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبًا لرضا الله واعتقادًا راسخًا بصدق وعده، كمثل بستان عظيم بأرض عالية طيبة هطلت عليه أمطار غزيرة، فتضاعفت ثمراته، وإن لم تسقط عليه الأمطار الغزيرة فيكفيه رذاذ المطر ليعطي الثمرة المضاعفة، وكذلك نفقات المخلصين تُقبل عند الله وتُضاعف، قلَّت أم كثُرت، فالله المُطَّلِع على السرائر، البصير بالظواهر والبواطن، يثيب كلا بحسب إخلاصه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين القرآن سوء عاقبة الذين يراءون في صدقتهم ، ويفسدون ثمارها بالمن والأذى ، أتبع ذلك ببيان حسن عاقبة الذين ينفقون أموالهم ابتغاء رضا الله ، فقال - تعالى :( وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ .

.

.

)التثبيت : تحقيق الشيء وترسيخه ،والجنة - كما يقول الراغب - كل بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض .

وأصل الجن ستر الشيء على الحاسة ، يقال : جنة الليل وأجنه أي ستره .

وسميت الجنة بذلك لأنها تظلل ما تحتها وتستره .

( الربوة ) - بضم الراء - وفتحها - المكان المرتفع من الأرض .

وأصلها من قولهم : ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع ومنه الربا للزيادة المأخوذة على أصل الشيء .والمعنى : ومثل الذين ينفقون أموالهم طلبا لرضي الله - تعالى - ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي : وتوطينا لأنفسهم أي : وتوطينا لأنفسهم على حفظ هذه الطاعة وعلى ترك ما يفسدها كمثل جنة بموضع مرتفع من الأرض نزل بها مطر كثير فأخرجت ثمرها ( ضعفين ) أي ضعفا بعد ضعف فتكون التثنية للتكثير ، أو فأعطت صابحها أو الناس مثلى ما كانت تثمر في سائر الأوقات بسبب ما أصابها من المطر الغزير .

أو فأخرجت ثمرها ضعفين بالنسبة إلى غيرها من الجنان .والمقصود تشبيه نفقة هؤلاء المؤمنين المخلصين في زكائها ونمائها عند الله بتلك الحديقة اليانعة المرتفعة التي تنزل عليها المطر الغزير فأتت أكلها مضاعفاً وأخرجت للناس من كل زوج بهيج .وقوله : ( ابتغآء ) مفعول لأجله أي يبذلون نفقتهم من أجل رضا الله - عز وجل - أو حال من فاعل ينفقون .

أي ينفقون أموالهم طالبين رضا الله .وقوله : ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) معطوف على سابقه ، وقد ذكر صاحب الكشاف أوجها في معنى هذه الجملة الكريمة فقال : قوله : ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح على سائر العبادات الشاقة وعلى الإِيمان ، لأن النفس إذا رضيت بالتحامل عليها وتكليفها ، ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها وبالعكس ، فكان إنفاق المال تثبيتا لها على الإِيمان واليقين .

و ( مِّنْ ) على هذا الوجه للتبعيض ، مثلها في قولهم : هز من عطفه وحرك من نشاطه .

ويجوز أن يراد من قوله - تعالى - : ( وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ) أي : وتصديقا للإِسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق السملم ماله في سبيل الله ، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه .

و ( مِّنْ ) على هذا الوجه لابتداء الغاية ، كقوله - تعالى - ( حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ) ويحتمل أن يكون المعنى : وتثبيتا من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإِيمان مخلصة فيه ، وتعضد هذا المعنى قراءة مجاهد : وتثبيتا من أنفسهم : فإن قلت : فما معنى التبعيض؟

قلت : معناه أن من يذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كله كما في قوله - تعالى - : ( وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ )وخصص الجنة بأنها بربوة لأن الأشجار في المكان المرتفع من الأرض تكون عادة أحسن منظرا ، وأزكى ثمرا ، للطاقة هوائها ، فكان من فوائده هذا القيد إعطاء وجه الشبه - وهو تضعيف المنفعة وجمالها قوة ووضوحاً ، كما أن من فوائده تحسين المشبه به تحسينا يعود أثره إلى المشبه عند السامع .ثم قال - تعالى - : ( فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ) .والطل : هو المطر القليل وجمعه طلال ، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي فطل قليل يصبها يكفيها .والمراد أن هذه الجنة لطيبها وكرم منبتها تزكو وتثرم كثر المطر النازل عليها أو قل فكذلك نفقة المؤمنين المخلصين تزكو عند الله وتطيب كثرة أو قلت ، لأن إخلاصهم فيها جعلها عند الله - تعالى - مضاعفة نامية .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير ) .أي أنه - سبحانه - عليم بأحوال عباده لا تخفى عليه خافية ، وسيجازي المخلصين بما يرضيهم كما سيجازي المنانين والمرائين بما يستحقون .

ففي الجملة الكريمة ترغيب وترهيب ووعيد .وبذلك نرى القرآن الكريم قد ساق في هذه الآية وسابقتها حالتين متقابلتين : حالة الذي يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء ، وكيف تكون عاقبته ونهايته .

وحالة الذي ينفق ماله طلباً لرضا الله وتعويداً لنفسه على فعل الطيبات وكيف يكون جزاؤه عند العليم الخبير ولقد صور القرآن هاتين الحالتين تصويراً مؤثراً بديعاً ، من شأنه أن يهدي العقلاء إلى فعل الخيرات ، وإخلاص النيات ، واجتناب السيئات .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما القول المعروف، فهو القول الذي تقبله القلوب ولا تنكره، والمراد منه هاهنا أن يرد السائل بطريق جميل حسن، وقال عطاء: عدة حسنة، أما المغفرة ففيه وجوه: أحدها: أن الفقير إذا رد بغير مقصوده شق عليه ذلك، فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان، فأمر بالعفو عن بذاءة الفقير والصفح عن إساءته.

وثانيها: أن يكون المراد ونيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل.

وثالثها: أن يكون المراد من المغفرة أن يستر حاجة الفقير ولا يهتك ستره، والمراد من القول المعروف رده بأحسن الطرق وبالمغفرة أن لا يهتك ستره بأن يذكر حاله عند من يكره الفقير وقوفه على حاله.

ورابعها: أن قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ خطاب مع المسؤول بأن يرد السائل بأحسن الطرق، وقوله: ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ خطاب مع السائل بأن يعذر المسؤول في ذلك الرد، فربما لم يقدر على ذلك الشيء في تلك الحالة، ثم بيّن تعالى أن فعل الرجل لهذين الأمرين خير له من صدقة يتبعها أذى، وسبب هذا الترجيح أنه إذا أعطى، ثم أتبع الإعطاء بالإيذاء، فهناك جمع بين الانفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب الانفاع بعقاب الإضرار، وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إنه يتضمن إيصال السرور إلى قلب المسلم ولم يقترن به الإضرار، فكان هذا خيراً من الأول.

واعلم أن من الناس من قال: إن الآية واردة في التطوع، لأن الواجب لا يحل منعه، ولا رد السائل منه، وقد يحتمل أن يراد به الواجب، وقد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير.

ثم قال: ﴿ والله غَنِىٌّ ﴾ عن صدقة العباد فإنما أمركم بها ليثيبكم عليها ﴿ حَلِيمٌ ﴾ إذا لم يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، وهذا سخط منه ووعيد له ثم إنه تعالى وصف هذين النوعين على الإنفاق أحدهما: الذي يتبعه المن والأذى والثاني: الذي لا يتبعه المن والأذى، فشرح حال كل واحد منهما، وضرب مثلاً لكل واحد منهما.

فقال في القسم الأول: الذي يتبعه المن والأذى ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الأخر ﴾ وفي الآية مسائل؛ المسألة الأولى: قال القاضي: إنه تعالى آكد النهي عن إبطال الصدقة بالمن والأذى وأزال كل شبهة للمرجئة بأن بيّن أن المراد أن المن والأذى يبطلان الصدقة، ومعلوم أن الصدقة قد وقعت وتقدمت، فلا يصح أن تبطل فالمراد إبطال أجرها وثوابها، لأن الأجر لم يحصل بعد وهو مستقبل فيصح إبطاله بما يأتيه من المن والأذى.

واعلم أنه تعالى ذكر لكيفية إبطال أجر الصدقة بالمن والأذى مثلين، فمثله أولاً: بمن ينفق ماله رئاء الناس، وهو مع ذلك كافر لا يؤمن بالله واليوم الآخر، لأن بطلان أجر نفقة هذا المرائي الكافر أظهر من بطلان أجر صدقة من يتبعها المن والأذى، ثم مثله ثانياً: بالصفوان الذي وقع عليه تراب وغبار، ثم أصابه المطر القوي، فيزيل ذلك الغبار عنه حتى يصير كأنه ما كان عليه غبار ولا تراب أصلاً، فالكافر كالصفوان، والتراب مثل ذلك الإنفاق والوابل كالكفر الذي يحبط عمل الكافر، وكالمن والأذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق، قال: فكما أن الوابل أزال التراب الذي وقع على الصفوان، فكذا المن والأذى يوجب أن يكونا مبطلين لأجر الانفاق بعد حصوله، وذلك صريح في القول بالاحباط والتفكير، قال الجبائي: وكما دل هذا النص على صحة قولنا فالعقل دل عليه أيضاً، وذلك لأن من أطاع وعصى، فلو استحق ثواب طاعته وعقاب معصيته لوجب أن يستحق النقيضين، لأن شرط الثواب أن يكون منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال، وشرط العقاب أن يكون مضرة خالصة دائمة مقرونة بالإذلال فلو لم تقع المحابطة لحصل استحقاق النقيضين وذلك محال، ولأنه حين يعاقبه فقد منعه الإثابة ومنع الإثابة ظلم، وهذا العقاب عدل، فيلزم أن يكون هذا العقاب عدلاً من حيث إنه حقه، وأن يكون ظلماً من حيث إنه منع الإثابة، فيكون ظالماً بنفس الفعل الذي هو عادل فيه وذلك محال، فصح بهذا قولنا في الإحباط والتفكير بهذا النص وبدلالة العقل، هذا كلام المعتزلة.

وأما أصحابنا فإنهم قالوا: ليس المراد بقوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ ﴾ النهي عن إزالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد به أن يأتي بهذا العمل باطلاً، وذلك لأنه إذا قصد به غير وجه الله تعالى فقد أتى به من الابتداء على نعت البطلان، واحتج أصحابنا على بطلان قول المعتزلة بوجوه من الدلائل: أولها: أن النافي والطارئ إن لم يكن بينهما منافاة لم يلزم من طريان الطارئ زوال النافي، وإن حصلت بينهما منافاة لم يكن اندفاع الطارئ أولى من زوال النافي، بل ربما كان هذا أولى لأن الدفع أسهل من الرفع.

ثانيها: أن الطارئ لو أبطل لكان إما أن يبطل ما دخل منه في الوجود في الماضي وهو محال لأن الماضي انقضى ولم يبق في الحال وإعدام المعدوم محال وإما أن يبطل ما هو موجود في الحال وهو أيضاً محال لأن الموجود في الحال لو أعدمه في الحال لزم الجمع بين العدم والوجود وهو محال، وإما أن يبطل ما سيوجد في المستقبل وهو محال، لأن الذي سيوجد في المستقبل معدوم في الحال وإعدام ما لم يوجد بعد محال.

وثالثها: أن شرط طريان الطارئ زوال النافي فلو جعلنا زوال النافي معللاً بطريان الطارئ لزم الدور وهو محال.

ورابعها: أن الطارئ إذا طرأ وأعدم الثواب السابق فالثواب السابق إما أن يعدم من هذا الطارئ شيئاً أو لا يعدم منه شيئاً، والأول هو الموازنة وهو قول أبي هاشم وهو باطل، وذلك لأن الموجب لعدم كل واحد منهما وجود الآخر فلو حصل العدمان معاً اللذان هما معلولان لزم حصول الوجودين اللذين هما علتان فيلزم أن يكون كل واحد منهما موجوداً حال كون كل واحد منهما معدوماً وهو محال.

وأما الثاني: وهو قول أبي علي الجُبّائي فهو أيضاً باطل لأن العقاب الطارئ لما أزال الثواب السابق، وذلك الثواب السابق ليس له أثر ألبتة في إزالة الشيء من هذا العقاب الطارئ، فحينئذ لا يحصل له من العمل الذي أوجب الثواب السابق فائدة أصلاً لا في جلب ثواب ولا في دفع عقاب وذلك على مضادة النص الصريح في قوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ  ﴾ ولأنه خلاف العدل حيث يحمل العبد مشقة الطاعة، ولم يظهر له منها أثر لا في جلب المنفعة ولا في دفع المضرة.

وخامسها: وهو أنكم تقولون: الصغيرة تحبط بعض أجزاء الثواب دون البعض، وذلك محال من القول، لأن أجزاء الاستحقاقات متساوية في الماهية، فالصغيرة الطارئة إذا انصرف تأثيرها إلى بعض تلك الاستحقاقات دون البعض مع استواء الكل في الماهية كان ذلك ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، فلم يبق إلا أن يقال بأن الصغيرة الطارئة تزيل كل تلك الاستحقاقات وهو باطل بالاتفاق، أو لا نزيل شيئاً منها وهو المطلوب.

وسادسها: وهو أن عقاب الكبيرة إذا كان أكثر من ثواب العمل المتقدم، فإما أن يقال بأن المؤثر في إبطال الثواب بعض أجزاء العقاب الطارئ أو كلها والأول: باطل لأن اختصاص بعض تلك الأجزاء بالمؤثرية دون البعض مع استواء كلها في الماهية ترجيح للممكن من غير مرجح وهو محال، والقسم الثاني باطل، لأنه حينئذ يجتمع على إبطال الجزء الواحد من الثواب جزآن من العقاب مع أن كل واحد من ذينك الجزأين مستقل بإيطال ذلك الثواب، فقد اجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان وذلك محال، لأنه يستغني بكل واحد منهما فيكون غنياً عنهما معاً حال كونه محتاجاً إليهما معاً وهو محال.

وسابعها: وهو أنه لا منافاة بين هذين الاستحقاقين لأن السيد إذا قال لعبده: احفظ المتاع لئلا يسرقه السارق، ثم في ذلك الوقت جاء العدو وقصد قتل السيد، فاشتغل العبد بمحاربة ذلك العدو وقتله فذلك الفعل من العبد يستوجب استحقاقه للمدح والتعظيم حيث دفع القتل عن سيده، ويوجب استحقاقه للذم حيث عرض ماله للسرقة، وكل واحد من الاستحقاقين ثابت، والعقلاء يرجعون في مثل هذه الواقعة إلى الترجيح أو إلى المهايأة، فأما أن يحكموا بانتفاء أحد الاستحقاقين وزواله فذلك مدفوع في بداهة العقول.

وثامنها: أن الموجب لحصول هذا الاستحقاق هو الفعل المتقدم فهذا الطارئ إما أن يكون له أثر في جهة اقتضاء ذلك الفعل لذلك الاستحقاق أو لا يكون، والأول: محال لأن ذلك الفعل إنما يكون موجوداً في الزمان الماضي، فلو كان لهذا الطارئ أثر في ذلك الفعل الماضي لكان هذا إيقاعاً للتأثير في الزمان الماضي وهو محال، وإن لم يكن للطارئ أثر في اقتضاء ذلك الفعل السابق لذلك الاستحقاق وجب أن يبقى ذلك الاقتضاء كما كان وأن لا يزول ولا يقال لم لا يجوز أن يكون هذا الطارئ مانعاً من ظهور الأثر على ذلك السابق، لأنا نقول: إذا كان هذا الطارئ لا يمكنه أن يعمل بجهة اقتضاء ذلك الفعل السابق أصلاً وألبتة من حيث إيقاع الأثر في الماضي محال، واندفاع أثر هذا الطارئ ممكن في الجملة كان الماضي على هذا التقدير أقوى من هذا الحادث فكان الماضي بدفع هذا الحادث أولى من العكس.

وتاسعها: أن هؤلاء المعتزلة يقولون: إن شرب جرعة من الخمر يحبط ثواب الإيمان وطاعة سبعين سنة على سبيل الإخلاص، وذلك محال.

لأنا نعلم بالضرورة أن ثواب هذه الطاعات أكثر من عقاب هذه المعصية الواحدة، والأعظم لا يحيط بالأقل، قال الجبائي: إنه لا يمتنع أن تكون الكبيرة الواحدة أعظم من كل طاعة، لأن معصية الله تعظم على قدر كثرة نعمه وإحسانه، كما أن استحقاق قيام الربانية وقد رباه وملكه وبلغه إلى النهاية العظيمة أعظم من قيامه بحقه لكثرة نعمه، فإذا كانت نعم الله على عباده بحيث لا تضبط عظماً وكثرة لم يمتنع أن يستحق على المعصية الواحدة العقاب العظيم الذي يوافي على ثواب جملة الطاعات، واعلم أن هذا العذر ضعيف لأن الملك إذا عظمت نعمه على عبده ثم إن ذلك العبد قام بحق عبوديته خمسين سنة ثم إنه كسر رأس قلم ذلك الملك قصداً، فلو أحبط الملك جميع طاعاته بسبب ذلك القدر من الجرم فكل أحد يذمه وينسبه إلى ترك الانصاف والقسوة، ومعلوم أن جميع المعاصي بالنسبة إلى جلال الله تعالى أقل من كسر رأس القلم، فظهر أن ما قالوه على خلاف قياس العقول.

وعاشرها: أن إيمان ساعة يهدم كفر سبعين سنة، فالإيمان سبعين سنة كيف يهدم بفسق ساعة، وهذا مما لا يقبله العقل والله أعلم، فهذه جملة الدلائل العقلية على فساد القول بالمحابطة، في تمسك المعتزلة بهذه الآية فنقول: قوله تعالى: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ يحتمل أمرين أحدهما: لا تأتوا به باطلاً، وذلك أن ينوي بالصدقة الرياء والسمعة، فتكون هذه الصدقة حين وجدت حصلت باطلة، وهذا التأويل لا يضرنا ألبتة.

الوجه الثاني: أن يكون المراد بالإبطال أن يؤتي بها على وجه يوجب الثواب، ثم بعد ذلك إذا اتبعت بالمن والأذى صار عقاب المن والأذى مزيلاً لثواب تلك الصدقة، وعلى هذا الوجه ينفعهم التمسك بالآية، فلم كان حمل اللفظ على هذا الوجه الثاني أولى من حمله على الوجه الأول واعلم أن الله تعالى ذكر لذلك مثلين أحدهما: يطابق الاحتمال الأول، وهو قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله ﴾ إذ من المعلوم أن المراد من كونه عمل هذا باطلاً أنه دخل في الوجود باطلاً، لا أنه دخل صحيحاً، ثم يزول، لأن المانع من صحة هذا العمل هو الكفر، والكفر مقارن له، فيمتنع دخوله صحيحاً في الوجود، فهذا المثل يشهد لما ذهبنا إليه من التأويل، وأما المثل الثاني وهو الصفوان الذي وقع عليه غبار وتراب ثم أصابه وابل، فهذا يشهد لتأويلهم، لأنه تعالى جعل الوابل مزيلاً لذلك الغبار بعد وقوع الغبار على الصفوان فكذا هاهنا يجب أن يكون المن والأذى مزيلين للأجر والثواب بعد حصول استحقاق الأجر، إلا أن لنا أن نقول: لا نسلم أن المشبه بوقوع الغبار على الصفوان حصول الأجر للكافر، بل المشبه بذلك صدور هذا العمل الذي لولا كونه مقروناً بالنية الفاسدة لكان موجباً لحصول الأجر والثواب، فالمشبه بالتراب الواقع على الصفوان هو ذلك العمل الصادر منه، وحمل الكلام على ما ذكرناه أولى، لأن الغبار إذا وقع على الصفوان لم يكن ملتصقاً به ولا غائصاً فيه ألبتة، بل كان ذلك الاتصال كالانفصال، فهو في مرأى العين متصل، وفي الحقيقة غير متصل، فكذا الانفاق المقرون بالمن والأذى، يرى في الظاهر أنه عمل من أعمال البر، وفي الحقيقة ليس كذلك، فظهر أن استدلالهم بهذه الآية ضعيف، وأما الحجة العقلية التي تمسكوا بها فقد بينا أنه لا منافاة في الجمع بين الاستحقاقين، وأن مقتضى ذلك الجمع إما الترجيح وإما المهايأة.

المسألة الثانية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن على الله بسبب صدقتكم، وبالأذى لذلك السائل، وقال الباقون: بالمن على الفقير، وبالأذى للفقير.

وقول ابن عباس رضي الله عنهما محتمل، لأن الإنسان إذا أنفق متبجحاً بفعله، ولم يسلك طريقة التواضع والانقطاع إلى الله، والاعتراف بأن ذلك من فضله وتوفيقه وإحسانه فكان كالمان على الله تعالى وإن كان القول الثاني أظهر له.

أما قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ الناس ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الكاف في قوله: ﴿ كالذى ﴾ فيه قولان الأول: أنه متعلق بمحذوف والتقدير لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كإبطال الذي ينفق ماله رئاء الناس، فبيّن تعالى أن المن والأذى يبطلان الصدقة، كما أن النفاق والرياء يبطلانها، وتحقيق القول فيه أن المنافق والمرائي يأتيان بالصدقة لا لوجه الله تعالى، ومن يقرن الصدقة بالمن والأذى، فقد أتى بتلك الصدقة لا لوجه الله أيضاً إذ لو كان غرضه من تلك الصدقة مرضاة الله تعالى لما من على الفقير ولا آذاه، فثبت اشتراك الصورتين في كون تلك الصدقة ما أتى بها لوجه الله تعالى، وهذا يحقق ما قلنا أن المقصود من الابطال الإتيان به باطلاً، لا أن المقصود الإتيان به صحيحاً، ثم إزالته وإحباطه بسبب المن والأذى.

والقول الثاني: أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين الذي ينفق ماله رئاء الناس.

المسألة الثانية: الرياء مصدر، كالمراءاة يقال: راأيته رياء ومراءاة، مثل: راعيته مراعاة ورعاء، وهو أن ترائي بعملك غيرك، وتحقيق الكلام في الرياء قد تقدم، ثم إنه تعالى لما ذكر هذا المثل أتبعه بالمثل الثاني، فقال: ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ وفي هذا الضمير وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى المنافق، فيكون المعنى أن الله تعالى شبه المان والمؤذي بالمنافق، ثم شبه المنافق بالحجر، ثم قال: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ ﴾ وهو الحجر الأملس، وحكى أبو عبيد عن الأصمعي أن الصفوان والصفا والصفوا واحد، وكل ذلك مقصور، وقال بعضهم: الصفوان جمع صفوانه، كمرجان ومرجانة، وسعدان وسعدانة، ثم قال: ﴿ أَصَابَهُ وَابِلٌ ﴾ الوابل المطر الشديد، يقال: وبلت السماء تبل وبلا، وأرض موبولة، أي أصابها وابل، ثم قال: ﴿ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ الصلد الأمس اليابس، يقال: حجر صلد، وجبل صلد إذا كان براقاً أملس وأرض صلدة، أي لا تنبت شيئاً كالحجر الصلد وصلد الزند إذا لم يور ناراً.

واعلم أن هذا مثل ضربة الله تعالى لعمل المان المؤذي، ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً، كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله تعالى، كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، وأما المعتزلة فقالوا: إن المعنى أن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المن والأذى أزالا ذلك الأجر، كما يزيل الوابل التراب عن وجه الصفوان، واعلم أن في كيفية هذا التشبيه وجهين: الأول: ما ذكرنا أن العمل الظاهر كالتراب، والمان والأذى والمنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل هذا على قولنا، وأما على قول المعتزلة فالمن والأذى كالوابل.

الوجه الثاني: في التشبيه، قال القفال رحمه الله تعالى، وفيه احتمال آخر، وهو أن أعمال العباد ذخائر لهم يوم القيامة، فمن عمل بإخلاص فكأنه طرح بذراً في أرض فهو يضاعف له وينمو حتى يحصده في وقته، ويجده وقت حاجته، والصفوان محل بذر المنافق، ومعلوم أنه لا ينمو فيه شيء ولا يكون فيه قبول للبذر، والمعنى أن عمل المان والمؤذي والمنافق يشبه إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودعاً بذره خالياً لا شيء فيه، ألا ترى أنه تعالى ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة، والجنة ما يكون فيه أشجار ونخيل، فمن أخلص لله تعالى كان كمن غرس بستاناً في ربوة من الأرض، فهو يجني ثمر غراسه في أوجات الحاجة وهي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها متضاعفة زائدة، وأما عمل المان والمؤذي والمنافق، فهو كمن بذر في الصفوان الذي عليه تراب، فعند الحاجة إلى الزرع لا يجد فيه شيئاً، ومن الملحدة من طعن في التشبيه، فقال: إن الوابل إذا أصاب الصفوان جعله طاهراً نقياً نظيفاً عن الغبار والتراب فكيف يجوز أن يشبه الله به عمل المنافق، والجواب أن وجه التشبيه ما ذكرناه، فلا يعتبر باختلافها فيما وراءه، قال القاضي: وأيضاً فوقع التراب على الصفوان يفيد منافع من وجوه: أحدها: أنه أصلح في الاستقرار عليه.

وثانيها: الانتفاع بها في التيمم.

وثالثها: الانتفاع به فيما يتصل بالنبات، وهذا الوجه الذي ذكره القاضي حسن إلا أن الاعتماد على الأول.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيء مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ ﴾ إلى ماذا يرجع؟

فيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي كان على ذلك الصفوان، لأنه زال ذلك التراب وذلك ما كان فيه، فلم يبق لأحد قدرة على الانتفاع بذلك البذر، وهذا يقوي الوجه الثاني في التشبيه الذي ذكره القفال رحمه الله تعالى، وكذا المان والمؤذي والمنافق لا ينتفع أحد منهم بعمله يوم القيامة والثاني: أنه عائد إلى قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ وخرج على هذا المعنى، لأن قوله: ﴿ كالذى يُنفِقُ مَالَهُ ﴾ إنما أشير به إلى الجنس، والجنس في حكم العام، قال القفال رحمه الله: وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون ذلك مردوداً على قوله: ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فإنكم إذا فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فرجع عن الخطاب إلى الغائب، كقوله تعالى: ﴿ حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وجرين بِهِمُ  ﴾ .

ثم قال: ﴿ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين ﴾ ومعناه على قولهم: سلب الإيمان، وعلى قول المعتزلة: إنه تعالى يضلهم عن الثواب وطريق الجنة بسوء اختيارهم.

ثم قال تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ والله بِمَا تعملون بصير ﴾ .

اعلم أن الله تعالى لما ذكر مثل المنفق الذي يكون ماناً ومؤذياً ذكر مثل المنفق الذي لا يكون كذلك، وهو هذه الآية، وبيّن تعالى أن غرض هؤلاء المنفقين من هذا الانفاق أمران أحدهما: طلب مرضاة الله تعالى، والابتغاء افتعال من بغيت أي طلبت، وسواء قولك: بغيت وابتغيت.

والغرض الثاني: هو تثبيت النفس، وفيه وجوه: أحدها: أنهم يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها، ومن جملة ذلك ترك إتباعها بالمن والأذى، وهذا قول القاضي.

وثانيها: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ بَعْضُ أَنفُسِهِمْ ﴾ .

وثالثها: أن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية، إلا إذا صارت مقهورة بالمجاهدة، ومعشوقها أمران: الحياة العاجلة والمال، فإذا كلفت بإنفاق المال فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه، وإذا كلفت ببذل الروح فقد صارت مقهورة من بعض الوجوه فلا جرم حصل بعض التثبيت، فلهذا دخل فيه ﴿ مِنْ ﴾ التي هي التبعيض، والمعنى أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معاً فهو الذي ثبتها كلها، وهو المراد من قوله: ﴿ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ  ﴾ وهذا الوجه ذكره صاحب الكشاف، وهو كلام حسن وتفسير لطيف.

ورابعها: وهو الذي خطر ببالي وقت كتابة هذا الموضع: أن ثبات القلب لا يحصل إلا بذكر الله على ما قال: ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب  ﴾ فمن أنفق ماله في سبيل الله لم يحصل له اطمئنان القلب في مقام التجلي، إلا إذا كان إنفاقه لمحض غرض العبودية، ولهذا السبب حكي عن علي رضي الله عنه أنه قال في إنفاقه ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً  ﴾ ووصف إنفاق أبي بكر فقال: ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰٓ  إِلَّا ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٱلْأَعْلَىٰ  ﴾ فإذا كان إنفاق العبد لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وطلب الحض.

فهناك اطمأن قلبه، واستقرت نفسه، ولم يحصل لنفسه منازعه مع قلبه، ولهذا قال أولاً في هذا الانفاق إنه لطلب مراضاة الله، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ .

وخامسها: أنه ثبت في العلوم العقلية، أن تكرير الأفعال سبب لحصول الملكات.

إذا عرفت هذا فنقول: إن من يواظب على الانفاق مرة بعد أخرى لابتغاء مرضاة الله حصل له من تلك المواظبة أمران أحدهما: حصول هذا المعنى والثاني: صيرورة هذا الابتغاء والطلب ملكة مستقرة في النفس، حتى يصير القلب بحيث لو صدر عنه فعل على سبيل الغفلة والاتفاق رجع القلب في الحال إلى جناب القدس، وذلك بسبب أن تلك العبادة صارت كالعادة والخلق للروح، فإتيان العبد بالطاعة لله، ولابتغاء مرضاة الله، يفيد هذه الملكة المستقرة، التي وقع التعبير عنها في القرآن بتثبيت النفس، وهو المراد أيضاً بقوله: ﴿ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ ﴾ وعند حصول هذا التثبيت تصير الروح في هذا العالم من جوهر الملائكة الروحانية والجواهر القدسية، فصار العبد كما قاله بعض المحققين: غائباً حاضراً، ظاعناً مقيماً.

وسادسها: قال الزجاج: المراد من التثبيت أنهم ينفقونها جازمين بأن الله تعالى لا يضيع عملهم، ولا يخيب رجاءهم، لأنها مقرونة بالثواب والعقاب والنشور بخلاف المنافق، فإنه إذا أنفق عد ذلك الإنفاق ضائعاً، لأنه لا يؤمن بالثواب، فهذا الجزم هو المراد بالتثبيت.

وسابعها: قال الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أن المنفق يتثبت في إعطاء الصدقة فيضعها في أهل الصلاح والعفاف، قال الحسن: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإذا كان لله أعطى، وإن خالطه أمسك، قال الواحدي: وإنما جاز أن يكون التثبيت، بمعنى التثبيت، لأنهم ثبتوا أنفسهم في طلب المستحق، وصرف المال في وجهه، ثم إنه تعالى بعد أن شرح أن غرضهم من الانفاق هذان الأمران ضرب لإنفاقهم مثلاً، فقال: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ بفتح الراء وفي المؤمنين ﴿ إلى رَبْوَةٍ ﴾ وهو لغة تميم، والباقون بضم الراء فيهما، وهو أن أشهر اللغات ولغة قريش، وفيه سبع لغات ﴿ رَبْوَةٍ ﴾ بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و(رباوة) بالألف بتعاقب الحركات الثلاث على الراء، و(ربو) والربوة المكان المرتفع، قال الأخفش: والذي اختاره ﴿ رَبْوَةٍ ﴾ بالضم، لأن جمعها الربى، وأصلها من قولهم: ربا الشيء يربو إذا ازداد وارتفع، ومنه الرابية، لأن أجزاءها ارتفعت، ومنه الربو إذا أصابه نفس في جوفه زائد، ومنه الربا، لأنه يأخذ الزيادة.

واعلم أن المفسرين قالوا: البستان إذا كان في ربوة من الأرض كان أحسن وأكثر ريعاً.

ولي فيه إشكال: وهو أن البستان إذا كان في مرتفع من الأرض كان فوق الماء ولا ترتفع إليه أنهار وتضربه الرياح كثيراً فلا يحسن ريعه، وإذا كان في وهدة من الأرض انصبت مياه الأنهار، ولا يصل إليه إثارة الرياح فلا يحسن أيضاً ريعه، فإذن البستان إنما يحسن ريعه إذا كان على الأرض المستوية التي لا تكون ربوة ولا وهدة، فإذن ليس المراد من هذه الربوة ما ذكروه، بل المراد منه كون الأرض طيناً حراً، بحيث إذا نزل المطر عليه انتفخ وربا ونما، فإن الأرض متى كانت على هذه الصفة يكثر ريعها، وتكمل الأشجار فيها، وهذا التأويل الذي ذكرته متأكد بدليلين أحدهما: قوله تعالى: ﴿ وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ والمراد من ربوها ما ذكرنا فكذا هاهنا والثاني: أنه تعالى ذكر هذا المثل في مقابلة المثل الأول، ثم كان المثل الأول هو الصفوان الذي لا يؤثر فيه المطر، ولا يربو، ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه، فكان المراد بالربوة في هذا المثل كون الأرض بحيث تربو وتنمو، فهذا ما خطر ببالي والله أعلم بمراده.

ثم قال تعالى: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ﴿ أُكُلُهَا ﴾ بالتخفيف، والباقون بالتثقيل، وهو الأصل، والأكل بالضم الطعام لأن من شأنه أن يؤكل قال الله تعالى: ﴿ تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا  ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها، فالأكل في المعنى مثل الطعمة، وأنشد الأخفش: فما أكلة إن نلتها بغنيمة *** ولا جوعة إن جعتها بقرام وقال أبو زيد: يقال إنه لذو أُكُل إذا كان له حظ من الدنيا.

المسألة الثانية: قال الزجاج: ﴿ آتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ يعني مثلين لأن ضعف الشيء مثله زائداً عليه، وقيل ضعف الشيء مثلاه قال عطاء: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين، وقال الأصم: ضعف ما يكون في غيرها، وقال أبو مسلم: مثلي ما كان يعهد منها.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ الطل: مطر صغير الفطر، ثم في المعنى وجوه: الأول: المعنى أن هذه الجنّة إن لم يصبها وابل فيصيبها مطر دون الوابل، إلا أن ثمرتها باقية بحالها على التقديرين لا ينقص بسبب انتقاص المطر وذلك بسبب كرم المنبت الثاني: معنى الآية إن لم يصبها وابل حتى تضاعف ثمرتها فلابد وأن يصيبها طل يعطي ثمراً دون ثمر الوابل، فهي على جميع الأحوال لا تخلوا من أن تثمر، فكذلك من أخرج صدقة لوجه الله تعالى لا يضيع كسبه قليلاً كان أو كثيراً.

ثم قال: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ والمراد من البصير العليم، أي هو تعالى عالم بكمية النفقات وكيفيتها، والأمور الباعثة عليها، وأنه تعالى مجاز بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ وليثبتوا منها ببذل المال الذي هو شقيق الروح.

وبذله أشق شيء على النفس على سائر العبادات الشاقة وعلى الإيمان؛ لأن النفس إذا ريضت بالتحامل عليها وتكليفها ما يصعب عليها ذلت خاضعة لصاحبها وقل طمعها في اتباعه لشهواتها، وبالعكس، فكان إنفاق المال تثبيتاً لها على الإيمان واليقين.

ويجوز أن يراد: وتصديقاً للإسلام.

وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم؛ لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله، علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن إخلاص قلبه.

﴿ ومن ﴾ على التفسير الأوّل للتبعيض، مثلها في قولهم: هز من عطفه، وحرك من نشاطه.

وعلى الثاني لابتداء الغاية، كقوله تعالى: ﴿ حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [البقرة: 109] ويحتمل أن يكون المعنى: وتثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة الإيمان مخلصة فيه.

وتعضده قراءة مجاهد: ﴿ وتبيينا من أنفسهم ﴾ .

فإن قلت: فما معنى التبعيض؟

قلت: معناه أن من بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، ومن بذل ماله وروحه معا فهو الذي ثبتها كلها ﴿ وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ ﴾ [الصف: 11] والمعنى: ومثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةِ ﴾ وهي البستان ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ بمكان مرتفع.

وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ مطر عظيم القطر ﴿ فَأَتَتْ أُكُلَهَا ﴾ ثمرتها ﴿ ضِعْفَيْنِ ﴾ مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها.

أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطلّ، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة، فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه الله ويبذل فيها الوسع زاكية عند الله، زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده.

وقرئ: ﴿ كمثل حبة ﴾ ، و ﴿ بربوة ﴾ بالحركات الثلاث و ﴿ أكلها ﴾ بضمتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ وتَثْبِيتًا بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ، فَإنَّ المالَ شَقِيقُ الرُّوحِ، فَمِن بَذَلَ مالَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ ثَبَتَ بَعْضُ نَفْسِهِ ومَن بَذَلَ مالَهُ ورُوحَهُ ثَبَّتَها كُلَّها، أوْ تَصْدِيقًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مُبْتَدَأٌ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبِّ المالِ.

﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ أيْ ومَثَلَ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاةِ، كَمَثَلِ بُسْتانٍ بِمَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ، فَإنَّ شَجَرَهُ يَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ (بِرَبْوَةٍ) بِالفَتْحِ وقُرِئَ بِالكَسْرِ وثَلاثَتُها لُغاتٌ فِيها.

﴿ أصابَها وابِلٌ ﴾ مَطَرٌ عَظِيمُ القُطْرِ.

﴿ فَآتَتْ أُكُلَها ﴾ ثَمَرَتَها.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالسُّكُونِ لِلتَّخْفِيفِ.

ضِعْفَيْنِ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ بِسَبَبِ الوابِلِ.

والمُرادُ بِالضِّعْفِ المِثْلِ كَما أُرِيدَ بِالزَّوْجِ الواحِدُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ وقِيلَ: أرْبَعَةُ أمْثالِهِ ونَصَبَهُ عَلى الحالِ أيْ مُضاعَفًا.

﴿ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فالَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ، أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها لِكَرَمِ مَنبَتِها وبُرُودَةِ هَوائِها لِارْتِفاعِ مَكانِها.

وهو المَطَرُ الصَّغِيرُ القَطْرِ، والمَعْنى أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِاعْتِبارِ ما يَنْضَمُّ إلَيْها مِن أحْوالِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّمْثِيلُ لِحالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقاتِهِمُ الكَثِيرَةِ والقَلِيلَةِ الزّائِدَتَيْنِ في زُلْفاهم بِالوابِلِ والطَّلِّ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ تَحْذِيرٌ عَنِ الرِّئاءِ وتَرْغِيبٌ في الإخْلاصِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ} أي وتصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه وإيمانه بالثواب من أصل نفسه ومن اخلاص قلبه ومن لابتداء الغاية وهو معطوف على المفعول له أي للإبتغاء والتثبيت والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند الله {كَمَثَلِ جَنَّةٍ} بستان {بِرَبْوَةٍ} مكان مرتفع وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً بربوة عاصم وشامي {أَصَابَهَا وابل فآتت أُكُلُهَا}

ثمرتها أكلها نافع ومكي وأبو عمرو {ضِعْفَيْنِ} مثلي ما كانت تثمر قبل بسبب الوابل {فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ} فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا الله تعالى زاكية عند الله زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده {والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يرى أعمالكم على إكثار وإقلال ويعلم نياتكم فيهما من رياء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ أيْ لِطَلَبِ رِضاهُ أوْ طالِبِينَ لَهُ، ﴿ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ أيْ ولِتَثْبِيتِ أوْ مُثْبِتِينَ بَعْضَ أنْفُسِهِمْ عَلى الإيمانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِمْ: هَزَّ مِن عَطْفَيْهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ فَإنَّ لِلنَّفْسِ قُوًى بَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ المالِ، وبَعْضُها مَبْدَأُ بَذْلِ الرُّوحِ، فَمَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى فَقَدْ ثَبَّتَ بَعْضَ نَفْسِهِ، ومَن سَخَّرَ قُوَّةَ بَذْلِ المالِ وقُوَّةَ بَذْلِ الرُّوحِ فَقَدْ ثَبَّتَ كُلَّ نَفْسٍ، وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُ (تَثْبِيتًا) مَحْذُوفًا أيْ تَثْبِيتًا لِلْإسْلامِ وتَحْقِيقًا لِلْجَزاءِ مِن أصْلِ أنْفُسِهِمْ وقُلُوبِهِمْ، فَمِنِ اِبْتِدائِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أنَّها صادِقَةُ الإيمانِ مُخْلِصَةٌ فِيهِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مُجاهِدٍ (وتَبْيِينًا مِن أنْفُسِهِمْ)، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ (مِن) بِمَعْنى اللّامِ والمَعْنى تَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ ولَيْسَ بِالبَعِيدِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الإنْفاقِ لِلْمُنْفِقِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ البُخْلِ وحُبُّ المالِ الَّذِي هو الدّاءُ العُضالُ والرَّأْسُ لِكُلِّ خَطِيئَةٍ.

﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ أيْ بُسْتانٍ بِنَشْزٍ مِنَ الأرْضِ، والمُرادُ تَشْبِيهُ نَفَقَةِ هَؤُلاءِ في الزَّكاءِ بِهَذِهِ الجَنَّةِ، واعْتُبِرَ كَوْنُها في رَبْوَةٍ لِأنَّ أشْجارَ الرُّبى تَكُونُ أحْسَنَ مَنظَرًا وأزْكى ثَمَرًا لِلَطافَةِ هَوائِها وعَدَمِ كَثافَتِهِ بِرُكُودِهِ.

وقَرَأ اِبْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ بِرَبْوَةٍ بِالفَتْحِ، والباقُونَ بِالضَّمِّ، وابْنُ عَبّاسٍ بِالكَسْرِ، وقُرِئَ رُباوَةٌ وكُلُّها لُغاتٌ، وقُرِئَ (كَمَثَلِ حَبَّةٍ) بِالحاءِ والباءِ ﴿ أصابَها وابِلٌ ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ ﴿ فَأتَتْ ﴾ أيْ أعْطَتْ صاحِبَها أوِ النّاسَ، ونِسْبَةُ الإيتاءِ إلَيْها مَجازٌ ﴿ أُكُلَها ﴾ بِالضَّمِّ الشَّيْءُ المَأْكُولُ والمُرادُ ثَمَرُها وأُضِيفَ إلَيْها لِأنَّها مَحَلُّهُ أوْ سَبَبُهُ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ بِسُكُونِ الكافِ تَخْفِيفًا ”ضِعْفَيْنِ“ أيْ ضِعْفًا بَعْدَ ضِعْفٍ فالتَّثْنِيَةُ لِلتَّكْثِيرِ، أوْ مِثْلَيْ ما كانَتْ تُثْمِرُ في سائِرِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ ما أصابَها مِنَ الوابِلِ، أوْ أرْبَعَةَ أمْثالِهِ بِناءً عَلى الخِلافِ في أنَّ الضِّعْفَ هَلْ هو المِثْلُ أوِ المِثْلانِ، وقِيلَ: المُرادُ تَأْتِي أُكُلَها مَرَّتَيْنِ في سَنَةٍ واحِدَةٍ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ﴾ ونَصْبُهُ عَلى الحالِ مِن أُكُلَها أيْ مُضاعَفًا ﴿ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ أيْ فَيُصِيبُها، أوْ فاَلَّذِي يُصِيبُها طَلٌّ أوْ فَطَلٌّ يَكْفِيها، والمُرادُ أنَّ خَيْرَها لا يُخْلِفُ عَلى كُلِّ حالٍ لِجَوْدَتِها وكَرَمِ مَنبَتِها ولَطافَةِ هَوائِها، واَلطَّلُّ الرَّذاذُ مِنَ المَطَرِ وهو اللَّيِّنُ مِنهُ.

وحاصِلُ هَذا التَّشْبِيهِ أنَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ زاكِيَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا تَضِيعُ بِحالٍ وإنْ كانَتْ تَتَفاوَتُ بِحَسَبِ تَفاوُتِ ما يُقارِنُها مِنَ الإخْلاصِ والتَّعَبِ وحُبِّ المالِ والإيصالِ إلى الأحْوَجِ التَّقِيِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُناكَ تَشْبِيهُ حالِ النَّفَقَةِ النّامِيَةِ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى الزّاكِيَةِ عَنِ الأدْناسِ لِأنَّها لِلتَّثْبِيتِ النّاشِئِ عَنْ يَنْبُوعِ الصِّدْقِ والإخْلاصِ بِحالِ جَنَّةٍ نامِيَةٍ زاكِيَةٍ بِسَبَبِ الرَّبْوَةِ، وأحَدُ الأمْرَيْنِ الوابِلُ والطَّلُّ، والجامِعُ النُّمُوُّ المَقْرُونِ بِالزُّكاءِ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ، وهَذا مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ ولَكَ أنْ تَعْتَبِرَ تَشْبِيهَ حالِ أُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بِالجَنَّةِ عَلى الرَّبْوَةِ ونَفَقَتِهِمِ القَلِيلَةِ والكَثِيرَةِ بِالوابِلِ والطَّلِّ؛ فَكَما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المَطَرَيْنِ يُضْعِفُ أكْلَ تِلْكَ الجَنَّةِ فَكَذَلِكَ نَفَقَتُهم جَلَتْ أوْ قَلَّتَ بَعْدَ أنْ يُطْلَبَ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى زاكِيَةً زائِدَةً في زُلْفاهم وحُسْنِ حالِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَلَّ شَأْنُهُ، كَذا قِيلَ وهو مُحْتَمَلٌ لِأنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ حِينَئِذٍ مِنَ المُفَرَّقِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرَكَّبِ، والكَلامُ مَساقٌ لِلْإرْشادِ إلى اِنْتِزاعِ وجْهِ الشَّبَهِ وطَرِيقِ التَّرْكِيبِ، والفَرْقُ إذْ ذاكَ بِأنَّ الحالَ لِلنَّفَقَةِ في الأوَّلِ ولِلْمُنْفِقِ في الثّانِي.

والحاصِلُ أنَّ حالَهم في إنْتاجِ القِلِّ والكُثْرِ مِنهُمُ الأضْعافُ لِأُجُورِهِمْ كَحالِ الجَنَّةِ في إنْتاجِ الوابِلِ والطَّلِّ الواصِلَيْنِ إلَيْها الإضْعافِ لِأثْمارِها، واخْتارَ بَعْضُهُمِ الأوَّلَ، وأبى آخَرُونَ الثّانِي فافْهَمْ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ فَيُجازِي كُلًّا مِنَ المُخْلِصِ والمُرائِي بِما هو أعْلَمُ بِهِ، فَفي الجُمْلَةِ تَرْغِيبٌ لِلْأوَّلِ، وتَرْهِيبٌ لِلثّانِي مَعَ ما فِيها مِنَ الإشارَةِ إلى الحَطِّ عَلى الأخِيرِ حَيْثُ قَصَدَ بِعَمَلِهِ رُؤْيَةَ مَن لا تُغْنِي رُؤْيَتُهُ شَيْئًا وتَرْكَ وجْهِ البَصِيرِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تُغْنِي وتُفْقِرُ رُؤْيَتُهُ عَزَّ شَأْنُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ يعني يتصدقون طلب رضاء الله تعالى بصدقاتهم وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني وتصديقاً من قلوبهم، يعني يصدقون الله تعالى بالثواب في الآخرة، والخلف في الدنيا.

ويقال: وتثبيتا من أنفسهم، يعني وتحقيقاً من قلوبهم يقصدون بها وجه الله.

كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ يعني بستاناً في مكان مستو مرتفع.

أَصابَها وابِلٌ يعني البستان أصابه المطر الشديد فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ.

قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: أكلها بجزم الكاف، ونصب اللام.

وقرأ الباقون بالضم أكلها، وتفسير القراءتين واحد، وقرأ عاصم وأبو عمرو بربوة بنصب الراء، وقرأ الباقون بالضم، وقرأ ابن سيرين بكسر الراء، وفيه ثلاث لغات: رَبْوَة وَرِبْوَةَ وَرَبْوة.

وتفسير القراءات واحد.

وفي الآية تقديم وتأخير، ومعناه كمثل جنة بربوة أصابها وابل فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ فأتت أكلها ضعفين، يعني البستان إذا أصابه المطر أو الطل، والطل البطيء من المطر، وهو مثل الندى، فأتت أكلها ضعفين، يعني اخضرت أوراق البستان، وأخرجت ثمرها ضعفين، فكذلك الذي يتصدق به لوجه الله تعالى يكون له الثواب ضعفين، يعني للواحد عشرة إلى سبعمائة إلى ما لا نهاية له وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ثم ضرب مثلاً آخر، لعمل الكافر والمنافق فقال تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل: لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكفر.

وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ...

الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ على وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام: ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله كأنه قال: كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ- وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ- وتَثْبِيتاً: مصدر، ومَرْضَاة: مصدر من: رَضِيَ.

قال ص: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً كلاهما مفعولٌ من أجله، وقاله مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة «١» بأن ابتغاء: لا يكون مفعولاً من أجله، لعطف: «وَتَثْبِتاً» عليه، ولا يصحُّ في «تثبيت» أنْ يكون مفعولاً من أجله لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت وأجيب: بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي: وتحصيلاً لأنفسهم الثوابَ على تلك النفقة فيصحّ أنْ يكون مفعولاً من أجله، ثم قال أبو حَيَّان «٢» ، بعد كلام: والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالى بهذا العمل.

انتهى.

قال قتادة وغيره: وَتَثْبِيتاً: معناه: وتيقُّناً، أي «١» : أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتاً، وقال مجاهد والحَسَن: معنى قوله:

وَتَثْبِيتاً، أي: أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ «٢» .

قال الحَسَن: كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك «٣» .

والقولُ الأول أصوبُ لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ إِنما عبارته: «وتَثْبِيتاً» ، فإِنَّ قال محتجٌّ: إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ على غير الصَّدْر كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: ٨] وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] فالجوابُ: أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر الصدرِ، والإِفصاحِ/ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمّا ٦٩ أإذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ يأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله على فعْلِ كذا وكذا لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ.

والرَّبْوَةُ: ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيراً معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ.

ولفظ الرَّبْوَة: مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد، وآتَتْ: معناه أعطت، والأُكُل بضم الهمزة: الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له: أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة اختصاص كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، وضِعْفَيْن: معناه اثنين مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها.

ثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ: المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره «٤» ، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ كتربية الفلوّ «٥»

والفصيلِ «١» حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعد ووعيد.

وقوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ...

الاية: حكى الطبريُّ «٢» عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ ...

[البقرة: ٢٦٤] الآية: ثم قال: ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلاً فقال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ...

الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ «٣» ، وقال ابنُ عَبَّاس: هذا مثَلٌ ضربه اللَّه كأنه قال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، رضي اللَّه عنه «٤» ، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ «٥» عن عمر نحوه «٦» .

ع «٧» : فهذا نظرٌ يحمل الآية على كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ وغيره «٨» ، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال: قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إلى عمله، إِذا انقطعت الدنْيَا عنه.

انتهى، وهو حسن جدّا.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ أيْ: طَلَبًا لِرِضاهُ.

وفي مَعْنى التَّثْبِيتِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإنْفاقُ عَلى يَقِينٍ وتَصْدِيقٍ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، في آَخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّثْبِيتُ لِارْتِيادِ مَحَلِّ الإنْفاقِ، فَهم يَنْظُرُونَ أيْنَ يَضَعُونَها، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وأبِي صالِحٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ﴾ الجَنَّةُ: البُسْتانُ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ "حَبَّةٍ" بِالحاءِ.

والرَّبْوَةُ: ما ارْتَفَعَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "بِرُبْوَةٍ" بِضَمِّ الرّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ بِكَسْرِ الرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، بِرَباوَةٍ، بِزِيادَةِ ألِفٍ، وفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما ضَمّا الرّاءَ، وكَذَلِكَ خِلافُهم في "المُؤْمِنِينَ" قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: رَبْوَةٌ ورُبْوَةٌ ورِبْوَةٌ ورَباوَةٌ.

والمَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، إذا كانَ لَهُ ما يَرْوِيهِ مِنَ الماءِ، فَهو أكْثَرُ رِيعًا مِنَ السُّفْلِ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الرَّبْوَةُ الِارْتِفاعُ، وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ وزادَ، فَقَدَ رَبا، ومِنهُ الرِّبا في البَيْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَآتَتْ أُكُلَها ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: أكْلَها.

والأكْلُ بِسُكُونِ الكافِ حَيْثُ وقَعَ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو، فِيما أُضِيفَ إلى مُؤَنَّثٍ، مِثْلُ: ﴿ أُكُلُها دائِمٌ ﴾ فَأمّا ما أُضِيفَ إلى مُذَكَّرٍ مِثْلُ: أُكُلُهُ؟

أوْ كانَ غَيْرَ مُضافٍ إلى مُكَنّى: مِثْلُ (أكْلِ خَمْطٍ) فَثَقَّلَهُ أبُو عَمْرٍو.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ جَمِيعَ ذَلِكَ مُثْقَّلًا.

وأُكُلَها، أيْ: ثَمَرُها.

﴿ ضِعْفَيْنِ ﴾ أيْ: مِثْلَيْنِ.

فَأمّا "الظِّلُّ" فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو أضْعَفُ المَطَرِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو المَطَرُ الدّائِمُ، الصِّغارُ القَطْرِ الَّذِي لا تَكادُ تَسِيلُ مِنهُ المَثاعِبُ.

قالَ ثَعْلَبٌ: وهَذا لَفْظٌ مُسْتَقْبَلٌ وهو لِأمْرٍ ماضٍ، فَمَعْناهُ: فَإنْ لَمْ يَكُنْ أصابَها وابِلٌ فَطَلٌّ.

ومَعْنى هَذا المَثَلِ: أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الجَنَّةِ لا يَخِيبُ، فَإنَّها إنْ أصابَها الطَّلُّ حَسُنَتْ، وإنْ أصابَها الوابِلُ أُضْعِفَتْ، فَكَذَلِكَ نَفَقَةُ المُؤْمِنِ المُخْلِصِ.

والبَصِيرُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى مَعْناهُ: المُبْصِرُ.

قالَ الخَطّابِيُّ: وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، كَقَوْلِهِمْ: ألِيمٌ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ مِن أسالِيبِ فَصاحَةِ القُرْآنِ أنَّهُ يَأْتِي فِيهِ ذِكْرُ نَقِيضِ ما يَتَقَدَّمُ ذِكْرُهُ، لِتَسْتَبِينَ حالُ التَضادِّ بِعَرْضِها عَلى الذِهْنِ، فَلَمّا ذَكَرَ اللهُ صَدَقاتِ القَوْمِ الَّذِينَ لا خَلاقَ لِصَدَقاتِهِمْ، ونَهى المُؤْمِنِينَ عن مُواقَعَةِ ما يُشْبِهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ ما، عَقَّبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ نَفَقاتِ القَوْمِ الَّذِينَ تَرَكُوا صَدَقاتِهِمْ وهي عَلى وجْهِها في الشَرْعِ، فَضَرَبَ لَها مَثَلًا.

وتَقْدِيرُ الكَلامِ: ومَثَلُ نَفَقَةِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ كَمَثَلِ غِراسِ جَنَّةٍ، لِأنَّ المُرادَ بِذِكْرِ الجَنَّةِ غِراسُها.

أو تُقَدِّرُ الإضْمارَ في آخِرِ الكَلامِ، دُونَ إضْمارِ نَفَقَةٍ في أوَّلِهِ، كَأنَّهُ قالَ: كَمَثَلِ غارِسٍ جَنَّةً.

و"ابْتِغاءَ" مَعْناهُ: طَلَبُ، وإعْرابُهُ النَصْبُ عَلى المَصْدَرِ في مَوْضِعِ الحالِ، وكانَ يَتَوَجَّهُ فِيهِ النَصْبُ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، لَكِنَّ النَصْبَ عَلى المَصْدَرِ هو الصَوابُ مِن جِهَةِ عَطْفِ المَصْدَرِ الَّذِي هو و"تَثْبِيتًا" عَلَيْهِ، ولا يَصِحُّ في "تَثْبِيتًا" أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، لِأنَّ الإنْفاقَ مِن أجْلِ التَثْبِيتِ.

وقالَ مَكِّيٌّ في "المُشْكِلِ": كِلاهُما مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مَرْدُودٌ بِما بَيَّنّاهُ.

وَ"مَرْضاتِ" مَصْدَرٌ مِن رَضِيَ يَرْضى.

وقالَ الشَعْبِيُّ، والسُدِّيُّ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو صالِحٍ: و"تَثْبِيتًا" مَعْناهُ: وتَيَقُّنًا، أيْ أنَّ نُفُوسَهم لَها بَصائِرُ مُتَأكِّدَةٌ، فَهي تُثَبِّتُهم عَلى الإنْفاقِ في طاعَةِ اللهِ تَثْبِيتًا، وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: "وَتَثْبِيتًا" أيْ أنَّهم يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ صَدَقاتِهِمْ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ الرَجُلُ إذا هَمَّ بِصَدَقَةٍ تَثَبَّتَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِلَّهِ أمْضاهُ، وإنْ خالَطَهُ شَكٌّ أمْسَكَ، والقَوْلُ الأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّ هَذا المَعْنى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ والحَسَنُ إنَّما عِبارَتُهُ "وَتَثَبُّتًا" فَإنْ قالَ مُحْتَجٌّ: إنَّ هَذا مِنَ المَصادِرِ الَّتِي خَرَجَتْ عَلى غَيْرِ المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا  ﴾ وكَقَوْلِهِ: ﴿ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا  ﴾ ، فالجَوابُ أنَّ هَذا لا يَسُوغُ إلّا مَعَ ذِكْرِ المَصْدَرِ، والإفْصاحِ بِالفِعْلِ المُتَقَدِّمِ لِلْمَصْدَرِ، وأمّا إذا لَمْ يَقَعْ إفْصاحٌ بِفِعْلٍ فَلَيْسَ لَكَ أنْ تَأْتِيَ بِمَصْدَرٍ في غَيْرِ مَعْناهُ، ثُمَّ تَقُولَ: أحْمِلُهُ عَلى فِعْلِ كَذا وكَذا لِفِعْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، هَذا مَهْيَعُ كَلامِ العَرَبِ فِيما عَلِمْتُ.

وقالَ قَتادَةُ: "وَتَثْبِيتًا" مَعْناهُ: وإحْسانًا مِن أنْفُسِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا نَحْوُ القَوْلِ الأوَّلِ.

والجَنَّةُ: البُسْتانُ، وهي قِطْعَةُ أرْضٍ نَبَتَتْ فِيها الأشْجارُ حَتّى سَتَرَتِ الأرْضَ، فَهي مِن لَفْظِ الجَنِينِ والجَنَنِ والجَنَّةِ وجَنَّ اللَيْلُ.

والرَبْوَةُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ ارْتِفاعًا يَسِيرًا مَعَهُ في الأغْلَبِ كَثافَةُ التُرابِ وطِيبُهُ وتَعَمُّقُهُ، وما كانَ كَذَلِكَ فَنَباتُهُ أحْسَنُ.

ورِياضُ الحَزْنِ لَيْسَ مِن هَذا كَما زَعَمَ الطَبَرِيُّ، بَلْ تِلْكَ هي الرِياضُ المَنسُوبَةُ إلى نَجْدٍ لِأنَّها خَيْرٌ مِن رِياضِ تِهامَةَ، ونَباتُ نَجْدٍ أعْطَرُ، ونَسِيمُهُ أبْرَدُ وأرَقُّ، ونَجْدٌ يُقالُ لَهُ: الحَزْنُ، وقَلَّما يَصْلُحُ هَواءُ تِهامَةَ إلّا بِاللَيْلِ، ولِذَلِكَ قالَتِ الأعْرابِيَّةُ: زَوْجِي كَلِيلُ تِهامَةَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "الرَبْوَةُ المَكانُ المُرْتَفِعُ الَّذِي لا تَجْرِي فِيهِ الأنْهارُ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إنَّما أرادَ بِهِ هَذِهِ الرَبْوَةَ المَذْكُورَةَ في كِتابِ اللهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ أصابَها وابِلٌ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّها لَيْسَ فِيها ماءٌ جارٍ، ولَمْ يُرِدِ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ جِنْسَ الرُبا لا يَجْرِي فِيها ماءٌ، لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ذَكَرَ رَبْوَةً ذاتَ قَرارٍ ومَعِينٍ.

والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الرَبْوَةَ ما ارْتَفَعَ عَمّا جاوَرَهُ سَواءٌ جَرى فِيها ماءٌ أو لَمْ يَجْرِ، وقالَ الحَسَنُ: الرَبْوَةُ الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا تَعْلُو فَوْقَ الماءِ، وهَذا أيْضًا أرادَ أنَّها لَيْسَتْ كالجَبَلِ والظَرِبِ ونَحْوِهِ.

وقالَ الخَلِيلُ: الرَبْوَةُ أرْضٌ مُرْتَفِعَةٌ طَيِّبَةٌ.

وخَصَّ اللهُ بِالذِكْرِ الَّتِي لا يَجْرِي فِيها ماءٌ مِن حَيْثُ هي العُرْفُ في بِلادِ العَرَبِ فَمَثَّلَ لَهم بِما يُحِسُّونَهُ كَثِيرًا.

وقالَ السُدِّيُّ "بِرَبْوَةٍ" أيْ بِرُباوَةٍ، وهو ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ قَلِقَةٌ.

ولَفْظُ الرَبْوَةِ هو مَأْخُوذٌ مِن رَبا يَرْبُو إذا زادَ، يُقالُ "رُبْوَةٌ" بِضَمِّ الراءِ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، ويُقالُ: "رَبْوَةٌ" بِفَتْحِ الراءِ، وبِها قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ، وكَذَلِكَ خِلافُهم في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.

ويُقالُ: "رِبْوَةٌ" بِكَسْرِ الراءِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما حُكِيَ عنهُ، ويُقالُ: رَباوَةٌ بِفَتْحِ الراءِ والباءِ وألِفٍ بَعْدَها، وبِها قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، ويُقالُ: رِباوَةٌ بِكَسْرِ الراءِ وبِها قَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ.

وَ"آتَتْ" مَعْناهُ: أعْطَتْ، والأُكْلُ: بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ الثَمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ، والشَيْءُ المَأْكُولُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُقالُ لَهُ: أُكْلٌ، وإضافَتُهُ إلى الجَنَّةِ إضافَةُ اخْتِصاصٍ، كَسَرْجِ الدابَّةِ، وبابِ الدارِ، وإلّا فَلَيْسَ الثَمَرُ مِمّا تَأْكُلُهُ الجَنَّةُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو.

"أُكْلَها" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكافِ، وكَذَلِكَ كُلَّ مُضافٍ إلى مُؤَنَّثٍ، وفارَقَهُما أبُو عَمْرٍو فِيما أُضِيفَ إلى مُذَكَّرٍ مِثْلِ "أُكُلِهِ" أو كانَ مُضافًا إلى حِكْنِيٍّ مِثْلِ "أُكُلٍ خَمْطٍ" فَثَقَّلَ أبُو عَمْرٍو ذَلِكَ وخَفَّفاهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في جَمِيعِ ما ذَكَرْناهُ بِالتَثْقِيلِ.

ويُقالُ: أُكُلٌ وأُكْلٌ بِمَعْنىً، وهو مِن أكَلَ بِمَنزِلَةِ الطُعْمَةِ مِن طَعِمَ، أيِ الشَيْءُ الَّذِي يُطْعَمُ ويُؤْكَلُ، "وَضِعْفَيْنِ" مَعْناهُ: اثْنَيْنِ، مِمّا يُظَنُّ بِها ويُحْزَرُ مِن مِثْلِها، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى مَدْحَ هَذِهِ الرَبْوَةِ بِأنَّها إنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَإنَّ الطَلَّ يَكْفِيها، ويَنُوبُ مَنابَ الوابِلِ، وذَلِكَ لِكَرَمِ الأرْضِ.

والطَلُّ: المُسْتَدِقُّ مِنَ القَطْرِ الخَفِيفُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وهو مَشْهُورُ اللُغَةِ، وقالَ قَوْمٌ: الطَلُّ: النَدى، وهَذا تَجَوُّزٌ وتَشْبِيهٌ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قالَ المُبَرِّدُ: تَقْدِيرُهُ: فَطَلٌّ يَكْفِيها، وقالَ غَيْرُهُ: التَقْدِيرُ: فالَّذِي أصابَها طَلٌّ، فَشَبَّهَ نُمُوَّ نَفَقاتِ هَؤُلاءِ المُخْلِصِينَ الَّذِينَ يُرْبِي اللهُ صَدَقاتِهِمْ كَتَرْبِيَةِ الفَلُوِّ والفَصِيلِ حَسَبَ الحَدِيثِ بِنُمُوِّ نَباتِ هَذِهِ الجَنَّةِ بِالرَبْوَةِ المَوْصُوفَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِخِلافِ الصَفْوانِ الَّذِي انْكَشَفَ عنهُ تُرابُهُ فَبَقِيَ صَلْدًا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، كَأنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الناسَ أجْمَعْ، أو يُرِيدُ المُنافِقِينَ فَقَطْ، فَهو وعْدٌ مَحْضٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف مثل الذين ينفقون أموالهم في مرضاة الله على مَثَل الذي ينفق ماله رئاء الناس، لزيادة بيان ما بين المرتبتين مِن البَوْن وتأكيداً للثناء على المنفقين بإخلاص، وتفنّناً في التمثيل.

فإنّه قد مثَّله فيما سلف بحبَّة أنبتت سبع سنابل، ومثّله فيما سلف تمثيلاً غير كثيرِ التركيب لتحصل السرعة بتخيّل مضاعفة الثواب، فلما مَثَّل حال المنفق رِئاءً بالتمثيل الذي مضى أعيد تمثيل حال المنفق ابتغاء مرضاة الله بما هو أعجب في حسن التخيُّل؛ فإنّ الأمثال تبهج السامع كلّما كانت أكثر تركيباً وضمّنت الهيأة المشبّه بها أحوالاً حسنة تكسبها حُسناً ليسري ذلك التحسين إلى المشبَّه، وهذا من جملة مقاصد التشبيه.

وانتصب ﴿ ابتغاء مرضاة الله وتثبيتاً ﴾ على الحال بتأويل المصدر بالوصف، أي مبتغين مرضاة الله ومثَبِّتين من أنفسهم.

ولا يحسن نصبهما على المفعول له، أما قوله «ابتغاء» فلأن مفاد الابتغاء هو مفاد اللام التي ينتصب المفعول لأجله بإضمارها، لأنّ يؤول إلى معنى لأجل طلبهم مرضاة الله، وأما قوله «وتثبيتاً» فلأنّ حكمَهُ حكم ما عطف هو عليه.

والتثبيت تحقيق الشيء وترسيخه، وهو تمثيل يجوز أن يكون لكبح النفس عن التشكّك والتردّد، أي أنّهم يمنعون أنفسهم من التردّد في الإنفاق في وجوه البر ولا يتْركون مجالاً لخواطر الشحّ، وهذا من قولهم ثبت قدمه أي لم يتردّد ولم ينكص، فإنّ إراضة النفس على فعل ما يشُق عليها لها أثر في رسوخ الأعمال حتى تعتاد الفضائل وتصير لها ديدناً.

وإنفاق المال من أعظم ما ترسخ به الطاعة في النفس لأنّ المال ليس أمراً هيناً على النفس، وتكون «من» على هذا الوجه للتبعيض، لكنه تبعيض مجازي باعتبار الأحوال، أي تثبيتاً لبعض أحوال النفس.

وموقع (من) هذه في الكلام يدل على الاستنزال والاقتصاد في تعلّق الفعل، بحَيْث لا يطلب تسلّط الفعل على جميع ذات المفعول بل يُكتفى ببعض المفعول، والمقصود الترغيب في تحصيل الفعل والاستدراج إلى تحصيله، وظاهر كلام «الكشاف» يقتضي أنّه جعل التبعيض فيها حقيقياً.

ويجوز أن يكون تثبيتاً تمثيلاً للتصديق أي تصديقاً لوعد الله وإخلاصاً في الدين ليخالف حال المنافقين؛ فإنّ امتثال الأحكام الشاقة لا يكون إلاّ عن تصديق للآمر بها، أي يدُلُّون على تثبيت من أنفسهم.

و (مِنْ) على هذا الوجه ابتدائية، أي تصديقاً صادراً من أنفسهم.

ويجيء على الوجه الأول في تفسير التثبيت معنى أخلاقي جليل أشار إليه الفخر، وهو ما تقرر في الحكمة الخُلُقية أن تكرّر الأفعال هو الذي يوجب حصول الملكة الفاضلة في النفس، بحيث تنساق عقب حصولها إلى الكمالات باختيارها، وبلا كلفة ولا ضجر.

فالإيمان يأمر بالصدقة وأفعال البر، والذي يأتي تلك المأمورات يثبِّت نفسه بأخلاق الإيمان، وعلى هذا الوجه تصير الآية تحْريضاً على تكرير الإنفاق.

ومُثِّل هذا الإنفاق بجنّة بربوة إلخ، ووجه الشبه هو الهيأة الحاصلة من مجموع أشياء تكامل بها تضعيف المنفعة، فالهيأة المشبّهة هي النفقة التي حفّ بها طلب رضي الله والتصديقُ بوعده فضوعفت أضعافاً كثيرة أو دونها في الكثرة، والهيأة المشبّهة بها هي هيأة الجنّة الطيّبة المكان التي جاءها التهتَان فزكا ثمرُها وتزايد فأكملت الثمرة، أو أصابها طلّ فكانت دون ذلك.

والجنّة مكان من الأرض ذو شجر كثير بحيث يجِنّ أي يستر الكائن فيه فاسمها مشتقّ من جنَّ إذا ستر، وأكثر ما تطلق الجنّة في كلامهم على ذات الشجر المثمر المختَلف الأصناف، فأما ما كان مغروساً نخيلاً بحتاً فإنّما يسمى حائطاً.

والمشتهر في بلاد العرب من الشجر المثمر غير النخيل هو الكرم وثمره العنب أشهر الثمار في بلادهم بعد التمر، فقد كان الغالبَ على بلاد اليمن والطائف.

ومن ثمارهم الرمّان، فإن كان النخل معها قيل لها جنّة أيضاً كما في الآية التي بعد هذه.

ومما يدل على أنّ الجنّة لا يراد بها حائطُ النخل قوله تعالى في [سورة الأنعام: 141] ﴿ وهوَ الذي أنشأ جناتتٍ معْروشات وغير معْروشات والنّخل والزرع ﴾ فعطف النخل على الجنّات، وذكر العريش وهو مما يجعل للكرم، هذا ما يستخلص من كلام علماء اللغة.

وقد حصل من تمثيل حال الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله بحبّة ثم بجنّة جناس مصحَّف.

والربوة بضم الراء وفتحها مكان من الأرض مرتفع دون الجُبيل.

وقرأ جمهور العشرة بربوة بضم الراء وقرأه ابن عامر وعاصم بفتح الراء.

وتخصيص الجنة بأنّها في ربوة لأنّ أشجار الربى تكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً فكان لهذا القيد فائدتان إحداهما قوة وجه الشبه كما أفاده قول ضعفين}، والثانية تحسين المشبّه به الراجع إلى تحسين المشبّه في تخيّل السامع.

والأكل بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف أيضاً، وقد قيل إن كل فُعْل في كلام العرب فهو مخفف فُعُل كعُنْق وفُلْك وحُمْق، وهو في الأصل ما يؤكل وشاع في ثمار الشجر قال تعالى: ﴿ بجناتهم جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ ﴾ [سبإ: 16] وقال: ﴿ تؤتى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ [إبراهيم: 25]، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب «أُكْلها» بسكون الكاف، وقرأه ابن عامر وحمزة وعاصم والكسائي وخلف بضم الكاف.

وقوله: «ضِعفين» التثنية فيه لمجرد التكرير مثل لَبَّيْك أي آتت أكلها مضاعفاً على تفاوتها.

وقوله: ﴿ فإن لم يُصبها وابل فطل ﴾ ، أي فإن لم يصبها مطر غزير كفاها مطر قليل فآتت أكلها دون الضعفين.

والمعنى أن الإنفاق لابتغاء مرضاة الله له ثواب عظيم، وهو مع ذلك متفاوت على تفاوت مقدار الإخلاص في الابتغاء والتثبيت كما تتفاوت أحوال الجنات الزكية في مقدار زكائها ولكنها لا تخيب صاحبها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في نُصْرَةِ أهْلِ دِينِهِ مِنَ المُجاهِدِينَ.

والثّانِي: في مَعُونَةِ أهْلِ طاعَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

﴿ وَتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: تَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ بِقُوَّةِ اليَقِينِ، والنُّصْرَةِ في الدِّينِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الشَّعْبِيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَتَثَبَّتُونَ أيْنَ يَضَعُونَ صَدَقاتِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: يَعْنِي احْتِسابًا لِأنْفُسِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: تَوْطِينًا لِأنْفُسِهِمْ عَلى الثُّبُوتِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.

﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ في الرَّبْوَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: هي المَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ: المُسْتَوِي في ارْتِفاعِهِ.

والثّانِي: كُلُّ ما ارْتَفَعَ عَنْ مَسِيلِ الماءِ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

﴿ أصابَها وابِلٌ ﴾ في الوابِلِ وجْهانِ: أحَدُهُما: المَطَرُ الشَّدِيدُ.

والثّانِي: الكَثِيرُ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: قَلِيلٌ لَها مِنِّي وإنْ سَخِطَتْ بِأنْ أقُولَ سُقِيتَ سُقِيتَ الوابِلَ الغَدِقا ﴿ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ ﴾ وإنَّما خَصَّ الرَّبْوَةَ لِأنَّ نَبْتَها أحْسَنُ، ورِيعَها أكْثَرُ، قالَ الأعْشى: ما رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ∗∗∗ خَضْراءُ جادَ عَلَيْها مُسْبِلٌ هَطِلُ والأُكُلُ، بِالضَّمِّ: الطَّعامُ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤْكَلَ.

وَمَعْنى ضِعْفَيْنِ: مِثْلَيْنِ، لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ مِثْلُهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وضِعْفاهُ: مِثْلاهُ زائِدًا عَلَيْهِ، وقِيلَ: ضِعْفُ الشَّيْءِ مِثْلاهُ، والأوَّلُ قَوْلُ الجُمْهُورِ.

﴿ فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ الطَّلُّ: النَّدى، وهو دُونَ المَطَرِ، والعَرَبُ تَقُولُ: الطَّلُّ أحَدُ المَطَرَيْنِ، وزَرْعُ الطَّلِّ أضْعَفُ مِن زَرْعِ المَطَرِ وأقَلُّ رِيعًا، وفِيهِ - وإنْ قَلَّ - تَماسُكٌ ونَفْعٌ، فَأرادَ بِهَذا ضَرْبَ المَثَلِ أنَّ كَثِيرَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ المَطَرِ كَثِيرُ النَّفْعِ، وقَلِيلَ البِرِّ مِثْلُ زَرْعِ الطَّلِّ قَلِيلُ النَّفْعِ، ولا تَدَعْ قَلِيلَ البِرِّ إذا لَمْ تَفْعَلْ كَثِيرَهُ، كَما لا تَدَعْ زَرْعَ الطَّلِّ إذا لَمْ تَقْدِرْ عَلى زَرْعِ المَطَرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن.

وأخرج عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ ابتغاء مرضاة الله ﴾ قال: احتساباً.

وأخرج عن الحسن قال: لا يريدون سمعة ولا رياء.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الشعبي ﴿ وتثبيتا من أنفسهم ﴾ قال: تصديقاً ويقيناً.

وأخرج ابن جرير عن أبي صالح ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قال: يقيناً من عند أنفسهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ﴿ وتثبيتاً ﴾ قال: يتثبتون أين يضعون أموالهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن قال: كان الرجل إذا هم بصدقة تثبت، فإن كان لله أمضى، وإن خالطه شيء من الرياء أمسك.

وأخرج ابن المنذر عن قتادة ﴿ و تثبيتاً من أنفسهم ﴾ قال: النية.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس أنه كان يقرأها ﴿ بربوة ﴾ بكسر الراء، والربوة النشز من الأرض.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الربوة، الأرض المستوية المرتفعة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ جنة بربوة ﴾ قال: المكان المرتفع الذي لا تجري فيه الأنهار.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ أصابها وابل ﴾ قال: أصاب الجنة المطر.

وأخرج عن عطاء الخراساني قال: الوابل الجود من المطر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ قال: أضعفت في ثمرها.

وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ يقول: كما ضعفت ثمر تلك الجنة فكذلك تضاعف لهذا المنفق ضعفين.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فطل ﴾ قال: ندى.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فطل ﴾ قال: طش.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك قال: الطل.

الرذاذ من المطر، يعني اللين منه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة قال: هذا مثل ضربه الله لعمل المؤمن، يقول: ليس لخيره خلف كما ليس لخير هذه الجنة خلف على أي حال كان، إن أصابها وابل وإن أصابها طل.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ قال: تلك أرض مصر إن أصابها طل زكت، وإن أصابها وابل أضعفت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ الآية.

هذا مثل ضربه الله عز وجل لمن ينفق، يريد ما عند الله ولا يمن ولا يؤذي، وقوله (١) ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ أي: مثل نفقتهم أو إنفاقهم، فحذف المضاف كقولهم: يا خيل الله اركبي (٢) وقوله تعالى: ﴿ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ قال الزجاج: أي: وينفقونها مقرين بأنها مما يثيب الله عليها (٣) فعلى هذا يكون المعنى: وتثبيتًا من أنفسهم لثوابها، يعني: أنهم أيقنوا أن الله يثيب عليها فيثبتوا (٤) (٥) فقال السدي (٦) (٧) (٨) وقال الشعبي (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ (١٥) (١٦) قال الأخفش والذي نختاره: رُبْوَةٌ بالضم (١٧) (١٨) ما رَوْضَةٌ (مِنْ رِياضِ) (١٩) (٢٠) فخص رياض الحزن (٢١) (٢٢) (٢٣) وقوله تعالى: ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ وهو أشد المطر.

﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ الأُكُل: ما يؤكل، قال الله تعالى: ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ  ﴾ أي: ثمرتها وما يؤكل منها، فالأُكُلُ في المعنى مثل الطُعمة، تقول: جعلته أُكْلًا له، كما تقول جعلته له (٢٤) (٢٥) فما أُكْلَةٌ إن نِلْتُها بغَنِيمَة ...

ولا جَوْعةٌ إن جُعْتُها بغَرام (٢٦) وقال أبو زيد: يقال: إنه (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) قال المفسرون: الأُكل: المراد به الثمر.

وقوله تعالى: ﴿ ضِعْفَيْنِ ﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد: حملت في سنة من الريع ما يحمل غيرها في سنتين (٣٢) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ أي: فالذي يُصِيبها طَلٌّ، وهو المطر اللِّينُ الصغارُ القَطْر، يقال: طَلَّت السماء تَطُلُّ طَلًّا فهي طَلَّة، وطُلَّتِ الأرض فهي مَطْلُولة، وروضة طَلَّةٌ نَدِيَّة، وتقول العرب في الدعاء: رحُبَت عليك الأرض وطُلَّت، بضم الطاء، ومن نصب الطاء أراد: وطَلَّت عليك السماء (٣٣) فإن قيل: كيف قيل فيما مضى ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ قيل: فيه إضمار المعنى: فإن يكن لم يصبها وابل فطل، ومثله من الكلام: قد أعتقت عبدين، فإن لم أعتق اثنين فواحدًا بقيمتهما، المعنى: إن أكن لم أعتق، قاله الفراء (٣٤) وتم المعنى عند قوله: ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ ثم زاد تأكيدًا وزيادة معنى فقال: ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ ﴾ وأصابها طلٌّ فتلك حالها في الثراء وتضاعف الثمرة لا ينقص بالطل عن مقدارها بالوابل، وفي الكلام إضمار لا يتم المعنى إلا به، كأنه قيل: فإن لم يصبها وابل وأصابها طل فتلك حالها، فحذف لأن الباقي يدل عليه، تقول: كما أن هذه الجنة تثمر في كل حال ولا يخيب صاحبها، قلّ المطر أو كثر، كذلك يضعف (٣٥) (٣٦) (٣٧) (١) في (ي): (فقوله).

(٢) ينظر في إعراب الآية: ما تقدم في قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ ﴾ .

(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 347.

(٤) في (ش) و (ي): (فثبتوا).

(٥) في (ش): (رياء الناس).

(٦) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 520، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1585، وابن الجوزية في "زاد المسير" 1/ 319.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 69.

(٨) ذكره في "النكت والعيون" 1/ 339، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1585، وفي "الوسيط" 1/ 379.

(٩) رواه ابن زنجويه في "الأموال" 3/ 1220، والطبري في "تفسيره" 2/ 69، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 519، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1585، والبغوي في "تفسيره" 1/ 328.

(١٠) ذكره أبو المظفر السمعاني 2/ 428، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1585، والبغوي في "تفسيره" 1/ 328، والواحدي في "الوسيط" 1/ 379.

(١١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1586، والبغوي في "تفسيره" 1/ 328، والرازي 7/ 60.

(١٢) رواه ابن زنجويه في "الأموال" 3/ 1220، والطبري في "تفسيره" 2/ 69، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 520.

(١٣) رواه ابن زنجويه في "الأموال" 3/ 1221، والطبري في "تفسيره" 2/ 70، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 520 بمعناه.

(١٤) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1586.

(١٥) قرأ عاصم وابن عامر (برَبوة) بفتح الراء، وقرأ الباقون بضم الراء.

ينظر "السبعة" 190.

(١٦) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 83، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 184، "غريب القرآن" ص 87، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 348، "الحجة" 2/ 385.

(١٧) نقله عنه في "الحجة" 2/ 385، "المفردات" ص193.

(١٨) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 386.

(١٩) سقطت من (ش).

(٢٠) في (م) و (ي): (الحسن)، وفي (ش): (الحي).

(٢١) في (م): (الحسن)، وفي (ش): (الجون).

(٢٢) البيت في "ديوانه" ص 145، "لسان العرب" 1/ 428 (مادة: ترع)، "تهذيب اللغة" 1/ 435، وينظر: "المعجم المفصل" 6/ 240.

(٢٣) ينظر في ربو: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 348، "تهذيب اللغة" 2/ 1334، "المفردات" 193، "اللسان" 3/ 1573.

(٢٤) (له) سقطت من (م).

(٢٥) من "الحجة" 2/ 394 - 395 بتصرف.

(٢٦) ورد البيت في "تفسير الطبري" 5/ 538، ونسبه محققه إلى أبي مضرس النهدي، ينظر: "تفسير الطبري" 5/ 538، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 395.

(٢٧) في (ي) (له).

(٢٨) في (ي) (ذو).

(٢٩) نقله عنه في "الحجة" 2/ 395.

(٣٠) وفي الآية قراءتان على اللغتين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع بسكون الكاف، وقرأ الباقون بضمها.

ينظر: "السبعة" ص 190، "الحجة" 2/ 394.

(٣١) ينظر في أكل: "تهذيب اللغة"1/ 176 - 177، "الحجة" 2/ 294 - 295، "المفردات" ص 29، "اللسان" 1/ 100 - 103.

(٣٢) ذكره عن عطاء: الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1590، والبغوي في "تفسيره" 1/ 328، وفي "الوسيط" 1/ 379، وفي بعض نسخ الثعلبي في "تفسيره": سنين بدل سنتين.

(٣٣) ينظر في طلل: "معاني القران" للزجاج 1/ 348، "تهذيب اللغة" 3/ 2212، "المفردات" ص309، "اللسان" 5/ 2696 - 2698.

(٣٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 178، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 312.

(٣٥) في (ش): (يضاعف).

(٣٦) في (م): (أو).

(٣٧) الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1592، "البحر المحيط" 2/ 313.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ﴾ هو ردّ السائل بجميل من القول: كالدعاء له والتأنيس ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه جفاء، وقيل: مغفرة من الله لسبب الردّ الجميل، والمعنى: تفضيل عدم العطاء إذا كان بقول معروف ومغفرة، على العطاء الذي يتبعه أذى ﴿ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم ﴾ عقيدة أهل السنة أن السيئات لا تبطل الحسنات؛ فقالوا في هذه الآية: إنّ الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذي لا تقبل منه، وقيل: إنّ المن والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة، فلذلك بطلت صدقته ﴿ كالذي يُنْفِقُ ﴾ تمثيل لمن يمنّ ويؤذي بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن ﴿ فَمَثَلُهُ ﴾ أي مثل المرائي في نفقته كحجر عليه تراب؛ يظنه من يراه أرضاً منبتة طيبة، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب، فيبقى الحجر لا منفعه فيه، فكذلك المرائي يظن أن له أجراً، فإذا كان يوم القيامة انكشف سره ولم تنفعه نفقته ﴿ صَفْوَانٍ ﴾ حجر كبير ﴿ وَابِلٌ ﴾ مطر كثير ﴿ صَلْداً ﴾ أملس ﴿ يَقْدِرُونَ ﴾ أي لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ أي تيقناً وتحقيقاً للثواب لأن أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم لها بصائر تحملهم على الإنفاق، ويحتمل أن يكون معنى التثبيت أنهم؛ يثبتون أنفسهم على الإيمان باحتمال المشقة في بذلك المال، وانتصاب ﴿ ابتغآء ﴾ على المصدر في موضع الحال وعطف عليه ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ ، ولا يصح في تثبيتاً أن يكون مفعولاً من أجله، لأن الإنفاق ليس من أجل التثبيت فامتنع ذلك في المعطوف عليه وهو ابتغاء ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ﴾ تقديره: كمثل صاحب حبة أو يقدر ولا مثل نفقة الذي ينفقون ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ لأن ارتفاع موضع الجنة أطيب لتربتها وهوائها ﴿ فَطَلٌّ ﴾ الطل الرقيق الخفيف، فالمعنى يكفي هذه الجنة لكرم أرضها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.

﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.

الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.

الباقون بالهمزة.

﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.

الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.

الباقون بالتاء للخطاب.

الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟

﴿ تتفكرون ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.

قال القاضي في كيفية النظم: إنه  لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة  ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.

وعن الأصم أنه  ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي  ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.

وقيل: إنه  لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.

قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.

وسبيل الله دينه.

فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.

والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.

ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.

وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.

وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.

﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.

﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.

ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر  ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.

وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.

وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.

وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.

ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم  ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.

ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.

﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.

ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً  ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.

ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.

احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.

الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟

﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.

وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.

ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟

﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.

ثم إنه  ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه  شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.

وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.

والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.

وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله  ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.

وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.

فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.

وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.

ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟

وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.

وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم  ﴾ .

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.

وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.

وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم  ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله  لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.

وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.

قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.

وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.

ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.

والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.

وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.

قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.

واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله  ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت  ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.

وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.

ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.

ثم إنه  رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.

قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله  الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.

الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.

والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.

قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر  ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل  ﴾ .

ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.

وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.

وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟

فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.

التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .

فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.

رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر  ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.

﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال  ﴾ .

ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال  " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.

وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.

لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.

" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.

﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.

﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.

﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله  كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.

ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.

جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

المن والأذى: ما ذكرنا.

ثم جهة البطلان - والله أعلم - أن الله عز وجل وعد لمن تصدق الثواب عليها، بقوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً  ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ...

﴾ الآية [التوبة: 111].

وإن كانت تلك الأموال في الحقيقة له أعطاهم الثواب على ذلك، فأخبر أن من أعطى آخر شيئاً ببدل لا يمن عليه، كالمبادلات التي تجري بين الناس، ألا يكون لبعض على بعض جهة المنّ، إذا أخذ بدل ما أعطاه، وأن يقال: إن الأموال كلها لله  ، فإنما أعطى ماله، كل من أعطى ماله آخر لا يستوجب ذلك حمداً ولا مَنّاً.

ثم اختلف في قوله  : ﴿ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ ﴾ : قال بعضهم: هم المنافقون، كانوا ينفقون أموالهم رياء.

دليله قوله  : ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، شبه الصدقة التي فيها (مَنٌّ) و(أذىً) بالصدقة التي فيها رياء.

وذلك - والله أعلم - أن الصدقة التي فيها (من) و(أذى) لم يبتغ بها وجه الله، فكان كالصدقة التي ينفقها للزيادة لا يبتغي بها وجه الله  [وقال آخرون: كل صدقة فيها رياء فلذلك، كافراً كان منفقها أو مسلماً؛ لأنها لم يُبتغَ فيها وجه الله  ] والدار الآخرة.

ثم ضرب المثل للصدقة المبتغي بها الرياء، والصدقة التي فيها المن والأذى بالصفوان الذي عليه التراب: وهو الحجر الأملس، فقال: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ .

قيل: (الوابل) هو المطر الشديد عظيم القدر.

وفي ضرب الأمثال تعريف ما غاب عن الأبصار بما هو محسوس؛ وذلك أن الصفوان الذي به ضرب المثل، والتراب محسوس، ومن التراب جعل الأغذية للخلق والدواب.

ثم الثواب الذي وعد للصدقة ليس بمحسوس، بل هو غائب، فعرف الغائب بالمحسوس.

فقال: لما كان التراب الذي به تكون الأغذية يذهب بالمطر الشديد حتى لا يبقى له أثر، فكذلك الثواب الذي يكون للصدقة يذهب ويتلاشى حتى لا يُظفر بها بالمن والأذى والرياء، كما أذهب المطر التراب الذي على الصفوان، فصار صلداً، لا شيء عليه من التراب.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

قالت المعتزلة: لا يهدي القوم الكافرين بكفرهم الذي اختاروا.

وقلنا نحن: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ويهديهم وقت اختيارهم الإيمان.

وفي قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ﴾ ، وجه آخر، هو أن يحتمل قوله: ﴿ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، هذه التسبيحات والثناء والحمد، ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ ، ستر ما ارتكب من المأثم.

وقوله: ﴿ خَيْرٌ ﴾ ، أي أحب على البذل من صدقة يتبعها أذى.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

في الأمثال التي ضربها الله  وذكرها في القرآن وجوه: أحدها: جواز قياس ما غاب من الحكم عن المنصوص بالمنصوص إذا جمعهما معنى واحد.

والثاني: أن علوم المحسوسات والمشاهدات هي علوم الحقائق، وهي الأصول التي بها يستدل ويوصل إلى معرفة الغائب.

والثالث: فيها إثبات رسالة محمد، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وذلك أن العرب كانت لا تضرب الأمثال، ولا كانت تعرفها في أمر التوحيد وتعريف ما غاب عن حواسهم من أمر القيامة ونحو ذلك.

ثم بعث الله  محمداً  ، وأنزل عليه القرآن، وذكر فيه الأمثال؛ ليذكرهم تلك الأمثال ليعلموا أنه إنما عرفها بالله عز وجل، لا أنه أنشأ هذا القرآن من تلقاء نفسه.

وذلك من آيات نبوته ورسالته.

وعلى ذلك جعل عدم الكتابة وإنشاء الشعر من آيات نبوته ورسالته؛ لأن من عادة العرب إنشاء الشعر والكتابة، ويفضلون أربابها على غيرهم؛ لئلا يعرف هو بها، ويقولون: إنه أخذ من الكتب، أو اختلق من نفسه، كقوله  : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ  ﴾ .

والرابع: فيها دلالة أن الله - جل وعلا - خالق الدنيا وما فيها من المحاسن والخبائث، والأعالي والخسائس، حيث ضرب مثل الرفيع وبالرفيع والخسيس بالخسيس؛ فدل أن خالق هذه الأشياء كلها هو الله  ، لا شريك له ولا شبيه.

ثم شبه الصدقة التي هي لله - عز وجل - مرة بالربوة من الأرض: وهي المرتفعة منها، ومرة بالحبة التي تنبت كذا كذا سنبلة، وفي كل سنبلة كذا كذا حبة، ومرة بالأضعاف المضاعفة؛ كقوله: ﴿ فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً  ﴾ .

فهو - والله أعلم - لما علم عز وجل رغبة الناس مرة في العدد في الدنيا، ومرة في البساتين المرتفعة أرضها وتربتها ليشرفوا على غيرهم من الخلائق والبقاع، ومرة في الكثير من الأشياء والعظيم منها رغبهم عز وجل في الصدقة بما ذكرنا من الأشياء لعلمه برغبتهم فيها، ليرغبوا في ذلك.

والله أعلم.

وعلى ذلك حرم الله  الصدقات على رسول الله  ؛ لأنه كان يرغب الناس في الصدقة؛ لئلا يظنوا فيه ظن السوء ويقولون: إنه إنما يرغبهم فيها لينتفع هو بها.

وقوله  : ﴿ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ اخلتف فيه: قيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ : تصديقا، كقوله  : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ  وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ  ﴾ .

وقيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ ، أي: تيقينا بالإسلام.

وقيل: يثبتون في مواضع الصدقة.

وقيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ في الصدقة، إذا كانت لله أمضى وتصدق بها، وإن خالطه شيء أمسك.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ .

قيل: الربوة: المرتفع من الأرض.

وقيل: الربوة: الظاهر المستوي من المكان.

وقوله  : ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ .

والوابل: قد ذكرنا أنه المطر الشديد العظيم القطر.

وقوله  : ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ ، يعني الحجة أضعفت في ثمرها في الحمل ضعفين حين أصابها وابل.

كذلك الذي ينفق ماله لله في غير منه يمن بها يضاعف نفقتها، كثرت النفقة أو قلت.

وقيل: يضاعف الله للمنفق الأجر مرتين.

وقوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ .

والطل، هو المطر الضعيف.

وقيل: هو الطش من المطر.

وقيل: هو الرذاذ من المطر مثل الندى، لا تزال الحبة خضراء دائماً ثمرها، قل أو كثر.

وقوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .

ليس لهذا الخطاب جواب؛ لأن جوابه أن يقول: يود، أو لا يود.

لكن الخطاب من الله  يخرج على وجوه ثلاثة: خطاب يفهم مراده وقت قرعه السمع.

وخطاب لا يفهم مراده إلا بعد النظر فيه والتفكر والتدبر، وهو كقوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ ، وكقوله عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ  ﴾ .

وخطاب لا يفهم مراده إلا بالسؤال عنه رسول الله  ، أو من له علم في ذلك؛ كقوله  : ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً  ﴾ ، وكقوله  : ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

فإذا كان ما ذكرنا، فيحتمل أن ما ترك من الجواب للخطاب إنما ترك للطلب والبحث عنه والتفحص.

ثم إن هذا الخطاب يحتمل أن يكون في أهل النفاق؛ وذلك أن المنافق يرى من نفسه الموافقة لأهل الإسلام في الظاهر، وهو مخالف لهم في السر، وعنده أنه يستحق الثواب بذلك وقت الثواب، كان كصاحب الضيعة التي ذكرت في الآية: أن صاحبها يغرس فيها الغرس، وينبت فيها النبات في حال شبابه وقوته؛ رجاء أن يصل إلى الانتفاع بها في وقت الحاجة والضعف، فإذا بلغ ذلك واحتاج - حيل بينه وبين الانتفاع فيها.

فكذلك المنافق الذي كان دينه لمنافع في الدنيا وسعة لها، إذا بلغ إلى وقت الحاجة حرم ذلك.

وكذلك هذا في الكافر؛ لأنه رأى لنفسه النفع بعمله لوقت تأمله كصاحب الضيعة، ثم عند بلوغه الحاجة حرم عنه ذلك لا عتراض ما اعترض من الآفة، وهو كقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً  ﴾ ؛ لأن الكافر بما يدين من الدين إنما يدين لنفع يتأمله في الدنيا، والمؤمن إنما يدين بما يدين لنفع يتأمله ويطمع في الآخرة.

فرجاء الكافر في غير موضعه؛ لذلك كان ما ذكر.

والله أعلم.

ثم الأمثال التي ضربت ينتفع بها المؤمنون؛ لأن نظرهم ما في الأمثال من المعنى المدرج والمودع فيها، لم ينظروا إلى أعينها.

وأما الكفار إنما ينظرون إلى أعين الأمثال، لا إلى ما فيها، فاستحقروها واستبعدت عقولهم ذلك؛ لذلك قال الله - عز وجل -: ﴿ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ  ﴾ .

ووجه ضرب هذا المثل: هو أن الكافر يحرم أجره عند أفقر وأحوج ما كان إليه، كما حرم هذا نفع بستانه عند أفقر وأحوج ما كان إليه حين كبرت سنه وضعفت قوته، ولا حيلة له يومئذ.

وقوله  : ﴿ إِعْصَارٌ ﴾ .

قال ابن عباس: الإعصار: ريح فيها سموم.

وقيل: الإعصار: ريح فيها نار تحرق الأشجار.

وقيل: هي الريح تسطع إلى السماء، وهي أشد.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ...

﴾ الآية: فمعناه - والله أعلم - أن يكون ألا يود أحد أن تكون له جنة ينال منافعها في وقت قوته وغناه بقوته عنها وبغيرها من وجوه المعاش، ثم يحرم نفعها لوقت الحاجة إليها بضعف بدنه وارتكاب مؤن الذرية، فكذلك لا ترضوا من أنفسكم في وقت قوتها وغناها الغفلة عنها لوقت حاجتها إلى الأعمال والاضطرار إلى ثوابها.

والله أعلم.

وأن يكون المعنى من ذلك أي: لا تغتروا بظاهر أحوالكم في الدنيا، وبما تنالون من النافع بالذي أظهرتم من موافقة المؤمنين، كاغترار من ذكرت بجنسه في خاص ما عليه حاله إلى أن صار إلى ما أراه الله من عاقبته أنه يود عنه نهاية ذلك، أن لم يكن منه الاغترار في ذلك، ولكن كان قيامه على ما لا يضيع عنه ذلك بتلك الحال؛ فيخرج ذا على ضرب المثل للمنافق.

ويحتمل: أن يكون ذلك مثلاً لمن كفر بمحمد  ممن يؤمن بالبعث، أن الذي ينال بالكفر به من الرياسة والعز، كالذي ذكر من صاحب الجنة أنه لا يود ذلك الابتداء بما يعلم تلك العاقبة؛ فكذا ما ينبغي لهم إذ بين لهم عواقب الكفر بمحمد  أن يؤثروا الذي نالوا بعد علمهم بشدة تلك العاقبة.

والله أعلم.

والمثل خرج على غير ذلك الجواب فيه؛ لما قد جرى له البيان لعلمه بالمبعوث مبيناً أو بما في الحال التي لها نزول الآية دليل التعريف، أو بما أراد الله امتحان السامعين بالتأمل في الآية لينال كل ذي عقل فضله، وليكرم به أهل التدبر في أياته في صرف وجوه من دونهم إليهم في الصدور عن آرائهم والاعتماد على إشارتهم.

والله أعلم.

وجملة ذلك: أن أفعال ذوي الاختيار تكون للعواقب، وما إليه مرجع الفاعل مقصود في الابتداء، فبين لمن غفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك، ليكون سروره بما يحمد عاقبته.

فعلى هذا الأمر: الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها صاحبها.

والله الموفق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومثل المؤمنين الذين يبذلون أموالهم طلبًا لرضوان الله، مطمئنةً أنفسُهم بصدق وعد الله غيرَ مكرهة، كمثل بستان على مكان مرتفع طيب، أصابه مطر غزير، فأنتج ثمرًا مضاعفًا، فان لم يصبه مطر غزير أصابه مطر خفيف فاكتفى به لطيب أرضه، وكذلك نففات المخلصين يقبلها الله ويضاعف أجرها وإن كانت قليلة، والله بما تعملون بصير، فلا يخفى عليه حال المخلصين والمرائين، وسيجازي كلا بما يستحق.

<div class="verse-tafsir" id="91.P7m52"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن النية الصالحة في الإنفاق كالوابل للجنة فيها تكون النفقة نافعة للناس لأن أصحابها يتحرون فيضعون نفقتهم موضع الحاجة لا يبذرون بغير روية.

وأراد بالطل: أن أمثال هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم لأن رحمة قلوبهم لا يغور معينها فإن لم تصبه بوابل من عطائها لم يفته طله فهم كالجنة التي لا يخشى عليها اليبس والزوال.

﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ  ﴾ الآية...

الاستفهام لإنكار وقوع أن يود الإنسان لو تكون له جنة معظم شجرها الكرم والنخل اللذان هما أجمل الشجر وأنفعه، كثيرة المياه، حاوية لأنواع من الثمرات الكثيرة، قد نيطت بها آماله، ورجا أن ينتفع بها عياله، ويصيبه الكبر الذي يقعده عن الكسب في حال كثرة ذريته وضعفهم عن أن يقوموا بشأنه وشأنهم، حتى لا يبقى له ولا لهم مورد للرزق غير هذه الجنة، وبينما هو كذلك إذا بالجنة قد أصابها الاعصار، فأحرقها بما فيه من سموم النار.

وقد اختلف في تفسير ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ  ﴾ مع كون الجنة من نخيل وأعناب، فقال بعضهم: إن المراد بالثمرات هنا المنافع.

وقيل: المعنى له فيها رزق من كل الثمرات، على حد: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ  ﴾ ، أي ما منا أحد إلا له إلخ...

وقيل: إن ﴿ مِنْ  ﴾ بمعنى بعض...

والحق أننا إذا التفتنا عن قواعد النحو الوضعية، ولم نلتزم تعليلاتها وتدقيقاتها الفلسفية، وكسرنا قيود سيبويه والخليل، أمكننا أن نفهم العبارة من غير تقدير ولا تأويل، فالعربي الصريح، الذي طبع على القول الفصيح، لا يفهم من قولك: عندي من كل شيء، أو: لي في بستاني من كل ثمر، إلا أنك تريد أن لك حظًا من كل شيء وسهمًا من كل ثمر، لا يحتاج في ذلك إلى تقدر قول محذوف، ونظر غير مألوف، وهذا هو الصواب، فطبق عليه، ولا تطبقه على قواعد الإعراب.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله