الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٦٦ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 113 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٦٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إبراهيم بن موسى ، حدثنا هشام هو ابن يوسف عن ابن جريج : سمعت عبد الله بن أبي مليكة ، يحدث عن ابن عباس ، وسمعت أخاه أبا بكر بن أبي مليكة يحدث عن عبيد بن عمير قال : قال عمر بن الخطاب يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فيمن ترون هذه الآية نزلت : ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ) ؟
قالوا : الله أعلم .
فغضب عمر فقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم .
فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين .
فقال عمر : يا ابن أخي ، قل ولا تحقر نفسك .
فقال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل .
قال عمر : أي عمل ؟
قال ابن عباس : لعمل .
قال عمر : لرجل غني يعمل بطاعة الله .
ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله .
ثم رواه البخاري ، عن الحسن بن محمد الزعفراني ، عن حجاج بن محمد الأعور ، عن ابن جريج ، فذكره .
وهو من أفراد البخاري ، رحمه الله .
وفي هذا الحديث كفاية في تفسير هذه الآية ، وتبيين ما فيها من المثل بعمل من أحسن العمل أولا ثم بعد ذلك انعكس سيره ، فبدل الحسنات بالسيئات ، عياذا بالله من ذلك ، فأبطل بعمله الثاني ما أسلفه فيما تقدم من الصالح واحتاج إلى شيء من الأول في أضيق الأحوال ، فلم يحصل له منه شيء ، وخانه أحوج ما كان إليه ، ولهذا قال تعالى : ( وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار ) وهو الريح الشديد ( فيه نار فاحترقت ) أي : أحرق ثمارها وأباد أشجارها ، فأي حال يكون حاله .
وقد روى ابن أبي حاتم ، من طريق العوفي ، عن ابن عباس قال : ضرب الله له مثلا حسنا ، وكل أمثاله حسن ، قال : ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات ) يقول : ضيعه في شيبته ( وأصابه الكبر ) وولده وذريته ضعاف عند آخر عمره ، فجاءه إعصار فيه نار فأحرق بستانه ، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله ، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه ، وكذلك الكافر يوم القيامة ، إذ رد إلى الله عز وجل ، ليس له خير فيستعتب ، كما ليس لهذا قوة فيغرس مثل بستانه ، ولا يجده قدم لنفسه خيرا يعود عليه ، كما لم يغن عن هذا ولده ، وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه ، كما حرم هذا جنة الله عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته .
وهكذا ، روى الحاكم في مستدركه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه : " اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقضاء عمري " ; ولهذا قال تعالى : ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ) أي : تعتبرون وتفهمون الأمثال والمعاني ، وتنزلونها على المراد منها ، كما قال تعالى : ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) [ العنكبوت : 43 ] .
القول في تأويل قوله : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ قال أبو جعفر: ومعنى ذلك: (20) .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا =( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها &; 5-542 &; من كل الثمرات وأصَابه الكبر)، الآية.
(21) * * * ومعنى قوله: ( أيود أحدكم )، أيحب أحدكم، (22) .
أن تكون له جنة - يعني بستانًا (23) .
=( من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار )، يعني: من تحت الجنة =(وله فيها من كل الثمرات )، و " الهاء " في قوله: ( له ) عائدة على " أحد ", و " الهاء " و " الألف " في: ( فيها ) على الجنة,( وأصابه )، يعني: وأصاب أحدكم =( الكبر وله ذريه ضعفاء ).
* * * وإنما جعل جل ثناؤه البستانَ من النخيل والأعناب = الذي قال جل ثناؤه لعباده المؤمنين: أيود أحدكم أن تكون له = (24) .
مثلا لنفقة المنافق التي ينفقها رياء الناس, لا ابتغاء مرضاة الله, فالناس -بما يظهر لهم من صدقته, وإعطائه لما يعطى وعمله الظاهر - يثنون عليه ويحمدونه بعمله ذلك أيام حياته = (25) .
في حسنه كحسن البستان وهي الجنة التي ضربها الله عز وجل لعمله مثلا (26) .
من نخيل وأعناب, له فيها من كل الثمرات, لأن عمله ذلك الذي يعمله في الظاهر في الدنيا, له فيه من كل خير من عاجل الدنيا, يدفع به عن نفسه ودمه وماله وذريته, ويكتسب به المحمَدة وحسن الثناء عند الناس, ويأخذ به سهمه من المغنم مع أشياء كثيرة يكثر إحصاؤها, فله في ذلك من كل خير في الدنيا, كما وصف جل ثناؤه الجنة التي وصف مثلا لعمله, بأن فيها من كل الثمرات.
(27) .
* * * &; 5-543 &; ثم قال جل ثناؤه: ( وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء)، يعني أنّ صاحب الجنة أصابه الكبر =( وله ذرية ضعفاء ) صغارٌ أطفال = (28) .( فأصابها ) يعني: فأصاب الجنة -( إعصار فيه نار فاحترقت )، يعني بذلك أنّ جنته تلك أحرقتها الريح التي فيها النار، في حال حاجته إليها, وضرورته إلى ثمرتها بكبره، وضعفه عن عمارتها, وفي حال صغر ولده وعجزه عن إحيائها والقيام عليها.
فبقي لا شيء له، أحوج ما كان إلى جنته وثمارها، بالآفة التي أصابتها من الإعصار الذي فيه النار.
يقول: فكذلك المنفق ماله رياء الناس, أطفأ الله نوره, وأذهب بهاء عمله, وأحبط أجره حتى لقيه, وعاد إليه أحوج ما كان إلى عمله, حين لا مُسْتَعْتَبَ له، (29) .
ولا إقالة من ذنوبه ولا توبة, واضمحل عمله كما احترقت الجنة التي وصف جل ثناؤه صفتها عند كبر صاحبها وطفولة ذريته أحوجَ ما كان إليها فبطلت منافعها عنه.
* * * وهذا المثل الذي ضربه الله للمنفقين أموالهم رياء الناس في هذه الآية، نظير المثل الآخر الذي ضربه لهم بقوله: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا .
* * * قال أبو جعفر: وقد تنازع أهل التأويل في تأويل هذه الآية, إلا أن معاني قولهم في ذلك وإن اختلفت تصاريفهم فيها عائدةٌ إلى المعنى الذي قلنا في ذلك, وأحسنهم إبانة لمعناها وأقربهم إلى الصواب قولا فيها السدي.
&; 5-544 &; 6091 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: ( أيود أحدكم أن تكون له جنةٌ من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ) هذا مثل آخر لنفقة الرياء.
إنه ينفق ماله يرائي الناس به, فيذهب ماله منه وهو يرائي, فلا يأجره الله فيه.
فإذا كان يوم القيامة واحتاجَ إلى نفقته, وجدها قد أحرقها الرياء, فذهبت كما أنفق هذا الرجل على جنته, حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سَموم فأحرقت جنته, فلم يجد منها شيئًا.
(30) .
فكذلك المنفق رياء.
6092 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله عز وجل: ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ) كمثل المفرِّط في طاعة الله حتى يموت.
قال، يقول: أيود أحدكم أن يكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله, كمثل هذا الذي له جنات تجري من تحتها الأنهار,( له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصارٌ فيه نار فاحترقت ), فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير, لا يغني عنها شيئًا, وولده صغار لا يغنون عنها شيئًا, وكذلك المفرِّط بعد الموت كل شيء عليه حَسْرة.
6093 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.
6094 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن عبد الملك, عن عطاء, قال: سأل عُمر الناس عن هذه الآية فما وجد أحدًا يشفيه, حتى قال ابن عباس وهو خلفه: يا أمير المؤمنين، إنِّي أجد في نفسي منها شيئًا, قال: فتلفت إليه, فقال: تحوَّل ههنا، لم تحقّر نفسك؟
قال: هذا مثل ضربه الله عز وجل &; 5-545 &; فقال: أيودُّ أحدكم أن يعمل عمره بعمل أهل الخير وأهل السعادة, حتى إذا كان أحوجَ ما يكون إلى أن يختمه بخير حين فني عمره, واقترب أجله, ختم ذلك بعمل من عمل أهل الشقاء، فأفسده كله فحرقه أحوج ما كان إليه.
6095 - حدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي، عن محمد بن سليم، عن ابن أبي مليكة: أن عمر تلا هذه الآية: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب "، قال: هذا مثل ضرب للإنسان: يعمل عملا صالحًا، حتى إذا كان عنده آخر عمره أحوجَ ما يكون إليه، عمل عمل السوء.
(31) .
6096 - حدثني المثنى، قال: حدثنا سويد، قال: أخبرنا ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: سمعت أبا بكر بن أبي مليكة يخبر عن عبيد بن عمير أنه سمعه يقول: سأل عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: فيم تَرَون أنـزلت: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب " ؟
فقالوا: الله أعلم.
فغضب عمر فقال: قولوا: " نعلم " أو " لا نعلم ".
فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء، يا أمير المؤمنين.
فقال عمر: قل يا ابن أخي، ولا تحقِّر نفسك!
قال ابن عباس: ضربت مثلا لعمل.
قال عمر: أي عمل؟
قال: لعمل.
فقال عمر: رجل عنيٌّ يعمل الحسنات، ثم بعث الله له الشيطان، فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها= قال: وسمعت عبد الله بن أبي مليكة يحدث نحو هذا عن ابن عباس، سمعه منه.
(32) .
&; 5-546 &; 6097 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سمعت أبا بكر بن أبي مليكة يخبر أنه سمع عبيد بن عمير= قال: ابن جريج: وسمعت عبد الله بن أبي مليكة، قال: سمعت ابن عباس= قالا جميعًا: إن عمر بن الخطاب سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه= إلا أنه قال عمر: للرجل يعمل بالحسنات، ثم يُبعث له الشيطان فيعمل بالمعاصي.
(33) .
6098 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عنها= ثم قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد= قالا ضربت مثلا للأعمال = قال ابن جريج: وقال ابن عباس: ضربت مثلا للعمل، يبدأ فيعمل عملا صالحًا، فيكون مثلا للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات - ثم يسيء في آخر عمره، فيتمادى على الإساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الإعصار الذي فيه النار التي أحرقت الجنة، مثلا لإساءته التي مات وهو عليها.
قال ابن عباس: الجنة عيشُه وعيش ولده فاحترقت، فلم يستطع أن يدفع عن جنته من أجل كبره، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن جنتهم من أجل صغرهم حتى احترقت.
يقول: هذا مثله، تلقاه وهو أفقر ما كان إليّ، فلا يجد له عندي شيئًا، (34) ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئًا، ولا يستطيع من كبره وصغر أولاده أن يعملوا جنة، (35) كذلك لا توبة إذا انقطع العمل حين مات= قال &; 5-547 &; ابن جريج، عن مجاهد: سمعت ابن عباس قال: هو مثل المفرِّط في طاعة الله حتى يموت = قال ابن جريج، وقال مجاهد: أيود أحدكم أن تكون له دنيا لا يعمل فيها بطاعة الله، كمثل هذا الذي له جنة ؟
فمثله بعد موته كمثل هذا حين أحرقت جنته وهو كبير لا يغني عنها شيئًا، (36) وأولاده صغار ولا يغنون عنه شيئًا.
وكذلك المفرِّط بعد الموت، كل شيء عليه حسرة.
6099 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار " الآية، يقول: أصابها ريح فيها سموم شديدة (37) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ،: فهذا مثلٌ، فاعقلوا عن الله جل وعز أمثاله، فإنه قال: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [سورة العنكبوت: 43]، هذا رجل كبرت سنه، ورَقَّ عظمه، وكثر عياله، (38) ثم احترقت جنته على بقية ذلك، كأحوج ما يكون إليه، يقول: أيحب أحدكم أن يضلَّ عنه عمله يوم القيامة كأحوج ما يكون إليه؟
6100 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " أيود أحدكم أن تكون له جنةٌ" إلى قوله: " فاحترقت " يقول: فذهبت جنته كأحوج ما كان إليها حين كبرت سِنُّه وضعُف عن الكسب=" وله ذرية ضعفاء " لا ينفعونه.
قال: وكان الحسن يقول: " فاحترقت " فذهبت أحوجَ ما كان إليها، فذلك قوله: أيود أحدكم أن يذهب عمله أحوجَ &; 5-548 &; ما كان إليه؟
6101 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ضرب الله مثلا حسنًا، وكل أمثاله حسنٌ تبارك وتعالى.
وقال قال: (39) " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل " إلى قوله: " فيها من كل الثمرات " يقول: صنعه في شبيبته، فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون عليه.
وكذلك الكافر يوم القيامة، إذا رُدّ إلى الله تعالى ليس له خيرٌ فيستعتب، (40) كما ليس له قوة فيغرس مثل بستانه، (41) ولا يجد خيرًا قدم لنفسه يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده، وحُرِم أجره عند أفقرِ ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.
وهو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر فيما أوتيا في الدنيا: كيف نجَّى المؤمنَ في الآخرة، وذخر له من الكرامة والنعيم، وخزَن عنه المال في الدنيا، وبسط للكافر في الدنيا من المال ما هو منقطعٌ، وخزَن له من الشر ما ليس بمفارقه أبدًا، ويخلد فيها مهانًا، من أجل أنه [ فخر على صاحبه] ووثق بما عنده، (42) ولم يستيقن أنه ملاق ربه.
(43) .
&; 5-549 &; 6102 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " أيود أحدكم أن تكون له جنة "، الآية، قال: [هذا مثل ضربه الله]: أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب [ له فيها من كل الثمرات]، والرجل [قد كبر سنه وضعف]، وله أولاد صغار [وابتلاهم الله] في جنتهم، (44) فبعث الله عليها إعصارًا فيه نار فاحترقت، (45) فلم يستطع الرجل أن يدفع عن جنته من الكبر، (46) ولا ولده لصغرهم، فذهبت جنته أحوجَ ما كان إليها.
يقول: أيحب أحدكم أن يعيش في الضلالة والمعاصي حتى يأتيه الموت، فيجيء يوم القيامة قد ضلّ عنه عمله أحوجَ ما كان إليه؟
فيقول: ابن آدم، أتيتني أحوجَ ما كنت قطُّ إلى خير، فأين ما قدمت لنفسك؟
6103 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: وقرأ قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى ، ثم ضرب ذلك مثلا فقال: " أيود أحدكم أن تكون له جنّة من نخيل وأعناب "، حتى بلغ " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ".
قال: جرت أنهارها وثمارها، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت.
أيودُّ أحدكم هذا؟
كما يتجمَّل أحدكم إذ يخرُج من صدقته ونفقته، (47) حتى إذا كان له عندي جنّة وجرت أنهارها وثمارها، &; 5-550 &; وكانت لولده وولد ولده أصابها ريح إعصار فحرقها.
6104 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار "، رجل غرس بستانًا فيه من كل الثمرات، فأصابه الكبر، وله ذرية ضعفاء، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، فلا يستطيع أن يدفع عن بستانه من كبره، ولم يستطع ذريته أن يدفعوا عن بستانه، فذهبت معيشته ومعيشة ذريته.
فهذا مثل ضربه الله للكافر، يقول: يلقاني يوم القيامة وهو أحوج ما يكون إلى خير يصيبه، فلا يجد له عندي خيرًا، ولا يستطيع أن يدفع عن نفسه من عذاب الله شيئًا.
* * * قال أبو جعفر: وإنما دللنا أن الذي هو أولى بتأويل ذلك ما ذكرناه، لأن الله جل ثناؤه تقدَّم إلى عباده المؤمنين بالنهي عن المنّ والأذى في صدقاتهم، ثم ضرب مثلا لمن منَّ وآذى من تصدق عليه بصدقة، فمثَّله بالمرائي من المنافقين المنفقين أموالهم رئاء الناس.
وكانت قصة هذه الآية وما قبلها من المثل، نظيرةَ ما ضرب لهم من المثل قبلها، فكان إلحاقُها بنظيرتها أولى من حمل تأويلها على أنه مثلُ ما لم يَجر له ذكر قبلها ولا معها.
(48) * * * فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: " وأصابه الكبر "، وهو فعل ماض، فعطف به على قوله: " أيود أحدكم "؟
قيل: إن ذلك كذلك، لأن قوله: " أيود "، يصح أن يوضع فيه " لو " مكان " أن " فلما صلحت ب " لو " و " أن " ومعناهما جميعًا الاستقبال، استجازت العرب أن &; 5-551 &; يردّوا " فعل " بتأويل " لو " على " يفعل " مع " أن " (49) فلذلك قال: " فأصابها "، وهو في مذهبه بمنـزلة " لو "، إذْ ضارعت " أن " في معنى الجزاء، فوضعت في مواضعها، وأجيبت " أن " بجواب " لو " و " لو " بجواب " أن "، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة من نخيل وأعناب، تجري من تحتها الأنهار، له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر؟
(50) .
فإن قال: وكيف قيل ههنا: " وله ذرية ضعفاء "، وقال في [النساء:9]، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا ؟
قيل: لأن " فعيلا " يجمع على " فعلاء " و " فِعال "، فيقال: " رجل ظريف من قوم ظرفاء وظراف ".
* * * وأما " الإعصار "، فإنه الريح العاصف، تهب من الأرض إلى السماء كأنها عمود، تجمع " أعاصير "، ومنه قول يزيد بن مفرغ الحميري: أُنَــاسٌ أَجَارُونَــا فَكَـانَ جِـوارُهُمْ أَعَـاصِيرَ مِـنْ فَسْـوِ العِـرَاقِ المُبَذَّرِ (51) * * * &; 5-552 &; قال أبو جعفر: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: " إعصار فيه نار فاحترقت " .
فقال بعضهم: معنى ذلك: ريح فيها سموم شديدةٌ.
* ذكر من قال ذلك: 6105 - حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يوسف بن خالد السمتي، قال: حدثنا نافع بن مالك، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله: " إعصار فيه نار "، ريح فيها سموم شديدةٌ.
6106 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن عطية، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس في: " إعصارٌ فيه نار "، قال: السموم الحارة التي خلق منها الجانّ، التي تحرق.
&; 5-553 &; 6107 - حدثنا أحمد (52) قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت "، قال: هي السموم الحارة التي لا تبقى أحدًا.
(53) .
6108 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: " إعصار فيه نار فاحترقت " التي تقتل.
6109 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عمن ذكره، عن ابن عباس، قال: إن السموم التي خلق منها الجان جزء من سبعين جزءًا من النار.
6110 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إعصار فيه نار فاحترقت "، هي ريح فيها سموم شديدٌ.
6111 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: " إعصار فيه نار "، قال: سموم شديد.
6112 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " إعصار فيه نار "، يقول: أصابها ريح فيها سموم شديدة.
6113 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، نحوه.
6114 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن &; 5-554 &; السدي: " إعصار فيه نار فاحترقت " أما الإعصار فالريح، وأما النار فالسموم.
6115 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: " إعصار فيه نار "، يقول: ريح فيها سموم شديد.
* * * وقال آخرون: هي ريح فيها برد شديد.
* ذكر من قال ذلك: 6116 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، قال: كان الحسن يقول في قوله: " إعصار فيه نار فاحترقت "، فيها صِرٌّ وبرد.
(54) 6117 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: " إعصار فيه نار فاحترقت "، يعني بالإعصار، ريح فيها بَرْدٌ.
* * * القول في تأويل قوله : كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: كما بيَّن لكم ربُّكم تبارك وتعالى أمَر النفقة في سبيله، وكيف وجْهُها، وما لكم وما ليس لكم فعله فيها = كذلك يبين لكم الآيات سوى ذلك، فيعرّفكم أحكامها وحلالها وحرامها، ويوضح لكم حُججها، إنعامًا منه بذلك عليكم =" لعلكم تتفكرون "، يقول: لتتفكروا بعقولكم، فتتدبّروا وتعتبروا بحجج الله فيها، وتعملوا بما فيها من أحكامها، فتطيعوا الله به.
* * * وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
&; 5-555 &; * ذكر من قال ذلك: 6118 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا الثوري، قال: قال مجاهد: " لعلكم تتفكرون " قال: تطيعون.
6119 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون " يعني في زوال الدنيا وفنائها، وإقبال الآخرة وبقائها.
------------ (20) في المطبوعة : "يعنى تعالى ذكره" .
لا أدرى لم غيره الطابع .
(21) يعنى أبو جعفر : أن هذه الآية ، مردودة على الآية السابقة التي ساقها .
(22) انظر تفسير"ود" فيما سلف 2 : 470 .
(23) انظر تفسير"جنة" فيما سلف قريبا : 535 تعليق : 1 ، ومراجعه .
(24) وضعت هذا الرقم على هذه المواضع جميعًا لكي أبين سياق هذه الجملة المتراكبة ، وهذا سياقها ، وما بين ذلك فصول متتابعة : "وإنما جعل ثناؤه البستان...
مثلا لنفقة المنافق...
في حسنه كحسن البستان وهي الجنة...
من نخيل وأعناب..." .
(25) وضعت هذا الرقم على هذه المواضع جميعا لكي أبين سياق هذه الجملة المتراكبة ، وهذا سياقها ، وما بين ذلك فصول متتابعة : "وإنما جعل ثناؤه البستان...
مثلا لنفقة المنافق...
في حسنه كحسن البستان وهي الجنة...
من نخيل وأعناب..." .
(26) وضعت هذا الرقم علىهذه المواضع جميعا لكي أبين سياق هذه الجملة المتراكبة ، وهذا سياقها ، وما بين ذلك فصول متتابعة : "وإنما جعل ثناؤه البستان...
مثلا لنفقة المنافق...
في حسنه كحسن البستان وهي الجنة...
من نخيل وأعناب..." .
(27) في المطبوعة والمخطوطة : "بعمله" والصواب ما أثبت ، وسياق الجملة : "كما وصف جل ثناؤه الجنة ، ...
بأن فيها من كل الثمرات" .
(28) قد مضت"ذرية" فيما سلف 3 : 19 ، 73 ، ولم يفسرها .
وذلك من اختصاره لتفسيره كما بينا في مقدمة الجزء الأول ، وكما جاء في ترجمته .
(29) لا مستعتب : أي لا استقالة ولا استدراك ولا استرضاء لله تعالى : من قولهم : "استعتبت فلانًا" أي استقلت مما فعلت ، وطلبت رضاه ، ورجعت عن الإساءة إليه .
(30) في المخطوطة : "ريح فيها سمره" الهاء الأخيرة متصلة بالراء ، ولم أجد لها وجها ، والذي في المطبوعة ، هو ما في الدر المنثور 1 : 340 ، وفي سائر الآثار الأخرى .
(31) الأثر : 6095 -"محمد بن سليم المكي أبو عثمان" .
روي عن ابن أبي مليكة ، قال الحافظ ابن حجر : "ولم أر له رواية عن غيره" .
روى عنه وكيع بن الجراح ، وعبد الله بن داود الخريبي ، وأبو عاصم النبيل .
مترجم في التهذيب .
وهذا الأثر أشار إليه في الفتح 8 : 151 في كلامه عن الأثر : 6096 .
(32) الأثر : 6096 -رواه البخاري من طريق هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، وأشار الحافظ في الفتح 8 : 151 ، إلى رواية الطبري له من طريق ابن المبارك ، عن ابن جريج .
وكان في المطبوعة : "رحل عنى" مهملة ، والصواب ما أثبت من المراجع .
وانظر التعليق التالي .
(33) الأثر : 6097 -رواه الحاكم في المستدرك 2 : 283 ، وأشار إليه الحافظ في الفتح 8 : 151 وهو مكرر الذي قبله .
وسلقه الحاكم بلفظة وقال"وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي .
(34) في المطبوعة : "تلقاه" ، وفي المخطوطة "للعال" مصحفة مضطربة الخط ، وهذا صواب قراءتها .
(35) في المخطوطة : "من كبره وصغره أن يعملوا جنته" ، وما في المطبوعة أشبه بالصواب .
(36) في المطبوعة : "حين أحرقت جنته" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(37) في المطبوعة : "سموم شديدة" ، و"السموم" مذكر ، ويؤنث ، لمعنى الريح الحارة .
(38) في المخطوطة والمطبوعة : "دق عظمه" ، والصواب بالراء ، وفي حديث عثمان : "كبرت سني ، ورق عظمي" ، وقولهم : "رق عظم فلان" ، أي كبر وضعف .
والرقق (بفتحتين) .
ضعف العظام ، قال الشاعر في ناقته: خَطَّـارَةٌ بَعْـدَ غِـبّ الجَـهْدِ نَاجِيـةٌ لـم تَلْـقَ فِـي عَظْمِهَـا وَهْنًا وَلا رَقَقَا .
(39) في المخطوطة : "وقال قال أيوب : أيود أحدكم" ، وقوله : "أيوب" لا معنى له هنا ، ليس في هذا الإسناد من اسمه"أيوب" ، ولو كان أيضًا ، لكان سياقًا مضطربًا .
وظاهر أن"أيوب" هي"أيود" ، والناسخ في هذا الموضع قد اضطرب .
كما سترى في التعليق التالي .
وصحته ما جاء في الدر المنثور 1 : 340 ، كما سترى بعد .
(40) كان بين الكلمات في المخطوطة بياض هكذا : "ذرية ضعفاء عمره فجاءه إعصار فيه نار فاحترقت عنده قوة إن نسله خير يعودون الكافر يوم القيامة إذا رد إلى خير فيستعتب"، وهو مع البياض خلط من الكلام !
وأثبت ما في المطبوعة، وهو نص الأثر كما أخرجه السيوطي في الدر المنثور 1: 340 ، ونسبه لابن جرير ، وأبي حاتم .
وابن كثير في التفسير 2: 38، 39 .
(41) في المخطوطة والمطبوعة : "كما ليس له قوة" ، والصواب من الدر المنثور ، وابن كثير .
(42) الذي بين القوسين هو ما ثبت في المطبوعة ، أما المخطوطة فكانت : "من أكل أنه ووثق بما عنده" بياض .
ولم أجد بقية الأثر في المراجع السالفة ، فتركت ما استظهره طابع المطبوعة على حاله .
ولو استظهرته لقلت : "من أجل أنه كفر بلقاء ربه" ، والله أعلم .
(43) الأثر : 6101 -في الدر المنثور 1 : 340 ، وابن كثير 2 : 38 ، 39 ، كما أسلفت .
(44) الذي وضعته بين الأقواس ، هو ما استظهر الطابع في المطبوعة فيما أرجح ، وكان مكانه في المخطوطة بياض .
(45) كان في المخطوطة : "فبعث الله عنها إعصار فيه نار" ، وهو تحريف وخطأ ، وما في المطبوعة أشبه بالصواب .
(46) في المخطوطة : "من الكفر" .
وهو خطأ بين .
(47) في المطبوعة"فما يحمل" ، وفي المخطوطة"كما يحمل" ، ثم فيهما جميعًا : "أن يخرج" ، وهو كلام لا مفهوم له .
واستظهرت قراءاتها كذلك ، لأن الذي يخرج نفقته رئاء الناس ، إنما يتجمل بذلك عندهم .
وهذا هو الصواب سياق الأثر .
والمخطوطة كما تبين من التعليقات السالفة ، فاسدة كل الفساد من اضطراب كتابة الناسخ ، ومن عجلته ، أو عجزه عن قراءة النسخة التي نقل عنها .
(48) انظر ما قاله القرطبي في تفسيره 3 : 318 ، في رد اختيار ابن جرير في تفسيره .
ومذهب ابن جرير أوثق وأضبط في البيان ، وفي الاستدلال .
(49) أي : أن يردوا الفعل الماضي بتأويل"لو" على الفعل المضارع مع"أن" .
(50) هذا نص مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 175 ، وقد استوفى الباب هناك .
وانظر ما سلف في جواب"لو" بالماضي من الفعل 2 : 458 /3 : 184 ، 185 ، والتعليق هناك .
(51) تاريخ الطبري 6 : 178 ، والأغاني 17 : 178 : وسيأتي في التفسير 15 : 53 مصحفًا أيضًا : "من فسق العراق المبذر" .
والبيت في المطبوعة والمخطوطة هنا : "من سوء العراق المنذر" ، وهو كلام بلا معنى ، ولكنى رأيت شارحًا شرحه على ذلك ، فأشهد الله كاد يقتلني من فرط الضحك !
وهو من أبيات ثلاثة قالها ابن مفرغ في خبره مع بن زياد ، حين هجاه ، وهجا معاوية بن أبي سفيان (وانظر ما سلف 4 : 293 وتعليق : 2) وفارق عبادًا مقبلًا إلى البصرة ، فطاف بأشرافها من قريش يسجير بهم ، فما كان منهم إلا الوعد ، ثم أتي المنذر بن الجارود (من عبد القيس) فأجاره وأدخله داره ، ووشى الوشاة به إلى عبيد الله بن زيادة أنه دار المنذر .
وكان المنذر في مجلس عبيد الله ، فلم يشعر إلى بابن مفرغ قد أقيم على رأسه ، فقام المنذر فقال : أيها الأمير ، قد أجرته!
فقال : يا منذر ، واله يمدحنك وأباك ويهجوني أنا وأبي ، ثم تجيره على !
فأمر به فسقى دواء وحمل على حمار يطاف به وهو يسلح في ثيابه من جراء الدواء ، فقال عندئذ لعبيد الله بن زياد: يَغْسِـلُ المَـاءُ مَـا صَنَعْـتَ وَقَـولِي راَسِـخٌ مِنْـكَ فِـي العِظَـامِ البَـوالِى ثم هجا المنذر بن الجارود فقال: تَــرَكْتُ قُرَيْشًــا أَنْ أُجَـاوِرَ فِيهـمُ وَجَـاورْتُ عبـدَ القَيْس أَهْـلَ المُشَقَّرِ أُنــاسٌ أَجَارُونَــا فَكَـانَ جِـوَارُهُمْ أَعَـاصِيرَ مِـنْ فَسْـوِ العِـرَاقِ المبَذَّرِ فَـأَصْبَحَ جَـارِي مِـنْ جَذِيمـةَ نَائمًـا ولا يمنَــعُ الجِـيرَانَ غَـيْرُ المُشَـمِّرِ وقوله : "من فسو العراق" ، وذلك أن عبد القيس ونبي حنيفة وغيرهم من أهل البحرين وما جاورها ، كانوا يعيرون بالفسو ، لأن بلادهم بلاد نخل فيأكلونه ، ويحدث في أجوافهم الرياح والقراقير .
والمبذر : من التبذير ، وهو الإسراف في المال وتشتيه وتفريقه .
وهذه صفة قد انتزعها ابن مفرغ أحسن انتزاع في هذا الموضع ، فجعلت سخرتته بالمنذر بن الجارود ، ألذع ما تكون ، مع روعة قوله : "أعاصير"!!
قد جاء الأخطل بعد ذلك فهجا ابنه أيضًا مالك بن المنذر بن الجارود ، فقال له: وَعَبْـــدُ القَيْسِ مُصْفَــرٌ لِحَاهَــا كَــأَنَّ فُسَــاءَهَا قِطَــعُ الضَّبَـابِ!!
فبلغ منه ما بلغ!!
، وانظر طبقات فحول الشعراء : 298 ، 299 ، والتعليق هناك .
(52) في المطبوعة والمخطوطة : "حدثنا حميد" ، والصواب : "أحمد" ، وهو : "أحمد بن إسحق الأهوازي" ، كما سلف مئات من المرات في روايته عن أبي أحمد الزبيري ، فاطلبه في الفهارس ، وانظر الآتي رقم : 6109 .
(53) في المطبوعة حذف قوله : "لا تبقي أحدًا" ، وعلق عليه بقوله : "في بعض النسخ زيادة : "التي لا تضر أحدًا" ، وهي في المخطوطة كذلك ، ولكن الناسخ أفسد الكلمة ، وصوابها كما أثبت : "لا تبقى أحدًا" .
وسيأتي في حديث التميمي عن عباس ، وهو الحديث التالي : "التي تقتل" .
فهذا هذا .
(54) الصر (بكسر الصاد) .
البرد الذي يضرب النبات ويحرقه .
قوله تعالى : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرونقوله تعالى : أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب الآية .
حكى الطبري عن السدي أن هذه الآية مثل آخر لنفقة الرياء ، ورجح هو هذا القول .قلت : وروي عن ابن عباس أيضا قال : هذا مثل ضربه الله للمرائين بالأعمال يبطلها يوم القيامة أحوج ما كان إليها ، كمثل رجل كانت له جنة وله أطفال لا ينفعونه فكبر وأصاب الجنة إعصار أي ريح عاصف فيه نار فاحترقت ففقدها أحوج ما كان إليها .
وحكي عن ابن زيد أنه قرأ قول الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى الآية ، قال : ثم ضرب في ذلك مثلا فقال : أيود أحدكم الآية .
قال ابن عطية : وهذا أبين من الذي رجح الطبري ، وليست هذه الآية بمثل آخر لنفقة الرياء ، هذا هو مقتضى سياق الكلام .
وأما بالمعنى في غير هذا السياق فتشبه حال كل منافق أو كافر عمل عملا وهو يحسب أنه يحسن صنعا فلما جاء إلى وقت الحاجة لم يجد شيئا .قلت : قد روي عن ابن عباس أنها مثل لمن عمل لغير الله من منافق وكافر على ما يأتي ، إلا أن الذي ثبت في البخاري عنه خلاف هذا .
خرج البخاري عن عبيد بن عمير قال : قال [ ص: 290 ] عمر بن الخطاب يوما لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيم ترون هذه الآية نزلت أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ؟
قالوا : الله ورسوله أعلم ، فغضب عمر وقال : قولوا : نعلم أو لا نعلم!
فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، قال : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك ، قال ابن عباس : ضربت مثلا لعمل .
قال عمر : أي عمل ؟
قال ابن عباس : لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله عز وجل له الشيطان فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله .
في رواية : فإذا فني عمره واقترب أجله ختم ذلك بعمل من أعمال الشقاء ، فرضي ذلك عمر .
وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية .
وقال : هذا مثل ضرب للإنسان يعمل عملا صالحا حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء .
قال ابن عطية : فهذا نظر يحمل الآية على كل ما يدخل تحت ألفاظها ، وبنحو ذلك قال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم .
وخص النخيل والأعناب بالذكر لشرفهما وفضلهما على سائر الشجر .
وقرأ الحسن " جنات " بالجمع .
تجري من تحتها الأنهار تقدم ذكره .
له فيها من كل الثمرات يريد ليس شيء من الثمار إلا وهو فيها نابت .قوله تعالى : وأصابه الكبر عطف ماضيا على مستقبل وهو " تكون " وقيل : " يود " فقيل : التقدير وقد أصابه الكبر .
وقيل إنه محمول على المعنى ؛ لأن المعنى أيود أحدكم أن لو كانت له جنة .
وقيل : الواو واو الحال ، وكذا في قوله تعالى ( وله ) .قوله تعالى : فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت قال الحسن : إعصار فيه نار ريح فيها برد شديد .
الزجاج : الإعصار في اللغة الريح الشديدة التي تهب من الأرض إلى السماء كالعمود ، وهي التي يقال لها : الزوبعة .
قال الجوهري : الزوبعة رئيس من رؤساء الجن ، ومنه سمي الإعصار زوبعة .
ويقال : أم زوبعة ، وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنها عمود .
وقيل : الإعصار ريح تثير سحابا ذا رعد وبرق .
المهدوي : قيل لها إعصار لأنها تلتف كالثوب إذا عصر .
ابن عطية : وهذا ضعيف .قلت : بل هو صحيح ؛ لأنه المشاهد المحسوس ، فإنه يصعد عمودا ملتفا .
وقيل : إنما قيل للريح إعصار ؛ لأنه يعصر السحاب ، والسحاب معصرات إما لأنها حوامل فهي كالمعصر من [ ص: 291 ] النساء .
وإما لأنها تنعصر بالرياح .
وحكى ابن سيده : أن المعصرات فسرها قوم بالرياح لا بالسحاب .
ابن زيد : الإعصار ريح عاصف وسموم شديدة ، وكذلك قال السدي : الإعصار الريح والنار السموم .
ابن عباس : ريح فيها سموم شديدة .
قال ابن عطية : ويكون ذلك في شدة الحر ويكون في شدة البرد ، وكل ذلك من فيح جهنم ونفسها ، كما تضمن قول النبي صلى الله عليه وسلم : إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم و إن النار اشتكت إلى ربها الحديث .
وروي عن ابن عباس وغيره : ( إن هذا مثل ضربه الله تعالى للكافرين والمنافقين ، كهيئة رجل غرس بستانا فأكثر فيه من الثمر فأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء - يريد صبيانا بنات وغلمانا - فكانت معيشته ومعيشة ذريته من ذلك البستان ، فأرسل الله على بستانه ريحا فيها نار فأحرقته ، ولم يكن عنده قوة فيغرسه ثانية ، ولم يكن عند بنيه خير فيعودون على أبيهم .
وكذلك الكافر والمنافق إذا ورد إلى الله تعالى يوم القيامة ليست له كرة يبعث فيرد ثانية ، كما ليست عند هذا قوة فيغرس بستانه ثانية ، ولم يكن عنده من افتقر إليه عند كبر سنه وضعف ذريته غنى عنه .كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون يريد كي ترجعوا إلى عظمتي وربوبيتي ولا تتخذوا من دوني أولياء .
وقال ابن عباس أيضا : تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها وإقبال الآخرة وبقائها .
وهذا المثل مضروب لمن عمل عملا لوجه الله تعالى من صدقة أو غيرها ثم عمل أعمالا تفسده، فمثله كمثل صاحب هذا البستان الذي فيه من كل الثمرات، وخص منها النخل والعنب لفضلهما وكثرة منافعهما، لكونهما غذاء وقوتا وفاكهة وحلوى، وتلك الجنة فيها الأنهار الجارية التي تسقيها من غير مؤنة، وكان صاحبها قد اغتبط بها وسرته، ثم إنه أصابه الكبر فضعف عن العمل وزاد حرصه، وكان له ذرية ضعفاء ما فيهم معاونة له، بل هم كل عليه، ونفقته ونفقتهم من تلك الجنة، فبينما هو كذلك إذ أصاب تلك الجنة إعصار وهو الريح القوية التي تستدير ثم ترتفع في الجو، وفي ذلك الإعصار نار فاحترقت تلك الجنة، فلا تسأل عما لقي ذلك الذي أصابه الكبر من الهم والغم والحزن، فلو قدر أن الحزن يقتل صاحبه لقتله الحزن، كذلك من عمل عملا لوجه الله فإن أعماله بمنزلة البذر للزروع والثمار، ولا يزال كذلك حتى يحصل له من عمله جنة موصوفة بغاية الحسن والبهاء، وتلك المفسدات التي تفسد الأعمال بمنزلة الإعصار الذي فيه نار، والعبد أحوج ما يكون لعمله إذا مات وكان بحالة لا يقدر معها على العمل، فيجد عمله الذي يؤمل نفعه هباء منثورا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه.
والله سريع الحساب فلو علم الإنسان وتصور هذه الحال وكان له أدنى مسكة من عقل لم يقدم على ما فيه مضرته ونهاية حسرته ولكن ضعف الإيمان والعقل وقلة البصيرة يصير صاحبه إلى هذه الحالة التي لو صدرت من مجنون لا يعقل لكان ذلك عظيما وخطره جسيما، فلهذا أمر تعالى بالتفكر وحثَّ عليه، فقال: { كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون
( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار ) هذه الآية متصلة بقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " [ قوله أيود يعني : أيحب أحدكم أن تكون له جنة أي بستان من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار ] .
( له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء ) أولاد صغار ضعاف عجزة ( فأصابها إعصار ) الريح العاصف التي ترتفع إلى السماء كأنها عمود وجمعه أعاصير ( فيه نار فاحترقت ) هذا مثل ضربه الله لعمل المنافق والمرائي يقول : عمله في حسنه كحسن الجنة ينتفع به كما ينتفع صاحب الجنة بالجنة فإذا كبر أو ضعف وصار له أولاد ضعاف وأصاب جنته إعصار فيه نار فاحترقت فصار أحوج ما يكون إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد هو ما يعود به على أولاده ولا أولاده ما يعودون به عليه فبقوا جميعا متحيرين عجزة لا حيلة بأيديهم كذلك يبطل الله عمل هذا المنافق والمرائي حين لا مغيث لهما ولا توبة ولا إقالة .
قال عبيد بن عمير : قال عمر رضي الله عنه يوما لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : فيمن ترون هذه الآية نزلت ( أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ) قالوا : الله أعلم فغضب عمر رضي الله عنه فقال : قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس رضي الله عنهما : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين فقال عمر رضي الله عنه : ابن أخي قل ولا تحقر نفسك قال ابن عباس رضي الله عنهما : ضربت مثلا لعمل فقال عمر رضي الله عنه : أي عمل؟
فقال ابن عباس رضي الله عنهما : لعمل المرائي قال عمر رضي الله عنه لرجل غني يعمل بطاعة الله بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون )
«أيَوَدُّ» أيحب «أحدكم أن تكون له جنة» بستان «من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها» ثمر «من كل الثمرات و» قد «أصابه الكبر» فضعف من الكبر عن الكسب «وله ذُرِّيةٌ ضعفاء» أولاد صغار لا يقدرون عليه «فأصابها إعصار» ريح شديدة «فيه نار فاحترقت» ففقدها أحوج ما كان إليها وبقي هو وأولاده عجزة متحيرين لا حيلة لهم وهذا تمثيل لنفقة المرائي والمانّ في ذهابها وعدم نفعها أحوج ما يكون إليها في الآخرة والاستفهام بمعنى النفي، وعن ابن عباس هو الرجل عمل بالطاعات ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله «كذلك» كما بين ما ذكر «يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون» فتعتبرون.
أيرغب الواحد منكم أن يكون له بستان فيه النخيل والأعناب، تجري من تحت أشجارِه المياه العذبة، وله فيه من كل ألوان الثمرات، وقد بلغ الكِبَر، ولا يستطيع أن يغرس مثل هذا الغرس، وله أولاد صغار في حاجة إلى هذا البستان وفي هذه الحالة هبَّت عليه ريح شديدة، فيها نار محرقة فأحرقته؛ وهكذا حال غير المخلصين في نفقاتهم، يأتون يوم القيامة ولا حسنة لهم.
وبمثل هذا البيان يبيِّن الله لكم ما ينفعكم؛ كي تتأملوا، فتخلصوا نفقاتكم لله.
ثم ساق القرآن آية كريمة حذر فيها الناس من ارتكاب ما نهى الله عنه وبين فيها كيف أن المن والأذى والرياء وما يشبه ذلك من رذائل يؤدي إلى ذهاب الشيء النافع من بين يدي صاحبه وهو أحوج ما يكون إليه .
استمع إلى القرآن وهو يصور نهاية هذا الإِنسان البائس .( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ .
.
.
)قوله : ( أَيَوَدُّ ) هو من الود بمعنى المحبة الكاملة للشيء وتمنى حصوله ، والاستفهام فيه للإِنكار و ( الإِعصار ) ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كالعمود ، وهي التي يسميها بعض الناس زوبعة .
وسميت إعصاراً لأنها تعصر ما تمر به من الأجسام ، أو تلتف كما يلتف الثوب المعصور .
والريح مؤنثة وكذا سائر أسمائها إلا الإِعصار فإنه مذكر ولذا قيل ( فِيهِ نَارٌ ) أي سموم وصواعق .والمعنى : أيحب أحدكم - أيها المنانون المراءون - أن تكون له جنة معظم شجرها ( مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) تجري من تحت أشجارها ( الأنهار لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات ) النافعة ، والحال أنه قد أصابه الكبر الذي أقعده عن الكسب من غير تلك الحديقة اليانعة ، وله فضلا عن شيخوخته وعجزه ذرية ضعفاء لا يقدرون على العمل ، وبينما هو على هذه الحالة إذا بالجنة ينزل عليها إعصار فيه نار فيحرقها ويدمرها ففقدها صاحبها وهو أحوج ما يكون إليها وبقى هو وأولاده في حالة شديدة من البؤس والحيرة والغم والحسرة لحرمانه من تلك الحديقة التي كانت محط آماله .فالآية الكريمة قد اشتملت على مثل آخر لحالة الذين يبطلون أعمالهم وصدقاتهم بالمن والأذى والرياء ، وغير ذلك من الأفعال القبيحة والصفات السيئة فقد شبه - سبحانه - حال من يعمل الأعمال الحسنة ثم يضم إليها ما يفسدها فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة ذاهبة ، شبه هذ الإِنسان في حسرته وألمه وحزنه بحال ذلك الشيخ الكبير العاجز الذي له ذرية ضعفاء لا يملك سوى حديقة يانعة يعتمد عليها في معاشه هو وأولاده فنزل عليها إعصار فيه نار فأحرقها ودمرها تدميراً .وحذف - سبحانه - حالة المشبه وهو الذي يبطل صدقته بالمن والأذى والرياء وما يشبه ذلك ، لظهورها من المقام .وقد وصف - سبحانه - تلك الجنة بثلاث صفات :وصفها أولا : بأنها من نخيل وأعناب أي معظمها من هذين الجنسين النفيسين اللذين هما أنفع الفواكه وأجملها منظراً .ووصفها ثانياً : بأنها تجري من تحتها الأنهار ، أي تجري من تحت أشجارها الأنهار التي تسر النفس .
وتبهج القلب ، وتزيد في حسن الجنة وبهائها .أما صاحبها فقد وصفه - سبحانه - بأنه قد أصابه الكبر وله ذريه ضعفاء أي أنه في منتهى الاحتياج إليها لكبر سنه وعجزه عن الاكتساب من غيرها ولمسئوليته عن الإنفاق على أولاد صغار لا يعولهم أحد سواه .تلك هي حالة الجنة وحالة صاحبها في احتياجه إليها ، فمادذا حدث بعد ذلك؟
لقد أصابها ( إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت ) فماذا يكون حال هذا الإِنسان الذي أصابه الكبر وله ذرية ضعفاء وهو يرى جنته ومحط أمله قد احترقت وهو في أشد الحاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها؟إن الكلمات لتعجز عن تصوير ما يصيب هذا البائس من غم وهم وحزن وحسرة ، وهو يرى جنته قد احترقت وهو في أشد أوقاته حاجة إلى ظلها وثمارها ومنافعها!؟ولكأن الله - تعالى - يقول للناس بعد هذا التصوير البديع المؤثر : احذروا أن تبطلوا أعمالكم الصالحة بإرتكابكم لما نهى الله عنه ، فلا تجدون لها نفعاً يوم القيامة وأنتم في أشد الحاجة إليها في هذا اليوم العصيب ، لأنكم إذا فعلتم ذلك كان مثلكم في التحسر والحزن كمثل هذا الشيخ الكبير الذي احترقت جنته وهو في أشد الحاجة إليها .وإنه لتصوير قرآني في أسمى درجات البلاغة والتأثير ، وفي أعلى ألوان التأديب والتهذيب .قال القرطبي : روى البخاري عن عبيد بن عمير قال : " قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيم ترون هذه الآية نزلت وهي قوله - تعالى - : ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ) الآية .
قالوا الله أعلم .
فغضب عمر فقال : قولوا نعمل أو لا نعلم فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين ، قال عمر : يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك .
قال ابن عباس : ضربت مثلا لرجل غني عمل بطاعة الله .
ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق عمله .
وروى ابن أبي مليكه أن عمر تلا هذه الآية وقال : هذا مثل ضربه الله للإِنسان يعمل عملا صالحاً حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل العمل السيء " .ثم ختم - سبحانه - هذه الآية بقوله : ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) .أي : كما يبين الله في هذه الآية ما يهديكم وينفعكم يبين لكم آياته وهداياته في سائر أمور دينكم لكي تتفكروا فيما يصلحكم ، وتعملوا ما يرضى خالقكم .
اعلم أن هذا مثل آخر ذكره الله تعالى في حق من يتبع إنفاقه بالمن والأذى، والمعنى أن يكون للإنسان جنّة في غاية الحسن والنهاية، كثيرة النفع، وكان الإنسان في غاية العجز عن الكسب وفي غاية شدة الحاجة، وكما أن الإنسان كذلك فله ذرية أيضاً في غاية الحاجة، وفي غاية العجز، ولا شك أن كونه محتاجاً أو عاجزاً مظنة الشدة والمحنة، وتعلق جمع من المحتاجين العاجزين به زيادة محنة على محنة، فإذا أصبح الإنسان وشاهد تلك الجنة محرقة بالكلية، فانظر كم يكون في قلبه من الغم والحسرة، والمحنة والبلية تارة بسبب أنه ضاع مثل ذلك المملوك الشريف النفيس، وثانياً: بسبب أنه بقي في الحاجة والشدة مع العجز عن الاكتساب واليأس عن أن يدفع إليه أحد شيئاً، وثالثاً: بسبب تعلق غيره به، ومطالبتهم إياه بوجوه النفقة، فكذلك من أنفق لأجل الله، كان ذلك نظيراً للجنة المذكورة وهو يوم القيامة، كذلك الشخص العاجز الذي يكون كل اعتماده في وجوه الانتفاع على تلك الجنة، وأما إذا أعقب إنفاقه بالمن أو بالأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنّة، ويعقب الحسرة والحيرة والندامة فكذا هذا المال المؤذي إذا قدم يوم القيامة، وكان في غاية الاحتياج إلى الانتفاع بثواب عمله، لم يجد هناك شيئاً فيبقى لا محالة في أعظم غم، وفي أكمل حسرة وحيرة، وهذا المثل في غاية الحسن، ونهاية الكمال، ولنذكر ما يتعلق بألفاظ الآية.
أما قوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: الود، هو المحبة الكاملة.
المسألة الثانية: الهمزة في ﴿ أَيَوَدُّ ﴾ استفهام لأجل الإنكار، وإنما قال: ﴿ أَيَوَدُّ ﴾ ولم يقل أيريد لأنا ذكرنا أن المودة هي المحبة التامة ومعلوم أن محبة كل أحد لعدم هذه الحالة محبة كاملة تامة فلما كان الحاصل هو مودة عدم هذه الحالة ذكر هذا اللفظ في جانب الثبوت فقال: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ حصول مثل هذه الحالة تنبيهاً على الإنكار التام، والنفرة البالغة إلى الحد الذي لا مرتبة فوقه.
أما قوله: ﴿ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ فاعلم أن الله تعالى وصف هذه الجنة بصفات ثلاث: الصفة الأول: كونها من نخيل وأعناب، واعلم أن الجنة تكون محتوية على النخيل والأعناب، ولا تكون الجنة من النخيل والأعناب إلا أن بسبب كثرة النخيل والأعناب، صار كأن الجنة إنما تكون من النخيل والأعناب، وإنما خص النخيل والأعناب بالذكر لأنهما أشرف الفواكه ولأنهما أحسن الفواكه مناظر حين تكون باقية على أشجارها.
والصفة الثانية: قوله: ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ ولا شك أن هذا سبب لزيادة الحسن في هذه الجنة.
الصفة الثالثة: قوله: ﴿ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات ﴾ ولا شك أن هذا يكون سبباً لكمال حال هذا البستان فهذه هي الصفات الثلاثة التي وصف الله تعالى هذه الجنة بها، ولا شك أن هذه الجنة تكون في غاية الحسن، لأنها مع هذه الصفات حسنة الرؤية والمنظر كثيرة النفع والريع، ولا تمكن الزيادة في حسن الجنة على ذلك، ثم إنه تعالى بعد ذلك شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة، فقال: ﴿ وَأَصَابَهُ الكبر ﴾ وذلك لأنه إذا صار كبيراً، وعجز عن الاكتساب كثرت جهات حاجاته في مطعمه، وملبسه، ومسكنه، ومن يقوم بخدمته، وتحصيل مصالحه، فإذا تزايدت جهات الحاجات وتناقصت جهات الدخل والكسب، إلا من تلك الجنة، فحينئذ يكون في نهاية الاحتياج إلى تلك الجنة.
فإن قيل: كيف عطف ﴿ وَأَصَابَهُ ﴾ على ﴿ أَيَوَدُّ ﴾ وكيف يجوز عطف الماضي على المستقبل.
قلنا الجواب عنه من وجوه: الأول: قال صاحب الكشاف ﴿ الواو ﴾ للحال لا للعطف، ومعناه ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ حال ما أصابه الكبر ثم إنها تحرق.
والجواب الثاني: قال الفرّاء: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيود أحدكم إن كان له جنّة وأصابه الكبر.
ثم إنه تعالى زاد في بيان احتياج ذلك الإنسان إلى تلك الجنّة فقال: ﴿ وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء ﴾ والمراد من ضعف الذرية: الضعف بسبب الصغر والطفولية، فيصير المعنى أن ذلك الإنسان كان في غاية الضعف والحاجة إلى تلك الجنة بسبب الشيخوخة والكبر، وله ذرية في غاية الضعف والحاجة بسبب الطفولية والصغر.
ثم قال تعالى: ﴿ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت ﴾ والاعصار ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، وهي التي يسميها الناس الزوبعة، وهي ريح في غاية الشدة ومنه قول شاعر: إن كنت ريحاً فقد لاقيت إعصارا *** والمقصود من هذا المثل بيان أنه يحصل في قلب هذا الإنسان من الغم والمحنة والحسرة والحيرة ما لا يعلمه إلا الله، فكذلك من أتى بالأعمال الحسنة، إلا أنه لا يقصد بها وجه الله، بل يقرن بها أموراً تخرجها عن كونها موجبة للثواب، فحين يقدم يوم القيامة وهو حينئذ في غاية الحاجة ونهاية العجز عن الاكتساب عظمت حسرته وتناهت حيرته، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ وقوله: ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً ﴾ .
ثم قال: ﴿ كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات ﴾ أي كما بيّن الله لكم آياته ودلائله في هذا الباب ترغيباً وترهيباً كذلك يبين الله لكم آياته ودلائله في سائر أمور الدين ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أن: لعل، للترجي وهو لا يليق بالله تعالى.
المسألة الثانية: أن المعتزلة تمسكوا به في أنه يدل على أنه تعالى أراد من الكل الإيمان وقد تقدم شرح هاتين الآيتين مراراً.
<div class="verse-tafsir"
الهمزة في ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ للإنكار.
وقرئ: له جنات، وذرية ضعاف.
والإعصار: الريح التي تستدير في الأرض، ثم تسطع نحو السماء كالعمود.
وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله.
فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة، فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهى الجنان وأجمعها للثمار فبلغ الكبر، وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ومنتعشهم، فهلكت بالصاعقة.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عنها الصحابة فقالوا: الله أعلم، فغضب وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس رضي الله عنه: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين.
قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك.
قال: ضربت مثلاً لعمل.
قال: لأي عمل؟
قال: لرجل غني يعمل الحسنات.
ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله كلها.
وعن الحسن رضي الله عنه: هذا مثلٌ قلّ والله يعقله من الناس، شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما كان إلى جنته، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
فإن قلت: كيف قال ﴿ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ ثم قال: ﴿ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات ﴾ قلت: النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع، خصهما بالذكر، وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما، ثم أردفهما ذكر كل الثمرات.
ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها كقوله: ﴿ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ ﴾ [الكهف: 34] بعد قوله: ﴿ جَنَّتَيْنِ مِنْ أعناب وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ ﴾ [الكهف: 32] فإن قلت: علام عطف قوله: ﴿ وَأَصَابَهُ الكبر ﴾ ؟
قلت: الواو للحال لا للعطف.
ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر.
وقيل: يقال: وددت أن يكون كذا ووددت لو كان كذا، فحمل العطف على المعنى، كأنه قيل: أيودّ أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ ﴾ الهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ.
﴿ أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ جَعَلَ الجَنَّةَ مِنهُما مَعَ ما فِيها مِن سائِرِ الأشْجارِ تَغْلِيبًا لَهُما لِشَرَفِهِما وكَثْرَةِ مَنافِعِهِما، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ لِيَدُلَّ عَلى احْتِوائِها عَلى سائِرِ أنْواعِ الأشْجارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ المَنافِعَ.
﴿ وَأصابَهُ الكِبَرُ ﴾ أيْ كِبَرُ السِّنِّ، فَإنَّ الفاقَةَ والعالَةَ في الشَّيْخُوخَةِ أصْعَبُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ حَمْلًا عَلى المَعْنى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَوَدُّ أحَدُكم لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةٌ وأصابَهُ الكِبَرُ.
﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ﴾ صِغارٌ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الكَسْبِ.
﴿ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ ﴾ عَطْفٌ عَلى أصابَهُ، أوْ تَكُونُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.
والإعْصارُ رِيحٌ عاصِفَةٌ تَنْعَكِسُ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ مُسْتَدِيرَةٌ كَعَمُودٍ، والمَعْنى تَمْثِيلُ حالِ مَن يَفْعَلُ الأفْعالَ الحَسَنَةَ ويَضُمُّ إلَيْها ما يُحْبِطُها كَرِياءٍ وإيذاءٍ في الحَسْرَةِ والأسَفِ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلَيْها وجَدَها مُحْبَطَةً بِحالِ مَن هَذا شَأْنُهُ، وأشْبَهَهم بِهِ مَن جالَ بِسِرِّهِ في عالَمِ المَلَكُوتِ، وتَرَقّى بِفِكْرِهِ إلى جَنابِ الجَبَرُوتِ، ثُمَّ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ إلى عالَمِ الزُّورِ والتَفَتَ إلى ما سِوى الحَقِّ وجَعَلَ سَعْيَهُ هَباءَ مَنثُورًا.
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ أيْ تَتَفَكَّرُونَ فِيها فَتَعْتَبِرُونَ بِها.
<div class="verse-tafsir"
وإخلاص الهمزة في {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ} للإنكار أَن تَكُونَ لَهُ {جَنَّةٌ} بستان {مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُ} لصاحب البستان {فِيهَا} في الجنة {مِن كُلّ الثمرات} يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها أو أن النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل الجنة منها وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليباً لهما على غيرهما ثم أردفهما ذكر كل الثمرات {وَأَصَابَهُ الكبر} الواو للحال ومعناه أن تكون له جنة وقدأصابه به الكبر والواو في {وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء} أولاد صغار للحال أيضاً والجملة في موضع الحال من الهاء في أصابه {فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ} ريح تستدير فى الأرض ثم تسطع نحوالسماء كالعمود {فِيهِ} في الإعصار وارتفع {نَّارٌ} بالظرف إذ جرى الظرف وصفاً لإعصار {فاحترقت} الجنة وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء فإذا كان يوم القيامة
البقرة (٢٦٦ _ ٢٧٠)
وجدها محبطة فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم فهلكت بالصاعقة {كذلك} كهذا البيان الذي بين فيما تقدم {يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} في التوحيد والدين {لعلكم تتفكرون} فتنتبهوا
﴿ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ ﴾ أيْ أيُحِبُّ أحَدُكُمْ، وكَذَلِكَ قَرَأ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في رِوايَةٍ عَنْهُ والهَمْزَةُ فِيهِ لِلْإنْكارِ ﴿ أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ وقُرِئَ جَنّاتٌ ﴿ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ ﴾ أيْ كائِنَةٌ مِن هَذَيْنَ الجِنْسَيْنِ النَّفِيسَيْنِ عَلى مَعْنى أنَّهُما الرُّكْنُ والأصْلُ فِيها لا عَلى أنْ لا يَكُونَ فِيها غَيْرُهُما، والنَّخِيلُ قِيلَ: اِسْمُ جَمْعٍ، وقِيلَ: جَمْعُ نَخْلٍ وهو اِسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، وأعْنابٌ جَمْعُ عِنَبَةٍ ويُقالُ عَنْباءُ فَلا يَنْصَرِفُ لِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ وحَيْثُ جاءَ في القُرْآنِ ذِكْرُ هَذَيْنَ الأمْرَيْنِ فَإنَّما يَنُصُّ عَلى النَّخْلِ دُونَ ثَمَرَتِها وعَلى ثَمَرَةِ الكَرْمِ دُونَ شَجَرَتِها ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ النَّخْلَةَ كُلُّها مَنافِعُ ونَعِمَتِ العَمّاتُ، هي أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها، وأعْظَمُ مَنافِعِ الكَرْمِ ثَمَرَتُهُ دُونَ سائِرِهِ، وفي بَعْضِ الآثارِ ولَمْ أجِدْهُ في كِتابٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أتَكْفُرُونَ بِي وأنا خالِقُ العِنَبِ، والجَنَّةُ تُطْلَقُ عَلى الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ المُتَكاثِفَةِ، وعَلى الأرْضِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها، والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ إذْ عَلى الثّانِي يُحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِن تَحْتِ أشْجارِها وكَذا يُحْتاجُ إلى جَعْلِ إسْنادِ الِاحْتِراقِ إلَيْها فِيما سَيَأْتِي مَجازِيًّا؛ والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ صِفَةُ (جَنَّةٍ) أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ حالٌ مِنها لِوَصْفِها بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلُ.
﴿ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ ﴾ الظَّرْفُ الأوَّلُ: في مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ، والثّانِي: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في الخَبَرِ، والثّالِثُ: نَعْتٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ رِزْقٍ أوْ ثَمَرٍ كائِنٍ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، وجُوِّزَ زِيادَةُ (مِن) عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، وحِينَئِذٍ لا يُحْتاجُ إلى القَوْلِ بِحَذْفِ المُبْتَدَأِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ لَيْسَ المُرادُ بِالثَّمَراتِ العُمُومَ بَلْ إنَّما هو الكَثِيرُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المُرادِ مِنَ الثَّمَراتِ المَنافِعَ، وهَذا يَجْعَلُ ذِكْرَ ذَيْنِكَ الجِنْسَيْنِ لِعَدَمِ اِحْتِواءِ الجَنَّةِ عَلى ما سِواهُما، ومِنهم مَن قالَ: إنَّ هَذا مِن ذِكْرِ العامِّ بَعْدَ الخاصِّ لِلتَّتْمِيمِ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ وأصابَهُ الكِبَرُ ﴾ أيْ أثَرٌ فِيهِ عُلُوُّ السِّنِّ والشَّيْخُوخَةُ وهو أبْلَغُ مِن كِبَرٍ، والواوُ لِلْحالِ، والجُمْلَةُ بِتَقْدِيرِ قَدْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ يَوَدُّ أيْ أيَوَدُّ أحَدُكم ذَلِكَ في هَذِهِ الحالِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ شِدَّةِ الحاجَةِ إلى مَنافِعِ تِلْكَ الجَنَّةِ ومُؤْنَةِ العَجْزِ عَنْ تَدارُكِ أسْبابِ المَعاشِ، وقِيلَ: الواوُ لِلْعَطْفِ ووَضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ كَما قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ أُوِّلَ المُضارِعُ بِالماضِي، أيْ لَوْ كانَتْ لَهُ جَنَّةً وأصابَهُ الكِبَرُ، واعْتَرَضَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي دُخُولَ الإصابَةِ في حَيِّزِ التَّمَنِّي ﴿ وأصابَهُ الكِبَرُ ﴾ لا يَتَمَنّاها أحَدٌ، والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وارِدٍ لِما أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلْإنْكارِ فَهو يُنْكِرُ الجَمْعَ بَيْنَهُما ولا يَخْفى ما فِيهِ.
﴿ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في أصابَهُ، أيْ أصابَهُ الكِبَرُ، والحالُ أنَّ لَهُ صِبْيَةً ضُعَفاءَ لا يَقْدِرُونَ عَلى الكَسْبِ وتَرْتِيبِ مَعاشِهِ ومَعاشِهِمْ، والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ كَشُرَكاءَ جَمْعِ شَرِيكٍ، وتَرْكُ التَّعْبِيرِ بِصِغارٍ مَعَ مُقابَلَةِ الكِبَرِ لِأنَّهُ أنْسَبَ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ ضِعافٌ ﴿ فَأصابَها إعْصارٌ ﴾ أيْ رِيحٌ تَسْتَدِيرُ عَلى نَفْسِها وتَكُونُ مِثْلَ المَنارَةِ وتُسَمّى الزَّوْبَعَةَ وهي قَدْ تَكُونُ هابِطَةً وقَدْ تَكُونُ صاعِدَةً، خِلافًا لِما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ البَعْضِ مِن تَخْصِيصِها بِالثّانِيَةِ، وسَبَبُ الأُولى: أنَّهُ إذا اِنْفَصَلَ رِيحٌ مِن سَحابَةٍ وقَصَدَتِ النُّزُولَ فَعارَضَها في طَرِيقِ نُزُولِها قِطْعَةٌ مِنَ السَّحابِ وصَدْمَتْها مِن تَحْتِها ودَفَعَها مِن فَوْقِها سائِرُ الرِّياحِ بَقِيَتْ ما بَيْنَ دافِعَيْنِ دافِعٍ مِنَ العُلُوِّ ودافِعٍ مِنَ السُّفْلِ، فَيَعْرِضُ مِنَ الدَّفْعَيْنِ المُتَمانِعَيْنِ أنْ تَسْتَدِيرَ ورُبَّما زادَها تَعَوُّجُ المَنافِذِ تَلَوِّيًا كَما يَعْرِضُ لِلشَّعْرِ أنْ لا يَتَجَعَّدَ بِسَبَبِ اِلْتِواءِ مَسامِّهِ، وسَبَبُ الثّانِيَةِ: أنَّ المادَّةَ الرِّيحِيَّةَ إذا وصَلَتْ إلى الأرْضِ وقَرَعَتْها قَرْعًا عَنِيفًا ثُمَّ أثْبَتَتْ فَقَلَبَتْها رِيحٌ أُخْرى مِن جِهَتِها اِلْتَوَتْ واسْتَدارَتْ وقَدْ تَحْدُثُ أيْضًا مِن تَلاقِي رِيحَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ ورُبَّما بَلَغَتْ قُوَّتُها إلى حَيْثُ تَقْلَعُ الأشْجارَ وتَخْطِفُ المَراكِبَ مِنَ البَحْرِ، وعَلامَةُ النّازِلَةِ أنْ تَكُونَ لَفائِفًا تَصْعَدُ وتَنْزِلُ مَعًا كالرّاقِصِ، وعَلامَةُ الصّاعِدَةِ أنْ لا يُرى لِلَفائِفِها إلّا الصُّعُودُ وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما بِمَحْضِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ ظاهِرٍ ورُبَّما اِشْتَمَلَ دَوْرُ الزَّوْبَعَةِ عَلى بُخارٍ مُشْتَعِلٍ قَوِيٍّ فَيَكُونُ نارًا تَدُورُ أيْضًا، ولِتَعْيِينِ هَذا النَّوْعُ وُصِفَ الإعْصارُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فِيهِ نارٌ ﴾ وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِاعْتِبارِ التَّذْكِيرِ فِيهِ وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ الهَواءُ إعْصارًا لِأنَّهُ يَلْتَفُّ كَما يَلْتَفُّ الثَّوْبُ المَعْصُورُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَعْصِرُ السَّحابَ أوْ يَعْصِرُ الأجْسامَ المارَّ بِها، والتَّنْوِينُ في النّارِ لِلتَّعْظِيمِ ورُوِيَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّ الإعْصارَ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ مُطْلَقًا وأنَّ المُرادَ مِنَ النّارِ السَّمُومُ وذَكَرَ سُبْحانَهُ الإعْصارَ ووَصَفَهُ بِما ذَكَرَ، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى ذِكْرِ النّارِ كَأنْ يُقالَ فَأصابَها نارٌ ﴿ فاحْتَرَقَتْ ﴾ لِما في تِلْكَ الجُمْلَةِ مِنَ البَلاغَةِ ما فِيها لِمَن دَقَّقَ النَّظَرَ، والفِعْلُ المَقْرُونُ بِالفاءِ عُطِفَ عَلى ﴿ أصابَها ﴾ وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ أيْ فَأحْرَقَها فاحْتَرَقَتْ، وهَذا كَما رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ تَمْثِيلُ حالِ مَن يُنْفِقُ ويَضُمُّ إلى إنْفاقِهِ ما يُحْبِطُهُ في الحَسْرَةِ والأسَفِ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ واشْتَدَّتْ حاجَتُهُ إلى ذَلِكَ ووَجَدَهُ هَباءً مَنثُورًا بِحالِ مَن هَذا شَأْنُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى ما وجَدْتُ أحَدًا يَشْفِينِي عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: (أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ) الخ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنِّي أجِدُ في نَفْسِي مِنها فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَلِمَ تُحَقِّرُ نَفْسَكَ؟!
فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَكُونَ عُمْرَهُ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ وأهْلِ السَّعادَةِ حَتّى إذا كَبُرَ سِنُّهُ وقَرُبَ أجْلُهُ ورَقَّ عَظْمُهُ وكانَ أحْوَجَ إلى ما يَكُونُ أنْ يَخْتِمَ عَمَلَهُ بِخَيْرِ عَمَلٍ بِعَمَلِ أهْلِ الشَّقاءِ فَأفْسَدَ عَمَلَهُ فَأحْرَقَهُ، قالَ: فَوَقَعَتْ عَلى قَلْبِ عُمَرَ وأعْجَبَتْهُ.
وفِي رِوايَةِ البُخارِيِّ والحاكِمِ وابْنِ جَرِيرٍ وجَماعَةٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: قالَ عُمَرُ يَوْمًا لِأصْحابِ النَّبِيِّ : فِيمَ تُرَوْنَ [بِضَمِّ أوَّلِهِ] هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ ﴾ الخ؟
قالُوا: اللَّهُ تَعالى أعْلَمُ فَغَضِبَ عُمَرُ فَقالَ: قُولُوا نَعْلَمُ أوْ لا نَعْلَمُ فَقالَ اِبْنُ عَبّاسٍ: في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ عُمَرُ: يا اِبْنِ أخِي قُلْ ولا تُحَقِّرْ نَفْسَكَ قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ضِرِبَتْ لِرَجُلٍ غَنِيٍّ عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ، قِيلَ: وهَذا أحْسَنُ مِن أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمَن يُبْطِلُ صَدَقَتَهُ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ، وفُصِلَ عَنْهُ لِاتِّصالِهِ بِما ذُكِرَ بَعْدَهُ أيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ لا عَمَلَ لَهُ، وأُجِيبَ بِأنَّ لَهُ عَمَلًا يُجازى عَلَيْهِ بِحَسَبِ ظاهِرِ حالِهِ وظَنِّهِ وهو يَكْفِي لِلتَّمْثِيلِ المَذْكُورِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا لا يَدْفَعُ أحْسَنِيَّةَ ذَلِكَ لا سِيَّما وقَدْ قالَهُ تُرْجُمانُ القُرْآنِ وارْتَضاهُ الأمِيرُ المُحَدِّثُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ البَيانِ الواضِحِ الجارِي في الظُّهُورِ مَجْرى الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ أيْ كَيْ تَتَفَكَّرُوا فِيها وتَعْتَبِرُوا بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ العِبَرِ وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها، أوْ لَعَلَّكم تُعْمِلُونَ أفْكارَكم فِيما يَفْنى ويَضْمَحِلُّ مِنَ الدُّنْيا وفِيما هو باقٍ لَكم في الأُخْرى فَتَزْهَدُونَ في الدُّنْيا وتُنْفِقُونَ مِمّا آتاكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنها وتَرْغَبُونَ في الآخِرَةِ ولا تَفْعَلُونَ ما يُحْزِنُكم فِيها.
<div class="verse-tafsir"
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ يقول: مثل الكافر كمثل شيخ كبير، له بستان، وله أولاد صغار ضعفاء عجزة، لا حيلة لهم، ومعيشته ومعيشة ذريته من بستانه تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ يعني ريحاً بها نار، أي فأتته السموم الحارة، فأحرقت بستانه، ولم يكن له قوة أن يغرس مثل بستانه، ولم يكن عند ذريته خير يعينونه، فيبقى متحيراً، فكذلك الكافر إذا لقي ربه أحوج ما كان، فلا يجد خيراً، ولا يدفع عن نفسه، ولا يكون له معين، ولا يعود إلى الدنيا، كما لا يعود الشيخ الكبير شاباً، وكان أحوج إليه قوله تعالى كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في أمثاله فتعتبرون.
<div class="verse-tafsir"
بشيء من إنفاقهم ذلك، وهو كَسْبهم.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ إِما عمومٌ يراد به الخصوصُ، ويحتمل لا يهْدِيهِمْ في كفرهم إِذ هو ضلالٌ محضٌ، ويحتمل: لا يهديهم في صدَقَاتِهِم، وأعمالِهِم، وهم على الكفر.
وقوله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ ...
الآية: من أساليب فصاحة القرآن أنه يأتي فيه ذكْرُ نقيضِ ما يتقدَّم ذكره ليتبيَّن حال التضادِّ بعرضها على الذهْن، ولما ذكر اللَّه صدقاتِ القوم الذين لا خَلاَق لصدَقَاتهم، ونَهَى المؤْمنين عن مواقَعَة ما يشبه ذلك بوَجْهٍ مَّا، عَقَّبَ في هذه الآية بذكْرِ نفقاتِ القَوْم الذين بذَلُوا صدقاتِهِمْ على وجْهها في الشرع، فضرب لها مثلاً، وتقدير الكلام: ومَثَلُ نفقةِ الذين ينفقون كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّة، أو تقدِّر الإِضمار في آخر الكلام، دون إِضمار في أوله كأنه قال: كَمَثَلِ غارِسِ جَنَّةِ- وابتغاء: معناه طلب، وهو مصدر في موضع الحالِ- وتَثْبِيتاً: مصدر، ومَرْضَاة: مصدر من: رَضِيَ.
قال ص: ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً كلاهما مفعولٌ من أجله، وقاله مكِّيٌّ، وردَّه ابن عَطيَّة «١» بأن ابتغاء: لا يكون مفعولاً من أجله، لعطف: «وَتَثْبِتاً» عليه، ولا يصحُّ في «تثبيت» أنْ يكون مفعولاً من أجله لأنَّ الإِنفاق ليس من أجل التثبيت وأجيب: بأنه يمكن أنْ يقدَّر مفعولُ التثبيت الثوابَ، أي: وتحصيلاً لأنفسهم الثوابَ على تلك النفقة فيصحّ أنْ يكون مفعولاً من أجله، ثم قال أبو حَيَّان «٢» ، بعد كلام: والمعنى أنَّهم يُثَبِّتُونَ من أنفسهم على الإِيمان، وما يرجُونه من اللَّه تعالى بهذا العمل.
انتهى.
قال قتادة وغيره: وَتَثْبِيتاً: معناه: وتيقُّناً، أي «١» : أنَّ نفوسهم لها بصائرُ متأكِّدة، فهي تثبتهم على الإِنفاق في طاعة اللَّه تثبيتاً، وقال مجاهد والحَسَن: معنى قوله:
وَتَثْبِيتاً، أي: أنهم يتثبَّتون، أين يَضَعُونَ صَدَقَاتِهِمْ «٢» .
قال الحَسَن: كان الرجُلُ، إِذا هَمَّ تثبَّت فإِنْ كان ذلك لِلَّه أمضاه، وإِنْ خالَطَهُ شيْء أَمْسَك «٣» .
والقولُ الأول أصوبُ لأن هذا المعنى الذي ذهب إِليه مجاهدٌ، والحسنُ إِنما عبارته: «وتَثْبِيتاً» ، فإِنَّ قال محتجٌّ: إِن هذا من المصادر الَّتِي خُرِّجَتْ على غير الصَّدْر كقوله تعالى: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا [المزمل: ٨] وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧] فالجوابُ: أنَّ هذا لاَ يسُوغُ إلاَّ مع ذِكْر الصدرِ، والإِفصاحِ/ بالفعْلِ المتقدِّم للمصدر، وأمّا ٦٩ أإذا لم يقع إِفصاحٌ بفعْلٍ، فليس لك أنْ يأتي بمصدر في غير معناه، ثم تقول: أحمله على فعْلِ كذا وكذا لفعلٍ لم يتقدَّم له ذكْرٌ، هذا مَهْيَعُ كلامِ العربِ فيما علمتُ.
والرَّبْوَةُ: ما ارتفع من الأرض ارتفاعا يسيراً معه في الأغلب كثافةُ الترابِ وطِيبُهُ وتعمُّقه، وما كان كذلك، فنباتُه أحْسَنُ.
ولفظ الرَّبْوَة: مأخوذ من: رَبَا يَرْبُو، إِذا زاد، وآتَتْ: معناه أعطت، والأُكُل بضم الهمزة: الثمر الَّذي يُؤْكَل، والشيء المأْكُول مِنْ كُلِّ شيء، يقال له: أُكُل، وإِضافته إِلى الجنَّة إِضافة اختصاص كَسَرْج الدَّابَّة، وبابِ الدَّارِ، وضِعْفَيْن: معناه اثنين مِمَّا يظن بها، ويُحْزَر من مثلها.
ثم أكَّد سبحانه مدْحَ هذه الربوة بأنها إِنْ لم يصبْها وابلٌ، فإِن الطَّلَّ يكفيها، وينوبُ مناب الوابِلِ وذلك لكَرَمِ الأرض، والطَّلُّ: المستدَقُّ من القَطْرِ، قاله ابن عبَّاس وغيره «٤» ، وهو مشهورُ اللغة، فشبه سبحانه نُمُوَّ نفقاتِ هؤلاء المُخْلِصِينَ الذين يُرْبِي اللَّه صدقاتِهِمْ كتربية الفلوّ «٥»
والفصيلِ «١» حسب الحديثِ بنموِّ نباتِ هذه الجنة بالرَّبْوَة الموصُوفةِ، وذلك كلُّه بخلافِ الصَّفْوان، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ: وعد ووعيد.
وقوله تعالى: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ...
الاية: حكى الطبريُّ «٢» عن ابْن زَيْد، أنَّه قرأ قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ ...
[البقرة: ٢٦٤] الآية: ثم قال: ضرَبَ اللَّه في ذلك مثلاً فقال: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ...
الآية، وهذا بيِّن، وهو مقتضى سياقِ الكلامِ «٣» ، وقال ابنُ عَبَّاس: هذا مثَلٌ ضربه اللَّه كأنه قال: أيودُّ أحدُكُم أنْ يعمل عمره بعَمَلِ أهْل الخير، فإذا فَنِيَ عمره، واقترب أجله، خَتَم ذلك بعَمَلٍ مِنْ عمل أهْل الشقاء، فَرَضِيَ ذلك عُمَرُ منه، رضي اللَّه عنه «٤» ، وروى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ «٥» عن عمر نحوه «٦» .
ع «٧» : فهذا نظرٌ يحمل الآية على كلِّ ما يدخل تحْتَ ألفاظها، وقال بنَحْو هذا مجاهدٌ وغيره «٨» ، ونقل الثَّعْلَبِيُّ عن الحَسَن، قال: قَلَّ واللَّهِ، من يعقلُ هذا المَثَلَ شيْخٌ كبر سنه، وضَعُف جسمه، وَكَثُرَ عياله، أَفْقَرُ ما كان إِلى جنته، وأحدُكُم أفْقَرُ ما يكُونُ إلى عمله، إِذا انقطعت الدنْيَا عنه.
انتهى، وهو حسن جدّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ ﴾ هَذِهِ الآَيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ ﴾ ومَعْنى: "أيَوَدُّ" أيُحِبُّ، وإنَّما ذَكَرَ النَّخِيلَ والأعْنابَ، لِأنَّهُما مِن أنْفَسِ ما يَكُونُ في البَساتِينِ، وخَصَّ ذَلِكَ بِالكَبِيرِ، لِأنَّهُ قَدْ يَئِسَ مِن سَعْيِ الشَّبابِ في أكْسابِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ﴾ أيْ: ضِعافٌ، وإذا ضَعُفَتِ الذُّرِّيَّةُ كانَ أحَنى عَلَيْهِمْ، وأكْثَرَ إشْفاقًا ﴿ فَأصابَها ﴾ يَعْنِي: الجَنَّةَ ﴿ إعْصارٌ ﴾ وهي رِيحٌ شَدِيدَةٌ، تَهُبُّ بِشِدَّةٍ، فَتَرْفَعُ إلى السَّماءِ تُرابًا، كَأنَّهُ عَمُودٌ.
قالَ الشّاعِرُ: إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتُ إعْصارًا أيْ: لاقَيْتُ أشَدَّ مِنكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ في الكَلامِ أنْ يَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ فَأصابَها، ولَمْ يَقُلْ: فَيُصِيبُها؟
أفَيَجُوزُ أنْ يُقالَ: أتَوَدُّ أنْ يُصِيبَ مالًا، فَضاعَ، والمُرادُ: فَيَضِيعُ؟
فالجَوابُ: أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ في "وَدِدْتُ" لِأنَّ العَرَبَ تَلْقاها مَرَّةً "أنْ" ومَرَّةً "لَوْ"، فَيَقُولُونَ: ودِدْتُ لَوْ ذَهَبْتَ عَنّا، ودِدْتُ أنْ تَذْهَبَ عَنّا، قالَهُ الفَرّاءُ، وثَعْلَبٌ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ مِثْلُ ضَرْبِهِ اللَّهُ تَعالى في الحَسْرَةِ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ عِنْدَ شِدَّةِ الحاجَةِ.
وفِيمَن قَصَدَ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ مِثْلُ الَّذِي يَخْتِمُ لَهُ بِالفَسادِ في آَخِرِ عُمْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُفْرِطِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى حَتّى يَمُوتَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُرائِي في النَّفَقَةِ، يَنْقَطِعُ عَنْهُ نَفَعُها أحْوَجُ ما يَكُونُ إلَيْهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَمَراتِ وأصابَهُ الكِبَرُ ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ حَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ آخَرُ لِنَفَقَةِ الرِياءِ، ورَجَّحَ هو هَذا القَوْلَ، وحَكى عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قَرَأ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى ﴾ الآيَةَ.
قالَ: ثُمَّ ضَرَبَ في ذَلِكَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿ أيَوَدُّ أحَدُكُمْ ﴾ الآيَةَ، وهَذا أبْيَنُ مِنَ الَّذِي رَجَّحَ الطَبَرِيُّ، ولَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِمَثَلٍ آخَرَ لِنَفَقَةِ الرِياءِ، هَذا هو مُقْتَضى سِياقِ الكَلامِ.
وأمّا بِالمَعْنى في غَيْرِ هَذا السِياقِ فَتُشْبِهُ حالَ كُلِّ مُنافِقٍ أو كافِرٍ عَمِلَ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعًا، فَلَمّا جاءَ إلى وقْتِ الحاجَةِ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا، وقَدْ سَألَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أصْحابَ النَبِيِّ عن هَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: اللهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقالَ وهو غاضِبٌ: قُولُوا: نَعْلَمُ أو لا نَعْلَمُ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ كَأنَّهُ قالَ: أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ يَعْمَلَ عُمْرَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الخَيْرِ فَإذا فَنِيَ عُمْرُهُ واقْتَرَبَ أجَلُهُ خَتَمَ ذَلِكَ بِعَمَلٍ مِن عَمَلِ أهْلِ الشَقاءِ، فَرَضِيَ ذَلِكَ عُمَرُ.
ورَوى ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ عُمَرَ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: "أيَوَدُّ أحَدُكُمْ"، وقالَ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِلْإنْسانِ يَعْمَلُ عَمَلًا صالِحًا حَتّى إذا كانَ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِ عَمِلَ عَمَلَ السُوءِ.
فَهَذا نَظَرٌ يَحْمِلُ الآيَةَ عَلى كُلِّ ما يَدْخُلُ تَحْتَ ألْفاظِها، وقالَ بِنَحْوِ هَذا مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، وغَيْرُهم.
وخَصَّ النَخِيلَ والأعْنابَ بِالذِكْرِ لِشَرَفِها وفَضْلِها عَلى سائِرِ الشَجَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "جَنّاتٌ" بِالجَمْعِ.
وقَوْلُهُ "مِن تَحْتِها"، هو تَحْتُ بِالنِسْبَةِ إلى الشَجَرِ، والواوُ في قَوْلِهِ "وَأصابَهُ" واوُ الحالِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: و"لَهُ"، و"ضُعَفاءُ" جَمْعُ ضَعِيفٍ، وكَذَلِكَ: ضِعافٌ.
والإعْصارُ: الرِيحُ الشَدِيدَةُ العاصِفُ الَّتِي فِيها إحْراقٌ لِكُلِّ ما مَرَّتْ عَلَيْهِ، يَكُونُ ذَلِكَ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويَكُونُ في شِدَّةِ البَرْدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ ونَفَسِها كَما تَضَمَّنَ قَوْلُ النَبِيِّ : « "إذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأبْرِدُوا عَنِ الصَلاةِ، فَإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وإنَّ النارَ اشْتَكَتْ إلى رَبِّها"» الحَدِيثُ بِكَمالِهِ، فَإمّا أنَّهُ نارٌ عَلى حَقِيقَةٍ وإلّا فَهو نَفَسُها يُوجَدُ عنها كَأثَرِها.
قالَ السُدِّيُّ: الإعْصارُ: الرِيحُ والنارُ السَمُومُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رِيحٌ فِيها سَمُومٌ شَدِيدَةٌ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ السَمُومَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ مِنها الجانَّ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ النارِ، يُرِيدُ مِن نارِ الآخِرَةِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: إعْصارٌ فِيهِ نارٌ: رِيحٌ فِيها صِرٌّ وبَرْدٌ، وقالَهُ الضَحّاكُ.
وَفِي المَثَلِ "إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارًا" - والرِيحُ إعْصارٌ لِأنَّها تَعْصِرُ السَحابَ، والسَحابُ مُعْصِراتٌ إمّا أنَّها حَوامِلُ فَهي كالمُعْصِرِ مِنَ النِساءِ وهي الَّتِي تَكُونُ عُرْضَةً لِلْحَمْلِ، وإمّا لِأنَّها تَنْعَصِرُ بِالرِياحِ، وبِهَذا فَسَّرَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الحَسَنِ العنبَرِيُّ القاضِي.
وحَكى ابْنُ سِيدَهْ أنَّ المُعْصِراتِ فَسَّرَها قَوْمٌ بِالرِياحِ لا بِالسَحابِ.
وقالَ الزَجّاجُ: الإعْصارُ: الرِيحُ الشَدِيدَةُ تَصْعَدُ مِنَ الأرْضِ إلى السَماءِ وهي الَّتِي يُقالُ لَها الزَوْبَعَةُ.
قالَ المَهْدَوِيُّ: قِيلَ لَها إعْصارٌ لِأنَّها تَلْتَفُّ كالثَوْبِ إذا عُصِرَ، وهَذا ضَعِيفٌ.
والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" إلى هَذِهِ الأمْثالِ المُبَيِّنَةِ، و"لَعَلَّكُمْ" تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ إذا تَأمَّلَ مَن يُبَيَّنُ لَهُ هَذا البَيانُ رُجِيَ لَهُ التَفَكُّرُ، وكانَ أهْلًا لَهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "تَتَفَكَّرُونَ" في زَوالِ الدُنْيا وفَنائِها، وإقْبالِ الآخِرَةِ وبَقائِها.
<div class="verse-tafsir"
استئناف بياني أثارُه ضرب المثل العجيب للمنفق في سبيل الله بمثَل حبَّة أنبتت سبع سنابل، ومثَل جنة برُبوة إلى آخر ما وصف من المَثَلين.
ولمَّا أتبع بما يفيد أنّ ذلك إنّما هو للمنفقين في سبيل الله الذين لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذًى، ثم أتبع بالنهي عن أن يُتبعوا صدقاتهم بالمنّ والأذى، اسْتشرفت نفس السامع لتلقي مَثَل لهم يوضح حالهم الذميمة كما ضُرب المثل لمن كانوا بضدّ حالهم في حالة محمودة.
ضرب الله هذا مثلاً لمقابل مثل النفقة لمرضاة الله والتصديق وهو نفقة الرئاء، ووجه الشبه هو حصول خيبة ويأس في وقت تمام الرجاء وإشراف الإنتاج، فهذا مقابل قوله: ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله ﴾ [البقرة: 265] الآية.
وقد وصف الجنّة بأعظم ما يحسن به أحوال الجنّات وما يُرجى منه توفر رَيعها، ثم وصف صاحبها بأقصى صفات الحاجة إلى فائدة جنّته، بأنّه ذو عيال فهو في حاجة إلى نفعهم وأنهم ضعفاء أي صغار إذ الضعيف في «لسان العرب» هو القاصر، ويطلق الضعيف على الفقير أيضاً، قال تعالى: ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً أو ضعيفاً ﴾ [البقرة: 282]، وقال أبو خالد العتَّابي: لقد زادَ الحياةَ إليّ حُبا *** بَناتي إنَّهُنّ من الضِّعاف وقد أصابه الكِبَر فلا قدرة له على الكسب غير تلك الجنة، فهذه أشدّ الأحوال الحرص كقول الأعْشى: كجَابيِة الشَّيخخِ العِراقي تَفْهَقُ فحصل من تفصيل هذه الحالة أعظم الترقّب لثمرة هذه الجنة كما كان المعطي صدقتُه في ترقّب لثوابها.
فأصابها إعصار، أي ريح شديدة تَقلع الشجر والنباتَ، فيها نار أي شدة حرارة وهي المسمّاة بريح السموم، فإطلاق لفظ نار على شدة الحر تشبيه بليغ، فأحرَقت الجنةّ أي أشجارها أي صارت أعوادها يابسة، فهذا مفاجأة الخيبة في حين رجاء المنفعة.
والاستفهام في قوله: ﴿ أيَوَدُّ ﴾ استفهام إنكار وتحذير كما في قوله: ﴿ أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً ﴾ [الحجرات: 12].
والهيأة المشبّهة محذوفة وهي هيأة المنفق نفقة متبعة بالمنّ والأذى.
روى البخاري أنّ عمر بن الخطاب سأل يوماً أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمَ ترون هذه الآية نَزلت: ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ﴾ الآية، فقال بعضهم: «الله أعلم»، فغضب عمر وقال: «قولوا نَعْلَم أو لا نعلم»، فقال ابن عباس: «في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين»، فقال عمر: يا ابن أخي قُل ولا تحقِرْ نفسك»، قال ابن عباس: «ضُربت مثلاً لعَملٍ»، قال عمر: «أيُّ عمل»، قال ابن عباس: «لعملٍ»، قال: صدقتَ، لرجل غني يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله عز وجل إليه الشيطان لما فَني عمره فعمل في المعاصي حتى أحرق عمله.
وقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ تذييل، أي كَهذا البيان الذي فيه تقريب المعْقول بالمحسوس بين الله نصحاً لكم، رجاء تفكّركم في العواقب حتى لا تكونوا على غفلة.
والتشبيه في قوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ نحو ما في قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ [البقرة: 143].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أيَوَدُّ أحَدُكم أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ﴾ وهي البُسْتانُ.
﴿ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ ﴾ لِأنَّهُ مِن أنْفَسِ ما يَكُونُ فِيها.
﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ لِأنَّ أنْفَسَها ما كانَ ماؤُها جارِيًا.
﴿ وَأصابَهُ الكِبَرُ ﴾ لِأنَّ الكِبَرَ قَدْ يُنْسِي مَن سَعى الشَّبابُ في كَسْبِهِ، فَكانَ أضْعَفَ أمَلًا وأعْظَمَ حَسْرَةً.
﴿ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ ﴾ لِأنَّهُ عَلى الضُّعَفاءِ أحَنُّ، وإشْفاقُهُ عَلَيْهِمْ أكْثَرُ.
﴿ فَأصابَها إعْصارٌ فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ ﴾ وفي الإعْصارِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ السَّمُومُ الَّذِي يَقْتُلُ، حَكاهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: الإعْصارُ رِيحٌ تَهُبُّ مِنَ الأرْضِ إلى السَّماءِ كالعَمُودِ تُسَمِّيها العامَّةُ الزَّوْبَعَةَ، قالَ الشّاعِرُ: ...
...
...
∗∗∗ إنْ كُنْتَ رِيحًا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصارًا وَإنَّما قِيلَ لَها إعْصارٌ لِأنَّها تَلْتَفُّ كالتِفافِ الثَّوْبِ المَعْصُورِ.
﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُوَضِّحُ لَكُمُ الدَّلائِلَ.
والثّانِي: يَضْرِبُ لَكُمُ الأمْثالَ.
﴿ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَعْتَبِرُونَ، لِأنَّ المُفَكِّرَ مُعْتَبِرٌ.
والثّانِي: تَهْتَدُونَ، لِأنَّ الهِدايَةَ التَّفَكُّرُ.
واخْتَلَفُوا في هَذا المَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ في الحَسْرَةِ لِسَلْبِ النِّعْمَةِ، مَنِ المَقْصُودُ بِهِ؟
عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ مَثَلٌ لِلْمُرائِي في النَّفَقَةِ يَنْقَطِعُ عَنْهُ نَفْعُها أحْوَجُ ما يَكُونُ إلَيْها، قالَهُ السُّدِّيُّ.
والثّانِي: هو مَثَلٌ لِلْمُفَرِّطِ في طاعَةِ اللَّهِ لِمَلاذِّ الدُّنْيا يَحْصُلُ في الآخِرَةِ عَلى الحَسْرَةِ العُظْمى، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّالِثُ: هو مَثَلٌ لِلَّذِي يُخْتَمُ عَمَلُهُ بِفَسادٍ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم عن ابن عباس قال: قال عمر يوماً لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة ﴾ ؟
قالوا: الله أعلم!
فغضب عمر فقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم.
فقال ابن عباس.
في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين!
فقال: عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك.
قال ابن عباس: ضربت مثلاً لعمل.
قال عمر: أي عمل؟
قال ابن عباس: لعمل.
قال عمر: لرجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: قال عمر بن الخطاب: قرأت الليلة آية أسهرتني ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ﴾ فقرأها كلها فقال: ما عنى بها؟
فقال بعض القوم: الله أعلم!
فقال: إني أعلم أن الله أعلم، ولكن إنما سألت إن كان عند أحد منكم علم وسمع فيها شيئاً أن يخبر بما سمع؟
فسكتوا.
فرآني وأنا أهمس قال: قل يا ابن أخي ولا تحقر نفسك.
قلت: عنى بها العمل.
قال: وما عنى بها العمل؟
قلت: شيء ألقي في روعي فقلته.
فتركني وأقبل وهو يفسرها صدقت يا ابن أخي عَنَى بها العمل، ابن آدم أفقر ما يكون إلى جنته إذا كبرت سنه وكثر عياله، وابن آدم أفقر ما يكون إلى عمله يوم القيامة، صدقت يا ابن أخي.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ضرب الله مثلاً حسناً- وكل أمثاله حسن- قال: ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب...
له فيها من كل الثمرات ﴾ يقول: صنعه في شبيبته فأصابه الكبر، وولده وذريته ضعفاء عند آخر عمره، فجاءه إعصار فيه نار فاحترق بستانه، فلم يكن عنده قوة أن يغرس مثله، ولم يكن عند نسله خير يعودون به عليه، فكذلك الكافر يوم القيامة إذا رد إلى الله ليس له خير فيستعتب، كما ليس لهذا قوّة فيغرس مثل بستانه، ولا يجزه قدم لنفسه خيراً يعود عليه، كما لم يغن عن هذا ولده وحرم أجره عند أفقر ما كان إليه، كما حرم هذا جنته عند أفقر ما كان إليها عند كبره وضعف ذريته.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: هذا مثل آخر لنفقة الرياء، إنه ينفق ماله يرائي به الناس، فيذهب ماله منه وهو يرائي فلا يأجره الله فيه، فإذا كان يوم القيامة واحتاج إلى نفقته وجدها قد أحرقها الرياء، فذهبت كما أنفق هذا الرجل على جنته، حتى إذا بلغت وكثر عياله واحتاج إلى جنته جاءت ريح فيها سموم، فأحرقت جنته فلم يجد منها شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: هذا مثل المفرط في طاعة الله حتى يموت، مثله بعد موته كمثل هذا حين احترقت جنته وهو كبير لا يغني عنها وولده صغار لا يغنون عنه شيئاً، كذلك المفرط بعد الموت كل شيء عليه حسرة.
وأخرج ابن جرير عن ابن أبي مليكة.
أن عمر تلا هذه الآية فقال: هذا مثل ضرب للإِنسان يعمل عملاً صالحاً، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوج ما يكون إليه عمل عمل السوء.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: ضربت مثلاً للعمل يبدأ فيعمل عملاً صالحاً فيكون مثلاً للجنة، ثم يسيء في آخر عمره فيتمادى في الإِساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الاعصار الذي فيه نار التي أحرقت الجنة مثلاً لإِساءته التي مات وهو عليها.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: قال عمر: آية من كتاب الله ما وجدت أحداً يشفيني عنها!
قوله: ﴿ أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب ﴾ حتى فرغ من الآية.
قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إني أجد في نفسي منها فقال له عمر: فلم تحقر نفسك؟
فقال: يا أمير المؤمنين هذا مثل ضربه الله فقال: أيحب أحدكم أن يكون عمره يعمل بعمل أهل الخير وأهل السعادة، حتى إذا كبرت سنه، واقترب أجله، ورقَّ عظمه، وكان أحوج ما يكون إلى أن يختم عمله بخير عمل بعمل أهل الشقاء فأفسد عمله فأحرقه.
قال: فوقعت على قلب عمر وأعجبته.
وأخرج الطبراني في الأوسط والحاكم وحسنه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو «اللهم اجعل أوسع رزقك علي عند كبر سني وانقطاع عمري» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ إعصار فيه نار ﴾ قال: ريح فيها سموم شديدة.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ إعصار ﴾ قال: الريح الشديدة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: فله في آثارهن خوار ** وحفيف كأنه إعصار وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون ﴾ قال: هذا مثل ضربه الله فاعقلوا عن الله أمثاله، فإن الله يقول ﴿ و تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ﴾ [ العنكبوت: 43] .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ الآية.
الأكثرون من المفسرين على أن هذه الآية راجعة في المعنى إلى قوله: ﴿ لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ﴾ وأن هذا تقريرُ مثلٍ للمراء في النفقة (١) (٢) (٣) وقال ابن عباس: هو مثل الذي يختم عمله بفساد، وكان يعمل عملًا صالحًا، فهو مثل للجنة المذكورة في الآية، ثم يبعث الله له الشيطان فيسيء في آخر عمره، ويتمادى في الإساءة حتى يموت على ذلك، فيكون الإعصار مثلصا لإساءته التي مات عليها (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ﴾ عطف بماض على مستقبل، قال الفراء: وذلك يجوز (٥) ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ المعنى: وإن أعجبتكم، وقال: {وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا} [الروم: 51]، فأجيبت لئن بإجابة لو، وقال: ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ معناه: ودوا أن تدهن (٦) والإعصار: ريح ترتفع وتستدير نحو السماء كأنها عمود، وهي التي يسميها الناس الزوْبَعة، وهي ريح شديدة، ومنه: إن كنت ريحًا فقد لاقيت إعصارًا (٧) (٨) قال المفسرون: مثلُهم كمثلِ رجلٍ كانت له جَنَّةٌ فيها من كلِّ الثمرات، وأصابه الكِبَرُ فَضعُفَ عن الكسب، وله أطفال لا يجدون عليه، ولا ينفعونه، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، ففقدها أَحوَج (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ ﴾ أي: كمثل بيان هذه الأقاصيص التي ذكرها، من قصة الذي يمر على قرية، وقصة إبراهيم، ﴿ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ ، أي: العلامات والدلالات التي تحتاجون إليها في أمر توحيده.
(١) في (م): (بالنفقة).
(٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1593.
(٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 75، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 522.
(٤) رواه البخاري (4538) كتاب: التفسير، باب: قوله: (أيود أحدكم أن تكون له جنة)، والثوري في "تفسيره" 72، وابن المبارك في "الزهد" 546، والطبري في "تفسيره" 3/ 76، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 523.
(٥) في (ي): (ويجوز ذلك).
(٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 175، "تفسير الثعلبي" 2/ 1593 - 1594.
(٧) مثل عربي في "تهذيب اللغة" 3/ 2459 (مادة: عصر).
وينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 349.
ويضرب مثلًا للرجل يلقى قِرْنَه في النجدة والبسالة.
(٨) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 3/ 2459 (مادة: عصر)، وعبارته: أن تهيج الريح التراب فترفعه.
وينظر في إعصار: "المفردات" ص 339 - 340، "اللسان" 5/ 2970 (مادة: عصر).
(٩) في (م): (فأحوج).
(١٠) "تفسير الثعلبي" 2/ 1596.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ الآية: مثلٌ ضرب للإنسان يعمل صالحاً، حتى إذا كان عند آخر عمره ختم له بعمل السوء، أو مثلٌ للكافر أو المنافق أو المرائي المتقدّم ذكره آنفاً أو ذي المن والأذي، فإنّ كل واحد منهم يظن أنه ينتفع بعمله، فإذا كان وقت حاجة إليه لم يجد شيئاً، فشبههم الله بمن كان له جنة، ثم أصابتها الجائحة المهلكة، أحوج ما كان إليها لشيخوخته، وضعف ذريته، قالوا في قوله: ﴿ وَأَصَابَهُ الكبر ﴾ للحال ﴿ إِعْصَارٌ ﴾ أي ريح فيها سموم محرقة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ أنبتت سبع ﴾ وبابه بالإدغام: أبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وهشام وسهل.
﴿ يضعف ﴾ وبابه: ابن كثير وابن عامر ويزيد ويعقوب.
الباقون ﴿ يضاعف ﴾ ﴿ رياء الناس ﴾ غير مهموز حيث كان يزيد والشموني والخزاعي عن ابن فليح وحمزة في الوقف.
الباقون بالهمزة.
﴿ الكافرين ﴾ بالإمالة: أبو عمرو وعلي غير ليث وأبي حمدون وحمدويه ورويس عن يعقوب، وكذلك ما كان محله النصب من الإعراب كل القرآن ﴿ بربوة ﴾ بفتح الراء حيث كان ابن عامر وعاصم.
الباقون بضمها ﴿ أكلها ﴾ وبابه ساكنة الكاف: ابن كثير ونافع وافق أبو عمرو فيما اتصلت بالهاء والألف ﴿ بما يعملون بصير ﴾ بالياء التحتانية: أبو/ عون عن قنبل.
الباقون بالتاء للخطاب.
الوقوف: ﴿ مائة حبة ﴾ ط، ﴿ لمن يشاء ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج لعطف المختلفتين، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ أذى ﴾ ط ﴿ حليم ﴾ ه، ﴿ والأذى ﴾ (لا) لتعلق كاف التشبيه أي إبطالاً مثل إبطال الذي، ﴿ الآخر ﴾ ط، ﴿ صلدا ﴾ ط، ﴿ كسبوا ﴾ ط، ﴿ الكافرين ﴾ ه، ﴿ ضعفين ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب واتحاد الكلام، ﴿ فطل ﴾ ط، ﴿ بصير ﴾ ه، ﴿ الأنهار ﴾ (لا) لأن ما بعده صفة لجنة أيضاً، ﴿ الثمرات ﴾ (لا) لأن الواو وللحال، ﴿ ضعفاء ﴾ ص والوصل أولى والوقف على ﴿ فاحترقت ﴾ ط لتناهي مقصود الاستفهام والمعنى: أيحب أحدكم احتراق جنة صفتها كذا في حال كذا؟
﴿ تتفكرون ﴾ ه.
التفسير: إنه لما ذكر من أصول المبدأ والمعاد ما اقتضاه المقام أتبعه ببيان التكاليف والأحكام.
قال القاضي في كيفية النظم: إنه لما أجمل في قوله ﴿ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة ﴾ ، فصّل بعد ذلك بهذه الآية تلك الأضعاف، وإنما ذكر بين الآيتين الأدلة على قدرته على الإحياء والإماتة لأنه لولا وجود الإله المثيب المعاقب بعد الحشر لكان التكليف بالإنفاق وسائر الطاعات عبثاً كأنه قال: قد عرفت أني خلقتك وأكملت نعمي عليك بالإحياء والإقدار، وقد علمت قدرتي على المجازاة، فليكن علمك بهذه الأصول داعياً إلى إنفاق الأموال فإنه يجازي القليل بالكثير، ثم ضرب لذلك الكثير مثلاً وهو من الواحد إلى سبعمائة.
وعن الأصم أنه ضرب هذا المثل بعد ما احتج على الكل بما يوجب تصديق النبي ليرغبوا في المجاهدة بالنفس والمال في نصرته وإعلاء شريعته.
وقيل: إنه لما بين أنه وليّ المؤمنين، وأن الكفار أولياؤهم الطاغوت، بيّن مثل ما ينفق المؤمن في سبيل الله وما ينفق الكافر في سبيل الطاغوت.
قلت: لما بين صحة المعاد ولا بد له من زاد ولا يمكن التزود من الأموال التي يمتلكها العباد بالإنفاق، أتبعه أحكامه فقال ﴿ مثل الذين ﴾ ولا بد من إضمار ليصح التشبيه أي مثل صدقاتهم كمثل حبة أو مثلهم باذر حبة.
وسبيل الله دينه.
فقيل الجهاد، وقيل جميع أبواب الخير.
والمنبت هو الله، ولكن الحبة لما كانت سبباً أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء.
ومعنى إنباتها سبع سنابل أن تخرج ساقاً يتشعب منها سبع شعب لكل واحد سنبلة.
وهذا التمثيل تصوير للأضعاف سواء وجد في الدنيا سنبلة بهذه الصفة أو لم توجد، على أنه قد يوجد في الجاورس والذرة وغيرهما مثل ذلك.
وسبع سنابل مثل ثلاثة قروء في إقامة جمع الكثرة مقام القلة.
﴿ والله يضاعف ﴾ أي تلك المضاعفة لمن يشاء لا لكل منفق لتفاوت أحوال المنفقين في الإخلاص، أو يضاعف سبع المائة ويزيد عليها أضعافها/ لمن يستحق ذلك في مشيئته.
﴿ والله واسع ﴾ كامل القدرة على المجازاة لأن فيضه غير متناه ﴿ عليم ﴾ بمقادير الإنفاقات وبمواقعها ومصارفها بإخلاص صاحبها، وإذا كان الأمر كذلك فلن يضيع عمل عامل له عنده.
ثم لما عظم أمر الإنفاق أردف ببيان الأمور التي يجب رعايتها حتى يبقى ذلك الثواب منها: ترك المن والأذى، والمنّ قد يراد به الإنعام قال تعالى ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ وقد يراد به إظهار الاصطناع وهو مذموم ولهذا قيل: صنوان مٌَّن مُنِحَ سائله ومَنٌّ منع نائله وضنّ.
وذلك لما فيه من انكسار قلب الفقير، ومن تنفير ذوي الحاجة عن صدقته، ومن عدم الاعتراف بأن النعمة نعمة الله والعباد عباده، وأن المعطي هو الله.
وإذا كان العبد في هذه الدرجة كان محروماً عن مطالعة الأسباب الربانية الحقيقية، وكان في درجة البهائم التي لا يترقى نظرهن من المسحوس إلى المعقول، ومن الآثار إلى المؤثرات.
وأما الأذى فمهم من حمله على أذى المؤمنين على الإطلاق، والمحققون خصصوه بما تقدم ذكره وهو أن يتطاول على الفقير بما أدل إليه ويقول له: ألست إلا مبرماً وما أنت إلا ثقيل، وباعد الله ما بيني وبينك.
ومعنى "ثم" تراخي الرتبة وإظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى، وإن تركهما خير من نفس الإنفاق بل ترك كل منهما لأنهما نكرتان في سياق النفي ﴿ لهم أجرهم ﴾ وقال فيما يجيء ﴿ فلهم أجرهم ﴾ لأن الموصول ههنا لم يضمن معنى الشرط وضمنه ثمة، وفرق معنوي وهو أن الفاء دلالة على أن الإنفاق سبب استحقاق الأجر وطرحها عارٍ عن تلك الدلالة.
ثم إنه ذكر هنالك الإنفاق منهم على سبيل المواظبة والاستمرار فكان التأكيد بما يوجب الربط بينهما ما هنالك أنسب.
﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ أي لا يخافون فوات ثواب الإنفاق.
ولا يحزنون بالفوات كقوله ﴿ ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ﴾ والمراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب ولا يحزنهم الفزع الأكبر.
ويعلم من قوله ﴿ في سبيل الله ﴾ أن قوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ مشروط بأن لا يوجد منهم الكفر، ويعلم من قوله ﴿ ثم لا يتبعون ﴾ أن المن والأذى من قبيل الكبائر حيث يخرجان هذه الطاعة العظيمة عن الاعتداد بها.
احتجت المعتزلة بالآية من وجهين: الأول أن العمل يوجب الأجر لقوله ﴿ لهم أجرهم ﴾ وأجيب بأن ذلك بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل.
الثاني أن الكبائر تحبط ثواب فاعلها وإلا لم يكن المن والأذى مبطلين ثواب الإنفاق، وأجيب بأن الإنفاق على تقدير المن والأذى لا ثواب له أصلاً، فكيف يتصور رفع ما لم يوجد؟
﴿ قول معروف ﴾ تقبله القلوب ولا تنكره وذلك أن يرد السائل بطريق أحسن وعدة حسنة ﴿ ومغفرة ﴾ عفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول لأنه إذا رد بغير مقصوده فربما حمله ذلك على بذاءة اللسان أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل أو عفو من جهة السائل بأن يعذر المسؤول إذا رده رداً جميلاً ﴿ خير من صدقة يتبعها أذى ﴾ لأنه إذا أتبع الإيذاء الإعطاء فقد جمع بين الإنفاع والإضرار، وربما لم يف ثواب النفع بعقاب الضر.
وأما القول المعروف ففيه إنفاع من حيث إيصال السرور إلى قلب المؤمن ولا إضرار، فكان الأولى ﴿ ومن الناس ﴾ الناس من خصص الآية بالتطوع لأن الواجب لا يحل منعه ولا رد السائل فيه.
ورد بأن الواجب قد يعدل به عن سائل إلى سائل وعن فقير إلى فقير ﴿ والله غني ﴾ عن صدقة كل منفق، فما وجه المن؟
﴿ حليم ﴾ عن معاجلته بالعقوبة إذا مَنّ، ولا يخفى ما فيه من الوعيد.
ثم إنه ضرب لكل واحد من المؤذي وغير المؤذي مثلاً فقال تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ وعن ابن عباس: بالمن على الله والأذى للفقير، ﴿ كالذي ﴾ أي كإبطال المنافق الذي ﴿ ينفق ماله رئاء الناس ﴾ وهو أن يرائي بعمله غيره ولا يريد رضا الله وثواب الآخرة، ويجوز أن تكون الكاف في محل النصب على الحال أي لا تبطلوا صدقاتكم مماثلين للذي ينفق، فمثله الضمير إما أن يكون عائداً إلى المنافق على أنه شبه المانّ بالمرائي المنافق، ثم شبه المنافق بالحجر.
وإما أن يعود إلى المانِّ المؤذى على أنه شبهه بالمنافق ثم شبهه بالحجر.
والصفوان الحجر الأملس، الوابل المطر العظيم القطر، والصلد الأجرد النقي ومنه صلد جبين الأصلع إذا برق.
وهذا المثل ضربه الله لعمل المانِّ المؤذي ولعمل المنافق، فإن الناس يرون في الظاهر أن لهؤلاء أعمالاً كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كله وبطل لأنه تبين أن تلك الأعمال ما كانت لله ولم يؤت بها على وجه يستحق الثواب كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.
وأما المعتزلة فقالوا: إن تلك الصدقة أوجبت الأجر والثواب، ثم إن المنَّ والأذى أزالا ذلك الأجر بناء على مذهبهم من الإحباط والتكفير.
فعلى مذهبنا: العمل الظاهر كالتراب، والمان المؤذي أو المنافق كالصفوان ويوم القيامة كالوابل.
وعلى قولهم: المن والأذى كالوابل، وعن القفال: ان عمل المانِّ مشبه بما إذا طرح بذراً في صفوان صلد عليه غبار قليل، فإذا أصابه مطر جود بقي مستودع بذره خالياً لا شيء فيه.
ألا ترى أنه ضرب مثل المخلص بجنة فوق ربوة؟
وعلى هذا فقوله ﴿ لا يقدرون على شيء ﴾ الضمير فيه عائد إلى معلوم غير مذكور، أي لا يقدر أحد من الخلق على ذلك البذر الملقى في ذلك التراب الذي فرض على الصفوان لأنه خرج عن الانتفاع به، فكذا المانُّ والمؤذي والمنافق لا ينتفع واحد منهم بعمله يوم القيامة، وناهيك بكون المانِّ والمنافق ملزوزين في قرن شناعة شأن المن والأذى، وقيل: الضمير عائد إلى الذي إما لأن "من" و "الذي" متعاقبان فكأنه قيل: كمّن ينفق، وإما لأن المراد المراد الفريق الذي، وإما لأنه أشير/ بالذي إلى الجنس والجنس في حكم العام.
وقيل: المعنى لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى فإنكم إن فعلتم ذلك لم تقدروا على شيء مما كسبتم، فالتفت من الخطاب إلى الغيبة كقوله ﴿ حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم ﴾ .
﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ معناه - على قولنا - سلب الإيمان عنهم، وعلى قول المعتزلة أنه يضلهم عن الثواب وطريق الجنة لسوء اختيارهم ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله ﴾ طلباً لمرضاته ﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ قيل: أي يوطنون أنفسهم على حفظ هذه الطاعة وترك ما يفسدها من المن والأذى.
وقيل: تثبيتاً من أنفسهم عند المؤمنين أنها صادقة في الإيمان مخلصة فيه، ويعضده قراءة مجاهد ﴿ وتبييناً ﴾ من البيان.
وقيل: إن النفس لا ثبات لها في موقف العبودية إلا إذا صارت مقهورة بالرياضة ومعشوقها أمران الحياة العاجلة والمال، فإذا بذل ماله وروحه معاً فقد ثبت نفسه كلها ﴿ وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ﴾ وإذا بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه، فعلى هذا "من" للتبعيض ذكره في الكشاف، قال الزجاج: تصديقاً للإسلام وتحقيقاً للجزاء من أصل أنفسهم جازمين بأن الله لا يضيع ثوابهم فـ "من" على هذا للابتداء، وجزمهم بالثواب هو المراد بالتثبيت.
وعن الحسن ومجاهد وعطاء: المراد أنهم يثبتون أنفسهم تثبيتاً في طلب المستحق وصرف المال في وجهه.
قال الحسن: كان الرجل إذا هَمَّ بصدقة يتثبت فإن كان لله أمضى وإن خالطه شك أمسك.
وقيل: إنه إذا أنفق لأجل عبودية الحق لا لأجل غرض النفس وحظ من حظوظها فهناك اطمأن قلبه واستقرت نفسه ولم يحصل لنفسه منازعة مع قلبه فذلك الاستقرار هو التثبيت.
ويحتمل أن يكو ن المراد به حصول ملكة الإنفاق بحيث يحصل عنه بطريق الاطراد والاعتياد لا بطريق البخت والاتفاق، فإن الأخلاق ما لم تصر ملكات لصاحبها لم تكد يظهر على جوهر النفس صفاؤها ونوريتها.
والمعنى أن مثل نفقة هؤلاء في زكائها عند الله كمثل جنة وهي البستان.
وقرىء ﴿ كمثل جنة بربوة ﴾ بمكان مرتفع من ربا الشيء يربو إذا زاد وارتفع، ومنه الربو لزيادة التنفس، والربا في المال.
قيل: وإنما خص المكان المرتفع لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمراً.
واعترض عليه بأن المكان المرتفع لا يحسن ريعه لبعده عن الماء وربما تضربه الرياح كما أن الوهاد لكونها مصب المياه قلما يحسن ريعها، فإذن البستان لا يصلح له إلا الأرض المستوية، فالمراد بالربوة أرض طيبة حرة تنتفخ وتربو إذا نزل عليها المطر، فإنها إذا كانت على هذه الصفة كثر دخلها وكمل شجرها كقوله ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت ﴾ ومما يؤكد ما ذكرنا أن هذا المثل، في مقابلة المثل الأول، فكما أن الصفوان لا/ يربو ولا ينمو بسبب نزول المطر عليه فينبغي أن تكون هذه الأرض بحيث تربو وتنمو ﴿ فآتت أكلها ﴾ أي ثمرتها وما يؤكل منها ﴿ ضعفين ﴾ مثلي ما كان يعهد منها.
وقيل: مثلي ما يكون في غيرها ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ مطر صغير القطر يصيبها ولا ينتقص شيء من ثمرها لكرم منبتها، أو المراد أنها على جميع الأحوال لا تخلو من أن تثمر قل أم كثر، وكذلك من أخرج صدقة لوجه الله لا يضيع كسبه وفّر أم نزر.
ويحتمل أن يمثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة، ونفقتهم القليلة والكثيرة بالوابل والطل، وكما أن الكل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم تزيد في زلفاهم وحسن حالهم ﴿ والله بما تعملون ﴾ من وجوه الإنفاق وكيفيتها والأمور الباعثة عليها ﴿ بصير ﴾ فيجازي بحسب النيات وخلوص الطويات.
ثم إنه رغب في الإنفاق المعتبر الجامع لشرائطه وحذر عن ضده بأن ضرب مثالاً آخر فقال ﴿ أيود أحدكم ﴾ والهمزة للإنكار البالغ أي لن يود.
قرىء ﴿ له جنات ﴾ وقد وصف الله الجنة بثلاثة أوصاف الأول: كونها من نخيل وأعناب كأن الجنة إنما تكوّنت منهما لكثرتهما فيها.
الثاني: تجري من تحتها الأنهار، ولا شك أن ذلك يزيد في رونقها وبهائها.
والثالث: فيها من كل الثمرات، وإنما خص النخيل والأعناب أولاً بالذكر لأنهما أكرم الشجر أو أكثرها منافع.
قال في الشكاف: ويجوز أن يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيهما كقوله ﴿ وكان له ثمر ﴾ بعد قوله ﴿ جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ﴾ .
ثم شرع في بيان شدة حاجة المالك إلى هذه الجنة فقال ﴿ وأصابه الكبر ﴾ أي والحال أنه قد أصابه الكبر.
وقال الفراء: إنه معطوف على ﴿ يود ﴾ واستقام نظر المعنى لأنه يقال: وددت أن يكون كذا، ووددت لو كان كذا، فكأنه قيل: أيود أحدكم لو كانت له جنة واصابه الكبر وله ذرية ضعفاء.
وقرىء ﴿ ضعاف ﴾ أي صبيان وأطفال ﴿ فأصابها إعصار ﴾ ريح تستدير في الأرض ثم تسطع نحو السماء كالعمود ﴿ فيه نار فاحترقت ﴾ أي الجنة ولا يخفى أن هذه المثل في المقصود أبلغ الأمثال، فإن الإنسان إذا كان له جنة في غاية الكمال، وكان هو في نهاية الاحتياج إلى المال - وذلك أوان الكبر مع وجود الأولاد الأطفال - فإذا أصبح وشاهد تلك الجنة محترقة بالصاعقة، فكم يكون في قلبه من الحسرة وفي عينه من الحيرة؟
فكذا الإنفاق نظير الجنة المذكورة وزمان الاحتياج يوم القيامة، فإذا أتبع الإنفاق النفاق أو المن والأذى كان ذلك كالإعصار الذي يحرق تلك الجنة ويورثه الخيبة والندامة.
التأويل: ﴿ الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ﴾ فلهم الجنة، والذين ينفقون أرواحهم وقلوبهم في سبيل الله فلهم الله، "ومن أعطى تمرة إلى فقير يأخذها الله بيمينه ويربيها كما يربي/ أحدكم فلوة أو فصيلة حتى تكون أعظم من الجبل" .
فمن أعطى قلبه إلى الله فهو يربيه بين أصبعي جلاله حتى يصير أعظم من العرش بما فيه، وإن قوماً بذلوا المال لله، وقوماً بذلوا الحال بإيثار صفاء الأوقات وفتوحات الخلوات على طلاب الحق وأرباب الصدق للقيام بأمورهم في تشفي ما في صدورهم ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ﴾ فبذلوا ليحصلوا، وحصلوا لينفصلوا، وانفصلوا ليتصلوا، واتصلوا ليصلوا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله في طلبه لا في طلب غيره من الثناء والجزاء ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً ﴾ ﴿ ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ﴾ على الله بأن يقول: عملت هذا العمل لأجلك ووجب لي عليك الأجر ﴿ ولا أذى ﴾ بأن يطلب من الله غير الله.
رأى أحمد بن خضرويه ربه في المنام فقال له: كل الناس يطلبون مني إلا أبا يزيد فإنه يطلبني ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ ينزلهم في مرتبة العندية ﴿ عند مليك مقتدر ﴾ لا عند الجنة ولا عند النار.
﴿ قول معروف ﴾ يصدر عن العارف بالله في طلب المعروف ﴿ ومغفرة ﴾ له وأن لم يكن عنده ما يتصدق ﴿ خير ﴾ له عند ربه ﴿ من صدقة يتبعها ﴾ من الجهل ﴿ أذى ﴾ طلب غير الحق من الحق ﴿ والله غني ﴾ عن غيره ﴿ حليم ﴾ لا يعجل بالعقوبة على من يختار في الطلب غيره، ولولا حلمه فما للتراب ورب الأرباب ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ﴾ فالمعاملات إذا كانت مشوبة بالأغراض ففيها نوع من الإعراض، ومن أعرض عن الحق فقد أقبل على الباطل ومن أقبل على الباطل فقد أبطل حقوقه في الأعمال ﴿ فماذا بعد الحق إلا الضلال ﴾ .
ولو كان قصدك في الصدقة طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منته حيث صار سبب وصولك إلى الحق، ولهذا قال " لولا الفقراء لهلك الأغنياء" " أي لم يجدوا سبيلاً إلى الحق.
وفسر بعضهم اليد العليا بيد الفقير، واليد السفلى بيد الغني.
لأن الفقير يأخذ منه الدنيا ويعطيه الآخرة ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴾ لأنه لو كان مؤمناً بالله لكان ينفق لله، ولو كان يؤمن بالآخرة لأنفق للآخرة لا للناس فمثل المرائي ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ هو عمله ﴿ فأصابه وابل ﴾ وهو وابل الرد.
" "أنا أغنى الأغنياء عن الشرك " ﴿ فتركه صلداً ﴾ مفلساً خائباً.
﴿ لا يقدرون عل شيء مما كسبوا ﴾ ليتوسلوا به إلى الله.
﴿ والله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ بنعمة طلب شهود جماله فحرموا عن دولة وصاله.
﴿ وتثبيتاً من أنفسهم ﴾ وتخليصاً لنياتهم في طلب الحق ومرضاته من خطوط أنفسهم ﴿ كمثل جنة ﴾ / هي قلب المخلص ﴿ بربوة ﴾ في رتبة عالية عند الحق ﴿ أصابها وابل ﴾ الواردت الربانية ﴿ فإن لم يصبها وابل فطل ﴾ الإلهامات ﴿ فآتت أكلها ضعفين ﴾ ضعف من نعيم الجنة وضعف من دولة الوصال وشهود "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" ، فإن الله كما يعطي أهل الآخرة نصيباً من الدنيا بالتبعية ولا يعطي أهل الدنيا نصيباً من الآخرة، فكذلك يعطي أهل الله نصيباً من الآخرة بالتبعية ولا يعطي أهل الآخرة ما لأهل الله من القربة ﴿ والله بما تعملون بصير ﴾ كيف تعملون ولماذا تعملون لابتغاء المرضاة أو لاستيفاء اللذات واستبقاء الحياة.
ثم ضرب مثلاً لروح الإنسان وقلبه بجنةٍ له فيها من كل الثمرات إذا خلق في أحسن تقويم، مستعداً لجميع الكرامات، مشرفاً بعلم السمات، منوراً بأنوار العقل والحواس السليمات، متوحداً بحمل الأمانة، متفرداً برتبة الخلافة.
جنة هي منظور نظر العناية تجري من تحتها أنهار الهداية، وأصاب صاحبها ضعف الإنسانية، ﴿ وله ذرية ضعفاء ﴾ من متولدات القوى البشرية في غاية الافتقار إلى التربية بأغذية ثمراتها ﴿ فأصابها إعصار ﴾ من أعمال البر ﴿ فيه نار ﴾ من الرياء والنفاق ﴿ فاحترقت ﴾ جنة الروحانية بنار صفات البشرية وتبدلت الأخلاق الروحية بالنفسية، والملكية بالشيطانية ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات لعلك تتفكرون ﴾ في إحسانه معكم بإيتاء الاستعداد الفطري، فلا تبطلوه بقبيح فعالكم، ولا تضيعوا أعماركم في طلب آمالكم، وتستعدوا للموت قبل حلول آجالكم والله المستعان وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .
المن والأذى: ما ذكرنا.
ثم جهة البطلان - والله أعلم - أن الله عز وجل وعد لمن تصدق الثواب عليها، بقوله: ﴿ مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ...
﴾ الآية [التوبة: 111].
وإن كانت تلك الأموال في الحقيقة له أعطاهم الثواب على ذلك، فأخبر أن من أعطى آخر شيئاً ببدل لا يمن عليه، كالمبادلات التي تجري بين الناس، ألا يكون لبعض على بعض جهة المنّ، إذا أخذ بدل ما أعطاه، وأن يقال: إن الأموال كلها لله ، فإنما أعطى ماله، كل من أعطى ماله آخر لا يستوجب ذلك حمداً ولا مَنّاً.
ثم اختلف في قوله : ﴿ كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ ﴾ : قال بعضهم: هم المنافقون، كانوا ينفقون أموالهم رياء.
دليله قوله : ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ ، شبه الصدقة التي فيها (مَنٌّ) و(أذىً) بالصدقة التي فيها رياء.
وذلك - والله أعلم - أن الصدقة التي فيها (من) و(أذى) لم يبتغ بها وجه الله، فكان كالصدقة التي ينفقها للزيادة لا يبتغي بها وجه الله [وقال آخرون: كل صدقة فيها رياء فلذلك، كافراً كان منفقها أو مسلماً؛ لأنها لم يُبتغَ فيها وجه الله ] والدار الآخرة.
ثم ضرب المثل للصدقة المبتغي بها الرياء، والصدقة التي فيها المن والأذى بالصفوان الذي عليه التراب: وهو الحجر الأملس، فقال: ﴿ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ .
قيل: (الوابل) هو المطر الشديد عظيم القدر.
وفي ضرب الأمثال تعريف ما غاب عن الأبصار بما هو محسوس؛ وذلك أن الصفوان الذي به ضرب المثل، والتراب محسوس، ومن التراب جعل الأغذية للخلق والدواب.
ثم الثواب الذي وعد للصدقة ليس بمحسوس، بل هو غائب، فعرف الغائب بالمحسوس.
فقال: لما كان التراب الذي به تكون الأغذية يذهب بالمطر الشديد حتى لا يبقى له أثر، فكذلك الثواب الذي يكون للصدقة يذهب ويتلاشى حتى لا يُظفر بها بالمن والأذى والرياء، كما أذهب المطر التراب الذي على الصفوان، فصار صلداً، لا شيء عليه من التراب.
وقوله : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
قالت المعتزلة: لا يهدي القوم الكافرين بكفرهم الذي اختاروا.
وقلنا نحن: لا يهديهم وقت اختيارهم الكفر، ويهديهم وقت اختيارهم الإيمان.
وفي قوله: ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ﴾ ، وجه آخر، هو أن يحتمل قوله: ﴿ مَّعْرُوفٌ ﴾ ، هذه التسبيحات والثناء والحمد، ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ ، ستر ما ارتكب من المأثم.
وقوله: ﴿ خَيْرٌ ﴾ ، أي أحب على البذل من صدقة يتبعها أذى.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .
في الأمثال التي ضربها الله وذكرها في القرآن وجوه: أحدها: جواز قياس ما غاب من الحكم عن المنصوص بالمنصوص إذا جمعهما معنى واحد.
والثاني: أن علوم المحسوسات والمشاهدات هي علوم الحقائق، وهي الأصول التي بها يستدل ويوصل إلى معرفة الغائب.
والثالث: فيها إثبات رسالة محمد، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، وذلك أن العرب كانت لا تضرب الأمثال، ولا كانت تعرفها في أمر التوحيد وتعريف ما غاب عن حواسهم من أمر القيامة ونحو ذلك.
ثم بعث الله محمداً ، وأنزل عليه القرآن، وذكر فيه الأمثال؛ ليذكرهم تلك الأمثال ليعلموا أنه إنما عرفها بالله عز وجل، لا أنه أنشأ هذا القرآن من تلقاء نفسه.
وذلك من آيات نبوته ورسالته.
وعلى ذلك جعل عدم الكتابة وإنشاء الشعر من آيات نبوته ورسالته؛ لأن من عادة العرب إنشاء الشعر والكتابة، ويفضلون أربابها على غيرهم؛ لئلا يعرف هو بها، ويقولون: إنه أخذ من الكتب، أو اختلق من نفسه، كقوله : ﴿ وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ ﴾ .
والرابع: فيها دلالة أن الله - جل وعلا - خالق الدنيا وما فيها من المحاسن والخبائث، والأعالي والخسائس، حيث ضرب مثل الرفيع وبالرفيع والخسيس بالخسيس؛ فدل أن خالق هذه الأشياء كلها هو الله ، لا شريك له ولا شبيه.
ثم شبه الصدقة التي هي لله - عز وجل - مرة بالربوة من الأرض: وهي المرتفعة منها، ومرة بالحبة التي تنبت كذا كذا سنبلة، وفي كل سنبلة كذا كذا حبة، ومرة بالأضعاف المضاعفة؛ كقوله: ﴿ فَيُضَٰعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ .
فهو - والله أعلم - لما علم عز وجل رغبة الناس مرة في العدد في الدنيا، ومرة في البساتين المرتفعة أرضها وتربتها ليشرفوا على غيرهم من الخلائق والبقاع، ومرة في الكثير من الأشياء والعظيم منها رغبهم عز وجل في الصدقة بما ذكرنا من الأشياء لعلمه برغبتهم فيها، ليرغبوا في ذلك.
والله أعلم.
وعلى ذلك حرم الله الصدقات على رسول الله ؛ لأنه كان يرغب الناس في الصدقة؛ لئلا يظنوا فيه ظن السوء ويقولون: إنه إنما يرغبهم فيها لينتفع هو بها.
وقوله : ﴿ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾ اخلتف فيه: قيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ : تصديقا، كقوله : ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَٱتَّقَىٰ وَصَدَّقَ بِٱلْحُسْنَىٰ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ ﴾ .
وقيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ ، أي: تيقينا بالإسلام.
وقيل: يثبتون في مواضع الصدقة.
وقيل: ﴿ وَتَثْبِيتاً ﴾ في الصدقة، إذا كانت لله أمضى وتصدق بها، وإن خالطه شيء أمسك.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ﴾ .
قيل: الربوة: المرتفع من الأرض.
وقيل: الربوة: الظاهر المستوي من المكان.
وقوله : ﴿ أَصَابَهَا وَابِلٌ ﴾ .
والوابل: قد ذكرنا أنه المطر الشديد العظيم القطر.
وقوله : ﴿ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ ﴾ ، يعني الحجة أضعفت في ثمرها في الحمل ضعفين حين أصابها وابل.
كذلك الذي ينفق ماله لله في غير منه يمن بها يضاعف نفقتها، كثرت النفقة أو قلت.
وقيل: يضاعف الله للمنفق الأجر مرتين.
وقوله : ﴿ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ .
والطل، هو المطر الضعيف.
وقيل: هو الطش من المطر.
وقيل: هو الرذاذ من المطر مثل الندى، لا تزال الحبة خضراء دائماً ثمرها، قل أو كثر.
وقوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ .
ليس لهذا الخطاب جواب؛ لأن جوابه أن يقول: يود، أو لا يود.
لكن الخطاب من الله يخرج على وجوه ثلاثة: خطاب يفهم مراده وقت قرعه السمع.
وخطاب لا يفهم مراده إلا بعد النظر فيه والتفكر والتدبر، وهو كقوله: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ ، وكقوله عز وجل: ﴿ وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ .
وخطاب لا يفهم مراده إلا بالسؤال عنه رسول الله ، أو من له علم في ذلك؛ كقوله : ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ ، وكقوله : ﴿ فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
فإذا كان ما ذكرنا، فيحتمل أن ما ترك من الجواب للخطاب إنما ترك للطلب والبحث عنه والتفحص.
ثم إن هذا الخطاب يحتمل أن يكون في أهل النفاق؛ وذلك أن المنافق يرى من نفسه الموافقة لأهل الإسلام في الظاهر، وهو مخالف لهم في السر، وعنده أنه يستحق الثواب بذلك وقت الثواب، كان كصاحب الضيعة التي ذكرت في الآية: أن صاحبها يغرس فيها الغرس، وينبت فيها النبات في حال شبابه وقوته؛ رجاء أن يصل إلى الانتفاع بها في وقت الحاجة والضعف، فإذا بلغ ذلك واحتاج - حيل بينه وبين الانتفاع فيها.
فكذلك المنافق الذي كان دينه لمنافع في الدنيا وسعة لها، إذا بلغ إلى وقت الحاجة حرم ذلك.
وكذلك هذا في الكافر؛ لأنه رأى لنفسه النفع بعمله لوقت تأمله كصاحب الضيعة، ثم عند بلوغه الحاجة حرم عنه ذلك لا عتراض ما اعترض من الآفة، وهو كقوله : ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ ؛ لأن الكافر بما يدين من الدين إنما يدين لنفع يتأمله في الدنيا، والمؤمن إنما يدين بما يدين لنفع يتأمله ويطمع في الآخرة.
فرجاء الكافر في غير موضعه؛ لذلك كان ما ذكر.
والله أعلم.
ثم الأمثال التي ضربت ينتفع بها المؤمنون؛ لأن نظرهم ما في الأمثال من المعنى المدرج والمودع فيها، لم ينظروا إلى أعينها.
وأما الكفار إنما ينظرون إلى أعين الأمثال، لا إلى ما فيها، فاستحقروها واستبعدت عقولهم ذلك؛ لذلك قال الله - عز وجل -: ﴿ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ ، و ﴿ يَعْقِلُونَ ﴾ .
ووجه ضرب هذا المثل: هو أن الكافر يحرم أجره عند أفقر وأحوج ما كان إليه، كما حرم هذا نفع بستانه عند أفقر وأحوج ما كان إليه حين كبرت سنه وضعفت قوته، ولا حيلة له يومئذ.
وقوله : ﴿ إِعْصَارٌ ﴾ .
قال ابن عباس: الإعصار: ريح فيها سموم.
وقيل: الإعصار: ريح فيها نار تحرق الأشجار.
وقيل: هي الريح تسطع إلى السماء، وهي أشد.
قال الشيخ - رحمه الله - في قوله: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ...
﴾ الآية: فمعناه - والله أعلم - أن يكون ألا يود أحد أن تكون له جنة ينال منافعها في وقت قوته وغناه بقوته عنها وبغيرها من وجوه المعاش، ثم يحرم نفعها لوقت الحاجة إليها بضعف بدنه وارتكاب مؤن الذرية، فكذلك لا ترضوا من أنفسكم في وقت قوتها وغناها الغفلة عنها لوقت حاجتها إلى الأعمال والاضطرار إلى ثوابها.
والله أعلم.
وأن يكون المعنى من ذلك أي: لا تغتروا بظاهر أحوالكم في الدنيا، وبما تنالون من النافع بالذي أظهرتم من موافقة المؤمنين، كاغترار من ذكرت بجنسه في خاص ما عليه حاله إلى أن صار إلى ما أراه الله من عاقبته أنه يود عنه نهاية ذلك، أن لم يكن منه الاغترار في ذلك، ولكن كان قيامه على ما لا يضيع عنه ذلك بتلك الحال؛ فيخرج ذا على ضرب المثل للمنافق.
ويحتمل: أن يكون ذلك مثلاً لمن كفر بمحمد ممن يؤمن بالبعث، أن الذي ينال بالكفر به من الرياسة والعز، كالذي ذكر من صاحب الجنة أنه لا يود ذلك الابتداء بما يعلم تلك العاقبة؛ فكذا ما ينبغي لهم إذ بين لهم عواقب الكفر بمحمد أن يؤثروا الذي نالوا بعد علمهم بشدة تلك العاقبة.
والله أعلم.
والمثل خرج على غير ذلك الجواب فيه؛ لما قد جرى له البيان لعلمه بالمبعوث مبيناً أو بما في الحال التي لها نزول الآية دليل التعريف، أو بما أراد الله امتحان السامعين بالتأمل في الآية لينال كل ذي عقل فضله، وليكرم به أهل التدبر في أياته في صرف وجوه من دونهم إليهم في الصدور عن آرائهم والاعتماد على إشارتهم.
والله أعلم.
وجملة ذلك: أن أفعال ذوي الاختيار تكون للعواقب، وما إليه مرجع الفاعل مقصود في الابتداء، فبين لمن غفل عنه بالذي عرف من حيرة المسرور بجنته لما انكشفت له عاقبتها حتى لعله يود أن لم يكن له تلك، ليكون سروره بما يحمد عاقبته.
فعلى هذا الأمر: الأفعال التي يغفل عن عواقبها إذا صار إليها صاحبها.
والله الموفق.
<div class="verse-tafsir"
أيرغب أحدكم في أن يكون له بستان فيه نخل وعنب تجري في خلاله المياه العذبة، له فيه من كل أنواع الثمرات الطيبة، وأصاب صاحبَه الكِبَرُ فأصبح شيخًا لا يقدر على العمل والكسب، وله أبناء صغار ضعفاء لا يستطيعون العمل، فأصابت البستانَ ريح شديدة فيها نار شديدة فاحترق البستان كله، وهو أحوج ما يكون إليه لكبره وضعف ذريته؟!
فحال المنفق ماله رياء للناس مثل هذا الرجل؛ يَرِدُ على الله يوم القيامة بلا حسنات، في وقت هو أشد ما يكون حاجة لها.
مثل هذا البيان يبين الله لكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون فيه.
<div class="verse-tafsir" id="91.WA9vm"
إن النية الصالحة في الإنفاق كالوابل للجنة فيها تكون النفقة نافعة للناس لأن أصحابها يتحرون فيضعون نفقتهم موضع الحاجة لا يبذرون بغير روية.
وأراد بالطل: أن أمثال هؤلاء المخلصين لا يخيب قاصدهم لأن رحمة قلوبهم لا يغور معينها فإن لم تصبه بوابل من عطائها لم يفته طله فهم كالجنة التي لا يخشى عليها اليبس والزوال.
﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ ﴾ الآية...
الاستفهام لإنكار وقوع أن يود الإنسان لو تكون له جنة معظم شجرها الكرم والنخل اللذان هما أجمل الشجر وأنفعه، كثيرة المياه، حاوية لأنواع من الثمرات الكثيرة، قد نيطت بها آماله، ورجا أن ينتفع بها عياله، ويصيبه الكبر الذي يقعده عن الكسب في حال كثرة ذريته وضعفهم عن أن يقوموا بشأنه وشأنهم، حتى لا يبقى له ولا لهم مورد للرزق غير هذه الجنة، وبينما هو كذلك إذا بالجنة قد أصابها الاعصار، فأحرقها بما فيه من سموم النار.
وقد اختلف في تفسير ﴿ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ﴾ مع كون الجنة من نخيل وأعناب، فقال بعضهم: إن المراد بالثمرات هنا المنافع.
وقيل: المعنى له فيها رزق من كل الثمرات، على حد: ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ﴾ ، أي ما منا أحد إلا له إلخ...
وقيل: إن ﴿ مِنْ ﴾ بمعنى بعض...
والحق أننا إذا التفتنا عن قواعد النحو الوضعية، ولم نلتزم تعليلاتها وتدقيقاتها الفلسفية، وكسرنا قيود سيبويه والخليل، أمكننا أن نفهم العبارة من غير تقدير ولا تأويل، فالعربي الصريح، الذي طبع على القول الفصيح، لا يفهم من قولك: عندي من كل شيء، أو: لي في بستاني من كل ثمر، إلا أنك تريد أن لك حظًا من كل شيء وسهمًا من كل ثمر، لا يحتاج في ذلك إلى تقدر قول محذوف، ونظر غير مألوف، وهذا هو الصواب، فطبق عليه، ولا تطبقه على قواعد الإعراب.
<div class="verse-tafsir"