الآية ٢٧٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٠ من سورة البقرة

وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُۥ ۗ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ٢٧٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 104 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يفعله العاملون من الخيرات من النفقات والمنذورات وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك ابتغاء وجهه ورجاء موعوده .

وتوعد من لا يعمل بطاعته ، بل خالف أمره وكذب خبره وعبد معه غيره ، فقال : ( وما للظالمين من أنصار ) أي : يوم القيامة ينقذونهم من عذاب الله ونقمته .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وأي نفقة أنفقتم- يعني أي صدقة تصدقتم- (1) أو أي نذر نذرتم= يعني" بالنذر "، ما أوجبه المرء على نفسه تبررا في طاعة الله، وتقربا به إليه: من صدقة أو عمل خير=" فإن الله يعلمه "، &; 5-581 &; أي أن جميع ذلك بعلم الله، (2) لا يعزب عنه منه شيء، ولا يخفى عليه منه قليل ولا كثير، ولكنه يحصيه أيها الناس عليكم حتى يجازيكم جميعكم على جميع ذلك.

فمن كانت نفقته منكم وصدقته ونذره ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من نفسه، جازاه بالذي وعده من التضعيف، ومن كانت نفقته وصدقته رئاء الناس ونذوره للشيطان، جازاه بالذي أوعده، من العقاب وأليم العذاب، كالذي:- 6193 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه "، ويحصيه.

6194 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

* * * ثم أوعد جل ثناؤه من كانت نفقته رياء ونذوره طاعة للشيطان فقال: " وما للظالمين من أنصار "، يعني: وما لمن أنفق ماله رئاء الناس وفي معصية الله، وكانت نذوره للشيطان وفي طاعته=" من أنصار "، وهم جمع " نصير "، كما " الأشراف " جمع " شريف ".

(3) ويعني بقوله: " من أنصار "، من ينصرهم من الله يوم القيامة، فيدفع عنهم عقابه يومئذ بقوة وشدة بطش، ولا بفدية.

* * * وقد دللنا على أن " الظالم " هو الواضع للشيء في غير موضعه.

(4) .

* * * وإنما سمى الله المنفق رياء الناس، والناذر في غير طاعته، ظالما، لوضعه إنفاق ماله في غير موضعه، ونذره في غير ماله وضعه فيه، فكان ذلك ظلمه.

* * * &; 5-582 &; قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فكيف قال: " فإن الله يعلمه "، ولم يقل: " يعلمهما "، وقد ذكر النذر والنفقة.

قيل: إنما قال: " فإن الله يعلمه "، لأنه أراد: فإن الله يعلم ما أنفقتم أو نذرتم، فلذلك وحد الكناية.

(5) .

-------------- الهوامش : (1) انظر تفسير"النفقة" فيما سلف 5 : 555 .

(2) في المخطوطة : "فإن الله يعلم" ، والصواب هنا ما في المطبوعة .

ثم في المطبوعة : "جميع ذلك بعلم الله" ، وأثبت الصواب من المخطوطة .

(3) انظر معنى"النصر" و"النصير" فيما سلف 2 : 489 ، 564 .

(4) انظر تفسير"الظلم" فيما سلف 1 : 523 ، 524 /2 : 369 ، 519/ 4 : 584 ، وغيرها من المواضع ، اطلبها في فهرس اللغة .

(5) الكناية ، والمكني : هو الضمير ، في اصطلاح الكوفيين والبغداديين وغيرهم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصارشرط وجوابه ، وكانت النذور من سيرة العرب تكثر منها ، فذكر الله تعالى النوعين ، ما يفعله المرء متبرعا ، وما يفعله بعد إلزامه لنفسه .

وفي الآية معنى الوعد والوعيد ، أي من كان خالص النية فهو مثاب ، ومن أنفق رياء أو لمعنى آخر مما يكسبه المن والأذى ونحو ذلك فهو ظالم ، يذهب فعله باطلا ولا يجد له ناصرا فيه .

ومعنى ( يعلمه ) يحصيه ، قاله مجاهد .

ووحد الضمير وقد ذكر شيئين ، فقال النحاس : التقدير " وما أنفقتم من نفقة " فإن الله يعلمها ، " أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه " ثم حذف .

ويجوز أن يكون التقدير : وما أنفقتم فإن الله يعلمه وتعود الهاء على " ما " كما أنشد سيبويه لامرئ القيس :فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمألويكون أو نذرتم من نذر معطوفا عليه .

قال ابن عطية : ووحد الضمير في يعلمه وقد ذكر شيئين من حيث أراد ما ذكر أو نص .قلت : وهذا حسن : فإن الضمير قد يراد به جميع المذكور وإن كثر .

والنذر حقيقة العبارة عنه أن تقول : هو ما أوجبه المكلف على نفسه من العبادات مما لو لم يوجبه لم يلزمه ، تقول : نذر الرجل كذا إذا التزم فعله ، ينذر - بضم الذال - وينذر - بكسرها - .

وله أحكام يأتي بيانها في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

وهذا فيه المجازاة على النفقات، واجبها ومستحبها، قليلها وكثيرها، التي أمر الله بها، والنذور التي ألزمها المكلف نفسه، وإن الله تعالى يعلمها فلا يخفى عليه منها شيء، ويعلم ما صدرت عنه، هل هو الإخلاص أو غيره، فإن صدرت عن إخلاص وطلب لمرضاة الله جازى عليها بالفضل العظيم والثواب الجسيم، وإن لم ينفق العبد ما وجب عليه من النفقات ولم يوف ما أوجبه على نفسه من المنذورات، أو قصد بذلك رضى المخلوقات، فإنه ظالم قد وضع الشيء في غير موضعه، واستحق العقوبة البليغة، ولم ينفعه أحد من الخلق ولم ينصره، فلهذا قال: { وما للظالمين من أنصار }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وما أنفقتم من نفقة ) فيما فرض الله عليكم ( أو نذرتم من نذر ) أي : ما أوجبتموه [ أنتم ] على أنفسكم في طاعة الله فوفيتم به ( فإن الله يعلمه ) يحفظه حتى يجازيكم به وإنما قال : يعلمه ولم يقل : يعلمها لأنه رده إلى الآخر منهما كقوله تعالى : " ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا " ( 112 - النساء ) وإن شئت حملته على " ما " كقوله : " وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به " ( 231 - البقرة ) ولم يقل بهما ( وما للظالمين ) الواضعين الصدقة في غير موضعها بالرياء أو يتصدقون من الحرام ( من أنصار ) أعوان يدفعون عذاب الله عنهم وهي جمع نصير مثل : شريف وأشراف .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما أنفقتم من نفقة» أديتم من زكاة أو صدقة «أو نذرتم من نذر» فوفيتم به «فإن الله يعلمه» فيجازيكم عليه «وما للظالمين» بمنع الزكاة والنذر أو بوضع الإنفاق في غير محله من معاصي الله «من أنصار» مانعين لهم من عذابه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما أعطيتم من مال أو غيره كثير أو قليل تتصدقون به ابتغاء مرضات الله أو أوجبتم على أنفسكم شيئًا من مال أو غيره، فإن الله يعلمه، وهو المُطَّلِع على نياتكم، وسوف يثيبكم على ذلك.

ومَن منع حق الله فهو ظالم، والظالمون ليس لهم أنصار يمنعونهم من عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أنه عليم بما ينفقه المنفقون من صدقات سواء أكانت سراً أو جهراً وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب فقال - تعالى - :( وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ .

.

.

)النفقة : هي العطاء العاجل في باب من أبواب الخير .

أما النذر : فهو التزام قربة من القربات أو صدقة من الصدقات بأن يقول : لله على نذر أن أفعل كذا من أنواع البر .

أو أن شفى الله مريضي فسأفعل كذا .والمعنى : وما أنفقتم - أيها المؤمنون - من نفقة عاجلة قليلة أو كثيرة ، أو التزمتم بنفقة مستقبلة وعاهدتم الله - تعالى - على القيام بها ، فإنه - سبحانه - يعلم كل شيء ، ويعلم ما صاحب نياتكم من إخلاص أو رياء ، ويعلم ما أنفقتموه أهو من جيد أموالكم أم من رديئها ، وسيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .

فالآية الكريمة بيان لحكم كلي شامل لجميع أفراد النفقات إثر بيان حكم ما كان منها في سبيل الله - تعالى - .و ( ما ) في قوله : ( وَمَآ أَنفَقْتُمْ ) شرطية أو موصولة والفاء في قوله : ( فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ) رابطة الجواب الشرط إذا اعتبرنا ما شرطية ، ومزيدة في الخير إذا اعتبرناها موصولة و ( من ) في قوله : ( مِّن نَّفَقَةٍ ) بيانيية أو زائدة .وقوله : ( فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ) كناية عن الجزاء عليه ، لأن علم الله - تعالى - بالكائنات لا يشك فيه السامعون ، فأريد لازم معناه وهو الجزاء .

وإنما كان لازما له لأن القادر لا يصده عن الجزاء إلا عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسئ .وهذه الجملة الكريمة مع إيجازها قد أفادت الوعد العظيم للمطيعين والوعيد الشديد للمتمردين ، لأن الإِنسان إذا أيقن أن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من شئون خلقه ، فإن هذا اليقين سيحمله على الطاعة والإِخلاص ، وسيحضه على المسارعة في الخيرات ، خصوصاً وإن الجملة قد صدرت بإن المؤكدة ، وتليت بلفظ الجلالة الدالة على الاستحقاق الكامل للألوهية .قال بعضهم : وإنما قال - سبحانه - : ( فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ) ولم يقل يعلمها لوجهين :الأول : أن الضمير عائد إلى الأخير - وهو النذر - ، كما في قوله - تعالى - : ( وَمَن يَكْسِبْ خطيائة أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ) والثاني : أن الكناية عادت إلى ما في قوله : ( وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ ) لأنها اسم كقوله : ( وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الكتاب والحكمة يَعِظُكُمْ بِهِ ) وقوله : ( وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) وعيد شديد للخارجين على طاعة الله أي : ليس للظالمين أي نصير أو مغيث يمنع عقوبة الله عنهم .والمراد بالظالمين : الواضعون للأشياء في غير موضعها التي يجب أن توضع فيها ، والتاركون لما أمرهم الله به ، فيندرج فيهم الذين يبطلون صدقاتهم بالمن والأذى والرياء والذين يتصدقون بالرديء من أموالهم ، والذين ينفقون أموالهم في الوجوه التي نهى الله عنها ، والذين لم يوفوا بنذورهم التي عاهدوا الله على الوفاء بها كما يندرج فيهم كل من راتكب ما نهى الله عنه أو أهمل فيما كلفه الله به .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن الإنفاق يجب أن يكون من أجود المال، ثم حث أولاً: بقوله: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث  ﴾ وثانياً: بقوله: ﴿ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر  ﴾ حيث عليه ثالثاً: بقوله: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ على اختصاره، يفيد الوعد العظيم للمطيعين، والوعيد الشديد للمتمردين، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه تعالى عالم بما في قلب المتصدق من نية الإخلاص والعبودية أو من نيّة الرياء والسمعة.

وثانيها: أن علمه بكيفية نية المتصدق يوجب قبول تلك الطاعات، كما قال: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين  ﴾ وقوله: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ  ﴾ .

وثالثها: أنه تعالى يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها، ولا يشتبه عليه شيء منها.

المسألة الثانية: إنما قال: ﴿ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ ولم يقل: يعلمها، لوجهين: الأول: أن الضمير عائد إلى الأخير، كقوله: ﴿ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً ﴾ وهذا قول الأخفش، والثاني: أن الكتابة عادت إلى ما في قوله: ﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ ﴾ لأنها اسم كقوله: ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة يَعِظُكُم بِهِ  ﴾ .

المسألة الثالثة: النذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه يقال: نذر ينذر، وأصله من الخوف لأن الإنسان إنما يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده، وأنذرت القوم إنذاراً بالتخويف، وفي الشريعة على ضربين: مفسر وغير مفسر، فالمفسر أن يقول: لله عليّ عتق رقبة، ولله علي حج، فهاهنا يلزم الوفاء به، ولا يجزيه غيره وغير المفسر أن يقول: نذرت لله أن لا أفعل كذا ثم يفعله، أو يقول: لله علي نذر من غير تسمية فيلزم فيه كفارة يمين، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين».

أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: أنه وعيد شديد للظالمين، وهو قسمان، أما ظلمه نفسه فذاك حاصل في كل المعاصي، وأما ظلمه غيره فبأن لا ينفق أو يصرف الانفاق عن المستحق إلى غيره، أو يكون نيته في الانفاق على المستحق الرياء والسمعة، أو يفسدها بالمعاصي، وهذان القسمان الأخيران ليسا من باب الظلم على الغير، بل من باب الظلم على النفس.

المسألة الثانية: المعتزلة تمسكوا بهذه الآية في نفي الشفاعة عن أهل الكبائر، قالوا: لأن ناصر الإنسان من يدفع الضرر عنه فلو اندفعت العقوبة عنهم بشفاعة الشفعاء لكان أولئك أنصاراً لهم وذلك يبطل قوله تعالى: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ .

واعلم أن العرف لا يسمي الشفيع ناصراً، بدليل قوله تعالى: ﴿ واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ ففرق تعالى بين الشفيع والناصر فلا يلزم من نفي الأنصار نفي الشفعاء.

والجواب الثاني: ليس لمجموع الظالمين أنصار، فلم قلتم ليس لبعض الظالمين أنصار.

فإن قيل: لفظ الظالمين ولفظ الأنصار جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد، فكان المعنى: ليس لأحد من الظالمين أحد من الأنصار.

قلنا: لا نسلم أن مقابلة الجمع بالجمع توجب توزع الفرد على الفرد لاحتمال أن يكون المراد مقابلة الجمع بالجمع فقط لا مقابلة الفرد بالفرد.

والجواب الثالث: أن هذا الدليل النافي للشفاعة عام في حق الكل، وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات، والخاص مقدم على العام والله أعلم.

والجواب الرابع: ما بينا أن اللفظ العام لا يكون قاطعاً في الاستغراق، بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً، والمسألة ليست ظنية، فكان التمسك بها ساقطاً.

المسألة الثالثة: الأنصار جمع نصير، كإشراف وشريف، وأحباب وحبيب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ ﴾ في سبيل الله، أو في سبيل الشيطان ﴿ أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ ﴾ في طاعة الله، أو في معصيته ﴿ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه ﴿ وَمَا للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو لا يفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي ﴿ مِنْ أَنصَارٍ ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، في حَقٍّ أوْ باطِلٍ.

﴿ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ ﴾ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ، في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.

﴿ وَما لِلظّالِمِينَ ﴾ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في المَعاصِي ويُنْذِرُونَ فِيها، أوْ يَمْنَعُونَ الصَّدَقاتِ ولا يُوفُونَ بِالنَّذْرِ.

﴿ مِن أنْصارٍ ﴾ مَن يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ ويَمْنَعُهم مِن عِقابِهِ.

﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ فَنِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ عَلى الأصْلِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وأبُو عَمْرٍو وقالُونَ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ، ورُوِيَ عَنْهم بِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ وهو أقِيسُ.

﴿ وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ ﴾ أيْ تُعْطُوها مَعَ الإخْفاءِ.

﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكُمْ، وهَذا في التَّطَوُّعِ ولِمَن لَمْ يُعْرَفْ بِالمالِ فَإنَّ إبْداءَ الفَرْضِ لِغَيْرِهِ أفْضَلُ لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْهُ.

عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما « (صَدَقَةُ السِّرِّ في التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وصَدَقَةُ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتُها أفْضَلُ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا) .» ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ أيْ واللَّهُ يُكَفِّرُ أوِ الإخْفاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ ويَعْقُوبَ بِالنُّونِ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ مُبْتَدَأةٌ أوِ اسْمِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما بَعْدَ الفاءِ أيْ: ونَحْنُ نَكَفِّرُ.

وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِهِ مَجْزُومًا عَلى مَحَلِّ الفاءِ وما بَعْدَهُ.

وقُرِئَ بِالتّاءِ مَرْفُوعًا ومَجْزُومًا والفِعْلُ لِلصَّدَقاتِ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ تَرْغِيبٌ في الإسْرارِ.

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ﴾ لا يَجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَ النّاسَ مَهْدِيِّينَ، وإنَّما عَلَيْكَ الإرْشادُ والحَثُّ عَلى المَحاسِنِ، والنَّهْيُ عَنِ المَقابِحِ كالمَنِّ والأذى وإنْفاقِ الخَبِيثِ.

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ ﴾ صَرِيحٌ بِأنَّ الهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِمَشِيئَتِهِ، وإنَّها تُخَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ ﴾ مِن نَفَقَةٍ مَعْرُوفَةٍ.

﴿ فَلأنْفُسِكُمْ ﴾ فَهو لِأنْفُسِكم لا يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُكم فَلا تُمَنُّوا عَلَيْهِ ولا تُنْفِقُوا الخَبِيثَ.

﴿ وَما تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ ﴾ حالٌ، وكَأنَّهُ قالَ وما تُنْفِقُونَ مِن خَيْرٍ فَلِأنْفُسِكم غَيْرَ مُنْفِقِينَ إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ وطَلَبِ ثَوابِهِ.

أوْ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ أيْ ولَيْسَتْ نَفَقَتُكم إلّا لِابْتِغاءِ وجْهِهِ فَما بالُكم تَمُنُّونَ بِها وتُنْفِقُونَ الخَبِيثَ.

وقِيلَ: نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ يُوَفَّ إلَيْكُمْ ﴾ ثَوابُهُ أضْعافًا مُضاعَفَةً، فَهو تَأْكِيدٌ لِلشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، أوْ ما يُخْلَفُ لِلْمُنْفِقِ اسْتِجابَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، ولِمُمْسِكٍ تَلَفًا» رُوِيَ: أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانَتْ لَهم أصْهارٌ ورِضاعٌ في اليَهُودِ، وكانُوا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِمْ، فَكَرِهُوا لَمّا أسْلَمُوا أنْ يَنْفَعُوهم فَنَزَلَتْ.

وهَذا في غَيْرِ الواجِبِ أمّا الواجِبُ فَلا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلى الكُفّارِ.

﴿ وَأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ أيْ لا تُنْقَصُونَ ثَوابَ نَفَقاتِكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

في سبيل الله أو في سبيل الشيطان {أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ} في طاعة الله أو في معصيته {فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ} لا يخفى عليه وهو مجازيكم عليه {وَمَا للظالمين} الذين يمنعون الصدقات أو ينفقون أموالهم في المعاصي أو ينذرون في المعاصي أو لا يفون بالنذور {مِنْ أَنصَارٍ} ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ ﴾ قَلِيلَةٍ أوْ كَثِيرَةٍ سِرًّا أوْ عَلانِيَةً في حَقٍّ أوْ باطِلٍ، فالآيَةُ بَيانٌ لِحُكْمٍ كُلِّيٍّ شامِلٍ لِجَمِيعِ أفْرادِ النَّفَقاتِ أوْ ما في حُكْمِها إثْرَ بَيانِ حُكْمِ ما كانَ مِنها في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِالمالِ أوْ بِالأفْعالِ بِشَرْطٍ أوْ بِغَيْرِ شَرْطٍ في طاعَةٍ أوْ مَعْصِيَةٍ، والنُّذُرُ عَقْدُ القَلْبِ عَلى شَيْءٍ والتِزامُهُ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ، قِيلَ: وأصْلُهُ الخَوْفُ لِأنَّ الشَّخْصَ يَعْقِدُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ خَوْفَ التَّقْصِيرِ أوْ خَوْفَ وُقُوعِ أمْرٍ خَطِيرٍ ومِنهُ نَذْرُ الدَّمِ وهو العَقْدُ عَلى سَفْكِهِ لِلْخَوْفِ مِن مَضَرَّةِ صاحِبِهِ قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: هَمْ (يَنْذُرُونَ دَمِي) وأنْ ذُرُ إنْ لَقِيتْ بِأنْ أشُدّا وفِعْلُهُ كَ ضَرَبَ ونَصَرَ، وعَنْ يُونُسَ فِيما حَكاهُ الأخْفَشُ تَقُولُ العَرَبُ: نَذَرَ عَلى نَفْسِهِ نَذْرًا ونَذَرْتُ مالِي فَأنا أنْذُرُهُ نَذْرًا ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ كِنايَةً عَنْ مُجازاتِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ وإلّا فَهو مَعْلُومٌ، والفاءُ داخِلَةٌ في الجَوابِ إنْ كانَتْ (ما) شُرْطِيَّةً، وصِلَةٌ في الخَبَرِ إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ مَعَ أنَّ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ مُتَعَدِّدٌ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ بِناءً عَلى كَوْنِ العَطْفِ بِكَلِمَةِ أوْ وهي لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: إنَّ التَّوْحِيدَ بِاعْتِبارِ المَذْكُورِ وكَأنَّهُ لَمْ يَعْتَبَرِ المَذْكُورَ لِاعْتِبارِ المَرْجِعِ النَّفَقَةَ والنَّذْرَ المَذْكُورَيْنِ دُونَ المَصْدَرَيْنِ المَفْهُومَيْنِ مِن فِعْلَيْهِما وهُما المُتَعاطِفانِ بِ أوْ دُونَهُما، وعَلى تَسْلِيمِ أنَّ عَطْفَ الفِعْلَيْنِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَطْفِهِما لا يَنْبَغِي اِعْتِبارُهُما أيْضًا لِأنَّ الضَّمِيرَ مُذَكَّرٌ قَطْعًا وهُما مُذَكَّرٌ ومُؤَنَّثٌ، واعْتِبارُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجَّحٍ ولا يَخْفى ما فِيهِ فَإنَّ مِثْلَ هَذا الضَّمِيرِ قَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ حالَ المُقَدَّمِ مُراعاةً لِلْأوَّلِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها ﴾ وقَدْ يُعْتَبَرُ فِيهِ حالَ المُؤَخَّرِ مُراعاةً لِلْقُرْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا ﴾ وكُلٌّ مِنهُما سائِغٌ شائِعٌ في الفَصِيحِ وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي إنِ اُعْتُبِرَ المَذْكُورُ صَرِيحًا، والتِزامُ التَّأْوِيلِ في جَمِيعِ ما ورَدَ تَعَسُّفٌ مُسْتَغْنى عَنْهُ كَما لا يَخْفى، نَعَمْ جُوِّزَ إرْجاعُ الضَّمِيرِ إلى (ما) لَكِنْ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً كَما قالَهُ غَيْرُ واحِدٍ.

﴿ وما لِلظّالِمِينَ ﴾ أيِ الواضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها الَّتِي يَحِقُّ أنْ تُوضَعَ فِيها فَيَشْمَلُ المُنْفِقِينَ بِالرِّياءِ والمَنِّ والأذى والمُتَحَرِّينَ لِلْخَبِيثِ في الإنْفاقِ والمُنْفِقِينَ في باطِلٍ والنّاذِرِينَ في مَعْصِيَةٍ والمُمْتَنِعِينَ عَنْ أداءِ ما نَذَرُوا في حَقٍّ والباخِلِينَ بِالصَّدَقَةِ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن فَضْلِهِ، وخَصَّهم أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ بِالمُنْفِقِينَ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ والمُبَذِّرِينَ في المَعْصِيَةِ؛ ومُقاتِلٌ بِالمُشْرِكِينَ، ولَعَلَّ التَّعْمِيمَ أوْلى.

﴿ مِن أنْصارٍ  ﴾ أيْ أعْوانٍ يَنْصُرُونَهُ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى لا شَفاعَةَ ولا مُدافَعَةَ وهو جَمْعُ نَصِيرٍ كَحَبِيبٍ وأحْبابٍ أوْ ناصِرٍ كَشاهِدٍ وأشْهادٍ، والإتْيانُ بِهِ جَمْعًا عَلى طَرِيقِ المُقابَلَةِ فَلا يَرِدُ أنَّ نَفْيَ الأنْصارِ لا يُفِيدُ نَفْيَ النّاصِرِ وهو المُرادُ.

والقَوْلُ بِأنَّ هَذا إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا جُعِلَتْ (مِن) زائِدَةً ولَكَ أنْ تَجْعَلَها تَبْعِيضِيَّةً أيْ شَيْءٌ مِنَ الأنْصارِ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما [لا] يَخْفى، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلْوَعِيدِ المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ مَضْمُونُ ما قَبْلَهُ، ونَفْيُ أنْ يَكُونَ لِلظّالِمِ عَلى رَأْيِ مُقاتِلٍ ناصِرٌ مُطْلَقًا ظاهِرٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أخْذِ المَظالِمِ عامًّا أوْ خاصًّا بِما قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ فَيَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ خارِجَةٌ مَخْرَجَ التَّرْهِيبِ لِما أنَّ العاصِيَ غَيْرُ المُشْرِكِ كَيْفَ ما كانَتْ مَعْصِيَتُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ ناصِرٌ يَشْفَعُ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ.

واسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ النُّذُرِ والوَفاءِ بِهِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً وإلّا فَلا وفاءَ، فَقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ الحُصَيْنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «النَّذْرُ نَذْرانِ فَما كانَ مِن نَذْرٍ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى وفِيهِ الوَفاءُ وما كانَ مِن نَذْرٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَذَلِكَ لِلشَّيْطانِ ولا وفاءَ فِيهِ، ويُكَفِّرُهُ ما يُكَفِّرُ اليَمِينَ» وتَفْصِيلُ الكَلامِ في النَّذْرِ يَأْتِي بَعْدُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لقوله وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ يقول ما تصدقتم من صدقة.

أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فوفيتم بنذوركم فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ أي يحصيه ويقبله منكم، وهذا وعد من الله تعالى، فكأنه يقول: إنه لا ينسى بل يعطي ثوابكم.

وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ يعني ليس للمشركين من مانع في الآخرة يمنعهم من العذاب إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ وذلك أن الله تعالى لما حثهم على الصدقة سألوا رسول الله  : صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟

فنزل قوله: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ، يعني إن تعلنوا الصدقات المفروضة.

فَنِعِمَّا هِيَ قرأ حمزة والكسائي وابن عامر، فنعما هي بنصب النون وكسر العين، وقرأ عاصم في رواية حفص ونافع في رواية ورش، وابن كثير بكسر النون وكسر العين، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر، فنعما بكسر النون وجزم العين، وكل ذلك جائز وفيه ثلاث لغات نِعِم نَعِم ونِعْم، وما زيدت فيها للصلة.

وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص، ويكفر بالياء وضم الراء.

وقرأ حمزة ونافع والكسائي ونكفر بالنون وجزم الراء.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونكفر بالنون وضم الراء، فمن قرأ بالجزم، فهو جزاء الصدقة، ومن قرأ بالضم فهي على المستقبل، يعني إن تعلنوا الصدقات فحسن وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من صدقة العلانية.

فأما صدقة التطوع فقد اتفقوا أن الصدقة في السر أفضل، وأما الزكاة المفروضة قال بعضهم: السر أفضل، لأنه أبعد من الرياء وقال بعضهم: العلانية أفضل، لأن الزكاة من شعائر الدين، فكل ما كان أظهر، كان أفضل كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين، ولأن في ذلك زيادة رغبة لغيره في أداء الزكاة ثم قال تعالى: وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يعني فيما تصدقتم في السر والعلانية يتقبل منكم، ويكون في ذلك كفارة سيئاتكم، ويعطي ثوابكم في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقد وثَّق أبو حاتم أبا خالدٍ، وسُئِل أبو زُرْعَة «١» عن نُبَيْح، فقال: هو كوفيٌّ ثقة.

انتهى من «الإِلمام في أحاديثِ الأحْكَامِ» لابن دقيق العيد «٢» .

وواسِعٌ: لأنه وَسِعَ كلَّ شيء رحمةً وعلماً.

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ: أَيْ: يعطيها لِمَنْ يَشَاء من عباده، والحكمةُ مصدرٌ من الإِحكام، وهو الإِتقان في عملٍ أو قولٍ، وكتابُ اللَّهِ حكْمَةٌ، وسُنَّةُ نبيِّه- عليه السلام- حِكْمَةٌ، وكلُّ ما ذكره المتأوِّلون فيها، فهُوَ جُزْء من الحكْمة التي هي الجنْس، قال الإِمامُ الفَخْر في شرحه لأسماء اللَّه الحسنى: قال المحقِّقون: العلماءُ ثلاثةٌ: علماءُ بأحكامِ اللَّهِ فقط وهم العلماءُ أصحابُ الفتوى، وعلماءُ باللَّهِ فقَطْ وهم الحكماءُ، وعلماءُ بالقِسْمَيْن وهُمُ الكبراءُ، فالقسْم الأول كالسِّراجِ يحرقُ نَفْسَه، ويضيءُ لغَيْره، والقسم الثَّاني حالُهم أكْمَلُ من الأوَّل لأنه أَشْرَقَ قَلْبُهُ بمَعْرفة اللَّه، وسره بنُور جلالِ اللَّه، إِلاَّ أنه كالكَنْز تَحْت التُّرَابِ، لا يصلُ أَثَرُه إلى غيره، وأما القسمُ الثالثُ، فهم أشرفُ الأقسامِ، فهو كالشَّمْسِ تضيءُ العَالَمَ لأنه تامٌّ، وفوْقَ التامِّ.

انتهى.

وباقي الآية تذكرةٌ بيِّنة، وإقامة لِهِمَمِ الغفلة- والْأَلْبابِ: العقول، واحدها لبّ.

وقوله تعالى: وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ ...

الآية: يقال: نَذَرَ الرَّجُلُ كَذَا، إِذا التزم فعله.

وقوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ.

قال مجاهدٌ: معناه: يُحْصِيه، وفي الآيةِ وعْدٌ ووعيدٌ، أي: مَنْ كان خالص النيَّة، فهو مثابٌ، ومن أنْفَقَ رياءً أو لمعنًى آخَرَ ممَّا يكْشفه المَنُّ والأذى، ونحو ذلك، فهو ظالمٌ يذهب فعْلُه باطلاً، ولا يجد ناصراً فيه.

وقوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ...

الآية: ذهب جمهورُ المفسِّرين إِلى أنَّ هذه الآيةَ في صدَقَةِ التطوُّع، قال ابن عبَّاس: جعل اللَّه صدَقَةَ السِّرِّ في التطوُّع تفضُلُ علانيتها، يقال: بسبعين ضِعْفاً، وجعل صدَقَةَ الفريضَةِ علانيتَهَا أفْضَلَ من سرِّها، يقال: بخَمْسَةٍ وعشْرين ضِعْفاً، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياء كلِّها «١» .

ع «٢» : ويقوِّي ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَتِهِ فِي المَسْجِدِ إِلاَّ المَكْتُوبَة» «٣» ، وذلك أن الفرائضَ لا يدْخُلُها رياءٌ، والنوافل عُرْضَةٌ لذلك، قال الطبريُّ «٤» : أجمعَ النَّاس على أن إِظهار الواجِبِ أفضلُ.

وقوله تعالى: فَنِعِمَّا هِيَ: ثناءٌ على إِبداء الصدقةِ، ثم حكم أنَّ الإِخفاء خيْرٌ من ذلك الإِبداءِ، والتقديرُ: نِعْمَ شيءٌ إِبداؤها، فالإبداء هو المخصوص بالمدح/ وخرّج أبو ٧١ أداود في «سننه» ، عن أبي أُمَامَةَ، قال: قَالَ النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «انطلق بِرَجُلٍ إلى بَابِ الجَنَّةِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ الوَاحِدُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ لأنَّ صاحب القرضِ لا يأتيك إِلاَّ وهو محتاجٌ، والصدقةُ ربما وُضِعَتْ في غنيٍّ، وخرَّجه ابن ماجة في «سننه» ، قال: حدَّثنا عُبَيْدُ اللَّه بن عبد الكريمِ، حدَّثنا هشام بْنُ خالدٍ «٥» ، حدَّثنا خالدُ بن يَزِيدَ بْنِ أبي مالكٍ «٦» ، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: قَالَ رسول

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ ﴾ النَّذْرُ: ما أوْجَبَهُ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ، وقَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا، ويَكُونُ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: يُحْصِيهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُجازى عَلَيْهِ.

وفي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا، قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: المُنْفِقُونَ بِالمَنِّ والأذى والرِّياءِ، والمُنْذِرُونَ في المَعْصِيَةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

والأنْصارُ: المانِعُونَ.

فَمَعْناهُ: ما لُهم مانِعٌ يَمْنَعُهم مِن عَذابِ اللَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ أو نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ ﴾ ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ فَنِعِمّا هي وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكم ويُكَفِّرُ عنكم مِن سَيِّئاتِكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ كانَتِ النُذُورُ مِن سِيرَةِ العَرَبِ، تُكْثِرُ مِنها، فَذَكَرَ تَعالى النَوْعَيْنِ: ما يَفْعَلُهُ المَرْءُ تَبَرُّعًا، وما يَفْعَلُهُ بَعْدَ إلْزامِهِ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: نَذَرَ الرَجُلُ كَذا إذا التَزَمَ فِعْلَهُ يَنْذُرُ بِضَمِّ الذالِ ويَنْذِرُ بِكَسْرِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: يُحْصِيهِ، وفي الآيَةِ وعْدٌ ووَعِيدٌ، أيْ مَن كانَ خالِصَ النِيَّةِ فَهو مُثابٌ، ومَن أنْفَقَ رِياءً أو لِمَعْنىً آخَرَ مِمّا يَكْشِفُهُ المَنُّ والأذى ونَحْوُ ذَلِكَ فَهو ظالِمٌ، يَذْهَبُ فِعْلُهُ باطِلًا، ولا يَجِدُ ناصِرًا فِيهِ، ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "يَعْلَمُهُ" وقَدْ ذَكَرَ شَيْئَيْنِ مِن حَيْثُ أرادَ ما ذَكَرَ أو نَصَّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ ﴾ الآيَةُ.

ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي في صَدَقَةِ التَطَوُّعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "جَعَلَ اللهُ صَدَقَةَ السِرِّ في التَطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلانِيَتَها، يُقالُ: بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها يُقالُ: بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا، قالَ: وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  « "صَلاةُ الرَجُلِ في بَيْتِهِ أفْضَلُ مِن صَلاتِهِ في المَسْجِدِ إلّا المَكْتُوبَةَ"،» وذَلِكَ أنَّ الفَرائِضَ لا يَدْخُلُها رِياءٌ والنَوافِلَ عُرْضَةٌ لِذَلِكَ.

وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ، وقالَ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الصَدَقَةِ عَلى اليَهُودِ والنَصارى، وكانَ يُأْمَرُ بِقَسْمِ الزَكاةِ في السِرِّ - وهَذا مَرْدُودٌ لا سِيَّما عِنْدَ السَلَفِ الصالِحِ، فَقَدْ قالَ الطَبَرِيُّ: أجْمَعَ الناسُ عَلى أنَّ إظْهارَ الواجِبِ أفْضَلُ، قالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ فَرْضُ الزَكاةِ، وما تُطُوِّعَ بِهِ، فَكانَ الإخْفاءُ فِيهِما أفْضَلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ ساءَتْ ظُنُونُ الناسِ بَعْدَ ذَلِكَ فاسْتَحْسَنَ العُلَماءُ إظْهارَ الفَرْضِ لِئَلّا يُظَنَّ بِأحَدٍ المَنعُ، وهَذا القَوْلُ مُخالِفٌ لِلْآثارِ، ويُشْبِهُهُ في زَمَنِنا أنْ يَحْسُنَ التَسَتُّرُ بِصَدَقَةِ الفَرْضِ فَقَدْ كَثُرَ المانِعُ لَها وصارَ إخْراجُها عُرْضَةً لِلرِّياءِ - وقالَ النَقّاشُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً  ﴾ الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ ثَناءٌ عَلى إبْداءِ الصَدَقَةِ، ثُمَّ حَكَمَ أنَّ الإخْفاءَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ الإبْداءِ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ ، فَقَرَأ نافِعٌ في غَيْرِ رِوايَةِ ورْشٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، والمُفَضَّلُ: "فَنِعْما" بِكَسْرِ النُونِ وسُكُونِ العَيْنِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ، وابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ في رِوايَةِ ورْشٍ: "فَنِعِما" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَنَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ وكُلُّهم شَدَّدَ المِيمَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَسْتَقِمْ قَوْلُهُ، لِأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، الأوَّلُ مِنهُما لَيْسَ بِحَرْفِ مَدٍّ ولِينٍ، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ النَحْوِيِّينَ إذا كانَ الأوَّلُ حَرْفَ مَدٍّ، إذِ المَدُّ يَصِيرُ عِوَضًا مِنَ الحَرَكَةِ، وهَذا نَحْوُ: دابَّةٍ وضَوالَّ، وشَبَهِهِ، ولَعَلَّ أبا عَمْرٍو أخْفى الحَرَكَةَ واخْتَلَسَها، كَأخْذِهِ بِالإخْفاءِ في "بارِيكم ويَأْمُرُكُمْ" فَظَنَّ السامِعُ الإخْفاءَ إسْكانًا لِلُطْفِ ذَلِكَ في السَمْعِ وخَفائِهِ.

وأمّا مَن قَرَأ "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ فَحُجَّتُهُ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ نِعِمْ بِكَسْرِ الفاءِ مِن أجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ، ألا تَرى أنَّ مَن يَقُولُ: "هَذا قَدَمُ مَلِكٍ"، فَيُدْغِمُ "هَؤُلاءِ قَوْمُ مَلِكٍ" و"جِسْمُ ماجِدٍ".

وقالَ سِيبَوَيْهِ: "نِعِمّا" بِكَسْرِ النُونِ والعَيْنِ لَيْسَ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعْمَ" فَأسْكَنَ العَيْنَ، ولَكِنْ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "نِعِمْ" فَحَرَّكَ العَيْنَ، وحَدَّثَنا أبُو الخَطّابِ أنَّها لُغَةُ هُذَيْلٍ، وكَسْرُها -كَما قالَ- لَعِبٌ ولَوْ كانَ الَّذِي قالَ: "نِعِمّا" مِمَّنْ يَقُولُ: نِعْمَ بِسُكُونِ العَيْنِ لَمْ يَجُزِ الإدْغامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُشْبِهُ أنَّ هَذا يَمْتَنِعُ لِأنَّهُ يَسُوقُ إلى اجْتِماعِ ساكِنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأمّا مَن قَرَأ: "نَعِمّا" بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ العَيْنِ فَإنَّما جاءَ بِالكَلِمَةِ عَلى أصْلِها وهو نَعِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ما أقَلَّتْ قَدَمايَ إنَّهم ∗∗∗ نَعِمَ الساعُونَ في الأمْرِ المُبِرْ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُ قَبْلَ الإدْغامِ: "نِعْمَ" بِسُكُونِ العَيْنِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وذَلِكَ جائِزٌ مُحْتَمَلٌ، وتُكْسَرُ العَيْنُ بَعْدَ الإدْغامِ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: و"ما" مِن قَوْلِهِ: نِعِمّا في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَوْلُهُ: "هِيَ" تَفْسِيرٌ لِلْفاعِلِ المُضْمَرِ قَبْلَ الذِكْرِ، والتَقْدِيرُ: نِعْمَ شَيْئًا إبْداؤُها، وقَوْلُهُ: والإبْداءُ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ إلّا أنَّ المُضافَ حُذِفَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أيِ الإخْفاءُ خَيْرٌ، فَكَما أنَّ الضَمِيرَ هُنا لِلْإخْفاءِ لا لِلصَّدَقاتِ، فَكَذَلِكَ أوَّلًا الفاعِلُ هو الإبْداءُ وهو الَّذِي اتَّصَلَ بِهِ الضَمِيرُ فَحُذِفَ الإبْداءُ، وأُقِيمَ ضَمِيرُ الصَدَقاتِ مَقامَهُ.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُكَفِّرُ عنكُمْ ﴾ ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "وَنُكَفِّرُ" بِالنُونِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَنُكَفِّرْ" بِالنُونِ والجَزْمِ في الراءِ، ورُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا عن عاصِمٍ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَيُكَفِّرُ" بِالياءِ ورَفْعِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَتُكَفِّرْ" بِالتاءِ وكَسْرِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَتُكَفَّرْ" بِالتاءِ وفَتْحِ الفاءِ وجَزْمِ الراءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَيُكَفِّرْ" بِالياءِ وجَزْمِ الراءِ، ورُوِيَ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ و"يُكَفِّرَ" بِالياءِ ونَصْبِ الراءِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قَرَأ الأعْمَشُ: "يُكَفِّرْ" بِالياءِ دُونَ واوٍ قَبْلَها وبِجَزْمِ الراءِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ هُرْمُزَ أنَّهُ قَرَأ "وَتُكَفَّرُ" بِالتاءِ ورَفْعِ الراءِ، وحُكِيَ عن عِكْرِمَةَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنَّهُما قَرَآ بِتاءٍ ونَصْبِ الراءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَما كانَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ بِالنُونِ فَهي نُونُ العَظَمَةِ، وما كانَ مِنها بِالتاءِ فَهي الصَدَقَةُ فاعِلَةٌ إلّا ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ مِن فَتْحِ الفاءِ فَإنَّ التاءَ في تِلْكَ القِراءَةِ إنَّما هي لِلسَّيِّئاتِ.

وما كانَ مِنها بِالياءِ فاللهُ تَعالى هو المُكَفِّرُ - والإعْطاءُ في خَفاءٍ هو المُكَفِّرُ أيْضًا كَما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَهو عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خَبَرَ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ونَحْنُ نُكَفِّرُ، أو: وهي تُكَفِّرُ، أعْنِي الصَدَقَةَ، أو واللهُ يُكَفِّرُ، والثانِي: القَطْعُ والِاسْتِئْنافُ، وألّا تَكُونَ الواوُ العاطِفَةُ لِلِاشْتِراكِ لَكِنْ لِعَطْفِ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ.

وأمّا الجَزْمُ في الراءِ فَإنَّهُ حَمْلٌ لِلْكَلامِ عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ ﴾ إذْ هو في مَوْضِعِ جَزْمٍ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تُخْفُوها يَكُنْ أعْظَمَ لِأجْرِكُمْ، ثُمَّ عَطَفَهُ عَلى هَذا المَوْضِعِ، كَما جاءَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "مَن يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ ونَذَرْهُمْ" بِجَزْمِ الراءِ وأمْثِلَةُ هَذا كَثِيرَةٌ.

وأمّا نَصْبُ الراءِ فَعَلى تَقْدِيرِ "أنْ" وتَأمَّلْ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو مُشَبَّهٌ بِالنَصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، إذِ الجَزاءُ يَجِبُ بِهِ الشَيْءُ لِوُجُوبِ غَيْرِهِ كالِاسْتِفْهامِ.

والجَزْمُ في الراءِ أفْصَحُ هَذِهِ القِراءاتِ، لِأنَّها تُؤْذِنُ بِدُخُولِ التَكْفِيرِ في الجَزاءِ، وكَوْنِهِ مَشْرُوطًا إنْ وقَعَ الإخْفاءُ، وأمّا رَفْعُ الراءِ فَلَيْسَ فِيهِ هَذا المَعْنى.

و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِن سَيِّئاتِكُمْ" لِلتَّبْعِيضِ المَحْضِ، والمَعْنى في ذَلِكَ مُتَمَكِّنٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: "مِن" زائِدَةٌ في هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ وعْدٌ ووَعِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذييل للكلام السابق المسوققِ للأمر بالإنفاق وصفاته المقبولَة والتحذير من المثبّطات عنه ابتداء من قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيّبات ما كسبتم وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ [البقرة: 267].

والمقصود من هذا التذييل التذكير بأنّ الله لا يخفى عليه شيء من النفقات وصفاتها، وَأدْمج النذر مع الإنفاق فكان الكلام جديراً بأن يكون تذييلاً.

والنذر التزام قربة أو صدقة بصيغة الإيجاب على النفس كقوله عليّ صدقة وعليّ تجهيز غاز أو نحو ذلك، ويكون مطلَقاً ومعلَّقاً على شيء.

وقد عرفت العرب النذر من الجاهلية، فقد نذر عبدُ المطلب أنّه إن رُزق عشرة أولاد ليذبحنّ عاشرهم قرباناً للكعبة، وكان ابنُه العاشر هو عبد الله ثاني الذبيحين، وأكرِم بها مزيةً، ونذرت نُتَيلةُ زوج عبد المطلب لما افتقدت ابنها العباسَ وهو صغير أنّها إن وجدته لتَكْسُوَنّ الكعبة الديباج ففعلت.

وهي أول من كسا الكعبة الديباج.

وفي حديث البخاري أنّ عمر بن الخطاب قال: " يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال أوْففِ بنذرك ".

وفي الأمم السالفة كان النذر، وقد حكى الله عن امرأة عمران ﴿ إنّي نذرت لك ما في بطني محرّرا ﴾ [آل عمران: 35].

والآية دلّت على مشروعيته في الإسلام ورجاء ثوابه، لعطفه على ما هو من فعل الخير سواء كان النذر مطلقاً أم معلّقاً، لأنّ الآية أطلقت، ولأنّ قوله: ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ مراد به الوعد بالثواب.

وفي الحديث الصحيح عن عمر وابنه عبد الله وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنّ النذر لا يُقدِّم شيئاً ولا يؤخّر، ولا يردّ شيئاً ولا يأتي ابن آدم بشيء لم يكن قُدر له، ولكنّه يُستخرج به من البَخيل ".

ومَساقه الترغيب في النذر غير المعلّق لا إبطال فائدة النذر.

وقد مدح الله عباده فقال: ﴿ يوفون بالنذر ﴾ [الإنسان: 7].

وفي «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم " من نَذر أن يطيعَ الله فليُطِعْه ومن نذر أن يعصِيَ الله فلا يْعْصِه ".

و (مِن) في قوله: ﴿ من نفقة ﴾ و ﴿ من نذر ﴾ بيان لما أنفقتم ونذرتم، ولما كان شأن البيان أن يفيد معنى زائداً على معنى المبيَّن، وكان معنى البيان هنا عين معنى المبيّن، تعيّن أن يكون المقصود منه بيان المنفَق والمنذور بما في تنكير مجروري (مِنْ) من إرادة أنواع النفقات والمنذورات فأكّد بذلك العموممِ ما أفادته ما الشرطيةُ من العموم من خير أو شر في سبيل الله أو في سبيل الطاغوت، قال التفتازاني: «مِثْل هذا البيان يكون لتأكيد العموم ومنع الخصوص».

وقوله: ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ كناية عن الجزاء عليه لأنّ علم الله بالكائنات لا يَشُك فيه السامعون، فأريد لازم معناه، وإنّما كان لازماً له لأنّ القادر لا يصدّه عن الجزاء إلاّ عدم العلم بما يفعله المحسن أو المسيء.

﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ ﴾ .

هذا وعيد قوبل به الوعد الذي كنّي عنه بقوله: ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ ، والمراد بالظالمين المشركون علنا والمنافقون، لأنّهم إن منعوا الصدقات الواجبة فقد ظلموا مصارفها في حقّهم في المال وظلموا أنفسهم بإلقائها في تبعات المنع، وإن منعوا صدقة التطوُّع فقد ظلموا أنفسهم بحرمانها من فضائل الصدقات وثوابها في الآخرة.

والأنصار جمع نصير، ونفي الأنصار كناية عن نفي النصر والغوث في الآخرة وهو ظاهر، وفي الدنيا لأنّهم لما بخلوا بنصرهم الفقير بأموالهم فإنّ الله يعدمهم النصير في المضائق، ويقسي عليهم قلوب عباده، ويلقي عليهم الكراهية من الناس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ ﴾ يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ في إبْدائِها كَراهِيَةٌ.

﴿ وَإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُودُ إلى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، يَكُونُ إخْفاؤُها أفْضَلَ، لِأنَّهُ مِنَ الرِّياءِ أبْعَدُ، فَأمّا الزَّكاةُ فَإبْداؤُها أفْضَلُ، لِأنَّهُ مِنَ التُّهْمَةِ أبْعَدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسُفْيانَ.

والثّانِي: أنَّ إخْفاءَ الصَّدَقَتَيْنِ فَرْضًا ونَفَلًا أفْضَلُ، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ.

﴿ وَيُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ (مِن) زائِدَةٌ تَقْدِيرُها: ويُكَفِّرُ عَنْكم سَيِّئاتِكم.

والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما دَخَلَتْ لِلتَّبْعِيضِ، لِأنَّهُ إنَّما يُكَفِّرُ بِالطّاعَةِ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ الصَّغائِرَ، وفي تَكْفِيرِها وجْهانِ: أحَدُهُما: يَسْتُرُها عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: يَغْفِرُها لَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ﴾ قال: يحصيه.

وأخرج عبد الرزاق والبخاري من طريق ابن شهاب عن عوف بن الحرث بن الطفيل وهو ابن أخي عائشة لأمها.

أن عائشة رضي الله عنها حدثت: أن عبد الله بن الزبير قال في بيع أو عطاء أعطته عائشة: والله لتنتهين عائشة أو لأحجرن عليها.

فقالت: أهو قال هذا؟

قالوا نعم.

قالت عائشة: فهو لله نذر أن لا أكلم ابن الزبير كلمة أبداً.

فاستشفع ابن الزبير بالمهاجرين حين طالت هجرتها اياه.

فقالت: والله لا أشفع فيه أحداً أبداً، ولا أحنث نذري الذي نذرت أبداً، فلما طال على ابن الزبير كلم المسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، وهما من بني زهرة فقال لهما: أنشدكما الله ألا أدخلتماني على عائشة فإنها لا يحل لها أن تنذر قطيعتي، فأقبل به المسور وعبد الرحمن مشتملين عليه بأرديتهما حتى استأذنا على عائشة، فقالا: السلام على النبي ورحمة الله وبركاته أندخل؟

فقالت عائشة: ادخلوا.

قالوا: أكلنا يا أم المؤمنين؟

قالت: نعم، ادخلوا كلكم.

ولا تعلم عائشة أن معهما ابن الزبير، فلما دخلوا دخل ابن الزبير في الحجاب واعتنق عائشة وطفق يناشدها ويبكي، وطفق المسور وعبد الرحمن يناشدان عائشة إلا كلمته وقبلت منه، ويقولان: «قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عما قد علمت من الهجرة، وأنه لا يحل للرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال» فلما أكثروا التذكير والتحريج طفقت تذكرهم وتبكي وتقول: إني قد نذرت والنذر شديد، فلم يزالوا بها حتى كلمت ابن الزبير، ثم اعتقت بنذرها أربعين رقبة لله، ثم كانت تذكر، بعدما أعتقت أربعين رقبة، فتبكي حتى تبل دموعها خمارها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن حجيرة الأكبر.

أن رجلاً أتاه فقال: إني نذرت أن لا أكلم أخي فقال: إن الشيطان ولد له ولد فسماه نذراً، وإن من قطع ما أمر الله به أن يوصل فقد حلت عليه اللعنة.

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» .

و أخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» .

وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: «أسرت امرأة من الأنصار فاصيبت العضباء فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت ونذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال: سبحان الله...

!

بئس ما جزتها، نذرت لله إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفارة النذر إذا لم يسم كفارة اليمين» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ثابت بن الضحاك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل» .

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنذروا فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج من البخيل» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدرته فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يهادي بين ابنيه فقال: ما بال هذا؟

قالوا: نذر أن يمشي إلى الكعبة.

قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني، وأمره أن يركب» .

وأخرج مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك شيخاً يمشي بين ابنيه يتوكأ عليهما.

فقال: ما شأن هذا؟

قال ابناه: يا رسول الله كان عليه نذر.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اركب أيها الشيخ فإن الله غني عنك وعن نذرك» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عقبة بن عامر قال: «نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله حافية، فأمرتني أن استفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته فقال: لتمش ولتركب» .

وأخرج أبو داود عن ابن عباس «أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية وانها لا تطيق ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لغني عن مشي اختك فلتركب ولتهد بدنة» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن اختي نذرت أن تحج ماشية.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يصنع بشقاء اختك شيئاً، فلتحج راكبة وتكفر عن يمينها» .

وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عقبة بن عامر «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن اخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة.

فقال: مروها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام» .

وأخرج البخاري وأبو داود وابن ماجة عن ابن عباس قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد لا يستظل ولا يتكلم ويصوم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة عن أبي عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به» .

وأخرج النسائي عن عمران بن حصين «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: النذر نذران.

فما كان من نذر في طاعة الله فذلك لله وفيه الوفاء، وما كان من نذر في معصية الله فذلك للشيطان، ولا وفاء فيه ويكفره ما يكفر اليمين» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والحاكم عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نذر في معصية ولا غضب، وكفارته كفارة يمين» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عمران بن حصين قال: «ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة.

قال: وان من المثلة أن يخرم أنفه وأن ينذر أن يحج ماشياً، فمن نذر أن يحج ماشياً فليهد هدياً وليركب» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني نذرت أن أقوم على قعيقعان عرياناً إلى الليل.

فقال: أراد الشيطان أن يبدي عورتك وأن يضحك الناس بك، البس ثيابك وصلّ عند الحجر ركعتين.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: النذور أربعة: فمن نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً فيما لا يطيق فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً فيما يطيق فليوف بنذره.

و أما قوله تعالى: ﴿ و ما للظالمين من أنصار ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن شريح قال: الظالم ينتظر العقوبة، والمظلوم ينتظر النصر.

وأخرج البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الظلم ظلمات يوم القيامة» .

وأخرج البخاري في الأدب ومسلم والبيهقي في الشعب عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم» .

وأخرج البخاري في الأدب وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والظلم فإن الظلم هو الظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفاحش المتفحش، وإياكم والشح فإن الشح دعا من كان قبلكم فسفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم، وقطعوا أرحامهم» .

وأخرج الحاكم والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش والتفحش، وإياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا» .

وأخرج الطبراني عن الهرماس بن زياد قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على ناقته فقال: إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة، وإياكم والظلم فإنه ظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح حتى سفكوا دماءهم، وقطعوا أرحامهم» .

وأخرج الأصبهاني من حديث عمر بن الخطاب.

مثله.

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تظلموا فتدعوا فلا يستجاب لكم، وتستسقوا فلا تسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا» .

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أمتي لن تنالهم شفاعتي.

إمام ظلوم غشوم، وكل غال مارق» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة» .

وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة تستجاب دعوتهم: الوالد، والمسافر، والمظلوم» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجراً ففجوره على نفسه» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوتان ليس بينهما وبين الله حجاب: دعوة المظلوم، ودعوة المرء لأخيه بظهر الغيب» .

وأخرج الطبراني عن خزيمة بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» .

وأخرج أحمد عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافراً، فإنه ليس دونها حجاب» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله: اشتد غضبي على من ظلم من لا يجد له ناصراً غيري» .

وأخرج أبو الشيخ ابن حبان في كتاب التوبيخ عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنتقمن من الظالم في عاجله وآجله، ولأنتقمن ممن رأى مظلوماً فقدر أن ينصره فلم يفعل» .

وأخرج الأصبهاني عن عبد الله بن سلام قال: «إن الله لما خلق الخلق فاستووا على أقدامهم رفعوا رؤوسهم، فقالوا: يا رب مع من أنت؟

قال» أنا مع المظلوم حتى يؤدى إليه حقه «» .

وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن ابن عباس.

أن ملكاً من الملوك خرج يسير في مملكته وهو مستخف من الناس، حتى نزل على رجل له بقرة فراحت عليه تلك البقرة فحلبت، فإذا حلابها مقدار حلاب ثلاثين بقرة، فحدث الملك نفسه أن يأخذها، فلما كان الغد غدت البقرة إلى مرعاها، ثم راحت فحلبت فنقص لبنها على النصف، وجاء مقدار حلاب خمس عشرة بقرة، فدعا الملك صاحب منزله فقال: أخبرني عن بقرتك أرعت اليوم في غير مرعاها بالأمس، وشربت من غير مشربها بالأمس؟

فقال: ما رعت في غير مرعاها بالأمس، ولا شربت في غير مشربها بالأمس.

فقال: ما بال حلابها على النصف؟!

فقال: أرى الملك هم بأخذها فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو هم بالظلم ذهبت البركة.

قال: وأنت من أين يعرفك الملك؟

قال: هو ذاك كما قلت لك.

قال: فعاهد الملك ربه في نفسه أن لا يظلم، ولا يأخذها، ولا يملكها، ولا تكون في ملكه أبداً.

قال: فغدت فرعت ثم راحت، ثم حلبت فإذا لبنها قد عاد على مقدار ثلاثين بقرة.

فقال الملك بينه وبين نفسه واعتبر: أرى الملك إذا ظلم أو هم بظلم ذهبت البركة، لا جرم لأعدلن فلأكونن على أفضل العدل.

وأخرج الأصبهاني عن سعيد بن عبد العزيز: من أحسن فليرج الثواب، ومن أساء فلا يستنكر الجزاء، ومن أخذ عزاً بغير حق أورثه الله ذلاً بحق، ومن جمع مالاً بظلم أورثه الله فقراً بغير ظلم.

وأخرج أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: إن الله عز وجل قال: «من استغنى بأموال الفقراء أفقرته، وكل بيت يبنى بقوّة الضعفاء أجعل عاقبته إلى خراب» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ أي: يجازي عليه (١) ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ ولم يقل: يعلمهما (٢) (٣) ﴿ وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا  ﴾ هذا قول الأخفش (٤) ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾ لأنها اسم، كقوله: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ وعيد لمن أنفق في غير الوجه الذي يجوز له، من ربا، أو معصية، أو من مال مغصوب مأخوذ من غير وجهه (٦) والأنصار: جمع نصير، مثل: شريف وأشراف، وحبيب وأحباب (٧) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 352.

(٢) في (ي) و (ش): (يعلمهما).

(٣) في (ي): (منها).

(٤) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 186، وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1639.

(٥) ينظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 337، "تفسير الثعلبي" 2/ 1639، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 141، "البحر المحيط" 2/ 322، وذكر أن العطف إذا كان بأو كان الضمير مفردا؛ لأن المحكوم عليه هو أحدهما، وتارة يراعى الأول في الذكر، وتارة يراعى الثاني، وأما أن يأتي مطابقا لما قبله في التثنية والجمع فلا.

(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1640.

(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1640، وينظر في (نصر): "تهذيب اللغة" 4/ 3584، "المفردات" ص 497.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ﴾ قيل: هي المعرفة بالقرآن، وقيل: النبوة، وقيل: الإصابة في القول والعمل ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ ﴾ الآية.

ذكر نوعين، وهما ما يفعله الإنسان تبرعاً، وما يفعله بعد إلزامه نفسه بالنذر، وفي قوله: ﴿ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ ﴾ وعد بالثواب، وقوله: ﴿ وَمَا للظالمين مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ وعيد لمن يمنع الزكاة أو ينفق لغير الله ﴿ إِن تُبْدُواْ الصدقات ﴾ هي التطوع عند الجمهور لأنها يحسُن إخفاؤها وإبداء الواجبة كالصلوات ﴿ فَنِعِمَّا هِيَ ﴾ ثناء على الإظهار، ثم حكم أن الإخفاء خير من ذلك الإبداء وما من نعما في موضع نصب تفسير للمضمر؛ والتقدير: فنعم شيء إبداؤها.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ .

فيه دليل وجوب الزكاة في أموال التجارة بقوله: ﴿ مَا كَسَبْتُمْ ﴾ ؛ لأن أموال التجارة هي التي تكتسب، وليس في كتاب الله  بيان وجوب الزكاة في أموال التجارة في غير هذا الموضع، وليس فيه سنة عن رسول الله  ، ولكن ذكر عن بعض الصحابة - رضي الله  عنهم - القول به؛ فيحتمل أن يكون ما قالوا قالوا بهذه الآية.

وأما زكاة الفضة، والذهب، والمواشي فيما لها ذكر في الكتاب والسنة، فالزكاة تجب فيها لعينها، اكتسب فيها أو لم يكتسب.

وأما أموال التجارة فإن الزكاة تجب فيها بالاكتساب.

وفيه دليل أن النفقة المذكورة فيه لازمة واجبة؛ لأنه قال: ﴿ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، ذكر الإغماض، والإغماض لا يذكر في المعروف، إنما يذكر في اللازم والواجب الذي لا مخرج له عنه إلا بالأداء، إلا عن عفو وصفح والرضاء بدون الحق - ثبت أنه على اللزوم.

وفيه دليل وجوب الحق في الرطاب والخضروات؛ لأنه ذكر في الآية المخرج، والرطاب هي التي تخرج من الأرض.

وأما الحبوب إنما تخرج من الأصل الذي يخرج من الأرض؛ لذلك كان الرطاب والخضروات أولى بوجوب الحق من غيره بظاهر الآية.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والوجوب في الحبوب بما كانت تخرج من الحقوق، والحقوق بظاهر هذه الوجوه في التي تخرج من الأرض.

وأما أبو يوسف ومحمد - رحمهما الله  - فإنهما قالا: يحتمل قوله: ﴿ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ ٱلأَرْضِ ﴾ ، يعني من الأصل الذي يخرج لكم من الأرض، كقوله  : ﴿ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً  ﴾ ، ولا ينزل من السماء اللباس كما هو، ولكن أراد الأصل الذي به يكون اللباس، وكذلك قوله: ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ  ﴾ ، وهو لم يخلقنا من التراب، وإنما خلق الأصل من التراب، وهو آدم -  - فعلى ذلك الأول.

والله أعلم.

والوجه فيه: أنه منَّ الله  علينا بما أخرج لنا من الأرض من أنواع ما أخرج بحبة تلقى في الأرض فتفسد فيها، فيخرج منها النبات بلطفه، لا صنع لأحد فيها.

وتلك المنة لا تكون على أربابها خاصة دون الفقراء أو بل هي على الفقراء كهي على أربابها؛ لأنه أخرجه رزقاً للكل، ففيه حق الفقراء والأغنياء جميعاً.

ومن ثم جاز وجوب العشر على الفقير؛ ألا ترى إلى قوله  : ﴿ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ  ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا  ﴾ ، قيل: ءأنتم تنبتونه أم نحن المنبتون؟

وأما ما بعد النبات فيشترك العباد فيه بالسقي والحفظ وغيره؛ لذلك كان ما ذكرنا.

والله أعلم.

وفي قوله  : ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ ٱلْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ ، دلالة على ألا يتصدق بالرديء عن الجيد.

فإذا تصدق به يلزمه فضل ما بين الرديء إلى الجيد، على قول محمد - رحمه الله  - بظاهر قوله: ﴿ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ ﴾ .

وعند أبي حنيفة وأبي يوسف - رضي الله  عنهما -: يجوز ولا يختار له ذلك؛ وذلك أن الله -  - أطمع الناس قبول ذلك إذ تغامضوا، فهو أحق أن يطمع فيه القبول لكرمة ولطفه؛ ولأنه ليس لصفة ما يكال ويوزن من نوعه قيمة، فإذا لم تكن له قيمة لا يلزمه فضل الصفة.

وقوله  : ﴿ ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ .

قوله: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ في الدنيا بالتصدق والإنفاق، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بترك الصدقة.

ويحتمل: ﴿ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ ﴾ ، في الدنيا بطول الأمل وفناء المال، ﴿ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ ﴾ بسوء الظن بربه.

﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ بالصدقة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ ذكراً في الدنيا.

ويحتمل قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ ﴾ في الآخرة، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ في الدنيا، يعني خَلَفاً.

وقيل: ﴿ مَّغْفِرَةً ﴾ لفحشائكم، و ﴿ وَفَضْلاً ﴾ لفقركم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، أي: غني يقدر إخلاف ما أنفقتكم، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بجزاء صدقاتكم.

ويحتمل: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ ما تنفقون من الصدقة والحسنة.

وفي قوله: ﴿ وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ، و ﴿ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ ، ونحوه [دلالة أن الله -  -] إنما رغب الناس على الصدقات والنفقات ابتلاء ومحنة منه، لا حاجة وفقراً.

وقوله  : ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ .

قيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا الموضع معرفة القرآن وتفسيره.

وهو قول ابن عباس - رضي الله  عنه - وكذا روي مرفوعا.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ الفهم في القرآن.

وقيل: الفقه.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ النبوة.

وقيل: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة.

وفيه دليل جواز الاجتهاد، وأنه مصيب في اجتهاده.

قال الشيخ - رحمه الله  - في قوله: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ : اختلف في تأويل ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ في هذا: قال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي القرآن، وهو على ما وصفه ﴿ نُوراً  ﴾ و ﴿ وَهُدًى  ﴾ ، و ﴿ رُوحاً  ﴾ ، و ﴿ وَشِفَآءٌ  ﴾ والنور: هو الذي يبصر به حقائق الأشياء، وبالهدى يدرك كل شيء ويتقي كل تلف، وبالروح يحيي كل ذي روح، وبالشفاء يبرأ كل سقيم ويزال كل آفة.

والذي هذا وصفه فهو الخير.

وبالله التوفيق.

وقال قوم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ هي الإصابة لحقيقة كل شيء، وبها يتقي كل شر، وينال كل خير، وذلك هو الخير الكثير، وبالله العصمة.

وقال بعضهم: ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ ، هي السنة، كأنه أكرم رسوله  بالذي من سلكه نجا، ومن حاد عنه غوى.

وقيل: في الأصل الحكمة في التحقيق وضع كل شيء موضعه، ودفع كل حق إلى مستحقه [ولهذا قال بعض الفلاسفة في حد الحكمة: إنه العلم والعمل بالعلم في وضع الأشياء مواضعها، والعمل في إيصال كل ذي حق إلى مستحقه].

وقيل: هي من إحكام الأمور وإتقانها.

وذلك مقارب؛ لما يضاد الحكمة السفه، وهو التفاوت في العقل والاضطراب في الأمور.

والله أعلم.

وقال قوم: الحكمة في القرآن: هي فهم الحدود والسرائر، وهو الذي به يدرك الموافقة والمخالفة من طريق الحقائق، لا من طريق الظواهر.

وذلك عمل الحكماء ورعاة الدين.

ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: الحكمة: هي الفقه، والفقه: معرفة الشيء بمعناه الدال على نظيره، وهو الذي به يوصل إلى معرفة الغائب بالشاهد، والغامض بالظاهر، والفرع بالأصل.

ولا قوة إلا بالله.

وأي هذه الوجوه كانت الحكمة فذلك الوجه يجمع خير الدارين، لو حفظ حقه، والذي هذا وصفه فهو الخير الكثير.

وبالله المعونة.

وفي الآية دلالة أن الله  لا يؤتي كلاًّ الحكمة، وأن الحكمة وإن كانت فعلاً للحكيم فبعطاء الله  نالها، وأنه لا يجوز أن يعطيها أحداً ثم لا ينالها المعطي.

وهذه الوجوه كلها تخالف رأي المعتزلة.

وقوله  : ﴿ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، من حفظ النفس في الدنيا عن جميع الآفات، وفي الآخرة عن دفع العقوبات.

وقوله  : ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ ﴾ يعني: وما يتعظ بما ذكر إلا ذو الفهم والعقل.

وفي الآية نقض على المعتزلة؛ لأنه قال: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾ ، ولا كل أحد يؤتي الحكمة، إنما يؤتي بعضاً دون بعض.

فلو كان على الله  أن يعطي الأصلح في الدين لكان قد آتى الكل، وبطل التفضل.

ومن قال: يؤتي غيرها، فكان خلاف ما في الكتاب.

وقوله: ﴿ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .

يحتمل: نفقة المحارم.

ويحتمل: النفقات التي تجري بين الخلق.

ويحتمل: المفروض من الصدقات.

ويحتمل غيرها.

ثم روي عن ابن عباس -  - عن رسول الله  في قوله  : ﴿ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ ﴾ قال: "من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليوف به" فيه تنبيه وتذكير أن الله  يعلم صدقهم ونذرهم؛ ليحتسبوا في النفقة ويخلصوا، وفي النذر يوفوا به.

وقوله  : ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ .

قيل: يقبله.

وقيل: يأمر بوفائه.

ويحتمل قوله: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ أي: يعلم ما وفيتم منه؛ فيجزيكم على ذلك.

ويحتمل: ﴿ يَعْلَمُهُ ﴾ : ما أردتم بصدقاتكم ونذوركم؛ فيكون فيه ترغيب للناس في أداء الفرائض.

وقوله  : ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ .

في الآخرة، يعني مجير يجيرهم من العذاب.

وقيل: ما للظالمين من شفيع يشفع لهم، ولا نصير ينصرهم؛ لأنه ما من ظالم إلا وله في الدنيا ظهير.

وقوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ .

قال بعضهم: هي الفريضة.

وقال آخرون: هي التطوع.

وهو أَوْجَه.

وقال غيرهم: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ ، هي الفريضة، ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ ﴾ هي التطوع.

قال الشيخ - رحمه الله  -: لا يحتمل الإخفاء في التطوع، والإبداء في الفرض؛ لما أخبر في الإخفاء أنه خير، ولا يكون التطوع خيراً من الفريضة.

ومن حمله على الفريضة يستحب أن يظهروا الزكاة المفروضة ليقتدوا به ويرغبوا الناس عليها.

ومنهم من يستحب الإخفاء أيضاً، ويقولون: في الإبداء شيئان: الصدقة نفسها، والاقتداء، وفي الإخفاء وجوه: أحدها: الصدقة.

والآخر: ترك المراءاة وسلامتها.

والثالث: الكف عن المن والأذى.

ومنهم من حمل قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ ﴾ على الفريضة، و ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا ﴾ على التطوع، وذهب إلى أن الفريضة ليس فيها الرياء؛ لأنه لا شيء عليه، فسواء فيها الإبداء والإخفاء، وأما التطوع ففيه الرياء؛ لأنه معروف ليس عليه، والإخفاء له أسلم.

والله أعلم.

وقال ابن عباس - رضي الله  عنه - في قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ ٱلصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا ٱلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...

﴾ الآية، جعل الله -  - صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها بسبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها.

وفي بعض الأخبار عن النبي  أنه قال: "صدقة السر تطفئ غضب الرب، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصلة الرحم تزيد من العمر" وعن الحسن، قال: الإبقاء على العمل أشد من العمل؛ وذلك أن العبد ليعمل العمل سرّاً فيكتب له عمل السر، فلا يزال به الشيطان حتى ينسخ من عمل السر إلى عمل العلانية، ثم لا يزال به الشيطان حتى يحب أن يحمد، حتى يكتب من عمل العلانية في الرياء.

وقوله  : ﴿ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ : فيه دليل أن من السيئات ما يكفرها الصدقة، ومنها لا يكفر.

وقيل: إن "من" هاهنا صلة، ففيه إطماع تكفير السيئات كلها بالصدقة، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ  ﴾ .

وهو نقض على المعتزلة؛ لأنهم لا يرون تكفير الكبائر بغير التوبة عنها، ولا التعذيب على الضغائر.

فأما إن كانت الآية في الكبائر - فبطل قولهم: لا يكفر بغير التوبة، أو في الصغائر فيبطل قولهم: إنها مغفورة؛ إذ وعدت بالصدقة؛ لأنهم يخدلون صاحب الكبائر في النار، والله  أطمع له تكفير السيئات كلها بالصدقة.

والله الموفق.

وقوله  : ﴿ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ : فيه وعيد وتحذير، أنه يعلم ما تسرون وما تعلنون في الصدقة.

ويحتمل: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ ، من جزائكم للصدقة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما أنفقتم من نفقةٍ قليلةً كانت أو كثيرة ابتغاء مرضاة الله، أو التزمتم فعل طاعة لله من عند أنفسكم لم تكلفوا بها؛ فإن الله يعلم ذلك كله، فلا يضيع عنده شيء منه، وسيجازيكم عليه أعظم الجزاء، وليس للظالمين المانعين لما يجب عليهم، المتعدين الله، أنصار يدفعون عنهم عذاب يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir" id="91.nNb38"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أرشدنا  في هذه الآية إلى أنه يجازي على كل صدقة وكل التزام لصدقة وبر لأن علمه محيط بكل عمل وكل قصد لنتذكر ذلك فنختار لأنفسنا أفضل ما نحب أن يعلمه عنا فقوله ﴿ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ  ﴾ يشتمل قليلها وكثيرها، سرها وعلانيتها، ما كان منها في حق وما كان منها في شر، ما كان عن إخلاص وما كان رياء الناس، وما أتبع منها بالمن والأذى وما لم يتبع بشيء منهما، وقوله ﴿ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ  ﴾ يأتي فيه مثل ذلك ويشمل ما كان نذر قربة وتبرر ونذر لجاج وغضب، فالأول ما قصد به التزام الطاعة قربة لله تعالى بلا شرط ولا قيد لئلا يتهاون فيها كأن ينذر نفقة معينة أو صلاة نافلة أو بشرط حصول نعمة أو رفع نقمة كقوله: إن شفى الله فلانًا فعلي أو لله علي أن أتصدق بكذا أو أقف على الجمعية الخيرية كذا، والثاني ما يقصد به حث النفس على شيء أو منعها عنه كقوله إن كلمت فلانًا فعلي كذا: واتفقوا على أنه يجب الوفاء بالأول وفي الثاني أقوال، منها: أنه يجب فيه كفارة يمين بشرطه، ومنها أنه يخير بين الوفاء بما التزمه وبين كفارة يمين.

ولا محل هنا لتفصيل القول فيما ورد وما قيل في النذر، وإنما نقول إنه التزام فعل الشيء بلفظ يدل عليه، كقول الناذر لله علي كذا أو علي كذا أو نذرت لله كذا، وينبغي أن يكون في طاعة، لأنه لا يتقرب إليه تعالى إلا بالطاعة، فإن نذر فعل معصية حرم عليه أن يفعلها، وإن نذر مباحًا فعله، لأن فسخ العزائم من النقص، ولذلك أمر النبي  من نذرت أن تضرب بالدف وتغني يوم قدومه بالوفاء، وقد يقال إن هذا مستحب لا مباح.

وقوله تعالى ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ  ﴾ جواب الشرط أي فإنه تعالى يعلم ما ذكر من النفقة أو النذر ويجازي عليه إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر فالجملة وعد ووعيد وترغيب وترهيب.

ثم أكد ما فيها من الوعيد بقوله ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ  ﴾ ينصرونهم يوم الجزاء فيدفعون عنهم العذاب بجاههم أو يفتدونهم منه بمالهم كقوله ﴿ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد