الآية ٢٧٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٣ من سورة البقرة

لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحْصِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًۭا فِى ٱلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ لَا يَسْـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافًۭا ۗ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ ٢٧٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 186 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) يعني : المهاجرين الذين قد انقطعوا إلى الله وإلى رسوله ، وسكنوا المدينة وليس لهم سبب يردون به على أنفسهم ما يغنيهم و ( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) يعني : سفرا للتسبب في طلب المعاش .

والضرب في الأرض : هو السفر ; قال الله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) [ النساء : 101 ] ، وقال تعالى : ( علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) الآية [ المزمل : 20 ] .

وقوله : ( يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ) أي : الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء ، من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقالهم .

وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان ، واللقمة واللقمتان ، والأكلة والأكلتان ، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ، ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يسأل الناس شيئا " .

وقد رواه أحمد ، من حديث ابن مسعود أيضا .

وقوله : ( تعرفهم بسيماهم ) أي : بما يظهر لذوي الألباب من صفاتهم ، كما قال [ الله ] تعالى : ( سيماهم في وجوههم ) [ الفتح : 29 ] ، وقال : ( ولتعرفنهم في لحن القول ) [ محمد : 30 ] .

وفي الحديث الذي في السنن : " اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله " ، ثم قرأ : ( إن في ذلك لآيات للمتوسمين ) [ الحجر : 75 ] .

.

وقوله : ( لا يسألون الناس إلحافا ) أي : لا يلحون في المسألة ويكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه ، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال ، فقد ألحف في المسألة ; قال البخاري : حدثنا ابن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شريك بن أبي نمر : أن عطاء بن يسار وعبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري قالا : سمعنا أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، ولا اللقمة واللقمتان ، إنما المسكين الذي يتعفف ; اقرؤوا إن شئتم يعني قوله : ( لا يسألون الناس إلحافا ) .

وقد رواه مسلم ، من حديث إسماعيل بن جعفر المديني ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ، عن عطاء بن يسار وحده عن أبي هريرة ، به .

وقال أبو عبد الرحمن النسائي : أخبرنا علي بن حجر ، حدثنا إسماعيل ، أخبرنا شريك وهو ابن أبي نمر عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ، واللقمة واللقمتان ، إنما المسكين المتعفف ; اقرؤوا إن شئتم : ( لا يسألون الناس إلحافا ) " .

وروى البخاري من حديث شعبة ، عن محمد بن زياد ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، نحوه .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن أبي الوليد ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين بالطواف عليكم ، فتطعمونه لقمة لقمة ، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافا " .

وقال ابن جرير : حدثني معتمر ، عن الحسن بن ماتك عن صالح بن سويد ، عن أبي هريرة قال : ليس المسكين الطواف الذي ترده الأكلة والأكلتان ، ولكن المسكين المتعفف في بيته ، لا يسأل الناس شيئا تصيبه الحاجة ; اقرؤوا إن شئتم : ( لا يسألون الناس إلحافا ) وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو بكر الحنفي ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه ، عن رجل من مزينة ، أنه قالت له أمه : ألا تنطلق فتسأل رسول الله صلى الله عليه سلم كما يسأله الناس ؟

فانطلقت أسأله ، فوجدته قائما يخطب ، وهو يقول : " ومن استعف أعفه الله ، ومن استغنى أغناه الله ، ومن يسأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل الناس إلحافا " .

فقلت بيني وبين نفسي : لناقة لي خير من خمس أواق ، ولغلامه ناقة أخرى فهي خير من خمس أواق فرجعت ولم أسأل .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد ، عن أبيه قال : سرحتني أمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أسأله ، فأتيته فقعدت ، قال : فاستقبلني فقال : " من استغنى أغناه الله ، ومن استعف أعفه الله ، ومن استكف كفاه الله ، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف " .

قال : فقلت : ناقتي الياقوتة خير من أوقية .

فرجعت ولم أسأله .

وهكذا رواه أبو داود والنسائي ، كلاهما عن قتيبة .

زاد أبو داود : وهشام بن عمار كلاهما عن عبد الرحمن بن أبي الرجال بإسناده ، نحوه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو الجماهير ، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الرجال ، عن عمارة بن غزية ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد قال : قال أبو سعيد الخدري : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل وله قيمة وقية فهو ملحف " والوقية : أربعون درهما .

وقال أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن رجل من بني أسد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن حكيم بن جبير ، عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل وله ما يغنيه ، جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو كدوحا في وجهه " .

قالوا : يا رسول الله ، وما غناه ؟

قال : " خمسون درهما ، أو حسابها من الذهب " .

وقد رواه أهل السنن الأربعة ، من حديث حكيم بن جبير الأسدي الكوفي .

وقد تركه شعبة بن الحجاج ، وضعفه غير واحد من الأئمة من جراء هذا الحديث .

وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس ، حدثني أبي ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين قال : بلغ الحارث رجلا كان بالشام من قريش أن أبا ذر كان به عوز ، فبعث إليه ثلاثمائة دينار ، فقال : ما وجد عبد الله رجلا هو أهون عليه مني ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سأل وله أربعون فقد ألحف " ولآل أبي ذر أربعون درهما وأربعون شاة وماهنان .

قال أبو بكر بن عياش : يعني خادمين .

وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أنبأنا عبد الجبار ، أخبرنا سفيان ، عن داود بن سابور ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من سأل وله أربعون درهما فهو ملحف ، وهو مثل سف الملة " يعني : الرمل .

ورواه النسائي ، عن أحمد بن سليمان ، عن يحيى بن آدم ، عن سفيان وهو ابن عيينة بإسناده نحوه .

قوله : ( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ) أي : لا يخفى عليه شيء منه ، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة ، أحوج ما يكونون إليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) قال أبو جعفر: أما قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله "، فبيان من الله عز وجل عن سبيل النفقة ووجهها.

ومعنى الكلام: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم تنفقون للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.

" واللام " التي في" الفقراء " مردودة على موضع " اللام " في" فلأنفسكم " كأنه قال: " وما تنفقوا من خير " - يعني به: وما تتصدقوا به من مال فللفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.

فلما اعترض في الكلام بقوله: " فلأنفسكم "، فأدخل " الفاء " التي هي جواب الجزاء فيه، تركت إعادتها في قوله: " للفقراء "، إذ كان الكلام مفهوما معناه، كما:- 6211 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي قوله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ، أما: " ليس عليك هداهم "، فيعني المشركين.

وأما " النفقة " فبين أهلها، فقال: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ".

(22) .

* * * وقيل: إن هؤلاء الفقراء الذين ذكرهم الله في هذه الآية، هم فقراء المهاجرين عامة دون غيرهم من الفقراء.

* ذكر من قال ذلك: &; 5-591 &; 6212 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله "، مهاجري قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بالصدقة عليهم.

6213 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله " الآية، قال: هم فقراء المهاجرين بالمدينة.

6214 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدى: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله "، قال: فقراء المهاجرين.

* * * القول في تأويل قوله عز وجل : الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: الذين جَعلهم جهادُهم عدوَّهم يُحْصِرون أنفسَهم فيحبسونها عن التصرُّف فلا يستطيعون تصرّفًا.

(23) .

* * * وقد دللنا فيما مضى قبلُ على أن معنى " الإحصار "، تصيير الرجل المحصَر بمرضه أو فاقته أو جهاده عدوَّه، وغير ذلك من علله، إلى حالة يحبس نفسَه فيها عن التصرُّف في أسبابه، بما فيه الكفاية فيما مضى قبل.

(24) .

* * * وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، (25) .

فقال بعضهم: في ذلك بنحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: &; 5-592 &; 6215 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " الذين أحصروا في سبيل الله "، قال: حَصَروا أنفسهم في سبيل الله للغزو.

6216 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله "، قال: كانت الأرض كلُّها كفرًا، لا يستطيع أحدٌ أن يخرج يبتغي من فضل الله، إذا خرج خرج في كُفر= وقيل: كانت الأرضُ كلها حربًا على أهل هذا البلد، وكانوا لا يتوجَّهون جهة إلا لهم فيها عدوّ، فقال الله عز وجل: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله " الآية، كانوا ههنا في سبيل الله.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: الذين أحصرهم المشركون فمنعوهم التصرُّف.

* ذكر من قال ذلك: 6217 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله "، حصرهم المشركون في المدينة.

* * * قال أبو جعفر: ولو كان تأويل الآية على ما تأوله السدّيّ، لكان الكلام: للفقراء الذين حُصروا في سبيل الله، ولكنه " أحصِروا "، فدلّ ذلك على أن خوفهم من العدوّ الذي صيَّر هؤلاء الفقراء إلى الحال التي حَبَسوا -وهم في سبيل الله- أنفسَهم، لا أنّ العدوَّ هم كانوا الحابِسِيهم.

وإنما يقال لمن حبسه العدوّ: " حصره العدوّ"، وإذا كان الرّجل المحبَّس من خوف العدوّ، قيل: " أحصره خوفُ العدّو ".

(26) .

* * * &; 5-593 &; القول في تأويل قوله : لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد، ابتغاءَ المعاش وطَلبَ المكاسب، (27) فيستغنوا عن الصدقات، رهبةَ العدوّ وخوفًا على أنفسهم منهم.

كما:- 6218 - حدثني الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " لا يستطيعون ضربًا في الأرض " حبسوا أنفسهم في سبيل الله للعدوّ، فلا يستطيعون تجارةً.

6219 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يستطيعون ضربًا في الأرض "، يعني التجارة.

6220 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد قوله: " لا يستطيعون ضربًا في الأرض "، كان أحدهم لا يستطيع أن يخرج يبتغي من فَضْل الله.

* * * القول في تأويل قوله : يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ قال أبو جعفر: يعني بذلك: " يحسبهم الجاهل " بأمرهم وحالهم=" أغنياء " من تعففهم عن المسألة، وتركهم التعرض لما في أيدي الناس، صبرًا منهم على البأساء والضراء.

كما:- 6221 - حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة &; 5-594 &; قوله: " يحسبهم الجاهل أغنياء "، يقول: يحسبهم الجاهل بأمرهم أغنياء من التعفف.

(28) .

* * * ويعني بقوله: " منَ التعفف "، من تَرْك مسألة الناس.

* * * وهو " التفعُّل " من " العفة " عن الشيء، والعفة عن الشيء، تركه، كما قال رؤبة: * فَعَفَّ عَنْ أسْرَارِهَا بَعْدَ العَسَقْ* (29) يعني بَرئ وتجنَّبَ.

* * * القول في تأويل قوله : تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: " تعرفهم " يا محمد=" بسيماهم "، يعني بعلامتهم وآثارهم، من قول الله عز وجل: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [سورة الفتح: 29]، هذه لغة قريش.

ومن العرب من يقول: " بسيمائهم " فيمدها.

وأما ثقيف وبعض أسَدٍ، فإنهم يقولون: " بسيميائهم "; ومن ذلك قول الشاعر: (30) .

&; 5-595 &; غُــلامٌ رَمَـاهُ اللـهُ بالحُسْـنِ يَافِعًـا لَـهُ سِـيمِيَاءٌ لا تَشُـقُّ عَـلَى البَصَـرْ (31) * * * &; 5-596 &; وقد اختلف أهل التأويل في" السيما " التي أخبر الله جل ثناؤه أنها لهؤلاء الفقراء الذين وصفَ صفتهم، وأنهم يعرفون بها.

(32) فقال بعضهم: هو التخشُّع والتواضع.

ذكر من قال ذلك: 6222 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " تعرفهم بسيماهم " قال: التخشُّع.

6223 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

6224 - حدثني المثنى، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن ليث، قال: كان مجاهد يقول: هو التخشُّع.

* * * وقال آخرون يعني بذلك: تعرفهم بسيما الفقر وجَهد الحاجة في وجُوههم.

* ذكر من قال ذلك: 6225 - حدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " تعرفهم بسيماهم "، بسيما الفقر عليهم.

6226 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " تعرفهم بسيماهم "، يقول: تعرف في وجوههم الجَهد من الحاجة.

* * * وقال آخرون: معنى ذلك: تعرفهم برثاثة ثيابهم.

وقالوا: الجوعُ خفيّ.

* ذكر من قال ذلك: 6227 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: &; 5-597 &; " تعرفهم بسيماهم " قال: السيما: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي على الناس، ولم تستطع الثياب التي يخرجون فيها [أن] تخفى على الناس.

(33) .

* * * قال أبو جعفر: وأول الأقوال في ذلك بالصواب: أن يقال: إن الله عز وجل أخبر نبيَّه صلى الله عليه وسلم أنه يعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم.

وإنما كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدرك تلك العلامات والآثار منهم عند المشاهدة بالعِيان، فيعرفُهم وأصحابه بها، كما يُدرك المريضُ فيعلم أنه مريض بالمعاينة.

وقد يجوز أن تكون تلك السيما كانت تخشُّعًا منهم، وأن تكون كانت أثر الحاجة والضرّ، وأن تكون كانت رثاثة الثياب، وأن تكون كانت جميعَ ذلك، وإنما تُدرك علامات الحاجة وآثار الضر في الإنسان، ويعلم أنها من الحاجة والضر، بالمعاينة دون الوصف.

وذلك أن المريض قد يصير به في بعض أحوال مرضه من المرض، نظيرُ آثار المجهود من الفاقة والحاجة، وقد يلبس الغني ذو المال الكثير الثيابَ الرثة، فيتزيّى بزيّ أهل الحاجة، فلا يكون في شيء من ذلك دلالة بالصّفة على أنّ الموصوف به مختلٌّ ذو فاقة.

وإنما يدري ذلك عند المعاينة بسيماه، كما وصف الله (34) نظير ما يُعرف أنه مريض عند المعاينة، دون وَصْفه بصفته.

* * * القول في تأويل قوله : لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا قال أبو جعفر: يقال: " قد ألحف السائل في مسألته "، إذا ألحّ=" فهو يُلحف فيها إلحافًا ".

* * * &; 5-598 &; فإن قال قائل: أفكان هؤلاء القوم يسألون الناس غيرَ إلحاف؟

قيل: غير جائز أن يكون كانوا يسألون الناس شيئًا على وجه الصدقة إلحافًا أو غير إلحاف، (35) وذلك أن الله عز وجل وصفهم بأنهم كانوا أهل تعفف، وأنهم إنما كانوا يُعرفون بسيماهم.

فلو كانت المسألة من شأنهم، لم تكن صفتُهم التعفف، ولم يكن بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى علم معرفتهم بالأدلة والعلامة حاجة، وكانت المسألة الظاهرة تُنبئ عن حالهم وأمرهم.

وفي الخبر الذي:- 6228 - حدثنا به‌ بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، عن هلال بن حصن، عن أبي سعيد الخدري، قال: أعوزنا مرة فقيل لي: لو أتيتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسألته!

فانطلقت إليه مُعْنِقًا، فكان أوّل ما واجهني به: " من استعفّ أعفَّه الله، ومَن استغنى أغناهُ الله، ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئًا نجده ".

قال: فرجعت إلى نفسي، فقلت: ألا أستعفّ فيُعِفَّني الله!

فرجعت، فما سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا بعد ذلك من أمر حاجة، حتى مالت علينا الدنيا فغرَّقَتنا، إلا من عَصَم الله.

(36) .

* * * &; 5-599 &; (37) .

=الدلالةُ الواضحةُ على أنّ التعفف معنى ينفي معنى المسألة من الشخص الواحد، وأنَّ من كان موصوفًا بالتعفف فغير موصوف بالمسألة إلحافًا أو غير إلحاف.

(38) .

* * * فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت، فما وجه قوله: " لا يسألون الناس إلحافا "، وهم لا يسألون الناس إلحافًا أو غير إلحاف (39) .

قيل له: وجه ذلك أن الله تعالى ذكره لما وصفهم بالتعفف، وعرّف عبادَه أنهم ليسوا أهل مسألة بحالٍ بقوله: يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ، وأنهم إنما يُعرفون بالسيما- زاد عبادَه إبانة لأمرهم، وحُسنَ ثناءٍ عليهم، بنفي الشَّره والضراعة التي تكون في الملحِّين من السُّؤَّال، عنهم.

(40) .

وقد كان بعضُ القائلين يقول: (41) ذلك نظيرُ قول القائل: " قلَّما رأيتُ مثلَ &; 5-600 &; فلان "!

ولعله لم يَرَ مثله أحدًا ولا نظيرًا.

* * * وبنحو الذي قلنا في معنى الإلحاف قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 6229 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " لا يسألون الناس إلحافًا "، قال: لا يلحفون في المسألة.

6230 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " لا يسألون الناس إلحافًا "، قال: هو الذي يلح في المسألة.

6231 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " لا يسألون الناس إلحافًا "، ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إن الله يحب الحليمَ الغنيّ المتعفف، ويبغض الغنيّ الفاحشَ البذِىء السائلَ الملحفَ= قال: وذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: إن الله عز وجل كره لكم ثلاثًا: قيلا وقالا (42) وإضاعةَ المال، وكثرةَ السؤال.

فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدرَ ليلته، حتى يُلقى جيفةً على فراشه، لا يجعلُ الله له من نهاره ولا ليلته نصيبًا.

وإذا شئت رأيته ذَا مال[ ينفقه] في شهوته ولذاته وملاعبه، (43) .

وَيعدِ له عن حقّ الله، فذلك إضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطًا ذراعيه، يسأل الناس في كفيه، فإذا أعطي أفرط في مدحهم، وإنْ مُنع أفرط في ذَمهم.

.............................................................................

.............................................................................

(44) .

------------------- الهوامش : (22) الأثر : 6211- انظر الأثر السالف رقم : 6208 والتعليق عليه .

(23) التصرف : الكسب .

يقال "فلان يصرف لعياله ، ويتصرف لهم ، ويصطرف" ، أي يكتسب لهم.

وهو من الصرف والتصرف : وهو التقلب والحيلة .

(24) انظر ما سلف 4 : 21 -26 .

(25) في المخطوطة : "وقال : اختلف أهل التأويل..." .

وهما سواء .

(26) انظر تفضيل ذلك فيما سلف 4 : 21 -26 .

(27) في المخطوطة : "المكاسر" ، وهو دليل مبين عن غفلة الناسخ وعجلته ، كما أسلفت مرارًا كثيرة .

(28) الأثر : 6221 -كان الإسناد في المطبوعة والمخطوطة : "كما حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد..." أسقط الناسخ من الإسناد"حدثنا بشر قال" ، كما زدته ، وهو إسناد دائر دورانًا في التفسير أقربه رقم : 6206 .

(29) مضى تخريج هذا البيت وتفسيره في 5 : 110 ، ولم يذكر هناك مجيء ذكره في هذا الموضع من التفسير ، فقيده هناك .

(30) هو ابن عنقاء الفزاري ، وعنقاء أمه ، وقد اختلف في اسمه ، فقال القالي في أماليه 1 : 237 : "أسيد" ، وقال الآمدي في المؤلف والمختلف : 159 ، وقال المرزباني في معجم الشعراء : "فيس بن بجرة" (بالجيم) ، أو"عبد قيس بن بجرة" ، وفي النقائض : 106"عبد قيس ابن بحرة" بالحاء الساكنة وفتح الباء ، وهكذا كان في أصل اللآليء شرح أماني القالي : 543 ، وغيره العلامة الراجكوتي"بجرة" بضم الباء وبالجيم الساكنة عن الإصابة في ترجمة"قيس بن بجرة" وفي هذه الترجمة أخطاء كثيرة .

وذكر شيخنا سيد بن علي المرصفي في شرح الكامل 1 : 108 أنه أسيد بن ثعلبة ابن عمرو .

وهذا كاف في تعيين الاختلاف .

وابن عنقاء ، عاش في الجاهلية دهرًا ، وأدرك الإسلام كبيرًا ، وأسلم .

(31) يأتي في التفسير 4 : 55 /8 : 141 (بولاق) والأغاني 17 : 117 ، الكامل 1 : 14 ، المؤلف والمختلف ، ومعجم الشعراء : 159 ، 323 ، أمالى القالي 1 : 237 ، الحماسة 4 : 68 ، وسمط اللآليء : 543 ، وغيرها كثير .

من أبيات جياد في قصة ، ذكرها القالي في أماليه .

وذلك أن ابن عنقاء كان من أكثر أهل زمانه وأشدهم عارضة ولسانًا ، فطال عمره ، ونكبه دهره ، فاختلت حاله ، فمر عميلة بن كلدة الفزاري ، وهو غلام جميل من سادات فزارة ، فسلم عليه وقال : ياعم ، ما أصارك إلى ما أدري؟

فقال : بخل مثلك بماله ، وصوني وجهى عن مسألة الناس!

فقال والله لئن بقيت إلى غد لأغيرن ما أردي من حالك .

فرجع ابن عنقاء فأخبر أهله ، فقالت : لقد غرك كلام جنح ليل!!

فبات متململا بين اليأس والرجاء .

فلما كان السحر ، سمع رغاء الإبل ، وثغاء الشاء وصهيل الخيل ، ولجب الأموال ، فقال : ما هذا؟

فقال : هذا عميلة ساق إليك ماله!

ثم قسم عميلة ماله شطرين وساهمه عليه ، فقال ابن عنقاء فيه يمجده: رَآنِـي عَـلَى مَـا بِـي عُمَيْلَةُ فَاشْتَكَى إِلَـى مَالِـهِ حَـالي أسـرَّ كَمَـا جَهَرْ دَعَـانِي فآسَـانِي وَلَـوْ ضَـنَّ لَـمْ أَلُمْ عَـلَى حِـينَ لاَ بَـدْوٌ يُرجَّى ولا حَضَرْ فَقُلْــتُ لَــهُ خـيرًا وأَثْنَيْـتُ فِعْلَـهُ وَأَوْفَـاكَ مَـا أَبْلَيْـتَ مَـنْ ذَمَّ أَوْ شَكَرْ غُــلاَمٌ رَمَــاهُ اللـه بِـالخَيْرِ يافِعًـا لَـهُ سِـيمِيَاءُ لا تَشُـقُّ عَلَى البَصَـرْ كَــأَنَّ الثُريَّـا عُلِّقَــتْ فـي جَبِينِـهِ وَفِـي خَـدِّهِ الشِّعْرَي وَفِي وَجْهِهِ القَمَرْ إذا قِيلَــتِ العَـوْرَاءُ أَغْضَـى كَأَنّـهُ ذَلِيـلٌ بِـلاَ ذُلّ وَلَـوْ شَـاءَ لاَنْتَصَـرْ كَــرِيمٌ نَمَتْــهُ لِلمكَــارِمِ حُــرَّةٌ فَجَــاءَ وَلاَ بُخْـلٌ لَدَيْـهِ ولا حَـصَرْ وَلَمَّـا رَأَى المَجْـدَ اسـتُعيرت ثِيَابُـه تَــرَدَّى رِدَاءً وَاسِـعَ الـذّيْلِ وَأتْـزَرْ وهذا شعر حر ، ينبع من نفس حرة .

هذا وقد روي الطبري في 8 : 141"رماه الله بالحسن إذ رمي" .

وقال أبو رياش فيما انتقده على أبي العباس المبرد : "لا يروي بيت ابن عنقاء : "رماه الله بالحسن..." إلا أعمى البصيرة ، لأن الحسن مولود ، وإنما هو : رماه الله بالخير يافعًا" .

وقوله : "لا تشق على البصر" ، أي لا تؤذيه بقبح أو ردة أو غيرهما ، بل تجلي بها العين ، وتسر النفس وترتاح إليها .

(32) في المخطوطة والمطبوعة : "وصفت صفتهم" ، وهو مخالف للسياق ، والصواب ما أثبت ، وصف الله صفتهم .

(33) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، لتستقيم العبارة .

(34) في المخطوطة والمطبوعة : "كما وصفهم الله" ، والسياق يقتضي ما أثبت .

والمخطوطة التي نقلت عنها ، فيما نظن ، كل النسخ المخطوطة التي طبع عنها، مضطربة الخط ، كما سلف الدليل على ذلك مرارًا ، وفي هذا الموضع من كتابة الناسخ بخاصة .

(35) في المطبوعة : "إلحافا وغير إلحاف" ، بالواو ، وهو لا يستقيم ، والصواب ما أثبت .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 181 ، وقد قال : "ومثله قولك في الكلام : قلما رأيت مثل هذا الرجل!

، ولعلك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه" وسيأتي بعد ، في ص : 599 ، وفي اللسان (لحف) ، وذكر الآية : "أي ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس [يصف طريقًا غير مسلوكة: عَــلَى لاَحِــبٍ لاَ يُهْتَـدَي بِمَنَـارِهِ [ إِذَا سَـافَهُ العَـوْدُ النُّبَـاطِيُّ جَرْجَرا ] المعنى : "ليس به منار فيهتدى به" .

(36) الحديث : 6228 -إسناده صحيح .

هلال بن حصن ، أخو بني مرة بن عباد ، من بني قيس بن ثعلبة : تابعى ثقة .

ذكره ابن حبّان في الثقات ، ص : 364 ، وترجمه البخاري في الكبير 4 / 2/ 204 ، وابن أبي حاتم 4 /2/ 73 -فلم يذكرا فيه جرحا .

وهو مترجم في التعجيل ، ص : 434 .

والحديث رواه أحمد في المسند : 14221 ، 14222 (ج 3 ص 44 حلبي) ، عن محمد بن جعفر وحجاج ، ثم عن حسين بن محمد -ثلاثتهم عن شعبة ، عن أبي حمزة ، عن هلال بن حصن ، عن أبي سعيد .

فذكر نحوه بأطول منه .

وهذا أيضًا إسناد صحيح .

أبو حمزة : هو البصري"جار شعبة" ، عرف بهذا .

واسمه : عبد الرحمن بن عبد الله المازني" ، ثقة ، مترجم في التهذيب 6 : 219 .

وقد ثبت في ترجمة"هلال بن حصن" -في الكبير ، وابن أبي حاتم ، والثقات ، والتعجيل ، أنه روى عنه أيضًا"أبو حمزة" .

وشك في صحة ذلك العلامة الشيخ عبد الرحمن اليماني مصحح التاريخ الكبير ، واستظهر أن يكون صوابه "أبو جمرة" ، يعنى نصر بن عمران الضبعي .

ولكن يرفع هذا الشك أنه في المسند أيضًا "أبو حمزة" .

لاتفاقه مع ما ثبت في التراجم .

" أعوز الرجل فهو معوز" : ساءت حاله وحل عليه الفقر .

"أعنق الرجل إلى الشيء يعنق" : أسرع إليه إسراعًا .

(37) سياق الكلام : "وفي الخبر...

الدلالة الواضحة..." (38) في المخطوطة والمطبوعة في الموضعين : "إلحافا وغير إلحاف""بالواو ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 ص598 .

(39) في المخطوطة والمطبوعة في الموضعين : "إلحافا وغير إلحاف""بالواو ، وانظر التعليق السالف رقم : 1 ص598 .

(40) "السؤال" جمع سائل ، على زنة""جاهل وجهال" .

والسياق : "بنفي الشره...عنهم" .

(41) في المطبوعة : و "قال : كان بعض القائلين يقول في ذلك نظير قول القائل" هو كلام شديد الخلل .

وفي المخطوطة : "وقال كاد بعض القائلين يقول ...

"وسائره كالذي كان في المطبوعة" وهو أشدّ اختلالا وفسادًا .

وصواب العبارة ما استظهرته فأثبته .

وهذا الذي حكاه أبو جعفر هو قول الفراء في معاني القرآن 1 : 181 ، كما سلف في ص : 598 التعليق : 1 .

(42) في المطبوعة : "قيل وقال" وهو صواب ، وهما فعلان من قولهم"قيل كذا" و"قال كذا" ، وهو نهى عن القول بما لا يصح و لا يعلم .

وأثبت ما في المخطوطة ، وهما مصدران بمعنى الإشارة إلى هذين الفعلين الماضين ، يجعلان حكاية متضمنة للضمير والإعراب ، على إجرائهما مجرى الأسماء خلوين من الضمير ، فيدخل عليهما حرف التعريف لذلك فيقال : "القيل والقال" .

(43) في المخطوطة : "ذا مال في شهوته" وبين الكلامين بياض ، أما في المطبوعة والدر المنثور 1 : 363 ، فساقه سياقًا مطردًا : "ذا مال في شهوته" ، ولكنه لا يستقم مع قوله بعد : "ويعدله عن حق الله" ، فلذلك وضعت ما بين القوسين استظهارًا حتى يعتدل جانبا هذه العبارة .

(44) هذه النقط دلالة على أنه قد سقط من الناسخ كلام لا ندري ما هو ، ففي المخطوطة في إثر الأثر السالف 6231 ، الأثر الآتي : 6232 "حدثنا يعقوب بن إبراهيم .

.

.

" .

وقد تنبه طابع المطبوعة ، فرأي أن الأثر الآتي ، هو من تفسير الآية التي أثبتها وأثبتناها اتباعًا له ، والذي لا شك فيه أنه قد سقط من الكلام في هذا الموضع تفسير بقية الآتية : "وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم" وشيء قبله ، وشيء بعده ، لم أستطع أن أجد ما يدلني عليه في كتاب آخر ، ولكن سياق الأقوال التي ساقها الطبري دال على هذا الخرم .

وهذا دليل آخر على شدة سهو الناسخ في هذا الموضع من الكتاب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليمفيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : ( للفقراء ) اللام متعلقة بقوله وما تنفقوا من خير وقيل : بمحذوف تقديره الإنفاق أو الصدقة للفقراء .

قال السدي ومجاهد وغيرهما : المراد بهؤلاء الفقراء فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقراء غابر الدهر .

وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر لأنه لم يكن هناك سواهم وهم أهل الصفة وكانوا نحوا من أربعمائة رجل ، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صفة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل لهم : أهل الصفة .

قال أبو ذر : كنت من أهل الصفة وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر كل رجل فينصرف برجل ويبقى من بقي من أهل الصفة عشرة أو أقل فيؤتى النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه .

فإذا فرغنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ناموا في المسجد .

وخرج الترمذي عن البراء بن عازب ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون قال : نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل ، قال : فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته ، وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد ، وكان أهل الصفة ليس لهم طعام ، فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فيضربه بعصاه فيسقط من البسر والتمر فيأكل ، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف ، وبالقنو قد انكسر فيعلقه في المسجد ، فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه .

قال : ولو أن أحدكم أهدي إليه مثل ما أعطاه لم يأخذه إلا على إغماض وحياء .

قال : [ ص: 310 ] فكنا بعد ذلك يأتي الرجل بصالح ما عنده .

قال : هذا حديث حسن غريب صحيح .

قال علماؤنا : وكانوا رضي الله عنهم في المسجد ضرورة ، وأكلوا من الصدقة ضرورة ، فلما فتح الله على المسلمين استغنوا عن تلك الحال وخرجوا ثم ملكوا وتأمروا .

ثم بين الله سبحانه من أحوال أولئك الفقراء المهاجرين ما يوجب الحنو عليهم بقوله تعالى : الذين أحصروا في سبيل الله والمعنى حبسوا ومنعوا .

قال قتادة وابن زيد : معنى أحصروا في سبيل الله حبسوا أنفسهم عن التصرف في معايشهم خوف العدو ، ولهذا قال تعالى : لا يستطيعون ضربا في الأرض لكون البلاد كلها كفرا مطبقا .

، وهذا في صدر الإسلام ، فعلتهم تمنع من الاكتساب بالجهاد ، وإنكار الكفار عليهم إسلامهم يمنع من التصرف في التجارة فبقوا فقراء .

وقيل : معنى لا يستطيعون ضربا في الأرض أي لما قد ألزموا أنفسهم من الجهاد .

والأول أظهر .

والله أعلم .الثانية : قوله تعالى : يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف أي إنهم من الانقباض وترك المسألة والتوكل على الله بحيث يظنهم الجاهل بهم أغنياء .

وفيه دليل على أن اسم الفقر يجوز أن يطلق على من له كسوة ذات قيمة ولا يمنع ذلك من إعطاء الزكاة إليه .

وقد أمر الله تعالى بإعطاء هؤلاء القوم ، وكانوا من المهاجرين الذين يقاتلون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرضى ولا عميان .

والتعفف تفعل ، وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه ، وبهذا المعنى فسر قتادة وغيره .

وفتح السين وكسرها في يحسبهم لغتان .

قال أبو علي : والفتح أقيس ؛ لأن العين من الماضي مكسورة فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة .

والقراءة بالكسر حسنة ، لمجيء السمع به وإن كان شاذا عن القياس .

و " من " في قوله من التعفف لابتداء الغاية .

وقيل لبيان الجنس .الثالثة : قوله تعالى : تعرفهم بسيماهم فيه دليل على أن للسيما أثرا في اعتبار من يظهر عليه ذلك ، حتى إذا رأينا ميتا في دار الإسلام وعليه زنار وهو غير مختون لا يدفن في مقابر المسلمين ، ويقدم ذلك على حكم الدار في قول أكثر العلماء ، ومنه قوله تعالى : ولتعرفنهم في لحن القول .

فدلت الآية على جواز صرف الصدقة إلى من له ثياب وكسوة وزي في التجمل .

واتفق العلماء على ذلك ، وإن اختلفوا بعده في مقدار ما يأخذه إذا احتاج فأبو [ ص: 311 ] حنيفة اعتبر مقدار ما تجب فيه الزكاة ، والشافعي اعتبر قوت سنة ، ومالك اعتبر أربعين درهما ، والشافعي لا يصرف الزكاة إلى المكتسب .والسيما ( مقصورة ) : العلامة ، وقد تمد فيقال السيماء .

وقد اختلف العلماء في تعيينها هنا ، فقال مجاهد : هي الخشوع والتواضع .

السدي : أثر الفاقة والحاجة في وجوههم وقلة النعمة .

ابن زيد : رثاثة ثيابهم .

وقال قوم وحكاه مكي : أثر السجود .

ابن عطية : وهذا حسن ، وذلك لأنهم كانوا متفرغين متوكلين لا شغل لهم في الأغلب إلا الصلاة ، فكان أثر السجود عليهم .قلت : وهذه السيما التي هي أثر السجود اشترك فيها جميع الصحابة رضوان الله عليهم بإخبار الله تعالى في آخر " الفتح " بقوله : سيماهم في وجوههم من أثر السجود فلا فرق بينهم وبين غيرهم ، فلم يبق إلا أن تكون السيماء أثر الخصاصة والحاجة ، أو يكون أثر السجود أكثر ، فكانوا يعرفون بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار .

والله أعلم .

وأما الخشوع فذلك محله القلب ويشترك فيه الغني والفقير ، فلم يبق إلا ما اخترناه ، والموفق الإله .الرابعة : قوله تعالى : لا يسألون الناس إلحافا مصدر في موضع الحال أي ملحفين يقال : ألحف وأحفى وألح في المسألة سواء ويقال ( هو للشاعر بشار بن برد ) :الحر يلحى والعصا للعبد وليس للملحف مثل الردواشتقاق الإلحاف من اللحاف ، سمي بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف من التغطية ، أي هذا السائل يعم الناس بسؤاله فيلحفهم ذلك ، ومنه قول ابن أحمر :فظل يحفهن بقفقفيه ويلحفهن هفهافا ثخينايصف ذكر النعام يحضن بيضا بجناحيه ويجعل جناحه لها كاللحاف وهو رقيق مع ثخنه .

وروى النسائي ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ليس المسكين الذي ترده [ ص: 312 ] التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان إنما المسكين المتعفف اقرءوا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافا .الخامسة : واختلف العلماء في معنى قوله لا يسألون الناس إلحافا على قولين ، فقال قوم منهم الطبري والزجاج : إن المعنى لا يسألون البتة ، وهذا على أنهم متعففون عن المسألة عفة تامة ، وعلى هذا جمهور المفسرين ، ويكون التعفف صفة ثابتة لهم ، أي لا يسألون الناس إلحاحا ولا غير إلحاح .

وقال قوم : إن المراد نفي الإلحاف ، أي إنهم يسألون غير إلحاف ، وهذا هو السابق للفهم ، أي يسألون غير ملحفين .

وفي هذا تنبيه على سوء حالة من يسأل الناس إلحافا روى الأئمة واللفظ لمسلم عن معاوية بن أبي سفيان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا له كاره فيبارك له فيما أعطيته .

وفي الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال : نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد فقال لي أهلي : اذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله لنا شيئا نأكله ، وجعلوا يذكرون من حاجتهم ، فذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده رجلا يسأله ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا أجد ما أعطيك ) فتولى الرجل عنه وهو مغضب وهو يقول : لعمري إنك لتعطي من شئت!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه يغضب علي ألا أجد ما أعطيه من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا .

قال الأسدي : فقلت للقحة لنا خير من أوقية - قال مالك : والأوقية أربعون درهما - قال : فرجعت ولم أسأله ، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بشعير وزبيب فقسم لنا منه حتى أغنانا الله .

قال ابن عبد البر : هكذا رواه مالك وتابعه هشام بن سعد وغيره ، وهو حديث صحيح ، وليس حكم الصحابي إذا لم يسم كحكم من دونه إذا لم يسم عند العلماء ، لارتفاع الجرحة عن جميعهم وثبوت العدالة لهم .

وهذا الحديث يدل على أن السؤال مكروه لمن له أوقية من فضة ، فمن سأل وله هذا الحد والعدد والقدر من الفضة أو ما يقوم مقامها ويكون عدلا منها فهو ملحف ، وما علمت أحدا من أهل العلم إلا وهو يكره السؤال لمن له هذا المقدار من الفضة أو عدلها من الذهب على ظاهر هذا الحديث .

وما جاءه من غير مسألة فجائز له أن يأكله ، إن كان من غير الزكاة ، وهذا مما لا [ ص: 313 ] أعلم فيه خلافا ، فإن كان من الزكاة ففيه خلاف يأتي بيانه في آية الصدقات إن شاء الله تعالى .السادسة : قال ابن عبد البر : من أحسن ما روي من أجوبة الفقهاء في معاني السؤال وكراهيته ومذهب أهل الورع فيه ما حكاه الأثرم عن أحمد بن حنبل وقد سئل عن المسألة متى تحل قال : إذا لم يكن ما يغذيه ويعشيه على حديث سهل بن الحنظلية .

قيل لأبي عبد الله : فإن اضطر إلى المسألة ؟

قال : هي مباحة له إذا اضطر .

قيل له : فإن تعفف ؟

قال : ذلك خير له .

ثم قال : ما أظن أحدا يموت من الجوع!

الله يأتيه برزقه .

ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري من استعف أعفه الله .

وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( تعفف ) .

قال أبو بكر : وسمعته يسأل عن الرجل لا يجد شيئا أيسأل الناس أم يأكل الميتة ؟

فقال : أيأكل الميتة وهو يجد من يسأله ، هذا شنيع .

قال : وسمعته يسأله هل يسأل الرجل لغيره ؟

قال لا ، ولكن يعرض ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار فقال : ( تصدقوا ) ولم يقل أعطوهم .

قال أبو عمر : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم اشفعوا تؤجروا .

وفيه إطلاق السؤال لغيره .

والله أعلم .

وقال : ألا رجل يتصدق على هذا ؟

قال أبو بكر : قيل له - يعني أحمد بن حنبل - فالرجل يذكر الرجل فيقول : إنه محتاج ؟

فقال : هذا تعريض وليس به بأس ، إنما المسألة أن يقول أعطه .

ثم قال : لا يعجبني أن يسأل المرء لنفسه فكيف لغيره ؟

والتعريض هنا أحب إلي .قلت : قد روى أبو داود والنسائي وغيرهما أن الفراسي قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أسأل يا رسول الله ؟

قال : لا وإن كنت سائلا لا بد فاسأل الصالحين .

فأباح صلى الله عليه وسلم سؤال أهل الفضل والصلاح عند الحاجة إلى ذلك ، وإن أوقع حاجته ، بالله فهو أعلى .

قال إبراهيم بن [ ص: 314 ] أدهم : سؤال الحاجات من الناس هي الحجاب بينك وبين الله تعالى ، فأنزل حاجتك بمن يملك الضر والنفع ، وليكن مفزعك إلى الله تعالى يكفيك الله ما سواه وتعيش مسرورا .السابعة : فإن جاءه شيء من غير سؤال فله أن يقبله ولا يرده ، إذ هو رزق رزقه الله .

روى مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لم رددته ) ؟

فقال : يا رسول الله ، أليس أخبرتنا أن أحدنا خير له ألا يأخذ شيئا ؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إنما ذاك عن المسألة فأما ما كان من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله ) .

فقال عمر بن الخطاب : والذي نفسي بيده لا أسأل أحدا شيئا ولا يأتيني بشيء من غير مسألة إلا أخذته .

وهذا نص .

وخرج مسلم في صحيحه والنسائي في سننه وغيرهما عن ابن عمر قال سمعت عمر يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول : أعطه أفقر إليه مني ، حتى أعطاني مرة مالا فقلت : أعطه أفقر إليه مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذه وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك .

زاد النسائي - بعد قوله ( خذه - فتموله أو تصدق به ) .

وروى مسلم من حديث عبد الله بن السعدي المالكي عن عمر فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق .

وهذا يصحح لك حديث مالك المرسل .

قال الأثرم : سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ما أتاك من غير مسألة ولا إشراف ) أي الإشراف أراد ؟

فقال : أن تستشرفه وتقول : لعله يبعث إلي بقلبك .

قيل له : وإن لم يتعرض ، قال نعم إنما هو بالقلب .

قيل له : هذا شديد قال : وإن كان شديدا فهو هكذا .

قيل له : فإن كان الرجل لم يعودني أن يرسل إلي شيئا إلا أنه قد عرض بقلبي فقلت : عسى أن يبعث إلي .

قال : هذا إشراف ، فأما إذا جاءك من غير أن تحتسبه ولا خطر على قلبك فهذا الآن ليس فيه إشراف .

قال أبو عمر : الإشراف في اللغة رفع الرأس إلى المطموع ، عنده والمطموع فيه ، وأن يهش الإنسان ويتعرض .

وما قاله أحمد في تأويل الإشراف تضييق وتشديد وهو عندي بعيد ؛ لأن الله عز وجل تجاوز لهذه الأمة عما حدثت به أنفسها ما لم ينطق به لسان أو تعمله جارحة .

وأما ما اعتقده [ ص: 315 ] القلب من المعاصي ما خلا الكفر فليس بشيء حتى يعمل به ، وخطرات النفس متجاوز عنها بإجماع .الثامنة : الإلحاح في المسألة والإلحاف فيها مع الغنى عنها حرام لا يحل .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر رواه أبو هريرة خرجه مسلم .

وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم رواه مسلم أيضا .التاسعة : السائل إذا كان محتاجا فلا بأس أن يكرر المسألة ثلاثا إعذارا وإنذارا والأفضل تركه .

فإن كان المسئول يعلم بذلك وهو قادر على ما سأله وجب عليه الإعطاء ، وإن كان جاهلا به فيعطيه مخافة أن يكون صادقا في سؤاله فلا يفلح في رده .العاشرة : فإن كان محتاجا إلى ما يقيم به سنة كالتجمل بثوب يلبسه في العيد والجمعة فذكر ابن العربي : سمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلا يقول : هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم وليس عنده ثياب يقيم بها سنة الجمعة .

فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابا أخر ، فقيل لي : كساه إياها أبو الطاهر البرسني أخذ الثناء

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر مصرف النفقات الذين هم أولى الناس بها فوصفهم بست صفات أحدها الفقر، والثاني قوله: { أحصروا في سبيل الله } أي: قصروها على طاعة الله من جهاد وغيره، فهم مستعدون لذلك محبوسون له، الثالث عجزهم عن الأسفار لطلب الرزق فقال: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } أي: سفرا للتكسب، الرابع قوله: { يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف } وهذا بيان لصدق صبرهم وحسن تعففهم.

الخامس: أنه قال: { تعرفهم بسيماهم } أي: بالعلامة التي ذكرها الله في وصفهم، وهذا لا ينافي قوله: { يحسبهم الجاهل أغنياء } فإن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، وأما الفطن المتفرس فمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، السادس قوله: { لا يسألون الناس إلحافا } أي: لا يسألونهم سؤال إلحاف، أي: إلحاح، بل إن صدر منهم سؤال إذا احتاجوا لذلك لم يلحوا على من سألوا، فهؤلاء أولى الناس وأحقهم بالصدقات لما وصفهم به من جميل الصفات، وأما النفقة من حيث هي على أي شخص كان، فهي خير وإحسان وبر يثاب عليها صاحبها ويؤجر، فلهذا قال: { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) اختلفوا في موضع هذه اللام قيل هي مردودة على موضع اللام من قوله " فلأنفسكم " كأنه قال : وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنما تنفقون لأنفسكم وقيل : معناها الصدقات التي سبق ذكرها وقيل : خبره محذوف تقديره : للفقراء الذين صفتهم كذا حق واجب وهم فقراء المهاجرين كانوا نحوا من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر وكانوا في المسجد يتعلمون القرآن ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أصحاب الصفة ، فحث الله تعالى عليهم الناس فكان من عنده فضل أتاهم به إذا أمسى .

( الذين أحصروا في سبيل الله ) فيه أقاويل; قال قتادة - وهو أولاها - حبسوا أنفسهم على الجهاد في سبيل الله ( لا يستطيعون ضربا في الأرض ) لا يتفرغون للتجارة وطلب المعاش وهم أهل الصفة الذين ذكرناهم وقيل : حبسوا أنفسهم على طاعة الله وقيل : معناه حبسهم الفقر والعدم عن الجهاد في سبيل الله وقال سعيد بن جبير : قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيل الله فصاروا زمنى أحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في سبيل الله للجهاد وقال ابن زيد : معناه : من كثرة ما جاهدوا صارت الأرض كلها حربا عليهم فلا يستطيعون ضربا في الأرض من كثرة أعدائهم ( يحسبهم ) يحسبهم وبابه بفتح السين وقرأ الآخرون بالكسر ( الجاهل ) بحالهم أغنياء من التعفف ) أي من تعففهم عن السؤال وقناعتهم يظن من لا يعرف حالهم أنهم أغنياء والتعفف التفعل من العفة وهي الترك يقال : عف عن الشيء إذا كف عنه وتعفف إذا تكلف في الإمساك .

( تعرفهم بسيماهم ) السيماء والسيمياء والسمة : العلامة التي يعرف بها الشيء واختلفوا في معناها هاهنا فقال مجاهد : هي التخشع والتواضع وقال السدي : أثر الجهد من الحاجة والفقر وقال الضحاك : صفرة ألوانهم من الجوع والضر وقيل رثاثة ثيابهم ( لا يسألون الناس إلحافا ) قال عطاء : إذا كان عندهم غداء لا يسألون عشاء وإذا كان عندهم عشاء لا يسألون غداء وقيل : معناه لا يسألون الناس إلحافا أصلا لأنه قال : من التعفف والتعفف ترك السؤال ولأنه قال : تعرفهم بسيماهم ولو كانت المسألة من شأنهم لما كانت إلى معرفتهم بالعلامة من حاجة فمعنى الآية ليس لهم سؤال فيقع فيه إلحاف والإلحاف : الإلحاح واللجاج .

أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري ، أخبرنا أبو سعيد محمد بن إبراهيم بن الإسماعيلي ، أخبرنا محمد بن يعقوب ، أخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم أخبرنا أنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيأتي بحزمة حطب على ظهره فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أشياءهم أعطوه أو منعوه " .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن أبي الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان " قالوا : فمن المسكين يا رسول الله؟

قال : " الذي لا يجد غنى فيغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ، ولا يقوم فيسأل الناس " .

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا " .

أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري ، أخبرنا جدي أبو سهل عبد الصمد بن عبد الرحمن البزار ، أخبرنا محمد بن زكريا بن عذافر ، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن عباد الدبري أخبرنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن هارون بن رياب عن كنانة العدوي عن قبيصة بن مخارق قال : إني تحملت بحمالة في قومي فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إني تحملت بحمالة في قومي وأتيتك لتعينني فيها قال : " بل نتحملها عنك يا قبيصة ونؤديها إليهم من الصدقة " ثم قال " يا قبيصة إن المسألة حرمت إلا في إحدى ثلاث : رجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله فيسأل حتى يصيب قواما من عيشه ثم يمسك وفي رجل أصابته حاجة حتى يشهد له ثلاثة نفر من ذوي الحجا من قومه وأن المسألة قد حلت له فيسأل حتى يصيب القوام من العيش ثم يمسك وفي رجل تحمل بحمالة فيسأل حتى إذا بلغ أمسك وما كان غير ذلك فإنه سحت يأكله صاحبه سحتا " .

أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي ، أخبرنا قتيبة أخبرنا شريك عن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح " قيل يا رسول الله وما يغنيه؟

قال " خمسون درهما أو قيمتها من الذهب " .

قوله تعالى : ( وما تنفقوا من خير ) مال ( فإن الله به عليم ) وعليه مجاز

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«للفقراء» خبر مبتدأ محذوف أي الصدقات «الذين أحصروا في سبيل الله» أي حبسوا أنفسهم على الجهاد، نزلت في أهل الصُّفَّةِ وهم أربعمائة من المهاجرين أرصدوا لتعلم القرآن والخروج مع السرايا «لا يستطيعون ضربا» سفرا «في الأرض» للتجارة والمعاش لشغلهم عنه بالجهاد «يحسبهم الجاهل» بحالهم «أغنياء من التعفف» أي لتعففهم عن السؤال وتركه «تعرفهم» يا مخاطب «بسيماهم» علامتهم من التواضع وأثر الجهد «لا يسألون الناس» شيئا فيلحفون «إلحافا» أي لا سؤال لهم أصلا فلا يقع منهم إلحاف وهو الإلحاح «وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» فمجاز عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

اجعلوا صدقاتكم لفقراء المسلمين الذين لا يستطيعون السفر؛ طلبًا للرزق لاشتغالهم بالجهاد في سبيل الله، يظنهم مَن لا يعرفهم غير محتاجين إلى الصدقة؛ لتعففهم عن السؤال، تعرفهم بعلاماتهم وآثار الحاجة فيهم، لا يسألون الناس بالكُليَّة، وإن سألوا اضطرارًا لم يُلِحُّوا في السؤال.

وما تنفقوا مِن مال في سبيل الله فلا يخفى على الله شيء منه، وسيجزي عليه أوفر الجزاء وأتمَّه يوم القيامة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور حالة هذه الطائفة من المؤمنين تصويرا كريما نبيلا يستجيش المشاعر ، ويحرك القلوب لمساعدة هذه الطائفة المتعفقة فيقول : ( لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً ) .لقد وصفهم الله - تعالى - أولا بالفقراء ، أي الذثين هم في حاجة إلى العون والمساعدة لفقرهم واحتياجهم إلى ضرورات الحياة .وقوله : ( لِلْفُقَرَآء ) متعلق بمحذوف يفهم من الكلام السابق والتقدير : اجعلوا نفقتكم وصدقتكم للفقراء لأن الكلام السابق موضوعه للإِنقاق في سبيل الله ، وما يتعلق بذلك من آداب وفوائد .والجملة استئناف بياني ، فكأنهم لما أمروا بالصدقات سألوا لمن هي؟

فأجيبوا بأنها لهؤلاء الذين ذكرت الآية صفاتهم .ومن فوائد الحذف هنا للمتعلق : تعليم المؤمنين الأدب في عطائهم للفقراء بأن لا يصرحوا لهم بأن ما يعطونه إياهم هو صدقة حتى لا يشعروهم بالمذلة والضعف ، وأيضاً ففي هذا الحذف لون من الإِيجاز البليغ الذي قل فيه اللفظ مع الوفاء بحق المعنى .قال القرطبي : " والمراد بهؤلاء الفقراء ، فقراء المهاجرين من قريش وغيرهم ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفتهم غابر الدهر .

وإنما خص فقراء المهاجرين بالذكر ، لأنه لم يكن هناك سواهم ، وهم أهل الصفة " وكانوا نحو من أربعمائة رجل ، وذلك أنهم كانوا يأتون فقراء وما لهم أهل ولأمال فبنيت لهم صفة في المسجد النبوي بالمدينة فقيل لهم : " أهل الصفة " .أما الصفة الثانية من صفات هؤلاء الذين هم أولى الناس بالعون والمساعدة فهي قوله - تعالى - : ( الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ) .والإِحصار في اللغة هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين ما يريده بسبب مرض أو شيخوخة أو عدو أو ذهاب نفقة أو ما يجري مجرى هذه الأشياء .والمعنى : اجعلو الكثير مما تنفقونه - أيها المؤمنون - لهؤلاء الفقراء الذين حصروا أنفسهم ووقفوها على الطاعات المتنوعة التي من أعظمها الجهاد في سبيل الله ، أو الذين منعوا من الكسب بسبب مرضهم أو شيخوختهم ، أو غير ذلك من الأسباب التي جعلتهم في حالة شديدة من الفاقة والاحتياج .وعبر في الجملة الكريمة " بأحصروا " بالبناء للمجهول ، للإِشعار بأن فقرهم لم يكن بسبب تكاسلهم وإهمالهم في مباشرة الأسباب ، وإنما كان لأسباب خارجة عن إرادتهم .وقوله : ( فِي سَبِيلِ الله ) تكريم وتشريف لهم ، أي أن ما نزل بهم من فقر واحتياج كان بسبب إيثارهم إعلاء كلمة الله على أي شيء آخر ، ففي سبيل الله هاجروا ، وفي سبيل الله تركوا أموالهم فصاروا فقراء ، وفي سبيل الله وقفوا أنفسهم على الجهاد ، وفي سبيل الله أصابهم ما أصابهم وهم يطلبون أداء ما كلفهم - سبحانه - بأدائه .أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقال فيها ( لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض ) والضرب في الأرض هو السير فيها للتكسب والتجارة وغيرهما .أي أنهم عاجزون عن السير في الأرض لتحصيل رزقهم بسبب اشتغالهم بالجهاد ، أو بسبب ضعفهم وقلة ذات يدهم .والصفة الرابعة من صفاتهم هي قوله - تعالى - : ( يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف ) .والتعفف : ترك الشيء والتنزه عن طلبه ، بقهر النفس والتغلب عليها .

يقال عف عن الشيء يعف إذا كف عنه .

والحسبان بمعنى الظن .أي : يظنهم الجاهل بحالهم ، أو الذي لا فراسة عنده ، يظنهم أغنياء من أجل تجملهم وتعففهم عن السؤال ، أما صاحب الفراسة الصادقة ، والبصيرة النافذة؛ فإنه يرحمهم ويعطف عيلهم لأنه يعرف ما لا يعرفه غيره .و ( من ) في قوله : ( مِنَ التعفف ) للتعليل ، أو لابتداء الغاية لأن التعفف مبدأ هذا الحسبان .أما الصفة الخامسة من صفاتهم فهي قوله - تعالى - : ( تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ) والسيما والسماء : العلامة التي يعرف بها الشيء ، وأصلها من الوسم بمعنى العلامة .والمعنى : تعرف فقرهم وحاجتهم - أيها الرسول الكريم أو أيها المؤمن العاقل - بما ترى في هيئتهم من آثار تشهد بقلة ذات يدهم .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : قال مجاهد : " سيماهم " التخشع والتواضع .

أي - تعرفهم بتخشعهم وتواضعهم - وقال السدي : - تعرفهم بسيماهم - أي بأثر الجهد من الفقر والحاجة .

وقال الضحاك : أي بصفرة ألوانهم ورثاثة ثيابهم .

.

ثم قال - رحمه الله - : وعندي أن كل ذلك فيه نظر والمراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق ، وكل من رآهم تأثر منهم وتواض2ع لهم ، وذلك له إدراكات روحانية ، لا علامات جسمانية .

ألا ترى أن الأسد إذا مر هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة ، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت ، والبازي إذا طار تهرب به منه الطيور الضعيفة وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية فكذا هنا .

.

.وقد ذكر - سبحانه - في الجملة السابقة أن الجاهل بحالهم يظنهم أغنياء من أجل تعففهم عن السؤال ، وذكر هنا أنهم يعرفون بسيماهم ، وذلك للإِشعار بأن أنظار الناس تختلف باختلاف فراستهم ونفاذ بصيرتهم .

فأصحاب الأنظار التي تأخذ الأمور بمظاهر يظنونهم أغنياء ، أما أصحاب البصيرة المستنيرة ، والحس والمرهف ، والفراسة الصائبة ، فإنهم يدركون ما عليه أولئك القوم من احتياج ، بسبب ما منحهم الله من فكر صائب ونظر نافذ ، وفي الحديث الشريف : " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله " .أما الصفة السادسة من صفاتهم فهي قوله - تعالى - : ( لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً ) والإِلحاف - كما يقول صاحب الكشاف : هو الإِلحاح بأن لا يفارق - السائل المسئول - إلا بشيء يعطاه .

من قولهم : لحفني من فضل لحافه أي أعطاني من فضل ما عنده .

ومعناه : أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يحلفوا .

وقيل هو نفي للسؤال والإِلحاف .والذي عليه المحققون من العلماء أن النفي منصب على السؤال وعلى الألحاف أي أنهم لا يسألون أصلا تعففاً منهم ، لأنهم لو كانوا يسألون ما ظنهم الجاهل أغنياء من التعفف ، ولو كانوا يسألون ما كانوا متعففين ، ولو كانوا يسألون ما احتاج صاحب البصيرة النافذة إلى معرفة حالهم عن طريق التفرس في سماتهم لأن سؤالهم كان يغنيه عن ذلك .وإنما جاء النفي بهذه الطريقة التي يوهم ظاهرها أن النفي متجه إلى الإِلحاف وحده ، للموازنة بينهم وبين غيرهم ، فإن غيرهم إذا كان يسأل الناس إلحافاً فهم لا يسألون مطلقاً لا بإلحاف ولا بدونه ، والنفي بهذه الطريقة فيه تعريض للمحلفين وثناء على المتعففين .

ولذا قال بعضهم : وإذا علم أنهم لا يسألون البتة فقد علم أنهم لا يسألون الناس إلحافاً والمراد النبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً ، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عقال وقور قليل الكلام ، والآخر طياش مهذار سفيه ، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت : فلان رجل عاقل وقور لا بخوض في الترهات ولا يشرع في السفاهات ، ولم يكن غرضك من قولك لا يخوض في الترهات وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني .

فالأمر هنا كذلك لأن قوله : ( لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً ) بعد قوله : ( يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف ) الغرض منه بيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم .هذا وقد وردت أحاديث متعددة تمدح المتعففين عن السؤال ، وتذم الملحفين فيه ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ولا التمرة والتمرتان إنما المسكين الذي يتعفف .

اقرؤوا إن شئتم : ( لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً ) " .وروى مسلم في صحيحه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم " .وروى مسلم - أيضاً - في صحيحه عن عوف بن مالك قال : كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة عند رسول الله فقال : " ألا تبايعون رسول الله؟

فقلنا علام نبايعك؟

قال : أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً .

والصلوات الخمس ، وتطيعوا ولا تسألوا الناس .

فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه " .والخلاصة أن السؤال إنما يجوز عند الضرورة ، وأنه لا يصح لمؤمن أن يسأل الناس عنده ما يكفيه ، لأن السؤال ذل يربأ بنفسه عنه كل من يحافظ على مروءته وكرامته وشرفه .وقوله : ( وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ) تحريض للمؤمن على البذل والسخاء ، وترقية لنفسه على الشعور بمراقبة الله - تعالى - وعلى محبة فعل الخير .أي : وما تنقوتا من خير سواء أكان المنفق قليلا أم كثيراً سراً أم علناً فإن الله يعلمه وسيجازيكم عليه بأجزل الثواب ، وأعظم العطاء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما بيّن في الآية الأولى أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، بيّن في هذه الآية أن الذي يكون أشد الناس استحقاقاً بصرف الصدقة إليه من هو؟

فقال: ﴿ لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اللام في قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاء ﴾ متعلق بماذا فيه وجوه: الأول: لما تقدمت الآيات الكثيرة في الحث على الانفاق، قال بعدها ﴿ لِلْفُقَرَاء ﴾ أي ذلك الإنفاق المحثوث عليه للفقراء، وهذا كما إذا تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب، والمعنى أن ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وكذلك الناس يكتبون على الكيس الذي يجعلون فيه الذهب والدراهم: ألفان ومائتان أي ذلك الذي في الكيس ألفان ومائتان هذا أحسن الوجوه الثاني: أن تقدير الآية اعمدوا للفقراء واجعلوا ما تنفقون للقراء الثالث: يجوز أن يكون خبر المبتدأ محذوف والتقدير وصدقاتكم للفقراء.

المسألة الثانية: نزلت في فقراء المهاجرين، وكانوا نحو أربعمائة، وهم أصحاب الصفة لم يكن لهم مسكن ولا عشائر بالمدينة، وكانوا ملازمين المسجد، ويتعلمون القرآن، ويصومون ويخرجون في كل غزوة، عن ابن عباس: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجدهم فطيب قلوبهم، فقال: «أبشروا يا أصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفاقي».

واعلم أن الله تعالى وصف هؤلاء الفقراء بصفات خمس: الصفة الأولى: قوله: ﴿ الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ فنقول: الإحصار في اللغة أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كبر أو عدو أو ذهاب نفقة، أو ما يجري مجرى هذه الأشياء، يقال: أحصر الرجل فهو محصر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ بما يعني عن الإعادة، أما التفسير فقد فسرت هذه الآية بجميع الأعداد الممكنة في معنى الإحصار فالأول: أن المعنى: إنهم حصروا أنفسهم ووقفوها على الجهاد، وأن قوله: ﴿ فِى سَبِيلِ الله ﴾ مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن الجهاد كان واجباً في ذلك الزمان، وكان تشتد الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فيكون مستعداً لذلك، متى مست الحاجة، فبيّن تعالى في هؤلاء الفقراء أنهم بهذه الصفة، ومن هذا حاله يكون وضع الصدقة فيهم يفيد وجوهاً من الخير أحدها: إزالة عيلتهم والثاني: تقوية قلبهم لما انتصبوا إليه.

وثالثها: تقوية الإسلام بتقوية المجاهدين.

ورابعها: أنهم كانوا محتاجين جداً مع أنهم كانوا لا يظهرون حاجتهم، على ما قال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرض يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف ﴾ .

والقول الثاني: وهو قول قتادة وابن زيد: منعوا أنفسهم من التصرفات في التجارة للمعاش خوف العدو من الكفار لأن الكفار كانوا مجتمعين حول المدينة، وكانوا متى وجدوهم قتلوهم.

والقول الثالث: وهو قول سعيد بن المسيب واختيار الكسائي: أن هؤلاء القوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاروا زمنى، فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض.

والقول الرابع: قال ابن عباس هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل الله فعذرهم الله.

والقول الخامس: هؤلاء قوم كانوا مشتغلين بذكر الله وطاعته وعبوديته، وكانت شدة استغراقهم في تلك الطاعة أحصرتهم عن الاشتغال بسائر المهمات.

الصفة الثانية لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرض ﴾ يقال ضربت في الأرض ضرباً إذا سرت فيها، ثم عدم الاستطاعة إما أن يكون لأن اشتغالهم بصلاح الدين وبأمر الجهاد، يمنعهم من الاشتغال بالكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه، وعلى جميع الوجوه فلا شك في شدة احتياجهم إلى من يكون معيناً لهم على مهماتهم.

الصفة الثالثة لهم: قوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وابن عامر وحمزة ﴿ يَحْسَبُهُمُ ﴾ بفتح السين والباقون بكسرها وهما اللتان بمعنى واحد، وقرئ في القرآن ما كان من الحسبان باللغتين جميعاً الفتح والكسر والفتح عند أهل اللغة أقيس، لأن الماضي إذا كان على فعل، نحو حسب كان المضارع على يفعل، مثل فرق يفرق وشرب يشرب، وشذ حسب يحسب فجاء على يفعل مع كلمات أُخر، والكسر حسن لمجيء السمع به وإن كان شاذاً عن القياس.

المسألة الثانية: الحسبان هو الظن، وقوله: ﴿ الجاهل ﴾ لم يرد به الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الاختبار، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم أغنياء من التعفف، وهو تفعل من العفة ومعنى العفة في اللغة ترك الشيء والكف عنه وأراد من التعفف عن السؤال فتركه للعلم، وإنما يحسبهم أغنياء لإظهارهم التجمل وتركهم المسألة.

الصفة الرابعة لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: ﴿ تَعْرِفُهُم بسيماهم ﴾ السيما والسيميا العلامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السمة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين قال الواحدي: وزنه يكون فعلاً، كما قالوا: له جاه عند الناس أي وجه، وقال قوم: السيما الارتفاع لأنها علامة وضعت للظهور، قال مجاهد ﴿ سيماهم ﴾ التخشع والتواضع، قال الربيع والسدي: أثر الجهد من الفقر والحاجة وقال الضحاك صفرة ألوانهم من الجوع وقال ابن زيد رثاثة ثيابهم والجوع خفي وعندي أن كل ذلك فيه نظر لأن كل ما ذكروه علامات دالة على حصول الفقر وذلك يناقضه قوله: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف ﴾ بل المراد شيء آخر هو أن لعباد الله المخلصين هيبة ووقعاً في قلوب الخلق، كل من رآهم تأثر منهم وتواضع لهم وذلك إدراكات روحانية، لا علات جسمانية، ألا ترى أن الأسد إذا مرّ هابته سائر السباع بطباعها لا بالتجربة، لأن الظاهر أن تلك التجربة ما وقعت، والبازي إذا طار تهرب منه الطيور الضعيفة، وكل ذلك إدراكات روحانية لا جسمانية، فكذا هاهنا، ومن هذا الباب آثار الخشوع في الصلاة، كما قال تعالى: ﴿ سيماهم فِي وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود  ﴾ وأيضاً ظهور آثار الفكر، روي أنهم كانوا يقومون الليل للتهجد ويحتطبون بالنهار للتعفف.

الصفة الخامسة لهؤلاء الفقراء: قوله تعالى: ﴿ لاَ يسألون الناس إلحافاً ﴾ عن ابن مسعود رضي الله عنه: إن الله يحب العفيف المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السائل الملحف الذي إن أعطى كثيراً أفرط في المدح، وإن أعطى قليلاً أفرط في الذم، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفتح أحد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، ومن يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله تعالى، لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس».

واعلم أن هذه الآية مشكلة، وذكروا في تأويلها وجوهاً الأول: أن الإلحاف هو الإلحاح والمعنى أنهم سألوا بتلطف ولم يلحوا، وهو اختيار صاحب الكشاف وهو ضعيف، لأن الله تعالى وصفهم بالتعفف عن السؤال قبل ذلك فقال: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف ﴾ وذلك ينافي صدور السؤال عنهم والثاني: وهو الذي خطر ببالي عند كتابة هذا الموضوع: أنه ليس المقصود من قوله: ﴿ لاَ يسألون الناس إلحافاً ﴾ وصفهم بأنهم لا يسألون الناس إلحافاً، وذلك لأنه تعالى وصفهم قبل ذلك بأنهم يتعففون عن السؤال، وإذا علم أنهم لا يسألون ألبتة فقد علم أيضاً أنهم لا يسألون إلحافاً، بل المراد التنبيه على سوء طريقة من يسأل الناس إلحافاً، ومثاله إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور ثابت، والآخر طياش مهذار سفيه، فإذا أردت أن تمدح أحدهما وتعرض بذم الآخر قلت فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام، لا يخوض في الترهات، ولا يشرع في السفاهات، ولم يكن غرضك من قولك، لا يخوض في الترهات والسفاهات وصفه بذلك، لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عن ذلك، بل غرضك التنبيه على مذمة الثاني وكذا هاهنا قوله: ﴿ لاَ يسألون الناس إلحافاً ﴾ بعد قوله: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَاء مِنَ التعفف ﴾ الغرض منه التنبيه على من يسأل الناس إلحافاً وبيان مباينة أحد الجنسين عن الآخر في استيجاب المدح والتعظيم.

الوجه الثالث: أن السائل الملحف الملح هو الذي يستخرج المال بكثرة تلطفه، فقوله: ﴿ لاَ يسألون الناس ﴾ بالرفق والتلطف، وإذا لم يوجد السؤال على هذا الوجه فبأن لا يوجد على وجه العنف أولى فإذا امتنع القسمان فقد امتنع حصول السؤال، فعلى هذا يكون قوله: ﴿ لاَ يسألون الناس إلحافاً ﴾ كالموجب لعدم صدور السؤال منهم أصلاً.

والوجه الرابع: هو الذي خطر ببالي أيضاً في هذا الوقت، وهو أنه تعالى بيّن فيما تقدم شدة حاجة هؤلاء الفقراء، ومن اشتدت حاجته فإنه لا يمكنه ترك السؤال إلا بإلحاح شديد منه على نفسه، فكانوا لا يسألون الناس وإنما أمكنهم ترك السؤال عندما ألحوا على النفس ومنعوها بالتكليف الشديد عن ذلك السؤال، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني الوجه الخامس: أن كل من سأل فلابد وأن يلح في بعض الأوقات، لأنه إذا سأل فقد أراق ماء وجهه، ويحمل الذلة في إظهار ذلك السؤال، فيقول: لما تحملت هذه المشاق فلا أرجع بغير مقصود، فهذا الخاطر يحمله على الإلحاف والإلحاح، فثبت أن كل من سأل فلابد وأن يقدم على الإلحاح في بعض الأوقات، فكان نفي الإلحاح عنهم مطلقاً موجباً لنفي السؤال عنهم مطلقاً.

الوجه السادس: وهو أيضاً خطر ببالي في هذا الوقت، وهو أن من أظهر من نفسه آثار الفقر والذلة والمسكنة، ثم سكت عن السؤال، فكأنه أتى بالسؤال الملح الملحف، لأن ظهور إمارات الحاجة تدل على الحاجة وسكوته يدل على أنه ليس عنده ما يدفع به تلك الحاجة ومتى تصور الإنسان من غير ذلك رق قلبه جداً، وصار حاملاً له على أن يدفع إليه شيئاً، فكان إظهار هذه الحالة هو السؤال على سبيل الإلحاف، فقوله: ﴿ لاَ يسألون الناس إلحافاً ﴾ معناه أنهم سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السكوت من رثاثة الحال وإظهار الانكسار ما يقوم مقام السؤال على سبيل الإلحاف بل يزينون أنفسهم عند الناس ويتجملون بهذا الخلق ويجعلون فقرهم وحاجتهم بحيث لا يطلع عليه إلا الخالق، فهذا الوجه أيضاً مناسب معقول وهذه الآية من المشكلات وللناس فيها كلمات كثيرة، وقد لاحت هذه الوجوه الثلاثة بتوفيق الله تعالى وقت كتب تفسير هذه الآية والله أعلم بمراده.

واعلم أنه تعالى ذكر صفات هؤلاء الفقراء، ثم قال بعده ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ﴾ وهو نظير ما ذكر قبل هذه الآية من قوله: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ  ﴾ وليس هذا من باب التكرار وفيه وجهان: أحدهما: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ وكان من المعلوم أن توفية الأجر من غير بخس ونقصان لا يمكن إلا عند العلم بمقدار العمل وكيفية جهاته المؤثرة في استحقاق الثواب لا جرم قرر في هذه الآية كونه تعالى عالماً بمقادير الأعمال وكيفياتها.

والوجه الثاني: وهو أنه تعالى لما رغب في التصدق على المسلم والذمي، قال: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ بين أن أجره واصل لا محالة، ثم لما رغب في هذه الآية في التصدق على الفقراء الموصوفين بهذه الأوصاف الكاملة، وكان هذا الإنفاق أعظم وجوه الإنفاقات، لا جرم أردفه بما يدل على عظمة ثوابه فقال: ﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ﴾ وهو يجري مجرى ما إذا قال السلطان العظيم لعبده الذي استحسن خدمته: ما يكفيك بأن يكون علي شاهداً بكيفية طاعتك وحسن خدمتك، فإن هذا أعظم وقعاً مما إذا قال له: إن أجرك واصل إليك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

الجار متعلق بمحذوف.

والمعنى: اعمدوا للفقراء، واجعلوا ما تنفقون للفقراء، كقوله تعالى: ﴿ في تسع آيات ﴾ [النمل: 12] ويجوزأن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي صدقاتكم للفقراء.

و ﴿ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ هم الذين أحصرهم الجهاد ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ﴾ لاشتغالهم به ﴿ ضَرْبًا فِي الارض ﴾ للكسب.

وقيل هم أصحاب الصفة، وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل، ويرضخون النوى بالنهار.

وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: «أَبْشِرُوا يا أصحاب الصفة، فمن بقي من أَمْتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي في الجنة» ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل ﴾ بحالهم ﴿ أَغْنِيَاءَ مِنَ التعفف ﴾ مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة ﴿ تَعْرِفُهُم بسيماهم ﴾ من صفرة الوجه ورثاثة الحال.

والإلحاف: الإلحاح، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطاه.

من قولهم: لحفني من فضل لحافه، أي أعطاني من فضل ما عنده.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تعالى يحبّ الحَيّيِ الحليم المتعفف، ويبغض البذيّ السئال الملحف» ومعناه: أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف جميعاً كقوله: عَلَى لاَحِبٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ يريد نفي المنار والاهتداء به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لِلْفُقَراءِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ أيِ اعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ، أوِ اجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ، أوْ صَدَقاتُكم لِلْفُقَراءِ.

﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أحْصَرَهُمُ الجِهادُ.

﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِهِ.

﴿ ضَرْبًا في الأرْضِ ﴾ ذَهابًا فِيها لِلْكَسْبِ.

وقِيلَ هم أهْلُ الصُّفَّةِ كانُوا نَحْوًا مِن أرْبَعِمِائَةٍ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ يَسْكُنُونَ صُفَّةِ المَسْجِدِ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ والعِبادَةِ، وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سَرِيَّةٍ بَعَثَها رَسُولُ اللَّهِ  .

﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ ﴾ بِحالِهِمْ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِفَتْحِ السِّينِ.

﴿ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَنِ السُّؤالِ، ﴿ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ ﴾ مِنَ الضَّعْفِ ورَثاثَةِ الحالِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ  ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ.

﴿ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا ﴾ إلْحاحًا، وهو أنْ يُلازِمَ المَسْؤُولَ حَتّى يُعْطِيَهُ، مِن قَوْلِهِمْ لَحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ، أيْ أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ، والمَعْنى أنَّهم لا يَسْألُونَ وإنْ سَألُوا عَنْ ضَرُورَةٍ لَمْ يُلِحُّوا.

وقِيلَ: هو نَفْيٌ لِلْأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ: عَلى لاحِبٍ يَهْتَدِي بِمَنارِهِ وَنَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ فَإنَّهُ كَنَوْعٍ مِنَ السُّؤالِ، أوْ عَلى الحالِ.

﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ تَرْغِيبٌ في الإنْفاقِ وخُصُوصًا عَلى هَؤُلاءِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الجار في لِلْفُقَرَاء متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء أو هو خبر مبتدأ محذوف أي هذه الصدقات للفقراء {الذين أُحصِرُواْ فِى سَبِيلِ الله} هم الذين أحصرهم الجهاد فمنعهم من التصرف {ولا يَسْتَطِيعُونَ} لاشتغالهم به {ضَرْبًا فِى الأرض} للكسب وقيل هم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل من مهاجري قريش لم تكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر فكانوا في صفة المسجد وهي سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون في كل

سرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى {يحسبهم الجاهل} بحالهم بحسبهم وبابه شامي ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة والباقون بكسر السين {أَغْنِيَاء مِنَ التعفف} مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة {تَعْرِفُهُم بسيماهم} من صفرة الوجوه ورثاثة الحال {لاَ يسألون الناس إِلْحَافًا} إلحاحاً قيل هو نفي السؤال والإلحاح جميعاً كقوله على لا حب لا يهتدي بمناره يريد نفي المنار والاهتداء به والإلحاح هو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشئ يعطاه وفى الحديث إن الله يحب الحيى الحليم المتعفف ويبغض البذي السآل الملحف وقيل معناه أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا {وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ} لا يضيع عنده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لِلْفُقَراءِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ ولِهَذا، حُذِفَ أيِ اِعْمَدُوا لِلْفُقَراءِ أوِ اِجْعَلُوا ما تُنْفِقُونَهُ لِلْفُقَراءِ أوْ صَدَقاتِكم لِلْفُقَراءِ، والجُمْلَةُ اِسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الجارُّ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ، وما تُنْفِقُوا ﴾ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ﴾ اِعْتِراضٌ، أيْ وما تُنْفِقُوا لِلْفُقَراءِ.

﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ حَبَسَهُمُ الجِهادُ أوِ العَمَلُ في مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى يُوَفَّ إلَيْكم ولا يَخْفى بُعْدُهُ ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ ﴾ لِاشْتِغالِهِمْ بِذَلِكَ ﴿ ضَرْبًا في الأرْضِ ﴾ أيْ مَشْيًا فِيها وذَهابًا لِلتَّكَسُّبِ والتِّجارَةِ وهم أهْلُ الصِّفَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، قالَ اِبْنُ عَبّاسٍ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: وكانُوا نَحْوًا مِن ثَلاثِمِائَةٍ ويَزِيدُونَ ويَنْقُصُونَ مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ يَسْكُنُونَ سَقِيفَةَ المَسْجِدِ يَسْتَغْرِقُونَ أوْقاتَهم بِالتَّعَلُّمِ والجِهادِ وكانُوا يَخْرُجُونَ في كُلِّ سِرِّيَّةٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ  ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ هم قَوْمٌ أصابَتْهُمُ الجِراحاتُ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى فَصارُوا زَمْنى فَجَعَلَ لَهم في أمْوالِ المُسْلِمِينَ حَقًّا؛ ولَعَلَّ المَقْصُودَ في الرِّوايَتَيْنِ بَيانُ بَعْضِ أفْرادِ هَذا المَفْهُومِ ودُخُولُهُ فِيهِ إذْ ذاكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا لا الحَصْرُ إذْ هَذا الحُكْمُ باقٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.

﴿ يَحْسَبُهُمُ ﴾ أيْ يَظُنُّهم ﴿ الجاهِلُ ﴾ الَّذِي لا خِبْرَةَ لَهُ بِحالِهِمْ ﴿ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ أيْ مِن أجْلِ تَعَفُّفِهِمْ عَلى المَسْألَةِ فَمِن لِلتَّعْلِيلِ وأتى بِها لِفَقْدِ شَرْطٍ مِن شُرُوطِ النَّصْبِ وهو اِتِّحادُ الفاعِلِ، وقِيلَ: لِابْتِداءِ الغايَةِ والمَعْنى إنَّ حُسْبانَ الجاهِلِ غِناهم نَشَأ مِن تَعَفُّفِهِمْ، والتَّعَفُّفُ تَرْكُ الشَّيْءِ والإعْراضُ عَنْهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى تَعاطِيهِ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ اِخْتِصارًا كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وحالُ هَذِهِ الجُمْلَةِ كَحالِ سابِقَتِها.

﴿ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ ﴾ أيْ تَعْرِفُ فَقْرَهم واضْطِرارَهم بِالعَلامَةِ الظّاهِرَةِ عَلَيْهِمْ كالتَّخَشُّعِ والجُهْدِ ورَثاثَةِ الحالِ.

أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: ««كانَ رَسُولُ اللَّهِ  إذا صَلّى بِالنّاسِ تَخِرُّ رِجالٌ مِن قِيامِهِمْ في صَلاتِهِمْ لِما بِهِمْ مِنَ الخَصاصَةِ وهم أهْلُ الصِّفَةِ حَتّى يَقُولَ الأعْرابُ إنَّ هَؤُلاءِ مَجانِينُ»».

وأخْرَجَ هو أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ مِن أهْلِ الصِّفَةِ سَبْعُونَ رَجُلًا لَيْسَ لِواحِدٍ مِنهم رِداءٌ» والخِطابَ لِلرَّسُولِ  أوْ لِكُلِّ مَن لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ مُبالَغَةً في بَيانِ وُضُوحِ فَقْرِهِمْ، ووَزْنُ سِيَّما عِفَّلا لِأنَّها مِنَ الوَسْمِ بِمَعْنى السِّمَةُ نُقِلَتِ الفاءُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ وقُلِبَتْ ياءً لِوُقُوعِها بَعْدَ كَسْرَةٍ.

﴿ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا ﴾ أيْ إلْحاحًا وهو أنْ يُلازِمَ المَسْؤُولَ حَتّى يُعْطِيَهُ مِن قَوْلِهِمْ ألْحَفَنِي مِن فَضْلِ لِحافِهِ أيْ أعْطانِي مِن فَضْلِ ما عِنْدَهُ، وقِيلَ: سُمِّيَ الإلْحاحُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُغَطِّي القَلْبَ كَما يُغَطِّي اللِّحافُ مَن تَحْتَهُ، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ فَإنَّهُ كَنَوْعٍ مِنَ السُّؤالِ أوْ عَلى الحالِ أيْ مُلْحِفِينَ، والمَعْنى أنَّهم لا يَسْألُونَ أصْلًا وهو المَرْوِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وأكْثَرُ أرْبابِ المَعانِي، وعَلَيْهِ يَكُونُ النَّفْيُ مُتَوَجِّهًا لِأمْرَيْنِ عَلى حَدِّ قَوْلِ الأعْشى: لا يَغْمِزُ السّاقُ مِن أيْنَ ومِن وصَبٍ ولا يَغَصُّ عَلى شُرْسُوفَةِ الصِّغَرِ واعْتُرِضَ بِأنَّ هَذا إنَّما يَحْسُنُ إذا كانَ القَيْدُ لازِمًا لِلْمُقَيَّدِ أوْ كاللّازِمِ حَتّى يَلْزَمَ مِن نَفْيِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ وما هُنا لَيْسَ كَذَلِكَ إذِ الإلْحافُ لَيْسَ لازِمًا لِلسُّؤالِ ولا كَلازِمِهِ، وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا مُسَلَّمٌ إنْ لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يَقْتَضِيهِ وهو كَذَلِكَ هُنا لِأنَّ التَّعَفُّفَ حَتّى يَظُنُّوا أغْنِياءَ يَقْتَضِي عَدَمَ السُّؤالِ رَأْسًا، وأيْضًا ﴿ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ ﴾ مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ إذْ لَوْ سَألُوا لَعَرَفُوا بِالسُّؤالِ واسْتَغْنى عَنِ العِرْفانِ بِالسِّيما، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهم لا يَسْألُونَ وإنْ سَألُوا عَنْ ضَرُورَةٍ لَمْ يُلِحُّوا، ومِنَ النّاسِ مِن جَعَلَ المَنصُوبَ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِلنَّفْيِ أيْ يَتْرُكُونَ السُّؤالَ إلْحاحًا أيْ مُلِحِّينَ في التَّرْكِ وهو كَما تَرى.

﴿ وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ  ﴾ فَيُجازِيكم بِهِ وهو تَرْغِيبٌ في الإنْفاقِ لا سِيَّما عَلى هَؤُلاءِ، أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا ﴾ » وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ مُراعاةٌ لِلْفَواصِلِ أوْ إيماءٌ لِلْمُبالَغَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وذلك أن النبيّ  لما قدم مكة لعمرة القضاء، وخرجت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة، وجدها أبو قحافة، فسألا منها حاجة فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  ، فإنكما لستما على ديني، فاستأمرت رسول الله  ، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، أي يوفق من يشاء لدينه.

فإن قيل قد قال في آية أخرى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] وقال هاهنا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يوفق.

قيل ما يشاء إنما أراد به هناك الدعوة.

وهاهنا أراد به الهدى خاصة، وهو التوفيق إلى الهدى.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ يعني ما تنفقوا من مال، فثوابه لأنفسكم إذا تصدقتم على الكفار، أو على المسلمين.

وروي عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلاً من أهل الذمة، يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك أخذنا منك الجزية ما دمت شابا، ثم ضيعناك بعد ما كبرت وضعفت، فأمر بأن يجري عليه قوته من بيت المال.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ يعني لا تنفقوا إلا ابتغاء ثواب الله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوف ثوابه إليكم.

وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم وصدقاتكم، فيكون ما الأولى بمعنى الشرط، وما الثانية للجحود وما الثالثة للخير.

ثم بيّن موضع الصدقة فقال تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني النفقة والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في طاعة الله، وهم أصحاب الصفة كانوا نحواً من أربعمائة رجل، جعلوا أنفسهم للطاعة، وتركوا الكسب والتجارة.

قوله: لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي لا يستطيعون الخروج إلى السفر في التجارة.

قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ قرأ حمزة وعاصم وابن عامر: يحسبهم بنصب السين في جميع القرآن، وقرأ الباقون: بالكسر وتفسير القراءتين واحد، يعني يظن الجاهل بأمرهم وشأنهم أنهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لأنهم يظهرون أنفسهم للناس باللباس وغيره، كأنهم أغنياء ويتعففون عن المسألة.

قوله تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ أي بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً يعني إلحاحاً قال ابن عباس  : لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح، ويقال: أصله من اللحاف، لأن السائل إذا كان ملحاً، فكأنه يلصق بالمسؤول فيصير كاللحاف يلتصق، وجعل ذلك كناية عنه.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يعني عليم بما أنفقتم ويقال هذا على معنى التحريض، فكأنه يقول عليكم بالفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.

وقال بعضهم: هذا على معنى التعجب، فكأنه يقول عجباً للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله ويقال: إنه رد إلى أول الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في شأن علي بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم لم يملك غيرها، فلما نزل التحريض على الصدقة تصدق بدرهم بالليل، وبدرهم بالنهار، وبدرهم في السر، وبدرهم في العلانية، فنزلت هذه الآية الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ.

سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني خفية وظاهراً.

ويقال: هذا حثّ لجميع الناس على الصدقة يتصدقون في الأحوال كلها وفي الأوقات كلها فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي على بَابِ الجَنَّةِ مَكْتُوبٌ: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ القَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟

قَالَ: إِنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالمُسْتَقْرِضُ لاَ يَسْتَقْرِضُ إِلاَّ مِنْ حَاجَةٍ» «١» .

انتهى من «التذكرة» .

وقرأ ابن كثير وغيره: «ونُكَفِّرُ» بالنون، ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: «وَيُكَفِّرُ» ، بالياء، ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: «وَنُكَفِّرْ» ، بالنون، والجزمِ، فأما رفْع الراء، فهو على وجهين:

أحدهما: أن يكون الفعْلُ خبر ابتداءٍ، تقديره: ونحن نكفِّر، أو: واللَّه يكفر.

والثَّاني: القطع، والاستِئْناف، والواو لعطْفِ جملةٍ على جملةٍ، والجزمُ في الراءِ أفصحُ هذه القراءات لأنها تؤذن بدُخُول التكفير في الجزاء، وكونه مشروطاً إِن وقع الإِخفاء، وأمَّا رفع الراءِ، فليس فيه هذا المعنى، و «مِنْ» في قوله: مِنْ سَيِّئاتِكُمْ للتبعيضِ المحْضِ، لا أنها زائدةٌ كما زعم قومٌ، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ: وعدٌ ووعيد.

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)

وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ...

الآية: وَرَدَتْ آثار أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مَنَعَ فُقَرَاء أهْلِ الذمَّة من الصَّدَقَة، فنزلَتِ الآية مبيحةً لهم، وذكر الطبريُّ «٢» أن مَقْصِدَ النبيّ صلّى الله عليه وسلم بمنع

الصدَقة، إِنَّما كان ليُسْلِمُوا، ولِيَدْخُلُوا في الدِّين، فقال اللَّه سبحانه: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، قال ع «١» : وهذه الصدقةُ التي أبيحَتْ لهم حسبَمَا تضمَّنته هذه الآثار، إِنما هي صدقة التطوُّع، وأما المفروضة، فلا يجزىء دفعها لكَافِرٍ، قال ابن المُنْذِرِ «٢» : إِجماعاً فيما عَلِمْتُ، وقول المَهْدَوِيِّ: إباحتها هذه الآية مردودٌ، قال ابن العَرَبِيِّ «٣» ، وإِذا كان المُسْلِمُ يترك أركان الإِسْلاَم من الصَّلاة، والصيام، فلا تُصْرَفُ إِلَيْه الصدقة حتى يتُوبَ، وسائرُ المعاصِي تُصْرَف الصدَقَةُ إلى مرتكبيها لدخولِهِمْ في اسم المسلمين.

انتهى من «الإِحكام» ، ويعني بالصدقةِ المفروضةَ، والهدى الَّذي ليس على نبيّنا صلّى الله عليه وسلم هو خَلْق الإِيمان في قلوبهم، وأما الهُدَى الذي هو الدعاء فهو عليه صلّى الله عليه وسلم، وليس بمراد في هذه الآية.

ثم أخبرَ سُبْحَانه أنه يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وفي الآية ردٌّ على القدريَّة وطوائفِ المعتزلةِ، ثم بيَّن تعالى أنَّ النفقة المقبولَةَ ما كان ابتغاءَ وَجْهِ اللَّهِ.

وفي الآية تأويلٌ آخرُ، وهو أنها شهادة مِنَ اللَّهِ تعالى للصحابةِ أنهم إِنما ينفقون ابتغاءَ وَجُه اللَّه سبحانه، فهو خَبَر منه لهم فيه تفضيلٌ، وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ، أي: في الآخرة، وهذا هو بيانُ قوله: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ، والخير هنا:

المالُ/ بقرينة الإِنفاق، ومتى لم يقترن بما يدلُّ على أنَّه المال، فلا يلزم أن يكون بمعنى ٧١ أالمال، وهذا الذي قلْناه تحرُّزاً من قول عِكْرِمَةَ: كُلَّ خَيْرٍ في كتابِ اللَّهِ، فهو المالُ «٤» .

وقوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ...

الآية: التقديرُ: الإِنفاق أو الصدقةُ للفقراءِ، قال مجاهد وغيره: المرادُ بهؤلاءِ الفقراءِ فقراءُ المهاجرين من قريش وغيرهم «٥» .

ع «١» : ثم تتناول الآيةُ كلَّ مَنْ دخل تحْتَ صفة الفَقْر غابِرَ الدَّهْر، ثم بيَّن اللَّه سبحانه من أحْوَالِ أولئك الفقراءِ المهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عليهم بقوله: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، والمعنى: حُبِسُوا، ومُنِعُوا، وتأوَّل الطبريّ «٢» في هذه الآية أنهم هم حاسبوا أَنُفُسِهِمْ بِرِبْقَة الدِّيْن، وقصد الجهاد، وخَوْفِ العَدُوِّ، إِذ أحاط بهم الكُفْر، فصار خوف العدو عذْراً أحْصِروا به.

ع «٣» : كأنَّ هذه الأعذار أحصرتْهم، فالعدُوُّ وكلُّ محيطٍ يحصر، وقوله: فِي سَبِيلِ اللَّهِ يحتملُ الجهادَ، ويحتمل الدخولَ في الإِسلام، والضَّرْبُ في الأرض: هو التصرُّف في التجارة، وكانُوا لا يستطيعونَ ضَرْباً في الأرض لكون البلادِ كلِّها كفْراً مطبقاً، وهذا في صدْر الهجْرة، وكانوا- رضي اللَّه عنهم- من الانقباض، وترْكِ المسألةِ، والتوكُّلِ على اللَّه تعالى بحيث يحسبهم الجاهلُ بباطنِ أحوالهم أغنياءَ.

ت: واعلم أنَّ المواساة واجبةٌ، وقد خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: «بينما نحن في سفر، مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بصره يمينا وشمالا، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حقّ لأحد منّا في فضل «٤» انتهى.

والتَّعَفُّفِ: تفعُّلٌ، وهو بناءُ مبالغةٍ من: عَفَّ عن الشيْءِ، إِذا أمْسَك عنْه، وتنزَّه عن طَلَبه، وبهذا المعنى فسره قتادةُ وغيره.

ت: مَدَح اللَّه سبحانه هؤُلاءِ السَّادَةَ على ما أعطاهم من غنى النفْسِ، وفي الحديثِ الصحيحِ: «لَيْسَ الغنى عَنْ كَثْرَةِ المَالِ، وَإِنَّمَا الغنى غِنَى النّفس» «٥» وقد صحّ

عنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ، اجعل قُوتَ آلُ مُحَمَّدٍ كَفَافاً» أخرجه مسلم، وغيره «١» ، وعنْدِي أن المراد بالآل هنا متّبعوه صلّى الله عليه وسلم.

وفي سنن ابْن مَاجَة، عن أنسٍ، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ غَنِيٍّ، وَلاَ فَقِيرٍ إِلاَّ وَدَّ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتاً» «٢» ، وروى مسلم والترمذيُّ عن أبي أُمَامة، قال: قال رسول اللَّه صلّى الله عليه وسلم: «يا ابن آدَمَ، إِنَّكَ إِنْ تَبْذُلْ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ تُمْسك شَرٌّ لَكَ، وَلاَ تُلاَمُ على كَفَافٍ، وابدأ بِمَنْ تَعُولُ، وَاليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ من اليد السّفلى» «٣» ، قال أبو عيسى،

واللفظ له: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

انتهى.

وقوله سبحانه: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ: السِّيَما مقصورة: العلامةُ، واختلف المفسِّرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشُّع والتواضُع «١» ، وقال الربيعُ، والسُّدِّيُّ:

هي جهد الحاجة، وقَضَفُ الفقر في وجوههم، وقلَّة النعمة «٢» ، وقال ابن زَيْد: هي رِثَّة الثياب «٣» ، وقال قوم، وحكاه مكِّيٌّ: هي أثر السجود «٤» ، قال ع «٥» : وهذا حسنٌ، وذلك لأنهم كانوا متفرِّغين متوكِّلين، لا شُغْل لهم في الأغلب إِلاَّ الصَّلاة، فكان أثَرُ السُّجود علَيْهم أبداً، والإِلحافُ، والإلحاح بمعنى، قال ع «٦» : والآية تحتمل ٧٢ أمعنيين/.

أحدهما: نفْي السؤال جملة، وهذا هو الذي عليه الجمهورُ أنهم لا يسألون البَتَّة.

والثاني: نَفْي الإِلحاف فقَطْ، أي: لا يظهر لهم سؤال، بل هو قليل وبإِجمال.

ت: وهذا الثاني بعيدٌ من ألفاظ الآية، فتأمَّله.

ت: وينبغى للفقيرِ أنْ يتعفّف في فَقْره، ويكتفي بعلْمِ ربِّه، قال الشيخُ ابن أبي جَمْرة: وقد قال أهْلُ التوفيق: مَنْ لَمْ يَرْضَ باليسير، فهو أسير.

انتهى، وذكر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لَمّا حَثَّهم عَلى الصَّدَقاتِ والنَّفَقاتِ، دَلَّهم عَلى خَيْرٍ مِن تُصُدِّقَ عَلَيْهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإحْصارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ  ﴾ وفي المُرادِ بِـ "الَّذِينَ أُحْصِرُوا" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الصُّفَّةِ حَبَسُوا أنْفُسَهم عَلى طاعَةِ اللَّهِ، ولَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

.

والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمٌ حَبَسُوا أنْفُسَهم عَلى الغَزْوِ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الِاكْتِسابِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهم قَوْمٌ أصابَتْهم جِراحاتٌ مَعَ النَّبِيِّ  ، فَصارُوا زَمْنى، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، واخْتارَهُ الكِسائِيُّ، وقالَ: أُحْصِرُوا مِنَ المَرَضِ، ولَوْ أرادَ الحَبْسَ، لَقالَ: حُصِرُوا، وإنَّما الإحْصارُ مِنَ الخَوْفِ، أوِ المَرَضِ.

والحَصْرُ: الحَبْسُ في غَيْرِهِما.

وفي سَبِيلِ اللَّهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ، والثّانِي: الطّاعَةُ.

وفي الضَّرْبِ في الأرْضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجِهادُ لَمْ يُمْكِنْهم لِفَقْرِهِمْ، نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: الكَسْبُ، قالَهُ قَتادَةُ.

وفي الَّذِي مَنَعَهم مِن ذَلِكَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الفَقْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أمْراضُهم، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّالِثُ: التِزامُهم بِالجِهادِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ "يَحْسَبُهُمْ" و"يَحْسَبْنَ" بِكَسْرِ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ السِّينِ في الكُلِّ.

قالَهُ أبُو عَلِيٍّ: فَتْحُ السِّينِ أقْيَسُ، لِأنَّ الماضِيَ إذا كانَ عَلى "فَعِلَ"، نَحْوُ: حَسِبَ، كانَ المُضارِعُ عَلى "يَفْعَلُ"، مِثْلُ: فَرِقَ يَفْرَقُ، وشَرِبَ يَشْرَبُ، والكَسْرُ حَسَنٌ لِمَوْضِعِ السَّمْعِ.

قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ: لَمْ يُرِدِ الجَهْلَ الَّذِي هو ضِدُّ العَقْلِ، إنَّما أرادَ الجَهْلَ الَّذِي هو ضِدُّ الخَبَرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يَحْسَبُهم مَن لا يُخْبَرُ أمْرَهم.

والتَّعَفُّفُ: تَرْكُ السُّؤالِ، يُقالُ: عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ وتَعَفَّفَ.

والسِّيما: العَلامَةُ الَّتِي يُعْرَفُ بِها الشَّيْءُ، وأصْلُهُ مِنَ السِّمَةِ.

وفي المُرادِ بِسِيماهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تُجَمِّلُهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: خُشُوعُهم، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أثَرُ الفَقْرِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ لِلسِّيما حُكْمًا يَتَعَلَّقُ بِها.

قالَ إمامُنا أحْمَدُ في المَيِّتِ يُوجَدُ في دارِ الحَرْبِ، ولا يَعْرِفُ أمْرَهُ: يُنْظَرُ إلى سِيماهُ، فَإنْ كانَ عَلَيْهِ سِيما الكَفّارِ مِن عَدَمِ الخِتانِ، حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمْ، فَلَمْ يُدْفَنْ في مَقابِرِ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ سِيما المُسْلِمِينَ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمْ.

وأمّا الإلْحافُ، فَهُوَ: الإلْحاحُ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: ألْحَفَ في المَسْألَةِ: إذا ألَحَّ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ألْحَفَ: شَمِلَ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتِقاقُ اللِّحافِ، لِأنَّهُ يَشْمَلُ الإنْسانَ بِالتَّغْطِيَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ مُلْحِفِينَ؟

فالجَوابُ: أنْ لا، وإنَّما مَعْنى الكَلامِ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنهم سُؤالٌ، فَيَكُونُ إلْحافٌ.

قالَ الأعْشى: لا يَغْمِزُ السّاقُ مِن أيْنٍ ولا وصَبٍ ولا يَعَضُّ عَلى شَرْسُوفِهِ ِالصَّفَرْ مَعْناهُ: لَيْسَ بِساقِهِ أيْنٌ ولا وصَبٌ، فَيَغْمِزُها لِذَلِكَ.

قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ أنْ تَقُولَ: قَلَّما رَأيْتُ مِثْلَ هَذا الرَّجُلِ، ولَعَلَّكَ لَمْ تَرَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا مِن أشْباهِهِ، فَهم لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا، ولا غَيْرَ إلْحافٍ.

وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في آَخَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَعَفُّفِ تَعْرِفُهم بِسِيماهم لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا وما تُنْفِقُوا مِنَ خَيْرٍ فَإنَّ اللهِ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ اللامُ في قَوْلِهِ: "لِلْفُقَراءِ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: الإنْفاقُ أوِ الصَدَقَةُ لِلْفُقَراءِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُما: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الفُقَراءِ فُقَراءُ المُهاجِرِينَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ تَتَناوَلُ الآيَةَ كُلَّ مَن دَخَلَ تَحْتَ صِفَةِ الفَقْرِ غابِرَ الدَهْرِ، وإنَّما خَصَّ فُقَراءَ المُهاجِرِينَ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ سِواهُمْ، لِأنَّ الأنْصارَ كانُوا أهْلَ أمْوالٍ وتِجارَةٍ في قُطْرِهِمْ.

ثُمَّ بَيَّنَ اللهُ تَعالى مِن أحْوالِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ المُهاجِرِينَ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللهِ ﴾ والمَعْنى: حُبِسُوا ومُنِعُوا، وذَهَبَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ إلى أنَّ أُحْصِرَ وحُصِرَ بِمَعْنىً واحِدٍ مِنَ الحَبْسِ والمَنعِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِعَدُوٍّ أو بِمَرَضٍ ونَحْوِهِ مِنَ الأعْذارِ، حَكاهُ ابْنُ سِيدَهْ وغَيْرُهُ.

وفَسَّرَ السُدِّيُّ هُنا الإحْصارَ بِأنَّهُ بِالعَدُوِّ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أحُصِرَ إنَّما يَكُونُ بِالمَرَضِ والأعْذارِ، وحُصِرَ بِالعَدُوِّ، وعَلى هَذا فَسَّرَ ابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وتَأوَّلَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم هم حابِسُو أنْفُسِهِمْ بِرِبْقَةِ الدِينِ، وقَصْدِ الجِهادِ، وخَوْفِ العَدُوِّ، إذْ أحاطَ بِهِمُ الكُفْرُ فَصارَ خَوْفُ العَدُوِّ عُذْرًا أُحْصِرُوا بِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَذا مُتَّجِهٌ كَأنَّ هَذِهِ الأعْذارَ أحْصَرَتْهُمْ، أيْ جَعَلَتْهم ذَوِي حَصْرٍ كَما قالُوا: قَبَرَهُ أدْخَلَهُ في قَبْرِهِ، وأقْبَرَهُ جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ، فالعَدُوُّ وكُلُّ مُحِيطٍ يُحْصِرُ، والأعْذارُ المانِعَةُ تُحْصِرُ بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الصادِ أيْ تَجْعَلُ المَرْءَ كالمُحاطِ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾ يَحْتَمِلُ الجِهادَ، ويَحْتَمِلُ الدُخُولَ في الإسْلامِ، واللَفْظُ يَتَناوَلُهُما.

والضَرْبُ في الأرْضِ: هو التَصَرُّفُ في التِجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ إلى حاجَةِ الإنْسانِ في البَرازِ، وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ الضَرْبَ في الأرْضِ لِكَوْنِ البِلادِ كُلِّها كُفْرًا مُطْبِقًا، وهَذا في صَدْرِ الهِجْرَةِ، فَقِلَّتُهم تَمْنَعُ مِنَ الِاكْتِسابِ بِالجِهادِ، وإنْكارُ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ إسْلامَهم يَمْنَعُ مِنَ التَصَرُّفِ في التِجارَةِ، فَبَقُوا فُقَراءَ إلّا أنَّهم مِنَ الِانْقِباضِ وتَرْكِ المَسْألَةِ والتَوَكُّلِ عَلى اللهِ بِحَيْثُ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ بِباطِنِ أحْوالِهِمْ أغْنِياءً.

والتَعَفُّفُ: تَفَعُّلٌ بِتاءِ مُبالَغَةٍ، مِن عَفَّ عَنِ الشَيْءِ إذا أمْسَكَ عنهُ، وتَنَزَّهَ عن طَلَبِهِ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَحْسِبُهُمْ" بِكَسْرِ السِينِ، وكَذَلِكَ هَذا الفِعْلُ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "يَحْسَبُهُمْ" بِفَتْحِ السِينِ في كُلِّ القُرْآنِ، وهُما لُغَتانِ في "يَحْسَبُ" كَعَهِدَ يَعْهَدُ ويَعْهِدُ، بِفَتْحِ الهاءِ وكَسْرِها في حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ أتَتْ كَذَلِكَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَتْحُ السِينِ في "يَحْسَبُ" أقْيَسُ لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الماضِي مَكْسُورَةٌ، فَبابُها أنْ تَأْتِيَ في المُضارِعِ مَفْتُوحَةً، والقِراءَةُ بِالكَسْرِ حَسَنَةٌ بِمَجِيءِ السَمْعِ بِهِ، وإنْ كانَ شاذًّا عَنِ القِياسِ.

و"مِن" في قَوْلِهِ: "مِنَ التَعَفُّفِ"، لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: مِن تَعَفُّفِهِمُ ابْتَدَأتْ مَحْسَبَتُهُ، ولَيْسَتْ لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ الجاهِلَ بِهِمْ لا يَحْسَبُهم أغْنِياءَ غِناءَ تَعَفُّفٍ، وإنَّما يَحْسَبُهم أغْنِياءَ غِنى مالٍ، ومَحْسَبَتُهُ مِنَ التَعَفُّفِ ناشِئَةٌ، وهَذا عَلى أنَّهم مُتَعَفِّفُونَ عِفَّةً تامَّةً عَنِ المَسْألَةِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّهم قالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا ﴾ المَعْنى: لا يَسْألُونَ البَتَّةَ، وتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنىً آخَرَ "مِن" فِيهِ لِبَيانِ الجِنْسِ سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.

والسِيما مَقْصُورَةً: العَلامَةُ، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: السِيمِياءُ بِزِيادَةِ ياءٍ وبِالمَدِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ................

لَهُ سِيمِياءُ لا تَشُقُّ عَلى البَصَرْ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ هَذِهِ السِيمِياءِ الَّتِي يُعْرَفُ بِها هَؤُلاءِ المُتَعَفِّفُونَ - فَقالَ مُجاهِدٌ: هي التَخَشُّعُ والتَواضُعُ، وقالَ السُدِّيُّ، والرَبِيعُ: هي جُهْدُ الحاجَةِ وقَضْفُ الفَقْرِ في وُجُوهِهِمْ، وقِلَّةُ النِعْمَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ هي رِثَّةُ الحالِ.

وقالَ قَوْمٌ - وحَكاهُ مَكِّيٌّ-: هي أثَرُ السُجُودِ، وهَذا أحْسَنُ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا مُتَفَرِّغِينَ مُتَوَكِّلِينَ، لا شُغْلَ لَهم في الأغْلَبِ إلّا الصَلاةَ، فَكانَ أثَرُ السُجُودِ عَلَيْهِمْ أبَدًا.

والإلْحافُ والإلْحاحُ بِمَعْنىً واحِدٍ، وقالَ قَوْمٌ: هو مَأْخُوذٌ مِن ألْحَفَ الشَيْءَ إذا غَطّاهُ وعَمَّهُ بِالتَغْطِيَةِ، ومِنهُ اللِحافُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أحْمَرَ: يَظَلُّ يَحُفُّهُنَّ بِقَفْقَفَيْهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ويُلْحِفُهُنَّ هَفّافًا ثَخِينا يَصِفُ ذَكَرَ نَعامٍ يَحْضُنُ بَيْضًا، فَكَأنَّ هَذا السائِلَ المُلِحَّ يَعُمُّ الناسَ بِسُؤالِهِ فَيَلْحَفُهم ذَلِكَ.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ، والزَجّاجُ، وغَيْرُهُما إلى أنَّ المَعْنى: لا يَسْألُونَ البَتَّةَ والآيَةُ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ: نَفْيَ السُؤالِ جُمْلَةً ونَفْيَ الإلْحافِ فَقَطْ، أمّا الأُولى فَعَلى أنْ يَكُونَ التَعَفُّفُ صِفَةً ثابِتَةً لَهُمْ، ويَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ بِفَقْرِهِمْ لِسَبَبِ تَعَفُّفِهِمْ أغْنِياءَ مِنَ المالِ، وَتَكُونَ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا ﴾ لَمْ يُرِدْ بِهِ أنَّهم يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ، بَلْ أُرِيدَ بِهِ التَنْبِيهُ عَلى سُوءِ حالَةِ مَن يَسْألُ إلْحافًا مِنَ الناسِ، كَما تَقُولُ: "هَذا رَجُلُ خَيْرٍ لا يَقْتُلُ المُسْلِمِينَ"، فَقَوْلُهُمْ: "خَيْرٍ" قَدْ تَضَمَّنَ أنَّهُ لا يَقْتُلُ ولا يَعْصِي ولَوْ بِأقَلَّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ نَبَّهْتَ بِقَوْلِكَ: "لا يَقْتُلُ المُسْلِمِينَ" عَلى قُبْحِ فِعْلِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقْتُلُ، وكَثِيرًا ما يُقالُ مِثْلُ هَذا إذا كانَ المُنَبَّهُ عَلَيْهِ مَوْجُودًا في القَضِيَّةِ، مُشارًا إلَيْهِ في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ والسامِعِ.

وسُؤالُ الإلْحافِ لَمْ تَخْلُ مِنهُ مُدَّةٌ وهو مِمّا يُكْرَهُ، فَلِذَلِكَ نُبِّهَ عَلَيْهِ، وأمّا المَعْنى الثانِي فَعَلى أنْ يَكُونَ التَعَفُّفُ داخِلًا في المَحْسَبَةِ، أيْ أنَّهم لا يَظْهَرُ لَهم سُؤالٌ، بَلْ هو قَلِيلٌ.

وبِإجْمالٍ فالجاهِلُ بِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِفَقْرِهِمْ يَحْسَبُهم أغْنِياءَ عِفَّةٍ، فَـ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ثُمَّ نَفى عنهم سُؤالَ الإلْحافِ وبَقِيَ غَيْرُ الإلْحافِ مُقَرَّرًا لَهم حَسَبَ ما يَقْتَضِيهِ دَلِيلُ الخِطابِ، وهَذا المَعْنى في نَفْيِ الإلْحافِ فَقَطْ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ السُدِّيِّ.

وقالَ الزَجّاجُ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: لا يَكُونُ مِنهم سُؤالٌ فَلا يَكُونُ إلْحافٌ، وهَذا كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ....

∗∗∗................

أيْ لَيْسَ ثَمَّ مَنارٌ فَلا يَكُونُ اهْتِداءٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: إنْ كانَ الزَجّاجُ أرادَ لا يَكُونُ مِنهم سُؤالٌ البَتَّةَ، فَذَلِكَ لا تُعْطِيهِ الألْفاظُ الَّتِي بَعْدَ "لا"، وإنَّما يَنْتَفِي السُؤالُ إذا ضُبِطَ المَعْنى مِن أوَّلِ الآيَةِ عَلى ما قَدَّمْناهُ.

وإنْ كانَ أرادَ: لا يَكُونُ مِنهم سُؤالُ إلْحافٍ فَذَلِكَ نَصُّ الآيَةِ.

وأمّا تَشْبِيهُهُ الآيَةَ بِبَيْتِ امْرِئِ القَيْسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ...

∗∗∗.............

وقَوْلَهُ الآخَرَ:.

قِفْ بِالطُلُولِ الَّتِي لَمْ يُعْفِها القِدَمُ...

∗∗∗.........

وقَوْلَ الآخَرِ: ومَن خِفْتُ مِن جَوْرِهِ في القَضا ∗∗∗ ∗∗∗ ءِ فَما خِفْتُ جَوْرَكِ يا عافِيَةْ وما جَرى مَجْراهُ تَرْتِيبٌ يَسْبِقُ مِنهُ أنَّهُ لا يُهْتَدى بِالمَنارِ وإنْ كانَ المَنارُ مَوْجُودًا.

فَلا يَنْتَفِي إلّا المَعْنى الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَفْيِ فَقَطْ، وكَذَلِكَ يَنْتَفِي العَفاءُ وإنْ وُجِدَ القِدَمُ، وكَذَلِكَ يَنْتَفِي الخَوْفُ وإنْ وُجِدَ الجَوْرُ، وهَذا لا يَتَرَتَّبُ في الآيَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ الشُعَراءُ أنَّ الثانِيَ مَعْدُومٌ فَلِذَلِكَ أدْخَلُوا عَلى الأوَّلِ حَرْفَ النَفْيِ إذْ لا يَصِحُّ الأوَّلُ إلّا بِوُجُودِ الثانِي، أيْ لَيْسَ ثَمَّ مَنارٌ فَإذًا لا يَكُونُ اهْتِداءٌ بِمَنارٍ، ولَيْسَ ثَمَّ قِدَمٌ فَإذًا لا يَكُونُ عَفاءٌ، ولَيْسَ ثَمَّ جَوْرٌ فَإذًا لا يَكُونُ خَوْفٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَسْألُونَ الناسَ إلْحافًا ﴾ لا يَتَرَتَّبُ فِيهِ شَيْءٌ مِن هَذا، لِأنَّ حَرْفَ النَفْيِ دَخَلَ عَلى أمْرٍ عامٍّ لِلْإلْحافِ وغَيْرِهِ، ثُمَّ خُصِّصَ بِقَوْلِهِ: "إلْحافًا" جُزْءًا مِن ذَلِكَ العامِّ فَلَيْسَ بِعَدَمِ الإلْحافِ يَنْتَفِي السُؤالُ، وبَيْتُ الشِعْرِ يَنْتَفِي فِيهِ الأوَّلُ بِعَدَمِ الثانِي إذْ دَخَلَ حَرْفُ النَفْيِ فِيهِ عَلى شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ وُجُودُهُ بِوُجُودِ الَّذِي يُرادُ أنَّهُ مَعْدُومٌ، والسُؤالُ لَيْسَ هَكَذا مَعَ الإلْحافِ، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ إذْ قَدْ يُعْدَمُ الإلْحافُ مِنهم ويَبْقى لَهم سُؤالٌ لا إلْحافَ فِيهِ.

ولَوْ كانَ الكَلامُ: "لا يُلْحِفُونَ الناسَ سُؤالًا" لَقَرُبَ الشَبَهُ بِالأبْياتِ المُتَقَدِّمَةِ.

وكَذَلِكَ لَوْ كانَ بَعْدُ: "لا يَسْألُونَ شَيْئًا إذا عُدِمَ عَدَمُ السُؤالِ" كَأنَّكَ قُلْتَ: تَكَسُّبًا أو نَحْوَهُ - لَصَحَّ الشَبَهُ، واللهُ المُسْتَعانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ وعْدٌ مَحْضٌ أيْ يَعْلَمُهُ ويُحْصِيهِ لِيُجازِيَ عَلَيْهِ ويُثِيبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ للفقراء ﴾ متعلّق بتنفقون الأخير، وتعلّقه به يؤذن بتعلّق معناه بنظائره المقدّمة، فما من نفقة ذكرت آنفاً إلاّ وهي للفقراء لأنّ الجمل قد عضد بعضها بعضاً.

و ﴿ الذين أحصروا ﴾ أي حبسوا وأرصدوا.

ويحتمل أنّ المراد بسبيل الله هنا الجهاد؛ فإن كان نزولها في قوم جرحوا في سبيل الله فصاروا زمْنَى ففي للسبيبة والضرب في الأرض المشي للجهاد بقرينة قوله: ﴿ في سبيل الله ﴾ ، والمعنى أنّهم أحقّاء بأن ينفق عليهم لعجزهم الحاصل بالجهاد؛ وإن كانوا قوماً بصدد القتال يحتاجون للمعونة، ففي للظرفية المجازية؛ وإن كان المراد بهم أهل الصفة، وهم فقراء المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم بمكة وجاؤوا دار الهجرة لا يستطيعون زراعة ولا تجارة، فمعنى أحصروا في سبيل الله عِيقوا عن أعمالهم لأجل سبيل الله وهو الهجرة، ففي للتعليل.

وقد قيل: إنّ أهل الصفة كانوا يخرجون في كل سريّة يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه فسبيل الله هو الجهاد.

ومعنى «أحصروا» على هذا الوجه أرصدوا.

و(في) باقية على التعليل.

والظاهر من قوله: ﴿ لا يستطيعون ضرباً ﴾ أنّهم عاجزون عن التجارة لقلّة ذات اليد، والضرب في الأرض كناية عن التجر لأنّ شأن التاجر أن يسافر ليبتاع ويبيع فهو يضرب الأرض برجليه أو دابّته.

وجملة ﴿ لا يستطيعون ضرباً ﴾ يجوز أن تكون حالاً، وأن تكون بياناً لجملة أحصروا.

وقوله: ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ حال من الفقراء، أي الجاهل بحالهم من الفقر يظنّهم أغنياء، ومن للابتداء لأنّ التعفّف مبدأ هذا الحسبان.

والتعفّف تكلّف العفاف وهو النزاهة عمّا يليق.

وفي «البخاري» باب الاستعفاف عن المسألة، أخرج فيه حديث أبي سعيد: أنّ الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفِدَ ما عنده فقال: " ما يكون عندي من خير فلن أدّخره عنكم، ومن يستعفف يُعِفّه الله، ومن يستغننِ يُغْنِه الله، ومن يتصبّر يصبِّره الله ".

وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب يحسِبهم بكسر السين وقرأه الباقون بفتح السين، وهما لغتان.

ومعنى ﴿ تعرفهم بسماهم ﴾ أي بعلامة الحاجة والخطاب لغير معيَّن ليعم كلّ مخاطب، وليس للرسول لأنّه أعلم بحالهم.

والمخاطب بتَعْرفهم هو الذي تصدّى لتطّلع أحوال الفقراء، فهو المقابل للجاهل في قوله: ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ .

والجملة بيان لجملة ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ ، كأنّه قيل: فبماذا تصل إليهم صدقات المسلمين إذا كان فقرهم خفيّاً، وكيف يُطّلع عليهم فأحيل ذلك على مظنّة المتأمّل كقوله: ﴿ إن في ذلك لآيات للمتوسمين ﴾ [الحجر: 75].

والسيما العلامة، مشتقة من سَام الذي هو مقلوب وَسَم، فأصلها وِسْمَى، فوزنها عِفْلَى، وهي في الصورة فِعْلى، يدل لذلك قولهم سِمَة؛ فإنّ أصلها وِسْمَة.

ويقولون سِيمى بالقصر وسِيماء بالمد وسِيميَاء بزيادة ياء بعد الميم وبالمد، ويقولون سَوّم إذا جَعَل سِمة.

وكأنّهم إنّما قلبوا حروف الكلمة لقصد التوصّل إلى التخفيف بهذه الأوزان لأنّ قلب عين الكلمة متأتّ بخلاف قلب فائها.

ولم يسمع من كلامهم فِعْل مجردٌ من سوّم المقلوب، وإنّما سمع منه فعل مضاعف في قولهم سَوّم فرسه.

وقوله: ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ بيان لقوله يحسبهم الجاهل أغنياء بياناً ثانياً، لكيفية حُسبانهم أغنياء في أنّهم لا يسألون الناس.

وكان مُقتضى الظاهر تقديمه على الذي قبله إلاّ أنّه أخّر للاهتمام بما سبقه من الحقّ على توسّم احتياجهم بأنّهم محصرون لا يستطيعون ضرباً في الأرض لأنّه المقصود من سياق الكلام.

فأنت ترى كيف لم يغادر القرآن شيئاً من الحثّ على إبلاغ الصدقات إلى أيدي الفقراء إلاّ وقد جاء به، وأظهر به مزيد الاعتناء.

والإلحاف الإلحاح في المسألة.

ونُصب على أنّه مفعول مطلق مُبيّن للنوع، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير يسألون بتأويل مُلحفين.

وأيَّا ما كان فقد نفي عنهم السؤال المقيّد بالإلحاف أو المقيدون فيه بأنّهم مُلحفون وذلك لا يفيد نفي صدور المسألة منهم مع أنّ قوله: ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ يدل على أنّهم لا يسألون أصلاً، وقد تأوّله الزجاج والزمخشري بأنّ المقصود نفي السؤال ونفيُ الإلحاف معاً كقول امرئ القيس: عَلَى لاَحِببٍ لاَ يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ *** يُريد نفي المنار والاهتداء، وقرينة هذا المقصود أنّهم وصفوا بأنّهم يُحسبون أغنياء من التعفّف، ونظيره قوله تعالى: ﴿ ما للظالمين من حميم ولا شفيععٍ يُطاعُ ﴾ [غافر: 18] أي لا شفيع أصلاً، ثم حيث لا شفيع فلا إطاعة، فأنتج لا شفيع يطاع، فهو مبالغة في نفي الشفيع لأنّه كنفيه بنفي لازمه وجعلوه نوعاً من أنواع الكناية، وقال التفتازاني: «إنّما تحسن هذه الطريقة إذا كان القيد الواقع بعد النفي بمنزلة اللازم للنفي لأنّ شأن اللاّحب أن يكون له مَنار، وشأنَ الشفيع أن يُطاع، فيكون نفي اللازم نفياً للملزوم بطريق برهاني، وليس الإلحاف بالنسبة إلى السؤال كذلك، بل لا يبعد أن يكون ضدُّ الإلحاف وهو الرفق والتلطّف أشبه باللازم» (أي أن يكون المنفي مُطرّد اللزوم للمنفي عنه).

وجوّز صاحب «الكشاف» أن يكون المعنى أنّهم إن سألوا سألوا بتلطّف خفيف دون إلحاف، أي إنّ شأنهم أن يتعفّفوا، فإذا سألوا سألوا بغير إلحاف، وهو بعيد لأنّ فصل الجملة عن التي قبلها دليل على أنّها كالبيان لها، والأظهر الوجه الأول الذي جعل في «الكشاف» ثانياً وأجاب الفخر بأنّه تعالى وصفهم بالتعفّف فأغنى عن ذكر أنّهم لا يسألون، وتعين أنّ قوله: ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ تعريض بالملحفين في السؤال، أي زيادة فائدة في عدم السؤال.

﴿ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

أعيد التحريض على الإنفاق فذكر مرة رابعَة، وقوله: ﴿ فإن الله به عليم ﴾ كناية عن الجزاء عليه لأن العلم يكنّى به عن أثره كثيراً، فلما كان الإنفاق مرغّباً فيه من الله، وكان عِلم الله بذلك معروفاً للمسلمين، تعيَّن أن يكون الإخبارُ بأنّه عليم به أنّه عليم بامتثال المنفق، أي فهو لا يضيع أجره إذ لا يمنعه منه مانع بعد كونه عليماً به، لأنّه قدير عليه.

وقد حصل بمجموع هذه المرات الأربع من التحريض ما أفاد شدة فضل الإنفاق بأنّه نفع للمنفِق، وصلة بينه وبين ربّه، ونوال الجزاء من الله، وأنّه ثابت له في علم الله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وفي (أُحْصِرُوا) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَنَعَهُمُ الكُفّارُ بِالخَوْفِ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الجِهادِ.

والرّابِعُ: مَنَعَهُمُ التَّشاغُلُ بِالجِهادِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ.

﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَصَرُّفًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي تِجارَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ يَعْنِي مِن قِلَّةِ خِبْرَتِهِ بِهِمْ، ومِنَ التَّعَفُّفِ: يَعْنِي مِنَ التَّقَنُّعِ والعِفَّةِ والقَناعَةِ.

﴿ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ ﴾ السِّمَةُ: العَلامَةُ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْألَ ولَهُ كِفايَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاشْتِمالُ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ اللِّحافِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ؟

قِيلَ: لا; لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإنَّما تَقْدِيرُ الكَلامِ لا يَسْألُونَ فَيَكُونُ سُؤالُهم إلْحافًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَنازِلُ ولا عَشائِرُ وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، كانَتْ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَها عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ، أنْفَقَ في سَوادِ اللَّيْلِ دِرْهَمًا، وفي وضَحِ النَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا، وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهم يُنْفِقُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والأوْزاعِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أنْفَقَ مالَهُ في طاعَةِ اللَّهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خاصَّةٌ في إباحَةِ الِارْتِفاقِ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، لِأنَّهُ يَرْتَفِقُ بِها كُلُّ مارٍّ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، فَكانَتْ أعَمَّ لِأنَّها تُؤْخَذُ عَنِ الإرادَةِ وتُوافِقُ قَدْرَ الحاجَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: هم أصحاب الصفة.

وأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي بكر، أن أصحاب الصفة كانوا ناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كان عنده طعام إثنين ليذهب بثالث الحديث» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «الحق إلى أهل الصفة فأدعهم.

قال: وأهل الصفة أضياف الإِسلام لا يلوون على أهل ولا مال، إذاً أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن فضالة بن عبيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس يخر رجال من قيامهم في صلاتهم لما بهم من الخصاصة وهم أهل الصفة، حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين» .

وأخرج ابن سعيد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وأبو نعيم عن أبي هريرة قال: كان من أهل الصفة سبعون رجلاً ليس لواحد منهم رداء.

وأخرج أبو نعيم عن الحسن قال: «بنيت صفة لضعفاء المسلمين، فجعل المسلمون يوغلون إليها ما استطاعوا من خير، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيهم فيقول: السلام عليكم يا أهل الصفة.

فيقولون: وعليك السلام يا رسول الله.

فيقول: كيف أصبحتم؟

فيقولون: بخير يا رسول الله.

فيقول: أنتم اليوم خير أم يوم يغدى على أحدكم بجفنه ويراح عليه بأخرى، ويغدو في حلة ويروح في أخرى؟

فقالوا: نحن يومئذ خير يعطينا الله فنشكر.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنتم اليوم خير» .

وأخرج ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي في قوله: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: هم أصحاب الصفة، وكانوا لا منازل لهم بالمدينة ولا عشائر، فحث الله عليهم الناس بالصدقة.

وأخرج سفيان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أمروا بالصدقة عليهم.

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: هم فقراء المهاجرين بالمدينة.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: حصروا أنفسهم في سبيل الله للغزو فلا يستطيعون تجارة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: ﴿ لا يستطيعون ضرباً في الأرض ﴾ قال: لا يستطيعون تجارة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانت الأرض كلها كفراً لا يستطيع أحد أن يخرج يبتغي من فضل الله، إذا خرج في كفر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ قال: حصرهم المشركون في المدينة ﴿ لا يستطيعون ضرباً في الأرض ﴾ يعني التجارة ﴿ يحسبهم الجاهل ﴾ بأمرهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء ﴾ قال: دل الله المؤمنين عليهم وجعل نفقاتهم لهم، وأمرهم أن يضعوا نفقاتهم فيهم ورضي عنهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ قال: التخشع.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ يقول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ قال: رثاثة ثيابهم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن يزيد بن قاسط السكسكي قال: كنت عند عبد الله بن عمر إذ جاءه رجل يسأله، فدعا غلامه فسارَّهُ وقال للرجل: اذهب معه.

ثم قال لي: اتقول هذا فقير؟

فقلت: والله ما سأل إلا من فقر.

قال: ليس بفقير من جمع الدرهم إلى الدرهم والتمرة إلى التمرة، ولكن من أنقى نفسه وثيابه لا يقدر على شيء ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ فذلك الفقير.

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرأوا إن شئتم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين بالطوّاف عليكم فتعطونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس إلحافاً» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس المسكين بالطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد ما يغنيه ويستحي أن يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله يحب الحليم الحيي الغني المتعفف، ويبغض الفاحش البذي السائل الملحف» .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: من تغنى أغناه الله، ومن سأل الناس إلحافاً فإنما يستكثر من النار.

وأخرج مالك وأحمد وأبو داود والنسائي عن رجل من بني أسد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافاً» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ إلحافاً ﴾ قال: هو الذي يلح في المسألة.

وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة عن سلمة بن الأكوع.

أنه كان لا يسأله أحد بوجه الله إلا أعطاه، وكان يكرهها ويقول: هي مسألة الالحاف.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء: أنه كره أن يسأل بوجه الله أو بالقرآن شيء من أمر الدنيا.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمرو قال: من سئل بالله فأعطى فله سبعون أجراً.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان عن سمرة بن جندب.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بداً» .

وأخرج أحمد عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «المسألة كدوح في وجه صاحبها يوم القيامة، فمن شاء استبقى على وجهه» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس في غير فاقة نزلت به، أو عيال لا يطيقهم جاء يوم القيامة بوجه ليس عليه لحم» ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فتح على نفسه باب مسألة من غير فاقة نزلت به، أو عيال لا يطيقهم فتح الله عليه باب فاقة من حيث لا يحتسب» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس يرفعه قال: ما نقصت صدقة من مال، وما مد عبد يده بصدقة إلا ألقيت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ولا فتح عبد باب مسألة له عنها غنى إلا فتح الله له باب فقر.

وأخرج أحمد والترمذي وصححه وابن ماجة عن أبي كبشة الأنماري، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله بها عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، وأحدثكم حديثاً فاحفظوه: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً فهو يخبط في ماله بغير علم، ولا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم فيه لله حقّاً، فهذا باخبث المنازل، وعبد لم يرزقه الله مالاً ولا علماً فهو يقول: لو أن لي مالاً لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء» .

وأخرج النسائي عن عائذ بن عمرو «أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فأعطاه، فلما وضع رجله على أسكفة الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو يعلم صاحب المسألة ما له فيها لم يسأل» .

وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مسألة الغني شين في وجهه يوم القيامة، ومسألة الغني نار، إن أعطى قليلاً فقليل وإن أعطى كثيراً فكثير» .

وأخرج أحمد والبزار والطبراني عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل مسألة وهو عنها غني كانت شيناً في وجهه يوم القيامة» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل وهو غني عن المسألة يحشر يوم القيامة وهي خموش في وجهه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عروة بن محمد بن عطية حدثني أبي «أن أباه أخبره قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أناس من بني سعد بن بكر فأتيت، فلما رآني قال: ما أغناك الله فلا تسأل الناس شيئاً، فإن اليد العليا هي المنطية، واليد السفلى هي المنطاة، وإن مال الله لمسؤول ومنطى.

قال: وكلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا» .

وأخرج البيهقي عن مسعود بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه أتي برجل يصلى عليه فقال: كم ترك؟

فقالوا: دينارين أو ثلاثة.

قال: ترك كيتين أو ثلاث كيات.

فلقيت عبد الله بن القاسم مولى أبي بكر فذكرت ذلك له، فقال: ذاك رجل كان يسأل الناس تكثراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة والطبراني والبيهقي عن حبشي بن جنادة «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الذي يسأل من غير حاجة كمثل الذي يلتقط الجمر» ولفظ ابن أبي شيبة: «من سأل الناس ليثري به ماله فإنه خموش في وجهه، ورضف من جهنم يأكله يوم القيامة، وذلك في حجة الوداع» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والطبراني في الأوسط عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل مسألة عن ظهر غنى استكثر بها من رضف جهنم.

قالوا: وما ظهر غنى؟

قال: عشاء ليلة» .

وأخرج أحمد وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل شيئاً وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم.

قالوا: يا رسول الله، وما يغنيه؟

قال: ما يغديه أو يعشيه» .

وأخرج ابن حبان عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس ليثري ماله فإنما هي رضف من النار يلهبه، فمن شاء فليقلّ ومن شاء فليكثر» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن أبي ليلى قال: جاء سائل فسأل أبا ذر فأعطاه شيئاً، فقيل له: تعطيه وهو موسر؟

فقال: إنه سائل وللسائل حق، وليتمنين يوم القيامة أنها كانت رضفة في يده.

وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: «ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

فقلنا: علام نبايعك؟

قال: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، ولا تسألوا الناس، فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه» .

وأخرج أحمد عن أبي ذر قال: «دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك إلى البيعة ولك الجنة؟

قلت: نعم.

فشرط علي أن لا أسأل الناس شيئاً.

قلت: نعم.

قال: ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل فتأخذه» .

وأخرج أحمد عن ابن أبي مليكة قال: ربما سقط الخطام من يد أبي بكر الصديق فيضرب بذراع ناقته، فينيخها فيأخذه فقالوا له: أفلا أمرتنا فنناولكه؟

فقال: إن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن لا أسأل أحداً شيئاً.

وأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يبايع؟

فقال ثوبان: بايعنا يا رسول الله.

قال: على أن لا تسألوا أحداً شيئاً.

فقال ثوبان: فما له يا رسول الله؟

قال: الجنة.

فبايعه ثوبان.

قال أبو أمامة.

فلقد رأيته بمكة في أجمع ما يكون من الناكدة، يسقط سوطه وهو راكب فربما وقع على عاتق الرجل، فيأخذه الرجل فيناوله فما يأخذه منه حتى يكون هو ينزل فيأخذه» .

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئاً وأتكفل له بالجنة؟

فقلت: أنا.

فكان لا يسأل أحداً شيئاً.

ولابن ماجة، فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد ناولنيه حتى ينزل فيأخذه» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن حكيم بن حزام قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: يا حكيم، هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه باشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر يدعو حكيماً ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئاً، ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفي رضي الله عنه» .

وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث والذي نفسي بيده ان كنت لحالفاً عليهن، لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا، ولا يعفو عبد عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري قال: قال عمر: «يا رسول الله لقد سمعت فلاناً وفلاناً يحسنان الثناء، يذكران أنك أعطيتهما دينارين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكن فلاناً ما هو كذلك، لقد أعطيته ما بين عشرة إلى مائة، فما يقول ذلك، أما والله إن أحدكم ليخرج بمسألته من عندي يتأبطها ناراً.

قال عمر: يا رسول الله، لم تعطيها إياهم؟

قال: فما أصنع، يأبون إلا مسألتي ويأبى الله لي البخل» .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والنسائي عن قبيصة بن المخارق قال: «تحملت حمالة فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم اسأله فيها، فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش أو قال: سداداً من عيش، ورجل أصابته فاقة فحلت له المسألة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال: سداداً من عيش، فما سواهن من المسألة.

يا قبيصة، سحت يأكلها صاحبها سحتاً» .

وأخرج البزار والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك» .

وأخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب الغني الحليم المتعفف، ويبغض البذي الفاجر السائل الملح» .

وأخرج البزار عن عبد الرحمن بن عوف قال: «كانت لي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فلما فتحت قريظة جئت لينجز لي ما وعدني، فسمعته يقول: من يستغن يغنه الله ومن يقنع يقنعه الله.

فقلت في نفسي: لا جرم لا أسأله شيئاً» .

وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو على المنبر وذكر الصدقة والتعفف عن المسألة: «اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة» .

وأخرج ابن سعد عن عدي الجذامي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «يا أيها الناس، تعلموا فإنما الأيدي ثلاثة.

فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطى، ويد المعطى السفلى، فتغنوا ولو بحزم الحطب» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأيدي ثلاث: يد الله هي العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، فاستعفف عن السؤال ما استطعت» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن سهل بن سعد قال: «جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، عش ما شئت فإنك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزى به، واحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس» .

وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس» .

وأخرج ابن حبان عن أبي ذر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟

قلت: نعم يا رسول الله.

قال: أفَتَرَى قلة المال هو الفقر؟

قلت: نعم يا رسول الله.

قال: إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب» .

وأخرج مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه» .

وأخرج الترمذي والحاكم وصححاه عن فضالة بن عبيد، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «طوبى لمن هدي للإِسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والطمع فإنه هو الفقر، وإياكم وما يعتذر منه» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الزهد عن سعد بن أبي وقاص قال: «أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال: يا رسول الله، أوصني وأوجز.

فقال: عليك بالأياس مما في أيدي الناس، وإياك والطمع فإنه فقر حاضر، وإياك وما يعتذر منه» .

وأخرج البيهقي في الزهد عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القناعة كنز لا يفنى» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي عن أنس «أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: أما في بيتك شيء؟

قال: بلى، حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه، وقعب نشرب فيه من الماء.

قال: ائتني بهما.

فأتاه بهما فأخذهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فقال: من يشتري هذين؟

قال رجل: أنا آخذهما بدرهم.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثاً؟

قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين.

فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، فاعطاهما للأنصاري وقال: اشتر باحدهما فأنبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدوماً فائتني به، فأتاه به فشد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عوداً بيده، ثم قال: اذهب فاحتطب وبع فلا أرينك خمسة عشر يوماً، ففعل فجاءه وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوباً وببعضها طعاماً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسالة لا تصلح إلا لثلاث: لذي فقر مدقع، أو لذي غرم مفظع، أو لذي دم موجع» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وابن ماجة عن الزبير بن العوّام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لإِن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» .

وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لإِن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحداً فيعطيه أو يمنعه» .

وأخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب المؤمن المحترف» .

وأخرج أحمد والطبراني وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخدري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله، ومن استكفى كفاه الله، ومن سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» .

وأخرج أحمد ومسلم والنسائي عن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلحفوا في المسألة، فوالله ما يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له مسألته مني شيئاً وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته» .

وأخرج أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تلحفوا في المسألة، فإنه من يستخرج منا بها شيئاً لم يبارك له فيه» .

وأخرج ابن حبان عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل يأتيني فيسألني فاعطيه، فينطلق وما يحمل في حضنه إلا النار» .

وأخرج ابن حبان عن أبي سعيد الخدري قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم ذهباً إذ أتاه رجل فقال: يا رسول الله، اعطني فأعطاه، ثم قال: زدني.

فزاده ثلاث مرات، ثم ولى مدبراً، فقال رسول الله: يأتيني الرجل فيسألني فاعطيه، ثم يسألني فاعطيه، ثم يولي مدبراً.

وقد جعل في ثوبه ناراً إذا انقلب إلى أهله» .

وأخرج أبو يعلى وابن حبان عن عمر بن الخطاب.

أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يود رسول الله أن فلاناً يشكر، يذكر انك أعطيته دينارين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لكن فلاناً قد أعطيته ما بين العشرة إلى المائة، فما شكره وما يقول، إن أحدكم ليخرج من عندي بحاجته متأبطها وما هي إلا النار.

قلت: يا رسول الله، لم تعطيهم؟

قال: يأبون إلا أن يسألوني، ويأبى الله لي البخل» .

وأخرج أحمد والبزار وابن حبان عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أعطيناه منها شيئاً بطيب نفس منا وحسن طعمة منه من غير شره نفس بورك له فيه، ومن أعطيناه منها شيئاً بغير طيب نفس منا وحسن طعمة منه وشره نفس كان غير مبارك له فيه» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عمر أن عمر قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه من هو أفقر إليه مني.

فقال: خذه إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه فتموّله، فإن شئت كله وإن شئت تصدق به وما لا فلا تتبعه نفسك.

قال سالم بن عبد الله: فلأجل ذلك كان عبد الله لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه» .

وأخرج مالك عن عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى عمر بن الخطاب بعطاء فرده عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم رددته؟

فقال: يا رسول الله، أليس أخبرتنا أن خيراً لأحدنا أن لا يأخذ من أحد شيئاً؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك عن المسألة، فأما ما كان غير مسألة فإنما هو رزق يرزقه الله» .

فقال عمر: والذي نفسي بيده لا أسأل شيئاً ولا يأتيني شيء من غير مسألة إلا أخذته.

وأخرج البيهقي من طريق زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: فذكر نحوه.

وأخرج أحمد والبيهقي عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا عائشة، من أعطاك شيئاً بغير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق عرضه الله إليك» .

وأخرج أبو يعلى عن واصل بن الخطاب قال: «قلت: يا رسول الله، قد قلت: إن خيراً لك أن لا تسأل أحداً من الناس شيئاً؟

قال: إنما ذاك أن تسأل، وما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه عن خالد بن عدي الجهني: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بلغه عن أخيه معروف من غير مسألة ولا اشراف نفس فليقبله ولا يرده، فإنما هو رزق ساقه الله إليه» .

وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من آتاه الله شيئاً من هذا المال من غير أن يسأله فليقبله، فإنما هو رزق ساقه الله إليه» .

وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن عائذ بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من عرض له من هذا الرزق شيء من غير مسألة ولا اسراف فليتوسع به في رزقه، فإن كان غنياً فليوجهه إلى من هو أحوج إليه منه» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استغن عن الناس ولو بقضمة سواك» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن حبشي بن جنادة السلولي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وأتاه أعرابي فسأله فقال: إن المسألة لا تحل إلا لفقر مدقع، أو غرم مفظع» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، واضاعة المال، وكثرة السؤال، فإذا شئت رأيته في قيل وقال يومه أجمع وصدر ليلته حتى يلقى جيفة على رأسه لا يجعل الله له من نهاره ولا ليلته نصيباً، وإذا شئت رأيته ذا مال في شهوته ولذاته وملاعبه ويعدله عن حق الله فذلك اضاعة المال، وإذا شئت رأيته باسطاً ذراعيه يسأل الناس في كفيه فإذا أعطي أفرط في مدحهم وان منع أفرط في ذمهم» .

وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما المعطي من سعة بأفضل من الأخذ إذا كان محتاجاً» .

وأخرج ابن حبان في الضعفاء والطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما الذي يعطي من سعة بأعظم أجراً من الذي يقبل إذا كان محتاجاً» وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ قال: محفوظ ذلك عند الله عالم به شاكر له، وإنه لا شيء أشكر من الله ولا أجزى لخير من الله.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ ﴾ الآية.

قال المفسرون: هؤلاء فقراء المهاجرين، كانوا نحوًا من أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكنُ بالمدينة ولا عشائر، حثّ الله عز وجل الناس (١) (٢) (٣) واللام في قوله: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ ﴾ متعلق بمحذوف، تأويله: هذه الصدقات، أو النفقة للفقراء، وقد تقدَّم ما يدل عليه؛ لأنه قد سبق ذكر الإنفاق والصدقات.

قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: عاقل لبيب، إذا تقدم وصف رجل، والمعنى: الموصوف عاقل لبيب (٤) تَسْألُنِي عن بَعْلِها أيُّ فَتَى ...

خَبٌّ جَزُوعٌ وإذا (٥) (٦) أراد: هو خَبٌّ، فَحَذَف المبتدأ وأبقَى خبره.

وكثير من الناس قالوا: هذه اللام مردودة على موضع اللام من قوله: ﴿ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ كأنه قال: وما تنفقوا من خير فلأنفسكم، للفقراء، فأبدل الفقراء من الأنفس (٧) (٨) ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا  ﴾ لأن الأمر لازم للمستطيع خاصة.

ولا يجوز أيضًا أن يكون العامل في هذه اللام (تنفقوا) إلا الأخير في الآية المتقدمة؛ لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بما ليس منه، كما لا يجوز: كانت زيدًا الحُمّى تأْخُذُ (٩) وقوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الإحصار في اللغة: أن يعرِضَ للرجل ما يحول بينه وبين سفره، من مرض أو كسر أو عدوٍّ أو ذهابِ نفقةٍ أو عَطَبِ رِكَابٍ، أو ما جرى مجرى هذه الأشياء.

يقال: أُحْصِرَ الرجل فهو مُحْصَر، ومضى الكلام في معنى الإحصار عند قوله: ﴿ فَإِنْ أحُصِرتُم  ﴾ بما يغني عن الإعادة.

فأما التفسير، فقد فسرت (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ﴾ يريد: الجهاد (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ﴾ يقال: ضَربْتُ في الأرض ضَرْبًا ومضربًا، إذا سرت فيها.

قال الشاعر: لَحِفْظُ المَالِ أَيْسَرُ من بُغَاه ...

وضربٍ في البلادِ بِغَيْرِ زَادِ (٢١) والضرب يقع على معان كثيرة (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ ﴾ يقال: حَسِبْتُ الشيءَ أَحْسَبُهُ وأَحْسِبُه حُسْبَانًا، وقرئ في القرآن ما كان من (٢٣) (٢٤) وقوله تعالى: ﴿ الْجَاهِلُ ﴾ لم يرد الجهل الذي هو ضد العقل، وإنما أراد الجهل الذي هو ضد الخبرة، يقول: يحسبهم من لم يختبر أمرهم ﴿ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ (٢٥) فعَفَّ عن أسرَارِها بَعْدَ العَسَق (٢٦) (٢٧) أي: تركها (٢٨) وقوله: ﴿ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ ﴾ السِّيْمَا والسِّيْمَاءُ والسِّيْمِيَاءُ: العَلاَمَةُ التي يُعْرف بها الشيء، وأصلها من السِّمَة التي هي العلامة، قلبت الواو إلى موضع العين، ووزنه يكون: عِفْلَى، كما قالوا: له جَاهٌ في الناس، أي: وجه، وأرض خَامة، أي: وَخْمَةٌ، واضْمَحَلَّ الشىء وامْضَحَلّ، ذكره الفراء في كتاب "المصادر" في سورة الأعراف.

وقال قوم: أصل السيما الارتفاع؛ لأنها علامة رفعت للظهور (٢٩) قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع (٣٠) وقال الربيع (٣١) (٣٢) (٣٣) ابن زيد: رثاثة ثيابهم، والجوع خفي (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ الإلحاف في اللغة: هو الإلحاح في المسألة (٣٥) (٣٦) وقال أبو الأسود الديلي: ليس للسائل الملحف متل الرد الحامس.

قال الزجاج: ومعنى ألحف: شَمِلَ بالمسألة، واللحاف (٣٧) (٣٨) (٣٩) وقال غيره: معنى الإلحاف في المسألة: مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل، إذا مشى في لَحْفِ الجبل، وهو أصله، كأنه استعمل الخشونة في الطلب (٤٠) (٤١) وقال الفراء (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) ثم اختلفوا في وجه قوله: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ فقال الزجاج: المعنى: أنه ليس منهم سؤال فيكون إلحاف، كما قال امرؤ القيس: على لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمَنَارِه ...

إذا سَافَهُ العَوْدُ الدِّيَّافيُّ جَرْجَرَا (٤٧) المعنى: ليس به منار فيُهتدى به، كذلك ليس من هؤلاء سؤال فيقع فيه (٤٨) (٤٩) ونصر ابن الأنباري هذه الطريقة، وقال: تأويل الآية: لا يسألون ألبتة فيخرجهم السؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلان لا يُرجَى خيرُه، أي: ليس فيه خيرٌ ألبتة فَيُرْجَى، وأنشد قول امرئ القيس: وَصُمٌّ صِلابٌ ما يَقِيْنَ من الوَجَى ...

كأنَّ مَكَانَ الرِّدْفِ (٥٠) (٥١) أراد: ليس بهن وَجًى فَيَشْتَكِينَ من أجله، وقوله: يقين يقال: مرَّ الفرسُ يقي ويتقي، إذا هابَ المشيَ من وَجًى أو حفًا، يقال: فرسٌ واقٍ، وخيلٌ أواقٍ.

وقال الأعشى: لا يغمز السَّاقَ من أيْنٍ ولا وَصَبٍ ...

ولا يَعَضُّ على شُرْسُوفه الصَّفَرُ (٥٢) معناه: ليس بساقه أينٌ ولا وصبٌ فيغمرها، ليس أن هناك أينًا ولا يَغْمِزُهُ هو (٥٣) ونصر أبو علي هذه الطريقة، وقال: لم يثبت في قوله: ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ مسألة منهم، لأن المعنى: ليس منهم مسألة فيكون منهم إلحاف، قال.

ومثل ذلك قول الراجز (٥٤) لا يُفْزعُ الأَرْنَبَ أهوالُها ...

ولا تَرَى الضَّبَّ بها يَنْجَحِرْ (٥٥) أي: ليس بها أَرْنَبٌ فتفزع لهولها، ولا ضبٌ فينجحر، وليس المعنى: أنه ينفي الفزع عن الأرنب، والانجحار عن الضب (٥٦) وقال الفراء: نَفَى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميعَ وجوه السؤال، كما تقول في الكلام: قل ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلك لم تر قليلًا ولا كثيرًا من أشباهه (٥٧) وحكى ابن الأنباري عن بعضهم: أن معنى الآية: لا يسألون الناس إلحافًا ولا غير إلحاف، فاكتُفي بالإلحاف من غيره، وجاز اختصاصه بالذكر؛ لأن القصد إنما هو نفي صفة الذم عنهم، وهذا كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ  ﴾ والبرد فاكتُفي بالحر من البرد.

(١) سقطت من (ش).

(٢) في (ي): (وكان).

(٣) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 144، "بحر العلوم" 1/ 233، "تفسير الثعلبي" 2/ 1661، و"العجاب" 1/ 633، "الدر المنثور" 1/ 633.

(٤) من قوله: (إذا تقدم)، ساقط من (ي).

(٥) في (ي): (إذا).

(٦) هما بيتان وردا هكذا: يسألها عن بعلها أي فتى ...

خب جبان وإذا جاع بكى والبيتان لشماخ بن ضرار، في "ديوانه" ص 128.

(٧) "تفسير الثعلبي" 2/ 1660 - 1661، "البحر المحيط" 2/ 328.

(٨) في (م): (لأن المعنى).

(٩) ينظر في إعراب الآية: "تفسير الطبري" 3/ 96، "تفسير الثعلبي" 2/ 1660 - 1661، و"إعراب مشكل القرآن" 1/ 142، "التبيان" ص 164، "البحر المحيط" 2/ 328، واستبعد قول من قال: التقدير: إن تبدوا الصدقات للفقراء، وكذلك من علقه بقوله: "وما تنفقوا من خير" وكذلك من جعل (للفقراء) بدلًا من قوله: (فلأنفسكم) لكثرة الفواصل المانعة من ذلك.

(١٠) في (م): (فسر).

(١١) في (أ) و (م) كتبت كلمة لم أستطع قراءتها.

(١٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 109، والطبري 3/ 96، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 540.

(١٣) في (أ) و (ي) و (م): (ويقرب).

(١٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 96 - 97، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، والبغوي في "تفسيره" 1/ 337.

(١٥) في (ي): (لاستيلائهم).

(١٦) كذا في الأصل، والذي عند ابن أبي حاتم 2/ 540، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، وفي "الدر المنثور" 1/ 633 هو سعيد بن جبير.

(١٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 540، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، والبغوي في "تفسيره" 1/ 337، وعزاه في الدر 1/ 633: إلى عبد بن حميد وابن المنذر.

(١٨) في (ي): (محصورون).

(١٩) نقله عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1667، و"باهر البرهان في معاني مشكلات القرآن" لمحمود النيسابوري 1/ 266، و"زاد المسير" 1/ 328.

(٢٠) هذه الرواية تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

وذكرها في "زاد المسير" 328 والواحدي في "الوسيط" 1/ 388.

(٢١) البيت للمتلمس جرير بن عبد المسيح في "ديوانه" ص 172 وقبله: قليل المال تُصْلِحه فيبقى ...

ولا يبقى الكثير مع الفساد وينظر "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 102، "الأغاني" 23/ 570، "تفسير الثعلبي" 2/ 1666، "فصل المقال في شرح كتاب الأمثال" 1/ 283.

(٢٢) ينظر في ضرب: "تهذيب اللغة" 3/ 2103 - 2106، "المفردات" ص 298، "اللسان" 5/ 2565 - 2570.

قال الراغب: الضرب: إيقاع شيء على شيء، ولتصور اختلاف الضرب خولف بين تفاسيرها.

(٢٣) من سقطت من (ش) وفي (ي): (في).

(٢٤) من "الحجة" لأبي علي 2/ 402 - 403 بتصرف، وينظر "تهذيب اللغة" 1/ 809 - 812 مادة "حسب".

(٢٥) "تفسير الثعلبي" 2/ 1670 (٢٦) في (م): (العشق)، وفي (أ): (الغشق)، وفي (ش): (عند) بدل (عن).

(٢٧) البيت في "ديوانه" ص 104 من قصيدة وصف المفازة، وينظر "الزاهر" 2/ 324، "مجاز القرآن" 1/ 76، والطبري في "تفسيره" 3/ 97، ومعنى العسق: عسق بالشيء إذا لزق به، ينظر "عمدة القوي والضعيف" ص 7، "الوسيط" للواحدي 1/ 389.

(٢٨) ينظر في عفف: "تهذيب اللغة" 3/ 2500، "تفسير الثعلبي" 2/ 1671، "المفردات" ص342،"اللسان" 5/ 3015، قال الراغب: العفة: حصول حالة للنفس تمتنع بها عن غلبة الشهوة، المتعفف: المتعاطي لذلك بضرب من الممارسة والقهر، وأصله: الاقتصار على تناول الشيء القيل الجاري مجرى العفافة.

(٢٩) ينظر في السيما: "تهذيب اللغة" 2/ 1600 - 1602 مادة "سام"، "المفردات" ص 225 - 226، "اللسان" 4/ 2158 - 2159 (مادة: سوم).

(٣٠) في "تفسيره" 1/ 117، ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 109، والطبري في "تفسيره" 3/ 98، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 541.

(٣١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 98، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 541.

(٣٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 98، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 541 بمعناه.

(٣٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1672، والبغوي في "تفسيره" 1/ 338، والواحدي في "الوسيط" 1/ 389.

(٣٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 98، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1672.

(٣٥) ينظر: "المفردات" ص 452، "اللسان" 4/ 4009 (مادة: لحف).

(٣٦) الحديث رواه الطبراني في "الكبير" 2/ 150، وعنه أبو نعيم في "الحلية" 1/ 161،== ورواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1674 قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 334: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو ثقة.

قال الدكتور المنيع في تحقيقه "تفسير الثعلبي" 2/ 1676: وله شواهد يترقى بها للحسن لغيره، ثم ذكر حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه النسائي 5/ 98، كتاب: الزكاة، باب من الملحف، وابن خزيمة 4/ 101، والبيهقي 7/ 24، وحديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد به مطولًا، رواه مالك في الموطأ 2/ 999، وأبو داود (1627) كتاب: الزكاة، باب: من يعطي من الصدقة وَحَدُّ الغني، والنسائي 5/ 98، كتاب: الرعاب، باب: من الملحف، وأحمد 4/ 36.

(٣٧) في (م): (باللحاف).

(٣٨) "معاني القرآن" 1/ 357.

(٣٩) في (م): (أنه).

(٤٠) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 99، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 304، "تفسير الثعلبي" 1/ 304.

(٤١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1673، والبغوي في "تفسيره" 1/ 338 عن عطاء، وذكره في "الوسيط" 1/ 390.

وقد تقدم الحديث عن هذه الرواية في القسم الدراسي.

(٤٢) "معاني القرآن" للفراء 1/ 181.

(٤٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 357.

(٤٤) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 99، "تفسير الثعلبي" 2/ 1673، و"أمالي المرتضى" 1/ 228.

(٤٥) في (م): (الالحاف صاح).

(٤٦) في (ش): (ما نال)، وفي (ي): (ما ينال).

(٤٧) البيت في "ديوانه" ص 64، وأمالي المرتضى 1/ 165 "لسان العرب" 3/ 1466 مادة: ديف، 14663 مادة: سوف 4/ 2153 مادة: لحف.

وقوله: سلفه: شمه، العَوْدُ: المُسِنّ من الإبل - الدِّيافيّ: نسبة إلى دياف قرية بالشام، جرجرا: أخرج شقشقته وصاح، ولاحب: الطريق الواضح.

ويروى النياطي، وهو الأكثر، بمعنى الضخم الجسيم، والشاعر يصف طريقًا إذا شمه البعير المُسن عرفه فاستبعده وذكر ما يلحقه فيه من المشقة فجرجر لذلك.

ينظر (أمالي المرتضى1/ 228 - 229).

(٤٨) سقطت من (ي).

(٤٩) "معاني القرآن" 1/ 358، ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 471.

(٥٠) في (م): (الزحف).

(٥١) البيت في "ديوانه" ص 128.

(٥٢) البيت في "غريب الحديث" 1/ 26، و"الكامل" للمبرد 4/ 65، و"الخزانة" 1/ 197، و"لسان العرب"4/ 2458 (مادة: صفر).

ومعنى لا يعمز الساق: لا يحبسها، يصف جلده وتحمله المشاق، والأين: الإعياء، والوصب: الوجع، والشرسوف: العظم الزائد فوق القلب وأطراف الأضلاع.

وينظر "الوسيط" للواحدي 1/ 390.

(٥٣) ليست في (أ) و (م).

(٥٤) في (ي): (الشاعر).

(٥٥) البيت لعمرو بن أحمر في وصف فلاة، في "ديوانه" ص 67، "الخزانة" 2734.

"شرح أشعار الهذليين" 1/ 36، "الخصائص" 3/ 164،321، "الحجة" لأبي علي 2/ 47 المعنى: نفى أن يكون في الفلاة حيوان.

(٥٦) "الحجة" 2/ 47.

(٥٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 181.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِلْفُقَرَآءِ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: الإنفاق للفقراء وهم هنا المهاجرون ﴿ أُحصِرُواْ ﴾ حبسوا بالعدو، وبالمرض ﴿ فِي سَبِيلِ الله ﴾ يحتمل الجهاد والدخول في الإسلام ﴿ ضَرْباً فِي الأرض ﴾ هو التصرف في التجارة وغيرها ﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ ﴾ أي يظن الجاهل بحالهم أنهم أغنياء لقلة سؤالهم.

والتعفف هنا هو عن الطلب.

ومن سببية، وقال ابن عطية: لبيان الجنس ﴿ تَعْرِفُهُم بسيماهم ﴾ علامة وجوههم وهي ظهور الجهد والفاقة، وقلة النعمة.

وقيل: الخشوع، وقيل: السجود ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً ﴾ الإلحاف: هو الإلحاح في السؤال، والمعنى: أنهم إذا سألوا يتلطفون ولا يلحون، وقيل: هو نفي السؤال والإلحاح معاً وباقي الآية وعد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه ليس عليه هداهم، وعليه البيان والتبليغ؛ فدل أن هناك فضل هدى، لا يملك هو ذلك، وهو التوفيق على الهدى والتحقيق له.

وهذا يرد على المعتزلة ويكذبهم أن كل الهدى: البيان؛ إذ لو كان كل الهدى بياناً لكان رسول الله  يملك ذلك، إذ عليه البيان، فدل أنه لا يملك الهدى المراد في الآية؛ فهو على ما ذكرنا من التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ أي: حساب ترك اهتدائهم، كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ : ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ ، أي: مال، ﴿ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني: فلأنفسكم الثواب.

[و] قيل قوله: ﴿ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني: منفعته لكم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ دلالة على أنهم كانوا يتحرجون بالتصدق على أقربائهم من الكفار خشية ما يقع من التعاون على ما اعتمدوا من الدين؛ إذ المكاسب لكل أهل دين إنما تقع من العقلاء مكان ما ينفقون به لأجل الدين؛ فبين جل وعلا: أن ذلك يقع لكم ولأنفسكم، وتكفير ما ارتكبتم.

ثم في الآية دلالة جواز الصدقة على الكفار، ودليل جواز دفع الكفارات إليهم بقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ فهو دليل لأصحابنا؛ لأنه جعل هذه الصدقة مكفرة.

وقوله  : ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يعني: يوفر عليكم ثواب صدقاتكم، وإن كان التصدق على الكفرة.

وقوله  : ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، في حرمان الثواب والجزاء.

وقوله  : ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: ﴿ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من سبيل الله، يعني: حبسوا بالفقر عن الجهاد، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ  ﴾ .

والعرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض.

ويحتمل قوله  : ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حبسوا أنفسهم في طاعة الله، لا يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما يكتسبون.

وقوله  : ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : للتجارة.

وقوله  : ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: لا يظهرون السؤال، أي: لا يسألون؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ ، أي: لا يشفع لهم.

ويحتمل: فإن كان على السؤال فإنهم إذا سألوا لم يلحفوا، دليله قوله  : "من فتح على نفسه باباً من المسألة، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر" .

ثم ذكر في الخبر: "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" .

وإن كان على التعريض، ففيه إباحة التعريض بين يدي أهل الجود والسخاء.

وقوله  : ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ : قيل: ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، يعني: سيما التخشع.

وقيل: ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾ : بسيما الفقر عليهم، ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ يعني: إلحاحا.

وقيل: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، أي: بتجملهم، ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ ، أي: إلحاحاً، ولا غير إلحاح.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قيل: هي النفقة على الخيل المحتبسة للجهاد، ينفقون ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، لا رياء فيها، ولا إضمار.

وعن علي وأبي أمامة الباهلي - رضي الله  عنهما -: هي النفقة على الخيل في سبيل الله.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: هي في علف الخيل والنفقة عليها.

وقيل:نزلت هذه الآية في نفقة عبد الرحمن بن عوف في جيش العسرة.

وقيل: "نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه - أنه لم يكن يملك من المال غير أربعة دراهم، وتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانية، فقال رسول الله  : ما الذي حملك على هذا؟

قال: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني؛ فنزلت فيه هذه الآية" .

وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري.

فلا ندري فيمن نزلت، وليس لنا إلا معرفة المنزل [في] شأنه حاجة سوى أن وصفهم بالجود والسخاء، ونفقتهم على الناس ليلاً ونهاراً سرّاً وعلانية، لا رياء فيها، ولا مَنَّ، ولا أذى.

وفيه نفي الرياء عن نفقتهم؛ لأن من عود نفسه الفعل في جميع الأوقات لم يراء.

وقوله  : ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالحزن والخوف، فأخبر عز وجل أن نعيم الآخرة لا يشوبه حزن ولا خوف؛ لذلك كان ما ذكر.

والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

اجعلوها للفقراء الذين منعهم الجهاد في سبيل الله من السفر طلبًا للرزق، يظنهم الجاهل بحالهم أغنياء لتعففهم عن السؤال ويعرفهم المطلع عليهم بعلاماتهم، من الحاجة الظاهرة على أجسامهم وثيابهم، ومن صفاتهم أنهم ليسوا كسائر الفقراء الذين يسألون الناس مُلِحِّين في مسألتهم، وما تنفقوا من مال وغيره فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه أعظم الجزاء.

<div class="verse-tafsir" id="91.G8Gnv"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

إن الآية السابقة قد أطلقت إيتاء الفقراء وجعلته على عمومه الشامل للمؤمن والكافر وقد أرشد الله المسلمين في هذه الآية إلى عدم التحرج من الإنفاق على المشركين لأنهم غير مهديين، فإن الرحمة بالفقير وسد خلته لا ينبغي أن يتوقف على إيمانه، بل من شأن المؤمن أن يكون خيره عامًا وأن يكون سابقًا لسائر الناس بالكرم والفضل.

﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ  ﴾ أي لأن نفعه عائد عليكم في الدنيا والآخرة.

وقوله تعالى ﴿ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ  ﴾ قد يكون خبرًا على ظاهره أي لا تنفقون لأجل جاه أو مكانة عند المنفق عليه وإنما تنفقون لوجه الله فلا فرق بين مُعْطَى ومُعْطَى إذا كان الفقير مستحقًا يتقرب بإزالة ضرورته إلى الرازق الرحيم الذي لم يحرم أحدًا من رزقه لاعتقاده.

وفي كون الإنفاق لا يكون إلا لوجه الله إشارة إلى أن الإنفاق على الكافرين إذا كان إعانة لهم على إيذاء المسلمين لا يكون جائزًا، لأنه لا يكون مرضيًا لله تعالى يبتغى به وجهه وأكثر المفسرين على أنه خبر بمعنى النهي، أي لا تنفقوا إلا لوجهه وابتغاء مرضاته  .

﴿ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ  ﴾ أي في الآخرة لا ينقصكم منه شيء.

وعد أولًا بأن خير الإنفاق عائد على المنفقين في الدنيا بقوله ﴿ فَلأَنفُسِكُمْ  ﴾ ، ثم وعد بالجزاء عليه في الآخرة موفى تامًا.

وقال ﴿ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ  ﴾ أي لا تنقصون من الجزاء عليه شيئًا ولو نقيرًا أو فتيلًا.

﴿ لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ  ﴾ الآية...

بعد ما أمر الله تعالى بالإنفاق في سبيله وبإيتاء الفقراء عامة نبه إلى أمرين: أحدهما- عدم التحرج من الصدقة على غير المسلم وهو ما بينته الآية السابقة: وثانيهما- بيان أحق الناس بالصدقة وهم الفقراء الذي ذكرت صفاتهم في هذه الآية وهي خمس صفات من أفضل الصفات وأعلاها.

وقد ورد بأنها نزلت في أهل الصفة وهم أربعمائة أرصدوا أنفسهم لحفظ القرآن والخروج مع السرايا.

أولئك الذين نزلت فيهم الآية كانوا من الذين هاجروا بدينهم وتركوا أموالهم فحيل بينهم وبينها، فهم محصرون في سبيل الله بهذه الهجرة، ومحصرون بحبس أنفسهم على حفظ القرآن، وقد كان حفظه أفضل العبادات على الإطلاق لأنه حفظ للدين كله، وأنتم تعرفون أنهم ما كانوا يحفظونه لأجل تلاوته أمام الجنائز ولا في الأعراس والمآتم ولا لاستجداء الناس به ولا لمجرد التعبد بتلاوة ألفاظه، وإنما كانوا يحفظونه للفهم والاهتداء والعمل به ولحفظ أصل الدين بحفظه.

وكانوا أيضًا يحفظون ما يبينه به النبي  من سنته.

ويحتج بأهل الصفة أكلة أموال الناس بالباطل من أهل التكايا الذين ينقطعون إليها تاركين الأعمال النافعة فلا يتعلمون العلم ولا يجاهدون في سبيل الله وليس فيهم صفة من الصفات الخمس التي وصف الله بها أهل الصفة.

وإنما قصارى أمرهم أنهم يأكلون بدينهم، يأكلون الصدقات والأوقاف لأجل أن يعبدوا الله تعالى في هذه المواضع خاصة، فهي لهم كالأديار للنصارى وهم فيها كالرهبان وإن كان بعضهم يتزوج وقد يخرج الذي يتزوج من التكية لأنه قد يكون من شروط المقيم فيها أن لا يتزوج - ومنهم من لا يلتزم الإقامة في التكية وإنما يجمعه بأصحابها اسم الطريقة كأصحاب "السيارات" الذين ينزل شيخ الطريقة منهم بزعنفة من جماعته بلدًا بعد آخر فيكلفون من يستضيفونه الذبائح والطعام الكثير، ثم لا يخرجون إلا مثقلين يسألون فيلحفون، بل يسلبون وينهبون، فإذا منعوا ما أرادوا انتقموا لأنفسهم بكل ما قدروا عليه من أنواع الانتقام.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده