الآية ٢٧٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٨ من سورة البقرة

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَذَرُوا۟ مَا بَقِىَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓا۟ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٧٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 135 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه ، ناهيا لهم عما يقربهم إلى سخطه ويبعدهم عن رضاه ، فقال : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ) أي : خافوه وراقبوه فيما تفعلون ( وذروا ما بقي من الربا ) أي : اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رؤوس الأموال ، بعد هذا الإنذار ( إن كنتم مؤمنين ) أي : بما شرع الله لكم من تحليل البيع ، وتحريم الربا وغير ذلك .

وقد ذكر زيد بن أسلم ، وابن جريج ، ومقاتل بن حيان ، والسدي : أن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف ، وبني المغيرة من بني مخزوم ، كان بينهم ربا في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه ، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم ، فتشاوروا وقالت بنو المغيرة : لا نؤدي الربا في الإسلام .

فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه : ( ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ) فقالوا : نتوب إلى الله ، ونذر ما بقي من الربا ، فتركوه كلهم .

وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد ، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار ، قال ابن جريج : قال ابن عباس : ( فأذنوا بحرب ) أي : استيقنوا بحرب من الله ورسوله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بذلك: " يا أيها الذين آمنوا "، صدّقوا بالله وبرسوله=" اتقوا الله "، يقول: خافوا الله على أنفسكم، فاتقوه بطاعته فيما أمركم به، والانتهاء عما نهاكم عنه=" وذروا "، يعني: ودعوا=" ما بقي من الربا "، يقول: اتركوا طلب ما بقي لكم من فَضْل على رءوس أموالكم التي كانت لكم قبل أن تُربوا عليها =" إن كنتم مؤمنين "، يقول: إن كنتم محققين إيمانكم قولا وتصديقكم بألسنتكم، بأفعالكم.

(25) .

* * * قال أبو جعفر: وذكر أن هذه الآية نـزلت في قوم أسلموا ولهم على قوم أموالٌ من رباً كانوا أرْبوه عليهم، فكانوا قد قبضوا بعضَه منهم، وبقي بعضٌ، فعفا الله جل ثناؤه لهم عما كانوا قد قبضوه قبل نـزول هذه الآية، (26) وحرّم عليهم اقتضاءَ ما بقي منه.

* ذكر من قال ذلك: 6258 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا " إلى: وَلا تُظْلَمُونَ ، قال: نـزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب ورجلٍ من بني المغيرة، كانا &; 6-23 &; شريكين في الجاهلية، يُسلِفان في الرِّبا إلى أناس من ثقيف من بني عمرو = (27) وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنـزل الله " ذروا ما بقي" من فضل كان في الجاهلية =" من الربا ".

6259 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قوله: " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين "، قال: كانت ثقيف قد صالحت النبيّ صلى الله عليه وسلم على أنّ ما لهم من ربًا على الناس وما كان للناس عليهم من ربًا فهو موضوع.

فلما كان الفتحُ، استعمل عتَّاب بن أسِيد على مكةَ، وكانت بنو عمرو بن عُمير بن عوف يأخذون الرِّبا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يُرْبون لهم في الجاهلية، فجاء الإسلام ولهم عليهم مال كثير.

فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبي بنو المغيرة أن يعطوهم في الإسلام، ورفعوا ذلك إلى عتّاب بن أسيد، فكتب عتّاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنـزلت: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، إلى وَلا تُظْلَمُونَ .

فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتّاب وقال: " إن رَضوا وإلا فآذنهم بحرب " = وقال ابن جريج، عن عكرمة، قوله: " اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا "، قال: كانوا يأخذون الرّبا على بني المغيرة، يزعمون أنهم مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة، بنو عمرو بن عمير، فهم الذين كان لهم الرّبا على بني المغيرة، فأسلم عبد ياليل وحَبيب وربيعة وهلالٌ ومسعود.

(28) 6260 - حدثني يحيى بن أبي طالب، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا جويبر، &; 6-24 &; عن الضحاك في قوله: " اتقوا الله وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين "، قال: كان ربًا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمِروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم.

------------ الهوامش : (25) قوله : "بأفعالكم" متعلق بقوله : "محققين .

.

.

" ، أي محققين ذلك بأفعالكم .

(26) في المخطوطة : "عما كان قد اقتضوه .

.

.

" ، وهو فاسد ، والصواب ما في المطبوعة .

(27) في المخطوطة والمطبوعة : "سلفا في الربا إلى أناس .

.

.

" بالفعل الماضي ، والصواب ما أثبت من الدر المنثور 1 : 366 ، والبغوي (بهامش ابن كثير) 2 : 63 .

والسلف (بفتحتين) : القرض .

والفعل : أسلف وسلف (بتشديد اللام) .

(28) الأثر : 6259- انظر ما قاله الحافظ في الإصابة في ترجمة"هلال الثقفي" .

وقال : "وفي ذكر مصالحة ثقيف قبل قوله : "فلما كان الفتح" نظر ، ذكرت توجيهه في أسباب النزول" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

-يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [ ص: 330 ] ظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضا وإن كان معقودا قبل نزول آية التحريم ، ولا يتعقب بالفسخ ما كان مقبوضا .

وقد قيل : إن الآية نزلت بسبب ثقيف ، وكانوا عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم على أن ما لهم من الربا على الناس فهو لهم ، وما للناس عليهم فهو موضوع عنهم ، فلما أن جاءت آجال رباهم بعثوا إلى مكة للاقتضاء ، وكانت الديون لبني عبدة وهم بنو عمرو بن عمير من ثقيف ، وكانت على بني المغيرة المخزوميين .

فقال بنو المغيرة : لا نعطي شيئا فإن الربا قد رفع ورفعوا أمرهم إلى عتاب بن أسيد ، فكتب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزلت الآية فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب ، فعلمت بها ثقيف فكفت .

هذا سبب الآية على اختصار مجموع ما روى ابن إسحاق وابن جريج والسدي وغيرهم .

والمعنى اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية بترككم ما بقي لكم من الربا وصفحكم عنه .- قوله تعالى : " إن كنتم مؤمنين " شرط محض في ثقيف على بابه لأنه كان في أول دخولهم في الإسلام .

وإذا قدرنا الآية فيمن قد تقرر إيمانه فهو شرط مجازي على جهة المبالغة ، كما تقول لمن تريد إقامة نفسه : إن كنت رجلا فافعل كذا .

وحكى النقاش عن مقاتل بن سليمان أنه قال : إن " إن " في هذه الآية بمعنى " إذ " .

قال ابن عطية : وهذا مردود لا يعرف في اللغة .

وقال ابن فورك : يحتمل أن يريد يا أيها الذين آمنوا بمن قبل محمد عليه السلام من الأنبياء ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم إذ لا ينفع الأول إلا بهذا .

وهذا مردود بما روي في سبب الآية .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر أكلة الربا وكان من المعلوم أنهم لو كانوا مؤمنين إيمانا ينفعهم لم يصدر منهم ما صدر ذكر حالة المؤمنين وأجرهم، وخاطبهم بالإيمان، ونهاهم عن أكل الربا إن كانوا مؤمنين، وهؤلاء هم الذين يقبلون موعظة ربهم وينقادون لأمره، وأمرهم أن يتقوه، ومن جملة تقواه أن يذروا ما بقي من الربا أي: المعاملات الحاضرة الموجودة، وأما ما سلف، فمن اتعظ عفا الله عنه ما سلف، وأما من لم ينزجر بموعظة الله ولم يقبل نصيحته فإنه مشاق لربه محارب له، وهو عاجز ضعيف ليس له يدان في محاربة العزيز الحكيم الذي يمهل للظالم ولا يهمله حتى إذا أخذه، أخذه أخذ عزيز مقتدر { وإن تبتم } عن الربا { فلكم رءوس أموالكم } أي: أنزلوا عليها { لا تظلمون } من عاملتموه بأخذ الزيادة التي هي الربا { ولا تظلمون } بنقص رءوس أموالكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ) قال عطاء وعكرمة : نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا قد أسلفا في التمر فلما حضر الجذاذ قال لهما صاحب التمر : إن أنتما أخذتما حقكما لا يبقى لي ما يكفي عيالي فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟

ففعلا فلما حل الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهما فأنزل الله تعالى هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رءوس أموالهما .

وقال السدي : نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير ، ناس من ثقيف فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في خطبته يوم عرفة " ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتله هذيل وربا الجاهلية كلها وأول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب فإنها موضوعة كلها " .

وقال مقاتل : نزلت في أربعة إخوة من ثقيف ، مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي ، كانوا يداينون بني المغيرة بن عبد الله بن عمير بن مخزوم وكانوا يربون فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم هؤلاء الإخوة فطلبوا رباهم من بني المغيرة ، فقال بنو المغيرة : والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله تعالى عن المؤمنين فاختصموا إلى عتاب بن أسيد وكان عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فكتب عتاب بن أسيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقصة الفريقين وكان ذلك مالا عظيما فأنزل الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ) .

( إن كنتم مؤمنين )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا» اتركوا «ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين» صادقين في إيمانكم فإن من شأن المؤمن امتثال أمر الله تعالى، نزلت لما طالب بعض الصحابة بعد النهي بربا كان لهم من قبل.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا من آمنتم بالله واتبعتم رسوله خافوا الله، واتركوا طلب ما بقي لكم من زيادة على رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل تحريم الربا، إن كنتم محققين إيمانكم قولا وعملا.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ينتقل القرآن إلى أسلوب الخطاب المباشر للمؤمنين فيأمرهم بتقوى الله ، وينهاهم عن التعامل بالربا فيقول : ( ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله ) أي اخشوه وصونوا أنفسكم عن الأعمال والأقوال التي تفضي بكم إلى عقابه .وقوله : ( وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا ) أي : اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا ولا تأخذوا منهم إلا رءوس أموالكم فحسب ، فهذا مقابل لقوله - تعالى - قبل ذلك : ( فَلَهُ مَا سَلَفَ ) أي ما سلف قبضه من الربا قبل نزول الآية فهو لكم ، وما لم تقبضوه فأنتم مأمورن بتركه .وقوله : ( مِنَ الربا ) متعلق بمحذوف على أنه حال من فاعل ( بَقِيَ ) أي اتركوا الذي بقي حال كونه بعض الربا ، ومن للتعيض .أو متعلق ببقى .و ( وَذَرُواْ ) فعل أمر - بوزن علوا - مبني على حذف النون والواو فاعل ، وأصله " وذروا " فحذفت فاؤه ، والماضي منه " وذر " .وقوله : ( إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ) حض لهم على ترك الربا أي إن كنتم مؤمنين حق الإِيمان فامتثلوا أمر الله وذروا ما بقي من الربا مما زاد على رءوس أموالكم .قال ابن كثير : " نزل هذا السياق في بني عمرو بن عمير بن ثقيف ، وبني المغيرة من بني مخزوم كان بينهم ربا في الجاهلية فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه ، طلبت ثقيف أن تأخهذه منهم فتشاوروا .

وقالت بنو المغيرة : لا نؤدي في الإِسلام ، فكتب في ذلك عتاب بن أسيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية ، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه .

فقالوا نتوب إلى الله ونذر ما بقى من الربا فتركوه كلهم .

وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لكل ما استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار "

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: إعلم أنه تعالى لما بين في الآية المتقدمة أن من انتهى عن الربا فله ما سلف فقد كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم، فقال تعالى في هذه الآية ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا ﴾ وبين به أن ذلك إذا كان عليهم ولم يقبض، فالزيادة تحرم، وليس لهم أن يأخذوا إلا رؤوس أموالهم، وإنما شدد تعالى في ذلك، لأن من انتظر مدة طويلة في حلول الأجل، ثم حضر الوقت وظن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له، فيحتاج في منعه عنه إلى تشديد عظيم، فقال: ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه ما نهى عنه ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا ﴾ يعني إن كنتم قد قبضتم شيئاً فيعفو عنه، وإن لم تقبضوه، أو لم تقبضوا بعضه، فذلك الذي لم تقبضوه كلا كان، أو بعضاً، فإنه محرم قبضه.

وإعلم أن هذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار إذا أسلموا، وذلك لأن ما مضى في وقت الكفر فإنه يبقى ولا ينقص، ولا يفسخ، وما لا يوجد منه شيء في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب، وإن كان النكاح وقع على محرم فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون المهر المسمى، هذا مذهب الشافعي رضي الله عنه.

فإن قيل: كيف قال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

الجواب: من وجوه: الأول: أن هذا مثل ما يقال: إن كنت أخاً فأكرمني، معناه: إن من كان أخا أكرم أخاه والثاني: قيل: معناه إن كنتم مؤمنين قبله الثالث: إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان الرابع: يا أيها الذين آمنوا بلسانهم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

المسألة الثانية: في سبب نزول الآية روايات: الرواية الأولى: أنها خطاب لأهل مكة كانوا يرابون فلما أسلموا عند فتح مكة أمرهم الله تعالى أن يأخذوا رؤوس أموالهم دون الزيادة.

والرواية الثانية: قال مقاتل: إن الآية نزلت في أربعة أخوة من ثقيف: مسعود، وعبد يا ليل، وحبيب، وربيعة، بنو عمرو بن عمير الثقفي كانوا يداينون بني المغيرة، فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على الطائف أسلم الأخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

والرواية الثالثة: نزلت في العباس، وعثمان بن عفان رضي الله عنهما وكانا أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قبضا بعضاً، وزاد في الباقي فنزلت الآية، وهذا قول عطاء وعكرمة.

الرواية الرابعة: نزلت في العباس وخالد بن الوليد، وكانا يسلفان في الربا، وهو قول السدي.

المسألة الثالثة: قال القاضي: قوله: ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ كالدلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق إذا اجتنب كل الكبائر.

والجواب: لما دلّت الدلائل الكثيرة المذكورة في تفسير قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب  ﴾ على أن العمل خارج عن مسمى الإيمان كانت هذه الآية محمولة على كمال الإيمان وشرائعه، فكان التقدير: إن كنتم عاملين بمقتضى شرائع الإيمان، وهذا وإن كان تركاً للظاهر لكنا ذهبنا إليه لتلك الدلائل.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة ﴿ فَآذَنُواْ ﴾ مفتوحة الألف ممدودة مكسورة الذال على مثال ﴿ فَآمِنُواْ ﴾ والباقون ﴿ فأذَنُواْ ﴾ بسكون الهمزة مفتوحة الذال مقصورة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن علي رضي الله عنه أنهما قرآ كذلك ﴿ فَآذَنُواْ ﴾ ممدودة، أي فاعلموا من قوله تعالى: ﴿ فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ على سَوَاء  ﴾ ومفعول الإيذان محذوف في هذه الآية، والتقدير: فاعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله ورسوله، وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضاً قد علموا ذلك لكن ليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهذه القراءة في البلاغة آكد، وقال أحمد بن يحيى: قراءة العامة من الاذن، أي كونوا على علم وإذن، وقرأ الحسن ﴿ فأيقنوا ﴾ وهو دليل لقراءة العامة.

المسألة الثانية: اختلفوا في أن الخطاب بقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله ﴾ خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، قال القاضي: والاحتمال الأول أولى، لأن قوله: ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا ﴾ وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين.

فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل، كما جاء في الخبر من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله» وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ أصلاً في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنّة رسوله.

إذا عرفت هذا فنقول: في الجواب عن السؤال المذكور وجهان الأول: المراد المبالغة في التهديد دون نفس الحرب والثاني: المراد نفس الحرب وفيه تفصيل، فنقول: الإصرار على عمل الربا إن كان من شخص وقدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى فيه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن وقع ممن يكون له عسكر وشوكة، حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية وكما حارب أبو بكر رضي الله عنه ما نعي الزكاة، وكذا القوم لو اجتمعوا على ترك الأذان، وترك دفن الموتى، فإنه يفعل بهم ما ذكرناه، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من عامل بالربا يستتاب فإن تاب وإلا ضُرِبت عنقه.

والقول الثاني: في هذه الآية أن قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ ﴾ خطاب للكفار، وأن معنى الآية ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: إن فيه دليلاً على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام كان كافراً، كما لو كفر بجميع شرائعه.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُبتُمْ ﴾ والمعنى على القول الأول تبتم من معاملة الربا، وعلى القول الثاني من استحلال الربا ﴿ فَلَكُمْ رُءُوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ أي لا تظلمون الغريم بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون أي بنقصان رأس المال.

ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال النحويون ﴿ كَانَ ﴾ كلمة تستعمل على وجوه: أحدها: أن تكون بمنزلة حدث ووقع، وذلك في قوله: قد كان الأمر، أي وجد، وحينئذ لا يحتاج إلى خبر والثاني: أن يخلع منه معنى الحدث، فتبقى الكلمة مجردة للزمان، وحينئذ يحتاج إلى الخبر، وذلك كقوله: كان زيد ذاهباً.

واعلم أني حين كنت مقيماً بخوارزم، وكان هناك جمع من أكابر الأدباء، أوردت عليهم إشكالاً في هذا الباب فقلت: إنكم تقولون إن ﴿ كَانَ ﴾ إذا كانت ناقصة إنها تكون فعلاً وهذا محال، لأن الفعل ما دلّ على اقتران حدث بزمان، فقولك ﴿ كَانَ ﴾ يدل على حصول معنى الكون في الزمان الماضي، وإذا أفاد هذا المعنى كانت تامة لا ناقصة، فهذا الدليل يقتضي أنها إن كانت فعلاً كانت تامة لا ناقصة، وإن لم تكن تامة لم تكن فعلاً ألبتة بل كانت حرفاً، وأنتم تنكرون ذلك، فبقوا في هذا الإشكال زماناً طويلاً، وصنفوا في الجواب عنه كتباً، وما أفلحوا فيه ثم انكشف لي فيه سر أذكره هاهنا وهو أن كان لا معنى له إلا حدث ووقع ووجد، إلا أن قولك وجد وحدث على قسمين أحدها: أن يكون المعنى: وجد وحدث الشيء كقولك: وجد الجوهر وحدث العرض والثاني: أن يكون المعنى: وجد وحدث موصوفية الشيء بالشيء، فإذا قلت: كان زيد عالماً فمعناه حدث في الزمان الماضي موصوفية زيد بالعلم، والقسم الأول هو المسمى بكان التامة والقسم الثاني هو المسمى بالناقصة، وفي الحقيقة فالمفهوم من ﴿ كَانَ ﴾ في الموضعين هو الحدوث والوقوع، إلا أن في القسم الأول المراد حدوث الشيء في نفسه، فلا جرم كان الاسم الواحد كافياً، والمراد في القسم الثاني حدوث موصوفية أحد الأمرين بالآخر، فلا جرم لم يكن الاسم الواحد كافياً، بل لابد فيه من ذكر الاسمين حتى يمكنه أن يشير إلى موصوفية أحدهما بالآخر، وهذا من لطائف الأبحاث، فأما إن قلنا إنه فعل كان دالاً على وقوع المصدر في الزمان الماضي، فحينئذ تكون تامة لا ناقصة، وإن قلنا: إنه ليس بفعل بل حرف فكيف يدخل فيه الماضي والمستقبل والأمر، وجميع خواص الأفعال، وإذا حمل الأمر على ما قلناه تبين أنه فعل وزال الإشكال بالكلية.

المفهوم الثالث: لكان يكون بمعنى صار، وأنشدوا: بتيهاء قفر والمطي كأنها *** قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها وعندي أن هذا اللفظ هاهنا محمول على ما ذكرناه، فإن معنى صار أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أنها ما كانت موصوفة بذلك، فيكون هنا بمعنى حدث ووقع، إلا أنه حدوث مخصوص، وهو أنه حدث موصوفية الذات بهذه الصفة بعد أن كان الحاصل موصوفية الذات بصفة أخرى.

المفهوم الرابع: أن تكون زائدة وأنشدوا: سراة بني أبي بكر تسامى *** على كان المسومة الجياد إذا عرفت هذه القاعدة فلنرجع إلى التفسير فنقول: في ﴿ كَانَ ﴾ في هذه الآية وجهان الأول: أنها بمعنى وقع وحدث، والمعنى: وإن وجد ذو عسرة، ونظيره قوله: ﴿ إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً ﴾ بالرفع على معنى: وإن وقعت تجارة حاضرة، ومقصود الآية إنما يصح على هذا اللفظ وذلك لأنه لو قيل: وإن كان ذا عسرة لكان المعنى: وإن كان المشتري ذا عسرة فنظرة، فتكون النظرة مقصورة عليه، وليس الأمر كذلك، لأن المشتري وغيره إذا كان ذا عسرة فله النظرة إلى الميسرة الثاني: أنها ناقصة على حذف الخبر، تقديره وإن كان ذو عسرة غريماً لكم، وقرأ عثمان ﴿ ذَا عُسْرَةٍ ﴾ والتقدير: إن كان الغريم ذا عسرة، وقريء (وَمَن كَانَ ذَا عُسْرَةٍ).

المسألة الثانية: العسرة اسم من الأعسار، وهو تعذر الموجود من المال؛ يقال: أعسر الرجل، إذا صار إلى حالة العسرة، وهي الحالة التي يتعسر فيها وجود المال.

ثم قال تعالى: ﴿ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في الآية حذف، والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة، أو فالذي تعاملونه نظرة.

المسألة الثانية: نظرة أي تأخير، والنظرة الاسم من الإنظار، وهو الإمهال، تقول: بعته الشيء بنظرة وبانظار، قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ  قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قرئ ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء (فناظره) أي فصاحب الحق أي منتظره، أو صاحب نظرته، على طريق النسب، كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل، وعنه فناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة إلى الميسرة.

المسألة الرابعة: الميسرة مفعلة من اليسر واليسار، الذي هو ضد الإعسار، وهو تيسر الموجود من المال، ومنه يقال: أيسر الرجل فهو موسر، أي صار إلى اليسر، فالميسرة واليسر والميسور الغنى.

المسألة الخامسة: قرأ نافع ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ بضم السين والباقون بفتحها، وهما لغتان مشهورتان كالمقبرة، والمشرفة، والمشربة، والمسربة، والفتح أشهر اللغتين، لأنه جاء في كلامهم كثيراً.

المسألة السادسة: اختلفوا في أن حكم الأنظار مختص بالربا أو عام في الكل، فقال ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا، وذكر عن شريح أنه أمر بحبس أحد الخصمين فقيل: إنه معسر، فقال شريح: إنما ذلك في الربا، والله تعالى قال في كتابه ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا  ﴾ وذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ ﴾ قالت الاخوة الأربعة الذين كانوا يعاملون بالربا: بل نتوب إلى الله فإنه لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله، فرضوا برأس المال وطلبوا بني المغيرة بذلك، فشكا بنو المغيرة العسرة، وقالوا: أخرونا إلى أن تدرك الغلات، فأبوا أن يؤخروهم، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ .

القول الثاني: وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين: إنها عامة في كل دين، واحتجوا بما ذكرنا من أنه تعالى قال: ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ ولم يقل: وإن كان ذا عسرة، ليكون الحكم عاماً في كل المفسرين، قال القاضي: والقول الأول أرجح، لأنه تعالى قال في الآية المتقدمة ﴿ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ﴾ من غير بخس ولا نقص، ثم قال في هذه الآية: وإن كان من عليه المال معسراً وجب إنظاره إلى وقت القدرة، لأن النظرة يراد بها التأخر، فلابد من حق تقدم ذكره حتى يلزم التأخر، بل لما ثبت وجوب الإنظار في هذه بحكم النص، ثبت وجوبه في سائر الصور ضرورة الاشتراك في المعنى، وهو أن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به، وهذا قول أكثر الفقهاء كأبي حنيفة ومالك والشافعي رضي الله عنهم.

المسألة السابعة: اعلم أنه لابد من تفسير الإعسار، فنقول: الإعسار هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه، ولا يكون له ما لو باعه لأمكنه أداء الدين من ثمنه، فلهذا قلنا: من وحد داراً وثياباً لا يعد في ذوي العسرة، إذا ما أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز أن يحبس إلا قوت يوم لنفسه وعياله، وما لابد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع البرد والحر عنهم، واختلفوا إذا كان قوياً هل يلزمه أن يؤاجر نفسه من صاحب الدين أو غيره، فقال بعضهم: يلزمه ذلك، كما يلزمه إذا احتاج لنفسه ولعياله، وقال بعضهم: لا يلزمه ذلك، واختلفوا أيضاً إذا كان معسراً، وقد بذل غيره ما يؤديه، هل يلزمه القبول والأداء أو لا يلزمه ذلك، فأما من له بضاعة كسدت عليه، فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يكن إلا ذلك، ويؤديه في الدين.

المسألة الثامنة: إذا علم الإنسان أن غريمه معسر حرم عليه حبسه، وأن يطالبه بما له عليه، فوجب الإنظار إلى وقت اليسار، فأما إن كانت له ريبة في إعساره فيجوز له أن يحبسه إلى وقت ظهور الإعسار، واعلم أنه إذا ادعى الإعسار وكذبه للغريم، فهذا الدين الذي لزمه إما أن يكون عن عوض حصل له كالبيع والقرض، أو لا يكون كذلك، وفي القسم الأول لابد من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، وفي القسم الثاني وهو أن يثبت الدين عليه لا بعوض، مثل إتلاف أو صداق أو ضمان، كان القول قوله وعلى الغرماء البينة لأن الأصل هو الفقر.

ثم قال تعالى: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ عاصم ﴿ تَصَدَّقُواْ ﴾ بتخفيف الصاد والباقون بتشديدها، والأصل فيه: أن تتصدقوا بتاءين، فمن خفف حذف إحدى التاءين تخفيفاً، ومن شدد أدغم إحدى التاءين في الأخرى.

المسألة الثانية: في التصدق قولان الأول: معناه: وأن تصدقوا على المعسر بما عليه من الدين إذ لا يصح التصدق به على غيره، وإنما جاز هذا الحذف للعلم به، لأنه قد جرى ذكر المعسر وذكر رأس المال فعلم أن التصدق راجع إليهما، وهو كقوله: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى  ﴾ والثاني: أن المراد بالتصدق الإنظار لقوله عليه السلام لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة وهذا القول ضعيف، لأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى، فلابد من حمل هذه الآية على فائدة جديدة، ولأن قوله: ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ لا يليق بالواجب بل بالمندوب.

المسألة الثالثة: المراد بالخير حصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة.

ثم قال: ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ وفيه وجوه: الأول: معناه إن كنتم تعلمون أن هذا التصدق خير لكم إن عملتموه، فجعل العمل من لوازم العلم، وفيه تهديد شديد على العصاة والثاني: إن كنتم تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض والثالث: إن كنتم تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

ثم قال تعالى: ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ اعلم أن هذه الآية في العظماء الذين كانوا يعاملون بالربا وكانوا أصحاب ثروة وجلال وأنصار وأعوان وكان قد يجري منهم التغلب على الناس بسبب ثروتهم، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد وتهديد، حتى يمتنعوا عن الربا، وعن أخذ أموال الناس بالباطل، فلا جرم توعدهم الله بهذه الآية، وخوفهم على أعظم الوجوه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: هذه الآية آخر أية نزلت على الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك لأنه عليه السلام لما حج نزلت ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ  ﴾ وهي آية الكلالة، ثم نزل وهو واقف بعرفة ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى  ﴾ ثم نزل ﴿ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ﴾ فقال جبريل عليه السلام: «يا محمد ضعها على رأس ثمانين آية ومائتي آية من البقرة»، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحدا وثمانين يوماً، وقيل: أحداً وعشرين وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاث ساعات.

المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ بفتح التاء والباقون بضم التاء، واعلم أن الرجوع لازم، والرجع متعد، وعليه تخرج القراءتان.

المسألة الثالثة: انتصب ﴿ يَوْماً ﴾ على المفعول به، لا على الظرف، لأنه ليس المعنى: واتقوا في هذا اليوم، لكن المعنى تأهبوا للقائه بما تقدمون من العمل الصالح، ومثله قوله: ﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الولدان شِيباً  ﴾ أي كيف تتقون هذا اليوم الذي هذا وصفه مع الكفر بالله.

المسألة الرابعة: قال القاضي: اليوم عبارة عن زمان مخصوص، وذلك لا يتقي، وإنما يتقي ما يحدث فيه من الشدة والأهوال واتقاء تلك الأهوال لا يمكن إلا في دار الدنيا بمجانبة المعاصي وفعل الواجبات، فصار قوله: ﴿ واتقوا يَوْمًا ﴾ يتضمن الأمر بجميع أقسام التكاليف.

المسألة الخامسة: الرجوع إلى الله تعالى ليس، المراد منه ما يتعلق بالمكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى، وليس المراد منه الرجوع إلى علمه وحفظه، فإنه معهم أينما كانوا لكن كل ما في القرآن من قوله: ﴿ تُرْجَعُونَ إِلَى الله ﴾ له معنيان الأول: أن الإنسان له أحوال ثلاثة على الترتيب.

فالحالة الأولى: كونهم في بطون أمهاتهم، ثم لا يملكون نفعهم ولا ضرهم، بل المتصرف فيهم ليس إلا الله سبحانه وتعالى.

والحالة الثانية: كونهم بعد البروز عن بطون أمهاتهم، وهناك يكون المتكفل بإصلاح أحوالهم في أول الأمر الأبوين، ثم بعد ذلك يتصرف بعضهم في البعض في حكم الظاهر.

والحالة الثالثة: بعد الموت وهناك لا يكون المتصرف فيهم ظاهراً في الحقيقة إلا الله سبحانه، فكأنه بعد الخروج عن الدنيا عاد إلى الحالة التي كان عليها قبل الدخول في الدنيا، فهذا هو معنى الرجوع إلى الله والثاني: أن يكون المراد يرجعون إلى ما أعد الله لهم من ثواب أو عقاب، وكلا التأويلين حسن مطابق للفظ.

ثم قال: ﴿ ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: المراد أن كل مكلف فهو عند الرجوع إلى الله لابد وأن يصل إليه جزاء عمله بالتمام، كما قال: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ  وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السموات أَوْ فِي الأرض يَأْتِ بِهَا الله  ﴾ وقال: ﴿ وَنَضَعُ الموازين القسط لِيَوْمِ القيامة فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حاسبين  ﴾ وفي تأويل قوله: ﴿ مَّا كَسَبَتْ ﴾ وجهان الأول: أن فيه حذفاً والتقدير جزاء ما كسبت والثاني: أن المكتسب هو ذلك الجزاء، لأن ما يحصله الرجل بتجارته من المال فإنه يوصف في اللغة بأنه مكتسبه، فقوله: ﴿ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ أي توفى كل نفس مكتسبها، وهذا التأويل أولى، لأنه مهما أمكن تفسير الكلام بحيث لا يحتاج فيه إلى الإضمار كان أولى.

المسألة الثانية: الوعيدية يتمسكون بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، وأصحابنا يتمسكون بها في القطع بعدم الخلود، لأنه لما آمن فلابد وأن يصل ثواب الإيمان إليه، ولا يمكن ذلك إلا بأن يخرج من النار ويدخل الجنة.

ثم قال: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ وفيه سؤال وهو أن قوله: ﴿ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ لا معنى له إلا أنهم لا يظلمون، فكان ذلك تكريراً.

وجوابه: أنه تعالى لما قال: ﴿ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ كان ذلك دليلاً على إيصال العذاب إلى الفساق والكفار، فكان لقائل أن يقول: كيف يليق بكرم أكرم الأكرمين أن يعذب عبيده فأجاب عنه بقوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ والمعنى أن العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله تعالى مكنه وأزاح عذره، وسهل عليه طريق الاستدلال، وأمهله فمن قصر فهو الذي أساء إلى نفسه، وهذا الجواب إنما يستقيم على أصول المعتزلة، وأما على أصول أصحابنا فهو أنه سبحانه مالك الخلق، والمالك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً، فكان قوله: ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بعد ذكر الوعيد إشارة إلى ما ذكرناه.

الحكم الثالث: من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة آية المداينة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الرباا ﴾ كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع ﴿ لاَ يَقُومُونَ ﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان ﴾ أي المصروع.

وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع.

والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس: الجنون.

ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل: معناه ضربته الجنّ ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ مِنَ المس ﴾ ؟

قلت: ب (لا يقومون)، أي لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

ويجوز أن يتعلق بيقوم، أي كما يقوم المصروع من جنونه.

والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ ذَلِكَ ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا ﴾ .

فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين؟

قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع.

وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا ﴾ إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة عل أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا ﴿ فانتهى ﴾ فتبع النهي وامتنع ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى الربا ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق.

وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ.

وقرأ أبيٌّ والحسن: ﴿ فمن جاءته ﴾ .

﴿ يَمْحَقُ الله الرباا ﴾ يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ.

﴿ وَيُرْبِى الصدقات ﴾ ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه.

وفي الحديث: «ما نقَّصَتْ زكاةٌ من مال قط» ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.

أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.

روي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ ما بقى ﴾ ، بقلب الياء ألفاً على لغة طيئ: وعنه ﴿ ما بقيْ ﴾ بياء ساكنة.

ومنه قول جرير: هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُو ** مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن صح إيمانكم، يعني أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ ﴾ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به.

وقرئ: ﴿ فآذنوا ﴾ ، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم.

وقرأ الحسن: ﴿ فأيقنوا ﴾ ، وهو دليل لقراءة العامّة.

فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟

قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله.

وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب الله ورسوله.

﴿ وَإِن تُبتُمْ ﴾ من الارتباء ﴿ فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ المديونين بطلب الزيادة عليها ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ بالنقصان منها.

فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: (لا تظلمون ولا تظلمون) ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرا عثمان رضي الله عنه.

﴿ ذا عسرة ﴾ على وإن كان الغريم ذا عسرة.

وقرئ: (ومن كان ذا عسرة) ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار.

وقرئ: ﴿ فنظْرة ﴾ بسكون الظاء.

وقرأ عطاء: ﴿ فناظره ﴾ .

بمعنى فصاحب الحق ناظره: أي منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل.

وعنه: فناظرْه، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ إلى يسار وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة.

وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا وقوله تعالى: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ [النور: 37] .

﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [البقرة: 237] .

وقيل: أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه.

وقرئ ﴿ تصدّقوا ﴾ بتخفيف الصاد على حذف التاء ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: ﴿ يرجعون ﴾ بالياء على طريقة الالتفات.

وقرأ عبد الله: ﴿ تردّون ﴾ : وقرأ أبيّ: ﴿ تصيرون ﴾ .

وعن ابن عباس: أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة.

وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً.

وقيل: أحداً وثمانين.

وقيل: سبعة أيام.

وقيل: ثلاث ساعات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ واتْرُكُوا بَقايا ما شَرَطْتُمْ عَلى النّاسِ مِنَ الرِّبا.

﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ بِقُلُوبِكم فَإنَّ دَلِيلَهُ امْتِثالُ ما أمَرْتُمْ بِهِ.

رُوِيَ: أنَّهُ كانَ لِثَقِيفٍ مالٌ عَلى بَعْضِ قُرَيْشٍ، فَطالَبُوهم عِنْدَ المَحَلِّ بِالمالِ والرِّبا.

فَنَزَلَتْ.

﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمَ بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ ابْنِ عَيّاشٍ « فَآذِنُوا» أيْ فاعْلِمُوا بِها غَيْرَكُمْ، مِنَ الأذَنِ وهو الِاسْتِماعُ فَإنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ، وتَنْكِيرُ حَرْبٍ لِلتَّعْظِيمِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقاتِلَ المُرَبِّي بَعْدَ الِاسْتِتابَةِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ، كالباغِي ولا يَقْتَضِي كُفْرَهُ.

رُوِيَ: أنَّها لَمّا نَزَلَتْ قالَتْ ثَقِيفٌ لا يَدِي لَنا بِحَرْبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.

﴿ إلى أمْرِ اللَّهِ ﴾ مِنَ الِارْتِباءِ واعْتِقادِ حِلِّهِ.

﴿ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ﴾ بِأخْذِ الزِّيادَةِ.

﴿ وَلا تُظْلَمُونَ ﴾ بِالمَطْلِ والنُّقْصانِ، ويَفْهَمُ مِنهُ أنَّهم إنْ لَمْ يَتُوبُوا فَلَيْسَ لَهم رَأْسُ مالِهِمْ وهو سَدِيدٌ عَلى ما قُلْناهُ، إذِ المُصِرُّ عَلى التَّحْلِيلِ مُرْتَدٌّ ومالُهٌ فَيْءٌ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الربا} أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها روى أنها

البقرة (٢٧٨ _ ٢٨٢)

نزلت في ثقيف وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا {إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} كاملي الإيمان فإن دليل كماله امتثال المأمور به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في الظّاهِرِ ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم عِقابَهُ ﴿ وذَرُوا ﴾ أيِ اُتْرُكُوا ﴿ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ لَكم عِنْدَ النّاسِ ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ عَنْ صَمِيمِ القَلْبِ فَإنَّ دَلِيلَهُ اِمْتِثالُ ما أُمِرْتُمْ بِهِ وهو شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ ثِقَةً بِما قَبْلَهُ، و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ (بَقِيَ)، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِ (بَقِيَ) وقَرَأ الحَسَنُ بَقى بِقَلْبِ الياءِ ألِفًا عَلى لُغَةِ طَيِّئٍ، والآيَةُ كَما قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اِبْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسَلِّفانِ في الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ مِن بَنِي عَمْرَةَ وهم بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ مِنَ الرِّبا فَتَرَكُوها حِينَ نَزَلَتْ.

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ الثَّقَفِيِّ ومَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ يالِيلَ بْنِ عَمْرٍو ورَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وحَبِيبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وكُلُّهم أُخْوَةٌ وهُمُ الطّالِبُونَ، والمَطْلُوبُونَ بَنُو المُغِيرَةِ مِن بَنِي مَخْزُومٍ وكانُوا يُدايِنُونَ بَنِي المُغِيرَةِ في الجاهِلِيَّةِ بِالرِّبا وكانَ النَّبِيُّ  صالَحَ ثَقِيفًا فَطَلَبُوا رِباهم إلى بَنِي المُغِيرَةِ وكانَ مالًا عَظِيمًا فَقالَ بَنُو المُغِيرَةِ: واَللَّهِ لا نُعْطِي الرِّبا في الإسْلامِ وقَدْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ عَنِ المُسْلِمِينَ فَعَرَّفُوا شَأْنَهم مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ ويُقالُ عِتابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ يَطْلُبُونَ رِباهم عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الخ، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ  إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنْ أعْرِضْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ فَإنْ فَعَلُوا فَلَهم رُؤُوسُ أمْوالِهِمْ وإنْ أبَوْا فَآذِنْهم بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا يعني يأكلون الربا استحلالاً لاَ يَقُومُونَ يوم القيامة من قبورهم إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي يتخبطه الشيطان مِنَ الْمَسِّ أي من الجنون.

ويقال: أنهم يبعثون يوم القيامة، وقد انتفخت بطونهم كالحباب، وكلما قاموا سقطوا، والناس يمشون عليهم، فيكون ذلك علامة آكل الربا ويقال يكون بمنزلة المجنون ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني الذي نزل بهم لأنهم قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه استحلوا الرِّبا، وكان الرجل إذا حل أجل ماله طالبه فيقول له المطلوب: زدني في الأجل، وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك.

فإذا قيل لهما: إن هذا رباً قالا: الزيادة في أول البيع، وعند حلول الأجل سواء.

ويقال: إنهم استحلوا الربا وقالوا: الربا والبيع في الحل سواء، فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ولم يقل جاءته، لأن التأنيث ليس بحقيقي، ويجوز أن يذكر ويؤنث، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني فمن جاءه نهي مِنْ رَبِّهِ في القرآن في بيان تحريم الربا فَانْتَهى عن أكل الربا فَلَهُ مَا سَلَفَ يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي، لأن الحجة لم تقم عليهم، ولم يعلموا بحرمته، وأما اليوم فمن تاب عن الربا، فلا بدَّ له من أن يرد الفضل، ولا يكون له ما سلف، لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين، لأن كتاب الله تعالى فيهم.

ثم قال عز وجل: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ في المستأنف إن شاء عصمه، وإن شاء لم يعصمه وَمَنْ عادَ إلى استحلال الرِّبا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد  .

وقال عليه الصلاة والسلام: «سَيَأْتِي عَلَى الَّناسِ زَمَانٌ لا يبقى أحد إلا أَكَلَ الرِّبا، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلِ الرِّبا أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ» .

وروي عن النبي  أنه قال: «الرِّبا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً، أدْنَاها كَإِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ» ، يعني كالزاني بأمه.

ثم قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يبطله، ويذهب ببركته وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يقول: يقبلها ويضاعفها.

ويقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، إما أن يذهب عنه أم عن ولده، أو ينفقه فيما لا يصلح وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ يعني جاحد بتحريم الرِّبا أَثِيمٍ يعني عاص بأكله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني الصلوات الخمس وَآتَوُا الزَّكاةَ يعني أعطوا الزَّكاة المفروضة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد ذكرناه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي أطيعوا الله ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين بتحريمه.

وقال أهل اللغة: إن الحقيقة على ثلاثة أوجه: إن بمعنى ما، كقوله: إِنِ الْكافِرُونَ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 29] .

وإن بمعنى لقد، كقوله إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [الإسراء: 108] .

وتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا، قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: 56] ، إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [يونس: 29] ، وإن بمعنى إذ كقوله: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة: 278] نزلت هذه الآية في نفر من بني ثقيف، وفي بني المغيرة من قريش، وكانت ثقيف يربون لبني المغيرة في الجاهلية، وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما يربون لبني المغيرة، فلما ظهر النبيّ  على أهل مكة، وضع الرِّبا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس يأخذونه، وما كان عليهم من رباً للناس، فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، وقد كان رسول الله  كتب لهم كتاباً، وكتب في أسفله إنَّ لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم، فلما حلّ الأجل طلب ثقيف رباهم، فاختصموا إلى أمير مكة، وهو عتاب بن أسيد، فكتب بذلك إلى رسول الله  ، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولا تستحلوا الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني مصدقين بتحريم الرِّبا.

ثم خوفهم فقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذِنوا بمد الألف وكسر الذال، وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع، فأْذَنُوا بترك الهمزة ونصب الذال، وقرأ الباقون بجزم الألف ونصب الذال، فمن قرأ فَأْذَنُوا بالجزم معناه: فاعلموا بِحَرْبٍ مِّنَ الله، يعني بإهلاك من الله.

ويقال معناه: فاعلموا بأنكم كفار بالله وَرَسُولِهِ ومن قرأ فآذنوا بالمد يقول: اعلموا بعضكم بعضاً بحرب، أي بإهلاك من الله تعالى ورسوله.

فقالوا: ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟

فقال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ التي أسلفتم.

وقال النبيّ  : «كُلُّ رِباً كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رباً وُضِعَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّ دَمٍ كانَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارث بن عبد المطلب» .

ثم قال: لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ يعني الطالب لا يظلم بطلب الزيادة، ويرضى برأس المال، ولا يظلم المطلوب، فينتقص عن رأس المال، وذلك أنهم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة، فشكوا العسرة يعني بني المغيرة وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ثمارهم، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ يعني إن كان المطلوب ذو شدة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ يقول: أجله أن يتيسر عليه بإدراك ثماره وَأَنْ تَصَدَّقُوا يقول: لو تصدقتم ولا تأخذونه فهو خَيْرٌ لَكُمْ ويقال: لئن تصدقتم بالتأخير فهو خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الصدقة خير لكم.

قرأ نافع إلى ميسرة بضم السين.

وقرأ الباقون والنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.

وقرأ عطاء فناظرة بالألف.

وقرأ العامة بغير ألف، ومعناها واحد.

وقرأ عاصم وأن تصدقوا بتخفيف الصاد.

وقرأ الباقون بالتشديد، لأن التاء أدغم في الصاد، وأصله تتصدقوا.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ يقول اجتنبوا عذاب يوم ترجعون فِيهِ إِلَى اللَّهِ يعني في يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يقول: وهم لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال آخر آية نزلت من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بنصب التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بالضم ونصب الجيم قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

٧٣ أوروى أبو داود في «سننه» ، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قال: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ/ كَسَا مُسْلِماً ثَوْباً عَلَى عُرْيٍ، كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّةِ، وأَيُّما مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِماً عَلَى جُوعٍ، أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الجَنَّةِ، وأَيُّمَا مُسْلِمٍ سقى مُسْلِماً عَلَى ظَمَإٍ، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ المَخْتُومِ» «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ يقتضي الزجْرَ للكفَّارِ المستحلِّين للربا، ووصْف «الكَفَّار» ب «أثيم» إِما مبالغةٌ من حيثُ اختلف اللفظانِ، وإِما ليذهب الاشتراكُ الذي في «كَفَّار» إِذ قد يقع على الزَّارِعِ الذي يستر الحَبَّ في الأرض، قاله ابنُ فُورَكَ «٢» .

ولما انقضى ذكْر الكافرين، عقَّب سبحانه بذكْرِ ضدِّهم ليبين ما بين الحالَتَيْنِ، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ...

الآية، وقد تقدَّم تفسير مثل هذه الألفاظ.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ...

الآية: سبَبُ هذه الآيةِ أنه لما افتتح النبيّ صلّى الله عليه وسلم مكَّة، قال في خُطْبَتِهِ اليَوْمَ الثانِيَ من الفَتْح: «ألا كُلُّ رِباً فِي الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوّل ربا أضعه ربا «٣»

العبّاس» «١» فبدأ صلّى الله عليه وسلم بعَمِّه، وأخَصِّ الناسِ به، وهذه من سنن العَدْلِ للإِمام أنْ يفيض العَدْل على نَفْسه وخاصَّته، فيستفيض في النَّاس، ثم رجع رسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم إِلى المدينةِ، واستعمل على مكَّة عَتَّابَ بْنَ أسيد «٢» ، فلمّا استنزل صلّى الله عليه وسلم أهْلَ الطائِفِ بَعْد ذلك إِلى الإِسْلامِ، اشترطوا شُرُوطاً، وكان في شروطهم: أنَّ كُلَّ رباً لهم على النَّاسِ فإِنهم يأخذونه، وكُلُّ رباً علَيْهم، فهو موضُوعٌ، فيروى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم قَرَّر لهم هذه، ثم ردَّها اللَّه بهذه الآية كما ردّ

صُلْحَه لكُفَّار قُرَيْش في ردِّ النِّسَاءِ إِليهم عامَ الحُدَيْبِية، وذكَرَ النَّقَّاش روايةً أنَّ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ فِي أَسْفَلِ الكِتَابِ لِثَقِيفٍ: «لَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَيهِمْ» ، فلما جاءَتْ آجال رِبَاهُمْ، بعثوا إِلى مكَّة لِلاقتضاءِ، وكانت على بني المغيرة المخزوميّين، فقال بنو المُغِيرَةِ: لا نُعْطِي شَيئاً فإِن الربَا قد وُضِعَ، ورفعوا أمرهم إِلى عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ بمكَّة، فَكَتَب به إلى رسُولِ الله صلّى الله عليه وسلم فنزلت الآية، وكتب بها رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلى عتَّابٍ، فعلمتْ بها ثقيفٌ، فكَفَّت: هذا سببُ الآية على اختصارٍ ممَّا روى ابْنُ إِسحاق، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ وغيرهم «١» .

فمعنى الآية: اجعلوا بينكم وبيْنَ عذابِ اللَّهِ وقايةً بترككمْ ما بَقِيَ لكُمْ من رباً، وصَفْحِكُمْ عنه، ثم توعَّدَهُمْ تعالَى، إِن لم يذروا الربَا بحَرْبٍ منه، ومِنْ رسوله، وأمَّته، والحَرّب داعية القَتْلِ.

وقوله تعالى: فَأْذَنُوا قال سِيبَوَيْهِ: آذَنْتُ: أعْلَمْتُ.

ت: وهكذا فسره البخاريُّ، فقال: قال أبو عبد اللَّهِ: فَأذَنُوا، فاعلموا «٢» ، وقال ع «٣» : هي عنْدِي من الأَذَنِ، وقال ابن عَبَّاس وغيره: معناه فاستيقنوا بحَرْبٍ «٤» .

ثم ردَّهم سبحانه مع التوبة إِلى رءوس أموالهم، وقال لهم: لا تَظْلِمُونَ في أخذِ الزائِدِ، ولا تُظْلَمُونَ في أنْ يتمسَّك بشيء من رءوس أموالكُمْ، ويحتمل لا تَظْلِمُونَ في مَطْلٍ، لأن مَطْل الغنيّ ظلم كما قال- عليه الصلاة والسلام «٥» - فالمعنى أنه يكون

القضاءُ، مع وضْعِ الربا وهكذا سنة الصُّلْح، وهذا أشبه شيء بالصُّلْح ألا ترى أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم لَمَّا أشارَ على كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَّطْرِ، فقال كعب: نعم، فقال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لِلآخَرِ: «قُمْ، فاقضه» «١» ، فَتلقَّى العلماءُ أمره بالقَضَاء سنّة في المصالحات.

٧٣ ب وقوله سبحانه: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ/، فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ حكم اللَّه تعالى لأرباب الربَا برُءُوس أموالهم عنْدَ الواجدين للمال، ثم حكم في ذِي العُسْرَةِ بالنَّظَرَةِ إِلى حال اليُسْرِ، والعُسْرُ: ضيقُ الحالِ من جهة عدمِ المالِ، والنَّظِرَةُ التأخيرُ.

ت: وفي «الصحيحين» عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: «كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً، فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ» «١» ، وفي «صحيح مسلمٍ» : «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ، أَوْ يَضَعْ عَنْهُ» ، وفي روايةٍ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كَرْبِ يَوْمِ القِيَامَةِ» ، وفي رواية: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ الله في ظلّه» «٢» .

انتهى.

والمَيْسَرَةُ: مصدرٌ بمعنى اليُسْرِ، وارتفع: «ذُو عُسْرَةٍ» ب «كان» التامة الَّتي هي بمعنى:

«وُجِدَ، وَحَدَثَ» ، وارتفعَ قَوْلِه: «فَنَظِرَةٌ» علَى خبر ابتداءٍ مقدَّر، تقديره فالواجبُ نَظِرَةٌ.

واختلف أهْلُ العلْمِ هلْ هذا الحُكْم بالنَّظِرَةِ إِلى الميسرةِ واقفٌ على أهل الربا خاصَّة، وهو قول ابن عبَّاس، وشُرَيْح «١» ، أو هو منسحبٌ على كلِّ دين حلال، وهو قول جمهور

العلماء «١» ؟

ع «٢» : وما قاله ابن عبَّاس إِنما يترتَّب، إِذا لم يكُنْ فقر مُدْقِعٌ، وأما مع الفقر والعُدْمِ الصريحِ، فالحُكْمُ هي النَّظِرة ضرورةً.

ت: ولا يخالف ابن عبَّاس في ذلك.

وقوله تعالى: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ: نَدَبَ اللَّه بهذه الألفاظ إِلى الصدَقَة على المُعْسِر، وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله جمهور العلماء.

وروى سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عن عمر بن الخَطَّاب أنه قَالَ: كان آخر ما نَزَلَ من القُرآن آية الربا، وقُبِضَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم ولَمْ يفسِّرْها لَنَا، فدَعُوا الرِّبَا والرِّيبَةَ «٣» .

وقال ابن عباس: آخر ما نزل آية الربا «٤» .

قال ع «٥» : ومعنى هذا عنْدي، أنها من آخر ما نَزَلَ لأن جمهور النَّاس ابنُ عبَّاس، والسُّدِّيُّ، والضَّحَّاك، وابنُ جْرَيجٍ، وغيرهم، قالوا: آخر آية نزلَتْ قوله تعالى:

وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ورُوِيَ أَنَّ قوله: وَاتَّقُوا نزلت قبل موت النبيّ صلّى الله عليه وسلم بِتِسْعِ ليالٍ، ثم لم ينزلْ بعدها شيْءٌ، ورُوِيَ بثلاثِ ليالٍ، وروي أنَّها نزلَتْ قبل موته بثلاث ساعات، وأنّه صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «اجعلوها بَيْنَ آيَةِ الرِّبَا وَآيَةِ الدَّيْنِ» ، وحكى مكّيّ أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: اجعلها على مِائَتَيْنِ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنَ البَقَرةِ» «٦» .

وقوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ...

الآية: وعْظٌ لجميعِ الناسِ، وأمْرٌ يخصُّ كلَّ إِنسان.

ت: حدَّثني من أثقُ به أنه جَلَسَ عند شيخ من الأفاضل يجوّد عليه القرآن،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ في نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفٍ مِن ثَقِيفٍ، وفي بَنِي المُغِيرَةِ مَن بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ بَنُو المُغِيرَةِ يَأْخُذُونَ الرِّبا مِن ثَقِيفٍ، فَلَمّا وضَعَ اللَّهُ الرِّبا، طالَبَتْ ثَقِيفٌ بَنِي المُغِيرَةِ بِما لَهم عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، والَّتِي بَعْدَها، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّها نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، والعَبّاسِ، كانا قَدْ أسْلَفا في التَّمْرِ، فَلَمّا حَضَرَ الجِذاذُ، قالَ صاحِبُ التَّمْرِ: إنْ أخَذْتُما مالَكُما، لَمْ يَبْقَ لِي ولِعِيالِي ما يَكْفِي، فَهَلْ لَكُما أنْ تَأْخُذا النِّصْفَ وأُضْعِفُ لَكُما؟

فَفَعَلا، فَلَمّا حَلَّ الأجَلُ، طَلَبا الزِّيادَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ  ، فَنَهاهُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» هَذا قَوْلُ عَطاءٍ وعِكْرِمَةَ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في العَبّاسِ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، وكانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، وكانا يُسْلِفانِ في الرِّبا، فَجاءَ الإسْلامُ، ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَقالَ النَّبِيُّ  : « "ألا إنَّ كُلَّ رِبًا مِن رِبا الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوَّلُ رِبًا أضَعُهُ رِبا العَبّاسِ"» هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّما قالَ: ﴿ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ لِأنَّ كُلَّ رِبًا كانَ قَدْ تُرِكَ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا رِبا ثَقِيفٍ.

وقالَ قَوْمٌ: الآَيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلى مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ، ثُمَّ أسْلَمَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُتْرَكَ ما بَقِيَ، ويُعْفى لَهُ عَمّا مَضى.

فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ، فَمَرْدُودُهُ فِيما قَبَضَ، ويَسْقُطُ ما بَقِيَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تَظْلِمُونَ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّهُ كانَ الرِبا بَيْنَ الناسِ كَثِيرًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، وكانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ رِبًا، فَكانَ لِهَؤُلاءِ عَلى هَؤُلاءِ فَلَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ  مَكَّةَ قالَ في خُطْبَتِهِ في اليَوْمِ الثانِي مِنَ الفَتْحِ: "ألا كُلُّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وأوَّلُ رِبًا أضَعُهُ رِبا" العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ"» فَبَدَأ  بِعَمِّهِ وأخَصِّ الناسِ بِهِ، وهَذِهِ مِن سُنَنِ العَدْلِ لِلْإمامِ أنْ يُفِيضَ العَدْلَ عَلى نَفْسِهِ وخاصَّتِهِ، فَيَسْتَفِيضُ حِينَئِذٍ في الناسِ، ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ  إلى المَدِينَةِ، واسْتَعْمَلَ عَلى مَكَّةَ عَتّابَ بْنَ أسِيدَ، فَلَمّا اسْتُنْزِلَ أهْلُ الطائِفِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الإسْلامِ اشْتَرَطُوا شُرُوطًا مِنها ما أعْطاهُ رَسُولُ اللهِ  ، ومِنها ما لَمْ يُعْطِهِ، وكانَ في شُرُوطِهِمْ أنَّ كُلَّ رِبًا لَهم عَلى الناسِ فَإنَّهم يَأْخُذُونَهُ، وكُلَّ رِبًا عَلَيْهِمْ فَهو مَوْضُوعٌ، فَيُرْوى أنَّ رَسُولَ اللهِ  قَرَّرَ لَهم هَذِهِ ثُمَّ رَدَّها اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما رَدَّ صُلْحَهُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ في رَدِّ النِساءِ إلَيْهِمْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

وذَكَرَ النَقّاشُ رِوايَةَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ  أمَرَ أنْ يُكْتَبَ في أسْفَلِ الكِتابِ لِثَقِيفٍ: "لَكم ما لِلْمُسْلِمِينَ وعَلَيْكم ما عَلَيْهِمْ"، فَلَمّا جاءَتْ آجالُ رِباهم بَعَثُوا إلى مَكَّةَ لِلِاقْتِضاءِ، وكانَتِ الدُيُونُ لِبَنِي غِيَرَةَ.

وهم بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ مِن ثَقِيفٍ، وكانَتْ لَهم عَلى بَنِي المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّينَ، فَقالَ بَنُو المُغِيرَةِ.

لا نُعْطِي شَيْئًا.

فَإنَّ الرِبا قَدْ وُضِعَ، ورَفَعُوا أمْرَهم إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدَ بِمَكَّةَ، فَكَتَبَ بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ  فَنَزَلَتْ، وكَتَبَ بِها رَسُولُ اللهِ  إلى عَتّابَ، فَعَلِمَتْ بِها ثَقِيفٌ فَكَفَّتْ.» هَذا سَبَبُ الآيَةِ عَلى اخْتِصارٍ مَجْمُوعٍ مِمّا رَوى ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ، فَمَعْنى الآيَةِ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عَذابِ اللهِ وِقايَةً بِتَرْكِكم ما بَقِيَ لَكم مِن رِبًا وصَفْحِكم عنهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ شَرْطٌ مَحْضٌ في ثَقِيفٍ عَلى بابِهِ، لِأنَّهُ كانَ في أوَّلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ، وإذا قَدَّرْنا الآيَةَ فِيمَن تَقَرَّرَ إيمانُهُ فَهو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ لِمَن تُرِيدُ إقامَةَ نَفْسِهِ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا.

وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّهُ قالَ: "إنْ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى "إذْ" .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُغَةِ، وقالَ ابْنُ فُورَكٍ يَحْتَمِلُ أنَّهُ يُرِيدُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِمَن قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الأنْبِياءِ ذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ إذْ لا يَنْفَعُ الأوَّلُ إلّا بِهَذا.

وهَذا مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ في سَبَبِ الآيَةِ.

ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى - إنْ لَمْ يَذَرُوا الرِبا - بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ والحَرْبُ داعِيَةُ القَتْلِ، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ لِآكِلِ الرِبا: خُذْ سِلاحَكَ لِلْحَرْبِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: مَن كانَ مُقِيمًا عَلى الرِبا لا يَنْزِعُ عنهُ، فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ.

وقالَ قَتادَةُ: أوعَدَ اللهُ أهْلَ الرِبا بِالقَتْلِ فَجَعَلَهم بَهْرَجًا أيْنَما ثُقِفُوا، ثُمَّ رَدَّهم تَعالى مَعَ التَوْبَةِ إلى رُؤُوسِ أمْوالِهِمْ وقالَ لَهُمْ: "لا تَظْلِمُونَ" في أخْذِ الرِبا "وَلا تُظْلَمُونَ" في أنْ يَتَمَسَّكَ بِشَيْءٍ مِن رُؤُوسِ أمْوالِكم فَتَذْهَبَ أمْوالُكم.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "لا تَظْلِمُونَ" في مَطْلٍ، لِأنَّ « "مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلْمٌ"» كَما قالَ  ، فالمَعْنى أنْ يَكُونَ القَضاءُ مَعَ وضْعِ الرِبا، وهَكَذا سُنَّةُ الصُلْحِ، وهَذا أشْبَهُ شَيْءٍ بِالصُلْحِ، ألا تَرى «أنَّ النَبِيَّ  لَمّا أشارَ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في دَيْنِ ابْنِ أبِي حَدْرَدٍ بِوَضْعِ الشَطْرِ فَقالَ كَعْبٌ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللهِ، قالَ رَسُولُ اللهِ  ، لِلْآخَرِ: قُمْ فاقْضِهِ،» فَتَلَقّى العُلَماءُ أمْرَهُ بِالقَضاءِ سُنَّةً في المُصالَحاتِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "ما بَقِيْ" بِكَسْرِ القافِ وإسْكانِ الياءِ وهَذا كَما قالَ جَرِيرٌ: هو الخَلِيفَةُ فارْضَوْا ما رَضِيْ لَكُمُ ∗∗∗ ماضِي العَزِيمَةِ ما في حُكْمِهِ جَنَفُ ووَجْهُها أنَّهُ شَبَّهَ الياءَ بِالألِفِ، فَكَما لا تَصِلُ الحَرَكَةُ إلى الألِفِ فَكَذَلِكَ لَمْ تَصِلْ هُنا إلى الياءِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

وَقَرَأ أبُو السَمّالِ: "مِنَ الرِبُوْ" بِكَسْرِ الراءِ المُشَدَّدَةِ وضَمِّ الباءِ وسُكُونِ الواوِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: شَذَّ هَذا الحَرْفُ في أمْرَيْنِ أحَدُهُما: الخُرُوجُ مِنَ الكَسْرِ إلى الضَمِّ بِناءً لازِمًا، والآخَرُ: وُقُوعُ الواوِ بَعْدَ الضَمَّةِ في آخِرِ الِاسْمِ، وهَذا شَيْءٌ لَمْ يَأْتِ إلّا في الفِعْلِ، نَحْوُ: يَغْزُو ويَدْعُو - أمّا "ذُو" الطائِيَّةُ بِمَعْنى الَّذِي فَشاذَّةٌ جِدًّا، ومِنهم مَن يُغَيِّرُ واوَها إذا فارَقَ الرَفْعَ فَيَقُولُ: رَأيْتُ ذا قامَ.

ووَجْهُ القِراءَةِ أنَّهُ فَخَّمَ الألِفَ فانْتَحى بِها الواوَ الَّتِي الألِفُ بَدَلٌ مِنها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِمُ: الصَلاةُ والزَكاةُ، وهي بِالجُمْلَةِ قِراءَةٌ شاذَّةٌ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "فَأْذَنُوا" مَقْصُورَةً مَفْتُوحَةَ الذالِ.

وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "فَآذِنُوا" مَمْدُودَةً مَكْسُورَةَ الذالِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: آذَنْتَ: أعْلَمْتَ، وأذَّنْتَ: نادَيْتَ وصَوَّتَّ بِالإعْلامِ، قالَ: وبَعْضٌ يُجْرِي آذَنْتَ مَجْرى أذَّنْتَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قالَ: فَأْذَنُوا فَقَصَرَ مَعْناهُ: فاعْلَمُوا الحَرْبَ مِنَ اللهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: فاسْتَيْقِنُوا الحَرْبَ مِنَ اللهِ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي مِنَ الإذْنِ، وإذا أذِنَ المَرْءُ في شَيْءٍ فَقَدْ قَرَّرَهُ وبَنى مَعَ نَفْسِهِ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: فَقَرِّرُوا الحَرْبَ بَيْنَكم وبَيْنَ اللهِ ورَسُولِهِ، ويَلْزَمُهم - مِن لَفْظِ الآيَةِ - أنَّهم مُسْتَدْعُو الحَرْبِ والباغُونَ لَها إذْ هُمُ الآذِنُونَ بِها وفِيها، ويَنْدَرِجُ في هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْتُهُ عِلْمُهم بِأنَّهم حَرْبٌ، وتَيَقُّنُهم لِذَلِكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ فَآذِنُوا، فَمَدَّ فَتَقْدِيرُهُ: فَأعْلِمُوا مَن لَمْ يَنْتَهِ عن ذَلِكَ بِحَرْبٍ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَ هَذا المَفْعُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ  ﴾ ، وإذا أُمِرُوا بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ عَلِمُوا هم لا مَحالَةَ، قالَ: فَفي إعْلامِهِمْ عِلْمُهُمْ، ولَيْسَ في عِلْمِهِمْ إعْلامُهم غَيْرَهُمْ، فَقِراءَةُ المَدِّ أرْجَحُ لِأنَّها أبْلَغُ وآكَدُ، قالَ الطَبَرِيُّ: قِراءَةُ القَصْرِ أرْجَحُ لِأنَّها تَخْتَصُّ بِهِمْ، وإنَّما أُمِرُوا عَلى قِراءَةِ المَدِّ بِإعْلامِ غَيْرِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقِراءَتانِ عِنْدِي سَواءٌ لِأنَّ المُخاطَبَ في الآيَةِ مَحْصُورٌ بِأنَّهُ كُلُّ مَن لَمْ يَذَرْ ما بَقِيَ مِنَ الرِبا، فَإنْ قِيلَ لَهُمْ: "فَأْذَنُوا" فَقَدْ عَمَّهُمُ الأمْرُ، وإنْ قِيلَ لَهُمْ: "فَآذِنُوا" بِالمَدِّ فالمَعْنى أنْفُسَكم وبَعْضَكم بَعْضًا، وكَأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تَقْتَضِي فَسْحًا لَهم في الِارْتِياءِ والتَثَبُّتِ، أيْ فَأعْلِمُوا نُفُوسَكم هَذا، ثُمَّ انْظُرُوا في الأرْجَحِ لَكُمْ: تَرْكِ الرِبا أوِ الحَرْبِ.

وقَرَأ جَمِيعُ القُرّاءِ: "لا تَظْلِمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ، و"لا تُظْلَمُونَ" بِضَمِّها، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ، ورَوى المُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: لا "تُظْلَمُونَ" بِضَمِّ التاءِ في الأُولى وفَتْحِها في الثانِيَةِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَتَرَجَّحُ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِأنَّها تُناسِبُ قَوْلَهُ: "فَإنْ تُبْتُمْ" في إسْنادِ الفِعْلَيْنِ إلى الفاعِلِ، فَيَجِيءُ "تَظْلِمُونَ" بِفَتْحِ التاءِ أشْكَلَ بِما قَبْلَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا ﴾ إفضاء إلى التشريع بعد أن قُدم أمامَه من الموعظة ما هيّأ النفوس إليه.

فإن كان قوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربوا ﴾ [البقرة: 275] من كلام الذين قالوا: ﴿ إنما البيع مثل الربوا ﴾ [البقرة: 275] فظاهر، وإن كان من كلام الله تعالى فهو تشريع وقع في سياق الرد، فلم يكتف بتشريع غير مقصود ولذا احتيج إلى هذا التشريع الصريح المقصود، وما تقدم كلّه وصف لحال أهل الجاهلية وما بقي منه في صدر الإسلام قبل التحريم.

وأمروا بتقوى الله قبل الأمر بترك الربا لأنّ تقْوَى الله هي أصل الامتثال والاجتناب؛ ولأن ترك الربا من جملتها.

فهو كالأمرِ بطريق برهاني.

ومعنى ﴿ وذروا ما بقي من الربوا ﴾ الآية اتركوا ما بقي في ذمم الذين عاملتموهم بالربا، فهذا مقابل قوله: «فله ما سلف»، فكان الذي سلفَ قبضُه قبل نزول الآية معفوا عنه وما لم يقبض مأموراً بتركه.

قيل نزلت هذه الآية خطاباً لثقيف أهل الطائف إذ دخلوا في الإسلام بعد فتح مكة وبعد حصار الطائف على صلح وقع بينهم وبين عتّاب بن أسَيْد الذي أولاه النبي صلى الله عليه وسلم مكة بعد الفتح بسبب أنّهم كانت لهم معاملات بالربا مع قريش، فاشترطت ثقيف قبل النزول على الإسلام أنّ كل ربا لهم على الناس يأخذونه، وكل ربا عليهم فهو موضوع، وقبل منه رسول الله شَرْطَهم، ثم أنزل الله تعالى هذه الآية خطاباً لهم وكانوا حديثي عهد بإسلام فقالوا: لا يَدَيْ لنا بحرب الله ورسوله.

فقوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ معناه إن كنتم مؤمنين حقاً، فلا ينافي قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ إذ معناه يأيها الذين دخلوا في الإيمان، واندفعت أشكالات عرضت.

وقوله: ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ يعني إن تمسكتم بالشرط فقد انتقض الصلح بيننا، فاعلموا أنّ الحرب عادت جذعة، فهذا كقوله: «وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء».

وتَنكير حرب لقصد تعظيم أمرها؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضاً عنها بمن ونسبت إلى الله؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر، وهذا هو الظاهر.

فإذا صح ما ذكر في سبب نزولها فهو من تجويز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في الأحكام إذْ قبل من ثقيف النزول على اقتضاء ما لَهم من الربا عند أهل مكة، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: ﴿ وذروا ما بقى من الربوا ﴾ ؛ فيحتمل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى الصلح مع ثقيف على دخولهم في الإسلام مع تمكينهم مما لهم قبل قريش من أموال الربا الثابتة في ذممهم قبل التحريم مصلحة، إذ الشأن أنّ ما سبق التشريع لا ينقض كتقرير أنكحة المشركين، فلم يُقِرّه الله على ذلك وأمر بالانكفاف عن قبض مال الربا بعد التحريم ولو كان العقد قبل التحريم، ولذلك جعلهم على خيرة من أمرهم في الصلح الذي عقدوه.

ودلت الآية على أنّ مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلاّ بعد القبض، ولذلك جاء قبلها «فله ما سلف» وجاء هنا ﴿ وذروا ما بقي من الربوا ﴾ إلى قوله ﴿ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ﴾ .

وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة تقتضي نقضها، وانتقالَ الضمان بالقبض، والفواتَ بانتقال الملك، والرجوع بها إلى رؤوس الأموال أو إلى القيم إن فاتت، لأنّ القيمة بدل من رأس المال.

ورؤوس الأموال أصولها، فهو من إطلاق الرأس على الأصل، وفي الحديث " رأس الأمر الإسلام ".

ومعنى ﴿ لا تظلِمون ولا تظلَمون ﴾ لا تأخذون مال الغير ولا يأخذ غيركم أموالكم.

وقرأ الجمهور ﴿ فاذَنوا ﴾ بهمزة وصل وفتح الذاللِ أمراً من أذِنَ، وقرأه حمزة وأبو بكر وخلف ﴿ فآذِنوا ﴾ بهمزة قطع بعدها ألف وبذال مكسورة أمرا من آذن بكذا إذا أعلم به أي فآذنوا أنفسكم ومن حولكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ بِقُلُوبِكم.

والثّانِي: يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِقُلُوبِهِمُ اتَّقُوا اللَّهَ في أفْعالِكم.

﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ عامِرٍ وبَنِي مَخْزُومٍ، فَتَحاكَمُوا فِيهِ إلى عَتّابِ بْنِ أُسَيْدٍ بِمَكَّةَ وكانَ قاضِيًا عَلَيْها مِن قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ  فَقالُوا: دَخَلْنا في الإسْلامِ عَلى أنَّ ما كانَ لَنا مِنَ الرِّبا فَهو باقٍ، وما كانَ عَلَيْنا فَهو مَوْضُوعٌ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ وكَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ  إلَيْهِمْ.

والثّانِي أنَّها نَزَلَتْ في بَقِيَّةٍ مِنَ الرِّبا كانَتْ لِلْعَبّاسِ ومَسْعُودٍ وعَبْدِ يالِيلَ وحَبِيبِ بْنِ رَبِيعَةَ عِنْدَ بَنِي المُغِيرَةِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴾ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ مَن أرْبى قَبْلَ إسْلامِهِ، وقَبَضَ بَعْضَهُ في كُفْرِهِ وأسْلَمَ وقَدْ بَقِيَ بَعْضُهُ، فَما قَبَضَهُ قَبْلَ إسْلامِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدٌّ، وما بَقِيَ مِنهُ بَعْدَ إسْلامِهِ، حَرامٌ عَلَيْهِ لا يَجُوزُ لَهُ أخْذُهُ، فَأمّا المُراباةُ بَعْدَ الإسْلامِ فَيَجِبُ رَدُّهُ فِيما قَبَضَ وبَقِيَ، فَيَرُدُّ ما قَبَضَ ويَسْقُطُ ما بَقِيَ، بِخِلافِ المَقْبُوضِ في الكُفْرِ، لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ مَن كانَ مُؤْمِنًا فَهَذا حُكْمُهُ.

والثّانِي: مَعْناهُ إذا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ يَعْنِي تَرْكَ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا.

﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ (فَآذِنُوا) بِالمَدِّ، بِمَعْنى: فَأعْلِمُوا غَيْرَكم، وقَرَأ الباقُونَ بِالقَصْرِ بِمَعْنى فاعْلَمُوا أنْتُمْ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنِ الرِّبا أمَرْتُ النَّبِيَّ بِحَرْبِكم.

والثّانِي: إنْ لَمْ تَنْتَهُوا عَنْهُ فَأنْتُمْ حَرْبُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، يَعْنِي أعْداءَهُ.

﴿ وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ ﴾ يَعْنِي الَّتِي دَفَعْتُمْ ﴿ لا تَظْلِمُونَ ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا الزِّيادَةَ عَلى رُؤُوسِ أمْوالِكم، ﴿ وَلا تُظْلَمُونَ ﴾ بِأنْ تَمْنَعُوا رُؤُوسَ أمْوالِكم.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ قِيلَ: إنَّ في قِراءَةِ أُبَيٍّ ( ذا عُسْرَةٍ ) وهو جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ.

وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الإنْظارَ بِالعَسْرَةِ واجِبٌ في دَيْنِ الرِّبا خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وشُرَيْحٌ.

والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ يَجِبُ إنْظارُهُ بِالعُسْرَةِ في كُلِّ دَيْنٍ، لِظاهِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، وقِيلَ: إنَّ الإنْظارَ بِالعُسْرَةِ في دَيْنِ الرِّبا بِالنَّصِّ، وفي غَيْرِهِ مِنَ الدُّيُونِ بِالقِياسِ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَفْعَلَةٌ مِنَ اليُسْرِ، وهو أنْ يُوسِرَ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: إلى المَوْتِ، قالَهُ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ.

﴿ وَأنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى المُعْسِرِ بِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ خَيْرٌ لَكم مِن أنْ تُنْظِرُوهُ، رَوى سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كانَ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ آيَةَ الرِّبا، فَدَعُوا الرِّبا والرُّبْيَةَ، وإنَّ نَبِيَّ اللَّهِ  قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ أيِ اتَّقُوا بِالطّاعَةِ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ مِن تَرْكِ الرِّبا وما بَقِيَ مِنهُ.

وَ ﴿ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي إلى جَزاءِ اللَّهِ.

والثّانِي: إلى مُلْكِ اللَّهِ.

﴿ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: جَزاءُ ما كَسَبَتْ مِنَ الأعْمالِ.

والثّانِي: ما كَسَبَتْ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ.

﴿ وَهم لا يُظْلَمُونَ ﴾ يَعْنِي بِنُقْصانِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ، ولا بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العِقابِ.

رَوى ابْنُ عَبّاسٍ «أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ  هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثَ بَعْدَها سَبْعَ لَيالٍ.

» <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا...

﴾ الآية.

قال: نزلت هذه الآية في العباس بن عبد المطلب، ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا إلى ناس من ثقيف من بني ضمرة وهم بنو عمرو بن عمير، فجاء الإِسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله: ﴿ وذروا ما بقي ﴾ من فضل كان في الجاهلية ﴿ من الربا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله...

﴾ الآية قال: «كانت ثقيف قد صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أن مالهم من ربا على الناس وما كان للناس عليهم من ربا فهو موضوع، فلما كان الفتح استعمل عتاب بن أسيد على مكة، وكانت بنو عمرو بن عوف يأخذون الربا من بني المغيرة، وكانت بنو المغيرة يربون لهم في الجاهلية، فجاء الإِسلام ولهم عليهم مال كثير، فأتاهم بنو عمرو يطلبون رباهم، فأبى بنو المغيرة أن يعطوهم في الإِسلام، ورفعوا ذلك إلى عتاب بن أسيد، فكتب عتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا تظلمون ﴾ فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب وقال: إن رضوا وإلا فأذنهم بحرب» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ قال: كان ربا يتعاملون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم.

وأخرج آدم وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿ اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ قال: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني؟

فيؤخر عنه.

وأخرج مالك والبيهقي في سننه عن زيد بن أسلم قال: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال: اتقضي أم تربي؟

فإن قضاه أخذ وإلا زاده في حقه، وزاده الآخر في الأجل.

وأخرج أبو نعيم في المعرفة بسند واه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ قال: نزلت في نفر من ثقيف منهم مسعود وربيعة، وحبيب وعبد يا ليل، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وفي بني المغيرة من قريش.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل قال: «نزلت هذه الآية في بني عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، ومسعود بن عمرو بن عبد يا ليل بن عمرو، وربيعة بن عمرو، وحبيب بن عمير، وكلهم اخوة وهم الطالبون، والمطلوبون بنو المغيرة من بني مخزوم، وكانوا يداينون بني المغيرة في الجاهلية بالربا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم صالح ثقيفاً فطلبوا رباهم إلى بني المغيرة، وكان مالاً عظيماً فقال بنو المغيرة: والله لا نعطي الربا في الإِسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المسلمين، فعرفوا شأنهم معاذ بن جبل، ويقال عتاب بن أسيد، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن بني عمرو وعمير يطلبون رباهم عند بني المغيرة، فأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ﴾ فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل: أن اعرض عليهم هذه الآية، فإن فعلوا فلهم رؤوس أموالهم، وإن أبوا فأذنهم بحرب من الله ورسوله» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأذنوا بحرب ﴾ قال: من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على امام المسلمين أن يستتيبه، فإن نزع وإلا ضرب عنقه.

وفي قوله: ﴿ لا تظلمون ﴾ فتربون ﴿ ولا تظلمون ﴾ فتنقصون.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأذنوا بحرب ﴾ قال: استيقنوا بحرب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فأذنوا بحرب ﴾ قال: أوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتل.

وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عيله وسلم.

فقال: «ألا إن كل ربا في الجاهلية موضوع، لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس» .

وأخرج ابن منده عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في ربيعة بن عمرو وأصحابه ﴿ فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ﴾ الآية.

وأخرج مسلم والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه، وقال: هم سواء» .

وأخرج عبد الرزاق والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة: آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه، والواشمة، والمستوشمة، ومانع الصدقة، والحال، والمحلل له» .

وأخرج البيهقي عن أم الدرداء قالت: قال موسى بن عمران عليه السلام: يا رب من يسكن غداً في حظيرة القدس ويستظل بظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك؟

قال: يا موسى أولئك الذين لا تنظر أعينهم في الزنا، ولا يبتغون في أموالهم الربا، ولا يأخذون على أحكامهم الرشا، طوبى لهم وحسن مآب.

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والبيهقي عن ابن مسعود قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وشاهديه، وكاتبه» .

وأخرج البخاري وأبو داود عن أبي جحيفة قال: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة، والمستوشمة، وآكل الربا، وموكله، ونهى عن ثمن الكلب، وكسب البغي، ولعن المصوّرين» .

وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان عن ابن مسعود قال: «آكل الربا وموكله وشاهده وكاتباه إذا علموا، والواشمة والمستوشمة للحسن، ولاوي الصدقة، والمرتد أعرابياً بعد الهجرة، ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة» .

وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعيمها.

مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه» .

وأخرج الطبراني عن عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإِسلام» .

وأخرج أحمد والطبراني عن عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الربا اثنان وسبعون باباً، أدناها مثل أن يأتي الرجل أمه، وأن أربى الربا استطالة الرجل في عرض الرجل» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشترى الثمرة حتى تطعم، وقال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» .

وأخرج أبو يعلى عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله» .

وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب» .

وأخرج الطبراني عن القاسم بن عبد الواحد الوراق قال: رأيت عبد الله بن أبي أوفى في السوق فقال: يا معشر الصيارفة أبشروا قالوا: بشرك الله بالجنة بم تبشرنا؟

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصيارفة: «ابشروا بالنار» .

وأخرج أبو داود وابن ماجة والبيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا، فمن لم يأكله أصابه من غباره» .

وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: صرفت من طلحة بن عبيد الله ورقاً بذهب فقال: انظرني حتى يأتينا خازننا من الغابة، فسمعها عمر بن الخطاب فقال: لا والله لا تفارقه حتى تستوفي منه صرفك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، البر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء» .

وأخرج عبد بن حميد ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب مثل بمثل يد بيد، والفضة بالفضة مثل بمثل يد بيد، والتمر بالتمر مثل بمثل يد بيد، والبر بالبر مثل بمثل يد بيد، والشعير بالشعير مثل بمثل يد بيد، والملح بالملح مثل بمثل يد بيد، من زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى سواء» .

وأخرج مالك والشافعي والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائباً بناجز» .

وأخرج الشافعي ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، يداً بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر، يداً بيد كيف شئتم، من زاد أو ازداد فقد أربى» .

وأخرج مالك ومسلم والبيهقي عن عثمان بن عفان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين» .

وأخرج مالك ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدينار بالدينار لا فضل بينهما، والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما» .

وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، وزن بوزن لا فضل بينهما، ولا يباع عاجل بآجل» .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي المنهال قال: سألت البراء بن عازب وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصرف فقال: «ما كان منه يداً بيد فلا بأس، وما كان منه نسيئة فلا» .

وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن سعد بن وقاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: «أينقص الرطب إذا يبس؟

قالوا: نعم، فنهى عن ذلك» .

وأخرج البزار عن أبي بكر الصديق «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة مثلاً بمثل، الزائد والمستزيد في النار» .

وأخرج البزار عن أبي بكرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصرف قبل موته بشهرين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ﴾ قد ذكرنا معنى ﴿ ذَروا ﴾ وما فيه عند قوله: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا  ﴾ ومعنى الآية: تحريم ما بقي دينًا من الربا، وإيجاب أخذ رأس المال دون الزيادة على جهة الربا.

والسبب في نزولها: العباس (١)  ما، طلبا ربًا لهما كانا قد أسلف قبل نزول التحريم، فلما نزلت الآية سمعا وأطاعا، وأخذا رؤوس أموالهما.

هذا قول عطاء وعكرمة (٢) وقال المقاتلان (٣) (٤)  على الطائف أسلم الإخوة، ثم طالبوا برباهم بني المغيرة، فأنزل الله هذه الآية.

قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ معناه: إن من كان مؤمنًا فهذا حكمه، كما تقول: إن كنت أخي فأكرمني، معناه: أن من كان أخًا أكرم أخاه (٥) (٦) قال أبو إسحاق: أعلم الله عز وجل أن من كان مؤمنًا قبل عن الله أمره، ومن أبى فهو حرْبٌ، أي: كافر (٧) ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ﴾ أي: فإن لم تذروا ما بقي من الربا، قال النحويون: المفعول محذوف من الكلام، تقديره: فإن لم تفعلوا ترك ما بقي من الربا (٨) (١) سبقت ترجمته.

(٢) ذكره عنهما الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1729، والواحدي في "أسباب النزول" ص 93، والحافظ في "العجاب" 1/ 641، وروى الطبري في "تفسيره" 3/ 106 عن عكرمة قريبًا مما ذكره المقاتلان.

(٣) هما: المقاتلان: مقاتل بن سليمان المفسر المشهور، ومقاتل بن حيان، وهو: أبو بسطام النبطي الخزاز، صدوق مفسر مشهور فاضل، توفي قبيل سنة 150 هـ ينظر: "طبقات المفسرين" للداودي 2/ 329، "التقريب" ص 544 (6867).

(٤) قول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 227، وقول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم 2/ 548، وقد روى أبو يعلى في "مسنده" 5/ 74، ومن طريقه الواحدي في "أسباب النزول" ص 93 عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه، وقد روى الطبري في "تفسيره" 3/ 106 - 107 عن ابن نجيح نحوه، وذكر هذا السبب الفراء في "معاني القرآن" 1/ 182، والزجاج 1/ 359، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1733.

(٥) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 337.

(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1735، "البحر المحيط" 2/ 337، وعزاه لمقاتل بن سليمان، ثم ذكر أن بعض النحويين يقول به، وهو ضعيف مردود، ولا يثبت في اللغة.

(٧) "معاني القرآن" 1/ 359.

(٨) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 338.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرباوا ﴾ سبب الآية أنه كان بين قريش وثقيف ربا في الجاهلية، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال في خطبته: «كل ربا كان في الجاهلية موضوع» ، ثم إنّ ثقيف أرسلت تطلب الربا الذي كان لهم على قريش، فأبوا من دفعه وقالوا: قد وضع الربا.

فتحاكموا إلى عتّاب بن أسيد أمير مكة، فكتب بذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ شرط لمن خوطب به من قريش وغيرهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الربا ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: ﴿ وما آتيتم من ربا  ﴾ ويميلون في الوقف لزوال التنوين ﴿ فأذنوا ﴾ ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين.

الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿ لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل.

الباقون بالعكس ﴿ ميسره ﴾ بضم السين: نافع ﴿ ميسرة ﴾ بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء.

﴿ وأن تصدقوا ﴾ خفيفاً بحذف إحدى التاءين: عاصم.

الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: أبو عمرو ويعقوب عباس مخير.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ من المس ﴾ ط،/ ﴿ مثل الربا ﴾ م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل ﴿ وأحل ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ وحرم الربا ﴾ ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ﴿ ما سلف ﴾ ط لتناهي الجزاء، ﴿ إلى الله ﴾ ج، ﴿ النار ﴾ ج، ﴿ خالدون ﴾ ه، ﴿ الصدقات ﴾ ط، ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ج، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ مؤمنين ﴾ ه، ﴿ ورسوله ﴾ ج، ﴿ أموالكم ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عاملة معنىالفعل في لام التمليك، ﴿ ولا تظلمون ﴾ ه، ﴿ ميسرة ﴾ ط، ﴿ تعلمون ﴾ ه، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا.وذلك أنَّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها.

وأيضاً لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد " لعن رسول الله  آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له" " وأيضاً نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه.

والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء.

وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو.

وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة.

وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع.

ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل.

أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل.

وأما ربا الفضل فأن يباع مَنٌّ من الحنطة بمنوين مثلاً.

والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة.

ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟

فروى له الحديث المشهور في هذا الباب.

وله روايات منها.

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا.

فيروى أنه رجع عنه.

قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟

فقال: إنما كنت/ استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله  حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه.

حجة ابن عباس أن قوله  : ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً.

وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة.

وقد تأكد هذا الرأي بما روى أسامة ين زيد أن النبي  قال: " الربا في النسيئة " وفي رواية " لا ربا فيما كان يداً بيد " وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم "فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله  فسألنا رسول الله  عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح" وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين.

أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة.

ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه.

أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله  يقول " الطعام بالطعام مثل بمثل " علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.

والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما روي أنه  قال: " "الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل " فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز.

وقال مالك: العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا.

وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة.

وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد.

وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة.

والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة.

وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص.

فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه.

وأما السبب في تحريم الربا/ فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه " وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر.

وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم.

وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالاً زائداً من الفقير.

وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا.

﴿ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان.

قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم.

وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله  : ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ فورد القرآن على ذلك.

وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب.

وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قوياً على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله  .

وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقوله: ﴿ من المس ﴾ يتعلق بـ ﴿ لا يقومون ﴾ أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

أو يتعلق بـ ﴿ يقوم ﴾ أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم.

وقيل: إنه مأخوذ من قوله  : ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا  ﴾ وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط، فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب بينه وبين الله/ تعالى.

﴿ ذلك ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع.

لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقداً أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات.

ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال.

فأجاب الله  عنها بحرف واحد وهو قوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ وحاصلة إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه.

ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضماً وهضماً.

أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد.

قيل: ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد.

وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل.

وأيضاً لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله  عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ لائقاً بالمقام وأيضاً المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها.

وههنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة.

ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع.

ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب.

نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضاً روي أن عمر قال: " خرج رسول الله  من الدنيا وما سألناه عن الربا" .

ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لم يقل/ ذلك.

وأيضاً قوله ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ يقتضي أن يكون كل رباً حراماً.

لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلي بيان النبي  .

﴿ فمن جاءه موعظة ﴾ فمن بلغه وعظ ﴿ من ربه فانتهى ﴾ امتنع من استحلال الربا وتبع النهي ﴿ فله ما سلف ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ﴾ عن الزجاج: والتنوين في ﴿ موعظة ﴾ للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ.

وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنباً؟

فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف.

عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها، ﴿ وأمره إلى الله ﴾ لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ومن عاد ﴾ إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعاً.

وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا.

ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ والمحق نقص الشيء حالاً بعد حال ومنه "محاق القمر" وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة.

وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "الربا وإن كثر إلى قل " وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظناً منهم من أن المال في الحقيقة ليس له.

وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله  لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلة.

ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه.

وقد ثبت في الحديث " أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام " هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟

قال القفال: نظير قوله ﴿ يمحق الله الربا ﴾ المثل الذي ضربه فيما تقدم ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ ونظير قوله: ﴿ ويربي الصدقات ﴾ المثل الآخر ﴿ كمثل جنة بربوة  ﴾ .

﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  ﴾ عن أبي هريرة/ عن رسول الله  : " إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد " وأيضاً المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصاناً في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال.

فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة كـ "تمار وقوال" والأثيم "فعيل" بمعنى "فاعل" وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً.

ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائداً إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم.

ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظاًَ في أمر الربا وإيذاناً بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين.

وفي الآية دلالة على أنه  سبقت رحمته غضبه.

بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا.

فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما.

نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله  وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه ههنا والله أعلم.

ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر.

وأجيب بأنه قال في الآية: ﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة.

ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ لم يقل "على ربهم" لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جارٍ مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلف وعادة، فبيّن  أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب والكرامة.

وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذٍ ولا هم يحزنون بسبب أنهم فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة، وأيضاً إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة.

وههنا سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت.

وعند انقطاع حيضها ماتت.

أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات.

فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟

والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحاً فله الأجر فلا يلزم العكس الكلي ثم إنه  لما بيَّن أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من الربا في ذمتهم.

فإن قيل: كيف قال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ؟

فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني.

معناه أن من كان أخاً أكرم أخاه.

ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

قال القاضي: وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر.

وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين بمقتضى الإيمان.

وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديداً عليه فقال ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه.

وهذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار.

إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لم يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى وهذا مذهب الشافعي.

وأما سبب نزول الآية فعن ابن عباس: "بلغنا - والله أعلم - أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وفي بني المغيرة بني مخزوم.

كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا أوضع عن/ الناس غيرنا.

فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله  فنزلت هذه الآية والتي بعدها ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله" .

وقال عطاء وعكرمة: "نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله.

فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟

ففعلا.

فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله  فنهاهما ونزلت الآية" فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.

وقال السدي: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله  هذه الآية فقال النبي  : ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا ﴾ قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا.

ومعنى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فأذنوا ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، وعلى هذا يكون مالهم فيئاً للمسلمين.

وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فآذنوا ﴾ عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف.

وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم.

فهذه القراءة في الإبلاغ آكد ممن قرأ ﴿ فأذنوا ﴾ من أذن بالشيء إذا أعلم به أي كونوا على إذن وعلم.

فإن قيل: كيف أمربالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " وعن جابر عن النبي  : " "من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ أصلاً في قطاع الطريق من المسلمين./ فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة رسوله.

ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصاً قدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعي الزكاة.

وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ﴿ وإن تبتم ﴾ من استحلال الربا أو عن معاملة ﴿ فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ﴾ الغريم يطلب زيادة على رأس المال ﴿ ولا تظلمون ﴾ أنتم بنقصان رأس المال.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ إن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار على أن "كان" هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا بمعنى وجد موصوفاً بشيء فإنها حينئذٍ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر.

وقرأ عثمان ﴿ ذا عسرة ﴾ بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة.

والقراءة المشهورة أولى كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال.

والنظرة التأخير والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة.

وقرىء ﴿ فنظرة ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء ﴿ فناظره ﴾ على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب.

والميسرة اليسار ضد الإعسار.

وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة.

ومن قرأ بالإضافة إلى الضمير فقد حذف التاء كقوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل؟

فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا.

قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم.

فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ وعن مجاهد وسائر المفسرين أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد "كان" تامة.

ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي.

والإعسار في الشرع هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعة لأمكن أداء الدين من ثمنه.

فمن وجد داراً أو ثوباً لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم.

وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين أو غيره؟

الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه القبول.

فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يمكن إلا ذلك.

وإذا علم الإنسان أن/ غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار.

وإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن الأصل هو الفقر، ﴿ وأن تصدقوا ﴾ على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر المعسر وذكر رأس المال ﴿ خير لكم ﴾ لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله  : " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن قوله ﴿ خير لكم ﴾ إنما يليق بالمندوب لا بالواجب.

ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله ﴿ واتقوا يوماً ﴾ والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال.

واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف.

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به.

والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم ﴿ ترجعون فيه إلى الله ﴾ أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر.

الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله  فكأنه عاد إلى الحالة الأولى.

وهذا معنى الرجوع إلى الله ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما يحصله بتجارته.

والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله  كقوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله  مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل.

هذا على أصول المعتزلة.

وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه  ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً.

"عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله  نزل بها جبريل وقال:/ ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة" ، وعاش  بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى.

فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله  : " إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله: " "وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك.

والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله "إلا آكلة الخضر" وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع.

ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟

فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية.

﴿ وأمره إلى الله ﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿ والله لا يحب كل كفار ﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿ أثيم ﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.

ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لفوات أنوار الشريعة.

ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللسان ﴿ اتقوا الله ﴾ أي بالله كما جاء.

"كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله  ".

أي جعلناه قدامنا.

ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال: " "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ ذروا ما بقي من الربا ﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إيماناً حقيقياً.

﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ ببعد منهما وبغض.

﴿ وإن تبتم ﴾ تركتم غيره ﴿ فلكم رؤوس أموالكم ﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿ لا تظلمون ﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ ولا تظلمون ﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿ وأن تصدقوا ﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ قدرها ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه  كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ الآية.

وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس.

والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته.

فقوله ﴿ واتقوا ﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿ جاهدوا فينا  ﴾ عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة.

ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿ لنهدينهم سبلنا  ﴾ من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى ﴿ عندها جنة المأوى  ﴾ فينتفعون بمواهب ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى  ﴾ ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس.

وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله.

لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها/ اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء.

ثم وصف الرجال بقوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله  ﴾ فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، ليس على حقيقة الأكل، ولكنه كان على الأخذ كقوله  : ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

فإذا كان هذا على الأخذ فقوله  : ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ﴾ هو على التمثيل، ليس على التحقيق.

وقال آخرون: هو على نفس الأكل، وما ذكر من العقوبة، لما أكلوا من الربا لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون المنخنق.

وقال غيرهم: ذلك لاستحلالهم الربا، وتخبيطهم الله عز وجل في الحكم في تحريمهم الربا بقولهم: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، فيه دليل جواز القياس في العقل؛ لأنه لو لم يكن في العقل جوازه لم يكن لقولهم: ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ معنى: لكنهم لم يعرفوا معنى المماثلة.

ثم المماثلة على الوجهين: مماثلة أسباب، ومماثلة أحوال.

فالمماثلة التي هي مماثلة أحوال: هي ابتداء محنة في الفعل، لا يقاس على غيره، نحو أن يقال: اقعد، أو أن يقال: قم، لا يقاس القيام على القعود، ولا القعود على القيام، إنما هو محنة لا يلزم غير المخاطب به.

وأما مماثلة الأسباب: فهي مماثلة الإيجاب، نحو أن يقال: حرم الله السكر في الخمر، فحيث ما وجد السكر يحرم؛ لأنه يجني على العقل، فكل شيء يجني عليه فهو محرم التناول منه.

وقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

يقولون: لما جاز أن يباع ثوب يساوي عشرة بأحد عشر، كيف لا جاز أن يباع عشرة بأحد عشر؟

وقيل: كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه، فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وأزيدك على ما لك.

فيفضلان على ذلك ويعملان به.

فإذا قيل لهما: هذا ربا، قالا: هما سواء: الزيادة في البيع، أو الزيادة عند محل البيع.

فأكذبهم الله  في ذلك وقال: ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، أي: ليس هكذا: البيع كالربا.

ويحتمل: فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيع لا ما هو ربا.

ثم قوله  : ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ : فلقائل أن يقول: إنما يحرم منه قدر الربا، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس فيه ربا.

لكن الأصل عندنا فيه: أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطاً منه وجزءاً من أجزاء كل درهم منه، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم من الذي فيه العقد، وهو ربا.

وفيه وجه آخر: وهو أنه ختم الكلام على قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى.

ثم معرفة الربا من غير الربا ما ليس بإرادة بدل.

ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهراً عندهم حتى حكوا، وكان حرمته فيما بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة.

وعلى ذلك خرج الخطاب منه - عز وجل - بقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً  ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ : قيل: ﴿ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ ، بيان تحريم الربا.

وقيل: ﴿ فَمَن جَآءَهُ ﴾ نهى في القرآن ﴿ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ في تحريم الربا، ﴿ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ عن الربا.

ويحتمل: الموعظة، هي التذكير لما سبق منه، فيتذكر فيرجع عن صنيعه.

وقوله  : ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ مَا سَلَفَ ﴾ له في الجاهلية صار مغفوراً له، وهو كقوله  : ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل قوله  : ﴿ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن صنيعه، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبداً، ويندم على كل سيئة ارتكبها، فيجعل الله كل سيئة كانت منه حسنة، وهو كقوله  : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، في حادث الوقت أن يعصمه.

وقوله  : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود.

لكن بدء الآية على الاستحلال، فعلى ذلك العود إليه على جهة الاستحلال، يدل عليه قوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ فأثبت له الكفر بالذي كان منه في الابتداء، وهو الاستحلال؛ فكذلك العود إليه.

وقوله  : ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ : قيل: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ﴾ : يهلك.

وقيل: ﴿ يَمْحَقُ ﴾ : يبطل.

ولكن أصل "المحق" هو رفع البركة؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال والشح عليها، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقاً عليهم، وكذلك يمتنعون من التصدق على الناس.

فأخبر الله  : أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ألا ينتفع أولادهم بها، وهو الأمر الظاهر في الناس.

وأخبر أن الصدقات التي لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربي ويخلف أودلاهم إذا تصدقوا، ويمحق الربا ويرفع البركة عنها؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها.

وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه، وإن كذبا وكتما محقت عنهما البركة" وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الآية ظاهرة.

وقوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ ﴾ من عمركم ﴿ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ إذا صرتم مؤمنين.

وقيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، الذى تقبضون ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض أفسدته.

لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إن فوت القبض عن المبيع يوجب فساد العقد، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا.

والذي يدل عليه قوله  : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فأوجب الفسخ فيه حتى أوجب رد رأس المال.

وفي الآية دليل وجه آخر: وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض، يرتفع به العقد في فساد العقد؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شيء في عقد معقود قبل القبض كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن.

وقوله  : ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فيه دلالة: أن ماجرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات والمقارضات ثم أسلموا يرد، وما أخذوا قهراً لا يردون؛ وذلك أن الربا الذي قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده.

فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد، لم يجب رده.

وأما رأس المال فإنما أخذوا للرد؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دَيْناً أو قرضاً وجب رده.

ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله  - على ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قال: فمن كان مقيماً على الربا مستحلاًّ له لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه: فإن تاب ونزع عنه، وإلا ضرب عنقه.

وقوله  : ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ ، فيه لغتان: بالقطع، والوصل.

فمن قرأ بالقطع، فهو على الأمر وبالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له بالاستحلال.

ومن قرأ بالوصل، فهو على العلم، كأنه قال للمؤمنين: إنه حرب لنا.

وقوله  : ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ فتربون، ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : فتنقصون.

وقتادة - رضي الله  عنه - يقول: بطل الربا وبقيت رءوس الأموال.

وقوله  : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ قال: هوالمطلوب، وهو في الربا.

وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة إلى ميسرة من عليه المال.

فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي، او كان له حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى.

ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر، فله خصومته، وإذا كان شرط سقطت الخصومة، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل، ثم النظرة بالاختيار ممن له الحق، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبى.

دليله قوله  : "لصاحب الحق اليد واللسان" .

أما اللسان فيتقاضاه، وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه.

ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد إلى أن يمضي ذلك الوقت، [فإذا مضى ذلك الوقت] ثبت له حق اللسان واليد.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، يعني برءوس الأموال إذا ظهر إعساره.

وعن الضحاك - رضي الله  عنه - أنه قال في قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، قال: أخذ رأس المال حسن، وتركه أحسن.

وإنما الصدقة على المعسر، فأما على الموسر فلا.

وفيه دليل جواز صدقة الدين وهبته ممن عليه دين، وهو الأخْيَرُ له إذا ظهر إعساره وفقره.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول الله  .

وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه.

فإن كان ما ذكروا فهو - والله أعلم - أنه عز وجل رغبهم في ذكر ذلك اليوم؛ لما في ترك ذكره بطول الأمل، وطول الأمل يورث الحرص، والحرص يورث البخل ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات.

فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به هذا؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويصير كأنه قال: اتقوا وعيده  في جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، خافوا الله بأن تمتثلوا أوامره وتجتنبوا نواهيه، واتركوا المطالبة بما بقي لكم من أموال ربوية عند الناس، إن كنتم مؤمنين حقا بالله وبما نهاكم عنه من الربا.

<div class="verse-tafsir" id="91.DYbpm"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء، إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيًا منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.

ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم.

وهذه أوهام لم تُقَل عن اختبار، فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.

فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟

ألم تسبقنا جميع الأمم إلى اتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟

الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريًا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم، فمن يدعي أن الدين عاتق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرًا منها، وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم، فهي لا تدري من أني أُخِذَت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.

إن أثر الربا فينا لا يمكنا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا  ﴾ إلخ مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس، وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا، ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلًا فيعطيه المئة نقدًا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه!

على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًا ولكن الذين يُؤكلونه غيرهم كثيرون جدًا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات، ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها.

ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.

هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.

والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا.

وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.

والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.

فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.

وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشتهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل، لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًا لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنه يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًا.

وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فيما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.

وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.

ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها.

لذلك حرم الله الربا، وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.

وأما واضعوا القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام، من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل.

وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها ليموت جوعًا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه، فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفَعَلَة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.

وقد ألف"تولستوي"الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمُور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال في آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.

وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.

كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه.

رأيت هذا من كثيرين في بلادهم متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المماحكة.

ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضًا طلبه إلا لسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك؟!

قال: نعم.

قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟

قال: لا أعرف سبب ذلك، إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال، فإن هذا مكابرة للمشاهدة والاختبار، وإنما المراد به ما يلاقي المرابي من عداوة الناس، وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها.

أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض الموزعين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد أثر ذلك في الأمم التي نشأ فيها الربا، إذ قام الفقراء يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم، حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم.

وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن كان إيمانكم تامًا شاملًا لجميع ما جاء به محمد  من الأحكام فذروا بقايا الربا، وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال: إن كنت متصفًا بهذا الشيء فافعل كذا: ويذكر أمرًا من شأنه أن يكون أثرًا لذلك الوصف.

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ حرب الله لهم غضبه وانتقامه.

ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون، ومن باتوا والمسألة الاجتماعية تهددهم بالويل والثبور.

وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه.

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ﴾ : أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن الله طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع إليه، ولكن الإنسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالًا تامًا بنفسه، وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم، ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال.

فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلًا شاغلًا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكير في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم، فكان أنفع دواء لمرض انصرف النفس عن التفكير في سلطان الله وقدرته، والتقرب إليه بما فيه تمام حكمته والتذكير بيوم القيامة الذي تبطل فيه هذه الشواغل، وتتلاشى هذه الصوارف حتى لا يشغل الإنسان فيه شيء ما عن الله تعالى وما أعده من الجزاء للعباد على قدر أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل