الآية ٢٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨ من سورة البقرة

كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًۭا فَأَحْيَـٰكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 133 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته ، وأنه الخالق المتصرف في عباده : ( كيف تكفرون بالله ) أي : كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره !

( وكنتم أمواتا فأحياكم ) أي : قد كنتم عدما فأخرجكم إلى الوجود ، كما قال تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون ) [ الطور : 35 ، 36 ] ، وقال ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) [ الإنسان : 1 ] والآيات في هذا كثيرة .

وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) [ غافر : 11 ] قال : هي التي في البقرة : ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) وقال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : ( كنتم أمواتا فأحياكم ) أمواتا في أصلاب آبائكم ، لم تكونوا شيئا حتى خلقكم ، ثم يميتكم موتة الحق ، ثم يحييكم حين يبعثكم .

قال : وهي مثل قوله : ( [ ربنا ] أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) قال : كنتم ترابا قبل أن يخلقكم ، فهذه ميتة ، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة ، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ، ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى .

فهذه ميتتان وحياتان ، فهو كقوله : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) وهكذا روي عن السدي بسنده ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة - وعن أبي العالية والحسن البصري ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك .

وقال الثوري ، عن السدي عن أبي صالح : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) قال : يحييكم في القبر ، ثم يميتكم .

وقال ابن جرير عن يونس ، عن ابن وهب ، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ؛ خلقهم في ظهر آدم ثم أخذ عليهم الميثاق ، ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام ، ثم أماتهم ، ثم أحياهم يوم القيامة .

وذلك كقول الله تعالى : ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) وهذا غريب والذي قبله .

والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس ، وأولئك الجماعة من التابعين ، وهو كقوله تعالى : ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) [ الجاثية : 26 ] .

[ وعبر عن الحال قبل الوجود بالموت بجامع ما يشتركان فيه من عدم الإحساس ، كما قال في الأصنام : ( أموات غير أحياء ) [ النحل : 21 ] ، وقال ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) [ يس : 33 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قول الله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم بما: 576- حدثني به موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " كيفَ تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم "، يقول: لم تكونوا شيئًا فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يومَ القيامة.

577- حدثنا محمد بن بشار, قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي, قال: حدثنا سفيان, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص, عن عبد الله في قوله: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [سورة غافر: 11]، قال: هي كالتي في البقرة: " كنتمْ أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ".

578- حدثني أبو حصين عبد الله بن أحمد بن عبد الله بن يونس, قال: حدثنا عَبْثَر, قال: حدثنا حُصين، عن أبي مالك، في قوله: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، قال: خلقتنا ولم نكن شيئًا, ثم أمَتَّنَا, ثم أَحْيَيْتَنَا.

579- حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا هُشيم, عن حُصين, عن أبي مالك، في قوله: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، قال: كانوا أمواتًا فأحياهم الله, ثم أماتهم, ثم أحياهم (83) .

580- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين بن داود, قال: حدثني حجاج, عن ابن جُريج, عن مجاهد في قوله: " كيف تكفُرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم "، قال: لم تكونوا شيئًا حين خلقكم, ثم يميتكم الموْتةَ الحقّ, ثم يحييكم.

وقوله: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، مثلها.

581- حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: حدثني عطاء الخراساني, عن ابن عباس، قال: هو قوله: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ .

582- حُدثت عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, قال: حدثني أبو العالية، في قول الله: " كيفَ تكفرون بالله وكنتم أمواتًا "، يقول: حين لم يكونوا شيئًا, ثم أحياهم حين خلقهم, ثم أماتهم, ثم أحياهم يوم القيامة, ثم رَجعوا إليه بعد الحياة.

583- حُدثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس، في قوله: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، قال: كنتم تُرابًا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة, ثم أحياكم فخلقكم، فهذه إحياءة.

ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى.

ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه إحياءة.

فهما ميتتان وحياتان, فهو قوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون ".

وقال آخرون بما: 584- حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا وكيع, عن سفيان, عن السُّدّيّ, عن أبي صالح: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم، ثم يميتكم ثم يحييكم، ثم إليه ترجعون "، قال: يحييكم في القبر, ثم يميتكم.

وقال آخرون بما: 585- حدثنا به بشر بن معاذ قال: حدثنا يزيد بن زُريع, عن سعيد, &; 1-420 &; عن قتادة، قوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " الآية.

قال: كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم (84) ، فأحياهم الله وخلقهم, ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها, ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان (85) .

وقال بعضهم بما: 586- حدثني به يونس, قال: أنبأنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد، في قول الله تعالى: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ .

قال: خلقهم من ظهر آدم حين أخذ عليهم الميثاق، وقرأ: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ، حتى بلغ: أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ [سورة الأعراف: 172-173].

قال: فكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق.

قال: وانتزع ضلعًا من أضلاع آدم القُصَيرى (86) فخلق منه حواء - ذكرَه عن النبي صلى الله عليه وسلم .

قال: وذلك قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا [سورة النساء: 1]، قال: وبثّ منهما بعد ذلك في الأرحام خلقًا كثيرًا (87) ، وقرأ: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [سورة الزمر: 6]، قال: خلقا بعد ذلك.

قال: فلما أخذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام, ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة, فذلك قول الله: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا ، &; 1-421 &; وقرأ قول الله: وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا [سورة الأحزاب: 7].

قال: يومئذ.

قال: وقرأ قول الله: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا (88) [سورة المائدة: 7].

قال أبو جعفر: ولكل قول من هذه الأقوال التي حكيناها عمن روَيناها عنه، وجه ومذهبٌ من التأويل.

* * * فأما وجه تأويل من تأول قوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم "، أي لم تكونوا شيئًا, فإنه ذهب إلى نحو قول العرب للشيء الدارس والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميِّتٌ, وهذا أمر ميِّت - يراد بوصفه بالموت: خُمول ذكره، ودُرُوس أثره من الناس.

وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حيّ, وذكر حيٌّ - يراد بوصفه بذلك أنه نابه مُتعالم في الناس، كما قال أبو نُخَيْلة السعديّ: فَـأَحْيَيْتَ لِـي ذكْري, وَمَا كُنْتُ خَامِلا وَلَكِـنَّ بَعْـضَ الذِّكْـرِ أَنْبَهُ مِنْ بَعْضٍ (89) يريد بقوله: " فأحييتَ لي ذكري"، أي: رفعته وشهرته في الناس حتى نبه فصار مذكورًا حيًّا، بعد أن كان خاملا ميتًا.

فكذلك تأويل قول من قال في قوله: " وكنتم أمواتًا " لم تكونوا شيئًا، أي كنتم خُمولا لا ذكر لكم, وذلك كان موتكم فأحياكم، فجعلكم بَشرًا أحياء تُذكرون وتُعرفون, ثم يميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم، كالذي كنتم قبل أن يحييكم، من دروس ذكركم, وتعفِّي آثاركم, وخمول أموركم، ثم يحييكم بإعادة أجسامكم إلى هيئاتها، ونفخ الروح فيها، &; 1-422 &; وتصييركم بشرًا كالذي كنتم قبل الإماتة، تتعارفون في بعثكم وعند حشركم (90) .

* * * وأما وجه تأويل من تأوّل ذلك: أنه الإماتة التي هي خروج الرّوح من الجسد, فإنه ينبغي أن يكون ذهب بقوله " وكنتم أمواتًا "، إلى أنه خطاب لأهل القبور بعد إحيائهم في قبورهم.

وذلك معنى بعيد, لأن التوبيخ هنالك إنما هو توبيخ على ما سلف وفرط من إجرامهم، لا استعتابٌ واسترجاعٌ (91) .

وقوله جل ذكره: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا "، توبيخ مُستعتِبٍ عبادَه, وتأنيبُ مسترجعٍ خلقَه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الإنابة, ولا إنابة في القبور بعد الممات، ولا توبة فيها بعد الوفاة.

* * * وأما وجه تأويل قول قتادة ذلك: أنهم كانوا أمواتًا في أصلاب آبائهم.

فإنه عنى بذلك أنهم كانوا نطفًا لا أرواح فيها, فكانت بمعنى سائر الأشياء الموات التي لا أرواح فيها.

وإحياؤه إياها تعالى ذكره، نفخُه الأرواح فيها، وإماتتُه إياهم بعد ذلك، قبضُه أرواحهم.

وإحياؤه إياهم بعد ذلك، نفخُ الأرواح في أجسامهم يوم يُنفخ في الصّور، ويبْعثُ الخلق للموعود.

* * * وأما ابن زيد، فقد أبان عن نفسه ما قصَد بتأويله ذلك, وأنّ الإماتة الأولى عند إعادة الله جل ثناؤه عبادَه في أصلاب آبائهم، بعد ما أخذَهم من صُلب آدم, وأن الإحياء الآخر هو نفخ الأرواح فيهم في بطون أمهاتهم, وأن الإماتة الثانية هي قبضُ أرواحهم للعود إلى التراب (92) ، والمصير في البرزخ إلى اليوم &; 1-423 &; البعث, وأن الإحياء الثالثَ هو نفخُ الأرواح فيهم لبعث الساعة ونشر القيامة.

وهذا تأويل إذا تدبره المتدبر وجده خلافًا لظاهر قول الله الذي زعم مفسِّره أن الذي وصفنا من قوله تفسيره.

وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر في كتابه -عن الذين أخبر عنهم من خلقه- أنهم قالوا: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ ، وزعم ابن زيد في تفسيره أنّ الله أحياهم ثلاث إحياءات, وأماتهم ثلاث إماتات.

والأمر عندنا - وإن كان فيما وَصَف من استخراج الله جل ذكره من صُلب آدم ذرّيته, وأخذه ميثاقه عليهم كما وصف -فليس ذلك من تأويل هاتين الآيتين- أعني قوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا " الآية, وقوله: رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ - في شيء.

لأن أحدًا لم يدع أن الله أمات من ذَرَأ يومئذ غيرَ الإماتة التي صار بها في البرزخ إلى يوم البعث, فيكون جائزًا أن يوجّه تأويل الآية إلى ما وجهه إليه ابن زيد.

* * * وقال بعضُهم: الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة, فهي ميّتة من لَدُنْ فراقها جسدَه إلى نفخ الروح فيها.

ثم يحييها الله بنفخ الروح فيها فيجعلها بشرًا سويًّا بعد تاراتٍ تأتي عليها.

ثم يميته الميتة الثانية بقبض الروح منه، فهو في البرزخ ميت إلى يوم ينفخ في الصُّور، فيردّ في جسده روحه (93) ، فيعود حيًّا سويًّا لبعث القيامة.

فذلك موتتان وحياتان.

وإنما دعا هؤلاء إلى هذا القول، لأنهم قالوا: موتُ ذي الرّوح مفارقة الرّوح إياه.

فزعموا أن كل شيء من ابن آدم حيّ &; 1-424 &; ما لم يفارق جسده الحي ذا الروح.

فكل ما فارق جسده الحي ذا الرّوح، فارقتْه الحياةُ فصار ميتًا.

كالعضو من أعضائه - مثل اليد من يديه, والرِّجل من رجليه - لو قطعت فأبِينتْ (94) ، والمقطوع ذلك منه حيٌّ, كان الذي بان من جسده ميتًا لا رُوح فيه بفراقه سائر جسده الذي فيه الروح.

قالوا: فكذلك نطفته حية بحياته ما لم تفارق جسده ذا الروح, فإذا فارقته مباينةً له صارت ميتةً, نظيرَ ما وصفنا من حكم اليد والرجل وسائر أعضائه.

وهذا قولٌ ووجه من التأويل، لو كان به قائلٌ من أهل القدوة الذين يُرْتضى للقرآن تأويلهم.

* * * وأولى ما ذكرنا -من الأقوال التي بيَّنَّا- بتأويل قول الله جل ذكره: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم " الآية, القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وعن ابن عباس: من أن معنى قوله: " وكنتم أمواتًا " أمواتَ الذكر، خمولا في أصلاب آبائكم نطفًا، لا تُعرفون ولا تُذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرًا سويًّا حتى ذُكِرتم وعُرِفتم وحَيِيتم, ثم يُميتكم بقبض أرواحكم وإعادتكم رُفاتًا لا تُعرفون ولا تُذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون, ثم يحييكم بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة وصَيحة القيامة, ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك, كما قال: " ثم إليه تُرجعون "، لأن الله جل ثناؤه يحييهم في قبورهم قبلَ حشرهم, ثم يحشرهم لموقف الحساب, كما قال جل ذكره: يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ [سورة المعارج: 43] وقال: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ [سورة يس: 51].

والعلة التي من أجلها اخترنا هذا التأويل, ما قد قدّمنا ذكره للقائلين به، وفساد ما خالفه بما قد أوضحناه قبل.

وهذه الآية توبيخٌ من الله جل ثناؤه للقائلين: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ ، الذين أخبر الله عنهم أنهم مع قيلهم ذلك بأفواههم، غيرُ مؤمنين به.

وأنهم إنما يقولون ذلك خداعًا لله وللمؤمنين، فعذَلهم الله بقوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا فأحياكم "، ووبَّخهم واحتجّ عليهم - في نكيرهم ما أنكروا من ذلك وجحودهم ما جحدوا بقلوبهم المريضة - فقال: كيف تكفرون بالله فتجحدون قدرته على إحيائكم بعد إماتتكم، [لبعث القيامة، ومجازاة المسيء منكم بالإساءة والمحسن &; 1-425 &; بالإحسان، وقد كنتم نطفًا أمواتًا في أصلاب آبائكم، فأنشأكم خلقًا سويًّا، وجعلكم أحياءً، ثم أماتكم بعد إنشائكم.

فقد علمتم أن مَنْ فعل ذلك بقدرته، غير مُعجزِه -بالقدرة التي فعل ذلك بكم- إحياؤكم بعد إماتتكم] (95) وإعادتكم بعد إفنائكم، وحشركم إليه لمجازاتكم بأعمالكم.

ثم عدّد ربنا تعالى ذكره عليهم وعلى أوليائهم من أحبار اليهود - الذين جمع بين قصَصهم وقصَص المنافقين في كثير من آي هذه السورة التي افتتح الخبرَ عنهم فيها بقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ - (96) نِعَمَه التي سلفت منه إليهم وإلى آبائهم، التي عَظُمتْ منهم مواقعها.

ثم سلب كثيرًا منهم كثيرًا منها، بما ركبوا من الآثام، واجترموا من الأجْرام، وخالفوا من الطاعة إلى المعصية, محذّرَهم بذلك تعجيلَ العقوبة لهم، كالتي عجلها للأسلاف والأفْراط قبلهم, ومُخوّفَهم حُلول مَثُلاتِه بساحتهم كالذي أحلّ بأوّليهم, ومُعرّفَهم ما لهم من النجاة في سرعة الأوْبة إليه, وتعجيل التوبة، من الخلاص لهم يوم القيامة من العقاب (97) .

فبدأ بعد تعديده عليهم ما عدّد من نعمه التي هم فيها مُقيمون، بذكر أبينا وأبيهم آدم أبي البشر صلوات الله عليه, وما سلف منه من كرامته إليه، وآلائه لديه, وما أحلّ به وبعدوّه إبليس من عاجل عقوبته بمعصيتهما التي كانت منهما, ومخالفتهما أمره الذي أمرهما به.

وما كان من تغمُّده آدمَ برَحمته إذْ تاب وأناب إليه.

وما كان من إحلاله بإبليس من لعنته في العاجل, وإعداده له ما أعدّ له من العذاب المقيم في الآجل، إذ استكبر وأبى التوبة إليه والإنابة, منبهًا لهم على حكمه &; 1-426 &; في المنيبين إليه بالتوبة, وقضائه في المستكبرين عن الإنابة, إعذارًا من الله بذلك إليهم، وإنذارًا لهم , ليتدبروا آياته وليتذكر منهم أولو الألباب.

وخاصًّا أهلَ الكتاب - بما ذَكر من قصص آدم وسائر القصص التي ذكرها معها وبعدها، مما علمه أهل الكتاب وجهلته الأمة الأميَّة من مشركي عبَدة الأوثان -بالاحتجاج عليهم- دون غيرهم من سائر أصناف الأمم، الذين لا علم عندهم بذلك - لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم (98) ، ليعلموا بإخباره إياهم بذلك, أنه لله رسولٌ مبعوث, وأن ما جاءهم به فمن عنده, إذْ كان ما اقتص عليهم من هذه القصص، من مكنون علومهم, ومصون ما في كتبهم, وخفيّ أمورهم التي لم يكن يدّعي معرفة علمها غيرُهم وغيرُ من أخذ عنهم وقرأ كتبهم.

* * * وكان معلومًا من محمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن قط كاتبًا، ولا لأسفارهم تاليًا, ولا لأحد منهم مصاحبًا ولا مجالسًا, فيمكنهم أن يدّعوا أنه أخذ ذلك من كتبهم أو عن بعضهم, فقال جل ذكره - في تعديده عليهم ما هم فيه مقيمون من نعمه، مع كفرهم به, وتركهم شكرَه عليها بما يجب له عليهم من طاعته-: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) [سورة البقرة: 29].

فأخبرهم جل ذكره أنه خلق لهم ما في الأرض جميعًا, لأنّ الأرضّ وجميعَ ما فيها لبني آدم منافعُ.

أما في الدين، فدليلٌ على وحدانية ربهم, وأما في الدنيا فمعاشٌ وبلاغ لهم إلى طاعته وأداء فرائضه.

فلذلك قال جل ذكره: " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ".

&; 1-427 &; وقوله: " هو " مكنيّ من اسم الله جل ذكره عائد على اسمه في قوله: " كيف تكفرون بالله ".

ومعنى خلقه ما خلق جلّ ثناؤه، إنشاؤه عينه, وإخراجه من حال العدم إلى الوجود.

و " ما " بمعنى " الذي".

فمعنى الكلام إذًا: كيف تكفرون بالله وكنتم نُطفًا في أصلاب آبائكم فجعلكم بشرًا أحياءً, ثم يميتكم, ثم هو مُحييكم بعد ذلك وباعثكم يوم الحشر للثواب والعقاب, وهو المنعمُ عليكم بما خلق لكم في الأرض من معايشكم وأدلتكم على وحدانية ربكم.

و " كيف " بمعنى التعجب والتوبيخ، لا بمعنى الاستفهام , كأنه قال: ويْحَكم كيف تكفرون بالله, كما قال: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ [سورة التكوير: 26].

وحل قوله: " وكنتم أمواتًا فأحياكم " محلّ الحال.

وفيه ضميرُ" قد " (99) ، ولكنها حذفت لما في الكلام من الدليل عليها.

وذلك أن " فعل " إذا حلت محلّ الحال كان معلومًا أنها مقتضية " قد ", كما قال ثناؤه: أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [سورة النساء: 90]، بمعنى: قد حَصِرَت صدورهم.

وكما تقول للرجل: أصبحتَ كثرت ماشيتك, تريد: قد كثرت ماشيتك.

------------- الهوامش : (83) الأثر : 579-"حصين" .

بضم الحاء المهملة : هو ابن عبد الرحمن السلمي .

و"أبو مالك" : هو الغفاري الكوفي ، واسمه"غزوان" .

سبقت ترجمته في : 168 .

(84) في المخطوطة : "في أصلبة" ، والصواب"صلبة" (بكسر الصاد وفتح اللام) أو"أصلب" (بسكون الصاد وضم اللام) .

وكلها جمع صلب (بضم فسكون) : وهو عظم الظهر من لدن الكاهل إلى عجب الذنب .

(85) الآثار : 575 - 585 : بعضها في ابن كثير 1 : 122 مجملة ، وبعضها في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 46 ، وكرهنا الإطالة بتفصيلها .

(86) القصيري ، بالتصغير : هي الضلع التي تلي الشاكلة أسفل الأضلاع ، وهي أقصرهن .

(87) في المطبوعة : "وبث فيهما بعد ذلك .

.

" ، وهو خطأ .

(88) الأثر : 586- في ابن كثير 1 : 122 ، والشوكاني 1 : 47 ، مختصرًا جدًا .

(89) الأغاني 18 : 140 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 193 ، وأبو نخيلة اسمه لا كنيته ، كما قال أبو الفرج ، ويقال اسمه : يعمر بن حزن بن زائدة ، من بني سعد بن زيد مناة ، وكان الأغلب عليه الرجز ، وله قصيد قليل ، وكان عاقًّا بأبيه ، فنفاه أبوه عن نفسه .

والبيت من أبيات ، يمدح بها مسلمة بن عبد الملك .

(90) في المطبوعة : "لتعارفوا" ، وهي قريبة في المعنى .

(91) الاستعتاب : الاستقالة من الذنب ، والرجوع إلى ما يجلب الرضا ، أي أن يستقيلوا وبهم ويستغفروه ، ويرجعوا عن إساءتهم ويطلبوا رضاه .

واستعتبه : طلب إليه الرجوع إلى ما يرضى .

والاسترجاع : طلب الرجوع .

واسترجعه : رده الله إلى الطاعة .

(92) في المخطوطة : "للعودة إلى التراب" ، وهي قريب .

(93) في المخطوطة : "فيرد في جسمه" ، وهي قريب .

(94) في المطبوعة : "وأبينت" ، وهذه أجود .

(95) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة .

(96) قوله"نعمه" مفعول قوله"ثم عدد ربنا .

.

" ، وما بينهما فصل .

(97) في المطبوعة"يحذرهم بذلك .

.

.

ويخوفهم .

.

.

أحل بأوائلهم ، ويعرفهم" ، وانظر ما سيأتي في ص : 154 بولاق .

وفي المخطوطة والمطبوعة : "من الخلاص .

.

" بغير واو ، هو لا يستقيم ، فلذلك زدناها .

وقوله : "حلول مثلاته" جمع مثلة (بفتح الميم وضم الثاء) : وهي العقوبة والعذاب والنكال .

(98) سياق هذه العبارة : "وخاصًّا أهل الكتاب .

.

بالاحتجاج عليهم .

.

لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم" .

وما بين هذه الأحرف المتعلقة بمراجعها ، فصل متتابع ، كعادة الطبري في كتابته .

(99) في المطبوعة"وفيه إضمار قد" ، ولم يرد بالضمير ما اصطلح عليه النحويون ، وإنما أراد المضمر الذي أخفى وستر .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 23 - 25 .

(100) الأثر : 587- في الدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 48 ، وفيهما زيادة على الذي في أصول الطبري ، وهي : " .

.

ما في الأرض جميعًا ، كرامةً من الله ونعمةً لابن آدم متاعًا ، وبُلْغةً ومنفعة إلى أجل" .

هذا وقد زادا معًا أثرًا آخر قالا أخرجه ابن جرير عن مجاهد ، هذا هو : "في قوله : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ، قال : سخّر لكم ما في الأرض جميعًا" .

وإسناد هذا الأثر ، هو الذي يأتي برقم : 591 ، لأنه من تمامه ، كما هو بين فيما نقله السيوطي والشوكاني .

ويوشك أن يكون في نسخ الطبري التي بين أيدينا حذف ألجأ النساخ إليه طول الكتاب ، فقد مضى آنفًا مثل هذا النقص ، ومثل هذه الزيادة

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم كيف سؤال عن الحال ، وهي اسم في موضع نصب ب " تكفرون " ، وهي مبنية على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة ; لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف ، واختير لها الفتح لخفته ، أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة .[ ص: 237 ] فإن قيل : كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله ؟

فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدقوه فيما جاء به فقد أشركوا ; لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله .

ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضا للعهد .

وقيل : كيف لفظه لفظ الاستفهام وليس به ، بل هو تقرير وتوبيخ ، أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه .

قال الواسطي : وبخهم بهذا غاية التوبيخ ; لأن الموات والجماد لا ينازع صانعه في شيء ، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية .قوله تعالى : وكنتم أمواتا هذه الواو واو الحال ، وقد مضمرة .

قال الزجاج : التقدير وقد كنتم ، ثم حذفت قد .

وقال الفراء : أمواتا خبر كنتم .فأحياكم ثم يميتكم هذا وقف التمام ، كذا قال أبو حاتم .

ثم قال : ثم يحييكم واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين ، وكم من موتة وحياة للإنسان ؟

فقال ابن عباس وابن مسعود : أي كنتم أمواتا معدومين قبل أن تخلقوا فأحياكم - أي خلقكم - ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم ، ثم يحييكم يوم القيامة .

قال ابن عطية : وهذا القول هو المراد بالآية ، وهو الذي لا محيد للكفار عنه لإقرارهم بهما ، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتا معدومين ، ثم للإحياء في الدنيا ، ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها .

قال غيره : والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا .

وقيل : لم يعتد بها كما لم يعتد بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا .

وقيل : كنتم أمواتا في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذر ، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم .

وقيل : كنتم أمواتا - أي نطفا - في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم ، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ، ثم يحييكم في القبر للمسألة ، ثم يميتكم في القبر ، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر ، وهي الحياة التي ليس بعدها موت .قلت : فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات ، وثلاث إحياءات .

وكونهم موتى في ظهر آدم ، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم - غير كونهم نطفا في أصلاب الرجال وأرحام النساء .

فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات .

وقد قيل : إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم ، فيكون على هذا خمس موتات ، وخمس إحياءات ، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار ، لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما أهل النار الذي هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال بخطاياهم - فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحما أذن في [ ص: 238 ] الشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة أفيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل .

فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية .

أخرجه مسلم .قلت : فقوله ( فأماتهم الله ) حقيقة في الموت ، لأنه أكده بالمصدر ، وذلك تكريما لهم .

وقيل : يجوز أن يكون ( أماتهم ) عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم ، ولا يكون ذلك موتا على الحقيقة ، والأول أصح .

وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازا ، وإنما هو على الحقيقة ، ومثله : وكلم الله موسى تكليما على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

وقيل : المعنى وكنتم أمواتا بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم ، ثم يميتكم فيموت ذكركم ، ثم يحييكم للبعث .قوله تعالى : ثم إليه ترجعون أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم .

وقيل : إلى الحياة وإلى المسألة ، كما قال تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده فإعادتهم كابتدائهم ، فهو رجوع .

وترجعون قراءة الجماعة .

ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ومجاهد وابن محيصن وسلام بن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله; الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم; ثم يميتكم عند استكمال آجالكم; ويجازيكم في القبور; ثم يحييكم بعد البعث والنشور; ثم إليه ترجعون; فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه; وتدبيره; وبره; وتحت أوامره الدينية; ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي; أفيليق بكم أن تكفروا به; وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة ؟

بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{كيف تكفرون بالله} بعد نصب الدلائل ووضوح البراهين ثم ذكر الدلائل فقال: {وكنتم أمواتاً} نطفاً في أصلاب آبائكم.

{فأحياكم} في الأرحام والدنيا.

{ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم.

{ثم يحييكم} للبعث.

{ثم إليه ترجعون} أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.

قرأ يعقوب (ترجعون) في كل القرآن بفتح الياء والتاء على تسمية الفاعل.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«كيف تكفرون» يا أهل مكة «بالله و» قد «كنتم أمواتاً» نطفاً في الأصلاب «فأحياكم» في الأرحام والدنيا بنفخ الروح فيكم، والاستفهام للتعجيب من كفرهم مع قيام البرهان أو للتوبيْخ «ثم يميتكم» عند انتهاء آجالكم «ثم يحييكم» بالبعث «ثم إليه ترجعون» تردون بعد البعث فيجازيكم بأعمالكم.

وقال دليلا على البعث لما أنكروه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

كيف تنكرون -أيُّها المشركون- وحدانية الله تعالى، وتشركون به غيره في العبادة مع البرهان القاطع عليها في أنفسكم؟

فلقد كنتم أمواتًا فأوجدكم ونفخ فيكم الحياة، ثم يميتكم بعد انقضاء آجالكم التي حددها لكم، ثم يعيدكم أحياء يوم البعث، ثم إليه ترجعون للحساب والجزاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( كَيْفَ ) اسم استفهام للسؤال عن الأحوال ، وليس المراد به هنا استعلام المخاطبين عن حال كفرهم ، وإنما المراد منه معنى تكثر تأديته في صورة الاستفهام وهو الإِنكار والتوبيخ ، كما تقول لشخص : كيف تؤذى أباك وقد رباك؟

لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه وتوبيخه عليها .وفي الآية الكريمة التفات من الغيبة إلى الخطاب؛ لزيادة تقريعهم والتعجب من أحوالهم الغريبة ، لأنهم معهم ما يدعو إلى الإيمان ومع ذلك فهم منصرفون إلى الكفر .وقوله : ( وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ) جار مجرى التنبيه على أن كفرهم ناشئ عن جهل وعدم تأمل في أدلة الإِيمان القائمة أمام أعينهم .والأموات : جمع ميت بمعنى المعدوم .

والإِحياء : بمعنى الخلق .والمعنى : كيف تكفرون بالله وحالكم أنكم كنتم معدومين فخلقكم ، وأخرجكم إلى الوجود كما قال - تعالى - :( هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مِّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً ) ويصح أن يفسر الأموات بمعنى فاقدي الحياة .

والإِحياء بنفخ الروح فيهم فيكون المعنى : وكنتم أمواتاً يوم استقراركم نطفاً في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها ، فنفخ فيكم الأرواح؛ وأصبحتم في طور إإحساس وحركة وتفكير وبيان .وبعد أن وبخهم على كفرهم بمن أخرجهم من الموت إلى الحياة ، أورد جملا لاستيفاء الأطوار التي ينتقل فيها الإِنسان من مبدأ الحياة إلى مقره الخالد في دار نعيم أو عذاب فقال : ( ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ) بقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم ( ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ) يبعثكم بعد الموت ( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) .أي تصيرون إليه دون سواه ، فيجمعكم في المحشر؛ ويتولى حسابكم ، والحكم في أمركم بمقتضى عدله ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .

وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) أما الإِماتة فهم يشاهدونها بأعينهم بين الحين والحين ، وأما البعث فقد أخبر الله عنه بما يدل على صحته وينفي استبعاد ، بأدلة عقلية ونقلية كثيرة ، أما الأدلة العقلية ، فمنها : أن الذي قدر على إحيائهم من العدم ، قادر على إحيائهم وإعادتهم بعد موتهم فإن الإِعادة أهون من البدء دائما ، وأما الأدلة النقلية ، فمنها قوله - تعالى - :( ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ .

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ ) وفي قوله - تعالى - ( ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ترهيب لمن ينزع إلى الشر ، ويرتكب المعاصي من غير مبالاة ، وترغيب لمن يقبل على فعل الخير ، ويقدم على الطاعات .قال الجمل : " والفاء في قوله ( فَأَحْيَاكُمْ ) على بابها من التعقيب ، وثم على بابها من التراخي ، لأن المراد بالموت الأول ، العدم السابق ، وبالحياة الأولى الخلق ، وبالموت الثاني الموت المعهود ، وبالحياة الثانية الحياة للبعث فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعيب والتراخي ، على هذا التفسير وهو أحسن الأقوال ، ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد ، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن البعث " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم  ﴾ في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة: أولها: نعمة الإحياء وهي المذكورة في هذه الآية.

واعلم أن قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان، كانت معصيته لأبيه أعظم، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء، فهذا هو المقصود الكلي، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم؟

قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه: أحدها: أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ موبخاً لهم، كما لا يجوز أن يقول كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم.

وثانيها: إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم كيف تكفرون؟.

وثالثها: أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول: ﴿ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ  ﴾ حال ما منعهم عن الإيمان ويقول: ﴿ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ  ﴾ ، ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ  ﴾ وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول: ﴿ أَنّى تُؤْفَكُونَ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب إلزام الحجة على العباد.

ورابعها: أن الله تعالى إذا قال للعبيد: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ فهل ذكر هذا الكلام توجيهاً للحجة على العبد وطلباً للجواب منه أو ليس كذلك؟

فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبثاً، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر.

فالأول: أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر.

والثاني: أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له.

والثالث: أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك.

والرابع: أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر.

والخامس: أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر.

والسادس: أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله؟.

وخامسها: أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر، وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان لذيذاً ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكاً فإن أحداً لا يعده نعمة، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضرراً من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة، والجواب: أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، فنحن أيضاً نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون، فلو وجد لانقلب علمه جهلاً وهو محال ومستلزم المحال محال، فوقوعه محال مع أنه قال: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ﴾ وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك المرجح وجب، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق.

المسألة الثانية: اتفقوا على أن قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ المراد به وكنتم تراباً ونطفاً، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بدّ وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حياً في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة، قال كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لابد منها، ثم أحياهم بعد الموت.

فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله: ﴿ خَلَقَ الموت والحياة  ﴾ والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتاً فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال: وهو كقوله تعالى: ﴿ هَلْ أتى عَلَى الإنسان حِينٌ مّنَ الدهر لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً  ﴾ فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حياً وجعله سميعاً بصيراً ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر.

وهذا أمر ميت، وهذه سلعة ميتة، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي: وأحييت لي ذكرى وما خاملا *** ولكن بعض الذكر أنبه من بعض فكذا معنى الآية: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئاً ﴿ فأحياكم ﴾ أي فجعلكم خلقاً سميعاً بصيراً.

المسألة الثالثة: احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله: ﴿ ثُمَّ إِنَّكُم بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ  ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ تُبْعَثُونَ  ﴾ ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين  ﴾ لأنه قول الكفار، ولأن كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذر في صلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ  ﴾ وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة، وأيضاً فلقائل أن يقول: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية.

لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ لأن كلمة ثم تقتضي التراخي، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً.

المسألة الرابعة: قال الحسن رحمه الله قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ﴾ يعني به العامة، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله: ﴿ أَوْ كالذى مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ  ﴾ وكقوله: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الموت فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أحياهم  ﴾ وكقوله: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ وكقوله: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كذلك يُحْىِ الله الموتى  ﴾ وكقوله: ﴿ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا  ﴾ وكقوله في قصة أيوب عليه السلام: ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم  ﴾ فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم.

المسألة الخامسة: تمسك المجسمة بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير، أي إلى حيث لا يحكم غيره.

المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أمور: الأول: أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله: ﴿ إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر  ﴾ الثاني: أنها تدل على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية.

الثالث: أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب.

الرابع: أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه.

الخامس: أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: ﴿ فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ فبين أنه لابد من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت.

بل لابد من الرجوع إليه أما أنه لابد من الموت، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطفة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وصيره بصيراً بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى: ﴿ وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ  ﴾ ينادى فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون، بل ينساه الأهل والبنون.

كما قال يحيى بن معاذ الرازي: يمر أقاربي بحذاء قبري *** كأن أقاربي لم يعرفوني وقال أيضاً: إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما رجائي إلا أن نقول: ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبون، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً، وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران.

وأما أنه لابد من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ  ﴾ وقال: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ  ﴾ ثم يعرضون على الله كما قال: ﴿ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا  ﴾ فيقومون خاشعين خاضعين كما قال: ﴿ وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن  ﴾ وقال بعضهم: إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا.

ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا.

وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سوآتنا، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا، ووسع رحمتك وغفرانك لنا، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

معنى الهمزة التي في ﴿ كَيْفَ ﴾ مثله في قولك: أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب.

ونظيره قولك: أتطير بغير جناج، وكيف تطير بغير جناح؟

فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء.

قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان.

فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في ﴿ كَيْفَ ﴾ حيث كان إنكاراً للحال التي يقع عليها كفرهم؟

قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال؛ فكان إنكار حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكاراً لذات الكفر، وثباتها على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ.

وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها.

وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفةٍ عند وجوده.

ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني.

والواو في قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ للحال، فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالاً وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام، إلا لأن يضمر قد؟

قلت: لم تدخل الواو على ﴿ كُنتُمْ أمواتا ﴾ وحده، ولكن على جملة قوله: ﴿ كُنتُمْ أمواتا ﴾ إلى ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ ، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم.

فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟

قلت: هو العلم بالقصة، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها.

فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أي حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟

قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في ﴿ كَيْفَ ﴾ الإنكار.

وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه!

فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟

قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم.

وكثير منهم علموا ثم عاندوا.

والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قَيِّل.

فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جماداً، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البتى؟

قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله: ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ [الفرقان: 49] ، ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة ﴾ [يس: 33] ، ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ [النحل: 21] .

ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس، فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟

قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر: وبالرجوع: النشور.

وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء.

فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟

قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء.

والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهراً.

وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور.

فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟

قلت: يحتمل الأمرين جميعاً، لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم.

﴿ قبلكمْ ﴾ لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم.

أما الانتفاع الدنيوي فظاهر.

وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف.

وقد استدل بقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ ﴾ على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها.

فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟

قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية: جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية.

و ﴿ جَمِيعاً ﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني.

والاستواء: الاعتدال والاستقامة.

يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً، من غير أن يلوي على شيء.

ومنه استعير قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ ، أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر.

والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق.

والضمير في ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ ضمير مبهم.

و ﴿ سَبْعَ سماوات ﴾ تفسيره، كقولهم: ربه رجلاً.

وقيل: الضمير راجع إلى السماء.

والسماء في معنى الجنس.

وقيل: جمع سماءة، والوجه العربي هو الأوّل.

ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهنّ ﴿ وَهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ فمن ثم خلقهنّ خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه (ثم) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: (ثم) هاهنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السموات على خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] .

على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، لأن المعنى أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر.

فإن قلت: أما يناقض هذا قوله: ﴿ والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ [النازعات: 30] ؟

قلت: لا؛ لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء.

وأمّا دحوها فمتأخر.

وعن الحسن: خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ [الأنبياء: 30] وهو الالتزاق.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ اسْتِخْبارٌ فِيهِ إنْكارٌ، وتَعْجِيبٌ لِكُفْرِهِمْ بِإنْكارِ الحالِ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، فَإنَّ صُدُورَهُ لا يَنْفِكُّ عَنْ حالٍ وصِفَةٍ فَإذا أنْكَرَ أنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ حالٌ يُوجَدُ عَلَيْها اسْتَلْزَمَ ذَلِكَ إنْكارُ وجُودِهِ، فَهو أبْلَغُ وأقْوى في إنْكارِ الكُفْرِ، مِن (أتَكْفُرُونَ) وأوْفَقُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الحالِ، والخِطابُ مَعَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَمّا وصَفَهم بِالكُفْرِ وسُوءِ المَقالِ وخُبْثِ الفِعالِ، خاطَبَهم عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، ووَبَّخَهم عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحالِهِمُ المُقْتَضِيَةِ خِلافَ ذَلِكَ، والمَعْنى أخْبَرُونِي عَلى أيِّ حالٍ تَكْفُرُونَ.

﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ أيْ أجْسامًا لا حَياةَ لَها، عَناصِرَ وأغْذِيَةً، وأخْلاطًا ونُطَفًا، ومُضَغًا مُخَلَّقَةً وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ.

﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ بِخَلْقِ الأرْواحِ ونَفْخِها فِيكُمْ، وإنَّما عَطَفَهُ بِالفاءِ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ بِخِلافِ البَواقِي.

﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عِنْدَما تُقْضى آجالُكم.

﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ بِالنُّشُورِ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ أوْ لِلسُّؤالِ في القُبُورِ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ بَعْدَ الحَشْرِ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكم.

أوْ تُنْشَرُونَ إلَيْهِ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ، فَما أعْجَبَ كُفْرَكم مَعَ عِلْمِكم بِحالِكم هَذِهِ.

فَإنْ قِيلَ: إنْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا فَأحْياهم ثُمَّ يُمِيتُهُمْ، لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ يُحْيِيهِمْ ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ.

قُلْتُ: تَمَكُّنُهم مِنَ العِلْمِ بِهِما لِما نَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ مُنَزَّلٌ مَنزِلَةَ عِلْمِهِمْ في إزاحَةِ العُذْرِ، سِيَّما وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِهِما وهُوَ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَرَ عَلى إحْيائِهِمْ أوَّلًا قَدَرَ عَلى أنْ يُحْيِيَهم ثانِيًا، فَإنَّ بَدْءَ الخَلْقِ لَيْسَ بِأهْوَنَ عَلَيْهِ مِن إعادَتِهِ.

أوِ الخِطابُ مَعَ القَبِيلَيْنِ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، ووَعَدَهم عَلى الإيمانِ، وأوْعَدَهم عَلى الكُفْرِ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ العامَّةَ والخاصَّةَ، واسْتَقْبَحَ صُدُورَ الكُفْرِ مِنهم واسْتَبْعَدَهُ عَنْهم مَعَ تِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ، فَإنَّ عِظَمِ النِّعَمِ يُوجِبُ عِظَمِ مَعْصِيَةِ المُنْعِمِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تُعَدُّ الإماتَةُ مِنَ النِّعَمِ المُقْتَضِيَةِ لِلشُّكْرِ؟

قُلْتُ: لَمّا كانَتْ وصْلَةً إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي الحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ ﴾ ، كانَتْ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ مَعَ أنَّ المَعْدُودَ عَلَيْهِمْ نِعْمَةٌ هو المَعْنى المُنْتَزَعُ مِنَ القِصَّةِ بِأسْرِها، كَما أنَّ الواقِعَ حالًا هو العِلْمُ بِها لا كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الجُمَلِ، فَإنَّ بَعْضَها ماضٍ وبَعْضَها مُسْتَقْبَلٌ وكِلاهُما لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ حالًا.

أوْ مَعَ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً لِتَقْرِيرِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ، وتَبْعِيدِ الكُفْرِ عَنْهم عَلى مَعْنًى، كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنكُمُ الكُفْرَ وكُنْتُمْ أمْواتًا جُهّالًا، فَأحْياكم بِما أفادَكم مِنَ العِلْمِ والإيمانِ، ثُمَّ يُمِيتُكُمُ المَوْتَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ يُحْيِيكُمُ الحَياةَ الحَقِيقِيَّةَ، ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ، فَيُثِيبُكم بِما لا عَيْنَ رَأتْ، ولا أُذُنَ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.

والحَياةُ حَقِيقَةٌ في القُوَّةِ الحَسّاسَةِ، أوْ ما يَقْتَضِيها وبِها سُمِّي الحَيَوانُ حَيَوانًا مَجازًا في القُوَّةِ النّامِيَةِ، لِأنَّها مِن طَلائِعِها ومُقَدِّماتِها، وفِيما يَخُصُّ الإنْسانَ مِنَ الفَضائِلِ، كالعَقْلِ والعِلْمِ والإيمانِ مِن حَيْثُ إنَّها كَمالُها وغايَتُها، والمَوْتُ بِإزائِها يُقالُ عَلى ما يُقابِلُها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ قالَ تَعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ .

وقالَ: ﴿ اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ﴾ وقالَ: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ ﴾ وإذا وُصِفَ بِهِ البارِي تَعالى أُرِيدَ بِها صِحَّةَ اتِّصافِهِ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ اللّازِمَةِ لِهَذِهِ القُوَّةِ فِينا، أوْ مَعْنًى قائِمٌ بِذاتِهِ يَقْتَضِي ذَلِكَ عَلى الِاسْتِعارَةِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ « تَرْجِعُونَ» بِفَتْحِ التّاءِ في جَمِيعِ القُرْآنِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله} معنى الهمزة التي في كيف مثله في قولك أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الانكار والتعجب ونظيره أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح {وكنتم أمواتا} نطفا فى أصلاب آبائكم والواو للحال وقد مضمرة والاموات جمع ميت كالأقوال جمع قول ويقال لعادم الحياة أصلاً ميت أيضاً كقوله تعالى {بلدة ميتا} {فأحياكم} في الأرحام {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} للبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تصبرون إلى الجزاء أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن ريد النشور وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ عَدَّدَ قَبائِحَهُمُ المُسْتَدْعِيَةَ لِمَزِيدِ سُخْطِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، والإنْكارُ إذا وُجِّهَ إلى المُخاطَبِ كانَ أبْلَغَ مِن تَوْجِيهِهِ إلى الغائِبِ، وأرْدَعَ لَهُ لِجَوازِ أنْ لا يَصِلَهُ (وكَيْفَ) اسْمٌ إمّا ظَرْفٌ وعُزِيَ إلى سِيبَوَيْهِ فَمَحَلُّها نَصْبٌ دائِمًا، أوْ غَيْرُ ظَرْفٍ، وعُزِيَ إلى الأخْفَشِ فَمَحَلُّها رَفْعٌ مَعَ المُبْتَدَإ، ونَصْبٌ مَعَ غَيْرِهِ، وادَّعى ابْنُ مالِكٍ أنَّ أحَدًا لَمْ يَقُلْ بِظَرْفِيَّتِها، إذْ لَيْسَتْ زَمانًا ولا مَكانًا لَكِنْ لِكَوْنِها تُفَسَّرُ بِقَوْلِكَ عَلى أيِّ حالٍ، أُطْلِقَ اسْمُ الظَّرْفِ عَلَيْها مَجازًا، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ هِشامٍ، ودُخُولُ الجَرِّ عَلَيْها شاذٌّ، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ اسْتِفْهامًا، والشَّرْطُ بِها قَلِيلٌ، والجَزْمُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ، وأجازَهُ قِياسًا الكُوفِيُّونَ، وقُطْرُبٌ، والبَدَلُ مِنها أوِ الجَوابُ إذا كانَتْ مَعَ فِعْلٍ مُسْتَغْنٍ مَنصُوبٍ، ومَعَ ما لا يُسْتَغْنى مَرْفُوعٌ إنْ كانَ مُبْتَدَأً ومَنصُوبٌ إنْ كانَ ناسِخًا، وزَعَمَ ابْنُ مَوْهَبٍ أنَّها تَأْتِي عاطِفَةً، ولَيْسَ بِشَيْءٍ وهي هُنا لِلِاسْتِخْبارِ مُنْضَمًّا إلَيْهِ الإنْكارُ والتَّعْجِيبُ لِكُفْرِهِمْ بِإنْكارِ الحالِ الَّذِي لَهُ مَزِيدُ اخْتِصاصٍ بِها، وهي العِلْمُ بِالصّانِعِ، والجَهْلُ بِهِ، ألا يَرى أنَّهُ يَنْقَسِمُ بِاعْتِبارِهِما فَيُقالُ: كافِرٌ مُعانِدٌ وكافِرٌ جاهِلٌ، فالمَعْنى: أفِي حالِ العِلْمِ تَكْفُرُونَ أمْ في حالِ الجَهْلِ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ القِصَّةِ، وهو يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِصانِعٍ مَوْصُوفٍ بِصِفاتِ الكَمالِ مُنَزَّهٍ عَنِ النُّقْصانِ، وهو صارِفٌ قَوِيٌّ عَنِ الكُفْرِ، وصُدُورُ الفِعْلِ عَنِ القادِرِ مَعَ الصّارِفِ القَوِيِّ مَظِنَّةُ تَعْجِيبٍ وتَوْبِيخٍ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ كُفْرَهم عَنْ عِنادٍ، وهو أبْلَغُ في الذَّمِّ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ أيْضًا ما لَيْسَ في (أتَكْفُرُونَ) لِأنَّ الإنْكارَ الَّذِي هو نَفْيٌ قَدْ تَوَجَّهَ لِلْحالِ الَّتِي لا تَنْفَكُّ، ويَلْزَمُ مِن نَفْيِها نَفْيُ صاحِبِها، بِطَرِيقِ البُرْهانِ، وإنْ شِئْتَ عَمَّمْتَ الحالَ، وإنْكارُ أنْ يَكُونَ لِكُفْرِهِمْ حالٌ يُوجَدُ عَلَيْها مَعَ أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ يَسْتَدْعِي إنْكارَ وُجُودِ الكُفْرِ بِذَلِكَ الطَّرِيقِ، ولا يَرُدُّ أنَّ الِاسْتِخْبارَ مُحالٌ عَلى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ عَزَّ شَأْنُهُ لِأنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى طَلَبِ الخَبَرِ، فَلا نُسَلِّمُ المُحالِيَّةَ، إذْ قَدْ يَكُونُ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِ، وتَوْبِيخِهِ، ولا يَقْتَضِي جَهْلَ المُسْتَخْبِرِ، ولا يَلْزَمُ مِن ضَمِّ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ إلَيْهِ، وهُما مِنَ المَعانِي المَجازِيَّةِ لِلِاسْتِفْهامِ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، إنْ كانَ الِاسْتِخْبارُ حَقِيقَةً لِلصِّيغَةِ، وبَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مَجازِيَّيْنِ إنْ كانَ مَجازًا، لِأنَّ الِانْفِهامَ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ واللُّزُومِ لا مِن حاقَ الوَسَطُ، أوْ أنَّهُ تَجَوُّزٌ عَلى تَجَوُّزٍ لِشُهْرَةِ الِاسْتِفْهامِ في مَعْنى الِاسْتِخْبارِ حَتّى كَأنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَنَقُولُ: لا قَدْحَ في صُدُورِهِ مِمَّنْ يَعْلَمُ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، لِأنَّهُ كَما في الإتْقانِ: طَلَبُ الفَهْمِ، أمّا فَهْمُ المُسْتَفْهَمِ، وهو مُحالٌ عَلَيْهِ تَعالى، أوْ وُقُوعُ فَهْمِهِ مِمَّنْ لا يَفْهَمُ كائِنًا مَن كانَ، ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ مِنهُ تَعالى، وكَذا لا اسْتِحالَةَ في وُقُوعِ التَّعْجِيبِ مِنهُ تَعالى، بَلْ قالُوا: إذا ورَدَ التَّعَجُّبُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ وعَلا لَمْ يَلْزَمْ مَحْذُورٌ، إذْ يُصْرَفُ إلى المُخاطَبِ، أوْ يُرادُ غايَتُهُ، أوْ يُرْجَعُ إلى مَذْهَبِ السَّلَفِ، وأتى سُبْحانَهُ بِتَكْفُرُونَ، ولَمْ يَأْتِ بِالماضِي، وإنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ وقَعَ مِنهُمْ، لِأنَّ الَّذِي أُنْكِرَ الدَّوامُ والمُضارِعُ هو المُشْعِرُ بِهِ، ولِئَلّا يَكُونَ في الكَلامِ تَوْبِيخٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ الكُفْرُ، مِمَّنْ آمَنَ كَأكْثَرِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ما قَبْلَ ثُمَّ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَكْفُرُونَ)، بِتَقْدِيرِ قَدْ لا مَحالَةَ خِلافًا لِمَن وهِمَ فِيهِ، والمَعْنى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ، وقَدْ خَلَقَكُمْ، فَعَبَّرَ عَنِ الخَلْقِ بِذَلِكَ، ولَمّا كانَ مَرْكُوزًا في الطِّباعِ، ومَخْلُوقًا في العُقُولِ أنْ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، كانَتْ حالًا تَقْتَضِي أنْ لا تُجامِعَ الكُفْرَ، والجُمَلُ بَعْدُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالحالِ، ولِذا غايَرَتْ ما قَبْلَها بِالحَرْفِ والصِّيغَةِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جَمِيعَ الجُمَلِ مُنْدَرِجَةً في الحالِ، وهو في الحَقِيقَةِ العِلْمُ بِالقِصَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ القِصَّةِ وبِأوَّلِها وآخِرِها، فَلا يَضُرُّ اشْتِمالُها عَلى ماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ، وكِلاهُما لا يَصِحُّ أنْ يَقَعَ حالًا، ورَجَّحَ هَذا جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ، والحَياةُ قُوَّةٌ تَتْبَعُ الِاعْتِدالَ النَّوْعِيَّ، ويَفِيضُ مِنها سائِرُ القُوى، وقِيلَ: القُوَّةُ الحَسّاسَةُ والعُضْوُ المَفْلُوجُ حَيٌّ، وإلّا لَتَسارَعَ إلَيْهِ الفَسادُ، وعَدَمُ الإحْساسِ بِالفِعْلِ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ القُوَّةِ، لِجَوازِ فِقْدانِ الأثَرِ لِمانِعٍ، وكَأنَّهم أرادُوا مِن ذَلِكَ قُوَّةَ اللَّمْسِ، لِأنَّ مُغايَرَةَ الحَياةِ لِما عَداهُ مِنَ الحَواسِّ ظاهِرَةٌ، فَإنَّها مُخْتَصَّةٌ بِعُضْوٍ دُونَ عُضْوٍ، وأنَّها مَفْقُودَةٌ في بَعْضِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، وأنَّهُ يَلْزَمُ تَعَدُّدُ الحَياةِ بِالنَّوْعِ في شَخْصٍ واحِدٍ، إنْ قِيلَ بِكَوْنِ الحَياةِ كُلَّ واحِدٍ مِنها، وتَرْكُّبِها في الخارِجِ إنْ أُرِيدَ مَجْمُوعُها، وتُطْلَقُ مَجازًا عَلى القُوَّةِ النّامِيَةِ لِأنَّها مِن طَلائِعِها ومُقَدِّماتِها، وعَلى ما يَخُصُّ الإنْسانَ مِنَ الفَضائِلِ كالعَقْلِ والعِلْمِ، والإيمانِ مِن حَيْثُ أنَّها كَمالُها وغايَتُها، والمَوْتُ مُقابِلٌ لَها في كُلِّ مَرْتَبَةٍ، والكُلُّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وحَياتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى صِحَّةُ اتِّصافِهِ جَلَّ شَأْنُهُ بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، أوْ مَعْنًى قائِمٌ بِذاتِهِ تَعالى يَقْتَضِي ذَلِكَ، وأيْنَ التُّرابُ مِن رَبِّ الأرْبابِ، ثُمَّ إنَّ لِلنّاسِ في المُرادِ بِما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ أقْوالًا شَتّى، والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ الأوَّلِ العَدَمُ السّابِقُ، والإحْياءِ الأوَّلِ الخَلْقُ، والمَوْتِ الثّانِي المَعْهُودُ في الدّارِ الدُّنْيا، والحَياةِ الثّانِيَةِ البَعْثُ لِلْقِيامَةِ، واخْتارَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، وادَّعى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ وإسْنادُهُ آخِرَ الإماتَةِ إلَيْهِ تَعالى مِمّا يُقَوِّيهِ، واخْتارَ آخَرُونَ أنَّ كَوْنَهم أمْواتًا هو مِن وقْتِ اسْتِقْرارِهِمْ نُطَفًا في الأرْحامِ إلى تَمامِ الأطْوارِ بَعْدَها، وأنَّ الحَياةَ الأُولى نَفْخُ الرُّوحِ بَعْدَ تِلْكَ الأطْوارِ، والإماتَةُ هي المَعْهُودَةُ، والإحْياءُ بَعْدَها هو البَعْثُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ، ولَعَلَّهُ أقْرَبُ مِنَ الأوَّلِ، وإطْلاقُ الأمْواتِ عَلى تِلْكَ الأجْسامِ مَجازٌ، إنْ فُسِّرَ المَوْتُ بِعَدَمِ الحَياةِ عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهِ، وحَقِيقَةٌ إنْ فُسِّرَ بِعَدَمِ الحَياةِ عَمّا مِن شَأْنِهِ قالَهُ السّالِيكُوتِيُّ، ويُفْهَمُ كَلامُ بَعْضِهِمْ أنَّهُ عَلى مَعْنى كالأمْواتِ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي، وإنْ فُسِّرَ بِعَدَمِ الحَياةِ مُطْلَقًا كانَ حَقِيقَةً، وهو المَشْهُورُ، وأبْعَدُ الأقْوالِ عِنْدِي حَمْلُ المَوْتِ الأوَّلِ عَلى المَعْهُودِ بَعْدَ انْقِضاءِ الأجَلِ، والإحْياءِ الأوَّلِ عَلى ما يَكُونُ لِلْمَسْألَةِ في القَبْرِ، فَيَكُونُ قَدْ وضَعَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِتَحَقُّقِ الوُقُوعِ، ثُمَّ لا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى المُخْتارِ لِنَفْيِ عَذابِ القَبْرِ، إذْ نِهايَةُ ما فِيها عَدَمُ ذِكْرِ الإحْياءِ المُصَحِّحِ لَهُ، ونَحْنُ لا نَسْتَدِلُّ لَها بِذَلِكَ الوَجْهِ عَلَيْهِ، ولَنا والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى في ذَلِكَ المَطْلَبِ أدِلَّةٌ شَتّى، وكَذا لا دَلِيلَ لِلْمُجَسِّمَةِ القائِلِينَ بِأنَّهُ تَعالى في مَكانٍ في ”وإلَيْهِ تَرْجِعُونَ“ لِأنَّ المُرادَ بِالرُّجُوعِ إلَيْهِ الجَمْعُ في المَحْشَرِ حَيْثُ لا يَتَوَلّى الحُكْمَ سِواهُ، والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ، ووَراءَ هَذا مِنَ المَقالِ ما لا يَخْفى عَلى العارِفِينَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى (تُرْجَعُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ دُونَ يُرْجِعُكُمُ المُناسِبِ لِلسِّياقِ مُراعاةً لِتُناسِبَ رُءُوسِ الآيِ مَعَ وُجُودِ التَّناسُبِ المَعْنَوِيِّ لِلسِّياقِ، ولِهَذا قِيلَ إنَّ قِراءَةَ الجُمْهُورِ أفْصَحُ مِن قِراءَةِ يَعْقُوبَ ومُجاهِدٍ وجَماعَةٍ (تَرْجِعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ولا يَرُدُّ أنَّ الآيَةَ إذا كانَتْ خِطابًا لِلْكُفّارِ، ومَعْنى العِلْمِ مُلاحَظٌ فِيها، امْتَنَعَ خِطابُهم مِمّا بَعْدَ ثُمَّ، وثُمَّ مِنَ الفِعْلَيْنِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، لِأنَّ تَمَكُّنَهم مِنَ العِلْمِ لِوُضُوحِ الأدِلَّةِ آفاقِيَّةً وأنْفُسِيَّةً، وسُطُوعِ أنْوارِها عَقْلِيَّةً ونَقْلِيَّةً مُنَزَّلٌ مَنزِلَ العِلْمِ في إزاحَةِ العُذْرِ، وبِهَذا يَنْدَفِعُ أيْضًا ما قِيلَ هم شاكُّونَ في نِسْبَةِ ما تَقَدَّمَ إلَيْهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَتَأتّى ذَلِكَ الخِطابُ بِهِ؟

ويَحْتَمِلُ كَما قِيلَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ في الآيَةِ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ أيْضًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ يا أيُّها النّاسُ ﴾ إلى ﴿ فَلا تَجْعَلُوا)، ﴾ ودَلائِلَ النُّبُوَّةِ مِن (وإنْ كُنْتُمْ) إلى (إنْ كُنْتُمْ)، وأوْعَدَ بِــ ﴿ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا ﴾ الآيَةَ ووَعَدَ بِـ ﴿ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ، أكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ عَدَّدَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ العامَّةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ إلى ﴿ هم فِيها خالِدُونَ)، ﴾ والخاصَّةَ مِن ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلى ﴿ ما نَنْسَخْ)، ﴾ واسْتَقْبَحَ صُدُورَ الكُفْرِ مَعَ تِلْكَ النِّعَمِ مِنهم تَوْبِيخًا لِلْكافِرِ، وتَقْرِيرًا لِلْمُؤْمِنِ، وعَدَّ الإماتَةَ نِعْمَةً لِأنَّها وصْلَةٌ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، واجْتِماعِ المُحِبِّ بِالحَبِيبِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المَعْدُودَ عَلَيْهِمْ كَذَلِكَ، هو المَعْنى المُنْتَزَعُ مِنَ القِصَّةِ بِأسْرِها.

ومِنَ الإشارَةِ قَوْلُ ابْنِ عَطاءٍ: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ بِالظّاهِرِ ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ بِمُكاشَفَةِ الأسْرارِ ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عَنْ أوْصافِ العُبُودِيَّةِ ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ بِأوْصافِ الرُّبُوبِيَّةِ، وقالَ فارِسٌ: ﴿ وكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ بِشَواهِدِكم ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ بِشَواهِدِهِ، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عَنْ شاهِدِكُمْ، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ بِقِيامِ الحَقِّ، ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ عَنْ جَمِيعِ ما لَكم فَتَكُونُونَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ، قال ابن عباس: هو على وجه التعجب.

وقال الفراء: هو على وجه التوبيخ والتعجب لا على وجه الاستفهام، فكأنه قال: ويحكم كيف تكفرون وتجحدون بوحدانية الله تعالى.

فإن قيل: كيف يجوز التعجب من الله تعالى؟

وإنما يجوز التعجب ممن رأى شيئاً لم يكن رآه أو سمع شيئاً لم يكن سمعه فيتعجب لذلك، والله تعالى قد علم الأشياء قبل كونها.

قيل له: التعجب من الله تعالى يكون على وجه التعجيب، والتعجيب هو أن يدعو إلى التعجب فكأنه يقول: ألا تتعجبون أنهم يكفرون بالله؟!

وهذا كما قال في آية أخرى وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ [الرعد: 5] .

ثم قال: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ، أي كنتم نطفة في أصلاب آبائكم فأحياكم في أرحام أمهاتكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقطاع آجالكم، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث يوم القيامة، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة فتثابون بأعمالكم.

قال الكلبي: فلما ذكر البعث عرف اليهود فسكتوا وأنكر ذلك المشركون فقالوا: ومن يستطيع أن يحيينا بعد الموت؟

فنزل قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة: 29] .

فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لليهود وهم لم يكفروا بالله تعالى؟

فالجواب ما سبق ذكره: أنهم لما أنكروا نبوة محمد  ، فقد أنكروا وحدانية الله تعالى لأنهم أخبروا أن القرآن قول البشر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ «١» وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا:

نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» «٢» انتهى من «التذْكرَةِ» «٣» .

وقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.

إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)

قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا

بالذُّبَابِ ونحوه.

واختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟

ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان.

قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار.

ع «١» : وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره.

قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال.

واختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ...

الآية.

فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة «٢» ، وهذا التأويل هو ١٣ ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها.

وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ في كَيْفَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ في مَعْنى التَّعَجُّبِ، وهَذا التَّعَجُّبُ لِلْمُؤْمِنِينَ، أيِ: اعْجَبُوا مِن هَؤُلاءِ كَيْفَ يَكْفُرُونَ، وقَدْ ثَبَتَتْ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِفْهامٌ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّقْرِيرِ والتَّوْبِيخِ.

تَقْدِيرُهُ: ويَحْكُمُ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ قالَ العَجّاجُ: أطْرَبا وأنْتَ قَنَسْرِي [والدَّهْرُ بِالإنْسانِ دَوّارِي ] أرادَ: أتَطْرَبُ وأنْتَ شَيْخٌ كَبِيرٌ؟!

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ .

قالَ الفَرّاءُ أيْ: وقَدْ كُنْتُمْ أمْواتًا.

ومِثْلُهُ ﴿ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ  ﴾ أيْ: قَدْ حَصِرَتْ.

ومِثْلُهُ: ﴿ وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ  ﴾ أيْ: فَقَدْ كَذَبَتْ، ولَوْلا إضْمارُ "قَدْ" لَمْ يَجُزْ مِثْلُهُ في الكَلامِ.

وَفِي الحَياتَيْنِ، والمَوْتَتَيْنِ أقْوالٌ.

أصَحُّها: أنَّ المَوْتَةَ الأُولى، كَوْنُهم نُطَفًا وعُلَقًا وَمُضَغًا، فَأحْياهم في الأرْحامِ، ثُمَّ يُمِيتُهم بَعْدَ خُرُوجِهِمْ إلى الدُّنْيا، ثُمَّ يُحْيِيهِمْ لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ، والفَرّاءِ، وثَعْلَبٍ، والزَّجّاجِ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، وابْنِ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ النَقْضُ: رَدُّ ما أُبْرِمَ عَلى أوَّلِهِ غَيْرُ مُبْرَمٍ.

والعَهْدُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَقَدُّمُ في الشَيْءِ والوِصايَةُ بِهِ.

واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذا العَهْدِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ كالذَرِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ: نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ بِالسَماواتِ والأرْضِ وسائِرِ الصَنْعَةِ هو بِمَنزِلَةِ العَهْدِ.

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ: أنْ يُوَحِّدُوهُ، وألّا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ.

وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى اتِّباعِ الرُسُلِ والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ: أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ  ، وأنْ لا يَكْتُمُوا أمْرَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ عَلى هَذا في أهْلِ الكِتابِ، وظاهِرُ ما قَبْلُ وبَعْدُ أنَّهُ في جَمِيعِ الكُفّارِ.

وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ هي فِيمَن كانَ آمَنَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ثُمَّ كَفَرَ بِهِ فَنَقَضَ العَهْدَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمْ يَنْسِبِ الطَبَرِيُّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ.

وكُلُّ عَهْدٍ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَنَقْضُهُ لا يَحِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والضَمِيرُ في "مِيثاقِهِ" يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى "العَهْدِ"، أو عَلى (اسْمِ اللهِ تَعالى)، و"مِيثاقُ" مِفْعالُ مِنَ الوَثاقَةِ، وهي الشَدُّ في العَقْدِ والرَبْطِ ونَحْوِهِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ شَبِيمٍ: أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِتاعا؟

أرادَ بَعْدَ إعْطائِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ .

"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "يَقْطَعُونَ"، واخْتَلَفَ ما الشَيْءُ الَّذِي أمَرَ بِوَصْلِهِ، فَقالَ قَتادَةُ: الأرْحامُ عامَّةً في الناسِ، وقالَ غَيْرُهُ: خاصَّةً فِيمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، كَأنَّ الكُفّارَ يُقَطِّعُونَ أرْحامَهم.

وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى دِينِ اللهِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، وإقامَةِ شَرائِعِهِ، وحِفْظِ حُدُودِهِ.

وهَذا هو الحَقُّ، والرَحِمُ جُزْءٌ مِن هَذا، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِن "ما"، أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وهَذا مُتَّجَهٌ.

﴿ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، ويَجُورُونَ في الأفْعالِ إذْ هي بِحَسَبَ شَهَواتِهِمْ، و"الخاسِرُ": الَّذِي نَقَصَ نَفْسَهُ حَظَّها مِنَ الفَلاحِ والفَوْزِ.

والخُسْرانُ: النَقْصُ كانَ في مِيزانٍ أو غَيْرِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، ولَيْسَ بِهِ، بَلْ هو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.

أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ونِعَمِهِ عَلَيْكم وقُدْرَتِهِ هَذِهِ؟

و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها "تَكْفُرُونَ"، وتَقْدِيرُها: أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟

أمُنْكِرِينَ تَكْفُرُونَ؟

و"كَيْفَ" مَبْنِيَّةٌ، وخُصَّتْ بِالفَتْحِ لِخِفَّتِهِ.

ومَن قالَ: إنَّ "كَيْفَ" تَقْرِيرٌ وتَعَجُّبٌ، فَمَعْناهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ إنْ عَنَّ فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ لِغَرابَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَأْلُوفِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ، و"الواوُ" في قَوْلِهِ: "وَكُنْتُمْ" واوُ الحالِ.

واخْتَلَفَ في تَرْتِيبِ هاتَيْنِ المَوْتَتَيْنِ والحَياتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ: فالمَعْنى كُنْتُمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقُوا دارِسِينَ، كَما يُقالُ لِلشَّيْءِ الدارِسِ: مَيِّتٌ.

ثُمَّ خُلِقْتُمْ وأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا فَأحْياكُمْ، ثُمَّ أماتَكُمُ المَوْتُ المَعْهُودُ، ثُمَّ يُحْيِيكم لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقالَ آخَرُونَ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِكَوْنِ آدَمَ مِن طِينٍ مَيِّتًا قَبْلَ أنْ يَحْيا، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُوحَ فَأحْياكم بِحَياةِ آدَمَ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكم عَلى ما تَقَدَّمَ.

وقالَ قَتادَةُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" في أصْلابِ آبائِكُمْ، فَأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا، فَأحْياكُمْ، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.

وقالَ غَيْرُهُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" فِي الأرْحامِ قَبْلَ نَفْخِ الرُوحِ، ثُمَّ أحْياكم بِالخُرُوجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ نِسَمَ بَنِي آدَمَ أمْثالَ الذَرِّ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ ، ثُمَّ أحْياهم بِالإخْراجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِالمَوْتِ المَعْهُودِ، ثُمَّ أحْياكم لِلسُّؤالِ في القُبُورِ، ثُمَّ أماتَكم فِيها، ثُمَّ أحْياكم لِلْبَعْثِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: وكُنْتُمْ أمْواتًا بِالخُمُولِ، فَأحْياكم بِأنْ ذُكِرْتُمْ وشُرِّفْتُمْ بِهَذا الدِينِ والنَبِيِّ الَّذِي جاءَكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ هو أولى هَذِهِ الأقْوالِ، لِأنَّهُ الَّذِي لا مَحِيدَ لِلْكَفّارِ عَنِ الإقْرارِ بِهِ في أوَّلِ تَرْتِيبِهِ.

ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أوَّلًا: ( كُنْتُمْ أمْواتًا ) وإسْنادُهُ آخِرًا الإماتَةُ إلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى مِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا أذْعَنَتْ نُفُوسُ الكُفّارِ لِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ، ثُمَّ لِلْإحْياءِ في الدُنْيا، ثُمَّ لِلْإماتَةِ فِيها قَوِيَ عَلَيْهِمْ لُزُومُ الإحْياءِ الآخَرِ، وجاءَ جَحْدُهم لَهُ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها.

والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ إلى ثَوابِهِ أو عِقابِهِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأحْياءِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ يَعْمُرَ، وسَلامٌ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "يَرْجِعُونَ، وتَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والتاءِ حَيْثُ وقَعَ.

و"خَلَقَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأوجَدَ بَعْدَ العَدَمِ، وقَدْ يُقالُ في الإنْسانِ خَلَقَ بَعْدَ إنْشائِهِ شَيْئًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يُخْلَقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقْوَ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةٌ و"لَكُمْ" مَعْناهُ: لِلِاعْتِبارِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلُهُ وما بَعْدَهُ مِن نَصْبٍ.

العِبَرُ: الإحْياءُ، والإماتَةُ والخَلْقُ، والِاسْتِواءُ إلى السَماءِ، وتَسْوِيَتُها.

وقالَ قَوْمٌ: بَلْ مَعْنى "لَكُمْ" إباحَةُ الأشْياءِ وتَمْلِيكُها، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأشْياءَ قَبْلَ وُرُودِ السَمْعِ عَلى الإباحَةِ بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وخالَفَهم في هَذا التَأْوِيلِ القائِلُونَ بِالحَظْرِ، والقائِلُونَ بِالوَقْفِ.

وأكْثَرُ القائِلِينَ بِالحَظْرِ اسْتَثْنَوْا أشْياءَ اقْتَضَتْ حالَها مَعَ وُجُودِ الإنْسانِ الإباحَةَ كالتَنَفُّسِ، والحَرَكَةِ، ويَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِالحَظْرِ: كُلُّ حَظْرٍ في القُرْآنِ، وعَلى القائِلِينَ بِالإباحَةِ: كُلُّ تَحْلِيلٍ في القُرْآنِ وإباحَةٍ.

ويَتَرَجَّحُ الوَقْفُ إذا قَدَّرْنا نازِلَةً لا يُوجَدُ فِيها سَمْعٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ، ومَعْنى الوَقْفِ: أنَّهُ اسْتِنْفادُ جُهْدِ الناظِرِ فِيما يَحْزُبُ مِنَ النَوازِلِ.

وحَكى ابْنُ فَوْرِكٍ عَنِ ابْنِ الصائِغِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَخْلُ العَقْلُ قَطُّ مِنَ السَمْعِ، ولا نازِلَةٍ إلّا وفِيها سَمْعٌ، أوَّلُها بِهِ تَعَلُّقٌ، أوَّلُها حالٌ تُسْتَصْحَبُ، قالَ: فَيَنْبَغِي أنْ يَعْتَمِدَ عَلى هَذا، ويُغْنِيَ عَنِ النَظَرِ في حَظْرٍ وإباحَةٍ ووَقْفٍ.

و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى ﴾ ، ثُمَّ هُنا: هي لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وَ"اسْتَوى": قالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: عَلا دُونَ تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، هَذا اخْتِيارُ الطَبَرِيِّ، والتَقْدِيرُ: عَلا أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ قُصِدَ إلى السَماءِ، أيْ بِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَمُلَ صُنْعُهُ فِيها، كَما تَقُولُ اسْتَوى الأمْرُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلَقٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ المَعْنى أقْبَلَ، وضَعَّفَهُ.

وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّ المُسْتَوِيَ هو الدُخّانُ، وهَذا أيْضًا يَأْباهُ رَصْفُ الكَلامِ.

وقِيلَ المَعْنى: اسْتَوْلى، كَما قالَ الشاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ وهَذا إنَّما يَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى العَرْشِ اسْتَوى  ﴾ والقاعِدَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مَنعُ النَقْلَةِ وحُلُولُ الحَوادِثِ، ويَبْقى اسْتِواءُ القُدْرَةِ والسُلْطانِ.

و"سَوّاهُنَّ"، قِيلَ: المَعْنى جَعَلَهُنَّ سَواءً، وقِيلَ: سَوّى سُطُوحَها بِالإمْلاسِ و"سَبْعَ" نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ، أو عَلى المَفْعُولِ بـ "سَوّى"، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ مِنَ الضَمِيرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَسَوّى مِنهُنَّ سَبْعًا.

وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقالَ: "سَوّاهُنَّ" إمّا عَلى أنَّ السَماءَ جَمْعٌ، وإمّا عَلى أنَّهُ مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، فَهو دالٌّ عَلى الجَمْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِالمَوْجُوداتِ، وتَحَقَّقَ عِلْمُهُ بِالمَعْدُوماتِ مِن آياتٍ أُخَرَ.

وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ وما فِيها خُلِقَ قَبْلَ السَماءِ، وذَلِكَ صَحِيحٌ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَماءِ، وبِهَذا تَتَّفِقُ مَعانِي الآياتِ هَذِهِ والَّتِي في سُورَةِ (المُؤْمِنِ) وفي (النازِعاتِ).

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

ثُني عنان الخطاب إلى الناس الذين خوطبوا بقوله آنفاً: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم ﴾ [البقرة: 21]، بعد أن عقب بأفانين من الجمل المعترضة من قوله: ﴿ وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري ﴾ [البقرة: 25] إلى قوله: ﴿ الخاسرون ﴾ [البقرة: 27].

وليس في قوله: ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ تناسب مع قوله: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما ﴾ [البقرة: 26] وما بعده مما حكى عن الذين كفروا في قولهم: ﴿ ماذا أراد الله بهذا مثلاً ﴾ [البقرة: 26] حتى يكون الأنتقالُ إلى الخطاب في قوله: ﴿ تكفرون ﴾ التفاتاً، فالمناسبة بين موقع هاته الآية بعد ما قبلها هي مناسبة اتحاد الغرض، بعد استيفاء ما تخلل واعترض.

ومن بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات أن كانت العلل التي قرن بها الأمر بعبادة الله تعالى في قوله: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21] الخ هي العلل التي قرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر به تعالى في قوله هنا: ﴿ كيف تكفرون بالله ﴾ فقال فيما تقدم: ﴿ الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون ﴾ [البقرة: 21] ﴿ الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ﴾ [البقرة: 22] الآية وقال هنا: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ [البقرة: 29] وكان ذلك مبدأ التخلص إلى ما سيرد من بيان ابتداء إنشاء نوع الإنسان وتكوينه وأطواره.

فالخطاب في قوله: ﴿ تكفرون ﴾ متعين رجوعه إلى (الناس) وهم المشركون لأن اليهود لم يكفروا بالله ولا أنكروا الإحياء الثاني.

و (كيف) اسم لا يعرف اشتقاقه يدل على حالة خاصة وهي التي يقال لها الكيفية نسبة إلى كيف ويتضمن معنى السؤال في أكثر موارد استعماله فلدلالته على الحالة كان في عداد الأسماء لأنه أفاد معنى في نفسه إلا أن المعنى الاسمي الذي دل عليه لما كان معنى مبهماً شابه معنى الحرف فلما أشربوه معنى الاستفهام قوي شبهه بالحروف لكنه لا يخرج عن خصائص الأسماء فلذلك لا بد له من محلِّ إعراب، وأكثر استعماله اسمُ استفهام فيعرب إعراب الحال.

ويستفهم بكيف عن الحال العامة.

والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والإنكار بقرينة قوله: ﴿ وكنتم أمواتاً ﴾ الخ أي إن كفركم مع تلك الحالة شأنه أن يكون منتفياً لا تركن إليه النفس الرشيدة لوجود ما يصرف عنه وهو الأحوال المذكورة بعْدُ فكان من شأنه أن يُنكر فالإنكار متولد من معنى الاستفهام ولذلك فاستعماله فيهما من إرادة لازم اللفظ، وكأن المنكر يريد أن يقطع معذرة المخاطب فيظهر له أنه يتطلب منه الجواب بما يُظهر السبب فيُبطل الإنكار والعجَب حتى إذا لم يبد ذلك كان حقيقاً باللوم والوعيد.

والكفر بضم الكاف مصدر سماعي لكَفَر الثلاثي القاصر وأصله جَحْد المنعَم عليه نعمةَ المنْعِم، اشتق من مادة الكَفر بفتح الكاف وهو الحَجب والتغطية لأن جاحد النعمة قد أخفى الاعتراف بها كما أن شاكرها أعلنها.

وضده الشكر ولذلك صيغ له مصدر على وزان الشُّكر وقالوا أيضاً كفران على وزن شُكران، ثم أطلق الكفر في القرآن على الإشراك بالله في العبادة بناء على أنه أشد صور كفر النعمة إذ الذي يترك عبادة من أنعم عليه في وقت من الأوقات قد كفر نعمته في تلك الساعة إذ توجَّهَ بالشكر لغير المنعِم وتركَ المنعِم حين عزمه على التوجه بالشكر ولأن عزم نفسه على مداومة ذلك استمرار في عقد القلب على كفر النعمة وإن لم يتفطن لذلك، فكان أكثرُ إطلاق الكفر بصيغة المصدر في القرآن على الإشراك بالله ولم يَرد الكفر بصيغة المصدر في القرآن لغير معنى الإشراك بالله.

وقل ورود فعل الكفر أو وصف الكافر في القرآن لجحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك حيث تكون قرينة على إرادة ذلك كقوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين ﴾ [البقرة: 105] وقولِه: ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ [المائدة: 44] يريد اليهود.

وأما إطلاقه في السنة وفي كلام أئمة المسلمين فهو الاعتقاد الذي يخرج معتقده عن الإسلام وما يدل على ذلك الاعتقاد من قول أو فعل دلالة لا تحتمل غير ذلك.

وقد ورد إطلاق الكفر في كلام الرسول عليه السلام وكلام بعض السلف على ارتكاب جريمة عظيمة في الإسلام إطلاقاً على وجه التغليظ بالتشبيه المفيد لتشنيع ارتكاب ما هو من الأفعال المباحة عند أهل الكفر ولكن بعض فرق المسلمين يتشبثون بظاهر ذلك الإطلاق فيقضون بالكفر على مرتكب الكبائر ولا يلتفتون إلى ما يعارض ذلك في إطلاقات كلام الله ورسوله.

وفرق المسلمين يختلفون في أن ارتكاب بعض الأعمال المنهي عنها يدخل في ماهية الكفر وفي أن إثبات بعض الصفات لله تعالى أو نفي بعض الصفات عنه تعالى داخل في ماهية الكفر على مذاهب شتى.

ومذهب أهل الحق من السلف والخلف أنه لا يكفر أحد من المسلمين بذنب أو ذنوب من الكبائر فقد ارتكبت الذنوب الكبائر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء فلم يعاملوا المجرمين معاملة المرتدين عن الدين، والقول بتكفير العصاة خطر على الدين لأنه يؤول إلى انحلال جامعة الإسلام ويهون على المذنب الانسلاخ من الإسلام منشداً «أنا الغريق فما خوفي من البلل».

ولا يكفر أحد بإثبات صفة لله لا تنافي كماله ولا نفي صفة عنه ليس في نفيها نقصان لجلاله فإن كثيراً من الفرق نفوا صفات ما قصدوا بنفيها إلا إجلالاً لله تعالى وربما أفرطوا في ذلك كما نفى المعتزلة صفات المعاني وجواز رؤية الله تعالى، وكثير من الفرق أثبتوا صفات ما قصدوا من إثباتها إلا احترام ظواهر كلامه تعالى كما أثبت بعض السلف اليد والإصبع مع جزمهم بأن الله لا يشبه الحوادث.

والإيمان ذكر معناه عند قوله تعالى: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ [البقرة: 3].

وقوله: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ جملة حالية وهي تخلص إلى بيان ما دلت عليه (كيف) بطريق الإجمال وبيان أولى الدلائل على وجوده وقدرته وهي ما يشعر به كل أحد من أنه وجد بعد عدم.

ولقد دل قوله تعالى: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ أن هذا الإيجاد على حال بديع وهو أن الإنسان كان مركب أشياء موصوفاً بالموت أي لا حياة فيه إذ كان قد أخذ من العناصر المتفرقة في الهواء والأرض فجمعت في الغذاء وهو موجود ثاننٍ ميت ثم استخلصت منه الأمزجة من الدم وغيره وهي ميتة، ثم استخلص منه النطفتان للذكر والأنثى، ثم امتزج فصار علقة ثم مضغة كل هذه أطوار أولية لوجود الإنسان وهي موجودات ميتة ثم بثت فيه الحياة بنفخ الروح فأخذ في الحياة إلى وقت الوضع فما بعده، وكان من حقهم أن يكتفوا به دليلاً على انفراده تعالى بالإلهية.

وإطلاق الأموات هنا مجاز شائع بناء على أن الموت هو عدم اتصاف الجسم بالحياة سواء كان متصفاً بها من قبل كما هو الإطلاق المشهور في العرف أم لم يكن متصفاً بها إذا كان من شأنه أن يتصف بها فعلى هذا يقال للحيوان في أول تكوينه نطفة وعلقة ومضغة ميت لأنه من شأنه أن يتصف بالحياة فيكون إطلاق الأموات في هذه الآية عليهم حين كانوا غير متصفين بالحياة إطلاقاً شائعاً والمقصود به التمهيد لقوله: ﴿ فأحياكم ﴾ ثم التمهيد والتقريب لقوله: ﴿ ثم يميتكم ثم يحييكم ﴾ .

وقال كثير من أئمة اللغة الموت انعدام الحياة بعد وجودها وهو مختار الزمخشري والسكاكي وهو الظاهر، وعليه فإطلاق الأموات عليهم في الحالة السابقة على حلول الحياة استعارة.

واتفق الجميع على أنه إطلاق شائع في القرآن فإن لم يكن حقيقة فهو مجاز مشهور قد ساوى الحقيقة وزال الاختلاف.

والحياة ضد الموت، وهي في نظر الشرع نفخ الروح في الجسم.

وقد تعسر تعريف الحياة أو تعريف دوامها على الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين تعريفاً حقيقياً بالحد، وأوضح تعاريفها بالرسم أنها قوة ينشأ عنها الحس والحركة وأنها مشروطة باعتدال المزاج والأعضاء الرئيسية التي بها تدوم الدورة الدموية، والمراد بالمزاج التركيب الخاص المناسب مناسبة تليق بنوع ما من المركبات العنصرية وذلك التركيب يحصل من تعادل قوى وأجزاء بحسب ما اقتضته حالة الشيء المركب مع انبثاث الروح الحيواني، فباعتدال ذلك التركيب يكون النوع معتدلاً ولكل صنف من ذلك النوع مزاج يخصه بزيادة تركيب، ولكل شخص من الصنف مزاج يخصه ويتكون ذلك المزاج على النظام الخاص تنبعث الحياة في ذي المزاج في إبان نفخ الروح فيه وهي المعبر عنها بالروح النفساني.

وقد أشار إلى هذا التكوين حديث الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه المَلك فينفخ فيه الروح» فأشار إلى حالات التكوين التي بها صار المزاج مزاجاً مناسباً حتى انبعثت فيه الحياة، ثم بدوام انتظام ذلك المزاج تدوم الحياة وباختلاله تزول الحياة، وذلك الاختلال هو المعبر عنه بالفساد، ومن أعظم الاختلال فيه اختلال الروح الحيواني وهو الدم إذا اختلت دورته فعرض له فساد، وبعروض حالة توقف عمل المزاج وتعطل آثاره يصير الحي شبيهاً بالميت كحالة المغمى عليه وحالة العضو المفلوج، فإذا انقطع عمل المزاج فذلك الموت.

فالموت عدم والحياة ملكة وكلاهما موجود مخلوق قال تعالى: ﴿ الذي خلق الموت والحياة ﴾ في سورة الملك (2).

وليس المقصود من قوله: وكنتم أمواتاً فأحياكم } الامتنان بل هو استدلال محض ذكر شيئاً يعده الناس نعمة وشيئاً لا يعدونه نعمة وهو الموتتان فلا يشكل وقوع قوله: ﴿ أمواتاً ﴾ وقوله: ﴿ ثم يميتكم ﴾ في سياق الآية.

وأما قوله: ﴿ ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ﴾ فذلك تفريع عن الاستدلال وليس هو بدليل إذ المشركون ينكرون الحياة الآخرة فهو إدماج وتعليم وليس باستدلال، أو يكون ما قام من الدلائل على أن هناك حياة ثانية قد قام مقام العلم بها وإن لم يحصل العلم فإن كل من علم وجود الخالق العدل الحكيم ورأى الناس لا يجْرُون على مقتضى أوامره ونواهيه فيرى المفسد في الأرض في نعمة والصالح في عناء علم أن عدل الله وحكمته ما كان ليُضيع عمل عامل وأن هنالك حياة أحكم وأعدل من هذه الحياة تكون أحوال الناس فيها على قدر استحقاقهم وسمو حقائقهم.

وقوله: ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ أي يكون رجوعكم إليه، شُبِّه الحضور للحساب برجوع السائر إلى منزله باعتبار أن الله خلق الخلق فكأنهم صَدروا من حضرته فإذا أحياهم بعد الموت فكأنهم أرجعَهم إليه وهذا إثبات للحشر والجزاء.

وتقديم المتعلِّق على عامله مفيد القصر وهو قصر حقيقي سيق للمخاطَبين لإفادتهم ذلك إذ كانوا منكرين ذلك وفيه تأييس لهم من نفع أصنامهم إياهم إذ كان المشركون يحاجون المسلمين بأنه إن كان بعث وحشر فسيجدون الآلهة ينصرونهم.

و ﴿ تُرجَعون ﴾ بضم التاء وفتح الجيم في قراءة الجمهور، وقرأهُ يعقوب بفتح التاء وكسر الجيم والقراءة الأولى على اعتبار أن الله أرجعهم وإن كانوا كارهين لأنهم أنكروا البعث والقراءة الثانية باعتبار وقوع الرجوع منهم بقطع النظر عن الاختيار أو الجبر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجِ التَّوْبِيخِ.

والثّانِي: أنَّهُ خارِجٌ مَخْرَجِ التَّعَجُّبِ، وتَقْدِيرُهُ: اعْجَبُوا لَهُمْ، كَيْفَ يَكْفُرُونَ!

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ سِتَّةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ أيْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ أيْ خَلْقَكُمْ، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ يَعْنِي في القُبُورِ ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ لِلْمُساءَلَةِ، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ في قُبُورِكم بَعْدَ مُساءَلَتِكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكم عِنْدَ نَفْخِ الصُّورِ لِلنُّشُورِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ المَوْتِ ما كانَ عَنْ حَياةٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ يَعْنِي في أصْلابِ آبائِكُمْ، ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ أيْ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ المَوْتَةَ الَّتِي لا بُدَّ مِنها، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حِينَ أخَذَ المِيثاقَ عَلى آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ، أحْياهم في صُلْبِهِ وأكْسَبَهُمُ العَقْلَ وأخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أحْياهم وأخْرَجَهم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ  ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ يَعْنِي بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ، ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ بِأنْ خَلَقَكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم ثُمَّ أخْرَجَكم أحْياءً، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ بَعْدَ أنْ تَنْقَضِيَ آجالُكم في الدُّنْيا، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ بِالنُّشُورِ لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، [وَهَذا] قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والخامِسُ: أنَّ المَوْتَةَ الأُولى مُفارَقَةُ نُطْفَةِ الرَّجُلِ جَسَدَهُ إلى رَحِمِ المَرْأةِ، فَهي مَيِّتَةٌ مِن حِينِ فِراقِها مِن جَسَدِهِ إلى أنْ يَنْفُخَ الرُّوحَ فِيها، ثُمَّ يُحْيِيها بِنَفْخِ الرُّوحِ فِيها، فَيَجْعَلُها بَشَرًا سَوِيًّا، ثُمَّ يُمِيتُهُ المَوْتَةَ الثّانِيَةَ بِقَبْضِ الرُّوحِ مِنهُ، فَهو مَيِّتٌ إلى يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ، فَيَرُدُّ في جَسَدِهِ رُوحَهُ، فَيَعُودُ حَيًّا لِبَعْثِ القِيامَةِ، فَذَلِكَ مَوْتَتانِ وحَياتانِ.

والسّادِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ خامِلِي الذِّكْرِ دارِسِي الأثَرِ، ﴿ فَأحْياكُمْ ﴾ بِالظُّهُورِ والذِّكْرِ، ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ، ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ لِلْبَعْثِ، واسْتَشْهَدَ مَن قالَ هَذا التَّأْوِيلَ بِقَوْلِ أبِي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ: وأحْيَيْتَ مِن ذِكْرِي وما كانَ خامِلًا ولَكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِن بَعْضِ وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَلّى اللَّهُ الحُكْمَ بَيْنَكم.

والثّانِي: إلى المُجازاةِ عَلى الأعْمالِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ﴾ قال: لم تكونوا شيئاً فخلقكم ﴿ ثم يميتكم، ثم يحييكم ﴾ يوم القيامة.

وأخرج ابن حرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكنتم أمواتاً ﴾ في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئاً حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حياة الحق حين يبعثكم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله فأخرجهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة.

فهما حياتان وموتتان.

وأخرج وكيع وابن جرير عن أبي صالح في الآية قال: ﴿ يميتكم ثم يحييكم ﴾ في القبر ثم يميتكم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: لم تكونوا شيئاً حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم وقوله: ﴿ ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ﴾ مثلها.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية يقول: لم يكونوا شيئاً، ثم أماتهم، ثم أحياهم، ثم يوم القيامة يرجعون إليه بعد الحياة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ الآية.

قال النحويون: (كيف) في الأصل سؤال عن الحال، لأن جوابه يكون بالحال، وهي منتظمة جميع الأحوال (١) (٢) (٣) (٤) قال الزجاج: تأويل (كيف) هاهنا استفهام في معنى التعجب، وهذا التعجب إنما هو للخلق والمؤمنين، أي اعجبوا من هؤلاء كيف [يكفرون] (٥) (٦) وقال الفراء: هذا على وجه التعجب والتوبيخ لا على الاستفهام المحض، أي: ويحكم كيف تكفرون؟

وهو كقوله: ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾ .

قال النحويون: (كان) تقع (٨) (٩) والناقصة: هي التي لا تتم دون خبرها كقولك: كان زيد أميرا.

والزائدة: هي التي تكون (١٠) (١١) ﴿ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا  ﴾ (١٢) و (كان) التي لها خبر تتصرف (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) (١٧) قال الفراء: [تقول] (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) قال: وكان الخليل يقول: كَيْنُونَة (فَيْعَلُولَة)، وهي الأصل (كَيْوَنُونَة) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) قال: ويضمر (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وحكى الكسائي: أصبحت [ (٣٠) (٣١) ومثل هذا قال الزجاج: فإنه قال: ومعنى (كنتم): وقد كنتم وهذه الواو، (واو الحال) (٣٢) قال أبو الفتح: إنما احتيج إلى إضمار (قد) لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: (قد قامت الصلاة) قبل حال قيامها، وعلى هذا قول الشاعر: أُمَّ صَبِيٍّ قَدْ حَبَا (٣٣) (٣٤) فكأنه قال: حابٍ (٣٥) (٣٦) ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ  ﴾ على معنى: قد حصرت (٣٧) فأما أحكام واو الحال فإنها مذكورة عند قوله: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ أَمْوَاتًا ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: أراد (٣٨) (٣٩) وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (٤٠) ﴿ فَأَحْيَاكُمْ ﴾ في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ في الدنيا ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ للبعث ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (٤١) (١) انظر: "الكتاب" 4/ 233، "المقتضب" 3/ 289، 63، "حروف المعاني" للزجاجي ص 35، 59، وقد ذكر الزجاجي أنها تقع في ثلاثة مواضع: تقع بمنزلة (كما)، واستفهاما عن حال، وبمعنى التعجب واستشهد على هذا المعنى بالآية ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ ، وانظر: "البرهان" 4/ 330، "مغني اللبيب" 1/ 204.

(٢) (و) ساقطة من (ب).

(٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤) انظر: "الكتاب" 4/ 233، "المقتضب" 3/ 63، 289.

(٥) في (أ)، (ج): (تكفرون) وفي (ب) غير منقوطة، والتصحيح من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47.

(٦) في (ب): (عليكم).

انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 47، انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59ب، وابن عطية 1/ 220، وبمعناه كلام الفراء الآتي بعده.

(٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 23، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 190.

(٨) في (أ): (يقع) وما في (ب، ج) أنسب للسياق.

(٩) انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 4/ 3083 - 3084.

وذكر الهروي وجهاً رابعاً وهو: أن تكون (كان) مضمرا فيها اسمها (ضمير الشأن) وبعد كان جملة من مبتدأ وخبر مرفوعين.

انظر: "الأزهية في علم الحروف" ص 179.

(١٠) كذا في جميع النسخ الأولى (يكون).

(١١) انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 10/ 377، و"الأزهية في علم الحروف" ص183، و"مغني اللبيب" 2/ 559.

(١٢) وقد ذكر الأزهري عن ثعلب: أن للعلماء في الآية قولين: منهم من قال: (كان) == صلة أي، زائدة، وهذا ما أخذ به المؤلف هنا، ومنهم من قال (كان) هنا غير زائدة، وهو قول الفراء.

انظر: "تهذيب اللغة" (كان) 4/ 3084.

وجعلها المبرد زائدة مؤكدة.

انظر: "المقتضب" 4/ 417.

وقد قال ابن هشام: إن وجه الزيادة في (كان) هو أضعف الوجوه.

انظر: "مغني اللبيب" 2/ 559.

(١٣) في (أ)، (ج): (ينصرف) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.

(١٤) في (أ)، (ج): (يدل) واخترت ما في (ب)، لمناسبته للسياق.

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٦) انظر: "الإيضاح العضدي" للفارسي 1/ 95، "الأضداد" لابن الأنباري ص 65، "الأزهية في علم الحروف" ص183، "مغني اللبيب" 2/ 559.

(833).

(١٧) ذكره الازهري وقال: و (الْكَيْنَونَة) أحسن.

"التهذيب" 4/ 3084.

(١٨) في (أ)، (ج) (يقول) وفي (ب) بدون نقط والعبارة كما في "التهذيب": قال الفراء: (العرب تقول ذوات الياء ...

إلخ)، "التهذيب": 4/ 3083.

(١٩) في (ب) (الحيرورة)، وفي "التهذيب" (الحيدودة) وهذا الأقرب؛ لأنه قال: الطيرورة من طرت والحيدودة من حدت.

"التهذيب" 4/ 3083.

(٢٠) الهوع بالفتح والضم: سوء الحرص وشدته، والعداوة، وهاع: قاء من غير تكلف، == والاسم (الهَوْع) و (الهُواع) و (الهَيْعُوعة)، انظر "القاموس" (الهوع) ص 777.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٢) في (ب): (في الاكونونه).

(٢٣) (ياء) ساقطة من جميع النسخ، والتصحيح من "تهذيب اللغة" 4/ 3084.

(٢٤) فصارت (كَينُونَة) انظر "اللسان" (كون) 7/ 3959.

(٢٥) انتهى كلام الفراء كما في "التهذيب" بنصه، 4/ 3084 (كان).

وانظر "اللسان" (كون) 7/ 3959، وفيه عن ابن بري نحو كلام الخليل، وما بعد هذا من كلام الفراء لا ارتباط له بما سبق حيث الكلام السابق ورد بتهذيب اللغة ولعله أخذه عن كتاب المصادر للفراء وما بعده من كتاب "معاني القرآن" كما سيأتي.

(٢٦) في (ب): (ويضم).

(٢٧) في "معاني القرآن" (وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾ المعنى والله أعلم وقد كنتم، ولولا إضمار (قد) ...

إلخ) 1/ 24.

(٢٨) الواو في قوله ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ ﴾ ساقطة من (ب) وكذا وردت الآية في "معاني القرآن" 1/ 24.

(٢٩) انتهى ما نقله عن الفراء، انظر: "معاني القرآن" 1/ 24، وما ذكره الفراء يقرر القاعدة التي عند الجمهور وهي أن الجملة الفعلية، إذا كان فعلها ماض ووقعت حالا لابد من (قد) ظاهرة أو مقدرة، وبهذا قال "الطبري" في "تفسيره" 1/ 190، والزجاج في "المعاني" 1/ 74، الثعلبي 1/ 59 ب، أبو حيان في "البحر" 1/ 130 وغيرهم.

(٣٠) من هنا يبدأ سقط لوحة كاملة في نسخة (ب).

(٣١) (التنانير) جمع (تنور) وهو واد ذو شجر يقع بين الكوفة وبلاد غطفان، انظر "معجم ما استعجم" 1/ 320، "معجم البلدان" 2/ 47.

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 74.

(٣٣) في (ج): (جا).

(٣٤) الرجز لجندب بن عمرو يعرض بامرأة الشماخ في قصة أوردها البغدادي في "الخزانة" 4/ 238، وهي في "ديوان الشماخ" ص 353، و (أم صبي): هي امرأة الشماخ، ورد البيت في "معاني القرآن" للفراء 1/ 214، "سر صناعة الإعراب" 2/ 641، "الخزانة" 4/ 238، "ديوان الشماخ" ص 363، "اللسان" (درج) 3/ 1353، "أوضح المسالك" ص193.

(٣٥) في (أ) و (ج): (حباب) وما في (ب) موافق لما في "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح.

(٣٦) قال في "اللسان": وجاز له ذلك؛ لأن (قد) تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد.

"اللسان" (درج) 3/ 1351.

(٣٧) انتهى ما نقله المؤلف -بتصرف- من كتاب "سر صناعة الإعراب" لأبي الفتح ابن جني 2/ 641.

(٣٨) في (أ): (أرادوا)، وما في (ب، ج) هو الصحيح.

(٣٩) الأثر عن ابن عباس أخرجه "الطبري" من طريق الضحاك عن ابن عباس، 1/ 187، وكذا ابن أبي حاتم 1/ 73، وذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، (الدر) 1/ 89، وذكره ابن كثير عن الضحاك عن ابن عباس ثم قال: وهكذا روى السدي بسنده عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مُرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية، والحسن، == ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح والضحاك وعطاء.

ابن كثير 1/ 71 - 72، انظر "الوسيط" 1/ 70.

(٤٠) وبهذا النص ذكره الفراء في "معاني القرآن" ولم ينسبه لأحد، 1/ 25، والذي ورد عن ابن عباس من طريق عطاء: كنتم أمواتا فأحياكم في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، أخرجه ابن أبي حاتم 1/ 73، وأخرج نحوه ابن جرير 1/ 189، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.

"الدر" 1/ 89، وذكره ابن كثير 1/ 71، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" في سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران 1/ 189 (رسالة ماجستير إعداد محمد العبد القادر).

قال "الطبري" -بعد أن ذكر نحو هذا التفسير-: (وهذا قول ووجه من التأويل، لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضى للقرآن تأويلهم، ثم قال: وأولى ما ذكرنا من الأقوال: القول الذي ذكرنا عن ابن عباس وابن مسعود: من أن معنى قوله: ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا ﴾ أموات الذكر خمولًا في أصلاب أبائكم نطفا، لا تعرفون ولا تذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرا سويا حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم ...) 1/ 189.

(٤١) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ عَهْدَ الله ﴾ مطلق في العهود وكذلك ما بعده من القطع والفساد، ويحتمل أن يشار بنقض عهد الله إلى اليهود، لأنهم نقضوا العهد الذي أخذ الله عليهم في الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويشار بقطع ﴿ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ إلى قريش؛ لأنهم قطعوا الأرحام التي بينهم وبين المؤمنين، ويشار بالفساد في الأرض إلى المنافقين؛ لأن الفساد من أفعالهم، حسبما تقدّم في وصفهم ﴿ مِيثَاقِهِ ﴾ الضمير للعهد أو لله تعالى ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ موضعها الاستفهام، ومعناها هنا: الإنكار والتوبيخ ﴿ وَكُنْتُمْ أمواتا ﴾ أي معدومين أي: في أصلاب الآباء، أو نطفاً في الأرحام ﴿ فأحياكم ﴾ أي أخرجكم إلى الدنيا ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ الموت المعروف ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ بالبعث ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ للجزاء، وقيل: الحياة الأولى حين أخرجهم من صلب آدم لأخذ العهد، وقيل: في الحياة الثانية إنها في القبور، والراجح القول الأول لتعينه في قوله: ﴿ وَهُوَ الذي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ [الحج: 66].

فوائد ثلاثة: الأولى: هذه الآية في معرض الردّ على الكفار، وإقامة البرهان على بطلان قولهم.

فإن قيل: إنما يصح الاحتجاج عليهم بما يعترفون به، فكيف يحتج عليهم بالبعث وهم منكرون له؟

فالجواب: أنه ألزموا من ثبوت ما اعترفوا به من الحياة والموت ثبوت البعث، لأن القدرة صالحة لذلك كله.

الثانية: قوله: ﴿ وكنتم أمواتاً ﴾ في موضع الحال، فإن قيل: كيف جاز ترك قد وهي لازمة مع الفعل الماضي إذا كان في موضع الحال فالجواب: أنه قد جاء بعد الماضي مستقبل، والمراد مجموع الكلام.

كأنه يقول: وحالهم هذه.

فلذلك لم تلزم قد.

الثالثة: عطف فأحياكم بالفاء؛ لأن الحياة إثر العدم ولا تراخي بينهما، وعطف ثم يميتكم وثم يحييكم بثم؛ للتراخي الذي بينهما.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأحياكم ﴾ وبابه بالإمالة: علي.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم كل القرآن: يعقوب.

وهو وبابه بسكون الهاء: أبو جعفر ونافع غير ورش وعلي وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ فأحياكم ﴾ (ج) للعدول أي ثم هو يميتكم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ ترجعون ﴾ (ط) ﴿ سموات ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه).

التفسير: هذه الآية مسوقة لبيان التعجب من حال الكفرة، وذلك أن الاستفهام من علام الغيوب يمتنع إجراؤه على أصله، فيتولد بمعونة قرائن الأحوال ما ذكرنا.

ووجهه هو أن الكفار حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على أحد الحالين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة.

فإذا قيل لهم: كيف تكفرون بالله؟

ومن المعلوم أن "كيف" للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص من بين سائر أحوال الكافر بالعلم بالصانع أو الجهل به، لأنه لا يمكن تصور كفر الكافر بالصانع مع الذهول عن كونه عالماً بالله أو جاهلاً به، بخلاف سائر أحواله المتقابلة كالقعود والقيام والسكون والحركة، فإنه يمكن تصور كفره مع الذهول عنها وإن كان لا ينفك الكافر في الوجود عنها كما لا ينفك من العلم بالصانع أو الجهل به في الوجود.

وتوجه الاستفهام إلى ذلك الذي له مزيد اختصاص فأفاد الاستفهام، أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به؟

لكن الجهل بعيد عن العاقل، لأن الحال حال علم بهذه القصة وهي أن كانوا أمواتاً فصاروا أحياء، وسيكون كذا والحال كذا من الإماتة، ثم الإحياء ثم الرجع إليه، فبقي أن يكون الحال حال العلم بالصانع الموجبة للصرف عن الكفر.

فصدور الفعل عمن له صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب وإنكار وتوبيخ فكأنه قيل: ما أعجب كفركم والحال أنكم عالمون بهذه القصة وهي أن كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة!

وهذه مما لا يشك فيها لأنها من المشاهدات، ثم يحييكم حين ينفخ في الصور أو حين تسألون في القبور، ثم إليه أي إلى حكمه ترجعون أي بعد الحشر للثواب والعقاب أو من قبوركم.

وهذه القضايا أيضاً مما لا يشك فيها لنصب الأدلة وإزاحة العلة.

والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل، وقد يطلق الميت على الجماد كقوله ﴿ بلدة ميتاً  ﴾ ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس.

ويحتمل أن يقال: المراد به خمول الذكر كقوله ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً  ﴾ قال أبو نخيلة السعدي: وأحييت لي ذكري وما كنت خاملاً *** ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض ولا يخفى أن الآية بالنسبة إلى العامة، فأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه  ﴾ ﴿ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم  ﴾ ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون  ﴾ ﴿ وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم  ﴾ ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم  ﴾ واعلم أن هذه الآية دالة على أمور منها: اشتمالها على وجود ما يدل على الصانع القادر العلم الحي السميع البصير الغني عما سواه.

ومنها الدلالة على أنه لا قدرة على الإحياة والإماتة إلا الله، فيبطل قول الدهري ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر  ﴾ ومنها الدلالة على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل القطعي الدال عليه، لأن الإعادة أهون من الإبداء.

ومنها الدلالة على التكليف والترغيب والترهيب، ومنها الدلالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: ﴿ فأحياكم ﴾ أي بعقب كونكم نطفاً من غير تخلل حالة أخرى بينهما، ثم يميتكم بعد انقضاء مهلة الحياة، ثم بيّن أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد من حياة ثانية للسؤال أو للحشر، ثم من الرجوع إليه للثواب أو العقاب.

فبين  أنه بعد ما كان نطفة فإنه أحياه وصوّره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وبصره بأنواع المضار والمنافع، وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور.

ثم إنه  يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، ويبقى مدة مديدة في اللحد ﴿ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ \[المؤمنون: 100\] ينادي فلا يجيب، ويستنطق فلا يتكلم، ثم لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون.

يمرّ أقاربي بحذاء قبري *** كأن أقاربي لم يعرفوني الهي إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا شاحبة وجوهنا جائعة بطوننا مثقلة من حمل الأوزار ظهورنا بادية لأهل القيامة سوآتنا، فلا تضغف مصائبنا بإعراضك عنا، يا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة.

ولما ذكر الله  في الآية الأولى أصل جميع النعم وهو الإحياء الذي من حقه أن يشكر ولا يكفر، أعقبها بذكر ما هو كالأصل لسائر النعم وهو خلق الأرض بما فيها، وخلق السماء.

ومعنى ﴿ لكم ﴾ لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم وذلك ظاهر، وفي دينكم من النظر في عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، ومن التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الإنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والألم من النيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف.

فظاهر الآية لا يدل إلا على خلق ما في الأرض لأجلهم دون الأرض.

فإن أريد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما يذكر السماء ويراد به الجهات العلوية جاز أن يراد خلق لكم الأرض وما فيها.

و ﴿ جميعاً ﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني وهو "ما" أي مجموعة، والمجموع الذي جمع من ههنا وههنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد ويندرج فيها جميع البسائط من الماء والهواء والنار وجميع المواليد من المعادن والنبات والحيوان وجميع الصنائع والحرف.

وبعضهم يستدل بهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة عقلاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها ويمكن أن يقال بل بهذه الآية وإلا كان تصرفاً في ملك الغير من غير إذنه.

ولا يلزم من أنه  خلق ما في الأرض لأجل المكلفين أن يكون فعله معللاً بغرض، وإن كان لا يخلو من فائدة وغاية، وإلا كان عبثاً لأنه لا يلزم من استتباع الفعل الغاية أن تكون تلك الغاية علة لعلية فاعلة، لأن هذا فيما إذا كانت فاعليته ناقصة لتتكمل بتلك الغاية، أما إذا كانت فاعليته تامة فإنه يوجد الشيء ذا الغاية من غير أن تكون تلك الغاية حاملة له على ذلك، وهذا فرق دقيق يتنبه له من يسر عليه قيل: إنه  خلق الكل للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً، قلنا: قابل الكل بالكل فيقتضي مقابلة الفرد للفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل.

والاستواء بمعنى الانتصاب ضد الاعوجاج من صفات الأجسام، وإنه  منزه عن ذلك.

وأيضاً "ثم" تقتضي التراخي، فلو كان المراد بهذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أزلاً ولم يكن متأخراً عن خلق ما في الأرض، فيجب التأويل.

وتقريره أن يقال: استوى العود إذا اعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه استعير قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء  ﴾ أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر.

والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق، أو هذا كقولك لآخر "اعمل هذا الثوب" وإنما معه غزل.

على أنها كانت دخاناً ثم سواها سبع سموات.

و "ثم" ههنا إما للتراخي في الوقت والمراد أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر كما قلنا، أو للتفاوت بين الخلقين.

وفضل خلق السموات على خلق الأرض كقوله ﴿ فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وكقوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا  ﴾ وتفسير هذه الآية في قوله ﴿ قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين  ﴾ يعني تقدير الأرض في يومين، وتقدير الأقوات في يومين، كما يقول القائل: من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً، وإلى مكة ثلاثون يوماً، يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر.

ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين، ومجموع ذلك ستة أيام كما قال ﴿ خلق السموات والأرض في ستة أيام  ﴾ فإن قيل: أما يناقض هذا قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها  ﴾ قلنا: أجاب في الكشاف لا، لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر.

وعن الحسن: خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله ﴿ كانتا رتقاً  ﴾ وهو الالتزاق، وزيف بأن الأرض جسم عظيم يمتنع انفكاك خلقها عن التدحية.

وأيضاً قوله  ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ يدل على أن خلق الأرض وخلق ما فيها مقدم على خلق السماء، لأن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوّة.

وقال بعض العلماء في دفع التناقض قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها  ﴾ يقتضي تقدم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وزيف أيضاً بأن قوله ﴿ ءأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسوّاها.

وأغطش ليلها وأخرج ضحاها.

والأرض بعد ذلك دحاها  ﴾ يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، بل على خلقها لأنهما متلازمان.

وحينئذ يعود التناقض والمعتمد عند بعضهم في دفعه أن يقال "ثم" ليس للترتيب ههنا، وإنما هو على جهة تعديد النعم.

مثاله: أن تقول لغيرك: ألست قد أعطيتك نعماً عظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت عنك الخصوم؟

ولعل بعض ما أخرته في الذكر مقدم في الوقوع.

(قلت): وهذا صحيح معقول من حيث ابتداء الوجود من الأشرف فالأشرف والألطف فالألطف إن ساعده النقل وإلا فلا إحالة في أنه  خلق الأرض أولاً في غاية الصغر وجعل فيها أصول الجبال ووضع فيها البركة وقدر الأقوات ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً ثم دحا الأرض بأن جعلها أعظم مما كانت عليه كهيئتها الآن والله  أعلم.

والضمير في ﴿ سوّاهن ﴾ ضمير مبهم، و ﴿ سبع سموات ﴾ تفسيره نحو: ربه رجلاً.

وفائدة الإبهام أولاً ثم البيان ثانياً أن الكلام هكذا أوقع في النفس، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب.

وقيل: الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس.

وقيل: جمع سماءة والوجه العربي هو الأول.

ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وهو بكل شيء عليم، فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب الحاجات وكفاء المصالح، ومقتضى الحكمة والتدبير.

وهذا عام لم يدخله التخصيص قط، وبه يهدم بناء من زعم أنه غير عالم بالجزئيات، لأنه  لو لم يعرف تفاصيلها لم تكن مخلوقاته على غاية الإتقان والإحكام، ف  من خبير يعلم الذرة في الأجواف، والدرة في الأصداف، والقطرة في البحر، والخطرة في النحر، وعلى هذا يدور نظام العالم وبه يحصل قوام مناهج بني آدم.

ثم إن العقل قد يدل على وجود سبع سموات، وتخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، فأثبت أهل الأرصاد تسعة أفلاك على ما استقر عليه رأيهم، أولها من الجانب الأعلى للحركة اليومية، لأن هذه الحركة تشمل جميع الأجرام، فيجب أن يكون فلكها حاوياً للكل.

وثانيها للثوابت جميعها تحديداً لأدنى الدرجات لاتحاد الحركات وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزاً.

والسبعة الباقية للسيارات السبعة جميع ذلك بوجود اختلاف المنظر وعدمه.

وعلى ترتيب خسف بعضها بعضاً، أولها مما يلينا للقمر وفوقه لعطارد ثم للزهرة ثم للشمس ثم للمريخ ثم للمشتري ثم لزحل.

ونازعهم بعض الناس في زيادة الفلكين الثامن والتاسع فقال: من المحتمل أن تتصل نفس بمجموع السبعة فتحركها حركة الكل، ثم يكون لكل فلك نفس على حدة تحركه حركته الخاصة به، وتكون الثوابت على محدب ممثل زحل مثلاً.

وبالجملة فلم يتبين لأحد من الأوائل والأواخر كمية أعداد السموات على ما هي عليه لا عقلاً ولا سمعاً ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .

كأن هذا - والله أعلم - يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول الله  - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟

فقال عز وجل جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى...

﴾ الآية.

لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاسحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأَنَفَة.

والله - عز وجل - لا يستحيى عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله  وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها.

فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفاً منهم وإِنكافاً.

ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى الله  : فقال قوم: يجوز ذلك بما رُوي في الخبر: "أَن الله يستحيى أَن يعذب من شاب فى الإسلام" ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم.

وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله  ؛ لأَن تحته الإِنكاف والأَنفه، وذلك عن الله  مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع.

وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .

أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة.

وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ .

لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة.

وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ .

الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيراً، وأَراد أن يهدي به كثيراً، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، والله أَعلم.

وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكلَّ ولكنهم لم يهتدوا.

والثاني: يُضلُّ به كثيراً؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي.

وقد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .

أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ ﴾ .

عهد الله يكون على وجهين: عهدُ خِلْقةٍ؛ لما يشهد خَلْقه كُلُّ أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ  ﴾ .

وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ...

﴾ الآية [الروم: 8].

إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أَن له صانعاً وأَنه واحد لا شريك له.

وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

فنقضوا العهدين جميعاً؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة.

وقوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ .

يَحْتَمِل وجهين: يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ  ﴾ .

وقيل: يقطعون ما أمر الله أَن يوصل من صلة الأرحام.

وقوله: ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ  ﴾ .

وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً  ﴾ .

وقوله: ﴿ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ .

يحتمل أَيضاً وجهين: خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا.

ورُوي عن الحسن أَنه قال في قوله: ﴿ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ : أي: قذفوا أَنفسهم - باختيارهم الكفر - بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين.

وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: "كيف": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون الله من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإِماتةُ بعد الإِحياءِ؟

وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ يعني نُطَفاً ﴿ فَأَحْيَٰكُمْ ﴾ ، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإِحياء بعد الموت؟

وقيل: كيف تكفرون بالإِحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإِفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبثٌ ولعبٌ؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ لو لم يجعل للخلق داراً للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثاً هازلاً خارجاً من الحكمة؟!

 عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .

أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب.

والثاني: ترجعون إلى ما أعَدَّ لَكُم من العذاب.

احتج عليهم بما أَخبرهم الله أَنه أَنشأَهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كأَنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون.

قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .

قيل: إنه صلة قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته.

ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيماً من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجََّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره؟

ويحتمل ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!

وفي بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمةٌ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ  ﴾ .

وقيل: استوى: تمَّ؛ كقوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ  ﴾ أي: تَمَّ.

وقيل: استوى: أَي: استولى.

والأَصل عندنا في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ  ﴾ و ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ  ﴾ ، وغيرها من الآيات من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ...

﴾ الآية [الفجر: 22]، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [البقرة: 210] من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف الله  بما يستحق كثيرٌ من الخلق الوصفَ به على التشابه.

في الحقيقة إنها تحتمل وجوهاً: أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه الله.

وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعاً، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق.

وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد الله.

وبالله التوفيق.

والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ  ﴾ أَي: بالملك.

وذلك كقوله: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ...

 ﴾ أَي: بربك ﴿ فَقَاتِلاۤ ﴾ ؛ إذ معلوم أَنّه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك.

وكذلك معلم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك.

يدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وكذلك ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...

﴾ الآية: [البقرة: 210].

ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر.

وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ...

﴾ الآية [الفرقان: 22]، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ  ﴾ .

فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ  ﴾ مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه.

والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.

وكذلك تقدرُه الأَوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيءٍ؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا بالله.

وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدِّرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأَنه أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

مرة قال: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ  ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ الآية [فصلت: 12]، ومرة قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ .

وكله يرجع إلى واحد.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن أمركم -أيها الكفار- لعجب!

كيف تكفرون بالله، وأنتم تشاهدون دلائل قدرته في أنفسكم، فقد كنتم عدمًا لا شيء، فأنشأكم وأحياكم، ثم هو يميتكم الموتة الثانية، ثم يحييكم الحياة الثانية، ثم يرجعكم إليه ليحاسبكم على ما قدمتم.

<div class="verse-tafsir" id="91.knEaA"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام متصل بما قبله ومرتبط به ارتباطًا محكمًا والخطاب للفاسقين الذين يضلون بالمثل فإنه وصفهم أولًا بنقض العهد الإلهي الموثق، وقطع ما أمر به سبحانه أن يوصل، سواء كان الأمر أمرَ تكوين وهو السنن الكونية، أو أمر تشريع وهو الديانة السماوية، ثم بعد هذا البيان جاء بهذا الاستفهام التعجبي عن صفة كفرهم مقترنًا بالبرهان الناصع على أنه لا وجه له، ولا شبهة تسوغ الإقامة عليه فقال ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ  ﴾ ؟

أي بأي صفة من صفات الكفر بالله تعالى تأخذون وعلى أية شبهة فيه تعتمدون، وحالكم في موتيكم وحياتيكم تأبى عليكم ذلك، ولا تدع لكم عذرًا فيه؟

وبين هذه الحال بقوله ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ  ﴾ أي والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة الأولى من حياتكم الدنيا أمواتًا منبثة أجزاؤكم في الأرض، بعضها في طبقتها الجامدة وبعضها في طبقتها السائلة وبعضها في طبقتها الغازية (الهوائية) لا فرق في ذلك بينها وبين أجزاء سائر الحيوان والنبات، فخلقكم أطوارًا من سلالة من طين، فكنتم بالطور الأخير في أحسن تقويم، وفضلكم على غيركم بما وهبكم من العقل والإدراك وما سخر لكم من الكائنات ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ  ﴾ يقبض الروح الحي الذي به نظام حياتكم هذه فتنحل أبدانكم بمفارقته إياها وتعود إلى أصلها الميت وتنبث في طبقات الأرض وتدغم في عوالمها، حتى ينعدم هذا الوجود الخاص به ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ  ﴾ حياة ثانية كما أحياكم بعد الموتة الأولى بلا فرق إلا ما تكون به الحياة الثانية أرقى في مرتبة الوجود وأكمل لمن يزكون أنفسهم في تلك، وأدنى منها وأسفل فيمن يدسونها ويفسدون فطرتها ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا  وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا  ﴾ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ فينبئكم بما عملتم، ويحاسبكم على ما قدمتم، ويجازيكم به.

وأقول: إن تراخي الإرجاع إلى الله تعالى عن حياة البعث عبارة عن تأخير الحساب والجزاء وطول زمن الوقوف والانتظار كما ورد في حديث الشفاعة العظمى وغيره.

فإذا كان هذا شأنكم معه وهذا فضله عليكم، وهذا مبدأكم وذلك منتهاكم، فكيف تكفرون به وتنكرون عليه أن يضرب لكم مثلًا تهتدون به، ويبعث فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من قيام مصالحكم في حياتكم الأولى، وسعادتكم في حياتكم الأخرى؟

لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحي الذي هو دليلها ومثبتها، لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث في هذا المقام، لأن الاحتجاج بالحياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتعجب من كفرهم بالله وإنكارهم عليه أن يضرب مثلًا ما لهداية الناس زعمًا أن هذا لا يليق بعظمته، فإن من أوجد هذا الإنسان الكريم، وجعله في أحسن تقويم، وركب صورته من تلك الذرات الصغيرة، والنطفة المهينة الحقيرة، والعلقة الدموية أو الدودية، والمضغة اللحمية، ﴿ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا  ﴾ .

والكلام مسوق لإبطال شبه منكري المثل والقرآن الذي جاء به، لا لإبطال شبه منكري البعث بلوامع شهبه، ثم عن تمثيل إحدى الحياتين بعد الموت بالأخرى داحض لحجة من يزعم عدم إمكان الثانية، لأن ما جاز في أحد المثلين جاز في الآخر، والكلام في إثبات الوحي الإلهي للنبي المرسل من البشر والإيمان بالبعث تابع له.

ثم بعد بيان بعض آياته في أنفسهم بذكر المبدأ والمنتهي ذكرهم بآياته في الآفاق فقال ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا  ﴾ ، فالكلام على اتصاله وترتيبه، وانتظام جواهره في سلك أسلوبه، فليس في قوله كيف تكفرون إلخ، انتقال لإثبات البعث كما قال بعض المفسرين غفلة عن هذا الاتصال المتين، ولعمري إن وجوه الاتصال بين الآيات، وما فيها من دقائق المناسبات، لهي ضرب من ضروب البلاغة، وفن من فنون الإعجاز، إذا أمكن للبشر الإشراف عليه، فلا يمكنهم البلوغ إليه، والكلام في البعث في القرآن كثير جدًا فلا حاجة إلى الإسراع إليه هنا.

يصور لنا قوله تعالى ﴿ خَلَقَ لَكُم  ﴾ قدرته الكاملة، ونعمه الشاملة، وأي قدرة أكبر من قدرة الخالق؟

وأي نعمة أكمل من جعل كل ما في الأرض مهيئًا لنا، ومعدًا لمنافعنا؟

وللانتفاع بالأرض طريقان: (أحدهما): الانتفاع بأعيانها في الحياة الجسدية.

(وثانيهما): النظر والاعتبار بها في الحياة العقلية، والأرض هي ما في الجهة السفلى، أي ما تحت أرجلنا، كما أن المراد بالسماء كل ما في الجهة العليا أي فوق رؤوسنا، وإننا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعه وحكمته.

والتعبير يفي بتناول ما في جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح.

قال تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ  ﴾ يقال استوى إلى الشيء إذا قصد إليه قصدًا مستويًا خاصًا به لا يلوي على غيره.

وقال الراغب: إذا تعدى استوى بإلى اقتضى الانتهاء إلى الشيء، إما بالذات وإما بالتدبير، والمراد أن إرادته توجهت إلى مادة السماء كما قال في سورة فصلت ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ  ﴾ إلخ ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ  ﴾ فأتم خلقهن من تلك المادة الدخانية، فجعلهن سبع سموات تامات منتظمات الخلق.

وهذا الترتيب يوافق ما كان معروفًا عند اليهود عن سيدنا موسى  من أن الله تعالى خلف الأرض أولًا، ثم خلق السموات والنور، ولا مانع من الأخذ بظاهر الآية، فإن الخلق غير التسوية، ألا ترى أن الإنسان في طور النطفة والعلقة يكون مخلوقًا ولكنه لا يكون بشرًا سويًا في أحسن تقويم كما يكون عند إنشائه خلقًا آخر، وسنبين إن شاء الله تعالى عند تفسير قوله تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا  ﴾ أن العالم كان شيئًا واحدًا ثم فصله الله تعالى بالخلق تفصيلًا، وقدره تقديرًا، فلا مانع إذن من أن يكون خلق الأرض وما فيها سابقًا على تسوية السماء سبعًا، نعم إن هذا من أسرار الخلقة التي لا نعرفها وربما يتوهم أن هذه الآية تناقض أو تخالف قوله تعالى بعد ذكر خلق السماء وأنوارها ﴿ والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا  ﴾ والجواب عنه من وجهين: أحدهما-أن البعدية ليست بعدية الزمان ولكنها البعدية في الذكر، وهي معروفة في كلام العرب وغيرهم، فلا بعد في أن نقول فعلت كذا لفلان وأحسنت عليه بكذا وبعد ذلك ساعدته في عمل كذا كما تقول وزيادة على ذلك ساعدته في عمله، تريد نوعًا آخر من أنواع الإحسان من غير ملاحظة التأخر في الزمان.

ثانيهما-أن الذي كان بعد خلق السماء هو دحو الأرض أي جعلها ممهدة مدحوة قابلة للسكنى والاستعمار لا مجرد خلقها وتقدير أقواتها فيها، وخلق الله وتقديره لم ينقطع من الأرض ولا ينقطع منها ما دامت، وكذلك يقال في غيرها.

وحاصل القول إن الله تعالى خلق هذه الأرض وهذه السماوات التي فوقنا بالتدريج، وما أشهدنا خلقهن، وإنما ذكر لنا ما ذكره للاستدلال على قدرته وحكمته، وللامتنان علينا بنعمته، لا لبيان تاريخ تكوينهما بالترتيب، لأن هذا ليس من مقاصد الدين، فابتداء الخلق غير معروف، ولا ترتيبه، إلا أن تسوية السماء سبع سماوات يظهر أنه كان بعد تكوين الأرض، ويظهر أن السماء كانت موجودة إلا أنها لم تكن سبعًا، ولذلك ذكر الاستواء إليها وقال ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ  ﴾ فنؤمن بأنه فعل ذلك لحكم يعلمها، وقد عرض علينا ذلك لنتدبر ونتفكر، فمن أراد أن يزداد علمًا فليطلبه من البحث في الكون، وعليه بدراسة ما كتب الباحثون فيه من قبل، وما اكتشف المكتشفون من شؤونه، وليأخذ من ذلك بما قام عليه الدليل الصحيح لا بما يتخرص به المتخرصون ويخترعونه من الأوهام والظنون، وحسبه أن الكتاب أرشده إلى ذلك وأباحه له.

هذه الإباحة للنظر والبحث في الكون، بل هذا الإرشاد إليها بالصيغ التي تبعث الهمم وتشوق النفوس ككون كل ما في الأرض مخلوقًا لنا محبوسًا على منافعنا هو مما امتاز به الإسلام في ترقية الإنسان، فقد خاطبنا القرآن بهذا على أن أهل الكتاب كانوا متفقين في تقاليدهم وسيرتهم العملية على أن العقل والدين ضدان لا يجتمعان، والعلم والدين خصمان لا يتفقان، وأن جميع ما يستنتجه العقل خارجًا عن نص الكتاب فهو باطل.

ولذلك جاء القرآن يلح أشد الإلحاح بالنظر العقلي، والتفكر والتدبر والتذكر، فلا تقرأ منه قليلًا إلا وتراه يعرض عليك الأكوان ويأمرك بالنظر فيها واستخراج أسرارها واستجلاء حكم اتفاقها واختلافها ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ  ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ  ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا  ﴾ ﴿ أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدًا.

وإكثار القرآن من شيء دليل على تعظيم شأنه ووجوب الاهتمام به، ومن فوائد الحث على النظر في الخليقة للوقوف على أسرارها بقدر الطاقة، واستخراج علومها لترقية النوع الإنساني الذي خلقت هي لأجله- مقاومة تلك التقاليد الفاسدة التي كان عليها أهل الكتاب فأودت بهم وحرمتهم من الانتفاع بما أمر الله الناس أن ينتفعوا به.

كانت أوروبا المسيحية في غمرة من الجهل، وظلمات من الفتن، تسيل الدماء فيها أنهارًا لأجل الدين، وباسم الدين وللإكراه على الدين، ثم فاض طوفان تعصبها على المشرق ورجعت بعد الحروب الصليبية تحمل قبسًا من دين الإسلام وعلوم أهله، فظهر فيهم بعد ذلك قوم قالوا: إن لنا الحق في أن نتفكر، وأن نعلم أو نستدل، فحاربهم الدين ورجاله حربًا عوانًا انتهت بظفر العلم ورجاله بالدين ورجاله، وبعد غسل الدماء المسفوكة قام منذ مائتي سنة إلى اليوم رجال منهم يسمون هذه المدنية القائمة على دعائم العلم: المدنية المسيحية، ويقولون بوجوب محق سائر الأديان ومحوها بعد انهزامها من أمام الدين المسيحي لأنها لا تتفق مع العلم وفي مقدمتها الدين الإسلامي، وحجتهم على ذلك حال المسلمين، نعم إن المسلمين أصبحوا وراء الأمم كلها في العلم حتى سقطوا في جاهلية أشد جهلًا من الجاهلية الأولى، فجهلوا الأرض التي هم عليها، وضعفوا عن استخراج منافعها، فجاء الأجنبي يتخطفها من بين أيديهم وهم ينظرون وكتابهم قائم على صراطه يصيح بهم ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا  ﴾ .

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ  ﴾ ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا  ﴾ الآية وأمثال ذلك ولكنهم ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ  ﴾ ..

إلا من رحم الله، ولو عقلوا لعادوا، ولو عادوا لاستفادوا، وبلغوا ما أرادوا، وها نحن أولاء نذكرهم بكلام الله لعلهم يرجعون، ولا نيأس من روح الله ﴿ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ  ﴾ .

ثم ختم الآية  بقوله ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ أي فهو المحيط بكيفية التكوين وحكمته، وبما ينفع الناس بيانه، وإذا كان العاقل يدرك أن هذا النظام المحكم لا يكون إلا من عليم حكيم فكيف يصح له أن ينكر عليه أن يرسل من يشاء من خلقه لهداية من شاء من عباده؟

فهذا الآخر يتصل بأول الآية في تقرير رسالة النبي  وإبطال شبه الذين أنكروا أن يكون البشر رسولًا، والذين أنكروا أن يكون من العرب رسول، لأن قصارى ذلك كله اعتراض الجاهلين، على من هو بكل شيء عليم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله