الآية ٢٨٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨٣ من سورة البقرة

۞ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ وَلَمْ تَجِدُوا۟ كَاتِبًۭا فَرِهَـٰنٌۭ مَّقْبُوضَةٌۭ ۖ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًۭا فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِى ٱؤْتُمِنَ أَمَـٰنَتَهُۥ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ ۗ وَلَا تَكْتُمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ ۚ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٌۭ قَلْبُهُۥ ۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌۭ ٢٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 204 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٨٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٨٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( وإن كنتم على سفر ) أي : مسافرين وتداينتم إلى أجل مسمى ( ولم تجدوا كاتبا ) يكتب لكم .

قال ابن عباس : أو وجدوه ولم يجد قرطاسا أو دواة أو قلما فرهن مقبوضة ، أي : فليكن بدل الكتابة رهان مقبوضة في يد صاحب الحق .

وقد استدل بقوله : ( فرهان مقبوضة ) على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض ، كما هو مذهب الشافعي والجمهور ، واستدل بها آخرون على أنه لا بد أن يكون الرهن مقبوضا في يد المرتهن ، وهو رواية عن الإمامأحمد ، وذهب إليه طائفة .

واستدل آخرون من السلف بهذه الآية على أنه لا يكون الرهن مشروعا إلا في السفر ، قاله مجاهد وغيره .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن أنس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقا من شعير ، رهنها قوتا لأهله .

وفي رواية : من يهود المدينة .

وفي رواية الشافعي : عند أبي الشحم اليهودي .

وتقرير هذه المسائل في كتاب " الأحكام الكبير " ، ولله الحمد والمنة ، وبه المستعان .

وقوله : ( فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) روى ابن أبي حاتم بإسناد جيد ، عن أبي سعيد الخدري أنه قال : هذه نسخت ما قبلها .

وقال الشعبي : إذا ائتمن بعضكم بعضا فلا بأس ألا تكتبوا أو لا تشهدوا .

وقوله : ( وليتق الله ربه ) يعنى : المؤتمن ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، من رواية قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " .

وقوله : ( ولا تكتموا الشهادة ) أي : لا تخفوها وتغلوها ولا تظهروها .

قال ابن عباس وغيره : شهادة الزور من أكبر الكبائر ، وكتمانها كذلك .

ولهذا قال : ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) قال السدي : يعني : فاجر قلبه ، وهذه كقوله تعالى : ( ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ) [ المائدة : 106 ] ، وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) [ النساء : 135 ] ، وهكذا قال هاهنا : ( ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة في قراءة ذلك.

فقرأته القرأة في الأمصار جميعًا(كَاتِبًا)، بمعنى: ولم تجدوا من يكتب لكم كتابَ الدَّين الذي تداينتموه إلى أجل مسمًّى،" فرهان مقبوضة ".

* * * وقرأ جماعةٌ من المتقدمين: ( وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا )، بمعنى: ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين سبيلٌ، إما بتعذّر الدواة والصحيفة، وإما بتعذر الكاتب وإن وجدتم الدواة والصحيفة.

* * * والقراءة التي لا يجوز غيرها عندنا هي قراءة الأمصار: " ولم تجدوا كاتبًا "، بمعنى: من يكتب، لأن ذلك كذلك في مصاحف المسلمين.

* * * [قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه]: (1) وإن كنتم، أيها المتداينون، في سفر بحيث لا تجدون كاتبًا يكتب لكم، ولم يكن لكم إلى اكتتاب كتاب الدين الذي تداينتموه إلى أجل مسمى بينكم الذي أمرتكم باكتتابه والإشهاد عليه سبيلٌ، فارتهنوا بديونكم التي تداينتموها إلى الأجل المسمى رهونًا تقبضونها ممن تداينونه كذلك، ليكون ثقةً لكم بأموالكم.

ذكر من قال ما قلنا في ذلك: 6435 - حدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك قوله: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة "، فمن كان على سفر فبايع بيعًا إلى أجل فلم يجد كاتبًا، فرخص له &; 6-95 &; في الرهان المقبوضة، وليس له إن وَجد كاتبًا أن يرتهن.

6436 - حدثت عن عمار قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا "، يقول: كاتبًا يكتب لكم =" فرهان مقبوضة ".

6437 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك قال: ما كان من بيع إلى أجل، فأمر الله عز وجل أنْ يكتب ويُشْهد عليه، وذلك في المُقام.

فإن كان قوم على سفر تبايعوا إلى أجل فلم يجدوا [كاتبًا]، فرهان مقبوضة.

(2) * * * ذكر قول من تأول ذلك على القراءة التي حكيناها: 6438 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس: " فإن لم تجدوا كتابًا "، يعني بالكتاب، الكاتبَ والصحيفة والدواة والقلم.

6439 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا ابن جريج قال، أخبرني أبي، عن ابن عباس أنه قرأ: " فإن لم تجدوا كتابًا "، قال: ربما وجد الرجل الصحيفة ولم يجد كاتبًا.

6440 - حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، كان يقرأها: " فإن لم تجدوا كتابًا "، ويقول: ربما وجد الكاتبُ ولم تُوجد الصحيفة أو المداد، ونحو هذا من القول.

6441 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كتابًا "، يقول: مدادًا، - يقرأها كذلك - يقول: فإن لم تجدوا مدادًا، فعند ذلك تكون الرهون المقبوضة =" فرهن مقبوضة "، قال: لا يكون الرهن إلا في السفر.

&; 6-96 &; 6442 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد بن زيد، عن شعيب بن الحبحاب قال: إن أبا العالية كان يقرؤها،" فإن لم تجدوا كتابًا "، قال أبو العالية: تُوجد الدواةُ ولا توجد الصحيفة.

* * * قال أبو جعفر: واختلف القرأة في قراءة قوله: " فرهان مقبوضة ".

فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ( فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ )، بمعنى جماع " رَهْن " كما " الكباش " جماع " كبش "، و " البغال " جماع " بَغل "، و " النعال " جماع " نعل ".

* * * وقرأ ذلك جماعة آخرون: ( فَرُهُنٌ مَقْبُوضَةٌ ) على معنى جمع: " رِهان "،" ورُهن " جمع الجمع، وقد وجهه بعضهم إلى أنها جمع " رَهْن ":، مثل " سَقْف وسُقُف ".

* * * وقرأه آخرون: ( فَرُهْنٌ ) مخففة الهاء على معنى جماع " رَهْن "، كما تجمع " السَّقْف سُقْفًا ".

قالوا: ولا نعلم اسمًا على " فَعْل " يجمع على " فُعُل وفُعْل " إلا " الرُّهُنُ والرُّهْن ".

و " السُّقُف والسُّقْف ".

قال أبو جعفر: والذي هو أولى بالصواب في ذلك قراءة من قرأه: " فرهان مقبوضة ".

لأن ذلك الجمعُ المعروفُ لما كان من اسم على " فَعْل "، كما يقال: " حَبْلٌ وحبال " و " كَعْب وكعاب "، ونحو ذلك من الأسماء.

فأما جمع " الفَعْل " على " الفُعُل أو الفُعْل " فشاذّ قليل، إنما جاء في أحرف يسيرة وقيل: " سَقْف وسُقُفٌ وسُقْف "" وقلْبٌ وقُلُب وقُلْب " من: " قلب النخل ".

(3) " وجَدٌّ وجُدٌّ"، للجد الذي هو بمعنى الحظّ.

(4) وأما ما جاء من جمع " فَعْل " على " فُعْل " &; 6-97 &; ف " ثَطٌّ، وثُطّ"، و " وَرْدٌ ووُرْد " و " خَوْدٌ وخُود ".

وإنما دعا الذي قرأ ذلك: " فرُهْنٌ مقبوضة " إلى قراءته فيما أظن كذلك، مع شذوذه في جمع " فَعْل "، أنه وجد " الرِّهان " مستعملة في رِهَان الخيل، فأحبّ صرف ذلك عن اللفظ الملتبس برهان الخيل، الذي هو بغير معنى " الرهان " الذي هو جمع " رَهْن "، ووجد " الرُّهُن " مقولا في جمع " رَهْن "، كما قال قَعْنَب: بَـانَتْ سُـعادُ وأَمْسَـى دُونَهَـا عَـدَنُ وَغَلِقَـتْ عِنْدَهَـا مِـنْ قَلْبِـكَ الـرُّهُنُ (5) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن كان المدين أمينًا عند رب المال والدَّين فلم يرتهن منه في سفره رَهْنًا بدينه لأمانته عنده على ماله وثقته، =" فليتق الله "، المدينُ =" رَبّه "، يقول: فليخف الله ربه في الذي عليه من دين صاحبه أن يجحده، أو يَلُطّ دونه، (6) أو يحاول الذهاب به، فيتعرّض من عقوبة الله لما لا قبل له، (7) به وليؤدّ دينه الذي ائتمنه عليه، إليه.

* * * وقد ذكرنا قول من قال: " هذا الحكم من الله عز وجل ناسخٌ الأحكامَ التي &; 6-98 &; في الآية قبلها: من أمر الله عز وجلّ بالشهود والكتاب ".

وقد دللنا على أولى ذلك بالصواب من القول فيه، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

(8) وقد:- 6443 - حدثني يحيى بن أبي طالب قال، أخبرنا يزيد قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله: " فإن أمِن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته "، إنما يعني بذلك: في السفر، فأما الحضر فلا وهو واجد كاتبًا، فليسَ له أن يرتهن ولا يأمن بعضُهم بعضًا.

* * * قال أبو جعفر: وهذا الذي قاله الضحاك = من أنه ليس لرب الدين ائتمانُ المدين وهو واجد إلى الكاتب والكتاب والإشهاد عليه سبيلا وإن كانا في سفر=، فكما قال، لما قد دللنا على صحّته فيما مضى قبل.

وأما ما قاله= من أنّ الأمر في الرّهن أيضًا كذلك، مثل الائتمان: في أنه ليس لربّ الحق الارتهان بماله إذا وجد إلى الكاتب والشهيد سبيلا في حضر أو سفر= فإنه قولٌ لا معنى له، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:- 6444- أنه اشترى طعامًا نَسَاءً، ورهن به درعًا لهُ.

(9) * * * فجائز للرجل أن يرهن بما عليه، ويرتهن بمالَهُ من حقّ، في السفر والحضر- لصحة الخبر بما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنّ معلومًا أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يكن - حين رَهن من ذكرنا - غير واجد كاتبًا ولا شهيدًا، لأنه لم يكن متعذرًا عليه بمدينته في وقت من الأوقات الكاتبُ والشاهدُ، غير أنهما إذا تبايعا برَهْن، فالواجب عليهما= إذا وجدا سبيلا إلى كاتب وشهيد، أو كان البيع &; 6-99 &; أو الدَّين إلى أجل مسمى (10) = أن يكتبا ذلك ويشهدَا على المال والرّهن.

وإنما يجوز ترك الكتاب والإشهاد في ذلك، حيث لا يكون لهما إلى ذلك سبيلٌ.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) قال أبو جعفر: وهذا خطابٌ من الله عز وجل للشهود الذين أمر المستدينَ وربَّ المال بإشهادهم، فقال لهم: وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا - ولا تكتموا، أيها الشهود، بعد ما شهدتم شهادَتكم عند الحكام، كما شهدتم على ما شهدتم عليه، ولكن أجيبوا من شهدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم على خصمه على حقه عند الحاكم الذي يأخذُ له بحقه.

ثم أخبر الشاهدَ جل ثناؤه ما عليه في كتمان شهادته، وإبائه من أدائها والقيام بها عند حاجة المستشهد إلى قيامه بها عند حاكم أو ذي سلطان، فقال: " ومن يَكتمها ".

يعني: ومن يكتم شهادته =" فإنه آثم قَلبه "، يقول: فاجرٌ قلبه، مكتسبٌ بكتمانه إياها معصية الله، (11) كما:- 6445 - حدثني المثنى قال، أخبرنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثمُ قلبه "، فلا يحل لأحد أن يكتم شهادةً هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا.

6446 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي &; 6-100 &; قوله: " ومن يكتمها فإنه آثم قلبه "، يقول: فاجر قلبه.

6447 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ (12) [سورة المائدة: 72]، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة، لأن الله عز وجل يقول: " ومَنْ يكتمها فإنه آثمٌ قلبه ".

* * * وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقول: " على الشاهد أن يشهد حيثما استُشهد، ويخبر بها حيثُ استُخبر ".

6448 - حدثني المثنى قال، حدثنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم قال، أخبرنا عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: إذا كانت عندك شهادة فسألك عنها فأخبره بها، ولا تقل: " أخْبِر بها عند الأمير "، أخبره بها، لعله يراجع أو يَرْعَوي.

* * * وأما قوله: " والله بما تعملون عليمٌ"، فإنه يعني: " بما تعملون " في شهادتكم من إقامتها والقيام بها، أو كتمانكم إياها عند حاجة من استشهدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها =" عليمٌ"، يحصيه عليكم، ليجزيكم بذلك كله جزاءكم، إما خيرًا وإما شرًّا على قدر استحقاقكم.

------------------- الهوامش : (1) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها ، حتى يستقيم الكلام .

(2) الزيادة بين القوسين ، أخشى أن تكون سقطت من الناسخ .

(3) هذا كله غريب لم يرد في كتب اللغة .

(4) وهذا أيضًا غريب لم أجده في كتب اللغة ، وإنما قالوا في جمعه"أجداد وأجد وجدود" .

وكان في المطبوعة"حد وحد" بالحاء ، و"الخط" ، وهو خطأ ، وفي المخطوطة غير منقوط .

(5) مختارات ابن الشجرى 1 : 6 ، ولباب الآداب 402-404 ، اللسان (رهن) ، وروايته هناك"من قبلك" ، وهي أجود فيما أرى .

غلق الرهن غلقًا (بفتحتين) وغلوقًا : إذا لم تجد ما تخلص به الرهن وتفكه في الوقت المشروط ، فعندئذ يملك المرتهن الرهن الذي عنده .

كان هذا على رسم الجاهلية ، فأبطله الإسلام .

يقول : فارقتك بعد العهود والمواثيق والمحبات التي أعطيتها ، فذهبت بذلك كله ، كما يذهب بالرهان من كانت تحت يده .

(6) يقال : "لط الغريم بالحق دون الباطل" : دافع ومنع الحق .

و"لط حقه ، ولط عليه" جحده ومنعه .

(7) في المطبوعة والمخطوطة : "ما لا قبل" بحذف اللام ، وما أثبت هو أقرب إلى الجودة .

(8) انظر ما سلف آنفًا : ص 53-55 .

(9) الأثر : 6444- ذكره الطبري بغير إسناد .

وقد رواه البخاري في صحيحه (الفتح 5 : 100- 102) ومسلم في صحيحه 11 : 39 ، 40 من طرق ، عن عائشة أم المؤمنين .

وسنن البيهقي 6 : 36 .

يقال نسأت عنه دينه نساء : (بالمد وفتح النون) : أخرته .

و"بعته بنسيئة" ، أي : بأخرة .

(10) في المطبوعة : "وكان البيع .

.

.

" وأثبت ما في المخطوطة .

(11) انظر تفسير"الإثم" فيما سلف من فهارس اللغة .

(12) في المخطوطة والمطبوعة : "ومن يشرك بالله" ، وليست هذه قراءتها ، أخطأ الناسخ وسها .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليمفيه أربع وعشرون مسألة :الأولى : لما ذكر الله تعالى الندب إلى الإشهاد والكتب لمصلحة حفظ الأموال والأديان ، عقب ذلك بذكر حال الأعذار المانعة من الكتب ، وجعل لها الرهن ، ونص من [ ص: 369 ] أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار ، لا سيما في ذلك الوقت لكثرة الغزو ، ويدخل في ذلك بالمعنى كل عذر .

فرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس وبالليل ، وأيضا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن .

وقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير فقال : إنما يريد محمد أن يذهب بمالي .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كذب إني لأمين في الأرض أمين في السماء ولو ائتمنني لأديت اذهبوا إليه بدرعي فمات ودرعه مرهونة صلى الله عليه وسلم ، على ما يأتي بيانه آنفا .الثانية : قال جمهور من العلماء : الرهن في السفر بنص التنزيل ، وفي الحضر ثابت بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهذا صحيح .

وقد بينا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى ، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر ، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود ، متمسكين بالآية .

ولا حجة فيها ؛ لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال .

وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره .

وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعا له من حديد .

وأخرجه النسائي من حديث ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير لأهله .الثالثة : قوله تعالى : ولم تجدوا كاتبا قرأ الجمهور " كاتبا " بمعنى رجل يكتب .

وقرأ ابن عباس وأبي ومجاهد والضحاك وعكرمة وأبو العالية " ولم تجدوا كتابا " .

قال أبو بكر الأنباري : فسره مجاهد فقال : معناه فإن لم تجدوا مدادا يعني في الأسفار .

وروي عن ابن عباس " كتابا " .

قال النحاس : هذه القراءة شاذة والعامة على خلافها .

وقلما يخرج شيء عن قراءة العامة إلا وفيه مطعن ، ونسق الكلام على كاتب ، قال الله عز وجل قبل هذا : وليكتب بينكم كاتب بالعدل و " كتاب " يقتضي جماعة .

قال ابن عطية : كتابا يحسن من حيث لكل نازلة [ ص: 370 ] كاتب ، فقيل للجماعة : ولم تجدوا كتابا .

وحكى المهدوي عن أبي العالية أنه قرأ " كتبا " وهذا جمع كتاب من حيث النوازل مختلفة .

وأما قراءة أبي وابن عباس " كتابا " فقال النحاس ومكي : هو جمع كاتب كقائم وقيام .

مكي : المعنى وإن عدمت الدواة والقلم والصحيفة .

ونفي وجود الكاتب يكون بعدم أي آلة اتفق ، ونفي الكاتب أيضا يقتضي نفي الكتاب ، فالقراءتان حسنتان إلا من جهة خط المصحف .الرابعة : قوله تعالى : فرهان مقبوضة وقرأ أبو عمرو وابن كثير " فرهن " بضم الراء والهاء ، وروي عنهما تخفيف الهاء .

وقال الطبري : تأول قوم أن " رهنا " بضم الراء والهاء جمع رهان ، فهو جمع جمع ، وحكاه الزجاج عن الفراء .

وقال المهدوي : فرهان ابتداء والخبر محذوف .

والمعنى فرهان مقبوضة يكفي من ذلك .

قال النحاس : وقرأ عاصم بن أبي النجود " فرهن " بإسكان الهاء ، ويروى عن أهل مكة .

والباب في هذا " رهان " ، كما يقال : بغل وبغال ، وكبش وكباش ، ورهن سبيله أن يكون جمع رهان ، مثل كتاب وكتب .

وقيل : هو جمع رهن ، مثل سقف وسقف ، وحلق وحلق ، وفرش وفرش ، ونشر ونشر ، وشبهه .

" ورهن " بإسكان الهاء سبيله أن تكون الضمة حذفت لثقلها .

وقيل : هو جمع رهن ، مثل سهم حشر أي دقيق ، وسهام حشر .

والأول أولى ؛ لأن الأول ليس بنعت وهذا نعت .

وقال أبو علي الفارسي : وتكسير " رهن " على أقل العدد لم أعلمه جاء ، فلو جاء كان قياسه أفعلا ككلب وأكلب ، وكأنهم استغنوا بالقليل عن الكثير ، كما استغني ببناء الكثير عن بناء القليل في قولهم : ثلاثة شسوع ، وقد استغني ببناء القليل عن الكثير في رسن وأرسان ، فرهن يجمع على بناءين وهما فعل وفعال .

الأخفش : فعل على فعل قبيح وهو قليل شاذ ، قال : وقد يكون " رهن " جمعا للرهان ، كأنه يجمع رهن على رهان ، ثم يجمع رهان على رهن ، مثل فراش وفرش .الخامسة : معنى الرهن : احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم ، وهكذا حده العلماء ، وهو في كلام العرب بمعنى الدوام والاستمرار .

وقال ابن سيده : ورهنه أي أدامه ، ومن رهن بمعنى دام قول الشاعر :الخبز واللحم لهم راهن وقهوة راووقها ساكبقال الجوهري : ورهن الشيء رهنا أي دام .

وأرهنت لهم الطعام والشراب أدمته لهم ، وهو طعام راهن .

والراهن : الثابت ، والراهن : المهزول من الإبل والناس ، قال :إما تري جسمي خلا قد رهن هزلا وما مجد الرجال في السمن[ ص: 371 ] قال ابن عطية : ويقال في معنى الرهن الذي هو الوثيقة من الرهن : أرهنت إرهانا ، حكاه بعضهم .

وقال أبو علي : أرهنت في المغالاة ، وأما في القرض والبيع فرهنت .

وقال أبو زيد : أرهنت في السلعة إرهانا : غاليت بها ، وهو في الغلاء خاصة .

قال ( مهرة بن حيدان أبو قبيلة ) :يطوي ابن سلمة بها من راكب بعرا عيدية أرهنت فيها الدنانيريصف ناقة .

والعيد بطن من مهرة ، وإبل مهرة موصوفة بالنجابة .

وقال الزجاج : يقال في الرهن : رهنت وأرهنت ، وقاله ابن الأعرابي والأخفش .

قال عبد الله بن همام السلولي :فلما خشيت أظافيرهم نجوت وأرهنتهم مالكاقال ثعلب : الرواة كلهم على ( أرهنتهم ) ، على أنه يجوز رهنته وأرهنته ، إلا الأصمعي فإنه رواه وأرهنهم ، على أنه عطف بفعل مستقبل على فعل ماض ، وشبهه بقولهم : قمت وأصك وجهه ، وهو مذهب حسن ؛ لأن الواو واو الحال ، فجعل أصك حالا للفعل الأول على معنى قمت صاكا وجهه ، أي تركته مقيما عندهم ؛ لأنه لا يقال : أرهنت الشيء ، وإنما يقال : رهنته .

وتقول : رهنت لساني بكذا ، ولا يقال فيه : أرهنت .

وقال ابن السكيت : أرهنت فيها بمعنى أسلفت .

والمرتهن : الذي يأخذ الرهن .

والشيء مرهون ورهين ، والأنثى رهينة .

وراهنت فلانا على كذا مراهنة : خاطرته .

وأرهنت به ولدي إرهانا : أخطرتهم به خطرا .

والرهينة واحدة الرهائن ، كله عن الجوهري .

ابن عطية : ويقال بلا خلاف في البيع والقرض : رهنت رهنا ، ثم سمي بهذا المصدر الشيء المدفوع تقول : رهنت رهنا ، كما تقول رهنت ثوبا .السادسة : قال أبو علي : ولما كان الرهن بمعنى الثبوت والدوام ؛ فمن ثم بطل الرهن عند الفقهاء إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه ؛ لأنه فارق ما جعل باختيار المرتهن له .قلت : هذا هو المعتمد عندنا في أن الرهن متى رجع إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهن ، وقاله أبو حنيفة ، غير أنه قال : إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل .

وقال الشافعي : إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقا لا يبطل حكم القبض المتقدم ، ودليلنا فرهان مقبوضة ، فإذا خرج عن يد القابض لم يصدق ذلك اللفظ عليه لغة ، فلا يصدق عليه حكما ، وهذا واضح .السابعة : إذا رهنه قولا ولم يقبضه فعلا لم يوجب ذلك ، حكما ، لقوله تعالى : فرهان مقبوضة قال الشافعي : لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض ، فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم ، وهذا ظاهر جدا .

وقالت المالكية : يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن [ ص: 372 ] على دفع الرهن ليحوزه المرتهن ، لقوله تعالى : أوفوا بالعقود وهذا عقد ، وقوله ( بالعهد ) وهذا عهد .

وقوله عليه السلام : المؤمنون عند شروطهم وهذا شرط ، فالقبض عندنا شرط في كمال فائدته .

وعندهما شرط في لزومه وصحته .الثامنة : قوله تعالى : مقبوضة يقتضي بينونة المرتهن بالرهن .

وأجمع الناس على صحة قبض المرتهن ، وكذلك على قبض وكيله .

واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه ، فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء : قبض العدل قبض .

وقال ابن أبي ليلى وقتادة والحكم وعطاء : ليس بقبض ، ولا يكون مقبوضا إلا إذا كان عند المرتهن ، ورأوا ذلك تعبدا .

وقول الجمهور أصح من جهة المعنى ؛ لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضا لغة وحقيقة ؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل ، وهذا ظاهر .التاسعة : ولو وضع الرهن على يدي عدل فضاع لم يضمن المرتهن ولا الموضوع على يده ؛ لأن المرتهن لم يكن في يده شيء يضمنه .

والموضوع على يده أمين والأمين غير ضامن .العاشرة : لما قال تعالى : ( مقبوضة ) قال علماؤنا : فيه ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع .

خلافا لأبي حنيفة وأصحابه ، لا يجوز عندهم أن يرهنه ثلث دار ولا نصفا من عبد ولا سيف ، ثم قالوا : إذا كان لرجلين على رجل مال هما فيه شريكان فرهنهما بذلك أرضا فهو جائز إذا قبضاها .

قال ابن المنذر : وهذا إجازة رهن المشاع ؛ لأن كل واحد منهما مرتهن نصف دار .

قال ابن المنذر : رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه .الحادية عشرة : ورهن ما في الذمة جائز عند علمائنا ؛ لأنه مقبوض خلافا لمن منع ذلك ، ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه .

قال ابن خويزمنداد : وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه ، ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة ؛ لأن بيعه جائز ، ولأنه مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنا ، قياسا على سلعة موجودة .

وقال من منع ذلك : لأنه لا يتحقق [ ص: 373 ] إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن ؛ لأنه لابد أن يستوفى الحق منه عند المحل ، ويكون الاستيفاء من ماليته لا من عينه ولا يتصور ذلك في الدين .الثانية عشرة : روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة .

وأخرجه أبو داود وقال بدل ( يشرب ) في الموضعين : ( يحلب ) .

قال الخطابي : هذا كلام مبهم ليس في نفس اللفظ بيان من يركب ويحلب ، هل الراهن أو المرتهن أو العدل الموضوع على يده الرهن ؟

.قلت : قد جاء ذلك مبينا مفسرا في حديثين ، وبسببهما اختلف العلماء في ذلك ، فروى الدارقطني من حديث أبي هريرة ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ، ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته .

أخرجه عن أحمد بن علي بن العلاء حدثنا زياد بن أيوب حدثنا هشيم حدثنا زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة .

وهو قول أحمد وإسحاق : أن المرتهن ينتفع من الرهن بالحلب والركوب بقدر النفقة .

وقال أبو ثور : إذا كان الراهن ينفق عليه لم ينتفع به المرتهن .

وإن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه فله ركوبه واستخدام العبد .

وقاله الأوزاعي والليث .

الحديث الثاني خرجه الدارقطني أيضا ، وفي إسناده مقال ويأتي بيانه - من حديث إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يغلق الرهن ولصاحبه غنمه وعليه غرمه .

وهو قول الشافعي والشعبي وابن سيرين .

وهو قول مالك وأصحابه .

قال الشافعي : منفعة الرهن للراهن ، ونفقته عليه ، والمرتهن لا ينتفع بشيء من الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة .

قال الخطابي : وهو أولى الأقوال وأصحها ، بدليل قوله عليه السلام : لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غرمه .

قال الخطابي : وقوله : ( من صاحبه ) : أي لصاحبه .

والعرب تضع " من " موضع اللام ، كقولهم ( زهير ) :[ ص: 374 ]أمن أم أوفى دمنة لم تكلمقلت : قد جاء صريحا ( لصاحبه ) فلا حاجة للتأويل .

وقال الطحاوي : كان ذلك وقت كون الربا مباحا ، ولم ينه عن قرض جر منفعة ، ولا عن أخذ الشيء بالشيء وإن كانا غير متساويين ، ثم حرم الربا بعد ذلك .

وقد أجمعت الأمة على أن الأمة المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها ، فكذلك لا يجوز له خدمتها .

وقد قال الشعبي : لا ينتفع من الرهن بشيء .

فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه ، ولا يجوز عنده ذلك إلا وهو منسوخ .

وقال ابن عبد البر وقد أجمعوا أن لبن الرهن وظهره للراهن .

ولا يخلو من أن يكون احتلاب المرتهن له بإذن الراهن أو بغير إذنه ، فإن كان بغير إذنه ففي حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ما يرده ويقضي بنسخه .

وإن كان بإذنه ففي الأصول المجتمع عليها في تحريم المجهول والغرر وبيع ما ليس عندك وبيع ما لم يخلق ، ما يرده أيضا ، فإن ذلك كان قبل نزول تحريم الربا .

والله أعلم .وقال ابن خويزمنداد : ولو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان : إن كان من قرض لم يجز ، وإن كان من بيع أو إجارة جاز ؛ لأنه يصير بائعا للسلعة بالثمن المذكور ومنافع الرهن مدة معلومة فكأنه بيع وإجارة ، وأما في القرض فلأنه يصير قرضا جر منفعة ، ولأن موضوع القرض أن يكون قربة ، فإذا دخله نفع صار زيادة في الجنس وذلك ربا .الثالثة عشرة : لا يجوز غلق الرهن ، وهو أن يشترط المرتهن أنه له بحقه إن لم يأته به عند أجله .

وكان هذا من فعل الجاهلية فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لا يغلق الرهن ) هكذا قيدناه برفع القاف على الخبر ، أي ليس يغلق الرهن .

تقول : أغلقت الباب فهو مغلق .

وغلق الرهن في يد مرتهنه إذا لم يفتك ، قال الشاعر :أجارتنا من يجتمع يتفرق ومن يك رهنا للحوادث يغلقوقال زهير :وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقاالرابعة عشرة : روى الدارقطني من حديث سفيان بن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يغلق الرهن له غنمه [ ص: 375 ] وعليه غرمه .

زياد بن سعد أحد الحفاظ الثقات ، وهذا إسناد حسن .

وأخرجه مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يغلق الرهن ) .

قال أبو عمر : وهكذا رواه كل من روى الموطأ عن مالك فيما علمت ، إلا معن بن عيسى فإنه وصله ، ومعن ثقة ، إلا أني أخشى أن يكون الخطأ فيه من علي بن عبد الحميد الغضائري عن مجاهد بن موسى عن معن بن عيسى .

وزاد فيه أبو عبد الله عمروس عن الأبهري بإسناده : ( له غنمه وعليه غرمه ) .

وهذه اللفظة قد اختلف الرواة في رفعها ، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما .

ورواه ابن وهب وقال : قال يونس قال ابن شهاب : وكان سعيد بن المسيب يقول : الرهن ممن رهنه ، له غنمه وعليه غرمه ، فأخبر ابن شهاب أن هذا من قول سعيد لا عن النبي صلى الله عليه وسلم .

إلا أن معمرا ذكره عن ابن شهاب مرفوعا ، ومعمر أثبت الناس في ابن شهاب .

وتابعه على رفعه يحيى بن أبي أنيسة ويحيى ليس بالقوي .

وأصل هذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل ، وإن كان قد وصل من جهات كثيرة فإنهم يعللونها .

وهو مع هذا حديث لا يرفعه أحد منهم وإن اختلفوا في تأويله ومعناه .

ورواه الدارقطني أيضا عن إسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا .

قال أبو عمر : لم يسمعه إسماعيل من ابن أبي ذئب وإنما سمعه من عباد بن كثير عن ابن أبي ذئب ، وعباد عندهم ضعيف لا يحتج به .

وإسماعيل عندهم أيضا غير مقبول الحديث إذا حدث عن غير أهل بلده ، فإذا حدث عن الشاميين فحديثه مستقيم ، وإذا حدث عن المدنيين وغيرهم ففي حديثه خطأ كثير واضطراب .الخامسة عشرة : : نماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسمن ، أو كان نسلا كالولادة والنتاج ، وفي معناه فسيل النخل ، وما عدا ذلك من غلة وثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه .

والفرق بينهما أن الأولاد تبع في الزكاة للأمهات ، وليس كذلك الأصواف والألبان وثمر الأشجار ؛ لأنها ليست تبعا للأمهات في الزكاة ولا هي في صورها ولا في معناها ولا تقوم معها ، فلها حكم نفسها لا حكم الأصل خلاف الولد والنتاج .

والله أعلم بصواب ذلك .السادسة عشرة : ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس ، ويكون المرتهن أحق [ ص: 376 ] بالرهن من الغرماء ، قاله مالك وجماعة من الناس .

وروي عن مالك خلاف هذا - وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة - إن الغرماء يدخلون معه في ذلك وليس بشيء ؛ لأن من لم يحجر عليه فتصرفاته صحيحة في كل أحواله من بيع وشراء ، والغرماء عاملوه على أنه يبيع ويشتري ويقضي ، لم يختلف قول مالك في هذا الباب ، فكذلك الرهن .

والله أعلم .السابعة عشرة : فإن أمن بعضكم بعضا الآية شرط ربط به وصية الذي عليه الحق بالأداء وترك المطل .

يعني إن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق وثقة فليؤد له ما عليه اؤتمن .وقوله : ( فليؤد ) من الأداء مهموز ، وهو جواب الشرط ويجوز تخفيف همزه فتقلب الهمزة واوا ولا تقلب ألفا ولا تجعل بين بين ؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحا .

وهو أمر معناه الوجوب ، بقرينة الإجماع على وجوب أداء الديون ، وثبوت حكم الحاكم به وجبره الغرماء عليه ، وبقرينة الأحاديث الصحاح في تحريم مال الغير .الثامنة عشرة : قوله تعالى : ( أمانته ) : الأمانة مصدر سمي به الشيء الذي في الذمة ، وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث لها إليه نسبة ، كما قال تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم .التاسعة عشرة : قوله تعالى : وليتق الله ربه أي في ألا يكتم من الحق شيئا .

ولا تكتموا الشهادة تفسير لقوله : " ولا يضارر " بكسر العين .

نهى الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة ، وهو نهي على الوجوب بعدة قرائن منها الوعيد .

وموضع النهي هو حيث يخاف الشاهد ضياع حق .

وقال ابن عباس : على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد ، ويخبر حيثما استخبر ، قال : ولا تقل أخبر بها عند الأمير بل أخبره بها لعله يرجع ويرعوي .

وقرأ أبو عبد الرحمن " ولا يكتموا " بالياء ، جعله نهيا للغائب .الموفية عشرين : إذا كان على الحق شهود تعين عليهم أداؤها على الكفاية ، فإن أداها اثنان واجتزأ الحاكم بهما سقط الفرض عن الباقين ، وإن لم يجتزأ بها تعين المشي إليه حتى يقع الإثبات .

وهذا يعلم بدعاء صاحبها ، فإذا قال له : أحيي حقي بأداء ما عندك لي من الشهادة تعين ذلك عليه .الحادية والعشرون : قوله تعالى : ومن يكتمها فإنه آثم قلبه خص القلب بالذكر إذ الكتم من أفعاله ، وإذ هو المضغة التي بصلاحها يصلح الجسد كله كما قال عليه السلام [ ص: 377 ] فعبر بالبعض عن الجملة ، وقد تقدم في أول السورة .

وقال الكيا : لما عزم على ألا يؤديها وترك أداءها باللسان رجع المأثم إلى الوجهين جميعا .

فقوله آثم قلبه مجاز ، وهو آكد من الحقيقة في الدلالة على الوعيد ، وهو من بديع البيان ولطيف الإعراب عن المعاني .

يقال : إثم القلب سبب مسخه ، والله تعالى إذا مسخ قلبا جعله منافقا وطبع عليه ، نعوذ بالله منه وقد تقدم في أول السورة .

و ( قلبه ) رفع ب ( آثم ) و ( آثم ) خبر ، " إن " ، وإن شئت رفعت آثما بالابتداء ، و ( قلبه ) فاعل يسد مسد الخبر والجملة خبر إن .

وإن شئت رفعت آثما على أنه خبر الابتداء تنوي به التأخير .

وإن شئت كان ( قلبه ) بدلا من ( آثم ) بدل البعض من الكل .

وإن شئت كان بدلا من المضمر الذي في ( آثم ) .وتعرضت هنا ثلاث مسائل تتمة أربع وعشرين :الأولى : اعلم أن الذي أمر الله تعالى به من الشهادة والكتابة لمراعاة صلاح ذات البين ونفي التنازع المؤدي إلى فساد ذات البين ، لئلا يسول له الشيطان جحود الحق وتجاوز ما حد له الشرع ، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق ، ولأجله حرم الشرع البياعات المجهولة التي اعتيادها يؤدي إلى الاختلاف وفساد ذات البين وإيقاع التضاغن والتباين .

فمن ذلك ما حرمه الله من الميسر والقمار وشرب الخمر بقوله تعالى : إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر الآية .

فمن تأدب بأدب الله في أوامره وزواجره حاز صلاح الدنيا والدين ، قال الله تعالى : ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم الآية .الثانية : روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله وروى النسائي عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها استدانت ، فقيل : يا أم المؤمنين ، تستدينين وليس عندك وفاء ؟

قالت : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أخذ دينا وهو يريد أن يؤديه أعانه الله عليه .

وروى الطحاوي وأبو جعفر الطبري والحارث بن أبي أسامة في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا تخيفوا الأنفس بعد أمنها قالوا : يا رسول الله ، وما ذاك ؟

قال : ( الدين ) .

وروى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء ذكره : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال .

قال العلماء : ضلع [ ص: 378 ] الدين هو الذي لا يجد دائنه من حيث يؤديه .

وهو مأخوذ من قول العرب : حمل مضلع أي ثقيل ، ودابة مضلع لا تقوى على الحمل ، قاله صاحب العين .

وقال صلى الله عليه وسلم : الدين شين الدين .

وروي عنه أنه قال : الدين هم بالليل ومذلة بالنهار .

قال علماؤنا : وإنما كان شينا ومذلة لما فيه من شغل القلب والبال والهم اللازم في قضائه ، والتذلل للغريم عند لقائه ، وتحمل منته بالتأخير إلى حين أوانه .

وربما يعد من نفسه القضاء فيخلف ، أو يحدث الغريم بسببه فيكذب ، أو يحلف له فيحنث ، إلى غير ذلك .

ولهذا كان عليه السلام يتعوذ من المأثم والمغرم ، وهو الدين .

فقيل له : يا رسول الله ، ما أكثر ما تتعوذ من المغرم ؟

فقال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف .

وأيضا فربما قد مات ولم يقض الدين فيرتهن به ، كما قال عليه السلام : نسمة المؤمن مرتهنة في قبره بدينه حتى يقضى عنه .

وكل هذه الأسباب مشائن في الدين تذهب جماله وتنقص كماله .

والله أعلمالثالثة : لما أمر الله تعالى بالكتب والإشهاد وأخذ الرهان كان ذلك نصا قاطعا على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها ، وردا على الجهلة المتصوفة ورعاعها الذين لا يرون ذلك ، فيخرجون عن جميع أموالهم ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم ، ثم إذا احتاج وافتقر عياله فهو إما أن يتعرض لمنن الإخوان أو لصدقاتهم ، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلمتهم ، وهذا الفعل مذموم منهي عنه .

قال أبو الفرج الجوزي : ولست أعجب من المتزهدين الذين فعلوا هذا مع قلة علمهم ، إنما أتعجب من أقوام لهم علم وعقل كيف حثوا على هذا ، وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل .

فذكر المحاسبي في هذا كلاما كثيرا ، وشيده أبو حامد الطوسي ونصره .

[ ص: 379 ] والحارث عندي أعذر من أبي حامد ؛ لأن أبا حامد كان أفقه ، غير أن دخوله في التصوف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه .

قال المحاسبي في كلام طويل له : ولقد بلغني أنه لما توفي عبد الرحمن بن عوف قال ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك .

فقال كعب : سبحان الله!

وما تخافون على عبد الرحمن ؟

كسب طيبا وأنفق طيبا وترك طيبا .

فبلغ ذلك أبا ذر فخرج مغضبا يريد كعبا ، فمر بلحى بعير فأخذه بيده ، ثم انطلق يطلب كعبا ، فقيل لكعب : إن أبا ذر يطلبك .

فخرج هاربا حتى ، دخل على عثمان يستغيث به وأخبره الخبر .

فأقبل أبو ذر يقص الأثر في طلب كعب حتى انتهى إلى دار عثمان ، فلما دخل قام كعب فجلس خلف عثمان هاربا من أبي ذر ، فقال له أبو ذر : يا ابن اليهودية ، تزعم ألا بأس بما تركه عبد الرحمن !

لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال : الأكثرون هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا .

قال المحاسبي : فهذا عبد الرحمن مع فضله يوقف في عرصة يوم القيامة بسبب ما كسبه من حلال ، للتعفف وصنائع المعروف فيمنع السعي إلى الجنة مع الفقراء وصار يحبو في آثارهم حبوا ، إلى غير ذلك من كلامه .

ذكره أبو حامد وشيده وقواه بحديث ثعلبة ، وأنه أعطي المال فمنع الزكاة .

قال أبو حامد : فمن راقب أحوال الأنبياء والأولياء وأقوالهم لم يشك في أن فقد المال أفضل من وجوده ، وإن صرف إلى الخيرات ، إذ أقل ما فيه اشتغال الهمة بإصلاحه عن ذكر الله .

فينبغي للمريد أن يخرج عن ماله حتى لا يبقى له إلا قدر ضرورته ، فما بقي له درهم يلتفت إليه قلبه فهو محجوب عن الله تعالى .

قال الجوزي : وهذا كله خلاف الشرع والعقل ، وسوء فهم المراد بالمال ، وقد شرفه الله وعظم قدره وأمر بحفظه ، إذ جعله قواما للآدمي وما جعل قواما للآدمي الشريف فهو شريف ، فقال تعالى : ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ونهى جل وعز أن يسلم المال إلى غير رشيد فقال : فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم .

ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ، قال لسعد : إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة [ ص: 380 ] يتكففون الناس .

وقال : ما نفعني مال كمال أبي بكر .

وقال لعمرو بن العاص : نعم المال الصالح للرجل الصالح .

ودعا لأنس ، وكان في آخر دعائه : اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيه .

وقال كعب : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله .

فقال : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك .

قال الجوزي : هذه الأحاديث مخرجة في الصحاح ، وهي على خلاف ما تعتقده المتصوفة من أن إكثار المال حجاب وعقوبة ، وأن حبسه ينافي التوكل ، ولا ينكر أنه يخاف من فتنته ، وأن خلقا كثيرا اجتنبوه لخوف ذلك ، وأن جمعه من وجهه ليعز ، وأن سلامة القلب من الافتتان به تقل ، واشتغال القلب مع وجوده بذكر الآخرة يندر ، فلهذا خيف فتنته .

فأما كسب المال فإن من اقتصر على كسب البلغة من حلها فذلك أمر لا بد منه وأما من قصد جمعه والاستكثار منه من الحلال نظر في مقصوده ، فإن قصد نفس المفاخرة والمباهاة فبئس المقصود ، وإن قصد إعفاف نفسه وعائلته ، وادخر لحوادث زمانه وزمانهم ، وقصد التوسعة على الإخوان وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على قصده ، وكان جمعه بهذه النية أفضل من كثير من الطاعات .

وقد كانت نيات خلق كثير من الصحابة في جمع المال سليمة لحسن مقاصدهم بجمعه ، فحرصوا عليه وسألوا زيادته .

ولما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم الزبير حضر فرسه أجرى الفرس حتى قام ثم رمى سوطه ، فقال : أعطوه حيث بلغ سوطه .

وكان سعد بن عبادة يقول في دعائه : اللهم وسع علي .

وقال إخوة يوسف : ونزداد كيل بعير .

وقال شعيب لموسى : فإن أتممت عشرا فمن عندك [ ص: 381 ] .

وإن أيوب لما عوفي نثر عليه رجل من جراد من ذهب ، فأخذ يحثي في ثوبه ويستكثر منه ، فقيل له : أما شبعت ؟

فقال : يا رب فقير يشبع من فضلك ؟

.

وهذا أمر مركوز في الطباع .

وأما كلام المحاسبي فخطأ يدل على الجهل بالعلم ، وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال .

من وضع الجهال وخفيت عدم صحته عنه للحوقه بالقوم .

وقد روي بعض هذا وإن كان طريقه لا يثبت ؛ لأن في سنده ابن لهيعة وهو مطعون فيه .

قال يحيى : لا يحتج بحديثه .

والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين ، وعبد الرحمن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين ، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين .

ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع ، ثم كيف تقول الصحابة : إنا نخاف على عبد الرحمن !

أوليس الإجماع منعقدا على إباحة جمع المال من حله ، فما وجه الخوف مع الإباحة ؟

أويأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه ؟

هذا قلة فهم وفقه .

ثم أينكر أبو ذر على عبد الرحمن ، وعبد الرحمن خير من أبي ذر بما لا يتقارب ؟

ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسبر سير الصحابة ، فإنه قد خلف طلحة ثلاثمائة بهار في كل بهار ثلاثة قناطير .

والبهار الحمل .

وكان مال الزبير خمسين ألفا ومائتي ألف .

وخلف ابن مسعود تسعين ألفا .

وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها ولم ينكر أحد منهم على أحد .

وأما قوله : " إن عبد الرحمن يحبو حبوا يوم القيامة " فهذا دليل على أنه ما عرف الحديث ، وأعوذ بالله أن يحبو عبد الرحمن في القيامة ، أفترى من سبق وهو أحد العشرة ، المشهود لهم بالجنة ومن أهل بدر والشورى يحبو ؟

ثم الحديث يرويه عمارة بن زاذان ، وقال البخاري : ربما اضطرب حديثه .

وقال أحمد : يروي عن أنس أحاديث مناكير ، وقال أبو حاتم الرازي : لا يحتج به .

وقال الدارقطني : ضعيف .

وقوله : " ترك المال الحلال أفضل من جمعه " ليس كذلك ، ومتى صح القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء .

وكان سعيد بن المسيب يقول : لا خير فيمن لا يطلب المال ، يقضي به دينه ويصون به عرضه ، فإن مات تركه ميراثا لمن بعده .

وخلف ابن المسيب أربعمائة دينار ، وخلف سفيان الثوري مائتين ، وكان يقول : المال في هذا الزمان سلاح .

وما زال السلف يمدحون المال ويجمعونه للنوائب وإعانة الفقراء ، وإنما تحاماه قوم منهم إيثارا للتشاغل بالعبادات ، وجمع الهم فقنعوا باليسير .

فلو قال هذا القائل : إن التقليل منه أولى قرب الأمر ولكنه زاحم به مرتبة الإثم .[ ص: 382 ] قلت : ومما يدل على حفظ الأموال ومراعاتها إباحة القتال دونها وعليها ، قال صلى الله عليه وسلم : من قتل دون ماله فهو شهيد .

وسيأتي بيانه في " المائدة " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: إن كنتم مسافرين { ولم تجدوا كاتبا } يكتب بينكم ويحصل به التوثق { فرهان مقبوضة } أي: يقبضها صاحب الحق وتكون وثيقة عنده حتى يأتيه حقه، ودل هذا على أن الرهن غير المقبوضة لا يحصل منها التوثق، ودل أيضا على أن الراهن والمرتهن لو اختلفا في قدر ما رهنت به، كان القول قول المرتهن، ووجه ذلك أن الله جعل الرهن عوضا عن الكتابة في توثق صاحب الحق، فلولا أن قول المرتهن مقبول في قدر الذي رهنت به لم يحصل المعنى المقصود، ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضرا وسفرا، وإنما نص الله على السفر، لأنه في مظنة الحاجة إليه لعدم الكاتب فيه، هذا كله إذا كان صاحب الحق يحب أن يتوثق لحقه، فما كان صاحب الحق آمنا من غريمه وأحب أن يعامله من دون رهن فعلى من عليه الحق أن يؤدي إليه كاملا غير ظالم له ولا باخس حقه { وليتق الله ربه } في أداء الحق ويجازي من أحسن به الظن بالإحسان { ولا تكتموا الشهادة } لأن الحق مبني عليها لا يثبت بدونها، فكتمها من أعظم الذنوب، لأنه يترك ما وجب عليه من الخبر الصدق ويخبر بضده وهو الكذب، ويترتب على ذلك فوات حق من له الحق، ولهذا قال تعالى: { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم } وقد اشتملت هذه الأحكام الحسنة التي أرشد الله عباده إليها على حكم عظيمة ومصالح عميمة دلت على أن الخلق لو اهتدوا بإرشاد الله لصلحت دنياهم مع صلاح دينهم، لاشتمالها على العدل والمصلحة، وحفظ الحقوق وقطع المشاجرات والمنازعات، وانتظام أمر المعاش، فلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه لا نحصي ثناء عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن بضم الهاء والراء وقرأ الباقون فرهان وهو جمع رهن مثل بغل وبغال وجبل وجبال والرهن جمع الرهان جمع الجمع قاله الفراء والكسائي وقال أبو عبيد وغيره : هو جمع الرهن أيضا مثل سقف وسقف وقال أبو عمرو وإنما قرأنا فرهن ليكون فرقا بينهما وبين رهان الخيل وقرأ عكرمة فرهن بضم الراء وسكون الهاء والتخفيف والتثقيل في الرهن لغتان مثل كتب وكتب ورسل ورسل ومعنى الآية : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا آلات الكاتبة فارتهنوا ممن تداينونه رهونا لتكون وثيقة لكم بأموالكم واتفقوا على أن الرهن لا يتم إلا بالقبض ، وقوله " فرهان مقبوضة " أي ارتهنوا واقبضوا حتى لو رهن ولم يسلم فلا يجبر الراهن على التسليم فإذا سلم لزم من جهة الراهن حتى لا يجوز له أن يسترجعه ما دام شيء من الحق باقيا ، ويجوز في الحضر الرهن مع وجود الكاتب ، وقال مجاهد : لا يجوز الرهن إلا في السفر عند عدم الكاتب لظاهر الآية وعند الآخرين خرج الكلام في الآية على الأعم الأغلب لا على سبيل الشرط .

والدليل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي ولم يكن ذلك في السفر ولا عند عدم كاتب ( فإن أمن بعضكم بعضا ) وفي حرف أبي " فإن ائتمن " يعني فإن كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لحسن ظنه به .

( فليؤد الذي اؤتمن أمانته ) أي فليقضه على الأمانة ( وليتق الله ربه ) في أداء الحق ثم رجع إلى خطاب الشهود وقال : ( ولا تكتموا الشهادة ) إذا دعيتم إلى إقامتها نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه فقال ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) أي فاجر قلبه قيل : ما أوعد الله على شيء كإيعاده على كتمان الشهادة قال : " فإنه آثم قلبه " وأراد به مسخ القلب نعوذ بالله من ذلك ( والله بما تعملون ) بيان الشهادة وكتمانها ( عليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وإن كنتم على سفر» أي مسافرين وتداينتم «ولم تجدوا كاتبا فَرِهاَنٌ» وفي قراءة فَرهُنٌ جمع رهن «مقبوضة» تستوثقون بها وبينت السنة جواز الرهن في الحضر ووجود الكاتب فالتقيد بما ذكر لأن التوثيق فيه أشد وأفاد قوله مقبوضة اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله «فإن أمن بعضكم بعضا» أي الدائن المدين على حقه فلم يرتهن «فليؤد الذي أؤتمن» أي المدين «أمانته» دينه «وليتق الله ربَّه» في أدائه «ولا تكتموا الشهادة» إذا دُعيتم لإقامتها «ومن يكتمها فإنه آثم قلبه» خص بالذكر لأنه محل الشهادة ولأنه إذا أثم تبعه غيره فيعاقب عليه معاقبة الآثمين «والله بما تعلمون عليم» لا يخفَى عليه شيء منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا مَن يكتب لكم فادفعوا إلى صاحب الحق شيئًا يكون عنده ضمانًا لحقِّه إلى أن يردَّ المدينُ ما عليه من دين، فإن وثق بعضكم ببعض فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد والرهن، ويبقى الدَّين أمانة في ذمَّة المدين، عليه أداؤه، وعليه أن يراقب الله فلا يخون صاحبه.

فإن أنكر المدين ما عليه من دين، وكان هناك مَن حضر وشهد، فعليه أن يظهر شهادته، ومن أخفى هذه الشهادة فهو صاحب قلب غادر فاجر.

والله المُطَّلِع على السرائر، المحيط علمه بكل أموركم، سيحاسبكم على ذلك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما يحب على المسلمين فعله إذا لم يتمكنوا من كتابة ديونهم بأن كانوا مسافرين وليس معهم كاتب فقال - تعالى - :( وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ .

.

.

)الرهان : جمع رهن بمعنى مرهون من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول وقرأ ابن كثير وأبو عمر ( فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌْْ ) وأصل الرهن في كلام العرب يدل على الحبس قال - تعالى - : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ومعنى الرهن : أن يوضع شيء يناسب قيمةالدين من متاع المدين بيد الدائن توثقه له في دينه ، ليستطيع أن يستوفي حقه من هذا الشيء المرهون عند تعذر الدفع .والمعنى : وإن كنتم .

أيها المؤمنون - مسافرين وتداينتم بدين إلى أجل مسمى ، ولم تجدوا كاتباً يكتب لكم ديونكم ، أو لم تتيسر لكم أسباب الكتابة لأي سبب من الأسباب ، فإنه في هذه الحالة يقوم مقام الكتابة رهان مقبوضة صاحب الدين ضماناً لحقه عند تعذر أخذه من الغريم .وفي التعبير بقوله : ( على سَفَرٍ ) استعارة تبعية حيث شبه تمكنهم في السفر بتمكن الراكب من مركوبه .

وفيه كذلك إشارة إلى اضطراب الحال ، لأن حال المسافر يغلب عليها التنقل وعدم الاستقرار .وجملة ( وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً ) معطوفة على فعل الشرط ، أي : وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا ، كاتبا فتكون في محل جزم تقديراً .

ويجوز أن تكون الواو للحال والجملة بعدها في محل نصب على الحال .وقوله : ( فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ) خبر لمبتدأ محذوف والتقدير : فالذي يستوثق به رهان مقبوضة .أو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير : فعليكم رهان مقبوضة .ومن الأحكام التي أخذها الفقهاء من هذه الآية الكريمة : أن تعليق الرهان على السفر ليس لكون السفر شرطاً في صحة الرهان ، فإن التعامل بالرهان مشروع في حالتي السفر والحضر ، وإنما علق هنا على السفر لأنه مظنة تعسر الكتابة لما فيه من التنقل وعدم الاستقرار .

وقد ثبت في الصحيحين عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وسقاً من شعير رهنها قوتاً لأهله " .ومن الواضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما رهن درعه لليهودي كان مقيماً ولم يكن مسافرا .قال القرطبي : " ولم يروا عن أحد منع الرهن في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود الأحوال .

وليس كون الرهن في الآية في السفر مما يحظر في غيره " .كذلك أخذ بعض الفقهاء من قوله : ( فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ) أن الرهن لا يتم إلا بالقبض ، فإذا افترق المتعاقدان من غير قبض كان الرهن غير صحيح بنص الآية وهذا مذهب الأحناف والشافعية ، ويرى المالكية والحنابلة أن الرهن يتم من غير القبض ، لأن القبض حكم من أحكامه ، فمن حق الدائن بعد تمام عقد الرهن أن يطالب بقبض العين المرهونة ، فالقبض حكم من أحكام العقد ، وليس ركنا من أركانه ولا شرطاً لتمامه .وقوله : ( فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّه ) تفريع على أحكام الديون السابقة ، وحض على أداء الأمانة وعلى حسن المعاملة .أي : فإن أمن الدائن المدين واعتمد على ذمته ووفائه ولم يوثق الدين بالكتابة والشهود والرهن ، فعلى المدين أن يكون عند حسن ظن الدائن به بأن يؤدي ما عليه من ديون في الموعد المحدد بدون تسويف أو مماطلة ، وعليه كذلك أن يتقي الله ربه في رعاية حقوق غيره فلا يجحدها ولا يتأخر في أدائها لأن الهل العليم بكل شيء سيحاسب كل إنسان بما قدمت يداه .وعبر - سبحانه - بقوله : ( فَإِنْ أَمِن ) دون أو أودع ، للإِشارة إلى الجانب الذي اعتمد عليه الدائن في المدين وهو خلق الأمانة ، فهو لا يرى فيه إلا جانباً مأموناص لا يتوقع منه شراً أو خيانة ، وللتنبيه إلى أن صفة الأمانة والوفاء من الصفات التي يجب أن يتحلى بها المؤمنون جميعاً حتى ينالوا السعادة في دينهم ودنياهم ، عبر بقوله : ( فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن ) ولم يقل فليؤد المدين لحضه : على الأداء بأحسن أسلوب ، لأنه ما دام الدائن قد ائتمنه على ما أعطاه من ديون ، فعلى هذا الذي اؤتمن وهو المدين أن يكون عند حسن الظن به وأن يرد إليه حقه في موعده مع شكره على حسن ظنه به .وقوله : ( أَمَانَتَهُ ) أي دينه .

والضمير يصح أن يعود إلى الدائن باعتباره مالك الدين ، وإلى المدين باعتبار أن الدين عليه ، وفي إضافتها - أي الأمانة - إلى المدين إشعار له بأنها عبء في ذمته يجب أن يؤديه حتى يتخلص من تكاليفه ، إذ الأمانة عبء ثقيل عند العقلاء الذين يشعرون بالمسئولية نحو أنفسهم ونحو غيرهم .وجمع - سبحانه - بين صفتي الألوهية والربوبية في قوله : ( وَلْيَتَّقِ الله رَبَّه ) للمبالغة في التحذير من الخيانة والمماطلة فإنهما يغضبان الله - تعالى - الذي خلق الإِنسان ورباه وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة ، ولإِشعار هذا المدين بأن التقوى هي الوثيقة الكبرى التي لا تعدها وثيقة أخرى في كتابة أو شهادة أو رهان .وبذلك نرى لوناً من ألوان التدرج الحكيم في شريعة الله - تعالى - فأنت ترى أن الله - تعالى - قد بين قبل ذلك أن الكتابة في الديون والإِشهاد عليها مطلوبان ، فإن تعذرت الكتابة والشهادة لسبب من الأسباب فإنه يترخص حينئذ بالرهن المقبوض .فإن تعذر على المدين المحتاج أن يدفع للدائن رهنا يكون الاعتماد على الأمانة التي هي صفة من صفات الصادقين .فياله من تشريع حكيم - بين الناس ما يصلح شأنهم في دنيهم وفي دنياهم .ثم أمر الله تعالى - عباده بأن يؤدوا الشهادة على وجهها وألا يكتموها فقال - تعالى - ( وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ) أي : وعليكم - أيها المؤمنون - ألا تمتنعوا عن أدائها إذا دعيتم إليها وألا تخفوها فإن الذي يخفيها ويمتنع عن أدائها يكون معاقباً من الله - تعالى - بسبب ارتكابه لما نهى عنه .وقد أسند - سبحانه - الإِثم إلى القلب خاصة مع أن الإِثم يسند إلى الشخص ، لأن الإِثم في كتمان الشهادة عمل القلب لا عمل الجوارح ، ولأن القلب أساس كل خير وكل شر ، ففي الحديث الشريف : " ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب " .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا اقتصر على قوله ( فَإِنَّهُ آثِمٌ ) وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟

قلت : كتمان الشهادة هو أن يضمرها ولا يتكلم بها .

فلما كان إثما مقترنا بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ ، ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد : هذا مما أبصرته عيني ، ووعاه قلبي .

ولأن القلب هو رئيس الأعضاء فكأنه قيل : ومن يكتمها فقد تمكن الإِثم من أصل نفسه ، وملك أشرف مكان فيه : ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام التي تتعلق باللسان فقط .

وليعلم أن القلب أصل متعلقه ومعند اقترافه ، واللسان ترجمان عنه .

ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ، وهي لها كالأصول التي تتشعب عنها .

ألأا ترى أن أصل الحسنات والسيئات الإِيمان والكفر .

وهما من أفعال القلوب فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلبو فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب .وقوله : ( آثم ) خبر إن و ( قلبه ) رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل : فإنه يأثم قلبه .

ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء .

وآثم خبر مقدم .

والجملة خبر إن والضير للشأن .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) أي : والله - تعالى - عليهم بكل أعمالكم وأقوالكم وسائر شئونكم وسيجازي المسحنين إحساناً ، والمسيئين سوءاً فعليكم أيها المؤمنون أن تستجيبوا لأوامر الله ، وأن تجتنبوا ما نهاكم عنه حتى تكونوا من السعداء .فالجلمة الكريمة تذييل قصد به الوعد الحسن للمؤمنين الصادقين ، والوعيد الشديد للعصاة المسيئين ، حتى يزداد المؤمنون إيمانا ، ويقع العصاة عن عصيانهم وسيئاتهم .وبعد هذا البيان الجامع الحكيم لطرق التعامل التي أباحها الله - تعالى - لعباده والتي حرمها عليهم ، بين سبحانه - أن ما في السموات والأرض ملك له ، وأنه سيحاسب عباده بما يقتضيه علمه الشامل ، وإرادته النافذة فقال - تعالى - .( للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى جعل البياعات في هذه الآية على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع الأمانة، ولما أمر في آخر الآية المتقدمة بالكتبة والإشهاد، واعلم أنه ربما تعذر ذلك في السفر إما بأن لا يوجد الكاتب، أو إن وجد لكنه لا توجد آلات الكتابة ذكر نوعاً آخر من الاستيثاق وهو أخذ الرهن فهذا وجه النظم وهذا أبلغ في الاحتياط من الكتبة والإشهاد ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: ذكرنا اشتقاق في السفر في قوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ  ﴾ ونعيده هاهنا قال أهل اللغة: تركيب هذه الحروف للظهور والكشف فالسفر هو الكتاب، لأنه يبين الشيء ويوضحه، وسمي السفر سفراً، لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي يكشف، أو لأنه لما خرج من الكن إلى الصحراء فقد انكشف للناس، أو لأنه لما خرج إلى الصحراء، فقد صارت أرض البيت منكشفة خالية، وأسفر الصبح إذا ظهر، وأسفرت المرأة عن وجهها، أي كشفت وسفرت عن القوم أسفر سفارة إذا كشفت ما في قلوبهم، وسفرت أسفر إذا كنست، والسفر الكنس، وذلك لأنك إذا كنست، فقد أظهرت ما كان تحت الغبار والسفر من الورق ما سفر به الريح، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس سفر لوضوحه والله أعلم.

المسألة الثانية: أصل الرهن من الدوام، يقال: رهن الشيء إذا دام وثبت، ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة.

إذا عرفت أصل المعنى فنقول: أصل الرهن مصدر.

يقال: رهنت عند الرجل أرهنه رهناً إذا وضعت عنده، قال الشاعر: يراهنني فيرهنني بنيه *** وأرهنه بني بما أقول إذا عرفت هذا فنقول: إن المصادر قد تنقل فتجعل أسماء ويزول عنها عمل الفعل، فإذا قال: رهنت عند زيد رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر، لكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت عند زيد ثوباً، ولما جعل اسماً بهذا الطريق جمع كما تجعل الأسماء وله جمعان: رهن ورهان، ومما جاء على رهن قول الأعشى: آليت لا أعطيه من أبنائنا *** رهناً فيفسدهم كمن قد أفسدا وقال بعيث: بانت سعاد وأمسى دونها عدن *** وغلقت عندها من قبلك الرهن ونظيره قولنا: رهن ورهن، سقف وسقف، ونشر ونشر، وخلق وخلق، قال الزجاج: فعل وفعلى قليل، وزعم الفرّاء أن الرهن جمعه رهان، ثم الرهان جمعه رهن فيكون رهن جمع الجمع وهو كقولهم ثمار وثمر، ومن الناس من عكس هذا فقال: الرهن جمعه رهن، والرهن جمعه رهان، واعلم أنهما لما تعارضا تساقطا لا سيما وسيبويه لا يرى جمع الجمع مطرداً، فوجب أن لا يقال به إلا عند الاتفاق، وأما أن الرهان جمع رهن فهو قياس ظاهر، مثل نعل ونعال، وكبش وكباش وكعب وكعاب، وكلب وكلاب.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير أبو عمرو ﴿ فرهن ﴾ بضم الراء والهاء، وروي عنهما أيضاً ﴿ فرهن ﴾ برفع الراء وإسكان الهاء والباقون ﴿ فرهان ﴾ قال أبو عمرو: لا أعرف الرهان إلا في الخيل، فقرأت ﴿ فرهن ﴾ للفصل بين الرهان في الخيل وبين جمع الرهن، وأما قراءة أبي عمرو بضم الراء وسكون الهاء، فقال الأخفش: إنها قبيحة لأن فعلاً لا يجمع على فعل إلا قليلاً شاذاً كما يقال: سقف وسقف تارة بضم القاف وأخرى بتسكينها، وقلب للنخل ولحد ولحد وبسط وبسط وفرس ورد، وخيل ورد.

المسأل الرابعة: في الآية حذف فإن شئنا جعلناه مبتدأ وأضمرنا الخبر، والتقدير: فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما، أو فعليه رهن مقبوضة، وإن شئنا جعلناه خبراً وأضمرنا المبتدأ، والتقدير: فالوثيقة رهن مقبوضة.

المسألة الخامسة: اتفقت الفقهاء اليوم على أن الرهن في السفر والحضر سواء في حال وجود الكاتب وعدمه، وكان مجاهد يذهب إلى أن الرهن لا يجوز إلا في السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقوله اليوم وإنما تقيدت الآية بذكر السفر على سبيل الغالب، كقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ  ﴾ وليس الخوف من شرط جواز القصر.

المسألة السادسة: مسائل الرهن كثيرة، واحتج من قال بأن رهن المشاع لا يجوز بأن الآية دلّت على أن الرهن يجب أن يكون مقبوضاً والعقل أيضاً يدل عليه لأن المقصود من الرهن استيثاق جانب صاحب الحق بمنع الجحود، وذلك لا يحصل إلا بالقبض والمشاع لا يمكن أن يكون مقبوضاً فوجب ألا يصح رهن المشاع.

ثم قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدّ الذي اؤتمن أمانته ﴾ واعلم أن هذا هو القسم الثالث من البياعات المذكورة في الآية، وهو بيع الأمانة، أعني ما لا يكون فيه كتابة ولا شهود ولا يكون فيه رهن، وفيه مسائل: المسألة الأولى: أمن فلان غيره إذا لم يكن خائفاً منه، قال تعالى: ﴿ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ  ﴾ فقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا ﴾ أي لم يخف خيانته وجحوده ﴿ فَلْيُؤَدّ الذي اؤتمن أمانته ﴾ أي فليؤد المديون الذي كان أميناً ومؤتمناً في ظن الدائن، فلا يخلف ظنه في أداء أمانته وحقه إليه، يقال: أمنته وائتمنته فهو مأمون ومؤتمن.

ثم قال: ﴿ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ﴾ أي هذا المديون يجب أن يتقي الله ولا يجحد، لأن الدائن لما عامله المعاملة الحسنة حيث عول على أمانته ولم يطالبه بالوثائق من الكتابة والإشهاد والرهن فينبغي لهذا المديون أن يتقي الله ويعامله بالمعاملة الحسنة في أن لا ينكر ذلك الحق، وفي أن يؤديه إليه عند حلول الأجل، وفي الآية قول آخر، وهو أنه خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنه أمانة في يده، والوجه هو الأول.

المسألة الثانية: من الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجئ إليه خطأ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ليس في آية المداينة نسخ، ثم قال: ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة ﴾ وفي التأويل وجوه: الوجه الأول: قال القفال رحمه الله: إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن، وأن يخرج خائناً جاحداً للحق، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، فهاهنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة، أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل، وهو قوله: «خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد».

الوجه الثاني: في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة، ونظيره قوله تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى قُلْ ءأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله وَمَنْ أَظْلَمُ ممنْ كتمَ شِهَادةً عندَه من الله  ﴾ والمراد الجحود وإنكار العلم.

الوجه الثالث: في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، وقد تقدم ذلك في قوله: ﴿ وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ  ﴾ وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه، فهذا بالغ في الوعيد.

ثم قال: ﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الآثم الفاجر، روي أن عمر كان يعلم أعرابياً ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ  طَعَامُ ٱلْأَثِيمِ  ﴾ فكان يقول: طعام اليتيم، فقال له عمر: طعام الفاجر.

فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرئ ﴿ قَلْبَهُ ﴾ بالفتح كقوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ آثمٌ قَلْبُهُ ﴾ أي جعله آثماً.

المسألة الثالثة: اعلم أن كثيراً من المتكلمين قالوا.

إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ وذكرنا طرفاً منه في تفسير قوله: ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ  ﴾ وهؤلاء يتمسكون بهذه الآية ويقولون: إنه تعالى أضاف الآثم إلى القلب فلولا أن القلب هو الفاعل وإلا لما كان آثماً.

وأجاب من خالف في هذا القول بأن إضافة الفعل إلى جزء من أجزاء البدن إنما يكون لأجل أن أعظم أسباب الإعانة على ذلك الفعل إنما يحصل من ذلك العضو، فيقال: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، ويقال: فلان خبيث الفرج ومن المعلوم أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلوب من الدواعي والصوارف، فلما كان الأمر كذلك فلهذا السبب أضيف الآثم هاهنا إلى القلب.

ثم قال عزّ وجلّ: ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ وهو تحذير من الإقدام على هذا الكتمان، لأن المكلف إذا علم أنه لا يعزب عن علم الله ضمير قلبه كان خائفاً حذراً من مخالفة أمر الله تعالى، فإنه يعلم أنه تعالى يحاسبه على كل تلك الأفعال، ويجازيه عليها إن خيراً فخيراً، وإن شراً فشراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِذَا تَدَايَنتُم ﴾ إذا داين بعضكم بعضاً.

يقال: داينت الرجل عاملته ﴿ بِدَيْنٍ ﴾ معطياً أو آخذاً كما تقول: بايعته إذا بعته أو باعك.

قال رؤبة: دَايَنْتُ أرْوَى والدُّيُونُ تُقْضَى ** فَمَطَلَتْ بَعْضاً وَأَدَّتْ بَعْضَا والمعنى: إذا تعاملتم بدين مؤجل فاكتبوه.

فإن قلت: هلا قيل: إذا تداينتم إلى أجل مسمى وأي حاجة إلى ذكر (الدين) كما قال: داينت أروى، ولم يقل: بدين؟

قلت: ذكر ليرجع الضمير إليه في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين، فلم يكن النظم بذلك الحسن.

ولأنه أبين بتنويع الدين إلى مؤجل وحالّ.

فإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿ مُّسَمًّى ﴾ قلت: ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام، ولو قال: إلى الحصاد، أو الدياس، أو رجوع الحاج، لم يجز لعدم التسمية.

وإنما أمر بكتبة الدين، لأنّ ذلك أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود، والأمر للندب.

وعن ابن عباس: أن المراد به السلم، وقال: لما حرم الله الرّبا أباح السلف.

وعنه: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية.

﴿ بالعدل ﴾ متعلق بكاتب صفة له، أي كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب بالسوية والاحتياط.

لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص.

وفيه: أن يكون الكاتب فقيها عالماً بالشروط حتى يجيء مكتوبه معدلاً بالشرع.

وهو أمر للمتداينين بتخير الكاتب، وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً دينا ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ﴾ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى تنكير كاتب ﴿ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله ﴾ مثل ما علمه الله كتابة الوثائق لا يبدل ولا يغير.

وقيل هو قوله تعالى: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ [القصص: 77] أي ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها.

وعن الشعبي: هي فرض كفاية، وكما علمه الله: يجوز أن يتعلق بأن يكتب، وبقوله فليكتب.

فإن قلت: أي فرق بين الوجهين؟

قلت: إن علقته بأن يكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة المقيدة، ثم قيل له ﴿ فَلْيَكْتُبْ ﴾ يعني فليكتب تلك الكتابة لا يعدل عنها للتوكيد، وإن علقته بقوله فليكتب فقد نهى عن الامتناع من الكتابة على سبيل الإطلاق، ثم أمر بها مقيدة ﴿ وَلْيُمْلِلِ الذى عَلَيْهِ الحق ﴾ ولا يكن المملي إلا من وجب عليه الحق، لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به.

والإملاء والإملال لغتان قد نطق بهما القرآن ﴿ فَهِىَ تملى عَلَيْهِ ﴾ [الفرقان: 5] .

﴿ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ ﴾ من الحق ﴿ شَيْئاً ﴾ والبخس: النقص.

وقرئ ﴿ شياً ﴾ ، بطرح الهمزة: ﴿ وشياً ﴾ ، بالتشديد ﴿ سَفِيهًا ﴾ محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف ﴿ أَوْ ضَعِيفًا ﴾ صبياً أو شيخاً مختلاً ﴿ أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس ﴿ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ ﴾ الذي يلي أمره من وصيّ إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه.

وقوله تعالى: ﴿ أَن يُمِلَّ هُوَ ﴾ فيه أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره، وهو الذي يترجم عنه ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ ﴾ واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدّين ﴿ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ من رجال المؤمنين.

والحرية والبلوغ شرط مع الإسلام عند عامة العلماء.

وعن علي رضي الله عنه: لا تجوز شهادة العبد في شيء.

وعند شريح وابن سيرين وعثمان البتيّ أنها جائزة، ويجوز عند أبي حنيفة شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل.

﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا ﴾ فإن لم يكن الشهيدان ﴿ رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان ﴾ فليشهد رجل وامرأتان، وشهادة النساء مع الرجال مقبولة عند أبي حنيفة فيما عدا الحدود والقصاص ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ ﴾ ممن تعرفون عدالتهم ﴿ أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا ﴾ أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن تنساها، من ضل الطريق إذا لم يهتد له.

وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل.

فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً لله تعالى؟

قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار، والإذكار مسبباً عنه، وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت.

ونظيره قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدوٌّ فأدفعه.

وقرئ: ﴿ فتذكر ﴾ بالتخفيف والتشديد، وهما لغتان.

و ﴿ فتذاكر ﴾ .

وقرأ حمزة: ﴿ إن تضل إحداهما ﴾ على الشرط.

فتذكر: بالرفع والتشديد، كقوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ [المائدة: 95] وقرئ: ﴿ أن تُضَّلَ إحداهما ﴾ على البناء للمفعول والتأنيث.

ومن بدع التفاسير: فتذكر، فتجعل إحداهما الأخرى ذكرا، يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ﴿ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ ليقيموا الشهادة.

وقيل: ليستشهدوا.

وقيل لهم شهداء قبل التحمل، تنزيلاً لما يشارف منزلة الكائن.

وعن قتادة: كان الرجل يطوف (في) الحواء العظيم فيه القوم فلا يتبعه منهم أحد، فنزلت.

كني بالسأم عن الكسل، لأنّ الكسل صفة المنافق.

ومن الحديث: «لا يقول المؤمن كسلت» ويجوز أن يراد من كثرت مدايناته؛ فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً، فربما مل كثرة الكتب.

والضمير في ﴿ تَكْتُبُوهُ ﴾ للدين أو الحق ﴿ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا ﴾ على أي حال كان الحق من صغر أو كبر.

ويجوز أن يكون الضمير للكتاب؛ وأن يكتبوه مختصراً أو مشبعاً لا يخلوا بكتابته ﴿ إِلَى أَجَلِهِ ﴾ إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته ﴿ ذلكم ﴾ إشارة إلى أن تكتبوه، لأنه في معنى المصدر، أي ذلكم الكتب ﴿ أَقْسَطُ ﴾ أعدل من القسط ﴿ وَأَقْوَمُ للشهادة ﴾ وأعون على إقامة الشهادة ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ ﴾ وأقرب من انتفاء الريب.

فإن قلت: مِمَّ بني أفعلا التفضيل، أعني: أقسط، وأقوم؟

قلت: يجوز على مذهب سيبويه أن يكونا مبنيين من أقسط وأقام، وأن يكون أقسط من قاسط على طريقة النسب بمعنى ذي قسط، وأقوم من قويم.

وقرئ: ﴿ ولا يسأموا أن يكتبوه ﴾ بالياء فيهما.

فإن قلت: ما معنى ﴿ تجارة حَاضِرَةً ﴾ وسواء أكانت المبايعة بدين أوبعين فالتجارة حاضرة؟

وما معنى إدارتها بينهم؟

قلت أريد بالتجارة ما يتجر فيه من الأبدال.

ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد.

والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين.

وقرئ: (تجارةُ حاضرةُ) بالرفع على كان التامّة.

وقيل: هي الناقصة على أنّ الاسم (تجارة حاضرة) والخبر (تديرونها) وبالنصب على: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب.

بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بلاَءَنَا ** إذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعَا أي إذا كان اليوم يوماً ﴿ وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ أمر بالإشهاد على التبايع مطلقاً، ناجزاً أو كالئا لأنه أحوط وأبعد مما عسى يقع من الاختلاف.

ويجوز أن يراد: وأشهدوا إذا تبايعتم هذا التبايع يعني التجارة الحاضرة، على أن الإشهاد كاف فيه دون الكتابة.

وعن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد.

وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ ﴾ يحتمل البناء للفاعل والمفعول.

والدليل عليه قراءة عمر رضي الله عنه: ﴿ ولا يضارر ﴾ ، بالإظهار والكسر.

وقراءة ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ ولا يضارر ﴾ ، بالإظهار والفتح.

والمعنى نهي الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما.

وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، ويلزا، أو لا يعطي الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد مؤنة مجيئه من بلد وقرأ الحسن: ﴿ ولا يضار ﴾ ، بالكسر ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ ﴾ وإن تضارّوا ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ فإنّ الضرار ﴿ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ وقيل: وإن تفعلوا شيئاً مما نهيتم عنه ﴿ على سَفَرٍ ﴾ مسافرين.

وقرأ ابن عباس وأبيّ رضي الله عنهما ﴿ كتاباً ﴾ .

وقال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة.

وقرأ أبو العالية: ﴿ كتبا ﴾ .

وقرأ الحسن: ﴿ كتاباً ﴾ ، جمع كاتب ﴿ فرهان ﴾ فالذي يستوثق به رهن.

وقرئ ﴿ فرهن ﴾ بضم الهاء وسكونها، وهو جمع رهن، كسقف وسقف.

و ﴿ فرهان ﴾ .

فإن قلت:: لم شرط السفر في الارتهان ولا يختص به سفر دون حضر وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في غير سفر.

قلت: ليس الغرض تجويز الارتهان في السفر خاصة، ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد، أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر، بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد.

وعن مجاهد والضحاك أنهما لم يجوّزاه إلا في حال السفر أخذاً بظاهر الآية، وأما القبض فلا بدّ من اعتباره.

وعند مالك يصح الارتهان بالإيجاب والقبول بدون القبض ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا ﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به.

وقرأ أبيّ ﴿ فإن أومن ﴾ أي آمنه الناس ووصفوا المديون بالأمانة والوفاء والاستغناء عن الارتهان من مثله ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤتمن أمانته ﴾ حث المديون على أن يكون عند ظن الدائن به وأمنه منه وائتمانه له، وأن يؤدّي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه.

وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه.

والقراءة أن تنطق بهمزة ساكنة بعد الذال أو ياء، فتقول: الذي اؤتمن، أو الذي تمن.

وعن عاصم أنه قرأ: ﴿ الذي اتمن ﴾ ، بإدغام الياء في التاء، قياساً على اتسر في الافتعال من اليسر، وليس بصحيح.

لأنّ الياء منقلبة عن الهمزة، فهي في حكم الهمزة و ﴿ اتزر ﴾ عاميٌّ، وكذلك ريا في رؤيا ﴿ ءَاثِمٌ ﴾ خبر إن.

و ﴿ قَلْبِهِ ﴾ رفع بآثم على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه.

ويجوز أن يرتفع قلبه بالابتداء.

وآثم خبر مقدّم، والجملة خبر إن.

فإن قلت: هلا اقتصر على قوله: ﴿ فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ ﴾ ؟

وما فائدة ذكر القلب والجملة هي الآثمة لا القلب وحده؟

قلت: كتمان الشهادة: هو أن يضمرها ولا يتكلم بها، فلما كان إثماً مقترفاً بالقلب أسند إليه، لأنّ إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ.

ألا تراك تقول إذا أردت التوكيد: هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني، ومما عرفه قلبي، ولأنّ القلب هو رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله، فكأنه قيل: فقد تمكن الإثم في أصل نفسه، وملك أشرف مكان فيه.

ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط، وليعلم أنّ القلب أصل متعلقه ومعدن اقترافه، واللسان ترجمان عنه.

ولأنّ أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح وهي لها كالأصول التي تتشعب منها.

ألا ترى أنّ أصل الحسنات والسيآت الإيمان والكفر، وهما من أفعال القلوب، فإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله تعالى: ﴿ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة ﴾ [المائدة: 72] وشهادة الزور، وكتمان الشهادة.

وقرئ: ﴿ قلبه ﴾ ، بالنصب، كقوله: ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 130] وقرأ ابن أبي عبلة: ﴿ أثم قلبه ﴾ ، أي جعله إثماً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ﴾ أيْ مُسافِرِينَ.

﴿ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ فالَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ رِهانٌ، أوْ فَعَلَيْكم رِهانٌ، أوْ فَلْيُؤْخَذْ رِهانٌ.

ولَيْسَ هَذا التَّعْلِيقُ لِاشْتِراطِ السَّفَرِ في الِارْتِهانِ كَما ظَنَّهُ مُجاهِدٌ والضَّحّاكُ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رَهَنَ دِرْعَهُ في المَدِينَةِ مِن يَهُودِيٍّ عَلى عِشْرِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ أخَذَهُ لِأهْلِهِ، بَلْ لِإقامَةِ التَّوَثُّقِ لِلِارْتِهانِ مَقامَ التَّوَثُّقِ بِالكِتابَةِ في السَّفَرِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ إعْوازِها.

والجُمْهُورُ عَلى اعْتِبارِ القَبْضِ فِيهِ غَيْرَ مالِكٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو « فَرَهْنٌ» كَسَقْفٍ وكِلاهُما جَمْعُ رَهْنٍ بِمَعْنى مَرْهُونٍ: وقُرِئَ بِإسْكانِ الهاءِ عَلى التَّخْفِيفِ.

﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ أيْ بَعْضُ الدّائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الِارْتِهانِ.

﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ﴾ أيْ دَيْنَهُ سَمّاهُ أمانَةً لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ.

وقُرِئَ « الَّذِي ايْتُمِنَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، و « الَّذِي أْتُمِنَ» بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ وهو خَطَأٌ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الهَمْزَةِ في حُكْمِها فَلا تُدْغَمُ.

﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ في الخِيانَةِ وإنْكارِ الحَقِّ وفِيهِ مُبالَغاتٌ.

﴿ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ﴾ أيُّها الشُّهُودُ، أوِ المَدِينُونَ والشَّهادَةُ شَهادَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ.

﴿ وَمَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ أيْ يَأْثَمُ قَلْبُهُ أوْ قَلْبُهُ يَأْثَمُ.

والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ وإسْنادُ الإثْمِ إلى القَلْبِ لِأنَّ الكِتْمانَ مُقْتَرَفُهُ ونَظِيرُهُ: العَيْنُ زانِيَةٌ والأُذُنُ زانِيَةٌ.

أوْ لِلْمُبالَغَةِ فَإنَّهُ رَئِيسُ الأعْضاءِ وأفْعالَهُ أعْظَمُ الأفْعالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: تَمَكَّنَ الإثْمُ في نَفْسِهِ وأخَذَ أشْرَفَ أجْزائِهِ، وفاقَ سائِرَ ذُنُوبِهِ.

وَقُرِئَ « قَلْبَهُ» بِالنَّصْبِ كَحُسْنِ وجْهِهِ.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَهْدِيدٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِن كُنتُمْ} أيها المتداينون {على سَفَرٍ} مسافرين {وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان} فرهان مكي وأبو عمرو أي فالذي يستوثق به رهن وكلاهما جمع رهن كقف وسقف وبغل وبغال ورهن في الأصل مصدر سمي به ثم كسر تكسير الأسماء ولما كان السفر مظنة لا عواز الكتب والإشهاد أمر على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال من كان على سفر بأن يقيم التوثق بالارتهان مقام التوثق بالكتب والإشهاد لأن السفر شرط تجويز الارتهان وقوله {مَّقْبُوضَةٌ} يدل على اشتراط القبض لا كما زعم مالك أن الرهن يصح بالإيجاب والقبول بدون القبض {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين بحسن ظنه به فلم يتوثق بالكتابة والشهود والرهن {فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته} دينه وائتمن افتعل من الأمن وهو حث للمدين على أن يكون عند ظن الدائن وأمنه منه وائتمانه له وأن يؤدي إليه الحق الذي ائتمنه عليه فلم يرتهن منه وسمي الدين أمانة وهو مضمون لائتمانه عليه بترك الارتهان منه {وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ} في إنكار حقه

{وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة} هذا خطاب للشهود {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} ارتفع قلبه بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه أو بالابتداء وآثم خبر مقدم والجملة خبران وإنما أسند إلى القلب وحده والجملة هي الآئمة لا القلب وحده لأن كتمان الشهادة أن يضمرها في القلب ولا يتكلم بها فلما كان إثماً مقترفاً مكتسباً بالقلب أسند إليه لأن إسناد الفعل إلى الجارحة التي يعمل بها أبلغ كما تقول هذا مما أبصرته عيني ومما سمعته أذني ومما عرفه قلبي ولأن القلب رئيس الأعضاء والمضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الإثم في أصل نفسه وملك أشرف مكان منه ولأن أفعال القلوب أعظم من أفعال سائر الجوارح ألا ترى أن أصل الحسنات والسيآت الإيمان والكفر وهما من أفعال القلوب وإذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بأنه من معاظم الذنوب وعن ابن عباس رضى الله عنهما أكبر الكبائر الإشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة {والله بِمَا تَعْمَلُونَ} من كتمان الشهادة وإظهارها {عَلِيمٌ} لا يخفى عليه شيء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ﴾ أيْ مُسافِرِينَ فَفِيهِ اِسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ حَيْثُ شَبَّهَ تَمَكُّنَهم في السَّفَرِ بِتَمَكُّنِ الرّاكِبِ مِن مَرْكُوبِهِ ﴿ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا ﴾ يَكْتُبُ لَكم حَسْبَما بُيِّنَ قَبْلُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ أوْ حالٌ.

وقَرَأ أبُو العالِيَةِ (كُتُبًا)، والحَسَنُ وابْنُ عَبّاسٍ (كُتّابًا) جَمْعُ كاتِبٍ ﴿ فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ أيْ فاَلَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ أوْ فَعَلَيْكم أوْ فَلْيُؤْخَذْ أوْ فالمَشْرُوعُ رِهانٌ وهو جَمْعُ رَهْنٍ وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المَرْهُونِ مِن بابِ إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى اِسْمِ المَفْعُولِ ولَيْسَ هَذا التَّعْلِيقُ لِاشْتِراطِ السَّفَرِ وعَدَمِ الكاتِبِ في شَرْعِيَّةِ الِارْتِهانِ لِأنَّ النَّبِيَّ  «رَهَنَ دِرْعَهُ في المَدِينَةِ مِن يَهُودِيٍّ عَلى ثَلاثِينَ صاعًا مِن شَعِيرٍ» كَما في البُخارِيِّ بَلْ لِإقامَةِ التَّوَثُّقِ بِالِارْتِهانِ مَقامَ التَّوَثُّقِ بِالكَتَبَةِ في السَّفَرِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ إعْوازِها، وأخَذَ مُجاهِدٌ بِظاهِرِ الآيَةِ فَذَهَبَ إلى أنَّ الرَّهْنَ لا يَجُوزُ إلّا في السَّفَرِ وكَذا الضَّحّاكُ فَذَهَبَ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ في السَّفَرِ إلّا عِنْدَ فَقْدِ الكاتِبِ، وإنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِحالِ الشّاهِدِ لِما أنَّهُ في حُكْمِ الكاتِبِ تَوَثُّقًا وإعْوازًا، والجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِ القَبْضِ في تَمامِ الرَّهْنِ، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّهُ يَتِمُّ بِالإيجابِ والقَبُولِ ويَلْزَمُ الرّاهِنَ بِالعَقْدِ تَسْلِيمُهُ ويُشْتَرَطُ عِنْدَهُ بَقاؤُهُ في يَدِ المُرْتَهِنِ حَتّى لَوْ عادَ إلى يَدِ الرّاهِنِ بِأنْ أوْدَعَهُ المُرْتَهِنُ إيّاهُ أوْ أعادَهُ لَهُ إعادَةً مُطْلَقَةً فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الرَّهْنِ فَلَوْ قامَ الغُرَماءُ وهو بِيَدِ الرّاهِنِ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ مَثَلًا كانَ أُسْوَةً لِلْغُرَماءِ فِيهِ وكَأنَّهُ إنَّما ذَهَبَ إلى ذَلِكَ لِما في الرَّهْنِ مِنَ اِقْتِضاءِ الدَّوامِ أنْشَدَ أبُو عَلِيٍّ: فالخُبْزُ واللَّحْمُ لَهُنَّ راهِنُ وقَهْوَةٌ راوُوقُها ساكِبُ وفِي التَّعْبِيرِ بِمَقْبُوضَةٍ دُونَ تَقْبِضُونَها إيماءٌ إلى الِاكْتِفاءِ بِقَبْضِ الوَكِيلِ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى قَبْضِ المُرْتَهِنِ نَفْسِهِ وقُرِئَ (فَرُهُنٌ) كَسُقُفٍ وهو جَمْعُ رَهْنٍ أيْضًا، وقُرِئَ بِسُكُونِ الهاءِ تَخْفِيفًا.

﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ أيْ بَعْضُ الدّائِنِينَ بَعْضَ المَدْيُونِينَ بِحُسْنِ ظَنِّهِ سَفَرًا أوْ حَضَرًا فَلَمْ يَتَوَثَّقْ بِالكِتابَةِ والشُّهُودِ والرَّهْنِ، وقَرَأ أُبَيٌّ (فَإنْ أُومِنَ) أيْ آمَنُهُ النّاسُ ووَصَفُوا المَدْيُونَ بِالأمانَةِ والوَفاءِ والِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّوَثُّقِ مِن مِثْلِهِ، و ﴿ بَعْضًا ﴾ عَلى هَذا مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ كَما قِيلَ ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ ﴾ وهو المَدْيُونُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ العُنْوانِ لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِلْإعْلامِ ولِحَمْلِهِ عَلى الأداءِ ﴿ أمانَتَهُ ﴾ أيْ دَيْنَهُ، والضَّمِيرُ لِرَبِّ الدَّيْنِ أوْ لِلْمَدْيُونِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ عَلَيْهِ، والأمانَةُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى الدَّيْنِ الَّذِي في الذِّمَّةِ وإنَّما سُمِّيَ أمانَةً وهو مَضْمُونٌ لِائْتِمانِهِ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الِارْتِهانِ بِهِ.

وقُرِئَ (اَلَّذِيتُمِنَ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وعَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ (اَلَّذِتُّمِنَ) بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ، وقِيلَ: هو خَطَأٌ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ عَنِ الهَمْزَةِ في حُكْمِها فَلا يُدْغَمُ، ورُدَّ بِأنَّهُ مَسْمُوعٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ نَقَلَ اِبْنُ مالِكٍ جَوازَهُ لِأنَّهُ قالَ: إنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى السَّماعِ، ومِنهُ قِراءَةُ اِبْنُ مُحَيْصِنٍ (اُتُّمِنَ) ونَقَلَ الصّاغانِيُّ أنَّ القَوْلَ بِجَوازِهِ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، ووَرَدَ مِثْلُهُ في كَلامِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها وهي مِنَ الفُصَحاءِ المَشْهُودِ لَهُمْ، فَفي البُخارِيِّ عَنْها: «كانَ  يَأْمُرُنِي فَأتَّزِرُ ”،» فالمُخْطِئُ مُخْطِئٌ ﴿ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ في الخِيانَةِ وإنْكارِ الحَقِّ، وفي الجَمْعِ بَيْنَ عُنْوانِ الأُلُوهِيَّةِ وصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ مِنَ التَّأْكِيدِ والتَّحْذِيرِ ما لا يَخْفى، وقَدْ أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى عِنْدَ الوَفاءِ حَسْبَما أمَرَ بِها عِنْدَ الإقْرارِ تَعْظِيمًا لِحُقُوقِ العِبادِ وتَحْذِيرًا عَمّا يُوجِبُ وُقُوعَ الفَسادِ.

﴿ ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ﴾ أيْ لا تُخْفُوها بِالِامْتِناعِ عَنْ أدائِها إذا دُعِيتُمْ إلَيْها وهو خِطابٌ لِلشُّهُودِ المُؤْمِنِينَ كَما رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وغَيْرِهِ وجَعَلَهُ خِطابًا لِلْمَدْيُونِينَ عَلى مَعْنى لا تَكْتُمُوا شَهادَتَكم عَلى أنْفُسِكم بِأنْ تُقِرُّوا بِالحَقِّ عِنْدَ المُعامَلَةِ، أوْ لا تَحْتالُوا بِإبْطالِ شَهادَةِ الشُّهُودِ عَلَيْكم بِالجَرْحِ ونَحْوِهِ عِنْدَ المُرافَعَةِ خِلافَ الظّاهِرِ المَأْثُورِ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ، وقُرِئَ (يَكْتُمُوا) عَلى الغَيْبَةِ.

﴿ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ الضَّمِيرُ في (إنَّهُ) راجِعٌ إلى (مَن) وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، و(آثِمٌ) خَبَرُ (إنَّ) وقَلْبُهُ فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ ولا يَجِيءُ هَذا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِلشَّأْنِ لِأنَّهُ لا يُفَسَّرُ إلّا بِالجُمْلَةِ والوَصْفِ مَعَ مَرْفُوعِهِ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ عِنْدِ البَصْرِيِّ، والكُوفِيُّ يُجِيزُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وقَلْبُهُ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ) وعَلَيْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ وأنْ يَكُونَ لِمَن وقِيلَ: (آثِمٌ) خَبَرُ (إنَّ) وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ إنَّهُ وقَلْبُهُ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وقِيلَ: (آثِمٌ) مُبْتَدَأٌ و(قَلْبُهُ) فاعِلٌ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ (إنَّ)، وهَذا جائِزٌ عِنْدَ الفَرّاءِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والأخْفَشِ مِنَ البَصْرِيِّينَ وجُمْهُورُ النُّحاةِ لا يُجَوِّزُونَهُ وأضافَ الآثِمَ إلى القَلْبِ مَعَ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: (فَإنَّهُ آثِمٌ) لَتَمَّ المَعْنى مَعَ الِاخْتِصارِ، لِأنَّ الآثِمَ بِالكِتْمانِ وهو مِمّا يَقَعُ بِالقَلْبِ وإسْنادِ الفِعْلِ بِالجارِحَةِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها أبْلَغُ، ألّا تَراكَ تَقُولُ إذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ هَذا مِمّا أبْصَرَتْهُ عَيْنِي ومِمّا سَمِعَتْهُ أُذُنِي ومِمّا عَرَفَهُ قَلْبِي؟

ولِأنَّ الإثْمَ وإنْ كانَ مَنسُوبًا إلى جُمْلَةِ الشَّخْصِ لَكِنَّهُ اُعْتُبِرَ الإسْنادُ إلى هَذا الجُزْءِ المَخْصُوصِ مُتَجَوِّزًا بِهِ عَنِ الكُلِّ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأجْزاءِ ورَئِيسُها، وفِعْلُهُ أعْظَمُ مِن أفْعالِ سائِرِ الجَوارِحِ، فَيَكُونُ في الكَلامِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكِتْمانَ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: أسْنَدَ الإثْمَ إلى القَلْبِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ كِتْمانَ الشَّهادَةِ مِنَ الآثامِ المُتَعَلِّقَةِ بِاللِّسانِ فَقَطْ ولِيُعْلَمْ أنَّ القَلْبَ أصْلُ مُتَعَلِّقِهِ ومَعْدِنُ اِقْتِرافِهِ، وقِيلَ: لِلْإشارَةِ إلى أنَّ أثَرَ الكِتْمانِ يَظْهَرُ في قَلْبِهِ كَما جاءَ في الخَبَرِ: «“ إذا أذْنَبَ العَبْدُ يَحْدُثُ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ وكُلَّما أذْنَبَ زادَ ذَلِكَ حَتّى يَسْوَدَّ ذَلِكَ بِتَمامِهِ»، أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ يَفْسُدُ قَلْبُهُ فَيَفْسُدُ بَدَنُهُ كُلُّهُ، فَقَدْ ورَدَ «”إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ“،» والكُلُّ لَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، وقُرِئَ (قَلْبَهُ) بِالنَّصْبِ عَلى التَّشْبِيهِ بِالمَفْعُولِ بِهِ.

و(آثِمٌ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، وجَوَّزَ أبُو حَيّانَ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ اِسْمِ إنَّ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وبَعْضُهم كَوْنَهُ تَمْيِيزًا واسْتَبْعَدَهُ أبُو البَقاءِ، وقَرَأ اِبْنُ أبِي عَبْلَةَ ﴿ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ أيْ جَعَلَهُ آثِمًا.

﴿ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ ﴾ مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ وأدائِها عَلى وجْهِها وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ عَلِيمٌ  ﴾ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ روي عن ابن عباس أنه قال: الآية نزلت في السلم.

ويقال كل دين إلى أجل سلماً كان أو غيره.

إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى أجل معلوم.

وفي الآية دليل أن المداينة لا تجوز إلا بأجل معلوم فَاكْتُبُوهُ يعني الدين والأجل.

ويقال: أمر بالكتابة، ولكن المراد به الكتابة والإشهاد، لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة.

ويقال: أمر بالكتابة لكي لا ينسى.

ويقال: من أدان ديناً، ولم يكتب، فإذا نسي ودعى الله تعالى بأن يظهره يقول الله تعالى: أمرتك بالكتابة فعصيت أمري، وإذا دعى بالنجاة من الزوجة يقول الله تعالى جعلت الطلاق بيدك إن شئت طلقها، وإن شئت فأمسكها.

ثم قال تعالى: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ يعني يكتب الكاتب عن البائع والمشتري يعدل بينهما في كتابته، ولا يزاد على المطلوب على حقه، ولا ينقص من حق الطالب.

ويقال: إن هذا أمر للكاتب بالكتابة، وكانت المكاتبة واجبة في ذلك الوقت على الكاتب، لأن الكتبة كانوا قليلاً ثم نسخ بقوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: 282] وقال بعضهم: الكتابة لم تكن واجبة، ولكن الأمر على معنى الاستحباب ثم قال: وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ يقول ولا يمتنع الكاتب عن الكتابة أَن يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ يعني يكتب شكراً لما أنعم الله عليه حيث علمه الكتابة، واحتاج غيره إليه، فكما أكرمه الله تعالى بالكتابة وفضله بذلك، فيعرف شكره، ولا يمتنع عن الكتابة لمن طلب منه.

ثم قال: وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يعني المطلوب هو الذي يملي على الكاتب حتى يكتب الكتابة، لأن قول المطلوب حجة على نفسه، فإذا أملى على الكاتب يكون ذلك إقراراً منه بوجوب الحق عليه.

ثم خوف المطلوب لكيلا ينقص شيئاً من حق الطالب.

فقال تعالى: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ يعني المطلوب وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً يقول: لا ينقص مِنَ الحق شَيْئاً، يعني المطلوب.

ويقال: يعني الكاتب، ولا يبخس في الكتابة شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ يعني إذا كان المطلوب سَفِيهاً أي جاهلاً بالإملاء، ويقال أحمق أَوْ ضَعِيفاً يعني صبيّاً عاجزاً عن الإملاء.

ويقال: أخرس أو مجنون أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ يعني لا يحسن أَنْ يُمِلَّ هُوَ على الكاتب فيرجع الإملاء على الطالب فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ يعني: ولي الحق أي الطالب هكذا قال في رواية الكلبي.

وقال في رواية الضحاك.

يعني ولي المدين يعني إذا كان للصبي وصي أو ولي يرجع الإملاء عليه فليملل وليه بِالْعَدْلِ أي بالحق.

ثم أمر بالإشهاد فقال تعالى: وَاسْتَشْهِدُوا على حقكم شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ يعني من أهل دينكم من الأحرار البالغين فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ فليكن رجلاً وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ يعني من العدول أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما يعني إذا نسيت إحدى المرأتين.

فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى يعني: إذا حفظت إحداهما الشهادة فتذكر صاحبتها ويقال: إذا امتنعت إحداهما عن أداء الشهادة، فتعظها الأُخرى حتى تشهد.

قرأ حمزة إن تضل بكسر الألف ونصب التاء وجزم اللام، وإنما كسر الألف على معنى الابتداء والشرط، وجزم اللام لحرف الشرط، فَتُذْكِرُ بضم الراء.

وقرأ الباقون بنصب الألف، ومعناه لأن تضل.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو، فتذكر بالتخفيف.

وقرأ الباقون بنصب الذال وتشديد الكاف، وهما لغتان أذكرته وذكرته.

ثم قال: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا يعني: الشاهد إذا دعي إلى الحاكم ليشهد، فلا يمتنع عن أداء الشهادة والإباء عن الشهادة حرام، لأن الله تعالى نهى عن الإباء عن الشهادة.

ويقال: إباء الشهادة على ثلاثة أوجه: أحدهما أن يمتنع عن أدائه.

والثاني أن يشهد ويقصر في أدائه، لكيلا تقبل شهادته.

والثالث بأن لا يصون نفسه عن المعاصي، فيصير منهما لا تقبل شهادته، فكأنه وهو الذي أبطل حق المدعي، وخانه حيث عصى الله تعالى حتى ردت شهادته بمعصيته.

ثم قال تعالى وَلا تَسْئَمُوا يقول ولا تملوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً يعني قليل الحق أو كثيره إِلى أَجَلِهِ لأن الكتابة أحصى للأجل وأحفظ للمال ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ أي أعدل وَأَقْوَمُ وأصوب لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى يقول: أحرى وأجدر أَلَّا تَرْتابُوا يعني: لا تشكوا في شيء من حقوقكم.

ثم استثنى الله تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً قرأ عاصم تجارة حاضرة بالنصب وقرأ الباقون بالرفع، فمن قرأ بالنصب جعله خبر تكون، والاسم مضمر معناه إلا أن تكون المداينة تجارة حاضرة.

ومن قرأ بالرفع جعله اسمه يعني إذا كان البيع بالنقد تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ يعني تداولونها أيديكم، ولم يكن المال مؤجلاً فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي حرج أَلَّا تَكْتُبُوها يعني التجارة.

ثم قال وَأَشْهِدُوا على حقكم إِذا تَبايَعْتُمْ على كل حال، نقداً كان أو مؤجلاً، وهذا أمر استحباب، ولو ترك الإشهاد جاز البيع.

ثم قال تعالى وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ يقال لا يعمد أحدكم إلى الكاتب والشاهد، فيدعوهما إلى الكتابة والشهادة، ولهما حاجة مهمة، فيمنعهما عن حاجتهما، وليتركهما حتى يفرغا من حاجتهما، أو يطلب غيرهما وَإِنْ تَفْعَلُوا يقول: إن تضاروا الكاتب والشاهد فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ يقول معصية منكم وترك الأدب قوله: وَاتَّقُوا اللَّهَ في الضرر ويقال: واتقوا الله ولا تعصوه فيما أمركم من أمر الكتابة والإشهاد وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ في أمر الكتابة، ويقال: ويؤدبكم الله وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من أعمالكم عَلِيمٌ.

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ أي كنتم مسافرين وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً يعني لم تجدوا من يكتب الكتاب وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ، ولم تجدوا كاتباً، يعني الكاتب والصحيفة فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو فرهن، والباقون فرهان، فمن قرأ فرهان، فهو جمع الرهن، ومن قرأ فرهن فهو جمع الرهان، وهو جمع الجمع.

ويقال: كلاهما واحد، وهو جمع الرهن، يعني إذا كنتم في السفر، ولم تجدوا من يكتب، ولم تجدوا الصحيفة والدواة، فاقبضوا الرهن.

وفي الآية دليل أن الرهن لا يصح إلا بالقبض لأنه جعل الرهن بالقبض.

ثم قال تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً يعني إذا كَانَ الذى عَلَيْهِ الحق أميناً عند الطلب، ولم يطلب منه الرهن، ورضي بدينه بغير رهن قوله: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ يعني أن المطلوب يقضي دينه حيث ائتمنه الطالب، ولم يرتهن منه وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يمنع حقه، ثم رجع إلى الشهود فقال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ عند الحاكم يقول: من كانت عنده شهادة، فليؤدها على وجهها ولا يكتمها وَمَنْ يَكْتُمْها يعني الشهادة فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ يعني فاجر قلبه.

قوله: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ من كتمان الشهادة وإقامتها، فهذا وعيد للشاهد على كتمان شهادته لكيلا يكتمها.

قرأ حمزة وعاصم فليؤد الذي اؤتمن، بضم الألف، والباقون يقرءون بسكون الألف وكلاهما واحد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ...

الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان- عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر.

/

قال ع «١» : رَهَنَ الشَّيْءَ في كلام العرب معناه: دَامَ، واستمر، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ «٢» ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد

المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له.

وقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن.

وأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن وكذلك على قبض وكيله فيما علمتُ.

واختلفوا في قَبْض عدلٍ «١» يوضَعُ الرهْنُ على يديه.

فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ.

وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ «١» ، وغيره: ليس بقَبْض.

وقولُ الجمهورِ أصحُّ من جهة المعنى في الرهن.

وقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء.

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال:

وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ «٣» في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكتب، والإشهاد،

والرهن.

اهـ.

وقوله: فَلْيُؤَدِّ: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: أَمانَتَهُ: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة.

وقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ...

الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه كما قال صلّى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ.

وروى البزّار في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ» «١» اهـ من «الكوكب الدري» .

قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...

الآية: المعنى: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ.

وقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ...

الآية: قوله: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز.

واختلف في معنى هذه الآية.

فقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها «٢» ، فلفظ الآية على هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ وكذا نقل الثعلبيُّ.

وقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بخواطر نفوسنا، وشقّ ذلك على النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قالت بنو إسرائيل: سمعنا ٧٥ ب وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، / فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ الله بعد ذلك:

لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «١» [البقرة: ٢٨٦] ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ» هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ.

وقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ...

الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ.

وقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجّح الطبريّ «٢» أنّ

الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.

ع «١» : وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبيّ صلّى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا» ، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥] ، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها.

وقوله تعالى: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال ع «٢» : وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكرناه من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها.

اهـ.

وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ...

الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وأشفق منها النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إلى الله تعالى، لا كما

قالتْ بنو إِسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: ٩٣] فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نقمه.

وآمَنَ معناه: صدّق، والرسول: محمّد صلّى الله عليه وسلم، وبِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إليه من حملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته:

هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه.

وقرأ الجمهور: لاَ نُفَرِّقُ بالنون «١» .

والمعنى: يقولون: لا نفرِّق.

ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض.

وقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غابر الدّهر، والطاعة: قبول الأوامر، وغُفْرانَكَ: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ.

ت: وزاد أبو حَيَّان «٢» ، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا.

اهـ.

وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إلى آخر السّورة «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ﴾ إنَّما خُصَّ السَّفَرُ، لِأنَّ الأغْلَبَ عَدَمُ الكاتِبِ، والشّاهِدُ فِيهِ.

ومَقْصُودُ الكَلامِ: إذا عَدِمْتُمُ التَّوَثُّقَ بِالكِتابِ، والإشْهادِ، فَخُذُوا الرَّهْنَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَرِهانٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعَبْدُ الوارِثِ (فَرُهْنٌ) بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وأسْكَنَ الهاءَ عَبْدُ الوارِثِ.

ووَجْهُهُ التَّخْفِيفُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (فَرِهانٌ) بِكَسْرِ الرّاءِ، وفَتْحِ الهاءِ، وإثْباتِ الألِفِ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن قَرَأ (فَرِهانٌ) أرادَ: جَمْعَ رَهْنٍ، ومَن قَرَأ (فَرُهْنٌ) أرادَ: جَمَعَ رِهانٍ، فَكَأنَّهُ جَمْعُ الجَمْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَقْبُوضَةٌ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن شَرْطِ لُزُومِ الرَّهْنِ القَبْضُ، وقَبْضُ الرَّهْنِ أخْذُهُ مِن راهِنِهِ مَنقُولًا، فَإنْ كانَ مِمّا لا يَنْقُلُ، كالدُّورِ والأرْضِينَ، فَقَبْضُهُ تَخْلِيَةُ راهِنِهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرْتَهِنِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ أيْ: فَإنْ وثِقَ رَبُّ الدَّيْنِ بِأمانَةِ الغَرِيمِ، فَدَفَعَ مالَهُ بِغَيْرِ كِتابٍ، ولا شُهُودَ، ولا رَهْنَ، ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ ﴾ وهو المَدِينُ ﴿ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ أنْ يَخُونَ مَنِ ائْتَمَنَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ قالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: فَإنَّهُ فاجِرٌ قَلْبُهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: إنَّما أضافَ الإثْمَ إلى القَلْبِ، لِأنَّ المَآَثِمَ تَتَعَلَّقُ بِعَقْدِ القَلْبِ، وكِتْمانِ الشَّهادَةِ إنَّما هو عَقْدُ النِّيَّةِ لِتَرْكِ أدائِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ولْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ولا تَكْتُمُوا الشَهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى النَدْبَ إلى الإشْهادِ والكَتْبِ لِمَصْلَحَةِ حِفْظِ الأمْوالِ والدُيُونِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ الأعْذارِ المانِعَةِ مِنَ الكَتْبِ، وجَعَلَ لَها الرَهْنَ، ونَصَّ مِن أحْوالِ الرَهْنِ عَلى السَفَرِ الَّذِي هو الغالِبُ مِنَ الأعْذارِ، لا سِيَّما في ذَلِكَ الوَقْتِ لِكَثْرَةِ الغَزْوِ.

ويَدْخُلُ في ذَلِكَ بِالمَعْنى كُلُّ عُذْرٍ، فَرُبَّ وقْتٍ يَتَعَذَّرُ فِيهِ الكاتِبُ في الحَضَرِ، كَأوقاتِ أشْغالِ الناسِ، وبِاللَيْلِ، وأيْضًا فالخَوْفُ عَلى خَرابِ ذِمَّةِ الغَرِيمِ عُذْرٌ يُوجِبُ طَلَبَ الرَهْنِ.

وقَدْ «رَهَنَ النَبِيُّ  دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ طَلَبَ مِنهُ سَلَفَ الشَعِيرِ فَقالَ: إنَّما يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أنْ يَذْهَبَ بِمالِي، فَقالَ النَبِيُّ  : "كَذَبَ، إنِّي لَأمِينٌ في الأرْضِ، أمِينٌ في السَماءِ، ولَوِ ائْتَمَنَنِي لَأدَّيْتُ، اذْهَبُوا إلَيْهِ بِدِرْعِي".» وقَدْ قالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: الرَهْنُ في السَفَرِ ثابِتٌ في القُرْآنِ، وفي الحَضَرِ ثابِتٌ في الحَدِيثِ، وهَذا حَسَنٌ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُمْعِنْ فِيهِ النَظَرَ في لَفْظِ السَفَرِ في الآيَةِ، وإذا كانَ السَفَرُ في الآيَةِ مِثالًا مِنَ الأعْذارِ، فالرَهْنُ في الحَضَرِ مَوْجُودٌ في الآيَةِ بِالمَعْنى إذْ قَدْ تَتَرَتَّبُ الأعْذارُ في الحَضَرِ.

وذَهَبَ الضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ إلى أنَّ الرَهْنَ والِائْتِمانَ إنَّما هو في السَفَرِ، وأمّا في الحَضَرِ فَلا يَنْبَغِي شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ قَوْلَهُما في الرَهْنِ بِحَسَبِ الحَدِيثِ الثابِتِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ، وقَوّى قَوْلَهُما في الِائْتِمانِ، والصَحِيحُ ضَعْفُ القَوْلِ في الفَصْلَيْنِ، بَلْ يَقَعُ الِائْتِمانُ في الحَضَرِ كَثِيرًا ويَحْسُنُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كاتِبًا" بِمَعْنى رَجُلٍ يَكْتُبُ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ "كِتابًا": بِكَسْرِ الكافِ، وتَخْفِيفِ التاءِ، وألِفٍ بَعْدَها، وهو مَصْدَرٌ قالَ مَكِّيٌّ: وقِيلَ: هو جَمْعُ كاتِبٍ كَقائِمٍ وقِيامٍ، ومِثْلُهُ صاحِبٌ وصِحابٌ، وقَرَأ بِذَلِكَ مُجاهِدٌ، وأبُو العالِيَةِ، وقالا: المَعْنى: وإنْ عُدِمَتِ الدَواةُ والقَلَمُ أوِ الصَحِيفَةُ.

ونَفْيُ وُجُودِ الكِتابِ يَكُونُ بِعُدْمِ أيِّ آلَةٍ اتُّفِقَ مِنَ الآلَةِ، فَنَفْيُ الكِتابِ يَعُمُّها، ونَفْيُ الكاتِبِ أيْضًا يَقْتَضِي نَفْيَ الكِتابِ، فالقِراءَتانِ حَسَنَتانِ إلّا مِن جِهَةِ خَطِّ المُصْحَفِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ "كُتّابًا" بِضَمِّ الكافِ عَلى جَمْعِ كاتِبٍ، وهَذا يَحْسُنُ مِن حَيْثُ لِكُلِّ نازِلَةٍ كاتِبٌ فَقِيلَ لِلْجَماعَةِ: "وَلَمْ تَجِدُوا كُتّابًا"، وهَذا هو الجِنْسُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "كاتِبًا".

وحَكى المَهْدَوِيُّ، عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قَرَأ: "كُتُبًا"، وهَذا جَمْعُ "كِتابٍ" مِن حَيْثُ النَوازِلُ مُخْتَلِفَةٌ، وهَذا هو الجِنْسُ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "كِتابًا".

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وجُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: "فَرِهانٌ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ: "فَرُهُنٌ" بِضَمِّ الراءِ والهاءِ، ورُوِيَ عنهُما تَخْفِيفُ الهاءِ، وقَدْ قَرَأ بِكُلِّ واحِدَةٍ جَماعَةٌ غَيْرُهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: رَهَنَ الشَيْءَ في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ: دامَ واسْتَمَرَّ.

يُقالُ: أرْهَنَ لَهُمُ الشُرْبَ وغَيْرَهُ.

قالَ ابْنُ سِيدَهْ: ورَهَنَهُ: أيْ أدامَهُ -وَمِن رَهَنَ بِمَعْنى دامَ قَوْلُ الشاعِرِ: اللَحْمُ والخُبْزُ لَهم راهِنًا ∗∗∗ وقَهْوَةٌ راوُوقُها ساكِبُ أيْ دائِمٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمّا كانَ الرَهْنُ بِمَعْنى الثُبُوتِ والدَوامِ فَمِن ثَمَّ بَطَلَ الرَهْنُ عِنْدَ الفُقَهاءِ إذا خَرَجَ مِن يَدِ المُرْتَهِنِ إلى يَدِ الراهِنِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِأنَّهُ فارَقَ ما جُعِلَ لَهُ، ويُقالُ: أرْهَنَ في السِلْعَةِ إذا غالى فِيها حَتّى أخَذَها بِكَثِيرِ الثَمَنِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في وصْفِ ناقَةٍ: يَطْوِي ابْنُ سَلْمى بِها مِن راكِبٍ بُعُدًا ∗∗∗ ∗∗∗ عِيدِيَّةٌ أُرْهِنَتْ فِيها الدَنانِيرُ العِيدُ بَطْنٌ مِن مَهْرَةَ، وإبِلُ مَهْرَةَ مَوْصُوفَةٌ بِالنَجابَةِ.

ويُقالُ في مَعْنى الرَهْنِ الَّذِي هو التَوَثُّقُ مِنَ الحَقِّ: أرْهَنْتُ إرْهانًا فِيما حَكى بَعْضُهم.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: أرْهَنْتُ في المُغالاةِ، وأمّا في القَرْضِ والبَيْعِ فَرَهَنْتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُقالُ بِلا خِلافٍ في البَيْعِ والقَرْضِ: رَهَنْتُ رَهْنًا، ثُمَّ سُمِّيَ بِهَذا المَصْدَرِ الشَيْءُ المَدْفُوعُ، ونُقِلَ إلى التَسْمِيَةِ، ولِذَلِكَ كُسِرَ في الجَمْعِ كَما تُكْسَرُ الأسْماءُ، وكَما تُكْسَرُ المَصادِرُ الَّتِي يُسَمّى بِها وصارَ فِعْلُهُ يَنْصِبُهُ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ لا نَصْبَ المَصْدَرِ تَقُولُ: رَهَنْتُ رَهْنًا، فَذَلِكَ كَما تَقُولُ: رَهَنْتُ ثَوْبًا، لا كَما تَقُولُ: رَهَنْتُ الثَوْبَ رَهْنًا، وضَرَبْتُ ضَرْبًا، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ يُقالُ في هَذا المَعْنى: أرْهَنْتُ، وفَعَلْتُ فِيهِ أكْثَرُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: يُراهِنُنِي فَيَرْهَنُنِي بَنِيهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وأرْهَنُهُ بَنِيَّ بِما أقُولُ وقالَ الأعْشى: حَتّى يُفِيدَكَ مِن بَنِيهِ رَهِينَةً ∗∗∗ ∗∗∗ نَعْشٌ ويَرْهَنُكَ السِماكُ الفَرْقَدا فَهَذِهِ رُوِيَتْ مِن: رَهَنَ.

وأمّا أرْهَنَ فَمِنهُ قَوْلُ هَمّامِ بْنِ مُرَّةَ: ولَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكا قالَ الزَجّاجُ: يُقالُ في الرَهْنِ: رَهَنْتُ وأرْهَنْتُ، وقالَهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ، ويُقالُ: رَهَنْتُ لِسانِي بِكَذا، ولا يُقالُ فِيهِ: أرْهَنْتُ.

قالَ فَمَن قَرَأ: "فَرِهانٌ" فَهو جَمْعُ رَهْنٍ كَكَبْشٍ وكِباشٍ، وكَعْبٍ وكِعابٍ، ونَعْلٍ ونِعالٍ،.

وبَغْلٍ وبِغالٍ.

ومَن قَرَأ: "فَرُهُنٌ" بِضَمِّ الراءِ والهاءِ فَهو جَمْعُ رَهْنٍ - كَسَقْفٍ وسُقُفٍ، وأسْدٍ وأُسُدٍ، إذْ فَعْلٌ وفُعُلٌ يَتَقارَبانِ في أحْكامِهِما، ومَن قَرَأ "فَرَهْنٌ" بِسُكُونِ الهاءِ فَهو تَخْفِيفُ رُهُنٍ وهي لُغَةٌ في هَذا البابِ كُلِّهِ - كَكُتْبٍ وفَخْذٍ وعَضْدٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وتَكْسِيرُ رُهُنٍ عَلى أقَلِّ العَدَدِ لَمْ أعْلَمْهُ جاءَ، ولَوْ جاءَ لَكانَ قِياسُهُ أفْعُلْ كَكَلْبٍ وَأكْلُبٍ، وكَأنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِالكَثِيرِ عَنِ القَلِيلِ في قَوْلِهِمْ: ثَلاثَةُ شُسُوعٍ، وكَما اسْتُغْنِيَ بِبِناءِ القَلِيلِ عن بِناءِ الكَثِيرِ في رُسُنٍ وأرْسانٍ.

فَرَهْنٌ يُجْمَعُ عَلى بِناءَيْنِ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ وهُما: فُعُلٌ وفِعالٌ، فَمِمّا جاءَ عَلى فُعُلٍ قَوْلُ الأعْشى: آلَيْتُ لا أُعْطِيهِ مِن أبْنائِنا ∗∗∗ ∗∗∗ رُهُنًا فَيُفْسِدُهم كَمَن قَدْ أفْسَدا قالَ الطَبَرِيُّ: تَأوَّلَ قَوْمٌ أنَّ رُهُنًا بِضَمِّ الراءِ والهاءِ، جَمْعُ رِهانٍ، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وحَكاهُ الزَجّاجُ عَنِ الفَرّاءِ.

ووَجَّهَ أبُو عَلِيٍّ قِياسًا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ رِهانًا جَمْعُ رُهُنٍ بِأنْ يُقالَ: يُجْمَعُ فُعُلٌ عَلى فِعالٍ كَما جَمَعُوا فِعالًا عَلى فَعائِلَ في قَوْلِ ذِي الرُمَّةِ: وقَرَّبْنَ بِالزُرْقِ الجَمائِلَ بَعْدَ ما ∗∗∗ ∗∗∗ تَقَوَّبَ عن غِرْبانِ أوراكِها الخَطْرُ ثُمَّ ضَعَّفَ أبُو عَلِيٍّ هَذا القِياسَ، وقالَ إنَّ سِيبَوَيْهِ لا يَرى جَمْعَ الجَمْعِ مُطَّرِدًا، فَيَنْبَغِي أنْ لا يُقْدَمَ عَلَيْهِ حَتّى يَرِدَ سَماعًا.

وقوله عزّ وجلّ: "مَقْبُوضَةٌ" يَقْتَضِي بَيْنُونَةَ المُرْتَهَنِ بِالرَهْنِ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى صِحَّةِ قَبْضِ المُرْتَهَنِ، وكَذَلِكَ عَلى قَبْضِ وكِيلِهِ فِيما عَلِمْتُ، واخْتَلَفُوا في قَبْضِ عَدْلٍ يُوضَعُ الرَهْنُ عَلى يَدَيْهِ - فَقالَ مالِكٌ، وجَمِيعُ أصْحابِهِ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: قَبْضُ العَدْلِ قَبْضٌ، وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وأبُو الخَطّابِ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ، وغَيْرُهُما: لَيْسَ قَبْضُ العَدْلِ بِقَبْضٍ.

وقَوْلُ الجُمْهُورِ أصَحُّ مِن جِهَةِ المَعْنى في الرَهْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنْ أمِنَ ﴾ الآيَةُ، شَرْطٌ رَبَطَ بِهِ وصِيَّةَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ بِالأداءِ، وَقَوْلُهُ: "فَلْيُؤَدِّ" أمْرٌ بِمَعْنى الوُجُوبِ، بِقَرِينَةِ الإجْماعِ عَلى وُجُوبِ أداءِ الدُيُونِ، وثُبُوتِ حُكْمِ الحاكِمِ بِهِ، وجَبْرِهِ الغُرَماءَ عَلَيْهِ، وبِقَرِينَةِ الأحادِيثِ الصِحاحِ في تَحْرِيمِ مالِ الغَيْرِ، وقَوْلُهُ: "أمانَتَهُ" مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الشَيْءُ الَّذِي في الذِمَّةِ، وأضافَها إلى الَّذِي عَلَيْهِ الدَيْنُ مِن حَيْثُ لَها إلَيْهِ نِسْبَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالأمانَةِ نَفْسَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَلْيَحْفَظْ مُرُوءَتَهُ، فَيَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَلْيُؤَدِّ دَيْنَ أمانَتِهِ، وقَرَأ عاصِمٌ - فِيما رَوى عنهُ أبُو بَكْرٍ "الَّذُي اؤْتُمِنَ" بِرَفْعِ الذالِ، ويُشِيرُ بِالضَمِّ إلى الهَمْزَةِ، قالَ أحْمَدُ بْنُ مُوسى: وهَذِهِ التَرْجَمَةُ غَلَطٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالذالِ مَكْسُورَةً، وبَعْدَها هَمْزَةٌ ساكِنَةٌ بِغَيْرِ إشْمامٍ، وهَذا هو الصَوابُ الَّذِي لا يَجُوزُ غَيْرُهُ.

ورَوى سَلِيمٌ عن حَمْزَةَ إشْمامَ الهَمْزَةِ الضَمَّ، وهَذا خَطَأٌ أيْضًا لا يَجُوزُ، وصَوَّبَ أبُو عَلِيٍّ هَذا القَوْلَ كُلَّهُ الَّذِي لِأحْمَدَ بْنِ مُوسى، واحْتَجَّ لَهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "الَّذِي ايْتُمِنَ" بِياءٍ ساكِنَةٍ مَكانَ الهَمْزَةِ، وكَذَلِكَ ما كانَ مِثْلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَكْتُمُوا الشَهادَةَ ﴾ نَهْيٌ عَلى الوُجُوبِ بِعِدَّةِ قَرائِنَ مِنها الوَعِيدُ.

ومَوْضِعُ النَهْيِ هو حَيْثُ يَخافُ الشاهِدُ ضَياعَ حَقٍّ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عَلى الشاهِدِ أنْ يَشْهَدَ حَيْثُما اسْتُشْهِدَ، ويُخْبِرَ حَيْثُما اسْتُخْبِرَ، قالَ: ولا تَقُلْ: أخْبَرَ بِها عِنْدَ الأمِيرِ، بَلْ أخْبَرَهُ بِها لَعَلَّهُ يَرْجِعُ ويَرْعَوِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عِنْدِي بِحَسَبِ قَرِينَةِ حالِ الشاهِدِ، والمَشْهُودِ فِيهِ، والنازِلَةِ، لا سِيَّما مَعَ فَسادِ الزَمَنِ، وأرْذالِ الناسِ، ونِفاقِ الحِيلَةِ، وأعْراضِ الدُنْيا عِنْدَ الحُكّامِ.

فَرُبَّ شَهادَةٍ إنْ صَرَّحَ بِها في غَيْرِ مَوْضِعِ النُفُوذِ كانَتْ سَبَبًا لِتَخْدُمَ باطِلًا يَنْطَمِسُ بِهِ الحَقُّ.

و"آثِمٌ" مَعْناهُ: قَدْ تَعَلَّقَ بِهِ الحُكْمُ اللاحِقُ عَنِ المَعْصِيَةِ في كِتْمانِ الشَهادَةِ.

وإعْرابُهُ أنَّهُ خَبَرُ "إنَّ"، و"قَلْبُهُ" فاعِلٌ بِـ "آثِمٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و"قَلْبُهُ" فاعِلٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "قَلْبُهُ" بَدَلًا عَلى بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وخَصَّ اللهُ تَعالى ذِكْرَ القَلْبِ إذِ الكَتْمُ مِن أفْعالِهِ، وإذْ هو المُضْغَةُ الَّتِي بِصَلاحِها يَصْلُحُ الجَسَدُ، كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ "فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبَهُ" بِنَصْبِ الباءِ، قالَ مَكِّيٌّ: هو عَلى التَفْسِيرِ، ثُمَّ ضَعَّفَهُ مِن أجْلِ أنَّهُ مَعْرِفَةٌ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ تَوَعُّدٌ وإنْ كانَ لَفْظُها يَعُمُّ الوَعْدَ والوَعِيدَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا معطوف على قوله: ﴿ إذا تداينتم بدَين وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 282] الآية، فجميع ما تقدّم حكم في الحضر والمُكنة، فإن كانوا على سفر ولم يتمكّنوا من الكتابة لعدم وجود من يكتب ويشهد فقد شُرع لهم حكم آخر وهو الرهن، وهذا آخر الأقسام المتوقّعة في صور المعاملة، وهي حالة السفر غالباً، ويلحق بها ما يماثل السفر في هاته الحالة.

والرهان جمع رهن ويجمع أيضاً على رُهُن بضم الراء وضم الهاء وقد قرأه جمهور العشرة: بكسر الراء وفتح الهاء، وقرأه ابن كثير، وأبو عَمْرو: بضم الراء وضم الهاء، وجمْعُه باعتبار تعدّد المخاطبين بهذا الحكم.

والرهن هنا اسم للشيء المرهون تسميةً للمفعول بالمصدر كالخلْق.

ومعنى الرهن أن يجعل شيء من متاع المدين بيد الدائن توثقة له في دينه.

وأصل الرهن في كلام العرب يدل على الحَبس قال تعالى: ﴿ كل نفس ما كسبت رهينة ﴾ [المدثر: 38] فالمرهون محبوس بيد الدائن إلى أن يستوفي دينه قال زهير: وفارقْتَك برهن لا فَكَاكَ لَه *** يومَ الوَدَاععِ فأمسَى الرهن قد غَلِقَا والرهن شائع عند العرب: فقد كانوا يرهنون في الحمالات والدَيات إلى أن يقع دفعها، فربّما رهنوا أبناءهم، وربّما رهنوا واحداً من صناديدهم، قال الأعشى يَذْكر أنّ كِسْرى رام أخذ رهائن من أبنائهم: آلَيْتُ لا أُعْطِيه من أبنائنا *** رُهُنا فنفسدَهم كمَن قد أفْسَدا وقال عبد الله بن هَمَّام السلولي: فلمّا خَشِيتُ أظَافِيرَهم *** نَجَوْت وأرْهَنْتُهُم مَالِكَا ومن حديث كعب بن الأشْرَففِ أنّه قال لعبد الرحمان بن عَوْف: ارْهَنُوني أبْنَاءَكم.

ومعنى فرِهانٌ: أي فرهان تعَوّض بها الكتابة.

ووصفُها بمقبوضة إمّا لمجرّد الكشف، لأنّ الرهان لا تكون إلاّ مقبوضة، وإمّا للاحتراز عن الرهن للتوثقة في الديون في الحضر فيؤخَذ مِن الإذن في الرهن أنّه مباح فلذلك إذا سأله ربّ الدين أجيبَ إليه فدلّت الآية على أنّ الرهن توثقة في الدين.

والآية دالة على مشروعية الرهن في السفر بصريحها.

وأمّا مشروعية الرهن في الحضر فلأنّ تعليقه هنا على حال السفر ليس تعليقاً بمعنى التقييد بل هو تعليق بمعنى الفرض والتقدير، إذا لم يوجد الشاهد في السفر، فلا مفهوم للشرط لوروده مورد بيان حالة خاصة لا للاحتراز، ولا تعتبر مفاهيم القيود إلاّ إذا سيقت مساق الاحتراز، ولذا لم يعتدّوا بها إذا خرجت مخرج الغالب.

ولا مفهوم له في الانتقال عن الشهادة أيضاً؛ إذ قد علم من الآية أنّ الرهن معاملة لهم، فلذلك أحيلوا عليها عند الضرورة على معنى الإرشاد والتنبيه.

وقد أخذ مجاهد، والضحّاك، وداود الظاهري، بظاهر الآية من تقييد الرهن بحال السفر، مع أنّ السنّة أثبتت وقوع الرهن من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن أصحابه في الحضَر.

والآية دليل على أنّ القبض من متمّمات الرّهن شرعاً، ولم يختلف العلماء في ذلك، وإنّما اختلفوا في الأحكام الناشئة عن ترك القبض، فقال الشافعي: القبض شرط في صحة الرهن، لظاهر الآية، فلو لم يقارن عقدة الرهن قبض فسدت العقدة عنده، وقال محمد بن الحسن، صاحب أبي حنيفة: لا يجوز الرهن بدون قبض، وتردّد المتأخّرون من الحنفية في مفاد هذه العبارة؛ فقال جماعة: هو عنده شرط في الصحة كقول الشافعي، وقال جماعة: هو شرط في اللزوم قريباً من قول مالك، واتفق الجميع على أنّ للراهن أن يرجع بعد عقد الرهن إذا لم يقع الحوز، وذهب مالك إلى أنّ القبض شرط في اللزوم، لأنّ الرهن عقد يثبت بالصيغة كالبيع، والقبضُ من لوازمه، فلذلك يُجبر الراهن على تحويز المرتهن إلاّ أنّه إذا مات الراهن أو أفلس قبل التحويز كان المرتهن أسوةَ الغرماء؛ إذ ليس له ما يؤثره على بقية الغرماء، والآية تشهد لهذا لأنّ الله جعل القبض وصفاً للرهن، فعلم أنّ ماهية الرهن قد تحقّقت بدون القبض.

وأهل تونس يكتفون في رهن الرباع والعقار برهن رسوم التملّك، ويعدّون ذلك في رهن الدين حوزاً.

وفي الآية دليل واضح على بطلان الانتفاع؛ لأنّ الله تعالى جعل الرهن عوضاً عن الشهادة في التوثّق فلا وجه للانتفاع، واشتراط الانتفاع بالرهن يخرجه عن كونه توثّقاً إلى ماهية البيع.

﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الذى اؤتمن أمانته وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ﴾ .

متفرّع على جميع ما تقدّم من أحكام الدين: أي إنْ أمِنَ كلّ من المتداينين الآخر أي وثق بعضكم بأمانة بعض فلم يطالبه بإشهاد ولا رهن، فالبعض المرفوع هو الدائن، والبعض المنصوب هو المدين وهو الذي ائتُمن.

والأمانة مصدر آمنه إذا جعله آمناً.

والأمن اطمئنان النفس وسلامتها ممّا تخافه، وأطلقت الأمانة على الشيء المؤمَّن عليه، من إطلاق المصدر على المفعول.

وإضافة أمانته تشبه إضافة المصدر إلى مفعوله.

وسيجيء ذكر الأمانة بمعنى صفةِ الأمين عندَ قوله تعالى: ﴿ وأنا لكم ناصح أمين ﴾ في سورة الأعراف (68).

وقد أطلق هنا اسم الأمانة على الدَّين في الذمّة وعلى الرهن لتعظيم ذلك الحق لأنّ اسم الأمانات له مهابَة في النفوس، فذلك تحذير من عدم الوفاء به؛ لأنّه لما سمّي أمانة فعدم أدائه ينعكس خِيانة؛ لأنّها ضدّها، وفي الحديث: أدِّ الأمَانَة إلى من ائتَمنك ولا تَخن من خانك.

والأداء: الدفع والتوفية، وردّ الشيء أو رَدُّ مثله فيما لا تقصد أعيانه، ومنه أداء الأمانة وأداء الدّين أي عدم جحده قال تعالى: ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ [النساء: 58].

والمعنى: إذا ظننتم أنّكم في غُنية عن التوثّق في ديونكم بأنّكم أمناء عند بعضكم، فأعْطُوا الأمانَة حَقَّها.

وقد علمتَ ممّا تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فاكتبوه ﴾ أنّ آية ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليود الذي أؤتمن أمانته ﴾ تعتبر تكميلاً لطلب الكتابة والإشهادِ طلَبَ ندب واستحباب عند الذين حملوا الأمر في قوله تعالى: ﴿ فاكتبوه ﴾ على معنى الندب والاستحباب، وهم الجمهور.

ومعنى كونها تكميلاً لذلك الطلب أنّها بيّنت أنّ الكتابة والإشهاد بين المتداينين، مقصود بهما حسن التعامل بينهما، فإن بدَا لهما أن يأخذا بهما فنعمَّا، وإن اكتفيا بما يعلمانه من أماننٍ بينهما فلهما تركهما.

وأتبع هذا البيان بوصاية كلا المتعاملين بأن يؤدّيا الأمانة ويتّقيا الله.

وتقدم أيضاً أنّ الذين قالوا بأنّ الكتابة والإشهاد على الديون كان واجباً ثم نسخ وجوبه، ادّعوا أنّ ناسخه هو قوله تعالى: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ الآية، وهو قول الشعبي، وابن جريج، وجابر بن زيد، والربيع بن سليمان، ونسب إلى أبي سعيد الخدري.

ومحمل قولهم وقوللِ أبي سعيد إن صحّ ذلك عنه أنّهم عنّوا بالنسخ تخصيص عموم الأحوال والأزمنة.

وتسميةُ مثل ذلك نسخاً تسمية قديمة.

أمّا الذين يرون وجوب الكتابة والإشهاد بالديون حكمَا مُحْكَما، ومنهم الطبري، فقصروا آية ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ الآية على كونها تكملةً لصورة الرهن في السفر خاصة، كما صرّح به الطبري ولم يأت بكلام واضح في ذلك ولكنّه جمجم الكلام وطَوَاه.

ولَوْ أنّهم قالوا: إنّ هذه الآية تعني حالةَ تعذّر وجود الرهن في حالة السفر، أي فلم يبق إلاّ أن يأمن بعضكم فالتقدير: فإن لم تجدوا رهناً وأمن بعضكم بعضاً إلى آخره لكان له وجه، ويُفهم منه أنّه إن لم يأمنه لا يداينه، ولكن طُوى هذا ترغيباً للناس في المواساة والاتِّسام بالأمانة.

وهؤلاء الفرق الثلاثة كلّهم يجعلون هذه الآية مقصورة على بيان حالة ترك التوثّق في الديون.

وأظهر ممّا قالوه عندي: أنّ هذه الآية تشريع مستقلّ يعم جميع الأحوال المتعلّقة بالديون: من إشهاد، ورهننٍ، ووفاءٍ بالدّين، والمتعلّقةِ بالتبايع، ولهذه النكتة أبهم المؤتمنون بكلمة ﴿ بعض ﴾ ليشمَل الائتمان من كلا الجانبين: الذي من قبل ربّ الدين، والذي من قبل المدين.

فربّ الدين يأتمن المدين إذا لم ير حاجة إلى الإشهاد عليه، ولم يطالبه بإعطاء الرهن في السفر ولا في الحضر.

والمدين يأتمن الدائنَ إذا سَلَّم له رهناً أغلى ثمناً بكثير من قيمة الدين المرتهَن فيه، والغالب أنّ الرهان تكون أوْفَرَ قيمة من الديون التي أرهنت لأجلها، فأمر كلّ جانب مؤتمننٍ أن يؤدّي أمانته، فأداءُ المدين أمانته بدفع الدين، دون مطل، ولا جحود، وأداء الدائن أمانته إذا أعطي رهناً متجاوزَ القيمةِ على الدّين أن يردّ الرهن ولا يجحده غير مكترث بالدّين؛ لأنّ الرهن أوفر منه، ولا ينقص شيئاً من الرهن.

ولفظ الأمانة مستعمل في معنيين: معنى الصفة التي يتَّصف بها الأمين، ومعنى الشيء المؤمَّن.

فيؤخذ من هذا التفسير إبطال غلَق الرهن: وهو أن يصير الشيء المرهون ملكاً لربّ الدّين، إذا لم يدفع الدينَ عند الأجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يَغْلق الرهنُ " وقد كان غَلق الرهن من أعمال أهل الجاهلية، قال زهير: وفارقَتْكَ برَهْننٍ لا فَكَاكَ له *** عند الوَداع فأمسى الرهن قد غَلِقا ومعنى ﴿ أمن بعضكم بعضاً ﴾ أن يقول كلا المتعاملين للآخر: لا حاجة لنا بالإشهاد ونحن يأمن بعضنا بعضاً، وذلك كي لا ينتقض المقصد الذي أشرنا إليه فيما مضى من دفع مظنّة اتّهام أحد المتداينين الآخر.

وزيد في التحذير بقوله: ﴿ وليتق الله ربه ﴾ ، وذِكر اسم الجلالة فيه مع إمكان الاستغناء بقوله: «وليتّق ربّه» لإدخال الرّوع في ضمير السامع وتربية المهابة.

وقوله: ﴿ الذي أؤتمن ﴾ وقع فيه ياء هي المدة في آخر (الذي) ووقع بعده همزتان أولاهما وصلية وهي همزة الافتعال، والثانية قطعية أصلية، فقرأه الجمهور بكسر ذال الذي وبهمزة ساكنة بعد كسرة الذال؛ لأنّ همزة الوصل سقطت في الدرَج فبقيت الهمزة على سكونها؛ إذ الداعي لقلب الهمزة الثانية مدّا قد زال، وهو الهمزة الأولى، ففي هذه القراءة تصحيح للهمزة؛ إذ لا داعي للإعلال.

وقرأه ورش عن نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر: الّذِيتُمن بياء بعد ذال الذي، ثم فوقية مضمومة: اعتباراً بأنّ الهمزة الأصلية قد انقلبت واواً بعد همزة الافتعال الوصلية؛ لأنّ الشأن ضم همزة الوصل مجانسة لحركة تاء الافتعال عند البناء للمجهول، فلمّا حذفت همزة الوصل في الدرج بقيت الهمزة الثانية واواً بعد كسرة ذال (الذي) فقلبت الواو ياء ففي هذه القراءة قلبان.

وقرأه أبو بكر عن عاصم: الذي اوتمن بقلب الهمزة واواً تبعاً للضمة مشيراً بها إلى الهمزة.

وهذا الاختلاف راجع إلى وجه الأداء فلا مخالفة فيه لرسم المصحف.

﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .

وصاية ثانية للشهداء تجمع الشهادات في جميع الأحوال؛ فإنّه أمر أن يكتب الشاهد بالعدل، ثم نُهي عن الامتناع من الكتابة بين المتداينين، وأعقَب ذلك بالنهي عن كتمان الشهادة كلّها.

فكان هذا النهي بعمومه بمنزلة التذييل لأحكام الشهادة في الدّين.

واعلم أنّ قوله تعالى: ﴿ ولا تكتموا الشهادة ﴾ نهي، وأنّ مقتضى النهي إفادة التكرار عند جمهور علماء الأصول: أي تكرارِ الانكفاف عن فعل المنهيّ في أوقات عُروضضِ فعله، ولولا إفادته التكرار لَما تحقّقت معصية، وأنّ التكرار الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داععٍ لِفعل المنهيّ عنه، فلذلك كان حقّاً على من تحمّل شهادة بحقّ ألاّ يكتمه عند عروض إعلانه: بأن يبلغه إلى من ينتفع به، أو يقضِي به، كلّما ظهر الداعي إلى الاستظهار به، أو قبلَ ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه: بغيبة أو طُرُوِّ نسيان، أو عروض موت، بحسب ما يتوقّع الشاهد أنّه حافظٌ للحقّ الذي في علمه، على مقدار طاقته واجتهاده.

وإذ قد علمتَ آنفاً أنّ الله أنبأنا بأنّ مراده إقامة الشهادة على وجهها بقوله: ﴿ وأقوم للشهادة ﴾ [البقرة: 282]، وأنّه حرّض الشاهد على الحضور للإشهاد إذا طُلب بقوله: ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ [البقرة: 282] فعُلم من ذلك كلّه الاهتمام بإظهار الشهادة إظهاراً للحق.

ويؤيّد هذا المعنى ويزيده بياناً: قول النبي صلى الله عليه وسلم " ألاَ أخْبِرُكُم بخَيْر الشهداءِ الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألَها " رواه مالك في «الموطّأ»، ورواه عنه مسلم والأربعة.

فهذا وجه تفسير الآية تظاهرَ فيه الأثر والنظرُ.

ولكن روى في «الصحيح» عن أبي هريرة: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خيرُ أمَّتِي القرنُ الذي بُعِثْتُ فيهم ثم الذين يلونهم قالها ثانية وشكّ أبو هريرة في الثالثة ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا " الحديثَ.

وهو مسوق مساق ذَمِّ مَن وصفهم بأنّهم يشهدون قبل أن يُستشهدوا، وأنّ ذمّهم من أجل تلك الصفة.

وقد اختلف العلماء في محمله؛ قال عياض: حمله قوم على ظاهره من ذمّ من يَشهد قبل أن تطلب منه الشهادة، والجمهور على خلافه وأنّ ذلك غير قادح، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهِد كاذباً، وإلاّ فقد جاء في «الصحيح»: " خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسْألَها ".

وأقول: روى مسلم عن عِمران بن حُصَين: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنّ خيركم قرني ثم الذين يلونهم قالها مرتين أو ثلاثاً ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون " الحديث.

والظاهرّ أنّ ما رواه أبو هريرة وما رواه عِمران بن حصين حديث واحد، سمعه كِلاَهما، واختلفت عبارتهما في حكايته فيكون لفظ عمران بن حصين مبيّناً لفظ أبي هريرة أنّ معنى قوله: قبل أن يستشهدوا دُونَ أن يستشهدوا، أي دون أن يستشهدهم مُشهد، أي أن يحمِلوا شهادة أي يشهدون بما لا يعلمون، وهو الذي عناه المازري بقوله: وحملوا ما في الحديث أي حديث أبي هريرة على ما إذا شهد كاذباً.

فهذا طريق للجمع بين الروايتين، وهي ترجع إلى حمل المجمل على المبيّن.

وقال النووي: تأوّلَه بعض العلماء بأنّ ذم الشهادة قبل أن يُسألها الشاهد هو في الشهادة بحقوق الناس بخلاف ما فيه حق اللَّه قال النووي: «وهذا الجمع هو مذهب أصحابنا» وهذه طريقة ترجع إلى إعمال كل من الحديثين في باب، بتأويل كلّ من الحديثين على غير ظاهره؛ لئلا يلغَى أحدهما.

قلت: وبنى عليه الشافعية فرعا بردّ الشهادة التي يؤدّيها الشاهد قبل أن يُسألها، ذكره الغزالي في «الوجيز»، والذي نقل ابن مرزوق في «شرح مُختصر خليل عن الوجيز» «الحرص على الشهادة بالمبادرة قبلَ الدعوى لا تقبل، وبعد الدعوى وقبل الاستشهاد وجهان فإن لم تقبل فهل يصير مجروحاً وجهان».

فأما المالكية فقد اختلفَ كلامهم.

فالذي ذهب إليه عياض وابن مرزوق أنّ أداء الشاهد شهادته قبل أن يسألها مقبول لحديث «الموطأ» «خَيْر الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها» ونقل الباجي عن مالك: «أنّ معنى الحديث أن يكون عند الشاهد شهادة لرجل لا يعلم بها، فيخبره بها، ويؤدّيها له عند الحاكم» فإنّ مالكاً ذكره في «الموطأ» ولم يذيّله بما يقتضي أنّه لا عمل عليه وتبعَ الباجي ابنُ مرزوق في «شرحه لمختصر خليل»، وادّعى أنَّه لا يعرف في المذهب ما يخالفه والذي ذهب إليه ابن الحاجب، وخليلٌ، وشارحو مختصرَيْهما: أنّ أداء الشهادة قبل أن يطلب من الشاهد أداؤُها مانع من قبولها: قال ابن الحاجب «وفي الأداء يُبدأ به دونَ طلب فيما تمحّض من حق الآدمي قادِحة» وقال خليل عاطفاً على موانع قبول الشهادة: «أوْ رَفَع قبل الطلب في مَحْض حقّ الآدمي».

وكذلك ابن راشد القفصي في كتابه «الفائِق في الأحكام والوثائق» ونسبه النووي في «شرحه على صحيح مسلم لمالك»، وحمله على أنّ المستند متّحد وهو إعمال حديث أبي هريرة ولعلّه أخذ نسْبة ذلك لمالك من كلام ابن الحاجب المتقدّم.

وادّعى ابن مرزوق أنّ ابن الحاجب تبع ابن شاس إذ قال: «فإن بادر بها من غير طلب لم يقبل» وأنّ ابن شاس أخذه من كلام الغزالي قال: «والذي تقتضيه نصوص المذهب أنّه إنْ رفعها قبل الطلب لم يقدح ذلك فيها بل إن لم يكن فعله مندوباً فلا أقلّ من أن لا تُردّ» واعتضد بكلام الباجي في شرح حديث: خير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يُسألها.

وقد سلكوا في تعليل المسألة مسلكين: مسلك يرجع إلى الجمع بين الحديثين، وهو مسلك الشافعية، ومسلك إعمال قاعدة رَدّ الشهادةِ بتهمة الحرص على العمل بشهادته وأنّه ريبة.

وقوله: ﴿ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ﴾ زيادة في التحذير.

والإثمُ: الذنب والفجور.

والقلب اسم للإدراك والانفعالات النفسية والنَوايا.

وأسد الإثم إلى القلب وإنّما الآثم الكاتم لأنّ القلب أي حركات العقل يسبّب ارتكاب الإثم: فإنّ كتمان الشهادة إصْرار قلبي على معصية، ومثله قوله تعالى: {[الأعراف: 116] وإنّما سحَروا الناس بواسطة مرئيات وتخيّلات وقول الأعشى: كذلكَ فافعل ما حييتَ إذا شَتَوْا *** وأقْدِمْ إذَا ما أعْيُنُ الناسسِ تَفْرق لأنْ الفرَق ينشأ عن رؤية الأهوال.

وقوله: والله بما تعملون عليم} تهديد، كناية عن المجازاة بمثل الصنيع؛ لأنّ القادر لا يحُول بينه وبين المؤاخذة إلاّ الجهل فإذا كان عليماً أقام قسطاس الجزاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: (فَرُهُنٌ)، وقَرَأ الباقُونَ: (فَرِهانٌ)، وَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الرُّهُنَ في الأمْوالِ، والرِّهانَ في الخَيْلِ.

والثّانِي: أنَّ الرِّهانَ جَمْعٌ، والرُّهُنَ جَمْعُ الجَمْعِ مِثْلُ ثِمارٍ وثَمَرٌ، قالَهُ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مَقْبُوضَةٌ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ القَبْضَ مِن تَمامِ الرَّهْنِ، وهو قَبْلَ القَبْضِ غَيْرُ تامٍّ، قالَهُ الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ.

والثّانِي: لِأنَّهُ مِن لَوازِمِ الرَّهْنِ، وهو قَبْلَ القَبْضِ التّامِّ، قالَهُ مالِكٌ.

وَلَيْسَ السَّفَرُ شَرْطًا في جَوازِ الرَّهْنِ، لِأنَّ «النَّبِيَّ  رَهَنَ دِرْعَهُ عِنْدَ أبِي الشَّحْمِ اليَهُودِيِّ بِالمَدِينَةِ» وهي حَضَرٌ، ولا عَدَمُ الكاتِبِ والشّاهِدِ شَرْطًا فِيهِ لِأنَّهُ زِيادَةُ وثِيقَةٍ.

﴿ فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ يَعْنِي بِغَيْرِ كاتِبٍ ولا شاهِدٍ ولا رَهْنٍ.

﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ ﴾ يَعْنِي في أداءِ الحَقِّ وتَرْكِ المُطْلِ بِهِ.

﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ في ألّا يَكْتُمَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.

﴿ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فاجِرٌ قَلْبُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّانِي: مُكْتَسِبٌ لِإثْمِ الشَّهادَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف من طرق عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ ولم تجدوا كتاباً ﴾ وقال: قد يوجد الكاتب ولا يوجد القلم ولا الدواة ولا الصحيفة، والكتاب يجمع ذلك كله قال: وكذلك كانت قراءة أبي.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية أنه كان يقرأ ﴿ فإن لم تجدوا كتاباً ﴾ قال: يوجد الكاتب ولا توجد الدواة ولا الصحيفة.

وأخرج ابن الأنباري عن الضحاك.

مثله.

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن الأنباري عن عكرمة أنه قرأها ﴿ فإن لم تجدوا كتاباً ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن الأنباري عن مجاهد أنه قرأها ﴿ فإن لم تجدوا كتاباً ﴾ قال: مداداً.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس أنه كان يقرأها ﴿ فإن لم تجدوا كتاباً ﴾ وقال: الكتاب كثير لم يكن حواء من العرب إلا كان فيهم كاتب، ولكن كانوا لا يقدرون على القرطاس والقلم والدواة.

وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ ولم تجدوا كتاباً ﴾ بضم الكاف وتشديد التاء.

وأخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فرهن مقبوضة ﴾ بغير ألف.

وأخرج سعيد بن منصور عن حميد الأعرج وإبراهيم أنهما قرآ ﴿ فرهن مقبوضة ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن وأبي الرجاء أنهما قرآ ﴿ فرهان مقبوضة ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر...

﴾ الآية.

قال: من كان على سفر فبايع بيعاً إلى أجل فلم يجد كاتباً فرخص له في الرهان المقبوضة، وليس له أن وجد كاتباً أن يرتهن.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ﴾ قال: لا يكون الرهان إلا في السفر.

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت «اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم طعاماً من يهودي بنسيئة ورهنه درعاً له من حديد» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً ﴾ يعني لم تقدروا على كتابة الدين في السفر ﴿ فرهان مقبوضة ﴾ يقول: فليرتهن الذي له الحق من المطلوب ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ يقول: فإن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق فلم يرتهن لثقته وحسن ظنه ﴿ فليؤد الذي ائتمن أمانته ﴾ يقول: ليؤد الحق الذي عليه إلى صاحبه، وخوّف الله الذي عليه الحق فقال: ﴿ وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ﴾ يعني عند الحكام يقول: من أشهد على حق فليقمها على وجهها كيف كانت ﴿ ومن يكتمها ﴾ يعني الشهادة ولا يشهد بها إذا دعي لها ﴿ فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم ﴾ يعني من كتمان الشهادة وإقامتها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لا يكون الرهن إلا مقبوضاً يقبضه الذي له المال ثم قرأ ﴿ فرهان مقبوضة ﴾ .

وأخرج البخاري في التاريخ الكبير وأبو داود والنحاس معاً في الناسخ وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في سننه بسند جيد عن أبي سعيد الخدري.

أنه قرأ هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين ﴾ حتى إذا بلغ ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ قال: هذه نسخت ما قبلها.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن الشعبي قال: لا بأس إذا أمنته أن لا تكتب ولا تشهد لقوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع ﴿ ولا تكتموا الشهادة ﴾ قال: لا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده، وإن كانت على نفسه أو الوالدين أو الأقربين.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ آثم قلبه ﴾ قال: فاجر قلبه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ قال أهل اللغة: سمي السَّفَرُ سَفَرًا لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرجال (١) ابن الأعرابي: السَّفَر: إِسْفَار الفَجْر (٢) إنّي أبِيتُ وَهَمُّ المَرْءِ يَبْعَثُه ...

من أول الليلِ حتى يُفْرِجَ السَّفَرُ (٣) وقال الأزهري: وسمي المسافر مسافرًا لكشفه قناع الكِنِّ عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء، وسُمِّي السَّفَرُ سَفَرًا لأنه يُسْفِر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافيًا منها، ويقال لبقية بياض النهار بعد مغيب الشمس: سفر؛ لوضوحه، ومنه قولُ الساجع: إذا طلعتِ الشِّعْرى سَفَرًا ولم تر فيها مطرًا (٤) والسافرة والسَّفْر: جمع سافر (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ الرَّهْنُ: مَصْدرُ رَهَنْتُ عند الرجل رهَنًا فأنا أَرْهَنْهُ: إذا وضعته عنده.

قال الشاعر: يُرَاهِنُنُي فَيَرْهَنُنِي بنيه ...

وأَرْهَنُهُ بَنِيَّ بِمَا أَقُولُ (٧) وأَرْهَنْتُ فلانًا ثوبًا: إذا دفعته إليه ليرهنه (٨) (٩) وأنكره (١٠) (١١) ويسمى المرهون رهنًا، وقد (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) فرُهُن: جمع رَهنٍ، ثم تخفف العين كما تخفف في رسل وكُتُب، ونحو ذلك، ومثل رَهْن ورُهُن: سَقف وسُقُف، ونَسْرٌ ونُسُر، وخَلْق وخُلُق (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) بانَتْ سُعَادُ وأمْسَى دُونَها عَدَنُ ...

وغَلِقتْ عندَها من قلْبِكَ الرُّهنُ (٢١) وحكى أبو الحسن الأخفش: لَحْدُ القبر ولُحْد، وقَلْبُ النخلة وقُلْبُ (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) وقال الفراء: الرُّهُن: جمع رِهَان، جَمْع الجمع، كأنه جمع رهن رِهانًا، ثم جمع الرِّهَان رُهُنًا، كما قالوا: ثُمُر في جمع الثمار (٢٦) (٢٧) قال أبو عمرو: وإنما قرأت: (فَرُهُنٌ) للفَصْل بين الرِّهَان في الخيل وبين جمع رَهْن في غيرها، والرُّهُن في جمع الرَّهْن أكثر، والرِّهَانُ في الخَيْلِ أكثر (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) فأما اشتقاق الرهن في اللغة، فأصله: من قولهم: رَهَنَ الشيءُ: إذا دامَ وثَبَتَ، يقال: نِعْمةٌ راهِنَة، أي: دائمة ثابتة، أنشد ابن السكيت: لا يَسْتَفِيقُونَ منها وَهْي رَاهِنَةٌ ...

إلّا بهَاتِ وإنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلُوا (٣٥) وقال آخر: واللَّحْمُ والخُبْزُ لَهُم رَاهِنٌ (٣٦) ويقال: أَرْهَنْتُ لهم الطعامَ والشرابَ إرهانًا فَرَهَن، وهو طعام راهِنٌ، أي: دائم (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وأما معنى الآية: فإن الله تعالى أمر عند عدم الكاتب بأخذ الرهون (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ  ﴾ وليس الخوف من شرط جواز القصر (٤٦) ثم عقد الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول، ولا ينبرم إلا بالقبض (٤٧) (٤٨) وعقد الرهن جائز من جهة المرتهن، لازم (٤٩) ومنافع الرهن للراهن، لا حق للمرتهن فيها، فإن اشترطها المرتهن صارت مداينتهما ومبايعتهما عقدًا من عقود الربا (٥٠) وارتفع قوله: (فرهان) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وقوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ قال اللحياني: أَمِنَ فلانٌ غيره على الشيء يَأمَنُ أَمْنًا وأمَنَةً وأَمْنَة (٥٥) (٥٦) ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾ (٥٧) ﴿ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ  ﴾ .

ومن هذا: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ أي: لم يخف خيانته وجحوده الحق (٥٨) وقوله تعالى ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ اؤتمن: افتعل، من الأمانة، يقال: أَمِنْتُه وايتَمَنْتُهُ، فهو مَأمونٌ ومُؤْتَمَن (٥٩) وقوله تعالى ﴿ فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ قال ابن عباس: يريد قد أَثِمَ قَلْبُه وفَجَر (٦٠) وهو ابتداء وخبر (٦١) (٦٢) قال المفسرون: ذكر الله تعالى على كتمان الشهادة نوعًا من الوعيد لم يذكره في سائر الكبائر، وهو إثم القلب، ويقال: إِثْمُ القلبِ سببُ مَسْخِه، والله تعالى إذا مسخ قلبًا جعله منافقًا، وطبع عليه -نعوذ بالله من ذلك- وروىَ أبو موسى عن النبي  أنه قال: "من كتم شهادة إذا دعي كان كمن شهد بالزور" (٦٣) (١) قوله: (عن أخلاق الرجال) من (ش).

(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1702.

(٣) البيت في "ديوانه" ص 77، وروايته: بعهده.

وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1702، وروايته: وهم المرء يصحبه، وفي نسخة: يبعثه، وهي كذلك في "اللسان" 4/ 2025.

(٤) "تهذيب اللغة" 2/ 1072 بتصرف، والشعرى: نجم معروف، والمراد طلوعها عشاء.

(٥) في (م): (مسافر).

وفي "اللسان" 4/ 2025: والمسافر كالسافر.

(٦) تقدم كلام المؤلف عن السفر في اللغة عند قوله: ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ ، وينظر في سفر: "تهذيب اللغة" 2/ 1702 - 1702، "اللسان" 4/ 2024 - 2027.

(٧) البيت لأحيحة بن الجلاح، شاعر جاهلي، وذكر الأبيات الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 368 دون نسبة، "الخزانة" 2/ 23 "مجمع الأمثال" للميداني، "اللسان" 3/ 1757 مادة: (رهن)، وينظر التعليق على"معاني القرآن" للزجاج 1/ 367.

(٨) ورهن أكثر استعمالًا من أرهن.

ينظر "الحجة" 2/ 446.

(٩) البيت في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 367، "تهذيب اللغة" 2/ 1491 مادة.

(رهن)، "لسان العرب" 3/ 1757 مادة: رهن، ونسب لهمام بن مرة في "تاج العروس" (مادة: رهن).

ورواية "اللسان": أظافيرهم، وهي المشهورة، ورواية معاهد التنصيص 1/ 96 (وأرهنهم) والشاعر قال ذلك لما توعده عبيد الله بن زياد ففر إلى الشام مستنجدًا بيزيد، ومالك عريفه، تركه لجنود عبيد الله ونجا بنفسه (١٠) في (ش): (فأنكره).

(١١) نقله في "تهذيب اللغة" 2/ 1491 مادة: (رهن).

(١٢) سقطت من (ي).

(١٣) في (أ) و (م): (رهنت زيدًا رهنًا ليس انتصابه).

(١٤) قال أبو علي في "الحجة" 2/ 446: لم يعملوا من المصادر ما كثر استعمالهم له، كما ذهب إليه في قولهم: لله درك، وتمثيله إياه بقولهم: لله بِلادك.

(١٥) في (ش): (فعلل).

(١٦) البيت في "ديوانه" ص 56، و"لسان العرب" 3/ 1757 (مادة: رهن).

(١٧) في بعض نسخ الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1819: حلْق وحُلُق، بالحاء، ولعله الصواب؛ لأنه استشهد عليه ببيت أنشده الفراء في "معاني القرآن" 3/ 32.

حتى إذا بلَّت حلاقيم الحلُق ...

أهوى لأدنى فِقرة على شقق (١٨) ما تقدم كله من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 446 - 448 بمعناه.

(١٩) "معاني القرآن" 1/ 367.

(٢٠) هو: قعنب بن ضمرة من بني عبد الله بن غطفان من شعراء العصر الأموي، يقال له: ابن أم صاحب، هجا الوليد بن عبد الله، توفي نحو 95 هـ.

ينظر: "سمط اللآلئ" ص 362، "الأعلام" 5/ 202.

(٢١) البيت في "لسان العرب" 6/ 3714 (مادة.

رهن).

(٢٢) قلب النخلة: لبها وشحمها.

ينظر: "اللسان" 6/ 3714 (قلب).

(٢٣) يقال رجل ثط: ثقيل البطن بطيء، وقيل: هو قليل شعر اللحية.

ينظر "لسان العرب" 1/ 481 (ثطط).

(٢٤) الورد: هو النبات الذي يشم وله رائحة معروفة، وسمي الفرس به لمشابهة اللون، وهو بين الكميت والأشقر.

ينظر: "لسان العرب" 8/ 4810 (ورد).

(٢٥) نقله عنه أبو علي في "الحجة" 2/ 448.

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 188 بمعناه، ونقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1492 (مادة: رهن).

(٢٧) ينظر "الحجة" 2/ 449.

(٢٨) قوله: (والرهان في الخيل أكثر)، ساقط من (ي).

(٢٩) نقله عنه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 366.

(٣٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 367.

(٣١) قرأ أبو عمرو وابن كثير (فرُهُن) بضم الراء والهاء من غير ألف، وقرأ الباقون بكسر الراء وفتح الهاء وألف بعدها.

ينظر: "السبعة" ص 194 - 195، "الحجة" 2/ 442 - 443.

(٣٢) سقطت من (ي).

(٣٣) "الكتاب" لسيبويه 3/ 619، قال: اعلم أنه ليس كل جمع يجمع، كما أنه ليس كل مصدر يجمع، كالأشغال والعقول والحلوم والألباب.

(٣٤) من "الحجة" 2/ 448 - 449 بمعناه.

(٣٥) البيت للأعشى يصف قومًا يشربون خمرًا لا تنقطع، كما في "اللسان" 3/ 1758 (مادة: رهن).

(٣٦) عجز البيت: وقهوة راووقها ساكب ذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 446، وفي "اللسان" 13/ 190، دون نسبة، وفي "شرح ديوان العجاج" 1/ 93.

(٣٧) ينظر في رهن: "تهذيب اللغة" 2/ 1491 - 1492، "المفردات" ص 210، "اللسان" 3/ 1757 - 1758.

(٣٨) في (ي): (لشدته لثباته).

(٣٩) في (م): (الزوال)، وفي (ش)، و (ي): (المرتهن لزاول).

(٤٠) من "الحجة" 2/ 446.

(٤١) في (م): (الرهن).

(٤٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1822.

(٤٣) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 261، "بداية المجتهد" 2/ 274، "تفسير القرطبي" 3/ 407، "المغني" 6/ 444.

(٤٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 139، وابن أبي حاتم 2/ 69، وينظر "تفسير الثعلبي" 2/ 1822، والبغوي في "تفسيره" 1/ 352.

(٤٥) سقطت من (ي) و (ش).

(٤٦) ينظر: "المغني" 6/ 444، "تفسير القرطبي" 3/ 407.

(٤٧) ينظر: الإجماع لابن المنذر ص 123، ونقل الإجماع على ذلك: الثعلبي في "تفسيره" أيضا 2/ 1822، وذكر الخلاف ابن قدامة في "المغني" 6/ 445، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 410.

(٤٨) ينظر في المسألة: "المغني" 6/ 448 - 449.

(٤٩) في (ي): (لا من).

(٥٠) ينظر: "المغني" 6/ 510، "تفسير القرطبي" 3/ 411 - 413، وذكر ابن قدامة عن أحمد جواز اشتراط المرتهن منافع الرهن في المبيع كأن يقول: بعتك هذا الثوب بدينار بشرط أن ترهنني عبدك يخدمني شهرا، فيكون بيعا وإجارة، فهو صحيح، وإن أطلق فالشرط باطل لجهالة ثمنه، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدُّور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، وكرهه في القرض.

وذكر القرطبي في "تفسيره" 3/ 413 عن ابن خويز منداد: لو شرط المرتهن الانتفاع بالرهن فلذلك حالتان: إن كان من قرض لم يجز، وإن كان من بيع أو إجارة جاز؛ لأنه يصير بائعا للسلعة بالثمن المذكور، ومنافع الرهن مدة معلومة فكانه بيع وإجارة.

(٥١) في (ي) و (ش): (فرهن).

(٥٢) في (أ) و (م): (أن يكون ابتداء).

(٥٣) في (ي) و (ش): (فرهن).

(٥٤) ينظر في إعراب الآية: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 146، "التبيان" ص 170، "البحر المحيط" 2/ 355 - 356.

(٥٥) سقطت من (ش).

(٥٦) نقله في "تهذيب اللغة" 15/ 510.

(٥٧) في (ش) (يغشاكم).

(٥٨) من قوله: (أي لم يخف)، ساقط من (ي).

(٥٩) ينظر في أمن: "تهذيب اللغة" 1/ 209 - 212، "المفردات" ص 35، "اللسان" 1/ 140 - 144.

(٦٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 141 - 142 بمعناه، وفي "الوسيط" 1/ 407.

(٦١) في (ي): (خبر).

(٦٢) ينظر في إعرابها: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 146، "التبيان" ص 171، "البحر المحيط" 2/ 357، وقد ذكروا عدة إعرابات: الأول: أن (آثم) خبر إن، و (قلبه) مرفوع به؛ لأن (آثم) اسم فاعل، والثاني: كذلك، إلا أن (قلبه) بدل من (آثم) لا على نية طرح الأول.

والثالث: أن (قلبه) بدل من الضمير في (آثم).

والرابع: أن (قلبه) مبتدأ، و (آثم) خبر مقدم، والجملة خبر (إن) وقد ناقش أكثر هذه الأقوال أبو حيان في البحر.

(٦٣) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" 5/ 97، والشجري في "الأمالي الخميسية" 2/ 238، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1823، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 4/ 203 إلى "المعجم الكبير" قال المنذري في "الترغيب والترهيب" 3/ 222: حديث غريب، وقال الهيثمي في "المجمع" 4/ 203: وفيه عبد الله بن صالح وثقة عبد الملك بن شعيب، فقال: ثقة مأمون، وضعفه جماعة.

وقال الدكتور المنيع في تحقيق (تفسير الثعلبي في "تفسيره") 2/ 1825: في إسناده من لم أظفر له بترجمة، ومحمد بن حميد لم أجد فيه جرحًا ولا تعديلًا وعبد الله بن صالح كثير الغلط، وقد تفرد به واضطرب في إسناده.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ ﴾ الآية: لما أمر الله تعالى بكتب الدين: جعل الرهن توثيقاً للحق، عوضاً عن الكتابة، حيث تتعذر الكتابة في السفر، وقال الظاهرية: لا يجوز الرهن إلاّ في السفر لظاهر الآية.

وأجازه مالك وغيره في الحضر لأن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه بالمدينة ﴿ فرهان مَّقْبُوضَةٌ ﴾ يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، وأجمع العلماء على صحة قبض المرتهن وقبض وكيله.

وأجاز مالك والجمهور وضعه على يد عدل، والقبض للرهن شرط في الصحة عند الشافعي وغيره، لقوله تعالى: ﴿ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ وهو عند مالك شرط كمال لا صحة ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً ﴾ الآية: أي إن أمن صاحب الحق المدين لحسن ظنه به، فليستغن عن الكتابة وعن الرهن، فأمر أولاً بالكتابة، ثم بالرهن ثم بالائتمان، فللدين ثلاثة أحوال، ثم أمر المديان بأداء الأمانة، ليكون عند ظن صاحبه به ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة ﴾ محمول على الوجوب ﴿ فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ معناه: قد تعلق به الإثم اللاحق من المعصية في كتمان الشهادة، وارتفع آثم إلى القلب وإن كان جملة الكاتم هي الآثمة، لأن الكتمان من فعل القلب، إذ هو يضمرها، ولئلا يظن أن كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أن يمل ﴾ هو بسكون الهاء: قتيبة والحلواني عن قالون.

الباقون بالضم على الأصل ﴿ أن تضل ﴾ بكسر الهمزة على الشرط: حمزة والمفضل.

الباقون بالفتح على أنها ناصبة ﴿ فتذكر ﴾ بالتشديد والرفع: حمزة وجبلة ﴿ فتذكر ﴾ بالرفع، ومن الإذكار: أبو زيد عن المفضل ﴿ فتذكر ﴾ من الإذكار وبالنصب: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير وقتيبة.

الباقون ﴿ فتذكر ﴾ بالتشديد والنصب.

﴿ تجارة حاضرة ﴾ بالنصب فيهما: عاصم./ الباقون بالرفع فيهما.

﴿ فرهن ﴾ بضم الراء والهاء: ابن كثير وأبو عمرو.

الباقون ﴿ فرهان ﴾ .

الوقوف: ﴿ فاكتبوه ﴾ ط، للعدول.

﴿ بالعدل ﴾ ص، لعطف المتفقين ﴿ فليكتب ﴾ ج ﴿ شيئا ﴾ ط.

﴿ بالعدل ﴾ ط، ﴿ من رجالكم ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ الأخرى ﴾ ط ﴿ دعوا ﴾ ط للعدول ﴿ أجله ﴾ ط ﴿ ألا تكتبوها ﴾ ط لابتداء الأمر.

﴿ تبايعتم ﴾ ص لعطف المتفقين ﴿ ولا شهيد ﴾ ط ﴿ بكم ﴾ ط ﴿ واتقوا الله ﴾ ط ه، ﴿ ويعلمكم الله ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ مقبوضة ﴾ ط لابتداء شرط واستئناف معنى آخر ﴿ ربه ﴾ ط للعدول ﴿ الشهادة ﴾ ط ﴿ قلبه ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثالث المداينة.

وسبب النظم أن الحكمين المتقدمين وهما الإنفاق وترك الربا كانا سببين لنقصان المال، فأرشد الله  في هذه الآية بكمال رأفته إلى كيفية حفظ المال الحلال وصونه عن التلف والبوار ورعاية وجوه الاحتياط، فإن مصالح المعاش والمعاد متوقفة على ذلك، ولهذه الدقيقة بالغ في الوصاية وأطنب.

عن ابن عباس أن المراد به السلم وقال: لما حرم الربا أباح السلم وأنزل فيه أطول آية.

ولهذا قال بعض العلماء: لا لذة ولا منفعة يتوصل إليها بالطريق الحرام إلا وجعل الله  وتعالى لتحصيل مثلها طريقاً حلالاً وسبيلاً مشروعاً.

والتداين تفاعل من الدين.

يقال: داينت الرجل إذا عاملته بدين معطياً أو آخذاً.

والمراد إذا تعاملتم بما فيه دين.

وذلك أن البياعات على أربعة أوجه: أحدها بيع العين بالعين وذلك ليس بمداينة البتة.

والثاني بيع الدين بالدين وهو باطل فيبقى ههنا بيعان: بيع العين بالدين وهو ما إذا باع شيئاً بثمن مؤجل، وبيع الدين بالعين وهو المسمى بالسلم وكلاهم داخلان تحت الآية.

وأما القرض فلا يدخل فيه وإنه غير الدين لغة فإن الدين يجوز فيه الأجل، والقرض لا يجوز فيه الأجل.

والفائدة في قوله: ﴿ بدين ﴾ تخليصه من التداين بمعنى المجازاة، أو التأكيد مثل ﴿ ولا طائر يطير بجناحيه  ﴾ أو ليشمل أي دين كان صغيراً أو كبيراً سلماً أو غيره.

وفي الكشاف: فائدته رجوع الضمير إليه في قوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال: فاكتبوا الدين فلم يكن النظم بذلك الحسن.

ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال فإنه كالمطابقة، ودلالة تداينتم على ذلك كالتضمن.

وقيل: ليكون المعنى تدايناً يحصل فيه دين واحد فيخرج بيع الدين بالدين.

وإنما لم يقل كلما تداينتم ليكون نصاً في العموم لأن الكلية تفهم من بيان العلة في قوله: ﴿ ذلكم أقسط عند الله ﴾ فإن العلة قائمة في الكل فيكون الحكم حاصلاً في الكل، أو نقول: العلة هي التداين والعلة لا ينفك عنها معلوها فتكون القضية كلية كما في قوله: ﴿ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا  ﴾ والأجل مدة الشيء ومنه أجل الإنسان لمدة عمره./ وفائدة قوله ﴿ مسمى ﴾ أن يعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوماً كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام.

وأنه لو قال إلى الحصاد أو إلى قدوم الحاج لم يجز لعدم التسمية.

ثم إنه  أمر في المداينة بشيئين: الكتبة والاستشهاد ليكون كلا المتداينين أوثق وآمن من النسيان والتفاوت والتخالف في مقدار الدين وفي انقضاء الأجل وفي سائر ما تشارطا عليه.

وهذا الأمر قيل للوجوب وهو مذهب عطاء وابن جريج والنخعي، وجمهور المجتهدين على أنه للندب لإجماع المسلمين قديماً وحديثاً على البيع بالأثمان المؤجلة من غير كتبة ولا إشهاد، ولأن في إيجابهما حرجاً وتضييقاً.

وقيل: كانا واجبين فنسخا بقوله: ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم بن عتيبة.

أما المخاطب بقوله: ﴿ فاكتبوه ﴾ فليس كل أحد لوجود أميين كثيرين في الدنيا، بل من له استئهال لكتبه ولهذا قال: ﴿ وليكتب بينكم كاتب ﴾ وليس ذلك أيضاً على الإطلاق ولكنه يجب أن يكون الكاتب متصفاً بالعدل فيكتب بحيث لا يزيد في الدين ولا ينقص عنه ولا يخص أحدهما بالاحتياط دون الآخر، ويحترز عن الألفاظ المجملة التي يقع النزاع في المراد منها.

وهذا بالحقيقة أمر للمتداينين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيهاً أديباً ديناً.

قال بعض الفقهاء: العدل أن يكون ما يكتبه متفقاً عليه بين المجتهدين ولا يكون بحيث يجد قاض من قضاة المسلمين سبيلاً إلى إبطاله ﴿ ولا يأب كاتب ﴾ ولا يمتنع أحد من الكتاب وهو معنى التنكير في كاتب ﴿ أن يكتب ﴾ وقوله ﴿ كما علمه الله ﴾ إما أن يكون متعلقاً بما قبله فالتقدير: ولا يأب كاتب أن يكتب مثل ما علمه الله  فيقع قوله بعد ذلك ﴿ فليكتب ﴾ تأكيداً للأول أي فليكتب تلك الكتابة التي علمه الله  إياها أو بما بعده فيكون الأول نهياً عن الامتناع مطلقاً، والثاني أمراً بالكتابة المقيدة والمطلق لا دلالة له على المقيد، فلا يكون الثاني تأكيداً للأول وإنما يكون بياناً له.

ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى تحصيلاً لحاجة المسلم وشكراً لما علمه الله من كتابة الوثائق فهو كقوله: ﴿ وأحسن كما أحسن الله إليك  ﴾ وقيل: إنه على سبيل الإيجاب ولكنه نسخ بقوله ﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ .

وعن الشعبي أنه فرض كفاية فإن لم يجد إلا كاتباً واحداً وجبت الكتابة عليه، وإن وجد أشخاصاً فالواجب كتابة أحدهم.

وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله يعني أنه بتقدير أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله وأن لا يخل بشرط من الشروط كيلا يضيع مال المسلم بإهماله.

واعلم أن الكتابة بعد حصول الكاتب العارف بشروط الصكوك والسجلات لا تتم إلا بإملاء من عليه الحق ليدخل في جملة إملائه اعترافه بمقدار الحق وصفته وأجله إلى غير ذلك، فلهذا قال  ﴿ وليملل الذي عليه الحق ﴾ والإملال والإملاء لغتان: قال الفراء: أمللت عليه الكتاب لغة/ الحجاز وبني أسد، وأمليت لغة بني تميم وقيس، وقد نطق القرآن بهما.

قال: ﴿ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا  ﴾ .

﴿ وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئاً ﴾ أمر أن لهذا المملي الذي عليه الحق بأن يقر بتمام المال الذي عليه ولا ينقص منه شيئاً.

والبخس النقص ﴿ فإن كان الذي عليه الحق سفيهاً ﴾ محجوراً عليه لتبذيره وجهله بالتصرف وضعف عقله ﴿ أو ضعيفاً ﴾ صبياً أو شيخاً مختلاً ﴿ أو لا يستطيع أن يمل هو ﴾ أو غير مستطيع للإملاء بنفسه لعيّ به أو خرس ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ والمراد بولي الذي عليه الحق الذي يلي أمره ويقوم بمصالحه من وصي إن كان سفيهاً أو صبياً، أو وكيل إن كان غير مستطيع، أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه.

وفائدة توكيد المتصل بالمنفصل في قوله: ﴿ أن يمل هو ﴾ أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه.

وعن ابن عباس ومقاتل والربيع أن الضمير في ﴿ وليه ﴾ عائد إلى الدين أي الذي له الدين ليمل.

قيل: وفيه بعد لأن قول المدعي كيف يقبل؟

ولو كان قوله معتبراً فأيحاجة إلى الكتابة والإشهاد؟

ثم المقصود من الكتابة هو الاستشهاد ليتمكن بالشهود من التوصل إلى تحصيل الحق إن جحد فلهذا قال  : ﴿ واستشهدوا ﴾ أي أشهدوا.

والإشهاد والاستشهاد بمعنى، لأن معنى استشهدته سألته أن يشهد شهيدين أي شاهدين "فعيل" بمعنى "فاعل".

وإطلاق الشهيد على من سيكون شهيداً تنزيل لما يشارف منزلة الكائن.

ومعنى قوله ﴿ من رجالكم ﴾ أي من رجال أهل ملتكم وهم المسلمون.

وقيل يعني الأحرار، وقيل من رجالكم الذين تعدّونهم للشهادة من أهل العدالة ﴿ فإن لم يكونا ﴾ أي الشهيدان رجلين ﴿ فرجل وامرأتان ﴾ أي فليكن أو فليشهد أو فالشاهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يشهدون جميع هذه التقديرات جائز حسن ذكره علي بن عيسى ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ وفيه دليل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة.

والفقهاء قالوا شرائط قبول الشهادة أن يكون حراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً عالماً بما يشهد به لا يجر بتلك الشهادة منفعة إلى نفسه ولا يدفع مضرة عنها، ولا يكون معروفاً بكثرة الغلط ولا بترك المروءة ولا يكون بينه وبين من يشهد عليه عداوة.

وعن علي  : ولا يجوز شهادة العبد في شيء وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وذلك لأنه  قال ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ والإجماع منعقد على أن العبد لا يجب عليه الذهاب بل يحرم عليه ذلك إذا لم يأذن له السيد، فيعلم منه أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً.

وعند شريح وابن سيرين وأحمد: تجوز شهادة العبد قالوا: لأن العقل والعدالة والدين لا يختلف بالحرية والرق.

وعند أبي حنيفة يجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض على اختلاف الملل ﴿ ان تضل ﴾ أن لا تهتدي إحداهما للشهادة بأن/ تنساها لغلبة البرد والرطوبة على أمزجتهن أو إحدى النفسين، فإن الإنسان لا يخلو من النسيان ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ وانتصابه على أنه مفعول له أي إرادة أن تضل.

قال في الكشاف: فإن قلت: كيف يكون ضلالها مراداً لله؟

قلت: لما كان الضلال سبباً للإذكار والإذكار مسبباً عنه وهم ينزلون كل واحد من السبب والمسبب منزلة الآخر لالتباسهما واتصالهما، كانت إرادة الضلال المسبب عنه الإذكار إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ونظيره قولهم "أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه، وأعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه".

وفي التفسير الكبير أن ههنا غرضين: أحدهما حصول الإشهاد وذلك لا يتأتى إلا بتذكير إحدى المرأتين.

والثاني بيان تفضيل الرجل على المرأة حتى يبين أن إقامة المرأتين مقام الرجل الواحد هو العدل في القضية وذلك لا يتأتّى إلا بضلال إحدى المرأتين، فلهذا صار كل من الغرضين صحيحاً ولا محذور.

ومن قرأ بكسر "إن" على الشرط والجزاء فلا إشكال.

وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال ﴿ فتذكر إحداهما ﴾ معناه فتجعل إحداهما الأخرى ذكراً يعني أنهما إذا اجتمعتا كانتا بمنزلة الذكر ولا يخفى ما فيه من التعسف.

واعلم أن الشهادة خبر قاطع ولهذا قال  : " على مثل الشمس فاشهد أو فدع " وقد يقام الظن المؤكد فيه مقام اليقين ضرورة.

وقول الشاهد الواحد لا يكفي للحكم به إلا في هلال رمضان كما مر، ولا يحتاج إلى أزيد من اثنين إلا في الزنا لقوله  : ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء  ﴾ وقال: ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم  ﴾ ولا يعتبر فيه شهادة النساء.

عن الزهري أنه قال مضت السنة من رسول الله  والخليفتين بعده أن لا تقبل شهادة النساء في الحدود وغير هلال رمضان والزنا إما عقوبة أو غيرها.

فإن كان عقوبة فلا يثبت إلا برجلين لما مر من حديث الزهري يستوي فيه حق الله  كحد الشرب وقطع الطريق، وحق العباد كالقصاص والقذف، وأما غير العقوبات فما ليس بمالي.

ولا يقصد به المال إن كان مما يطلع عليه الرجال غالباً كالنكاح والرجعة والطلاق والعتاق والإسلام والردة والبلوغ والولاء وانقضاء العدة وجرح الشهود وتعديلهم والعفو عن القصاص، فكل ذلك لا يثبت إلا برجلين أيضاً.

وإن كان ممن يختص بمعرفته النساء غالباً فتقبل فيه شهادتهن على انفرادهن لما روي عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن تجوز شهادة النساء في كل شيء لا يليه غيرهن وذلك كالولادة والبكارة والثيابة والرتق والقرن والحيض والرضاع وعيب المرأة من برص وغيره تحت الإزار، ولا يثبت شيء من ذلك بأقل من أربع نسوة تنزيلاً لاثنتين منهن منزلة رجل.

وما يثبت بهن يثبت برجل وامرأتين وبرجلين بالطريق الأولى.

وأما ما هو مال أو يقصد به المال كالأعيان/ والديون والعقود المالية من البيع والإقالة والرد بالعيب والإجارة والوصية بالمال والحوالة والضمان والصلح والقرض، فيثبت بشهادة رجل وامرأتين ثبوتها بشهادة رجلين ونص القرآن منزل على هذا القسم والذي قبله.

وجوز الشافعي القضاء بالشاهد واليمين لما روي أنه  قضى بالشاهد واليمين وأنكره أبو حنيفة ﴿ ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ﴾ "ما" زائدة مبهمة أي إذا دعوا فقيل: أي إلى أداء الشهادة عند احتياج صاحب الحق إليها.

وقيل: إلى تحمل الشهادة وهو قول قتادة واختاره القفال قال: كما أمر الكاتب أن لا يأبى الكتابة، أمر الشاهد أن لا يأبى تحمل الشهادة وقيل: أمر بالتحمل إذا لم يوجد غيره.

وحمله الزجاج على مجموع الأمرين: التحمل أولاً والأداء ثانياً.

والقول الأول أصح لأنه أطلق عليهم لفظ الشهداء.

والأصل في الإطلاق الحقيقة وتسميتهم قبل التحمل شهداء مجاز لا يعدل إليه إلا لضرورة.

وأيضاً التحمل غير واجب على الكل بخلاف الأداء بعد التحمل.

وأيضاً الأمر بالإشهاد يتضمن الأمر بتحمل الشهادة، فكان صرف قوله ﴿ ولا يأب الشهداء ﴾ إلى الأمر بالأداء أولى ليفيد فائدة جديدة وهي أن الشاهد إن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة، وإن كان فيهم كثرة كان الأداء فرضاً على الكفاية.

﴿ ولا تسأموا ﴾ لا تضجروا ولا تملوا أن تكتبوه أي الدين أو الحق لتقدم ذكرهما على أي حال كان الحق صغيراً أو كبيراً مما جرت العادة بكتبته لا كالحبة والقيراط، فإن القليل من المال ربما أفضى إلى نزاع كثير.

وإنما نهى عن السآمة لأنها من الكسل والكسل صفة المنافق.

وأيضا من كثرت مدايناته فاحتاج أن يكتب لكل دين صغير أو كبير كتاباً فربما مل كثرة الكتب فاقتضى المقام ترغيبه وإلهابه.

ويجوز أن يكون الضمير للكتاب، وأن تكتبوه مختصراً أو مشبعاً، ولا يخلوا بكتابته إلى أجله إلى وقته الذي اتفقا على تسميته ﴿ ذلكم ﴾ الكتب أو ذلكم الذي أمرتكم به من الكتب والإشهاد ﴿ أقسط ﴾ أعدل ﴿ عند الله وأقوم للشهادة ﴾ أعون على إقامة الشهادة وهما إما من أقسط وأقام فيكون محمولاً على قولهم "أفلس من ابن المذلق" وإما من قويم وقاسط بمعنى ذو قسط على طريقة النسب وإلا فالقاسط الجائر.

ولا يصح ذلك المعنى ههنا يقال: قسط إذا جار، وأقسط أي عدل ﴿ وأدنى ألا ترتابوا ﴾ أقرب من انتفاء الريب.

رتب الله  على الكتبة والإشهاد ثلاث فوائد: الأولى: تتعلق بالدين لأنه إذا كان مكتوباً كان إلى اليقين أقرب وعن الجهل أبعد فيكون أعدل عند الله.

والثانية تتعلق بالدنيا وهو كونه أبلغ في الاستقامة التي هي ضد الاعوجاج وأعون للحفظ والذكر.

والثالثة أنه يدفع الضرر عن نفسه بأن لا يضل في أمره ولا يتردد، وعن غيره بأن لا/ ينسبه إلى الكذب والخيانة فلا يقع في الغيبة والجهالة.

فما أحسن هذه الفوائد وما أدخلها في الضبط والترتيب ﴿ إلا أن تكون تجارة حاضرة ﴾ قيل: هو راجع إلى قوله ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ﴾ إن البيع بالدين قد يكون إلى أجل قريب وقد يكون إلى أجل بعيد، فاستثنى عن المداينة ما يكون أجله قريباً.

ويحتمل أن يكون استثناء من قوله: ﴿ ولا تسأموا أن تكتبوه ﴾ وقد يقال: إنه استثناء منقطع والتقدير: لكنه إذا كانت التجارة حاضرة فليس عليكم جناح.

فيكون كلاماً مستأنفاً على سبيل الإضراب عن الأول.

والتجارة تصرف في المال لطلب الربح.

فسواء كانت المبايعة بدين أو بعين فالتجارة حاضرة.

فإذاً المراد بالتجارة ههنا ما يتجر فيه من الأبدال.

ومعنى إدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد.

والمعنى إلا أن تتبايعوا بيعاً ناجزاً يداً بيد.

ومن قرأ ﴿ تجارة ﴾ بالرفع فعلى "كان" التامة أو الناقصة والخبر ﴿ تديرونها ﴾ ومن قرأ بالنصب فالتقدير إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كبيت الكتاب.

بني أسد هل تعلمون بلاءنا *** إذا كان يوماً ذا كواكب أشنعا أي إذا كان اليوم يوماً.

واليوم الأشنع هو الذي ارتفع شره وعلا.

وذو كواكب أي شديد.

ويقال في التهديد: لأرينك الكواكب ظهراً.

وقال الزجاج: تقديره إلا أن تكون المداينة تجارة أي يكون ديناً قريب الأجل.

﴿ فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ﴾ ومعنى رفع الجناح عدم الضرر لا عدم الإثم إلا لزم أن تكون الكتابة المذكورة أولاً واجبة، وقد أثبتنا خلاف ذلك.

وإنما رخص  في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانها فيما بين الناس.

فتكليفهم الكتابة والإشهاد في كل لحظة حرج عليهم مع أن خوف التجاحد في مثله قليل.

﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ هذا التبايع كأنه لما رفع عنهم الكتابة في التجارة الحاضرة، كرر الأمر بالإشهاد ليعلم أن حكمه باق فيها لأن الإشهاد بلا كتابة تخفُّ مؤنته.

ويحتمل أن يكون أمراً بالإشهاد مطلقاً ناجزاً كان التبايع أو كالئاً لأنه أحوط.

عن الحسن: إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد.

وعن الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل.

﴿ ولا يضار كاتب ولا شهيد ﴾ يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل فيكون أصله لا يضارر بكسر الراء وبه قرأ عمر وعليه أكثر المفسرين والحسن وطاوس وقتادة ومعناه: نهى الكاتب أن يزيد أو ينقص والشاهدين أن يحرفا أو يتركا الإجابة إلى ما يطلب منهما ولهذا قال: ﴿ وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ فإن التحريف في الكتابة والشهادة فسق وإثم.

وعن ابن مسعود وعطاء ومجاهد أن التقدير لا يضارر بفتح الراء وبه قرأ ابن عباس، وأنه نهي للمتداينين عن الضرار بالكاتب والشهيد كأن يعجلا عن مهم ويلزا، أولا يعطى الكاتب حقه من الجعل، أو يحمل الشهيد/ مؤنة مجيئة من بلد.

﴿ وإن تفعلوا ﴾ ما نهيتكم عنه من الضرار أو كل ما نهيتكم عنه من فعل معصية أو ترك طاعة ليكون عاماً ﴿ فإنه ﴾ فإن الضرار أو ارتكاب المنهي ﴿ فسوق بكم ﴾ خروج عن أمر الله وطاعته.

ومعنى ﴿ بكم ﴾ أي ملتصق بكم.

﴿ واتقوا الله ﴾ في أوامره ونواهيه ﴿ ويعلمكم الله ﴾ ما فيه صلاح الدارين ﴿ والله بكل شيء ﴾ من مصالح عباد ﴿ عليم ﴾ .

واعلم أنه  جعل البياعات في هذا المقام على ثلاثة أقسام: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان مقبوضة، وبيع بالأمانة.

ولما بين القسم الأول شرع في الثاني وقال ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة ﴾ واتفق الفقهاء على أن الارتهان لا يختص بالسفر ولا بحالة عدم وجدان الكاتب، كيف وقد ثبت أن رسول الله  رهن درعه في غير سفر، ولكنه وردت الآية على الغالب، فإن الغالب أن لا يوجد الكاتب في السفر ولا يوجد أدوات الكتابة ولهذا قال ابن عباس: أرأيت إن وجدت الكاتب ولم تجد الصحيفة والدواة وقرأ ﴿ ولم تجدوا كاتباً ﴾ ونظيره قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وليس الخوف من شرط جواز القصر.

وكان مجاهد والضحاك يذهبان إلى أن الرهن لا يجوز في غير السفر أخذاً بظاهر الآية، ولا يعمل بقولهما اليوم.

وأصل الرهن من الدوام.

رهن الشيء إذا دام وثبت.

ونعمة راهنة أي دائمة ثابتة والرهن مصدر جعل اسماً وزال عنه عمل الفعل.

فإذا قلت رهنت عنده رهناً لم يكن انتصابه انتصاب المصدر ولكن انتصاب المفعول به كما تقول: رهنت ثوباً.

ولهذا جمع الأسماء.

وله جمعان: رهن بضمتين كسقف في سقف، ورهان مثل كباش في كبش.

وقيل: إن أحدهما جمع الآخر.

وفي الكلام حذف تقديره فرهن مقبوضة بدل من الشاهدين، أو فعليه رهن، أو فالوثيقة، أو الذي يستوثق به رهن.

ويعلم من قوله: ﴿ مقبوضة ﴾ أن الرهن لا بد في لزومه من القبض، والمراد باللزوم أن لا يكون للراهن الرجوع عن الرهن ولا للمرتهن عن الارتهان.

وقبض المرهون المشاع إنما يحصل بقبض الكل وقبل القبض يصح الرهن ولكن لا يلزم.

وأما صورة القبض فقبض العقار إنما يحصل بتخلية الراهن أو وكيله بينه وبين المرتهن أو وكيله وتمكينه منه بتسليم المفتاح فيما له مفتاح.

وقبض المنقول يحصل بالنقل من موضعه إلى موضع لا يختص بالراهن كالشارع والمسجد وملك المرتهن، وإن كان المنقول مقدراً فلا بد من التقدير أيضاً بوزن أو كيل أو ذرع.

ولو نقل من بيت من دار الراهن إلى بيت آخر بإذنه، أو وضعه الراهن بين يدي المرتهن إذا امتنع من قبضه، حصل القبض.

ثم إنه  ذكر بيع الأمانة فقال ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به وثقته بأنه لا يجحد الحق ولا ينكره ﴿ فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ فليكن المديون عند ظن الدائن به.

وسمى/ الدين أمانة وإن كان مضموناً لائتمانه عليه بترك الارتهان منه والحاصل أنه مجاز مستعار.

وذلك أنه لما اشترك هذا الدين مع الأمانة الشرعية في وصف وجود الأمانة اللغوية أطلق أحدهما على الآخر.

والائتمان افتعال من الأمن ﴿ وليتق الله ربه ﴾ حتى لا يدور في خلده جحود واختيان.

وفي الآية قول آخر وهو أنها خطاب للمرتهن بأن يؤدي الرهن عند استيفاء المال فإنها أمانة في يده.

والصحيح هو الأول.

ومن الناس من قال: هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتبة والإشهاد وأخذ الرهن.

والحق أن تلك الأوامر محمولة على الإرشاد رعاية وجوه الاحتياط، وهذه الآية محمولة على الرخصة.

وعن ابن عباس أنه قال: في آية المداينة نسخ.

ثم قال: ﴿ لا تكتموا الشهادة ﴾ وفيه وجوه: الأول عن القفال: أنه  لما أباح ترك الكتبة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً، ثم كان من الجائز أن يكون هذا الظن خطأ وأن يخرج المديون جاحداً للحق، وكان من الممكن أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم، ندب الله ذلك الإنسان أن يشهد لصاحب الحق بحقه، سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة أم لا، وشدد فيه بأن جعله إثم القلب لو تركه.

وعلى هذا يمكن أن يحمل قوله  : "خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد " وقيل: المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة.

وقيل: المراد بالكتمان الامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها، فإن في ذلك إبطال حق المسلم، وحرمه مال المسلم كحرمة دمه، فلهذا بالغ في الوعيد وقال ﴿ ومن يكتمها فإنه اثم قلبه ﴾ والآثم الفاجر، والآثم مرتفع بأن و ﴿ قلبه ﴾ فاعله.

ويجوز أن يكون ﴿ قلبه ﴾ مبتدأ و ﴿ آثم ﴾ خبره مقدماً عليه، والجملة خبر "إن".

وفائدة ذكر القلب والشخص بجملته آثم لا قلبه وحده، هو أن أفعال الجوارح تابعة لأفعال القلوب ومتولدة مما يحدث في القلب من الدواعي والصوارف، وإسناد الفعل إلى القلب الذي هو محل الاقتراف ومعدن الاكتساب أبلغ كما يقال عند التوكيد: هذا مما أبصرته عيني وسمعته أذني وعرفه قلبي، وعن النبي  : " "إن في جسد ابن آدم لمضغة إذا صلحت صلح بها سائر الجسد وإذا فسدت فسد بها سائر الجسد ألا وهي القلب " .

وزعم كثير من المتكلمين أن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي/ هو القلب، ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ فيه تحذير للكاتم وتهديد له.

عن ابن عباس: "أكبر الكبائر الإشراك بالله لقوله  : ﴿ فقد حرم الله عليه الجنة ﴾ وشهادة الزور وكتمان الشهادة" التأويل: إنه  كما أمر العباد أن يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستشهدوا عليه العدول، فقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عباده في الميثاق ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة  ﴾ إلى قوله: ﴿ واستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به  ﴾ وأشهد الملائكة الكرام ﴿ وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين  ﴾ وإنه  كما أمركم أن لا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً أمرالملائكة أن يكتبوا معاملاتكم الصغيرة والكبيرة، ثم عند خروجكم من الدنيا يجعلون ذلك في أعناقكم ﴿ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه  ﴾ ثم نودي من سرادقات الجلال: يا قوي الظلم ضعيف الحال ﴿ اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً  ﴾ ثم إن الكتاب يكتبون عليه في صباحه ومسائه، وما يكتبون إلا من إملائه وإنه بالقليل والكثير مما يملي يخاطب، وبالنقير وبالقطمير على ما يميل عن الحق يعاتب، فليحاسب نفسه قبل أن يحاسب، فعليه أن يملي الحق للحق.

فإن كان الذي عليه حق للحق سفيهاً جاهلاً بإملاء الحق للحق لاشتغاله بالباطل، أو ضعيفاً عاجراً مغلوباً بغلبات نفسه، أو لا يستطيع أن يمل هو لكونه ممنوعاً بالعواتق والعلائق لا قدرة له على إملاء ما ينفعه ولا يضره، ولا قوة له في إنهاء ما لا يحزنه ويسره، ﴿ فليملل وليه بالعدل ﴾ فإن لكل قوم ولياً يخرجهم من الأحزان إلى السرور، ومن الأسجان إلى القصور، ومن الأشجان إلى الحبور، ومن العجز والفتور إلى القوة والحضور.

﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ و ﴿ استشهدوا شهيدين ﴾ استصحبوا من أرباب القلوب اثنين من رجالكم الذين هم بالنسبة إليكم رجال وأنتم نساء ﴿ فإن لم يكونا رجلين ﴾ أرباب القلوب ﴿ فرجل ﴾ منهم ﴿ وامرأتان ﴾ أي رجلان من أهل الصلاح ليكونا بمثابة رجل من أهل الولاية في فائدة الصحبة ﴿ ممن ترضون من الشهداء ﴾ ممن يصلح أن يكون من شهداء الله كما قال: " "أنتم شهداء الله في أرضه " ﴿ أن تضل إحداهما ﴾ عن جادة الاستقامة في بادية النفس المملوءة من شياطين الهوى ﴿ فتذكر إحداهما الأخرى ﴾ فالرفيق ثم الطريق.

واعلم أن أهل الدين طائفتان: الواقفون والسائرون.

والمراد بالواقف من وقف في عالم الصورة ولم يفتح له باب إلى عالم المعنى كالفرخ المحبوس في قشر البيضة فيكون شربه من عالم المعاملات البدنية ولا سبيل له إلى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس في سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام يكتبان عليه من أعماله الظاهرة بالنقير والقطمير ﴿ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد  ﴾ وأما السائر فلا يقف في محل ولا ينزل في منزل يسافر من عالم الصورة إلى عالم المعنى، ومن مضيق الأجساد إلى متسع الأرواح وهم صنفان: سيار وطيار.

فالسيار من يسير بقدمي الشرع والعقل على جادة الطريقة، الطيار من يطير بجناحي العشق والهمة في فضاء الحقيقة وفي رجله جلجلة الشريعة.

فالإشارة في قوله: ﴿ وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً ﴾ إلى السيار الذي تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل، فلم يوجد له كاتب يكتب عليه كما قال بعضهم: ما كتب عليّ صاحب الشمال منذ عشرين سنة، وقال بعضهم: كاشف لي صاحب اليمين وقال لي: أمل علي شيئاً من معاملات قلبك لأكتبه فإني أريد أن أتقرب به إلى الله.

قال: فقلت له: حسبك الفرائض.

فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق أو يكون هارباً منه.

فأما الذي آناء الليل وأطراف النهار يغدو ويروح في طلب غريمه وما يبرح في حريمه فلا يحتاج إلى التوكيل والتقييد، فالذي هو موكل على الهارب يكون وكيلاً وحفيظ للطالب ﴿ له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله  ﴾ وللسائرين رهان مقبوضة عند الله، رهان وأية رهان، قلوب ليس فيها غير الله قبض، وأي قبض؟

مقبوضة بين أصبعين من أصابع الرحمن.

أما الطيار الذي هو عاشق مفقود القلب، مغلوب العقل، مجذوب السر، فلا يطالب بالرهن فإنه مبطوش ببطشه الشديد.

مستهام ضاق مذهبه *** في هوى من عز مطلبه كل أمر في الهوى عجب *** وخلاصي منه أعجبه وإنما يحتاج إلى الرهن المتهم بالخيانة لا المتعين للأمانة، فلم يوجد في السموات والأرض ولا في الدنيا والآخرة أمين يؤتمن لتحمل أعباء أمانته إلا العاشق المسكين.

لما نظر إليها كان فراش تلك الشمعة عشقها فطار فيها وأتى بحملها، فلما حملها واستحسن منه ما تفرد به من أصحابه جاءت له من الحضرة ألقاب فنسب في البداية إلى الإفساد وسفك الدماء ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء  ﴾ ولقب في النهاية بالظلم والجهل ﴿ إنه كان ظلوماً جهولاً  ﴾ هذا أمر عجيب ونقش غريب، من لم يطع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى المكانة والطاعة والأمانة مكين مطاع ثم أمين.

ومن/ أطاع في حمل الأمانة وأتى نسب إلى الظلم والجهل والفساد والخيانة، نعم إنما يكون ذلك لوجهين: أحدهما أن الذلة والمسكنة وقعت في قسم العاشق كما أن العزة والعظمة وقعت في طرف المعشوق بل جمال عزة المعشوق، لا يظهر إلا في مرآه ذلة العاشق.

وثانيهما أن من له كمال عزة الأمانة يلزم كمال ذلة المؤتمن في الظاهر بصلاح كتمان أمر الأمانة.

وقد يختص غير المؤتمن بحسن الثناء عليه ليكون عزته في الظاهر وذلته في الحقيقة يدلك على حقيقة حفظ السر خطاب، ﴿ اسجدوا لآدم  ﴾ وعتاب ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ ﴿ فإن أمن بعضكم بعضاً ﴾ كما اخترتك من بين الخليقة واصطفيتك على البرية بحمل الأمانة ﴿ فليؤد الذي اؤتمن أمانته ﴾ ولا تكتموا الشهادة، أشهدتكم على أنفسكم يوم الميثاق بإقرار قبول الأمانة فقلتم: بلى شهدنا.

فاليوم أطالبكم بأداء حقها فأدوها لي ملفوفة بلفاف التقوى "الإيمان عريان ولباسه التقوى" وكتمان الشهادة أن يكون شهودك مع غير شواهد ربك، وهذا من نتائج خيانة قلبك في أمانة ربك، فلا يشاهد قلبك إلا شواهد ربك، ولا يؤدي سرك حقيقة أمانة ربك إلا إلى ربك بربك لربك.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

فيه دليل جواز السلم من قوله: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ ؛ لأن المداينة هي فعل اثنين، وهو السلم نفسه؛ لأنه دين من الجانبين جميعاً، وعلى ذلك روي عن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: شهدوا أن المُسْلَم المضمون مما أجازه الله -  - في كتاب الكريم، ثم تلا هذه الآية.

فأما الخبر الذي جاء به نهي عن الدين: فإن ذلك على فوت القبض فيه، دليله: جواز ما كان ديناً بدين إذا قبض أحد الجانبين.

وقال آخرون: قوله: ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ ، هو بيع كل دين إلى أجل مسمى، فهو يسمى التداين، كما يسمي البائع والمشتري: المتبايعين؛ لأن كل واحد منهما بائع في وجه، ومشترٍ في وجه.

فعلى ذلك المداينة والتداين.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ : فالعرف في الإسلاف عند الناس: ألا يخلي عن الأجل، فصار الأجل بالعرف شرطا في جواز السلم وإن لم يؤجل؛ لأن الرجل لا يسلم السلف ليؤديه حالة الإسلاف؛ لأن الحاجة هي التي تحمله على الإسلاف فهو إنما يسلف ليؤديه في وقت ثان؛ لأنه لو كان عنده حاضرا لا يحتاج إلى غيره، ولكنه يبيعه فيصل إلى حاجته، ولا يتحمل المُؤْنة العظيمة، فصار في العرف كأنه بأجل، يفسد لترك بيان الأجل.

والله أعلم.

وعلى ذلك روي عن رسول الله  ، أنه قال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم" ثم أمر عز وجل بالكتابة في التداين بقوله: ﴿ فَٱكْتُبُوهُ ﴾ ، وذلك - والله أعلم - لأنه وصل إلى حاجته بقبض رأس المال والآخر لم يصل؛ فلعل ذلك يحمله على إنكار الحق والجحود؛ فأمر عز وجل بالكتابة؛ احترازاً عن الإنكار وجحود الحق له؛ لأنه إذا تذكر أنه كتب وأشهد عليه يرتدع عن الإنكار والجحود؛ فهو كما ذكرنا في قوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ  ﴾ ؛ لأنه إذا ذكر أنه يقتل ارتدع عن قتل غيره؛ فكذلك إذا ذكر أنه مكتوب عليه يمتنع من الإنكار والجحود؛ لما يخاف ظهور كذبه وفضيحته على الناس، والله أعلم.

ولا كذلك بيع العين بالعين؛ لأن كل واحد منهما لا يصل إلى حاجته إلا بما يصل به الآخر، فليس هنالك للإنكار معنى؛ لذلك لم يؤمر بالكتابة في بيع الأعيان، وأمر في المداينات.

والله أعلم.

ويحتمل الأمر بالكتابة في التداين وجهاً آخر: وهو أنه يجوز أن ينسى فينكر ذلك، أو ينسى بعضه ويذكر بعضاً؛ فأمر الله  بالكتابة؛ لئلا يبطل حق الآخر بترك الكتابة.

ولا كذلك بيع العين؛ لذلك افترقا.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: والنسيان يعقب التنازع، والمنازعة توجب التخالف، وفيه الفساد؛ فأمر بالكتابة لدفع ذلك، وللوفاء بالحق، ودفع الخصومات.

والله أعلم.

ولا يحتمل أن يفرض الكتابة، وأكثر ما فيه أن يحفظ الحق، ولمن له تركه كذلك ألا يقبضه مع ما ليست في عقد أو فسخ فيكلم فيه بوجوب واختيار، إنما هي للحق، فله فعل ذلك.

والله أعلم.

ثم اختلف في الكتابة: قال بعضهم: هي واجبة لازمة.

واستدلوا على وجوبها بقوله  : ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ ، أخبر برفع الجناح في التجارة الحاضرة، فلو كانت في المداينة غير واجبة لم يكن لرفع الجناح فيها معنى؛ فدل أنها لازمة في المداينة حيث رفع الجناح في الحاضرة منها.

وأما عندنا: فهي ليست بواجبة؛ لأنه قال عز وجل: ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ ، ثم أمر، قال: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ ، ذكر الرهن بدلاً من الكتابة، ثم ذكر ترك الرهن بالائتمان.

فإذا كان له ترك الرهن بالائتمان، وهو بدل الكتابة - فعلى ذلك له ترك الكتابة بالائتمان، إن كان أصله مفروضا لم يحتمل ترك بدله بالائتمان.

فإذا كان ذلك له دل أنه ليس بمفروض ولا لازم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ ﴾ : فهذا لأن الكاتب مأمون عليه فيؤدي حق ما اؤتمن فيه، لا يزيد على ما أملي عليه بالنصيحة وأداء الأمانة.

وهكذا الواجب على كل محكم بين اثنين أن يحكم بالعدل والنصيحة وأداء الأمانة، كقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ٱلأَمَانَاتِ إِلَىۤ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِٱلْعَدْلِ  ﴾ وكقوله: ﴿ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ﴾ ، قال بعضهم: هذا وذلك أن الكتبة كانوا في صدر الاسلام قليلا، فنهوا عن ترك الكتابة؛ إذ في ذلك بطلان حقوق الناس وذهابها.

وأما اليوم فلا بأس بالإبقاء عليها، لم يجد من يكتب له بالأجر؛ فلا يبطل حقه.

وفيه وجه آخر: وهو أن قوله -  -: ﴿ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ ﴾ ، أي: لا يأب الكاتب إذا كتب أن يكتب بالعدل، أي: له ترك الكتابة، ولكنه إذا كتب لا يكتب إلا بالعدل.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ ﴾ ، هو نقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: يكتب وإن لم يعلمه الله  .

والله - عز وجل - أخبر أنه يكتب بتعليم الله إياه.

ولو كان التعليم من الله  إيتاء الأسباب لم يكن لقوله  : ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ  ﴾ معنى؛ لأنه قد أعطى أسبابه.

والعدل - ما ذكرنا -: ألا يزيد على الحق، ولا ينقص منه.

وأصل العدل: هو وضع الشيء موضعه.

وقوله  : ﴿ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ ﴾ : ما عليه، ﴿ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ ﴾ : ولا ينقص، ﴿ مِنْهُ شَيْئاً ﴾ : [أي: لا يملي على الكاتب أقل من حقه ولا ينقص منه شيئاً].

ففيه دلالة على أن القول قوله في قدر الحق حيث أوعد فيما يملي على الكاتب ألا ينقص من حق الطالب شيئاً.

وقوله  : ﴿ فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ ﴾ ، قال قائلون: هذا كله واحد: السفيه، والضعيف، والذي لا يستطيع أن يمل.

وقال آخرون: بل هو مختلف، السفيه هو الصغير، فليملل وليه.

والضعيف هو المريض الذي لا يقدر أن يُمِلّ.

والذي لا يستطيع أن يمل هو الجاهل الذي لا يعرف أن يمل.

ثم اختلف في الولي: قال بعضهم: الولي: هو صاحب الحق، يملُّ بالعدل بين يدي من عليه الحق؛ لئلا يزيد على ذلك شيئاً، فإن زاده أو نقصه أنكر عليه صاحبه.

وقال آخرون: الولي هو وصي الصغير، أو ذو النسب منه.

ثم المسألة في الحجر: قال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: الحجر لا يمنع عقوده.

وقال محمد بن الحسن: لا يجوز عقوده، ولكن الولي هو الذي يتولى ذلك؛ استدلالاً بظاهر قوله: ﴿ فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ ﴾ ، فإنما جعل الإملاء إلى الولي، لا إليه.

ولو كان يجوز إملاؤه لكان لا معنى لجعل ذلك إلى غيره؛ دل أنه لا يجوز.

وأما أبو حنيفة - رضي الله  عنه - فإنه ذهب إلى أنه يجوز بقوله  : ﴿ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ ﴾ ، أجاز تداينه؛ فدل أن الحجر لا يمنع العقد عليه ولا تداينه، ولأن السفيه لم يستفد الإذن من السلطان؛ إنما استفاده من الله  ، ولا يجوز حجر من لم يستفد الإذن منه.

وقوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ : لم يجعل الإشهاد شرطا في جواز البيع، ولكنه معطوف على قوله: ﴿ فَٱكْتُبُوهُ ﴾ .

أمر عز وجل بالإشهاد في البيع والتداين؛ للمعنى الذي ذكرنا: أن ترك الإشهاد والكتابة يحمله على الإنكار وجحود الحق، فإذا كان هنالك شهود وكتاب يمتنع من الإنكار؛ لخوف ظهور الكذب.

ولم يصر شرطا في جواز التداين؛ لأن الإشهاد إنما ذكر بعد المداينة والمبايعة.

وكذلك الكتابة فهو لما ذكرنا: أن الإنسان من طبعه النسيان والسهو؛ فأمر بالاستشهاد والكتابة لئلا يسنى، أو يحمله ترك الإشهاد والكتابة على الإنكار.

وأما الأمر بالإشهاد في النكاح - في عقد النكاح نفسه - دليله قوله -  -: "لا نكاح إلا بشهود" ؛ لذلك صار شرطاً في عقد النكاح، ولم يصر شرطاً في المبايعة.

ووجه آخر: وهو أن الشهادة في النكاح تدفع تهمة الزنى عنهما، وقد يحوج إليه في أول أحواله.

والحاجة إلى الشهادة في البيع إلى ما يتعقب فيه من توهم وقوع التنازع؛ إذ له بذل ملكه للآخر من غير عقد بيع، وليس لها بذل فرجها له من غير عقد النكاح؛ لذلك صار الإشهاد شرطا في جواز النكاح، ولم يكن شرطا في البيع.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ : في الآية دلالة أن من قضى بالشاهد واليمين قضى بخلاف ظاهر الكتاب، وهو أيضا خلاف السنة؛ لأن قوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ ﴾ ، ليس هو الإشهاد، إنما هو الإحضار للشهادة؛ إذ العجز لا يقع في الإشهاد، إنما يقع عند الاستحضار، ولو كان بيمينه غنية لم يأمر المرأتين هتك سترهما؛ ولأن الآية ذكر حق القضاء في البياعات الواقعة والأحكام إلى سبيلها لزوم الفصل بالقضاء بين أربابها.

فمن جعل فصل القضاء بالشاهد واليمين جعل على خلاف ما جعله من له نصب الشرائع والحجج، وقال الله  : ﴿ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً  ﴾ .

وأما مخالفة السنة - فقوله  : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" .

فإذا أتى بشاهد واحد لم يخرج الآخر من أن يكون مدعى عليه.

فإذا كان كذلك، وقد جعل النبي  حجة المدعي عليه اليمين، ولم يجعل اليمين حجة للمدعي؛ فلذلك قلنا: إنه المخالف لظاهر الكتاب والسنة.

ولأن الله  جعل المرأتين فى حال الضرورة، وهو حال عدم الرجل مقام ذلك الرجل، فلو كان يجوز القضاء بالشاهد واليمين، لم يحتج إلى أن يكلف النساء من الخروج إلى أبواب القضاء والسلاطين لأداء الشهادة، وفي ذلك هتك الستر عليهن وكشف عورتهن، وتكلف القضاة فضل التفحص في حالهن ومعرفتهن؛ لذلك بطل القضاء بالشاهد واليمين.

والله أعلم.

فإن قيل: روي عن رسول الله  ، أنه قضى به.

قيل: إنه لم يرو أنه فيم قضى في الأموال أو في غير الأموال فإن ثبت أنه فيم قضى لكنا نقضي به.

ثم قال الصحابة: رضوان الله  عليهم أجمعين، أنه قضى بالشاهد واليمين في الأمان.

ونحن نقضي بعض أحكام الأمان بالشاهد الواحد إذا كان عدلا.

واليمين باب من يحتاط فيه إذا شهد شاهد أنه أمنه لم يقبل، ولكن يسترق.

وأما الأموال فإن الاحتياط في ذلك ترك القضاء إلى أن تقوم الحجة التي تزيل الشبهة من جميع الوجوه.

وبالله التوفيق.

وأما شهادة النساء: فإنها جائزة في الأموال وفي غير الأموال إلا في الحدود خاصة، فإنها غير مقبولة.

أما جوازها في غير الحدود؛ لأن الله  ذكر التداين، وذكر في التداين الأجل، والأجل ليس بمال.

ثم أجاز شهادتهن في التداين وفي الأجل الذي ليس هو بمال؛ دل ذلك أن علة جواز شهادتين ليس هو المالية نفسها، وأجيزت شهادتهن فيما لا مالية فيه وهو الأجل؛ فظهرت أن علتها ليست مالية.

وأما بطلان شهادتهن في الحدود؛ فلأن شهادتهن إنما أجيزت بحكم البدل عن شهادة الرجال، والأبدال في الحدود غير مقبولة نحو الوكالات والكفالات؛ فعلى ذلك شهادتهن لما كانت جوازها بحكم البدل لم تقبل، ولأنهن جعلن على السهو والغفلة ونقصان العقل والدين؛ لقوله  : "إنهن ناقصات عقل ودين" .

فإذا كان كذلك أورث ذلك شبهة في الحدود، والحدود مما يبتغي فيها الدرء؛ لذلك لم تقبل.

والله أعلم.

ولأن شهادتهن إنما ذكرت فيما يبتغي به الإعلام والإعلان، لا الإسرار.

فعلى ذلك تقبل شهادتهن فيما يبتغي ذلك المعنى.

وأما الحدود وما يلزم بها ذلك إنما يبتغي في ذلك الإسرار والستر؛ لذلك قلنا بأن شهادتهن تجوز في النكاح والطلاق والعتاق؛ لأن النكاح يبتغي فيه الإعلان على ما جاء: "أعلنوا النكاح"؛ لذلك قبلت.

والله أعلم.

ومعنى آخر: أن الخصم أجاز شهادة النساء بالانفراد في كل شيء ما خلا الحدود والقصاص؛ لذلك قبل بالرجال.

ولأن شهادة النساء أجيزت في الأصل توسيعا، فلا يجوز أن ترد فيما يتوسع، وتقبل فيما يضيق، وأمر النكاح والطلاق في الشهادة أوسع، فهو أحق أن يقبل.

وقوله  : ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ .

فإن قال قائل: كيف جاز استشهاد المرأتين عند وجود الرجلين؛ والله أمر باستحضار الرجلين عند الحاكم للشهادة، لا أمر بالإشهاد عليها؛ لذلك قال عز وجل: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ .

أي: لا تكلف النساء حضور أبواب القضاة ومجلسهم لأداء الشهادة إلا عند العجز عن وجود الرجل؛ لما في ذلك هتك أستارهن، وكشف عورتهن.

والله أعلم.

والثاني: أن الله  ذكر امرأتين وأقامهما مقام رجل فائت، والرجل الذي قامت امرأتان مقامه هو فائت أبدا غير موجود، إذ له أن يشهد عددا على ذلك الحق؛ لذلك جازت شهادتهن وإن كان هناك رجلان.

والله أعلم.

فإن قيل: ما الحكمة في ذكر رجلين دون ذكر العدد، أو ذكر واحد؟

قيل: لوجوه: أحدها: ذكر على قدر الأشياء ومراتبها عند الناس، إذا كان أمراً عظيما فظيعا لا تقبل فيه إلا شهادة عدد، نحو الزنى، كقوله  : ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً  ﴾ .

وإذا كان خسيسا سهلا عند الناس قبل قول الفرد حرّاً كان أو عبدا، من نحو الاستئذان للدخول على آخر ونحوه.

ثم الأموال وغيرها هي المتوسطة المترددة بين هذين، فقبل الوسط من الشهادة، ولم يقبل دونها.

والله أعلم.

ووجه آخر: قيل: إنه ذكر ذلك عبادة، لا لمعنى المودع فيه، ولكن سمعا، فهو على ما ذكر، لا يطلب معناه.

والثالث: أن الواحد لم تقبل شهادته في الحقوق بالانفراد؛ لأنه ينتفع بها.

لأن من صدق في قوله يتلذذ بتصديقهم إياه.

فعلى ذلك لم يقبل قول المدعي في دعواه وإن كان عدلا، لما ينتفع بالتصديق وقبول قوله فيه.

فإذا كانا اثنين صار تلذذ كل واحد منهما وانتفاعه لصاحبه؛ فحصلت الشهادة خالصة صافية؛ فقبلت.

والله أعلم.

والرابع: أن الإنسان مطبوع على السهو والغفلة، فإذا كان فردا يخاف عليه النسيان؛ أمر بضم آخر إليه ليذكر كل واحد منهما صاحبه إذا نسيه.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، لما ذكر أنهن جبلن وطبعن على فضل السهو والغفلة، أمر بضم غيرها إليها إذا سهت وغفلت عنها.

ثم اختلف في قوله: ﴿ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ : قال أصحابنا - رحمهم الله  -: يرجع الخطاب إلى الأحرار خاصة دون العبيد والكفرة.

أما الكفرة؛ فلأن الخطاب في الابتداء للمؤمنين بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ...

﴾ الآية؛ فخرج الكفار من خطاب الآية؛ لذلك لم تقبل شهادتهم على أهل الإسلام.

وأما العبيد فلم يدخلوا تحت هذا الخطاب لوجوه: أحدها: ما ذكرنا: أن ظاهر الخطاب للأحرار دون العبيد، لما لا يملكون هم التداين والتبايع؛ فعلى ذلك خطاب الشهادة.

فإن قيل: أليس العبيد يملكون التبايع والتداين؟

قيل: يملكون بالإذن والتولية لا بملك أنفسهم فذلك القدر من التداين وغيره، يملك الكفار، ثم لم يجب قبول شهادتهم، ولا دخلوا تحت ذلك الخطاب؛ فكذلك العبيد.

والثاني: ما قاله عز وجل: ﴿ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ ، ثم لا يملك العبيد الإجابة لكل ما دعوا لحق السادات؛ فعلى ذلك ليس عليهم الإجابة في الشهادة لحق السادات.

والله أعلم.

والثالث: أن الله  قسم الشهادة قسمة الميراث بقوله: ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ ، وقال في الميراث: ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلأُنْثَيَيْنِ  ﴾ ، ثم لا حظ للعبيد في الميراث؛ فعلى ذلك لا حظ لهم في الشهادة.

والرابع: أن الشهادات تجري مجرى الولايات والتمليكات، ثم لا ولاية تكون للعبد على غيره ولا تمليك؛ فعلى ذلك الشهادة؛ إذ فيها ولاية وتمليك الحاكم الحكم.

والله أعلم.

وعلى هذا بطلت شهادة الكفار على أهل الإسلام لما لا ولاية لهم عليهم.

والخامس: أن الشهود بين حالين: بين أن يصدقوا فتمضي شهادتهم، وبين أن يكذبوا فيضمنوا.

ولما كان العبيد إذا كذبوا في شهادتهم لم يضمنوا؛ لأن ضمان الشهادة ضمان معروف؛ لأنه لا بدل له بإزاء من لم يكن من أهل الشهادة؛ دل أنهم ليسوا من أهل الشهادة.

وعلى ذلك قلنا: إن النكاح يجوز بشهادة الفاسق والمحدود في القذف، وأنهما من أهل الشهادة فيه؛ لأنهما من أهل الضمان، وإن كانت شهادتهما ردت لتهمة الكذب في سائر الحقوق.

وأما العبد: فليس هو من أهل الشهادة بحال، للمعنى الذي وصفنا.

والله أعلم.

وإلا القياس يقتضي أن تجوز شهادة العبيد؛ لأنها من حق الله، ودليله قوله  : ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَادَةَ لِلَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يَا أَيُّهَآ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ  ﴾ .

فإذا كانت من حق الله  ؛ وحقوق الله  لا يختلف العبيد والأحرار فيها، فيجب أن تقبل شهادتهم، لكنها لم تقبل للوجوه التي ذكرناها.

والله أعلم.

قوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ ﴾ ، إلى أن قال: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ﴾ : قد ذكرنا فيما تقدم أنهن لما جبلن وطبعن على فضل سهو وغفلة، ضمت إليها أخرى لتذكرها الشهادة إذا نيست.

وفي الآية دلالة أن الرجل إذا نسي الشهادة، ثم ذكر فتذكر، يجوز أن يشهد.

وأما إذا أخبر بالشهادة ولم يتذكر، لم يجز له أن شهد؛ لقوله: ﴿ فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ ﴾ ، إذ لم يقل: "فتخبر إحداهما الأخرى".

وقوله  : ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ : فيه دلالة أن من المسلمين من لا يكون مرضيّاً، وكذلك فيهم من يكون عدلا ومن لا يكون عدلا، دليله قوله  : ﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ  ﴾ ، لأنه لو لم يكن فيهم مرضيا وغير مرضي لكان يقول: "وأشهدوا رجلين منكم"، ولم يشترط فيه العدالة والرضاء.

وهو على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: المسلم لا يكون غير عدل ولا غير مرضي.

وفي الآية التي ذكرنا دلالة ما قلنا.

الله أعلم.

وفي قوله: ﴿ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ ﴾ ، دلالة أن الشهود إذا شهدوا على المدعي عليه بالحق، وهم مرضيون عنده، يجب أن يؤدي إليه حقه؛ لأنا قلنا: إن قوله: ﴿ وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ ، أمر باستحضارهم عند الحاكم، فإذا كان كذلك فهو دليل ما قلنا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ : اختلف فيه: قيل: ﴿ وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ ﴾ للإشهاد.

وقيل: لا يأبوا إذا ما دعوا للأداء.

وهذا أشبه لأن للشهود أن يقولوا: أحضر الخصم هاهنا لتشهدنا عليه، فإنا لا نحضر المكان الذي هو فيه.

وليس هذا القول في الأداء، إذ الأداء لا يكون إلا عند الحاكم؛ لذلك كان أولى، كقوله  : ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ ﴾ ، ولا يجد من يشهدهم، ولا يجد من يشهد له غيرهم.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ ﴾ : فيه دلالة جواز السلم في الثياب؛ لأن ما يكال ويوزن لا يقال فيه: "الصغير والكبير"، ولا يكتب: "صغيرة وكبيرة"، إنما يقال ذلك في العددي.

وقوله  : ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ ، يقول: أعدل عند الله، ﴿ وَأَقْومُ لِلشَّهَٰدَةِ ﴾ ، في الحجة.

وقوله  : ﴿ وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ ﴾ : أقرب إلى دفع الظنون والشكوك التي تحملكم على التناكر والتنازع الذي عاقبته الفسخ؛ ولهذا ما أمر عز وجل بالكتابة فيه والإشهاد، وذكر كل صغير وكبير، لئلا يقع بينهم في العاقبة تنازع وتناكر، فيحمل ذلك الحاكم على فسخ العقد بينهما.

وعلى ذلك تصبوا الأجل فيه شرطا لقطع وقوع التنازع والتناكر الذي حكمه الفسخ في العاقبة.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ...

﴾ الآية: استنثى عز وجل التجارة الحاضرة بترك الكتابة والإشهاد والرهن وغيره، وذلك لما ذكرنا آنفا أن الديون والقروض تنسى وتشتبه على الناس؛ فلذلك أمر بالكتابة فيها، والإشهاد، ولا كذلك التجارات الحاضرات، وعلى ذلك أمر ظاهر بين الناس أنهم يكتبون ويشهدون في الديون والقروض، ولم يعلموا ذلك في التجارات الحاضرات الجاريات فيما بينهم، لارتفاع ما يخاف وقوعه في الديون والقروض وخلائها عن ذلك.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا ﴾ : يقول: يداً بيد وليس فيها إيجاب القبض على المجلس.

وقوله ﴿ وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ : أمر عز وجل بالإشهاد [في التجارة الحضارة، ولم يأمر بالكتابة، وأمر في التداين بالكتابة والإشهاد] جميعاً؛ فالأمر بالكتابة لمحافظة الحقوق ومعاهدة كل قليل وكثير فيه، وأما الأمر بالإشهاد للأدب، والأمر بالرهن أمر بالوفاء، والرهن والكتابة والإشهاد كل ذلك يمنع صاحبه عن الإنكار والجحود، ويذكر عند النسيان والسهو.

ذلك كله لقطع التنازع الواقع فيما بينهما في المتعقب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ لا يشغل الكاتب ولا الشهيد، فيقول له: اكتب لي كذا، واشهد لي على كذا، وهو يجد غيره.

وقال آخرون: ﴿ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ ﴾ ، أي لا يضار كاتب صاحب الحق، فيكتب ما لا ينبغي أن يكتب بالزيادة والنقصان، وكذلك الشاهد لا يزيد على الحق ولا ينقص من الحق شيئاً، ولا يكتم الشهادة أيضاً.

فهذا أقرب.

والله أعلم.

فإن قيل: إذا كان المعنى راجعاً إلى ما ذكرت ألا يزيد الكاتب ولا ينقص ألا قال: لا يضار بالرفع؟

قيل: إنه يضاره فطرحت إحداهما فإذا طرحت انتصبت علامة للطرح إذ هكذا عمل الإضمار.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: "الإضرار أن يقول الرجل للرجل وهو عنه غني: إن الله أمرك ألا تأبى إذا ما دعيت فتضاره بذلك".

وقوله: ﴿ وَإِن تَفْعَلُواْ ﴾ أي: تضاروا فإنه فسوق بكم؛ هذا يدل على أن التأويل هو ما ذكرنا من النهي عن الزيادة والنقصان والتحريف والكتمان؛ إذ في ذلك خروج عن الأمر.

والفسق هو الخروج عن الأمر كقوله ﴿ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ  ﴾ وهو على المعتزلة؛ كقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ في المضارة من الزيادة والنقصان والكتمان ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ﴾ الحكم والأدب وما يحل وما لا يحل ﴿ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ حرف وعيد.

وقوله  : ﴿ وَإِن كُنتُمْ عَلَىٰ سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَٰنٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم في الأمر بالكتابة والإشهاد: أنهما - والله أعلم - لحفظ الحقوق، ما جل منها وما دق، وألا يحملهم على الإنكار والجحد، وأن يذكرهم ذلك حتى لا ينسوا، فعلى ذلك الأمر بالرهان لئلا يؤخر قضاء الدين ويذكرون ولا ينسون، والله أعلم.

ثم فيه دلالة ألا يجوز الرهن إلا مقبوضاً؛ لأن الرهن يقبض لأمرين: أحدهما: لأنه إذا كان مقبوضاً محبوساً عن صاحبه عن جميع أنواع منافعه ذكره وتقاضاه لقضاء دينه، وإذا كان في يديه لم يتقاضاه على ذلك؛ لذلك قلنا: إنه لا يجوز إلا مقبوضاً.

والثاني: أنه إنما يقبض ليستوفي منه الدين، ولا يستوفي إلا بعد القبض، أو يأخذ ليأخذ الدين منه من غير بخس فيه ولا منع عنه.

ووجه آخر - فيما لا يجوز الرهن إلا مقبوضاً - لأنه جعل وثيقة، فلا جائز أن يكون وثيقة وهو في يدي الراهن غير محبوس ولا ممنوع عن منافعه؛ فدل ما ذكرنا من طلب الناس بعضهم من بعض الرهون، أنهم طلبوا وثيقة.

فإذا كان وثيقة فهو إنما يكون وثيقة إذا كان في يدي المرتهن محسوباً عن صاحبه.

ألا ترى أن الكاتب أمر بأداء الأمانة إذا أمن بعضهم بعضا بغير رهن، فلو كان الرهن يكون رهنا في يدي الراهن لذكر فيه أداء الأمانة في الرهن، ولم يكن لذكر القبض وجه؛ لذلك قلنا: إن الرهن لا يجوز إلا أن يكون مقبوضاً محبوساً عن منافع صاحبه.

وقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ فيه دلالة ضمان الرهن دلالة استيفاء الدين من الرهن؛ لأنه إنما ذكر الأداء فيما أمن بعضهم بعضاً بلا رهن، ولم يذكر الأداء فيما فيه الرهن، فلولا أن جعل في الرهن استيفاء الحق والدين وإلا لذكر الأداء فيه كما ذكر في الرهن فدل أنه مضمون به إذا هلك، هلك به.

والله أعلم.

وأيضا قوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ ﴾ فيه دليل لقولهم في الشركات: إنه يكتب اشتركا على تقوى الله وأداء الأمانة [؛ لأن كل واحد منهما أمين في ذلك، لذلك ذكر فيه تقوى الله وأداء الأمانة] كما ذكر - عز وجل - تقوى الله وأداء الأمانة فيما اؤتمن.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ ذكر إثم القلب، والإثم موضعه القلب لكنه يشيع في الجوارح ويظهر على ما روي: "إن في النفس مضغة إذا صلحت صلح البدن، وإذا فسدت فسد البدن" قال الشيخ - رحمه الله -: وفيه دلالة أن المأثم تعمد القلوب بأي شيء كان؛ فلذلك وصف القلب بأنه آثم؛ وهو كقوله: ﴿ يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ، وكذا قوله: ﴿ وَلَـٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ  ﴾ الآية.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتبًا يكتب لكم وثيقة الدَّين، فيكفي أن يُعْطي الذي عليه الحق رهنًا يقبضه صاحب الحق، يكون ضمانًا لحقه، إلى أن يقضي المدين ما عليه من دَين، فإن وَثِقَ بعضكم ببعض لم تلزم كتابة ولا إشهاد ولا رهن، ويكون الدَّين حينئذ أمانة في ذمة المَدِين يجب عليه أداؤه لدائنه، وعليه أن يتقي الله في هذه الأمانة فلا ينكر منها شيئًا، فإن أنكر كان على من شهد المعاملة أن يؤدي الشهادة، ولا يجوز له أن يكتمها، ومن يكتمها فإن قلبه قلب فاجر، والله بما تعملون عليم، لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم على أعمالكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.6My8m"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام في الأموال بدأ بالترغيب في الصدقات والإنفاق في سبيل الله وذلك محض الرحمة، وثنى بالنهي عن الربا الذي هو محض القساوة، ثم جاء بأحكام الدين والتجارة والرهن.

ولما كانت سلطة صاحب الربا قد زالت بتحريمه ولم يبق له إلا رأس المال وقد أمر بإنظار المعسر فيه، وكان لا بد لحفظه من كتابته، إذ ربما يخشى ضياعه بالإنظار إلى الأجل.

جاء بعد أحكام الربا بأحكام الدين ونحوه.

ويقول بعض المفسرين وله الحق إنه تقدم في الآيات طلب الإنفاق والتصدق ثم حكم الربا الذي يناقض الصدقة، ثم جاء هنا بما يحفظ المال الحلال، لأن الذي يؤمر بالإنفاق والصدقة وبترك الربا لا بد له من كسب ينمي ماله ويحفظه من الضياع ليتسنى له القيام بالإنفاق في سبيل الله ولا يضطر بإنفاقه إلى الوقوع فيما حرم الله.

وهذا يدل على أن المال ليس مذمومًا لذاته في دين الله ولا مبغضًا عنده تعالى على الإطلاق، كيف وقد شرع لنا الكسب الحلال وهدانا إلى حفظ المال وعدم تضييعه، وإلى اختيار الطرق النافعة في إنفاقه بأن نستعمل عقولنا في تعرفها ونوجه إرادتنا إلى العمل بخير ما نعرفه منها.

ففي آية الدين بعد ما تقدم احتراس أو استدراك يزيل ما عساه يتوهم من الكلام السابق، وهو أن المبالغة في الترغيب في الإنفاق في سبيل الله والتشديد في تحريم الربا يدلان على أن جمع المال وحفظه مذموم على الإطلاق، كما هو ظاهر نصوص بعض الأديان السابقة.

فكأنه يقول إنا لا نأمركم بإضاعة المال وإهماله، ولا بترك استثماره واستغلاله، إنما نأمركم بأن تكسبوه من طرق الحل، وتنفقوا منه في طرق الخير والبر.

إن قوله تعالى ﴿ فَاكْتُبُوهُ  ﴾ أمر عام للمتعاملين وفيهم الأمي الذي لا يكتب ولذلك احتيج إلى هذه الجملة: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ  ﴾ وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم العلم بشروط المعاملات التي تحفظ الحقوق لأن الكاتب الجاهل قد يترك بعض الشروط أو يزيد فيها أو يتهم في الكتابة بجهلة فيلتبس بذلك الحق بالباطل ويضيع حق أحد المتعاملين كما يضيع بتعمد الترك أو الزيادة أو الإبهام إذا لم يكن عادلًا.

إن كاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط بالقلم أهلًا لذلك، وإنما أهله من يصح أن يكون قاضي العدل والإنصاف.

إن ما ذكر في وصف الكتاب إرشاد من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام معروف وهو أن يكون كاتب الديون عادلًا عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى لا يقع التنازع بعد ذلك فيما يكتبه، وإرشاد للمسلمين إلى أنه ينبغي أن يكون فيهم هذا الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية لإيجاد المقتدرين على كتابة العقود، وهو ما يسمونه اليوم العقود الرسمية، ويتحتم ذلك على القول بأن الكتابة واجبة.

وفيه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن يكون غير المتعاقدين وإن كانا يحسنان الكتابة لئلا يغالط أحدهما الآخر أو يغشه وكأن هذا أمر حتم وعليه العمل الآن فإن للعقود الرسمية كُتّابًا يختصون بها.

﴿ فَلْيَكْتُبْ  ﴾ : تأكيد لأن الموضوع غريب في نظر الأميين الذين خوطبوا به أولًا.

﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ  ﴾ ذكر الذي عليه الحق مظهرًا في موضع الإضمار لزيادة الكشف والبيان، كما قالوا، أما السفيه فهو ضعيف الرأي أي من لا يحسن التصرف في المال لضعف عقله.

﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى  ﴾ قال بعضهم معناه أن تضل إحدى الشهادتين عن إحدى المرأتين فتذكّرها بها المرأة الأخرى فجعل إحدى الأولى للشهادة والثانية للمرأة وأيده الطبرسي بأن نسيان الشهادة لا يسمى ضلالًا لأن الضلال معناه الضياع والمرأة لا تضيع، واستدل على التفرقة بين الضلال والنسيان بقوله تعالى ﴿ ضَلُّوا عَنَّا  ﴾ ومثله ﴿ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنسَى  ﴾ .

تكلم المفسرون في هذا وجعلوا سببه المزاج فقالوا إن مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان، وهذا غير متحقق، والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها فإنها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن من طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.

ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها.

إن الله تعالى جعل شهادة المرأتين شهادة واحدة فإذا تركت إحداهما شيئًا من الشهادة كأن نسيته أو ضل عنها تذكرها الأخرى وتتم شهادتها، وللقاضي بل عليه أن يسأل إحداهما بحضور الأخرى، ويعتد بجزء الشهادة من إحداهما وبباقيها من الأخرى.

هذا هو الواجب وإن كان القضاة لا يعملون به جهلًا منهم.

وأما الرجال فلا يجوز له أن يعاملهم بذلك بل عليه أن يفرق بينهم، فإن قصر أحد الشاهدين أو نسي فليس للآخر أن يذكره وإذا ترك شيئًا تكون الشهادة باطلة، يعني إذا ترك شيئًا مما يبين الحق فكانت شهادته وحده غير كافية لبيانه فإنها لا يعتد بها ولا بشهادة الآخر وحدها وإن بينت.

﴿ وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا  ﴾ إلى تحمل الشهادة، أو إلى أداء الشهادة، وقال بعضهم بالإطلاق الشامل للتحمل والأداء، وهو رأي الجمهور، وأختاره.

﴿ وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ  ﴾ : وهذا دليل على أن الكتابة يعمل بها، وأنها من الأدلة التي تعتبر عند استيفاء شرطها.

﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ  ﴾ الخطاب للمؤمنين، والإشارة للكتاب، أي الكتابة، لأنه الأقرب في الذكر وهو رأي الجمهور.

ويعد من دلائل العمل بالكتابة.

وفيه أيضًا الدليل على أن للشاهد أن يطلب وثيقة العقد المكتوب ليتذكر ما كان على وجهه.

وقوله ﴿ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا  ﴾ هذه مزية ثالثة للكاتبة تؤكد القول بالأخذ بها، والاعتماد عليها، وجعلها مذكرة للشهود، والاحتجاج بها إذا استوفيت شروطها.

﴿ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا  ﴾ أي إلا أن تكون المعاملة تجارة حاضرة أو إلا أن توجد تجارة حاضرة تدار بين المتعاملين بالتعاطي بأن يأخذ المشتري المبيع والبائع الثمن فلا حرج من ترك كتابتها ولا إثم، إذ لا يترتب عليه شيء من الارتياب الذي يجر إلى التنازع والتخاصم وما رواء ذلك من المفاسد.

﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ  ﴾ : معناه هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة، لأن البيع بالكالئ يستلزم الدين وهو الذي أمر بكتابته والاستشهاد عليه، والإشهاد لازم لما يحصل من المجاحدين في بعض العقود الحاضرة بعد العقد من التنازع والخلاف.

وكأنه يعني أن من شأن هذه المجاحدة أن تحصل عن قريب ولذلك اكتفي بالإشهاد لتلافي ما عساه يقع منها، وأما الديون المؤجلة فربما يقع التنازع فيما بعد موت الشهود لأنها مما يطول زمنها لا سيما إذا كان الأجل بعيدًا فلهذا وجبت كتابتها وشرع الاحتجاج عليها بالكتابة.

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ اشتهر على ألسنة المدعين للتصوف في معنى هاتين الجملتين ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ  ﴾ أن التقوى تكون سببًا للعلم، وبنوا على ذلك أن سلوك طريقتهم وما يأتونه فيها من الرياضة وتلاوة الأوراد والأحزاب تثمر لهم العلوم الإلهية وعلم النفس وغير ذلك من العلوم بدون تعلم.

وهذا الزعم فتح للجاهلين الذين يلبسون لباس الصلاح دعوى العلم بالله وفهم القرآن والحديث ومعرفة أسرار الشريعة من غير أن يكونوا قد تعلموا من ذلك شيئًا، والعامة تسلم لهم بهذه الدعوى وتصدق قولهم أن الله هو الذي تولى تعليمهم ويسمون علمهم هذا"بالعلم اللدني".

ويرد استدلالهم بالآية على ذلك من وجهين: أحدهما:أنه لا يرضى به سيبوبه، وله الحق في ذلك، لأن عطف ﴿ يُعَلِّمُكُمْ  ﴾ على ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ  ﴾ ينافي أن يكون جزاء له ومرتبًا عليه، لأن العطف يقتضي المغايرة ولو قال ﴿ يُعَلِّمُكُمْ  ﴾ بالجزم لكان مفيدًا لما قالوه، وكذلك لو كان العطف بالفاء أو اتصل بالفعل لام التعليل.

الثاني: إن قولهم هذا عبارة عن جعل المسبب سببًا والفرع أصلًا والنتيجة مقدمة، فإن المعروف المعقول أن العلم هو الذي يثمر التقوى، فلا تقوى بلا علم، فالعلم هو الأصل الأول، وعليه المعول.

فللعلم تأثير في الإدارة بتوجيهها إلى العمل الصالح وصرفها عن العمل القبيح -وتلك هي التقوى- ونحن لا ننكر العلم الذي يسمونه لدنيا، وإنما ننكر أن يكون غاية لذلك الطريق الجائر الذي يشترط فيه الجهل، ونقول: إن العلم بالله تعالى والعلم بالشرع والعمل به، مع الإخلاص، قد يصرف العالم العامل المخلص إلى الله تعالى حتى يكون كالمنفصل بقلبه وروحه عن العالم الطبيعي، وقد يحصل له عند ذلك إشراف على ما لا يشرف عليه غيره من أسرار الحكمة الإلهية والتحقق ببعض المعارف الغيبية فيعلم مما قصه الله علينا من خبر الآخرة والملائكة ما لا يعلمه كل ناظر في معاني الألفاظ والأساليب في الكتاب.

وأين هذا مما يدعيه أعوان الجهل وأعداء العلم.

ذهب الجمهور إلى الأمر بكتابة الدين للندب واستدلوا بثلاثة أمور: أحدهما: قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ  ﴾ فإنه أجاز ذلك بإقرارهم عليه وهو يستلزم عدم الكتابة والاستشهاد.

الثاني:كون المسلمين لم يلتزموا الكتابة والاستشهاد في العصر الأول ولا فيما بعده، بل كانوا يأتونه تارة ويتركونه تارة، ولو فهموا أنه واجب لالتزموه.

الثالث:أن في الكتابة حرجًا وهو منفي بالنص.

وذهب أقوام إلى أن الأمر للوجوب، وبه قال عطاء والشعبي وابن جرير في تفسيره، وهو الأصل في الأمر عند الجمهور، وقد تتابعت الأوامر في الآية وتأكدت حتى في حال السفه والضعف والعجز فقد أمر ولي من عليه الحق من هؤلاء بأن يملي عنه للكاتب ولم يعفهم من الكتابة، ومثل هذا التأكيد لا يكون في غير الواجب، ويؤيده التعليل بكون ذلك أقسط عند الله إلخ.

قالوا أما قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا  ﴾ إلخ فهو محمول على حال الضرورة كالأوقات التي لا يوجد فيها كاتب ولا شهود، فإذا احتاج امرؤا إلى الاقتراض من أخيه في مثل هذه الحال فإن الله تعالى لا يحرم عليه قضاء حاجته وسد خلته إذا هو ائتمنه.

قالوا وأما دعوى تعامل أهل الصدر الأول وغيرهم من المسلمين بغير كتابة ولا إشهاد فهي على إطلاقها باطلة، فإنه لم يؤثر عن الصحابة الذين يحتج بمعاملاتهم ولا عن التابعين شيء صحيح يؤيد هذه الدعوى، وإنما اغتر هؤلاء القائلون من الفقهاء بعدم وجوب الكتاب والإشهاد بمعاملات أهل عصرهم فجعلوا ذلك عامًا ولم يرووا عن الصحابة فيه شيئًا صحيحًا واقعًا بالفعل.

وأما قولهم أن في ذلك ضيقًا وحرجًا فجوابه أن هذا الضيق والحرج في بادي الرأي هو عين السهولة والسعة واليسر في حقيقة الأمر.

إن التعامل الذي لا يكتب ولا يستشهد عليه يترتب عليه مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع، ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان، فإذا ارتاب المتعاملان واختلفنا ولا شيء يرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منها الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه فلج في خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسرًا ويرميهما بأشد الحرج، وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة.

كيف يكون هذا حرجًا وهو مما لا يقع إلا قليلًا لبعض المكلفين ولا يكون الوضوء حرجًا وهو مما يجب على كل مكلف كل يوم يصلي فيه خمس مرات، فما كل ما يتكرر يكون حرجًا.

هبوا أن هذه الأوامر المؤكدة للندب فهل ينبغي أن يترك المسلمون جملة ما ندب إليه كتاب الله بحجة أن فيه حرجًا أو بغير ذلك من الحجج حتى صار من تراه من المسلمين يعنى بكتابة ديونه فإنما يفعل ذلك لضعف ثقته بمدينة، لا عملًا بهداية دينه، ألا إن الحرج في هذا كالحرج في تحريم جميع أنواع الشرك والمعاصي، فكما لا يجوز أن تكون مشركًا بنوع ما من أنواع الشرك، لا يجوز أن تفرط في شيء من الحق الذي لا مراء فيه أنه لا شيء من الحرج في الكتابة، فإن البلد قد يكفيه كاتب واحد للديون المؤجلة، وقد رخص الله لنا في ترك كتابة التجارة الحاضرة.

والحاصل أن ظاهر الآية وأسلوبها وطريقة تأديتها تدل على أن الأمر فيها للوجوب، وإن كان الجمهور على خلافه.

وقد اختلف الفقهاء بعد هذا في العمل بالخط، ونحمد الله أن كان المفتى به هو العمل بالخط، إذ لو كان المفتى هو خلاف ما أمر به القرآن لكان المصاب عظيمًا واستدل القائلون بعدم العمل بالخط بأنه يحتمل فيه التزوير وزعموا أن فائدة الكتابة التذكار فقط كما أن الأمر بالإشهاد لأجل التذكار، ومنشأ الشبهة في هذا قوله تعالى في المرأتين ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى  ﴾ والصواب أن كلا من الكتابة والاستشهاد قد شرع للاستيثاق بين الدائن والمدين لا لأجل التذكر بعد النسيان، والكتابة أقوى من الشهادة فيه، وهي عون للشهادة، وهي عون للشهادة، فهي آلة الاستيثاق للمتعاملين، فالدائن يستوثق بما له فيأمن من إنكاره كله أو بعضه، والمدين يستوثق بما عليه فلا يخاف أن يزاد فيه، والشاهد يستوثق بشهادته فإذا شك أو نسي رجع إلى الكتاب فتذكر واطمأن قلبه، ولذلك قال تعالى ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا  ﴾ ونفع الكتابة الأكبر يكون بعد الموت الشهيدين أو أحدهما فلا يصح في هذه الحال أن تضيع الحقوق ولا حافظ لها حينئذ إلا الكتابة يرجع إليها فيعمل بها.

واحتجاجهم على أن الشهادة هي الأصل في إثبات الحقوق وأن الكتابة ليست إلا مذكرة بها بأن الخط يتحمل فيه التزوير منقوض بأن احتمال وقوع التزوير في الشهادة أشد بل حصوله فيها بالفعل أكثر حتى أن النسبة بينهما تكاد تكون كنسبة الخمسة إلى الألف.

ثم إن في الشهادة احتمالات أخرى تسقطها عن مرتبة الكتابة كالنسيان والذهول.

ومن محاسن الأجوبة في هذا المقام ما وقع لأحد القضاة في الوجه القبلي إذ جاءه مدع يطالب آخر بدين له كتب في صك وختم بخاتم المدعي عليه فقال القاضي للمدعي عليه: إن هذا الصك لا يعمل به لأن الختم ليس بينة فلا بد من الشهود.

قال المدعي: من قال بهذا؟

قال القاضي الإمام أبو حنيفة.

قال المدعي: هل عندك شهود سمعت منهم ذلك؟

فبهت القاضي!

فالأشياء البديهية يلهم حكمها كل الناس.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد