الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 193 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ذكر الأحاديث الواردة في فضل هاتين الآيتين الكريمتين نفعنا الله بهما .
الحديث الأول : قال البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا شعبة ، عن سليمان ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عن أبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قرأ بالآيتين " ، وحدثنا أبو نعيم ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن أبي مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " .
وقد أخرجه بقية الجماعة من طريق سليمان بن مهران الأعمش ، بإسناده ، مثله .
وهو في الصحيحين من طريق الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن ، عنه ، به .
وهو في الصحيحين أيضا عن عبد الرحمن ، عن علقمة عن أبي مسعود قال عبد الرحمن : ثم لقيت أبا مسعود ، فحدثني به .
وهكذا رواه أحمد بن حنبل : حدثنا يحيى بن آدم ، حدثنا شريك ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، عن علقمة ، عن أبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلته كفتاه " .
الحديث الثاني : قال الإمام أحمد : حدثنا حسين ، حدثنا شيبان ، عن منصور ، عن ربعي ، عن خرشة بن الحر ، عن المعرور بن سويد ، عن أبي ذر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش ، لم يعطهن نبي قبلي " .
وقد رواه ابن مردويه ، من حديث الأشجعي ، عن الثوري ، عن منصور ، عن ربعي ، عن زيد بن ظبيان ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش " .
الحديث الثالث : قال مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا مالك بن مغول ( ح ) وحدثنا ابن نمير ، وزهير بن حرب جميعا ، عن عبد الله بن نمير وألفاظهم متقاربة قال ابن نمير : حدثنا أبي ، حدثنا مالك بن مغول ، عن الزبير بن عدي عن طلحة ، عن مرة ، عن عبد الله ، قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهي به إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها ، قال : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) [ النجم : 16 ] ، قال : فراش من ذهب .
قال : وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا : أعطي الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئا المقحمات .
الحديث الرابع : قال أحمد : حدثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل ، حدثني محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن مرثد بن عبد الله اليزني ، عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اقرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فإني أعطيتهما من تحت العرش " .
هذا إسناد حسن ، ولم يخرجوه في كتبهم .
الحديث الخامس : قال ابن مردويه : حدثنا أحمد بن كامل ، حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي ، أخبرنا مسدد أخبرنا أبو عوانة ، عن أبي مالك ، عن ربعي ، عن حذيفة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فضلنا على الناس بثلاث ، أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت كنز تحت العرش ، لم يعطها أحد قبلي ، ولا يعطاها أحد بعدي " .
ثم رواه من حديث نعيم بن أبي هندي ، عن ربعي ، عن حذيفة ، بنحوه .
الحديث السادس : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي بن نافع ، أنبأنا إسماعيل بن الفضل ، أخبرنا محمد بن حاتم بن بزيع ، أخبرنا جعفر بن عون ، عن مالك بن مغول ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي قال : لا أرى أحدا عقل الإسلام ينام حتى يقرأ خواتيم سورة البقرة ، فإنها كنز أعطيه نبيكم صلى الله عليه وسلم من تحت العرش .
ورواه وكيع عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمير بن عمرو الخارفي ، عن علي قال : ما أرى أحدا يعقل ، بلغه الإسلام ، ينام حتى يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة ، فإنها من كنز تحت العرش .
الحديث السابع : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا بندار ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن أشعث بن عبد الرحمن الجرمي عن أبي قلابة ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن النعمان بن بشير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام ، أنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ، ولا يقرأن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان " .
ثم قال : هذا حديث غريب .
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من حديث حماد بن سلمة به ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .
الحديث الثامن : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن مدين ، أخبرنا الحسن بن الجهم ، أخبرنا إسماعيل بن عمرو ، أخبرنا ابن أبي مريم ، حدثني يوسف بن أبي الحجاج ، عن سعيد ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ آخر سورة البقرة وآية الكرسي ضحك ، وقال : " إنهما من كنز الرحمن تحت العرش " .
وإذا قرأ : ( من يعمل سوءا يجز به ) [ النساء : 123 ] ، ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى ) [ النجم : 3941 ] ، استرجع واستكان .
الحديث التاسع : قال ابن مردويه : حدثنا عبد الله بن محمد بن كوفي ، حدثنا أحمد بن يحيى بن حمزة ، حدثنا محمد بن بكر حدثنا مكي بن إبراهيم ، حدثنا عبد الله بن أبي حميد ، عن أبي مليح ، عن معقل بن يسار ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أعطيت فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة من تحت العرش ، والمفصل نافلة " .
الحديث العاشر : قد تقدم في فضائل الفاتحة ، من رواية عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده جبريل ; إذ سمع نقيضا فوقه ، فرفع جبريل بصره إلى السماء ، فقال : هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط .
قال : فنزل منه ملك ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أبشر بنورين قد أوتيتهما ، لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفا منهما إلا أوتيته ، رواه مسلم والنسائي ، وهذا لفظه .
[ الحديث الحادي عشر : قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده : حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان ، حدثنا أيفع بن عبد الله الكلاعي قال : قال رجل : يا رسول الله ، أي آية في كتاب الله أعظم ؟
قال : " آية الكرسي : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) قال : فأي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك ؟
قال : " آخر سورة البقرة ، ولم يترك خيرا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه " ] .
فقوله تعالى : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) إخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك .
قال ابن جرير : حدثنا بشر ، حدثنا يزيد ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية : " ويحق له أن يؤمن " .
وقد روى الحاكم في مستدركه : حدثنا أبو النضر الفقيه : حدثنا معاذ بن نجدة القرشي ، حدثنا خلاد بن يحيى ، حدثنا أبو عقيل ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أنس بن مالك ، قال : لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ) قال النبي صلى الله عليه وسلم : " حق له أن يؤمن " .
ثم قال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
.
وقوله : ( والمؤمنون ) عطف على ) الرسول ) ثم أخبر عن الجميع فقال : ( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد أحد ، فرد صمد ، لا إله غيره ، ولا رب سواه .
ويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء ، لا يفرقون بين أحد منهم ، فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ، بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبل الخير ، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله ، حتى نسخ الجميع بشرع محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين ، الذي تقوم الساعة على شريعته ، ولا تزال طائفة من أمته على الحق ظاهرين .
وقوله : ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) أي : سمعنا قولك يا ربنا ، وفهمناه ، وقمنا به ، وامتثلنا العمل بمقتضاه ، ( غفرانك ربنا ) سؤال للغفر والرحمة واللطف .
قال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن حرب الموصلي ، حدثنا ابن فضيل ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قول الله : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ) إلى قوله : ( غفرانك ربنا ) قال : قد غفرت لكم ، ( وإليك المصير ) أي : إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب .
قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن بيان ، عن حكيم عن جابر قال : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) قال جبريل : إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك ، فسل تعطه .
فسأل : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) إلى آخر الآية .
القول في تأويل قوله تعالى : آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: صدق الرسول = يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقر =" بما أنـزل إليه "، يعني: بما أوحي إليه من ربه من الكتاب، وما فيه من حلال وحرام، ووعد وعيد، وأمر ونهي، وغير ذلك من سائر ما فيه من المعاني التي حواها.
* * * وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية عليه قال: يحق له.
6499 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: "آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه "، ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لما نـزلت هذه الآية قال: ويحق له أن يؤمن.
(52) * * * وقد قيل: إنها نـزلت بعد قوله: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لأن المؤمنين برسول الله من أصحابه شق عليهم ما توعدهم الله به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعلكم تقولون: " سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " كما قالت بنو إسرائيل!
فقالوا: &; 6-125 &; بل نقول: " سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا "!
فأنـزل الله لذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وقول أصحابه: "آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله "، يقول: وصدق المؤمنون أيضا مع نبيهم بالله وملائكته وكتبه ورسله، الآيتين.
وقد ذكرنا قائلي ذلك قبل.
(53) * * * قال أبو جعفر: واختلفت القرأة في قراءة قوله: " وكتبه ".
فقرأ ذلك عامة قرأة المدينة وبعض قرأة أهل العراق (وكتبه) على وجه جمع " الكتاب "، على معنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وجميع كتبه التي أنـزلها على أنبيائه ورسله.
* * * وقرأ ذلك جماعة من قرأة أهل الكوفة: (وكتابه)، بمعنى: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وبالقرآن الذي أنـزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
* * * وقد روي عن ابن عباس أنه كان يقرأ ذلك: " وكتابه "، ويقول: الكتاب أكثر من الكتب.
وكأن ابن عباس يوجه تأويل ذلك إلى نحو قوله: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ [سورة العصر: 1-2]، بمعنى جنس " الناس " وجنس " الكتاب "، كما يقال: " ما أكثر درهم فلان وديناره "، ويراد به جنس الدراهم والدنانير.
(54) وذلك، وإن كان مذهبا من المذاهب معروفا، فإن الذي هو أعجب إلي من القراءة في ذلك أن يقرأ بلفظ الجمع.
لأن الذي قبله جمع، والذي بعده كذلك - أعني بذلك: " وملائكته وكتبه ورسله " - فإلحاق " الكتب " في الجمع لفظا به، أعجب إلي من توحيده وإخراجه في اللفظ به بلفظ الواحد، ليكون لاحقا في اللفظ والمعنى بلفظ ما قبله وما بعده، وبمعناه.
* * * &; 6-126 &; القول في تأويل قوله تعالى : لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ قال أبو جعفر: وأما قوله: " لا نفرق بين أحد من رسله "، فإنه أخبر جل ثناؤه بذلك عن المؤمنين أنهم يقولون ذلك.
ففي الكلام في قراءة من قرأ: " لا نفرق بين أحد من رسله " بالنون، متروك، قد استغني بدلالة ما ذكر عنه.
وذلك المتروك هو " يقولون ".
وتأويل الكلام: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله.
وترك ذكر " يقولون " لدلالة الكلام عليه، كما ترك ذكره في قوله: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ [سورة الرعد: 23-24]، بمعنى: يقولون: سلام.
* * * وقد قرأ ذلك جماعة من المتقدمين: ( لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) ب " الياء "، بمعنى: والمؤمنون كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا يفرق الكل منهم بين أحد من رسله، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، ولكنهم يصدقون بجميعهم، ويقرون أن ما جاءوا به كان من عند الله، وأنهم دعوا إلى الله وإلى طاعته، ويخالفون في فعلهم ذلك اليهود الذين أقروا بموسى وكذبوا عيسى، والنصارى الذين أقروا بموسى وعيسى وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وجحدوا نبوته، ومن أشبههم من الأمم الذين كذبوا بعض رسل الله، وأقروا ببعضه، كما:- 6500 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " لا نفرق بين أحد من رسله "، كما صنع القوم - يعني بني إسرائيل - قالوا: فلان نبي، وفلان ليس نبيا، وفلان نؤمن به، وفلان لا نؤمن به.
* * * قال أبو جعفر: والقراءة التي لا نستجيز غيرها في ذلك عندنا بالنون: &; 6-127 &; " لا نفرق بين أحد من رسله "، لأنها القراءة التي قامت حجتها بالنقل المستفيض، (55) الذي يمتنع معه التشاعر والتواطؤ والسهو والغلط= (56) بمعنى ما وصفنا من: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله= (57) ولا يعترض بشاذ من القراءة، على ما جاءت به الحجة نقلا ووراثة.
(58) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وقال الكل من المؤمنين: " سمعنا " قول ربنا وأمره إيانا بما أمرنا به، ونهيه عما نهانا عنه =" وأطعنا "، يعني: أطعنا ربنا فيما ألزمنا من فرائضه، واستعبدنا به من طاعته، وسلمنا له = وقوله: " غفرانك ربنا "، يعني: وقالوا: " غفرانك ربنا "، بمعنى: اغفر لنا ربنا غفرانك، كما يقال: " سبحانك "، بمعنى: نسبحك سبحانك.
* * * وقد بينا فيما مضى أن " الغفران " و " المغفرة "، الستر من الله على ذنوب من &; 6-128 &; غفر له، وصفحة له عن هتك ستره بها في الدنيا والآخرة، وعفوه عن العقوبة - عليه.
(59) * * * وأما قوله: " وإليك المصير "، فإنه يعني جل ثناؤه أنهم قالوا: وإليك يا ربنا مرجعنا ومعادنا، فاغفر لنا ذنوبنا.
(60) * * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما الذي نصب قوله: " غفرانك "؟
قيل له: وقوعه وهو مصدر موقع الأمر.
وكذلك تفعل العرب بالمصادر والأسماء إذا حلت محل الأمر، وأدت عن معنى الأمر نصبتها، فيقولون: " شكرا لله يا فلان "، و " حمدا له "، بمعنى: اشكر الله واحمده." والصلاة، الصلاة ".
بمعنى: صلوا.
ويقولون في الأسماء: " الله الله يا قوم "، ولو رفع بمعنى: هو الله، أو: هذا الله - ووجه إلى الخبر وفيه تأويل الأمر، كان جائزا، كما قال الشاعر: (61) إن قومــا منهــم عمــير وأشـبا ه عمـــير ومنهـــم الســـفاح (62) لجـــديرون بالوفـــاء إذا قــا ل أخـو النجـدة: السـلاح السلاح !
!
ولو كان قوله: " غفرانك ربنا " جاء رفعا في القراءة، لم يكن خطأ، بل كان صوابا على ما وصفنا.
(63) * * * وقد ذكر أن هذه الآية لما نـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء من &; 6-129 &; الله عليه وعلى أمته، قال له جبريل صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل قد أحسن عليك وعلى أمتك الثناء، فسل ربك.
6501 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان، عن حكيم بن جابر قال: لما أنـزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمن الرسول بما أنـزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير "، قال جبريل: إن الله عز وجل قد أحسن الثناء عليك، وعلى أمتك، فسل تعطه!
فسأل: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا إلى آخر السورة.
(64) -------------- الهوامش : (52) الأثر : 6499- أخرج الحاكم في المستدرك 2 : 287 من طريق خلاد بن يحيى ، عن أبي عقيل ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أنس قال : "لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم : "آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه" قال النبي صلى الله عليه وسلم : وأحق له أن يؤمن" .
ثم قال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" واستدرك عليه الذهبي فقال : "منقطع" .
(53) انظر ما سلف رقم : 6477 .
(54) انظر ما سلف 4 : 263 .
(55) في المطبوعة : "التي قامت حجة .
.
.
" ، وفي المخطوطة : "التي قامت حجته" ، وصواب قراءتها ما أثبت .
(56) في المطبوعة : "التشاغر" بغين معجمة ، وهو خطأ غث .
والصواب من المخطوطة .
و"تشاعروا الأمر ، أو على الأمر" ، أي تعالموه بينهم .
من قولهم : "شعر" أي"علم" .
وهي كلمة قلما تجدها في كتب اللغة ، ولكنها دائرة في كتب الطبري ومن في طبقته من القدماء .
وانظر الرسالة العثمانية للجاحظ : 3 ، وتعلق : 5 ، ثم ص : 263 ، وصواب شرحها ما قلت .
وانظر ما سيأتي ص : 155 ، تعليق 1 .
(57) في المطبوعة : "يعني ما وصفنا" ، والصواب من المخطوطة .
(58) في المطبوعة : "نقلا ورواية" ، وفي المخطوطة"نقلا وراثة" ، وهي الصواب ، وآثرت زيادة الواو قبلها ، فإني أرجح أنها كانت كذلك .
وقد أكثر الطبري استعمال"وراثة" و"موروثة" فيما سلف ، من ذلك فيما مضى في 4 : 33" .
.
.
بالحجة القاطعة العذر ، نقلا عن نبينا صلى الله عليه وسلم وراثة .
.
.
" / ثم في 5 : 238"لخلافها القراءة المستفيضة الموروثة .
.
.
" .
وانظر ما سيأتي ص : 155 ، تعليق : 1 .
(59) انظر ما سلف 2 : 109 ، 110 .
(60) انظر ما سلف في تفسير"المصير" 3 : 56 .
(61) لم أعرف قائله .
(62) معاني القرآن للفراء 1 : 188 ، وشواهد العيني (بهامش الخزانة) 4 : 306 .
ولم أستطع تعييني"عمير" و"السفاح" ، فهما كثير .
(63) أكثر هذا من معاني القرآن للفراء 1 : 188 .
(64) الحديث : 6501- بيان : هو ابن بشر الأحمسي ، مضت ترجمته في : 259 .
"حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي" : تابعي كبير ثقة ، أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم .
روى عن أبيه ، وعمر ، وابن مسعود ، وطلحة ، وعبادة بن الصامت .
وروى عنه إسماعيل ابن أبي خالد ، و"بيان" .
ثقة .
مات في آخر إمارة الحجاج .
وقيل سنة 82 ، وقيل سنة 95 .
مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/12 .
وصرح بأنه سمع عمر .
فهذا الحديث مرسل .
وذكره السيوطي 1 : 376 ، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم .
ونقله ابن كثير 2 : 89 ، عن هذا الموضع من الطبري .
ولكن وقع فيه تحريف في الإسناد ، من ناسخ أو طابع - هكذا : "عن سنان ، عن حكيم ، عن جابر"؛ فصار الإسناد موهما أنه حديث متصل من رواية جابر بن عبد الله الصحابي .
فيصحح من هذا الموضع .
قوله : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير[ ص: 386 ] فيه مسائل : الأولى : قوله تعالى : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه روي عن الحسن ومجاهد والضحاك : أن هذه الآية كانت في قصة المعراج ، وهكذا روي في بعض الروايات عن ابن عباس ، وقال بعضهم : جميع القرآن نزل به جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم إلا هذه الآية فإن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سمع ليلة المعراج .
وقال بعضهم : لم يكن ذلك في قصة المعراج ؛ لأن ليلة المعراج كانت بمكة وهذه السورة كلها مدنية ، فأما من قال إنها كانت ليلة المعراج قال : لما صعد النبي صلى الله عليه وسلم وبلغ في السماوات في مكان مرتفع ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى فقال له جبريل : إني لم أجاوز هذا الموضع ولم يؤمر بالمجاوزة أحد هذا الموضع غيرك فجاوز النبي صلى الله عليه وسلم حتى بلغ الموضع الذي شاء الله ، فأشار إليه جبريل بأن سلم على ربك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : التحيات لله والصلوات والطيبات .
قال الله تعالى : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لأمته حظ في السلام فقال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقال جبريل وأهل السماوات كلهم : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
قال الله تعالى : آمن الرسول على معنى الشكر أي صدق الرسول بما أنزل إليه من ربه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشارك أمته في الكرامة والفضيلة فقال : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله يعني يقولون آمنا بجميع الرسل ولا نكفر بأحد منهم ولا نفرق بينهم كما فرقت اليهود والنصارى ، فقال له ربه كيف قبولهم بآي الذي أنزلتها ؟
وهو قوله : إن تبدوا ما في أنفسكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( قالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير يعني المرجع .
فقال الله تعالى عند ذلك : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها يعني طاقتها ويقال : إلا دون طاقتها .
لها ما كسبت من الخير وعليها ما اكتسبت من الشر ، فقال جبريل عند ذلك : سل تعطه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا يعني إن جهلنا أو أخطأنا يعني إن تعمدنا ، ويقال : إن عملنا بالنسيان ، والخطأ .
فقال له جبريل : قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان .
فسل شيئا آخر فقال : ربنا ولا تحمل علينا إصرا يعني ثقلا كما حملته على الذين من قبلنا وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم ، وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوبا على بابهم ، [ ص: 387 ] وكانت الصلوات عليهم خمسين ، فخفف الله عن هذه الأمة وحط عنهم بعدما فرض خمسين صلاة .
ثم قال : ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به يقول : لا تثقلنا من العمل ما لا نطيق فتعذبنا .
ويقال : ما تشق علينا ؛ لأنهم لو أمروا بخمسين صلاة لكانوا يطيقون ذلك ولكنه يشق عليهم ولا يطيقون الإدامة عليه واعف عنا من ذلك كله واغفر لنا وتجاوز عنا ، ويقال : واعف عنا من المسخ واغفر لنا من الخسف وارحمنا من القذف ؛ لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ وبعضهم أصابهم الخسف وبعضهم القذف ثم قال : أنت مولانا يعني : ولينا وحافظنا فانصرنا على القوم الكافرين فاستجيبت دعوته .
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : نصرت بالرعب مسيرة شهر ويقال إن الغزاة : إذا خرجوا من ديارهم بالنية الخالصة وضربوا بالطبل وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر في شهر ، علموا بخروجهم أو لم يعلموا ، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع أوحى الله هذه الآيات ، ليعلم أمته بذلك .
ولهذه الآية تفسير آخر ، قال الزجاج : لما ذكر الله تعالى في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة وبين أحكام الحج وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء وبين حكم الربا ، ذكر تعظيمه سبحانه بقوله سبحانه وتعالى : لله ما في السماوات وما في الأرض ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر تصديق المؤمنين بجميع ذلك فقال : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه أي صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله .وقيل سبب نزولها الآية التي قبلها وهي : لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير فإنه لما أنزل هذا على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزل الله عليكم هذه الآية ولا نطيقها .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فقالوا : سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها : [ ص: 388 ] آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .
فلما فعلوا ذلك نسخها الله ، فأنزل الله عز وجل : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال : " نعم " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال : ( نعم ) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به قال : ( نعم ) واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال : ( نعم ) .
أخرجه مسلم عن أبي هريرة .قال علماؤنا : قوله في الرواية الأولى ( قد فعلت ) وهنا قال : ( نعم ) دليل على نقل الحديث بالمعنى ، وقد تقدم .
ولما تقرر الأمر على أن قالوا : سمعنا وأطعنا ، مدحهم الله وأثنى عليهم في هذه الآية ، ورفع المشقة في أمر الخواطر عنهم ، وهذه ثمرة الطاعة والانقطاع إلى الله تعالى ، كما جرى لبني إسرائيل ضد ذلك من ذمهم وتحميلهم المشقات من الذلة والمسكنة والانجلاء إذ قالوا : سمعنا وعصينا ، وهذه ثمرة العصيان والتمرد على الله تعالى ، أعاذنا الله من نقمه بمنه وكرمه .
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له : إن بيت ثابت بن قيس بن شماس يزهر كل ليلة بمصابيح ؟
قال : ( فلعله يقرأ سورة البقرة ) فسئل ثابت قال : قرأت من سورة البقرة " آمن الرسول " نزلت حين شق على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما توعدهم الله تعالى به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم ، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( فلعلكم تقولون سمعنا وعصينا كما قالت بنو إسرائيل ) قالوا : بل سمعنا وأطعنا ، فأنزل الله تعالى ثناء عليهم : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه فقال صلى الله عليه وسلم : ( وحق لهم أن يؤمنوا ) .الثانية : قوله تعالى : " آمن " : أي صدق ، وقد تقدم .
والذي أنزل هو القرآن .
وقرأ ابن مسعود " وآمن المؤمنون كل آمن بالله " على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن " آمنوا " على المعنى .
وقرأ نافع وابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر ( وكتبه ) على الجمع .
وقرءوا في " التحريم " " كتابه " على التوحيد .
وقرأ أبو عمرو هنا وفي " التحريم " و " كتبه " على الجمع .
وقرأ حمزة والكسائي " وكتابه " على التوحيد فيهما .
فمن جمع أراد جمع كتاب ، ومن أفرد أراد المصدر الذي يجمع كل مكتوب كان نزوله من عند الله .
ويجوز في قراءة من وحد أن يراد به الجمع ، يكون الكتاب اسما للجنس فتستوي القراءتان ، قال الله تعالى : فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب قرأت الجماعة ( ورسله ) بضم السين ، وكذلك [ ص: 389 ] " رسلنا ورسلكم ورسلك " إلا أبا عمرو فروي عنه تخفيف " رسلنا ورسلكم " ، وروي عنه في " رسلك " التثقيل والتخفيف .
قال أبو علي : من قرأ " رسلك " بالتثقيل فذلك أصل الكلمة ، ومن خفف فكما يخفف في الآحاد مثل : عنق وطنب .
وإذا خفف في الآحاد فذلك أحرى في الجمع الذي هو أثقل ، وقال معناه مكي .
وقرأ جمهور الناس ( لا نفرق ) بالنون ، والمعنى يقولون لا نفرق ، فحذف القول ، وحذف القول كثير ، قال الله تعالى : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم ؛ أي يقولون سلام عليكم .
وقال : ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا ؛ أي يقولون : ربنا ، وما كان مثله .
وقرأ سعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويعقوب " لا يفرق " بالياء ، وهذا على لفظ ( كل ) .
قال هارون : وهي في حرف ابن مسعود " لا يفرقون " .
وقال ( بين أحد ) على الإفراد ولم يقل آحاد ؛ لأن الأحد يتناول الواحد والجميع ، كما قال تعالى : فما منكم من أحد عنه حاجزين ف " حاجزين " صفة لأحد ؛ لأن معناه الجمع .
وقال صلى الله عليه وسلم : ما أحلت الغنائم لأحد سود الرءوس غيركم وقال رؤبة :إذا أمور الناس دينت دينكا لا يرهبون أحدا من دونكاومعنى هذه الآية : أن المؤمنين ليسوا كاليهود والنصارى في أنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض .الثالثة : قوله تعالى : وقالوا سمعنا وأطعنا فيه حذف ، أي سمعنا سماع قابلين .
وقيل : سمع بمعنى قبل ، كما يقال : سمع الله لمن حمده فلا يكون فيه حذف .
وعلى الجملة فهذا القول يقتضي المدح لقائله .
والطاعة قبول الأمر .
وقوله : ( غفرانك ) مصدر كالكفران والخسران ، والعامل فيه فعل مقدر ، تقديره : اغفر غفرانك ، قاله الزجاج .
وغيره : نطلب أو أسأل غفرانك .( وإليك المصير ) إقرار بالبعث والوقوف بين يدي الله تعالى .
وروي أن [ ص: 390 ] النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية قال له جبريل : ( إن الله قد أحل الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه ) فسأل إلى آخر السورة .
ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أن من قرأ هاتين الآيتين في ليلته كفتاه، أي: من جميع الشرور، وذلك لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة، فإن الله أمر في أول هذه السورة الناس بالإيمان، بجميع أصوله في قوله: قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية، وأخبر في هذه الآية، أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المؤمنين، آمنوا بهذه الأصول العظيمة وبجميع الرسل وجميع الكتب، ولم يصنعوا صنيع من آمن ببعض وكفر ببعض، كحالة المنحرفين من أهل الأديان المنحرفة.
وفي قرن المؤمنين بالرسول -صلى الله عليه وسلم- والإخبار عنهم جميعا بخبر واحد شرف عظيم للمؤمنين.
وفيه أنه -صلى الله عليه وسلم- مشارك للأمة في توجه الخطاب الشرعي له وقيامه التام به، وأنه فاق المؤمنين، بل فاق جميع المرسلين في القيام بالإيمان وحقوقه.
وقوله: وقالوا سمعنا وأطعنا هذا التزام من المؤمنين، عام لجميع ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكتاب والسنة، وأنهم سمعوه سماع قبول وإذعان وانقياد، ومضمون ذلك تضرعهم إلى الله في طلب الإعانة على القيام به وأن الله يغفر لهم ما قصروا فيه من الواجبات، وما ارتكبوه من المحرمات، وكذلك تضرعوا إلى الله في هذه الأدعية النافعة، والله تعالى قد أجاب دعاءهم على لسان نبيه -صلى الله عليه وسلم- فقال: "قد فعلت".
فهذه الدعوات مقبولة من مجموع المؤمنين قطعا، ومن أفرادهم، إذا لم يمنع من ذلك مانع في الأفراد، وذلك أن الله رفع عنهم المؤاخذة في الخطأ والنسيان، وأن الله سهل عليهم شرعه غاية التسهيل، ولم يحملهم من المشاق والآصار والأغلال، ما حمله على من قبلهم، ولم يحملهم فوق طاقتهم، وقد غفر لهم ورحمهم، ونصرهم على القوم الكافرين.
فنسأل الله تعالى، بأسمائه وصفاته، وبما من به علينا من التزام دينه، أن يحقق لنا ذلك، وأن ينجز لنا ما وعدنا على لسان نبيه، وأن يصلح أحوال المؤمنين.
ويؤخذ من هنا قاعدة التيسير ونفي الحرج في أمور الدين كلها، وقاعدة العفو عن النسيان والخطأ، في العبادات وفي حقوق الله تعالى، وكذلك في حقوق الخلق من جهة رفع المأثم، وتوجه الذم، وأما وجوب ضمان المتلفات خطأ أو نسيانا في النفوس والأموال، فإنه مرتب على الإتلاف بغير حق، وذلك شامل لحالة الخطأ والنسيان والعمد.
تم تفسير سورة البقرة، ولله الحمد والثناء، وصلى الله على محمد وسلم.
قوله تعالى : ( آمن الرسول ) أي صدق ( بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ) يعني كل واحد منهم ولذلك وحد الفعل ( وملائكته وكتبه ورسله ) قرأ حمزة والكسائي : كتابه على الواحد يعني القرآن وقيل معناه الجمع وإن ذكر بلفظ التوحيد كقوله تعالى : " فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب " ( 213 - البقرة ) وقرأ الآخرون : وكتبه بالجمع كقوله تعالى : " وملائكته وكتبه ورسله " ( 136 - النساء ( لا نفرق بين أحد من رسله ) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى وفيه إضمار تقديره يقولون : لا نفرق وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء فيكون خبرا عن الرسول أو معناه لا يفرق الكل وإنما قال " بين أحد " ولم يقل بين آحاد لأن الأحد يكون للواحد والجمع قال الله تعالى : " فما منكم من أحد عنه حاجزين " ( 47 - الحاقة ( وقالوا سمعنا ) قولك ( وأطعنا ) أمرك .
روي عن حكيم عن جابر رضي الله عنهما أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم حين نزلت هذه الآية : إن الله قد أثنى عليك وعلى أمتك فسل تعطه فسأل بتلقين الله تعالى فقال ( غفرانك ) وهو نصب على المصدر أي اغفر غفرانك أو نسألك غفرانك ( ربنا وإليك المصير لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) ظاهر الآية قضاء الحاجة وفيها إضمار السؤال كأنه قال : وقالوا لا تكلفنا إلا وسعنا وأجاب أي لا يكلف الله نفسا إلا وسعها أي طاقتها والوسع : اسم لما يسع الإنسان ولا يضيق عليه واختلفوا في تأويله فذهب ابن عباس رضي الله عنه وعطاء وأكثر المفسرين إلى أنه أراد به حديث النفس الذي ذكر في قوله تعالى ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) كما ذكرنا وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : هم المؤمنون خاصة وسع عليهم أمر دينهم ولم يكلفهم فيه إلا ما يستطيعون كما قال الله تعالى : " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " ( 185 - البقرة ) وقال الله تعالى : " وما جعل عليكم في الدين من حرج " ( 78 - الحج )
«آمن» صدق «الرسول» محمد صلى الله عليه وسلم «بما أنزل إليه من ربه» من القرآن «والمؤمنون» عطف عليه «كل» تنوين عوض من المضاف إليه «آمن بالله وملائكته وكتبه» بالجمع والإفراد «ورسله» يقولون «لا نفرق بين أحد من رسله» فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى «وقالوا سمعنا» أي ما أمرنا به سماع قبول «وأطعنا» نسألك «غفرانك ربنا وإليك المصير» المرجع بالبعث، ولما نزلت الآية التي قبلها شكا المؤمنون من الوسوسة وشق عليهم المحاسبة بها فنزل.
صدَّق وأيقن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بما أوحي إليه من ربه وحُقَّ له أن يُوقن، والمؤمنون كذلك صدقوا وعملوا بالقرآن العظيم، كل منهم صدَّق بالله رباً وإلهًا متصفًا بصفات الجلال والكمال، وأن لله ملائكة كرامًا، وأنه أنزل كتبًا، وأرسل إلى خلقه رسلا لا نؤمن -نحن المؤمنين- ببعضهم وننكر بعضهم، بل نؤمن بهم جميعًا.
وقال الرسول والمؤمنون: سمعنا يا ربنا ما أوحيت به، وأطعنا في كل ذلك، نرجو أن تغفر -بفضلك- ذنوبنا، فأنت الذي ربَّيتنا بما أنعمت به علينا، وإليك -وحدك- مرجعنا ومصيرنا.
قوله : ( آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون ) استئناف قصد به الإِخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما يشرفهم ويعلى من أقدارهم ومنازلهم .أي : صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بما أنزل إليه من ربه في هذه السورة وغيرها من العقائد والأحكام والسنن والبينات والهدايات تصديق إذعان وإقرار وإطمئنان ، وكذلك المؤمنون الذين صدقوه واتبعوه آمنوا بما آمن به رسولهم وداعيهم إلى الحق صلى الله عليه وسلم .وقد قرن - سبحانه - إيمان المؤمنين بإيمان رسولهم صلى الله عليه وسلم تشريفاً لهم وللإِشارة إلى أنهم متى صدقوا في إيمانهم كانت منزلتهم عند الله - تعالى - قريبة من منازل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - .وفي تأخيرهم في الذكر إشارة إلى تأخر التابع عن المتبوع ، وإشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من آمن بما أوحى إليه من ربه ، وهو أقوى الناس إيماناً ، وأصدقهم يقينا .
وأكثرهم استجابة لأوامر الله .وقوله : ( كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ) بيان للإِيمان الكامل الذي اعتقدوه وصدقوا به .أي : كل فريق من هذين الفريقين وهما الرسول والمؤمنون آمن إيماناً تاماً بوجود الله - تعالى - ووحدانيته ، وكمال صفاته ، ووجوب الخضوع والعبادة له ، وبوجود الملاكئة وأنهم عباد مكرمون ( لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) كما آمنوا بكتب الله التي أنزلها لسعادة البشر ، وبرسله الذين أرسلهم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور .ثم بين - سبحانه - أن من صفات هؤلاء الأخيار أنهم لا يفرقون بين رسل الله - تعالى - فقال : ( لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ) أي يقولون لا نفرق في الإِيمان بين رسل الله - تعالى - وإنما نؤمن بهم جميعاً ، ونصدق برسالة كل رسول أرسله الله - تعالى - ولا نقول كما قال الضالون ( نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ) ثم حكى - سبحانه - ما قالوه مما يدل على صدق إيمانهم ، ونقاء نفوسهم وطهارة قلوبهم فقالوا : ( وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ) أي : وقالوا سمعنا قولك وفهمناه ، وامتثلنا أمرك - يا الهنا - واستقمنا عليه ، وصبرنا على تكاليفه بكل رضا واستسلام .
( غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ) أي اغفر لنا غفرانك الذي هو من فضل رحمتك ونعمك فأنت ربنا وخالقنا والعليم بأحوالنا وبضعفنا .فقوله : ( غُفْرَانَكَ ) مصدر منصوب على المفعول المطلق والعامل فيه مقدر أي : اغفر غفرانك .
وقوله : ( وَإِلَيْكَ المصير ) أي : وإليك وحدك المرجع والمآب ، ومنك وحدك يكون الحساب والثواب والعقاب ، ( يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ .
إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) وبذلك نرى أن هذه الآية الكريمة قد مدحت الرسول صلى الله عليه وسلم مدحاً عظيماً ، ومدحت أتباعه المؤمنين الصادقين لاستجابتهم لأوامر الله ونواهيه ، وتضرعهم إليه بخالص الدعاء أن يغفر لهم ما فرط منهم .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه: الأول: وهو أنه تعالى لما بيّن في الآية المتقدمة كمال الملك، وكمال العلم، وكمال القدرة لله تعالى، وذلك يوجب كمال صفات الربوبية أتبع ذلك بأن بين كون المؤمنين في نهاية الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى، وذلك هو كمال العبودية وإذا ظهر لنا كمال الربوبية، وقد ظهر منا كمال العبودية، فالمرجو من عميم فضله وإحسانه أن يظهر يوم القيامة في حقنا كمال العناية والرحمة والإحسان اللّهم حقق هذا الأمل.
الوجه الثاني في النظم: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ بين أنه لا يخفى عليه من سرنا وجهرنا وباطننا وظاهرنا شيء ألبتة، ثم إنه تعالى ذكر عقيب ذلك ما يجري مجرى المدح لنا والثناء علينا، فقال: ﴿ آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون ﴾ كأنه بفضله يقول عبدي أنا وإن كنت أعلم جميع أحوالك، فلا أظهر من أحوالك، ولا أذكر منها إلا ما يكون مدحاً لك وثناء عليك، حتى تعلم أني كما أنا الكامل في الملك والعلم والقدرة، فأنا الكامل في الجود والرحمة، وفي إظهار الحسنات، وفي الستر على السيئات.
الوجه الثالث: أنه بدأ في السورة بمدح المتقين الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، وبيّن في آخر السورة أن الذين مدحهم في أول السورة هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ وهذا هو المراد بقوله في أول السورة ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ .
ثم قال هاهنا ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ وهو المراد بقوله في أول السورة ﴿ وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ .
ثم قال هاهنا ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ وهو المراد بقوله في أول السورة ﴿ وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ ثم حكى عنهم هاهنا كيفية تضرعهم إلى ربهم في قولهم: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ إلى آخر السورة وهو المراد بقوله في أول السورة: ﴿ أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون ﴾ فانظر كيف حصلت الموافقة بين أول السورة وآخرها.
والوجه الرابع: وهو أن الرسول إذا جاءه الملك من عند الله، وقال له: إن الله بعثك رسولاً إلى الخلق، فهاهنا الرسول لا يمكنه أن يعرف صدق ذلك الملك إلا بمعجزة يظهرها الله تعالى على صدق ذلك الملك في دعواه ولولا ذلك المعجز لجوز الرسول أن يكون ذلك المخبر شيطاناً ضالاً مضلاً، وذلك الملك أيضاً إذا سمع كلام الله تعالى افتقر إلى معجز يدل على أن المسموع هو كلام الله تعالى لا غير، وهذه المراتب معتبرة أولها: قيام المعجز على أن المسموع كلام الله لا غيره، فيعرف الملك بواسطة ذلك المعجز أنه سمع كلام الله تعالى.
وثانيها: قيام المعجزة عند النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك الملك صادق في دعواه، وأنه ملك بعثه الله تعالى وليس بشيطان.
وثالثها: أن تقوم المعجزة على يد الرسول عند الأمة حتى تستدل الأمة بها على أن الرسول صادق في دعواه فإذن لما لم يعرف الرسول كونه رسولاً من عند الله لا تتمكن الأمة من أن يعرفوا ذلك، فلما ذكر الله تعالى في هذه السورة أنواع الشرائع وأقسام الأحكام، قال: ﴿ آمن الرسول ﴾ فبيّن أن الرسول عرف أن ذلك وحي من الله تعالى وصف إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله تعالى معصوم من التحريف، وليس بشيطان مضل، ثم ذكر إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، وهو المرتبة المتقدمة، وذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك وهو المرتبة المتأخرة، فقال: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله ﴾ ومن تأمل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه، فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته ولعلّ الذين قالوا: إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك إلا أني رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير متنبهين لهذه الأمور، وليس الأمر في هذا الباب كما قيل: والنجم تستصغر الأبصار رؤيته *** والذنب للطرف لا للنجم في الصغر ونسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، ويعلمنا ما ينفعنا به بفضله ورحمته.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ ﴾ فالمعنى أنه عرف بالدلائل القاهرة والمعجزات الباهرة أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام نزل من عند الله تعالى، وليس ذلك من باب إلقاء الشياطين، ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة، وإنما عرف الرسول لأنه صلى الله عليه وسلم ذلك بما ظهر من المعجزات القاهرة على يد جبريل عليه السلام.
فأما قوله: ﴿ والمؤمنون ﴾ ففيه احتمالان أحدهما: أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ والمؤمنون ﴾ فيكون المعنى: آمن الرسول والمؤمنون بما أنزل إليه من ربه، ثم ابتدأ بعد ذلك بقوله: ﴿ كُلٌّ ءامَنَ بالله ﴾ والمعنى: كل واحد من المذكورين فيما تقدم، وهم الرسول والمؤمنون آمن بالله.
الاحتمال الثاني: أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ ﴾ ثم يبتدئ من قوله: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله ﴾ ويكون المعنى أن الرسول آمن بكل ما أنزل إليه من ربه، وأما المؤمنون فإنهم آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، فالوجه الأول يشعر بأنه عليه الصلاة والسلام ما كان مؤمناً بربه، ثم صار مؤمناً به، ويحتمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال، وعلى الوجه الثاني يشعر اللفظ بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي أنزلت عليه، كما قال: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ وأما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال، فقد كان حاصلاً منذ خلقه الله من أول الأمر، وكيف يستبعد ذلك مع أن عيسى عليه السلام حين انفصل عن أمه قال: إني عبد الله آتاني الكتاب، فإذا لم يبعد أن عيسى عليه السلام رسولاً من عند الله حين كان طفلاً، فكيف يستبعد أن يقال: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان عارفاً بربه من أول ما خلق كامل العقل.
المسألة الثالثة: دلّت الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، وإنما خص الرسول بذلك، لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون كلاماً متلواً يسمه الغير ويعرفه ويمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه، فيكون هو صلى الله عليه وسلم مختصاً بالإيمان به، ولا يتمكن غيره من الإيمان به، فلهذا السبب كان الرسول مختصاً في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره.
ثم قال الله تعالى: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية دلّت على أن معرفة هذه المراتب الأربعة من ضرورات الإيمان.
فالمرتبة الأولى: هي الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وذلك لأنه ما لم يثبت أن للعالم صانعاً قادراً على جميع المقدورات، عالماً بجميع المعلومات، غنياً عن كل الحاجات، لا يمكن معرفة صدق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكانت معرفة الله تعالى هي الأصل، فلذلك قدم الله تعالى هذه المرتبة في الذكر.
والمرتبة الثانية: أنه سبحانه وتعالى إنما يوحي إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بواسطة الملائكة، فقال: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ وقال: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾ وقال: ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ ﴾ وقال: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ ﴾ وقال: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى ﴾ فإذا ثبت أن وحي الله تعالى إنما يصل إلى البشر بواسطة الملائكة فالملائكة يكونون كالواسطة بين الله تعالى وبين البشر، فلهذا السبب جعل ذكر الملائكة في المرتبة الثانية، ولهذا السر قال أيضاً: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَائِمَاً بالقسط ﴾ .
والمرتبة الثالثة: الكتب، وهو الوحي الذي يتلقفه الملك من الله تعالى ويوصله إلى البشر وذلك في ضرب المثال يجري مجرى استنارة سطح القمر من نور الشمس فذات الملك كالقمر وذات الوحي كاستنارة القمر فكما أن ذات القمر مقدمة في الرتبة على استنارته فكذلك ذات الملك متقدم على حصول ذلك الوحي المعبر عنه بهذه الكتب، فلهذا السبب كانت الكتب متأخرة في الرتبة عن الملائكة، فلا جرم أخر الله تعالى ذكر الكتب عن ذكر الملائكة.
والمرتبة الرابعة: الرسل، وهم الذين يقتبسون أنوار الوحي من الملائكة، فيكونون متأخرين في الدرجة عن الكتب فلهذا السبب جعل الله تعالى ذكر الرسل في المرتبة الرابعة، واعلم أن ترتيب هذه المراتب الأربعة على هذا الوجه أسرار غامضة، وحكماً عظيمة لا يحسن إيداعها في الكتب والقدر الذي ذكرناه كاف في التشريف.
المسألة الثانية: المراد بالإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده، وبصفاته، وبأفعاله، وبأحكامه، وبأسمائه.
أما الإيمان بوجوده، فهو أن يعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله تعالى لأنه لا يثبت ما وراء المتحيزات شيئاً آخر فيكون اختلافه معنا في إثبات ذات الله تعالى أما الفلاسفة والمعتزلة فإنهم مقرون بإثبات موجود سوى المتحيزات موجد لها، فيكون الخلاف معهم لا في الذات بل في الصفات.
وأما الإيمان بصفاته، فالصفات إما سلبية، وإما ثبوتية.
فأما السلبية: فهي أن يعلم أنه فرد منزّه عن جميع جهات التركيب، فإن كل مركب مفتقر إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه غيره، فهو مركب، فهو مفتقر إلى غيره ممكن لذاته، فإذن كل مركب فهو ممكن لذاته، وكل ما ليس ممكناً لذاته، بل كان واجباً لذاته امتنع أن يكون مركباً بوجه من الوجوه، بل كان فرداً مطلقاً، وإذا كان فرداً في ذاته لزم أن لا يكون متحيزاً، ولا جسماً، ولا جوهراً، ولا في مكان، ولا حالاً، ولا في محل، ولا متغيراً، ولا محتاجاً بوجه من الوجوه ألبتة.
وأما الصفات الثبوتية: فبأن يعلم أن الموجب لذاته نسبته إلى بعض الممكنات كنسبته إلى البواقي، فلما رأينا أن هذه المخلوقات وقعت على وجه يمكن وقوعها على خلاف تلك الأحوال، علمنا أن المؤثر فيها قادر مختار لا موجب بالذات، ثم يستدل بما في أفعاله من الإحكام والإتقان على كمال علمه، فحينئذ يعرفه قادراً عالماً حياً سميعاً بصيراً موصوفاً منعوتاً بالجلال وصفات الكمال، وقد استقصينا ذلك في تفسير قوله: ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحى القيوم ﴾ .
وأما الإيمان بأفعاله، فبأن تعلم أن كل ما سواه فهو ممكن محدث، وتعلم ببديهة عقلك أن الممكن المحدث لا يوجد بذاته، بل لابد له من موجد يوجده وهو القديم، وهذا الدليل يحملك على أن تجزم بأن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وإيجاده وتكوينه إلا أنه وقع في البين عقدة وهي الحوادث التي هي الأفعال الاختيارية للحيوانات، فالحكم الأول وهو أنها ممكنة محدثة فلابد من إسنادها إلى واجب الوجود مطرد فيها.
فإن قلت: إني أجد من نفسي أني إن شئت أن أتحرك تحركت، وإن شئت أن لا أتحرك لم أتحرك فكانت حركاتي وسكناتي بي لا بغيري.
فنقول: قد علقت حركتك بمشيئتك لحركتك، وسكونك بمشيئتك لسكونك، فقبل حصول مشيئة الحركة لا تتحرك وقبل حصول مشيئة السكون لا تسكن، وعند حصول مشيئة الحركة لابد وأن تتحرك.
إذا ثبت هذا فنقول: هذه المشيئة كيف حدثت فإن حدوثها إما أن يكون لا بمحدث أصلاً أو يكون بمحدث، ثم ذلك المحدث إما أن يكون هو العبد أو الله تعالى، فإن حدثت لا بمحدث فقد لزم نفي الصانع، وإن كان محدثها هو العبد افتقر في إحداثها إلى مشيئة أخرى ولزم التسلسل، فثبت أن محدثها هو الله سبحانه وتعالى.
إذا ثبت هذا فنقول: لا اختيار للإنسان في حدوث تلك المشيئة، وبعد حدوثها فلا اختيار له في ترتب الفعل عليها إلا بالمشيئة به، ولا حصول الفعل بعد المشيئة، فالإنسان مضطر في صورة مختار، فهذا كلام قاهر قوي، وفي معارضته إشكالان أحدهما: كيف يليق بكمال حكمة الله تعالى إيجاد هذه القبائح والفواحش من الكفر والفسق والثاني: أنه لو كان الكل بتخليقه فكيف توجه الأمر والنهي، والمدح والذم، والثواب والعقاب على العبد، فهذا هو الحرف المعول عليه من جانب الخصم، إلا أنه وارد عليه أيضاً في العلم على ما قررناه في مواضع عدة.
وأما المرتبة الرابعة في الإيمان بالله: فهي معرفة أحكامه، ويجب أن يعلم في أحكامه أموراً أربعة أحدها: أنها غير معللة بعلة أصلاً، لأن كل ما كان معللاً بعلة كان صاحبه ناقصاً بذاته، كاملاً بغيره، وذلك على الحق سبحانه محال.
وثانيها: أن يعلم أن المقصود من شرعها منفعة عائدة إلى العبد لا إلى الحق، فإنه منزّه عن جلب المنافع، ودفع المضار.
وثالثها: أن يعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد.
ورابعها: أنه يعلم أنه لا يجب لأحد على الحق بسبب أعماله وأفعاله شيء، وأنه سبحانه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله، وأنه لا يقبح منه شيء، ولا يجب عليه شيء، لأن الكل ملكه وملكه، والمملوك المجازى لا حق له على المالك المجازي، فكيف المملوك الحقيقي مع المالك الحقيقي.
وأما الرتبة الخامسة في الإيمان بالله: فمعرفة أسمائه قال في الأعراف ﴿ وَللَّهِ الأسماء الحسنى ﴾ وقال في بني إسرائيل ﴿ أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى ﴾ وقال في طه ﴿ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى ﴾ وقال في آخر الحشر ﴿ لَهُ الاسماء الحسنى يُسَبّحُ لَهُ مَا فِي السموات والأرض ﴾ والأسماء الحسنى هي الأسماء الواردة في كتب الله المنزّلة على ألسنة أنبيائه المعصومين، وهذه الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله.
وأما الإيمان بالملائكة، فهو من أربعة أوجه أولها: الإيمان بوجودها، والبحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فهي أجسام لطيفة أو كثيفة، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية، أو هوائية، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية.
والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة: العلم بأنهم معصومون مطهرون ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ ﴾ فإن لذتهم بذكر الله، وأنسهم بعبادة الله، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته.
والمرتبة الثالثة: أنهم وسائط بين الله وبين البشر، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم، كما قال سبحانه: ﴿ وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفًّا فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجْرًا ﴾ وقال: ﴿ وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرْوًا فَٱلْحَٰمِلَٰتِ وِقْرًا ﴾ وقال: ﴿ وَٱلْمُرْسَلَٰتِ عُرْفًا فَٱلْعَٰصِفَٰتِ عَصْفًا ﴾ وقال: ﴿ وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرْقًا وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشْطًا ﴾ ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها.
والمرتبة الرابعة: أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ فهذه المراتب لابد منها في حصول الإيمان بالملائكة، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم.
وأما الإيمان بالكتب: فلابد فيه من أمور أربعة أولها: أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله، وأنها ليست من باب الكهانة، ولا من باب السحر، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة.
وثانيها: أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين، فالله تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر، وعند هذا يعلم أن من قال: إن الشيطان ألقى قوله: تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي، فقد قال قولاً عظيماً، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن.
والمرتبة الثالثة: أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف، ودخل فيه فساد قول من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة.
والمرتبة الرابعة: أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، وأن محكمه يكشف عن متشابهه.
وأما الإيمان بالرسل: فلابد فيه من أمور أربعة: المرتبة الأولى: أن يعلم كونهم معصومين من الذنوب، وقد أحكمنا هذه المسألة في تفسير قوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ وجميع الآيات التي يتمسك بها المخالفون قد ذكرنا وجه تأويلاتها في هذا التفسير بعون الله سبحانه وتعالى.
والمرتبة الثانية: من مراتب الإيمان بهم: أن يعلم أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، ومن الصوفية من ينازع في هذا الباب.
المرتبة الثالثة: قال بعضهم: أنهم أفضل من الملائكة، وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم، وهم أفضل من الملائكة الأرضية، وقد ذكرنا هذه المسألة في تفسير قوله: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ ﴾ ولأرباب المكاشفات في هذه المسألة مباحثات غامضة.
المرتبة الرابعة: أن يعلم أن بعضهم أفضل من البعض، وقد بينا ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ومنهم من أنكر ذلك وتمسك بقوله تعالى له في هذه الآية ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ .
وأجاب العلماء عنه بأن المقصود من هذا الكلام شيء آخر، وهو أن الطريق إلى إثبات نبوّة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا كانوا حاضرين هو ظهور المعجزة على وفق دعاويهم، فإذا كان هذا هو الطريق، وجب في حق كل من ظهرت المعجزة على وفق دعواه أن يكون صادقاً، وإن لم يصح هذا الطريق وجب أن لا يدل في حق أحد منهم على صحة رسالته، فأما أن يدل على رسالة البعض دون البعض فقول فاسد متناقض، والغرض منه تزييف طريقة اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوّة موسى وعيسى، ويكذبون بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ لا ما ذكرتم من أنه لا يجوز أن يكون بعضهم أفضل من البعض فهذا هو الإشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
المسألة الثالثة: قرأ حمزة ﴿ وكتابه ﴾ على الواحد، والباقون ﴿ كتبه ﴾ على الجمع، أما الأول ففيه وجهان: أحدهما: أن المراد هو القرآن ثم الإيمان به ويتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل والثاني: على معنى الجنس فيوافق معنى الجمع، ونظيره قوله تعالى: ﴿ فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب بالحق ﴾ .
فإن قيل: اسم الجنس إنما يفيد العموم إذا كان مقروناً بالألف واللام، وهذه مضافة.
قلنا: قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة، قال الله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وقال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ ﴾ وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام قال العلماء: والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده من لفظ الجمع ولأن أكثر القراءة عليه، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله: ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ على ضم السين، وعن أبي عمرو سكونها، وعن نافع ﴿ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ مخففين، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على فعل بضم العين، وحجة أبي عمرو هي أن لا تتوالى أربع متحركات، لأنهم كرهوا ذلك، ولهذا لم تتوال هذه الحركات في شعر إلا أن يكون مزاحفاً، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه في الكلمة الواحدة أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد توالى فيه خمس متحركات، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة واحدة.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ فيه محذوف، والتقدير: يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله: ﴿ والملائكة بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ ﴾ معناه يقولون: أخرجوا وقال: ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله ﴾ أي قالوا هذا.
المسألة الخامسة: قرأ أبو عمرو ﴿ يُفْرَقُ ﴾ بالياء على أن الفعل لكل، وقرأ عبد الله ﴿ لا يَفْرَقُونَ ﴾ .
المسألة السادسة: أحد في معنى الجمع، كقوله: ﴿ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين ﴾ والتقدير: لا نفرق بين جميع رسله، هذا هو الذي قالوه، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد هاهنا في معنى الجمع، لأنه يصير التقدير: لا نفرق بين جميع رسله، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل، بل بين البعض وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل، بل معنى الآية: لا نفرق بين أحد من الرسل، وبين غيره في النبوّة، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام، والله أعلم.
ثم قال الله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: الكلام في نظم هذه الآية من وجوه: الأول: وهو أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، واستكمال القوة النظرية بالعلم، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ فالحكم كمال القوة النظرية ﴿ وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ كمال القوة العملية، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب.
إذا عرفت هذا فنقول: الأمر في هذه الآية أيضاً كذلك، فقوله: ﴿ كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون.
والوجه الثاني: من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياماً ثلاثة: الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ ﴾ وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة، لا جرم ذكرها في هذه الآية، وقوله: ﴿ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض ﴾ إشارة إلى كمال العلم، وقوله: ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ ﴾ إشارة إلى كمال القدرة، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به، فله أيضاً مرتبتان: البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب، وذلك هو المسمى بالتوكل، فذكر هذين المقامين، فقال: ﴿ فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ وأما علم المعاد فهو قوله: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ أي فيومك غداً سيصل فيه نتائج أعمالك إليك، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة، ونظيرها أيضاً قوله سبحانه وتعالى: ﴿ سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ وهو إشارة إلى علم المبدأ، ثم قال: ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ وهو إشارة إلى علم الوسط، ثم قال: ﴿ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ .
إذا عرفت هذا فنقول: تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة، فقوله: ﴿ آمنَ الرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ، وقوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ إشارة إلى علم الوسط، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالماً مشتغلاً بها، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا، وقوله: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ إشارة إلى علم المعاد، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم الأفلاك، وأنوار بهجة السموات.
الوجه الثالث في النظم: أن المطالب قسمان أحدهما: البحث عن حقائق الموجودات والثاني: البحث عن أحكام الأفعال في الوجوب والجواز والحظر، أما القسم الأول فمستفاد من العقل والثاني مستفاد من السمع والقسم الأول هو المراد بقوله: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله ﴾ والقسم الثاني هو المراد بقوله: ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .
المسألة الثانية: قال الواحدي رحمه الله قوله: ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ أي سمعنا قوله وأطعنا أمره، إلا أنه حذف المفعول، لأن في الكلام دليلاً عليه من حيث مدحوا به.
وأقول: هذا من الباب الذي ذكره عبد القاهر النحوي رحمه الله أن حذف المفعول فيه ظاهراً وتقديراً أولى لأنك إذا جعلت التقدير: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، فإذن هاهنا قول آخر غير قوله، وأمر آخر يطاع سوى أمره، فإذا لم يقدر فيه ذلك المفعول أفاد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله وليس في الوجود أمر يقال في مقابلته: أطعنا إلا أمره فكان حذف المفعول صورة ومعنى في هذا الموضع أولى.
المسألة الثالثة: اعلم أنه تعالى لما وصف إيمان هؤلاء المؤمنين وصفهم بعد ذلك بأنهم يقولون: سمعنا وأطعنا، فقوله: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ ليس المراد منه السماع الظاهر، لأن ذلك لا يفيد المدح، بل المراد أنا سمعناه بآذان عقولنا، أي عقلناه وعلمنا صحته، وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلينا فهو حق صحيح واجب القبول والسمع بمعنى القبول والفهم وارد في القرآن، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ والمعنى: لمن سمع الذكرى بفهم حاضر، وعكسه قوله تعالى: ﴿ كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ﴾ ثم قال بعد ذلك ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها فجمع الله تعالى بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكليف علماً وعملاً.
ثم حكي عنهم بعد ذلك أنهم قالوا: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: في هذه الآية سؤال، وهو أن القوم لما قبلوا التكاليف وعملوا بها، فأي حاجة بهم إلى طلبهم المغفرة.
والجواب من وجوه: الأول: أنهم وإن بذلوا مجهودهم في أداء هذه التكاليف إلا أنهم كانوا خائفين من تقصير يصدر عنهم، فلما جوزوا ذلك قالوا: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ ومعناه أنهم يلتمسون من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون.
والثاني: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة».
فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيراً، فكان يستغفر الله منه، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضاً غير مستبعد.
والثالث: أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلهيته جنايات، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل، ولذلك قال: ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية، وإن كان عالماً جداً إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله واستغفر لِذَنبِكَ ﴾ فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير، فكان يستغفر منها، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال: ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه.
ثم إنه قال: ﴿ دعواهم فِيهَا سبحانك اللهم وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ ﴾ يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ تقديره: اغفر غفرانك، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقياً ورعياً، قال الفرّاء: هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب، ومثله الصلاة الصلاة، والأسد الأسد، وهذا أولى من قول من قال: نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه، ونظيره قولك: حمداً حمداً، وشكراً شكراً، أي أحمد حمداً، وأشكر شكراً.
المسألة الثالثة: أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما: بالإضافة إليه، وهو قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ والثاني: أردفه بقوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾ وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها: أنت الكامل في هذه الصفة، فأنت غافر الذنب، وأنت غفور ﴿ وَرَبُّكَ الغفور ﴾ ﴿ وَهُوَ الغفور الودود ﴾ وأنت الغفار ﴿ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾ يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب، فهذه الغفارية كالحرفة له، فقوله هاهنا ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، فقوله: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ طلب لغفران كامل، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب بفضله ورحمته، ويبدلها بالحسنات، كما قال: ﴿ فأولئك يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ .
وثانيها: روي في الحديث الصحيح إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً واحداً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات، فيها يتراحمون، وادخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة فأظن أن المراد من قوله: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ هو ذلك الغفران الكبير، كان العبد يقول: هب أن جرمي كبير لكن غفرانك أعظم من جرمي.
وثالثها: كأن العبد يقول: كل صفة من صفات جلالك وإلهيتك، فإنما يظهر أثرها في محل معين، فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، فكذا لولا جرم العبد وجنايته، وعجزه وحاجته، لما ظهرت آثار غفرانك، فقوله: ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ معناه طلب الغفران الذي لا يمكن ظهور أثره إلا في حقي، وفي حق أمثالي من المجرمين.
وأما القيد الثاني: وهو قوله: ﴿ رَبَّنَا ﴾ ففيه فوائد أولها: ربيتني حين ما لم أذكرك بالتوحيد، فكيف يليق بكرمك أن لا تريني عندما أفنيت عمري في توحيدك.
وثانيها: ربيتني حين كنت معدوماً، ولو لم تربني في ذلك الوقت لما تضررت به، لأني كنت أبقى حينئذ في العدم، وأما الآن فلو لم تربني وقعت في الضرر الشديد، فأسألك أن لا تهملي.
وثالثها: ربيتني في الماضي فاجعل لي في الماضي شفيعي إليك في أن تربيني في المستقبل.
ورابعها: ربيتني في الماضي فإتمام المعروف خير من ابتدائه، فتمم هذه التربية بفضلك ورحمتك.
ثم قال الله تعالى: ﴿ وَإِلَيْكَ المصير ﴾ وفيه فائدتان إحداهما: بيان أنهم كما أقروا بالمبدأ فكذلك أقروا بالمعاد، لأن الإيمان بالمبدأ أصل الإيمان بالمعاد، فإن من أقر أن الله عالم بالجزئيات، وقادر على كل الممكنات، لابد وأن يقر بالمعاد والثانية: بيان أن العبد متى علم أنه لابد من المصير إليه، والذهاب إلى حيث لا حكم إلا حكم الله، ولا يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذن الله، كان إخلاصه في الطاعات أتم، واحترازه عن السيئات أكمل، وهاهنا آخر ما شرح الله تعالى من إيمان المؤمنين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ يعني من السوء يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمره ﴿ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ ﴾ ممن استوجب العقوبة بالإصرار.
ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان: الوساوس وحديث النفس، لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه تلاها فقال: لئن آخذنا الله بهذا لنهلكنّ، ثم بكى حتى سمع نشيجه فذكر لابن عباس فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن.
قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد فنزل ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله ﴾ وقرئ: ﴿ فيغفر ﴾ و ﴿ يعذب ﴾ ، مجزومين عطفاً على جواب الشرط، ومرفوعين على: فهو يغفر ويعذب.
فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟
قلت: يظهر الراء ويدغم الباء.
ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا.
وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرّتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم.
والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو.
وقرأ الأعمش: ﴿ يغفر ﴾ بغير فاء مجزوماً على البدل من يحاسبكم، كقوله: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ** تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأجَّجَا ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأنّ التفصيل أوضح من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأحب زيداً عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان.
﴿ والمؤمنون ﴾ إن عطف على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل راجعاً إلى الرسول والمؤمنين، أي كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين.
ووقف عليه.
وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين.
ووحد ضمير كل في آمن على معنى: كل واحد منهم آمن، وكان يجوز أن يجمع، كقوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين ﴾ [النمل: 87] .
وقرأ ابن عباس: ﴿ وكتابه ﴾ ، يريد القرآن أو الجنس وعنه الكتاب أكثر من الكتب.
فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟
قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء.
فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع ﴿ لاَنُفَرِّقُ ﴾ يقولون لا نفرق.
وعن أبي عمرو: ﴿ يفرق ﴾ بالياء، على أن الفعل لكل.
وقرأ عبد الله: ﴿ لا يفرقون ﴾ .
و ﴿ أَحَدٍ ﴾ في معنى الجمع، كقوله تعالى: ﴿ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين ﴾ [الحاقة: 47] ولذلك دخل عليه بين.
﴿ سَمِعْنَا ﴾ أجبنا ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ منصوب بإضمار فعله.
يقال: غفرانك لا كفرانك، أي نستغفرك ولا نكفرك وقرئ: ﴿ وكتبه ورسله ﴾ بالسكون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ ﴾ شَهادَةٌ وتَنْصِيصٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى صِحَّةِ إيمانِهِ والِاعْتِدادِ بِهِ، وإنَّهُ جازِمٌ في أمْرِهِ غَيْرُ شاكٍّ فِيهِ.
﴿ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ﴾ لا يَخْلُو مِن أنْ يُعْطَفَ المُؤْمِنُونَ عَلى الرَّسُولِ، فَيَكُونَ الضَّمِيرُ الَّذِي يَنُوبُ عَنْهُ التَّنْوِينُ راجِعًا إلى الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ يُجْعَلَ مُبْتَدَأُ فَيَكُونُ الضَّمِيرَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وبِاعْتِبارِهِ يَصِحُّ وُقُوعُ كُلٌّ بِخَبَرِهِ خَبَرَ المُبْتَدَأِ، ويَكُونُ إفْرادُ الرَّسُولِ بِالحُكْمِ إمّا لِتَعْظِيمِهِ أوْ لِأنَّ إيمانَهُ عَنْ مُشاهَدَةٍ وعِيانٍ، وإيمانَهم عَنْ نَظَرٍ واسْتِدْلالٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: « وكِتابِهِ» يَعْنِي القُرْآنَ أوِ الجِنْسَ.
والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمْعِ أنَّهُ شائِعٌ في وُحْدانِ الجِنْسِ والجَمْعِ في جُمُوعِهِ ولِذَلِكَ قِيلَ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ.
﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ أيْ يَقُولُونَ لا نُفَرِّقُ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ لا يُفَرَّقُ بِالياءِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِ ﴿ كُلٌّ ﴾ .
وقُرِئَ « لا يُفَرِّقُونَ» حَمْلًا عَلى مَعْناهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ واحِدٌ في مَعْنى الجَمْعِ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ ﴾ .
وَلِذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْنَ، والمُرادُ نَفْيُ الفَرْقِ بِالتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ وقالُوا ﴿ سَمِعْنا ﴾ أجَبْنا.
﴿ وَأطَعْنا ﴾ أمْرَكَ.
﴿ غُفْرانَكَ رَبَّنا ﴾ اغْفِرْ لَنا غُفْرانَكَ، أوْ نَطْلُبُ غُفْرانَكَ.
﴿ وَإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ المَرْجِعُ بَعْدَ المَوْتِ وهو إقْرارٌ مِنهم بِالبَعْثِ.
<div class="verse-tafsir"
{آمن الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ والمؤمنون} إن عطف المؤمنون على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في {كُلٌّ} راجعاً إلى الرسول والمؤمنون أى كلهم {آمن بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} ووقف عليه وإن كان مبتدأ كان عليه كل مبتدأ ثانياً والتقدير كل منهم وآمن خبر المبتدأ
الثاني والجملة خبر الأول وكان الضمير للمؤمنين ووحد ضمير كل من آمن على معنى كل واحد منهم آمن وكتابه حمزة وعلي يعني القرآن أو الجنس {لاَ نُفَرِّقُ} أي يقولون لا نفرق بل نؤمن بالكل {بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} أحد في بمعنى الجمع ولذا دخل عليه بين وهو لا يدخل إلا على اسم يدل على أكثر
البقرة (٢٨٥ _ ٢٨٦)
من واحد تقول المال بين القوم ولا تقول المال بين زيد {وَقَالُواْ سَمِعْنَا} أجبنا قولك {أطعنا} أمرك {غُفْرَانَكَ} أي اغفر لنا غفرانك فهو منصوب بفعل مضمر {رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير} المرجع وفيه إقرار بالبعث والجزاء والآية تدل على بطلان الاستثناء في الإيمان وعلى بقاء الإيمان لمرتكب الكبائر
﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ السُّورَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْنِ الواضِحَةِ البُرْهانِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والطَّلاقَ والحَيْضَ والإيلاءَ والجِهادَ، وقِصَصَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والدَّيْنَ والرِّبا، خَتَمَها بِهَذا تَعْظِيمًا لِنَبِيِّهِ وأتْباعِهِ، وتَأْكِيدًا وفَذْلَكَةً لِجَمِيعِ ذَلِكَ المَذْكُورِ مِن قَبْلُ، وقَدْ شَهِدَ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا لِمَن تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ بِكَمالِ الإيمانِ وحُسْنِ الطّاعَةِ واتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ، وذِكْرُهُ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ مَعَ ذِكْرِهِ هُناكَ بِطَرِيقِ الخِطابِ لِما أنَّ حَقَّ الشَّهادَةِ الباقِيَةِ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ أنْ لا يُخاطَبَ بِها المَشْهُودُ لَهُ ولَمْ يَتَعَرَّضْ سُبْحانَهُ هَهُنا لِبَيانِ فَوْزِهِمْ بِمَطالِبِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَكى عَنْهم مِنَ الدَّعَواتِ الآتِيَةِ إيذانًا بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ لا سِيَّما بَعْدَ ما نَصَّ عَلَيْهِ فِيما سَلَفَ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ دُونَ تَعَرُّضٍ لِاسْمِهِ الشَّرِيفِ تَعْظِيمٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِما يُذْكَرُ بَعْدَهُ.
أخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «وحُقَّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ»» وفي رِوايَةِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ وهي شاهِدٌ لِحَدِيثِ أنَسٍ ««فَيَنْجَبِرُ اِنْقِطاعُهُ ويَحِقُّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ»».
﴿ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ ﴾ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها، والمُرادُ إيمانُهُ بِذَلِكَ إيمانًا تَفْصِيلِيًّا، وأجْمَلَهُ إجْلالًا لِمَحَلِّهِ وإشْعارًا بِأنَّ تَعَلُّقَ إيمانِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَفاصِيلِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإحاطَتَهُ بِجَمِيعِ ما اِنْطَوى عَلَيْهِ مِمّا لا يَكْتَنِهُ كُنْهَهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ وإنْ حَلَّقَتْ إلَيْهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ اُسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ واكْتُفِيَ عَنْ بَيانِهِ، وفي تَقْدِيمِ الِانْتِهاءِ عَلى الِابْتِداءِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّعْظِيمِ لِقَدْرِهِ الشَّرِيفِ والتَّنْوِيهِ بِرِفْعَةِ مَحَلِّهِ المُنِيفِ، ﴿ والمُؤْمِنُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الرَّسُولِ مَرْفُوعًا بِالفاعِلِيَّةِ فَيُوقَفُ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ في «اَلْمَصاحِفِ» عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قَرَأ (وآمَنَ المُؤْمِنُونَ) وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُلٌّ آمَنَ ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ؛ وسَوَّغَ الِابْتِداءُ بِالنَّكِرَةِ كَوْنُها في تَقْدِيرِ الإضافَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، و(كُلٌّ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، و(آمَنَ) خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والرّابِطُ مُقَدَّرٌ ولا يَجُوزُ كَوْنُ (كُلٌّ) تَأْكِيدًا لِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّهُ لا يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلْمَعْرِفَةِ إلّا إذا أُضِيفَ لَفْظًا إلى ضَمِيرِها، ورُجِحَ الوَجْهُ الأوَّلُ بِأنَّهُ أقَضى لِحَقِّ البَلاغَةِ وأوْلى في التَّلَقِّي بِالقَبُولِ لِأنَّ الرَّسُولَ حِينَئِذٍ يَكُونُ أصْلًا في حُكْمِ الإيمانِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، والمُؤْمِنُونَ تابِعُونَ لَهُ ويا فَخْرُهم بِذَلِكَ، ويَلْزَمُ عَلى الوَجْهِ في الثّانِي أنَّ حُكْمَ المُؤْمِنِينَ أقْوى مِن حُكْمِ الرَّسُولِ لِكَوْنِ جُمْلَتِهِمْ اِسْمِيَّةً ومُؤَكَّدَةً، وعُورِضَ بِأنَّ في الثّانِي إيذانًا بِتَعْظِيمِ الرَّسُولِ وتَأْكِيدًا لِلْإشْعارِ بِما بَيْنَ إيمانِهِ المَبْنِيِّ عَلى المُشاهَدَةِ والعِيانِ وبَيْنَ إيمانِ سائِرِ المُؤْمِنِينَ النّاشِئِ عَنِ الحُجَّةِ والبُرْهانِ مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ والفَرْقُ الواضِحُ كَأنَّهُما مُخْتَلِفانِ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى في هَيْئَةِ التَّرْكِيبِ؛ ويَلْزَمُ عَلى الأوَّلِ: أنَّهُ إنْ حُمِلَ كُلٌّ مِنَ الإيمانَيْنِ عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِهِ مِن حَيْثُ الذّاتُ ومِن حَيْثُ التَّعَلُّقُ اِسْتَحالَ إسْنادُهُما إلى غَيْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وضاعَ التَّكْرِيرُ، وإنْ حُمِلَ عَلى ما يَلِيقُ بِشَأْنِ آحادِ الأُمَّةِ كانَ ذَلِكَ حَطًّا لِرُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ وإذا حُمِلا عَلى ما يَلِيقُ بِكُلٍّ واحِدٍ مِمّا نُسِبا إلَيْهِ ذاتًا وتَعَلُّقًا بِأنْ يُحْمَلا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلى الإيمانِ العِيانِيِّ المُتَعَلِّقِ بِجَمِيعِ التَّفاصِيلِ وبِالنِّسْبَةِ إلى آحادِ الأُمَّةِ عَلى الإيمانِ المُكْتَسَبِ مِن مِشْكاتِهِ واللّائِقِ بِحالِهِمْ مِنَ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ كانَ اِعْتِسافًا بَيِّنًا يُنَزَّهُ عَنْهُ التَّنْزِيلُ والشُّبْهَةُ، الَّتِي ظُنَّتْ مُعارَضَةٌ مَدْفُوعَةٌ بِأنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ تَكْرارِ الإسْنادِ المُقَوِّي لِلْحُكْمِ لِما في الحُكْمِ بِإيمانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم عَلى الوَجْهِ الآتِي مِن نَوْعِ خَفاءٍ مُحْوَجٌ لِذَلِكَ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في (آمَنَ) مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدٍ فَرُدَّ مِنهم مِن غَيْرِ اِعْتِبارِ الِاجْتِماعِ كَما اِعْتُبِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ ﴾ وهو أبْعَدُ عَنِ التَّقْلِيدِ الَّذِي هو إنْ لَمْ يَجْرَحْ خَدَشَ، أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى حِيالِهِ آمِنٌ.
﴿ بِاللَّهِ ﴾ أيْ صَدَّقَ بِهِ وبِصِفاتِهِ ونَفى التَّشْبِيهَ عَنْهُ وتَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِكِبْرِيائِهِ مِن نَحْوِ الشَّرِيكِ في الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿ ومَلائِكَتِهِ ﴾ مِن حَيْثُ إنَّهم مَعْصُومُونَ مُطَهَّرُونَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، مِن شَأْنِهِمُ التَّوَسُّطُ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الرُّسُلِ بِإنْزالِ الكُتُبِ وإلْقاءِ الوَحْيِ، ولِهَذا ذُكِرُوا في النَّظْمِ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ﴾ أيْ مِن حَيْثُ مَجِيئُهُما مِنهُ تَعالى عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنهُما، ويَلْزَمُ الإيمانُ التَّفْصِيلِيُّ فِيما عُلِمَ تَفْصِيلًا مِن كُلٍّ مِن ذَلِكَ والإجْمالِيُّ فِيما عُلِمَ إجْمالًا، وإنَّما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا الإيمانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ ﴾ الخ لِانْدِراجِهِ في الإيمانِ بِكُتُبِهِ والثَّوانِي كَثِيرًا ما يُخْتَصَرُ فِيها.
وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما (وكِتابُهُ) بِالإفْرادِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ بِحَمْلِ الإضافَةِ عَلى العَهْدِ أوْ يُرادُ الجِنْسُ فَلا يُخْتَصُّ بِهِ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَمْعِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ إمامُ الحَرَمَيْنِ واَلزَّمَخْشَرِيُّ، ورُوِيَ عَنِ الإمامِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ اِسْتِغْراقَ المُفْرَدِ أشْمَلُ مِنَ اِسْتِغْراقِ الجَمْعِ لِأنَّ المُفْرِدَ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الآحادِ اِبْتِداءً فَلا يَخْرُجُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا بِخِلافِ الجَمْعِ فَإنَّهُ يَسْتَغْرِقُ الجُمُوعَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ثُمَّ يَسْرِي إلى الآحادِ وهَذا المَبْحَثُ مِن مُعْضِلاتِ عِلْمِ المَعانِي وقَدْ فُرِغَ مِن تَحْقِيقِهِ هُناكَ.
﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ مُسْنَدٍ إلى ضَمِيرِ (كُلٌّ) مُراعًى فِيهِ اللَّفْظُ فَيُفْرَدُ أوِ المَعْنى فَيُجْمَعُ، ولَعَلَّهُ أوْلى والجُمْلَةُ مَنصُوبَةُ المَحَلِّ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ (آمَنَ) أوْ مَرْفُوعَةٌ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِ (كُلٌّ) أيْ يَقُولُونَ، أوْ يَقُولُ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ رُسُلِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضٍ ونَكْفُرَ بِبَعْضٍ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ بَلْ نُؤْمِنَ بِهِمْ جَمِيعًا ونُصَدِّقَ بِصِحَّةِ رِسالَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم وقَيَّدُوا إيمانَهم بِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْصِيصًا عَلى مُخالَفَةِ أُولَئِكَ المُفَرِّقِينَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِإظْهارِ الإيمانِ بِما كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ.
ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ القائِلِينَ هم آحادُ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً إذْ يَبْعُدُ أنْ يُسْنَدَ إلَيْهِ أنْ يَقُولَ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وهو يُرِيدُ إظْهارَ إيمانِهِ بِرِسالَةِ نَفْسِهِ وتَصْدِيقِهِ في دَعْواها، ومَنِ اِعْتَبَرَ إدْراجَ الرَّسُولِ في (كُلٌّ) واسْتَبْعَدَ هَذا قالَ بِالتَّغْلِيبِ هَهُنا، ومَن لَمْ يَسْتَبْعِدْ إذْ كانَ يَأْتِي بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ كَما يَأْتِي بِها سائِرُ النّاسِ أوْ يُبَدِّلُ العِلْمَ فِيها بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لَمْ يَحْتَجْ إلى القَوْلِ بِالتَّغْلِيبِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الكُتُبِ لِاسْتِلْزامِ المَذْكُورِ إيّاهُ وإنَّما لَمْ يَعْكِسْ مَعَ تَحَقُّقِ التَّلازُمِ لِما أنَّ الأصْلَ في تَفْرِيقِ المُفَرِّقِينَ هو الرِّسْلُ، وكُفْرُهم بِالكُتُبِ مُتَفَرِّعٌ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِمْ، وإيثارُ إظْهارِ الرُّسُلِ عَلى الإضْمارِ الواقِعِ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ إمّا لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ اِنْدِراجِ المَلائِكَةِ ولَوْ عَلى بُعْدٍ في الحُكْمِ وهو وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ بَأْسٌ إلّا أنَّهُ لَيْسَ في التَّعَرُّضِ لَهُ كَثِيرُ جَدْوى، إذْ لا مُزاحِمَ في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ فَقَلِيلٌ أوْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ أوْ لِلْإيماءِ إلى عُنْوانِهِ لِأنَّ المُعْتَبَرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ مِن حَيْثُ الرِّسالَةُ دُونَ سائِرِ الحَيْثِيّاتِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ عَنْهُ (لا يُفَرِّقُ) بِالياءِ عَلى لَفْظِ (كُلٌّ) وقُرِئَ (لا يُفَرِّقُونَ) حَمْلًا عَلى مَعْناهُ، والجُمْلَةُ نَفْسُها حِينَئِذٍ حالٌ أوْ خَبَرٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في القَوْلِ المُقَدَّرِ ولا حاجَةَ إلَيْهِ هُنا، والكَلامُ عَلى (أحَدٍ) وإدْخالُ (بَيْنَ) عَلَيْهِ قَدْ سَبَقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ ﴾ .
﴿ وقالُوا ﴾ عَطْفٌ عَلى (آمَنَ) والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى وهو حِكايَةٌ لِامْتِثالِهِمُ الأوامِرَ والنَّواهِيَ إثْرَ حِكايَةِ إيمانِهِمْ ﴿ سَمِعْنا ﴾ أيْ أجَبْنا وهو المَعْنى العُرْفِيُّ لِلسَّمْعِ ﴿ وأطَعْنا ﴾ وقَبِلْنا عَنْ طَوْعِ ما دَعَوْتَنا إلَيْهِ في الأوامِرِ والنَّواهِي، وقِيلَ: (سَمِعْنا) ما جاءَنا مِنَ الحَقِّ وتَيَقَّنّا بِصِحَّتِهِ، و(أطَعْنا) ما فِيهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ ﴿ غُفْرانَكَ رَبَّنا ﴾ أيِ اِغْفِرْ غُفْرانَكَ ما يُنْقِصُ حُظُوظَنا لَدَيْكَ، أوْ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ ذَلِكَ، فَغُفْرانٌ مَصْدَرٌ إمّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ ولَعَلَّ الأوَّلَ أوْلى لِما في الثّانِي مِن تَقْدِيرِ الفِعْلِ الخاصِّ المَحُوجِ إلى اِعْتِبارِ القَرِينَةِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ السَّمْعِ عَلى الطّاعَةِ لِتَقَدُّمِ العامِّ عَلى الخاصِّ، أوْ لِأنَّ التَّكْلِيفَ طَرِيقُهُ السَّمْعُ والطّاعَةُ بَعْدَهُ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِهِما عَلى طَلَبِ الغُفْرانِ لِما أنَّ تَقَدُّمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أقْرَبُ إلى الإجابَةِ والقَبُولِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ قَدْ تَقَدَّمَ سِرُّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
﴿ وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ أيِ الرُّجُوعُ بِالمَوْتِ والبَعْثِ وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والجُمْلَةُ قِيلَ: مَعْطُوفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ أيْ فَمِنكَ المَبْدَأُ وإلَيْكَ المَصِيرُ وهي تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ مُقَرِّرٌ لِلْحاجَةِ إلى المَغْفِرَةِ وفِيها إقْرارٌ بِالمَعادِ الَّذِي لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ قَبْلُ.
<div class="verse-tafsir"
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ روي عن الحسن وعن مجاهد: أن هذه الآية نزلت في قصة المعراج، وهكذا روي في بعض الروايات عن عبد الله بن عباس.
وقال بعضهم جميع القرآن نزل به جبريل على محمد إلا هذه الآية، فإن النبيّ سمعها ليلة المعراج.
وقال بعضهم: لم يكن ذلك في قصة المعراج، لأن ليلة المعراج كانت بمكة، وهذه السورة كلها مدنية، فأما من قال: إنها كانت في ليلة المعراج.
قال: لما صعد النبي ، وبلغ فوق السموات في مكان مرتفع، ومعه جبريل حتى جاوز سدرة المنتهى.
فقال له جبريل: إني لم أجاوز هذا الموضع، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة عن هذا الموضع غيرك، فجاوز النبيّ حتى بلغ الموضع الذي شاء الله، فأشار إليه جبريل بأن يسلم على ربه.
فقال النبيّ : «التَّحِيَّاتُ لله وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ» .
فقال الله تعالى: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ، فأراد النبي أن يكون لأمته حظ في السلام فقال: «السَّلامُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ» .
فقال جبريل: وأهل السموات كلهم، أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلا الله، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قال الله تعالى على معنى الشكر آمن الرسول، أي: صدق النبي بما أنزل إليه من ربه، فأراد النبيّ أن يشارك أمته في الفضيلة فقال: وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ يعني: يقولون آمنا بجميع الرسل، ولا نكفر بواحد منهم، ولا نفرق بينهم، كما فرقت اليهود والنصارى.
فقال له ربه عز وجل: كيف قبولهم للآي التي أنزلتها؟
وهي قوله: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ [البقرة: 284] ، فقال: رسول الله: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا أي أطعنا مغفرتك يا ربنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي: المرجع قال الله تعالى عند ذلك: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها.
ويقال: إلا دون طاقتها ويقال لا يكلف الصلاة قائماً لمن لا يقدر عليها لَها مَا كَسَبَتْ من الخير وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ من الشر فقال له جبريل عند ذلك: سل تعط فقال النبي : «ربنا لا تؤاخذنآ إن نَّسِينَا» يعني: إن جهلنا أَوْ أَخْطَأْنا يعني: إن تعمدنا، ويقال إن عملنا بالنسيان، أو أخطأنا يعني عملنا بالخطأ، فقال له جبريل: قد أعطيت ذلك قد رفع عن أمتك الخطأ والنسيان شيئاً آخر، فقال عند ذلك: رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً يعني ثقلاً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا وهو أنه حرم عليهم الطيبات بظلمهم، وكانوا إذا أذنبوا بالليل، وجدوه مكتوباً على بابهم، وكانت الصلوات عليهم خمسين، فخففت عن هذه الأمة، وحطّ عنهم بعد ما فرض عليهم إلى خمس صلوات ثم قال: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ يقول: لا تكلفنا من العمل ما لا نطيق، فتعذبنا.
ويقال: ما يشق ذلك علينا، لأنه لو أمر بخمسين صلاة، لكانوا يطيقون ذلك، ولكنه يشقّ عليهم، ولا يطيقون الإدامة على ذلك وَاعْفُ عَنَّا من ذلك كله وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أي: تجاوز عنا ويقال: واعف عنا من المسخ، واغفر لنا من الخسف، وارحمنا من القذف، لأن الأمم الماضية بعضهم أصابهم المسخ، وبعضهم أصابهم الخسف، وبعضهم القذف ثم قال: أَنْتَ مَوْلانا أي: أنت ولينا وحافظنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فاستجيب دعاؤه.
وروي عن النبي أنه قال: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» .
ويقال: إن الغزاة إذا خرجوا من بلادهم بالنية الخالصة، وضربوا الطبل، وقع الرعب والهيبة في قلوب الكفار مسيرة شهر، علموا بخروجهم أو لم يعلموا، ثم إن النبيّ لما رجع، أوحى الله تعالى إليه هذه الآيات، ليعلم أمته بذلك.
ولهذه الآية تفسير آخر قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة والزكاة في هذه السورة، وبيّن أحكام الحج، وحكم الحيض، والطلاق والإيلاء، وأقاصيص الأنبياء، وبيّن حكم الربا والدين، ثم ذكر تعظيمه بقوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [لقمان: 26] الآية.
ثم ذكر تصديق جميع ذلك حيث قال: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، أي صدق الرسل بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها، وكذلك المؤمنون.
كلهم صدقوا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
قرأ حمزة والكسائي وكتابه على معنى الوحدان.
وقرأ الباقون وكتبه على معنى الجمع.
ثم قال: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، فأخبر عن المؤمنين بأنهم يقولون: لا نفرق بين أحد من رسله.
قرأ الحضرمي لا يفرق بالياء، ومعنا كل آمن بالله، وكل لا يفرق.
وقرأ ابن مسعود لا يفرقون بين أحد من رسله.
وَقالُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، أي قبلنا ما سمعنا، لأن من سمع ولم يقبل قيل له: أصم، لأنه لم ينتفع بسماعه.
وقرأ أبو عمرو من رسله، برفع السين، وكذلك في جميع القرآن غير هذه الحروف الأربعة، مثل رسلنا ورسلهم يقرأ بالسكون، وقرأ الباقون برفع السين في جميع القرآن.
ومعنى قوله: غُفْرانَكَ رَبَّنا، أي اغفر غفرانك، وهو من أسماء المصادر كالكفران والشكران وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ.
يعني نحن مقرون بالبعث.
ثم قال: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها يعني: طاقتها قال الفقيه: حدّثنا أبو الحسين قال: حدثنا محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا مروان عن عطاء بن عجلان عن زرارة بن أبي أوفى عن أبي هريرة عن النبيّ أنه قال: «إن الله تَجَاوَزَ عَنْ هذه الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها، أَوْ هَمَّتْ بِهِ مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ، أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ثم قال لَها مَا كَسَبَتْ، وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ، رَبَّنا لاَ تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا، أي لا تؤاخذ أحداً بذنوب غيره، كما قال في آية أخرى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: 164] وقوله: إن نسينا أي إن تركنا أو أخطأنا، يعني إن كسبنا خطيئة، فأخبر الله تعالى بهذا عن النبيّ ، وعن المؤمنين، وجعله في كتابه ليكون دعاء النبي لهم دعوة يدعون بها من بعده، لأن هذا الدعاء قد استجيب له، فينبغي أن يحفظ، ويدعى به كثيراً.
قال الفقيه: حدثنا القاضي الخليل قال: حدثنا السراج قال: حدثنا أحمد بن سعيد الرازي قال: حدثنا سهل بن بكار قال: حدثنا أبو عوانة عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله : «فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاثِ خِصَالٍ: جُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِداً، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً، وَجُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ المَلاَئِكَةِ، وَأُوتِيتُ هذه الآياتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ قَبْلِي، ولا تُعْطَى أَحَداً بَعْدِي» .
وروى أبو أمامة الباهلي عن النبيّ أنه قال: «تَعَلَّمُوا البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فإنَّهُمَا تَجِيئَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ كَالغَمَامَتَيْنِ- أوْ كَالغَيَايَتَيْنِ، أوْ كَفِرْقَتَيْنِ- مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، وَيُحَاجَّانَ عَنْ صَاحِبِهِمَا» .
ثم قال: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإنَّ أخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ» ، يعني السَّحَرَةَ.
وروي عن النبيّ أنه نزل عليه ملك فقال له: إن الله يبشرك بنورين، لم يعطهما نبياً قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لا يقرأ بحرف منهما إلا أعطيته نوراً.
وروي عن رسول الله أنه قال: «لَوْ بَلَغَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ ثلاثمائةِ آيةٍ، لَتَكَلَّمَتْ» يعني: لصارت بحال تتكلم، لأنه لا يبقى شيء، إلا اجتمع فيها من كثرة ما فيها من العجائب.
والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد.
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ...
الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان- عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر.
/
قال ع «١» : رَهَنَ الشَّيْءَ في كلام العرب معناه: دَامَ، واستمر، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ «٢» ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد
المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له.
وقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن.
وأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن وكذلك على قبض وكيله فيما علمتُ.
واختلفوا في قَبْض عدلٍ «١» يوضَعُ الرهْنُ على يديه.
فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ.
وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ «١» ، وغيره: ليس بقَبْض.
وقولُ الجمهورِ أصحُّ من جهة المعنى في الرهن.
وقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال:
وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ «٣» في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكتب، والإشهاد،
والرهن.
اهـ.
وقوله: فَلْيُؤَدِّ: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: أَمانَتَهُ: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة.
وقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ...
الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه كما قال صلّى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ.
وروى البزّار في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ» «١» اهـ من «الكوكب الدري» .
قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...
الآية: المعنى: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ.
وقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ...
الآية: قوله: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز.
واختلف في معنى هذه الآية.
فقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها «٢» ، فلفظ الآية على هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ وكذا نقل الثعلبيُّ.
وقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بخواطر نفوسنا، وشقّ ذلك على النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قالت بنو إسرائيل: سمعنا ٧٥ ب وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، / فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ الله بعد ذلك:
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «١» [البقرة: ٢٨٦] ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ» هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ.
وقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ...
الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ.
وقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجّح الطبريّ «٢» أنّ
الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.
ع «١» : وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبيّ صلّى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا» ، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥] ، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها.
وقوله تعالى: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال ع «٢» : وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكرناه من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها.
اهـ.
وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ...
الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وأشفق منها النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إلى الله تعالى، لا كما
قالتْ بنو إِسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: ٩٣] فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نقمه.
وآمَنَ معناه: صدّق، والرسول: محمّد صلّى الله عليه وسلم، وبِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إليه من حملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته:
هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه.
وقرأ الجمهور: لاَ نُفَرِّقُ بالنون «١» .
والمعنى: يقولون: لا نفرِّق.
ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض.
وقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غابر الدّهر، والطاعة: قبول الأوامر، وغُفْرانَكَ: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ.
ت: وزاد أبو حَيَّان «٢» ، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا.
اهـ.
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إلى آخر السّورة «٣» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ ﴾ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "صَحِيحِيهِما" مِن حَدِيثِ أبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « "الآَيَتانِ مِن آَخَرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَن قَرَأهُما في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ"» قالَ أبُو بَكْرٍ النَّقّاشُ: مَعْناهُ: كَفَتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ.
وَقِيلَ: إنَّهُما نَزَلَتا عَلى سَبَبٍ، وهو ما رَوى العَلاءُ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ النَّبِيِّ [فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ، ثُمَّ جَثَوا عَلى الرُّكَبِ ] فَقالُوا: قَدْ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآَيَةَ ولا نُطِيقُها، فَقالَ: "أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مَن قَبْلِكم سَمِعْنا وعَصَيْنا؟
قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ" فَلَمّا قالُوها وذَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم، أنْزَلَ اللَّهُ في أثَرِها ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ » قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ القِصَصِ والأحْكامِ، خَتَمَها بِتَصْدِيقِ نَبِيِّهِ، والمُؤْمِنِينَ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (وَكِتابِهِ) فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: كِتابٌ أكْثَرُ مِن كُتُبٍ، ذَهَبَ بِهِ إلى اسْمِ الجِنْسِ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ، وقَدْ وافَقَ ابْنَ عَبّاسٍ وفي قِراءَتِهِ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وكَذَلِكَ في (التَّحْرِيمِ)، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، وابْنِ عامِرٍ (وَكُتُبِهِ) هاهُنا بِالجَمْعِ، وفي (التَّحْرِيمِ) بِالتَّوْحِيدِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِالجَمْعِ في المَوْضِعَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو ما أُضِيفَ إلى مُكَنّى عَلى حَرْفَيْنِ مِثْلُ "رُسُلِنا" و"رُسُلُكُمْ" بِإسْكانِ السِّينِ، وثَقَّلَ ما عَدا ذَلِكَ.
وعَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: (عَلى رُسُلِكَ) رِوايَتانِ، التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ.
وقَرَأ الباقُونَ كُلَّ ما في القُرْآَنِ مِن هَذا الجِنْسِ بِالتَّثْقِيلِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ أيْ: لا نَفْعَلُ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، آَمَنُوا بِبَعْضٍ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وقَرَأ يَعْقُوبُ (لا يُفَرِّقُ) بِالياءِ، وفَتْحِ الرّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ غُفْرانَكَ ﴾ أيْ: نَسْألُكَ غُفْرانَكَ.
والمَصِيرُ: المَرْجِعُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ آمَنَ الرَسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمّا أُنْزِلَتْ: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ ﴾ وأشْفَقَ مِنها النَبِيُّ وأصْحابُهُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، ثُمَّ تَقَرَّرَ الأمْرُ عَلى أنْ قالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا، فَرَجَعُوا إلى التَضَرُّعِ والِاسْتِكانَةِ - مَدَحَهُمُ اللهُ - وأثْنى عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدَّمَ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ رِفْقِهِ بِهِمْ، وكَشْفِهِ لِذَلِكَ الكَرْبِ الَّذِي أوجَبَهُ تَأوُّلُهُمْ، فَجَمَعَ لَهم تَعالى التَشْرِيفَ بِالمَدْحِ، والثَناءَ، ورَفْعَ المَشَقَّةِ في أمْرِ الخَواطِرِ، وهَذِهِ ثَمَرَةُ الطاعَةِ والِانْقِطاعِ إلى اللهِ تَعالى، كَما جَرى لِبَنِي إسْرائِيلَ ضِدُّ ذَلِكَ: مِن ذَمِّهِمْ، وتَحْمِيلِهِمُ المَشَقّاتِ مِنَ الذِلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجَلاءِ، إذْ قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا - وهَذِهِ ثَمَرَةُ العِصْيانِ، والتَمَرُّدِ عَلى اللهِ، أعاذَنا اللهُ مِن نِقْمَتِهِ.
و"آمَنَ" مَعْناهُ: صَدَّقَ و"الرَسُولُ": مُحَمَّدٌ ، و"ما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ" هو القُرْآنُ، وسائِرُ ما أُوحِيَ إلَيْهِ -مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي تَأوَّلُوها شَدِيدَةَ الحُكْمِ- ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ - لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ - قالَ: "وَيَحِقُّ لَهُ أنْ يُؤْمِنَ"،» وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "وَآمَنَ المُؤْمِنُونَ"، وكُلُّ لَفْظَةٍ تَصْلُحُ لِلْإحاطَةِ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُحِيطَةٍ عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ بِالإحاطَةِ، والقَرِينَةُ تُبَيِّنُ ذَلِكَ في كُلِّ كَلامٍ، ولَمّا ورَدَتْ هُنا بَعْدَ قَوْلِهِ: "والمُؤْمِنُونَ" دَلَّ ذَلِكَ عَلى إحاطَتِها بِمَن ذُكِرَ.
والإيمانُ بِاللهِ: هو التَصْدِيقُ بِهِ، وبِصِفاتِهِ، ورَفْضُ الأصْنامِ وكُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ.
والإيمانُ بِمَلائِكَتِهِ: هو اعْتِقادُ وُجُودِهِمْ وأنَّهم عِبادٌ لِلَّهِ ورَفْضُ مُعْتَقَداتِ الجاهِلِيَّةِ فِيهِمْ.
والإيمانُ بِكُتُبِهِ: هو التَصْدِيقُ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ عَلى الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَضَمَّنَ ذِكْرَهم كِتابُ اللهِ المُنْزَلُ عَلى مُحَمَّدٍ ، أو ما أخْبَرَ هو بِهِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "وَكُتُبِهِ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَؤُوا في "التَحْرِيمِ": و"كِتابِهِ" عَلى التَوْحِيدِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ها هُنا، وفي التَحْرِيمِ: "وَكُتُبِهِ" عَلى الجَمْعِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "وَكِتابِهِ" عَلى التَوْحِيدِ فِيهِما، ورَوى حَفْصٌ، عن عاصِمٍ هاهُنا وفي التَحْرِيمِ: "وَكُتُبِهِ" مِثْلَ أبِي عَمْرٍو.
ورَوى خارِجَةُ عن نافِعٍ مِثْلَ ذَلِكَ، وبِكُلِّ قِراءَةٍ مِن هَذِهِ قَرَأ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ، فَمَن جَمَعَ أرادَ جَمْعَ كِتابٍ، ومَن أفْرَدَ أرادَ المَصْدَرَ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ مَكْتُوبٍ كانَ نُزُولُهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، هَذا قَوْلُ بَعْضِهِمْ، وقَدْ وجَّهَهُ أبُو عَلِيٍّ، وهو كَما قالُوا: نَسْجُ اليَمَنِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ في صَدْرِ كَلامِهِ: أمّا الإفْرادُ في قَوْلِ مَن قَرَأ: "وَكِتابِهِ" فَلَيْسَ كَما تُفْرَدُ المَصادِرُ وإنْ أُرِيدَ بِها الكَثِيرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ.
ولَكِنْ كَما تُفْرَدُ الأسْماءُ الَّتِي يُرادُ بِها الكَثْرَةُ كَقَوْلِهِمْ: كَثُرَ الدِينارُ والدِرْهَمُ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَإنْ قُلْتَ: هَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يُرادُ بِها الكَثْرَةُ إنَّما تَجِيءُ مُفْرَدَةً، وهَذِهِ مُضافَةٌ، قِيلَ: فَقَدْ جاءَ في المُضافِ ما يُعْنى بِهِ الكَثْرَةُ، فَفي التَنْزِيلِ: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "مَنَعَتِ العِراقُ دِرْهَمَها وقَفِيزَها"» فَهَذا يُرادُ بِهِ الكَثِيرُكَما يُرادُ بِما فِيهِ لامُ التَعْرِيفِ.
ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الرِقاعِ: يَدَعُ الحَيَّ بِالعَشِيِّ غِراثًا ∗∗∗ وهُمُ عن رَغِيفِهِمْ أغْنِياءُ ومَجِيءُ أسْماءِ الأجْناسِ مُعَرَّفَةً بِالألِفِ واللامِ أكْثَرُ مِن مَجِيئِها مُضافَةً.
وقِراءَةُ الجَماعَةِ: "وَرُسُلِهِ" بِضَمِّ السِينِ، وكَذَلِكَ: "رُسُلُنا ورُسُلُكم ورُسُلِكَ" إلّا أبا عَمْرٍو فَرُوِيَ عنهُ تَخْفِيفُ "رُسْلِنا ورُسْلِكُمْ"، ورُوِيَ عنهُ في "رُسُلِكَ" التَثْقِيلُ والتَخْفِيفُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ "عَلى رُسُلِكَ" بِالتَثْقِيلِ فَذَلِكَ أصْلُ الكَلِمَةِ، ومَن خَفَّفَ فَكَما يُخَفَّفُ في الآحادِ مِثْلُ: عُنْقٍ وطُنْبٍ، فَإذا خَفَّفَ في الآحادِ فَذَلِكَ أحْرى في الجَمْعِ الَّذِي هو أثْقَلُ.
وَقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "وَكُتْبِهِ ورُسْلِهِ" بِسُكُونِ التاءِ والسِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وَكِتابِهِ ولِقائِهِ ورُسُلِهِ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لا نُفَرِّقُ" بِالنُونِ، والمَعْنى: يَقُولُونَ: "لا نُفَرِّقُ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ، وأبُو زُرْعَةَ بْنُ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ، ويَعْقُوبُ: "لا يُفَرِّقُ" بِالياءِ، وهَذا عَلى لَفْظِ كُلٍّ، قالَ هارُونُ: وهي في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "لا يُفَرِّقُونَ" بِالياءِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا كاليَهُودِ والنَصارى في أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ ويَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا ﴾ مَدْحٌ يَقْتَضِي الحَضَّ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، وأنْ يَكُونَ المُؤْمِنُ يَمْتَثِلُها غابِرَ الدَهْرِ، والطاعَةُ: قَبُولُ الأوامِرِ.
و"غُفْرانَكَ" مَصْدَرٌ كالكُفْرانِ والخُسْرانِ - ونَصْبُهُ عَلى جِهَةِ نَصْبِ المَصادِرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ.
قالَ الزَجّاجُ تَقْدِيرُهُ: اغْفِرْ غُفْرانَكَ.
وقالَ غَيْرُهُ: نَطْلُبُ أو نَسْألُ غُفْرانَكَ، ﴿ وَإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ إقْرارٌ بِالبَعْثِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ تَعالى.
ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ - لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ - قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ: إنَّ اللهَ قَدْ أجَلَّ الثَناءَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهُ، فَسَألَ إلى آخِرِ السُورَةِ.» <div class="verse-tafsir"
قال الزجاج: «لما ذكر الله في هذه السورة أحكاماً كثيرةً، وقصصاً، ختمها بقوله: ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ﴾ تعظيماً لنبيّه صلى الله عليه وسلم وأتباعه، وتأكيداً وفذلكة لجميع ذلك المذكور من قبل».
يعني: أنّ هذا انتقال من المواعظ، والإرشاد، والتشريع، وما تخلّل ذلك: ممّا هو عون على تلك المقاصد، إلى الثناء على رسوله والمؤمنين في إيمانهم بجميع ذلك إيماناً خالصاً يتفرّع عليه العمل؛ لأنّ الإيمان بالرسول والكتاب، يقتضي الامتثالَ لما جاء به من عمل.
فالجملة استئناف ابتدائي وضعت في هذا الموقع لمناسبة ما تقدم، وهو انتقال مؤذن بانتهاء السورة لأنّه لما انتقل من أغراض متناسبة إلى غرض آخر: هو كالحاصل والفذلكة، فقد أشعر بأنّه استوفى تلك الأغراض.
وورد في أسباب النزول أنّ قوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ يرتبط بقوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ [البقرة: 284] كما تقدم آنفاً.
وأل في الرسول للعد.
وهو عَلَم بالغلبة على محمد صلى الله عليه وسلم في وقت النزول قال تعالى: ﴿ وهمّوا بإخراج الرسول ﴾ [التوبة: 13].
و ﴿ المؤمنون ﴾ معطوف على ﴿ الرسول ﴾ ، والوقف عليه.
والمؤمنون هنا لَقَب للذين استجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلذلك كان في جعله فاعلاً لقوله: ﴿ آمن ﴾ فائدةٌ، مع أنّه لا فائدةَ في قولك: قامَ القائمون.
وقوله: ﴿ كل آمن بالله ﴾ جمع بعد التفصيل، وكذلك شأن (كلَ) إذا جاءت بعد ذكر متعدّد في حُكْم، ثم إرادة جمعه في ذلك، كقول الفضل بن عباس اللَّهَبِي، بعد أبيات: كُلٌّ له نِيَّةٌ في بغض صاحبه *** بنعمة الله نقليكم وتَقْلُونا وإذ كانت (كلّ) من الأسماء الملازمة الإضافة فإذا حذف المضاف إليه نوّنت تنوينَ عوض عن مفرد كما نبّه عليه ابن مالك في «التسهيل».
ولا يعكر عليه أنّ (كل) اسم معرب لأنّ التنوين قد يفيد الغرضين فهو من استعمال الشيء في معنييه.
فمن جوّز أن يكون عَطْفُ ﴿ المؤمنون ﴾ عطفَ جملة وجعل ﴿ المؤمنون ﴾ مبتدأ وجعل ﴿ كلٌّ ﴾ مبتدأ ثانياً ﴿ وآمن ﴾ خبره، فقد شذّ عن الذوق العربي.
وقرأ الجمهور ﴿ وكتبه ﴾ بصيغة جمع كتاب، وقرأه حمزة، والكسائي: وكِتَابِه، بصيغة المفرد على أنّ المراد القرآن أو جنس الكتاب.
فيكون مساوياً لقوله: ﴿ وكتبه ﴾ ، إذ المراد الجنس، والحقُّ أنّ المفرد والجمع سواء في إرادة الجنس، ألا تراهم يقولون: إنّ الجمع في مدخول أل الجنسية صوري، ولذلك يقال: إذا دَخلت ألْ الجنسية على جمع أبطلت منه معنى الجمعية، فكذلك كل ما أريد به الجنس كالمضاف في هاتين القراءتين، والإضافة تأتي لما تأتي له اللام، وعن ابن عباس أنّه قال، لما سئل عن هذه القراءة: «كتابِه أكثر من كُتبِه أو الكتاب أكثر من الكتب» فقيل أراد أنّ تناول المفرد المراد به الجنس أكثر من تناول الجمع حين يراد به الجنس، لاحتمال إرادة جنس الجموع، فلا يسري الحكم لما دون عدد الجمع من أفراد الجنس، ولهذا قال صاحب «المفتاح» «استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع».
والحقُّ أنّ هذا لا يقصده العرب في نفي الجنس ولا في استغراقه في الإثبات.
وأنّ كلام ابن عباس إن صح نقله عنه فتأويله أنّه أكْثَر لمساواته له معنى، مع كونه أخصر لفظاً، فلعلّه أراد بالأكثر معنى الأرجح والأقوى.
وقوله: ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ قرأه الجمهور بنون المتكلم المشارَك، وهو يحتمل الالتفات: بأن يكون من مقول قول محذوففٍ دل عليه السياق وعطف ﴿ وقالوا ﴾ عليه.
أو النون فيه للجلالة أي آمَنُوا في حَال أنّنا أمرناهم بذلك، لأنّنا لا نفرّق فالجملة معترضة.
وقيل: هو مقول لقول محذوف دل عليه آمَن؛ لأنّ الإيمان اعتقاد وقول.
وقرأه يعقوب بالياء: على أنّ الضمير عائد على ﴿ كلُّ آمن بالله ﴾ .
والتفريق هنا أريد به التفريق في الإيمان به والتصديق: بأن يؤمن ببعض ويكفر ببعض.
وقوله: ﴿ لا نفرق بين أحد من رسله ﴾ تقدم الكلام على نظيره عند قوله تعالى: ﴿ لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ﴾ [البقرة: 136].
﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ عطف على ﴿ آمن الرسول ﴾ والسمع هنا كناية عن الرضا، والقبول، والامتثال، وعكسه لا يَسمعون أي لا يطيعون وقال النابغة: تَناذَرَهَا الرّاقُون مِنْ سُوءِ سَمْعِها *** أي عدم امتثالها للرُّقْيَا.
والمعنى: إنَّهم آمنوا، واطمأنّوا وامتثلوا، وإنّما جيء بلفظ الماضي، دون المضارع، ليدلوا على رسوخ ذلك؛ لأنّهم أرادوا إنشاء القبول والرضا، وصيغ العقود ونحوها تقع بلفظ الماضي نحو بعْت.
وغفرانك نُصب على المفعول المطلق: أي اغفِرْ غفرانك، فهو بدل من فعله.
والمصير يحتمل أن يكون حقيقة فيكون اعترافاً بالبعث، وجعل منتهياً إلى الله لأنّه منتهٍ إلى يوم، أو عالَم، تظهر فيه قدرة الله بالضرورة.
ويحتمل أنّه مجاز عن تمام الامتثال والإيمان.
كأنّهم كانوا قبل الإسلام آبقين، ثم صاروا إلى الله، وهذا كقوله تعالى: ﴿ ففروا إلى اللَّه ﴾ [الذاريات: 50].
وجعل المصير إلى الله تمثيلاً للمصير إلى أمره ونهيه: كقوله: ﴿ ووجد اللَّه عنده فوفاه حسابه ﴾ [النور: 39] وتقديم المجرور لإفادة الحصر: أي المصير إليك لا إلى غيرك، وهو قصر حقيقي قصدوا به لازم فائدته، وهو أنّهم عالِمون بأنّهم صائرون إليه، ولا يصيرون إلى غيره ممّن يعبدهم أهل الضّلال.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ في إضافَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إضافَةُ تَمْلِيكٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.
والثّانِي: مَعْناهُ تَدْبِيرُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.
﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ إبْداءُ ما في النَّفْسِ هو العَمَلُ بِما أضْمَرُوهُ، وهو مُؤاخَذٌ بِهِ ومُحاسَبٌ عَلَيْهِ، وأمّا إخْفاؤُهُ فَهو ما أضْمَرَهُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
وَفِيما أرادَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ كِتْمانُ الشَّهادَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ ما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِن سُوءٍ، أوْ أضْمَرَ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ حُكْمُها ثابِتٌ في المُؤاخَذَةِ بِما أضْمَرَهُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ؟
أوْ مَنسُوخٌ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في المُؤاخَذَةِ بِما أضْمَرَهُ، واخْتَلَفَ فِيهِ مَن قالَ بِثُبُوتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ عَلى العُمُومِ فِيما أضْمَرَهُ الإنْسانُ فَيُؤاخِذُ بِهِ مَن يَشاءُ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ.
والثّانِي: حُكْمُها ثابِتٌ في مُؤاخَذَةِ الإنْسانِ بِما أضْمَرَهُ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، إلّا أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ويُؤاخِذُ بِهِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، وَيَكُونُ ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ مَحْمُولًا عَلى المُسْلِمِينَ، ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ مَحْمُولًا عَلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ.
والثّالِثُ: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ عَلى العُمُومِ في مُؤاخَذَتِهِ المُسْلِمِينَ بِما حَدَثَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ المَصائِبِ والأُمُورِ الَّتِي يَحْزَنُونَ لَها، ومُؤاخَذَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ حُكْمَ الآيَةِ في المُؤاخَذَةِ بِما أضْمَرَهُ الإنْسانُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مَنسُوخٌ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِنَسْخِها فِيما نُسِخَتْ بِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِما رَواهُ العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى القَوْمِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا لَمُؤاخَذُونَ بِما نُحَدِّثُ بِهِ أنْفُسَنا، هَلَكْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ » وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّها نُسِخَتْ بِما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ دَخَلَ قُلُوبَهم مِنها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْها مِن شَيْءٍ، فَقالَ النَّبِيُّ : (قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا.
قالَ: فَألْقى اللَّهُ الإيِمانُ في قُلُوبِهِمْ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ الآيَةَ.
فَقَرَأ: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا ﴾ فَقالَ تَعالى: قَدْ فَعَلْتُ.
﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
﴿ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
» والَّذِي أقُولُهُ فِيما أضْمَرَهُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ ولَمْ يَفْعَلْهُ إنَّهُ مُؤاخَذٌ بِمَأْثَمِ الِاعْتِقادِ دُونَ الفِعْلِ، إلّا أنْ يَكُونَ كَفُّهُ عَنِ الفِعْلِ نَدَمًا، فالنَّدَمُ تَوْبَةٌ تُمَحِّصُ عَنْهُ مَأْثَمَ الِاعْتِقادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ﴾ أمّا إيمانُ الرَّسُولِ فَيَكُونُ بِأمْرَيْنِ: تَحَمُّلِ الرِّسالَةِ، وإبْلاغِ الأُمَّةِ، وأمّا إيمانُ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ بِالتَّصْدِيقِ والعَمَلِ.
﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ﴾ والإيمانُ بِاللَّهِ يَكُونُ بِأمْرَيْنِ: بِتَوْحِيدِهِ، وقَبُولِ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ.
وَفي الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الإيمانُ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلى أنْبِيائِهِ.
والثّانِي: الإيمانُ بِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنهم رَقِيبٌ وشَهِيدٌ.
( وكُتُبِهِ ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( وكِتابِهِ ) فَمَن قَرَأ: ( وكُتُبِهِ ) فالمُرادُ بِهِ جَمِيعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنها عَلى أنْبِيائِهِ.
وَمَن قَرَأ: ( وكِتابِهِ ) فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى القُرْآنَ خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الجِنْسَ، فَيَكُونُ مَعْناهُ بِمَعْنى الأوَّلِ وأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ الكُتُبِ والإيمانَ بِها والِاعْتِرافَ بِنُزُولِها مِنَ اللَّهِ عَلى أنْبِيائِهِ.
وَفي لُزُومِ العَمَلِ بِما فِيها ما لَمْ يَرِدْ نَسْخٌ قَوْلانِ: ثُمَّ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن إيمانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ - وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ - قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ مَدْحُهم بِما أخْبَرَ مِن إيمانِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهُ يَقْتَدِي بِهِمْ مَن سِواهم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ يَعْنِي في أنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، فَيَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في التَّصْدِيقِ، وفي لُزُومِ التَّسْوِيَةِ في التِزامِ شَرائِعِهِمْ ما قَدَّمْناهُ مِنَ القَوْلَيْنِ، وجَعَلَ هَذا حِكايَةً عَنْ قَوْلِهِمْ وما تَقَدَّمَهُ خَبَرًا عَنْ حالِهِمْ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ قَوْلٍ وعَمَلٍ وماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ.
﴿ وَقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا ﴾ أيْ سَمِعْنا قَوْلَهُ وأطَعْنا أمْرَهُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يُرادَ بِالسَّماعِ القَبُولُ، وبِالطّاعَةِ العَمَلُ.
﴿ غُفْرانَكَ رَبَّنا ﴾ مَعْناهُ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِهِ مَنصُوبًا.
﴿ وَإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ يَعْنِي إلى جَزائِكَ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: يُرِيدُ بِهِ إلى لِقائِكَ لِتَقَدُّمِ اللِّقاءِ عَلى الجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وعبد حميد عن مجاهد قال: «لما نزلت ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم...
﴾ [ البقرة: 284] الآية.
شق ذلك عليهم قالوا: يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بشيء ما يسرنا أن يطلع عليه أحد من الخلائق، وإن لنا كذا وكذا.
قال: أو قد لقيتم هذا؟
ذلك صريح الإِيمان، فأنزل الله: ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه...
﴾ الآيتين» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طريق يحيى بن أبي كثير عن أنس قال: لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم «وحق له أن يؤمن» .
قال: الذهبي منقطع بين يحيى وأنس.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا نزلت هذه الآية قال «وحق له أن يؤمن» .
قلت هذا شاهد لحديث أنس.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن علي بن أبي طالب.
أنه قرأ ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه وآمن المؤمنون ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ ﴿ كل آمن بالله وملائكته وكتابه ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الآية قال المؤمنون: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان لا نفرق بين أحد من رسله، لا نكفر بما جاءت به الرسل، ولا نفرق بين أحد منهم، ولا نكذب به ﴿ وقالوا سمعنا ﴾ للقرآن الذي جاء من الله ﴿ وأطعنا ﴾ اقروا الله أن يطيعوه في أمره ونهيه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن يحيى بن عمير.
أنه كان يقرأ ﴿ لا يفرق بين أحد من رسله ﴾ يقول: كل آمن، وكل لا يفرق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ غفرانك ربنا ﴾ قال: قد غفرت لكم ﴿ وإليك المصير ﴾ قال: إليك المرجع والمآب يوم يقوم الحساب.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن أبي حاتم عن حكيم بن جابر قال: لما نزلت ﴿ آمن الرسول ﴾ قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أحسن الثناء عليك وعلى أمتك فسل تعطه.
فسأل ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ حتى ختم السورة بمسألة محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ قال: هم المؤمنون، وسع الله عليهم أمر دينهم فقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ﴾ [ الحج: 78] وقال: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [ البقرة: 185] وقال: ﴿ فاتقوا الله ما استطعتم ﴾ [ التغابن: 19] .
وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن عمران بن حصين قال: كانت لي بواسير، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ قال: من العمل.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق الزهري عن ابن عباس قال: لما نزلت ضج المؤمنون منها ضجة، وقالوا: يا رسول الله: هذا نتوب من عمل اليد والرجل واللسان كيف نتوب من الوسوسة؟
كيف نمتنع منها؟
فجاء جبريل بهذه الآية ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إنكم لا تستطيعون أن تمتنعوا من الوسوسة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ إلا وسعها ﴾ قال: إلا طاقتها.
وأخرج ابن المنذر عن الضحاك ﴿ إلا وسعها ﴾ قال: إلا ما تطيق.
وأخرج سفيان والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تكلم به» .
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي عن شهر عن أم الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والاستكراه.
قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن فقال: أجل، اما تقرأ بذلك قرآنا ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ » .
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
وأخرج ابن ماجة عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
وأخرج الطبراني عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وضع الله عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو نعيم في التاريخ عن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رفع الله عن هذه الأمة الخطأ، والنسيان، والأمر يكرهون عليه» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تجوّز لهذه الأمة الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه» .
وأخرج عبد بن حميد عن الشعبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ، والنسيان، والإِكراه» .
وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تجاوز الله لابن آدم عما أخطأ، وعما نسي، وعما أكره وعما غلب عليه» .
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن هذه الآية حين نزلت ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ قال له جبريل: إن الله قد فعل ذلك يا محمد.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إصراً ﴾ قال: عهداً.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: عهداً.
وأخرج الطستي عن ابن عباس.
أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: عهداً كما حملته على اليهود، فمسختهم قردة وخنازير.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت أبا طالب وهو يقول: أفي كل عام واحد وصحيفة ** يشد بها أمر وثيق وأيصره وأخرج ابن جرير عن ابن جريج ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: عهداً لا نطيقه ولا نستطيع القيام به ﴿ كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ اليهود والنصارى فلم يقوموا به فأهلكتهم ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: مسخ القردة والخنازير.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: كم من تشديد كان على من كان قبلنا ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: كم من تخفيف ويسر وعافية في هذه الأمة.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن أبي رباح ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: لا تمسخنا قردة وخنازير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ يقول: التشديد الذي شدد به على من كان من أهل الكتاب.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن عبد الرحمن بن حسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم البول قرضوه بالمقاريض» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي موسى قال: كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم البول يتبعه بالمقراضين.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عائشة قالت «دخلت على امرأة من اليهود فقالت: إن عذاب القبر من البول.
قلت: كذبت.
قالت: بلى.
قالت: إنه ليقرض منه الجلد والثوب، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقت» .
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في الآية قال: لا تحمل علينا ذنباً ليس فيه توبة ولا كفارة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل في قوله: ﴿ ولا تحمل علينا إصراً ﴾ قال: كان الرجل من بني إسرائيل إذا أذنب قيل له: توبتك أن تقتل نفسك فيقتل نفسه، فوضعت الاصار عن هذه الأمة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق.
وأخرج ابن جرير عن السدي ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ من التغليظ والأغلال التي كانت عليهم من التحريم.
وأخرج ابن جرير عن سلام بن سابور ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: الغلمة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مكحول ﴿ ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: الغربة والغلمة والانعاظ.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد ﴿ واعف عنا ﴾ إن قصرنا عن شيء مما أمرتنا به ﴿ واغفر لنا ﴾ إن انتهكنا شيئاً مما نهيتنا عنه ﴿ وارحمنا ﴾ يقول: لا ننال العمل بما أمرتنا به، ولا ترك ما نهيتنا عنه إلا برحمتك.
قال: ولم ينج أحد إلا برحمته.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي في شعب الإِيمان عن الضحاك قال: جاء بها جبريل ومعه من الملائكة ما شاء الله ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا ﴾ قال: ذلك لك، وهكذا عقب كل كلمة.
وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد عن الضحاك قال: «أقرأ جبريل النبي آخر سورة البقرة، فلما حفظها قال: اقرأها.
فقرأها، فجعل كلما مر بحرف قال: ذلك لك حتى فرغ منها» .
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: «لما نزلت هذه الآيات ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ فكلما قالها جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: آمين رب العالمين» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي ذر قال: هي للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في هذه الآية قال: كان عليه الصلاة والسلام فسألها نبي الله ربه، فاعطاه اياها، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وأخرج أبو عبيد عن أبي ميسرة «أن جبريل لقن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند خاتمة البقرة: آمين» .
وأخرج أبو عبيد وابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير وابن المنذر عن معاذ بن جبل.
أنه كان إذا فرغ من قراءة هذه السورة ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ قال: آمين.
وأخرج أبو عبيد عن جبير بن نغير.
أنه كان إذا قرأ خاتمة البقرة يقول: آمين، آمين.
وأخرج ابن السني والبيهقي في الشعب عن حذيفة قال: «صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ سورة البقرة، فلما ختمها قال: اللهم ربنا ولك الحمد عشراً أو سبع مرات» .
وأخرج أبو عبيد وسعيد بن منصور وأحمد والدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والبيهقي في سننه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
وأخرج أبو عبيد والدارمي والترمذي والنسائي وابن الضريس ومحمد بن نصر وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، ولا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» .
وأخرج أحمد وأبو عبيد ومحمد بن نصر عن عقبة بن عامر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اقرأوا هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة، فإن ربي أعطانيهما من تحت العرش» .
وأخرج الطبراني عن عقبة بن عامر قال: ترددوا في الآيتين من آخر سورة البقرة ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى خاتمتها، فإن الله اصطفى بها محمداً.
وأخرج أحمد والنسائي والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: أعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطها نبي قبلي» .
أخرج إسحاق بن راهويه وأحمد والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش، لم يعطهن نبي قبلي» .
وأخرج مسلم عن ابن مسعود قال: «لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطي ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئاً من أمته المقحمات» .
وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهما وعلموهما نساءكم وأبناءكم، فإنهما صلاة وقرآن ودعاء» .
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس وجعفر الفريابي في الذكر عن محمد بن المنكدر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخر سورة البقرة «إنهن قرآن، وإنهن دعاء، وإنهن يدخلن الجنة، وإنهن يرضين الرحمن» .
وأخرج الديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آيتان هما قرآن، وهما يشفيان، وهما مما يحبهما الله، الآيتان من آخر البقرة» .
وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام، فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة، لا يقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان» .
وأخرج مسدد عن عمر قال: ما كنت أرى أحداً يعقل ينام حتى يقرأ الآيات الأواخر من سورة البقرة، فإنهن من كنز تحت العرش.
وأخرج الدارمي ومحمد بن نصر وابن الضريس وابن مردويه عن علي قال: ما كنت أرى أن أحداً يعقل ينام حتى يقرأ هؤلاء الآيات الثلاث من آخر سورة البقرة، وإنهن لمن كنز تحت العرش.
وأخرج الفريابي وأبو عبيد والطبراني ومحمد بن نصر عن ابن مسعود قال: أنزلت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: من قرأ في ليلة آخر سورة البقرة فقد أكثر وأطاب.
وأخرج الخطيب في تلخيص المتشابه عن ابن مسعود قال: من قرأ الثلاث الأواخر من سورة البقرة فقد أكثر وأطاب.
وأخرج ابن عدي عن ابن مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل» .
وأخرج ابن الضريس عن ابن مسعود البدري قال: من قرأ خاتمة سورة البقرة في ليلة أجزأت عنه قيام ليلة، وقال: أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش.
وأخرج أبو يعلى عن ابن عباس قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر، في الركعة الأولى ﴿ آمن الرسول ﴾ حتى ختمها، وفي الثانية من آل عمران ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء..
﴾ [ آل عمران: 64] الآية» .
وأخرج أبو عبيد عن كعب أن محمداً صلى الله عليه وسلم أعطي أربع آيات لم يعطهن موسى، وإن موسى أعطي آية لم يعطها محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: والآيات التي أعطيهن محمد ﴿ لله ما في السماوات وما في الأرض ﴾ حتى ختم البقرة، فتلك ثلاث آيات، وآية الكرسي حتى تنقضي، والآية التي أعطيها موسى اللهم لا تولج الشيطان في قلوبنا وخلصنا منه، من أجل أن لك الملكوت والأيد والسلطان والملك والحمد والأرض والسماء والدهر الداهر أبداً أبداً، آمين آمين.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، أنه كان إذا قرأ آخر البقرة قال: يا لك نعمة، يا لك نعمة.
وأخرج ابن جرير في تهذيب الآثار عن أيوب.
إن أبا قلابة كتب إليه بدعاء الكرب وأمره أن يعلمه ابنه.
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم، سبحانك يا رحمن ما شئت أن يكون كان وما لم تشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله، أعوذ بالذي يمسك السموات السبع ومن فيهن أن يقعن على الأرض من شر ما خلق ومن شر ما برأ، وأعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر السامة، والهامة، ومن الشر كله في الدنيا والآخرة، ثم يقرأ آية الكرسي وخواتيم سورة البقرة.
قوله تعالى ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ الآية.
قد ذكرنا في بعض الروايات عن ابن عباس: أنه لما نزل قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: سمعنا وأطعنا.
فقيل على هذا القول: إن الله تعالى لما قالوا ذلك أنزل الله هذه الآية وأثنى عليهم (١) وقال أبو إسحاق: لما ذكر الله عز وجل في هذه السورة فرضَ الصلاة والزكاة والطلاق والإيلاء والحيض والجهاد وأقاصيص الأنبياء وما ذكر من الأحكام ختم السورة بذكر تصديق (٢) والمؤمنين بجميع ذلك (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ فيه قراءتان: التوحيد والجمع (٤) (٥) ويدل على هذا قوله: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ فإن قيل: إن هذه الأسماء التي يراد بها الكثرة تكون مفردةً معرَّفَةً باللام وهذه مضافة، قيل: قد جاء المضاف من الأسماء ويعني به الكثرة، كقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ وفي الحديث: "منعت العراق درهمها وقفيزها" (٦) ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ ﴾ وهذا الإحلال شائع في جميع ليالي الصيام (٧) الذي هو القرآن ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بجميع الكتب والرسل (٨) وقوله تعالى: ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ أكثر القراء فيه على التثقيل، وروى العباس (٩) (١٠) ﴿ رُسُلُنَا ﴾ و ﴿ رُسُلُكُم ﴾ (١١) (١٢) .........
سُوُكَ الإِسْحِلِ (١٣) وفي الأَكَفِّ اللامِعَاتِ سُوُرْ (١٤) وأما من خفّف، فلأن ما كان من هذا الوزن يخفّف في الآحاد، نحو: العُنُق والطنُب، وإذا خففت الآحاد فالمجموع (١٥) وأما وجه تخفيف أبي عمرو ما اتصل من ذلك بحرفين، فلأن هذا قد يخفف إذا لم يتصل بمتحرك، فإذا اتصل بمتحرك حسن التخفيف، لئلا تتوالى أربع متحركات، لأنهم كرهوا ذلك، ومن ثم لم تَتَوالَ في بناء الشعر إلا أن (١٦) ﴿ جَعَلَ لَكَ ﴾ لم يلزم، وإن كان قد توالى (١٧) (١٨) (١٩) وقوله تعالى: ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ فيه محذوف تقديره: يقولون: لا نفرّق بين (٢٠) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا ﴾ أي: يقولون: اخرجوا (٢١) (٢٢) و (بين) تقتضي شيئين فصاعدًا، وإنما جاز مع أحدٍ، وهو واحد في اللفظ، لأن أَحَدًا يجوز أن يؤدي عن الجميع، قال الله تعالى: ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ وفي الحديث: "ما أُحلت الغنائم لأحدٍ سُود الرؤوس غيركم" [[الحديث، رواه الترمذي (3085) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح غريب، والنسائي في "تفسيره" 1/ 529 رقم 229، وأحمد 2/ 252، والطيالسي في "مسنده" 318 رقم 2429، وسعيد بن منصور في سننه 2/ 376 [ط.
حبيب الرحمن] وابن أبي شيبة في "مصنفه" 14/ 387، وابن حبان في "صحيحه" الإحسان 11/ 134 برقم (4806) عن أبي هريرة مرفوعا، وأصله في الصحيحين.
رواه البخاري (3124) كتاب: فرض الجهاد، باب: قول النبي .
أحلت لكم الغنائم، ومسلم (1747) كتاب: الجهاد، باب: تحليل الغنائم لهذه الأمة عن أبي هريرة بمعنى الحديث أعلاه.]] وإنما كان كذلك، لأن أحدًا ليس كرجلٍ يثنى ويجمع، وقولك: ما يفعلُ هذا أحدٌ، تريد: ما يفعله الناس كلهم، فلما كان لفظ أحدٍ يؤديَ عن الجميع، جازَ أن يُسْتَعْمَل معه (بين)، وإن كان لا يجوز أن يقول: لا نفرّق بين رجل منهم، وقد استقصينا هذا عند قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ} [البقرة: 68] (٢٣) والكلام في أحدٍ وأصلهِ ذكرناه (٢٤) ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ أي: سمعنا قوله، وأطعنا أمره، فحذف لأن في (٢٥) (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ أي: اغفر غفرانك (٢٧) قال الفراء: وهو مصدر وقع موقع الأمر فنصب، قال: ومثله: الصلاةَ الصلاة (٢٨) (٢٩) (٣٠) وقوله تعالى: ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ نحن مُقِرُّون بالبَعْث.
(١) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 1858.
(٢) سقطت من (أ) و (م).
(٣) "معاني القرآن" 1/ 368.
(٤) قرأ حمزة والكسائي (وكتابه) على الإفراد، وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع.
ينظر: "السبعة" ص 195 - 196، "الحجة" 2/ 455.
(٥) في (م) (فيما).
(٦) رواه مسلم (2896) كتاب: الفتن، باب.
لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب من حديث أبي هريرة.
والقفيز: مكيال معروف لأهل العراق.
قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك.
والمكوك: صاع ونصف.
وهو خمس كيلجات.
(٧) من "الحجة" 2/ 458 بتصرف.
وينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1861.
(٨) ينظر: "تفسيرالثعلبي" 2/ 1860.
(٩) في (ش): (أبو العباس).
(١٠) العباس بن الفضل بن عمرو بن عبيد الواقفي الأنصاري، أبو الفضل الأنصاري، قاضي الموصل، من أكابر أصحاب أبي عمرو بن العلاء، كان عظيم القدر، جليل المنزلة في العلم والدين، متروك الحديث، توفي سنة 186 وقيل: 195.
ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 212، "تهذيب التهذيب" 2/ 292.
(١١) عزاها إلى أبي عمرو: ابن خالويه في "مختصر شواذ القرآن" ص 24، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1861، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 365، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 2/ 694، وقال ابن مجاهد في "السبعة" ص 195: قرأ أبو عمرو ما أضيف إلى مكني على حرفين (رسلنا) و (رسلكم) بإسكان السين، وثقل ما عدا ذلك.
(١٢) العَوان: كسحاب، من الحروب التي قوتل فيها مرة، ومن البقر والخيل التي نُتِجت بعد بطنها البكر، ومن النساء: التي كان لها زوج، جمعها: عُون.
ينظر: "القاموس" ص 1217 (مادة: عون)، والنَّوار: كسحاب، جمع: نور بالضم، والأصل: نُوُر، بضمتين، فكرهوا الضمة على الواو، ونارت نَورًا ونوَارًا بالكسر والفتح: نفرت، وبقرة نوار: تنفر من الفحل ينظر: "القاموس" ص 488 (مادة: نور).
(١٣) البيت: تمامه: أغر الثنايا أحم اللِّثاث ...
تمنحه سُوُك الإسحل وهو لعبد الرحمن بن حسان.
ينظر: "الحجة" 2/ 462، "المنصف" 1/ 338، "المقتضب" 1/ 113.
(١٤) عجز بيت لعدي بن زيد العبادي، وصدره: عن مبرِقاتٍ بالبُرين تبدو ينظر: "الحجة" 2/ 462، "المنصف" 1/ 338، "المقتضب" 1/ 113.
(١٥) في (ش): (فالجموع)، وهي كذلك في "الحجة"، وفي (ي): (فالجمع).
(١٦) في (ي): (مزحفًا).
(١٧) سقطت من (ي).
(١٨) في (ش) (بدل الشعر) كلمة لم أستطع قراءتها.
(١٩) من "الحجة" 2/ 460 - 463 بتصرف.
(٢٠) بين ليست في (ش) ولا (ي).
(٢١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1863، "التبيان" ص172، "البحر المحيط" 2/ 365، وذكر أن بعضهم يعربه خبرًا بعد خبر لكل.
(٢٢) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1862.
(٢٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1864، "البحر المحيط" 2/ 365، وقال: ويحتمل عندي أن يكون مما حذف فيه المعطوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: لا يفرق بين أحد من رسله وبين أحد، فيكون أحد هنا بمعنى: واحد، لا أنه اللفظ الموضوع للعموم في النفي، ومِنْ حذف المعطوف: "سرابيل تقيهم الحر" أي: والبرد.
(٢٤) في (ي) و (ش): (ذكرنا).
(٢٥) في سقطت من (ي) و (ش).
(٢٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 369، "تفسير الثعلبي" 2/ 1865، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 147، "البحر المحيط" 2/ 366.
(٢٧) قوله: (أي اغفر غفرانك)، سقطت من (أ).
(٢٨) هذه الجملة ليست في (أ).
(٢٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 188.
(٣٠) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 369، "تفسير الثعلبي" 2/ 1865 - 1866، "التبيان" ص 172.
<div class="verse-tafsir"
﴿ آمَنَ الرسول ﴾ الآية سببها ما تقدّم في حديث أبي هريرة: لما قالوا سمعنا وأطعنا مدحهم الله بهذه الآية، وقدّم ذلك قبل كشف ما شق عليهم ﴿ والمؤمنون ﴾ عطف على الرسول أو مبتدأ، فعلى الأوّل يوقف على المؤمنون وعلى الثاني يوقف على من ربّه والأوّل أحسن ﴿ كُلٌّ آمَنَ بالله ﴾ إن كان المؤمنون معطوفاً فكل عموم في الرسول والمؤمنون، وإن كان مبتدأ فكل عموم في المؤمنين ووحد الضمير في آمن على معنى أن كل واحد منهم آمن ﴿ وَكُتُبِهِ ﴾ قرئ بالجمع أي كل كتاب أنزله الله، وقرئ بالتوحيد يريد القرآن أو الجنس ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ التقدير يقولون: لا نفرّق، والمعنى: لا نفرق بين أحد من الرسل وبين غيره في الإيمان بل نؤمن بجميعهم، ولسنا كاليهود والنصارى الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ حكاية عن قول المؤمنين على وجه المدح لهم ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ مصدر، والعامل فيه مضمر ونصبه على المصدرية تقديره اغفر غفرانك، وقيل على المفعولية تقديره: نطلب غفرانك ﴿ وَإِلَيْكَ المصير ﴾ إقرار بالبعث مع تذلل وانقياد، وهنا تمت حكاية كلام المؤمنين ﴿ لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ إخبار من الله تعالى برفع تكليف ما لا يطاق، وهو جائز عقلاّ عند الأشعرية ومحال عقلاً عند المعتزلة، واتفقوا على أنه لم يقع في الشريعة ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾ أي من الحسنات ﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ أي من السيئات، وجاءت العبارة بلها في الحسنات لأنها مما ينتفع بالعبد به، وجاءت بعليها في السيئات لأنها مما يضر العبد، وإنما قال في الحسنات كسبت وفي الشرّ اكتسبت، لأنّ في الاكتساب ضرب من الاعتمال والمعالجة، حسبما تقتضيه صيغة افتعل فالسيئات فاعلها يتكلف مخافة أمر الله، ويتعدّاه بخلاف الحسنات، فإنه فيها على الجادّة من غير تكلف أو لأنّ السيئات يجدّ في فعلها لميل النفس إليها، فجعلت لذلك مكتسبة، ولا لم يكن الإنسان في الحسنات كذلك: وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ أي قولوا ذلك في دعائكم ويحتمل أن يكون ذلك من بقية حكاية قولهم كما حكى عنهم قولهم: سمعنا وأطعنا، والنسيان هنا هو ذهول القلب على الإنسان، والخطأ غير العمد فذلك معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان» وقد كان يجوز أن يأخذ به لولا أنّ الله رفعه ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً ﴾ التكاليف الصعبة، وقد كانت لمن تقدّم من الأمم كقتل أنفسهم، وقرض أبدانهم، ورفعت عن هذه الأمة.
قال تعالى ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ﴾ [الأعراف: 157] وقيل الإصر المسخ قردة وخنازير ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ هذا الدعاء دليل على جواز تكليف ما لا يطاق لأنه لا يدعى برفع ما لا يجوز أن يقع.
ثم إنّ الشرع دفع وقوعه.
وتحقيق ذلك أنّ ما لا يطاق.
أربعة أنواع: الأول: عقلي محض: كتكليف الإيمان لمن علم الله أنه لا يؤمن.
فهذا جائز وواقع بالاتفاق.
والثاني: عاديّ كالطيران في الهواء.
والثالث: عقلي وعادي: كالجمع بين الضدّين، فهذان وقع الخلاف في جواز التكليف بهما، والاتفاق على عدم وقوعه، والرابع تكليف ما يشق ويصعب، فهذا جائز اتفاقاً، فقد كلفه الله من تقدّم من الأمم، ورفعه عن هذه الأمّة ﴿ واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ ﴾ ألفاظ متقاربة المعنى وبينها من الفرق أنّ العفو ترك المؤاخذة بالذنب، والمغفرة تقتضي مع ذلك الستر، والرحمة تجمع ذلك مع التفضيل بالإنعام ﴿ مولانا ﴾ ولينا وسيدنا.
القراءات: ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ بإدغام الراء في اللام: أبو عمرو.
وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿ فيغفر ﴾ و ﴿ يعذب ﴾ برفع الراء والباء: يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.
وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ كل القرآن.
﴿ وكتابه ﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وكتبه ﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب.
الباقون بالنون ﴿ أخطأنا ﴾ مثل ﴿ فادارأتم ﴾ .
الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ به الله ﴾ ط لمن قرأ ﴿ فيغفر ﴾ بالرفع على الاستئناف/ أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف.
﴿ من يشاء ﴾ ط.
﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه.
﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ وسعها ﴾ ط ﴿ ما اكتسبت ﴾ ط ﴿ أو أخطأنا ﴾ ج ﴿ من قبلنا ﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿ لنا به ﴾ ج ﴿ واعف عنه ﴾ وقفة ﴿ واغفر لنا ﴾ كذلك ﴿ واحمنا ﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله: ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وعلى كمال علمه وهو قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ وعلى كمال قدرته وهو قوله ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين.
وعن أبي مسلم أنه لما قال: والله بما تعملون عليم.
ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها.
وقيل: لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به.
وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السموات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار.
عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له: "لما نزل ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله .
فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والصدقة.
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
قال رسول الله : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟
بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّوجل: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ قال: نعم ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: نعم، ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال نعم ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ قال نعم.
" واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه.
نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب.
وروت أنها سألت النبي عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.
وقيل: إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه قال بعد نزول قوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ " "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا " وقيل: معنى قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة الى التزام النسخ.
وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ.
وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ﴿ ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام.
فعلى كل عاقل أن يكون له عبداً منقاداً خاضعاً لأوامره ومراضيه، محترزاً عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾ فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية في الممكن، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إلى آخر السورة.
أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب، فبيّن في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة هم أمة محمد ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ ثم قال ههنا ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ كما قال هناك ﴿ ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ وقال ههنا ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ كما قال هنالك ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾ إلى آخر السورة كما قال هناك ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ \[البقرة:/ 5\] أو نقول: إنه لما ذكر في هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام، بيّن أن الرسول اعترف لمعجزة دلت على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل.
ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله على يد الرسول حتى استدلت الأمة بها على أنه صادق في دعواه وهو المرتبة المتأخرة.
ومن تأمل في نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم مبانيه.
ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك.
ثم ههنا احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ فيكون المعنى ﴿ آمن الرسول...والمؤمنون...
بما أنزل إليه من ربه ﴾ ثم ابتدأ بقول ﴿ كل آمن ﴾ فيكون الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل عائداً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن، ولهذا وحد.
ومثل هذا الضمير يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد، ويجوز أن يجمع كقوله ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ وهذا الاحتمال يشعر بأنه ما كان مؤمناً بربه ثم آمن، فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على يد جبريل أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة.
والاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله ﴿ من ربه ﴾ ثم ابتدأ من قوله ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ وفي هذا الاحتمال إشعار بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي نزلت عليه كما قال ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان حاصلاً منذ خلق من أول الأمر بل كان نبياً وآدم بين الماء والطين، كما أن عيسى خلق كامل العقل حتى قال في المهد ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ﴾ وعلى هذا فإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون متلواً يسمعه الغير ويعرفه فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه.
فيكون هو مختصاً بالإيمان به ولا يتمكن الغير من الإيمان به.
واعلم أن الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضروريات الإيمان: المرتبة الأولى هي الإيمان بالله فإن صدق المبلغ والرسول يتوقف على وجود المبلغ والمرسل.
والثانية الإيمان بالملائكة فإنهم وسائط بين الله وبين البشر.
﴿ ينزل الملائكة بالروح/ من أمره على من يشاء من عباده ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ .
والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي .
فمثال الملك في عالم الصورة جرم القمر، ومثال الوحي نور القمر.
فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من الله ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل في المرتبة الرابعة.
وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا ، وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها، ثم الإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه.
أما الإيمان بوجوده فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله فيكون الخلاف معهم في ذات الله .
وأما الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم في الصفات لا في الذات، لأنهم مقرون بوجود موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ثبوتية أو سلبية أو إضافية.
وقد عرفت في تفسير البسملة ما يصح وصفه بها وما لا يصح، وكذا في تفسير آية الكرسي.
وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية للحيوانات، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله فهو مضطر في صورة مختار.
وقد حققنا هذه المسألة في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان يترتب عليها الفوائد، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد لا إلى الله فإنه منزه عن جلب المنافع ودفع المضار، وأن تعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب الأعمال شيء، وأنه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا يقبح منه شيء، لأن الكل ملكه وملكه.
وأما الإيمان بأسمائه فهي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة وفي كلمات أنيبائه المرسلة، وقد مر في تفسير البسملة فهذا هو الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله.
وأما الايمان بالملائكة فهو الإيمان بوجودها.
فأما البحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية محضة، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فلطيفة أو كثيفة، وإن كانت لطيفة فنورانية أو هوائية فذاك مقام العلماء الراسخين في العلوم القرآنية والبُرهانية ويدخل في الإيمان بالملائكة اعتقاد أنهم معصومون، وأن لذتهم بذكر الله، وحياتهم بمعرفته وطاعته، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وبهم وصلت الكتب إلى الأنبياء، ولكل طائفة منهم مقام معلوم وجزء مقسوم من أقسام هذا العالم.
وأما الإيمان بالكتب/ فإن تعلم أن كلها وحي من عند الله وليس لأحد من المخلوقات أن يلقي فيها شيئاً من ضلالاتهم ولا سيما في القرآن العظيم.
وإن من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان، فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وطرق إليه التغيير والتحريف.
وأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، ومحكمه يكشف عن متشابهه.
وأما الإيمان بالرسل فإن تعلم كونهم معصومين عن الذنوب في باب الاعتقاد في أمر التبيلغ وفي الفتيا وفي الأخلاق وفي الأفعال كما مر في قصة آدم، وأن تعلم أن النبي أفضل ممن ليس بني خلافاً لبعض الصوفية، وأن بعض الأنبياء أفضل من بعض كما قال : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ وأما فضلهم على الملائكة فقد قال بعضهم: إن الأنبياء أفضل من الملائكة.
وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم وإنهم أفضل من الملائكة الأرضية.
وقد مر تحقيق ذلك في قصة آدم أيضاً.
وأن تعلم أن شرعهم وإن صار منسوخاً إلا أن نبوتهم لم تصر منسوخة.
وإنهم الآن أنبياء ورسل كما كانوا، وناقش بعض المتكلمين في ذلك.
فهذه إشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وأما من قرأ ﴿ وكتابه ﴾ على الوحدة فإما أن يراد به القرآن، ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بمجموع الكتب والرسل.
وإما أن يراد به جنس الكتب السماوية فإن اسم الجنس المضاف قد يفيد العموم كقوله: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ﴾ وقال ﴿ احل لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام.
قال العلماء: قراءة الجمع أولى لمشاكلة ما قبله وما بعده.
وقيل: قراءة الإفراد أولى لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.
ومن هنا قال ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب.
ومن قرأ ﴿ لا نفرق ﴾ بالنون فلا بد من إضمار أي يقولون لا نفرق.
ومن قرأ بالياء على أن الفعل لكل فلا حاجة إلى الإضمار، ثم إن الجملة خبر أو حال واحد في معنى الجمع.
أي بين كل منهم وبين آخر منهم، فإن النكرة في سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول "بين" عليها.
وليس المراد بعدم التفريق عدم التفضيل لقوله : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ بل المراد عدم التفريق في الإيمان بهم وفي اعتقاد بنوتهم لظهور المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم.
والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد .
وعن أبي مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ واعلم أن قوله ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ بين أحد من رسله ﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى استكمال القوة العملية بالأعمال/ الفاضلة الكاملة.
أو نقول: إن للإنسان إياماً ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد.
فقوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ من رسله ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الوسط و ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ علم المعاد ومثله في آخر سورة هود ﴿ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ﴾ وهو معرفة المبدأ لأن الكمالاتالحقيقية ليست إلا العلم والقدرة.
وقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ فيه بيان كمال العلم، وقوله ﴿ وإليه يرجع الأمر ﴾ فيه كمال القدرة.
وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: ﴿ فاعبده ﴾ ونهايته قطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله ﴿ وتوكل عليه ﴾ وأما علم المعاد فقوله: ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ﴾ وهو معرفة المبدأ ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ وفيه إشارة إلى عالم الوسط ﴿ والحمد لله رب العالمين ﴾ إشارة إلى علم المعاد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة عالم الأنوار.
أو نقول ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إشارة إلى الأحكام العقليات ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الأحكام السمعيات.
قال الواحدي: أي سمعنا قوله وأطعنا أمره.
وقيل: حذف المفعول صورة.
ومعنى ههنا أولى ليفيد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره.
والسماع ههنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام، فهو حق صحيح واجب قبوله، ثم قال ﴿ وأطعنا ﴾ فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها، فجمع الله بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف علماً وعملاً.
﴿ غفرانك ﴾ مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر.
ويقال: غفرانك اللهم لا كفرانك.
من قوله ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن تعدموا جزاءه.
وفي الكشاف: أي نستغفرك ولا نكفرك.
وقيل: معناه نسألك غفرانك فيكون مفعولاً به.
والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوباً لكثرة الاستعمال وللاستغناء به عن فعله نحو: سقياً ورعياً.
وههنا سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة؟
والجواب لعلهم خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون/ ويذرون، أو لعلهم كانوا يرتقون في درجات العبودية فيستغفرون مما قد خلفوها، ومن ههنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقد حمل قوله : " وإني لأستغفر الله في اليوم سعبين مرة " على مثل هذا.
ولأن جميع الطاعات في جنب مواجب حقوق الإلهية جنايات وتقصير وقصور، ولهذا حكى عن أهل الجنة ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾ } [يونس: 10] أي أنت منزه عن تسبيحنا وتقديسنا ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ أي كل الحمد له، وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا.
ثم إن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين: أحدهما بالإضافة إليه، والثاني بقوله: ﴿ ربنا ﴾ أما القيد الأول فمعناه أطلب المغفرة منك وأنت الكامل في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب ويبدّلها حسنات.
أو تكون الإضافة إشارة إلى ما ورد في الحديث: " "إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فبها يتراحمون ويتعاطفون.
وأخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة " أو لعل العبد يقول: كل صفة من صفاتك فإنما يظهر أثرها في محل معين.
فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، ولولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لم يظهر آثار مغفرتك ورأفتك.
فأنا أطلب الغفران الذي لا يمكن ظهوره إلا في حقي وفي حق أمثالي من المذنبين.
وأما القيد الثاني فمعناه ربيتني إذ أوجدتني مع أنك لو لم تربني في ذلك الوقت لم أتضرر به لأني كنت أبقى في العدم، والآن لو لم تربني أتضرر به فأسألك أن لا تهملني.
أو ربيتني حين لم أذكرك بالتوحيد فكيف يليق بكرمك أن لا تربيني وقد أفنيت عمري في توحيدك؟
أو ربيتني في الماضي فاجعل تربيتك لي في الماضي شفيعاً إليك في أن تربيني في المستقبل، أو ربيتني فيما مضى فأتمم هذه التربية فيما يستقبل فإن إتمام المعروف خير من ابتدائه، ﴿ وإليك المصير ﴾ حيث لا حكم إلا حكمك ولا يشفع أحد إلا بإذنك.
وفيه اعتراف بأنه عالم بالجزئيات قادر على كل الممكنات، له المحيا وله الممات.
قوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا.
وإن قلنا إنه من كلام الله مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله عنهم إجابة لدعائهم.
والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة.
ولكنه ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته.
واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين: الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد.
ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق.
الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق.
أما الأشاعرة فقالوا: تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين.
والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع.
لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار.
على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال: لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ قال الواحدي: إن الكسب والاكتساب واحد.
قال : ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ وقيل: الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة.
وقيل: في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه.
قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه بيّن أن لها/ ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر.
وقال الجبائي: تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال.
واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار.
وفرعوا عليه مسائل منها: أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر.
ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل.
ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك.
ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام.
ثم إنه حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء: الأول ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا.
وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو: سافرت وعاقبت اللص.
وقيل: معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه.
وفي التفسير الكبير: إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب.
والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله : ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر.
وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " فما معنى الدعاء؟
والجواب من وجوه: الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر.
فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته.
وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراة ومع/ ذلك نسي فإنه يكون معذوراً.
وروي "أنه كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه" فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء.
والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال.
الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل: إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به.
الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله ﴿ قل رب احكم بالحق ﴾ ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ وقالت الملائكة: ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ﴾ .
الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.
وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله عقلاً لما أرشد الله إلى طلب ترك المؤاخذة عليه.
وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا: إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي.
إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء.وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن أن يدعوه بترك المؤاخذة عل تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً.
النوع الثاني: من الدعاء ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل.
والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره.
يقال: ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من الهيود، قال المفسرون: إن الله فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا.
فأجاب الله دعاءهم كما قال: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ وقال " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق" " وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة.
وقيل: معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول.
قال بعض العلماء: اليهود لما كانت الفظاظة/ وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ.
وأما أن اليهود لما خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله.
النوع الثالث: الدعاء ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء.
وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله: ﴿ لا طاقة لنا ﴾ أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه.
وفي الحديث أن النبي قال في المملوك: " له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " أي لا يشق عليه.
وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا: المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله.
سلمنا أنهم سألوا الله أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله ﴿ رب احكم بالحق ﴾ لا يدل على جواز أن يحكم بباطل.
وكذا قول إبراهيم ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز.
قيل: لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل؟
وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل.
قيل: لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب.
والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها.
وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم.
ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا.
وقيل: الأول طلب ترك التشديد في مقام القيامبظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك.
وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ ﴿ ولا تحمل علينا ﴾ فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى.
النوع الرابع من الدعاء ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ وإنما حذف النداء وهو قوله "ربنا" ههنا لأن النداء يشعر بالبعد.
فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا واظب على التضرع والدعاء نال مقام القربة والزلفى من الله.
والفرق بين العفو والمغفرة والرحمة أن العفو إسقاط العذاب، والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صوناً له عن عذاب التخجيل والفضيحة فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل عقيبة الخلاص من عذاب الفضيحة.
فالأول هو العذاب الجسماني والثاني هو العذاب الروحاني.
وبعد التخلص منهماأقبل على طلب الثواب وهو أيضاً قسمان: جسماني هو نعيم الجنة وطيباتها وهو قوله ﴿ وارحمنا ﴾ وروحاني هو إقبال العبد بكليته على مولاه وهو قوله ﴿ أنت مولانا ﴾ ففيه الاعتراف بأنه هو المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه.
وبهذا الاعتراف يحق الوصول إلى الحق "من عرف نفسه" أي بالإمكان والنقصان "عرف ربه" أي بالوجوب والتمام.
ثم إذا وصل إلى الحق أعرض بالكلية عما سواه وهو قوله ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ أعنا على قهر كل من خالفك وناواك وعلى غلبة القوى الجسمانية الداعية إلى ما سواك.
عن رسول الله " السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل: وما البطلة؟
قال: السحرة " وعنه " "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وعنه " "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " وعنه " "أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان "أنه لما أسري بالنبي إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة فقالت الملائكة له: إن الله عز وجل أكرمك بحسن الثناء بقوله ﴿ آمن الرسول ﴾ فاسأله وارغب إليه.
فعلّمه جبريل كيف يدعو فقال النبي ﴿ غفرانك ربنا ﴾ فقال الله: قد غفرت لكم.
فقال: ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ فقال الله: لا أؤاخذكم.
فقال: لا تحمل علينا إصراً.
فقال: لا أشدد عليكم.
فقال: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
فقال: لا أحملكم ذلك.
فقال: ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ فقال الله: قد عفوت عنكم/ وغفرت لكم وانصركم على القوم الكافرين" .
وفي بعض الروايات أن محمداً كان يذكر هذه الدعوات والملائكة كانوا يقولون آمين.
التأويل: الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق.
له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه.
فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿ إن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿ أو تخفوه ﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿ والله على كل شيء ﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿ قدير ﴾ لما عرج بالنبي إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾ أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله: " " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" .
فقيل له ﴿ آمن الرسول ﴾ عياناً ﴿ بما أنزل إليه من ربه ﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إلى قوله ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ فقال الله : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة؟
فقال النبي ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك.
قال الله في جوابه ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.
وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير؟
وإنما بلغت هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير.
فتارة/ أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب.
فقال ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿ واعف عنا ﴾ حجب أنانيتنا ﴿ واغفر لنا ﴾ بشواهد هويتك ﴿ وارحمنا ﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿ أنت مولانا ﴾ وولينا في رفعوجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.
بيني وبينك إنيَّ يزاحمني *** فارفع بجودك إنّي من البين
قوله : ﴿ للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
هو ظاهر، إذ ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ردّاً على قولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، و"الملائكة بنات الله".
وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم في غير موضع.
وقوله : ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ ﴾ .
ومن الناس من استدل على نسخها بقوله: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ ، لكنه لا يحتمل؛ لأن الآية وعد وخبر بالمحاسبة، والوعد لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف وبداء، وذلك ممن يجهل بالعواقب، الله عز وجل عن ذلك علوا كبيراً.
ثم اختلف فيه: قال الحسن: هو على ما عزم ولا على ما خطر بالنفس.
وكذا قوله: "من هم".
ويحتمل أن يكون على التقديم والتأخير: إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يحاسبكم به الله.
ويحتمل أيضاً: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعزمتم عليه وعقدتم، لا على الخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي: "من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة فكذا"، ليس على ما يخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي، وتحدث النفس به، ولكن على العزم عليه والاعتقاد.
وكذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، همت هي به هم عزم، وهو هم بها هم خطر.
والمرء غير مؤاخذ بما يخطر في القلب وتحدث النفس به، إنما يؤاخذ على ما عزم واعتقد عليه.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
فيه دليل ما قلنا: إنه على العزم والاعتقاد عليه؛ لما ذكرنا من العفو والعقوبة عليه.
وقوله : ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ .
قوله: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: آمن بنفس المنزل ﴿ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ ، أنه من عند الله وكذلك ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ أيضاً آمنوا بما أنزل إليه أنه من عند الله .
ويحتمل: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: آمن الرسول بما في المنزل إليه، وكان فيه ما ذكر: ﴿ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ، إلى قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وكذلك "المؤمنون" آمنوا بجميع ما في المنزل، وهو ما ذكرنا.
وفيه دليل أن الإيمان بالمنزل على رسول الله إيمان بجميع الرسل والكتب كلها والملائكة والبعث والجنة والنار.
وفيه دلالة نقض قول من يشك في إيمانه ويستثني؛ لأنه عز وجل شهد لهم بالإيمان، فلا يخلوا الاستثناء: إما أن يكون لشكهم في إتيان ما أمروا، أو في الذي أخبر الله عنه بما كان، ففيه الويل لهم.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه شهد لهم بالإيمان، وهم نفوا عنهم الاسم الذي شهد الله لهم بالإيمان به، وبالذي ذكر، وكل صاحب كبيرة مؤمن بجميع ما ذكر، وقد سماهم الله به مؤمنين، وشهد لهم به.
والله الموفق.
فإن قيل: فقد ذكر الطاعة في آخرها.
قيل: ذكر الطاعة في الإجابة، وبتلك الإجابة شهد لهم؛ فيلزمهم ما شهد الله لهم جل وعلا بما أجابوا.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ .
ويحتمل: أن يكون هنا خبرا أخبر الله عز وجل عن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ كما فرق اليهود والنصارى.
وقوله : ﴿ ...وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .
يحتمل: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ قولك ودعاءك، و ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ ، أي: أطعناك في الإجابة.
ويحتمل: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ القرآن، و ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ ، أي: أطعنا ما فيه.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ ...غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ .
أي: اغفر لنا ربنا.
﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
أي: المرجع.
وهذه الآية جمع جميع شرائط الإيمان؛ لذلك قلنا: إن الإيمان بالقرآن إيمان بجميع الكتب والأنبياء والبعث وغيره.
وبالله العصمة والنجاة.
وقوله : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
اختلف فيه: قال الحسن: قوله : ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، إلا ما يحل ويسع، لكن بعض الناس يقولون: هذا بعيد، لا يحتمل الآية، إذا كلف حل ووسع.
فإذا كان كذلك لم يكن لقوله معنى.
قيل: له: هو كقوله : ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ، إذا أحل طَيِّب وإذا طيب أحل.
فكذا الأول.
وكذا ذكرنا الأمرين جميعاً.
وتأويل ثان ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ : إلا طاقتها وكذلك قول المعتزلة: [غير أنا اختلفنا في تقدم استطاعة الأفعال فمنعنا نحن تقدمها وقلنا لا تكون إلا مع الفعل، وقالت المعتزلة] بتقدم الفعل، وأما عندنا: فإنها على وجهين: استطاعة الأحوال والأسباب، واستطاعة الأفعال.
أما استطاعة الأحوال والأسباب: فإنها يتقدمها، وعلى ذلك يقع الخطاب، دليله: قوله عز وجل: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .
قيل: يا رسول الله ما الاستطاعة؟
قال: "الزاد والراحلة".
ثم كل يجمع أن من كان بأقصى بلاد المسلمين قد يلزمه فرض الحج، على علم كل منهم أن تلك الاستطاعة لو صرفت إلى استطاعة الأفعال لم يبق إلى وقت وجود الأفعال، ثم قد لزمه ذلك؛ فبان أن الكلفة إنما تقع على استطاعة الأحوال والأسباب، وكذلك الكلفة في جميع الطاعات.
فإن قيل: قد يقع هذا على الخروج، فيوجد الفعل عقيب قوة الخروج، قيل: لو كان كذا لكان لا يلزم فرض الحج إلا بالخروج، وله ترك الخروج، إذ باكتساب الخروج يلزمه فرض الحج، فلا يلزم عليه فرض الحج؛ فثبت أنه لا يحتمله، بل هو على ما قاله أصحابنا - رحمهم الله -: إنها استطاعة الأحوال [والأسباب]، وتلك تتقدم، لما ذكرنا.
والله أعلم.
وأما استطاعة الأفعال: فإنها تحدث بحدوث الأفعال وتتلو كالأوقات التي لا تبقى في وقت ثاني، فهي كالوقت الذي لا يبقى في وقت ثان.
والله أعلم.
فإن سئلنا عن التكليف: أيكون فيما لا يطاق؟
فجوابنا: أنه فيما منعنا عنه فلا.
وفيما لم نمنع، وصنيعنا يشغلنا بغيره، فبلي.
ثم الكافر بما أعطي من القوة والاستطاعة، شغل نفسه بغير وضيع ما أعطي من القوة.
فإذا ضيع لم يكن تكليف ما لا يطيق ثم ننظر إينا أحق بالقول بتكليف ما لا يطاق.
فمن قول المعتزلة: إن القوة على الفعل ليوجده في الوقت الثاني.
ثم في الوقت الثاني جعلوه غير قادر عليه بقدرة توجد، ثم جعلوه أيضاً غير قادر على الترك للفعل.
والمتعارف من الأمر في الظاهر بشيء يفعله في وقت ألا يقع الأمر به وقت ما يسمعه ويقرع الخطاب السمع، بل في ثان من الوقت.
فحصل عندهم الأمر على الوقت الذي هو غير قادر فيه.
فأي تكليف على فقد الطوق والوسع أبين مما قالوا؟!
وبالله التوفيق.
ثم أفحش من هذا ما قالوا: إن القدرة تتقدم الفعل، والفعل هو الذي يدل على وجود الولاية، وهو في وقت إيجاد الفعل، إن كان كفرا يعادي، وإن كان إيماناً يوالي.
فحصل القول: على أن الموالاة والمعاداة أبدا تقع في غير وقت الانتهاء والائتمار.
ثم قولهم في قوله : ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ ، أنه على الجبر.
ولا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أوجب لكل ذلك مرة بالجبر في الخلقة، وهو قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ، فقد ألزمهم الإسلام بالخلقة، بان أن الثاني على الاختيار.
ثم قولهم: في استطاعة واحدة لفعلين خطأ؛ لأن من قولهم: إن الاستطاعة لا تبقى، ثم وجود الفعلين معاً في وقت باستطاعة واحدة محال، ووجود تلك الاستطاعة لأحد الفعلين بعدم الآخر مستحيل لعدم البقاء، ووجوده عندهم على البدل محال، إذ جعلوا عين ما هو الأصل لأحدهما للآخر؛ فثبت أنه خطأ.
وقوله : ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ﴾ .
فيه دلالة: أن الله إنما يأمر عبيده وينهى، وإنما يأمر وينهى؛ لمنافع لهم ولضرر يلحقهم، لا لمنافع تكون له بالأمر فيأمر، أو بضر يلحقه فينهى عن ذلك.
فيكون الأمر جارّاً منفعة، وفي النهي دافعا مضرة.
كما يكون في الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر لمنفعة تتأمل فيه، وينهى عن شيء لدفع ضرر يخافه.
وتعالى الله عن ذلك.
وقوله : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ إِن نَّسِينَآ ﴾ ، يعني: تركنا، كقوله : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ترك.
وقوله: ﴿ أَخْطَأْنَا ﴾ ، يعني: ارتكبنا ما نهيتنا.
وقيل: إنه على حقيقة النسيان والخطأ، كأنه على الإضمار أن قولوا ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا...
﴾ الآية.
ثم اختلف بعد هذا: قالت المعتزلة: أمر بالدعاء بهذا تعبدا أو تقرباً إليه.
وكذلك قوله : ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، ونحوه، خرج الدعاء به مخرج التعبد والتقرب؛ لأن رسول الله أخبر أن لا يؤاخذنا بالنسيان والخطأ، وأخبر أنه لا يخلف المعياد، وكذلك معلوم أنه لا يحكم إلا بالحق.
وكذلك قوله : ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ وقد أخبر أنه قد غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه على ما ذكرنا، وإلى هذا يذهب المعتزلة.
وأما الأصل عندنا في هذا: أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان والخطأ، ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا.
ألا ترى أن الله أوجب على قاتل الخطأ الكفارة، ثم قال: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، فلو لم يجز أن يعاقب على النسيان والخطأ، لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى؛ دل أنه جائز في الحكمة المؤاخذة به.
والثاني: قوله عز وجل: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، وفعل الشيطان مما يتقي ويحذر؛ لذلك كان ما ذكرنا - والله أعلم - لأنه لو اجتهد عن فعل السهو والنسيان سلم عنه، فجائز أن يسأل السلامة عنهما، إذ بالجهد يسلم عنه، وبالغفلة يقع فيه.
والثالث: ما ذكرنا: أن النسيان هو الترك، والخطأ هو ارتكاب المهني، والتارك لأمر الله، والمرتكب لنهيه يستوجب العقاب عليه.
والله أعلم.
فيصبح الدعاء على ذلك؛ لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهي.
فإن قيل: ما معنى قوله : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ؟
قيل: إنما جاء هذا في الكفر خاصة، لا في غيره؛ وذلك أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، يجري على ألسنتهم الكفر على النسيان والخطأ، وكذلك كانوا يكرهون على الكفر فيجرون على ألسنتهم الكفر مخافة القتل، فأخبرهم النبي أن ذلك مرفوعاً عنهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: وبعد فإن في الخبر العفو، فيكون في ذلك دليل جواز الأخذ، والعل الوعد بالعفو مقرونا بشرط الدعاء؛ فلذلك يدعون.
وذكر أن رسول الله دعا بهذا، فأجيبا لا أن يؤمر أحد أن يدعو ابتداء.
والله أعلم.
وأما قوله : ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، ففيه وجهان: أحدهما: أنه وعد الرسل والمؤمنين جملة الجنة.
فسؤال كل منهم أن يجعله من تلك الجملة التي وعدهم الجنة.
والثاني: يسأل الختم على ما به يستوجب الموعود.
وأما الأمر بالاستغفار: فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما روي: "المؤذن يغفر له مد صوته"، فهو على استيجاب أولئك المغفرة به؛ فعلى ذلك استغفاره، ليغفر به بعض أمته.
والثاني: أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر؛ فكأنه يسأل الستر عليه بعد التجاوز عنه.
قال الشيخ - رحمه الله -: ثم الأصل أن الاستغفار هو طلب المغفرة، فلو كان لا يجوز له التعذيب، فيكون التعذيب [جوراً]، فيصير السؤال في التحقيق سؤال ألا يجور، وذلك مما لا يسع المحنة.
وكذلك لو كان مغفورا له، كان الحق فيه الشكر لما أنعم عليه، وفي ذلك كتمان النعمة، والمحنة بكتمان نعم الله وكفرانها محال؛ لذلك لا بد أن يكون في الآيات ما يتمكن معه المحنة من المعنى.
والله أعلم.
وأما قوله عز وجل: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، قيل: الحق هاهنا هو العذاب، كأنه أمره أن يسأل بإنزال العذاب عليهم.
وقيل: ﴿ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي احكم بحكمك الذي هو الحق.
فإذا كان ما ذكر محتملا، دل أنه ليس على ما ذهب إليه أولئك.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ .
قيل: "الإصر"، هو العهد، ويقول: لا تحمل علينا عهدا تعذبنا بتركه ونقضه ما حملته على الذين من قبلنا.
وكان من قبلهم إذا خُطِّئُوا خطيئة حرم الله عليهم على نحوها مما أحل لهم الطيبات، كقوله : ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ، وكأصحاب الأخدود، وغيرهم.
فخاف المسلمون ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً ﴾ ، في جرم أجرمناه فتحرم علينا الطيبات.
وأصل "الإصر"، الثقل والتشديد الذي كان عليهم من نحو ما كان توبتهم الأمر بقتل بعضهم بعضاً، كقوله : ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
وقوله : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أن ﴿ وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ من القتل والهلاك، إذ في ذلك إفناؤهم، وفي الفناء ذهاب طاقتهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي مما نشتغل عما أمرتنا، فيكون كالدعاء بالعصمة.
والله أعلم.
ويحتمل: أن يراد به طاقة الفعل، وهي لا تتقدم عندنا الفعل.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَٱعْفُ عَنَّا ﴾ .
قيل: اتركنا على ما نحن عليه، ولا تعذبنا.
وقوله : ﴿ وَٱغْفِرْ لَنَا ﴾ .
أي: استر لنا.
و"الغفر"، هو الستر؛ ولذلك يسمى المغفر "مغفراً"؛ لأنه يستر.
وستر الذنب هو أعظم النعم.
[وقوله : ﴿ وَٱرْحَمْنَآ ﴾ .
أي: تغمدنا برحمتك، لأنه لم ينج أحد إلا برحتمك].
وقوله : ﴿ أَنتَ مَوْلَٰـنَا ﴾ .
قيل: إنت أولى بنا.
وقيل: أنت حافظنا.
وقيل: أنت ولينا وناصرنا.
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله : ﴿ فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
يحتمل: الكفار المعروفين.
ويحتمل: الشياطين، أي: انصرنا عليهم.
آمن الرسول محمد بكل ما أُنزل إليه من ربه، والمؤمنون آمنوا كذلك، كلهم جميعًا آمنوا بالله، وآمنوا بجميع ملائكته، وجميع كتبه التي أنزلها على الأنبياء، وجميع رسله الذين أرسلهم، آمنوا بهم قائلين: لا نفرق بين أحد من رسل الله، وقالوا: سمعنا ما أمرتنا به ونهيتنا عنه، وأطعناك بفعل ما أمرت به وترك ما نهيت عنه، ونسألك أن تغفر لنا يا ربنا، فإن مرجعنا إليك وحدك في كل شؤوننا.
<div class="verse-tafsir" id="91.6qLOb"
﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ : أي كل منهم آمن بوجود الله ووحدانيته وتنزيهه وكمال صفاته وحكمته وسنته في خلقه، وبوجود الملائكة الذين هم السفراء بين الله وبين الرسل ينزلون بالوحي على قلوب الأنبياء.
والمراد بالإيمان بالكتب والرسل جنسها أي يؤمنون بذلك إيمانًا إجماليًا فيما أجمله القرآن وتفصيليًا فيما فصله لا يزيدون على ذلك شيئًا.
﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ : المعنى أن من شأن المؤمنين أن يقولوا هذا معتقدين أنهم في الرسالة والتشريع سواء، كثر قوم الرسول منهم أم قلوا وكثرت الأحكام المنزلة عليه أم قلت وتقدمت البعثة أم تأخرت، وهذا لا ينافي قوله تعالى ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ فإن التفضيل ليس في أصل الرسالة والوحي كما تقدم في تفسير الآية.
﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ : وقد بينا لكم مرارًا أن فرقًا بين إيمان الإذعان وبين ما يسميه الإنسان إيمانًا واعتقادًا لأنه نشأ عليه وقلبه بالتقليد ولم يسمع له ناقضًا، فمثل هذا ليس اعتقادًا حقيقيًا وقلما ينشأ عنه عمل لأنه تقليد بقاؤه في الغفلة عن ناقضة.
والإذعان ينبه النفس دائمًا إلى ما تذعن له، ويبعثها دائمًا إلى العمل به إلا إذا عرض ما لا يسلم منه المرء من الموانع، ولهذا عطف أعطنا على سمعنا.
ولما كان العامل المذعن المخلص يراقق قلبه ويحاسب نفسه على التقصير الذي تأتي به العوارض الطارئة ويلومها على ما دون الكمال من الأعمال كان من شأن المؤمنين أن يقولوا مع السمع والطاعة.
﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ أي يسألونه تعالى أن يغفر لهم ما عساه يطرأ على أنفسهم فيعوقها عن الرقي في معارج الكمال الذي دعاها إليه الإيمان والغفران كالمغفرة: الستر، وستر الذنب يكون بعدم الفضيحة عليه في الدنيا وترك الجزاء عليه في الآخرة، وإنما يطلب هذا بالتوبة وإتباع السيئة الحسنة مع الدعاء الذي يزيد في الإيمان، وبذلك يمحي أثر الذنوب من النفس في الدنيا فيرجى أن تصير إليه تعالى في الآخرة نقية زكية، لأن هذا المصير إليه وحده هو الذي وراءه الجزاء بحسب درجات النفوس في معارج الكمال.
﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ولا يحاسبها إلا على ما كلفها، والتكليف: هو الإلزام بما فيه كلفة، والوسع: ما تسعه قدرة الإنسان من غير حرج ولا عسر، وقال بعضهم: هو ما يسهل عليه من الأمور المقدور عليها، وهو ما دون مدى طاقته، والمعنى أن شأنه تعالى وسنته في شرع الدين ألا يكلف عباده ما لا يطيقون.
قال المفسرون: إن الآية تدل على عدم وقوع تكليف ما لا يطاق، لا على عدم جوازه، ولكن هذا لا يلتئم مع قولهم إن الكلام في شأنه وسنته تعالى في التكليف.
وسيأتي تتمة هذا البحث قريبًا.
وإذا كان هذا التكليف لم يقع، كما قالوا، امتنع أن تكون الآية ناسخة لما قبلها، لأنه لا يتضمن تكليف ما ليس في الوسع، كما تقدم، ولا لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ كما قيل.
وفي الجملة وجهان، قيل: هي ابتداء خبر من الله تعالى كأنه بشارة بغفران ما طلبوا غفرانه من التقصير وتيسير ما قد يشتم من الآية السابقة من التعسير، وقيل: إنها داخلة في قوله المؤمنين، فهم بعد السؤال الغفران قد أذنوا بأن يصغوا لله تعالى بهذا النوع من الرأفة بعباده، والحكمة في سياستهم.
﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ قيل إن الكسب والاكتساب واحد في اللغة نقل عن الواحدي، وقيل إن الاكتساب أخص واختلفوا في توجيهه.
وما قاله الزمخشري هو الصواب وهو أن الفرق بينهما كالفرق بين عمل واعتمل فكل من عمل واكتسب يفيد الاختراع والتكليف، فالآية تشير أو تدل على أن فطرة الإنسان مجبولة على الخير وأنه يتعود الشر بالتأسي، والمعنى أن لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها عقاب ما اكتسبت من الشر.
لا شك أن الميل إلى الخير مما أودع في طبع الإنسان، والخير كل ما فيه نفع نفسك ونفع الناس، وجماع ذلك كله أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك كما ورد في الحديث والإنسان يفعل الخير بطبعه، وتكون فيه لذته، ويميل إلى عبادة الله تعالى، لأن شكر المنعم مغروس في الطبع ويظهر أثره في كل إنسان وأقله البشاشة والارتياح للمنعم، ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف في فعل الخير لأنه يعلم أن كل أحد يرتاح إليه ويراه بعين الرضى.
وأما الشر فإنه يعرض للنفس بأسباب ليست من طبيعتها ولا مقتضى فطرتها، ومهما كان الإنسان شريرًا فإنه لا يخفى عليه أن الشر ممقوت في نظر الناس وصاحبه مهين عندهم، فإن الطفل ينشأ على الصدق حتى يسمع الكذب من الناس وإذا رأى إعجاب الناس بكلام من يصف شيئًا يزيد فيه ويبالغ كاذبًا استحب الكذب وافتراه لينال الحظوة عند الناس ويحظى بإعجابهم، وهو مع ذلك لا ينفك يشعر بقبحه حتى إذا نبز أمامه أحد بقلب الكاذب أو الكذاب أحس بمهانة نفسه وخزيها.
وهكذا شأن الإنسان عند اقتراف كل شر يشعر في نفسه بقبحه ويجد من أعماق سريرته هاتفًا يقول له: لا تفعل، ويحاسبه بعد الفعل ويوبخه إلا في النادر ومن النادر أن يصير الإنسان شرًا محضًا.
إنه لا يوجد في المليون من الناس شرير واحد يفعل الشر وهو لا يشعر بأنه شر قبيح في نفسه، والذين ذهبوا إلى أن الإنسان شرير بالطبع أرادوا من الطبع ما يرون عليه غالب الناس، ولم يلاحظوا فيه معنى الغريزة ومناشئ العمل في الفطرة.
ذلك أن الإنسان ينشأ بين منازعات الكون وفواعل الطبيعة وأحيائها ومغالبة أبناء جنسه على المنافع والمرافق، وقد يدفعه هذا الجهاد إلى الأثرة وتوفير الخير لنفسه خاصة ويلجئه الظلم إلى الظلم فيأتيه متعلمًا إياه تعلمًا متكلفًا له تكلفًا وفي نفسه ذلك الهاتف الفطري يقول له لا تفعل، وهو النبراس الالهي الذي لا ينطفئ.
فإذا رجع الإنسان إلى أصل فطرته لا يرى إلا الخير ولا يميل إلا إليه، وإذا تأمل في الشر الذي يعرض له لم يَخْف عليه أنه ليس من أصل الفطرة وإنما هو من الطوارئ التي تعرض لها، لا سيما من ينشأ من قوم فسدت فطرتهم، وأشد ما يضر الإنسان في ذلك نظره إلى حال غيره، ولذلك أمرنا في الحديث أن ننظر في شؤون الدنيا إلى من دوننا، وهذا الأمر خاص بالأفراد بعضهم مع بعض، فإن نظر الواحد إلى من دونه يجعله راضيًا بما أوتيه من النعم بعيدًا عن الحسد الذي هو منبع الشرور، وأما الأمم فينبغي أن تنظر في حال من فوقها منها لأجل مباراتها ومساماتها.
﴿ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ : ومن الناس من قال إن الخطأ والنسيان لا مؤاخذة عليهما لأن الناسي والمخطئ لا إرادة لهما فيما فعلاه نسيانًا أو خطأ، ومثل هذا الكلام يوجد في كتب الأصول والكلام، ويتبعه من المناقشات ما يبعد به عن حدود الأفهام، وإذا رجع الإنسان إلى نفسه وتأمل الأمر في ذاته علم أن الناسي يصح أن يؤاخذ فيقال له لم نسيت؟
فإن النسيان قد يكون من عدم العناية بالشيء وترك إجالة الفكر فيه وترديده في النفس ليستقر في الذاكرة فتبرزه عند الحاجة إليه، ولذلك ينسى الإنسان ما لا يهمه ويحفظ ما يهمه، فإذا كان النسيان غير اختياري فسببه الذي بيناه آنفًا اختياري، ولذلك يؤاخذ الناس بعضهم بالنسيان، لا سيما نسيان الأدنى لما يأمره به الأعلى، فإذا عهدت إلى من لك سلطان أو فضل بأن يفعل كذا أو يجيئك في يوم كذا فنسي ولم يمتثل فإنك تسأله وتؤاخذه بما ترميه به من الإهمال وعدم العناية بأمرك.
﴿ رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ : مسألة تكليف ما لا يطاق من الكلام الذي نعوذ بالله منه، والخلاف فيها لا يترتب عليه أثر ما في الشريعة، وأصل المسألة هل يجوز على الله عقلًا أن يكلف الناس ما لا يطيقون أم لا؟
والمتقدمون على أن ذلك لم يقع.
وما لا يطاق هو ما لا يدخل في مكنة الإنسان وطوقه، وما يطاق هو ما يمكن أن يأتيه ولو مع المشقة.
وقد جعلوا ما لا يطاق بمعنى المتعذر الذي يعلو القدرة كالذي يستحيل فعله عقلًا أو عادة، والواجب علينا أن نفهم القرآن بلغته التي أنزل بها لا بعرف أفلاطون وفلسفة أرسطو وقد رأينا العرب تعبر بما لا يطاق عما فيه مشقة شديدة كقول الشاعر: وليس يبين فضل المرء إلا إذا كلفته ما لا يطيق ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ : فسر (الجلال) النصر بالغلبة بالحجة وبالسيفوهو تفسير حسن والنصر بالحجة هو أعلى النصر وأفضله لأنه نصر على الروح والعقل والنصر بالسيف إنما هو نصر على الجسد.
إن الله تعالى ما علمنا هذا الدعاء لأجل أن نلوكه بألسنتنا ونحرك به شفاهنا فقط كما يفعل أهل الأوراد والأحزاب بل علمنا إياه لأجل أن ندعوه به مخلصين له لاجئين إليه بعد أخذ ما أنزله بقوة، والعمل به على قدر الطاقة، واستعمال ما يصل إليه كسبنا من الوسائل والذرائع التي هي وسائل الاستجابة في الحقيقة، فمن دعاه بلسان مقاله ولسان حاله معًا فإنه يستجيب له بلا شك، ومن لم يعرف من الدعاء إلا حركة اللسان مع مخالفة الأحكام وتنكب السنن فهو بدعائه كالساخر من ربه الذي لا يستحق إلا مقته وخذلانه.
(تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس وفيه تتمة تفسير الأستاذ الإمام لتفسير ما فسر من القرآن الكريم).