الآية ٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣ من سورة البقرة

ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ ٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 294 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

( الذين يؤمنون بالغيب ) قال أبو جعفر الرازي ، عن العلاء بن المسيب بن رافع ، عن أبي إسحاق ، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله ، قال : الإيمان التصديق .

وقال علي بن أبي طلحة وغيره ، عن ابن عباس ، ( يؤمنون ) يصدقون .

وقال معمر عن الزهري : الإيمان العمل .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : ( يؤمنون ) يخشون .

قال ابن جرير وغيره : والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان بالغيب قولا واعتقادا وعملا قال : وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان ، الذي هو تصديق القول بالعمل ، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله ، وتصديق الإقرار بالفعل .

قلت : أما الإيمان في اللغة فيطلق على التصديق المحض ، وقد يستعمل في القرآن ، والمراد به ذلك ، كما قال تعالى : ( يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ) [ التوبة : 61 ] ، وكما قال إخوة يوسف لأبيهم : ( وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين ) [ يوسف : 17 ] ، وكذلك إذا استعمل مقرونا مع الأعمال ؛ كقوله : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) [ الانشقاق : 25 ، والتين : 6 ] ، فأما إذا استعمل مطلقا فالإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقادا وقولا وعملا .

هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة ، بل قد حكاه الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد وغير واحد إجماعا : أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص .

وقد ورد فيه آثار كثيرة وأحاديث أوردنا الكلام فيها في أول شرح البخاري ، ولله الحمد والمنة .

ومنهم من فسره بالخشية ، لقوله تعالى : ( إن الذين يخشون ربهم بالغيب ) [ الملك : 12 ] ، وقوله : ( من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ) [ ق : 33 ] ، والخشية خلاصة الإيمان والعلم ، كما قال تعالى : ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر : 28 ] .

وأما الغيب المراد هاهنا فقد اختلفت عبارات السلف فيه ، وكلها صحيحة ترجع إلى أن الجميع مراد .

قال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله : ( يؤمنون بالغيب ) قال : يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وجنته وناره ولقائه ، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث ، فهذا غيب كله .

وكذا قال قتادة بن دعامة .

وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة ، وأمر النار ، وما ذكر في القرآن .

وقال محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( بالغيب ) قال : بما جاء منه ، يعني : من الله تعالى .

وقال سفيان الثوري ، عن عاصم ، عن زر ، قال : الغيب : القرآن .

وقال عطاء بن أبي رباح : من آمن بالله فقد آمن بالغيب .

وقال إسماعيل بن أبي خالد : ( يؤمنون بالغيب ) قال : بغيب الإسلام .

وقال زيد بن أسلم : ( الذين يؤمنون بالغيب ) قال : بالقدر .

فكل هذه متقاربة في معنى واحد ؛ لأن جميع هذه المذكورات من الغيب الذي يجب الإيمان به .

وقال سعيد بن منصور : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن عبد الرحمن بن يزيد قال : كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا ، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقوا به ، قال : فقال عبد الله : إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه ، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانا أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ) إلى قوله : ( المفلحون ) [ البقرة : 1 - 5 ] .

وهكذا رواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه ، والحاكم في مستدركه ، من طرق ، عن الأعمش ، به .

وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وفي معنى هذا الحديث الذي رواه [ الإمام ] أحمد ، حدثنا أبو المغيرة ، أخبرنا الأوزاعي ، حدثني أسيد بن عبد الرحمن ، عن خالد بن دريك ، عن ابن محيريز ، قال : قلت لأبي جمعة : حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم ، أحدثك حديثا جيدا : تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح ، فقال : يا رسول الله ، هل أحد خير منا ؟

أسلمنا معك وجاهدنا معك .

قال : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني .

طريق أخرى : قال أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن جعفر ، حدثنا إسماعيل عن عبد الله بن مسعود ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثنا معاوية بن صالح ، عن صالح بن جبير ، قال : قدم علينا أبو جمعة الأنصاري ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس ، ليصلي فيه ، ومعنا يومئذ رجاء بن حيوة ، فلما انصرف خرجنا نشيعه ، فلما أراد الانصراف قال : إن لكم جائزة وحقا ؛ أحدثكم بحديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قلنا : هات رحمك الله قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا معاذ بن جبل عاشر عشرة ، فقلنا : يا رسول الله ، هل من قوم أعظم أجرا منا ؟

آمنا بك واتبعناك؟

قال : ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم يأتيكم بالوحي من السماء ، بل قوم من بعدكم يأتيهم كتاب بين لوحين يؤمنون به ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا مرتين .

ثم رواه من حديث ضمرة بن ربيعة ، عن مرزوق بن نافع ، عن صالح بن جبير ، عن أبي جمعة ، بنحوه .

وهذا الحديث فيه دلالة على العمل بالوجادة التي اختلف فيها أهل الحديث ، كما قررته في أول شرح البخاري ؛ لأنه مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجرا من هذه الحيثية لا مطلقا .

وكذا الحديث الآخر الذي رواه الحسن بن عرفة العبدي : حدثنا إسماعيل بن عياش الحمصي ، عن المغيرة بن قيس التميمي ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الخلق أعجب إليكم إيمانا ؟

.

قالوا : الملائكة .

قال : وما لهم لا يؤمنون وهم عند ربهم ؟

.

قالوا : فالنبيون .

قال : وما لهم لا يؤمنون والوحي ينزل عليهم ؟

.

قالوا : فنحن .

قال : وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم ؟

.

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا إن أعجب الخلق إلي إيمانا لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفا فيها كتاب يؤمنون بما فيها .

قال أبو حاتم الرازي : المغيرة بن قيس البصري منكر الحديث .

قلت : ولكن قد روى أبو يعلى في مسنده ، وابن مردويه في تفسيره ، والحاكم في مستدركه ، من حديث محمد بن أبي حميد ، وفيه ضعف ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، بمثله أو نحوه .

وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه وقد روي نحوه عن أنس بن مالك مرفوعا ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي ، حدثنا إسحاق بن إدريس ، أخبرني إبراهيم بن جعفر بن محمود بن سلمة الأنصاري ، أخبرني جعفر بن محمود ، عن جدته تويلة بنت أسلم ، قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، فاستقبلنا مسجد إيلياء ، فصلينا سجدتين ، ثم جاءنا من يخبرنا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام ، فتحول النساء مكان الرجال ، والرجال مكان النساء ، فصلينا السجدتين الباقيتين ، ونحن مستقبلون البيت الحرام .

قال إبراهيم : فحدثني رجال من بني حارثة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه ذلك قال : أولئك قوم آمنوا بالغيب .

هذا حديث غريب من هذا الوجه .

ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون قال ابن عباس : ( ويقيمون الصلاة أي : يقيمون الصلاة بفروضها .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : إقامة الصلاة إتمام الركوع والسجود والتلاوة والخشوع والإقبال عليها وفيها .

وقال قتادة : إقامة الصلاة : المحافظة على مواقيتها ، ووضوئها ، وركوعها وسجودها .

وقال مقاتل بن حيان : إقامتها : المحافظة على مواقيتها ، وإسباغ الطهور فيها ، وتمام ركوعها وسجودها ، وتلاوة القرآن فيها ، والتشهد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فهذا إقامتها .

وقال علي بن أبي طلحة ، وغيره عن ابن عباس : ( ومما رزقناهم ينفقون قال : زكاة أموالهم .

وقال السدي ، عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس ، وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ومما رزقناهم ينفقون قال : هي نفقة الرجل على أهله ، وهذا قبل أن تنزل الزكاة .

وقال جويبر ، عن الضحاك : كانت النفقات قربات ، يتقربون بها إلى الله على قدر ميسرتهم وجهدهم ، حتى نزلت فرائض الصدقات : سبع آيات في سورة " براءة " ، مما يذكر فيهن الصدقات ، هن الناسخات المثبتات .

وقال قتادة : ( ومما رزقناهم ينفقون فأنفقوا مما أعطاكم الله ؛ هذه الأموال عواري ، وودائع عندك يا ابن آدم ، يوشك أن تفارقها .

واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات ؛ فإنه قال : وأولى التأويلات وأحقها بصفة القوم : أن يكونوا لجميع اللازم لهم في أموالهم مؤدين ، زكاة كان ذلك أو نفقة من لزمته نفقته من أهل ، أو عيال ، وغيرهم ، ممن تجب عليهم نفقته بالقرابة والملك ، وغير ذلك ؛ لأن الله تعالى عم وصفهم ومدحهم بذلك ، وكل من الإنفاق والزكاة ممدوح به محمود عليه .

قلت : كثيرا ما يقرن الله تعالى بين الصلاة والإنفاق من الأموال ؛ فإن الصلاة حق الله وعبادته ، وهي مشتملة على توحيده ، والثناء عليه ، وتمجيده ، والابتهال إليه ، ودعائه ، والتوكل عليه ، والإنفاق هو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم ، وأولى الناس بذلك القرابات ، والأهلون ، والمماليك ، ثم الأجانب ، فكل من النفقات الواجبة ، والزكاة المفروضة داخل في قوله تعالى : ( ومما رزقناهم ينفقون ؛ ولهذا ثبت في الصحيحين ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت .

والأحاديث في هذا كثيرة .

وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء ، قال الأعشى : لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما وقال أيضا : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذلك .

وقال الآخر : تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا يقول : عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي .

وهذا ظاهر ، ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة ، بشروطها المعروفة ، وصفاتها ، وأنواعها [ المشروعة ] المشهورة .

وقال ابن جرير : وأرى أن الصلاة المفروضة سميت صلاة ؛ لأن المصلي يتعرض لاستنجاح طلبته من ثواب الله بعمله ، مع ما يسأل ربه من حاجته .

[ وقيل : هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع ، وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفا عجب الذنب ، ومنه سمي المصلي ؛ وهو الثاني للسابق في حلبة الخيل ، وفيه نظر ، وقيل : هي مشتقة من الصلى ، وهو الملازمة للشيء من قوله : ( لا يصلاها ) أي : يلزمها ويدوم فيها إلا الأشقى ) [ الليل : 15 ] وقيل : مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوم ، كما أن المصلي يقوم عوجه بالصلاة : ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) [ العنكبوت : 45 ] واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر ، والله أعلم ] .

وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه ، إن شاء الله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ 267- حدثنا محمد بن حُميد الرازي, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " الذين يؤمنون "، قال: يصدِّقون.

268- حدثني يحيى بن عثمان بن صالح السَّهمي, قال: حدثنا أبو صالح, قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: " يؤمنون ": يصدِّقون (56) .

269- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " يؤمنون ": يخشَوْنَ.

270- حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني, قال: حدثنا محمد بن ثور، عن مَعْمَر, قال: قال الزهري: الإيمانُ العملُ (57) .

271- حُدِّثْتُ عن عمّار بن الحسن قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن العلاء بن المسيَّب بن رافع, عن أبي إسحاق, عن أبي الأحوص، عن عبد الله, قال: الإيمان: التَّصْديق (58) .

ومعنى الإيمان عند العرب: التصديق, فيُدْعَى المصدِّق بالشيء قولا مؤمنًا به, ويُدْعى المصدِّق قولَه بفِعْله، مؤمنًا.

ومن ذلك قول الله جل ثناؤه: وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ [سورة يوسف: 17]، يعني: وما أنت بمصدِّق لنا في قولنا.

وقد تدخل الخشية لله في معنى الإيمان، الذي هو تصديق القولِ بالعمل.

والإيمان كلمة جامعةٌ للإقرارَ بالله وكتُبه ورسلِه, وتصديقَ الإقرار بالفعل.

وإذْ كان ذلك كذلك, فالذي هو أولى بتأويل الآيةِ، وأشبه بصفة القوم: أن يكونوا موصوفين بالتصديق بالغَيْبِ قولا واعتقادًا وعملا إذ كان جلّ ثناؤه لم يحصُرْهم من معنى الإيمان على معنى دون معنى, بل أجمل وصْفهم به، من غير خُصوصِ شيء من معانيه أخرجَهُ من صفتهم بخبرٍ ولا عقلٍ.

القول في تأويل قول الله جل ثناؤه: بِالْغَيْبِ 272- حدثنا محمد بن حُميد الرازي, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس: " بالغيب "، قال: بما جاء منه, يعني: من الله جل ثناؤه.

273- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرّة الهَمْداني , عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، " بالغيب ": أما الغيْبُ فما غابَ عن العباد من أمر الجنة وأمرِ النار, وما ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن.

لم يكن تصديقهُم بذلك -يعني المؤمنين من العرب- من قِبَل أصْل كتابٍ أو عِلْم كان عندَهم.

274- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي, قال: حدثنا أبو أحمد الزّبيري, قال: حدثنا سفيان، عن عاصم, عن زرٍّ, قال: الغيبُ القرآن (59) .

275- حدثنا بشر بن مُعَاذ العَقَدي, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيْع, عن سعيد بن أبي عَرُوبة, عن قتادة في قوله " الذين يُؤمنون بالغيب "، قال: آمنوا بالجنّة والنار، والبَعْث بعدَ الموت، وبيوم القيامة, وكلُّ هذا غيبٌ (60) .

276- حُدِّثت عن عمّار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, &; 1-237 &; عن أبيه, عن الربيع بن أنس، " الذين يؤمنون بالغيب ": آمنوا بالله وملائكته ورُسُلِه واليومِ الآخِر، وجَنّته وناره ولقائه, وآمنوا بالحياة بعد الموت.

فهذا كله غيبٌ (61) .

وأصل الغيب: كُلّ ما غاب عنك من شيءٍ.

وهو من قولك: غاب فُلان يغيبُ غيبًا.

وقد اختلفَ أهلُ التأويل في أعيان القوم الذين أنـزل الله جل ثناؤه هاتين الآيتين من أول هذه السورة فيهم, وفي نَعْتهم وصِفَتهم التي وَصفَهم بها، من إيمانهم بالغيب, وسائر المعاني التي حوتها الآيتان من صفاتهم غيرَه.

فقال بعضُهم: هم مؤمنو العربِ خاصة, دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب.

واستدَلُّوا على صحّة قولهم ذلك وحقيقة تأويلهم، بالآية التي تتلو هاتين الآيتين, وهو قول الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ .

قالوا: فلم يكن للعرب كتابٌ قبل الكتاب الذي أنـزله الله عزّ وجلّ على محمد صلى الله عليه وسلم، تدينُ بتصديقِه والإقرار والعملِ به.

وإنما كان الكتابُ لأهل الكتابين غيرِها.

قالوا: فلما قصّ الله عز وجل نبأ الذين يؤمنون بما أنـزل إلى محمد وما أنـزل من قبله -بعد اقتصاصه نبأ المؤمنين بالغيب- علمنا أن كلَّ صِنفٍ منهم غيرُ الصنف الآخر , وأن المؤمنين بالغيب نوعٌ غيرُ النوع المصدِّق بالكتابين اللذين أحدهما مُنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم, والآخرُ منهما على مَنْ قَبْلَ رسول الله (62) .

قالوا: وإذْ كان ذلك كذلك، صحَّ ما قلنا من أن تأويل قول الله تعالى: ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )، إنما هم الذين يؤمنون بما غاب عنهم من الجنة والنار، والثَّواب والعقاب والبعث, والتصديقِ بالله ومَلائكته وكُتُبه ورسله، وجميع ما كانت العرب لا تدينُ به في جاهليِّتها, مما أوجب الله جل ثناؤه على عِبَاده الدَّيْنُونة به - دون غيرهم.

* ذكر من قال ذلك: 277- حدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حمّاد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرة الهمداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم: أما( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ )، فهم المؤمنون من العرب, وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ .

أما الغيب فما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار, وما ذكر الله في القرآن.

لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصل كتاب أو علم كان عندهم.( و الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) هؤلاء المؤمنون من أهل الكتاب (63) .

وقال بعضهم: بل نـزلت هذه الآيات الأربع في مؤمني أهل الكتاب خاصة, لإيمانهم بالقرآن عند إخبار الله جل ثناؤه إياهم فيه عن الغيوب التي كانوا يخفونها بينهم ويسرونها, فعلموا عند إظهار الله جل ثناؤه نبيه صلى الله عليه و سلم على ذلك منهم في تنـزيله، أنه من عند الله جل وعز, فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وصدقوا بالقرآن وما فيه من الإخبار عن الغيوب التي لا علم لهم بها، لما استقر عندهم - بالحجة التي احتج الله تبارك وتعالى بها عليهم في كتابه, من الإخبار فيه عما كانوا يكتمونه من ضمائرهم - أن جميع ذلك من عند الله.

وقال بعضهم: بل الآيات الأربع من أول هذه السورة، أنـزلت على محمد صلى الله عليه و سلم بوصف جميع المؤمنين الذين ذلك صفتهم من العرب والعجم، وأهل الكتابين وسواهم (64) .

وإنما هذه صفة صنف من الناس, والمؤمن بما أنـزل الله على محمد صلى الله عليه و سلم، وما أنـزل من قبله، هو المؤمن بالغيب.

قالوا: وإنما وصفهم الله بالإيمان بما أنـزل إلى محمد وبما أنـزل إلى من قبله، بعد تقضي وصفه إياهم بالإيمان بالغيب، لأن وصفه إياهم بما وصفهم به من الإيمان بالغيب، كان معنيا به أنهم يؤمنون بالجنة والنار والبعث وسائر الأمور التي كلفهم الله جل ثناؤه الإيمان بها، مما لم يروه ولم يأت بعد مما هو آت, دون الإخبار عنهم أنهم يؤمنون بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ومن قبله من الرسل ومن الكتب.

قالوا: فلما كان معنى قوله تعالى ذكره: وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْـزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْـزِلَ مِنْ قَبْلِكَ غير موجود في قوله ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) - كانت الحاجة من العباد إلى معرفة صفتهم بذلك ليعرفوهم، نظير حاجتهم إلى معرفتهم بالصفة التي وصفوا بها من إيمانهم بالغيب، ليعلموا ما يرضى الله من أفعال عباده ويحبه من صفاتهم, فيكونوا به -إن وفقهم له ربهم- [مؤمنين] (65) .

* ذكر من قال ذلك: 278- حدثني محمد بن عمرو بن العباس الباهلي, قال: حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد, قال: حدثنا عيسى بن ميمون المكي, قال: حدثنا عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: أربع آيات من سورة البقرة في نعت المؤمنين، &; 1-240 &; وآيتان في نعت الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين (66) .

279- حدثنا سفيان بن وكيع, قال: حدثنا أبي، عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد، بمثله (67) .

280- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا موسى بن مسعود, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد، مثله (68) .

281- حُدِّثت عن عمار بن الحسن قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه، عن الربيع بن أنس, قال: أربعُ آياتٍ من فاتحة هذه السورة -يعني سورة البقرة- في الذين آمنوا, وآيتان في قادة الأحزاب.

وأولى القولين عندي بالصواب، وأشبههما بتأويل الكتاب, القولُ الأول, وهو: أنّ الذين وَصَفهم الله تعالى ذِكره بالإيمان بالغيب, وبما وصفهم به جَلَّ ثناؤه في الآيتين الأوَّلتَيْن (69) ، غير الذين وصفهم بالإيمان بالذي أنـزِل على محمد والذي أنـزل على مَنْ قبله من الرسل، لما ذكرت من العلل قبلُ لمن قال ذلك.

ومما يدلّ أيضًا مع ذلك على صحّة هذا القول، أنه جنَّسَ - بعد وصف المؤمنين بالصِّفتين اللتين وَصَف, وبعد تصنيفه كلَّ صنف منهما على ما صنَّف الكفار - جنْسَيْن (70) فجعل أحدهما مطبوعًا على قلبه، مختومًا عليه، مأيوسًا من إيابه (71) والآخرَ منافقًا، يُرائي بإظهار الإيمان في الظاهر, ويستسرُّ النفاق في الباطن.

فصيَّر الكفار جنسَيْن، كما صيَّر المؤمنين في أول السورة جِنْسين.

ثم عرّف عباده نَعْتَ كلِّ صنف منهم وصِفَتَهم، وما أعدَّ لكلّ فريق منهم من ثواب أو عقاب, وَذمّ أهل الذَّم منهم، وشكرَ سَعْيَ أهل الطاعة منهم.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَيُقِيمُونَ وإقامتها: أداؤها -بحدودها وفروضها والواجب فيها- على ما فُرِضَتْ عليه.

كما يقال: أقام القومُ سُوقَهم, إذا لم يُعَطِّلوها من البَيع والشراء فيها, وكما قال الشاعر: أَقَمْنَــا لأَهْـلِ الْعِـرَاقَيْنِ سُـوقَ الـ ـضِّــرَاب فَخَــامُوا وَوَلَّـوْا جَمِيعَـا (72) 282- وكما حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سَلَمة بن الفضل, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس،" ويقيمون الصلاة "، قال: الذين يقيمون الصلاةَ بفرُوضها.

283- حدثنا أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عُمارة, عن أبي رَوْق, عن الضحاك, عن ابن عباس،" ويقيمون الصلاة " قال: إقامة &; 1-242 &; الصلاة تمامُ الرُّكوع والسُّجود، والتِّلاوةُ والخشوعُ، والإقبالُ عليها فيها (73) .

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: الصَّلاةَ 284- حدثني يحيى بن أبي طالب, قال: حدثنا يزيد, قال: حدثنا جُوَيْبر، عن الضحاك في قوله: " الذين يقيمون الصلاة ": يعني الصلاة المفروضة (74) .

وأما الصلاةُ فإنها في كلام العرب الدُّعاءُ، كما قال الأعشى: لَهَـا حَـارِسٌ لا يَـبْرَحُ الدَّهْـرَ بَيْتَهَا وَإِنْ ذُبِحَـتْ صَـلَّى عَلَيْهَـا وَزَمْزَمَـا (75) يعني بذلك: دعا لها, وكقول الأعشى أيضًا (76) .

وَقَابَلَهَـــا الــرِّيحَ فِــي دَنِّهَــا وصَــلَّى عَــلَى دَنِّهَــا وَارْتَسَـمْ (77) وأرى أن الصلاة المفروضة سُمِّيت " صلاة "، لأنّ المصلِّي متعرِّض لاستنجاح طَلِبتَه من ثواب الله بعمله، مع ما يسأل رَبَّه من حاجاته، تعرُّضَ الداعي بدعائه ربَّه استنجاحَ حاجاته وسؤلَهُ.

القول في تأويل قوله جل ثناؤه: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) اختلف المفسرون في تأويل ذلك, فقال بعضهم بما:- 285- حدثنا به ابن حُميد, قال: حدثنا سَلَمة, عن محمد بن إسحاق, عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت, عن عكرمة, أو عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس، " ومما رزقناهم ينفقون "، قال: يؤتون الزكاة احتسابًا بها.

286- حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, عن معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، " ومما رزقناهم ينفقون "، قال: زكاةَ أموالهم (78) .

287- حدثني يحيى بن أبي طالب, قال: حدثنا يزيد, قال: أخبرنا جُوَيْبر، عن الضحاك، " ومما رزقناهم يُنفقون "، قال: كانت النفقات قُرُبات يتقرَّبون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجُهْدهم, حتى نَـزَلت فرائضُ الصدقات: سبعُ آيات في سورة براءَة, مما يذكر فيهنّ الصدقات, هنّ المُثْبَتات الناسخات (79) .

وقال بعضهم بما:- 288- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّي في خبر ذَكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة الهَمْداني, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب &; 1-244 &; النبي صلى الله عليه وسلم، " ومما رَزقناهم ينفقون ": هي َنفقَةُ الرّجل على أهله.

وهذا قبل أن تنـزِل الزكاة (80) .

وأوْلى التأويلات بالآية وأحقُّها بصفة القوم: أن يكونوا كانوا لجميع اللازم لهم في أموالهم, مُؤدِّين، زكاةً كان ذلك أو نفَقةَ مَنْ لزمتْه نفقتُه، من أهل وعيال وغيرهم, ممن تجب عليهم نَفَقتُه بالقرابة والمِلك وغير ذلك.

لأن الله جل ثناؤه عَمّ وصفهم إذْ وصَفهم بالإنفاق مما رزقهم, فمدحهم بذلك من صفتهم.

فكان معلومًا أنه إذ لم يخصُصْ مدْحَهم ووصفَهم بنوع من النفقات المحمود عليها صاحبُها دونَ نوعٍ بخبر ولا غيره - أنهم موصوفون بجميع معاني النفقات المحمودِ عليها صاحبُها من طيِّب ما رزقهم رَبُّهم من أموالهم وأملاكهم, وذلك الحلالُ منه الذي لم يَشُبْهُ حرامٌ.

--------------- الهوامش : (56) الأثر 267- سيأتي باقيه بهذا الإسناد : 272 .

ونقلهما ابن كثير 1 : 73 مفرقين .

ونقل 268 مع أولهما .

ونقل السيوطي 1 : 25 الثلاثة مجتمعة .

(57) الأثران 269 - 270 : ذكرهما ابن كثير 1 : 73 (58) الخبر 271- عبد الله : هو ابن مسعود .

وقد نقل ابن كثير هذا الخبر وحده 1 : 73 ، ثم نقل الخبر الآتي 273 وحده .

وفصل إسناد كل واحد منهما .

أما السيوطي 1 : 25 فقد جمع اللفظين دون بيان ، وأدخل معهما لفظ الخبر 277!

وهو تصرف غير سديد ، لاختلاف الإسنادين أولا ، ولأن 273 ، 277 ليسا عن ابن مسعود وحده ، كما ترى .

(59) الأثر 274- سفيان : هو الثوري ، عاصم : هو ابن أبي النجود -بفتح النون- القارئ .

زر ، بكسر الزاي وتشديد الراء : هو ابن حبيش ، بضم الحاء .

وهو تابعي كبير إمام .

وهذا الأثر عند ابن كثير 1 : 73 - 74 .

(60) الأثر 275- ذكره ابن كثير والسيوطي أيضًا .

(61) الأثر 276- ذكره ابن كثير 1 : 73 هكذا : "قال أبو جعفر الرازي عن الربيع ابن أنس عن أبي العالية .

.

.

" .

وذكره السيوطي 1 : 25 هكذا : "وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية .

.

" .

فأخشى أن يكون ذكر"عن أبي العالية" سقط من الإسناد من نسخ الطبري ، لثبوته عند هذين الناقلين عنه .

(62) في المخطوطة : "والآخر منهما على من قبله رسول الله" ، والظاهر أن صوابها : "على من قبل رسول الله" ، كما أثبتناها .

وأما المطبوعة ففيها : "على من قبله من رسل الله تعالى ذكره" .

(63) الخبر 277- سبق أوله بهذا الإسناد : 273 .

ولم يذكره ابن كثير بهذا اللفظ المطول .

وقد مضى في شرح 271 أن السيوطي جمع الألفاظ الثلاثة : 271 ، 273 ، 277 في سياقة واحدة!

(64) في المطبوعة والمخطوطة"وأهل الكتابين سواهم" ، والصواب أن يقال"وسواهم" .

فقد ذكر الطبري ثلاثة أقوال : أما الأول : فهو أن المعنى به العرب خاصة ، والثاني : أن المعنى به أهل الكتاب خاصة ، فيكون الثالث : أن يعني به الصنفين جميعا وسواهم من الناس .

(65) هذه الزيادة بين القوسين واجبة لتمام المعنى .

وليست في المطبوعة ولا المخطوطة .

(66) الأثر 278- أبو عاصم : هو النبيل ، الحافظ الكبير .

عيسى بن ميمون المكي : هو المعروف بابن داية ، قال ابن عيينة : "كان قارئًا للقرآن .

قرأ على ابن كثير" .

وثقه أبو حاتم وغيره .

(67) الأثر 279- هذا إسناد ضعيف ، بضعف سفيان بن وكيع ، ولإبهام الرجل الذي روى عنه سفيان الثوري .

ولكن الأثر موصول بالإسنادين اللذين قبله وبعده .

(68) الأثر 280- موسى بن مسعود : هو أبو حذيفة النهدي ، وهو ثقة ، روى عنه البخاري في صحيحه ، ووثقه ابن سعد والعجلي .

وترجمه البخاري في الكبير 4/1/ 295 .

شبل : هو ابن عباد المكي القارئ ، وهو ثقة ، وثقه أحمد وابن معين وغيرهما .

وهذا الأثر ، بأسانيده الثلاثة ، ذكره ابن كثير 1 : 80 دون تفصيلها ، قال : "والظاهر قول مجاهد - فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد ، ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد ، أنه قال .

.

.

" .

(69) الأولة : الأولى ، وليست خطأ .

(70) سياقه : "جنَّس .

.

.

جنسين" ، وما بينهما فصل ، وجنس الشيء : جعله أجناسًا ، كصنفه أصنافًا .

(71) في المطبوعة : "إيمانه" ، وهي صحيحة المعنى أيضًا .

والإياب : الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة .

ومنه قوله تعالى : { وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ } (72) في المطبوعة"فحاسوا" ، وفي المخطوطة"مجآمرا" .

وخام في الحرب عن قرنه بخيم خيمًا : جبن ونكص وانكسر .

ولم أعرف قائل البيت .

(73) الخبران 282 ، 283- في تفسير ابن كثير 1 : 77 ، والدر المنثور 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 .

(74) الأثر 284- إسناده ضعيف جدًّا .

يحيى بن أبي طالب جعفر بن الزبرقان : قال الذهبي : "محدث مشهور .

.

.

وثقه الدارقطني وغيره .

.

.

والدارقطني من أخبر الناس به" .

مات سنة 275 عن 95 سنة .

يزيد : هو ابن هارون ، أحد الحفاظ الأعلام المشاهير ، من شيوخ الأئمة أحمد وابن معين وابن راهويه وابن المديني .

جويبر - بالتصغير : هو ابن سعيد الأزدي البلخي ، ضعيف جدًّا ، ضعفه يحيى القطان ، فيما روى عنه البخاري في الكبير 1/2/ 256 ، والصغير : 176 ، وقال النسائي في الضعفاء : 8"متروك الحديث" ، وفي التهذيب 2 : 124"قال أبو قدامة السرخسي : قال يحيى القطان : تساهلوا في أخذ التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث .

ثم ذكر الضحاك وجويبرًا ومحمد بن السائب .

وقال : هؤلاء لا يحتمل حديثهم ، ويكتب التفسير عنهم" .

(75) ديوانه : 200 ، يذكر الخمر في دنها .

وزمزم العلج من الفرس : إذا تكلف الكلام عند الأكل وهو مطبق فمه بصوت خفي لا يكاد يفهم .

وفعلهم ذلك هو الزمزمة .

"ذبحت" أي بزلت وأزيل ختمها .

وعندئذ يدعو مخافة أن تكون فاسدة ، فيخسر .

(76) في المطبوعة والمخطوطة : "وكقول الآخر أيضًا" ، والصواب أنه الأعشى ، وسبق قلم الناسخ .

(77) ديوان الأعشى : 29 .

وقوله"وقابلها الريح" أي جعلها قبالة مهب الريح ، وذلك عند بزلها وإزالة ختمها .

ويروى : "فأقبلها الريح" وهو مثله .

وارتسم الرجل : كبر ودعا وتعوذ ، مخافة أن يجدها قد فسدت ، فتبور تجارته .

(78) الخبر 286- في المخطوطة"ابن المثنى" ، وهو خطأ .

والخبر ذكره ابن كثير 1 : 77 .

(79) الأثر 287- ذكره ابن كثير 1 : 77 ، والسيوطي 1 : 27 ، والشوكاني 1 : 25 .

وقوله"المثبتات" : بفتح الباء ، أي التي أثبت حكمها ولم ينسخ ، ويجوز كسرها ، بمعنى أنها أثبتت الفريضة بعد نسخها ما سبقها في النزول .

وبدلها عند السيوطي والشوكاني"الناسخات المبينات" .

وليس بشيء (80) الخبر 288- نقله ابن كثير أيضًا .

ونقله السيوطي مختصرًا ، وجعله من كلام ابن مسعود وحده .

وقلده الشوكاني دون بحث .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقونفيها ست وعشرون مسألة :الأولى : قوله : الذين في موضع خفض نعت " للمتقين " ، ويجوز الرفع على القطع أي : هم الذين ، ويجوز النصب على المدح .( يؤمنون ) يصدقون .

والإيمان في اللغة : التصديق ; وفي التنزيل : وما أنت بمؤمن لنا أي بمصدق ; ويتعدى بالباء واللام ; كما قال : ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم فما آمن لموسى وروى حجاج بن حجاج الأحول - ويلقب بزق العسل - قال سمعت قتادة يقول : يا ابن آدم ، إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط فإن نفسك مائلة إلى السأمة والفترة والملة ; ولكن المؤمن هو المتحامل ، والمؤمن هو المتقوي ، والمؤمن هو المتشدد ، وإن المؤمنين هم العجاجون إلى الله في الليل والنهار ; والله ما يزال المؤمن يقول : ربنا في السر والعلانية حتى استجاب لهم في السر والعلانية .الثانية : قوله تعالى : ( بالغيب ) الغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك ، وهو من ذوات الياء يقال منه : غابت الشمس تغيب ; والغيبة معروفة .

وأغابت المرأة فهي مغيبة إذا غاب عنها زوجها ، ووقعنا في غيبة وغيابة ، أي هبطة من الأرض ; والغيابة : الأجمة ، وهي جماع الشجر يغاب فيها ، ويسمى المطمئن من الأرض : الغيب ; لأنه غاب عن البصر .الثالثة : واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا ; فقالت فرقة : الغيب في هذه الآية : الله سبحانه .

وضعفه ابن العربي .

وقال آخرون : القضاء والقدر .

وقال آخرون : القرآن وما فيه من الغيوب .

وقال آخرون : الغيب كل ما أخبر به الرسول عليه السلام مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار .

قال ابن عطية : وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها .قلت : وهذا الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل عليه السلام حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم : فأخبرني عن الإيمان .

قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره .

قال : صدقت .

وذكر الحديث .

وقال عبد الله بن مسعود : ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ : الذين يؤمنون بالغيب .

قلت : وفي التنزيل : وما كنا غائبين وقال : الذين يخشون ربهم بالغيب فهو سبحانه غائب عن الأبصار ، غير مرئي في هذه الدار ، غير غائب بالنظر والاستدلال ; فهم يؤمنون أن لهم ربا قادرا يجازي على الأعمال ، فهم يخشونه في سرائرهم وخلواتهم التي يغيبون فيها عن الناس ، لعلمهم باطلاعه عليهم ، وعلى هذا تتفق الآي ولا تتعارض ، والحمد لله .

وقيل : بالغيب أي بضمائرهم وقلوبهم بخلاف المنافقين ; وهذا قول حسن .

وقال الشاعر :وبالغيب آمنا وقد كان قومنا يصلون للأوثان قبل محمدالرابعة : قوله تعالى : ويقيمون الصلاة معطوف جملة على جملة .

وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيئاتها في أوقاتها ; على ما يأتي بيانه .

يقال : قام الشيء أي دام وثبت ، وليس من القيام على الرجل ; وإنما هو من قولك : قام الحق أي ظهر وثبت ;قال الشاعر :وقامت الحرب بنا على ساق[ ص: 160 ] وقال آخر :وإذا يقال أتيتم لم يبرحوا حتى تقيم الخيل سوق طعانوقيل : ( يقيمون ) يديمون ، وأقامه أي أدامه ; وإلى هذا المعنى أشار عمر بقوله : ( من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه ، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع .

)الخامسة : إقامة الصلاة معروفة ; وهي سنة عند الجمهور ، وأنه لا إعادة على تاركها .

وعند الأوزاعي وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى هي واجبة ، وعلى من تركها الإعادة ; وبه قال أهل الظاهر ، وروي عن مالك ، واختاره ابن العربي قال : لأن في حديث الأعرابي ( وأقم ) فأمره بالإقامة كما أمره بالتكبير والاستقبال والوضوء .قال : فأما أنتم الآن وقد وقفتم على الحديث فقد تعين عليكم أن تقولوا بإحدى روايتي مالك الموافقة للحديث ، وهي أن الإقامة فرض .

قال ابن عبد البر قوله صلى الله عليه وسلم : ( وتحريمها التكبير ) دليل على أنه لم يدخل في الصلاة من لم يحرم ، فما كان قبل الإحرام فحكمه ألا تعاد منه الصلاة إلا أن يجمعوا على شيء فيسلم للإجماع كالطهارة والقبلة والوقت ونحو ذلك .

وقال بعض علمائنا : من تركها عمدا أعاد الصلاة ، وليس ذلك لوجوبها إذ لو كان ذلك لاستوى سهوها وعمدها ، وإنما ذلك للاستخفاف بالسنن ، والله أعلم .السادسة : واختلف العلماء فيمن سمع الإقامة هل يسرع أو لا ؟

فذهب الأكثر إلى أنه لا يسرع وإن خاف فوت الركعة لقوله عليه السلام : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، وأتوها تمشون وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا .

رواه أبو هريرة أخرجه مسلم .[ ص: 161 ] وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ثوب بالصلاة فلا يسع إليها أحدكم ولكن ليمش وعليه السكينة والوقار صل ما أدركت واقض ما سبقك .

وهذا نص .

ومن جهة المعنى أنه إذا أسرع انبهر فشوش عليه دخوله في الصلاة وقراءتها وخشوعها .وذهب جماعة من السلف منهم ابن عمر وابن مسعود على اختلاف عنه أنه إذا خاف فواتها أسرع .

وقال إسحاق : يسرع إذا خاف فوات الركعة ; وروي عن مالك نحوه ، وقال : لا بأس لمن كان على فرس أن يحرك الفرس ; وتأوله بعضهم على الفرق بين الماشي والراكب ; لأن الراكب لا يكاد أن ينبهر كما ينبهر الماشي .قلت : واستعمال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل حال أولى ، فيمشي كما جاء الحديث وعليه السكينة والوقار ; لأنه في صلاة ، ومحال أن يكون خبره صلى الله عليه وسلم على خلاف ما أخبر ; فكما أن الداخل في الصلاة يلزم الوقار والسكون كذلك الماشي ، حتى يحصل له التشبه به فيحصل له ثوابه .ومما يدل على صحة هذا ما ذكرناه من البينة ، وما خرجه الدارمي في مسنده قال : حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا سفيان عن محمد بن عجلان عن المقبري عن كعب بن عجرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا توضأت فعمدت إلى المسجد فلا تشبكن بين أصابعك ; فإنك في صلاة .

فمنع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث وهو صحيح مما هو أقل من الإسراع وجعله كالمصلي ; وهذه السنن تبين معنى قوله تعالى : فاسعوا إلى ذكر الله وأنه ليس المراد به الاشتداد على الأقدام ، وإنما عنى العمل والفعل ; هكذا فسره مالك .

وهو الصواب في ذلك والله أعلم .السابعة : واختلف العلماء في تأويل قوله عليه السلام : ( وما فاتكم فأتموا ) وقوله : ( واقض ما سبقك ) هل هما بمعنى واحد أو لا ؟

فقيل : هما بمعنى واحد وأن القضاء قد [ ص: 162 ] يطلق ويراد به التمام ، قال الله تعالى : فإذا قضيت الصلاة وقال : فإذا قضيتم مناسككم .

وقيل : معناهما مختلف ، وهو الصحيح ; ويترتب على هذا الخلاف خلاف فيما يدركه الداخل هل هو أول صلاته أو آخرها ؟

فذهب إلى الأول جماعة من أصحاب مالك - منهم ابن القاسم - ولكنه يقضي ما فاته بالحمد وسورة ، فيكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال .قال ابن عبد البر : وهو المشهور من المذهب .

وقال ابن خويز منداد : وهو الذي عليه أصحابنا ، وهو قول الأوزاعي والشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل والطبري وداود بن علي .وروى أشهب وهو الذي ذكره ابن عبد الحكم عن مالك ، ورواه عيسى عن ابن القاسم عن مالك ، أن ما أدرك فهو آخر صلاته ، وأنه يكون قاضيا في الأفعال والأقوال ; وهو قول الكوفيين .

قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : وهو مشهور مذهب مالك .قال ابن عبد البر : من جعل ما أدرك أول صلاته فأظنهم راعوا الإحرام ; لأنه لا يكون إلا في أول الصلاة ، والتشهد والتسليم لا يكون إلا في آخرها ; فمن هاهنا قالوا : إن ما أدرك فهو أول صلاته ، مع ما ورد في ذلك من السنة من قوله : ( فأتموا ) والتمام هو الآخر .واحتج الآخرون بقوله : ( فاقضوا ) والذي يقضيه هو الفائت ، إلا أن رواية من روى " فأتموا " أكثر ، وليس يستقيم على قول من قال : إن ما أدرك أول صلاته ويطرد ، إلا ما قاله عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والمزني وإسحاق وداود من أنه يقرأ مع الإمام بالحمد وسورة إن أدرك ذلك معه ; وإذا قام للقضاء قرأ بالحمد وحدها ; فهؤلاء اطرد على أصلهم قولهم وفعلهم ، رضي الله عنهم .الثامنة : الإقامة تمنع من ابتداء صلاة نافلة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة خرجه مسلم وغيره ; فأما إذا شرع في نافلة فلا يقطعها ; لقوله تعالى : ولا تبطلوا أعمالكم وخاصة إذا صلى ركعة منها .

وقيل : يقطعها لعموم الحديث في ذلك .

والله أعلم .التاسعة : واختلف العلماء فيمن دخل المسجد ولم يكن ركع ركعتي الفجر ثم أقيمت الصلاة ; فقال مالك : يدخل مع الإمام ولا يركعهما ; وإن كان لم يدخل المسجد فإن لم يخف فوات ركعة فليركع خارج المسجد ، ولا يركعهما في شيء من أفنية المسجد - التي تصلى فيها [ ص: 163 ] الجمعة - اللاصقة بالمسجد ; وإن خاف أن تفوته الركعة الأولى فليدخل وليصل معه ; ثم يصليهما إذا طلعت الشمس إن أحب ; ولأن يصليهما إذا طلعت الشمس أحب إلي وأفضل من تركهماوقال أبو حنيفة وأصحابه : إن خشي أن تفوته الركعتان ولا يدرك الإمام قبل رفعه من الركوع في الثانية دخل معه ، وإن رجا أن يدرك ركعة صلى ركعتي الفجر خارج المسجد ، ثم يدخل مع الإمام وكذلك قال الأوزاعي ; إلا أنه يجوز ركوعهما في المسجد ما لم يخف فوت الركعة الأخيرة .وقال الثوري : إن خشي فوت ركعة دخل معهم ولم يصلهما وإلا صلاهما وإن كان قد دخل المسجد .وقال الحسن بن حي ويقال ابن حيان : إذا أخذ المقيم في الإقامة فلا تطوع إلا ركعتي الفجر .وقال الشافعي : من دخل المسجد وقد أقيمت الصلاة دخل مع الإمام ولم يركعهما لا خارج المسجد ولا في المسجد .

وكذلك قالالطبري وبه قال أحمد بن حنبل وحكي عن مالك ; وهو الصحيح في ذلك ; لقوله عليه السلام .

إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة .

وركعتا الفجر إما سنة ، وإما فضيلة ، وإما رغيبة ; والحجة عند التنازع حجة السنة .ومن حجة قول مالك المشهور وأبي حنيفة ما روي عن ابن عمر أنه جاء والإمام يصلي صلاة الصبح فصلاهما في حجرة حفصة ، ثم إنه صلى مع الإمام .ومن حجة الثوري والأوزاعي ما روي عن عبد الله بن مسعود أنه دخل المسجد ، وقد أقيمت الصلاة فصلى إلى أسطوانة في المسجد ركعتي الفجر ، ثم دخل الصلاة بمحضر من حذيفة وأبي موسى رضي الله عنهما .

قالوا : ( وإذا جاز أن يشتغل بالنافلة عن المكتوبة خارج المسجد جاز له ذلك .

[ ص: 164 ] في المسجد ) ، روى مسلم عن عبد الله بن مالك ابن بحينة قال : أقيمت صلاة الصبح فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصلي والمؤذن يقيم ، فقال : ( أتصلي الصبح أربعا ) !

وهذا إنكار منه صلى الله عليه وسلم على الرجل لصلاته ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي ، ويمكن أن يستدل به أيضا على أن ركعتي الفجر إن وقعت في تلك الحال صحت ; لأنه عليه السلام لم يقطع عليه صلاته مع تمكنه من ذلك ، والله أعلم .العاشرة : الصلاة أصلها في اللغة الدعاء ، مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا ; ومنه قوله عليه السلام : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل أي فليدع .

وقال بعض العلماء : إن المراد الصلاة المعروفة ، فيصلي ركعتين وينصرف ، والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر .

ولما ولدت أسماء عبد الله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت أسماء : ثم مسحه وصلى عليه ، أي دعا له .

وقال تعالى : وصل عليهم أي ادع لهم .

وقال الأعشى :تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضينوما فإن لجنب المرء مضطجعاوقال الأعشى أيضا :وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسمارتسم الرجل : كبر ودعا ، قاله في الصحاح ، وقال قوم : هي مأخوذة من الصلا وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب فيكتنفه ، ومنه أخذ المصلي في سبق الخيل ; لأنه يأتي في الحلبة ورأسه عند صلوى السابق ، فاشتقت الصلاة منه ، إما لأنها جاءت ثانية للإيمان فشبهت [ ص: 165 ] بالمصلي من الخيل ، وإما لأن الراكع تثنى صلواه .

والصلا : مغرز الذنب من الفرس ، والاثنان صلوان .

والمصلي : تالي السابق ; لأن رأسه عند صلاه .

وقال علي رضي الله عنه : سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر .

وقيل : هي مأخوذة من اللزوم ، ومنه صلي بالنار إذا لزمها ، ومنه تصلى نارا حامية .

وقال الحارث بن عباد :لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صالأي ملازم لحرها ، وكأن المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به .

وقيل : هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاء .

والصلاء : صلاء النار بكسر الصاد ممدود ، فإن فتحت الصاد قصرت ، فقلت صلا النار ، فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع ، قال الخارزنجي :فلا تعجل بأمرك واستدمه فما صلى عصاك كمستديموالصلاة : الدعاء والصلاة : الرحمة ، ومنه : ( اللهم صل على محمد ) الحديث .

والصلاة : العبادة ، ومنه قوله تعالى : وما كان صلاتهم عند البيت الآية ، أي عبادتهم .

والصلاة : النافلة ، ومنه قوله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة .

والصلاة التسبيح ، ومنه قوله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي من المصلين .

ومنه سبحة الضحى .

وقد قيل في تأويل نسبح بحمدك نصلي .

والصلاة : القراءة ، ومنه قوله تعالى : ولا تجهر بصلاتك فهي لفظ مشترك .

والصلاة : بيت يصلى فيه ، قاله ابن فارس .

وقد قيل : إن الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة ، فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع ، ولم يخل شرع من صلاة ، حكاه أبو نصر القشيري .قلت : فعلى هذا القول لا اشتقاق لها ، وعلى قول الجمهور وهي :الحادية عشرة : اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي [ ص: 166 ] الابتدائي ، وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج ، والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام ، أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع .

هنا اختلافهم والأول أصح ; لأن الشريعة ثبتت بالعربية ، والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين ، ولكن للعرب تحكم في الأسماء ، كالدابة وضعت لكل ما يدب ، ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء ، والله أعلم .الثانية عشرة : واختلف في المراد بالصلاة هنا ، فقيل : الفرائض .

وقيل : الفرائض والنوافل معا ، وهو الصحيح ; لأن اللفظ عام والمتقي يأتي بهما .الثالثة عشرة : الصلاة سبب للرزق ، قال الله تعالى : وأمر أهلك بالصلاة الآية ، على ما يأتي بيانه في " طه " إن شاء الله تعالى .

وشفاء من وجع البطن وغيره ، روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال : هجر النبي صلى الله عليه وسلم فهجرت فصليت ثم جلست ، فالتفت إلي النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أشكمت درده ) قلت : نعم يا رسول الله ، قال : قم فصل فإن في الصلاة شفاء .

في رواية : ( أشكمت درد ) يعني تشتكي بطنك بالفارسية ، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .الرابعة عشرة : الصلاة لا تصح إلا بشروط وفروض ، فمن شروطها : الطهارة ، وسيأتي بيان أحكامها في سورة النساء والمائدة .

وستر العورة ، يأتي في الأعراف القول فيها إن شاء الله تعالى .وأما فروضها : فاستقبال القبلة ، والنية ، وتكبيرة الإحرام والقيام لها ، وقراءة أم القرآن والقيام لها ، والركوع والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من الركوع والاعتدال فيه ، والسجود والطمأنينة فيه ، ورفع الرأس من السجود ، والجلوس بين السجدتين والطمأنينة فيه ، والسجود [ ص: 167 ] الثاني والطمأنينة فيه .

والأصل في هذه الجملة حديث أبي هريرة في الرجل الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة لما أخل بها ، فقال له : إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها خرجه مسلم .

ومثله حديث رفاعة بن رافع ، أخرجه المسروقي وغيره .

قال علماؤنا : فبين قوله صلى الله عليه وسلم أركان الصلاة ، وسكت عن الإقامة ورفع اليدين وعن حد القراءة وعن تكبير الانتقالات ، وعن التسبيح في الركوع والسجود ، وعن الجلسة الوسطى ، وعن التشهد وعن الجلسة الأخيرة وعن السلام .

أما الإقامة وتعيين الفاتحة فقد مضى الكلام فيهما .

وأما رفع اليدين فليس بواجب عند جماعة العلماء وعامة الفقهاء ; لحديث أبي هريرة وحديث رفاعة بن رافع .

وقال داود وبعض أصحابه بوجوب ذلك عند تكبيرة الإحرام .

وقال بعض أصحابه : الرفع عند الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع واجب ، وإن من لم يرفع يديه فصلاته باطلة ، وهو قول الحميدي ، ورواية عن الأوزاعي .

واحتجوا بقوله عليه السلام : صلوا كما رأيتموني أصلي أخرجه البخاري .قالوا : فوجب علينا أن نفعل كما رأيناه يفعل ; لأنه المبلغ عن الله مراده .

وأما التكبير ما عدا تكبيرة الإحرام فمسنون عند الجمهور للحديث المذكور .

وكان ابن قاسم صاحب مالك يقول : من أسقط من التكبير في الصلاة ثلاث تكبيرات فما فوقها سجد قبل السلام ، وإن لم يسجد بطلت صلاته ، وإن نسي تكبيرة واحدة أو اثنتين سجد أيضا للسهو ، فإن لم يفعل فلا شيء عليه ، وروي عنه أن التكبيرة الواحدة لا سهو على من سها فيها .

وهذا يدل على أن عظم التكبير وجملته عنده فرض ، وأن اليسير منه متجاوز عنه .

وقال أصبغ بن الفرج وعبد الله بن عبد الحكم : ليس على من لم يكبر في الصلاة من أولها إلى آخرها شيء إذا كبر تكبيرة الإحرام ، فإن تركه ساهيا سجد للسهو ، فإن لم يسجد فلا شيء عليه ، ولا ينبغي لأحد أن يترك التكبير عامدا ; لأنه سنة من سنن الصلاة ، فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه وصلاته ماضية .قلت : هذا هو الصحيح ، وهو الذي عليه جماعة فقهاء الأمصار من الشافعيين والكوفيين وجماعة أهل الحديث والمالكيين غير من ذهب مذهب ابن القاسم .

وقد ترجم البخاري رحمه الله ( باب إتمام التكبير في الركوع والسجود ) وساق حديث مطرف بن عبد الله قال : صليت خلف علي بن أبي طالب أنا وعمران بن حصين ، فكان إذا سجد كبر ، وإذا رفع رأسه كبر ، وإذا [ ص: 168 ] نهض من الركعتين كبر ، فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال : لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم ، أو قال : لقد صلى بنا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم .

وحديث عكرمة قال : رأيت رجلا عند المقام يكبر في كل خفض ورفع ، وإذا قام وإذا وضع ، فأخبرت ابن عباس فقال : أوليس تلك صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لا أم لك فدلك البخاري رحمه الله بهذا الباب على أن التكبير لم يكن معمولا به عندهم .

روى أبو إسحاق السبيعي عن يزيد بن أبي مريم عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا علي يوم الجمل صلاة أذكرنا بها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يكبر في كل خفض ورفع ، وقيام وقعود ، قال أبو موسى : فإما نسيناها وإما تركناها عمدا .قلت : أتراهم أعادوا الصلاة !

فكيف يقال من ترك التكبير بطلت صلاته !

ولو كان ذلك لم يكن فرق بين السنة والفرض ، والشيء إذا لم يجب أفراده لم يجب جميعه ، وبالله التوفيق .الخامسة عشرة : وأما التسبيح في الركوع والسجود فغير واجب عند الجمهور للحديث المذكور ، وأوجبه إسحاق بن راهويه ، وأن من تركه أعاد الصلاة ; لقوله عليه السلام : أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم .السادسة عشرة : وأما الجلوس والتشهد فاختلف العلماء في ذلك ، فقال مالك وأصحابه : الجلوس الأول والتشهد له سنتان .

وأوجب جماعة من العلماء الجلوس الأول وقالوا : هو مخصوص من بين سائر الفروض بأن ينوب عنه السجود كالعرايا من المزابنة ، والقراض من الإجارات ، وكالوقوف بعد الإحرام لمن وجد الإمام راكعا .

واحتجوا بأنه لو كان سنة ما كان العامد لتركه تبطل صلاته كما لا تبطل بترك سنن الصلاة .

احتج من لم يوجبه بأن قال : لو كان من فرائض الصلاة لرجع الساهي عنه إليه حتى يأتي به ، كما لو ترك سجدة أو [ ص: 169 ] ركعة ، ويراعى فيه ما يراعى في الركوع والسجود من الولاء والرتبة ، ثم يسجد لسهوه كما يصنع من ترك ركعة أو سجدة وأتى بهما .

وفي حديث عبد الله ابن بحينة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من ركعتين ونسي أن يتشهد فسبح الناس خلفه كيما يجلس فثبت قائما فقاموا ، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتي السهو قبل التسليم ، فلو كان الجلوس فرضا لم يسقطه النسيان والسهو ، لأن الفرائض في الصلاة يستوي في تركها السهو والعمد إلا في المؤتم .واختلفوا في حكم الجلوس الأخير في الصلاة وما الغرض من ذلك .

وهي :السابعة عشرة : على خمسة أقوال :أحدها : أن الجلوس فرض والتشهد فرض والسلام فرض .

وممن قال ذلك الشافعي وأحمد بن حنبل في رواية ، وحكاه أبو مصعب في مختصره عن مالك وأهل المدينة ، وبه قال داود .

قال الشافعي : من ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فلا إعادة عليه وعليه سجدتا السهو لتركه .

وإذا ترك التشهد الأخير ساهيا أو عامدا أعاد .

واحتجوا بأن بيان النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فرض ; لأن أصل فرضها مجمل يفتقر إلى البيان إلا ما خرج بدليل ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : صلوا كما رأيتموني أصلي .القول الثاني : أن الجلوس والتشهد والسلام ليس بواجب ، وإنما ذلك كله سنة مسنونة ، هذا قول بعض البصريين ، وإليه ذهب إبراهيم بن علية ، وصرح بقياس الجلسة الأخيرة على الأولى ، فخالف الجمهور وشذ ، إلا أنه يرى الإعادة على من ترك شيئا من ذلك كله .

ومن حجتهم حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رفع الإمام رأسه من آخر سجدة في صلاته ثم أحدث فقد تمت صلاته وهو حديث لا يصح على ما قاله أبو عمر ، وقد بيناه في كتاب المقتبس .

وهذا اللفظ إنما يسقط السلام لا الجلوس .القول الثالث : إن الجلوس مقدار التشهد فرض ، وليس التشهد ولا السلام بواجب فرضا .

قاله أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين .

واحتجوا بحديث ابن المبارك عن الإفريقي عبد الرحمن بن زياد وهو ضعيف ، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا جلس أحدكم في آخر [ ص: 170 ] صلاته فأحدث قبل أن يسلم فقد تمت صلاته .

قال ابن العربي : وكان شيخنا فخر الإسلام ينشدنا في الدرس :ويرى الخروج من الصلاة بضرطة أين الضراط من السلام عليكمقال ابن العربي : وسلك بعض علمائنا من هذه المسألة فرعين ضعيفين ، أما أحدهما : فروى عبد الملك عن عبد الملك أن من سلم من ركعتين متلاعبا ، فخرج البيان أنه إن كان على أربع أنه يجزئه ، وهذا مذهب أهل العراق بعينه .

وأما الثاني : فوقع في الكتب المنبوذة أن الإمام إذا أحدث بعد التشهد متعمدا وقبل السلام أنه يجزئ من خلفه ، وهذا مما لا ينبغي أن يلتفت إليه في الفتوى ، وإن عمرت به المجالس للذكرى .القول الرابع : أن الجلوس فرض والسلام فرض ، وليس التشهد بواجب .

وممن قال هذا مالك بن أنس وأصحابه وأحمد بن حنبل في رواية .

واحتجوا بأن قالوا : ليس شيء من الذكر يجب إلا تكبيرة الإحرام وقراءة أم القرآن .القول الخامس : أن التشهد والجلوس واجبان ، وليس السلام بواجب ، قاله جماعة منهم إسحاق بن راهويه ، واحتج إسحاق بحديث ابن مسعود حين علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وقال له : إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك وقضيت ما عليك .

قال الدارقطني : قوله إذا فرغت من هذا فقد تمت صلاتك أدرجه بعضهم عن زهير في الحديث ، ووصله بكلام النبي صلى الله عليه وسلم ، وفصله شبابة عن زهير وجعله من كلام ابن مسعود ، وقوله أشبه بالصواب من قول من أدرجه في حديث النبي صلى الله عليه وسلم .

وشبابة ثقة .

وقد تابعه غسان بن الربيع على ذلك ، جعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم .الثامنة عشرة : واختلف العلماء في السلام ، فقيل : واجب ، وقيل : ليس بواجب .

والصحيح وجوبه لحديث عائشة وحديث علي الصحيح خرجه أبو داود والترمذي ورواه سفيان الثوري عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهذا الحديث أصل في إيجاب التكبير والتسليم ، وأنه لا يجزئ عنهما غيرهما كما لا يجزئ عن الطهارة غيرها باتفاق .

قال عبد الرحمن بن مهدي : لو افتتح رجل صلاته بسبعين اسما من أسماء الله عز وجل ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه ، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه ، وهذا تصحيح من عبد الرحمن بن مهدي لحديث علي ، وهو إمام في علم الحديث ومعرفة صحيحه من سقيمه .

وحسبك به !

وقد اختلف العلماء في وجوب التكبير عند الافتتاح وهي :التاسعة عشرة : فقال ابن شهاب الزهري وسعيد بن المسيب والأوزاعي وعبد الرحمن وطائفة : تكبيرة الإحرام ليست بواجبة .

وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول ، والصحيح من مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام وأنها فرض وركن من أركان الصلاة ، وهو الصواب وعليه الجمهور ، وكل من خالف ذلك فمحجوج بالسنة .الموفية عشرين : واختلف العلماء في اللفظ الذي يدخل به في الصلاة ، فقال مالك وأصحابه وجمهور العلماء : لا يجزئ إلا التكبير ، لا يجزئ منه تهليل ولا تسبيح ولا تعظيم ولا تحميد .

هذا قول الحجازيين وأكثر العراقيين ، ولا يجزئ عند مالك إلا " الله أكبر " لا غير ذلك .

وكذلك قال الشافعي وزاد : ويجزئ " الله الأكبر " و " الله الكبير " والحجة لمالك حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير ، والقراءة ب " الحمد لله رب العالمين " .

وحديث علي : وتحريمها التكبير .

وحديث الأعرابي : فكبر .

وفي سنن ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد الطنافسي قالا : حدثنا أبو أسامة قال حدثني عبد الحميد بن جعفر قال حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء ، قال سمعت أبا حميد الساعدي يقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة استقبل القبلة ورفع يديه وقال : " الله أكبر " وهذا نص صريح وحديث صحيح في تعيين لفظ التكبير ، قال الشاعر : [ ص: 172 ]رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأعظمه جنوداثم إنه يتضمن القدم ، وليس يتضمنه كبير ولا عظيم ، فكان أبلغ في المعنى ، والله أعلم .وقال أبو حنيفة : إن افتتح بلا إله إلا الله يجزيه ، وإن قال : اللهم اغفر لي لم يجزه ، وبه قال محمد بن الحسن .

وقال أبو يوسف : لا يجزئه إذا كان يحسن التكبير .

وكان الحكم بن عتيبة يقول : إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه .

قال ابن المنذر : ولا أعلمهم يختلفون أن من أحسن القراءة فهلل وكبر ولم يقرأ أن صلاته فاسدة ، فمن كان هذا مذهبه فاللازم له أن يقول لا يجزيه مكان التكبير غيره ، كما لا يجزئ مكان القراءة غيرها .

وقال أبو حنيفة : يجزئه التكبير بالفارسية وإن كان يحسن العربية .

قال ابن المنذر : لا يجزيه لأنه خلاف ما عليه جماعات المسلمين ، وخلاف ما علم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ، ولا نعلم أحدا وافقه على ما قال ، والله أعلم .الحادية والعشرون : واتفقت الأمة على وجوب النية عند تكبيرة الإحرام إلا شيئا روي عن بعض أصحابنا يأتي الكلام عليه في آية الطهارة ، وحقيقتها قصد التقرب إلى الآمر بفعل ما أمر به على الوجه المطلوب منه .

قال ابن العربي : والأصل في كل نية أن يكون عقدها مع التلبس بالفعل المنوي بها ، أو قبل ذلك بشرط استصحابها ، فإن تقدمت النية وطرأت غفلة فوقع التلبس بالعبادة في تلك الحالة لم يعتد بها ، كما لا يعتد بالنية إذا وقعت بعد التلبس بالفعل ، وقد رخص في تقديمها في الصوم لعظم الحرج في اقترانها بأوله .

قال ابن العربي : وقال لنا أبو الحسن القروي بثغر عسقلان : سمعت إمام الحرمين يقول : يحضر الإنسان عند التلبس بالصلاة النية ، ويجرد النظر في الصانع وحدوث العالم والنبوات حتى ينتهي نظره إلى نية الصلاة ، قال : ولا يحتاج ذلك إلى زمان طويل ، وإنما يكون ذلك في أوحى لحظة ; لأن تعليم الجمل يفتقر إلى الزمان الطويل ، وتذكارها يكون في لحظة ، ومن تمام النية أن تكون مستصحبة على الصلاة كلها ، إلا أن ذلك لما كان أمرا يتعذر عليه سمح الشرع في عزوب النية في أثنائها .

سمعت شيخنا أبا بكر الفهري بالمسجد الأقصى يقول قال محمد بن سحنون : رأيت أبا سحنون ربما يكمل الصلاة فيعيدها ، فقلت له ما هذا ؟

فقال : عزبت نيتي في أثنائها فلأجل ذلك أعدتها .[ ص: 173 ] قلت : فهذه جملة من أحكام الصلاة ، وسائر أحكامها يأتي بيانها في مواضعها من هذا الكتاب بحول الله تعالى ، فيأتي ذكر الركوع وصلاة الجماعة والقبلة والمبادرة إلى الأوقات ، وبعض صلاة الخوف في هذه السورة ، ويأتي ذكر قصر الصلاة وصلاة الخوف ، في " النساء " والأوقات في " هود " و " سبحان و " الروم " وصلاة الليل في " المزمل " وسجود التلاوة في " الأعراف " وسجود الشكر في " ص " كل في موضعه إن شاء الله تعالى .الثانية والعشرون : قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون رزقناهم : أعطيناهم ، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به حلالا كان أو حراما ، خلافا للمعتزلة في قولهم : إن الحرام ليس برزق ; لأنه لا يصح تملكه ، وأن الله لا يرزق الحرام وإنما يرزق الحلال ، والرزق لا يكون إلا بمعنى الملك .قالوا : فلو نشأ صبي مع اللصوص ولم يأكل شيئا إلا ما أطعمه اللصوص إلى أن بلغ وقوي وصار لصا ، ثم لم يزل يتلصص ويأكل ما تلصصه إلى أن مات ، فإن الله لم يرزقه شيئا إذ لم يملكه ، وإنه يموت ولم يأكل من رزق الله شيئا .وهذا فاسد ، والدليل عليه أن الرزق لو كان بمعنى التمليك لوجب ألا يكون الطفل مرزوقا ، ولا البهائم التي ترتع في الصحراء ، ولا السخال من البهائم ; لأن لبن أمهاتها ملك لصاحبها دون السخال .ولما اجتمعت الأمة على أن الطفل والسخال والبهائم مرزوقون ، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين علم أن الرزق هو الغذاء ولأن الأمة مجمعة على أن العبيد والإماء مرزوقون ، وأن الله تعالى يرزقهم مع كونهم غير مالكين ، فعلم أن الرزق ما قلناه لا ما قالوه .

والذي يدل على أنه لا رازق سواه قوله الحق : هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض وقال : إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين وقال : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها وهذا قاطع ، فالله تعالى رازق حقيقة وابن آدم رازق تجوزا ; [ ص: 174 ] لأنه يملك ملكا منتزعا كما بيناه في الفاتحة ، مرزوق حقيقة كالبهائم التي لا ملك لها ، إلا أن الشيء إذا كان مأذونا له في تناوله فهو حلال حكما ، وما كان منه غير مأذون له في تناوله فهو حرام حكما ، وجميع ذلك رزق .

وقد خرج بعض النبلاء من قوله تعالى : كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فقال : ذكر المغفرة يشير إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام .الثالثة والعشرون : قوله تعالى : ومما رزقناهم الرزق مصدر رزق يرزق رزقا ورزقا ، فالرزق بالفتح المصدر ، وبالكسر الاسم ، وجمعه أرزاق ، والرزق : العطاء .

والرازقية : ثياب كتان [ بيض ] .

وارتزق الجند : أخذوا أرزاقهم .

والرزقة : المرة الواحدة ، هكذا قال أهل اللغة .

وقال ابن السكيت : الرزق بلغة أزد شنوءة : الشكر ، وهو قوله عز وجل : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي : شكركم التكذيب .

ويقول : رزقني أي شكرني .الرابعة والعشرون : قوله تعالى : ( ينفقون ) ينفقون : يخرجون .

والإنفاق : إخراج المال من اليد ، ومنه نفق البيع : أي خرج من يد البائع إلى المشتري .

ونفقت الدابة : خرجت روحها ، ومنه النافقاء لجحر اليربوع الذي يخرج منه إذا أخذ من جهة أخرى .

ومنه المنافق ; لأنه يخرج من الإيمان أو يخرج الإيمان من قلبه .

ونيفق السراويل معروفة وهو مخرج الرجل منها .

ونفق الزاد : فني وأنفقه صاحبه .

وأنفق القوم : فني زادهم ، ومنه قوله تعالى : إذا لأمسكتم خشية الإنفاق .الخامسة والعشرون : واختلف العلماء في المراد بالنفقة هاهنا ، فقيل : الزكاة المفروضة - روي عن ابن عباس - لمقارنتها الصلاة .

وقيل : نفقة الرجل على أهله - روي عن ابن مسعود - لأن ذلك أفضل النفقة .

روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك .

وروي عن سلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله عز وجل ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله قال أبو قلابة : وبدأ بالعيال [ ثم ] قال أبو قلابة : [ ص: 175 ] وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم .

وقيل : المراد صدقة التطوع - روي عن الضحاك نظرا إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها المختص بها وهو الزكاة ، فإذا جاءت بلفظ غير الزكاة احتملت الفرض والتطوع ، فإذا جاءت بلفظ الإنفاق لم تكن إلا التطوع .

قال الضحاك : كانت النفقة قربانا يتقربون بها إلى الله جل وعز على قدر جدتهم حتى نزلت فرائض الصدقات والناسخات في " براءة " .

وقيل : إنه الحقوق الواجبة العارضة في الأموال ما عدا الزكاة ; لأن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا ، ولما عدل عن لفظها كان فرضا سواها .

وقيل : هو عام وهو الصحيح ; لأنه خرج مخرج المدح في الإنفاق مما رزقوا ، وذلك لا يكون إلا من الحلال ، أي يؤتون ما ألزمهم الشرع من زكاة وغيرها مما يعن في بعض الأحوال مع ما ندبهم إليه .

وقيل : الإيمان بالغيب حظ القلب .

وإقام الصلاة حظ البدن .

ومما رزقناهم ينفقون حظ المال ، وهذا ظاهر .

وقال بعض المتقدمين في تأويل قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون أي مما علمناهم يعلمون ، حكاه أبو نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم وصف المتقين بالعقائد والأعمال الباطنة, والأعمال الظاهرة, لتضمن التقوى لذلك فقال: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } حقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل, المتضمن لانقياد الجوارح، وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس, فإنه لا يتميز بها المسلم من الكافر.

إنما الشأن في الإيمان بالغيب, الذي لم نره ولم نشاهده, وإنما نؤمن به, لخبر الله وخبر رسوله.

فهذا الإيمان الذي يميز به المسلم من الكافر, لأنه تصديق مجرد لله ورسله.

فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر الله به, أو أخبر به رسوله, سواء شاهده, أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله, أو لم يهتد إليه عقله وفهمه.

بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبية, لأن عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم, ومرجت أحلامهم.

وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدى الله.

ويدخل في الإيمان بالغيب, [الإيمان بـ] بجميع ما أخبر الله به من الغيوب الماضية والمستقبلة, وأحوال الآخرة, وحقائق أوصاف الله وكيفيتها, [وما أخبرت به الرسل من ذلك] فيؤمنون بصفات الله ووجودها, ويتيقنونها, وإن لم يفهموا كيفيتها.

ثم قال: { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ } لم يقل: يفعلون الصلاة, أو يأتون بالصلاة, لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة.

فإقامة الصلاة, إقامتها ظاهرا, بإتمام أركانها, وواجباتها, وشروطها.

وإقامتها باطنا بإقامة روحها, وهو حضور القلب فيها, وتدبر ما يقوله ويفعله منها، فهذه الصلاة هي التي قال الله فيها: { إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } وهي التي يترتب عليها الثواب.

فلا ثواب للإنسان من صلاته, إلا ما عقل منها، ويدخل في الصلاة فرائضها ونوافلها.

ثم قال: { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة, والنفقة على الزوجات والأقارب, والمماليك ونحو ذلك.

والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير.

ولم يذكر المنفق عليهم, لكثرة أسبابه وتنوع أهله, ولأن النفقة من حيث هي, قربة إلى الله، وأتى بـ \" من \" الدالة على التبعيض, لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيرا من أموالهم, غير ضار لهم ولا مثقل, بل ينتفعون هم بإنفاقه, وينتفع به إخوانهم.

وفي قوله: { رَزَقْنَاهُمْ } إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم, ليست حاصلة بقوتكم وملككم, وإنما هي رزق الله الذي خولكم, وأنعم به عليكم، فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده, فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم, وواسوا إخوانكم المعدمين.

وكثيرا ما يجمع تعالى بين الصلاة والزكاة في القرآن, لأن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود, والزكاة والنفقة متضمنة للإحسان على عبيده، فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود, وسعيه في نفع الخلق، كما أن عنوان شقاوة العبد عدم هذين الأمرين منه, فلا إخلاص ولا إحسان.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {الذين يؤمنون}: موضع الذين خفض نعتاً للمتقين.

يؤمنون: يصدقون (ويترك الهمزة أبو عمرو وورش، والآخرون يهمزونه وكذلك يتركان كل همزة ساكنة هي فاء الفعل نحو يؤمن ومؤمن إلا أحرفاً معدودة).

وحقيقة الإيمان التصديق بالقلب، قال الله تعالى: {وما أنت بمؤمن لنا} [17-يوسف] [ أي بمصدق لنا ] وهو في الشريعة: الاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان، فسمي الإقرار والعمل إيماناً، لوجه من المناسبة، لأنه من شرائعه.

والإسلام: هو الخضوع والانقياد، فكل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيماناً، إذا لم يكن معه تصديق، قال الله تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} [14- الحجرات] وذلك لأن الرجل قد يكون مستسلماً في الظاهر غير مصدق في الباطن، وقد يكون مصدقاً في الباطن غيرمنقاد في الظاهر.

وقد اختلف جواب النبي صلى الله عليه وسلم عنهما حين سأله جبريل عليه السلام؛ وهو ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي بن محمد بن علي بن محمد بن بويه الزراد البخاري: أنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشي ثنا أبو أحمد عيسى بن أحمد العسقلاني أنا يزيد بن هارون أنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: "كان أول من تكلم في القدر، يعني بالبصرة، معبداً الجهني فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقوله هؤلاء فلقينا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يتقفرون هذا العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر إنما الأمر أنف قال: فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني منهم بريء شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره؛ ثم قال: (حدثنا عمر بن الخطاب قال: بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر ما يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد فأقبل حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [وركبته تمس ركبته] فقال: يامحمد أخبرني عن الإسلام؟

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، فقال: صدقت فتعجبنا من سؤاله وتصديقه، ثم قال: فما الإيمان؟

قال: أن تؤمن بالله وحده وملائكته وكتبه ورسوله وبالبعث بعد الموت والجنة والنار وبالقدر خيره وشره، فقال: صدقت، ثم قال: فما الإحسان؟

قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك قال: صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الساعة؟

فقال ما المسؤول عنها بأعلم بها من السائل، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في بنيان المدر، قال: صدقت، ثم انطلق فلما كان بعد ثالثة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر هل تدري من الرجل؟

قال: قلت: الله ورسوله أعلم.

قال: ذلك جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم وما أتاني في صورة إلا عرفته فيها إلا في صورته هذه)".

فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الإسلام في هذا الحديث اسماً لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك قال ذاك جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم.

والدليل على أن الأعمال من الإيمان ما أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشاه ثنا أبو أحمد بن محمد بن قريش بن سليمان ثنا بشر بن موسى ثنا خلف بن الوليد عن جرير الرازي عن سهل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ّ(الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان).

وقيل: الإيمان مأخوذ من الأمان، فسمي المؤمن مؤمناً لأنه يؤمن نفسه من عذاب الله، والله تعالى مؤمن لأنه يؤمن العباد من عذابه.

قوله تعالى: {بالغيب}: والغيب مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب [كما قيل للعادل عدل وللزائر زور].

والغيب ما كان مغيباً عن العيون؛ قال ابن عباس: "الغيب هاهنا كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان".

وقيل الغيب هاهنا: هو الله تعالى، وقيل: القرآن.

وقال الحسن: "بالآخرة" وقال زر بن حبيش وابن جريح: "بالوحي".

نظيره {أعنده علم الغيب} [35-النجم] وقال ابن كيسان: "بالقدر"، وقال عبد الرحمن بن يزيد: "كنا عند عبد الله بن مسعود فذكرنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم [وما سبقونا به] فقال عبد الله: إن أمر محمد كان بيناً لمن رآه والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيماناً أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ {الم * ذلك الكتاب} إلى قوله {المفلحون}".

قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش (يومنون) بترك الهمزة وكذلك أبو جعفر بترك كل همزة ساكنة إلا في (أنبئهم) و(نبئهم) و(نبئنا) ويترك أبو عمرو كلها إلا أن تكون علامة للجزم نحو (نبئهم) و(أنبئهم) و(تسؤهم) و(إن نشأ) و(ننسأها) و(نحوها) أو يكون خروجاً من لغة إلى أخرى نحو: (مؤصدة) و(رئياً).

ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت فاء الفعل إلا (تؤوي) و(تؤويه) ولا يترك من عين الفعل: إلا (الرؤيا) و(بابه)، إلا ما كان على وزن فعل، مثل: (ذئب).

قوله تعالى: {ويقيمون الصلاة}: أي يديمونها ويحافظون عليها في مواقيتها بحدودها وأركانها وهيئاتها.

يقال: قام بالأمر وأقام الأمر إذا أتى به معطىً حقوقه.

والمراد بها الصلوات الخمس ذكر بلفظ (الواحد) كقوله تعالى: {فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق} [213-البقرة] يعني الكتب.

والصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: {وصَلِّ عليهم} [103-التوبة] أي ادع لهم.

وفي الشريعة: اسم لأفعال مخصوصة من قيام وركوع وسجود وقعود ودعاء وثناء.

وقيل في قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} [56-الأحزاب] الآية.

إن الصلاة من الله في هذه الآية الرحمة ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء.

قوله تعالى: {ومما رزقناهم}: (أي) أعطيناهم والرزق اسم لكل ما ينتفع به حتى الولد والعبد.

وأصله في اللغة الحظ والنصيب.

{ينفقون}: يتصدقون.

قال قتادة: "ينفقون في سبيل الله وطاعته.

وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد والملك، ومنه نفاق السوق، لأنه تخرج فيه السلعة عن اليد، ومنه: نفقت الدابة إذا أخرجت روحها.

فهذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين يؤمنون» يصدِّقون «بالغيب» بما غاب عنهم من البعث والجنة والنار «ويقيمون الصلاة» أي يأتون بها بحقوقها «ومما رزقناهم» أعطيناهم «ينفقون» في طاعة الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وهم الذين يُصَدِّقون بالغيب الذي لا تدركه حواسُّهم ولا عقولهم وحدها؛ لأنه لا يُعْرف إلا بوحي الله إلى رسله، مثل الإيمان بالملائكة، والجنة، والنار، وغير ذلك مما أخبر الله به أو أخبر به رسوله، (والإيمان: كلمة جامعة للإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وتصديق الإقرار بالقول والعمل بالقلب واللسان والجوارح) وهم مع تصديقهم بالغيب يحافظون على أداء الصلاة في مواقيتها أداءً صحيحًا وَفْق ما شرع الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ومما أعطيناهم من المال يخرجون صدقة أموالهم الواجبة والمستحبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم فصل القرآن بعد ذلك أوصاف المتقين ، ومدحهم بجملة من المناقب الحميدة ، فقال : ( الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ) أي : يصدقون بما غاب عن حواسهم ، كالصانع وصفاته ، وكاليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وثواب وعقاب .والإيمان لغة التصديق والإذعان ، وهو إفعال من الأمن .

وشرعاً التصديق بما علم بالضرورة أنه من الدين ، كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ..

.

الخ ، وعدى ( يُؤْمِنُونَ ) بالباء لتضمينه معنى أقر واعترف .والغيب : مصدر غاب يغيب ، وكثيراً ما يستعمل بمعنى الغائب ، وهو الظاهر من هذه الآية الكريمة .

ومعناه : ما لا تدركه الحواس ، ولا يعلم ببداهة العقل .قال بعض العلماء : وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان ، لأن الإيمان بالغيب هو الأصل في اعتقاد إمكان ما لا تخبر به الرسل عن وجود الله والعالم العلوى ، فإذا آمن به المرء وتصدى لسماع دعوة الرسول وللنظر فيما يبلغه عن الله - تعالى - فسهل عليه إدراك الأدلة ، وأما من يعتقد أنه ليس من وراء عالم الماديات عالم آخر ، فقد راض نفسه على الإعراض عن الدعوة ، كما هو حال الماديين الذين يقولون : " ما يهلكنا إلا الدهر :والإيمان بالغيب : يستلزم التصديق به على وجه الجزم ، وهو لا يحصل إلا عن دليل .ولا شك أن قيام البراهين على صدق من أخبر بالغيب يجعل المؤمن بهذا الغيب مصدقاً عن دليل ، فنحن لا نحتاج في الإيمان بالملائكة والكتب السماوية السابقة ، والرسل الذين أرسلوا من قبل ، والبعث وما فيه من ثواب وعقاب ، لا نحتاج في الإيمان بكل ذلك إلى دليل زائد على الأدلة التي قامت على صدق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .والإيمان بالغيب دليل على اتساع العقول ، وسلامة القلوب ، إذ أن معنى الإيمان بالغيب هو أن عقولهم قد سلم إدراكها ، وتقشعت عنها غشاواتها ، وامتد نظرها في الكائنات فأدركت أن لها مبدعاً حكيماً وخالقاً قديراً ، جعلها تسير بنظام محكم ، فهذه كواكب تظهر وتغيب ، وسماء مرفوعة بغير عمد ، وأرض راسية لا تميد ولا تضطرب .

.

.

( صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) فكان من ذلك لتلك العقول براهين قاطعة على وجود خالق مدبر ، وحكيم قدير ، ومبدع لا تأخذه سنة ولا نوم .والإيمان بالغيب الذي أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يقوى ويعظم كلما قوى الإيمان في القلوب ، واستولى الصفاء على النفوس ، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين بالغيب في أحاديث متعددة ، منها ما جاء عن خالد بن دريك ، عن ابن محيريز قال : قلت لابن جمعة : حدثنا حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم أحدثك حديثاً .

تغدينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو عبيدة بن الجراح فقال : " يا رسول الله ، هل أحد خير منا؟

أسلمنا معك وجاهدنا معك .قال : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني " .قال ابن كثير : فقد مدحهم على ذلك وذكر أنهم أعظم أجراً من هذه الحيثية لا مطلقاً .وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم عن بديلة بنت أسلم قالت : صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة ، واستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين ، ثم جاء من يخبرنا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت ، فتحول الرجال مكان النساء ، والنساء مكان الرجال ، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" أولئك قوم آمنوا بالغيب "تلك أول صفة نتيجة التقوى وهي الإيمان بالغيب ، أما الصفة الثانية التي مدح الله بها المتقين فهي قوله - تعالى - :( وَيُقِيمُونَ الصلاة ) .الصلاة في اللغة الدعاء ، من صلى يصلى إذا دعا ، واستعملها الشارع في العبادة ذات الركوع والسجود لاشتمالها على الدعاء ، والإقامة في الأصل : الدوام والثبات ، من قولك : قام الحق أي : ظهر وثبت .ومعنى ( وَيُقِيمُونَ الصلاة ) : يؤدونها في أوقاتها المقدرة لها ، مع تعديل أركانها ، وإيقاعها مستوفية لواجباتها وسننها وآدابها وخشوعها ، فإن الصلاة المقامة بحق هي تلك التي يصحبها الإخلاص ، واستحضار جلال الله في الركوع والسجود ، وهي التي تترتب عليها الآثار العظيمة من تزكية النفس ، وعفافها ، وتركها لكل الشرور والآثام ، كما قال - تعالى - ( إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ) وقدم الإيمان بالغيب على إقامة الصلاة تعظيماً لعمل القلب ، واعتداداً بشرطية الإيمان في صحة أعمال الجوارح .وقدم إقامة الصلاة على الإنفاق ، لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ، ولأنها تتكرر في اليوم خمس مرات ، ولأنها صلة بين العبد وربه ، والإنفاق صلته بالناس ، ولأن مشروعيتها كانت سابقة على مشروعية الزكاة .أما الصفة الثالثة التي مدح الله بها المتقين فهي قوله - تعالى - :( وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ) .أي : ومما أعطيناهم وملكناهم يتصدقون في وجوه الخير ، ويمدون أيديهم بالإحسان إلى الفقير والمسكين .والرزق عند جمهور العلماء ما صلح للانتفاع به حلالا كان أو حراماً ، خلافاً للمعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق .

والإنفاق : إخراج المال وإنفاده وصرفه ، يقال : نفق - كفرح ونصر - نفد وفني أو قلّ .

وأنفق ماله أنفده ، وأصل المادة يدل على الخروج والذهاب ، ومنه : نافق فلان ، والنافقاء ، والنفق .

وقال " ينفقون " ولم يقل أنفقوا ، ليشعر بأن الإنفاق منهم يتجدد بين وقت وآخر .

ولم يحدد وجوه الإنفاق بل تركها مطلقة لتشمل الفرض والواجب وغيرهما من وجوه الإحسان .وإيراد " من " في قوله تعالى - ( وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ) للإشارة إلى أن مواظبتهم على إنفاق أموالهم بين الحين والحين ، كفيل بتوصيلهم إلى زمرة المهتدين المفلحين ، وللإشعار بأنهم ينفقون بعض أموالهم مبتعدين عن الإسراف والتبذير حتى لا يتركوا ورثتهم عالة يتكففون وجوه الناس .هذا ، وقد عنى القرآن الكريم عناية فائقة بالحض على الإنفاق في وجوه الخير ، ومدح الذين يفعلون ذلك مدحاً عظيماً في عشرات الآيات ، وذلك لأن الأمة التي يكثر فيها المنفقون لأموالهم في وجوه الخير ، لا بد أن تعز كلمتها ، وتسلم من كوارث شتى ، كالجهل ، والفقر ، والمرض .فببذل الماء تسد حاجات البؤساء ، وتشاد معاهد التعليم ، وتقام وسائل حفظ الصحة ، وتنمو المحبة والمودة بين الأغنياء والفقراء .قال تعالى : ( مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ثم أضاف القرآن إلى صفات المتقين وصفاً رابعاً فقال :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن فيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب (الكشاف): ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ ﴾ إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو منصوب أو مدح مرفوع بتقدير أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين، وإما منقطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب ﴿ أولئك على هُدًى ﴾ فإذا كان موصولاً كان الوقف على المتقين حسناً غير تام، وإذا كان منقطعاً كان وقفاً تاماً.

المسألة الثانية: قال بعضهم: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين، وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلاً للحسنات وتاركاً للسيآت، أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب وهو قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ ﴾ وإما أن يكون فعل الجوارح، وأساسه الصلاة والزكاة والصدقة؛ لأن العبادة أما أن تكون بدنية وأجلها الصلاة، أو مالية، وأجلها الزكاة؛ ولهذا سمى الرسول عليه السلام: «الصلاة عماد الدين، والزكاة قنطرة الإسلام» وأما الترك فهو داخل في الصلاة لقوله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ والأقرب أن لا تكون هذه الأشياء تفسيراً لكونهم متقين؛ وذلك لأن كمال السعادة لا يحصل إلا بترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي، فالترك هو التقوى، والفعل إما فعل القلب، وهو الإيمان، أو فعل الجوارح، وهو الصلاة والزكاة، وإنما قدم التقوى الذي هو الترك على الفعل الذي هو الإيمان والصلاة والزكاة، لأن القلب كاللوح القابل لنقوش العقائد الحقة والأخلاق الفاضلة، واللروح يجب تطهيره أولاً عن النقوش الفاسدة، حتى يمكن إثبات النقوش الجيدة فيه، وكذا القول في الأخلاق، فلهذا السبب قدم التقوى وهو ترك ما لا ينبغي، ثم ذكر بعده فعل ما ينبغي.

المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف: الإيمان إفعال من الأمن، ثم يقال آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه من التكذيب والمخالفة، وأما تعديته بالباء فلتضمنه معنى أقر وأعترف وأما ما حكى أبو زيد: ما آمنت أن أجد صحابة أي ماوثقت، فحقيقته صرت ذا أمن، أي ذا سكون وطمأنينة وكلا الوجهين حسن في ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق.

وأقول: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان في عرف الشرع ويجمعهم فرق أربع.

الفرقة الأولى: الذين قالوا: الإيمان اسم لأفعال القلوب والجوارح والإقرار باللسان، وهم المعتزلة والخوارج والزيدية، وأهل الحديث، أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنّة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً.

فقالوا مجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر، وأما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء فالمراد به التصديق، ولذلك يقال فلان آمن بالله وبرسوله، ويكون المراد التصديق، إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية، فلا يقال فلان آمن بكذا إذا صلى وصام، بل يقال فلان آمن بالله كما يقال صام وصلى لله، فالإيمان المُعدَّى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة، أما إذا ذكر مطلقاً غير معدى فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي الذي هو التصديق إلى معنى آخر، ثم اختلفوا فيه على وجوه: أحدها: أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات، وهو قول واصل بن عطاء وأبي الهذيل والقاضي عبد الجبار بن أحمد.

وثانيها: أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم.

وثالثها: أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله كل من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا كل من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد، وهو قول النظام، ومن أصحابه من قال: شرط كونه مؤمناً عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها.

وأما أهل الحديث فذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل، ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة، وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة.

وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار، لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله، وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب.

الثاني: زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها وهو إيمان واحد وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان، ومن ترك شيئاً من الفرائض فقد انتقص إيمانه، ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه، ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

الفرقة الثانية: الذين قالوا: الإيمان بالقلب واللسان معاً، وقد اختلف هؤلاء على مذاهب الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالقلب، وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين: أحدهما: اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو كان علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال.

وثانيهما: اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟

قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال ثم أنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف.

وقال أهل الإنصاف: المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالماً بالعلم أو عالماً لذاته وبكونه مرئياً أو غيره لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

القول الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً، وهو قول بشر بن غِياث المريسي، وأبي الحسن الأشعري، والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس.

القول الثالث: قول طائفة من الصوفية: الإيمان إقرار باللسان، وإخلاص بالقلب.

الفرقة الثالثة: الذين قالوا: الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، وهؤلاء قد اختلفوا على قولين: أحدهما: أن الإيمان عبارة عن معرفة الله بالقلب، حتى أن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقربه فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان.

أما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان.

وحكى الكعبي عنه: أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم.

وثانيهما: أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب وهو قول الحسين بن الفضل البجلي.

الفرقة الرابعة: الذين قالوا: الإيمان هو الإقرار باللسان فقط وهم فريقان: الأول: أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط، لكن شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب، فالمعرفة شرط لكون الإقرار اللساني إيماناً، لا أنها داخلة في مسمى الإيمان، وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي والفضل الرقاشي وإن كان الكعبي قد أنكر كونه قولاً لغيلان.

الثاني: أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان، وهو قول الكرامية، وزعموا أن المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع، والذي نذهب إليه أن الإيمان عبارة عن التصديق بالقلب ونفتقر هاهنا إلى شرح ماهية التصديق بالقلب فنقول: أن من قال العالم محدث فليس مدلول هذه الألفاظ كون العالم موصوفاً بالحدوث، بل مدلولها حكم ذلك القائل بكون العالم حادثاً، والحكم بثبوت الحدوث للعالم مغاير لثبوت الحدوث للعالم فهذا الحكم الذهني بالثبوت أو بالانتفاء أمر يعبر عنه في كل لغة بلفظ خاص، واختلاف الصيغ والعبارات مع كون الحكم الذهني أمراً واحداً يدل على أن الحكم الذهني أمر مغاير لهذه الصيغ والعبارات، ولأن هذه الصيغ دالة على ذلك الحكم والدال غير المدلول، ثم نقول هذا الحكم الذهني غير العلم، لأن الجاهل بالشيء قد يحكم به، فعلمنا أن هذا الحكم الذهني مغاير للعلم، فالمراد من التصديق بالقلب هو هذا الحكم الذهني، بقي هاهنا بحث لفظي وهو أن المسمى بالتصديق في اللغة هو ذلك الحكم الذهين أم الصيغة الدالة على ذلك الحكم الذهني وتحقيق القول فيه قد ذكرناه في أصول الفقه، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد صلى الله عليه وسلم مع الاعتقاد فنفتقر في إثبات هذا المذهب إلى إثبات قيود أربعة.

القيد الأول: أن الإيمان عبارة عن التصديق ويدل عليه وجوه: الأول: أنه كان في أصل اللغة للتصديق، فلو صار في عرف الشرع لغير التصديق لزم أن يكون المتكلم به متكلماً بغير كلام العرب، وذلك ينافي وصف القرآن بكونه عربياً.

الثاني: أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على معرفة ذلك المسمى، ولاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، فلما لم يكن كذلك علمنا أنه بقي على أصل الوضع.

الثالث: أجمعنا على أن الإيمان المعدى بحرف الباء مبقي على أصل اللغة فوجب أن يكون غير المعدى كذلك.

الرابع: أن الله تعالى كلما ذكر الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب قال: ﴿ مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ  ﴾ وقوله: ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان  ﴾ ﴿ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان  ﴾ ﴿ ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ الخامس: أن الله تعالى أينما ذكر الإيمان قرن العمل الصالح به ولو كان العمل الصالح داخلاً في الإيمان لكان ذلك تكراراً.

السادس: أنه تعالى كثيراً ذكر الإيمان وقرنه وبالمعاصي، قال: ﴿ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ  ﴾ ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِئ إلى أَمْر الله  ﴾ واحتج ابن عباس على هذا بقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى  ﴾ من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن القصاص إنما يجب على القاتل المتعمد ثم أنه خاطبه بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ فدل على أنه مؤمن.

وثانيها: قوله: ﴿ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيء  ﴾ وهذه الأخوة ليست إلا إخوة الإيمان، لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ  ﴾ .

وثالثها: قوله: ﴿ ذلك تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ  ﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن، ومما يدل على المطلوب قوله تعالى: ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا  ﴾ هذا أبقى اسم الإيمان لمن لم يهاجر مع عظم الوعيد في ترك الهجرة في قوله تعالى: ﴿ الذين تتوفاهم الملائكة ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ  ﴾ وقوله: ﴿ مَالَكُمْ مّن ولايتهم مّن شَيء حتى يُهَاجِرُواْ  ﴾ ومع هذا جعلهم مؤمنين ويدل أيضاً عليه قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء  ﴾ وقال: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول وَتَخُونُواْ أماناتكم  ﴾ وقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً  ﴾ والأمر بالتوبة لمن لا ذنب له محال وقوله: ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون  ﴾ لا يقال فهذا يقتضي أن يكون كل مؤمن مذنباً وليس كذلك قولنا: هب أنه خص فيما عدا المذنب فبقي فيهم حجة.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن التصديق اللساني، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ نفي كونهم مؤمنين، ولو كان الإيمان بالله عبارة عن التصديق اللساني لما صح هذا النفي.

القيد الثالث: أن الإيمان ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عزّ وجلّ؛ لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطاً معتبراً في تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه في أنه هل يعرف ذلك أم لا.

فهذا هو بيان القول في تحقيق الإيمان، فإن قال قائل: هاهنا صورتان: الصورة الأولى: من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة.

فهاهنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر في تحقيق الإيمان، وهو خرق للإجماع، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان».

وهذا قلب طافح بالإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟

الصورة الثانية: من عرف الله تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع، وإن قلتم ليس بمؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان» ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق.

والجواب: أن الغزالي منع من هذا الإجماع في الصورتين، وحكم بكونهما مؤمنين، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان.

المسألة الرابعة: قيل: ﴿ الغيب ﴾ مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، والزور بمعنى الزائر، ثم في قوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ قولان: الأول: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله: ﴿ بالغيب ﴾ صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزءون.

ونظيره قوله تعالى: ﴿ ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب  ﴾ ويقول الرجل لغيره: نعم الصديق لك فلان بظهر الغيب، وكل ذلك مدح للمؤمنين بكون ظاهرهم موافقاً لباطنهم ومباينتهم لحال المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

والثاني: وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائباً عن الحاسة ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل، وإلى ما ليس عليه دليل.

فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه دليل بأن يتفكروا ويستدلوا فيؤمنوا به، وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله تعالى وبصفاته والعلم بالآخرة والعلم بالنبوة والعلم بالأحكام وبالشرائع فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة فيصلح أن يكون سبباً لاستحقاق الثناء العظيم.

واحتج أبو مسلم على قوله بأمور: الأول: أن قوله: ﴿ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ  ﴾ إيمان بالأشياء الغائبة فلو كان المراد من قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه، وأنه غير جائز.

الثاني: لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب، وهو خلاف قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  ﴾ أما لو فسرنا الآية بما قلنا لا يلزم هذا المحذور.

الثالث: لفظ الغيب إنما يجوز إطلاقه على من يجوز عليه الحضور، فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله تعالى وصفاته، فقوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذات الله تعالى وصفاته، ولا يبقى فيه إلا الإيمان بالآخرة، وذلك غير جائز لأن الركن العظيم في الإيمان هو الإيمان بذات الله وصفاته، فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل أما لو حملناه على التفسير الذي اخترناه لم يلزمنا هذا المحذور.

والجواب عن الأول: أن قوله: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ يتناول الإيمان بالغائبات على الإجمال ثم بعد ذلك قوله: ﴿ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يتناول الإيمان ببعض الغائبات فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة، وهو جائز كما في قوله: ﴿ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلُ وميكال  ﴾ وعن الثاني: أنه لا نزاع في أنا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا، فكان ذلك التخصيص لازماً على الوجهين جميعاً.

فإن قيل أفتقولون: العبد يعلم الغيب أم لا؟

قلنا قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل وإلى ما لا دليل عليه أما الذي لا دليل عليه فهو سبحانه وتعالى العالم به لا غيره، وأما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن تقول: نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل، ويفيد الكلام فلا يلتبس، وعلى هذا الوجه قال العلماء: الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة.

وعن الثالث: لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور، والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد.

ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته والله أعلم.

المسألة الخامسة: قال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله تعالى به في القرآن والخبر، أما القرآن فقوله: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ  ﴾ وأما الخبر فقوله عليه السلام: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً» واعلم أن تخصيص المطلق من غير الدليل باطل.

المسألة السادسة: ذكروا في تفسير إقامة الصلاة وجوهاً: أحدها: أن إقامتها عبارة عن تعديل أركانها وحفظها من أن يقع خلل في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قومه.

وثانيها: أنها عبارة عن المداومة عليها كما قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ  ﴾ وقال: ﴿ الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ  ﴾ من قامت السوق إذا نفقت، وإقامتها نفاقها؛ لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإذا أضيعت كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه.

وثالثها: أنها عبارة عن التجرد لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها، وفي ضده: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط.

ورابعها: إقامتها عبارة عن أدائها، وإنما عبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنها بالقنوت وبالركوع وبالسجود، وقالوا: سبح إذا صلى، لوجود التسبيح فيها، قال تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين  ﴾ واعلم أن الأولى حمل الكلام على ما يحصل معه من الثناء العظيم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا الإقامة على إدامة فعلها من غير خلل في أركانها وشرائطها؛ ولذلك فإن القيم بأرزاق الجند إنما يوصف بكونه قيماً إذا أعطى الحقوق من دون بخس ونقص؛ ولهذا يوصف الله تعالى بأنه قائم وقيوم؛ لأنه يجب دوام وجوده؛ ولأنه يديم إدرار الرزق على عباده.

المسألة السابعة: ذكروا في لفظ الصلاة في أصل اللغة وجوهاً: أحدها: أنها الدعاء قال الشاعر: وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتشم وثانيها: قال الخارزنجي.

اشتقاقها من الصلى، وهي النار، من قولهم: صليت العصا إذا قومتها بالصلى، فالمصلي كأنه يسعى في تعديل باطنه وظاهره مثل من يحاول تقويم الخشبة بعرضها على النار.

وثالثها: أن الصلاة عبارة عن الملازمة من قوله تعالى: ﴿ تصلى نَاراً حَامِيَةً  ﴾ ﴿ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ  ﴾ وسمي الفرس الثاني من أفراس المسابقة مصلياً.

ورابعها: قال صاحب (الكشاف): الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى وكتبتها بالواو على لفظ المفخم، وحقيقة صلى حرك الصلوين، لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، وقيل الداعي مصلي تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد، وأقول هاهنا بحثان: الأول: إن هذا الاشتقاق الذي ذكره صاحب (الكشاف) يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة، وذلك لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة وأكثرها دوراناً على ألسنة المسلمين، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل، ولو جوزنا أن يقال: مسمى الصلاة في الأصل ما ذكره، ثم إنه خفي واندرس حتى صار بحيث لا يعرفه إلا الآحاد لكان مثله في سائر الألفاظ جائزاً، ولو جوزنا ذلك لما قطعنا بأن مراد الله تعالى من هذه الألفاظ ما تتبادر أفهامنا إليه من المعاني في زماننا هذا، لاحتمال أنها كانت في زمان الرسول موضوعة لمعان أخر، وكان مراد الله تعالى منها تلك المعاني، إلا أن تلك المعاني خفيت في زماننا واندرست كما وقع مثله في هذه اللفظة، فلما كان ذلك باطلاً بإجماع المسلمين علمنا أن الاشتقاق الذي ذكره مردود باطل.

الثاني: الصلاة في الشرع عبارة عن أفعال مخصوصة يتلو بعضها بعضاً مفتتحة بالتحريم، مختتمة بالتحليل، وهذا الاسم يقع على الفرض والنفل.

لكن المراد بهذه الآية الفرض خاصة؛ لأنه الذي يقف الفلاح عليه؛ لأنه عليه السلام لما بين للإعرابي صفة الصلاة المفروضة قال: والله لا أزيد عليها ولا أنقص منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».

المسألة الثامنة: الرزق في كلام العرب هو الحظ قال تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ  ﴾ أي حظكم من هذا الأمر، والحظ هو نصيب الرجل وما هو خاص له دون غيره ثم قال بعضهم: الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل، وهو باطل، لأن الله تعالى أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم  ﴾ فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه.

وقال آخرون: الرزق هو ما يملك وهو أيضاً باطل، لأن الإنسان قد يقول: اللهم ارزقني ولداً صالحاً أو زوجة صالحة وهو لا يملك الولد ولا الزوجة، ويقول: اللهم ارزقني عقلاً أعيش به وليس العقل بمملوك، وأيضاً البهيمة يكون لها رزق ولا يكون لها ملك.

وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه، فقال أبو الحسين البصري: الرزق هو تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به، فإذا قلنا: قد رزقنا الله تعالى الأموال، فمعنى ذلك أنه مكننا من الانتفاع بها، وإذا سألناه تعالى أن يرزقنا مالاً فإنا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص، وإذا سألناه أن يرزق البهيمة فإنا نقصد بذلك أن يجعلها به أخص، وإنما تكون به أخص إذا مكنها من الانتفاع به، ولم يكن لأحد أن يمنعها من الانتفاع به، واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا: الحرام لا يكون رزقاً.

وقال أصحابنا: الحرام قد يكون رزقاً، فحجة الأصحاب من وجهين: الأول: أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه، فمن انتفع بالحرام فذلك الحرام صار حظاً ونصيباً، فوجب أن يكون رزقاً له الثاني: أنه تعالى قال: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا  ﴾ وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة، فوجب أن يقال: أنه طول عمره لم يأكل من رزقه شيئاً.

أما المعتزلة فقد احتجوا بالكتاب والسنة والمعنى: أما الكتاب فوجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى، فلو كان الحرام رزقاً لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام، وذلك باطل بالاتفاق.

وثانيها: لو كان الحرام رزقاً لجاز أن ينفق الغاصب منه، لقوله تعالى: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم  ﴾ وأجمع المسلون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق مما أخذه بل يجب عليه رده، فدل على أن الحرام لا يكون رزقاً.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ ءآللَّهِ أَذِنَ لَكُمْ  ﴾ فبين أن من حرم رزق الله فهو مفتر على الله، فثبت أن الحرام لا يكون رزقاً، وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب (الغرر) بإسناده عن صفوان بن أمية قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه عمرو بن قرة فقال له يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أراني أرزق إلا من دفي بكفي فأئذن لي في الغناء من غير فاحشة فقال عليه السلام: «لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت- أي عدو الله- لقد رزقك الله رزقاً طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله أما إنك لو قلت بعد هذه المقدمة شيئاً ضربتك ضرباً وجيعا».

وأما المعنى فإن الله تعالى منع المكلف من الانتفاع بالحرام وأمر غيره بمنعه منه والانتفاع به، من منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال إنه رزقه إياه، ألا ترى أنه لا يقال: إن السلطان قد رزق جنده مالاً قد منعهم من أخذه، وإنما يقال: إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه ولا يمنعهم منه ولا أمر بمنعهم منه، أجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه وإن كان لكل من الله، لكنه كما يقال: يا خالق المحدثات والعرش والكرسي، ولا يقال: يا خالق الكلاب والخنازير، وقال: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله  ﴾ فخص اسم العباد بالمتقين، وإن كان الكفار أيضاً من العباد، وكذلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف وإن كان الحرام رزقاً أيضاً، وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا، لأن قوله عليه السلام: فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه صريح في أن الرزق قد يكون حراماً وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض للغة وهو أن الحرام هل يسمى رزقاً أم لا؟

ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ والله أعلم.

المسألة التاسعة: أصل الإنفاق إخراج المال من اليد، ومنه نفق المبيع نفاقاً إذا كثر المشترون له، ونفقت الدابة إذا ماتت أي خرج روحها، ونافقاء الفأرة لأنها تخرج منها ومنه النفق في قوله تعالى: ﴿ أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِي الأرض  ﴾ .

المسألة العاشرة: في قوله: ﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ فوائد: أحدها: أدخل من التبعيضية صيانة لهم، وكفى عن: الإسراف والتبذير المنهي عنه.

وثانيها: قدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال ويخصون بعض المال بالتصدق به.

وثالثها: يدخل في الإنفاق المذكور في الآية، الإنفاق الواجب، والإنفاق المندوب، والإنفاق الواجب أقسام: أحدها: الزكاة وهي قوله في آية الكنز: ﴿ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله  ﴾ .

وثانيها: الإنفاق على النفس وعلى من تجب عليه نفقته.

وثالثها: الإنفاق في الجهاد.

وأما الإنفاق المندوب فهو أيضاً إنفاق لقوله: ﴿ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت ﴾ وأراد به الصدقة لقوله بعده: ﴿ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين  ﴾ فكل هذه الإنفاقات داخلة تحت الآية لأن كل ذلك سبب لاستحقاق المدح.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين يُؤْمِنُونَ ﴾ إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة، أو مدح منصوب، أو مرفوع بتقدير: أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون.

وإما مقتطع عن المتقين مرفوع على الابتداء مخبر عنه ب (أولئك على هدى).

فإذا كان موصولاً، كان الوقف على المتقين حسناً غير تامّ.

وإذا كان مقتطعاً، كان وقفاً تاماً.

فإن قلت: ما هذه الصفة، أواردة بياناً وكشفاً للمتقين؟

أم مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها؟

أم جاءت على سبيل المدح والثناء كصفات الله الجارية عليه تمجيداً؟

قلت: يحتمل أن ترد على طريق البيان والكشف لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من فعل الحسنات وترك السيئات.

أمّا الفعل فقد انطوى تحت ذكر الإيمان الذي هو أساس الحسنات ومنصبها، وذكر الصلاة والصدقة؛ لأنّ هاتين أُمّا العبادات البدنية والمالية، وهما العيار على غيرهما.

ألم تر كيف سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة عماد الدين» .

وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة؟

وسمى الزكاة قنطرة الإسلام؟

وقال الله تعالى: ﴿ وويلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ [فصلت: 6 7].

فلما كانتا بهذه المثابة كان من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها.

ومن ثم اختصر الكلام اختصاراً، بأن استغنى عن عدّ الطاعات بذكر ما هو كالعنوان لها، والذي إذا وجد لم تتوقف أخواته أن تقترن به، مع ما في ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين.

وأما الترك فكذلك.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45]؟

ويحتمل أن لا تكون بياناً للمتقين، وتكون صفة برأسها دالة على فعل الطاعات، ويراد بالمتقين الذين يجتنبون المعاصي.

ويحتمل أن تكون مدحاً للموصوفين بالتقوى، وتخصيصاً للإيمان بالغيب وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر؛ إظهاراً لإنافتها عن سائر ما يدخل تحت حقيقة هذا الاسم من الحسنات.

والإيمان: إفعال من الأمن.

يقال: أمنته وآمنته غيري.

ثم يقال: آمنه إذا صدّقه.

وحقيقته: آمنه التكذيب والمخالفة.

وأمّا تعديته بالباء فلتضمينه معنى أقرّ وأعترف.

وأمّا ما حكى أبو زيد عن العرب: ما آمنت أن أجد صحابة أي ما وثقت فحقيقته: صرت ذا أمن به، أي ذا سكون وطمأنينة، وكلا الوجهين حسن في ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ أي يعترفون به أو يثقون بأنه حق.

ويجوز أن لا يكون ﴿ بالغيب ﴾ صلة للإيمان، وأن يكون في موضع الحال، أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به.

وحقيقته: ملتبسين بالغيب، كقوله ﴿ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب ﴾ [فاطر: 18] ، ﴿ لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب ﴾ [يوسف: 52] .

ويعضده ما روى من أن أصحاب عبد الله ذكروا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإيمانهم، فقال ابن مسعود: إنّ أمر محمد كان بيناً لمن رآه.

والذي لا إله غيره، ما آمن مؤمن أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ هذه الآية.

فإن قلت: فما المراد بالغيب إن جعلته صلة؟

وإن جعلته حالاً؟

قلت: إن جعلته صلة كان بمعنى الغائب، إمّا تسمية بالمصدر من قولك: غاب الشيء غيباً، كما سمي الشاهد بالشهادة.

قال الله تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ [الزمر: 46] .

والعرب تسمي المطمئن من الأرض غيباً.

وعن النضر بن شميل: شربت الإبل حتى وارت غيوب كلاها.

يريد بالغيب: الخمصة التي تكون في موضع الكلية، إذا بطنت الدابة انتفخت.

وإما أن يكون فيعلا فخفف، كما قيل وأصله: قيل.

والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه، أو نصب لنا دليلاً عليه.

ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب.

وذلك نحو الصانع وصفاته، والنبوّات وما يتعلق بها، والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد، وغير ذلك.

وإن جعلته حالاً كان بمعنى الغيبة والخفاء.

فإن قلت: ما الإيمان الصحيح؟

قلت: أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه، ويصدّقه بعمله.

فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق.

ومن أخل بالشهادة فهو كافر.

ومن أخل بالعمل فهو فاسق.

ومعنى إقامة الصلاة تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها، من أقام العود إذا قوّمه أو الدوام عليها والمحافظة عليها، كما قال عز وعلا: ﴿ الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾ [المعارج: 23] ، ﴿ والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون ﴾ [المؤمنون: 9] من قامت السوق إذا نفقت، وأقامها.

قال: أَقَامَتْ غَزَالَةُ سُوقَ الضِّرَابِ ** لِأَهْلِ العِرَاقيْنِ حَولاً قمِيطَا لأنها إذا حوفظ عليها، كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ويتنافس فيه المحصلون.

وإذا عطلت وأضيعت، كانت كالشيء الكاسد الذي لا يرغب فيه.

أو التجلد والتشمر لأدائها.

وأن لا يكون في مؤدّيها فتور عنها ولا توان، من قولهم: قام بالأمر، وقامت الحرب على ساقها.

وفي ضدّه: قعد عن الأمر، وتقاعد عنه إذا تقاعس وتثبط أو أداؤها، فعبر عن الأداء بالإقامة؛ لأنّ القيام بعض أركانها، كما عبر عنه بالقنوت والقنوت القيام وبالركوع وبالسجود، وقالوا: سبح، إذا صلى؛ لوجود التسبيح فيها.

﴿ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين ﴾ [الصافات: 143] .

والصلاة: فعلة من صلى، كالزكاة من زكى.

وكتابتها بالواو على لفظ المفخم.

وحقيقة صلى: حرّك الصلوين؛ لأن المصلي يُفعل ذلك في ركوعه وسجوده.

ونظيره كفر اليهودي إذا طأطأ رأسه وانحنى عند تعظيم صاحبه؛ لأنه ينثني على الكاذتين وهما الكافرتان.

وقيل للداعي: مصلّ، تشبيهاً في تخشعه بالراكع والساجد.

وإسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال الطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله، ويسمى رزقاً منه.

وأدخل من التبعيضية صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتبذير المنهى عنه.

وقدّم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم، كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدّق به.

وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة، لاقترانه بأخت الزكاة وشقيقتها وهي الصلاة، وأن تراد هي وغيرها من النفقات في سبيل الخير، لمجيئه مطلقاً يصلح أن يتناول كل منفق.

وأنفق الشيء وأنفده أخوان.

وعن يعقوب: نفق الشيء، ونفد واحد.

وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء، فدالّ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأملت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ إمّا مَوْصُولٌ بِالمُتَّقِينَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مَجْرُورَةٌ مُقَيِّدَةٌ لَهُ إنْ فُسِّرَ التَّقْوى بِتَرْكِ ما لا يَنْبَغِي مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ تَرْتِيبَ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ، والتَّصْوِيرِ عَلى التَّصْقِيلِ.

أوْ مُوَضِّحَةٌ إنْ فُسِّرَ بِما يَعُمُّ فِعْلَ الحَسَناتِ وتَرْكَ السَّيِّئاتِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ما هو أصْلُ الأعْمالِ وأساسُ الحَسَناتِ مِنَ الإيمانِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، فَإنَّها أُمَّهاتُ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِسائِرِ الطّاعاتِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي غالِبًا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴾ .

وقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ، والزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ» .

أوْ مَسُوقَةٌ لِلْمَدْحِ بِما تَضَمَّنَهُ المُتَّقِينَ.

وتَخْصِيصُ الإيمانِ بِالغَيْبِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ إظْهارٌ لِفَضْلِها عَلى سائِرِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ التَّقْوى.

أوْ عَلى أنَّهُ مَدْحٌ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ بِتَقْدِيرٍ أعْنِي أوْ هُمُ الَّذِينَ.

وإمّا مَفْصُولٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ وخَبَرُهُ أُولَئِكَ عَلى هُدًى، فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى المُتَّقِينَ تامًّا.

والإيمانُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ مَأْخُوذٌ مِنَ الأمْنِ، كَأنَّ المُصَدِّقَ أمِنَ المُصَدَّقَ مِنَ التَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ، وتَعْدِيَتُهُ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاعْتِرافِ وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الوُثُوقِ مِن حَيْثُ إنَّ الواثِقَ بِالشَّيْءِ صارَ ذا أمْنٍ مِنهُ، ومِنهُ ما أمِنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ في يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ.

وَأمّا في الشَّرْعِ: فالتَّصْدِيقُ بِما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ  كالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والجَزاءِ، ومَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: اعْتِقادُ الحَقِّ، والإقْرارُ بِهِ، والعَمَلُ بِمُقْتَضاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحَدِّثِينَ والمُعْتَزِلَةِ والخَوارِجِ.

فَمَن أخَلَّ بِالِاعْتِقادِ وحْدَهُ فَهو مُنافِقٌ، ومَن أخَلَّ بِالإقْرارِ فَكافِرٌ، ومَن أخَلَّ بِالعَمَلِ فَفاسِقٌ وِفاقًا، وكافِرٌ عِنْدَ الخَوارِجِ، وخارِجٌ عَنِ الإيمانِ غَيْرُ داخِلٍ في الكُفْرِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ التَّصْدِيقُ وحْدَهُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أضافَ الإيمانَ إلى القَلْبِ فَقالَ: ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ ، ﴿ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ ، ﴿ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ ﴾ ، ﴿ وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ ، وعُطِفَ عَلَيْهِ العَمَلُ الصّالِحُ في مَواضِعَ لا تُحْصى وقَرَنَهُ بِالمَعاصِي فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ ، ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى ﴾ ، ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِن قِلَّةِ التَّغْيِيرِ فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى الأصْلِ وهو مُتَعَيِّنُ الإرادَةِ في الآيَةِ، إذِ المُعَدّى بِالباءِ هو التَّصْدِيقُ وِفاقًا.

ثُمَّ اخْتُلِفَ في أنَّ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ هَلْ هو كافٍ لِأنَّهُ المَقْصُودُ أمْ لا بُدَّ مِنِ انْضِمامِ الإقْرارِ بِهِ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنهُ، ولَعَلَّ الحَقَّ هو الثّانِي لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ المُعانِدَ أكْثَرَ مِن ذَمِّ الجاهِلِ المُقَصِّرِ، ولِلْمانِعِ أنْ يَجْعَلَ الذَّمَّ لِلْإنْكارِ لا لِعَدَمِ الإقْرارِ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنهُ.

والغَيْبُ مَصْدَرٌ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ كالشَّهادَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴾ والعَرَبُ تُسَمِّي المُطْمَئِنَّ مِنَ الأرْضِ والخَمْصَةَ الَّتِي تَلِي الكُلْيَةَ غَيْبًا، أوْ فَيْعَلَ خُفِّفَ كَقِيلَ، والمُرادُ بِهِ الخَفِيَّ الَّذِي لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ ولا تَقْتَضِيهِ بَدِيهَةُ العَقْلِ، وهو قِسْمانِ: قِسْمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ ﴾ وقِسْمٌ نُصِبَ مُوَقَّعٌ عَلَيْهِ دَلِيلٌ: كالصّانِعِ وصِفاتِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأحْوالِهِ وهو المُرادُ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، هَذا إذا جَعَلْتَهُ صِلَةً لِلْإيمانِ وأوْقَعْتَهُ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ.

وإنْ جَعَلْتُهُ حالًا عَلى تَقْدِيرِ مُلْتَبِسِينَ بِالغَيْبِ كانَ بِمَعْنى الغَيْبَةِ والخَفاءِ.

والمَعْنى أنَّهم يُؤْمِنُونَ غائِبِينَ عَنْكم لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ إذا ﴿ لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ .

أوْ عَنِ المُؤْمِنِ بِهِ لِما رُوِيَ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ ما آمَنَ أحَدٌ أفْضَلُ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ.

وَقِيلَ المُرادُ بِالغَيْبِ: القَلْبُ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ، والمَعْنى يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ لا كَمَن يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ.

فالباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ.

وعَلى الثّانِي لِلْمُصاحَبَةِ.

وعَلى الثّالِثِ لِلْآلَةِ.

﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ أيْ يَعْدِلُونَ أرْكانَها ويَحْفَظُونَها مِن أنْ يَقَعَ زَيْغٌ في أفْعالِها، مَن أقامَ العَوْدَ إذا قَوَّمَهُ أوْ يُواظِبُونَ عَلَيْها، مِن قامَتِ السُّوقُ إذا نَفَقَتْ وأقَمْتُها إذا جَعَلْتَها نافِقَةً قالَ: أقامَتْ غَزالَةٌ سُوقَ الضِّرابِ...

لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطا فَإنَّهُ إذا حُوفِظَ عَلَيْها كانَتْ كالنّافِقِ الَّذِي يُرْغَبُ فِيهِ، وإذا ضُيِّعَتْ كانَتْ كالكاسِدِ المَرْغُوبِ عَنْهُ، أوْ يُتَشَمِّرُونَ لِأدائِها مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ، مِن قَوْلِهِمْ قامَ بِالأمْرِ وأقامَهُ إذا جَدَّ فِيهِ وتَجَلَّدَ، وضِدُّهُ قَعَدَ عَنِ الأمْرِ، وتَقاعَدَ.

أوْ يُؤَدُّونَها.

عَبَّرَ عَنِ الأداءِ بِالإقامَةِ لِاشْتِمالِها عَلى القِيامِ، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقُنُوتِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ.

والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ أشْهَرُ وإلى الحَقِيقَةِ أقْرَبُ، وأفْيَدُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ الحَقِيقَ بِالمَدْحِ مَن راعى حُدُودَها الظّاهِرَةَ مِنَ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، وحُقُوقَها الباطِنَةِ مِنَ الخُشُوعِ والإقْبالِ بِقَلْبِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا المُصَلُّونَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في سِياقِ المَدْحَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وفي مَعْرِضِ الذَّمِّ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، والصَّلاةُ فَعْلَةٌ مِن صَلّى إذا دَعا كالزَّكاةِ مِن زَكّى، كَتَبْتا بِالواوِ عَلى لَفْظِ المُفَخَّمِ، وإنَّما سُمِّيَ الفِعْلُ المَخْصُوصُ بِها لِاشْتِمالِهِ عَلى الدُّعاءِ.

وَقِيلَ: أصْلُ صَلّى حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ لِأنَّ المُصَلِّيَ يَفْعَلُهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ، واشْتِهارُ هَذا اللَّفْظِ في المَعْنى الثّانِي مَعَ عَدَمِ اشْتِهارِهِ في الأوَّلِ لا يَقْدَحُ في نَقْلِهِ عَنْهُ، وإنَّما سُمِّي الدّاعِي مُصَلِّيًا تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالرّاكِعِ السّاجِدِ.

﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ الرِّزْقُ في اللُّغَةِ: الحَظُّ قالَ تَعالى: وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ.

والعُرْفُ خَصَّصَهُ بِتَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالحَيَوانِ لِلِانْتِفاعِ بِهِ وتَمْكِينِهِ مِنهُ.

وَأمّا المُعْتَزِلَةُ لَمّا اسْتَحالُوا عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُمَكِّنَ مِنَ الحَرامِ لِأنَّهُ مَنَعَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ وأمَرَ بِالزَّجْرِ عَنْهُ، قالُوا: الحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ، ألا تَرى أنَّهُ تَعالى أسْنَدَ الرِّزْقَ هاهُنا إلى نَفْسِهِ إيذانًا بِأنَّهم يُنْفِقُونَ الحَلالَ المُطْلَقَ.

فَإنَّ إنْفاقَ الحَرامِ لا يُوجِبُ المَدْحَ، وذَمَّ المُشْرِكِينَ عَلى تَحْرِيمِ بَعْضِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا ﴾ .

وأصْحابُنا جَعَلُوا الإسْنادَ لِلتَّعْظِيمِ والتَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ، والذَّمِّ لِتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرَّمْ.

واخْتِصاصُ ما رَزَقْناهم بِالحَلالِ لِلْقَرِينَةِ.

وتَمَسَّكُوا لِشُمُولِ الرِّزْقِ لَهُ بِقَوْلِهِ  في حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ قُرَّةَ: «لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ طَيِّبًا فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهَ لَكَ مِن حَلالِهِ» .

وبِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ رِزْقًا لَمْ يَكُنِ المُتَغَذِّي بِهِ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ﴾ .

وَأنْفَقَ الشَّيْءَ وأنْفَدَهُ أخَوانِ، ولَوِ اسْتَقْرَيْتَ الألْفاظَ وجَدْتَ كُلَّ ما فاؤُهُ نُونٌ وعَيْنُهُ فاءٌ دالًّا عَلى مَعْنى الذَّهابِ والخُرُوجِ، والظّاهِرُ مِن هَذا الإنْفاقِ صَرْفُ المالِ في سَبِيلِ الخَيْرِ مِنَ الفَرْضِ والنَّفْلِ.

ومَن فَسَّرَهُ بِالزَّكاةِ ذَكَرَ أفْضَلَ أنْواعِهِ والأصْلَ فِيهِ، أوْ خَصَّصَهُ بِها لِاقْتِرانِهِ بِما هو شَقِيقُها.

وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ، وإدْخالُ مِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ لِمَنعِ المُكَلَّفِ عَنِ الإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الإنْفاقُ مِن جَمِيعِ المَعاوِنِ الَّتِي أتاهُمُ اللَّهُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ عِلْمًا لا يُقالُ بِهِ، كَكَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ» .

وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن قالَ: ومِمّا خَصَصْناهم بِهِ مِن أنْوارِ المَعْرِفَةِ يُفِيضُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)

{الذين} في موضع رفع أو نصب على المدح أي هم الذين يؤمنون أو أعني الذين يؤمنون أو هو مبتدأ وخبره أولئك على هدى أو جر على أنه صفة للمتقين وهي صفة واردة بياناً وكشفاً للمتقين كقولك زيد الفقيه المحقق لاشتمالها على ما أسست عليه حال المتقين من الإيمان الذي هو أساس الحسنات والصلاة والصدقة فهما العبادات البدنية والمالية وهما العيار على غيرهما ألا ترى أن النبي عليه السلام سمى الصلاة عماد الدين وجعل الفاصل بين الإسلام والكفر ترك الصلاة وسمى الزكاة قنطرة الإسلام فكان من شأنهما استتباع سائر العبادات ولذلك اختصر الكلام بأن استغنى عن عد الطاعات بذكر

البقرة (٣ _ ٤)

ما هو كالعنوان لها مع مافى ذلك من الإفصاح عن فضل هاتين العبادتين أو صفة مسرودة مع المتقين تفيد غير فائدتها كقولك زيد الفقيه المتكلم الطبيب ويكون المراد بالمتقين الذين يجتنبون السيئات {يُؤْمِنُونَ} يصدقون وهو إفعال من الأمن وقولهم آمنه أي صدقه وحقيقته أمنه التكذيب والمخالفة وتعديته بالباء لتضمنه معنى أقر واعترف {بالغيب} بما غاب عنهم مما أنبأهم به النبي عليه السلام من أمر البعث والنشور والحساب وغير ذلك فهو بمعنى الغائب تسمية بالمصدر من قولك غاب الشئ غيباً هذا إن جعلته صلة للإيمان وإن جعلته حالاً كان بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب والإيمان الصحيح أن يقر باللسان ويصدق بالجنان والعمل ليس بداخل في الإيمان {وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} أي يؤدونها فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت وهو القيام وبالركوع والسجود والتسبيح لوجودها فيها أو أريد بإقامة الصلاة تعديل أركانها من أقام العود إذا قومه والدوام عليها والمحافظة من قامت السوق إذا نفقت لأنه إذا حوفظ عليها كانت كالشئ النافق الذي تتوجه إليه الرغبات

وإذا أضيعت كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه والصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى وكتابتها بالواو على لفظ المفخم وحقيقة صلى حرك الصلوين أي الأليتين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده وقيل للداعي مصل تشبيهاً له في تخشعه بالراكع والساجد {وَمِمَّا َرَزَقْنَاهُمْ} أعطيناهم وما بمعنى الذي {يُنفِقُونَ} يتصدقون أدخل من التبعيضية صيانة لهم عن التبذير المنهي عنه وقدم المفعول دلالة على كونه أهم والمراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها أو هى وغيرها من النفقات في سبل الخير لمجيئه مطلقاً وأنفق الشئ وأنفذه إخوان كنفق الشئ ونفد وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء فدال على معنى الخروج والذهاب ودلت الآية على أن الأعمال ليست من الإيمان حيث عطف الصلاة والزكاة على الإيمان والعطف يقتضى المغايره

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ قَبْلُ، فَإنْ أُرِيدَ بِالتَّقْوى أُولى مَراتِبِها فَمُخَصَّصَةٌ، أوْ ثانِيَتُها فَكاشِفَةٌ، أوْ ثالِثَتُها فَمادِحَةٌ، وفي شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ: إنَّ حَمْلَ المُتَّقِي عَلى مَعْناهُ الشَّرْعِيِّ أعْنِي الَّذِي يَفْعَلُ الواجِباتِ، ويَتْرُكُ السَّيِّئاتِ، فَإنْ كانَ المُخاطَبُ جاهِلًا بِذَلِكَ المَعْنى كانَ الوَصْفُ كاشِفًا، وإنْ كانَ عالِمًا كانَ مادِحًا، وإنْ حُمِلَ عَلى ما يَقْرُبُ مِن مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ كانَ مُخَصَّصًا، واسْتُظْهِرَ كَوْنُ المَوْصُولِ مَفْصُولًا قَصَدَ الإخْبارَ عَنْهُ بِما بَعْدَهُ، إثْباتُهُ لِما قَبْلَهُ، وإنْ فُهِمَ ضِمْنًا، فَهو وإنْ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ كالجارِي، وهَذا كافٍ في الِارْتِباطِ، والِاسْتِئْنافُ إمّا نَحْوِيٌّ أوْ بَيانِيٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُ المُتَّقِينَ خُصُّوا بِذَلِكَ الهُدى، والوَقْفُ عَلى المُتَّقِينَ تامٌّ عَلى هَذا الوَجْهِ، حَسَنٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، والإيمانُ في اللُّغَةِ التَّصْدِيقُ، أيْ إذْعانُ حُكْمِ المُخْبِرِ وقَبُولُهُ وجَعْلُهُ صادِقًا، وهو إفْعالٌ مِنَ الأمْنِ، كَأنَّ حَقِيقَةَ آمَنَ بِهِ، آمَنَهُ التَّكْذِيبَ والمُخالَفَةَ، ويَتَعَدّى بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ ﴾ وبِالياءِ كَما في قَوْلِهِ  : «(الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ)» الحَدِيثَ، قالُوا: والأوَّلُ بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الإذْعانِ، والثّانِي بِاعْتِبارِ تَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِرافِ إشارَةً إلى أنَّ التَّصْدِيقَ لا يُعْتَبَرُ ما لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الِاعْتِرافُ، وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الوُثُوقِ مِن حَيْثُ إنَّ الواثِقَ صارَ ذا أمْنٍ، وهو فِيهِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ أيْضًا كَما في الأساسِ، ويُفْهِمُ مَجازِيَّتُهُ ظاهِرُ كَلامِ الكَشّافِ، وأمّا في الشَّرْعِ، فَهو التَّصْدِيقُ بِما عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيِّ  بِهِ ضَرُورَةً تَفْصِيلًا، فِيما عُلِمَ تَفْصِيلًا، وإجْمالًا فِيما عُلِمَ إجْمالًا، وهَذا مَذْهَبُ جُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في أنَّ مَناطَ الأحْكامِ الأُخْرَوِيَّةِ مُجَرَّدُ هَذا المَعْنى، أمْ مَعَ الإقْرارِ، فَذَهَبَ الأشْعَرِيُّ وأتْباعُهُ إلى أنَّ مُجَرَّدَ هَذا المَعْنى كافٍ، لِأنَّهُ المَقْصُودُ، والإقْرارُ إنَّما هو لِيُعْلَمَ وُجُودُهُ، فَإنَّهُ أمْرٌ باطِنٌ، ويَجْرِي عَلَيْهِ الأحْكامُ، فَمَن صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، وتَرَكَ الإقْرارَ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنهُ كانَ مُؤْمِنًا شَرْعًا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ مَقَرُّهُ الجَنَّةَ، لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ الهُمامِ أنَّ أهْلَ هَذا القَوْلِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ مَتى طُلِبَ مِنهُ الإقْرارُ أتى بِهِ، فَإنْ طُولِبَ، ولَمْ يُقِرَّ فَهو كَفْرُ عِنادٍ، وذَهَبَ إمامُنا أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وغالِبُ مَن تَبِعَهُ إلى أنَّ الإقْرارَ وما في حُكْمِهِ كَإشارَةِ الأخْرَسِ لا بُدَّ مِنهُ، فالمُصَدِّقُ المَذْكُورُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا إيمانًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الأحْكامُ الأُخْرَوِيَّةُ كالمُصَلِّي مَعَ الرِّياءِ، فَإنَّهُ لا تَنْفَعُهُ صَلاتُهُ، ولَعَلَّ هَذا لِأنَّهُ تَعالى ذَمَّ المُعانِدِينَ أكْثَرَ مِمّا ذَمَّ الجاهِلِينَ المُقَصِّرِينَ، ولِلْمانِعِ أنْ يَجْعَلَ الذَّمَّ لِلْإنْكارِ اللِّسانِيِّ، ولا شَكَّ أنَّهُ عَلامَةُ التَّكْذِيبِ أوْ لِلْإنْكارِ القَلْبِيِّ الَّذِي هو التَّكْذِيبُ، وحاصِلُ ذَلِكَ مَنعُ حُصُولِ التَّصْدِيقِ لِلْمُعانِدِ، فَإنَّهُ ضِدَّ الإنْكارِ، وإنَّما الحاصِلُ لَهُ المَعْرِفَةُ الَّتِي هي ضِدَّ النَّكارَةِ والجَهالَةِ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تِلْكَ المَعْرِفَةَ خارِجَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ اللُّغَوِيِّ، وهو المُعْتَبَرُ في الإيمانِ، نَعَمِ اخْتَلَفُوا في أنَّها هَلْ هي داخِلَةٌ في التَّصَوُّرِ أمْ في التَّصْدِيقِ المَنطِقِيِّ، فالعَلّامَةُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ، وأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصُّورَةُ الحاصِلَةُ مِنَ النِّسْبَةِ التّامَّةِ الخَبَرِيَّةِ تَصَوُّرًا، وأنَّ التَّصْدِيقَ المَنطِقِيَّ بِعَيْنِهِ التَّصْدِيقُ اللُّغَوِيُّ، ولِذا فَسَّرَهُ رَئِيسُهم في الكُتُبِ الفارِسِيَّةِ (بِكَرْ وِيدَنْ)، وفي العَرَبِيَّةِ بِما يُخالِفُ التَّكْذِيبَ والإنْكارَ، وهَذا بِعَيْنِهِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، ويُؤَيِّدُهُ ما أوْرَدَهُ السَّيِّدُ السَّنَدُ في حاشِيَةِ شَرْحِ التَّلْخِيصِ أنَّ المَنطِقِيَّ إنَّما يُبَيِّنُ ما هو في العُرْفِ واللُّغَةِ إلّا أنَّهُ يَرِدُ أنَّ المَعْنى المُعَبَّرَ عَنْهُ (بِكَرْ وِيدِنْ)، أمْرٌ قَطْعِيٌّ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ العَلّامَةُ في المَقاصِدِ، ولِذا يَكْفِي في بابِ الإيمانِ التَّصْدِيقُ البالِغُ حَدَّ الجَزْمِ، والإذْعانِ، مَعَ أنَّ التَّصْدِيقَ المَنطِقِيَّ يَعُمُّ الظَّنِّيَّ بِالِاتِّفاقِ، فَإنَّهم يُقَسِّمُونَ العِلْمَ بِالمَعْنى الأعَمِّ تَقْسِيمًا حاصِرًا إلى التَّصَوُّرِ والتَّصْدِيقِ تَوَسُّلًا بِهِ إلى بَيانِ الحاجَةِ إلى المَنطِقِ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ الَّتِي مِنها القِياسُ الجَدَلِيُّ المُتَألِّفُ مِنَ المَشْهُوراتِ، والمُسَلَّماتِ، ومِنها القِياسُ الخِطابِيُّ المُتَألِّفُ مِنَ المَقْبُولاتِ، والمَظْنُوناتِ، والشِّعْرِيُّ المُتَألِّفُ مِنَ المُخَيَّلاتِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّصْدِيقُ المَنطِقِيُّ عامًّا لَمْ يَثْبُتِ الِاحْتِياجُ إلى هَذِهِ الأجْزاءِ، وهو ظاهِرٌ، وصَدْرُ الشَّرِيعَةِ عَلى الأخِيرِ، فَإنَّ الصُّورَةَ الحاصِلَةَ مِنَ النِّسْبَةِ التّامَّةِ الخَبَرِيَّةِ تَصْدِيقٌ قَطْعًا، فَإنْ كانَ حاصِلًا بِالقَصْدِ، والِاخْتِيارِ بِحَيْثُ يَسْتَلْزِمُ الإذْعانَ والقَبُولَ فَهو تَصْدِيقٌ لُغَوِيٌّ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَن وقَعَ بَصَرُهُ عَلى شَيْءٍ، فَعَلِمَ أنَّهُ جِدارٌ مَثَلًا فَهو مَعْرِفَةٌ يَقِينِيَّةٌ، ولَيْسَ بِتَصْدِيقٍ لُغَوِيٍّ، فالتَّصْدِيقُ اللُّغَوِيُّ عِنْدَهُ أخَصُّ مِنَ المَنطِقِيِّ، وذَهَبَ الكَرامِيَّةُ إلى أنَّ الإيمانَ شَرْعًا إقْرارُ اللِّسانِ بِالشَّهادَتَيْنِ لا غَيْرُ، والخَوارِجُ والعَلّافُ، وعَبْدُ الجَبّارِ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّ كُلَّ طاعَةٍ إيمانٌ فَرْضًا كانَتْ أوْ نَفَلًا، والجُبّائِيُّ وابْنُهُ وأكْثَرُ مُعْتَزِلَةِ البَصْرَةِ إلى أنَّهُ الطّاعاتُ المُفْتَرَضَةُ دُونَ النَّوافِلِ مِنها، والقَلانِسِيُّ مِن أهْلِ السُّنَّةِ، والنَّجّارُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ وهو مَذْهَبُ أكْثَرِ أهْلِ الأثَرِ إلى أنَّهُ المَعْرِفَةُ بِالجَنانِ، والإقْرارُ بِاللِّسانِ، والعَمَلُ بِالأرْكانِ، قِيلَ: وسِرُّ هَذا الِاخْتِلافِ الِاخْتِلافُ في أنَّ المُكَلَّفَ هو الرُّوحُ فَقَطْ، أوِ البَدَنُ فَقَطْ، أوْ مَجْمُوعُهُما، والحَقُّ أنَّ مَنشَأ كُلِّ مَذْهَبٍ دَلِيلٌ دَعا صاحِبَهُ إلى السُّلُوكِ فِيهِ، وأوْضَحُ المَذاهِبِ أنَّهُ التَّصْدِيقُ، ولِذا قالَ يَعْسُوبُ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ: إنَّ الإيمانَ مَعْرِفَةٌ والمَعْرِفَةَ تَسْلِيمٌ، والتَّسْلِيمَ تَصْدِيقٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا المَذْهَبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ﴾ وقَوْلُهُ  : «(اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ)،» حَيْثُ نَسَبَهُ فِيها وفي نَظائِرِها الغَيْرِ المَحْصُورَةِ إلى القَلْبِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ فِعْلُ القَلْبِ، ولَيْسَ سِوى التَّصْدِيقِ، إذْ لَمْ يُبَيَّنْ في الشَّرْعِ بِمَعْنًى آخَرَ، فَلا نَقْلَ، وإلّا لَكانَ الخِطابُ بِالإيمانِ خِطابًا بِما لا يُفْهَمُ، ولِأنَّهُ خِلافُ الأصْلِ، فَلا يُصارُ إلَيْهِ بِلا دَلِيلٍ، واحْتِمالُ أنْ يُرادَ بِالنُّصُوصِ الإيمانُ اللُّغَوِيُّ فَهو الَّذِي مَحَلُّهُ القَلْبُ، لا الإيمانُ الشَّرْعِيُّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإقْرارُ أوْ غَيْرُهُ جُزْءًا مِن مَعْناهُ، يَدْفَعُهُ أنَّ الإيمانَ مِنَ المَنقُولاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِحَسَبِ خُصُوصِ المُتَعَلِّقِ، ولِذا بَيَّنَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُتَعَلِّقَهُ دُونَ مَعْناهُ، فَقالَ: «(أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ)» الحَدِيثَ، فَهُوَ في المَعْنى اللُّغَوِيِّ مَجازٌ في كَلامِ الشّارِعِ، والأصْلُ في الإطْلاقِ الحَقِيقَةُ، وأيْضًا ورَدَ عَطْفُ الأعْمالِ عَلى الإيمانِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ”إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحات“ والجُزْءُ لا يُعْطَفُ عَلى كُلِّهِ، وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ والرُّوحِ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ بِتَأْوِيلِ الخُرُوجِ لِاعْتِبارٍ خِطابِيٍّ، وتَخْصِيصُها بِالنَّوافِلِ بِناءً عَلى خُرُوجِها خِلافُ الظّاهِرِ، وكَفى بِالظّاهِرِ حُجَّةً، وأيْضًا جُعِلَ الإيمانُ شَرْطَ صِحَّةِ الأعْمالِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ ﴾ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَشْرُوطَ لا يَدْخُلُ في الشَّرْطِ لِامْتِناعِ اشْتِراطِ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ، إذْ جُزْءُ الشَّرْطِ شَرْطٌ، وأيْضًا ورَدَ إثْباتُ الإيمانِ لِمَن تَرَكَ بَعْضَ الأعْمالِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا ﴾ مَعَ أنَّهُ لا يَتَحَقَّقُ لِلشَّيْءِ بِدُونِ رُكْنِهِ، وأيْضًا ما ذَكَرْناهُ أقْرَبُ إلى الأصْلِ، إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِاعْتِبارِ خُصُوصِ المُتَعَلِّقِ كَما لا يَخْفى، وقَدْ أوْرَدَ الخَصْمُ وُجُوهًا في الإلْزامِ، الأوَّلُ أنَّ الإيمانَ لَوْ كانَ عِبارَةً عَنِ التَّصْدِيقِ لَما اخْتَلَفَ مَعَ أنَّ إيمانَ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لا يُشْبِهُهُ إيمانُ العَوامِّ، بَلْ ولا الخَواصِّ، الثّانِي أنَّ الفُسُوقَ يُناقِضُ الإيمانَ، ولا يُجامِعُهُ بِنَصِّ ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ ﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ لَما امْتَنَعَ مُجامَعَتُهُ، الثّالِثُ أنَّ فِعْلَ الكَبِيرَةِ مِمّا يُنافِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى في المُرْتَكِبِ: ﴿ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ ﴾ ولَوْ كانَ بِمَعْنى التَّصْدِيقِ ما نافاهُ، الرّابِعُ أنَّ المُؤْمِنَ غَيْرُ مَخْزِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ﴾ وقالَ سُبْحانَهُ في قُطّاعِ الطَّرِيقِ ﴿ ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مَعَ أنَّهم مُصَدِّقُونَ الخامِسُ مُسْتَطِيعُ الحَجِّ إذا تَرَكَهُ مِن غَيْرِ عُذْرٍ كافِرٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ ﴾ مَعَ أنَّهُ مُصَدِّقٌ، السّادِسُ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُصَدِّقٌ مَعَ أنَّهُ كافِرٌ بِنَصِّ ﴿ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ ﴾ السّابِعُ أنَّ الزّانِيَ كَذَلِكَ بِنَصِّ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ)،» وكَذا تارِكُ الصَّلاةِ عَمْدًا مِن غَيْرِ عُذْرٍ، وأمْثالُ ذَلِكَ، الثّامِنُ أنَّ المُسْتَخِفَّ بِنَبِيٍّ مَثَلًا مُصَدِّقٌ مَعَ أنَّهُ كافِرٌ بِالإجْماعِ، التّاسِعِ أنَّ فِعْلَ الواجِباتِ هو الدِّينُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ ﴾ والدِّينُ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ ﴾ والإسْلامُ هو الإيمانُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ غَيْرَهُ لَما قُبِلَ مِن مُبْتَغِيهِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ العاشِرُ أنَّهُ لَوْ كانَ هو التَّصْدِيقَ لَما صَحَّ وصْفُ المُكَلَّفِ بِهِ حَقِيقَةً إلّا وقْتَ صُدُورِهِ مِنهُ، كَما في سائِرِ الأفْعالِ، مَعَ أنَّ النّائِمَ والغافِلَ يُوصَفانِ بِهِ إجْماعًا، مَعَ أنَّ التَّصْدِيقَ غَيْرُ باقٍ فِيهِما، الحادِيَ عَشَرَ أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يُقالَ لِمَن صَدَّقَ بِآلِهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُؤْمِنٌ، وهو خِلافُ الإجْماعِ، الثّانِيَ عَشَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وصَفَ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ بِهِ عَزَّ وجَلَّ بِكَوْنِهِ مُشْرِكًا، فَقالَ: ﴿ وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ ﴾ ولَوْ كانَ هو التَّصْدِيقَ لامْتَنَعَ مُجامَعَتُهُ لِلشِّرْكِ، سَلَّمْنا أنَّهُ هُوَ، ولَكِنْ ما المانِعُ أنْ يَكُونَ هو التَّصْدِيقَ بِاللِّسانِ كَما قالَهُ الكَرامِيَّةُ، كَيْفَ وأهْلُ اللُّغَةِ لا يَفْهَمُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ غَيْرَ التَّصْدِيقِ بِاللِّسانِ؟

وأُجِيبَ عَنِ الأوَّلِ بِأنَّ التَّصْدِيقَ لِلْواحِدِ، وإنْ سَلَّمْنا عَدَمَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ فِيهِ مِنَ النَّبِيِّ والواحِدِ مِنّا، إلّا أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ التَّفاوُتُ بَيْنَ الإيمانَيْنِ بِسَبَبِ تَخَلُّلِ الفَعَلَةِ والقُوَّةِ بَيْنَ أعْدادِ الإيمانِ المُتَجَدِّدَةِ وقِلَّةِ تَخَلُّلِها، أوْ بِسَبَبِ عُرُوضِ الشُّبَهِ والتَّشْكِيكاتِ، وعَدَمِ عُرُوضِها، ولِلنَّبِيِّ الأكْمَلِ الأكْمَلِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ.

ولِلزُّنْبُورِ والبازِي جَمِيعًا لَدى الطَّيَرانِ أجْنِحَةٌ وخَفْقُ ولَكِنْ بَيْنَ ما يَصْطادُ بازٌ ∗∗∗ وما يَصْطادُهُ الزُّنْبُورُ فَرْقُ وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُسُوقَ لا يُجامِعُ الإيمانَ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ العِلْمَ وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الفُسُوقَ لَمْ يَدُلَّ عَلى المُناقَضَةِ بَيْنَ العِلْمِ والفُسُوقِ، وكَوْنُ الكُفْرِ مُقابِلًا لِلْإيمانِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنَ الآيَةِ، بَلْ مِن خارِجٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا دِلالَةَ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُقارَنَةِ الظُّلْمِ لِلْإيمانِ في بَعْضٍ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فِعْلَ الكَبِيرَةِ مُنافٍ لِلْإيمانِ، ﴿ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ ﴾ عَلى مَعْنى لا تَحْمِلَنَّكُمُ الشَّفَقَةُ عَلى إسْقاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وُجُوبِها، وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِ دِلالَةً، لِأنَّ آيَةَ نَفْيِ الخِزْيِ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِهِ في الآخِرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، أوْ أصْحابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآيَةُ القاطِعِ دالَّةٌ عَلى الخِزْيِ في الدُّنْيا، ولا يَلْزَمُ مِن مُنافاةِ الخِزْيِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْإيمانِ مُنافاتُهُ لِلْإيمانِ في الدُّنْيا، وعَنِ الخامِسِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ كَفْرَ مَن تَرَكَ الحَجَّ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، و(مَن كَفَرَ) ابْتِداءُ كَلامٍ، أوِ المُرادُ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِمَناسِكِ الحَجِّ، وجَحَدَها، ولا يُتَصَوَّرُ مَعَ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ، وعَنِ السّادِسِ بِأنَّ مَعْنى ”مَن لَمْ يَحْكم“ الآيَةَ مَن لَمْ يُصَدِّقْ، أوْ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ، أوِ المُرادُ بِذَلِكَ التَّوْراةُ بِقَرِينَةِ السّابِقِ، وعَنِ السّابِعِ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَعْنى لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ، أيْ آمِنٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، أيْ إنْ زَنى، والعِياذُ بِاللَّهِ، فَلْيَخَفْ عَذابَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَأْمَن مَكْرَهُ، أوِ المُرادُ لا يَزْنِي مُسْتَحِلًّا لِزِناهُ، وهو مُؤْمِنٌ، أوْ لا يَزْنِي وهو عَلى صِفاتِ المُؤْمِنِ مِنِ اجْتِنابِ المَحْظُوراتِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِن مُخالَفَةِ الأوْضاعِ اللُّغَوِيَّةِ لِكَثْرَتِهِ دُونَها، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِ هَذا، وعَنِ الثّامِنِ بِأنّا لا نُنْكِرُ مُجامَعَةَ الكَبائِرِ لِلْإيمانِ عَقْلًا غَيْرَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى إكْفارِ المُسْتَخِفِّ، فَعَلِمْنا انْتِفاءَ التَّصْدِيقِ عِنْدَ وُجُودِ الِاسْتِخْفافِ مَثَلًا سَمْعًا، والجَمْعُ بَيْنَ العَمَلِ بِوَضْعِ اللُّغَةِ، وإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى الإكْفارِ أوْلى مِن إبْطالِ أحَدِهِما، وعَنِ التّاسِعِ بِأنَّ الآيَةَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الدِّينِ، وفِعْلِ الواجِباتِ لِلْعَطْفِ، وهو ظاهِرًا دَلِيلُ المُغايَرَةِ، سَلَّمْنا أنَّ الدِّينَ فِعْلُ الواجِباتِ، وأنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الإسْلامَ هو الإيمانُ، ولَيْسَ المُرادُ بِغَيْرِ الإسْلامِ في الآيَةِ ما هو مُغايِرٌ لَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ والزَّكاةُ مَثَلًا، بَلِ المُغايِرُ لَهُ بِحَسَبِ الصِّدْقِ، فَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ أعَمَّ، وهَذا كَما إذا قُلْتَ: مَن يَبْتَغِ غَيْرَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ سَها، فَإنَّكَ لا تَحْكُمُ بِسَهْوِ مَنِ ابْتَغى الكَلامَ، وظاهِرٌ أنَّ ذَمَّ غَيْرِ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ ذَمَّ الأخَصِّ، فَإنَّ قَوْلَكَ: غَيْرُ الحَيَوانِ، مَذْمُومٌ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَذْمُومًا، وعَنِ العاشِرِ بِأنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، فَما هو جَوابُكُمْ، فَهو جَوابُنا عَلى أنّا نَقُولُ التَّصْدِيقُ في حالَةِ النَّوْمِ، والغَفْلَةِ باقٍ في القَلْبِ والذُّهُولِ، إنَّما هو عَنْ حُصُولِهِ، والنَّوْمُ ضِدٌّ لِإدْراكِ الأشْياءِ ابْتَداءً لا أنَّهُ مُنافٍ لِبَقاءِ الإدْراكِ الحاصِلِ حالَةَ اليَقَظَةِ، سَلَّمْنا إلّا أنَّ الشّارِعَ جَعَلَ المُحَقِّقَ الَّذِي لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ما يُضادُّهُ في حُكْمِ الباقِي، حَتّى كانَ المُؤْمِنُ اسْمًا لِمَن آمَنَ في الحالِ، أوْ في الماضِي، ولَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما هو عَلامَةُ التَّكْذِيبِ، وعَنِ الحادِيَ عَشَرَ بِأنَّ عَدَمَ تَسْمِيَةِ مَن صَدَّقَ بِآلِهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ مُؤْمِنًا، إنَّما هو لِخُصُوصِيَّةِ مُتَعَلِّقِ الإيمانِ شَرْعًا، فَتَسْمِيَتُهُ مُؤْمِنًا يَصِحُّ نَظَرًا إلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، ولا يَصِحُّ نَظَرًا إلى الِاسْتِعْمالِ الشَّرْعِيِّ، وعَنِ الثّانِيَ عَشَرَ بِأنَّ الإيمانَ ضِدُّ الشِّرْكِ بِالإجْماعِ، وما ذَكَرُوهُ لازِمٌ عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الإيمانَ هُناكَ لُغَوِيٌّ، إذْ في الشَّرْعِيِّ يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ  ، كَما تَقَدَّمَ، فالمُشْرِكُ المُصَدِّقُ بِبَعْضٍ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا إلّا بِحَسَبِ اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ، لِإخْلالِهِ بِالتَّوْحِيدِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِ، وقَوْلُهُمْ: أهْلُ اللُّغَةِ لا يَفْهَمُونَ إلَخْ، مُجَرَّدُ دَعْوى لا يُساعِدُها البُرْهانُ، نَعَمْ لا شَكَّ أنَّ المُقِرَّ بِاللِّسانِ وحْدَهُ يُسَمّى مُؤْمِنًا لُغَةً لِقِيامِ دَلِيلِ الإيمانِ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ فِيهِ، كَما يُطْلَقُ الغَضْبانُ والفَرْحانُ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلَيْها مِنَ الآثارِ اللّازِمَةِ لِلْغَضَبِ والفَرَحِ، ويَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الإيمانِ ظاهِرًا، ولا نِزاعَ في ذَلِكَ، وإنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والنَّبِيِّ  ، ومَن بَعْدَهُ، كَما كانُوا يَحْكُمُونَ بِإيمانِ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهادَتَيْنِ كانُوا يَحْكُمُونَ بِكُفْرِ المُنافِقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في الإيمانِ فِعْلُ اللِّسانِ وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وكَأنَّهُ لِهَذا اشْتَرَطَ الرَّقاشِيُّ والقَطّانُ مُواطَأةَ القَلْبِ مَعَ المَعْرِفَةِ عِنْدَ الأوَّلِ، والتَّصْدِيقَ المُكْتَسَبَ بِالِاخْتِيارِ عِنْدَ الثّانِي، وقالَ الكَرامِيَّةُ: مَن أضْمَرَ الإنْكارَ وأظْهَرَ الإذْعانَ وإنْ كانَ مُؤْمِنًا لُغَةً وشَرْعًا لِتَحَقُّقِ اللَّفْظِ الدّالِّ الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ الإيمانِ بِإزائِهِ إلّا أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الشَّخْصُ الخُلُودَ في النّارِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَدْلُولِ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي هو مَقْصُودٌ مِنِ اعْتِبارِ دِلالَتِهِ، هَذا وبَعْدَ سَبْرِ الأقْوالِ في هَذا المَقامِ، لَمْ يَظْهَرْ لِي بَأْسٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ، وهو أنَّ لَفْظَ الإيمانِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّصْدِيقِ، وبَيْنَ الأعْمالِ، فَيَكُونُ إطْلاقُهُ عَلى التَّصْدِيقِ فَقَطْ، وعَلى مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ والأعْمالِ حَقِيقَةً كَما أنَّ المُعْتَبَرَ في الشَّجَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِحَسَبِ العُرْفِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ ساقِها ومَجْمُوعِ ساقِها مَعَ الشُّعَبِ والأوْراقِ، فَلا يُطْلَقُ الِانْعِدامُ عَلَيْها ما بَقِيَ السّاقُ، فالتَّصْدِيقُ بِمَنزِلَةِ أصْلِ الشَّجَرَةِ، والأعْمالُ بِمَنزِلَةِ فُرُوعِها وأغْصانِها، فَما دامَ الأصْلُ باقِيًا يَكُونُ الإيمانُ باقِيًا، وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ: «(الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً أعْلاها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ)،» وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْمالَ آثارٌ خارِجَةٌ عَنِ الإيمانِ، مُسَبِّبَةٌ لَهُ، ويُطْلَقُ عَلَيْها لَفْظُ الإيمانِ مَجازًا، ولا مُخالَفَةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، إلّا بِأنَّ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ عَلى الثّانِي، وهو بَحْثٌ لَفْظِيٌّ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإيمانِ ها هُنا التَّصْدِيقُ كَما لا يَخْفى، (والغَيْبُ) مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، وهو غائِبٌ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِ كَأنَّهُ هُوَ، وجَعْلُهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ يَرُدُّهُ كَما في البَحْرِ أنَّ الغَيْبَ مَصْدَرُ غابَ، وهو لازِمٌ، لا يُبْنى مِنهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، وجَعْلُهُ تَفْسِيرًا بِالمَعْنى لِأنَّ الغائِبَ يَغِيبُ بِنَفْسِهِ تَكَلُّفٌ مِن غَيْرِ داعٍ، أوْ فَيْعَلٌ خُفِّفَ كَقِيلٍ ومَيْتٍ، وفي البَحْرِ لا يَنْبَغِي أنْ يُدَّعى ذَلِكَ إلّا فِيما سُمِعَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، وفَسَّرَهُ جَمْعٌ هُنا بِما لا يَقَعُ تَحْتَ الحَواسِّ، ولا تَقْتَضِيهِ بَداهَةُ العَقْلِ، فَمِنهُ ما لَمْ يُنْصَبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وتَفَرَّدَ بِعِلْمِهِ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَعِلْمِ القَدَرِ مَثَلًا، ومِنهُ ما نُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ كالحَقِّ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا، فَإنَّهُ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ مَن أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى نُورًا عَلى حَسَبِ ذَلِكَ النُّورِ، فَلِهَذا تَجِدُ النّاسَ مُتَفاوِتِينَ فِيهِ، ولِلْأوْلِياءِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمُ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنهُ.

ومِن هُنا قِيلَ: الغَيْبُ مُشاهَدَةُ الكُلِّ بِعَيْنِ الحَقِّ، فَقَدْ يُمْنَحُ العَبْدُ قُرْبَ النَّوافِلِ، فَيَكُونُ الحَقُّ سُبْحانَهُ بَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وسَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، ويَرْقى مِن ذَلِكَ إلى قُرْبِ الفَرائِضِ فَيَكُونُ نُورًا، فَهُناكَ يَكُونُ الغَيْبُ لَهُ شُهُودًا، والمَفْقُودُ لَدَيْنا عِنْدَهُ مَوْجُودًا، ومَعَ هَذا لا أُسَوِّغُ لِمَن وصَلَ إلى ذَلِكَ المَقامِ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ ﴾ وقُلْ لِقَتِيلِ الحُبِّ وفَّيْتَ حَقَّهُ ∗∗∗ ولِلْمُدَّعِي هَيْهاتَ ما الكُحْلُ الكُحْلُ واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِهِ هُنا عَلى أقْوالٍ شَتّى حَتّى زَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّهُ القائِمُ، وقَعَدُوا عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى ذَلِكَ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّهُ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو اللَّهُ تَعالى، ومَلائِكَتُهُ، وكُتُبُهُ، ورُسُلُهُ، واليَوْمُ الآخِرُ، والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، لِأنَّ الإيمانَ المَطْلُوبَ شَرْعًا هو ذاكَ، لا سِيَّما وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفانِ بَعْدَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِإطْلاقِ الغَيْبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ضِمْنًا، والغَيْبُ والغائِبُ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، والغَيْبَةُ مِمّا لا يَضُرُّ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِخُصُوصِهِ، فَهَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّسْمِيَةِ، عَلى أنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ الغَيْبَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الغَيْبِ والغائِبِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى غَيْبٌ، ولَيْسَ بِغائِبٍ، ويَعْنُونَ بِالغائِبِ ما لا يَراكَ، ولا تَراهُ، وبِالغَيْبِ ما لا تَراهُ أنْتَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ لِيَدْخُلَ إيمانُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ لَيْسَ بِغَيْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، أوْ يُقالُ: الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعٌ إلى الإيمانِ بِرِسالَتِهِ مَثَلًا، إذْ لا مَعْنى لِلْإيمانِ بِهِ نَفْسِهِ مُعَرًّى عَنِ الحَيْثِيّاتِ، ورِسالَتُهُ غَيْبٌ نُصِبَ عَلَيْها الدَّلِيلُ كَما نُصِبَ لَنا، وإنِ افَتَرَقْنا بِالخَبَرِ والمُعايَنَةِ، أوْ أنَّهُ مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ مَجازًا، كَبَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، أوِ المُرادُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ كَما يُؤْمِنُونَ بِالشَّهادَةِ، فاسْتَوى عِنْدَهُمُ المُشاهَدُ وغَيْرُهُ، واخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّ المُرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَّقِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ أيْ حالَ الغَيْبَةِ عَنْكُمْ، كَما يُؤْمِنُونَ حالَ الحُضُورِ لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ ﴿ وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: حالَ غَيْبَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، فَفي سُنَنِ الدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ قالَ لَهُ: عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ مِن رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ إيمانَكم بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ تَرَوْهُ، إنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَيِّنًا لِمَن رَآهُ، والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما مِن أحَدٍ أفْضَلَ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿ الم ﴾ ﴿ ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ المُفْلِحُونَ ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن تَفْضِيلِ إيمانٍ عَلى آخَرَ مِن حَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ، ولا تَفْصِيلِ المُتَّصِفِ بِأحَدِهِما عَلى المُتَّصِفِ بِالآخَرِ، فَإنَّ الأفْضَلِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الإضافاتِ والِاعْتِباراتِ، وقَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، ويا لَيْتَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَكَّنَ لَوْعَةَ الحارْثِ بِما ورَدَ عَنْهُ  مَرْفُوعًا، «(نِعْمَ قَوْمٌ يَكُونُونَ بَعْدَكم يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي)،» وما كانَ أغْناهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَمّا أجابَ بِهِ، إذْ يَخْرُجُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنْ هَذا العُمُومِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ قِراءَتُهُ لَها، مُسْتَشْهِدًا بِها، وبِهِ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأنا لا أمِيلُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالغَيْبِ القَلْبُ أيْ يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ، لا كَمَن يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ، والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعَلى الثّانِي والثّالِثِ لِلْمُصاحَبَةِ، وعَلى الرّابِعِ لِلْآلَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ بِتَرْكِ الهَمْزَةِ مِن (يُؤْمِنُونَ)، وكَذا كُلُّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، بَلْ قَدْ يَتْرُكانِ كَثِيرًا مِنَ المُتَحَرِّكَةِ مِثْلَ ”لا يُؤاخِذُكم“ و ﴿ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ ﴾ وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ أبِي جَعْفَرٍ طَوِيلٌ، وأمّا أبُو عَمْرٍو فَيَتْرُكُ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ إلّا أنْ يَكُونَ سُكُونُها عَلامَةً لِلْجَزْمِ مِثْلَ ”يهيئ لَكم“ (ونَبِّئْهُمْ)، و ﴿ اقْرَأْ كِتابَكَ ﴾ فَإنَّهُ لا يَتْرُكُ الهَمْزَةَ فِيها، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا الهَمْزَةُ في السّاكِنَةِ، وأمّا نافِعٌ، فَيَتْرُكُ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ومُتَحَرِّكَةٍ إذا كانَتْ فاءَ الفِعْلِ نَحْوَ (يُؤْمِنُونَ) و(لا يُؤاخِذُكُمْ)، واخْتَلَفَتْ قِراءَةُ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ، ولِكُلٍّ مَذْهَبٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، (ويُقِيمُونَ) مِنَ الإقامَةِ، يُقالُ: أقَمْتُ الشَّيْءَ إقامَةً إذا وفَّيْتَ حَقَّهُ، قالَ تَعالى: ﴿ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ ﴾ أيْ تُوَفُّوا حَقَّهُما بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ومَعْنى: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، يَعْدِلُونَ أرْكانَها بِأنْ يُوقِعُوها مُسْتَجْمِعَةً لِلْفَرائِضِ والواجِباتِ أوْ لَها مَعَ الآدابِ والسُّنَنِ مِن أقامَ العُودَ إذا قَوَّمَهُ، أوْ يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُداوِمُونَ، مِن قامَتِ السُّوقُ إذا نَفَقَتْ، وأقَمْتُها إذا جَعَلْتَها نافِقَةً، أوْ يَتَشَمَّرُونَ لِأدائِها بِلا فَتْرَةٍ عَنْها، ولا تَوانٍ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ، وأقامَهُ إذا جَدَّ فِيهِ، أوْ يُؤَدُّونَها ويَفْعَلُونَها، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإقامَةِ لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفي الكَلامِ عَلى الأوَّلَيْنِ مِنها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وعَلى الأخِيرَيْنِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، وبَيانُ ذَلِكَ في الأوَّلِ أنْ يُشَبِّهَ تَعْدِيلَ الأرْكانِ بِتَقْوِيمِ العُودِ بِإزالَةِ اعْوِجاجِهِ، فَهو قَوِيمٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِالقائِمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ الإقامَةُ مِن تَسْوِيَةِ الأجْسامِ الَّتِي صارَتْ حَقِيقَةً فِيها لِتَسْوِيَةِ المَعانِي، كَتَعْدِيلِ أرْكانِ الصَّلاةِ عَلى ما هو حَقُّها، وقِيلَ: الإقامَةُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ حَقِيقَةٌ في الأعْيانِ والمَعانِي، بَلِ التَّقْوِيمُ في المَعانِي كالدِّينِ، والمَذْهَبِ أكْثَرُ فَلا حاجَةَ إلى الِاسْتِعارَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ المَجازِيَّةَ ما لا شُبْهَةَ فِيها دِرايَةً ورِوايَةً، وذاكَ الِاسْتِعْمالُ مَجازٌ مَشْهُورٌ، أوْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وفي الثّانِي بِأنَّ نَفاقَ السُّوقِ كانْتِصابِ الشَّخْصِ في حُسْنِ الحالِ والظُّهُورِ التّامِّ، فاسْتَعْمَلَ القِيامَ فِيهِ، والإقامَةَ في إنْفاقِها ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ مِنهُ لِلْمُداوَمَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَهُ مَرْغُوبًا مُتَنافَسًا فِيهِ مُتَوَجَّهًا إلَيْهِ، وهَذا مَعْنًى لَطِيفٌ لا يَقِفُ عَلَيْهِ إلّا الخَواصُّ، إلّا أنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا مِنَ المَجازِ، وكَأنَّهُ لِهَذا مالَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ في هَذا الوَجْهِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الدَّوامِ بِالإقامَةِ، فَإنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالمَعْنى الأوَّلِ مُشْعِرَةٌ بِكَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها، وإضاعَتُها تَدُلُّ عَلى ابْتِذالِها كالسُّوقِ إذا شُوهِدَتْ قائِمَةً دَلَّتْ عَلى نَفاقِ سِلْعَتِها ونَفاقِها عَلى تَوَجُّهِ الرَّغَباتِ إلَيْها، وهو يَسْتَدْعِي الِاسْتِدامَةَ بِخِلافِها إذا لَمْ تَكُنْ قائِمَةً، وفي الثّالِثِ بِأنَّ القِيامَ بِالأمْرِ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، ويَلْزَمُهُ التَّشَمُّرُ فَأُطْلِقَ القِيامُ عَلى لازِمِهِ، وقَدْ يُقالُ بِأنَّ قامَ بِالأمْرِ مَعْناهُ جَدَّ فِيهِ، وخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِلا تَأْخِيرٍ ولا تَقْصِيرٍ، فَكَأنَّهُ قامَ بِنَفْسِهِ لِذَلِكَ، وأقامَهُ أيْ رَفَعَهُ عَلى كاهِلِهِ بِجُمْلَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مَجازًا مُرْسَلًا، لِأنَّ مَن قامَ لِأمْرٍ عَلى أقْدامِ الإقْدامِ، ورَفَعَهُ عَلى كاهِلِ الجِدِّ، فَقَدْ بَذَلَ فِيهِ جُهْدَهُ، وفي الرّابِعِ بِأنَّ الأداءَ المُرادُ بِهِ فِعْلُ الصَّلاةِ، والقَيْدُ خارِجٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإقامَةِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، إذْ يَلْزَمُ مِن تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ وإيجادِها كُلِّها فِعْلُ القِيامِ، وهو الإقامَةُ، لِأنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ فِعْلٌ لِأجْزائِهِ، أوِ العَلاقَةِ الجُزْئِيَّةِ، لِأنَّ الإقامَةَ جُزْءٌ أوْ جُزْئِيٌّ لِمُطْلَقِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ لِمُشابَهَةِ الأداءِ لِلْإقامَةِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلاةِ وإلى تَرْجِيحِ أوَّلِ الأوْجُهِ مالَ جَمْعٌ لِأنَّهُ أظْهَرُ وأقْرَبُ إلى الحَقِيقَةِ، وأفْيَدُ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ تُرْجُمانِ القُرْآنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ، ولَعَلَّ ذَلِكَ مِنهُ عَنْ تَوْقِيفٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، أوْ حَمْلٌ لِكَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أحْسَنِ مَحامِلِهِ، حَيْثُ إنَّهُ المُناسِبُ لِتَرْتِيبِ الهُدى الكامِلِ، والفَلاحِ التّامِّ الشّامِلِ، وفِيهِ المَدْحُ العَظِيمُ والثَّناءُ العَمِيمُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِاسْتِلْزامِهِ لِما في الأوْجُهِ الأخِيرَةِ، وتَعَيَّنَ الأخِيرُ كَما قِيلَ في حَدِيثِ: «(أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يَشْهَدُوا أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأمْوالَهم إلّا بِحَقِّ الإسْلامِ)،» لا يَضُرُّ في أرْجَحِيَّةِ الأوَّلِ في الكَلامِ القَدِيمِ، إذْ يَرِدُ أنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ: يُصَلُّونَ، والعُدُولُ عَنِ الأخْصَرِ الأظْهَرِ بِلا فائِدَةٍ لا يَتَّجِهُ في كَلامٍ بَلِيغٍ فَضْلًا عَنْ أبْلَغِ الكَلامِ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، فافْهَمْ، (والصَّلاةُ) في الأصْلِ عِنْدَ بَعْضٍ بِمَعْنى الدُّعاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى طَعامٍ فَلْيُجِبْ، وإنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ)،» وهي عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ مُسْتَعْمَلَةٌ في ذاتِ الأرْكانِ، لِأنَّها دُعاءٌ بِالألْسِنَةِ الثَّلاثَةِ، الحالِ والفِعْلِ والمَقالِ، والمَشْهُورُ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ المُعْتَزِلَةَ عَلى أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها حَقائِقُ مُخْتَرَعَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِأنَّها مَنقُولَةٌ عَنْ مَعانٍ لُغَوِيَّةٍ، والقاضِي أبُو بَكْرٍ مِنّا عَلى أنَّها مَجازاتٌ لُغَوِيَّةٌ مَشْهُورَةٌ لَمْ تَصِرْ حَقائِقَ، وجَماهِيرُ الأصْحابِ عَلى أنَّها حَقائِقُ شَرْعِيَّةٌ عَنْ مَعانٍ لُغَوِيَّةٍ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ ورَجَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ: الصَّلاةُ مِنَ الصَّلَوَيْنِ لِعِرْقَيْنِ في الظَّهْرِ، لِأنَّ أوَّلَ ما يُشاهَدُ مِن أحْوالِها تَحْرِيكُهُما لِلرُّكُوعِ، واسْتَحْسَنَهُ ابْنُ جِنِّي، وسُمِّيَ الدّاعِي مُصَلِّيًا تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالرّاكِعِ السّاجِدِ، وقِيلَ: أُخِذَتِ الصَّلاةُ مِن ذاكَ لِأنَّها جاءَتْ ثانِيَةً لِلْإيمانِ، فَشُبِّهَتْ بِالمَصْلِيِّ مِنَ الخَيْلِ لِلْآتِي مَعَ صَلَوَيِ السّابِقِ، وأنْكَرَ الإمامُ الِاشْتِقاقَ مِنَ الصَّلَوَيْنِ مُسْتَنِدًا إلى أنَّ الصَّلاةَ مِن أشْهَرِ الألْفاظِ، فاشْتِقاقُها مِن غَيْرِ المَشْهُورِ في غايَةِ البُعْدِ، وأكادُ أُوافِقُهُ وإنْ قِيلَ: إنَّ عَدَمَ الِاسْتِشْهارِ لا يَقْدَحُ في النَّقْلِ، وقِيلَ: مِن صَلَيْتُ العَصا إذا قَوَّمْتَها بِالصَّلْيِ، فالمُصَلِّي كَأنَّهُ يَسْعى في تَعْدِيلِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِثْلَ ما يُحاوِلُ تَعْدِيلَ الخَشَبَةِ بِعَرْضِها عَلى النّارِ، وهي فَعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، عَلى المَشْهُورِ، وجَوَّزَ بَعْضُهم سُكُونَها، فَتَكُونُ حَرَكَةُ العَيْنِ مَنقُولَةً مِنَ اللّامِ، وقَدِ اتَّفَقَتِ المَصاحِفُ عَلى رَسْمِ الواوِ مَكانَ الألِفِ في مِشْكَوَةٍ، ونَجاةٍ، ومَناةٍ، وصَلاةٍ، وزَكاةٍ، وحَياةٍ، حَيْثُ كُنَّ مُوَحَّداتٍ مُفْرَداتٍ مُحَلّاتٍ بِاللّامِ، وعَلى رَسْمِ المُضافِ مِنها كَصَلاتِي بِالألِفِ، وحُذِفَتْ مِن بَعْضِ المَصاحِفِ العُثْمانِيَّةِ، واتَّفَقُوا عَلى رَسْمِ المَجْمُوعِ مِنها بِالواوِ عَلى اللَّفْظِ قالَ الجُعْبَرِيُّ: ووَجْهُ كِتابَةِ الواوِ الدِّلالَةُ عَلى أنَّ أصْلَها المُنْقَلِبَةَ عَنْهُ واوٌ وهو إتْباعٌ لِلتَّفْخِيمِ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ قُتَيْبَةَ: بَعْضُ العَرَبِ يُمِيلُونَ الألِفَ إلى الواوِ، ولَمْ أخْتَرِ التَّعْلِيلَ بِهِ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ في القُرْآنِ العَظِيمِ، وكَلامِ الفُصَحاءِ، والمُرادُ بِالصَّلاةِ هُنا الصَّلاةُ المَفْرُوضَةُ وهي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، كَما قالَهُ مُقاتِلٌ أوِ الفَرائِضُ والنَّوافِلُ، كَما قالَهُ الجُمْهُورُ، والأوَّلُ هو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وادَّعى الإمامُ أنَّهُ هو المُرادُ لِأنَّهُ الَّذِي يَقَعُ عَلَيْهِ الفَلاحُ لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمّا بَيَّنَ لِلْأعْرابِيِّ صِفَةَ الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ قالَ: «(واللَّهِ لا أزِيدُ عَلَيْها، ولا أنْقُصُ مِنها، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أفْلَحَ الأعْرابِيُّ إنْ صَدَقَ)،» (والرَّزْقُ) بِالفَتْحِ لُغَةً الإعْطاءُ لِما يَنْتَفِعُ الحَيَوانُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ كالنَّباتِ، وبِالكَسْرِ اسْمٌ مِنهُ، ومَصْدَرٌ أيْضًا عَلى قَوْلٍ، وقِيلَ: أصْلُ الرِّزْقِ الحَظُّ، ويُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى المَرْزُوقِ المُنْتَفَعِ بِهِ، وبِمَعْنى المُلْكِ، وبِمَعْنى الشُّكْرِ عِنْدَ أزْدٍ، واخْتَلَفَ المُتَكَلِّمُونَ في مَعْناهُ شَرْعًا، فالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الأشاعِرَةِ ما ساقَهُ اللَّهُ تَعالى إلى الحَيَوانِ فانْتَفَعَ بِهِ، سَواءٌ كانَ حَلالًا أوْ حَرامًا، مِنَ المَطْعُوماتِ، أوِ المَشْرُوباتِ، أوِ المَلْبُوساتِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، والمَشْهُورُ أنَّهُ اسْمٌّ لِما يَسُوقُهُ اللَّهُ تَعالى إلى الحَيَوانِ لِيَتَغَذّى بِهِ، ويَلْزَمُ عَلى الأوَّلِ أنْ تَكُونَ العَوارِي رِزْقًا، لِأنَّها مِمّا ساقَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْحَيَوانِ فانْتَفَعَ بِهِ، وفي جَعْلِها رِزْقًا بَعْدُ بِحَسَبِ العُرْفِ كَما لا يَخْفى، ويَلْزَمُ أيْضًا أنْ يَأْكُلَ شَخْصٌ رِزْقَ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْتَفِعَ بِهِ الآخَرُ بِالأكْلِ، إلّا أنَّ الآيَةَ تُوافِقُهُ إذْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِانْتِفاعُ مِن جِهَةِ الإنْفاقِ عَلى الغَيْرِ بِخِلافِ التَّعْرِيفِ الثّانِي، إذْ ما يُتَغَذّى بِهِ لا يُمْكِنُ إنْفاقُهُ إلّا أنْ يُقالَ: إطْلاقُ الرِّزْقِ عَلى المُنْفَقِ مُجازٌ لِكَوْنِهِ بِصَدَدِهِ، والمُعْتَزِلَةُ فَسَّرُوهُ في المَشْهُورِ تارَةً بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى عَبْدَهُ ومَكَّنَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وتارَةً بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى لِقِوامِهِ وبَقائِهِ خاصَّةً، وحَيْثُ إنَّ الإضافَةَ إلى اللَّهِ تَعالى مُعْتَبَرَةٌ في مَعْناهُ، وأنَّهُ لا رازِقَ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وأنَّ العَبْدَ يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ والعِقابَ عَلى أكْلِ الحَرامِ، وما يَسْتَنِدُ إلى اللَّهِ تَعالى عَزَّ وجَلَّ عِنْدَهم لا يَكُونُ قَبِيحًا ولا مُرْتَكِبُهُ مُسْتَحِقًّا ذَمًّا وعِقابًا، قالُوا: إنَّ الرِّزْقَ هو الحَلالُ، والحَرامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الجَصّاصُ مِنّا في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ، وعِنْدَنا الكُلُّ مِنهُ وبِهِ وإلَيْهِ ﴿ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ وإلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُور والذَّمُّ والعِقابُ لِسُوءِ مُباشَرَةِ الأسْبابِ بِالِاخْتِيارِ، نَعَمِ الأدَبُ مِن خَيْرِ رَأْسِ مالِ المُؤْمِنِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إلّا الأفْضَلُ، فالأفْضَلُ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ فالحَرامُ رِزْقٌ في نَفْسِ الأمْرِ، لَكِنّا نَتَأدَّبُ في نِسْبَتِهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، والدَّلِيلُ عَلى شُمُولِ الرِّزْقِ لَهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ مِن حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «(جاءَ عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ، فَلا أُرانِي أُرْزَقُ إلّا مِن دُفِّي بِكَفِّي، فَأْذَنْ لِي في الغِنى مِن غَيْرِ فاحِشَةٍ، فَقالَ  : لا إذَنَ لَكَ، ولا كَرامَةَ، ولا نِعْمَةَ، كَذَبْتَ، أيْ عَدُوَّ اللَّهِ، لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعالى رِزْقًا حَلالًا طَيِّبًا فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ، مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن حَلالِهِ)،» وحَمْلُهُ عَلى المُشاكَلَةِ كالقَوْلِ بِأنَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (فاخْتَرْتَ) إلَخْ، كَوْنَهُ رِزْقًا لِمَن أُحِلَّ لَهُ، فَيَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ لِقِيامِ الِاحْتِمالِ، خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، ومِثْلُ هَذا الِاحْتِمالِ إنْ قَدَحَ في الِاسْتِدْلالِ لا يَبْقى عَلى وجْهِ الأرْضِ دَلِيلٌ، والطَّعْنُ في السَّنَدِ لا يُقْبَلُ مِن غَيْرِ مُسْتَنَدٍ، وهو مَناطُ الثُّرَيّا، كَما لا يَخْفى، والِاسْتِدْلالُ عَلى هَذا المَطْلَبِ كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ بِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الحَرامُ رِزْقًا لَمْ يَكُنِ المُتَغَذِّي بِهِ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقًا، ولَيْسَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها ﴾ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ لِلْمُعْتَزِلَةِ أنْ لا يَخُصُّوا الرِّزْقَ بِالغِذاءِ، بَلْ يَكْتَفُوا بِمُطْلَقِ الِانْتِفاعِ دُونَ الِانْتِفاعِ بِالفِعْلِ، بَلِ التَّمَكُّنِ فِيهِ، فَلا يَتِمُّ الدَّلِيلُ إلّا إذا فُرِضَ أنَّ ذَلِكَ الشَّخْصَ لَمْ يَنْتَفِعْ مِن وقْتِ وفاتِهِ إلى وقْتِ مَوْتِهِ بِشَيْءٍ انْتِفاعًا مُحَلّالًا، لا رَضْعَةَ مِن ثَدْيٍ، ولا شَرْبَةَ مِن ماءٍ مُباحٍ، ولا نَظْرَةَ إلى مَحْبُوبٍ، ولا وصْلَةَ إلى مَطْلُوبٍ، بَلْ ولا تَمَكُّنَ مِن ذَلِكَ أصْلًا، والعادَةُ تَقْضِي بِعَدَمِ وُجُودِهِ، ومادَّةُ النَّقْضِ لا بُدَّ مِن تَحَقُّقِها عَلى أنَّهُ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهُ لَقالُوا: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُحَرَّمًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، و ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ وأيْضًا لَهم أنْ يَعْتَرِضُوا بِمَن عاشَ يَوْمًا مَثَلًا، ثُمَّ ماتَ قَبْلَ أنْ يَتَناوَلَ حَلالًا ولا حَرامًا، وما يَكُونُ جَوابَنا لَهُمْ، يَكُونُ جَوابَهم لَنا، عَلى أنَّ الآيَةَ لَمْ تَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوصِلُ جَمِيعَ ما يَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ أحَدٍ إلَيْهِ، فَإنَّ الواقِعَ خِلافُهُ بَلْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَسُوقُ الرِّزْقَ، ويُمَكِّنُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ، فَإذا حَصَلَ الإعْراضُ مِنَ الحَلالِ إلى الحَرامِ لَمْ يَقْدَحْ في تَحَقُّقِ رازِقِيَّتِهِ جَلَّ وعَلا، وأيْضًا قَدْ يُقالُ: مَعْنى الآيَةِ ما مِن دابَّةٍ مُتَّصِفَةٍ بِالمَرْزُوقِيَّةِ، فَلا تَدْخُلُ مادَّةُ النَّقْضِ لِيَضُرَّ خُرُوجُها، كَما لا يَدْخُلُ السَّمَكُ في قَوْلِهِمْ: كُلُّ دابَّةٍ تُذْبَحُ بِالسِّكِّينِ، أيْ كُلُّ دابَّةٍ تَتَّصِفُ بِالمَذْبُوحَةِ، فالِاتِّصافُ أنَّ هَذا لا يَصْلُحُ دَلِيلًا، والأحْسَنُ الِاسْتِدْلالُ بِالإجْماعِ قَبْلَ ظُهُورِ المُعْتَزِلَةِ، عَلى أنَّ مَن أكَلَ الحَرامَ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقٌ طُولَ عُمْرِهِ ذَلِكَ الحَرامَ، والظَّواهِرُ تَشْهَدُ بِانْقِسامِ الرِّزْقِ إلى طَيِّبٍ وخَبِيثٍ، وهي تَكْفِي في مِثْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ، والأصْلُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ قَدْ تَرَكَهُ أهْلُ السُّنَّةِ قاعًا صَفْصَفًا، (والإنْفاقُ) الإنْفادُ يُقالُ: أنْفَقْتُ الشَّيْءَ، وأنْفَدْتُهُ بِمَعْنًى، والهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ، وأصْلُ المادَّةِ تَدُلُّ عَلى الخُرُوجِ والذَّهابِ، ومِنهُ نافَقَ، والنّافِقاءُ ونَفَقَ، وإنَّما قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَعْمُولَ اعْتِناءً بِما خَوَّلَ اللَّهُ تَعالى العَبْدَ، أوْ لِأنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلى الإنْفاقِ في الخارِجِ، ولِتَناسُبِ الفَواصِلِ، والمُرادُ بِالرِّزْقِ هُنا الحَلالُ لِأنَّهُ في مَعْرِضِ وصْفِ المُتَّقِي، ولا مَدْحَ أيْضًا في إنْفاقِ الحَرامِ، قِيلَ: ولا يُرَدُّ قَوْلُ الفُقَهاءِ إذا اجْتَمَعَ عِنْدَ أحَدٍ مالٌ لا يَعْرِفُ صاحِبَهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، فَإذا وجَدَ صاحِبَهُ دَفَعَ قِيمَتَهُ، أوْ مِثْلَهُ إلَيْهِ، فَهَذا الإنْفاقُ مِمّا يُثابُ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمّا فَعَلَهُ بِإذْنِ الشّارِعِ اسْتَحَقَّ المَدْحَ، لِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَعْرِفْ صاحِبَهُ كانَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ، وانْتَقَلَ بِالضَّمانِ إلى مِلْكِهِ، وتَبَدَّلَتِ الحُرْمَةُ إلى ثَمَنِهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ الخِلافُ فِيما لَوْ عَمِلَ الخَيْرَ بِمالٍ مَغْصُوبٍ عُرِفَ صاحِبُهُ كَما قالَ ابْنُ القَيِّمِ في بَدائِعِ الفَوائِدِ، فَذَهَبَ ابْنُ عَقِيلٍ إلى أنَّهُ لا ثَوابَ لِلْغاصِبِ فِيهِ، لِأنَّهُ آثِمٌ ولا لِرَبِّ المالِ، لِأنَّهُ لا نِيَّةَ لَهُ، ولا ثَوابَ بِدُونِها، وإنَّما يُأْخَذُ مِن حَسَناتِ الغاصِبِ بِقَدْرِ مالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ نَفْعٌ حَصَلَ بِمالِهِ، وتَوَلَّدَ مِنهُ، ومِثْلُهُ يُثابُ عَلَيْهِ، كالوَلَدِ الصّالِحِ يُؤْجَرُ بِهِ، وإنْ لَمْ يَقْصِدْهُ، ويُفْهَمُ كَلامُ البَعْضِ وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ أنَّ الغاصِبَ أيْضًا يُؤْجَرُ إذا صَرَفَها بِخَيْرٍ، وإنْ تَعَدَّ واقْتُصَّ مِن حَسَناتِهِ بِسَبَبِ أخْذِهِ لِأنَّهُ لَوْ فَسَقَ بِهِ عُوقِبَ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عَلى الغَصْبِ، ومَرَّةً عَلى الفِسْقِ، فَإذا عَمِلَ بِهِ خَيْرًا يَنْبَغِي أنْ يُثابَ عَلَيْهِ، ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ﴾ ﴿ ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ ولا يَرِدُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(لا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِن غُلُولٍ)،» وقَوْلُهُ: «(إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طِيِّبًا)،» لِأنَّ مَآلَ ما ذُكِرَ أنَّ الثَّوابَ عَلى نَفْسِ العُدُولِ مِنَ الصَّرْفِ في المَعْصِيَةِ إلى الصَّرْفِ فِيما هو طاعَةٌ في نَفْسِهِ، لا عَلى نَفْسِ الصَّدَقَةِ مَثَلًا بِالمالِ الحَرامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَرامٌ، والفَرْقُ دَقِيقٌ لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِتَوْفِيقٍ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في الإنْفاقِ ها هُنا فَقِيلَ وهو الأوْلى: صَرْفُ المالِ في سُبُلِ الخَيْراتِ، أوِ البَذْلُ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وعِلْمٌ لا يُقالُ بِهِ، كَكَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ الزَّكاةُ، وعَنْهُ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَفَقَةُ العِيالِ، وعَنِ الضَّحّاكِ التَّطَوُّعُ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكاةِ أوِ النَّفَقَةُ في الجِهادِ، ولَعَلَّ هَذِهِ الأقْوالَ تَمْثِيلٌ لِلْمُنْفَقِ لا خِلافَ فِيهِ، وبَعْضُهم جَعَلَها خِلافًا، ورَجَّحَ كَوْنَها الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ بِاقْتِرانِها بِأُخْتِها الصَّلاةِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ القُرْآنِ، ومِنَ التَّبَعُّضِيَّةُ حِينَئِذٍ مِمّا لا يُسْئَلُ عَنْ سِرِّها، إذِ الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ لا تَكُونُ بِجَمِيعِ المالِ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِالإنْفاقِ مُطْلَقَهُ الأعَمَّ مَثَلًا، فَفائِدَةُ إدْخالِها الإشارَةُ إلى أنَّ إنْفاقَ بَعْضِ المالِ يَكْفِي في اتِّصافِ المُنْفِقِ بِالهِدايَةِ والفَلاحِ، ولا يَتَوَقَّفُ عَلى إنْفاقِ جَمِيعِ المالِ، وقَوْلُ مَوْلانا البَيْضاوِيِّ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ لِلْكَفِّ عَنِ الإسْرافِ المَنهِيِّ عَنْهُ مَخْصُوصٌ بِمَن لَمْ يَصْبِرْ عَلى الفاقَةِ، ويَتَجَرَّعْ مَرارَةَ الإضافَةِ، وإلّا فَقَدْ تَصَدَّقَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِجَمِيعِ مالِهِ، ولَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِعِلْمِهِ بِصَبْرِهِ واطِّلاعِهِ عَلى ما وقَرَ في صَدْرِهِ، ومِن ها هُنا لَمّا قِيلَ لِلْحَسَنِ بْنِ سَهْلٍ: لا خَيْرَ في الإسْرافِ، قالَ: لا إسْرافَ في الخَيْرِ، وقِيلَ: النُّكْتَةُ في إدْخالِ مِنَ التَّبَعُّضِيَّةِ هي أنَّ الرِّزْقَ أعَمُّ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَأُدْخِلَتْ إيذانًا بِأنَّ الإنْفاقَ المُعْتَدَّ بِهِ ما يَكُونُ مِنَ الحَلالِ، وهو بَعْضٌ مِنَ الرِّزْقِ، (وما) في الآيَةِ إمّا مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والأوَّلُ أوْلى، فالعائِدُ مَحْذُوفٌ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّهُ إنْ قُدِّرَ مُتَّصِلًا يَلْزَمُ اتِّصالُ ضَمِيرَيْنِ مُتَّحِدَيِ الرُّتْبَةِ، والِانْفِصالُ في مِثْلِهِ واجِبٌ، وإنْ قُدِّرَ مُنْفَصِلًا امْتَنَعَ حَذْفُهُ، إذْ قَدْ أوْجَبُوا ذِكْرَ المُنْفَصِلِ مُعَلِّلِينَ بِأنَّهُ لَمْ يَنْفَصِلْ إلّا لِغَرَضٍ، وإذا حُذِفَ فَأتَتِ الدِّلالَةُ عَلَيْهِ، وأُجِيبُ عَلى اخْتِيارِ كُلٍّ، أمّا الأوَّلُ فَبِأنَّهُ لَمّا اخْتَلَفَ الضَّمِيرانِ جَمْعًا وإفْرادًا جازَ اتِّصالُهُما، وإنِ اتَّحَدا رُتْبَةً كَقَوْلِهِ: لِوَجْهِكَ في الإحْسانِ بَسْطٌ وبَهْجَةٌ ∗∗∗ أنا لَهُماهُ قَفْوُ أكْرَمِ والِدِ وأيْضًا يَلْزَمُ مِن مَنعِ ذَلِكَ مَلْفُوظًا بِهِ مَنعُهُ مُقَدَّرًا، لِزَوالِ القُبْحِ اللَّفْظِيِّ، وأمّا الثّانِي فَبِأنَّ الَّذِي يُمْنَعُ حَذْفُهُ ما كانَ مُنْفَصِلًا لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ كالحَصْرِ لا مُطْلَقًا، كَما قالَ ابْنُ هِشامٍ في الجامِعِ الصَّغِيرِ، وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكُتِبَتْ (مِن) مُتَّصِلَةً (بِما) مَحْذُوفَةَ النُّونِ، لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَتِ النُّونُ لَفْظًا، فَناسَبَ حَذْفُها في الخَطِّ، قالَهُ في البَحْرِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ صِلاتِ (الَّذِينَ) أفْعالًا مُضارِعَةً، ولَمْ يَجْعَلِ المَوْصُولَ ألْ فَيَصِلُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ، لِأنَّ المُضارِعَ فِيما ذَكَرَهُ البَعْضُ مُشْعِرٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، مَعَ ما فِيهِ هُنا مِنَ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وهَذِهِ الأوْصافُ مُتَجَدِّدَةٌ في المُتَّقِينَ، واسْمُ الفاعِلِ عِنْدَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، ورُتِّبَتْ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّرْتِيبِ لِأنَّ الأعْمالَ إمّا قَلْبِيَّةٌ وأعْظَمُها اعْتِقادُ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، والمَعادِ، إذْ لَوْلاهُ كانَتِ الأعْمالُ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، أوْ قالَبِيَّةٌ وأصْلُها الصَّلاةُ لِأنَّها الفارِقَةُ بَيْنَ الكُفْرِ والإسْلامِ، وهي عَمُودُ الدِّينِ ومِعْراجُ المُوَحِّدِينَ، والأُمُّ الَّتِي يَتَشَعَّبُ مِنها سائِرُ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، ولِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ)،» وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها الإيمانَ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ ﴾ أوْ مالِيَّةٌ وهي الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهي الَّتِي إذا وُجِدَتْ عُلِمَ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَفاوِتَةُ الرُّتَبِ، فَرَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ مُقَدِّمًا الأهَمَّ فالأهَمَّ، والألْزَمَ فالألْزَمَ، لِأنَّ الإيمانَ لازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ في كُلِّ آنٍ، والصَّلاةَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، والنَّفَقَةَ في بَعْضِ الحالاتِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ يَتَوَلّى هُداكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ أي يصدقون بالغيب.

والغيب: هو ما غاب عن العين، وهو محضر في القلب.

وإنما أراد به أصحاب رسول الله  ومن تابعهم إلى يوم القيامة، أنهم يصدقون بغيب القرآن أنه من الله تعالى فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه.

ويقال: يؤمنون بالغيب يعني بالله تعالى.

حدثنا الخليل بن أحمد قال: حدثنا الديبلي قال: حدّثنا أبو عبيد الله، قال: حدّثنا سفيان قال: حدثنا أصحابنا، عن الحارث بن قيس أنه قال لعبد الله بن مسعود-  - نحتسب بكم يا أصحاب محمد ما سبقتمونا به من رؤية محمد  وصحبته، فقال عبد الله بن مسعود: ونحن نحتسب لكم إيمانكم به ولم تروه، وإن أفضل الإيمان الإيمان بالغيب، ثم قرأ عبد الله الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وقد قيل: (يؤمنون بالغيب) يعني يصدقون بالبعث بعد الموت.

وقوله تعالى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ، أي يديمون الصلاة، وقد قيل أيضاً: إِنَّ العبد يديم الصلاة وقد قيل: يحافظون على الصلوات الخمس بمواقيتها وركوعها وسجودها والتضرع بعدها.

وقد قيل: إن العبد إذا صلى صلاة تُقْبَلُ منه، خلق الله تعالى منها ملكاً يقوم ويصلي لله إلى يوم القيامة، وثوابه لصاحب الصلاة فهذا معنى قوله: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ.

وقوله عز وجل: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أي يتصدقون، قال الكلبي: وهو زكاة المال.

وروى أسباط، عن السدي، عن أصحابه قال: هي نفقة الرجل على أهله وهذا قبل نزول آية الزكاة.

ويقال: ينفقون أي يتصدقون صدقة التطوع.

ويقال: هي عليهم جميعا التطوع والفريضة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

«البيت الّذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله الشّيطان» «١» .

ت: وعن ابن عبّاس قال: بينما جبريل قاعد عند النبيّ صلّى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه، فقال له: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قطّ إلّا اليوم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبيّ قبلك فاتحة الكتاب، وخواتم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلّا أعطيته» رواه مسلم، والنسائيّ «٢» ، والنقيض بالنون والقاف: هو الصوت انتهى من «السلاح» .

وعدد آي سورة البقرة مائتان، وخمس وثمانون آية، وقيل: وستّ وثمانون آية، وقيل: وسبع وثمانون.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)

قوله تعالى: الم: اختلف في الحروف التي في أوائل السور على قولين «٣» فقال

الشَّعْبِيُّ، وسفيانُ الثوريُّ، وجماعةٌ من المحدِّثين: هي سر اللَّه في القرآن، وهي من المتشابه الذي انفرد اللَّه بعلمه، ولا يجب أن يُتكلَّم فيها، ولكن يؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءت «١» ، وقال الجمهور من العلماء، بل يجب أن يُتكلَّم فيها، وتلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرَّج عليها، واختلفوا في ذلك على اثنَيْ عَشَرَ قولاً.

فقال عليٌّ، وابن عَبَّاس رضي اللَّه عنهما: الحروف المقطَّعة في القرآن: هي اسم اللَّه الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها «٢» .

وقال ابن عبَّاس أيضًا: هي أسماء اللَّه أقسم بها «٣» ، وقال أيضًا: هي حروف تدلُّ على: أَنَا اللَّهُ أعلم، أنا الله أرى «٤» ، وقال قوم:

هي حسابُ أَبِي جَاد «١» لتدلَّ على مدَّة ملّة محمّد صلّى الله عليه وسلم كما ورد في حديث حُيَيِّ بن أَخْطب «٢» ، وهو قول أبي العالية وغيره «٣» .

ت: وإِليه مال السُّهَيْلِيُّ «٤» في «الرَّوْضِ الأُنُفِ» ، فانظره.

قوله تعالى: ذلِكَ الْكِتابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: الاسمُ من «ذَلِكَ» : الذال، والألف، واللام لبعد المشار إليه، والكاف للخطاب.

واختلف في «ذَلِكَ» هنا فقيل: هو بمعنى «هَذَا» ، وتكون الإشارة إلى هذه الحروف من القرآن، وذلك أنه قد يشار بذلك إلى حاضرٍ تعلَّق به بعضُ غَيْبَةٍ، وقيل: هو على بابه، إِشارةً إِلى غائب.

واختلفوا في ذلك الغائب فقيل: ما قد كان نزل من القرآن، وقيل غير ذلك انظره.

ولا رَيْبَ فِيهِ: معناه: لا شكّ فيه، وهُدىً: معناه إِرشادٌ وبيانٌ، وقوله:

لِلْمُتَّقِينَ: اللفظ مأخوذ من «وقى» ، والمعنى: الذين يَتَّقُونَ اللَّه تعالى بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، كان ذلك وقايةً بينهم وبين عذابه.

قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ.

يُؤْمِنُونَ: معناه يُصَدِّقون، وقوله: بِالْغَيْبِ قالت طائفةٌ: معناه: يُصَدِّقون، إِذا غَابُوا وَخَلَوْا، لا كالمنافقين الَّذين يؤمنون إذَا حضروا، ويكْفُرُونَ إِذا غابوا، وقال آخرون: معناه:

يصدِّقون بما غاب عنهم مما أخبرتْ به الشرائعُ، وقوله: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ معناه:

يظهرونها ويثبتونها كما يقال: أُقِيمَتِ السُّوقُ.

ت: وقال أبو عبد اللَّه النَّحْوِيُّ في اختصاره لتفسيرِ الطَّبَرِيِّ: إِقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال عليها.

انتهى.

قال ص «١» : يقيمون الصلاةَ من التقويمِ ومنه: أَقَمْتُ العُودَ، أو الإِْدَامَةِ ومنه: قامتِ السُّوقُ، أو التشميرِ والنهوضِ ومنه: قام بالأمر.

انتهى.

وقوله تعالى/: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: الرزْقُ «٢» عند أهل السنة ما صحّ الانتفاع ١٠ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ الإيمانُ في اللُّغَةِ: التَّصْدِيقُ، والشَّرْعُ أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ، وزادَ فِيهِ القَوْلَ والعَمَلَ.

وأصِلُ الغَيْبِ: المَكانُ المُطَمْئِنُّ الَّذِي يَسْتَتِرُ فِيهِ لِنُزُولِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فَسُمِّيَ كُلُّ مُسْتَتِرٍ: غَيْبًا.

وَفِي المُرادِ بِالغَيْبِ هاهُنا سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الوَحْيُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيٍجٍ.

والثّانِي: القُرْآَنُ، قالَهُ أبُو رَزِينٍ العُقَيْلِيُّ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ.

والثّالِثُ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ عَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والرّابِعُ: ما غابَ عَنِ العِبادِ مِن أمْرِ الجَنَّةِ والنّارِ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ في القُرْآَنِ.

رَواهُ السَّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ قَدَّرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ في حَقِّ مَن لَمْ يَرَهُ.

قالَ عَمْرُو بْنُ مَرَّةَ: قالَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ: طُوبى لَكَ، جاهَدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، وجالَسْتُهُ.

فَقالَ: إنَّ شَأْنَ رَسُولِ اللَّهِ  كانَ مُبَيِّنًا لِمَن رَآَهُ، ولَكِنْ أعْجَبُ مِن ذَلِكَ: قَوْمٌ يَجِدُونَ كِتابًا مَكْتُوبًا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولَمْ يَرَوْهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ .

*** قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ الصَّلاةُ في اللُّغَةِ: الدُّعاءُ.

وفي الشَّرِيعَةِ: أفْعالٌ وأقْوالٌ عَلى صِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ.

وفي تَسْمِيَتِها بِالصَّلاةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرَفْعِ الصَّلا، وهو مَغْرَزُ الذَّنْبِ مِنَ الفَرَسِ.

والثّانِي: أنَّها مِن صَلِيَتُ العُودَ إذا لَيَّنْتُهُ، فالمُصَلِّي يَلِينُ ويَخْشَعُ.

والثّالِثُ: أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى السُّؤالِ والدُّعاءِ، والصَّلاةِ في اللُّغَةِ: الدُّعاءُ.

وهي في هَذا المَكانِ اسْمُ جِنْسٍ.

قالَ مُقاتِلٌ: أرادَ بِها هاهُنا: الصَّلَواتِ الخَمْسِ.

وَفِي مَعْنى إقامَتِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ تَمامُ فِعْلِها عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ المُحافَظَةُ عَلى مَواقِيتِها ووُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: إدامَتُها، والعَرَبُ تَقُولُ في الشَّيْءِ الرّاتِبِ: قائِمٌ، وفُلانٌ يُقِيمُ أرْزاقَ الجُنْدِ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ ﴾ أيْ: أعْطَيْناهم.

﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ أيْ: يُخْرِجُونَ.

وأصْلُ الإنْفاقِ الإخْراجُ.

يُقالُ: نَفَقَتِ الدّابَّةُ إذا خَرَجَتْ رُوحُها.

وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ النَّفَقَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها النَّفَقَةُ عَلى الأهْلِ والعِيالِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ.

والثّانِي: أنَّها الزَّكاةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّها الصَّدَقاتُ النَّوافِلُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّها النَّفَقَةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةٌ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكاةِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالُوا: إنَّهُ كانَ فَرْضٌ عَلى الرَّجُلِ أنْ يُمْسِكَ مِمّا في يَدِهِ مِقْدارَ كِفايَتِهِ يَوْمَهُ ولَيْلَتَهُ، ويُفَرِّقُ باقِيهِ عَلى الفُقَراءِ.

فَعَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ، الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَّكاةِ، وغَيْرِ هَذا القَوْلِ أُثْبِتَ.

واعْلَمْ أنَّ الحِكْمَةَ في الجَمْعِ بَيْنَ الإيمانِ بِالغَيْبِ وهو عَقْدُ القَلْبِ، وبَيْنَ الصَّلاةِ وهي فِعْلُ البَدَنِ، وبَيْنَ الصَّدَقَةِ وهو تَكْلِيفٌ يَتَعَلَّقُ بِالمالِ - أنَّهُ لَيْسَ في التَّكْلِيفِ قِسْمٌ رابِعٌ، إذْ ما عَدا هَذِهِ الأقْسامِ فَهو مُمْتَزِجٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنهُما كالحَجِّ والصَّوْمِ ونَحْوِهِما.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ "يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ  ﴾ وكَما قالَ: ﴿ فَما آمَنَ لِمُوسى  ﴾ ، وبَيْنَ التَعْدِيَتَيْنِ فَرْقٌ، وذَلِكَ أنَّ التَعْدِيَةَ بِاللامِ في ضِمْنِها تَعَدٍّ بِالباءِ يُفْهَمُ مِنَ المَعْنى.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَمْزِ "يُؤْمِنُونَ": فَكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَهْمِزُونَ "يُؤْمِنُونَ" وما أشْبَهَهُ مِثْلُ: يَأْكُلُونَ، ويَأْمُرُونَ، ويُؤْتُونَ وكَذَلِكَ مَعَ تَحَرُّكِ الهَمْزَةِ مِثْلُ: يُؤَخِّرُكُمْ، ويَؤُودُهُ، إلّا أنَّ حَمْزَةَ كانَ يَسْتَحِبُّ تَرْكَ الهَمْزِ إذا وقَفَ، والباقُونَ يَقِفُونَ بِالهَمْزِ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ تَرْكُ الهَمْزِ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وقَدْ رُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَهْمِزُ الهَمْزَةَ الساكِنَةَ، وكانَ أبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ القِراءَةَ، أو قَرَأ في الصَلاةِ لَمْ يَهْمِزْ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، إلّا أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ حُرُوفًا مِنَ السَواكِنِ بِأعْيانِها سَتَذْكُرُ في مَواضِعِها إنْ شاءَ اللهُ.

وإذا كانَ سُكُونُ الهَمْزَةِ عَلامَةً لِلْجَزْمِ لَمْ يَتْرُكْ هَمَزَها مِثْلُ: "نَنْسَأْها"، و"هَيِّئْ لَنا" وما أشْبَهَهُ.

وقَوْلُهُ "بِالغَيْبِ" قالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناهُ يُصَدِّقُونَ إذا غابُوا وخَلَوْا، لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إذا حَضَرُوا، ويَكْفُرُونَ إذا غابُوا، وقالَ آخَرُونَ: يُصَدِّقُونَ بِما غابَ عنهم مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ الشَرائِعُ.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَمْثِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ آخَرُونَ: القَضاءُ والقَدَرُ.

وقالَ آخَرُونَ: القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الغُيُوبِ.

وقالَ آخَرُونَ: الحَشْرُ والصِراطُ والمِيزانُ والجَنَّةُ والنارُ.

وهَذِهِ الأقْوالُ لا تَتَعارَضُ، بَلْ يَقَعُ الغَيْبُ عَلى جَمِيعِها.

والغَيْبُ في اللُغَةِ: ما غابَ عنكَ مِن أمْرٍ، ومِن مُطْمَئِنِّ الأرْضِ الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ داخِلُهُ.

وَقَوْلُهُ: "يُقِيمُونَ" مَعْناهُ: يُظْهِرُونَها ويُثْبِتُونَها كَما يُقالُ: أُقِيمَتِ السُوقُ.

وهَذا تَشْبِيهٌ بِالقِيامِ مِن حالَةِ خَفاءِ قُعُودٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا يُقالُ: أتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: أقَمْنا لِأهْلِ العِراقَيْنِ سُوقَ الـ ∗∗∗ ـضِّرابِ فَخاسُوا ووَلَّوْا جَمِيعًا وأصْلُ "يُقِيمُونَ" يَقُومُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فانْقَلَبَتْ ياءً لِكَوْنِ الكَسْرَةِ قَبْلَها.

و"الصَلاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِن صَلّى يُصَلِّي إذا دَعا.

كَما قالَ الشاعِرُ: عَلَيْكَ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتَ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ نَوْمًا، فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: لَها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَهْرُ بَيْتَها ∗∗∗ وإنْ ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْها وزَمْزَما فَلَمّا كانَتِ الصَلاةُ في الشَرْعِ دُعاءً انْضافَ إلَيْهِ هَيْآتُ وقِراءَةُ سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِاسْمِ الدُعاءِ، وقالَ قَوْمٌ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَلا وهو عَرَقٌ وسَطَ الظَهْرِ ويَفْتَرِقُ عِنْدَ العَجَبِ فَيَكْتَنِفُهُ، ومِنهُ أخَذَ المُصَلِّي في سَبْقِ الخَيْلِ لِأنَّهُ يَأْتِي مَعَ صَلْوَيِ السابِقِ، فاشْتُقَّتِ الصَلاةُ مِنهُ، إمّا لِأنَّها جاءَتْ ثانِيَةً لِلْإيمانِ فَشُبِّهَتْ بِالمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ، وإمّا لِأنَّ الراكِعَ والساجِدَ يَنْثَنِي صَلَواهُ.

والقَوْلُ إنَّها مِنَ الدُعاءِ أحْسَنُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ كُتِبَتْ "مِمّا" مُتَّصِلَةٌ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي فَحَقُّها أنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً، إلّا أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وأيْضًا فَلَمّا خَفِيَتْ نُونُ "مِن" في اللَفْظِ حُذِفَتْ في الخَطِّ، و"الرِزْقِ" عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ.

ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ حَلالًا كانَ أو حَرامًا، بِخِلافِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ.

و"يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ هُنا: يُؤْتُونَ ما ألْزَمَهُمُ الشَرْعُ مِن زَكاةٍ، وما نَدَبَهم إلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "يُنْفِقُونَ" يُؤْتُونَ الزَكاةَ احْتِسابًا لَها.

قالَ غَيْرُهُ: الآيَةُ في النَفَقَةِ في الجِهادِ.

قالَ الضَحّاكُ: هي نَفَقَةٌ كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَدْرِ يُسْرِهِمْ.

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي نَفَقَةُ الرَجُلِ عَلى أهْلِهِ.

والآيَةُ تَعُمُّ الجَمِيعَ، وهَذِهِ الأقْوالُ تَمْثِيلٌ لا خِلافَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ .

يتعين أن يكون كلاماً متصلاً بقوله: ﴿ للمتقين ﴾ [البقرة: 2] على أنه صفة لإرْدَاف صفتِهم الإجمالية بتفصيللٍ يعرف به المراد، ويكون مع ذلك مبدأ استطراد لتصنيف أصناف الناس بحسب اختلاف أحوالهم في تلقي الكتاب المنوَّه به إلى أربعة أصناف بعد أن كانوا قبل الهجرة صنفين، فقد كانوا قبل الهجرة صِنفاً مؤمنين وصنفاً كافرين مصارحين، فزاد بعد الهجرة صنفان: هما المنافقون وأهل الكتاب، فالمشركون الصرحاء هم أعداء الإسلام الأولون، والمنافقون ظهروا بالمدينة فاعتز بهم الأولون الذين تركهم المسلمون بدار الكفر، وأهل الكتاب كانوا في شغل عن التصدي لمناوأة الإسلام، فلما أصبح الإسلام في المدينة بجوارهم أوجسوا خيفة فالتفُّوا مع المنافقين وظاهَروا المشركين.

وقد أشير إلى أن المؤمنين المتقين فريقان: فريق هم المتقون الذين أسلموا ممن كانوا مشركين وكان القرآن هُدى لهم بقرينة مقابلة هذا الموصول بالموصول الآخر المعطوف بقوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ﴾ [البقرة: 4] الخ.

فالمثنيُّ عليهم هنا هم الذين كانوا مشركين فسمعوا الدعوة المحمدية فتدبروا في النجاة واتقوا عاقبة الشرك فآمنوا، فالباعث الذي بعثهم على الإسلام هو التقوى دون الطمع أو التجربة، فوائل بن حجر مثلاً لما جاء من اليمن راغباً في الإسلام هو من المتقين، ومسيلمة حين وفد مع بني حنيفة مضمر العداء طامعاً في الملك هو من غير المتقين.

وفريق آخر يجيء ذكره بقوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ [البقرة: 4] الآيات.

وقد أجريت هذه الصفات للثناء على الذين آمنوا بعد الإشراك بأن كان رائدهم إلى الإيمان هو التقوى والنظر في العاقبة، ولذلك وصفهم بقوله: ﴿ يؤمنون بالغيب ﴾ أي بعد أن كانوا يكفرون بالبعث والمعاد كما حكى عنهم القرآن في آيات كثيرة، ولذلك اجتلبت في الإخبار عنهم بهذه الصِّلات الثلاث صيغة المضارع الدالة على التجدُّد إيذاناً بتجدد إيمانهم بالغيب وتجدد إقامتهم الصلاة والإنفاق إذ لم يكونوا متصفين بذلك إلا بعد أن جاءهم هدى القرآن.

وجوز صاحب «الكشاف» كونه كلاماً مستأنفاً مبتدأ وكون: ﴿ أولئك على هدى ﴾ [البقرة: 5] خبره.

وعندي أنه تجويز لما لا يليق، إذ الاستئناف يقتضي الانتقال من غرض إلى آخر، وهو المسمى بالاقتضاب وإنما يحسن في البلاغة إذا أشيع الغرض الأول وأفيض فيه حتى أوعب أو حتى خيفت سآمة السامع، وذلك موقع أما بعد أو كلمة هذا ونحوهما، وإلا كان تقصيراً من الخطيب والمتكلم لا سيما وأسلوب الكتاب أوسع من أسلوب الخطابة لأن الإطالة في أغراضه أمكن.

والغيب مصدر بمعنى الغيبة: ﴿ ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب ﴾ [يوسف: 52] ﴿ ليعلم الله من يخافه بالغيب ﴾ [المائدة: 94] وربما قالوا بظهر الغيب قال الحطيئة: كيف الهجاء وما تنفك صالحة *** من آل لام بظهر الغيب تأتيني وفي الحديث: " دعوة المؤمن لأخيه بظهر الغيب مستجابة " والمراد بالغيب ما لا يدرك بالحواس مما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم صريحاً بأنه واقع أو سيقع مثل وجودِ الله، وصفاتِه، ووجودِ الملائكة، والشياطين، وأشراطِ الساعة، وما استأثر الله بعلمه.

فإن فسر الغيب بالمصدر أي الغيبة كانت الباء للملابسة ظرفاً مستقراً فالوصف تعريض بالمنافقين، وإن فسر الغيب بالاسم وهو ما غاب عن الحس من العوالم العلوية والأخروية، كانت الباء متعلقة بيؤمنون، فالمعنى حينئذٍ: الذين يؤمنون بما أخبر الرسول من غير عالم الشهادة كالإيمان بالملائكة والبعث والروح ونحو ذلك.

وفي حديث الإيمان: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره " وهذه كلها من عوالم الغيب.

كان الوصف تعريضاً بالمشركين الذين أنكروا البعث وقالوا: ﴿ هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ﴾ [سبأ: 7] فجَمَع هذا الوصف بالصراحة ثناءً على المؤمنين، وبالتعريض ذماً للمشركين بعدم الاهتداء بالكتاب، وذماً للمنافقين الذين يؤمنون بالظاهر وهم مبطنون الكفر، وسيُعْقَب هذا التعريضُ بصريح وصفهم في قوله: ﴿ إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم ﴾ [البقرة: 6] الآيات.

وقوله: ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله ﴾ [البقرة: 8].

ويؤمنون معناه يصدقون، وآمن مزيد أمن وهمزته المزيدة دلت على التعدية، فأصل آمن تعدية أَمِن ضد خاف فآمن معناه جعل غيره آمناً ثم أطلقوا آمن على معنى صدَّق ووَثِق حكَى أبو زيد عن العرب: «ما آمنت أَنْ أجد صحابةً» يقوله المسافر إذا تأخر عن السفر، فصار آمن بمعنى صدَّق على تقدير أنه آمن مُخبِرَه من أن يُكذِّبه، أو على تقدير أنه آمن نفسه من أن تخاف من كَذِب الخبر مبالغة في أمن كأقدم على الشيء بمعنى تقدم إليه وعمد إليه، ثم صار فعلاً قاصراً إما على مراعاة حذف المفعول لكثرة الاستعمال بحيث نزل الفعل منزلة اللازم، وإما على مراعاة المبالغة المذكورة أي حصل له الأمْن أي من الشك واضطراب النفس واطمأن لذلك لأن معنى الأمن والاطمئنان متقارب، ثم إنهم يضمنون آمن معنى أَقر فيقولون آمن بكذا أي أقر به كما في هذه الآية، ويضمنونه معنى اطمأَن فيقولون آمن له: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ﴾ [البقرة: 75].

ومجيء صلة الموصول فعلاً مضارعاً لإفادة أن إيمانهم مستمر متجدد كما علمت آنفاً، أي لايطرأ على إيمانهم شك ولا ريبة.

وخص بالذكر الإيمان بالغيب دون غيره من متعلقات الإيمان لأن الإيمان بالغيب أي ما غاب عن الحس هو الأصل في اعتقاد إمكان ما تخبر به الرسل عن وجود الله والعالم العلوي، فإذا آمن به المرء تصدى لسماع دعوة الرسول وللنظر فيما يبلِّغه عن الله تعالى فسهل عليه إدراك الأدلة، وأما مَن يعتقدُ أن ليس وراء عالم الماديات عالم آخر وهو ما وراء الطبيعة فقد راض نفسه على الإعراض عن الدعوة إلى الإيمان بوجود الله وعالم الآخرة كما كان حال الماديين وهم المسموْن بالدُّهْريين الذين قالوا: ﴿ ما يهلكنا إلا الدهر ﴾ [الجاثية: 24] وقريب من اعتقادهم اعتقاد المشركين ولذلك عبدوا الأصنام المجسمة ومعظم العرب كانوا يثبتون من الغيب وجودَ الخالق وبعضهم يثبت الملائكة ولا يؤمنون بسوى ذلك.

والكلام على حقيقة الإيمان ليس هذا موضعه ويجئ عند قوله تعالى: ﴿ وما هم بمؤمنين ﴾ [البقرة: 8].

﴿ وَيُقِيمُونَ الصلاة ﴾ .

الإقامة مصدر أقام الذي هو معدى قام، عدي إليه بالهمزة الدالة على الجعل، والإقامة جعلها قائمة، مأخوذ من قامت السوق إذا نَفَقَت وتداول الناس فيها البيع والشراء وقد دل على هذا التقدير تصريح بعض أهل اللسان بهذا المقدر.

قال أيمن ابن خرَيم الأنطري: أقامت غزالةُ سُوقَ الضِّرابْ *** لأَهل العراقَين حَوْلاً قميطاً وأصل القيام في اللغة هو الانتصاب المضاد للجلوس والاضطجاع، وإنما يقوم القائم لقصد عمل صعب لا يتأتى من قعود، فيقوم الخطيب ويقوم العامل ويقوم الصانع ويقوم الماشي فكان للقيام لوازم عرفية مأخوذة من عوارضه اللازمة ولذلك أطلق مجازاً على النشاط في قولهم قام بالأمر، ومن أشهر استعمال هذا المجاز قولهم قامت السوق وقامت الحرب، وقالوا في ضده ركدت ونامت، ويفيد في كل ما يتعلق به معنى مناسباً لنشاطه المجازي وهو من قبيل المجاز المرسل وشاع فيها حتى ساوى الحقيقة فصارت كالحقائق ولذلك صح بناء المجاز الثاني والاستعارة عليها، فإقامة الصلاة استعارة تبعية شبهت المواظبة على الصلوات والعناية بها بجعل الشيء قائماً، وأحسب أن تعليق هذا الفعل بالصلاة من مصطلحات القرآن وقد جاء به القرآن في أوائل نزوله فقد ورد في سورة المزمل (20): ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ وهي ثالثة السور نزولاً.

وذكر صاحب الكشاف } وجوهاً أُخر بعيدة عن مساق الآية.

وقد عبر هنا بالمضارع كما وقع في قوله: ﴿ يؤمنون ﴾ ليصلح ذلك للذين أقاموا الصلاة فيما مضى وهم الذين آمنوا من قبل نزول الآية، والذين هم بصدد إقامة الصلاة وهم الذين يؤمنون عند نزول الآية، والذين سيهتدون إلى ذلك وهم الذين جاءوا من بعدهم إذ المضارع صالح لذلك كله لأن من فعل الصلاة في الماضي فهو يفعلها الآن وغداً، ومن لم يفعلها فهو إما يفعلها الآن أو غداً وجميع أقسام هذا النوع جعل القرآن هدى لهم.

وقد حصل من إفادة المضارع التجدد تأكيد ما دل عليه مادة الإقامة من المواظبة والتكرر ليكون الثناء عليهم بالمواظبة على الصلاة أصرح.

والصلاة اسم جامد بوزن فَعَلة محرَّك العين (صَلَوة) ورد هذا اللفظ في كلام العرب بمعنى الدعاء كقول الأعشى: تقول بنتي وقد يَمَّمتُ مُرتحلا *** يا ربِّ جنِّبْ أبي الأوصاب والوجَعا عليككِ مثلُ الذي صليتتِ فاغْتمضِي *** جَفْنا فإن لجنببِ المرء مضطَجَعا وورد بمعنى العبادة في قول الأعشى: يُراوِح من صلوات المَلِي *** ككِ طَوْراً سُجوداً وطَوراً جُؤَاراً فأما الصلاة المقصودة في الآية فهي العبادة المخصوصة المشتملة على قيام وقراءة وركوع وسجود وتسليم.

قال ابن فارس كانت العرب في جاهليتها على إرث من إرث آبائهم في لغاتهم فلما جاء الله تعالى بالإسلام حالت أحوال ونقلت ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات، ومما جاء في الشرع الصلاة وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود وإن لم يكن على هاته الهيأة قال النابغة: أو دُرةٌ صَدفيَّةٌ غَوَّاصُها *** بَهِيجٌ متى يَرَها يُهلِّ ويسجدِ وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد والمواقيت ا ه.

قلت لا شك أن العرب عرفوا الصلاة والسجود والركوع وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام فقال: ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ [إبراهيم: 37] وقد كان بين ظهرانيهم اليهود يصلون أي يأتون عبادتهم بهيأة مخصوصة، وسمَّوا كنيستهم صَلاة، وكان بينهم النصارى وهم يصلون وقد قال النابغة في ذكر دَفن النعمان بن الحارث الغساني: فآب مُصلُّوه بعين جلية *** وغودِر بالجولان حزمٌ ونايل على رواية مصلوه بصاد مهملة أراد المصلين عليه عند دفنه من القسس والرهبان، إذ قد كان منتصراً ومنه البيت السابق.

وعرفوا السجود قال النابغة: أو درة صدفية غَوَّاصها *** بَهِج متى يَرَها يُهلِّ ويسجدِ وقد تردد أئمة اللغة في اشتقاق الصلاة، فقال قوم مشتقة من الصلا وهو عرق غليظ في وسط الظهر ويفترق عند عَجْب الذنب فيكتنفه فيقال: حينئذٍ هما صَلَوان، ولما كان المصلي إذا انحنى للركوع ونحوه تحرك ذلك العرق اشتقت الصلاة منه كما يقولون أَنِفَ من كذا إذا شمخ بأنفه لأنه يرفعه إذا اشمأز وتعاظم فهو من الاشتقاق من الجامد كقولهم استنوق الجمل وقولهم تنمر فلان، وقولها: «زَوجي إذا دَخل فَهِدْ وإذا خَرج أَسِدْ» والذي دل على هذا الاشتقاق هنا عدم صلوحية غيره فلا يعد القول به ضعيفاً لأجل قلة الاشتقاق من الجوامد كما توهمه السيد.

وإنما أطلقت على الدعاء لأنه يلازم الخشوع والانخفاض والتذلل، ثم اشتقوا من الصلاة التي هي اسم جامد صلى إذا فعل الصلاة واشتقوا صلى من الصلاة كما اشتقوا صلّى الفرس إذا جاء معاقباً للمجلي في خيل الحلبة، لأنه يجئ مزاحماً له في السبق، واضعاً رأسه على صَلاَ سابقه واشتقوا منه المصلّي اسماً للفرس الثاني في خيل الحلبة، وهذا الرأي في اشتقاقها مقتضب من كلامهم وهو الذي يجب اعتماده إذْ لم يصلح لأصل اشتقاقها غير ذلك.

وما أورده الفخر في «التفسير» أنّ دعوى اشتقاقها من الصلْوَيْن يفضي إلى طعن عظيم في كون القرآن حجة لأن لفظ الصلاة من أشد الألفاظ شهرة، واشتقاقه من تحريك الصلوين من أبعد الأشياء اشتهاراً فيما بين أهل النقل، فإذا جوزنا أنه خَفِي واندرس حتى لا يعرفه إلا الآحاد لجاز مثله في سائر الألفاظ فلا نقطع بأن مراد الله تعالى من هذه الألفاظ ما يتبادر منها إلى أفهامنا في زماننا هذا لاحتمال أنها كانت في زمن الرسول موضوعة لمعان أخر خفيت علينا ا ه يَرُده بالاستعمال أنه لا مانع من أن يكون لفظ مشهور منقولاً من معنى خفي لأنه العبرة في الشيوع بالاستعمال وأما الاشتقاق فبحث علمي ولهذا قال البيضاوي: «واشتهارُ هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله منه».

ومما يؤيد أنها مشتقة من هذا كتابتها بالواو في المصاحف إذ لولا قصد الإشارة إلى ما اشتقت منه ما كان وجه لكتابتها بالواو وهم كتبوا الزكاة والربا والحياة بالواو إشارة إلى الأصل.

وأما قول «الكشاف»: وكتابتها بالواو على لفظ المفخم أي لغة تفخيم اللام يرده أن ذلك لم يصنع في غيرها من اللامات المفخمة.

ومصدر صلَّى قياسه التصلية وهو قليل الورود في كلامهم.

وزعم الجوهري أنه لا يقال صلَّى تصلية وتبعه الفيروزابادي، والحق أنه ورد بقلة في نقل ثعلب في «أماليه».

وقد نقلت الصلاة في لسان الشرع إلى الخضوع بهيأة مخصوصة ودعاء مخصوص وقراءة وعدد.

والقول بأن أصلها في اللغة الهيئة في الدعاء والخضوع هو أقرب إلى المعنى الشرعي وأوفق بقول القاضي أبي بكر ومن تابعه بنفي الحقيقة الشرعية، وأن الشرع لم يستعمل لفظاً إلا في حقيقته اللغوية بضميمة شروط لا يقبل إلا بها.

وقالت المعتزلة الحقائق الشرعية موضوعة بوضع جديد وليست حقائق لغوية ولا مجازات.

وقال صاحب «الكشاف»: الحقائق الشرعية مجازات لغوية اشتهرت في معان.

والحق أن هاته الأقوال ترجع إلى أقسام موجودة في الحقائق الشرعية.

﴿ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ ﴾ .

صلة ثالثة في وصف المتقين مما يحقق معنى التقوى وصدق الإيمان من بذل عزيز على النفس في مرضاة الله؛ لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجاً إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الأعمال، من ذلك التزام آثاره في الغيبة الدالة عليه: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ ومن ذلك ملازمة فعل الصلوات لأنها دليل على تذكر المؤمن من آمن به.

ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالاً لأمر الله بذلك.

والرزق ما يناله الإنسان من موجودات هذا العالم التي يسد بها ضروراته وحاجاته وَينال بها مُلائَمه، فيطلق على كل ما يحصل به سد الحاجة في الحياة من الأطعمة والأنعام والحيوان والشجر المثمر والثياب وما يقتني به ذلك من النقدين، قال تعالى: ﴿ وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ﴾ [النساء: 8] أي مما تركه الميت وقال: ﴿ الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا ﴾ [الرعد: 26] وقال في قصة قارون: ﴿ وآتيناه من الكنوز إلى قوله ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ [القصص: 76 82] مراداً بالرزق كنوزُ قارون وقال: ﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبَغوا في الأرض ﴾ [الشورى: 27] واشْهَرُ استعماله بحسب ما رأيتُ من كلام العرب وموارد القرآن أنه ما يحصل من ذلك للإنسان، وأما إطلاقه على ما يتناوله الحيوان من المرعى والماء فهو على المجاز، كما في قوله تعالى: ﴿ وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ﴾ [هود: 6] وقوله: ﴿ وجد عندها رزقاً ﴾ [آل عمران: 37] وقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ [يوسف: 37].

والرزق شرعاً عند أهل السنة كالرزق لغة إذ الأصل عدمُ النقل إلا لدليل، فيصدق اسم الرزق على الحلال والحرام لأن صفة الحل والحرمة غير مُلتفت إليها هنا فبيان الحلال من الحرام له مواقع أخرى ولا يقبل الله إلا طيباً وذلك يختلف باختلاف أحوال التشريع مثل الخمر والتجارة فيها قبل تحريمها، بل المقصود أنهم ينفقون مما في أيديهم.

وخالفت المعتزلة في ذلك في جملة فروع مسألة خلْق المفاسد والشرور وتقديرهما، ومسألة الرزق من المسائل التي جرت فيها المناظرة بين الأشاعرة والمعتزلة كمسألة الآجال، ومسألة السعر، وتمسك المعتزلة في مسألة الرزق بأدلة لا تنتج المطلوب.

والإنفاق إعطاء الرزق فيما يعود بالمنفعة على النفس والأهل والعيال ومن يُرغب في صلته أو التقرب لله بالنفع له من طعام أو لباس.

وأريد به هنا بثه في نفع الفقراء وأهل الحاجة وتسديد نوائب المسلمين بقرينة المدح واقترانه بالإيمان والصلاة فلا شك أنه هنا خصلة من خصال الإيمان الكامل، وما هي إلا الإنفاق في سبيل الخير والمصالح العامة إذ لا يمدح أحد بإنفاقه على نفسه وعياله إذ ذلك مما تدعو إليه الجبلة فلا يعتني الدين بالتحريض عليه؛ فمن الإنفاق ما هو واجب وهو حق على صاحب الرزق، للقرابة وللمحاويج من الأمة ونوائب الأمة كتجهيز الجيوش والزكاة، وبعضه محدد وبعضه تفرضه المصلحة الشرعية الضرورية أو الحاجية وذلك مفصل في تضاعيف الأحكام الشرعية في كتب الفقه، ومن الإنفاق تطوع وهو ما فيه نفع من دَعَا الدينُ إلى نفعه.

وفي إسناده فعل (رزقنا) إلى ضمير الله تعالى وجعْل مفعوله ضميرَ ﴿ الذين يؤمنون ﴾ تنبيه على أن ما يصير الرزق بسببه رزقاً لصاحبه هو حق خاص له خَوَّله اللَّهُ إياه بحكم الشريعة على حسب الأسباب والوسائل التي يتقرر بها ملك الناس للأموال والأرزاق، وهو الوسائل المعتبرة في الشريعة التي اقتضت استحقاق أصحابها واستئثارهم بها بسبب الجُهد مما عمله المرء بقوة بدنه التي لا مريَة في أنها حقه مثلُ انتزاع الماء واحتطاب الحطب والصيد وجنْي الثمار والتقاطِ ما لا مِلْك لأحدٍ عليه ولا هو كائنٌ في ملك أحد، ومثلُ خدمتِه بقوته من حَمل ثقل ومَشي لقضاء شؤون من يؤجره وانحباس للحراسة، أو كان مما يصنع أشياء من مواد يَملكها وله حق الانتفاع بها كالخَبْز والنسج والتَّجْر وتطريق الحديد وتركيب الأطعمة وتصوير الآنية من طين الفخار، أو كان مما أنتجه مثل الغرس والزرع والتوليد، أو مما ابتكره بعقله مثل التعليم والاختراع والتأليف والطب والمحاماة والقضاء ونحو ذلك من الوظائف والأعمال التي لنفع العامة أو الخاصة، أو مما أعطاه إياه مالِكُ رزققٍ مِن هبات وهدايا ووصايا، أو أذِن بالتصرف كإحياءِ الموات، أو كان مما ناله بالتعارض كالبيوع والإجارات والأكرية والشركات والمغارسة، أو مما صار إليه من مال انعدم صاحبه بكونِه أحقَّ الناس به كالإرث.

وتملك اللُّقطة بعد التعريف المشروط، وحق الخمس في الركاز.

فهذه وأمثالها مما شمله قول الله تعالى: ﴿ مما رزقناهم ﴾ .

وليس لأحد ولا لمجموع الناس حق فيما جعله الله رزق الواحد منهم لأنه لا حق لأحد في مال لم يسْع لاكتسابه بوسائله وقد جاءت هند بنت عقبة زوج أبي سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: «إن أبا سفيان رجل مِسِّيكٌ فهل أنفق من الذي له عيالَنا فقال لها: «لاَ إلا بالمعروف» أي إلا ما هو معروف أنه تتصرف فيه الزوجة مما في بيتها مما وضعه الزوج في بيته لذلك دون مسارقة ولا خلسة.

وتقديم المجرور المعموللِ على عامله وهو ﴿ ينفقون ﴾ لمجرد الاهتمام بالرزق في عرف الناس فيكون في التقديم إيذان بأنهم ينفقون مع ما للرزق من المعزَّة على النفس كقوله تعالى: ﴿ ويطعمون الطعام على حبه ﴾ [الإنسان: 8]، مع رعي فواصل الآيات على حَرف النون، وفي الإتيان بِمنْ التي هي للتبعيض إيماء إلى كون الإنفاق المطلوب شرعاً هو إنفاق بعض المال لأن الشريعة لم تكلف الناس حرجاً، وهذا البعض يقل ويتوفر بحسب أحوال المنفقين.

فالواجب منه ما قَدرت الشريعة نُصُبَه ومقاديره من الزكاة وإنفاققِ الأزواج والأبناءِ والعبيدِ، وما زاد على الواجب لا ينضبط تحديده وما زاد فهو خير، ولم يشرع الإسلامُ وجوب تسليم المسلم ما ارتزقه واكتسبه إلى يد غيره.

وإنما اختير ذكر هذه الصفات لهم دون غيرها لأنها أول ما شرع من الإسلام فكانت شعارَ المسلمين وهي الإيمان الكامل وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فإنهما أقدم المشروعات وهما أختان في كثير من آيات القرآن، ولأن هذه الصفات هي دلائل إخلاص الإيمان لأن الإيمان في حال الغيبة عن المؤمنين وحال خُوَيصَّة النفس أدل على اليقين والإخلاص حين ينتفي الخوف والطمع إن كان المراد ما غاب.

أو لأن الإيمان بما لا يصل إليه الحس أدل دليل على قوة اليقين حتى إِنه يَتبقَى من الشارع ما لا قبل للرأي فيه وشأن النفوس أن تنبو عن الإيمان به لأنها تميل إلى المحسوس فالإيمان به على علاته دليل قوة اليقين بالمخبر وهو الرسول إن كان المراد من الغيب ما قابل الشهادة، ولأن الصلاة كلفة بدنية في أوقات لا يتذكرها مقيمها أي مُحسن أدائها إلا الذي امتلأ قلبه بذكر الله تعالى على ما فيها من الخضوع وإظهار العبودية، ولأن الزكاة أداء المال وقد عُلم شح النفوس قال تعالى: ﴿ وإذا مسه الخير منوعاً ﴾ [المعارج: 21] ولأن المؤمنين بعد الشرك كانوا محرومين منها في حال الشرك بخلاف أهل الكتاب فكان لذكرها تذكير بنعمة الإسلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُصَدِّقُونَ بِالغَيْبِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَخْشَوْنَ بِالغَيْبِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

وَفي أصْلِ الإيمانِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّ أصْلَهُ التَّصْدِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ﴾ أيْ بِمُصَدِّقٍ لَنا.

والثّانِي: أنَّ أصْلَهُ الأمانُ فالمُؤْمِنُ يُؤْمِنُ نَفْسَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ، واللَّهُ المُؤْمِنُ لِأوْلِيائِهِ مِن عِقابِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ أصْلَهُ الطُّمَأْنِينَةُ، فَقِيلَ لِلْمُصَدِّقِ بِالخَبَرِ مُؤْمِنٌ، لِأنَّهُ مُطْمَئِنٌ.

وَفي الإيمانِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الإيمانَ اجْتِنابُ الكَبائِرِ.

والثّانِي: أنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنَ الفَرائِضِ إيمانٌ.

والثّالِثُ: أنَّ كُلَّ طاعَةٍ إيمانٌ.

وَفي الغَيْبِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ القُرْآنُ، وهو قَوْلُ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ.

والثّالِثُ: الإيمانُ بِالجَنَّةِ والنّارِ والبَعْثِ والنُّشُورِ.

﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُؤَدُّونَها بِفُرُوضِها.

والثّانِي: أنَّهُ إتْمامُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتِّلاوَةِ والخُشُوعِ فِيها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

واخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَ فِعْلُ الصَّلاةِ عَلى هَذا الوَجْهِ إقامَةً لَها، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: مِن تَقْوِيمِ الشَّيْءِ مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ إذا أحْكَمَهُ وحافَظَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: أنَّهُ فِعْلُ الصَّلاةِ سُمِّيَ إقامَةً لَها، لِما فِيها مِنَ القِيامِ فَلِذَلِكَ قِيلَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: إيتاءُ الزَّكاةِ احْتِسابًا لَها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلى أهْلِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: التَّطَوُّعُ بِالنَّفَقَةِ فِيما قُرِّبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ: وأصْلُ الإنْفاقِ الإخْراجُ، ومِنهُ قِيلَ: نَفَقَتِ الدّابَّةُ إذا خَرَجَتْ رُوحُها.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ، فِيمَن نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ فِيهِ، عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي العَرَبِ دُونَ غَيْرِهِمْ، لِأنَّهُ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها مَعَ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ مِن بَعْدِ أرْبَعِ آياتٍ نَزَلَتْ في مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّهُ ذَكَرَهم في بَعْضِها.

والثّالِثُ: أنَّ الآياتِ الأرْبَعَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، نَزَلَتْ في جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (نَزَلَتْ أرْبَعُ آياتٍ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ في نَعْتِ المُؤْمِنِينَ، وآيَتانِ في نَعْتِ الكافِرِينَ، وثَلاثَ عَشْرَةَ في المُنافِقِينَ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج جرير عن قتادة ﴿ هدى للمتقين ﴾ قال: نعتهم ووصفهم بقوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ الآية.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين يؤمنون ﴾ قال: يصدقون ﴿ بالغيب ﴾ قال: بما جاء منه، يعني من الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: هم المؤمنون من العرب قال: و ﴿ الإِيمان ﴾ التصديق و ﴿ الغيب ﴾ ما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وما ذكر الله في القرآن لم يكن تصديقهم بذلك من قبل أصحاب الكتاب، أو علم كان عندهم ﴿ يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ هم المؤمنون من أهل الكتاب، ثم جمع الفريقين فقال: ﴿ أولئك على هدى ﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: بالله وملائكته، ورسله، واليوم الآخر، وجنته وناره، ولقائه، والحياة بعد الموت.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: آمنوا بالبعث بعد الموت، والحساب، والجنة والنار، وصدقوا بموعود الله الذي وعد في هذا القرآن.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ قال: ما غاب عنهم أمر الجنة والنار قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم أما سمعت أبا سفيان بن الحرث يقول: وبالغيب آمنا وقد كان قومنا ** يصلون للأوثان قبل محمد وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة الصحابة عن تويلة بنت أسلم قالت: «صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة، فاستقبلنا مسجد ايلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استقبل البيت الحرام، فتحوّل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين، ونحن مستقبلو البيت الحرام.

فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فقال» أولئك قوم آمنوا بالغيب «» .

وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وأحمد بن منيع في مسنده وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والحاكم وصححه وابن مردويه عن الحرث بن قيس أنه قال لابن مسعود: عند الله يحتسب ما سبقتمونا به يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقال ابن مسعود: عند الله يحتسب إيمانكم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولم تروه!

إن أمر محمد كان بيِّناً لمن رآه.

والذي لا إله غيره.

من آمن أحد أفضل من إيمان بغيب.

ثم قرأ ﴿ الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾ [ البقرة: 12] إلى قوله: ﴿ المفلحون ﴾ [ البقرة: 5] .

وأخرج البزار وأبو يعلي والمرهبي في فضل العلم والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «انبئوني بأفضل أهل الإِيمان إيماناً؟

قالوا: يا رسول الله الملائكة...؟

قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا: يا رسول الله الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالاته والنّبوة!

قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا: يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء...

!

قال: هم كذلك، ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة مع الأنبياء.

بل غيرهم قالوا: فمن يا رسول الله؟!

قال: أقوام في أصلاب الرجال، يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني، يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً» .

وأخرج الحسن بن عروة في حزبه المشهور والبيهقي في الدلائل والأصبهاني في الترغيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الخلق أعجب إليكم إيماناً؟

قالوا: الملائكة...

قال: وما لهم لا يؤمنون، وهم عند ربهم.

قالوا: فالأنبياء...

قال: فما لهم لا يؤمنون، والوحي ينزل عليهم.

قالوا: فنحن...

قال: وما لكم لا تؤمنون وأنا بين أظهركم، ألا إن أعجب الخلق إلي إيماناً، لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيه» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقال: «ما من ماء ما من ماء؟

قالوا: لا.

قال: فهل من شن؟

فجاؤوا بالشن، فوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضع يده عليه ثم فرق أصابعه، فنبع الماء مثل عصا موسى من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بلال اهتف بالناس بالوضوء، فأقبلوا يتوضأون من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت همة ابن مسعود الشرب، فلما توضأوا صلى بهم الصبح، ثم قعد للناس فقال: يا أيها الناس من أعجب الخلق إيماناً؟

قالوا: الملائكة.

قال: وكيف لا تؤمن الملائكة وهم يعاينون الأمر!

قالوا: فالنبيون يا رسول الله.

قال: وكيف لا يؤمن النبيون والوحي ينزل عليهم من السماء!

قالوا: فأصحابك يا رسول الله فقال: وكيف لا تؤمن أصحابي وهم يرون ما يرون، ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون بعدي يؤمنون بي ولم يروني، ويصدقوني ولم يروني أولئك اخواني» .

وأخرج الإسماعيلي في معجمه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي شيء أعجب إيماناً؟

قيل: الملائكة...

فقال كيف وهم في السماء يرون من الله ما لا ترون!

قيل: فالأنبياء...

قال: كيف وهم يأتيهم الوحي؟

قالوا: فنحن...

قال: كيف وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله!

ولكن قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، أولئك أعجب إيماناً، وأولئك إخواني، وأنتم أصحابي» .

وأخرج البزار عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي الخلق أعجب إيماناً؟

قالوا الملائكة..

قال: الملائكة...

كيف لا يؤمنون؟

قالوا: النبيون...

قال: النبيون يوحى إليهم فكيف لا يؤمنون؟

ولكن أعجب الناس إيماناً، قوم يجيئون من بعدكم، فيجدون كتاباً من الوحي، فيؤمنون به ويتبعونه.

فهؤلاء أعجب الناس إيماناً» .

وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا ليتني قد لقيت إخواني؟

قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك وأصحابك: قال: بلى.

ولكن قوماً يجيئون من بعدكم، يؤمنون بي إيمانكم، ويصدقوني تصديقكم، وينصروني نصركم.

فيا ليتني قد لقيت إخواني» .

وأخرج ابن عساكر في الأربعين السباعية من طريق أبي هدبة وهو كذاب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليتني قد لقيت إخواني؟

فقال له رجل من أصحابه: أولسنا إخوانك؟

قال: بلى أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون من بعدي، يؤمنون بي ولم يروني، ثم قرأ ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ﴾ » .

وأخرج أحمد والدارمي والباوردي وابن قانع معاً في معجم الصحابة والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي جمعة الأنصاري قال: «قلنا يا رسول الله هل من قوم أعظم من أجراً؟

آمنا بك، واتبعناك.

قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، يأتيكم الوحي من السماء!

بل قوم يأتون من بعدي، يأتيهم كتاب بين لوحين، فيؤمنون به، ويعملون بما فيه، أولئك أعظم أجراً» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي عمر وأحمد والحاكم عن أبي عبد الرحمن الجهني قال: «بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع راكبان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كنديان، أو مذحجيان، حتى أتيا فإذا رجلان من مذحج فدنا أحدهما ليبايعه، فلما أخذ بيده قال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك واتبعك وصدقك، فماذا له؟

قال: طوبى له، فمسح على يده وانصرف.

ثم جاء الآخر حتى أخذ على يده ليبايعه فقال: يا رسول الله أرأيت من آمن بك وصدقك واتبعك ولم يرك؟

قال: طوبى له.

ثم مسح على يده وانصرف» .

وأخرج الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يراني سبع مرات» .

وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «أن رجلاً قال: يارسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك.

قال: طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني» .

وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد عن نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: يا أبا عبد الرحمن رأيتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعينكم هذه؟

قال: نعم قال: طوبى لكم.

فقال ابن عمر: ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال: بلى.

قال: سمعته يقول: «قال طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ثلاث مرات» .

وأخرج أحمد وأبو يعلي والطبراني عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات» .

وأخرج الحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «أن ناساً من أمتي يأتون بعدي، يودّ أحدهم لو اشترى رؤيتي بأهله وماله» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن إسحاق عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ قال: الصلوات الخمس ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: زكاة أموالهم.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ قال: يقيمونها بفروضها ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: يؤدّون الزكاة احتساباً لها.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إقامة الصلاة إتمام الركوع، والسجود، والتلاوة، والخشوع، والإِقبال، عليها فيها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ يقيمون الصلاة ﴾ قال: إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها، ووضوئها، وركوعها، وسجودها ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: انفقوا في فرائض الله التي افترض الله عليهم، في طاعته وسبيله.

وأخرج ابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: إنما يعني الزكاة خصة، دون سائر النفقات.

لا يذكر الصلاة إلا ذكر معها الزكاة، فإذا لم يسم الزكاة قال في أثر ذكر الصلاة ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: هي نفقة الرجل على أهله.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ قال: كانت النفقات قرباناً يتقربون بها إلى الله على قدر ميسورهم وجهدهم، حتى نزلت فرائض الصدقات في سورة براءة.

هن الناسخات المبينات.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قال الزجاج (١) ﴿ الَّذِين ﴾ جر، تبعا ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، ويجوز أن يكون موضعه (٢) ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ، قيل: من هم؟

فقيك: هم ﴿ الَّذِينَ ﴾ ، ويجوز أن يكون موضعه نصبا على المدح، كأنه قيل: أذكر (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ يُؤمِنوُنَ ﴾ قال الأزهري: اتفق العلماء أن (الإيمان) معناه: التصديق، كقوله (٥) ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا  ﴾ .

أي: بمصدق.

ومعنى التصديق: هو اعتقاد السامع صدق (٦) (٧) وآمنت فلانا، إذا جعلته يطمئن وتسكن نفسه.

وآمن بالله ورسوله إذا صدقهما واثقا (٨) قال الأزهري: وإنما قلت: إن المؤمن معناه: المصدق، لأن الإيمان مآخوذ من الأمانة، والله يتولى علم السرائر ونية العقد (٩) (١٠) (١١) وإنما قيل للمصدق: مؤمن، وقد آمن؛ لأنه دخل في أداء الأمانة التي ائتمنه الله عليها (١٢) وأنشد ابن الأنباري على أن (آمن) معناه: صدّق (١٣) وَمِنْ قَبْلُ آمنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمُنَا ...

يُصلُون للأوْثَانِ قَبْلُ مُحَمَّدَا (١٤) معناه: من قبل آمنا محمدا، [أي صدقنا محمدا] (١٥) (١٦) قال أبو علي الفارسي (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) والقول في معنى الإيمان: ما قاله الأزهري (٢١) على أن أبا القاسم الزجاجي شرح معنى الإيمان بما هو أظهر مما ذكره الأزهري، وهو أنه قال (٢٢) (٢٣) (٢٤) وذلك أن (آمن) أَفْعَل، من (أَمِنَ)، والواحد إذا قال: آمنت بالله.

[فإن (آمنت) فعل متعد، ومعناه: آمنت نفسي، أي: جعلتها في أمان الله بتصديقي (٢٥) (٢٦) (٢٧) و (الباء) في قولك: (آمنت بالله)] (٢٨) (٢٩) (٣٠) كذلك وقع إيمان النفس من العذاب بتصديق الله، وحذف المفعول من قولهم: (آمنت بالله) لدلالة المعنى عليه، كقولهم: حمل فلان على العدو، أي: سلاحه أو نفسه، هذا هو الأصل في الإيمان، ثم جعل الإيمان بمعنى التصديق في قوله: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا  ﴾ أي: بمصدق (٣١) وأما الفرق بين الإيمان والإسلام فسنذكره عند قوله: ﴿ قُل لم تُؤمِنُواْ وَلَكن قُولُوا أسلمَنَا ﴾ (٣٢) وسمي أحدهما (٣٣) (٣٤) وفي بعض القراءات ﴿ اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً  ﴾ بكسر الألف (٣٥) (٣٦) وفي قوله ﴿ يُؤمِنُونَ ﴾ قراءتان، تحقيق الهمزة وتليينها (٣٧) فمن حقق، فحجته (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) فمن حقق (٤٩) ﴿ يؤمنون ﴾ فلأنه إنما ترك (الهمز) من (أومن) لاجتماع الهمزتين، كما أن تركها في (آمن) كذلك (٥٠) (٥١) (٥٢) ومما (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) يدل (٥٧) (٥٨) (٥٩) وتقدير ذلك: أن الحركة لما كانت تلي الواو من (مؤسى) (٦٠) وإذا جاز إبدال (الهمزة) من (الواو الساكنة) التي قبلها ضمة، واجتلابها وإن لم تكن من الكلمة، فالهمزة التي هي أصل في الكلمة أولى بالتحقيق، وأن لا يبدل منها الواو.

وحجة من لم يهمز (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) ﴿ يؤمنون ﴾ ، ليتبع قولهم ﴿ يؤمنون ﴾ في الإعلال المثالين الآخرين (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) وأيضًا فإن (٧٢) (٧٣) (٧٤) وقوله تعالى: ﴿ بِالْغَيْبِ ﴾ (٧٥) (٧٦) (٧٧) ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ (٧٨) (٧٩) (٨٠) ومه قول لبيد: وَتَسمَّعَت رِزَّ الأَنِيس فرَاعَها ...

عَن ظَهْرِ (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) وللفؤاد وجيب تحت أبهره ...

لدم (٨٥) (٨٦) وقال أبو زيد: يقال: بدا غَيَّبَان العود، إذا بدت عروقه التي تغيبت في الأرض لحفر السيل (٨٧) والمراد بالغيب المذكور هاهنا: ما غاب علمه (٨٨) (٨٩) (٩٠) ولذلك (٩١) (٩٢)  من أمر الجنة والنار والوعد وغير ذلك (٩٣) قال أبو العالية في قوله: ﴿ يُؤمِنوُنَ بِالغيَب ﴾ قال: يؤمنون بالله (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) وكأن هذا إجمال ما فصل في قوله: ﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ  ﴾ وقال عطاء (٩٨) (٩٩) وكذلك روى أبو العباس عن ابن الأعرابي (١٠٠) ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ﴾ قال (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) قال أبو إسحاق: وكل ما غاب عنهم مما أخبرهم به النبي  فهو غيب.

(١٠٤) ولأهل المعاني فيه طريق آخر (١٠٥) (١٠٦) ﴿ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ  ﴾ ، ويقوي هذا الوجه قوله: ﴿ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ من خشي الرحمن بالغيب  ﴾ ، والجار والمجرور هاهنا في موضع (الحال)، أي: يؤمنون غائبين عن مراءاة الناس، لا يريدون بإيمانهم تصنعا لأحد.

وقوله تعالى: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾ : أي: يديمونها (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) إنِّي إذَا لم يُنْدِ حَلْقاً رِيقُه ...

وَرَكَدَ السَّبُّ فَقَامَتْ سُوقُهْ (١١٠) والراكد: الدائم الثابت (١١١) ومن هذا يقال: أقام القوم سوقهم إذا أداموها وواظبوا (١١٢) (١١٣) قال أبو علي الفارسي: وهذا التفسير أشبه من أن يفسر بـ (يتمونها) (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) قال الأعشى: عَلَيْكِ مثل الذي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضي ...

نَومًا (١١٨) (١١٩) وقال أبو العباس في قوله: وصَلَّى عَلى دَنِّهَا وارْتَسَمْ (١٢٠) قال: دعا لها أن لا تحمض ولا تفسد (١٢١) هذا معنى الصلاة في اللغة، ثم ضمت إليها هيئات وأركان سميت بمجموعها صلاة، هذا مذهب الأكثرين.

وقال الزجاج (١٢٢) (١٢٣) (١٢٤) ومن اختار هذه الطريقة (١٢٥) و (الصَّلَوَان) من الفرس، العظمان اللذان في العجز (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨)  : (سبق رسول الله  وصلى أبو بكر) (١٢٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمِمَّا رزَقنَهُم ﴾ .

يقال: رَزَق الله الخلق رَزْقا ورِزْقا، فالرَّزْقُ بالفتح: هو المصدر الحقيقي، والرِّزْق: الاسم، ويجوز أن يوضع موضع المصدر (١٣٠) وقوله تعالى: ﴿ يُنفِقُونَ ﴾ معنى الإنفاق في اللغة: إخراج المال من اليد.

ومن هذا يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه، فخرج عن يد البائع، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها (١٣١) (١٣٢) (١٣٣) (١٣٤) والمراد بالإنفاق هاهنا: إنفاق فيما يكون طاعة فرضا أو نفلا؛ لأن الله تعالى مدحهم بهذا الإنفاق (١٣٥) (١) "معاني القرآن" 1/ 33.

(٢) في "معاني القرآن" (موضعهم) قال المحقق: وهو ناظر فيه إلى معنى الكلمة 1/ 33.

(٣) في (ب): (اذكروا) مكررة.

(٤) انتهى من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 33، 34، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 131، "الإملاء" للعكبري 1/ 11.

(٥) في "تهذيب اللغة": (اتفق العلياء من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه: التصديق، وقال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ﴾ "تهذيب اللغة" (أمن) 1/ 210.

وقد اعترض بعض العلماء على دعوى الإجماع على أن الإيمان معناه في اللغة التصديق.

قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية": (وقد اعترض على استدلالهم بأن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، بمنع الترادف بين التصديق والإيمان، وهب أنه يصح في موضع فلم قلتم إنه يوجب الترادف مطلقا؟) "شرح الطحاوية" ص 321.

وقال ابن تيمية في معرض رده على من ادعى إجماع أهل اللغة على أن الإيمان معناه التصديق، قال: (...

قوله إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان قبل نزول القرآن هو التصديق، فيقال له: من نقل هذا الإجماع ومن أين يعلم هذا الإجماع؟

وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟

...) ثم ذكر وجوها كثيرة في رد هذِه الدعوى.

انظر كتاب الإيمان ضمن "مجموع الفتاوى" 7/ 123 - 130.

وعلى فرض أن معنى الإيمان في اللغة (التصديق) فإن الشارع استعمله في معنى اصطلاحي خاص، كما استعمل الصلاة والزكاة في معان شرعية خاصة زائدة على المعنى اللغوي.

انظر.

"مجموع الفتاوى" 7/ 298.

(٦) في (ب): (مع صدق).

(٧) في (ب): (وزوال).

(٨) في (ب): (واقي).

(٩) في (ب): (العبد).

(١٠) في (ب): (عن).

(١١) في (ب): (فقد).

(١٢) نقل كلام الأزهري بمعناه، انظر "التهذيب" (أمن) 1/ 211.

(١٣) "تهذيب اللغة" (أمن) 1/ 211، وانظر "الزاهر" 1/ 203.

(١٤) البيت أنشده ابن الأنباري في "الزاهر" بدون عزو 1/ 203، وكذلك الأزهري في "التهذيب"، (أمن) 1/ 212، "اللسان" (أمن) 1/ 142.

(١٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) و (ج).

(١٦) انظر كلام ابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 202، 203.

(١٧) "الحجة" 1/ 220.

(١٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب) وفي (ج) (ذا أمر).

(١٩) في "الحجة": (أجرب، وأقطف، وأعاه) 1/ 220.

(٢٠) انتهى ما نقله عن "الحجة" لأبي علي 1/ 220، وانظر بقية كلام أبي علي ص 226 حيث أفاد أن الإيمان بمعنى التصديق ليس على إطلاقه في كل موضع.

(٢١) أي بمعنى التصديق، فإن أراد المعنى اللغوي، فقد سبق ذكر اعتراض بعض العلماء عليه، وإن أراد المعنى اللغوي والشرعي فهذا مردود، فإن معنى الإيمان عند السلف: تصديق القلب ونطق (اللسان)، وعمل الجوارح.

ولو قلنا: إن الإيمان في اللغة التصديق، فإن الشارع استعمله في معنى أوسع من ذلك، كما استعمل الصلاة والزكاة وغيرها من المصطلحات الشرعية التي نقلت من معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص، أو أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة.

انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" ص314 - 332، "مجموع الفتاوى" 7/ 170، 287، 298.

(٢٢) لم أجده فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي والله أعلم.

(٢٣) في (ب): (موضع).

(٢٤) إذا حقيقة الإيمان في أصلها ليست للتصديق فقط، وإن كان التصديق أحد معانيها، == كما ذكر: أنك إذا صدقت إنسانا فيما يخبرك به لا تقول: آمنت، وبهذا استدل من قال.

إن الإيمان والتصديق ليسا مترادفين على الإطلاق.

قال شارح الطحاوية: (ومما يدل على عدم الترادف، أنه يقال للمُخْبَر إذا صدَّق: صدقه، ولا يقال: آمنه، ولا آمن به، بل يقال: آمن له، كما قال تعالى: ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ  ﴾ .

﴿ فَمَآءَامَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِيَّهُ مِّن قَومِهِ عَلىَ خَوْفٍ  ﴾ .

وقال تعالى: ﴿ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ففرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالأول يقال للمُخْبَر به، والثاني للمُخْبِر ..) "شرح الطحاوية" ص321، وانظر: "مجموع الفتاوى" 7/ 290.

(٢٥) في (ب): (تصديقي).

(٢٦) في (ب).

(آمن من نفسه).

(٢٧) في (ب): (الآخر).

(٢٨) ما بين المعقوفين مكرر في (ب).

(٢٩) في (ب): (يسموها).

(٣٠) سماها شارح الطحاوية باء التعدية، لكن هناك فرق بين المعدى بالباء والمعدى باللام، فالمعدى بالباء للمخبر به، وباللام للمخبر.

انظر: "شرح الطحاوية" ص 321، "مجموع الفتاوى" 7/ 288.

(٣١) قال الفارسي: (وأما قوله: ﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ﴾ فليس المعنى على: ما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين عندك؛ لأن الأنبياء لا تكذب الصادقين، ولكن المعنى: ما أنت واثقا، ولا غير خائف الكذب في قولنا ...

فمؤمن هنا من آمن، أي صار ذا أمن أو صار ذا ثقة ...).

"الحجة" 1/ 226، 227، ونحو هذا قال ابن تيمية في الآية، إنها بمعنى: أي بمقر لنا ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب ...).

"الإيمان الأوسط" ص 71.

(٣٢) في (ب): ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ .

(٣٣) أي: الإيمان والإسلام.

(٣٤) ذكره أبو علىِ الفارسي، انظر: "الحجة" 1/ 220.

قال ابن كثير -رادا على من قال ذلك- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فأَخرَجنا مَن كاَنَ فِيهَا مِنَ المُؤمنِينَ (35) فما وَجدنَا﴾ الآية قال: (احتج بهذِه من ذهب إلى رأي المعتزلة ممن لا يفرق بين مسمى الإيمان والإسلام، لأنه أطلق عليهم المؤمنين والمسلمين، وهذا الاستدلال ضعيف، لأن هؤلاء كانوا قوما مؤمنين، وعندنا أن كل مؤمن مسلم، ولا ينعكس، فاتفق الإسمان هاهنا لخصوصية الحال، ولا يلزم ذلك في كل حال)، "ابن كثير" 4/ 2498.

ط.

دار الفكر.

(٣٥) قراءة الجمهور بالفتح، وبالكسر قراءة الحسن.

انظر: "المحتسب" 2/ 315، 322، "البحر" 8/ 271، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 72.

(٣٦) في (ب): (اللسان).

انظر: "الحجة" 1/ 222.

(٣٧) قرأ ورش عن نافع، وأبو عمرو (يومنون) بغير همز، وبقية السبعة يهمزون.

انظر "الحجة" لأبي علي1/ 214، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 84.

(٣٨) نقله عن "الحجة" لأبي علي، قال في "الحجة": (الإعراب: لا تخلو الألف في (آمن) من أن تكون زائدة، أو منقلبة، وليس في القسمة أن تكون أصلا.

فلا يجوز أن تكون زائدة لأنها ...) 1/ 235.

(٣٩) في (ب): (ولا يجوز).

(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).

(٤١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤٢) في (ب): (وإذا).

(٤٣) في (ج): (ووأس).

(٤٤) بنصه في "الحجة" 1/ 235، وانظر "الكتاب" 3/ 543.

(٤٥) في جميع النسخ (ااتى) ورسمتها حسب ما في "الحجة" 1/ 235.

(٤٦) الآدر: وهو المنتفخ الخصية.

انظر: "اللسان" (أدر) 1/ 44.

(٤٧) (ائذن) مكانها بياض في (ب).

(٤٨) انظر بقية كلام أبي علي في "الحجة" 1/ 236، وما بعده نقله من موضع آخر 1/ 238 حيث قال أبو علي: (أما حجة من قرأ (يؤمنون) بتحقيق الهمز، فلأنه إنما ترك الهمز في (أومن) لاجتماع الهمزتين ...)، 1/ 238، 239.

(٤٩) في (ج): (خفف).

(٥٠) في (أ)، (ج): (لذلك) واخترت ما في ب، لأنه أصح وموافق ما في "الحجة" 1/ 238.

(٥١) في (ب): (سرى).

(٥٢) في (ب): (ورد).

(٥٣) في (ب): (وما).

(٥٤) في (ج): (أن الهمزة أن من تركها).

(٥٥) في (ب): (واو).

(٥٦) في (ب): (قبلها).

(٥٧) في (ب): (نيل).

(٥٨) في "الحجة": (قال محمد بن يزيد: أخبرني أبو عثمان، قال: أخبرني الأخفش قال: كان أبو حية النميري يهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة وينشد: لَحُبَّ المُؤقِدَانِ إلى مُؤْسَى وتقدير ذلك أن الحركة ...

إلخ) 1/ 239.

(٥٩) (موسى) غير مهموزة في جميع النسخ، وهمزتها كما في "الحجة" 1/ 139.

(٦٠) انظر التعليق السابق.

(٦١) "الحجة" 1/ 240.

(٦٢) في "الحجة" (فالماضي نحو: ..) 1/ 240.

(٦٣) في "الحجة" (يلزمها) 1/ 240.

(٦٤) في (ب): (يلزم).

(٦٥) أصل (أُكْرِم) (أُؤكْرِمُ) مضارع (أَكْرَمَ)، ثم حذفت الهمزة في (أُؤَكْرِم) لاجتماع الهمزتين، ثم حملت الياء في (يُكرم) على الهمزة في (أكرم) فحذفت الهمزة معه مثل حذفها مع (أُكْرِم) ليتفق الباب.

انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 385.

(٦٦) لأن الواو في (يَعِد) حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة، وحملت الهمزة في (أعد) على ذلك، وحذفت الواو معها حتى لا يختلف الباب.

انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 385.

(٦٧) في (ج): (تختاريتك).

(٦٨) أي الإعلال في الماضي نحو (آمن)، والمضارع (أُومِنُ).

(٦٩) أي أن حذف الهمزة في (يؤمنون) إعلال لا تخفيف قياسي.

والتخفيف القياسي ما ذكره سيبويه بقوله: (وإن كان ما قبلها مضموماً -أي الهمزة- فأردت أن تخفف، أبدلت مكانها واوا، وذلك قولك في (الجؤنة) و (البؤس) و (المؤمن): الجونة والبوس والمومن) "الكتاب" 3/ 543.

(٧٠) في (ب): (جونة).

و (الجؤنة): سليلة مستديرة مغشاة بجلد، يستعملها العطار ظرفا للطيب.

انظر: "تهذيب اللغة" (جون) 1/ 6893.

(٧١) إلى هنا انتهى ما نقله الواحدي عن "الحجة" 1/ 240.

(٧٢) في (ب) سقط وتصحيف فالنص فيها: (وأيضًا، قال في حرف المضارعة انقلب ذلك الألف صادق حرفاً).

(٧٣) (الواو) ساقطة من (ب).

(٧٤) في (ب): (للهمز).

(٧٥) في (ب): (الغيب) تصحيف.

(٧٦) في (ب): (وكلما) (٧٧) انظر: " تفسير الطبري" 1/ 102، و"ابن عطية" 1/ 146، و"تفسير القرطبي" 1/ 142.

(٧٨) هذا جزء من آية وردت في مواضع وهي: 73 من الأنعام، و 94 و 105 من التوبة و 9 من الرعد، و 92 من المؤمنون، و 6 من السجدة و 46 من الزمر، و 22 من الحشر، و 8 من الجمعة، و 18 من التغابن.

(٧٩) (تسمى) ساقط من (ج).

(٨٠) "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616.

(٨١) في (ج): (صهر).

(٨٢) البيت في "ديوان لبيد"، وروايتة: (وتوجست رز ..) ويروى: (..

ركز الأنيس) == وهو يصف بقر الوحش، والرز والركز: الصوت الخفي، عن ظهر غيب: من وراء حجاب، وقوله: والأنيس سقامها: لأنهم يصيدونها فهم داؤها.

انظر "شرح ديوان لبيد" ص 311، وهو في "المخصص" لابن سيده 2/ 137.

بمثل رواية الديوان، وبدل (راعها) (رابها).

وفي "البحر المحيط" 6/ 198.

(٨٣) هو شمر بن حمدويه الهروي، اللغوي الأديب، لقي أبا عبيدة، وابن الأعرابي، والأصمعي والفراء وغيرهم، ألف كتابا كبيرا في اللغة على حروف المعجم، وفقد بعده، توفي سنة خمس وخمسين ومائتين.

انظر: "إنباه الرواة" 2/ 77، "معجم الأدباء" 3/ 410، "إشارة التعيين" ص141.

(٨٤) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2621.

(٨٥) في (ب): (دم).

(٨٦) البيت لابن مقبل.

(الوجيب): تحرك القلب تحت الأبهر، و (اللدم): الضرب، و (الغيب): ما كان بينك وبينه حجاب، يقول: إن للقلب صوتا يسمعه ولا يراه، كما يسمع صوت الحجر الذي يرمى به الصبي ولا يراه.

ورد البيت في "تهذيب اللغة" (بهر) 1/ 401، "الصحاح" (بهر) 2/ 598، "معجم مقاييس اللغة" (لدم) 5/ 243، "الزاهر" 1/ 398، 552، "أساس البلاغة" (لدم) 2/ 338، و"اللسان" (بهر) 1/ 370، (لدم) 4/ 3255.

(٨٧) لم أجده في "نوادر أبي زيد"، وذكره الأزهري نحوه ولم ينسجه لأبي زيد.

"تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616.

(٨٨) في (ب): (محله).

(٨٩) قال البيضاوي: والمراد به: الخفي الذي لا يدركه الحس، ولا يقتضيه بديهة العقل 1/ 7.

(٩٠) الغيب قسمان.

قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ  ﴾ ، وقسم نص عليه دليل كوجود الخالق سبحانه، واليوم الآخر، وغير ذلك من أمور الغيب، وهو المراد هنا، أي: يستدلون عليه فيؤمنوا به.

انظر البيضاوي 1/ 7، والرازي 2/ 23.

(٩١) في (ب): (وكذلك).

(٩٢) في (ج): (يدخل).

(٩٣) انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35.

(٩٤) في (ب): (به).

(٩٥) (الواو) ساقطة من (ب).

(٩٦) في (ب): (هذا).

(٩٧) ذكره الثعلبي بسنده عن الربيع عن أبي العالية 1/ 46 أ، وأخرجه ابن جرير عن الربيع بن أنس.

قال شاكر: لعل ذكر: عن أبي العالية سقط من الإسناد من نسخ الطبري، لثبوته عند الناقلين عنه.

الطبري 1/ 237 (ط.

شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في (تفسيره) 1/ 36، وذكره ابن كثير 1/ 44، "الدر" 1/ 60.

(٩٨) هو عطاء بن أبي رباح، المكي، القرشي مولاهم، روى عن عدد من الصحابة، كان ثقة فقيهًا عالمًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة من الهجرة.

انظر ترجمته في "طبقات ابن سعد" 5/ 467، "سير أعلام النبلاء" 5/ 78، "تهذيب التهذيب" 3/ 101.

(٩٩) أخرجه ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح، قال المحقق: رجال إسناده ثقات ابنِ أبي حاتم 1/ 178 (رسالة دكتوراه).

وأخرجه الثعلبي بسنده عن عطاء قال: ﴿ الًذِين يُؤمنوُنَ بِالغيبِ ﴾ قال: هو الله عز وجل من آمن بالله فقد آمن بالغيب.

الثعلبي في 1/ 46 ب، وذكره ابن كثير 1/ 181.

(١٠٠) هو محمد بن زياد الأعرابي، مولى العباس بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، كان راوية للأشعار نحويا، كثير الحفظ، توفي سنة إحدى وثلاثين ومائتين.

انظر ترجمته في: "طبقات النحويين واللغويين" ص 195، "إنباه الرواة" 3/ 128، "نزهة الألباء" ص 119.

(١٠١) في (ب): (ملا).

(١٠٢) (قال) ساقط من (ب).

(١٠٣) "تهذيب اللغة" (غاب) 3/ 2616.

(١٠٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 35.

(١٠٥) ما ذكره قال به عدد من المفسرين، ولم أجد أحدا من أهل المعاني فيما اطلعت عليه قال به، بل كلام الزجاج السابق بخلافه وهو أحد أهل المعاني، فلا وجه لتخصيص أهل المعاني بالذكر.

(١٠٦) ذكره ابن عطية 1/ 145، والزمخشري في "الكشاف" 1/ 128، والرازي 2/ 27، وابن كثير 1/ 44، والبيضاوي 1/ 7.

(١٠٧) أنظر: "تفسير أبي الليث" قال: يقيمون الصلاة يحافظون على الصلوات، وقد قيل: معنى يقيمون أي: يديمون الصلاة، 1/ 980.

وذكره ابن الجوزي وعزاه لابن كيسان، "زاد المسير" 1/ 25.

(١٠٨) في (ب): (دام).

(١٠٩) انظر.

"التهذيب" (قام) 3/ 2864، "اللسان" (قوم) 6/ 3782.

(١١٠) أبيات من الرجز أنشدها أبو زيد في "النوادر" مع أبيات أخرى ولم يعزها، "النوادر" ص 169، وذكر ابن الأنباري في "المذكر والمؤنث" البيت الثاني (وركد السب ..

إلخ) مع بيت آخر ص355، وكذا ورد البيت الثاني في "المخصص" 17/ 21.

(١١١) في "غريب الحديث" لأبي عبيد: الدائم الراكد الساكن، 1/ 137، وانظر: "تهذيب اللغة" (دام) 2/ 1134، (الزاهر) 2/ 372.

(١١٢) في (ب): (ووضبوا).

(١١٣) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 104.

(١١٤) وبهذا أخذ الزجاج حيث قال: معناه يتمون الصلاة، كما قال: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ  ﴾ .

"المعاني" 1/ 35.

وقال ابن جرير: إقامتها.

أداؤها بحدودها وفروضها والواجب فيها، على ما فرضت عليهم 1/ 104، وانظر ابن كثير 1/ 45.

(١١٥) أنظر: الطبري 1/ 104، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049.

(١١٦) الحديث أخرجه مسلم عن أبي هريرة (14312) في كتاب النكاح، باب: الأمر بإجابة الدعوة دون قوله (إلى طعام)، وأبو داود بمثل رواية مسلم (2460) في كتاب الصوم، باب.

في الصائم يدعى إلى وليمة، وأخرج (3736) في كتاب الأطعمة، باب: ما جاء في إجابة الدعوة، نحوه عن ابن عمر.

وأخرجه الترمذي (7980) في كتاب الصيام، باب: ما جاء في إجابة الدعوة دون قوله: (فإن كان مفطرا فليطعم) في لفظه (إلى طعام)، وأحمد في "مسنده" 2/ 507، 2/ 489 دون قوله (فإن كان مفطرا فليطعم).

(١١٧) في "غريب الحديث": (قال: قوله: فليصل ...

قال أبو عبيد: كل داع فهو مصل) في الهامش: قالا: أي ابن علية ويزيد.

أنظر "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 110.

فالكلام الأول نقله أبو عبيد، والمؤلف هنا نقل من الأزهري وتابعه في نسبة النص لأبي عبيد، "التهذيب" (صلى) 2/ 2049.

(١١٨) في (ب): (يوما) وهي رواية للبيت.

(١١٩) البيت في "ديوان الأعشى" ص 106، وهو من قصيدة يمدح بها (هوذة بن علي الحنفي) ويروى: (يوما) بدل (نوما) ذكره أبو عبيدة في "المجاز"، وقال: فمن رفع (مثل) جعله.

عليك مثل الذي قلت لي ودعوت لي به، ومن نصبه جعله.

أمرا، يقول: عليك بالترحم والدعاء لي، وذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 214، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 139، وأبو بكر بن عزيز في "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 2/ 539 رسالة ماجستير، وأبو عبيد في "غريب الحديث" 1/ 111، والأزهري في "التهذيب" (صلى) 2/ 2049، وورد في "الدر المصون" 1/ 92 و"القرطبي" 1/ 146، و"ابن كثير" 1/ 46، "البحر المحيط" 1/ 38.

(١٢٠) البيت للأعشى من قصيدة يمدح به قيس بن معد يكرب، وصدره: قابلها الريح في دنها يصف الخمر، صلى: دعا، ارتسم: كبَّر ودعا وتعوَّذ مخافة أن يجدها فسدت، فتبور تجارته.

انظر: "ديوان الأعشى" ص 196، "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 111 والطبري 1/ 104، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049، وابن كثير 1/ 46.

(١٢١) "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049.

(١٢٢) "معاني القرآن" 1/ 215.

(١٢٣) في (أ) و (ج): (واصطلا) وفي (المعاني) (يقال: صلى وأصلى واصطلى ...) 1/ 215، ونص المؤلف في "التهذيب" فلعله نقل منه، 2/ 2049.

(١٢٤) "معاني القرآن" للزجاج، دون قوله: (وألزم ما أمرت به من العبادات) 1/ 215، وذكره في "تهذيب اللغة" 2/ 2049.

(١٢٥) أي: أن الصلاة بمعنى اللزوم.

(١٢٦) انظر.

"معاني القرآن" للزجاج 1/ 215، "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2049، "مجمل اللغة" (صلى) 2/ 538.

(١٢٧) في (ب): (للآخر).

(١٢٨) المراجع السابقة.

(١٢٩) أخرجه أحمد في "المسند": (عن علي -  - قال: سبق رسول الله  وصلى أبو بكر وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة بعدهم يصنع الله فيها ما يشاء) "المسند" 1/ 112، 124، 132، 147.

وأخرجه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" 6/ 130، وذكره أبو عبيد في "غريب الحديث" 2/ 142، والأزهري في "تهذيب اللغة" (صلى) 2/ 2050.

(١٣٠) "تهذيب اللغة" (رزق) 2/ 1401.

(١٣١) ذكره الثعلبي 1/ 47 أ، ب.

وانظر.

"تهذيب اللغة" (نفق) 4/ 3634.

(١٣٢) في (ب): (النعفق).

(١٣٣) في (ب): (منه إذا)، وعند الثعلبي (يخرج إليه) 1/ 47 ب، وهو في "التهذيب" دون قوله: (يخرج منه نفق) 4/ 3635.

(١٣٤) انظر: "التهذيب" (نفق) 4/ 3635.

(١٣٥) ذكر الطبري نحوه، 1/ 105.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ فيه قولان: يؤمنون بالأمور المغيبات كالآخرة وغيرها، فالغيب على هذا بمعنى الغائب إما تسمية بالمصدر كعدل، وإما تخفيفاً في فعيل: كمَيْت، والآخر: يؤمنون في حال غيبهم، أي باطناً وظاهراً، وبالغيب: على القول الأوّل: يتعلق بيؤمنون، وعلى الثاني: في موضع الحال، ويجوز في الذين: أن يكون خفضاً على النعت، أو نصباً على إضمار فعل، أو رفعاً على أنه خبر مبتدأ ﴿ وَيُقِيمُونَ الصلاوة وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ إقامتها: علمها من قولك: قامت السوق، وشبه ذلك، المحافظة عليها في أوقاتها، بالإخلاص لله في فعلها، وتوفية شروطها، وأركانها وفضائلها، وسننها، وحضور القلب الخشوع فيها، وملازمة الجماعة في الفرائض والإكثار من النوافل.

﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الزكاة لاقترانها مع الصلاة، والثاني: أنه التطوّع، والثالث: العموم.

وهو الأرجح: لأنه لا دليل على التخصيص.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: "لا ريب" بالمد خلف والعجلي عن حمزة وخلف لنفسه، وكذلك قوله تعالى ﴿ لا خير ﴾ و ﴿ لا جرم ﴾ وذلك لاجتماع الفتحة مع الألف أو لتأكيد معنى النفي للجنس "فيهى" ابن كثير، وكذلك يشبع كل هاء كناية في جميع القرآن.

"هدى للمتقين" مدغماً من غير غنة: حمزة وعلي وخلف ويزيد وورش من طريق النجاري، والهاشمي عن ابن كثير.

وكذلك يدغمون النون الساكنة والتنوين في الراء حيث وقعت.

أبو عمرو بالوجهين: إدغام الغنة وإظهارها، والباقون بإظهار الغنة.

ولا خلاف بين القراء في إدغام أصل النون والتنوين في اللام والواو والراء والياء والميم، وإنما الخلاف بينهم في إظهار الغنة وإسقاطها وهي صوت الخيشوم "يؤمنون" غير مهموز: أبو عمرو ويزيد وورش والأعشى وحمزة في الوقف، وكذلك ما أشبههما من الأفعال إلا في أحرف يسيرة تذكر في مواضعها.

الباقون: بالهمز.

(باب في المد) (بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك) بالمد: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن ذكوان، فلا يفرقون بين مدّ الكلمة والكلمتين.

وكذلك روى ورش عن نافع.

والباقون يفرقون فيمدون الكلمة ولا يمدون بين الكلمتين.

فأطول الناس مداً ورش عن نافع، وحمزة وخلف في اختياره والأعشى، ومدهم بمنزلة أربع ألفات.

وأوسطهم مداً علي وابن ذكوان وعاصم غير الأعشى، وأقصرهم مداً ابن كثير وأبو جعفر ونافع غير ورش وأبو عمرو وسهل ويعقوب وهشام.

وأصل المد ألف ساكنة على قدر فتحة فيك فتحاً تاماً، وبالآخرة بترك الهمزة ونقلها إلى الساكن الذي قبلها حيث كان ورش، وكذلك حمزة في الوقف فإن مذهبه أن يقف على كل كلمة مهموزة بغير همزة (باب السكتة) روي عن حمزة وحماد والشموني أنهم يسكتون على كل حرف ساكن بعده همزة سكتة لطيفة نحو: الأرض، والأنهار، وقالوا: آمنا، وأشباه ذلك.

والسبب فيه التمكين والمبالغة في تحقيقها، لأن الهمزة بعد السكتة كالمبتدأ بها.

والاختيار في الكلمة الواحدة أن لا تسكت على ساكن غير لام التعريف احترازاً عن قطع الكلمة.

الوقوف: "ألّم" (ج) للاختلاف "لا ريب" ج على حذف خبر "لا تقديره لا ريب فيه، ثم يستأنف "فيه هدى" ومن وصل جعل فيه خبر "لا" أو وصف ريب وحذف خبر "لا" تقديره "لا ريب فيه عند المؤمنين".

والوقف على التقديرين على "فيه" و "هدى" خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى، ومن جعل "هدى" حالاً للكتاب بإعمال معنى الإشارة في "ذلك على تقدير: أشير إلى الكتاب هادياً لم يقف قبل "هدى للمتقين" (لا) لأن الذين صفتهم "ينفقون" لا للعطف، ليدخل عبد الله بن سلام وأصحابه في المتقين، فإن القرآن لهم هدى، وليدخل الصحابة المؤمنون بالغيب في ثناء الهدى ووعد الفلاح.

ولو ابتدأ "والذين" كان "أولئك على هدى" خبرهم مختصاً بهم.

واختص هدى القرآن واسم التقوى بالذين يؤمنون بالغيب.

"من قبلك" ج لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

"يوقنون" (ط) لأن أولئك مبتدأ وليس بخبر عما قبله، وكذلك على كل آية وقف بها إلا ما أعلم بعلامة (لا) المفلحون.

التفسير وفيه أبحاث: البحث الأول في "ألم" اعلم أن الألفاظ التي يتهجى بها في قولهم (ألف، با، تا، ثا) أسماء مسمياتها الحروف المبسوطة التي منها ركبت الكلم، لأن الضاد مثلاً لفظ مفرد دال بالتواطؤ على معنى مستقل بنفسه غير مقترن بأحد الأزمنة، وذلك المعنى هو الحرف الأول من ضرب مثلاً، فيكون لفظ الضاد اسماً، ولهذا قد يتصرف في بعضها بالإمالة نحو (با، تا) وبالتفخيم نحو (با، تا) وبالتعريف والتنكير والجمع والتصغير والوصف والإسناد إليه والإضافة.

وقولهم (با، تا، ثا) متهجاة ومقصورة نحو (لا) ثم قولهم كتبت باء بالمد نحو كتبت (لا) لا يدل على أنها حروف مثل (لا): فإنهم إنما قالوا كذلك في التهجي لكثرة الاستعمال واستدعائها التخفيف، والذي رواه ابن مسعود أن النبي  قال: "من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف" وأيضاً ما وقع في عبارات المتقدمين أنها حروف التهجي خليق بأن يصرف إلى التسامح والتجوز لأنه اسم للحرف وهما متلازمان، أو لأن الحرف قد يطلق على الكلمة تسمية للجنس باسم النوع.

ويحكى عن الخليل أنه سأل أصحابه: كيف تنطقون بالباء التي في ضرب، والكاف التي في ذلك؟

فقالوا: نقول باء، كاف.

فقال: إنما جئتم بالاسم لا الحرف.

وقال: أقول: ب، ك.

ثم إنهم راعوا في هذه التسمية لطيفة، وهي أنهم جعلوا المسمى صدر كل اسم منها إلا الألف فإنهم استعاروا الهمزة مكان مسماها، لأنه لا يكون إلا ساكناً.

ومما يضاهيها في إبداع اللفظ دلالة على المعنى البسملة والحيعلة والتهليل ونحوها.

وحكم هذه الأسماء سكون الإعجاز ما لم تلها العوامل فيقال: ألف، لام، ميم موقوفاً عليها لفقد مقتضى الإعراب نحو.

واحد، اثنان، ثلاثة، دار، ثوب، جارية.

فإذا وليتها العوامل أدركها الإعراب نحو: هذه ألف، وكتبت ألفاً، ونظرت إلى ألف.

والدليل على أن سكونها وقف وليس ببناء أنها لو بنيت لحذي بها حذر "كيف" و "أين" و "هؤلاء" ولم يقل صاد، قاف، نون.

مجموعاً فيها بين الساكنين.

وللناس في "الم" وما يجري مجراه من فواتح السور قولان: أحدهما أن هذا علم مستور وسر محجوب استأثر الله به، والتخاطب بالحروف المفردة سنة الأحباب في سنن المحاب، فهو سر الحبيب مع الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب: بين المحبين سر ليس يفشيه *** قول ولا قلم للخلق يحكيه عن أبي بكر، في كل كتاب سر وسره في القرآن أوائل السور.

وعن علي كرم الله وجهه: إن لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي، وقال بعض العارفين: العلم كبحر أجري منه واد، ثم أجري من الوادي نهر، ثم أجري من النهر جدول، ثم أجري من الجدول ساقية.

فالوادي لا يحتمل البحر، والنهر لا يحتمل الوادي، ولهذا قال عز من قائل: ﴿ أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها  ﴾ فبحور العلم عند الله  فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطى الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطى العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم، وهذا مأخوذ مما ورد في الخبر "للعلماء سر وللخلفاء سر وللأنبياء سر وللملائكة سر ولله من بعد ذلك كله سر.

فلو اطلع الجهال على سر العلماء لأبادوهم، ولو اطلع العلماء على سر الخلفاء لنابذوهم، ولو اطلع الخلفاء على سر الأنبياء لخالفوهم، ولو اطلع الأنبياء على سر الملائكة لاتهموهم، ولو اطلع الملائكة على سر الله لطاحوا حائرين وبادوا بائدين" والسبب في ذلك أن العقول الضعيفة لا تحتمل الأسرار القوية كما لا يحتمل نور الشمس أبصار الخفافيش.

وسئل الشعبي عن هذه الحروف فقال: سر الله فلا تطلبوه.

وعن ابن عباس أنه قال: عجزت العلماء عن إدراكها.

وقيل: هو من المتشابه.

وزيف هذا القول بنحو قوله تعالى ﴿ أفلا يتدبرون القرآن  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ هدى للمتقين  ﴾ وإنما يمكن التدبر ويكون تبياناً وهدى إذا كان مفهوماً، وبقول  : "إني تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي" فكيف يمكن التمسك به وهو غير معلوم؟

وأيضاً لا يخاطب المكلف بما لا يفهم كما لا يخاطب العربي بالعجمي، ولا يجوز التحدي بما لا يكون معلوماً، وعورض بقوله  ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله  ﴾ والوقف هنا لأن الراسخين لو كانوا عالمين بتأويله كان الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به مزيد مدح، ولا يكون في قوله ﴿ كل من عند ربنا  ﴾ فائدة على ما لا يخفى، وبقوله  "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديم" وقد روينا عن أكابر الصحابة ما روينا.

وأيضاً الأفعال التي كلفنا بها منها ما يظهر وجه الحكمة فيه كالصلاة فإن فيها تواضعاً للمعبود والصوم ففيه كسر الشهوة والزكاة ففيها سد خلة المساكين، ومنها ما لا يظهر فيه الحكمة ككثير من أفعال الحج، ويحسن من الله  الأمر بالنوعين لظهور الامتثال بهما، بل كمال الانقياد في النوع الثاني أظهر وأكثر لأنه تعبد محض.

فلم لا يجوز أن يكون في الأقوال أيضاً مثل ذلك، مع أن فيه فائدة أخرى هي اشتغال السر بذكر الله والتفكير في كلامه؟

القول الثاني: إن المراد من هذه الفواتح معلوم، ثم اختلفوا على وجوه: الأول: أنها أسماء وهو قول أكثر المتكلمين واختاره الخليل وسيبويه، كما سموا بلام والد حارثة بن لام الطائي، وكقولهم للنحاس صاد، وللسحاب عين، وللجبل قاف، وللحوت نون، وسعود تمام الكلام في هذا القول.

الثاني: أنها أسماء الله  .

روي عن علي  أنه كان يقول: يا كَهيعَصَ، يا حمَ عَسَقَ، ويقرب منه ما روي عن سعيد بن جبير أنها أبعاض أسماء الله  ، فإن "الر، حم، ن" مجموعها اسم "الرحمن" لكنا لا نقدر على كيفية تركيبها في الجميع.

الثالث: أنها أسماء القرآن وهو قول الكلبي والسدي وقتادة.

الرابع: كل واحد من الحروف دال على اسم من أسماء الله  أو صفة من صفاته، فالألف إشارة إلى أنه أحد أول آخر أزلي أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إلى أنه مجيد ملك منان، وفي "كَهيعَصَ" الكاف كاف لعباده، والهاء هاد، والياء من الحكيم والعين عالم، والصاد صادق.

أو الكاف محمول على الكبير والكريم.

والياء على أنه مجير، والعين على العزيز والعدل، ويروى هذا عن ابن عباس.

وعنه أيضاً في "ألم" أنا الله أعلم، وفي "المص" أنا الله أعلم وأفصل، وفي "المر" أنا الله أرى.

الخامس: أنها صفات الأفعال.

الألف آلاؤه، واللام لطفه، والميم مجده، قاله محمد بن كعب القرظي.

السادس: الألف من الله، واللام من جبرائيل، والميم من محمد  .

أي أنزل الله الكتاب بواسطة جبرائيل على محمد  .

السابع: الألف أنا، واللام لي، والميم مني قاله بعض الصوفية.

الثامن: أن ورودها مسرودة هكذا على نمط التعديد ليكون كالإيقاظ وقرع العصا لمن تحدى بالقرآن، أي إن هذا المتلو عليهم وقد عجزوا عنه عن آخرهم كلام منظوم من عين ما ينظمون منه كلامهم، فلولا أنه كلام خالق القدر لم يعجز معشر البشر عن الإتيان بمثل الكوثر قاله المبرد وجم غفير.

والتاسع: كأنه  يقول اسمعوها مقطعة حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وهذا على طريقة تعليم الصبيان قاله عبد العزيز بن يحيى.

العاشر: إن الكفار لما قالوا ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه  ﴾ أنزل الله  هذه الأحرف رغبة في إصغائهم ليهجم عليهم القرآن من حيث لا يشعرون قاله أبو روق وقطرب.

الحادي عشر: قول أبي العالية إنه حساب على ما روى ابن عباس أنه "مر أبو ياسر بن أخطب برسول الله  وهو يتلو سورة البقرة الم ذلك الكتاب ثم أتى أخوة حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف فسألوه عن الم وقالوا: ننشدك الله الذي لا إله إلا هو، أحق أنها أتتك من السماء؟

فقال  : نعم، كذلك نزلت فقال حيي: إن كنت صادقاً إني لأعلم أجل هذه الأمة من السنين، ثم قال: كيف ندخل في دين رجل دلت هذه الحروف بحساب الجمل على أن منتهى مدته إحدى وسبعون سنة؟

فضحك رسول الله  .

فقال حيي: فهل غير ذلك؟

فقال: نعم ﴿ المص ﴾ فقال حيي: مائة وإحدى وستون فهل غير هذه؟

فقال: نعم ﴿ الر ﴾ قال حيي: نشهد إن كنت صادقاً ما ملكت أمتك إلا مائتين وإحدى وثلاثين سنة فهل غير هذا؟

قال: نعم ﴿ المر ﴾ قال حيي: ندري بأي أقوالك نأخذ!

فقال أبو ياسر: أما أنا فأشهد أن أنبياءنا قد أخبروا عن ملك هذه الأمة ولم يبينوا أنها كم تكون، فإن كان محمد  صادقاً فيما يقوله إني لأراه يستجمع له هذا كله، فقام اليهود وقالوا: اشتبه علينا أمرك فأنزل الله  ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ﴾ " [آل عمران: 7].

الثاني عشر: تدل على انقطاع كلام واستئناف كلام آخر.

الثالث عشر: قول الأخفش إن الله  أقسم بهذه الجروف المعجمة لشرفها من حيث إنها أصول اللغات، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، واقتصر على البعض والمراد الكل كما تقول: قرأت الحمد وتريد السورة كلها، أقسم الله بها أن هذا الكتاب هو المثبت في اللوح المحفوظ.

الرابع عشر: أن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب فيه مستوية الأقدام، الأميون وأهل الخط، والكتاب بخلاف النطق بأسامي الحروف فإنه كان مختصاً بمن خط وقرأ، فلما أخبر الرسول  بها من غير تعلم خط وقراءة كان ذلك دليلاً على أنه استفاد ذلك من قبل الوحي.

الخامس عشر: قال القاضي الماوردي: معناه ألم بكم ذلك الكتاب أي نزل، وهذا لا يتأتى في كل فاتحة.

السادس عشر: الألف إشارة إلى ما لا بد منه من الاستقامة على الشريعة في أول الأمر ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ واللام إشارة إلى الحاصل عند المجاهدات وهو رعاية الطريقة ﴿ والذين جاهدوا فينا  ﴾ والميم إشارة إلى صيرورة العبد في مقام المحبة كالدائرة التي يكون نهايتها عين بدايتها وهو مقام الفناء في الله بالكلية وهو الحقيقة ﴿ قل الله ثم ذرهم  ﴾ .

السابع عشر: الألف من أقصى الحلق، واللام من طرف اللسان وهو وسط المخارج، والميم من الشفة وهو آخر المخارج، أي أول ذكر العبد ووسطه وآخره لا ينبغي إلا لله.

الثامن عشر: سمعت بعض الشيعة يقول: هذه الفواتح إذا حذف منها المكررات يبقى ما يمكن أن تركب منه على صراط حق نمسكه، وهذا غريب مع أنه متكلف فلهذا أوردته.

واعلم أن الباقي من الفواتح بعد حذف المكرر أربعة عشر، نصف عدد حروف المعجم بعد الكسر.

وقد أورد الله الفواتح في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، وهذه الباقية تشتمل على أصناف أجناس الحروف.

من المهموسة نصفها، الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديد نصفها ا ك ط ق، ومن الرخوة نصفها لمر صعهسحين، ومن المطبقة نصفها ص ط، ومن المنفتحة نصفها الر كهوس ج ق ي ن، ومن المستعلية نصفها ق ص ط.

ومن المنخفضة نصفها الم ر ك هـ ي ع س ح ن، ومن حروف القلقة نصفها ق ط.

وأكثر ألفاظ القرآن من هذه الحروف، وهذا دليل على أن الله  عدّد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم كما مر في الوجه الثامن، ويؤيد ذلك أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين والله أعلم.

التاسع عشر: قيل: معناه ألست بربكم.

الألف واللام من أوله والميم من آخره أي أخذت منكم كتاب العهد في يوم الميثاق.

والمختار من هذه الأقوال عند الأكثرين القول بأنها أسماء السور، ثم إنه عورض بوجوه: الأول: أنا نجد سوراً كثيرة اتفقت في التسمية بالم وحم والمقصود من العلم رفع الاشتباه.

الثاني: لو كانت أسماء لاشتهرت وتواترت.

الثالث: العرب لم يتجاوزوا بما سموا به مجموع اسمين نحو: معد يكرب وبعلبك، ولم يسم أحد منهم بمجموع ثلاثة أسماء وأربعة وخمسة، فالقول بأنها أسماء السور خروج عن لغتهم.

الرابع: لو كانت أسماء لاشتهرت السور بها، لكنها اشتهرت بغيرها نحو سورة البقرة وآل عمران.

الخامس: هذه الألفاظ داخلة في السور وجزء الشيء متقدم على الشيء بالرتبة، واسم الشيء متأخر عن الشيء، فلزم أن يكون متقدماً متأخراً معاً وهو محال.

وليس هذا لتسميتهم صاد للحرف الأول منه، فإن هذا كتسمية المفرد بالمؤلف فلا يلزم إلا تأخر المركب عن المفرد بوجهين، وهذا تسمية المؤلف بالمفرد ويلزم المحال المذكور.

وأجيب عن الأول بما يجاب عن الأعلام المشتركة من أنها ليست بوضع واحد، مع أنه لا يبعد أن تجعل مشتركاً حتى يتميز كل واحد من الآخر بعلامة أخرى لحكمة خفية.

و عن الثاني بأن تسمية السورة بلفظة معينة ليست من الأمور العظام التي تتوفر الدواعي على نقلها.

وعن الثالث بأن التسمية بثلاثة أسماء خروج عن كلام العرب، ولكن إذا جعلت اسماً واحداً فأما منثورة نثر أسماء العدد فلا استنكار لأنها من باب التسمية بما حقه أن يحكى حكاية نحو برق نحره، وكما لو سمي ببيت شعر أو بطائفة من أسماء حروف المعجم.

وعن الرابع أنه لا يبعد أن يصير اللقب أشهر من الاسم.

وعن الخامس أن تأخر ما هو متقدم باعتبار آخر غير مستحيل، وفي لسان الصوفية أن هيئة الصلاة ثلاث: القيام والركوع والسجود.

فالألف إشارة إلى القيام، واللام إلى الركوع، والميم إلى السجود أي من قرأ فاتحة الكتاب في الصلاة التي هي معراج المؤمن شرفه الله بالهداية في قوله ﴿ هدى للمتقين ﴾ وعلى هذا فيكون ذلك الكتاب إشارة إلى الفاتحة لأنها أم الكتاب.

ثم إن هذه الأسماء ضربان: أحدهما ما لا يتأتى فيه الإعراب نحو ﴿ كَهيعَصَ ﴾ ﴿ المر ﴾ وثانيهما ما يتأتى فيه الإعراب لكونه اسماً فرداً كصاد وقاف ونون، أو أسماء عدة مجموعها على زنة مفرد كحمَ وطسَ ويسَ فإنها موازنة لقابيل وهابيل، وكقولك طسم إذا فتح نونها صار كدرابجرد.

فالنوع الأول محكي ليس إلا، والثاني فيه أمران الإعراب والحكاية، فإذا أعرب منع الصرف للعملية والتأنيث قال الشاعر: يذكرني حاميم والرمح شاجر *** فهلا تلا حاميم قبل التقدم؟

والحكاية أن تجيء بالقول بعد نقله على استبقاء صورته نحو قولك "بدأت بالحمد لله" قال ذو الرمة: سمعت الناس ينتجعون غيثاً *** فقلت لصيدح انتجعي بلالاً وأما من قرأ صاد وقاف ونون مفتوحات فبفعل مضمر نحو "اذكر" أو حركت لالتقاء الساكنين.

واستكره جعلها مقسماً بها على طريق قولهم "نعم الله لأفعلن" على حذف حرف الجر وإعمال فعل القسم، لأن القرآن والقلم بعدها محلوف بهما.

واستكرهوا الجمع بين قسمين على مقسم عليه واحد ولهذا قال الخليل: الواو الثانية في قوله عز من قائل ﴿ والليل إذا يغشى.

والنهار إذا تجلى  ﴾ واو العطف لا القسم نحو "وحياتي ثم حياتك لأفعلن" ولو كان انقضى قسمه بالأول على شيء لجاز أن يستعمل كلاماً آخر نحو "بالله لأفعلن تالله لأخرجن" ولا سبيل فيما نحن بصدده إلى جعل "الواو" للعطف لمخالفة الثاني الأول في الإعراب، اللهم إلا أن تقدر مجرورة بإضمار الباء القسمية لا بحذفها فقد جاء عنهم "الله لأفعلن" مجروراً غير أنها فتحت في موضع الجر لكونها غير مصروفة، وأما من قرأ صاد وقاف بالكسر فلالتقاء الساكنين.

وهذه الفواتح جاءت في المصحف مكتوبة على صور الحروف أنفسها لا على صور أساميها، لأن المألوف أنه إذا قيل للكاتب اكتب "صاد" مثلاً فإنه يكتب مسماها ص.

وأيضاً اشتهار أمرها بأن المراد بها هنا الأسامي لا المسميات أمن وقوع اللبس فيها، وأيضاً خطان لا يقاسان، خط المصحف لأنه سنة، وخط العروض لأن المعتبر هناك الملفوظ.

ومن لم يجعل هذه الفواتح أسماء السور فلا محل لها عنده كما لا محل للجمل المبتدأة والمفردات المعدودة، ومن جعلها أسماء للسور فسنخبرك عن تأليفها مع ما بعدها الله حسبي.

البحث الثاني في قوله.

"ذلك الكتاب" وفيه مسائل: الأولى: إنما صحت الإشارة بذلك إلى ما ليس ببعيد لأنه وقعت الإشارة بذلك إلى "الم" بعد ما سبق التكلم به، والمنقضي في حكم المتباعد ولهذا يحسب الحاسب ثم يقول فذلك كذا، أو لأنه لما وصل من المرسل إلى المرسل إليه وقع في حد البعد كما تقول لصاحبك وقد أعطيته شيئاً: احتفظ بذلك، أو لأنه وإن كان حاضراً نظراً إلى ألفاظه لكنه غائب نظراً إلى أسراره وحقائقه، أو لأنه على مقتضى الوضع اللغوي لا العرفي، أو لأنه إشارة إلى ما نزل بمكة قبل سورة البقرة.

وقد يسمى بعض القرآن قرآناً، أو لأنه إشارة إلى ما وعد به الرسول عند مبعثه ﴿ إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً  ﴾ أو لأنه إشارة إلى ما أخبر به الأنبياء أن الله سينزله على النبي المبعوث من ولد إسماعيل، أو المراد أن هذا المنزل هو ذلك المثبت في اللوح المحفوظ كقوله ﴿ وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم  ﴾ .

الثانية: إنما ذكر اسم الإشارة والمشار إليه مؤنث وهو السورة في بعض الوجوه نظراً إلى صفته وهو الكتاب كقولك "هند ذلك الإنسان" قال الذبياني: نبئت نعمي على الهجران عاتبة *** سقياً ورعياً لذاك العاتب الزاري وإن جعلت الكتاب خبراً فنظراً إلى أن ذلك في معناه ومسماه فجاز إجراء حكمه عليه في التذكير كما أجري عليه في التأنيث في قولهم: "من كان أمك".

الثالثة: للقرآن أسماء كثيرة منها: الكتاب - وقد تقدم- ومنها الفرقان ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان  ﴾ لأنه نزل متفرقاً في نيف وعشرين سنة، أو لأنه يفرق بين الحق والباطل.

ومنها التذكرة والذكرى والذكر ﴿ وإنه لتذكرة للمتقين  ﴾ ﴿ وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين  ﴾ ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك  ﴾ أي ذكر من الله  به ذكر به عباده فعرفهم تكاليفه أو شرف وفخر.

ومنها التنزيل ﴿ وإنه لتنزيل رب العالمين  ﴾ ومنها الحديث ﴿ الله نزل أحسن الحديث  ﴾ شبهه بما يتحدث به فإن الله تعالى خاطب به المكلفين.

ومنها الموعظة ﴿ قد جاءتكم موعظة من ربكم  ﴾ ومنها الحكم والحكمة والحكيم والمحكم ﴿ وكذلك أنزلناه حكماً عربياً  ﴾ { ﴿ حكمة بالغة  ﴾ ﴿ يسَ والقرآن الحكيم  ﴾ ﴿ كتاب أحكمت أياته  ﴾ ومنها الشفاء والرحمة ﴿ وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين  ﴾ ومنها الهدى والهادي ﴿ هدى للمتقين  ﴾ ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم  ﴾ ومنها الصراط المستقيم ﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً  ﴾ ومنها حبل الله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً  ﴾ ومنها الروح { ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأنه سبب لحياة الأرواح.

ومنها القصص ﴿ إن هذا لهو القصص الحق  ﴾ ومنها البيان والتبيان والمبين ﴿ هذا بيان للناس  ﴾ ﴿ تبياناً لكل شيء  ﴾ ﴿ تلك آيات الكتاب المبين  ﴾ ومنها البصائر ﴿ هذا بصائر من ربكم  ﴾ ومنها الفصل ﴿ إنه لقول فصل  ﴾ ومنها النجوم ﴿ فلا أقسم بمواقع النجوم  ﴾ لأنه نزل نجماً نجماً.

ومنها المثاني ﴿ مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم  ﴾ لأنه يثنى فيه القصص والأخبار.

ومنها النعمة ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ قال ابن عباس: أي القرآن.

ومنها البرهان ﴿ قد جاءكم برهان من ربكم  ﴾ ومنها البشير والنذير ﴿ قرآناً عربياً لقوم يعلمون بشيراً ونذيراً  ﴾ ومنها القيم ﴿ قيماً لينذر بأساً شديداً  ﴾ ومنها المهيمن ﴿ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه  ﴾ ومنها النور ﴿ واتبعوا النور الذي أنزل معه  ﴾ ومنها الحق ﴿ وإنه لحق اليقين  ﴾ ومنها العزيز ﴿ وإنه لكتاب عزيز  ﴾ ومنها الكريم ﴿ إنه لقرآن كريم  ﴾ ومنها العظيم ﴿ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم  ﴾ ومنها المبارك ﴿ كتاب أنزلناه إليك مبارك  ﴾ فهذه جملة الأسماء وسيجيء تفاسيرها في مواضعها.

الرابعة: في تأليف ذلك الكتاب مع "الم" اسماً للسورة ففي التأليف وجوه: أن يكون "الم" مبتدأ أو "ذلك" مبتدأ ثانياً "والكتاب" خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول أي هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً كما تقول: هو الرجل أي الكامل في الرجولية وكقوله: هم القوم كل القوم يا أم خالد.

وأن يكون الكتاب صفة ومعناه هو ذلك الكتاب الموعود، وأن يكون "الم" خبر مبتدأ محذوف أي هذه "الم"، ويكون "ذلك" خبراً ثانياً أو بدلاً على أن الكتاب صفة، وأن يكون هذه "الم" جملة، "ذلك الكتاب" جملة أخرى، وفقد العاطف لأن الثانية بيان للأولى.

وإن جعلت "الم" بمنزلة الصوت كان "ذلك" مبتدأ خبره "الكتاب" أي ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو "الكتاب" صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف أي هو يعني المؤلف من هذه الحروف "ذلك الكتاب".

وفي قراءة عبد الله بن مسعود "الم تنزيل الكتاب".

البحث الثالث في قوله "لا ريب فيه" الريب مصدر رابني وحقيقته قلق النفس.

روى الحسن بن علي  عن النبي  "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة أي كون الأمر مشكوكاً فيه مما تقلق له النفس، وكونه صحيحاً صادقاً مما تطمئن له.

ومنه ريب الزمان لنوائبه المقلقة، وفي الحديث أن النبي  مر بظبي حاقف أي معوج مضطجع وهم محرومون فقال: لا يريبه أحد بشيء أي لا يزعجه.

والحاصل أن الريب شك وزيادة ظن سوء، فإن قلت: كيف نفي الريب على سبيل الاستغراق، وكم من شقي مرتاب فيه؟

قلت: ما نفي أن أحداً لا يرتاب فيه وإنما المنفي كونه متعلقاً للريب ومظنة له لأنه من وضوح الدلالة وسطوع البرهان بحيث لا ينبغي لمرتاب أن يقع فيه ومثله ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله  ﴾ لم يقل "وإذا كنتم" مع وقوع الشك منهم في الواقع دلالة على أن الشك فيه مما لا ينبغي أن يوجد إلا على سبيل الفرض والتقدير، ولو فرض فوجه إزالته أن يجردوا أنفسهم ويبرزوا قواهم في البلاغة هل تتم للمعارضة أن تتضاءل دونها.

فإن قلت: فهلا قدم الظرف على الريب كما قدم على الغول في قوله  ﴿ لا فيها غَوْل  ﴾ قلنا: لأن المقصود منها ليس إلا نفي الريب عنه وإثبات أنه حق وصدق، ولو عكس لأفاد ذلك مع ما ليس بمراد ولا هو بصادق في نفس الأمر وهو التعريض بأن ريباً في غيره من الكتب كما أن في قوله: ﴿ لا فيها غول  ﴾ تعريضاً بأن خمور الدنيا تغتال العقول.

وقرأ أبو الشعثاء "لا ريب" فيه بالرفع.

قيل: والفرق بينها وبين المشهورة، أن المشهورة توجب الاستغراق، وهذه تجوزه.

ويمكن أن يقال: كلاهما يوجب الاستغراق إلا أن الأول بطريق نفي الماهية، والثاني لأن قوله "لا ريب" جواب قول القائل هل ريب فيه، وهذا يفيد ثبوت فرد واحد فنقيضه يكون سلب جميع الأفراد.

البحث الرابع في قوله "هدى للمتقين" وفيه مسائل: الأولى: في حقيقة الهدى هو مصدر على فعل كالسرى وهو على الأصح عبارة عن الدلالة.

وقيل: بشرط كونها موصلة إلى البغية بدليل وقوعه في مقابل الضلالة ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ ولأنه يقال مهدي في معرض المدح.

فلو احتمل أن يقال هدى فلم يهتد لم يكن مدحاً، ولأن مطاوعه "اهتدى" فيلزمه.

وأجيب بأن مقابل الضلالة الاهتداء لا الهدى.

وبأن قولنا "مهدي" إنما أفاد المدح لأنه من المعلوم أن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت كالعدم، وبالمنع من أن اهتدى لازم هدى لزوماً كلياً إذ يصح في العرف أن يقال: هديته فلم يهتد، قال عز من قائل: ﴿ وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى  ﴾ وقال بعضهم: الهدى الاهتداء، فإن زعم مطلقاً فخطأ لوقوع صفة للقرآن، وإن زعم حيناً فصحيح لوقوعه في مقابلة الضلالة.

الثانية: المتقي اسم فاعل من وقاه فاتقى.

والوقاية فرط الصيانة، وهذه الدابة تقي من وجئها إذا أصابها طلع من غلظ الأرض ورقة الحافر فهو يقي حافره أن يصيبه أدنى شيء.

وهو في الشرع المؤتمر للمأمورات المجتنب عن المحظورات.

واختلف في الصغائر أنه إذا لم يتقها فهل يستحق هذا الاسم؟

روي عنه  أنه قال: "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس" فحقيقة التقوى الخشية ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم  ﴾ وقد يراد بها الإيمان ﴿ وألزمهم كلمة التقوى  ﴾ أي التوحيد.

وقد يراد التوبة ﴿ ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا  ﴾ أي تابوا.

وقد يراد الطاعة ﴿ أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون  ﴾ وقد يراد ترك المعصية ﴿ وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله  ﴾ وقد يراد الإخلاص ﴿ فإنها من تقوى القلوب  ﴾ أي من إخلاصها والتقوى مقام شريف ﴿ إن الله مع الذين اتقوا  ﴾ { ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى  ﴾ ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ وعن ابن عباس أن النبي  قال: "من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده" وقال علي  : التقوى ترك الإصرار على المعصية، وترك الاغترار بالطاعة.

وعن إبراهيم بن أدهم: أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً، ولا الملائكة المقربون في أفعالك عيباً، ولا ملك العرش في سرك عيباً.

الواقدي: أن تزين سرك للحق كما زينت ظهرك للخلق.

ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك.

ولله در القائل: خل الذنوب صغيرها.

وكبيرها فهو التقي.

كن مثل ماش في طريــــ *** ـــق الشوق يحذر ما يرى لا تحقــرن صغيـــــــــرة *** إن الجبال من الحصــــــى وفي قوله "هدى للمتقين" ثم في موضع آخر ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس  ﴾ دليل على أن الناس محصورون في المتقين، والباقون ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

الثالثة: لم اختص كون القرآن هدى للمتقين، وأيضاً المتقي مهتد فكيف يهتدي ثانياً؟

والجواب أن المتقين لما كانوا هم المنتفعين بالهداية خصوا بالذكر مدحاً لهم كقوله  { ﴿ إنما أنت منذر من يخشاها  ﴾ ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر  ﴾ مع أنه  منذر كل الناس.

وأيضاً قوله "هدى للمتقين" كقولك للعزيز المكرم "أعزك الله وأكرمك" تريد طلب الزيادة واستدامة ما هو ثابت فيه.

وبوجه آخر سماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين نحو "من قتل قتيلاً فله سلبه" فهذا مجاز من باب تسمية الشيء بما هو آيل إليه واللطف فيه أنه لو قال هدى للصائرين إلى التقوى بعد الضلال كان إطناباً في غير موضعه، فإن تصدير السورة التي هي أولى الزهراوين وسنام القرآن وأول المثاني بذكر أولياء الله والمرتضين من عباده هو اللائق بالمقام، فاختص الكلام فإجرائه على الطريقة التي ذكرنا.

فإن قلت: كيف وصفت القرآن بأنه كله هدى وفيه مجمل ومتشابه لا يهتدي فيه إلى المقصود إلا بحكم العقل، فيكون الهدى في ذلك للعقل لا للقرآن؟

ومما يؤكد ما قلنا، ما نقل عن علي  أنه قال لابن عباس حين بعثه رسولاً إلى الخوارج: لا تحتج عليهم بالقرآن فإنه خصم ذو وجهين.

ولهذا كان فرق الإسلام المحق منهم والمبطل يحتجون به، قلنا: المتشابه لما لم ينفك عما يبين المراد معه على التعيين عقلاً كان أو سمعاً صار كله هدى.

فإن قيل: كل ما يتوقف صحة كون القرآن هدى على صحته كمعرفة الله  وصفاته وكمعرفة النبوة، فالقرآن ليس هدى فيه فكيف جعل هدى على الإطلاق؟

قلنا: المراد كونه هدى في تعريف الشرائع والمطلق لا يقتضي العموم، أو كونه هدى في تأكيد ما في العقول أيضاً فيعم.

الرابعة: محل "هدى للمتقين" الرفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أو خبر مع "لا ريب فيه" لذلك أو مبتدأ إذا جعل الظرف المقدم خبراً عنه، ويجوز أن ينتصب على الحال والعامل فيه معنى الإشارة أو الظرف والذي هو أرسخ عرقاً في البلاغة أنه يقال: "الم" جملة برأسها أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها، و "ذلك الكتاب" جملة ثانية، و "لا ريب فيه" ثالثة، و "هدى للمتقين" رابعة.

وفقد العاطف بينها لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بحجرة بعض، لأنه نبه أولاً على أنه الكلام المتحدى به، ثم أشير إليه بأنه الكتاب المنعوت بغاية الكمال فكان تقريراً لجهة التحدي، ثم نفى عنه أن يتشبث به طرف من الريب فكان تسجيلاً بكماله، فلا كمال أكمل مما للحق واليقين، ثم أخبر عنه بأنه هدى للمتقين فقرر بذلك كونه يقيناً لا يحوم الشك حوله، ثم في كل من الجمل نكتة ذات جزالة.

ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه وأرشقه كما مر في الوجه الثامن، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة أي الكتاب الذي يستأهل أن يقال له الكتاب، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر الذي هو هدى موضع هاد وإيراده منكراً والإيجاز في ذكر المتقين.

البحث الخامس في قوله  ﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾ .

الآية وفيه مسائل: الأولى: "الذين يؤمنون" إما موصول بالمتقين صفة، أو نصب على المدح، أو رفع كذلك بتقدير أعني الذين، أو هم الذين، أو مرفوع بالابتداء مخبر عنه "بأولئك على هدى".

الثانية: "الذين يؤمنون" على تقدير كونه صفة يكون إما وارداً بياناً وكشفاً وذلك إذا فسر المتقي بأنه الذي يفعل الحسنات ويجتنب السيئات، لأن الإيمان أساس الحسنات والصلاة أم العبادات البدنية قال  : "الصلاة عمادة الدين" "وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" والزكاة أفضل العبادات المالية قال  : "الزكاة قنطرة الإسلام" فاختصر الكلام اختصاراً بذكر ما هو كالعنوان لسائر الطاعات وكالأصول لبواقي الحسنات ويندرج فيها اجتناب الفواحش والمنكرات لقوله عز من قائل ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ وإما مسرودة مع المتقين مفيدة غير فائدتها وذلك إذا فسر المتقي بالمجتنب عن المعاصي فقط.

ثم إنه يكون قد وصف بالإيمان وهو فعل القلب وبأداء الصلاة والزكاة وهما من أفعال الجوارح، وهذا ترتيب مناسب لأن لوح القلب يجب تخليته عن النقوش الفاسدة أولاً، ثم تحليته بالعقائد الحقة والأخلاق الحميدة، وإما معدودة عداً على سبيل المدح والثناء وذلك إذا فرض المتقي موسوماً بهذه السمات، مشهوراً بهذه الصفات، غير محتاج لذلك إلى البيان والإيضاح كصفات الله الجارية عليه  تمجيداً وتعظيماً.

الثالثة: الأيمان إفعال من الأمن.

يقال: أمنته وآمنته غيري.

ثم يقال: أمنه إذا صدقه.

وحقيقته أمنه التكذيب.

والمخالفة والتعدية بالباء لتضمينه معنى أقر واعتبر ووثق به.

قال في التفسير الكبير: اختلف أهل القبلة في مسمى الإيمان على أربعة أقوال: الأول: قول المعتزلة والخوارج والزيدية وأهل الحديث أنه اسم لأفعال القلوب واللسان والجوارح، لكن المعتزلة قالوا: الإيمان إذا عدي بالباء فمعناه التصديق على تضمين الإقرار أو الوثوق كما مر من حيث اللغة وأما إذا ذكر مطلقاً فمنقول إلى معنى آخر وهو أن يعتقد الحق ويعرب عنه بلسانه ويصدقه بعمله.

فمن أخل بالاعتقاد وإن شهد وعمل فهو منافق، ومن أخل بالشهادة فهو كافر، ومن أخل بالعمل فهو فاسق.

ثم اختلفوا فبعضهم - كواصل بن عطاء والقاضي عبد الجبار - قالوا: الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات سواء كانت واجبة أو مندوبة، أو من باب الأقوال أو الأفعال أو الاعتقادات.

وبعضهم - كأبي علي وأبي هاشم - إنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافل، وبعضهم - كالنظام - إنه عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد.

ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد، فالمؤمن عند الله من اجتنب كل الكبائر، والمؤمن عندنا من اجتنب كل ما ورد فيه الوعيد.

والخوارج قالوا: الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله وبكل ما وضع الله عليه دليلاً عقلياً أو نقلياً من الكتاب والسنة، ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر به من الأفعال والتروك صغيراً كان أو كبيراً.

فمجموع هذه الأشياء هو الإيمان وترك خصلة من هذه الخصال كفر، وأهل الحديث ذكروا وجهين: الأول: أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة.

وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيماناً إلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة.

وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر، ثم كل معصية بعده كفر على حدة، ولم يجعلوا شيئاً من الطاعات إيماناً ما لم توجد المعرفة والإقرار، ولا شيئاً من المعاصي كفراً ما لم يوجد الجحود والإنكار.

الثاني: أن الإيمان اسم للطاعات كلها فريضة أو نافلة إلا أنه إذا ترك فريضة انتقض إيمانه، وإن ترك نافلة لم ينتقض.

ومنهم من قال: الإيمان اسم للفرائض دون النوافل.

(القول الثاني): قول من قال الإيمان بالقلب واللسان معاً.

ثم اختلفوا على مذاهب: الأول: أن الإيمان إقرار باللسان ومعرفة بالجنان وهو مذهب أبي حنيفة وعامة الفقهاء، ثم اختلفوا في موضعين: أحدهما في حقيقة هذه المعرفة، فمنهم من قال: هي الاعتقاد الجازم سواء كان اعتقاداً تقليدياً أو علماً صادراً عن الدليل وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم، ومنهم من فسرها بالعلم الصادر عن الاستدلال.

وثانيهما في أن العلم المعتبر في تحقق الإيمان علم بماذا؟

قال بعض المتكلمين: هو العلم بالله وبصفاته على سبيل التمام والكمال، ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله  فلا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف، والإنصاف أن المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  ، فعلى هذا العلم بكونه  عالماً بالعلم أو بذاته أو مرئياً وغير مرئي لا يكون داخلاً في مسمى الإيمان.

والمذهب الثاني: أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معاً وهو مذهب أبي الحسن الأشعري وبشر المريسي، والمراد من التصديق الكلام القائم بالنفس.

المذهب الثالث: كلام بعض الصوفية الإيمان إقرار باللسان وإخلاص بالقلب.

(القول الثالث): قول من قال الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط، فمن هؤلاء من قال: الإيمان معرفة الله بالقلب حتى إن من عرف الله بقلبه ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان وهو قول جهم بن صفوان، وزعم أن معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر غير داخلة في حقيقة الإيمان.

وحكى الكعبي عنه أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد  .

ومنهم من قال: الإيمان مجرد التصديق بالقلب.

(القول الرابع).

قول من قال الإيمان هو الإقرار باللسان فقط، ثم منهم من قال: شرط كونه إيماناً حصول المعرفة في القلب.

ومنهم من قال: لا حاجة بنا إلى هذا الشرط أيضاً بل المنافق مؤمن الظاهر كافر السريرة يثبت له حكم المؤمنين في الدنيا وحكم الكافرين في الآخرة وهذا قول الكرامية، ثم قال الإمام رحمه الله  : عندي أن الإيمان عبارة عن التصديق بكل ما عرف بالضرورة كونه من دين محمد  مع الاعتقاد فههنا قيود: الأول أن الإيمان عبارة عن التصديق، وذلك أن الإيمان أكثر الألفاظ دوراناً على ألسنة المسلمين، فلو صار منقولاً إلى غير مسماه الأصلي لتوفرت الدواعي على نقل هذا النقل وتواتر وليس كذلك.

وأيضاً الإيمان المعدّى بالباء على أصله اتفاقاً، فغير المعدى أيضاً يكون كذلك كلما ذكر الله  الإيمان في القرآن أضافه إلى القلب ﴿ وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ ﴿ كتب في قلوبهم الإيمان  ﴾ ﴿ ولما يدخل الإيمان في قلوبكم  ﴾ وأيضاً قرن الإيمان بالعمل الصالح، ولو كان العمل داخلاً في الإيمان لزم التكرار.

وأيضاً قرن الإيمان بالمعاصي ﴿ الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم  ﴾ ﴿ وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا  ﴾ ﴿ والذين آمنوا ولم يهاجروا  ﴾ ومع عظيم الوعيد في ترك الهجرة.

قال ابن عباس في قوله  : ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص  ﴾ إنما يجب القصاص على القاتل المتعمد، ومع ذلك يدخل في الخطاب.

ثم قال: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء  ﴾ وهذه الأخوة ليست إلا أخوة الإيمان ﴿ إنما المؤمنون إخوة  ﴾ ثم قال: ﴿ ذلك تخفيف من ربكم ورحمة  ﴾ وهذا لا يليق إلا بالمؤمن.

القيد الثاني: أن الإيمان ليس عبارة عن تصديق اللسان لقوله  ﴿ ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين  ﴾ .

القيد الثالث: ليس عبارة عن مطلق التصديق لأن من صدق بالجبت والطاغوت لا يسمى مؤمناً.

القيد الرابع: لا يشترط التصديق بجميع صفات الله  لقوله  "اعتقها فإنها مؤمنة" بعد قوله عليه الصلاة والسلام لها أين الله؟

قالت: في السماء.

ويعلم مما ذكرنا أن من عرف الله بالدليل، ولما تم العرفان مات ووجد من الوقت ما أمكنه التلفظ بكلمة الشهادة لكنه لم يتلفظ بها كان مؤمناً، وكان الامتناع عن النطق جارياً مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان، وبهذا حكم الغزالي  قلت: - وبالله التوفيق -: التحقيق في المقام أن للإيمان وجوداً في الأعيان ووجوداً في الأذهان ووجوداً في العبارة.

ولا ريب أن الوجود العيني لكل شيء هو الأصل، وباقي الوجودات فرع وتابع.

فالوجود العيني للإيمان هو النور الحاصل للقلب بسبب ارتفاع الحجاب بينه وبين الحق جل ذكره ﴿ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور  ﴾ وهذا النور قابل للقوة والضعف والاشتداد والنقص كسائر الأنوار ﴿ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً  ﴾ كلما ارتفع حجاب ازداد نوراً فيتقوى الإيمان ويتكامل إلى أن ينبسط نوره فينشرح الصدر ويطلع على حقائق الأشياء وتتجلى له الغيوب وغيوب الغيوب فيعرف كل شيء في موضعه، فيظهر له صدق الأنبياء عليهم السلام ولا سيما محمد  خاتم النبيين في جميع ما أخبروا عنه إجمالاً أو تفصيلاً على حسب نوره، وبمقدار انشراح صدره، وينبعث من قلبه داعية العمل بكل مأمور والاجتناب عن كل محظور، فينضاف إلى نور معرفته أنوار الأخلاق الفاضلة والملكات الحميدة ﴿ نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم  ﴾ ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وأما الوجود الذهني فبملاحظة المؤمن لهذا النور ومطالعته له ولمواقعه، وأما الوجود اللفظي فخلاصته ما اصطلح عليه الشارع بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  .

ولا يخفى أن مجرد التلفظ بقولنا "لا إله إلا الله محمد رسول الله  " من غير النور المذكور لا يفيد إلا كما يفيد للعطشان التلفظ بالماء الزلال دون التروي به، إلا أن التعبير عما في الضمير لما لم يتيسر إلا بواسطة النطق المفصح عن كل خفي والمعرب عن كل مشتبه، كان للتلفظ بكلمة الشهادة ولعدم التلفظ بها مدخل عظيم في الحكم بإيمان المرء وكفره، فصح جعل ذلك وما ينخرط في سلكه من العلامات، كعدم لبس الغيار وشد الزنار دليلاً عليهما، وتفويض أمر الباطن إلى عالم الخفيات المطلع على السرائر والنيات ولهذا قال  : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" الرابعة: يجوز أن يكون بالغيب صلة للإيمان أي يعترفون أو يثقون به، وعلى هذا يكون الغيب بمعنى الغائب ما تسمية بالمصدر كما سمى الشاهد بالشهادة قال الله  : { ﴿ عالم الغيب والشهادة  ﴾ ، [المؤمنون: 92]، [التغابن: 18] والعرب تسمي المطئمن من الأرض غيباً، وإما أن يكون مخفف فيعل والمراد به الخفي الذي لا ينفذ فيه ابتداء إلا علم اللطيف الخبير، وإنما نعلم منه نحن ما أعلمناه أو نصب لنا دليل عليه، ولهذا لا يجوز أن يطلق فيقال: فلان يعلم الغيب، وذلك نحو الصانع وصفاته والنبوات وما يتعلق بها والبعث والنشور والحساب والوعد والوعيد وغير ذلك.

ويجوز أن يكون بالغيب حالاً، والغيب بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته متلبسين بالغيب نحو { ﴿ الذين يخشون ربهم بالغيب  ﴾ ﴿ ليعلم أني لم أخنه بالغيب  ﴾ وفيه تعريض بالمنافقين حيث إن باطنهم يخالف ظاهرهم وغيبتهم تباين حضورهم ﴿ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم  ﴾ وقال بعض الشيعة: المراد بالغيب المهدي المنتظر الذي وعد الله في القرآن.

وورد في الخبر ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض  ﴾ "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من أمتي يواطئ اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً" الخامسة: معنى إقامة الصلاة أحد ثلاثة اشياء: إما تعديل أركانها وحفظها من أن يقع زيغ في فرائضها وسننها وآدابها من أقام العود إذا قومه، وإما الدوام عليها والمحافظة ﴿ والذين هم على صلاتهم دائمون  ﴾ ﴿ والذين هم على صلاتهم يحافظون  ﴾ من قامت السوق إذا نفقت وأقامها.

قال الأسدي: أقامت غزالة سوق الضراب.

لأهل العراقين حولاً قميطاً.

غزالة اسم امرأة شبيب الخارجي، قتله الحجاج فحاربته سنة تامة.

والضراب القتال، والعراقان الكوفة والبصرة، وقميطاً أي كاملاً لأنها إذا حوفظ عليها كانت كالشيء النافق الذي تتوجه إليه الرغبات، وإما التجلد والتشمر لأدائها وأن لا يكون في مؤديها فتور عنها ولا توان من قولهم: قام في الأمر خلاف تقاعد عنه، فعبر عن الأداء بالإقامة لأن القيام بعض أركانها كما عبر عنه بالقنوت، والقنوت القيام - وبالركوع والسجود والتسبيح ﴿ يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي  ﴾ ﴿ فلولا أنه كان من المسبحين  ﴾ ولا يخفى أن إقامة الصلاة بجميع هذه المعاني تستحق المدح والثناء.

السادسة: الصلاة في عرف الشرع عبارة عن إلهيات والأقوال المخصوصة التي مفتتحها التحريم ومختتمها التسليم فرضاً كانت أو نفلاً، إلا أنه يحتمل أن يقال المراد بها في الآية الفرض لأن الفلاح قد نيط بها في قوله  للأعرابي "أفلح والله إن صدق" بعد قول الأعرابي "والله لا أزيد على هذه ولا أنقص" أي على الصلوات المفروضة.

واشتقاقها لغة إما من الصلاة بمعنى الدعاء قال الأعشى: وقابلها الريح في دنها *** وصلى على دنها وارتسم أي وضع عليها الرسم وهو الخاتم وإما من قولهم "صليت العصا بالنار" إذا لينتها وقومتها قال: فلا تعجل بأمرك واستدمه *** فما صلي عصاك كمستديم والمصلي يسعى في تعديل ظاهره وتقويم باطنه كالخشب الذي يعرض على النار.

وإما من قولهم "صلى الفرس" إذا جاء مصلياً أي ملازماً للسابق، لأن رأسه عند صلاة، والصلا ما عن يمين الذنب وشماله، والمصلي ملازم لفعله من حين شروعه إلى أوان فراغه.

والصلاة اسم وضع موضع المصدر يقال: صليت صلاة ولا يقال تصلية.

قال في الكشاف: الصلاة فعلة من صلى كالزكاة من زكى.

وكتبها بالواو على لفظ المفخم.

وحقيقة صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده، ولا يخفى ما فيه من التعسف.

السابعة: الرزق لغة هو ما ينتفع به، فيشمل الحلال والحرام والمأكول وغيره والمملوك وغيره، والمعتزلة ومن يجري مجراهم زادوا قيداً آخر وهو أن لا يكون ممنوعاً عن الانتفاع به، وعلى هذا لا يكون الحرام عندهم رزقاً.

قال في الكشاف: إسناد الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم ينفقون الحلال المطلق الذي يستأهل أن يضاف إلى الله  ويسمى رزقاً منه.

وأدخل "من" التبعيضية صيانة لهم وكفاً عن الإسراف والتبذير المنهي عنه، وقدم مفعول الفعل دلالة على كونه أهم كأنه قال: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به، والحق أن التمكين من الانتفاع بالمرزوق مسند إلى الله  على الإطلاق، إذ كل بقدرته إلا أن مذهب المعتزلة إلى الأدب أقرب، ولا سيما في هذا المقام ليستحقوا المدح بالإنفاق منه.

الثامنة: أنفق الشيء وأنفده أخوان، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء يدل على معنى الخروج والذهاب، وما يقرب منه ويدخل في هذا الإنفاق الواجب من الزكاة التي هي أخت الصلاة وشقيقتها، ومن الإنفاق على النفس وعلى من تجب نفقته، ومن الإنفاق في الجهاد.

ويمكن أن يتناول كل منفق في سبيل الخير للإطلاق قال  ﴿ وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت  ﴾ والمراد به الصدقة لقوله ﴿ فأصدّق وأكن من الصالحين  ﴾ .

البحث السادس: في قوله  و "الذين يؤمنون" الآية.

وفيه مسائل: الأولى: يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأضرابه الذين اشتمل إيمانهم على كل وحي نزل من عند الله، سالف أو مترقب سبيله سبيل السالف لكونه معقوداً بعضه ببعض ومربوطاً آتيه بماضيه، وأيقنوا بالآخرة إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودات، وأن أهل الجنة لا يتلذذون إلا بالنسيم والأرواح العبقة والسماع اللذيذ ونحو ذلك.

فيكون المعطوف غير المعطوف عليه إما مغايرة المباينة وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن ابتداء بمحمد  من غير إيمان قبل ذلك بموسى وعيسى عليهما السلام، وإما مغايرة الخاص للعام وذلك إذا أريد بالأولين كل من آمن بمحمد  سواء كان قبل ذلك مؤمناً بموسى وعيسى عليهما السلام أو لم يكن.

ويكون السبب في ذكر هذا الخاص بعد العام إثبات شرف لهم وترغيباً لأمثالهم في الدين، ويحتمل أن يراد بهؤلاء الأولون، ووسط العاطف على معنى أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه كقوله: إلى الملك القرم وابن الهمام *** وليث الكتيبة في المزدحم يا لهف زيابة للحارث الــــ *** ـــصابح فالغانم فالآئـــب الثانية: قال في التفسير الكبير: المراد من إنزال الوحي أن جبريل سمع في السماء كلاماً لله  فنزل على الرسول  كما يقال: نزلت رسالة الأمير من القصر.

والرسالة لا تنزل لكن المستمع يستمع الرسالة في علو فينزل فيؤدي في سفل.

وقول الأمير لا يفارق ذاته، ولكن السامع يسمع فينزل ويؤدي بلفظ نفسه.

قال: فإن قيل: كيف سمع جبريل كلام الله وكلامه ليس حرفاً ولا صوتاً عندكم؟

قلنا: يحتمل أن يخلق الله له سمعاً لكلامه ثم أقدره على عبارة يعبر بها عن ذلك الكلام القديم.

ويجوز أن يكون خلق الله في اللوح المحفوظ كتابه بهذا النظم المخصوص فقرأه جبرائيل فحفظه، ويجوز أن يخلق أصواتاً مقطعة بهذا النظم المخصوص في جسم مخصوص فيتلقفه جبرائيل ويخلق له علماً ضرورياً بأنه هو العبارة المؤدية لمعنى ذلك الكلام.

وأقول: إنك إذا تأملت ما أشرت إليه في المقدمة العاشرة من مقدمات الكتاب انكشف لك الغطاء عن هذه المسالة.

الثالثة: الإيمان بجميع الكتب السماوية أعني التصديق بها واجب، لأن الفلاح منوط بذلك.

فيجب تحصيل العلم بما أنزل على محمد  التفصيل ليقوم بواجبه علماً وعملاً، لكنه فرض كفاية لقوله  ﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين  ﴾ الآية.

وأما المنزل على الأنبياء المتقدمين فالإيمان به واجب على الجملة لأن الله  ما تعبدنا الآن به حتى يلزمنا معرفتها مفصلة، لكنها إن عرفنا شيئاً من تفاصيلها فهناك يجب علينا الإيمان بتلك التفاصيل.

الرابعة: الآخرة صفة الدار تلك الدار الآخرة وهي من الصفات الغالبة تأنيث الآخر نقيض الأول وكذلك الدنيا تأنيث الأدنى لأنها أقرب، واليقين هو العلم بالشيء ضرورة أو استدلالاً بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه، ولذلك لا يوصف الله  بأنه متيقن ولا يقال تيقنت أن السماء فوقي أو أني موجود.

وفي تقديم الآخرة وبناء "يوقنون" على "هم" تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته ومن غير إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل على محمد وعلى غيره من الأنبياء، وهذا في معرض المدح ومعلوم أنه لا يمدح بتيقن وجود الآخرة فقط، بل به وبما يتبعه من الحساب والسؤال وإدخال المؤمنين الجنة والكافرين النار.

عن النبي  "يا عجباً كل العجب من الشاك في الله وهو يرى خلقه، وعجباً ممن يعرف النشأة الأولى ثم ينكر النشأة الآخرة، وعجباً ممن ينكر البعث والنشور وهو كل يوم يموت ويحيا - يعني النوم واليقظة - وعجباً ممن يؤمن بالجنة وما فيها من النعيم ثم يسعى لدار الغرور، وعجباً من المتكبر الفخور وهو يعلم أن أوله نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة" البحث السابع: في قوله  ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ الآية وفيه مسائل: الأولى: في كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها وجوه: أحدها نوى الابتداء "بالذين يؤمنون بالغيب" على سبيل الاستئناف و "أولئك على هدى" الجملة خبره، كأنه لما قيل "هدى للمتقين" فخص المتقون بأن الكتاب لهم هدى، اتجه لسائل أن يسأل فيقول: ما بال المتقين مخصوصين بذلك؟

فأجيب بأن الذين هؤلاء عقائدهم وأعمالهم أحقاء بأن يهديهم الله ويعطيهم الفلاح.

وهذا النوع من الاستئناف يجيء تارة بإعادة اسم من استؤنف عنه الحديث نحو: قد أحسنت إلى زيد زيد حقيق بالإحسان، وتارة بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة صفته مثل: أحسنت إلى زيد صديقك القديم أهل لذلك منك.

فيكون الاستئناف بإعادة الصفة كما في الآية أحسن وأبلغ لانطوائها على بيان الموجب وتلخيصه.

وثانيها: أن يجعل "الذين" و "الذين" تابعاً للمتقين، ويقع الاستئناف على "أولئك" كأنه قيل: ما للمستقلين بهذه الصفات قد اختصوا بالهدى؟

فقيل: أولئك الموصوفون غير مستبعد أن يفوزوا دون الناس بالهدى عاجلاً وبالفلاح آجلاً.

وثالثها: أن يجعل الموصول الأول صفة للمتقين ويرفع الثاني على الابتداء، و "أولئك" خبره، ويكون اختصاصهم بالهدى والفلاح تعريضاً بأهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بنبوة رسول الله  وهم ظانون أنهم على الهدى وطامعون في أنهم سيفلحون عند الله  والفضل من هذه الوجوه لأولها لأن الكلام المبني على السؤال والجواب أكثر فائدة، ولأن الاستئناف بإعادة الصفة أبلغ ولأن السؤال على الوجه الأخير كالضائع، لأن موجبات اختصاصهم بالهدى قد علمت.

وأيضاً إنه يجعل الموصولين تابعاً والوجه الأول يجعل الموصول الأول ركناً من الكلام.

الثانية: الاستعلاء في قوله "على هدى" مثل لتمكنهم من الهدى كقولهم "هو على الحق وفلان على الباطل" وقد يصرح بذلك فيقال: جعل الغواية مركباً، وامتطى الحق، واقتعد غارب الهوى.

ومعنى "هدى من ربهم أي منحوه من عنده وأوتوه من قبله، وهو إما اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي من الأفضل لأفضل، وإما الإرشاد إلى الدليل الموجب للثبات على ما اعتقدوه والدوام على ما عملوه.

ونكر "هدى" ليفيد ضرباً من المبالغة أي هدى لا يبلغ كنهه.

قال الهذلي: فلا وأبي الطير المربة بالضحى *** على خالد لقد وقعت على لحم أي لحم وأي لحم.

وأربّ بالمكان إذا أقام به، والأب مقحم للاستعظام إذ الكنى إنما تكون للأشراف كما أن الإقسام بالطير أيضاً لاستعظامهن لوقوعهن على لحم عظيم، وعنبعضهم الهدى من الله كثير ولا يبصره إلا بصير ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء ولا يهتدي بها إلا العلماء؟

الثالثة: في تكرير "أولئك" تنبيه على أنهم كما ثبت لهم الاختصاص بالهدى ثبت لهم الاختصاص بالفلاح فتميزوا عن غيرهم بهذين الاختصاصين.

ووسط العاطف بينهما لاختلاف خبريهما بخلاف قوله ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون  ﴾ فإن التسجيل عليهم بالغفلة وعدّهم من جملة الأنعام شيء واحد.

الرابعة: "هم" فصل وفائدته بعد الدلالة على أن الوارد بعده خبر لا صفة التوكيد، وإيجاب أن فائدة المسند ثابتة للمسند إليه دون غيره.

ويحتمل أن يكون "هم" مبتدأ و "المفلحون" خبره، والجملة خبر "أولئك".

الخامسة: المفلح الفائز بالبغية، والمفلج بالجيم مثله كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر.

وكذلك أخواته في الفاء والعين تدل على معنى الشق والفتح نحو: فلق، وفلذ، ومنه سمي الزارع فلاحاً.

ومعنى التعريف في "المفلحون" إما العهد أي المتقون هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة، أو الجنس على معنى أنهم الذين إن حصلت صفة المفلحين فهم هم لا يعدون تلك الحقيقة كما تقول لصاحبك: هل عرفت الأسد وما جبل عليه من فرط الإقدام إن زيداً هو هو.

فانظر كيف كرر الله عز وجل التنبيه على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله أحد على طرق شتى وهي ذكر اسم الإشارة، فإن في ذكره أيذاناً بأن ما يرد عقيبه.

فالمذكورون قبله أهل لاكتسابه من أجل الخصال التي عددت لهم، وتكرير اسم الإشارة وتعريف المفلحين وتوسيط الفصل، اللهم زينا بلباس التقوى واحشرنا في زمرة من صدّرت بذكرهم أولى الزهراوين.

قد ورد في الخبر "يحشر الناس يوم القيامة ثم يقول الله عز وجل لهم: طالما كنتم تتكلمون وأنا ساكت فاسكتوا اليوم حتى أتكلم، إني رفعت نسباً وأبيتم إلا أنسابكم قلت: إن أكرمكم عند الله أتقاكم وأبيتم أنتم فقلتم: لا بل فلان ابن فلان، فرفعتم أنسابكم ووضعتم نسبي، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم، فسيعلم أهل الجمع من أصحاب الكرم أين المتقون" فليأخذ العاقل بحكمة الله  وهو نوط الثواب وتعليق العقاب بالعمل الصالح والسيء إلا بما هو غير مضبوط من عفوه عن بعض المذنبين وردّة طاعة بعض المطيعين، كما أن حكمته لما اقتضت ترتب الشبع والري على الأكل والشرب لم يعهد الاتكال على ما يمكن أن يقع بالنسبة إلى قدرته من إشباع شخص أو إروائه من غير تناول الطعام والشراب أو بالعكس، وهذه نكتة شريفة ينتفع بها من وفق لها إن شاء الله.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

﴿ الۤـمۤ ﴾ قيل: فيه وجوهٌ: روى عن ابن عباس -  ما - قال: قوله: ﴿ الۤـمۤ ﴾ أنا الله أعلم.

وقيل: إنه قسم أقسم بها.

وقيل: إن هذه الحروف المعجمة مفتاح السورة.

وقيل: إن كل حرف من هذه الحروف كناية اسم من أسماءِ الله: الأَلف الله، واللام لطفه، والميم ملكه.

وقيل: إن اللام آلاؤه، والميم مجدهُ.

وقيل: إن الأَلف هو الله، واللام جبريل، والميم محمد.

وقيل: إنها من التشبيب؛ ليفصل بين المنظوم من الكلام، والمنثور من نحو الشعر ونحوه.

وقيل: إن تفسير هذه الحروف المقطعة ما أَلحق ذكرها بها على أَثرها نحو قوله: ﴿ الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ \[أول سورة البقرة\]، ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ هو تفسير ﴿ الۤـمۤ ﴾ ، و ﴿ الۤمۤ * ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ \[أول سورة آل عمران\]، ﴿ الۤمۤصۤ * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ ﴾ \[أول سورة الأعراف\]، و ﴿ الۤر كِتَابٌ ﴾ \[أول سورة هود، وإبراهيم\]، و ﴿ الۤـمۤ * تِلْكَ آيَاتُ ﴾ \[أول سورة لقمان\] كلُّ ملحقٍ بها فهو تفسيرُها.

وقيل: إن فيها بيان غاية ملك هذه الأُمة من حساب الجُمَّل، ولكنهم عدوا بعضها وتركوا البعض.

وقيل: إنه من المتشابه الذي لم يطلع الله خلقه علم ذلك، ولله أن يمتحن عباده بما شاءَ من المحن.

وقيل: إنهم كانوا لا يستمعون لهذا القرآن؛ كقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً  ﴾ فأنزل الله عز وجل هذه الحروف المعجمة ليستمعوا إليها فيلزمهم الحجة.

والأصل في الحروف المقطعة: أنه يجوز أن تكون على القَسَم بها على ما ذكرنا.

وأريد بالقدْر الذي ذكر كليةُ الحروف بما كان من شأْن العرب القسمُ بالذي جلَّ قدْرُه، وعظم خطره.

وهي مما بها قوام الدارين، وبها يتصل إلى المنافع أَجمع.

مع ما دّلت على نعمتين عظيمتين - اللسان والسمع - وهما مجرى كل أنواع الحكمة، فأَقسم بها على معنى إضمار ربّها، أَو على ما أَجلّ قدرها في أعين الخلق، فيقسم بها، ولله ذلك، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون بمعنى الرمز والتضمين في كل حرف منها أمراً جليلاً يعظم خطره على ما عند الناس في أَمر حساب الجُمل.

ثم يُخرَّج على الرمز بِها عن أَسماءِ الله وصفاته ونعمه على خلقه، أَو على بيانِ منتهى هذه الأُمة، أَو عددِ أَئمتها، وملوكها، والبقاع التي ينتهي أمرها، وذلك هو في نهاية الإيجاز، بل بالاكتفاءِ بالرمز عن الكلام، وبما هو بمعنى من الإشارة في الاكتفاءِ بها عن البسط، ولا قوة إلا بالله؛ ليُعلم الخلائقَ قدرة الله، وأَنَّ له أَنْ يضمن ما شاء فيما شاءَ على ما عليه أَمرُ الخلائق من لطيف الأَشياءِ التي كادت العقولُ وأَسباب الإدراك تقصر عنها، وكنهِها التي يدركها كل أَحد، وبين الأَمرين، فعلى ذلك أَمر تركيب الكلام، ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون بمعنى اسم السور، ولله تسميتها بما شاءَ كما سمى كتبه، وعلى ذلك منتهى أَسماءِ الأَجناس خمسة أحرف، وكذلك أمر السور، دليل ذلك وصْلُ كل سورة فتحت بها إليها، كأَنه بنى بها.

ولا قوة إلا بالله.

ويجوز أن يكون على التشبيب، على ما ذكرنا للتفصيل بين المنظوم من الكلام والمنثور في المتعارف أن المنظوم في الشاهد يشبب فيخرج عن المقصود بذلك الكلام، فعلى ذلك أمر الكلام المنزل.

أَلا ترى أَنه خرج على ما عليه فنون الكلام في الشاهد إلا أَنه على وجه ينقطع له المثال من كلامهم، فمثله أَمر التشبيب.

ولا قوة إلا بالله.

وجائِز: أن يكون الله أَنزلها على ما أَراد؛ ليمتحن عبادَه بالوقف فيها، وتسليم المراد في حقيقة معناه والذي له يزول ذلك، ويعترف أَنه من المتشابه، وفيها جاءَ تعلق الملحدة، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: أَن يكون إذ علم الله من تعنت قوم وإعراضهم عنه وقولهم: ﴿ لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ  ﴾ أَنزل على وجه يبعثهم على التأَمل في ذلك بما جاءَ بالعجيب الذي لم يكونوا يعرفون ذلك: إما لما عندهم أَنه كأَحدهم، أو لسبيل الطعن؛ إذ خرج عن المعهود عندهم، فتلا عليهم ما يضطرهم إلى العلم بالنزول من عند من يملك تدبير الأشياءِ؛ ولذلك اعترضوا لهذه الأَحرف بالتأَمل فيها من بين الجميع.

ولا قوة إلا بالله.

وقيل: إنه دعا خلقه إلى ذلك، والله أَعلم بما أَراد.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ ﴾ .

أي: هذا الكتاب، إشارة إلى ما عنده، وذلك شائع في اللغة، جائز بمعنى هذا.

وقيل: ذلك بمعنى ذلك، إشارة إلى ما في أَيدي السفرة والبررة.

وقوله: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ ﴾ .

قيل: فيه وجوهٌ؛ لكن الحاصل يرجع إلى وجهين: أي: لا ترتابوا فيه أنه من عند الله.

وقيل: لا ريب فيه أنه منزل على أَيدي الأُمناءِ والثقات.

وقوله: ﴿ هُدًى ﴾ .

قيل فيه بوجهين: ﴿ هُدًى ﴾ : أَي: بياناً ووضوحاً، فلو كان المراد هذا، فالتَّقيُّ وغير التَّقِيِّ سواء.

والثاني: هُدىً أي: رشداً، وحجة، ودليلاً.

ثم اختلفوا في الدليل: فقال الراوندي: الدليل إنما يكون دليلاً بالاستدلال؛ لأَنه فعل المستدل.

مشتق من الاستدلال؛ كالضرب من الضارب وغيره.

وقال غير هؤلاءِ: الدليل بنفسه دليل، وإن لم يستدل به؛ لأَنه حجة، والحجة حجة وإن لم يحتج بها.

غير أَن الدليل يكون دليلاً بالاستدلال، ومن لم يستدل به فلا يكون له دليلاً، وإن كان بنفسه دليلاً، بل يكون عليه عمى وحيرة كقوله: ﴿ وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ  ﴾ ثم قال: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ  وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: يؤمنون بالله غيباً، ولم يطلبوا منه ما طلبه الأُمم السالفة، من أنبيائهم؛ كقول بني إسرائيل لموسى: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً  ﴾ .

والثاني: يؤمنون بغيب القرآن، وبما يخبرهم القرآن من الوعدِ والوعيدِ، والأَمر والنهي، والبعث، والجنة، والنار.

والإيمانُ إنما يكون بالغيب؛ لأَنه تصديق، والتصديقُ والتكذيب إنما يكونان عن الخبر، والخبرُ يكون عن غيب لا عن مشاهدة.

والآية تنقض قول من يقول: بأَن جميع الطاعات إيمان؛ لأَنه أَثبت لهم اسم الإيمان دون إقامة الصلاة والزكاة بقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: الصلاةَ المعروفةَ، يقيمونها بتمام ركوعها وسجودها، والخشوغ، والخضوع له فيها، وإخلاص القلب في النِّية؛ على ما جَاءَ في الخبر "انْظُر مَنْ تُنَاجِي" ويحتمل: الحمد له والثناء عليه.

فإن كان المراد هذا فهو لا يحتمل النسخ، ولا الرفع في الدنيا والآخرة.

وقوله: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ .

من الأموال يحتمل فرضاً ونفلاً.

ويحتمل: ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من القوى في الأَنفس وسلامة الجوارح، ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ : يعينون.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: ما أنزل إليك من القرآن.

ويحتمل: ما أنزل إليك من الأَحكام، والشرائع التي ليس ذكرها في القرآن.

وقوله: ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ .

يحتمل وجهين أيضاً: يعني الكتب التي أنزلت على سائِر الأَنبياءِ عليهم السلام.

ويحتمل: الشرائع، والأَخبار سوى الكتب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴾ .

بمعنى يؤمنون.

والإيقان بالشيء هو العلم به.

والإيمان هو التصديق، لكنه إذا أَيقن آمن به وصدق به لعلمه به؛ لأَن طائفة من الكفار كانوا على ظن من البعث؛ كقوله: ﴿ إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ  ﴾ فأَخبر عز وجل عن حال هؤلاءِ أَنهم على يقين، ليسوا على الظن والشك كأُولئك.

وقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ﴾ .

قِيل: على صواب، ورشد من ربهم.

وقيل: إنهم على بيان من ربهم، لكن البيان ليس المؤمنُ أحقَّ به من الكافر؛ لأَنه يبين للكافر جميع ما يحتاج إليه، إما من جهة العقل، وإما من جهة السمع.

فظهر بهذا أَن الأَول أَقرب إلى الاحتمال من الثاني.

وقوله: ﴿ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الباقون في نعم الله والخير.

وقيل: الظافرون بحاجاتهم، يقال: أَفلح، أَي: ظفر بحاجته.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ هم السعداءُ، يقال: أَفلح، أي: سعد.

وقيل: ﴿ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ الناجون؛ يقال: أَفلح، أي: نجا.

وكله يرجع إلى واحد؛ كقوله: ﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ  ﴾ وكل واحد ممن زحزح عن النار فقد فاز ومن أُدخل الجنة فقد فاز فكذلك الأَول.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

﴿ وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِٱلْءَاخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ  ﴾ الذين يؤمنون بالغيب وهو كل ما لا يُدرك بالحواس وغاب عنّا، مما أخبر الله عنه أو أخبر عنه رسوله، كاليوم الآخر، وهم الذين يقيمون الصلاة بأدائها وفق ما شرع الله من شروطها، وأركانها، وواجباتها، وسننها، وهم الذين ينفقون مما رزقهم الله، بإخراج الواجب كالزكاة، أو غير الواجب كصدقة التطوع؛ رجاء ثواب الله، وهم الذين يؤمنون بالوحي الَّذي أنزل الله عليك -أيها النبي- والذي أنزل على سائر الأنبياء  من قبلك دون تفريق، وهم الذين يؤمنون إيمانًا جازمًا بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب.

<div class="verse-tafsir" id="91.ND9qb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الإيمان هو التصديق الجازم المقترن بإذعان النفس وقبولها واستسلامها، وآيته العمل بما يقتضيه الإيمان عند عدم الصارف الذي يختلف باختلاف درجات المؤمنين في اليقين.

والغيب ما غاب علمه عنه.

الناس قسمان: مادي لا يؤمن إلا بالحسيات، وغير مادي بما لا يدركه الحس، أي بما غاب عن المشاعر منى أرشد إليه الدليل أو الوجدان السليم، ولا شك أن الإيمان بالله وملائكته -وهي جنود غائبة لها مزايا وخواص يعلمها  - وباليوم الآخر إيمان بالغيب.

ومن لا يؤمن بالله لا يمكن أن يهتدي بالقرآن، ومن يتصدى لهدايته لا بد له أن يقيم الحجة العقلية على أن لهذا العالم إلهًا متصفًا بصفات الكمال التي لا تتحقق الألوهية إلا بها ثم يقنعه بأن هذا القرآن هداية من لدنه تعالى.

لذلك وصف الله المتقين الذين يهتدون بالقرآن بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ  ﴾ .

والإيمان بالغيب هو الاعتقاد بموجود وراء المحسوس.

وصاحب هذا الاعتقاد، واقف على طريق الرشاد، وقائم على أول النهج، لا يحتاج إلا إلى من يدله على المسلك ويأخذ بيده الغاية، فإن من يعتقد بأن وراء المحسوسات موجودات يصدق بها العقل، وإن كانت لا يأتي عليها الحس، إذا أقمت له الدليل على وجود فاطر السموات والأرض المستعلي عن المادة ولواحقها، المتصف بما وصف به نفسه على ألسنة رسله، سهل عليه التصديق وخف عليه النظر في جلي المقدمات وخفيها، وإذا جاء الرسول بوصف اليوم الآخر أو بذكر عالم من العوالم التي استأثر الله بعلمها، كعالم الملائكة مثلًا، لم يشق على نفسه تصديق ما جاء به الخبر بعد ثبوت النبوة.

لهذا جعل الله سبحانه هذا الوصف في مقدمة أوصاف المتقين الذين يجدون في القرآن هدى لهم.

وأما من لا يعرف من الموجود إلا المحسوس، ويظن أن لا شيء وراء المحسوسات وما اشتملت عليه، فنفسه تنفر من ذكر ما وراء مشهوده أو ما يشبه مشهوده، وقلما تجد السبيل إلى قلبه إذا بدأته بدعواك، نعم قد توصلك المجاهدة بعد مرور الزمان في إيراد المقدمات البعيدة، والأخذ به في الطرق المختلفة، إلى تقريبه مما تطلب، ولكن هيهات أن ينصرك الصبر، أو يخضعه القهر، حتى يتم لك من الأمر، فمثل هذا إذا عرض عليه القرآن نبا عنه سمعه، ولم يجمل من نفسه وقعه، فكيف يجد فيه هداية، أو منقذًا من غواية؟

ولما كان الإيمان بالغيب يطلق عند الناس على ذلك الاستسلام التقليدي الذي لم يأخذ من النفس إلا ما أخذ اللفظ من اللسان، وليس له أثر في الأفعال، لأنه لم يقع تحت نظر العقل، ولم يلحظه وجدان القلب، بل أغلقت عليه خزانة الوهم، ومثل هذا الذي يسمونه إيمانًا لا يفيد في إعداد القلب للاهتداء بالقرآن - لما كان هذا شأنهم مَنَّ الله علينا ببيان يشعر بحقيقة ما أراده تعالى من معنى الإيمان، فذكر علامات المؤمنين بالغيب الذين ينتفعون بهداية القرآن بالجمل الآتية، قال: ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة  ﴾ إلخ.

الصلاة إظهار الحاجة والافتقار إلى المعبود بالقول أو العمل أو كليهما وهو المراد بقولهم:"الصلاة معناها الدعاء"لأن إظهار الحاجة إلى العظيم الكريم، ولو بالفعل فقط، التماس للحاجة واستدرار للنعمة، أو طلب لدفع النقمة.

أرأيتم أولئك الذين يقفون بين أيدي الملوك ناكسي رؤوسهم حاني ظهورهم، وتارة يقعون على أقدامهم يقبلونها، أليس الباعث على هذا العمل إما خوف من عقوبة يطلبون به دفعها، وإما حذر على نعمة يتوقون سلبها ورفعها، فيلتمسون بقاءها، ويرجون زيادتها ونماءها؟!.

هذه الصلاة كانت توجد عند بعض الجاهليين وهم الذين كانوا يعرفون بالحنيفيين والحنفاء، وعند بعض أهل الكتاب بالمعنى الذي يأتي ذكره.

والصلاة بالمعنى الذي ذكرناه قد ظهر في الإسلام في أفضل أشكاله، وهو تلك الصلاة التي فرضها الله على المسلمين، فإن هذه الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم على النحو الذي جاءت به السنة المتواترة من أفضل ما يعبر به عن الإحساس بالحاجة إلى المعبود، وشعور الأنفس بعظمته، لو أقامها المصلون وأتوا بها على وجهها، ولذلك قال ﴿ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة  ﴾ ولم يقل يصلون، وفرق بينهما، فإن الصلاة متى حددت بكيفية مخصوصة يقال لمن يؤديها بتلك الكيفية إنه صلى وإن كان عمله هذا خلوًا من معنى الصلاة وقوامها المقصود من الهيئة الظاهرة، فاحتيج إلى لفظ يدل على هذا المعنى الذي به قوام الصلاة، وهو ما عبر عنه القرآن بلفظ الإقامة.

وقد قالوا إن إقامة الصلاة عبارة عن الإتيان بجميع حقوقها من كمال الطهارة واستيفاء الأركان والسنن، وهو لا يعدو وصف الصورة الظاهرة، وإنما قوام الصلاة الذي يحصل بالإقامة هو التوجه إلى الله تعالى والخشوع الحقيقي له، والإحساس بالحاجة إليه تعالى.

فإذا خلت صورة الصلاة من هذا المعنى لم يصدق على المصلي أنه أقام الصلاة، فإنه قد هدمها بإخلائها من عمادها، وقتلها بسلبها روحها، ومن غريب مزاعم من يسمون أنفسهم بالمسلمين: أن حضور القلب في جميع أجزاء الصلاة واستشعار الخشية من أصعب ما تتجشمه النفس، بل يكاد يكون مستحيلًا لغلبة الخواطر على ذهن المصلي.

هذا وأخشى أن يكون هذا جحودًا لمعنى الصلاة، وإنما عرض لهم هذا الوهم الباطل من شدة الغفلة، واستحكام العلة، وإني أدلهم على طريقة لو أخذوا بها لشغلوا بمعنى الصلاة حتى عن الصلاة نفسها، تلك الطريقة هي أن لا ينطق المصلي بلفظ إلا وهو يستورد معناه على ذهنه، فإذا قال ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ يستحضر معنى الحمد وإضافته إلى ذات الله تعالى مع وصفه بالربوبية، لجميع الأكوان العلوية والسفلية، وإذا قال مثل: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ تصور معنى الملك وتعلقه بذلك اليوم يوم الجزاء، وهكذا فإذا أخذ المصلي على نفسه أن يتصور المعاني من ألفاظها التي ينطق بها فقد أقام الصلاة، أما وهو ينطق ولا يفقه ولا يلحظ بذهنه معنى لفظ ما يقول فكيف يزعم أنه يصلي فضلًا عن أنه يقيم الصلاة؟!.

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  ﴾ : هذا الوصف من أقوى أمارات الإيمان بالغيب، لأن كثيرًا من الناس يأتون بضروب العبادات البدنية كالصلاة والصوم ومتى عرض لهم ما يقتضي بذل شيء من المال لله تعالى يمسكون ولا تسمح أنفسهم بالبذل، وليس المراد بالإنفاق هنا ما يكون على الأهل والولد، ولا يسمونه بالجود والكرم، كَقِرَى الضيوف ابتغاء عرض كالشهرة والجاه، أو الأنس بالأصحاب، لأن هذا ليس من آثار الإيمان بالغيب، وإنما هو الإنفاق الناشئ عن شعور بأن الله تعالى هو الذي رزقه وأنعم عليه به، وأن الفقير المحروم عبد الله مثله، وأنه حرم من سعة العيش لضعف أو حرمان من الأسباب التي توصل إلى الرزق، أو عن إحساس بأن مصلحة من مصالح المسلمين ومنفعة من منافعهم العامة لا تقوم أو لا تصل إليهم إلا ببذل المال، وقد أوجب الله على من أوتي المال أن ينفق منه في ذلك السبيل وهو أفضل سبل الله، فمن يجد من نفسه داعية لبذل أحب الأشياء إليه وهو ماله ابتغاء مرضاة الله تعالى وقيامًا بشكره، ورحمة لأهل العوز والبائسين من خلقه، فهو لا شك مستعد لقبول هداية القرآن أتم الاستعداد، حتى إذا ما دعي إليه لبى وأجاب وأسلم إلى الله تعالى وأناب.

فهذا بيان حال الفرقة الولى ممن يهتدي بالقرآن فعلًا ويشملها لفظ المتقين بالمعنى السابق، وكان منهم بعض العرب الحنفاء، وبعض أهل الكتاب الصلحاء، كما سبق بيانه.

والمراد من كون القرآن هدى لهذه الفرقة أنها مستعدة لقبوله، ومهيأة للاسترشاد به، لأن الإيمان الإجمالي بالله وبحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى الناس فيها أجورهم بحسب أعمالهم البدنية والنفسية، واتقاء ما يحول دون السعادة في هذه الحياة بحسب الاجتهاد الناقص والتعليم الذي لم يقتنع به العقل، ولم تسكن إليه النفس، قد هيأهم لقبول القرآن، وأن يقتبسوا من نوره ما يذهب بظلمات الجهل والحيرة، ويمنح الأرواح ما تتشوف إليه بمقتضى الفطرة.

وبعد أن بين حال هذه الفرقة التي يكون الكتاب هدى لها، يخرجها من ظلمات الشك إلى نور اليقين، وينكب بها عن مهاب رياح الفكر إلى مستقر السكينة، ومستكن الطمأنينة، بما تتعرفه النفس من جانب القدس، عطف عليها بيان حال الفرقة التي اهتدت به فعلًا، وصار إمامًا لها تتبعه في جميع أعمالها، دون أن تغمض عينها عنه.

بعد أن أضاء لها ما أضاء منه، فقال عز من قائل: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل