الآية ٣٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٤ من سورة البقرة

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا۟ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا۟ إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٣٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 316 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته ، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم .

وقد دل على ذلك أحاديث - أيضا - كثيرة منها حديث الشفاعة المتقدم ، وحديث موسى ، عليه السلام : رب ، أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة ، فلما اجتمع به قال : أنت آدم الذي خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته .

قال .

.

.

وذكر الحديث كما سيأتي .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم : الجن ، خلقوا من نار السموم ، من بين الملائكة ، وكان اسمه الحارث ، وكان خازنا من خزان الجنة ، قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي ، قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار ، [ وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت قال : وخلق الإنسان من طين ] .

فأول من سكن الأرض الجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، وقتل بعضهم بعضا .

قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة - وهم هذا الحي الذي يقال لهم : الجن - فقتلهم إبليس ومن معه ، حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ، فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه ، فقال : قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد .

قال : فاطلع الله على ذلك من قلبه ، ولم يطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه ، فقال الله تعالى للملائكة الذين معه : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) فقالت الملائكة مجيبين له : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) كما أفسدت الجن وسفكت الدماء ، وإنما بعثتنا عليهم لذلك ؟

فقال : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) يقول : إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره ، قال : ثم أمر بتربة آدم فرفعت ، فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب : اللزج الصلب من حمإ مسنون منتن ، وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب .

فخلق منه آدم بيده ، قال : فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى .

فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله ، فيصلصل ، أي فيصوت .

قال : فهو قول الله تعالى : ( من صلصال كالفخار ) [ الرحمن : 14 ] ) يقول : كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت .

قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره ، ويدخل من دبره ، ويخرج من فيه .

ثم يقول : لست شيئا - للصلصلة - ولشيء ما خلقت ، ولئن سلطت عليك لأهلكنك ، ولئن سلطت علي لأعصينك .

قال : فلما نفخ الله فيه من روحه ، أتت النفخة من قبل رأسه ، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما ، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده ، فذهب لينهض فلم يقدر ، فهو قول الله تعالى : ( وكان الإنسان عجولا ) قال : ضجر لا صبر له على سراء ولا ضراء .

قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس ، فقال : الحمد لله رب العالمين - بإلهام الله - فقال [ الله ] له : يرحمك الله يا آدم .

قال ثم قال [ الله ] تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السماوات : اسجدوا لآدم .

فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر ، لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار .

فقال : لا أسجد له ، وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا ، خلقتني من نار وخلقته من طين .

يقول : إن النار أقوى من الطين .

قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله ، أي : آيسه من الخير كله ، وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته ، ثم علم آدم الأسماء كلها ، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .

ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة ، يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس ، الذين خلقوا من نار السموم ، وقال لهم : ( أنبئوني بأسماء هؤلاء ) يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء ( إن كنتم صادقين ) إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة .

قال : فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب ، الذي لا يعلمه غيره ، الذي ليس لهم به علم قالوا : سبحانك ، تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره ، وتبنا إليك ( لا علم لنا إلا ما علمتنا ) تبريا منهم من علم الغيب ، إلا ما علمتنا كما علمت آدم ، فقال : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) يقول : أخبرهم بأسمائهم ( فلما أنبأهم ) [ يقول : أخبرهم ] ( بأسمائهم قال ألم أقل لكم ) أيها الملائكة خاصة ( إني أعلم غيب السماوات والأرض ) ولا يعلم غيري ( وأعلم ما تبدون ) يقول : ما تظهرون ( وما كنتم تكتمون ) يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني : ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار .

هذا سياق غريب ، وفيه أشياء فيها نظر ، يطول مناقشتها ، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور .

وقال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش ، فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا ، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم : الجن ، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة ، وكان إبليس مع ملكه خازنا ، فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي على الملائكة .

فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع الله على ذلك منه .

فقال الله للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قالوا : ربنا ، وما يكون ذلك الخليفة ؟

قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا .

قالوا : ربنا ، ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) يعني : من شأن إبليس .

فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تقبض مني أو تشينني فرجع ولم يأخذ ، وقال : رب مني عاذت بك فأعذتها ، فبعث ميكائيل ، فعاذت منه فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل ، فبعث ملك الموت فعاذت منه .

فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره ، فأخذ من وجه الأرض ، وخلط ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ، فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا - واللازب : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم قال للملائكة : ( إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) [ ص : 71 ، 72 ] فخلقه الله بيده لئلا يتكبر إبليس عنه ، ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي ، ولم أتكبر أنا عنه .

فخلقه بشرا ، فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة ، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه ، وكان أشدهم فزعا منه إبليس ، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة .

فذلك حين يقول : ( من صلصال كالفخار ) [ الرحمن : 14 ] ويقول : لأمر ما خلقت .

ودخل من فيه فخرج من دبره ، وقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا ، فإن ربكم صمد وهذا أجوف .

لئن سلطت عليه لأهلكنه ، فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح ، قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه ، عطس ، فقالت الملائكة : قل : الحمد لله .

فقال : الحمد لله ، فقال له الله : رحمك ربك ، فلما دخلت الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة .

فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول تعالى : ( خلق الإنسان من عجل ) [ الأنبياء : 37 ] ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ) [ الحجر : 30 ، 31 ] أبى واستكبر وكان من الكافرين .

قال الله له : ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي ؟

قال : أنا خير منه ، لم أكن لأسجد لمن خلقته من طين .

قال الله له : اخرج منها فما يكون لك ، يعني : ما ينبغي لك ( أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين ) [ الأعراف : 13 ] والصغار : هو الذل .

قال : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) ثم عرض الخلق على الملائكة ( فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، فقالوا ( سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ) قال الله : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) قال : قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) فهذا الذي أبدوا ، وأعلم ما تكتمون يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر .

فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي ويقع فيه إسرائيليات كثيرة ، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة ، أو أنهم أخذوه من بعض الكتب المتقدمة .

والله أعلم .

والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه أشياء ، ويقول : [ هو ] على شرط البخاري .

والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم دخل إبليس في خطابهم ؛ لأنه - وإن لم يكن من عنصرهم - إلا أنه كان قد تشبه بهم وتوسم بأفعالهم ؛ فلهذا دخل في الخطاب لهم ، وذم في مخالفة الأمر .

وسنبسط المسألة إن - شاء الله تعالى - عند قوله : ( إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه ) [ الكهف : 50 ] .

ولهذا قال : محمد بن إسحاق ، عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل ، وكان من سكان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهادا ، وأكثرهم علما ؛ فذلك دعاه إلى الكبر ، وكان من حي يسمون جنا .

وفي رواية عن خلاد ، عن عطاء ، عن طاوس - أو مجاهد - عن ابن عباس ، أو غيره ، بنحوه .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد - يعني : ابن العوام - عن سفيان بن حسين ، عن يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان إبليس اسمه عزازيل ، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة ، ثم أبلس بعد .

وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة ، وكان خازنا على الجنان ، وكان له سلطان سماء الدنيا ، وكان له سلطان الأرض .

وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس ، سواء .

وقال صالح مولى التوءمة ، عن ابن عباس : إن من الملائكة قبيلا يقال لهم : الجن ، وكان إبليس منهم ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض ، فعصى ، فمسخه الله شيطانا رجيما .

رواه ابن جرير .

وقال قتادة عن سعيد بن المسيب : كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عدي بن أبي عدي ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط ، وإنه لأصل الجن ، كما أن آدم أصل الإنس .

وهذا إسناد صحيح عن الحسن .

وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء .

وقال شهر بن حوشب : كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة ، فأسره بعض الملائكة فذهب به إلى السماء ، رواه ابن جرير .

وقال سنيد بن داود : حدثنا هشيم ، أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل ، عن سعد بن مسعود ، قال : كانت الملائكة تقاتل الجن ، فسبي إبليس وكان صغيرا ، فكان مع الملائكة ، فتعبد معها ، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا ، فأبى إبليس .

فلذلك قال تعالى : ( إلا إبليس كان من الجن ) [ الكهف : 50 ] .

وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن سنان القزاز ، حدثنا أبو عاصم ، عن شريك ، عن رجل ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : إن الله خلق خلقا ، فقال : اسجدوا لآدم .

فقالوا : لا نفعل .

فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ، ثم خلق خلقا آخر ، فقال : إني خالق بشرا من طين ، اسجدوا لآدم .

قال : فأبوا .

فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم .

ثم خلق هؤلاء ، فقال : اسجدوا لآدم ، قالوا : نعم .

وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم .

وهذا غريب ، ولا يكاد يصح إسناده ، فإن فيه رجلا مبهما ، ومثله لا يحتج به ، والله أعلم .

وقال قتادة في قوله : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ) فكانت الطاعة لله ، والسجدة أكرم الله آدم بها أن أسجد له ملائكته .

وقال في قوله تعالى : ( فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين ) حسد عدو الله إبليس آدم ، عليه السلام ، على ما أعطاه الله من الكرامة ، وقال : أنا ناري وهذا طيني ، وكان بدء الذنوب الكبر ، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم عليه السلام .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا صالح بن حيان ، حدثنا عبد الله بن بريدة : قوله تعالى : ( وكان من الكافرين ) من الذين أبوا ، فأحرقتهم النار .

وقال أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : ( وكان من الكافرين ) يعني : من العاصين .

وقال السدي : ( وكان من الكافرين ) الذين لم يخلقهم الله يومئذ يكونون بعد .

وقال محمد بن كعب القرظي : ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة ، وعمل بعمل الملائكة ، فصيره إلى ما أبدى عليه خلقه من الكفر ، قال الله تعالى : ( وكان من الكافرين ) وقال بعض الناس : كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام ، كما قال تعالى : ( ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا ) [ يوسف : 100 ] وقد كان هذا مشروعا في الأمم الماضية ولكنه نسخ في ملتنا ، قال معاذ : قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم ، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك ، فقال : لا ، لو كنت آمرا بشرا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ورجحه الرازي ، وقال بعضهم : بل كانت السجدة لله وآدم قبلة فيها كما قال : ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) [ الإسراء : 78 ] وفي هذا التنظير نظر ، والأظهر أن القول الأول أولى ، والسجدة لآدم إكراما وإعظاما واحتراما وسلاما ، وهي طاعة لله عز وجل ؛ لأنها امتثال لأمره تعالى ، وقد قواه الرازي في تفسيره وضعف ما عداه من القولين الآخرين وهما كونه جعل قبلة إذ لا يظهر فيه شرف ، والآخر : أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض وهو ضعيف كما قال .

قلت : وقد ثبت في الصحيح : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر وقد كان في قلب إبليس من الكبر - والكفر - والعناد ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس ؛ قال بعض المعربين : وكان من الكافرين أي : وصار من الكافرين بسبب امتناعه ، كما قال : ( فكان من المغرقين ) [ هود : 43 ] وقال ( فتكونا من الظالمين ) [ البقرة : 35 ] وقال الشاعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها أي : قد صارت ، وقال ابن فورك : تقديره : وقد كان في علم الله من الكافرين ، ورجحه القرطبي ، وذكر هاهنا مسألة فقال : قال علماؤنا من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ، خلافا لبعض الصوفية والرافضة هذا لفظه .

ثم استدل على ما قال : بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أنه يوافي الله بالإيمان ، وهو لا يقطع لنفسه بذلك ، يعني والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر .

قلت : وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي ، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر ، أيضا ، بما ثبت عن ابن صياد أنه قال : هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : ( فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين ) [ الدخان : 10 ] ، وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب حتى ضربه عبد الله بن عمر ، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر ، والأرض أن تنبت فتنبت ، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب ، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه إلى غير ذلك من الأمور المهولة .

وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي : قلت للشافعي : كان الليث بن سعد يقول : إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ، فقال الشافعي : قصر الليث ، رحمه الله ، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ، وقد حكى فخر الدين وغيره قولين للعلماء : هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض ، أو عام بملائكة السماوات والأر ، وقد رجح كلا من القولين طائفة ، وظاهر الآية الكريمة العموم : ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) [ الحجر : 30 ، 31 ، ص : 73 ، 74 ] ، فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) قال أبو جعفر: أمّا قوله: " وإذ قلنا " فمعطوف على قوله: وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ، كأنه قال جل ذكره لليهود - الذين كانوا بين ظهرانَيْ مُهاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني إسرائيل، معددًا عليهم نعَمه، ومذكِّرهم آلاءه، على نحو الذي وصفنا فيما مضى قبل-: اذكروا فعلي بكم إذ أنعمت عليكم.

&; 1-502 &; فخلقت لكم ما في الأرض جميعًا، وإذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة، فكرمت أباكم آدمَ بما آتيته من عِلمي وفضْلي وكرَامتي، وإذْ أسجدت له ملائكتي فسجدوا له.

ثم استثنى من جميعهم إبليس، فدلّ باستثنائه إياه منهم على أنه منهم، وأنه ممن قد أمِر بالسجود معهم، كما قال جل ثناؤه: إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [سورة الأعراف: 11-12]، فأخبر جل ثناؤه أنه قد أمر إبليس فيمن أمرَه من الملائكة بالسجود لآدمَ.

ثم استثناه جل ثناؤه مما أخبر عنهم أنهم فعلوه من السجود لآدمَ، فأخرجه من الصفة التي وصفهم بها من الطاعة لأمره، ونفى عنه ما أثبته لملائكته من السجود لعبده آدم.

ثم اختلف أهل التأويل فيه: هل هو من الملائكة، أم هو من غيرها؟

فقال بعضهم بما:- 685 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم " الحِن "، خلقوا من نار السَّموم من بين الملائكة.

قال: فكان اسمه الحارث.

قال: وكان خازنًا من خُزَّان الجنة.

قال: وخلقت الملائكة من نورٍ غير هذا الحيّ.

قال: وخلقت الجنّ الذي ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت (145) .

686 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس.

قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصيةَ من الملائكة اسمه " عزازيل "، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة &; 1-503 &; اجتهادًا وأكثرهم علمًا، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمون جنا (146) .

687 - وحدثنا به ابن حميد مرة أخرى، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن خلاد، عن عطاء، عن طاوس، أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس وغيره بنحوه، إلا أنه قال: كان ملكًا من الملائكة اسمه " عزازيل "، وكان من سكان الأرض وعُمَّارها، وكان سكان الأرض فيهم يسمون " الجنَّ" من بين الملائكة (147) .

688 - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود ، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: جعل إبليس على مُلك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم " الجنّ"، وإنما سُمُّوا الجن لأنهم خُزَّان الجنة.

وكان إبليس مع مُلكه خازنًا (148) .

689 - وحدثنا القاسم بن الحسن، قال: حدثنا حسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان خازنًا على الجنان، وكان له سلطانُ سماء الدنيا، وكان له سلطانُ الأرض.

قال: قال ابن عباس: وقوله: كَانَ مِنَ الْجِنِّ [سورة الكهف: 50] إنما يسمى بالجنان أنه كان خازنًا عليها، كما يقال للرجل مكي ومدَنيّ وكوفيّ وبصريّ.

(149) .

قال ابن جُريج، وقال آخرون: هم سبط من الملائكة قَبيلِه، فكان اسم قبيلته الجن.

690 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن صالح مولى التَّوْأمة، وشريك بن أبي نَمِر - أحدهما أو كلاهما - عن ابن عباس، قال: إن من الملائكة قبيلةً من الجن، وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض (150) .

691 - وحدثت عن الحسن بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن خالد، قال: أخبرنا عُبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك بن مُزَاحم يقولُ في قوله: فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [سورة الكهف: 50]، قال: كان ابن عباس يقول: إن إبليس كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة.

ثم ذكر مثل حديث ابن جُريج الأول سواء (151) .

692 - وحدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثني شيبان، قال حدثنا سلام بن مسكين، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: كان إبليس رئيسَ ملائكة سماء الدنيا (152) .

693 - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ [سورة الكهف: 50]، كان من قبيل من الملائكة يقال لهم " الجن "، &; 1-505 &; وكان ابن عباس يقول: لو لم يكن من الملائكة لم يُؤمر بالسجود، وكان على خِزانة سماء الدنيا، قال: وكان قتادة يقول: جَنَّ عن طاعة ربه (153) .

694 - وحدثنا الحسين بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ قال: كان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن (154) .

695 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد بن إسحاق، قال: أما العرب فيقولون: ما الجنّ إلا كل من اجتَنَّ فلم يُرَ.

وأما قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ أي كان من الملائكة، وذلك أن الملائكة اجتنُّوا فلم يُرَوْا.

وقد قال الله جل ثناؤه: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ [سورة الصافات: 158]، وذلك لقول قريش: إن الملائكة بناتُ الله، فيقول الله: إن تكن الملائكة بناتي فإبليس منها، وقد جعلوا بيني وبين إبليس وذريته نسبًا.

قال: وقد قال الأعشى، أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري، وهو يذكر سليمانَ بن داود وما أعطاه الله: وَلَـوْ كَـانَ شَـيْءٌ خَـالِدًا أَوْ مُعَمَّـرا لَكَـانَ سُـلَيْمَانُ الْبَرِيءُ مِـنَ الدَّهْـرِ (155) بَــرَاهُ إِلَهِــي وَاصْطَفَــاهُ عِبَـادَهُ وَمَلَّكَـهُ مَـا بَيْـنَ ثُرْيَـا إِلَـى مِصْرَ (156) وَسَـخَّرَ مِـنْ جِـنِّ الْمَلائِـكِ تِسْـعَةً قِيَامًــا لَدَيْــهِ يَعْمَلُـونَ بِـلا أَجْـرِ قال: فأبت العربُ في لغتها إلا أنّ " الجن " كل ما اجتنَّ.

يقول: ما سمَّى الله الجن إلا أنهم اجتنُّوا فلم يُرَوا، وما سمّي بني آدم الإنس إلا أنهم ظهروا فلم يجتنوا.

فما ظهر فهو إنس، وما اجتنّ فلم يُرَ فهو جنّ (157) .

وقال آخرون بما:- 696 - حدثنا به محمد بن بشار، قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن عوف، عن الحسن، قال: ما كان إبليسُ من الملائكة طرفةَ عين قطّ، وإنه لأصل الجنّ، كما أن آدم أصل الإنس (158) .

697 - وحدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول في قوله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ألجأه إلى نسبه (159) فقال الله: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا [سورة الكهف: 50]، وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم (160) .

698 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا يحيى بن واضح، قال: حدثنا &; 1-507 &; أبو سعيد اليحمَديّ، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سَوار بن الجعد اليحمَديّ، عن شَهر بن حَوْشب، قوله: مِنَ الْجِنِّ ، قال: كان إبليس من الجن الذين طرَدتهم الملائكة، فأسرَه بعض الملائكة فذهب به إلى السماء (161) .

699 - وحدثني علي بن الحسين، قال: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الخلال، قال: حدثني سنيد بن داود، قال حدثنا هشيم، قال أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى، عن موسى بن نُمير، وعثمان بن سعيد بن كامل، عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجنّ، فسُبِي إبليس وكان صغيرًا، فكان مع الملائكة فتعبَّد معها، فلما أمِروا بالسجود لآدم سجدوا.

فأبى إبليس.

فلذلك قال الله: إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ (162) .

700 - وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، قال: حدثنا المبارك بن مجاهد أبو الأزهر، عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: إن منَ الملائكة قبيلا يقال لهم: الجن، فكان إبليس منهم، وكان إبليس يسوس ما بين السماء والأرض، فعصَى، فمسخه الله شيطانًا رجيما.

(163) 701 - قال: وحدثنا يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: إبليس أبو الجن، كما آدم أبو الإنس (164) .

وعلة من قال هذه المقالة، أن الله جل ثناؤه أخبرَ في كتابه أنه خلق إبليس من نار السَّموم، ومن مارج من نار، ولم يخبر عن الملائكة أنه خَلقها من شيء من ذلك، وأن الله جل ثناؤه أخبر أنه من الجنّ - فقالوا: فغيرُ جائز أن يُنسب إلى غير ما نسبه الله إليه.

قالوا: ولإبليس نسلٌ وذرية، والملائكة لا تتناسل ولا تتوالد.

&; 1-508 &; 702 - حدثنا محمد بن سنان القزّاز، قال: حدثنا أبو عاصم، عن شَريك، عن رجل، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: إن الله خلق خلقًا، فقال: اسجدوا لآدم: فقالوا: لا نفعل.

فبعث الله عليهم نارًا تُحرقهم، ثم خلق خلقًا آخر، فقال: إني خالقٌ بشرًا من طين، اسجدوا لآدم.

فأبوا، فبعث الله عليهم نارًا فأحرقتهم.

قال: ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم.

فقالوا: نعم.

وكان إبليسُ من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم (165) .

قال أبو جعفر: وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها.

وذلك أنه غيرُ مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خَلق أصنافَ ملائكته من أصنافٍ من خلقه شَتَّى.

فخلق بعضًا من نُور، وبعضًا من نار، وبعضًا مما شاء من غير ذلك.

وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عَما خَلق منه ملائكته (166) ، وإخبارِه عما خلق منه إبليس - ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن معناهم.

إذْ كان جائزًا أن يكون خلق صِنفًا من ملائكته من نار كان منهم إبليس، وأن يكون أفرد إبليس بأنْ خَلقه من نار السموم دون سائر ملائكته.

وكذلك غيرُ مخرجه أن يكون كان من الملائكة بأنْ كان له نسل وذرية، لِمَا ركَّب فيه من الشهوة واللذة التي نُـزعت من سائر الملائكة، لِمَا أراد الله به من المعصية.

وأما خبرُ الله عن أنه مِنَ الْجِنِّ ، فغير مدفوع أن يسمى ما اجتنّ من الأشياء عن الأبصار كلها جنًّا - كما قد ذكرنا قبل في شعر الأعشى - فيكون إبليسُ والملائكةُ منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم.

القول في معنى إِبْلِيسَ قال أبو جعفر: وإبليس " إفعِيل "، من الإبلاس، وهو الإياس من الخير والندمُ والحزن.

كما:- 703 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إبليس، أبلسه الله من الخير كله، وجعله شيطانًا رجيمًا عقوبة لمعصيته (167) .

704 - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ، قال: كان اسم إبليس " الحارث "، وإنما سمي إبليس حين أبلس متحيِّرًا (168) .

قال أبو جعفر: وكما قال الله جل ثناؤه: فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [سورة الأنعام: 44]، يعني به: أنهم آيسون من الخير، نادمون حزنًا، كما قال العجَّاج: يَـا صَـاحِ, هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسَا? قَــالَ: نَعَــمْ, أَعْرِفُــهُ!

وَأَبْلَسَــا (169) وقال رؤبة: وَحَـضَرَتْ يَـوْمَ الْخَـمِيسِ الأَخْمَـاسْ وَفِــي الْوُجُــوهِ صُفْــرَةٌ وَإِبْلاسْ (170) يعني به اكتئابًا وكسوفًا.

فإن قال قائل: فإن كان إبليس، كما قلت،" إفعيل " من الإبلاس، فهلا صُرف وأجري؟

قيل: تُرك إجراؤه استثقالا إذ كان اسمًا لا نظيرَ له من أسماء العرب، فشبَّهته العرب - إذْ كان كذلك - بأسماء العجم التي لا تُجرَى.

وقد قالوا: مررت بإسحاق، فلم يُجروه.

وهو من " أسحقه الله إسحاقًا "، إذْ كان وَقَع مبتدَأ اسمًا لغير العرب، ثم تسمت به العرب فجرى مَجراه - وهو من أسماء العجم - في الإعراب فلم يصرف.

وكذلك " أيوب "، إنما هو " فيعول " من "آب يؤبُ".

وتأويل قوله: أَبَى ، يعني جل ثناؤه بذلك إبليس، أنه امتنع من السجود لآدم فلم يسجد له.

وَاسْتَكْبَرَ ، يعني بذلك أنه تعظَّم وتكبَّر عن طاعة الله في السجود لآدم.

وهذا، وإن كان من الله جل ثناؤه خبرًا عن إبليس، فإنه تقريعٌ لضُربائه من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقيادِ لطاعته فيما أمرهم به وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق.

وكان ممن تكبر عن الخضوع لأمر الله، والتذلل لطاعته، والتسليم لقضائه فيما ألزمهم من حقوق غيرهم - اليهودُ الذين كانوا بين ظهرانيْ مُهَاجَرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبارُهم الذين كانوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وصِفته عارفين، وبأنه لله رسولٌ عالمين.

ثم استكبروا - مع علمهم بذلك - عن الإقرار بنبوّته، والإذعان لطاعته، بَغْيًا منهم له وحسدًا.

فقرَّعهم الله بخبره عن إبليس &; 1-511 &; الذي فعل في استكباره عن السجود لآدم حسدًا له وبغيًا، نظيرَ فعلهم في التكبر عن الإذعان لمحمد نبي الله صلى الله عليه وسلم ونبوّته ، إذ جاءهم بالحق من عند ربهم حسدًا وبغيًا.

ثم وَصَف إبليس بمثل الذي وصف به الذين ضرَبه لهم مثلا في الاستكبار والحسد والاستنكاف عن الخضوع لمن أمرَه الله بالخضوع له، فقال جل ثناؤه: وَكَانَ - يعني إبليس - مِنَ الْكَافِرِينَ - من الجاحدين نعمَ الله عليه وأياديَه عنده، بخلافه عليه فيما أمرَه به من السجود لآدم، كما كفرت اليهود نعمَ ربِّها التي آتاها وآباءها قبلُ: من إطعام الله أسلافَهم المنّ والسلوى، وإظلال الغمام عليهم، وما لا يحصى من نعمه التي كانت لهم، خصوصًا ما خصَّ الذين أدركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم بإدراكهم إياه، ومشاهدتهم حجةَ الله عليهم، فجحدت نبوّته بعد علمهم به، ومعرفتهم بنبوّته حسدًا وبغيًا.

فنسبه الله جل ثناؤه إلى لْكَافِرِينَ مِنَ الْجِنِّ ، فجعله من عِدَادهم في الدين والملة، وإن خالفهم في الجنس والنسبة.

كما جعل أهل النفاق بعضَهم من بعض، لاجتماعهم على النفاق، وإن اختلفت أنسابهم وأجناسهم، فقال: الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ [سورة التوبة: 67] يعني بذلك أن بعضهم من بعض في النفاق والضلال.

فكذلك قوله في إبليس: كان من الكافرين، كان منهم في الكُفر بالله ومخالفتِه أمرَه، وإن كان مخالفًا جنسُه أجناسَهم ونسبُه نسبهم.

ومعنى قوله: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ أنه كان - حين أبَى عن السجود - من الكافرين حينئذ.

وقد رُوي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أنه كان يقول: في تأويل قوله: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، في هذا الموضع، وكان من العاصين.

705 - حدثني المثنى بن إبراهيم، قال: حدثنا آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ، يعني العاصين (171) .

706 - وحُدّثت عن عمار بن الحسن، قال حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، بمثله.

وذلك شبيه بمعنى قولنا فيه.

وكان سجود الملائكة لآدم تكرمةً لآدم وطاعة لله، لا عبادةً لآدم، كما:- 707 - حدثنا به بشر بن معاذ: قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته.

(172) .

----------- الهوامش : (145) الخبر : 685- مضى بتمامه في الخبر السالف رقم : 606 ، وفي ابن كثير 1 : 136 ، وفيهما معًا "إذا ألهبت" .

وأعاده ابن كثير 5 : 296 .

وفيه كما هنا"التهبت" .

وفيه"الجن" بالجيم ، وانظر ما مضى ص : 455 تعليق : 1 .

(146) الخبر : 686 في ابن كثير 1 : 139 و 5 : 296 ، والدر المنثور 1 : 150 ، والشوكاني 1 : 53 .

وخلاد : هو ابن عبد الرحمن الصنعاني ، وهو ثقة ، ويروى عن طاوس ومجاهد مباشرة ، ولكنه روى عنهما ، هنا وفي الخبر التالي ، بواسطة عطاء .

(147) الخبر : 687- في ابن كثير 1 : 139 عقب الذي قبله .

(148) الخبر : 688- مختصر من الأثر السالف رقم : 607 .

(149) الخبر : 689- في ابن كثير 1 : 139 و 5 : 296 ، والدر المنثور 1 : 178 .

(150) الخبر : 690- في ابن كثير 5 : 296- 297 ، وفيه زيادة هناك .

وسيأتي بإسناد آخر مطولا : 700 .

(151) الخبر : 691- الحسن بن الفرج : لم أعرف من هو؟

وأبو معاذ الفضل بن خالد : هو النحوي المروزي ، وهو ثقة ، ذكره ابن حبان في الثقات ، وترجمه ابن أبي حاتم 3/2/61 ، وياقوت في الأدباء 6 : 140 ، والسيوطي في البغية : 373 .

وقال ياقوت : "روى عنه الأزهري في كتاب التهذيب ، فأكثر" .

وليس يريد بذلك رواية السماع ، بل يريد أنه روى آراءه أو نقله في اللغة .

أما رواية السماع فلا .

لأن الفضل هذا مات سنة 211 ، والأزهري ولد سنة 282 .

فهذا كلام موهم؛ ولم يكن يجدر بالسيوطي - وهو محدث - أن يتبعه دون تأمل!

(152) الأثر : 692- في ابن كثير 1 : 139 .

شيبان : هو ابن فروخ ، وهو ثقة .

سلام بن مسكين الأزدي : ثقة ، أخرج له الشيخان .

(153) الأثر : 693- لم نجده في مكان آخر .

(154) الأثر : 694- لم نجده أيضًا .

وقال الحافظ ابن كثير 5 : 297- بعد أن نقل كثيرًا من الآثار في مثل هذه المعاني : "وقد روى في هذا آثار كثيرة عن السلف .

وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها ، والله أعلم بحال كثير منها .

ومنها ما قد يقطع بكذبه ، لمخالفته للحق الذي بأيدينا .

وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المثقدمة ، لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان ، وقد وضع فيها أشياء كثيرة .

وليس لهم من الحفاظ المتقنين ، الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين- كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء ، والسادة والأتقياء ، والبررة والنجباء ، من الجهابذة النقاد ، والحفاظ الجياد .

الذين دونوا الحديث وحرروه ، وبينوا صحيحه ، من حسنه ، من ضعيفه ، من منكره وموضوعه ، ومتروكه ومكذوبه .

وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين ، +وغير ذلك من أصناف الرجال .

كل ذلك صيانة للجناب النبوي ، والمقام المحمدي ، خاتم الرسل ، وسيد البشر ، صلى الله عليه وسلم- : أن ينسب إليه كذب ، أو يحدث عنه بما ليس منه .

فرضى الله عنهم وأرضاهم ، وجعل جنات الفردوس مأواهم .

وقد فعل" .

(155) ملحق ديوان الأعشى : 243 ، والأضداد لابن الأنباري : 293 .

ولم يعن بالدهر هاهنا الأمد الممدود ، بل عني مصائب الدهر ونكباته ، كما قال عدى بن زيد ، وجعل مصائب الدهر هي الدهر نفسه : أَيُّهَــا الشَّــامِتُ المُعَــيِّر بِـالدَّ هْرِ أَأَنْــــتَ المـــبرَّأُ المَوْفُـــورُ (156) ثريا : هكذا ضبط في ملحق ديوان الأعشى ، ولم أعرف الموضع ولم أجده .

ولم أهتد إلى تحريفه إن كان محرفًا .

وفي الأضداد : "توفى" .

(157) الأثر : 695- رواه مختصرًا صاحب الأضداد : 293 ، ولم أجده في مكان آخر .

(158) الأثر : 696- في ابن كثير 1 : 139 و 5 : 296 .

وقال : "وهذا إسناد صحيح عن الحسن" .

(159) في المطبوعة : "إلجاء إلى نسبه" ، وألجأه إلى نسبه : رده إليه .

وانظر رقم : 655 .

(160) الأثر : 697- لم أجده في مكان .

(161) الأثر : 698- في ابن كثير 1 : 139 .

(162) الأثر : 699- في ابن كير 1 : 139 .

(163) الخبر : 700- هو في ابن كثير 1 : 139 .

وقد مضى نحوه مختصرًا ، بإسناد آخر : 690 .

(164) الأثر : 701- لم أجده في مكان .

(165) الأثر : 702- في ابن كثير 1 : 139 ، والدر المنثور 1 : 50 وقال ابن كثير في إسناده : "وهذا غريب ، ولا يكاد يصح إسناده ، فإن فيه رجلا مبهمًا ، ومثله لا يحتج به ، والله أعلم" .

(166) في المطبوعة : "وليس فيما نزل الله جل ثناؤه .

.

.

" ، وهو خطأ صرف .

وقوله بعد : "وإخباره عما خلق منه إبليس" معطوف على قوله : "وفي ترك .

.

.

" .

(167) الخبر : 703- مختصر من الخبر السالف رقم : 606 ، وهو في الدر المنثور 1 : 50 ، والشوكاني 1 : 53 .

(168) الأثر : 704- في الدر المنثور 1 : 50 ، مقتصرًا على أوله إلى قوله : "الحارث" .

وجاء النص في المطبوعة هكذا : "وإنما سمى إبليس حين أبلس فغير كما قال الله جل ثناؤه .

.

.

" أسقطوا ما أثبتناه من المخطوطة ، لأنهم لم يحسنوا قراءة الكلمة الأخيرة ، فبدلوها ووصلوا الكلام بعد الحذف ، وهو تصرف معيب .

وقوله : "متحيرًا" كتبت في المخطوطة ممجمجة هكذا"مجرا" غير معجمة .

والإبلاس : الحيرة ، فكذلك قرأتها .

(169) ديوانه 1 : 31 ، والكامل 1 : 352 ، واللسان : (بلس) ، (كرس) .

المكرس : الذي صار فيه الكرس ، وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار .

وأبلس الرجل : سكت غما وانكسر وتحير ولم ينطق .

(170) ديوانه : 67 ، واللسان (بلس) ، ورواية ديوانه"وعرفت يوم الخميس" .

وبين البيتين بيت آخر هو : "وَقَدْ نَـزَتْ بَيْـنَ الـتَّرَاقِي الأَنْفَـاسْ" (171) الأثر 705- في ابن كثير 1 : 140 .

(172) الأثر : 707- في ابن كثير 1 : 140 ، وفي الدر المنثور 1 : 50 مطولا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرينفيه عشر مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإذ قلنا أي واذكر .

وأما قول أبي عبيدة : إن إذ زائدة فليس بجائز ; لأن إذ ظرف وقد تقدم .

وقال : قلنا ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيما وإشادة بذكره .

والملائكة جمع ملك ، وروي عن أبي جعفر بن القعقاع أنه ضم تاء التأنيث من الملائكة إتباعا لضم الجيم في اسجدوا .

ونظيره الحمد لله .الثانية قوله تعالى : اسجدوا لآدم السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع ، قال الشاعر :بجمع تضل البلق في حجراته ترى الأكم فيها سجدا للحوافرالأكم : الجبال الصغار .

جعلها سجدا للحوافر لقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها .

وعين ساجدة ، أي فاترة عن النظر ، وغايته وضع الوجه بالأرض .

قال ابن فارس : سجد إذا تطامن ، وكل ما سجد فقد ذل .

والإسجاد : إدامة النظر .

قال أبو عمرو : وأسجد إذا طأطأ رأسه ، قال حميد بن ثور :فضول أزمتها أسجدت سجود النصارى لأحبارهاقال أبو عبيدة : وأنشدني أعرابي من بني أسد :وقلن له أسجد لليلى فأسجدايعني البعير إذا طأطأ رأسه .

ودراهم الإسجاد : دراهم كانت عليها صور كانوا يسجدون لها ، قال :وافى بها كدراهم الإسجادالثالثة : استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة : اسجدوا لآدم .

قالوا : وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم .والجواب أن معنى اسجدوا لآدم اسجدوا لي [ ص: 277 ] مستقبلين وجه آدم .

وهو كقوله تعالى : أقم الصلاة لدلوك الشمس أي عند دلوك الشمس وكقوله : ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين .

وقد بينا أن المسجود له لا يكون أفضل من الساجد بدليل القبلة .فإن قيل : فإذا لم يكن أفضل منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له ؟

قيل له : إن الملائكة لما استعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريهم استغناءه عنهم وعن عبادتهم .

وقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به فأمروا بالسجود له تكريما .

ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها لما قال لهم : إني جاعل في الأرض خليفة وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا ، فقال لهم : إني خالق بشرا من طين وجاعله خليفة ، فإذا نفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين .

والمعنى : ليكون ذلك عقوبة لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن .فإن قيل : فقد استدل ابن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون .

وأمنه من العذاب بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر .

وقال للملائكة : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم .

قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه ، فلم يقل : لعمري .

وأقسم بالسماء والأرض ، ولم يدل على أنهما أرفع قدرا من العرش والجنان السبع .

وأقسم بالتين والزيتون .

وأما قوله سبحانه : ومن يقل منهم إني إله من دونه فهو نظير قوله لنبيه عليه السلام : لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين فليس فيه إذا دلالة ، والله أعلم .الرابعة : واختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة ، فقال الجمهور : كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض ، كالسجود المعتاد في الصلاة ; لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع ، وعلى هذا قيل : كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله ، وطاعة لله تعالى ، وكان آدم كالقبلة لنا .

ومعنى [ ص: 278 ] لآدم : إلى آدم ، كما يقال صلى للقبلة ، أي إلى القبلة .

وقال قوم : لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مبقى على أصل اللغة ، فهو من التذلل والانقياد ، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل .فسجدوا أي امتثلوا ما أمروا به .واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام ؟

فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى ، أم كان جائزا بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام ، لقوله تعالى : ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين ؟

والذي عليه الأكثر أنه كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل : نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد ، فقال لهم : لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لله رب العالمين .

روى ابن ماجه في سننه والبستي في صحيحه عن أبي واقد قال : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما هذا ؟

) فقال : يا رسول الله ، قدمت الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم ، فأردت أن أفعل ذلك بك ، قال : فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه .

لفظ البستي .

ومعنى القتب أن العرب يعز عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القتب عند الولادة .

وفي بعض طرق معاذ : ونهى عن السجود للبشر وأمر بالمصافحة .قلت : وهذا السجود المنهي عنه قد اتخذه جهال المتصوفة عادة في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم واستغفارهم ، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه ، ضل سعيهم وخاب عملهم .الخامسة : قوله : ( إلا إبليس ) نصب على الاستثناء المتصل ; لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور : ابن عباس وابن مسعود وابن جريج وابن المسيب وقتادة وغيرهم ، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن ، ورجحه الطبري ، وهو ظاهر الآية .

قال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل [ ص: 279 ] وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أبلس بعد .

روى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطانا .

وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة .

وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار وإبليس منهم ، وخلق سائر الملائكة من نور .

وقال ابن زيد والحسن وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن ملكا ، وروي نحوه عن ابن عباس وقال : اسمه الحارث .

وقال شهر بن حوشب وبعض الأصوليين : كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيرا وتعبد مع الملائكة وخوطب ، وحكاه الطبري عن ابن مسعود .

والاستثناء على هذا منقطع ، مثل قوله تعالى : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وقوله : إلا ما ذكيتم في أحد القولين ، وقال الشاعر :ليس عليك عطش ولا جوع إلا الرقاد والرقاد ممنوعواحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جل وعز وصف الملائكة فقال : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وقوله تعالى : إلا إبليس كان من الجن والجن غير الملائكة .

أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه ؛ عدلا منه ، لا يسأل عما يفعل ، وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه - ما يدفع أنه من الملائكة .

وقول من قال : إنه كان من جن الأرض فسبي ، فقد روي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجن في الأرض مع جند من الملائكة ، حكاه المهدوي وغيره .

وحكى الثعلبي عن ابن عباس : أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم ، وخلقت الملائكة من نور ، وكان اسمه بالسريانية عزازيل ، وبالعربية الحارث ، وكان من خزان الجنة وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض ، وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما ، وكان يسوس ما بين السماء والأرض ، فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة ، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطانا رجيما .

فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه ، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه ، وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية ، وخطيئة إبليس كبرا .[ ص: 280 ] والملائكة قد تسمى جنا لاستتارها ، وفي التنزيل : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ، وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام :وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجروأيضا لما كان من خزان الجنة نسب إليها فاشتق اسمه من اسمها ، والله أعلم .

وإبليس وزنه إفعيل ، مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى .

ولم ينصرف ; لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبه بالأعجمية ، قال أبو عبيدة وغيره .

وقيل : هو أعجمي لا اشتقاق له فلم ينصرف للعجمة والتعريف ، قاله الزجاج وغيره .السادسة : قوله تعالى : أبى معناه امتنع من فعل ما أمر به ، ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله - وفي راوية : يا ويلي - أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار .

خرجه مسلم .

يقال : أبى يأبى إباء ، وهو حرف نادر جاء على فعل يفعل ليس فيه حرف من حروف الحلق ، وقد قيل : إن الألف مضارعة لحروف الحلق .

قال الزجاج : سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول : القول عندي أن الألف مضارعة لحروف الحلق .

قال النحاس : ولا أعلم أن أبا إسحاق روى عن إسماعيل نحوا غير هذا الحرف .السابعة : قوله تعالى : واستكبر الاستكبار : الاستعظام ، فكأنه كره السجود في حقه واستعظمه في حق آدم ، فكان ترك السجود لآدم تسفيها لأمر الله وحكمته .

وعن هذا الكبر عبر عليه السلام بقوله : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر .

في رواية فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة .

قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس .

أخرجه مسلم .

ومعنى " بطر الحق " : تسفيهه وإبطاله .

وغمط الناس : الاحتقار لهم والازدراء بهم .

ويروى : " وغمص " بالصاد المهملة ، [ ص: 281 ] والمعنى واحد ، يقال : غمصه يغمصه غمصا واغتمصه ، أي استصغره ولم يره شيئا وغمص فلان النعمة إذا لم يشكرها .

وغمصت عليه قولا قاله ، أي عبته عليه .

وقد صرح اللعين بهذا المعنى فقال : أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين .

أأسجد لمن خلقت طينا .

لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون فكفره الله بذلك .

فكل من سفه شيئا من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حكمه حكمه ، وهذا ما لا خلاف فيه .

وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال : بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر ، حسد إبليس آدم ، وشح آدم في أكله من الشجرة .

وقال قتادة : حسد إبليس آدم ، على ما أعطاه الله من الكرامة فقال : أنا ناري وهذا طيني .

وكان بدء الذنوب الكبر ، ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة ، ثم الحسد إذ حسد ابن آدم أخاه .الثامنة : قوله تعالى : وكان من الكافرين قيل : كان هنا بمعنى صار ، ومنه قوله تعالى : فكان من المغرقين .

وقال الشاعر :بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضهاأي صارت .

وقال ابن فورك : كان هنا بمعنى صار خطأ ترده الأصول .

وقال جمهور المتأولين : المعنى : أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر ; لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة .قلت : وهذا صحيح ، لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري : وإنما الأعمال بالخواتيم .

وقيل : إن إبليس عبد الله تعالى ثمانين ألف سنة ، وأعطي الرياسة والخزانة في الجنة على الاستدراج ، كما أعطي المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم ، وكما أعطي بلعام الاسم الأعظم على طرف لسانه ، فكان في رياسته ، والكبر في نفسه متمكن .

قال ابن عباس : كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده ، فلذلك قال الله تعالى إخبارا عنه : أنا خير منه ، ولذلك قال الله عز وجل : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين أي استكبرت ولا كبر لك ، ولم أتكبر أنا حين خلقته بيدي [ ص: 282 ] والكبر لي فلذلك قال : وكان من الكافرين .

وكان أصل خلقته من نار العزة ، ولذلك حلف بالعزة فقال : فبعزتك لأغوينهم أجمعين فالعزة أورثته الكبر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام .

وعن أبي صالح قال : خلقت الملائكة من نور العزة وخلق إبليس من نار العزة .التاسعة : قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - : ومن أظهر الله تعالى على يديه - ممن ليس بنبي - كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالا على ولايته ، خلافا لبعض الصوفية والرافضة حيث قالوا : إن ذلك يدل على أنه ولي ، إذ لو لم يكن وليا ما أظهر الله على يديه ما أظهر .

ودليلنا أن العلم بأن الواحد منا ولي لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمنا ، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمنا لم يمكنا أن نقطع على أنه ولي لله تعالى ، لأن الولي لله تعالى من علم الله تعالى أنه لا يوافي إلا بالإيمان .

ولما اتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان ، ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان ، علم أن ذلك ليس يدل على ولايته لله .

قالوا : ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله ، وغيره معه ، قاله الشيخ أبو الحسن الأشعري وغيره .

وذهب الطبري إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم ، وهم اليهود الذين كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته ، ومع قدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم .العاشرة : واختلف هل كان قبل إبليس كافر أو لا ؟

فقيل : لا ، وإن إبليس أول من كفر .

وقيل : كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض .

واختلف أيضا هل كفر إبليس جهلا أو عنادا على قولين بين أهل السنة ، ولا خلاف أنه كان عالما بالله تعالى قبل كفره .

فمن قال إنه كفر جهلا قال : إنه سلب العلم عند كفره .

ومن قال كفر عنادا قال : كفر ومعه علمه .

قال ابن عطية : والكفر عنادا مع بقاء العلم مستبعد ، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، { إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى } امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: { أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره.

وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه.

وفيه فضيلة العلم من وجوه: منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته ، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

وقوله تعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قرأ أبو جعفر {للملائكة اسجدوا} بضم التاء على جوار ألف اسجدوا، وكذلك قرأ {قال رب احكم بالحق} [112-الأنبياء] بضم الباء وضعفه النُحَاة جداً ونسبوه إلى الغلط فيه.

واختلفوا في أن هذا الخطاب مع أي الملائكة فقال بعضهم: مع الذين كانوا سكان الأرض.

والأصح: أنه مع جميع الملائكة لقوله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} [30-الحجر].

وقوله: (اسجدوا) فيه قولان: الأصح أن السجود كان لآدم على الحقيقة، وتضمن معنى الطاعة لله عز وجل بامتثال أمره، وكان ذلك سجود تعظيم وتحية لا سجود عبادة، كسجود إخوة يوسف له في قوله عز وجل: {وخروا له سجداً} [100-يوسف] ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، إنما كان الانحناء، فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام.

وقيل: معنى قوله {اسجدوا لآدم} أي إلى آدم قِبلة، والسجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة قِبلةً للصلاة والصلاة لله عز وجل.

{فسجدوا} يعني: الملائكة.

{إلا إبليس} وكان اسمه عزازيل بالسريانية، وبالعربية: الحارث، فلما عصى غير اسمه وصورته فقيل: إبليس، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي يئس.

واختلفوا فيه فقال ابن عباس رضي الله عنهما وأكثر المفسرين: "كان إبليس من الملائكة"، وقال الحسن: "كان من الجن ولم يكن من الملائكة لقوله تعالى {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} [50-الكهف] فهو أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، ولأنه خلق من النار والملائكة خلقوا من النور، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة، والأول أصح لأن خطاب السجود كان مع الملائكة، وقوله {كان من الجن} أي من الملائكة الذين هم خزنة الجنة.

وقال سعيد بن جبير: "من الذين يعملون في الجنة".

وقال: قوم من الملائكة الذين يصوغون حلي أهل الجنة.

وقيل: إن فرقة من الملائكة خلقوا من النار سموا جناً لاستتارهم عن الأعين، وإبليس كان منهم.

والدليل عليه قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} [158-الصافات] وهو قولهم: الملائكة بنات الله، ولما أخرجه الله من الملائكة جعل له ذرية.

قوله: {أبى} أي امتنع فلم يسجد.

{واستكبر} أي تكبر عن السجود (لآدم).

{وكان} أي: صار {من الكافرين} وقال أكثر المفسرين: وكان في سابق علم الله من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة.

أنا أبو بكر محمد بن عبد الصمد الترابي أنا ابن الحاكم أبو الفضل محمد بن الحسين الحدادي أنا أبو يزيد محمد بن يحيى بن خالد أنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي أنا جرير ووكيع وأبومعاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأُمِرت بالسجود فعصيت فلي النار".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» سجود تحية بالانحناء «فسجدوا إلا إبليس» هو أبو الجن كان بين الملائكة «أبى» امتنع من السجود «واستكبر» تكبَّر عنه وقال: أنا خير منه «وكان من الكافرين» في علم الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- للناس تكريم الله لآدم حين قال سبحانه للملائكة: اسجدوا لآدم إكرامًا له وإظهارًا لفضله، فأطاعوا جميعًا إلا إبليس امتنع عن السجود تكبرًا وحسدًا، فصار من الجاحدين بالله، العاصين لأمره.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ .

.

.

) إلخ ، معطوف على قوله - تعالى قبل ذلك ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ .

.

.

.

) إلخ ، من باب عطف القصة على القصة ، وإعادة ( إذ ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه ، تنبيه على أن الجملة مقصودة بذاتها ، لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام .والسجود : لغة التذلل والخضوع مع انخفاض بانحناء وغيره ، وخص في الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة .وللعلماء في كيفية السجود الذي أمر به الملائكة لآدم أقوال : أرجحها أن السجود المأمور به في الآية يحمل على المعنى المعروف في اللغة ، أي : أن الله - تعالى - أمرهم بفعل تجاه آدم يكون مظهراً من مظاهر التواضع والخضوع له تحية وتعظيماً ، وإقراراً له بالفضل دون وضع الجبهة على الأرض الذي هو عبادة ، إذ عبادة غير الله شرك يتنزه الملائكة عنه .وعلى هذا الرأي سار علماء أهل السنة .

وقيل : إن السجود كان لله ، وآدم إنما كان كالقبلة يتوجه إليه الساجدون تحية له ، وإلى هذا الرأي اتجه علماء المعتزلة ، وقد قالوا ذلك هرباً من أن تكون الآية الكريمة حجة عليهم ، فإن أهل السنة قالوا : إبليس من الملائكة ، والصالحون من البشر أفضل من الملائكة ، واحتجوا بسجود الملائكة لآدم ، وخالفت المعتزلة في ذلك ، وقالت : الملائكة أفضل من البشر ، وسجود الملائكة لآدم كان كالقبلة .والذي نراه أن ما سار عليه أهل السنة أرجح ، لأن ما ذهب إليه المعتزلة يبعده أن المقام مقام لإِظهار فضل آدم هو لون من الابتلاء والاختبار ، ليميز الله الخبيث من الطيب ، وينفذ ما سبق به العلم ، واقتضته المشيئة والحكمة :ثم بين - سبحانه - ما حدث من الملائكة ومن إبليس فقال :( فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر وَكَانَ مِنَ الكافرين ) .إبليس : اسم مشتق من الإِبلاس ، وهو الحزن الناشئ عن شدة اليأس ، وفعله أبلس ، والراجح أنه اسم أعجمي ، ومنعه من الصرف للعلمية والعجمة وهو كائن حي ، وقد أخطأ من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر في النفوس ، إذ ليس من المعقول أن يكون كذلك معنى داعي الشر الذي يخطر في النفوس ، إذ ليس من المعقول أن يكون كذلك مع أن القرآن أخبرنا بأنه يرى الناس ولا يرونه .

قال - تعالى - ( يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ) وقوله : ( أبى واستكبر ) الإِباء : الامتناع عن الفعل أنفة مع التمكن منه .

والاستكبار : التكبر والتعاظم والغرور ، بمعنى أن يرى الشخص في نفسه علواً على غيره ، وهو خلق مذموم .وكان في قوله : ( وَكَانَ مِنَ الكافرين ) بمعنى صار .وجاء العطف في قوله ( فَسَجَدُواْ .

.

.

) بالفاء المفيدة للتعقيب ، للإشارة إلى أن الملائكة قد بادروا بالامتثال بدون تردد ، ولم يصدهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق ، مظهر فساد وسفك دماء ، لأنهم منزهون عن المعاصي .وللعلماء في كون إبليس من الملائكة أم لا قولان :أحدهما : أنه كان منهم لأنه - سبحانه - أمرهم بالسجود لآدم ، ولولا أنه كان منهم لما توجه إليه الأمر بالسجود ، ولو لم يتوجه إليه الأمر بالسجود لم يكن عاصياً ، ولما استحق الخزي والنكال .ولأن الأصل في المستثنى أن يكون داخلا تحت اسم المستثنى منه حتى يقوم دليل على أنه خارج عنه .

وقد اختار هذا الرأي ابن عباس ، وابن مسعود وجمهور المفسرين .وقيل إنه ليس منهم لقوله - تعالى - ( إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) فهو أصل الجن ، كما أن آدم أصل الإِنس ، ولأنه خلق من نار ، والملائكة خلقوا من نور ، ولأن له ذرية ولا ذرية للملائكة .

وقد اختار هذا القول الحسن وقتادة وغيرهما .وقد حاول ابن القيم أن يجمع بين الرأيين فقال : والصواب التفصيل في هذه المسألة ، وأن القولين في الحقيقة قول واحد ، فإن إبليس كان من الملائكة بصورته وليس منهم بمادته وأصله .

كان من نار وأصل الملائكة من نور ، فالنافي كونه من الملائكة .

والمثبت لم يتواردا على محل واحد .ولما كان استثناء إبليس من الساجدين لا يدل على أنه ترك السجود عصياناً ، إذ قد يكون تركه لعذر ، دل بقول : ( أبى واستكبر ) على أنه امتنع من السجود أنفة ، وتعاظماً ، وأردف هذا التعاظم والغرور باعتراضه على الله - في تفصيل آدم ، فصار بذلك في فريق الكافرين ، ولذا ختمت الآية بقوله - تعالى - : ( وَكَانَ مِنَ الكافرين ) أي : صار بسبب عصيانه واستكباره من الكافرين بالله ، الجاحدين لنعمه ، البعيدين عن رحمته ورضوانه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه- سبحانه وتعالى- جعل أبانا مسجود الملائكة؛ وذلك لأنه- تعالى- ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولاً، ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانياً ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله: ﴿ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى خَٰلِقٌۢ بَشَرًا مِّن طِينٍ  فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا لَهُۥ سَٰجِدِينَ  ﴾ وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حياً صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله: ﴿ فَقَعُواْ ﴾ للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة.

المسألة الثانية: أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين: الأول: أنه لا يقال صليت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة.

الثاني: أن إبليس قال أرأيتك هذا الذي كرمت على أي أن كونه مسجوداً يدل على أنه أعظم حالاً من الساجد ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم.

والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة والدليل عليه القرآن والشعر، أما القرآن فقوله تعالى: ﴿ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس  ﴾ والصلاة لله لا للدلوك.

فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة تكون لله تعالى لا للقبلة، وأما الشعر فقول حسان: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم *** وأعرف الناس بالقرآن والسنن فقوله صلى لقبلتكم نص على المقصود.

والجواب عن الثاني أن إبليس شكا تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك المسجودية بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر فهذا ما في القول الأول أما القول الثاني فهو أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيماً له وتحية له كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيي المسلمون بعضهم بعضاً بالسلام وقال قتادة في قوله: ﴿ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا  ﴾ كانت تحية الناس يومئذٍ سجود بعضهم لبعض.

وعن صهيب أن معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ ما هذا قال: إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت: ما هذا قالوا: تحية الأنبياء فقال عليه السلام كذبوا على أنبيائهم وعن الثوري عن سماك بن هاني قال: دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب فأراد أن يسجد له فقال له عليّ اسجد لله ولا تسجد لي.

وقال عليه الصلاة والسلام لو أمرت أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها.

القول الثالث: أن السجود في أصل اللغة هو الانقياد والخضوع قال الشاعر: ترى الأكم فيها سجداً للحوافر *** أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل ومنه قوله تعالى: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ  ﴾ واعلم أن القول الأول ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم عليه السلام، وجعله مجرد القبلة لا يفيد تعظيم حاله وأما القول الثالث فضعيف أيضاً؛ لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل السجود عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز.

قلنا: لا نسلم أنه عبادة، بيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيداً كالقول، يبين ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الأعظام ما يفيده القول وما ذاك إلا للعبادة وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيداً ضرباً من التعظيم وإن لم يكن ذلك عبادة وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة؟

قال بعضُ المتكلمين: ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه: أحدها: أنه كان من الجن، فوجب أن لا يكون من الملائكة، وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿ إلا إبليس كان من الجن  ﴾ واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنيناً لاجتنانه ومنه الجنة لكونها ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة فثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ  قَالُوا سُبْحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ  ﴾ وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك.

فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى: ﴿ كان من الجن ﴾ فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ من الجن ﴾ أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من الكافرين سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن فلم قلت أن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً  ﴾ وذلك لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جناً؟

والجواب: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ أنه كان خازن الجنة لأن قوله: ﴿ لا إبليس كان من الجن ﴾ يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنياً ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازناً للجنة فيبطل ذلك قوله: ﴿ كان من الجن ﴾ أي صار من الجن.

قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى: ﴿ وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً ﴾ قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جناً بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث.

وثانيها: أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته: ﴿ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني  ﴾ وهذا صريح في إثبات الذرية له، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى: ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم  ﴾ أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية.

وثالثها: أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة.

ورابعها: أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا إن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس ﴿ خلقتني من نار ﴾ وأيضاً فلأنه كان من الجن لقوله تعالى: ﴿ كان من الجن ﴾ والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى: ﴿ والجان خلقناه من قبل من نار السموم  ﴾ وقال: ﴿ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن صَلْصَٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ  وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ  ﴾ وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور، فلما روي الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار»، ولأن من المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، وقيل إنما سموا بذلك، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح.

وخامسها: أن الملائكة رسل لقوله تعالى: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ورسل الله معصومون، لقوله تعالى: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ فلما لم يكن إبليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين: الأول: أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو لصح دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة لا يقال.

الاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ  إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا  إِلَّا قِيلًا سَلَٰمًا سَلَٰمًا  ﴾ وقال تعالى: ﴿ لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ  ﴾ وقال تعالى: ﴿ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ  ﴾ وأيضاً فلأنه كان جنياً واحداً بين الألوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله: ﴿ فسجدوا ﴾ ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم، لأنا نقول: كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل، فذلك إنما يصار إليه عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة، ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات، ولو قلنا إنه ليس من الملائكة، لزمنا حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى.

وأيضاً فالاستثناء مشتق من الثني والصرف ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشيء لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه، وأما قوله: إنه جني واحد بين الملائكة فنقول: إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه الحجة الثانية: قالوا لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ متناولاً له، ولو لم يكن متناولاً له لاستحال أن يكون تركه للسجود إباء واستكباراً ومعصية ولما استحق الذم والعقاب، وحيث حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال: إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر، ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله: ﴿ ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ﴾ لأنا نقول: أما الأول فجوابه أن الخطابة لا توجب ما ذكرتموه، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول الإِناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، وأيضاً فشدة المخالطة بين الملائكة وبين إبليس لما لم تمنع اقتصار اللعن على إبليس فكيف تمنع اقتصار ذلك التكليف على الملائكة، وأما الثاني فجوابه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلما ذكر قوله أبى واستكبر عقيب قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا الأمر لا بسبب مخالفة أمر آخر فهذا ما عندي في الجانبين والله أعلم بحقائق الأمور.

المسألة الرابعة: أعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر هاهنا هذه المسألة فنقول: قال أكثر أهل السنّة: الأنبياء أفضل من الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا وأبي عبد الله الحليمي من فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين: أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور: أحدها: قوله تعالى: ﴿ ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته  ﴾ إلى قوله: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ والاستدلال بهذه الآية من وجهين: الأول: أنه ليس المراد من هذه العندية عندية المكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة في صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل أن يقول: إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله: ﴿ في مقعد صدق عند مليك مقتدر  ﴾ وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكياً عنه سبحانه: أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكسرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم، من كون العبد عند الله تعالى.

الوجه الثاني: في الاستدلال بالآية، أن الله تعالى احتج بعد استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له بقول: الملوك لا يستكبرون عن طاعتي، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي أو بالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف.

ولقائل أن يقول: لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت، فإنه تعالى يقول: إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات، أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كافٍ في صحة هذا الاستدلال، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذه المعنى، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثواباً من البشر، ولا بدّ فيه من دليل؟

مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه.

وثانيها: أنهم قالوا: عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر، فتكون أكثر ثواباً من عبادات البشر، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه: أحدها: أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق، وإنما قلنا: إن ميلهم إلى التمرد أشد، لأن العبد السليم من الآفات، المستغنى عن طلب الحاجات، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات، فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه، ولهذا قال تعالى: ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون  ﴾ ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبداً مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام، فإنه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله: ﴿ وكلا منها رغداً حيث شئتما  ﴾ ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر.

وثانيها: أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان، أما الإِقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول، وجعل كتاب الله مقسوماً بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ وقال: ﴿ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّآفُّونَ  وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبِّحُونَ  ﴾ وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية المشقة، إذا ثبت ذلك وجب أن تكون عباداتهم أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: «أفضل الأعمال أحمزها» أي أشقها، وقوله لعائشة رضي الله عنها: إنما أجرك على قدر نصبك والقياس أيضاً يقتضي ذلك، فإن العبد كلما كان تحمله المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم.

ولقائل أن يقول على الوجهين: هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ثوابهم أكثر؟

وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه ومن أمثاله، بل يحكى عن عباد الهند وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا نقطع بكفرهم، فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب.

وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناءً على الدواعي والقصود، فلعل الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ويستحق أحدهما به ثواباً عظيماً والآخر لا يستحق به إلا ثواباً قليلاً، لما أن إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني، فإذاً كثرة العبادات ومشقتها لا تقتضي التفاوت في الفضل ثم نقول: لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق.

أما قوله في الوجه الأول: السموات كالبساتين النزهة قلنا مسلم ولكن لم قلتم بأن الإِتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الإِتيان بها في المواضع الرديئة؟

أكثر ما في الباب أن يقال: إنه قد يهيأ له أسباب التنعيم فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعة على البشر ثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته، وذلك أدخل في العبودية وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص فما ذكروه بالعكس أولى، أما قوله: والمواظبة على نوع واحد من العبادة شاق، قلنا: هذا معارض بوجه آخر وهو أنهم لما اعتادوا نوعاً واحداً من العبادة صاروا كالمجبورين على الشيء الذي لا يقدرون على خلافه على ما قيل: العادة طبيعة خامسة، فيكون ذلك النوع في نهاية السهولة عليهم، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصوم وقال: «أفضل الصوم صوم داود عليه السلام» وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً.

وثالثها: قالوا: عبادات الملائكة أدوم فكانت أفضل بيان أنها أدوم قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ وعلى هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر لكانت طاعاتهم أدوم أكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات الملائكة وعلى هذه الآية سؤال: روي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب أرأيت قول الله تعالى: ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح؟

وأيضاً قال: ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين  ﴾ فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟

أجاب كعب الأحبار فقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال.

وأقول: لقائل أن يقول الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما في الآية الواحدة محال.

والجواب الأول: أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض الآخر.

والجواب الثاني: اللعن هو الطرد والتبعيد، والتسبيح هو الخوض في ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه.

والجواب الثالث: قوله: ﴿ لا يفترون ﴾ معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال إن فلاناً مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم أبداً على أدائها في أوقاتها وإذا ثبت أن عباداتهم أدوم وجب أن تكون أفضل.

أما أولاً فلأن الأدوم أشق فيكون أفضل على ما سبق تقريره في الحجة الثانية.

وأما ثانياً: فلقوله عليه السلام: «أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله» والملائكة صلوات الله عليهم أطول العباد أعماراً وأحسنهم أعمالاً فوجب أن يكونوا أفضل العباد ولأنه عليه السلام قال: «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم على البشر.

ولقائل أن يقول إن نوحاً عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول عمراً من محمد صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول عمراً وأشد اجتهاداً من النبي صلى الله عليه وسلم وهو منه أبعد في الدرجة من العرش إلى ما تحت الثرى.

والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الإِنسان على وجه يستحق بها ثواباً كثيراً والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها إلا ثواباً قليلاً.

ورابعها: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في العبادة جهة تفضيل وتعظيم.

أما أولاً فبالإِجماع.

وأما ثانياً فلقوله تعالى: ﴿ وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ  ﴾ وأما ثالثاً فلقوله عليه السلام: «من سن سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فهذا يقتضي أن يكون قد حصل الملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل خلق البشر.

ولقائل أن يقول؛ فهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ولما كان ذلك باطلاً بالإِجماع بطل ما ذكروه والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن تكون نية المتأخرة أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم.

وخامسها: أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة أفضل من الأنبياء.

أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى: ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ وقوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ وأما أن الرسول أفضل من الأمة فبالقياس على أن الأنبياء من البشر أفضل من أممهم فكذا هاهنا.

فإن قيل: العرف أن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم ومتولياً لأمورهم فذلك الرسول يكون أشرف من ذلك الجمع، أما إذا أرسل واحداً إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف من المرسل إليه كما إذا أرسل واحداً من عبيده إلى وزيره في مهم فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير.

قلنا: لكن جبريل عليه السلام مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم.

واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله تعالى: ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ثم لا يخلو الحال من أحد أمرين إما أن يكون الملك رسولاً إلى ملك آخر أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من البشر وعلى التقديرين فالملك رسول وأمته رسل وأما الرسول البشري فهو رسول لكن أمته ليسوا برسل والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون كذلك فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ولأن إبراهيم عليه السلام كان رسولاً إلى لوط عليه السلام فكان أفضل منه وموسى عليه السلام كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم فكذا هاهنا.

ولقائل أن يقول الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم ومتصرفاً في أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما في القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء.

وسادسها: أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر أما أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى: ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ وقوله: ﴿ وهم من خشيته مشفقون  ﴾ والخوف والإِشفاق ينافيان العزم على المعصية.

وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا كل واحد منهم عن نوع زلة وقال عليه الصلاة والسلام: «ما منا من أحد إلا عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام» فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ فإن قيل: إن قوله: ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضاً فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم.

والجواب عن الأول: أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر.

وعن الثاني: لا نسلم عدم الشهوة في حقهم لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والمباشرة ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق الشهوة بل لهم شهوة التقدم والترفع ولهذا قالوا: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ وقال تعالى: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ ولقائل أن يقول الحديث الذي ذكرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وذلك باطل بالإِجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى زيادة الفضل وتحقيقه ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه المعصية قط وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر صدرت عنه معصية ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فيقابل مائة جزء من الثواب بمائة جزء من العقاب فيبقى له تسعمائة جزء من الثواب فهذا الإِنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الإِنسان الذي لم تصدر المعصية عنه قط وأيضاً فلا نسلم أن تقوى الملائكة أشد وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية والمقتضي للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر، قوله إن الملائكة لهم شهوة الرياسة قلنا: هذا لا يضرنا وذلك لأن هذه الشهوة حاصلة للبشر أيضاً وقد حصلت لهم أنواع أخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج وإذا كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون تقوى المتقين منهم أشد.

وسابعها: قوله تعالى: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ وجه الاستدلال أن قوله تعالى: ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ خرج مخرج التأكيد للأول ومثل هذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ولا يقال لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد ويقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك ولا يقال لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب.

ولقائل أن يقول هذه الآية إن دلت فإنما تدل على فضل الملائكة المقربين على المسيح لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على من هو أفضل من المسيح وهو محمد وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبالجملة فلو ثبت لهم أن المسيح أفضل من كل الأنبياء كان مقصودهم حاصلاً فأما إذا لم يقيموا الدلالة على ذلك فلا يحصل مقصودهم لاسيما وقد أجمع المسلمون على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من المسيح عليه السلام وما رأينا أحداً من المسلمين قطع بفضل المسيح على موسى وإبراهيم عليهما السلام ثم نقول قوله: ولا الملائكة المقربون ليس فيه إلا واو العطف والواو للجمع المطلق فيدل على أن المسيح لا يستنكف والملائكة لا يستنكفون فأما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا، وأما الأمثلة التي ذكروها فنقول المثال لا يكفي في إثبات الدعوى الكلية ثم إن ذلك المثال معارض بأمثلة أخرى وهو قوله: ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو فهذا لا يفيد كون عمرو أفضل من زيد وكذا قوله تعالى: ﴿ ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام  ﴾ ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها ثم التحقيق أنه إذا قال هذه الخشبة لا يقدر على حملها الواحد ولا العشرة فنحن نعلم بعقولنا أن العشرة أقوى من الواحد فلا جرم عرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا من مجرد اللفظ فهاهنا في الآية إنما يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله: ﴿ ولا الملائكة المقربون ﴾ بيان المبالغة لو عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح وحينئذٍ تتوقف صحة الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب قبل هذا الدليل ويتوقف ثبوت المطلوب على دلالة هذه الآية عليه فيلزم الدور وأنه باطل سلمنا أنه يفيد التفاوت لكنه لا يفيد التفاوت في كل الدرجات بل في بعض دون آخر بيانه أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف عن خدمته القاضي ولا السلطان فهذا لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من القاضي في بعض الأمور وهو القدرة والقوة والاستيلاء ولا يدل على كونه أفضل من القاضي في العلم والزهد والخضوع لله تعالى إذا ثبت هذا فنحن نقول بموجبه وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والبطش فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك فلم قلتم إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخضوع والعبودية وتمام التحقيق فيه أن الفضل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب وكثرة الثواب لا تحصل إلا بالعبودية والعبودية عبارة عن نهاية التواضع والخضوع وكون العبد موصوفاً بنهاية التواضع لله تعالى لا يناسب الاستنكاف عن عبودية الله ولا يلائمها ألبتة بل يناقضها وينافيها وإذا كان هذا الكلام ظاهراً جلياً كان حمل كلام الله تعالى عليه مخرجاً له عن الفائدة، أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والاستيلاء العظيم فإنه مناسب للتمرد وترك العبودية فالنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه عن العبودية بسبب هذا القدر من القدرة فقال الله تعالى إن عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدر من القدرة عن عبوديتي بل ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة والقوة والبطش والاستيلاء على عوالم السموات والأرضين وعلى هذا الوجه ينتظم وجه دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر في الشدة والبطش لكنها لا تدل ألبتة على أنه أفضل من البشر في كثرة الثواب أو يقال إنهم إنما ادعوا إلهيته لأنه حصل من غير أب فقيل لهم الملك ما حصل من أب ولا من أم فكانوا أعجب من عيسى في ذلك مع أنهم لا يستنكفون عن العبودية.

فإن قيل في الآية ما يدل على أن المراد وقوع التفاوت بين المسيح والملائكة في العبودية لا في القدرة والقوة والبطش وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم مقربين والقرب من الله تعالى لا يكون بالمكان والجهة بل بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم هاهنا بكونهم مقربين علمنا أن المراد وقوع التفاوت بينهم وبين المسيح في درجات الفضل لا في الشدة والبطش.

قلنا إن كان مقصودك من هذا السؤال أنه تعالى وصف الملائكة بكونهم مقربين فوجب أن لا يكون المسيح كذلك فهذا باطل لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفسه عما عداه وإن كان مقصودك أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مقربين وجب أن يكون التفاوت واقعاً في ذلك فهذا باطل أيضاً لاحتمال أن يكون المسيح والمقربون مع اشتراكهم في صفة القرب في الطاعة يتباينون بأمور أخرى فيكون المراد بيان التفاوت في تلك الأمور.

سؤال آخر: وهو أنا نقول بموجب الآية فنسلم أن عيسى عليه السلام دون مجموع الملائكة في الفضل فلم قلتم إنه دون كل واحد من الملائكة في الفضل.

سؤال آخر: لعله تعالى إنما ذكر هذا الخطاب مع أقوام اعتقدوا أن الملك أفضل من البشر فأورد الكلام على حسب معتقدهم كما في فقوله: ﴿ وهو أهون عليه  ﴾ .

وثامنها قوله تعالى حكاية عن إبليس قوله: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين  ﴾ ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء عليهما السلام أن الملك أفضل من البشر لم يقدر إبليس على أن يغرهما بذلك ولا كان آدم وحواء عليهما السلام يغتران بذلك.

ولقائل أن يقول هذا قول إبليس فلا يكون حجة، ولا يقال إن آدم اعتقد صحة ذلك وإلا لما اغتر، واعتقاد آدم حجة، لأنا نقول: لعل آدم عليه السلام أخطأ في ذلك إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكن آدم عليه السلام لم يكن قبل الزلة نبياً فلم يلزم من فضل الملك عليه في ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبياً، وأيضاً هب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور المرغوبة فلم قلت: إنها تدل على فضل الملك على البشر في باب الثواب؟

وذلك لأنه لا نزاع أن الملك أفضل من البشر في باب القدرة والقوة، وفي باب الحسن والجمال، وفي باب الصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيبات فإن الملائكة خلقوا من الأنوار، وآدم مخلوق من التراب فلعل آدم عليه السلام وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور التي عددناها فكان التغرير حاصلاً من هذا الوجه، وأيضاً فقوله: ﴿ إلا أن تكونا ملكين ﴾ يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فحينئذٍ يصح استدلالكم ويحتمل أن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة والخالدين دونكما، هذا كما يقول أحدنا لغيره ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً ويكون المعنى أن المنهي هو فلان دونك ولم يرد إلا أن ينقلب فيصير فلاناً، ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة بهما فمن أوكد الشبهة إيهام أنهما لم ينهيا وإنما المنهي غيرهما، وأيضاً فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من آدم فلم قلت أنها تدل على أن الملك أفضل من محمد؟

وذلك لأن المسلمين أجمعوا على أن محمداً أفضل من آدم عليهما السلام ولا يلزم من كون الملك أفضل من المفضول كونه أفضل من الأفضل.

وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك  ﴾ .

ولقائل أن يقول يحتمل أن يكون المراد ولا أقول لكم إني ملك في كثرة العلوم وشدة القدرة والذي يدل على صحة هذا الاحتمال وجوه: الأول: وهو أن الكفار طالبوه بالأمور العظيمة نحو صعود السماء ونقل الجبال وإحضار الأموال العظيمة وهذه الأمور لا يمكن تحصيلها إلا بالعلوم الكثيرة والقدرة الشديدة.

الثاني: أن قوله: ﴿ قل لا أقول لكم عند خزائن الله ﴾ هذا يدل على اعترافه بأنه غير قادر على كل المقدروات وقوله: ﴿ ولا أعلم الغيب ﴾ يدل على اعترافه بأنه غير عالم بكل المعلومات ثم قوله: ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ معناه والله أعلم وكما لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات فكذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علومهم الثالث: قوله: ﴿ ولا أقول لكم إني ملك ﴾ لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض وإنما نفى أن يكون له مثل ما لهم من الصفات وهذا يكفي في صدقه أن لا يكون له مثل ما لهم ولا تكون صفاته مساوية لصفاتهم من كل الوجوه ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت في كل الصفات فإن عدم الاستواء في الكل غير، وحصول الاختلاف في الكل غير.

وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم  ﴾ .

فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد وقوع التشبيه في الصورة والجمال.

قلنا: الأولى أن يكون التشبيه واقعاً في السيرة لا في الصورة لأنه قال: ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ فشبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون كريماً بسيرته المرضية لا بمجرد صورته فثبت أن المراد تشبيهه بالملك في نفي دواعي البشر من الشهوة والحرص على طلب المشتهى وإثبات ضد ذلك وهي حالة الملك وهي غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات، فدلت هذه الآية على إجماع العقلاء من الرجال والنساء، والمؤمن والكافر، على اختصاص الملائكة بدرجة فائقة على درجات البشر.

ولقائل إن يقول: أن قول المرأة: ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه  ﴾ كالصريح في أن مراد النساء بقولهن: ﴿ إن هذا إلا ملك كريم ﴾ تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه.

فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها له.

سلمنا أن المراد تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في الإِعراض عن المشتهيات، فلم قلت يجب أن يكون يوسف عليه السلام أقل ثواباً من الملائكة؟

وذلك لأنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى المطاعم والمناكح أقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء، لكن لم قلتم إن ذلك يوجب بالمزيد في الفضل بمعنى كثرة الثواب؟

فإن تمسكوا بأن كل من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل، فقد سبق الكلام عليه.

الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإِنس والجن الشياطين.

ولا شك أن الإِنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كان أفضل من الملك أيضاً لزم حينئذٍ أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات، وحينئذٍ لا يبقى لقوله تعالى: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ فائدة: بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلاً، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام تمسك بدليل الخطاب، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب، وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي كل واحد منهم ديناراً.

فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، إلا أنه حصل في المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول، فكذا هاهنا وأيضاً فقوله: ﴿ وفضلناهم ﴾ يجوز أن يكون المراد، وفضلناهم في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي قوله: ﴿ ولقد كرمنا بني آدم ﴾ ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة عل <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم، وأبو يوسف وإخوته له؟

ويجوز أن تختلف الأحوال والأوقات فيه.

وقرأ أبو جعفر: ﴿ للملائكةُ اسجدوا ﴾ بضم التاء للاتباع.

ولا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الاتباع إلا في لغة ضعيفة، كقولهم: ﴿ الحمد لله ﴾ .

﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل، لأنه كان جنّيّاً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم، فغلبوا عليه في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم.

ويجوز أن يجعل منقطعاً ﴿ أبى ﴾ امتنع مما أمر به ﴿ واستكبر ﴾ عنه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ من جنس كفرة الجن وشياطينهم، فلذلك أبى واستكبر كقوله: ﴿ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ ﴾ [الكهف: 50] .

السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و ﴿ أَنتَ ﴾ تأكيد للمستكن في ﴿ اسكن ﴾ ليصح العطف عليه.

و ﴿ رَغَدًا ﴾ وصف للمصدر، أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً.

و ﴿ حَيْثُ ﴾ للمكان المبهم، أي: أيّ مكان من الجنة ﴿ شِئْتُمَا ﴾ أطلق لهما الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة المزيحة للعلة، حين لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع الجامعة للمأكولات من الجنة، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة بين أشجارها الفائتة للحصر، وكانت الشجرة فيما قيل: (الحنطة) أو (الكرمة) أو (التينة)، وقرئ: ﴿ ولا تِقربا ﴾ بكسر التاء.

﴿ وهذي ﴾ ، ﴿ والشِّجرة ﴾ ، بكسر الشين.

﴿ والشيرة ﴾ بكسر الشين والياء.

وعن أبي عمرو أنه كرهها، وقال يقرأ بها برابرة مكة وسودانها.

﴿ مِنَ الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله ﴿ فَتَكُونَا ﴾ جزم عطف على ﴿ تَقْرَبَا ﴾ أو نصب جواب للنهى.

الضمير في ﴿ عَنْهَا ﴾ للشجرة.

أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها.

وتحقيقه: فأصدر الشيطان زلتهما عنها.

و(عن) هذه، مثلها في قوله تعالى: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى ﴾ [الكهف: 82] .

وقوله: يَنْهَوْنَ عَنْ أَكْلٍ وعَنْ شُرْبِ وقيل: فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما، كما تقول: زلّ عن مرتبته.

وزل عنى ذاك: إذا ذهب عنك وزل من الشهر كذا.

وقرئ: ﴿ فأزالهما ﴾ ﴿ مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ من النعيم والكرامة.

أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في (عنها).

وقرأ عبد الله: ﴿ فوسوس لهما الشيطان عنها ﴾ ، وهذا دليل على أن الضمير للشجرة، لأن المعنى صدرت وسوسته عنها، فإن قلت: كيف توصل إلى إزلالهما ووسوسته لهما بعدما قيل له: ﴿ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ﴾ [ص: 77] .

قلت: يجوز أن يمنع دخولها على جهة التقريب والتكرمة كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخل على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء.

وقيل: كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل: قام عند الباب فنادى.

وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل في فم الحية حتى دخلت به وهم لا يشعرون.

قيل: ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس: وقيل: والحية.

والصحيح أنه لآدم وحواء والمراد هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم.

والدليل عليه قوله: ﴿ قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [طه: 123] ويدل على ذلك قوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ، ﴿ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

ومعنى بعضكم لبعض ﴿ لِبَعْضٍ ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

والهبوط: النزول إلى الأرض.

﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار أو استقرار ﴿ ومتاع ﴾ وتمتع بالعيش ﴿ إلى حِينٍ ﴾ يريد إلى يوم القيامة.

وقيل: إلى الموت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ لَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ وعَلَّمَهم ما لَمْ يَعْلَمُوا أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، اعْتِرافًا بِفَضْلِهِ، وأداءً لِحَقِّهِ واعْتِذارًا عَمّا قالُوا فِيهِ، وقِيلَ: أمَرَهم بِهِ قَبْلَ أنْ يُسَوِّيَ خَلْقَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ امْتِحانًا لَهم وإظْهارًا لِفَضْلِهِ.

والعاطِفُ عَطْفُ الظَّرْفِ عَلى الظَّرْفِ السّابِقِ إنْ نَصَبْتَهُ بِمُضْمَرٍ، وإلّا عَطْفُهُ بِما يَقْدِرُ عامِلًا فِيهِ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ، بَلِ القِصَّةُ بِأسْرِها عَلى القِصَّةِ الأُخْرى، وهي نِعْمَةٌ رابِعَةٌ عَدَّها عَلَيْهِمْ.

والسُّجُودُ في الأصْلِ تَذَلُّلٌ مَعَ تَطامُنٍ قالَ الشّاعِرُ: تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وَقالَ آخَرُ: وقُلْنَ لَهُ اسْجُدْ لِلَيْلى فاسْجُدا يَعْنِي البَعِيرَ إذا طَأْطَأ رَأْسَهُ.

وفي الشَّرْعِ: وضَعَ الجَبْهَةَ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ، والمَأْمُورُ بِهِ إمّا المَعْنى الشَّرْعِيُّ فالمَسْجُودُ لَهُ بِالحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وجَعَلَ آدَمُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، أوْ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ فَكَأنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ نَمُوذَجًا لِلْمُبْدَعاتِ كُلِّها بَلِ المَوْجُوداتِ بِأسْرِها، ونُسْخَةً لِما في العالَمِ الرَّوْحانِيِّ والجُسْمانِيِّ وذَرِيعَةً لِلْمَلائِكَةِ إلى اسْتِيفاءِ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الكَمالاتِ، ووَصْلَةً إلى ظُهُورِ ما تَبايَنُوا فِيهِ مِنَ المَراتِبِ والدَّرَجاتِ، أمَرَهم بِالسُّجُودِ تَذَلُّلًا لِما رَأوْا فِيهِ مِن عَظِيمِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ آياتِهِ، وشُكْرًا لِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِواسِطَتِهِ، فاللّامُ فِيهِ كاللّامِ في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم...

∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ أوْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ .

وَأمّا المَعْنى اللُّغَوِيُّ وهو التَّواضُعُ لِآدَمَ تَحِيَّةً وتَعْظِيمًا لَهُ، كَسُجُودِ إخْوَةِ يُوسُفَ لَهُ، أوِ التَّذَلُّلُ والِانْقِيادُ بِالسَّعْيِ في تَحْصِيلِ ما يَنُوطُ بِهِ مَعاشُهم ويَتِمُّ بِهِ كَمالُهم.

والكَلامُ في أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ المَلائِكَةُ كُلُّهُمْ، أوْ طائِفَةٌ مِنهم ما سَبَقَ.

﴿ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ ﴾ امْتَنَعَ عَمّا أُمِرَ بِهِ، اسْتِكْبارًا مِن أنْ يَتَّخِذَهُ وصْلَةً في عِبادَةِ رَبِّهِ، أوْ يُعَظِّمَهُ ويَتَلَقّاهُ بِالتَّحِيَّةِ، أوْ يَخْدِمَهُ ويَسْعى فِيما فِيهِ خَيْرُهُ وصَلاحُهُ.

والإباءُ: امْتِناعٌ بِاخْتِيارٍ.

والتَّكَبُّرُ: أنْ يَرى الرَّجُلُ نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ.

والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ ذَلِكَ بِالتَّشَبُّعِ.

وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ أيْ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ صارَ مِنهم بِاسْتِقْباحِهِ أمْرَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ اعْتِقادًا بِأنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ، والأفْضَلُ لا يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِالتَّخَضُّعِ لِلْمَفْضُولِ والتَّوَسُّلِ بِهِ كَما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ ﴾ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ .

لا بِتَرْكِ الواجِبِ وحْدَهُ.

والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أفْضَلُ مِنَ المَلائِكَةِ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لَهُ، ولَوْ مِن وجْهٍ، وأنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ وإلّا لَمْ يَتَناوَلْهُ أمْرُهم ولا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهُمْ، ولا يَرُدُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ لِجَوازِ أنْ يُقالَ إنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ فِعْلًا ومِنَ المَلائِكَةِ نَوْعًا، ولِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما رَوى: أنَّ مِنَ المَلائِكَةِ ضَرْبًا يَتَوالَدُونَ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ ومِنهم إبْلِيسُ.

ولِمَن زَعَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ كانَ جِنِّيًّا نَشَأ بَيْنَ أظْهُرِ المَلائِكَةِ، وكانَ مَغْمُورًا بِالأُلُوفِ مِنهم فَغَلَبُوا عَلَيْهِ، أوِ الجِنُّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ مَعَ المَلائِكَةِ لَكِنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَإنَّهُ إذا عُلِمَ أنَّ الأكابِرَ مَأْمُورُونَ بِالتَّذَلُّلِ لِأحَدٍ والتَّوَسُّلِ بِهِ، عُلِمَ أنَّ الأصاغِرَ أيْضًا مَأْمُورُونَ بِهِ.

والضَّمِيرُ في ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ راجِعٌ إلى القَبِيلَيْنِ كَأنَّهُ قالَ: فَسَجَدَ المَأْمُورُونَ بِالسُّجُودِ إلّا إبْلِيسَ، وأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ وإنْ كانَ الغالِبُ فِيهِمُ العِصْمَةَ، كَما أنَّ مِنَ الإنْسِ مَعْصُومِينَ والغالِبُ فِيهِمْ عَدَمُ العِصْمَةِ، ولَعَلَّ ضَرْبًا مِنَ المَلائِكَةِ لا يُخالِفُ الشَّياطِينَ بِالذّاتِ، وإنَّما يُخالِفُهم بِالعَوارِضِ والصِّفاتِ كالبَرَرَةِ والفَسَقَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ يَشْمَلُهُما.

وَكانَ إبْلِيسُ مِن هَذا الصِّنْفِ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فَلِذَلِكَ صَحَّ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ عَنْ حالِهِ والهُبُوطُ مِن مَحَلِّهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿ إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ ﴾ لا يُقالُ: كَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ والمَلائِكَةُ خُلِقَتْ مِن نُورٍ والجِنُّ مِن نارٍ؟

لِما رَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنَ النُّورِ، وخُلِقَ الجِنُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ» لِأنَّهُ كالتَّمْثِيلِ لِما ذَكَرْنا، فَإنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الجَوْهَرُ المُضِيءُ والنّارُ كَذَلِكَ، غَيْرَ أنَّ ضَوْءَها مُكَدَّرٌ مَغْمُورٌ بِالدُّخانِ مَحْذُورٌ عَنْهُ بِسَبَبِ ما يَصْحَبُهُ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ والإحْراقِ، فَإذا صارَتْ مُهَذَّبَةً مُصَفّاةً كانَتْ مَحْضَ نُورٍ، ومَتى نَكَصَتْ عادَتِ الحالَةُ الأُولى جَذِعَةً ولا تَزالُ تَتَزايَدُ حَتّى يَنْطَفِئَ نُورُها ويَبْقى الدُّخانُ الصِّرْفُ، وهَذا أشْبَهُ بِالصَّوابِ وأوْفَقُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ النُّصُوصِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وَمِن فَوائِدِ الآيَةِ اسْتِقْباحُ الِاسْتِكْبارِ وأنَّهُ قَدْ يُفْضِي بِصاحِبِهِ إلى الكُفْرِ، والحَثُّ عَلى الِائْتِمارِ لِأمْرِهِ وتَرْكِ الخَوْضَ في سِرِّهِ، وأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ، وأنَّ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِهِ أنَّهُ يُتَوَفّى عَلى الكُفْرِ هو الكافِرُ عَلى الحَقِيقَةِ، إذِ العِبْرَةُ بِالخَواتِمِ وإنْ كانَ بِحُكْمِ الحالِ مُؤْمِنًا وهو المُوافاةُ المَنسُوبَةُ إلى شَيْخِنا أبِي الحَسَنِ الأشْعَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآِدَمَ} أي اخضعوا له وأقروا بالفضل له عن أبي بن كعب وعن ابن عباس رضى الله عنهما كان ذلك انحناء ولم يكن خروراً على الذقن والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض وكان السجود تحية لآدم عليه السلام في الصحيح إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس وكان سجود التحية جائزاً فيما مضى ثم نسخ بقوله عليه السلام لسلمان حين أراد أن يسجد له لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله تعالى {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} الاستثناء متصل لأنه كان من الملائكة كذا قاله على وابن عباس وابن

البقرة (٣٤ _ ٣٦)

مسعود رضى الله عنهم ولأن الأصل أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه ولهذا قال مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تسجد إذ أمرتك وقوله كان من الجن معناه صار من الجن كقوله فَكَانَ مِنَ المغرقين وقيل الاستثناء منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من النور ولأنه أبى وعصى واستكبر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ولا يستكبرون عن عبادته ولأنه قال أَفَتَتَّخِذُونَهُ وذريته أولياء من دونى ولا نسل للملائكة وعن الجاحظ أن الجن والملائكة جنس واحد فمن طهر منهم فهو ملك ومن خبث فهو شيطان ومن كان بين بين فهو جن {أبى} امتنع مما أمر به {واستكبر} تكبر عنه {وَكَانَ مِنَ الكافرين} وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر لا بترك العمل بالأمر لأن ترك السجود لا يخرج من الإيمان ولا يكون كفراً عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة والخوارج أو كان من الكافرين في علم الله أي وكان في علم الله أنه يكفر بعد إيمانه لا أنه كان

كافراً أبداً في علم الله وهي مسألة الموافاة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كانْقادُوا، وأطاعُوا، والعَطْفُ مِن عَطْفِ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، وفي كُلٍّ تَعْدادُ النِّعْمَةِ مَعَ أنَّ الأوَّلَ تَحْقِيقٌ لِلْفَضْلِ، وهَذا اعْتِرافٌ بِهِ، ولا يَصِحُّ عَطْفُ الظَّرْفِ عَلى الظَّرْفِ بِناءً عَلى اللّائِقِ الَّذِي قَدَّمْناهُ لِاخْتِلافِ الوَقْتَيْنِ، وجُوِّزَ عَلى أنَّ نَصْبَ السّابِقِ بِمُقَدَّرٍ، والسُّجُودُ في الأصْلِ تَذَلُّلٌ مَعَ انْخِفاضٍ بِانْحِناءٍ، وغَيْرِهِ، وفي الشَّرْعِ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ، وفي المَعْنى المَأْمُورِ بِهِ هُنا خِلافٌ فَقِيلَ: المَعْنى الشَّرْعِيُّ والمَسْجُودُ لَهُ في الحَقِيقَةِ هو اللَّهُ تَعالى، وآدَمُ إمّا قَبْلَهُ أوْ سَبَبٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما امْتَنَعَ إبْلِيسُ، وبِأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، ألا تَرى أنَّ الكَعْبَةَ لَيْسَتْ بِأكْرَمَ مِمَّنْ سَجَدَ إلَيْها؟

وأُجِيبَ بِالتِباسِ الأمْرِ عَلى إبْلِيسَ، وبِأنَّ التَّكْرِيمَ يَجْعَلُهُ جِهَةً لِهَذِهِ العِبادَةِ دُونَهُمْ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ الشَّأْنِ، كَما في جَعْلِ الكَعْبَةِ قِبْلَةً مِن بَيْنِ سائِرِ الأماكِنِ، ومِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ كَوْنَ المَسْجُودِ لَهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً، مُدَّعِيًا أنَّ السُّجُودَ لِلْمَخْلُوقِ إنَّما مُنِعَ في شَرْعِنا، وفِيهِ أنَّ السُّجُودَ الشَّرْعِيَّ عِبادَةٌ، وعِبادَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ شِرْكٌ مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ والأزْمانِ، ولا أُراها حَلَّتْ في عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، وقِيلَ: المَعْنى اللُّغَوِيُّ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ وضْعُ الجِباهِ، بَلْ كانَ مُجَرَّدَ تَذَلُّلٍ، وانْقِيادٍ، فاللّامُ إمّا باقِيَةٌ عَلى ظاهِرِها، وإمّا بِمَعْنى إلى، مِثْلُها في قَوْلِ حَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم وأعْرَفَ النّاسِ بِالقُرْآنِ والسُّنَنِ أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ، مِثْلُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ وحِكْمَةُ الأمْرِ بِالسُّجُودِ إظْهارُ الِاعْتِرافِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والِاعْتِذارُ عَمّا قالُوا فِيهِ مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّ حَقَّ الأُسْتاذِ عَلى مَن عَلَّمَهُ حَقٌّ عَظِيمٌ، وغَيَّرَ سُبْحانَهُ الأُسْلُوبَ حَيْثُ قالَ أوَّلًا: ﴿ وإذْ قالَ رَبُّكَ ﴾ وهُنا ﴿ وإذْ قُلْنا ﴾ بِضَمِيرِ العَظَمَةِ، لِأنَّ في الأوَّلِ خَلْقَ آدَمَ واسْتِخْلافَهُ، فَناسَبَ ذِكْرَ الرُّبُوبِيَّةِ مُضافًا إلى أحَبِّ خُلَفائِهِ إلَيْهِ، وهُنا المَقامُ مَقامُ إيرادِ أمْرٍ يُناسِبُ العَظَمَةَ، وأيْضًا في السُّجُودِ تَعْظِيمٌ، فَلَمّا أمَرَ بِفِعْلِهِ لِغَيْرِهِ أشارَ إلى كِبْرِيائِهِ الغَنِيَّةِ عَنِ التَّعْظِيمِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ تاءِ المَلائِكَةِ إتْباعًا لِضَمِّ الجِيمِ، وهي لُغَةُ أزْدِشَنُوأةَ، وهي لُغَةٌ غَرِيبَةٌ عَرَبِيَّةٌ ولَيْسَتْ بِخَطَإٍ كَما ظَنَّ الفارِسِيُّ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ امْرَأةً رَأتْ بَناتِها مَعَ رَجُلٍ، فَقالَتْ: أفِي السَّوْأةِ تَنْتُنَّهْ، تُرِيدُ أفِي السَّوْأةِ أنْتُنَّهْ.

﴿ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ ﴾ الفاءُ لِإفادَةِ مُسارَعَتِهِمْ في الِامْتِثالِ وعَدَمِ تَثَبُّطِهم فِيهِ، (وإبْلِيسُ) اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ، والعُجْمَةِ، ووَزْنُهُ فِعْلِيلٌ قالَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادِ مِنَ الخَيْرِ، أوِ اليَأْسِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ووَزْنُهُ عَلى هَذا مِفْعِيلٌ، ومَنعُهُ مِنَ الصَّرْفِ حِينَئِذٍ لِكَوْنِهِ لا نَظِيرَ لَهُ في الأسْماءِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ مِن مَوانِعِ الصَّرْفِ مَعَ أنَّ لَهُ نَظائِرَ، كَإحْلِيلٍ وإكْلِيلٍ، وفِيهِ نَظَرٌ، وقِيلَ: لِأنَّهُ شَبِيهٌ بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، إذْ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ مِنَ الجِنِّ؟

فَذَهَبَ إلى الثّانِي جَماعَةٌ مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ وبِأنَّ المَلائِكَةَ لا يَسْتَكْبِرُونَ وهو قَدِ اسْتَكْبَرَ، وبِأنَّ المَلائِكَةَ كَما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وخُلِقَ الجِنُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وهو قَدْ خُلِقَ مِمّا خُلِقَ الجِنُّ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ وعُدَّ تَرْكُهُ السُّجُودَ إباءً، واسْتِكْبارًا حِينَئِذٍ إمّا لِأنَّهُ كانَ ناشِئًا بَيْنَ المَلائِكَةِ مَغْمُورًا بِالأُلُوفِ مِنهم فَغَلَبُوا عَلَيْهِ، وتَناوَلَهُ الأمْرُ، ولَمْ يَمْتَثِلْ، أوْ لِأنَّ الجِنَّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ مَعَ المَلائِكَةِ، لَكِنَّهُ اسْتَغْنى بِذِكْرِهِمْ لِمَزِيدِ شَرَفِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الجِنِّ، أوْ لِأنَّهُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ كانَ مَأْمُورًا صَرِيحًا لا ضِمْنًا كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذْ أمَرْتُكَ ﴾ وضَمِيرُ ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ راجِعٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ إلى الأوَّلِ، مُسْتَدِلِّينَ بِظاهِرِ الِاسْتِثْناءِ، وتَصْحِيحُهُ بِما ذُكِرَ تَكَلُّفٌ، لِأنَّهُ وإنْ كانَ واحِدًا مِنهم لَكِنْ كانَ رَئِيسَهُمْ، ورَأْسَهم كَما نَطَقْتْ بِهِ الآثارُ، فَلَمْ يَكُنْ مَغْمُورًا بَيْنَهُمْ، ولِأنَّ صَرْفَ الضَّمِيرِ إلى مُطْلَقِ المَأْمُورِينَ مَعَ أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ لَمْ يَثْبُتْ، إذْ لَمْ يُنْقَلْ أنَّ الجِنَّ سَجَدُوا لِآدَمَ سِوى إبْلِيسَ، وكَوْنُهُ مَأْمُورًا صَرِيحًا الآيَةُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ فِيهِ، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، واقْتِضاءُ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ كَوْنَهُ مِن جِنْسِ الجِنِّ مَمْنُوعٌ لِجَوازِ أنْ يُرادَ كَوْنُهُ مِنهم فِعْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ فَفَسَقَ ﴾ كالبَيانِ لَهُ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ كانَ بِمَعْنى صارَ، كَما رُوِيَ أنَّهُ مُسِخَ بِسَبَبِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، فَصارَ جِنِّيًّا، كَما مُسِخَ اليَهُودُ، فَصارُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، سَلَّمْنا، لَكِنْ لا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ جِنًّا، وكَوْنِهِ مَلَكًا، فَإنَّ الجِنَّ كَما يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ المَلَكَ يُقالُ عَلى نَوْعٍ مِنهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وكانُوا خَزَنَةَ الجَنَّةِ، أوْ صاغَةَ حُلِيِّهِمْ، وقِيلَ: صِنْفٌ مِنَ المَلائِكَةِ، لا تَراهُمُ المَلائِكَةُ مِثْلَنا، أوْ أنَّهُ يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ جِنٌّ أيْضًا كَما قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ لِاجْتِنانِهِمْ واسْتِتارِهِمْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، وبِذَلِكَ فَسَرَّ بَعْضُهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا ﴾ ووَرَدَ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، فَقَدْ قالَ الأعْشى في سَيِّدِنا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: وسَخَّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً ∗∗∗ قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ وكَوْنُ المَلائِكَةِ لا يَسْتَكْبِرُونَ، وهو قَدِ اسْتَكْبَرَ لا يَضُرُّ، إمّا لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ مَن لَيْسَ بِمَعْصُومٍ، وإنْ كانَ الغالِبُ فِيهِمُ العِصْمَةَ عَلى العَكْسِ مِنّا، وفي عَقِيدَةِ أبِي المُعِينِ النَّسَفِيِّ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّ إبْلِيسَ سَلَبَهُ اللَّهُ تَعالى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةَ، وألْبَسَهُ ثِيابَ الصِّفاتِ الشَّيْطانِيَّةِ، فَعَصى عِنْدَ ذَلِكَ، والمَلَكُ ما دامَ مَلَكًا لا يَعْصِي.

ومَن ذا الَّذِي يا مَيُّ لا يَتَغَيَّرُ وكَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِن نارٍ وهم مَخْلُوقُونَ مِن نُورٍ غَيْرُ ضارٍّ أيْضًا، ولا قادِحٍ في مَلَكِيَّتِهِ، لِأنَّ النّارَ والنُّورَ مُتَّحِدا المادَّةِ بِالجِنْسِ، واخْتِلافُهُما بِالعَوارِضِ عَلى أنَّ ما في أثَرِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن خَلْقِ المَلائِكَةِ مِنَ النُّورِ جارٍ مَجْرى الغالِبِ، وإلّا خالَفَهُ كَثِيرٌ مِن ظَواهِرِ الآثارِ، إذْ فِيها أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ مَلائِكَةً مِن نارٍ، ومَلائِكَةً مِن ثَلْجٍ، ومَلائِكَةً مِن هَذا، وهَذِهِ، ووَرَدَ أنَّ تَحْتَ العَرْشِ نَهْرًا إذا اغْتَسَلَ فِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وانْتَفَضَ يُخْلَقُ مِن كُلِّ قَطْرَةٍ مِنهُ مَلَكٌ، وأفْهَمَ كَلامُ البَعْضِ أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّ ضَرْبًا مِنَ المَلائِكَةِ لا يُخالِفُ الشَّياطِينَ بِالذّاتِ، وإنَّما يُخالِفُهم بِالعَوارِضِ والصِّفاتِ، كالبَرَرَةِ والفَسَقَةِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، يَشْمَلُهُما، وكانَ إبْلِيسُ مِن هَذا الصِّنْفِ، فَعُدَّهُ ما شِئْتَ مِن مَلَكٍ وجِنٍّ وشَيْطانٍ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأقْوالِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.

ثُمَّ المَشْهُورُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ إنْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ومُنْقَطِعٌ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنهُمْ، وقَدْ عَلِمْتَ تَكَلُّفَهم لِاتِّصالِهِ مَعَ قَوْلِهِمْ بِالثّانِي، وقَدْ شاعَ عِنْدَ النُّحاةِ، والأُصُولِيِّينَ أنَّ المُنْقَطِعَ هو المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، والمُتَّصِلَ هو المُسْتَثْنى مِن جِنْسِهِ، قالَ القَرافِيُّ في العِقْدِ المَنظُومِ: وهو غَلَطٌ فِيهِما، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً ﴾ و ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ﴾ ﴿ وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ﴾ الِاسْتِثْناءُ فِيهِ مُنْقَطِعٌ مَعَ أنَّ المُسْتَثْنى مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُ، فَيَبْطُلُ الحَدّانِ، والحَقُّ أنَّ المُتَّصِلَ ما حُكِمَ فِيهِ عَلى جِنْسِ ما حَكَمْتَ عَلَيْهِ أوَّلًا بِنَقِيضِ ما حَكَمْتَ بِهِ، ولا بُدَّ مِن هَذَيْنِ القَيْدَيْنِ، فَمَتى انْخَرَمَ أحَدُهُما فَهو مُنْقَطِعٌ بِأنْ كانَ غَيْرَ الجِنْسِ سَواءٌ حُكِمَ عَلَيْهِ بِنَقِيضِهِ أوْ لا، نَحْوَ: رَأيْتُ القَوْمَ إلّا فَرَسًا، فالمُنْقَطِعُ نَوْعانِ، والمُتَّصِلُ نَوْعٌ واحِدٌ، ويَكُونُ المُنْقَطِعُ كَنَقِيضِ المُتَّصِلِ، فَإنَّ نَقِيضَ المُرَكَّبِ بِعَدَمِ أجْزائِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَذُوقُونَ ﴾ إلَخْ، مُنْقَطِعٌ بِسَبَبِ الحُكْمِ بِغَيْرِ النَّقِيضِ لِأنَّ نَقِيضَهُ ذاقُوهُ فِيها، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وكَذَلِكَ ﴿ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً ﴾ لِأنَّها لا تُؤْكَلُ بِالباطِلِ، بَلْ بِحَقٍّ، وكَذَلِكَ ﴿ إلا خَطَأً ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ القَتْلُ مُطْلَقًا، وإلّا لَكانَ مُباحًا، فَتَنَوَّعَ المُنْقَطِعُ حِينَئِذٍ إلى ثَلاثَةٍ، الحُكْمِ عَلى الجِنْسِ بِغَيْرِ النَّقِيضِ، والحُكْمِ عَلى غَيْرِهِ بِهِ، أوْ بِغَيْرِهِ، والمُتَّصِلُ نَوْعٌ واحِدٌ، فَهَذا هو الضّابِطُ، وقِيلَ: العِبْرَةُ بِالِاتِّصالِ، والِانْفِصالُ الدُّخُولُ في الحُكْمِ وعَدَمِهِ، لا في حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وعَدَمِهِ، فَتَأمَّلْ تَرْشَدْ.

وأفْهَمَ كَلامُ القَوْمِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمْ أنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ عُلْوِيَّها وسُفْلِيَّها سَعِيدَها وشَقِيَّها مَخْلُوقٌ مِنَ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ النّابُلْسِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ دافِعًا ما يَرُدُّ عَلى الظّاهِرِ: طَهَ النَّبِيُّ تَكَوَّنَتْ مِن نُورِهِ ∗∗∗ كُلُّ الخَلِيقَةِ ثُمَّ لَوْ تُرِكَ القَطا وفِي الآثارِ ما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ، إلّا أنَّ المَلائِكَةَ العَلَوِيِّينَ خُلِقُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ الجَمالُ، وإبْلِيسُ مِن حَيْثُ الجَلالُ، ويُؤَوَّلُ هَذا بِالآخِرَةِ إلى أنَّ إبْلِيسَ مَظْهَرُ جَلالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِهَذا كانَ مِنهُ ما كانَ، ولَمْ يَجْزَعْ، ولَمْ يَنْدَمْ، ولَمْ يَطْلُبِ المَغْفِرَةَ لِعِلْمِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَفْعَلُ ما يُرِيدُهُ، وأنَّ ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحَقائِقُ، فَلا سَبِيلَ إلى تَغْيِيرِها وتَبْدِيلِها، واسْتُشْعِرَ ذَلِكَ مِن نِدائِهِ بِإبْلِيسَ ولَمْ يَكُنِ اسْمَهُ مِن قَبْلُ، بَلْ كانَ اسْمُهُ عَزازِيلَ، أوِ الحَرْثَ، وكُنْيَتُهُ أبا مُرَّةَ، ووَراءَ ذَلِكَ ما لَمْ يُمْكِنْ كَشْفُهُ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ نَوْعُ إشارَةٍ إلى بَعْضِ ما ذُكِرَ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافُ جَوابٍ لِمَن قالَ: ما فَعَلَ؟

وقِيلَ: إنَّ الفِعْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ آبِيًا مُسْتَكْبِرًا، ﴿ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ مُسْتَأْنَفٌ، أوْ في مَوْضِعِ الحالِ، وقِيلَ: الجُمَلُ الثَّلاثُ تَذْيِيلٌ بَعْدَ تَذْيِيلٍ، والإباءُ الِامْتِناعُ مَعَ الأنَفَةِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، ولِهَذا كانَ قَوْلُكَ: أبى زَيْدٌ الظُّلْمَ أبْلَغَ مِن: لَمْ يُظْلَمْ، ولِإفادَةِ الفِعْلِ النَّفْيَ صَحَّ بَعْدَهُ الِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ كَـ ﴿ ويَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ﴾ وقَوْلِهِ: أبى اللَّهُ إلّا عَدْلَهُ ووَفاءَهُ ∗∗∗ فَلا النُّكْرُ مَعْرُوفٌ ولا العُرْفُ ضائِعُ والفِعْلُ مِنهُ أبى بِالفَتْحِ، وعَلَيْهِ لا يَكُونُ يَأْبى قِياسِيًّا، وقَدْ سُمِعَ أبِيَ كَرَضِيَ، فالمُضارِعُ حِينَئِذٍ قِياسِيٌّ، والمَفْعُولُ هُنا مَحْذُوفٌ، أيِ السُّجُودَ، والِاسْتِكْبارُ التَّكَبُّرُ، وهو مِمّا جاءَ فِيهِ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى تَفَعَّلَ وقِيلَ: التَّكَبُّرُ أنْ يَرى الشَّخْصُ نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ، وهو مَذْمُومٌ، وإنْ كانَ أكْبَرَ في الواقِعِ، والِاسْتِكْبارُ طَلَبُ ذَلِكَ بِالتَّشَبُّعِ، وقُدِّمَ الإباءُ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ في الرُّتْبَةِ، لِأنَّهُ مِنَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ، بِخِلافِ الِاسْتِكْبارِ، فَإنَّهُ نَفْسانِيٌّ، أوْ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ خالَفَ حالُهُ حالَ المَلائِكَةِ، فَناسَبَ أنْ يَبْدَأ أوَّلًا بِتَأْكِيدِ ما حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ في الِاسْتِثْناءِ أوْ بِإنْشاءِ الإخْبارِ عَنْهُ بِالمُخالَفَةِ، فَبَدَأ بِذَلِكَ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وكانَ عَلى بابِها، والمَعْنى: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكافِرِينَ، أوْ كانَ مِنَ القَوْمِ الكافِرِينَ الَّذِينَ كانُوا في الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، وقِيلَ: بِمَعْنى صارَ، وهو مِمّا أثْبَتَهُ بَعْضُ النُّحاةِ، قالَ ابْنُ فُورَكَ: وتَرُدُّهُ الأُصُولُ، ولِأنَّهُ كانَ الظّاهِرَ حِينَئِذٍ، فَكانَ بِالفاءِ، ثُمَّ أنَّ كُفْرَهُ لَيْسَ لِتَرْكِ الواجِبِ كَما زَعَمَ الخَوارِجُ مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لا يُوجِبُ ذَلِكَ في مِلَّتِنا عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ القَواطِعُ، وإيجابُهُ قَبْلَ ذَلِكَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، بَلْ بِاسْتِقْباحِهِ أمْرَ اللَّهِ تَعالى بِالسُّجُودِ لِمَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ خَيْرٌ مِنهُ، وأفْضَلُ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الإباءُ والِاسْتِكْبارُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَعْنى مِنَ الكافِرِينَ، مِنَ العاصِينَ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ كُفْرَهُ كانَ عَنْ جَهْلٍ، بِأنِ اسْتَرَدَّ سُبْحانَهُ مِنهُ ما أعارَهُ مِنَ العِلْمِ الَّذِي كانَ مُرْتَدِيًا بِهِ، حِينَ كانَ طاوُسَ المَلائِكَةِ، وأظافِيرُ القَضاءِ إذا حَكَّتْ أدْمَتْ، وقِسِيُّ القَدَرِ إذا رَمَتْ أصَمَّتْ.

وكانَ سِراجُ الوَصْلِ أزْهَرَ بَيْنَنا ∗∗∗ فَهَبَّتْ بِهِ رِيحٌ مِنَ البَيْنِ فانْطَفى وقِيلَ: عَنْ عِنادٍ حَمَلَهُ عَلَيْهِ حُبُّ الرِّياسَةِ والإعْجابُ بِما أُوتِيَ مِنَ النَّفاسَةِ، ولَمْ يَدْرِ المِسْكِينُ أنَّهُ لَوِ امْتَثَلَ ارْتَفَعَ قَدْرُهُ، وسَما بَيْنَ المَلَإ الأسْمى فَخْرُهُ، ولَكِنْ: إذا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِلْفَتى ∗∗∗ فَأوَّلُ ما يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ وكَمْ أدَقَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ جُفُونًا، وأراقَتْ مِنَ العُيُونِ عُيُونًا، فَإنَّ إبْلِيسَ كانَ مُدَّةً في دَلالِ طاعَتِهِ يَخْتالُ في رِداءِ مُرافَقَتِهِ، ثُمَّ صارَ إلى ما تَرى، وجَرى ما بِهِ القَلَمُ جَرى وكُنّا ولَيْلى في صُعُودٍ مِنَ الهَوى ∗∗∗ فَلَمّا تَوافَيْنا ثَبَتَ وزَلَّتِ ومِن هُنا قالَ الشّافِعِيَّةُ والأشْعَرِيَّةُ وبِقَوْلِهِمْ أقُولُ في هَذِهِ المَسْألَةِ: إنَّ العِبْرَةَ بِالإيمانِ الَّذِي يُوافِي العَبْدُ عَلَيْهِ، ويَأْتِي مُتَّصِفًا بِهِ في آخِرِ حَياتِهِ، وأوَّلِ مَنازِلِ آخِرَتِهِ، ولِذا يَصِحُّ أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بِالشَّكِّ، ولَكِنْ لَيْسَ في الإيمانِ النّاجِزِ بَلْ في الإيمانِ الحَقِيقِيِّ المُعْتَبَرِ عِنْدَ المَوْتِ، وخَتْمِ الأعْمالِ، وقَدْ صَحَّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كَما أوْرَدَهُ الزُّرْقانِيُّ: إنَّ مِن تَمامِ إيمانِ العَبْدِ أنْ يَسْتَثْنِيَ، إذْ عَواقِبُ المُؤْمِنِينَ مُغَيَّبَةٌ عِنْدَهُمْ، ﴿ وهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ﴾ وفِي الصَّحِيحِ عَنْ جابِرٍ كانَ  يُكْثِرُ مِن قَوْلِهِ: «(يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنا عَلى دِينِكَ)،» وخَبَرُ «(مَن قالَ: أنا مُؤْمِنٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الإسْلامِ نَصِيبٌ)» مَوْضُوعٌ بِاتِّفاقِ المُحَدِّثِينَ، وأنا مُؤْمِنٌ بِغَيْرِهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، هَذا واعْلَمْ أنَّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ وكَذا الَّتِي في الأعْرافِ، وبَنِي إسْرائِيلَ، والكَهْفِ وطه، أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ تَرَتَّبَ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ الوارِدِ بَعْدَ خَلْقِهِ، ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وهو الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ النَّقْلُ والعَقْلُ، إلّا أنَّ ما في الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ ﴾ ﴿ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ ﴿ فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ ﴾ وكَذا ما في ص، تَسْتَدْعِي ظاهِرًا تَرَتُّبَهُ عَلى ما فِيها مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ غَيْرُ الخَلْقِ، وتَوابِعِهِ، وبِهِ قالَ بَعْضُهُمْ، وحُمِلَ ما في تِلْكَ الآياتِ مِنَ الأمْرِ عَلى حِكايَةِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ إجْمالًا، فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ في حُكْمِ التَّنْجِيزِ، و(ثُمَّ) في آيَةِ الأعْرافِ لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ، أوِ التَّراخِي في الإخْبارِ، أوْ يُقالُ: إنَّ الأمْرَ التَّعْلِيقِيَّ لَمّا كانَ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ في عَدَمِ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ جُعِلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ، فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ التَّنْجِيزِ، ولَمّا رَأى بَعْضُهم أنَّ هَذا مُؤَدٍّ إلى أنَّ ما جَرى في شَأْنِ الخِلافَةِ، وما قالُوا، وما سَمِعُوا، إنَّما جَرى بَعْدَ السُّجُودِ المَسْبُوقِ بِمَعْرِفَةِ جَلالَةِ قَدْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وخُرُوجِ إبْلِيسَ مِنَ البَيْنِ بِاللَّعْنِ، وبَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِكُلِّ ذَلِكَ، وهو خَرْقٌ لِقَضِيَّةِ النَّقْلِ، بَلْ خَرْقٌ في العَقْلِ، اضْطُرَّ إلى القَوْلِ بِأنَّ السُّجُودَ كانَ مَرَّتَيْنِ، وهَيْهاتَ لا يُصْلِحُ العَطّارُ ما أفْسَدَ الدَّهْرُ، فالحَقُّ الحَقِيقُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هاتِيكَ الآياتُ، وما اسْتَدَلَّ بِهِ المُخالِفُ لا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا، لِأنَّ الشَّرْطَ إنْ كانَ قَيْدًا لِلْجَزاءِ كانَ مَعْناهُ عَلى تَقْدِيرِ: صَدَقَ، إذا سَوَّيْتَهُ أطْلَبَ بِناءً، عَلى أنَّ الشَّرْطَ قَيْدٌ لِلطَّلَبِ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ مِن أنَّ مَعْنى قَوْلِنا: إنْ جاءَكَ زَيْدٌ، فَأكْرِمْهُ، أيْ عَلى تَقْدِيرِ: صَدَقَ إنْ جاءَكَ زَيْدٌ أطْلُبُ مِنكَ إكْرامَهُ، وإنْ كانَ الحُكْمُ بَيْنَ الشَّرْطِ، والجَزاءِ فالجَزاءُ الطَّلَبِيُّ لا بُدَّ مِن تَأْوِيلِهِ بِالخَبَرِ، أيْ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ في حَقِّهِ أكْرِمْهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ كانَ مَدْلُولُ ﴿ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ ﴾ طَلَبًا اسْتِقْبالِيًّا لا حالِيًّا، فَلا يَلْزَمُ تَحَقُّقُ الأمْرِ بِالسُّجُودِ قَبْلَ التَّسْوِيَةِ، نَعَمْ لَوْ كانَ الشَّرْطُ قَيْدًا لِلْمَطْلُوبِ لا لِلطَّلَبِ، يَكُونُ المَعْنى طَلَبٌ في الحالِ لِلسُّجُودِ وقْتَ التَّسْوِيَةِ، فَيُفِيدُ تَقَدُّمَ الأمْرِ عَلى التَّسْوِيَةِ، وقَوْلُ مَوْلانا الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ الآيَةَ كَما تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ الأمْرِ بِالسُّجُودِ عَلى التَّسْوِيَةِ تُفِيدُ أنَّ التَّعْلِيمَ والإنْباءَ كانَ بَعْدَ السُّجُودِ، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما صارَ حَيًّا صارَ مَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ، لِأنَّ الفاءَ في (فَقَعُوا) لِلتَّعْقِيبِ لا يَخْفى ما فِيهِ، لِأنَّ الفاءَ لِلسَّبَبِيَّةِ، لا لِلْعَطْفِ، وهو لا يَقْتَضِي التَّعْقِيبَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن حَمَلَ نَفْخَ الرُّوحِ في الآيَةِ عَلى التَّعْلِيمِ لِما اشْتُهِرَ أنَّ العِلْمَ حَياةٌ، والجَهْلَ مَوْتٌ، وأنْتَ في غِنًى عَنْهُ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وهو قوله تعالى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فأصل السجود في اللغة: هو الميلان والخضوع، والعرب تقول: سجدت النخلة إذا مالت، وسجدت الناقة إذا طأطأت رأسها ومالت.

وإنما كانت تلك سجدة التحية لا سجدة العبادة، وكانت السجدة تحية لآدم  وطاعة لله- عز وجل- فَسَجَدُوا كلهم إِلَّا إِبْلِيسَ.

يقال: إبليس اسم أعجمي ولذلك لا ينصرف وهو قول أبي عبيدة.

وقال غيره: هو من أبلس يبلس إذا يئس من رحمة الله، وكذا قال ابن عباس في رواية أبي صالح: أنه أيئسه من رجسته.

وكان اسمه عزازيل ويقال: عزاييل وإنما لن ينصرف لأنه لا سمي له فلا يستثقل فاشتُقّ.

وقال ابن عباس-  -: إنما سمي آدم، لأنه خلقه من أديم الأرض.

وروي عن قطرب أنه قال: هذا الخبر لا يصح لأن العربية لا توافقه.

وقال بعض أهل اللغة: مأخوذ من الأدمة، وهو الذي يكون من لونه سمرة.

إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ أي امتنع عن السجود تكبراً: معناه أن كبره منعه من السجود.

وقوله: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي وصار من الكافرين، كما قال في آية أخرى فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ [هود: 43] ، أي صار من المغرقين.

وقال بعضهم: كان من الكافرين، أي كان في علم الله من الكافرين، يعني أنه يكفر.

وبعضهم قال بظاهر الآية كان كافراً في الأصل.

وهذا قول أهل الجبر.

وقالوا: كل كافر أسلم ظهر أنه كان مسلماً في الأصل، وكل مسلم كفر ظهر أنه كان كافراً في الأصل، لأنه كان كافراً يوم الميثاق.

ألا ترى أن الله تعالى قال في قصة بلقيس إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ [النمل: 43] ولم يقل إنها كانت كافرة، وقال في قصة إبليس وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ.

وقال أهل السنة والجماعة: الكافر إذا أسلم كان كافراً إلى وقت إسلامه، وإنما صار مسلماً بإسلامه إلا أنه غفر له ما قد سلف.

والمسلم إذا كفر كان مسلماً إلى ذلك الوقت، إلا أنه حبط عمله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال آخرون: إِن كنتم صادِقِينَ في أنِّي إِن استخلفتكم، سبَّحتم بحَمْدِي، وقدَّستم لي.

وقال/ قوم: معناه: إن كنتم صادقين في جوابِ السؤال، عالمين بالأسماء.

١٥ أوسُبْحانَكَ: معناه تنزيهاً لك وتبرئةً أنْ يعلم أحدٌ من علمك إِلا ما علمته، والعَلِيمُ: معناه: العَالِمُ، ويزيد عليه معنى من المبالغةِ والتكثيرِ في المعلوماتِ، والحكيمُ:

معناه: الحاكِمُ وبينهما مزية المبالغةِ، وقيل: معناه: المُحْكِمُ، وقال قوم: الحَكِيمُ المانعُ من الفساد، ومنه حَكَمَةُ الفرسِ مانعته.

وقوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ: أَنْبِئْهُمْ: معناه: أخبرهم، والضمير في «أَنْبِئْهُمْ» عائدٌ على الملائكة بإجماعٍ، والضميرُ في «أَسْمَائِهِمْ» مختلَفٌ فيه حَسَبَ الاختلاف في الأسماء التي علَّمها آدم، قال بعض العلماء: إنَّ في قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ نبوءةً لآدم عليه السلام إِذ أمره اللَّه سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم اللَّه عز وجَلَّ.

وقوله تعالى: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: معناه: ما غاب عنكم لأنَّ اللَّه تعالى لا يغيبُ عنه شيء، الكلُّ معلوم له.

واختلف في قوله تعالى: مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.

فقال طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع، «وإِذْ» من قوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ معطوفةٌ على «إذِ» المتقدِّمة، وقولُ «١» اللَّه تعالى

وخطابه للملائكةِ متقرِّر قديم في الأَزَلِ بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته.

ت: ما ذكره- رحمه اللَّه- هو عقيدةُ أهل السنة، وها أنا أنقل من كلام الأئمة، إن شاء اللَّه، ما يتبيَّن به كلامه، ويزيده وضوحاً، قال ابن رُشْدٍ: قوله صلّى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خلق» «١» لا يفهم منه أن لله عز وجلّ كلمات غير تامّات لأن

كلماته هي قوله، وكلامه هو صفةٌ من صفات ذاتِهِ يستحيلُ عليها النقص، وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه عزَّ وجلَّ صفة من صفات ذاته قديمٌ غيرُ مخلوقٍ لأن الكلام هو، المعنى القائِمُ في النفسِ، والنطقُ به عبارةٌ عنه قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ [المجادلة: ٨] فأخبر أن القول معنًى يقوم في النفْسِ، وتقول: في نَفْسِي كَلاَمٌ، أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهومُ من كلامه، وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارة عنه وكذلك كلام الله عز وجلّ القديمُ الذي هو صفة من صفاتِ ذاته هو المفهوم من قراءة القارئ لا نَفْسُ قراءته التي تسمعها لأنَّ نفس قراءته التي تسمعها مُحْدَثَةٌ، لم تكن حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بيِّن إلا لمن أعمى اللَّه بصيرته.

انتهى بلفظه من «البَيَانِ» .

وقال الغَزَّالِيُّ «١» بعد كلامٍ له نحو ما تقدَّم لابن رشد: وكما عقل قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادته بذات الوالدِ قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده، وعقل، وخلق اللَّه سبحانه له علْماً بما في قلْب أبيه من الطَّلَب، صار مأموراً بذلك الطلب الذي قام بذاتِ أبيه، ودام وجوده إِلى وقت معرفة ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دلَّ عليه قوله عزَّ وجلَّ: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ/ [طه: ١٢] بذات اللَّه تعالى، ومصير موسى عليه السلام سامعا لذلك الكلام

مخاطَباً به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلبِ، ومعرفةُ بذلك الكلامِ القديمِ.

انتهى بلفظه من «الإحياء» .

وقوله: لِلْمَلائِكَةِ عمومٌ فيهم، والسجودُ في كلام العرب: الخضوعُ والتذلُّل، وغايته وضعه الوجْه بالأرض، والجمهور على أنَّ سجود الملائكة لآدم إيماءٌ وخضوعٌ، ولا تدفع الآية أنْ يكونوا بلغوا غاية السجود، وقوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [الحجر: ٢٩] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقعٌ، واختُلِفَ في حال السجودِ لآدم.

فقال ابن عَبَّاسٍ: تعبَّدهم اللَّه بالسجود لآدم، والعبادةُ في ذلك للَّهِ «١» ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابن عبَّاس أيضاً: كان سجودَ تحيَّة كسجود أبوَيْ يوسُفَ عليه السلام له، لا سجودَ عبادة «٢» ، وقال الشَّعبيُّ: إنما كان آدم كالقِبْلة «٣» ، ومعنى لِآدَمَ:

إلى آدَمَ.

ع «٤» : وفي هذه الوجوهِ كلِّها كرامةٌ لآدم عليه السلام.

وقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ نصبٌ على الاستثناءِ المتَّصِلِ لأنه من الملائكة على قوله الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً ومَلَكاً على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل قال ابن عباس «٥» .

وقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجِنِّ كما آدمُ أبو البشر، ولم يكُ قطُّ ملَكاً «٦» ، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: واسمه الحارث «٧» .

وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: كان من الْجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكةُ فسَبَوْهُ صغيراً، وتعبَّد مع الملائكة، وخُوطِبَ معها، وحكاه الطبريّ عن ابن مسعود «١» .

والاستثناء على هذا الأقوال منقطعٌ واحتجَّ بعض أصحاب هذا القول بأن اللَّه تعالى قال في صفة الملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] ورجَّح الطبريُّ قَوْلَ من قال: إن إِبليسَ كان من الملائكَةِ، وقال «٢» : ليس في خلقه مِنْ نارٍ، ولا في تركيبِ الشَّهْوَةِ والنسلِ فيه حينَ غُضِبَ عليه ما يدْفَعُ أنه كان من الملائكة، وقوله تعالى:

كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] يتخرَّج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جِنًّا لاستتارها قال اللَّه تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: ١٥٨] وقال الأعشى في ذكر سليمانَ عليه السلام: [الطويل]

وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلاَئِكِ تِسْعَةً ...

قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بِلاَ أَجْرِ «٣»

أو على أن يكون نسبه إلى الجَنَّةِ كما ينسب إلى البَصْرَةِ بِصْرِيَّ.

قال عِيَاضٌ: ومما يذكرونه قصَّةُ إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيساً فيهم، ومن خُزَّان الجَنَّة إلى ما حكَوْه، وهذا لم يتفقْ عليه، بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن.

انتهى من «الشِّفا» «٤» .

وإِبْلِيسُ: لا ينصرفُ لأنه اسم أعجميٌّ قال الزَّجَّاج: ووزنه فِعْلِيلُ، وقال ابن عبَّاس وغيره: هو مشتقٌّ من أُبْلِسَ، إِذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل «٥» ، ولم

تصرفه هذه الفرقةُ لشذوذه وقلَّته، ومنه قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤] أيْ:

يائسون من الخير، مبعدون منه فيما يرون، وأَبى: معناه: امتنَعَ من فعْلِ ما أمر به، وَاسْتَكْبَرَ: دخل في الكبرياءِ، والإبَاءَةُ مقدَّمة على الاِستكبارِ في ظهورهما عليه، والاستكبارُ والأَنَفَة مقدَّمة في معتقده، وروى ابْنُ القاسم «١» عن مَالكٍ أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ معْصيَةٍ كانت الحسدُ، والكِبْرُ، والشُّحُّ، حسد إِبليسُ آدم، وتكبَّر، وشحّ آدم/ في أكله ١٦ أمن شجرة قد نُهِيَ عن قربها «٢» .

ت: إِطلاق الشحِّ على آدم فيه ما لا يخفى عليك، والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحُطُّ من رتبتهم، وقد قال اللَّه تعالى في حق آدَمَ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] .

وقوله تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ: قالت فِرقَةٌ: معناه: وصار من الكافرين، وردَّه ابن فُورَكَ، وقال جمهور المتأوِّلين: معنى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ، أيْ: في علْمِ اللَّهِ تعالى، وقال أبو العالية: معناه: من العاصين «٣» ، وذهب الطبريُّ إِلى أن اللَّه تعالى أراد بقصة إبْلِيسَ تقريعَ أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدُّم نعم اللَّه عليهم، وعلى أسلافهم.

ت: ولفظ الطبريِّ «٤» : وفي هذا تقريعٌ لليهود إذ أبوا الإسلام مع علمهم بنبوءة رسول الله صلّى الله عليه وسلم من التوراة والكُتُبِ حَسَداً له، ولبني إِسماعيل كما امتنع إِبليسُ من السجود حَسَداً لآدَم وتكبُّراً عن الحق وقبولِهِ، فاليهود نظراء إِبْليسَ في كُفْرهم وكِبْرهم وحَسَدهم وتَرْكِهِمْ الانقيادَ لأمر اللَّه تعالى.

انتهى من «مختصر الطبريِّ» لأبي عبد اللَّه اللَّخْمِيِّ النحْويِّ.

واختلف، هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً؟

على قولَيْن بين أهل السنة، ولا خلاف أنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا ﴾ .

عامَّةُ القُرّاءِ عَلى كَسْرِ التّاءِ مِنَ المَلائِكَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ بِضَمِّها في الوَصْلِ، قالَ الكِسائِيُّ: هي لُغَةٌ أزْدَشَنُوءَةَ.

وَفِي هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهم طائِفَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والأوَّلُ أصَحُّ.

والسُّجُودُ في اللُّغَةِ: التَّواضُعُ والخُضُوعُ، وأنْشَدُوا: ساجِدُ المَنخَرِ ما يَرْفَعُهُ خاشِعُ الطَّرْفِ أصَمُّ المُسْتَمِعِ وَفِي صِفَةِ سُجُودِهِمْ لِآَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى صِفَةِ سُجُودِ الصَّلاةِ، وهو الأظْهَرُ.

والثّانِي: أنَّهُ الِانْحِناءُ والمَيْلُ المُساوِي لِلرُّكُوعِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ .

فِي هَذا الِاسْتِثْناءِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الجِنْسِ، فَهو عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ في رِوايَةٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ مَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى شَيْطانًا.

والثّانِي: أنَّهُ مِن غَيْرِ الجِنْسِ، فَهو مِنَ الجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إبْلِيسُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، وكانَ يُدِيرُ أمْرَ السَّماءِ الدُّنْيا.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ اسْتُثْنِيَ ولَيْسَ مِنَ الجِنْسِ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَعَهم، فاسْتُثْنِيَ مِنهم، لِأنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما تَقُولُ: أمَرْتُ عَبْدِي وإخْوَتِي فَأطاعُونِي إلّا عَبْدِي، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَفِي إبْلِيسَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لَيْسَ بِمُشْتَقٍّ، ولِذَلِكَ لا يُصْرَفُ، هَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، والزَّجّاجِ وابْنِ الأنْبارِيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الإبْلاسِ، وهُوَ: اليَأْسُ، رُوِيَ عَنْ أبِي صالِحٍ، وذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وقالَ: إنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ، لِأنَّهُ لا سَمِيَّ لَهُ، فاسْتُثْقِلَ.

قالَ شَيْخُنا أبُو مَنصُورٍ اللُّغَوِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مِنَ الإبْلاسِ لَصُرِفَ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ سَمَّيْتَ رَجُلًا: بِإخْرِيطٍ وإجْفِيلٍ؛ لِصُرِفَ في المَعْرِفَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أبى ﴾ مَعْناهُ: امْتَنَعَ، ﴿ واسْتَكْبَرَ ﴾ اسْتَفْعَلَ مِنَ: الكِبْرِ، وفي " وكانَ " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: صارَ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى الماضِي، فَمَعْناهُ: كانَ في عِلْمِ اللَّهِ كافِرًا، قالَهُ مُقاتِلٌ، وابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ "أنْبِئْهُمْ" مَعْناهُ: أخْبِرْهُمْ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما بِحَرْفِ جَرٍّ، وقَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ أحْيانًا، تَقُولُ: نُبِّئْتُ زَيْدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ نُبِّئَتُ عن زَيْدٍ، والضَمِيرُ في "أنْبِئْهُمْ" عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ بِإجْماعٍ، والضَمِيرُ في "أسْمائِهِمْ" مُخْتَلَفٌ فِيهِ، حَسَبَ الِاخْتِلافِ في الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: كُلُّهم قَرَأ "أنْبِئْهُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ "أنْبِئْهِمْ" بِالهَمْزِ وكَسْرُ الهاءِ، وكَذَلِكَ رَوى بَعْضُ المَكِّيِّينَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وذَلِكَ عَلى إتْباعِ كَسْرَةِ الهاءِ لِكَسْرَةِ الباءِ، وإنْ حُجِزَ الساكِنُ فَحَجْزُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أنَبِيهُمْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وقَرَأ الحَسَنُ "أنْبِهِمْ" عَلى وزْنِ (أعْطِهِمْ)، وقَدْ رُوِيَ عنهُ "أنْبِيهِمْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ القَوّاسِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: أمّا قِراءَةُ الحَسَنِ "أنْبِهِمْ" كَأعْطِهِمْ، فَعَلى إبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، عَلى أنَّكَ تَقُولُ "أنْبَيْتُ" كَأعْطَيْتُ، وهَذا ضَعِيفٌ في اللُغَةِ، لِأنَّهُ بَدَلٌ لا تَخْفِيفَ، والبَدَلُ عِنْدَنا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أنْبَأهُمْ ﴾ نُبُوَّةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إذْ أمَرَهُ اللهُ أنْ يُنْبِئَ المَلائِكَةَ بِما لَيْسَ عِنْدَهم مِن عِلْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

ويَجُوزُ فَتْحُ الياءِ مِن "إنِّي" وتَسْكِينُها، قالَ الكِسائِيُّ: رَأيْتُ العَرَبَ إذا لَقِيَتْ عِنْدَهُمُ الياءَ هَمْزَةً فَتَحُوها.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ أبُو عَمْرٍو يَفْتَحُ ياءَ الإضافَةِ المَكْسُورُ ما قَبْلَها عِنْدَ الهَمْزَةِ المَفْتُوحَةِ والمَكْسُورَةِ إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِاسْمٍ أو بِفِعْلٍ، ما لَمْ يَطُلِ الحَرْفُ، فَإنَّهُ يُثْقَلُ فَتْحُها، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَفْتِنِّي ألا  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ  ﴾ .

والَّذِي يَخِفُّ: ( إنِّي أرى )، و( أجْرِيَ إلّا عَلى اللهِ ) ونَحْوُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ مَعْناهُ ما غابَ عنكُمْ، لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يَغِيبُ عنهُ شَيْءٌ، الكُلُّ مَعْلُومٌ لَهُ، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ "أعْلَمُ".

قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "أعْلَمُ" اسْمًا بِمَعْنى التَفْضِيلِ في العِلْمِ فَتَكُونُ "ما" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا قُدِّرَ الأوَّلُ اسْمًا فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِن إضْمارِ فِعْلٍ يَنْصِبُ "غَيْبَ" تَقْدِيرُهُ: إنِّي أعْلَمُ مِن كُلِّ، أعْلَمُ غَيْبَ، وكَوْنُها في المَوْضِعَيْنِ فِعْلًا مُضارِعًا أخْصَرُ وأبْلَغُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

فَقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ عَلى مَعْنى العُمُومِ في مَعْرِفَةِ أسْرارِهِمْ وظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ أجْمَعَ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما تُبْدُونَ ﴾ قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها  ﴾ الآيَةُ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ ﴿ ما تُبْدُونَ ﴾ قَوْلُهُمْ: "لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ أعْلَمَ مِنّا ولا أكْرَمَ عَلَيْهِ"، فَجَعَلَ هَذا مِمّا أبْدَوْهُ لِما قالُوهُ.

وقالَ الزَهْراوِيُّ: ما أبْدَوْهُ هو بِدارِهِمْ بِالسُجُودِ لِآدَمَ.

واخْتَلَفَ في المَكْتُومِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرادُ ما كَتَمَهُ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبَرِ والكُفْرِ، ويَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ: "تَكْتُمُونَ" لِلْجَماعَةِ والكاتِمُ واحِدٌ في هَذا القَوْلِ عَلى تَجَوُّزِ العَرَبِ واتِّساعِها، كَما يُقالُ لِقَوْمٍ قَدْ جَنى سَفِيهٌ مِنهُمْ: لَأنْتُمْ فَعَلْتُمْ كَذا، أيْ: مِنكم فاعِلُهُ، وهَذا مَعَ قَصْدِ تَعْنِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ  ﴾ .

وإنَّما ناداهُ مِنهم عُيَيْنَةُ، وقِيلَ الأقْرَعُ، وقالَ قَتادَةُ: المَكْتُومُ هو ما أسَرَّهُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِن قَوْلِهِمْ: "لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ"، فَجَعَلَ هَذا مِمّا كَتَمُوهُ لِما أسَرَّهُ، و"إذْ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ.

وقَوْلُ اللهِ تَعالى، وخِطابُهُ لِلْمَلائِكَةِ مُتَقَرَّرٌ قَدِيمٌ في الأزَلِ، بِشَرْطِ وُجُودِهِمْ وفَهْمِهِمْ، وهَذا هو البابُ كُلُّهُ في أوامِرِ اللهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ ومُخاطَباتِهِ، و"قُلْنا" كِنايَةُ العَظِيمِ عن نَفْسِهِ بِلَفْظِ الجَمْعِ.

وَقَوْلُهُ: "لِلْمَلائِكَةِ" عُمُومٌ فِيهِمْ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ "لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا"، بِرَفْعِ التاءِ العَلامَةِ إتْباعًا لِضَمَّةِ ثالِثِ المُسْتَقْبَلِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا خَطَأٌ، وقالَ الزَجّاجُ: أبُو جَعْفَرٍ مِن رُؤَساءِ القِراءَةِ، ولَكِنَّهُ غَلِطَ في هَذا، قالَ أبُو الفَتْحِ: لِأنَّ "المَلائِكَةَ" في مَوْضِعِ جَرٍّ فالتاءُ مَكْسُورَةٌ كَسْرَةَ إعْرابٍ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو جَعْفَرٍ إنَّما يَجُوزُ إذا كانَ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ حَرْفًا ساكِنًا صَحِيحًا، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ  ﴾ والسُجُودُ في كَلامِ العَرَبِ الخُشُوعُ والتَذَلُّلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................

تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وَغايَتُهُ وضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ إيماءٌ وخُضُوعٌ.

ذَكَرَهُ النَقّاشُ وغَيْرُهُ، ولا تَدْفَعُ الآيَةُ أنْ يَكُونُوا بَلَغُوا غايَةَ السُجُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ  ﴾ لا دَلِيلَ فِيهِ لِأنَّ الجاثِيَ عَلى رُكْبَتَيْهِ واقِعٌ.

واخْتَلَفَ في حالِ السُجُودِ لِآدَمَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَعْبَّدَهُمُ اللهُ بِالسُجُودِ لِآدَمَ، والعِبادَةُ في ذَلِكَ لِلَّهِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما كانَ سُجُودَ تَحِيَّةٍ، كَسُجُودِ أبَوَيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، لا سُجُودَ عِبادَةٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: إنَّما كانَ آدَمُ كالقِبْلَةِ.

ومَعْنى "لِآدَمَ": إلى آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها كَرامَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّ اللهَ إنَّما أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ لِآدَمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، قالَ: والقُرْآنُ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ قَوْمٌ: سُجُودُ المَلائِكَةِ كانَ مَرَّتَيْنِ، والإجْماعُ يَرُدُّ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، لِأنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، وكانَ خازِنًا ومَلَكًا عَلى سَماءِ الدُنْيا والأرْضِ، واسْمُهُ عَزازِيلُ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: هو أبُو الجِنِّ، كَما أنَّ آدَمَ أبُو البَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، قالَ: واسْمُهُ الحارِثُ.

وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كانَ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا في الأرْضِ وقاتَلَتْهُمُ المَلائِكَةُ، فَسَبَوْهُ صَغِيرًا، وتَعَبَّدَ وخُوطِبَ مَعَها.

حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مُنْقَطِعٌ، واحْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ صِفَةً لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ  ﴾ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ: لَيْسَ في خَلْقِهِ مِن نارٍ، ولا في تَرْكِيبِ الشَهْوَةِ والنَسْلِ فِيهِ حِينَ غَضَبِ عَلَيْهِ ما يَدْفَعُ أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ  ﴾ يَتَخَرَّجُ عَلى أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَهم فَكانَ مِنهم في هَذا، أو عَلى أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها.

قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا  ﴾ وقالَ الأعْشى في ذِكْرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وسَخَّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرٍ أو عَلى أنْ يَكُونَ نَسَبَهم إلى الجِنَّةِ كَما يُنْسَبُ إلى البَصْرَةِ بَصَرِيٌّ، لَمّا كانَ خازِنًا عَلَيْها.

وإبْلِيسُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ.

قالَ الزَجّاجُ: ووَزْنُهُ فِعْلِيلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُمْ: هو مُشْتَقٌّ مِن أبْلَسَ إذا أُبْعِدَ عَنِ الخَيْرِ، ووَزْنُهُ عَلى هَذا إفْعِيلٌ، ولَمْ تَصْرِفْهُ هَذِهِ الفِرْقَةُ لِشُذُوذِهِ، وأجْرَوْهُ مَجْرى إسْحاقَ مِن أسْحَقَهُ اللهُ، وأيُّوبَ مَن آبَ يَؤُوبُ، مِثْلُ قَيُّومٍ، مِن قامَ يَقُومُ، ولَمّا لَمْ تُصْرَفْ هَذِهِ ولَها وزْنٌ مِنَ الِاشْتِقاقِ، كَذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ هَذا وإنْ تَوَجَّهَ اشْتِقاقُهُ، لِقِلَّتِهِ وشُذُوذِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ العَجّاجِ: يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرِّسًا؟

∗∗∗قالَ: نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا أيْ: تَغَيَّرَ وبَعُدَ عَنِ العَمارِ والأُنْسِ بِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ......................................

∗∗∗ وفي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسٌ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ  ﴾ ، أيْ يائِسُونَ عَنِ الخَيْرِ، مُبْعَدُونَ مِنهُ فِيما يَرَوْنَ.

و"أبى" مَعْناهُ: امْتَنَعَ مِن فِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، و"اسْتَكْبَرَ" دَخَلَ في الكِبْرِياءِ.

والإبايَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الِاسْتِكْبارِ في ظُهُورِهِما عَلَيْهِ، والِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ مُقَدَّمَةٌ في مُعْتَقَدِهِ.

ورَوى ابْنُ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ كانَتِ الحَسَدُ والكِبْرُ والشُحُّ.

حَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ، وتَكَبَّرَ، وشَحَّ آدَمُ في أكْلِهِ مِن شَجَرَةٍ قَدْ نُهِيَ عن قُرْبِها.

حَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّ مَعْنى ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ وصارَ مِنَ الكافِرِينَ، وقالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وهَذا خَطَأٌ تَرُدُّهُ الأُصُولُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ الجِنِّ مَن كَفَرَ فَشَبَّهَهُ اللهُ بِهِمْ وجَعَلَهُ مِنهم لِما فَعَلَ في الكُفْرِ فِعْلَهم.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ العاصِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتِلْكَ مَعْصِيَةُ كُفْرٍ، لِأنَّها عن مُعْتَقَدٍ فاسِدٍ صَدَرَتْ.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقًا، وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَعَصَوْا، فَأحْرَقَهم بِالنارِ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ وأمَرَهم بِذَلِكَ فَعَصَوْا فَأحْرَقَهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ المَلائِكَةَ فَأمَرَهم بِذَلِكَ فَسَجَدُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والإسْنادُ في مِثْلِ هَذا غَيْرُ وثِيقٍ.

وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْنى ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ أيْ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ سَيَكْفُرُ، لِأنَّ الكافِرَ حَقِيقَةٌ، والمُؤْمِنَ حَقِيقَةٌ هو الَّذِي قَدْ عَلِمَ اللهُ مِنهُ المُوافاةَ.

وَذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ اللهَ أرادَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ تَقْرِيعُ أشْباهِهِ مِن بَنِي آدَمَ، وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ  مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، ومَعَ تَقَدُّمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ وعَلى أسْلافِهِمْ.

واخْتَلَفَ هَلْ كَفَرَ إبْلِيسُ جَهْلًا أو عِنادًا؟

عَلى قَوْلَيْنِ بَيْنَ أهْلِ السُنَّةِ، ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللهِ قَبْلَ كُفْرِهِ، فَمَن قالَ إنَّهُ كَفَرَ جَهْلًا قالَ: إنَّهُ سُلِبَ العِلْمُ عِنْدَ كُفْرِهِ.

ومَن قالَ كَفَرَ عِنادًا قالَ: كَفَرَ ومَعَهُ عِلْمُهُ، والكُفْرُ عِنادًا مَعَ بَقاءِ العِلْمِ مُسْتَبْعَدٌ، إلّا أنَّهُ عِنْدِي جائِزٌ لا يَسْتَحِيلُ مَعَ خَذْلِ اللهُ لِمَن شاءَ.

ولا خِلافَ أنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ إبْلِيسَ عِنْدَ كُفْرِهِ، وأبْعَدَهُ عَنِ الجَنَّةِ، وبَعْدَ إخْراجِهِ قالَ لِآدَمَ "اسْكُنْ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] عطفَ القصة على القصة.

وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه تنبيهٌ على أن الجملة مقصودة بذاتها لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام، ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصة معطوفة بفاء التفريع فيقول: ﴿ فقلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ وإن كان مضمونها في الواقع متفرعاً على مضمون التي قبلها فإن أمرهم بالسجود لآدم ما كان إلا لأجل ظهور مزيته عليهم إذ علم ما لم يعلموه وذلك ما اقتضاه ترتيب ذكر هذه القصص بعضها بعد بعض ابتداء من خلق السماوات والأرض وما طرأَ بعده من أطوار أصول العامرين الأرض وما بينها وبين السماء فإنْ الأصل في الكلام أن يكون ترتيب نظمه جارياً على ترتيب حصول مدلولاته في الخارج ما لم تُنصب قرينة على مخالفة ذلك.

ولا يريبك قوله تعالى في سورة الحِجر (28، 29) ﴿ إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون ﴾ فإذا سويتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين لأن تلك حَكَتْ القصة بإجمال فطوتْ أَنباءها طيًّا جاء تبيينه في ما تكرر منها في آيات أخرى وأوضحها آية البقرة لاقتضاء الآية السابقة أن فضيلة آدم لم تظهر للملائكة إلا بعد تعليمه الأسماءَ وَعَرْضِها عليهم وعجزهم عن الإنباء بها وأنهم كانوا قبل ذلك مترقبين بيان ما يكشف ظنهم بآدم أن يكون مفسداً في الأرض بعد أن لازموا جانب التوقف لما قال الله لهم: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30]، فكان إنباء آدم بالأسماء عند عجزهم عن الإنباء بها بياناً لكشف شبهتهم فاستحقوا أن يأتوا بما فيه معذرة عن عدم علمهم بحقه.

وقد أريد من هذه القصة إظهارُ مزية نوع الإنسان وأن الله يخص أجناس مخلوقاته وأنواعها بما اقتضته حكمته من الخصائص والمزايا لئلا يخلو شيء منها عَنْ فائدة من وجوده في هذا العالم؛ وإظهارُ فضيلة المعرفة، وبيانُ أن العالم حقيق بتعظيم مَن حوله إياه وإظهارُ ما للنفوس الشريرة الشيطانية من الخبث والفساد، وبيانُ أن الاعتراف بالحق من خصال الفضائل الملائكية، وأن الفساد والحسد والكبِر من مذام ذوي العقول.

والقول في إعراب (إذْ) كالقول الذي تقدم في تفسير قوله: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30].

وإظهار لفظ الملائكة ولفظ آدم هنا دون الإتيان بضميريهما كما في قوله: ﴿ قالوا سبحانك ﴾ [البقرة: 32] وقوله: ﴿ فلما أنبأهم ﴾ [البقرة: 33] لتكون القصة المعطوفة معنونة بمثل عنوان القصة المعطوف عليها إشارة إلى جدارة المَعْطُوفة بأن تكون قصة مقصورة غير مندمجة في القصة التي قبلها.

وغُير أسلوبُ إسناد القول إلى الله فأُتي به مسنداً إلى ضمير العظمة ﴿ وإذ قلنا ﴾ وأُتي به في الآية السابقة مسنداً إلى رب النبيء ﴿ وإذ قال ربك ﴾ [البقرة: 30] للتفنن ولأن القول هنا تضمن أمراً بفعللٍ فيه غضاضة على المأمورين فناسبه إظهار عظمة الآمر، وأما القول السابق بمجرد إعلام من الله بمراده ليظهرَ رأيهم، ولقصد اقتران الاستشارة بمبدأ تكوين الذات الأولى من نوع الإنسان المحتاج إلى التشاور فناسبه الإسناد إلى الموصوف بالربوبية المؤذنة بتدبير شأن المربوبين.

وأضيف إلى ضمير أشرف المربوبين وهو النبيء صلى الله عليه وسلم كما تقدم عند قوله تعالى: وحقيقة السجود طأطأة الجسد أو إِيقاعه على الأرض بقصد التعظيم لمشاهَد بالعيان كالسجود للملك والسيد والسجود للكواكب، قال تعالى: ﴿ وخروا له سجَّداً ﴾ [يوسف: 100]، وقال ﴿ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ﴾ [فصلت: 37] وقال الأعشى: فلما أتانا بُعَيْد الكرى *** سجَدْنا له وخلَعْنَا العِمارا وقال أيضاً: يراوح من صلوات الملي *** ك طوراً سُجوداً وطوراً جؤاراً أو لمشاهد بالتخيل والاستحضار وهو السجود لله، قال تعالى: ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ [النجم: 62].

والسجود ركن من أركان الصلاة في الإسلام.

وأما سجود الملائكة فهو تمثيل لحالة فيهم تدل على تعظيم، وقد جمع معانيه قوله تعالى: ﴿ ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون ﴾ [النحل: 49].

فكان السجود أول تحية تلقاها البشر عند خلق العالم.

وقد عرف السجود منذ أقدم عصور التاريخ فقد وجد عى الآثار الكلدانية منذ القرن التاسع عشر قبل المسيح صورة حمورابي ملك كلدية راكعاً أمام الشمس، ووجدت على الآثار المصرية صور أسرى الحرب سجداً لفرعون، وهيآت السجود تختلف باختلاف العوائد.

وهيئة سجود الصلاة مختلفة باختلاف الأديان.

والسجود في صلاة الإسلام الخُرور على الأرض بالجبهة واليدين والرجلين.

وتعدية ﴿ اسجدوا ﴾ لاسم آدم باللام دال على أنهم كلفوا بالسجود لذاته وهو أصل دلالة لام التعليل إذا علق بمادة السجود مثل قوله تعالى: ﴿ فاسجدوا لله واعبدوا ﴾ [النجم: 62] وقوله: ﴿ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر ﴾ [فصلت: 37] ولا يعكر عليه أن السجود في الإسلام لغير الله محرم لأن هذا شرع جديد نسخ ما كان في الشرائع الأخرى ولأن سجود الملائكة من عمل العالم الأعلى وليس ذلك بداخل تحت تكاليف أهل الأرض فلا طائل تحت إطالة البحث في أن آدم مسجود له أو هو قبلة للساجدين كالكعبة للمسلمين، ولا حاجة إلى التكلف بجعل اللام بمعنى إلى مثلها في قول حسان: أليس أول من صلى لقبلتكم *** فإن للضرورة أحكاماً.

لا يناسب أن يقال بها أحسن الكلام نظاماً.

وفي هذه الآية منزع بديع لتعظيم شأن العلم وجدارة العلماء بالتعظيم والتبجيل لأن الله لما علم آدم علماً لم يؤهل له الملائكة كان قدجعل آدم أنموذجاً للمبدعات والمخترعات والعلوم التي ظهرت في البشر من بعد والتي ستظهر إلى فناء هذا العالم.

وقرأ أبو جعفر في أشهر الرواية عنه (للملائكةُ اسجدوا) بضمة على التاء في حال الوصل على إتْباع حركة التاء لضمة الجيم في (اسجدوا) لعدم الاعتداد بالساكن الفاصل بين الحرفين لأنه حاجز غير حصين، وقراءته هذه رواية وهي جرت على لغة ضعيفة في مثل هذا فلذلك قال الزجاج والفارسي: هذا خطأ من أبي جعفر، وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلا في لغة ضعيفة كقراءة الحسن ﴿ الحمدِ لله ﴾ [الفاتحة: 2] بكسر الدال قال ابن جني: وإنما يجوز هذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إذا كان ما قبل الهمزة ساكناً صحيحاً نحو: ﴿ وقالتُ اخرج عليهن ﴾ في سورة يوسف (31) اه وإنما حملوا عليه هذه الحملة لأن قراءته معدودة في القراءات المتواترة فما كان يحسن فيها مثل هذا الشذوذ، وإن كان شذوذاً في وجوه الأدَاء لا يخالف رسم المصحف.

وعطف فسجدوا} بفاء التعقيب يشير إلى مبادرة الملائكة بالامتثال ولم يصدَّهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق مظهر فساد وسفك دماء لأنهم منزَّهون عن المعاصي.

واستثناء إبليس من ضمير الملائكة في ﴿ فسجدوا ﴾ استثناء منقطع لأن إبليس لم يكن من جنس الملائكة قال تعالى في سورة الكَهْففِ (50) ﴿ إلا إبليس كان من الجن ﴾ ولكن الله جعل أحواله كأحوال النفوس الملكية بتوفيق غلب على جبلته لتتأتى معاشرته بهم وسيره على سيرتهم فساغ استثناء حاله من أحوالهم في مظنة أن يكون مماثلاً لمن هو فيهم.

وقد دلت الآية على أن إبليس كان مقصوداً في الخبر الذي أخبر به الملائكة ﴿ إذ قال للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ [البقرة: 30] وفي الأمر الذي أمر به الملائكة إذ قال لهم ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ ذلك أن جنس المجردات كان في ذلك العالم مغموراً بنوع المَلك إذ خلق الله من نوعهم أفراداً كثيرة كما دل عليه صيغة الجمع في قوله: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة ﴾ [البقرة: 30] ولم يخلق الله من نوع الجن إلا أصلهم وهو إبليس، وخلق من نوع الإنسان أصلهم وهو آدم.

وقد أقام الله إبليس بين الملائكة إقامة ارتياض وتخلق وسخره لاتباع سنَتهم فجرى على ذلك السَّنَن أمداً طويلاً لا يعلمه إلا الله ثم ظهر ما في نوعه من الخبث كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ففسق عن أمر ربه ﴾ في سورة الكهف (50) فعصى ربه حين أمره بالسجود لآدم.

وإبليس اسم الشيطان الأول الذي هو مولد الشياطين، فكان إبليس لنوع الشياطين والجن بمنزلة آدم لنوع الإنسان.

وإبليس اسم معرب من لغة غير عربية لم يعينها أهل اللغة، ولكن يدل لكونه معرباً أن العرب منعوه من الصرف ولا سبب فيه سوى العلمية والعجمة ولهذا جعل الزجاج همزته أصلية، وقال وزنه على فعليل.

وقال أبو عبيدة: هو اسم عربي مشتق من الإبلاس وهو البعد من الخير واليأس من الرحمة وهذا اشتقاق حسن لولا أنه يناكد منعه من الصرف وجعلوا وزنه إفعيل لأن همزته مزيدة وقد اعتذر عن منعه من الصرف بأنه لما لم يكن له نظير في الأسماء العربية عد بمنزلة الأعجمي وهو اعتذار ركيك.

وأكثر الذين أحصوا الكلمات المعربة في القرآن لم يعدوا منها اسم إبليس لأنهم لم يتبينوا ذلك وصلاحية الاسم لمادة عربية ومناسبته لها.

وجمل أبى واستكبر وكان من الكافرين} استئناف بياني مشير إلى أن مخالفة حاله لحال الملائكة في السجود لآدم، شأنه أن يثير سؤالاً في نفس السامع كيف لم يفعل إبليس ما أمر به وكيف خالف حال جماعته وما سبب ذلك لأن مخالفته لحالة معشره مخالفة عجيبة إذ الشأن الموافقة بين الجماعات كما قال دريد بن الصمة: وهل أنا إلا من غُزَيَّة إن غَوت *** غوَيْت وإِن ترشُد غزية أرشُد فبين السبب بأنه أبى واستكبر وكفر بالله.

والإباء الامتناع من فعل أو تلقيه.

والاستكبار شدة الكبر والسين والتاء فيه للعد أي عد نفسه كبيراً مثل استعظم واستعذب الشراب أو يكون السين والتاء للمبالغة مثل استجاب واستقر فمعنى استكبر اتصف بالكبر.

والمعنى أنه استكبر على الله بإنكار أن يكون آدم مستحقاً لأن يسجد هو له إنكاراً عن تصميم لا عن مراجعة أو استشارة كما دلت عليه آيات أخرى مثل قوله: ﴿ قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ [الأعراف: 12] وبهذا الاعتبار خالف فعل إبليس قول الملائكة حين قالوا: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ [البقرة: 30]، لأن ذلك كان على وجه التوقف في الحكمة ولذلك قالوا: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ [البقرة: 30] فإبليس بإبائه انتقضت الجبلة التي جبل عليها أول مرة، فاستحالت إلى جبلة أخرى على نحو ما يعرض من تطور للعاقل حين يختل عقله وللقادر حين تشل بعض أعضائه، ومن العلل علل جسمانية ومنها علل روحانية كما قال: فكنتُ كذي رجلين رجللٍ صحيحة *** ورجل رمى فيها الزمان فشَلت والاستكبار التزايد في الكبر لأن السين والتاء فيه للمبالغة لا للطلب كما علمت، ومن لطائف اللغة العربية أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجئ منها إلا بصيغة الاستفعال أو التفعل إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلباً الكبر أو متكلفاً له وما هو بكبير حقاً ويحسن هنا أن نذكر قول أبي العلاء: علوتمُ فتواضعتمْ على ثقة *** لما تواضع أقوام على غرر وحقيقة الكبر قال فيها حجة الإسلام في كتاب «الإحياء»: الكبر خلق في النفس وهو الاسترواح والركون إلى اعتقاد المرء نفسه فوق التكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به وبذلك ينفصل الكبر عن العجب فإن العجب لا يستدعي غير المعجب ولا يكفي أن يستعظم المرء نفسه ليكون متكبراً فإنه قد يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مماثلاً لها فلا يتكبر عليه، ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر بل أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل خلق الكبر وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في نفسه اعتداد وعزة وفرح وركون إلى ما اعتقد، وعز في نفسه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى تلك العقيدة هو خلق الكبر.

وقد كانت هذه الآية ونظائرها مثار اختلاف بين علماء أصول الفقه فيما تقتضيه دلالة الاستثناء من حكم يثبت للمستثنى فقال الجمهور: الاستثناء يقتضي اتصاف المستثنى بنقيض ما حكم به للمستثنى منه فلذلك كثر الاكتفاء بالاستثناء دون أن يتبع بذكر حكم معين للمستثنى سواء كان الكلام مثبتاً أو منفياً.

ويظهر ذلك جلياً في كلمة الشهادة لا إله إلا الله فإنه لولا إفادة الاستثناء أن المستثنى يثبت له نقيض ما حكم به للمستثنى منه لكانت كلمة الشهادة غير مفيدة سوى نفي الإلهية عما عدا الله فتكون إفادتها الوحدانية لله بالالتزام.

وقال أبو حنيفة الاستثناء من كلام منفي يُثبت للمستثنَى نقيضَ ما حكم به للمستثنى منه، والاستثناء من كلام مثبت لا يفيد إلا أن المستثنى يثبت له نقيض الحكم لا نقيض المحكوم به، فالمستثنى بمنزلة المسكوت عن وصفه، فعند الجمهور المستثنى مخرج من الوصف المحكوم به للمستثنى منه وعند أبي حنيفة المستثنى مخرج من الحكم عليه فهو كالمسكوت عنه.

وسوى المتأخرون من الحنفية بين الاستثناء من كلام منفي والاستثناء من كلام مثبت في أن كليهما لا يفيد المستثنى الاتصاف بنقيض المحكوم به للمستثنى منه وهذا رأي ضعيف لا تساعده اللغة ولا موارد استعماله في الشريعة.

فعلى رأي الجمهور تكون جملة ﴿ أبى واستكبر ﴾ استئنافاً بيانياً، وعلى رأي الحنفية تكون بياناً للإجمال الذي اقتضاه الاستثناء ولا تنهض منها حجة تقطع الجدال بين الفريقين.

وجملة ﴿ وكان من الكافرين ﴾ معطوف على الجمل المستأنفة، و(كان) لا تفيد إلا أنه اتصف بالكفر في زمن مضى قبل زمن نزول الآية، وليس المعنى أنه اتصف به قبل امتناعه من السجود لآدم، وقد تحير أكثر المفسرين في بيان معنى الآية من جهة حملهم فعل (كان) على الدلالة على الاتصاف بالكفر فيما مضى عن وقت الامتناع من السجود، ومن البديهي أنه لم يكن يومئذ فريق يوصف بالكافرين فاحتاجوا أن يتمحلوا بأن إبليس كان من الكافرين أي في علم الله، وتمحل بعضهم بأن إبليس كان مظهراً الطاعة مبطناً الكفر نفاقاً، والله مطلع على باطنه ولكنه لم يخبر به الملائكة وجعلوا هذا الاطلاع عليه مما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30] وكل ذلك تمحل لا داعي إليه لما علمت من أن فعل المضي يفيد مضى الفعل قبل وقت التكلم، وأمثلهم طريقة الذين جعلوا كان بمعنى صار فإنه استعمال من استعمال فعل كان قال تعالى: ﴿ وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ﴾ [هود: 43] وقال: ﴿ وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً ﴾ [الواقعة: 5، 6] وقول ابن أحمر: بتيهاء قفر والمطي كأنها *** قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها أي صار كافراً بعدم السجود لأن امتناعه نشأ عن استكباره على الله واعتقاد أن ما أمر به غير جار على حق الحكمة وقد علمت أن الانقلاب الذي عرض لإبليس في جبلته كان انقلاب استخفاف بحكمة الله تعالى فلذلك صار به كافراً صراحاً.

والذي أراه أحسن الوجوه في معنى ﴿ وكان من الكافرين ﴾ أن مقتضى الظاهر أن يقول وكفر كما قال: ﴿ أبى واستكبر ﴾ فعدل عن مقتضى الظاهر إلى ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لدلالة (كان) في مثل هذا الاستعمال على رسوخ معنى الخبر في اسمها، والمعنى أبى واستكبر وكفر كفراً عميقاً في نفسه وهذا كقوله تعالى: ﴿ فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين ﴾ [الأعراف: 83]، وكقوله تعالى: ﴿ ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ [النمل: 41] دون أن يقول أم لا تهتدي لأنها إذا رأت آية تنكير عرشها ولم تهتد كانت راسخة في الاتصاف بعدم الاهتداء، وأما الإتيان بخبر ﴿ كان من الكافرين ﴾ دون أن يقول وكان كافراً فلأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحداً من جماعة تثبت لهم ذلك الوصف أدل على شدة تمكن الوصف منه مما لو أثبت له الوصف وحده بناء على أن الواحد يزداد تمسكاً بفعله إذا كان قد شاركه فيه جماعة لأنه بمقدار ما يرى من كثرة المتلبسين بمثل فعله تبعد نفسه عن التردد في سداد عملها وعليه جاء قوله تعالى: ﴿ أصدقت أم كنت من الكاذبين ﴾ [النمل: 27] وقوله الذي ذكرناه آنفاً ﴿ أم تكون من الذين لا يهتدون ﴾ وهو دليل كنائي واستعمال بلاغي جرى عليه نظم الآية وإن لم يكن يومئذ جمع من الكافرين بل كان إبليس وحيداً في الكفر.

وهذا منزع انتزعه من تتبع موارد مثل هذا التركيب في هاتين الخصوصيتين خصوصية زيادة (كان) وخصوصية إثبات الوصف لموصوف بعنوان أنه واحد من جماعة موصوفين به وسيجيء ذلك قريباً عن قوله تعالى: ﴿ واركعوا من الراكعين ﴾ [البقرة: 43].

وإذ لم يكن في زمن امتناع إبليس من السجود جمع من الكافرين كان قوله: ﴿ وكان من الكافرين ﴾ جارياً على المتعارف في أمثال هذا الإخبار الكنائي.

وفي هذا العدول عن مقتضى الظاهر مراعاة لما تقتضيه حروف الفاصلة أيضاً، وقد رتبت الأخبار الثلاثة في الذكر على حسب ترتيب مفهوماتها في الوجود وذلك هو الأصل في الإنشاء أن يكون ترتيب الكلام مطابقاً لترتيب مدلولات جمله كقوله تعالى: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب ﴾ [هود: 77] وقد أشرت إلى ذلك في كتابي «أصول الإنشاء الخطابة».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ ﴾ واخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في أمْرِهِ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ تَكْرِمَةً وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ قِبْلَةً لَهُمْ، فَأمَرَهم بِالسُّجُودِ إلى قِبْلَتِهِمْ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ التَّعْظِيمِ.

وَأصْلُ السُّجُودِ الخُضُوعُ والتَّطامُنُ، قالَ الشّاعِرُ: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البَلْقُ في حُجُراتِهِ تَرى الأكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وَسَمّى سُجُودَ الصَّلاةِ سُجُودًا، لِما فِيهِ مِنَ الخُضُوعِ والتَّطامُنِ، فَسَجَدَ المَلائِكَةُ لِآدَمَ طاعَةً لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إلّا إبْلِيسَ أبى أنْ يَسْجُدَ لَهُ حَسَدًا واسْتِكْبارًا.

واخْتَلَفُوا في إبْلِيسَ، هَلْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ المُسَيِّبِ، وابْنِ جُرَيْجٍ، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنهُمْ، فَدَلَّ عَلى دُخُولِهِ مِنهم.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، وإنَّما هو أبُو الجِنِّ، كَما أنَّ آدَمَ أبُو الإنْسِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ، ولا يَمْتَنِعُ جَوازُ الِاسْتِثْناءِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ  ﴾ وهَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِ بِإبْلِيسَ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ ولَيْسَ بِمُشْتَقٍّ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْمُ اشْتِقاقٍ، اشْتُقَّ مِنَ الإبْلاسِ وهو اليَأْسُ مِنَ الخَيْرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ  ﴾ أيْ آيِسُونَ مِنَ الخَيْرِ، وقالَ العَجّاجُ: يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكْرَسًا ∗∗∗ قالَ نَعَمْ أعْرِفُهُ، وأبْلَسا فَأمّا مَن ذَهَبَ إلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، فاخْتَلَفُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ﴾ \[٥٠ الكَهْفِ\] لِمَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا الِاسْمِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ جِنًّا كانُوا مِن أشَدِّ المَلائِكَةِ اجْتِهادًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ جُعِلَ مِنَ الجِنِّ، لِأنَّهُ مِن خُزّانِ الجَنَّةِ، فاشْتُقَّ اسْمُهُ مِنها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُنَّ عَنْ طاعَةِ رَبِّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّ الجِنَّ لِكُلِّ ما اجْتَنَّ فَلَمْ يَظْهَرْ، حَتّى إنَّهم سَمَّوُا المَلائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ، وهَذا قَوْلُ أبِي إسْحاقَ، وأنْشَدَ قَوْلَ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: لَوْ كانَ حَيٌّ خالِدًا أوْ مُعَمَّرًا ∗∗∗ لَكانَ سُلَيْمانُ البَرِيَّ مِنَ الدَّهْرِ ∗∗∗ بَراهُ إلَهِي واصْطَفاهُ عِبادَهُ ∗∗∗ ومَلَّكَهُ ما بَيْنَ نُوبا إلى مِصْرِ ∗∗∗ وسَخَّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً ∗∗∗ قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرِ فَسَمّى المَلائِكَةَ جِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ قَدْ كانَ قَبْلَهُ قَوْمٌ كُفّارٌ، كانَ إبْلِيسُ مِنهم.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وصارَ مِنَ الكافِرِينَ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ مِنَ الكافِرِينَ، ولَيْسَ قَبْلَهُ كافِرًا، كَما كانَ مِنَ الجِنِّ، ولَيْسَ قَبْلَهُ جِنٌّ، وكَما تَقُولُ: كانَ آدَمُ مِنَ الإنْسِ، ولَيْسَ قَبْلَهُ إنْسِيٌّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ قال: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: أمرهم أن يسجدوا فسجدوا له كرامة من الله أكرم بها آدم.

وأخرج ابن عساكر عن أبي إبراهيم المزني أنه سئل عن سجود الملائكة لآدم فقال: إن الله جعل آدم كالكعبة.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي قال: كان سجود الملائكة لآدم إيماء.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ضمرة قال: سمعت من يذكر أن أول الملائكة خرَّ ساجداً لله حين أمرت الملائكة بالسجود لآدم اسرافيل، فأثابه الله بذلك أن كتب القرآن في حبهته.

وأخرج ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز قال: لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان أول من سجد له إسرافيل، فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ قال: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله، وحسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ.

فكان بدء الذنوب الكبر.

استكبر عدوّ الله أن يسجد لآدم.

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس قال: إنما سُمي إبليس لأن الله أبلسه من الخير كله، آيسه منه.

وأخرج ابن إسحاق في المبتدأ وابن جرير وابن الأنباري عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً.

فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يُسمون جنا.

وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كان اسم إبليس الحرث.

وأخرج وكيع وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان إبليس من أشرف الملائكة من أكبرهم قبيلة، وكان من خازن الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض.

فرأى أن لذلك له عظمة وسلطاناً على أهل السموات، فاضمر في قلبه من ذلك كبراً لم يعلمه إلا الله، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم خرج كبره الذي كان يسر.

وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقاً فقال: ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ فقالوا: لا نفعل فبعث ناراً فأحرقهم، ثم خلق هؤلاء فقال: ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ فقالوا: نعم.

وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم.

وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال: ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ [ ص: 71] فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا: لا نفعل.

فارسل عليهم ناراً فأحرقتهم.

وخلق ملائكة أخرى فقال: ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ فإذا أنا خلقته فاسجدوا له.

فأبوا فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى فقال: ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ فإذا أنا خلقته فاسجدوا له.

فقالوا: سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عامر المكي قال: خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق البهائم من ماء، وخلق آدم من طين، فجعل الطاعة في الملائكة، وجعل المعصية في الجن والإِنس.

وأخرج محمد بن نصر عن أنس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمر آدم بالسجود فسجد فقال: لك الجنة ولمن سجد من ذريتك، وأمر إبليس بالسجود فأبى أن يسجد فقال: لك النار ولمن أبى من ولدك أن يسجد» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر قال: لقي إبليس موسى فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلمك تكلماً إذ تبت؟

وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب عليّ قال موسى: نعم.

فدعا موسى ربه فقيل «يا موسى قد قضيت حاجتك» فلقي موسى إبليس قال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك.

فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حيًّا أسجد له ميتاً؟

ثم قال إبليس: يا موسى إن لك عليّ حقاً بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن.

اذكرني حين تغضب فإني أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف.

فاذكره ولده وزجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها ورسولك إليها.

وأخرج ابن المنذر عن أنس قال: إن نوحاً لما ركب السفينة أتاه إبليس فقال له نوح: من أنت؟

قال: أنا إبليس قال: فما جاء بك؟

قال: جئت تسأل لي ربي هل لي من توبة؟

فأوحى الله إليه: أن توبته أن يأتي قبر آدم فيسجد له قال: أما أنا لم أسجد له حياً أسجد له ميتاً؟

قال: فاستكبر وكان من الكافرين.

وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن جنادة بن أبي أمية قال: كان أول خطيئة كانت الحسد.

حسد إبليس آدم أن يسجد له حين أمر، فحمله الحسد على المعصية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره إلى ما بدئ إليه خلقه من الكفر قال الله: ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ وكان من الكافرين ﴾ قال: جعله الله كافراً لا يستطيع أن يؤمن.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ﴾ الآية.

(إذ) في موضع نصب نسقاً على (إذ) (١) (٢) وقوله: ﴿ قُلْنَا ﴾ \[هو من خطاب الأكابر والعظماء، يقول الواحد منهم: فعلنا وقلنا، لعلمه بأن أتباعه يفعلون\] (٣) (٤) (٥) ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ  ﴾ معناه: يا رب ارجعني، فلما أخبر جل اسمه (٦) (٧) وقوله: ﴿ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ اختلفوا في] (٨) (٩) وقال بعضهم: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، لأنه قال: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ  ﴾ ، وفي هذا (١٠) (١١) وقوله: ﴿ اسْجُدُوا لِآدَمَ ﴾ أصل السجود في اللغة الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد، ومنه قوله تعالى: ﴿ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ  ﴾ أي: خُضَّعاً مسخرة (١٢) (١٣) وقال أبو عبيدة: عين ساجدة إذا كانت فاترة، والسُّجَّد من النساء الفاترات الأعين، ونخلة ساجدة إذا مالت لكثرة حملها (١٤) (١٥) (١٦) أي ذليلة خاضعة.

قال الأعشى: مَنْ يَرَ هَوْذَةَ يَسْجُدْ غَيرَ مُتَّئِبٍ (١٧) (١٨) (١٩) أي يخضع له ويتذلل.

وأنشد ابن الأنباري لابن مقبل: ثُمَّ نَوَّمَنْ وَنِمْنَا سَاعَةً ...

خُشَّعَ الطَّرْفِ سُجُوداً لِلْخُطَم (٢٠) (٢١) (٢٢) هذا أصل السجود في اللغة، ثم قيل لكل من وضع جبهته على الأرض: سجد، لأنه غاية الخضوع (٢٣) وإذا ابتدأت بقوله: ﴿ اسْجُدُوا ﴾ ضممت الألف (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) واختلفوا في كيفية سجود الملائكة لآدم فقال جماعة: كان سجود الملائكة لآدم على جهة التكريم، فكان ذلك تكريماً لآدم وطاعةً لله سبحانه، ولم يكن عبادة لآدم (٢٨) وحكى (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وقيل: كان سجود على الحقيقة (٣٣) (٣٤) وقال أبي بن كعب: معناه: أقروا لآدم أنه خير وأكرم عليّ منكم، واخضعوا له وكونوا تحت أمره (٣٥) وقوله: ﴿ لِآدَمَ ﴾ حقه الكسر، إلا أنه لا يجري (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) وحجة سيبويه] (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) والدليل على صحة ذلك، إجماع النحويين على قولهم: مررت بنسوة أربع، فيصرفون (أربعا)، لأنه اسم استعمل وصفا، ولو راعوا فيه حكم الصفة لم ينصرف في هذه الحال، لأنه على وزن الفعل وهو صفة، فلما نفوا حكم الاسم فيه وإن استعملوه صفة، كذلك أحمر وبابه وإن استعمل اسما (٤٦) وأما الأخفش فإنه يقول: إذا سمي به زال حكم الصفة فلا ينصرف في المعرفة للتعريف ووزن الفعل، فإذا نكرته بقيت علة واحدة، وهو وزن الفعل فينصرف (٤٧) (٤٨) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾ .

قال أكثر أهل اللغة والتفسير: سمي إبليس بهذا الاسم، لأنه أبلس من رحمة الله تعالى أي أيس، والمبلس المكتئب الحزين الآيس (٤٩) ﴿ فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ  ﴾ .

قال يونس وأبو عبيدة: يقال للذي يسكت عند انقطاع حجته، ولا يكون عنده جواب: قد أبلس (٥٠) قال العجاج (٥١) يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رسْماً مُكْرَسَا قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ وأبلسا (٥٢) أي: لم يحر إليَّ جواباً لكآبته.

فقيل: إن إبليس سمي بهذا الاسم، لأنه لما أويس من رحمة الله أبلس يأسا (٥٣) (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) وروى أبو روق (٥٩) (٦٠) وهذا متعد كما ترى، ورواه الليث -أيضا- متعديا فقال: لأنه أُبلِس من رحمة الله أي: أُويس (٦١) (٦٢) قال أبو بكر بن الأنباري: لا يجوز أن يكون مشتقا من (أبلس)، لأنه لو كان كذلك لجرى، [ألا ترى أن (إسحاق) إذا كان عربيا مأخوذا من أسحقه الله إسحاقا يجري، فيقال: قام إسحاق، ورأيت إسحاقاً (٦٣) (٦٤) (٦٥) وقال محمد بن جرير: إنما منع صرفه وإن (٦٦) (٦٧) وهذا الذي قال (٦٨) (٦٩) وأما (٧٠) (٧١) (٧٢) والاختيار في هذا الحرف أنه غير مشتق، لإجماع النحويين على أنه منع الصرف للعجمة والمعرفة، فلو جعلناه مشتقّاً بطلت العجمة ووجب صرفه (٧٣) واختلفوا في أن إبليس هل هو مستثنى من الملائكة أو (٧٤) (٧٥) (٧٦) ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ  ﴾ أي: كان من قبيل من الملائكة، يقال لهم: الجن [[ذكره الطبري في "تفسيره" عن قتادة 1/ 225.

قال ابن كثير في "تفسيره" بعد أن نقل الآثار في هذا عند قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ﴾ الآية [الكهف: 50].

قال: وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف، وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل، لينظر فيها، والله أعلم بحال كثير منها، ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته للحق الذي بأيدينا، وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة ...

إلخ) انظر "ابن كثير" 3/ 100.]]، سموا جناً لاستتارهم عن الناس.

قال الأعشى يذكر سليمان ابن داود  : وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الملائِكِ تِسْعَةً ...

قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ (٧٧) فجعل الملائكة جنّاً (٧٨) وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: إنما قيل لإبليس: الجني، لأنه كان من خزنة الجنة (٧٩) وقال الزجاج وابن الأنباري: معنى قوله: ﴿ كَانَ مِنَ الْجِنِّ ﴾ أي كان (٨٠) (٨١) ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ (٨٢) وقال عبد الرحمن بن زيد، وشهر بن حوشب (٨٣) (٨٤) وروى عوف عن الحسن قال: ما كان إبليس من (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) وقال سعيد بن المسيب.

إن إبليس سبي من الجن حين اقتتلوا (٩١) (٩٢) (٩٣) وقوله (٩٤) ﴿ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ ﴾ .

هما بمعنى واحد، وكرر للتأكيد (٩٥) (٩٦) وقوله تعالى: ﴿ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ .

أي وصار (٩٧) ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ  ﴾ .

وقال الأكثرون معناه: وكان في سابق علم الله من الكافرين (٩٨) وقيل: كان من الجن الذين كانوا قبله (٩٩) (١٠٠) فإن قيل: كيف جمع، ولم يكن في ذلك الوقت كافر غير إبليس (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) ﴿ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ  ﴾ معناه: أنه علم (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١) في (ج): (إذا) وهو خطأ.

(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 180، و"تفسير الطبري" 1/ 224، و"تفسير ابن عطية" 1/ 243، وقال مكي: منصوب بفعل مقدر (اذكر) مثل (إذ) قلبها.

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 35.

وقيل: زائدة، قاله أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 37، وضعفه أبو حيان.

انظر: "البحر" 1/ 152، "الدر المصون" 1/ 271.

(٣) ما بين المعقوفين مكرر في (أ).

(٤) في (أ): (خلفاء) وما في (ب)، (ج) أصح.

(٥) انظر: "مجاز القرآن" 1/ 38، والقرطبي 1/ 248، (البحر) 1/ 152.

(٦) (جل اسمه) ساقط من (ب).

(٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 21.

(٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٩) ورد هذا ضمن الخبر الطويل عن ابن عباس، الذي أخرجه الطبري، وهو ضعيف == الإسناد، كما ذكر ذلك شاكر في تعليقه، انظر: "الطبري" 1/ 224.

وذكره ابن أبي حاتم بسنده عن أبي العالية، قال محقق "الكتاب": إسناده ضعيف، والخبر لم أقف عليه، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 83، وانظر القرطبي في "تفسيره" 1/ 248، والرازي في "تفسيره" 2/ 138، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 80.

(١٠) (هذا) ساقط من (ب).

(١١) وهذا هو الأرجح، انظر: في "تفسير الطبري" 1/ 224، وفي "تفسيرالرازي" 2/ 238، وقد ذكر وجوها كثيرة في ترجيح هذا القول وانظر: "تفسيرالقرطبي" 1/ 248، ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 80.

(١٢) في "تهذيب اللغة": (مسخرة) 2/ 1650.

(١٣) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، وانظر "اللسان" (سجد) 4/ 1940 (١٤) قال الأزهري: (روى ابن هاني لأبي عبيدة ..

ثم ذكره دون قوله: (والسجد من النساء الفاترات الأعين) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630.

(١٥) في (ب): (الالم).

(١٦) البيت لزيد الخيل وصدره: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَرَاتِه ويروى: بجيش، البلق: جمع أبلق، وهو الفرس المحجل، الحجرات: الناحية، الأكم: جمع أكمة، وهي تل أشد ارتفاعا مما حوله ودون الجبل.

يصف كثرة هذا الجيش وأن الأكم قد خشعت من وقع الحوافر.

ورد البيت في الطبري في "تفسيره" 1/ 365، "المعاني الكبير" 2/ 890، و"الأضداد" لابن الأنباري: ص 295، و"الزاهر" 1/ 141، "معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 2/ 542، و"تأويل مشكل القرآن": ص 417، و"الصحاح" (سجد) 2/ 483، و"اللسان" 4/ 1940، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 248، والبيضاوي في "تفسيره" 1/ 21، "البحر المحيط" 1/ 51، "الدر المصون" 1/ 274.

(١٧) في (ب): (منيب).

(١٨) في (أ)، (ج): (تعم) وما في (ب) هو الصحيح، ومثله ورد في "المخصص" 13/ 107.

(١٩) البيت من قصيدة طويلة للأعشى يمدح (هوذة بن علي الحنفي) ويروى البيت (من يلق) بدل (من ير) و (تعصب فوق التاج) بدل (تعمم فوق الرأس).

وقوله: (غير متئب): أي لا يستحي أن يسجد لطلعته المهيبة وفد تعمم فوق الرأس، أو وضع الإكليل.

ورد البيت في ديوان الأعشى: ص 108، "المخصص" 13/ 107.

(٢٠) قوله: (نوَّمن) أي الإبل نومت.

الخطم: جمع خطام، وهو الحبل الذي يقاد به == البعير.

ورد البيت في (ذيل ديوان ابن مقبل) مع القصائد المنسوبة له، وليست في "الديوان": ص403.

وورد في "أساس البلاغة" (نوّم): 2/ 483.

(٢١) في (ب): (بها).

(٢٢) في "تهذيب اللغة": أبو عبيد عن أبي عمرو: أسجد الرجل إذا طأطأ رأسه وانحنى.

"تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، وانظر: "مقاييس اللغة" (سجد) 3/ 133.

(٢٣) "تهذيب اللغة" (سجد) 2/ 1630، "الصحاح" (سجد) 2/ 483، "اللسان" (سجد) 4/ 1940.

(٢٤) إذا ابتدأت بهمزة الوصل أخذت حركة الحرف الثالث، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81.

(٢٥) (والألف) ساقط من (ج).

(٢٦) في (ج): (لان ما بعدها).

(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 163.

(٢٨) هذا قول جمهور المفسرين، قالوا: إنه سجود حقيقي ولكنه ليس سجود عبادة، فالتكريم لآدم، والعبادة والطاعة لله.

ذكره الطبري في "تفسيره"، وروى في ذلك أثرا عن قتادة، ولم يذكر غير هذا القول.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 229، وذكره ابن كثير في "تفسيره" ورجحه، ضعف ما عداه 1/ 81، وكذا الرازي في "تفسيره" 1/ 212، وانظر "زاد المسير" 1/ 64، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 248.

(٢٩) (الواو) ساقطة من (ج).

(٣٠) قوله (وكان ذلك تحية الناس ...) هل كان قبل آدم ناس؟

أم هو تجاوز في العبارة؟

(٣١) التكفير: هو أن يضع الرجل يده أو يديه على صدره وطأطأ برأسه، وهو كالتحية عند أهل "الكتاب"، انظر: "اللسان" (كفر) 7/ 3897.

(٣٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره"، ولم يعزه 1/ 63 أ.

وذكره الرازي في "تفسيره" وضعفه، وقال: (السجود لاشك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل: السجود عبادة، والعبادة لغير الله لا تجوز، قلنا: لا نسلم أنه عبادة وبيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيدا كالقول ...).

"تفسير الرازي" 2/ 213، وضعفه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 83، وانظر القرطبي في "تفسيره" 1/ 250، و"زاد المسير" 1/ 64.

(٣٣) في (ب): (بالحقيقة).

(٣٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 أ.

والرازي وضعفه في "تفسيره" 2/ 212، 213.

وابن كثير وضعفه كذلك 1/ 83.

و"تفسير القرطبي" 1/ 250.

(٣٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 59 أ.

(٣٦) أي: يمنع من الصرف.

(٣٧) أى وزن (أفعل).

(٣٨) (تنصرف) كذا في (أ، ج)، وفي (ب): (بدون إعجام)، والأولى (ينصرف).

(٣٩) انظر "الكتاب" 3/ 193،198، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، وانظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 38.

(٤٠) انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، و"الكتاب" 3/ 198 (الهامش)، "المقتضب" 3/ 312، 377، وقد نصر المبرد رأي الأخفش ورجحه.

(٤١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤٢) في (ب): (كل).

(٤٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤٤) (قد) ساقطة من (ب).

(٤٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81 (٤٦) انظر: "المقتضب" 3/ 312، "الكتاب" 3/ 194.

(٤٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 81، "المقتضب" 3/ 312.

(٤٨) انظر رد المبرد على ذلك في المسائل التي رد بها المبرد على سيبويه كما نقله عضيمة في هامش "المقتضب" 3/ 312.

(٤٩) "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، و"تفسير الطبري" 1/ 224.

(٥٠) "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384.

(٥١) هو الراجز المشهور عبد الله بن رؤبة، لقي أبا هريرة وسمع منه أحاديث.

انظر "الشعر والشعراء" ص 392، "طبقات فحول الشعراء" للجمحي 2/ 753.

(٥٢) المكرس: الذي صار فيه الكرس.

وهو أبوال الإبل وأبعارها يتلبد بعضها على بعض في الدار، أبلسا: أي سكت لكآبته.

ورد الرجز في "ديوان العجاج".

ص 132، "معاني القرآن" للفراء 1/ 335، و"مجاز القرآن" 1/ 192، و"الزينة" 2/ 192، والطبري في "تفسيره" 1/ 224، و"الكامل" 2/ 191، و"تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، و"الصحاح" 3/ 909، و"مقاييس اللغة" 5/ 169، و"اللسان" 1/ 343، و"تفسير ابن عطية" 1/ 244.

(٥٣) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 384، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 224، "غريب القرآن" لابن قتيبة: 1/ 37، و"زاد المسير" 1/ 65.

(٥٤) الظليم: الذكر من النعام، "القاموس" (ظلم): ص 1464.

(٥٥) "تهديب اللغة" (جفل) 1/ 622.

(٥٦) الإغريض: الطلع، ويقال لكل أبيض طري، انظر: "الصحاح" (غرض) 3/ 1094.

(٥٧) (الإضريج) بالجيم: صبغ أحمر، ونوع من الأكسية، ومن الخيل الجواد.

انظر: "تهذيب اللغة" (ضرج) 3/ 2106، "الصحاح" 1/ 326، "اللسان" 5/ 2570.

(٥٨) انظر: "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 30، "الدر المصون" 1/ 276.

(٥٩) هو عطية بن الحارث الهمداني أبو روق، ورى عن الشعبي والضحاك، قال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال ابن معين: صالح، انظر "الجرح والتعديل" 6/ 382، "تهذيب التهذيب" 3/ 114، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 386.

(٦٠) أخرجه الطبري بسنده، وفيه ضعف، انظر "تفسير الطبري" 1/ 509.

(مع تحقيق محمود شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، قال المحقق: ضعيف الإسناد 1/ 294، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 102.

وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري.

(٦١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (بلس) 1/ 384، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 ب، وانظر "العين" 7/ 262، ولم أجده منسوبًا لليث.

(٦٢) (الواو) ساقطة من (ب).

اختلف الذين قالوا: إنه مشتق هل هو مشتق من (أبلس) إذا انقطع ولم تكن له حجة، أو من الإبلاس وهو اليأس، ذكر هذا الرازي في كتاب "الزينة" 1/ 192، 193.

(٦٣) انظر: "المقتضب" 3/ 326.

(٦٤) مابين المعقوفين ساقط من (ب).

(٦٥) هذا الكلام بمعناه في "الأضداد" لابن الأنباري: ص 336، وبنحوه قال أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 38، والزجاج في "المعاني" 1/ 82، والثعلبي 1/ 63 ب، وذكر هذا القول مكي في "المشكل" 1/ 37، وابن عطية 1/ 246، وابن الأنباري أبو البركات في "البيان" ورجحه 1/ 74، على أن مكيا وغيره ذكروا عن أبي عبيدة أنه قال: إنه مشتق، وهذا خلاف قوله في "المجاز".

وقد أجاب الذين قالوا: إنه مشتق بأنه منع من الصرف لأنه أشبه الأسماء الأعجمية لعدم نظيره في الأسماء العربية كما سيأتي في كلام ابن جرير، انظر: "البحر" 1/ 151، و"الدر المصون" 1/ 276.

(٦٦) في (ب): (فان).

(٦٧) انتهى كلام ابن جرير بمعناه 1/ 228، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 246.

(٦٨) في (ب): (قاله) وهو أصوب.

(٦٩) في (ج): (ابلس).

انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 37، "البيان" 1/ 74، "البحر المحيط" 1/ 151، "الدر المصون" 1/ 276.

(٧٠) في (ب): (فأما).

(٧١) في (ب): (يصرفها لم يجعلها).

(٧٢) انظر: "المقتضب" 3/ 326، "أصول النحو" لابن السراج 2/ 94.

(٧٣) بهذا أخذ أبو عبيدة في "المجاز" 1/ 38، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 82، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 63 ب، وابن الأنباري في "البيان" 1/ 74، والعكبري في "الإملاء" 1/ 30، والسمين في "الدر المصون" 1/ 276.

وعلى قول ابن جرير ومن معه لا يلزم صرفه، ولو كان مشتقًّا، لأنه لا سمي له فاستثقل.

انظر "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: ص 23، و"تفسير الطبري" 1/ 228، و"تفسير ابن عطية" 1/ 246، و"تفسير القرطبي" 1/ 251.

(٧٤) في (ب): (أم لا).

(٧٥) أخرجه الطبري بسنده عن عطاء، عن طاوس، عن ابن عباس، وعن عطاء عن طاوس أو مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس.

"تفسير الطبري" 1/ 224، وكذلك أخرجه ابن الأنباري بسنده عن طاوس أو عن مجاهد أبي الحجاج، عن ابن عباس.

"الأضداد": ص 334.

وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 84، و"تفسير ابن كثير" 1/ 8.

(٧٦) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 224.

(٧٧) ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 225، "الزاهر" 2/ 334، و"الأضداد" لابن الأنباري: ص 335، و"الغريب" لابن قتيبة: ص21، و"الزينة" 2/ 176، و"معرفة اشتقاق أسماء نطق بها القرآن" 1/ 195، و"اللسان" (جنن) 1/ 751، وفي "تفسير القرطبي" 1/ 251، و"خزانة الأدب" 6/ 176.

(٧٨) وهذا ما رجحه ابن جرير الطبري في "تفسيره"، وابن عطية في "تفسيره" والبغوي في "تفسيره"، وغيرهم، وهو أن إبليس كان من الملائكة أو من طائفة منهم يقال لهم: الجن.

قال الطبري في "تفسيره" بعد أن ذكر الأقوال في هذِه المسألة: (وهذِه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، ذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله جل ثناؤه خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى.

فخلق بعضا من نور، وبعضا من نار وبعضا مما شاء من غير ذلك.

وليس في ترك الله جل ثناؤه الخبر عما خلق منه ملائكته، وإخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجا عن معناهم ...

وقال: وأما خبر الله عنه أنه (من الجن) لغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنّاً كما قد ذكرنا في شعر الأعشى -فيكون إبليس والملائكة == منهم، لاجتنانهم عن أبصار بني آدم، في "تفسيرالطبري" 1/ 227، وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري: ص 334، وفي "تفسيرابن عطية" 1/ 246، وفي "تفسيرالبغوي" 1/ 82، و"البحر" 1/ 153، وفي "تفسير القرطبي" 1/ 251، فعلى هذا القول: الاستثناء متصل.

(٧٩) أخرجه الطبري في "تفسيره" عن ابن جريج عن ابن عباس، وعن أبي صالح عنه، وعن الضحاك عنه.

الطبري في "تفسيره" 1/ 525.

(٨٠) في (ب): (أي صار).

(٨١) (كما) ساقطة من (ب).

(٨٢) قول ابن الأنباري في "الأضداد" ص337، وقد ذكر هذا توجيهًا لمعنى الآية على قول من قال: إن إبليس من الملائكة وكذا الزجاج في "المعاني" 1/ 82 ويلحظ هنا أن الزجاج يرجح القول الآخر حيث قال لما ذكر القول الثاني: وهذا القول هو الذي نختاره، لأن إبليس كان من الجن كما قال الله عز وجل.

(٨٣) هو شهر بن حوشب الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن روى عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة وأم حبيبة وغيرهم، اختلف في سنة وفاته، فقيل: مائة، وقيل غير ذلك، انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 182، "غاية النهاية" 1/ 329.

(٨٤) أقوالهم في الطبري في "تفسيره" 1/ 227، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 246، == والقرطبي في "تفسيره" 1/ 251، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 81، "البحر" 1/ 153.

(٨٥) (من الملائكة) ساقط من (ج).

(٨٦) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 227، وابن الأنباري في "الأضداد": ص 337، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 246، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 251، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 81، "البحر" 1/ 153.

(٨٧) "الأضداد" لابن الأنباري: ص 337، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 82، وقد مال إلى نحو هذا ابن كثير في "تفسيره" 1/ 81.

(٨٨) انظر "المشكل" لمكي 1/ 37، "البيان" 1/ 74، "البحر" 1/ 153.

(٨٩) في (أ)، (ج): (لقول)، وقوله (منقطعا) ساقط من (ب).

(٩٠) قال أبن الأنباري: (...

ونصب على الاستثناء وهو من غير جنسهم.

كما تقول العرب: سار الناس إلا الأثقال، وارتحل أهل العسكر إلا الأبنية والخيام)، "الأضداد" لابن الأنباري: ص 337.

(٩١) هكذا في جميع النسخ وهذا على لغة (أكلوني البراغيث).

(٩٢) أخرج نحوه ابن جرير عن شهر بن حوشب وسعد بن مسعود 1/ 227، وذكره ابن عطية والقرطبي، وقالا: حكاه الطبري عن ابن مسعود، وظاهر كلامهما أنه عبد الله ابن مسعود، ولم يرووه عنه، وإنما عن سعد بن مسعود ولعل القرطبي نقل ذلك عن ابن عطية.

انظر.

"تفسير ابن عطية" 1/ 246، و"تفسير القرطبي" 1/ 251، وذكره ابن كثير عن سعد بن مسعود، "تفسير ابن كثير" 1/ 81، ولم أجده عن، سعيد فيما اطلعت عليه.

(٩٣) أي: إلى أن إبليس ليس من الملائكة.

انظر: "تفسير الرازي" 1/ 213.

قال الزمخشري: إنه كان جنيا واحد بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، فغلبوا عليه في قوله: "فسجدوا".

"الكشاف" 1/ 273.

(٩٤) في (ب): (وكان).

(٩٥) (أبى) امتنع عن السجود، و (استكبر) تكبر وتعاظم في نفسه فهو من أفعال القلوب، والإباء: الامتناع من السجود، والامتناع نابع من الكبر.

انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 248، "البحر" 1/ 153، وأبي السعود في "تفسيره" 1/ 85.

(٩٦) ذكر الأزهري عن ابن الأنباري: الاستكبار: الامتناع عن قبول الحق معاندة وتكبرا.

"التهذيب" (كبر) 4/ 3090، "مفردات الراغب": ص 421.

(٩٧) في (ب): (وصار من الكافرين).

هذا هو القول الأول أن (كان) بمعنى: صار، انظر.

"تفسير أبي الليث" 1/ 110، و"تفسيرالثعلبي" 1/ 64 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 248، و"زاد المسير" 1/ 65، و"تفسير القرطبي" 1/ 252، و"البحر" 1/ 154، وفي "تفسير ابن كثير" 1/ 81، قال ابن عطية بعد أن ذكر هذا القول: قال ابن فورك: وهذا خطأ ترده الأصول، ونقل هذا القرطبي وابن كثير.

(٩٨) قول جمهور المفسرين على أن (كان) على بابها، انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 110، و"الثعلبي" 1/ 64 أ، و"ابن عطية" 1/ 248، و"القرطبي" 1/ 252، و"زاد المسير" 1/ 65، و"ابن كثير" 1/ 81، "البحر" 1/ 321.

قال ابن جرير: (ومعنى قوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ : أنه كان حين أبى السجود من الكافرين حينئذ).

"تفسير الطبري" 1/ 228.

(٩٩) (قبله) ساقطة من (ب).

(١٠٠) انظر "تفسير الثعلبي" 1/ 64 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 248، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 252، "البحر" 1/ 154.

(١٠١) يرد هذا السؤال على قول من قال: إن إبليس أول كافر.

ولم يسبقه كفر، أما عند من قال: إنه سبقه كفار وهم الجن سكان الأرض.

فلا يرد أصلا، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 248، و"تفسير القرطبي" 1/ 255، و"تفسير الرازي" 2/ 237، و"البحر" 1/ 154.

(١٠٢) في (ب): (سيكون).

(١٠٣) في (ب): (إبراهيم  ).

(١٠٤) في (ب): (عالم).

(١٠٥) انظر: "تفسير الرازي" 2/ 238.

(١٠٦) ذكره الرازي في "تفسيره" 2/ 238.

(١٠٧) قول سعيد الذي سبق: هو: أن إبليس سبي من الجن فنشأ بين الملائكة.

فعلى هذا القول يتوجه أنه ليس أول كافر كما سبق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.

ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.

فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ للملائكة اسجدوا ﴾ برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة.

وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء.

وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله ﴿ السائلين ﴾ و ﴿ السائل ﴾ و ﴿ البائس ﴾ فإنهما بالهمز ﴿ شئتما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف ﴿ فأزالهما ﴾ حمزة ﴿ آدم ﴾ نصب ﴿ كلمات ﴾ رفع ابن كثير ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ بالفتح حيث كان: يعقوب ﴿ هداي ﴾ و ﴿ محياي ﴾ و ﴿ مثواي ﴾ بالإمالة كل القرآن على غير ليث.

﴿ النار ﴾ بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل ﴿ الجار ﴾ و ﴿ الغار ﴾ في بعض الروايات.

فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي ﴿ الجار ﴾ بالإمالة.

وروى ابن مجاهد عن اليزيدي ﴿ الغار ﴾ بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما.

واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل ﴿ النار ﴾ وأشباه ذلك.

فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر.

الوقوف: ﴿ إبليس ﴾ (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ شئتما ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين ﴿ الظالمين ﴾ (ه) ﴿ كانا فيه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين.

﴿ عدو ﴾ (ج) لاختلاف الجملتين ﴿ حين ﴾ (ه) ﴿ فتاب عليه ﴾ (ط) ﴿ الرحيم ﴾ (ج) ﴿ جميعاً ﴾ (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر.

وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما خصص الله  أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله  في موضع آخر ﴿ فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين  ﴾ يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم.

وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم.

والله أعلم بذلك.

ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه  لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله  وآدم كالقبلة.

فقوله ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: ما كنت أعرف أن الأمر منصرف *** عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم *** وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟

وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد.

وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل ﴿ والنجم والشجر يسجدان  ﴾ وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير.

وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم.

قال قتادة في قوله ﴿ وخروا له سجداً  ﴾ كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات.

واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا.

فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم.

وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله  في الكهف ﴿ إلا إبليس كان من الجن  ﴾ فلا يكون من الملائكة.

وأيضاً قال ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار.

والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار.

وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله  ﴿ أتتخذونه وذريته أولياء من دوني  ﴾ والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً  ﴾ منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك.

وأيضاً إنه من النار ﴿ خلقتني من نار  ﴾ وأنهم من نور لقوله  "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار" رواه الزهري عن عروة عن عائشة.

ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح.

وأيضاً الملائكة رسل ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ ورسل الله معصومون ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع.

قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً.

وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب.

وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ ﴿ اسجدوا ﴾ وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه  أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك  ﴾ لأن قوله ﴿ أبى واستكبر ﴾ عقيب قوله ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ﴾ مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين.

ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة.

المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها ﴿ ومن عنده لا يستكبرون  ﴾ وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف.

وعورض بما حكى عنه  "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله  عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده.

قالوا: الآية تدل على أنه  يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك.

وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب.

الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله  لعائشة "أجرك على قدر نصيبك" ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها.

وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ﴿ إن الإنسان ليطغى.

أن رآه استغنى  ﴾ ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة ﴿ وإنا لنحن الصافون.

وإنا لنحن المسبحون  ﴾ ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا.

وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص.

والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال  : "أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" الثالثة: عباداتهم أدوم ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر.

وعلى الآية سؤال.

روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ لا يفترون  ﴾ ثم قال ﴿ جاعل الملائكة رسلاً  ﴾ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟

فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم.

وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال.

وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله  ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات.

يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها.

ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم.

الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات ﴿ والسابقون السابقون.

أولئك المقربون  ﴾ "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ نزل به الروح الأمين  ﴾ والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد.

ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر.

السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم ﴿ يخافون ربهم من فوقهم  ﴾ مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ﴾ ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً.

السابعة: ﴿ لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون  ﴾ خرج الثاني مخرج التأكيد للأول.

ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل.

كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك.

فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم.

وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد.

فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟

قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة.

لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد  .

الثامنة: ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة.

ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال.

ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور.

وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً.

ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا.

وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد  .

التاسعة: ﴿ ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك  ﴾ أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة.

ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها.

العاشرة: ﴿ ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم  ﴾ ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة.

ورد بأن قولها ﴿ فذلكن الذي لمتنني فيه  ﴾ كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها.

ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة.

الحادية عشرة: ﴿ وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً  ﴾ وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين.

ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا.

ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة.

وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني.

وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية ﴿ ولقد كرمنا بني آدم  ﴾ ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب.

الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح ﴿ رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً ﴾ وقال إبراهيم ﴿ رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين  ﴾ ثم قال ﴿ واغفر لأبي  ﴾ وقال لمحمد ﴿ واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  ﴾ والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك  ﴾ ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم ﴿ أتجعل فيها  ﴾ .

الثالثة عشرة: ﴿ وإن عليكم لحافظين  ﴾ ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ.

وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل.

ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود.

الرابعة عشرة: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة صفاً  ﴾ والمقصود بيان عظمة الله وجلاله.

ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف.

وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده.

الخامسة عشرة: ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً *** قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك.

ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله  والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية.

ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم ﴿ تبت ﴾ على "الإخلاص".

السادسة عشرة: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي  ﴾ جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي  وعورض بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه  ﴾ ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك.

السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد  لأن الله  وصفه بست من صفات الكمال ﴿ إنه لقول رسول كريم.

ذي قوة عند ذي العرش مكين.

مطاع ثم أمين  ﴾ ثم وصف محمداً  بقوله ﴿ وما صاحبكم بمجنون  ﴾ وشتان بين الوصفين.

ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به ﴿ يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً  ﴾ .

الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي  ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل.

كالعلم بذات الله  ، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله  ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم.

التاسعة عشرة: ﴿ ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية.

ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم.

العشرون: قال  حكاية عن الرب  "إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه" وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف.

ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء.

واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط.

وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية.

والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل.

الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر.

ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص.

وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ أعلى منها حين قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال  حاكياً عن ربه "أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين" الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال  "وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة" ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة.

ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية.

الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك.

ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله.

ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها.

وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة.

الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة.

فأين أحدهما من الآخر؟

ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين.

السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك.

وأما العمل فلقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع.

فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله ﴿ إنا عرضنا الأمانة  ﴾ الآية.

ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب.

لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد.

السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب.

وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟

وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم.

واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف.

الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح.

فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان.

وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة.

وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله  .

العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى.

واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد.

الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟

أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟

فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟

وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته.

الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك.

وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان.

فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود.

وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب.

حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله  أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت.

الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال.

الثالث: أنه كان أعلم لقوله ﴿ أنبئهم بأسمائهم ﴾ والأعلم أفضل.

الرابع: ﴿ أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ والعالم كل ما سوى الله  ، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة.

ولا يشكل هذا بقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ إلى قوله ﴿ فضلتكم على العالمين  ﴾ لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد  ، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم.

الخامس: ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين  ﴾ والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر.

السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس ﴿ فاعتبروا يا أولي الأبصار  ﴾ ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر.

السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي.

ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك ﴿ كالأنعام بل هم أضل  ﴾ .

فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.

الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ.

التاسع: روي أن جبريل  أخذ بركاب محمد  حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد  إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت.

العاشر: قوله  "إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض.

أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" فدل على أن محمداً  كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك.

ثم إنه  لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله ﴿ أبى ﴾ لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه ﴿ واستكبر ﴾ ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله ﴿ وكان من الكافرين ﴾ .

وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط.

وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟

وما الحكمة في خلقه إياي؟

الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟

وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟

الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟

وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟

والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟

والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟

والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟

وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟

والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟

ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟

فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله  إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله  .

فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق.

فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله ﴿ لأسجد لبشر خلقته من صلصال  ﴾ لا أسجد إلا لك.

فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال  ﴿ ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين  ﴾ وشبه النبي  كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" وقال  : "لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا.

فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر.

فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم.

ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار".

وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين.

وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله ﴿ أنا خير منه  ﴾ وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر.

نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق.

ثم إن قوله ﴿ من الكافرين ﴾ هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟

قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض.

وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد.

ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه  خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم ﴿ إني خالق بشراً من طين  ﴾ قالوا: لا تفعل ذلك.

فبعث الله ناراً فأحرقتهم.

وكان إبليس من أولئك.

وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع.

فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين.

واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله ﴿ فسجد الملائكة كلهم أجمعون  ﴾ .

وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم.

ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة.

وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة.

قوله  ﴿ وقلنا يا آدم اسكن ﴾ الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً.

روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه.

فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف.

وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك.

فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري.

لا تصير الدار ملكاً له.

وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة.

ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه ﴿ خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها  ﴾ وقال  "إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله  لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله  عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة.

فسألها من أنت؟

قالت امرأة.

قال: ولم خلقت؟

قالت: لتسكن إليّ.

فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟

فقال: حواء.

قالوا: ولم؟

قال: لأنها خلقت من شيء حي.

قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها.

قال: فما صداقها؟

قالوا: أن تصلي على محمد وآله.

قال: ومن محمد؟

قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت.

وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة.

فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال.

ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟

وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟

فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله  ﴿ اهبطوا مصراً  ﴾ قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله ﴿ هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى  ﴾ ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى ﴿ وما هم منها بمخرجين  ﴾ ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه  خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم.

وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض.

وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها.

واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار.

و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه.

و ﴿ رغداً ﴾ وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و ﴿ حيث ﴾ للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول.

وإنما قيل ههنا ﴿ وكلا ﴾ بالواو وفي الأعراف ﴿ فكلا ﴾ لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله  في البقرة ﴿ وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا  ﴾ بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم.

وفي الأعراف ﴿ وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا  ﴾ بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء.

والنهي في ﴿ لا تقربا ﴾ للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز.

لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء.

وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله ﴿ ولا تقربوهن حتى يطهرن  ﴾ وقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ ولقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة.

والجواب أن التحريم في ﴿ ولا تقربوهن  ﴾ بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله  .

ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله ﴿ فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما  ﴾ .

وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث.

قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال  ﴿ وأنبتنا عليه شجرة من يقطين  ﴾ وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف.

واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه.

فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب.

كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان.

﴿ فتكونا ﴾ جزم عطفاً على ﴿ تقربا ﴾ ونصب جواباً للنهي.

﴿ من الظالمين ﴾ من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.

قوله ﴿ فأزلهما الشيطان ﴾ الآية.

تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة ﴿ عن ﴾ في هذه الآية كـ ﴿ هي ﴾ في قوله ﴿ وما فعلته عن أمري  ﴾ فالضمير للشجرة.

وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه.

فالضمير للجنة، ومن قرأ ﴿ أزالهما ﴾ فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في ﴿ عنها ﴾ الشجرة.

واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم.

أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة.

وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم.

وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق.

ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون.

وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل.

وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر.

والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ.

وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين  ﴾ وصغائر الرجل الكبير كبائر *** ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع.

والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا  ﴾ لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة { ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ .

الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة.

يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة ﴾ .

[الأحزاب: 57].

الرابع: أنه  لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله ﴿ فاتبعوه  ﴾ والجمع بين الوجوب والحرمة محال.

الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب.

السادس: ﴿ أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم  ﴾ يكون حينئذ منزلاً في شأنه، ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه  ﴾ .

السابع: ﴿ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات  ﴾ واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي.

الثامن: ﴿ وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار  ﴾ ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب.

التاسع: أنه  حكى عن إبليس ﴿ لأغوينهم أجمعين.

إلا عبادك منهم المخلصين  ﴾ والأنبياء من المخلصين لقوله  في حق يوسف ﴿ إنه من عبادنا المخلصين  ﴾ وفي حق موسى ﴿ إنه كان مخلصاً  ﴾ فكذا غيرهما.

العاشر: ﴿ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين  ﴾ ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي.

الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله ﴿ ألا إن حزب الله هم المفلحون  ﴾ وحزب الشيطان ﴿ ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون  ﴾ والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً.

الثاني عشر: النبي  أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى.

الثالث عشر: ﴿ إني جاعلك للناس إماماً  ﴾ والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه.

الرابع عشر: ﴿ لا ينال عهدي الظالمين  ﴾ فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، "روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله  على وفق دعواه فقال  : كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟

فصدقه رسول الله  فيه وسماه بذي الشهادتين" ، ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة.

المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة  ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركاء  ﴾ وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما.

والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله  ، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي.

قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله ﴿ هذا ربي  ﴾ ﴿ ولكن ليطمئن قلبي  ﴾ والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله ﴿ ليطمئن قلبي ﴾ أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة.

قالوا: ﴿ فإن كنت في شك  ﴾ ﴿ فلا تكونن من الممترين  ﴾ يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء  ﴾ .

قالوا في باب التبليغ ﴿ سنقرئك فلا تنسى.

إلاّ ما شاء الله  ﴾ هذا الاستثناء يدل على النسيان.

والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله  ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسها  ﴾ .

قالوا ﴿ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته  ﴾ والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله  : قالوا: ﴿ عالم الغيب فلا يظهر ﴾ إلى قوله ﴿ ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم  ﴾ ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط.

قالوا في باب الفتيا ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث  ﴾ ﴿ وما كان لنبي أن يكون له أسرى  ﴾ ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم  ﴾ قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: يا سائلي عن رسول الله كيف سها *** والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها *** عما سوى الله فالتعظيم لله.

فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود.

قالوا في الأفعال ﴿ وعصى آدم ربه فغوى  ﴾ والعصيان يوجب الوعيد ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم  ﴾ والغي ضد الرشد ﴿ قد تبين الرشد من الغي  ﴾ ، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ والظالم ملعون ﴿ ألا لعنة الله على الظالمين  ﴾ وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة.

والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة.

ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله ﴿ فنسي ولم نجد له عزماً  ﴾ ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد.

قيل عليه إن قوله ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ وقوله ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله  : أفراراً مني؟

فقال: بل حياء منك.

فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟

قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً.

وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث.

وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش.

وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي  "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم" وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر ﴿ لا فيها غول  ﴾ .

الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق.

ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده.

ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك.

ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ فلفظ ﴿ هذه ﴾ قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "أنه  أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي.

وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء.

فمراد الله  من كلمة ﴿ هذا ﴾ ذلك النوع لا الشخص.

وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع.

واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟

وأيضاً هب أن لفظ ﴿ هذا ﴾ متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً.

وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية.

وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب.

فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق.

وأجيب بأن لفظ ﴿ هذا ﴾ يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب.

وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي  قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة.

قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله ﴿ لا تقربا ﴾ تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله.

فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟

قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه  قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا.

يعني الحيات.

وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما.

وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة.

وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟

ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل.

فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟

قلنا: هي التي حكاها الله  ﴿ ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين  ﴾ فلما لم يفد عدل إلى اليمين ﴿ وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين  ﴾ ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم.

ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور.

﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية.

وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه ﴿ اهبطا منها  ﴾ وقوله ﴿ فإما يأتينكم  ﴾ وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم.

و ﴿ اهبطوا ﴾ أمر أو إباحة.

والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف.

وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم.

ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك.

ومعنى ﴿ بعضكم لبعض عدو  ﴾ ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض.

وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا  ﴾ فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع ﴿ مستقر ﴾ استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت.

﴿ ومتاع ﴾ تمتع بالعيش ﴿ إلى حين ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم.

والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين.

فمضت لحظة طلقت.

وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد *** ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي *** درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً *** منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟

وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها.

تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا *** خــاب من يطلب شيئاً لا يكون قوله ﴿ فتلقى ﴾ الآية.

أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ ﴿ وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم  ﴾ أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما.

تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته ﴿ وتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله  عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله  ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟

قال: بلى.

قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟

قال: بلى.

قال: ألم تسكني جنتك؟

قال: بلى.

قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟

قال: نعم.

وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟

قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله  إليهما إني قبلت توبتكما.

وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".

وقالت عائشة: لما أراد  أن يتوب على آدم  طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي.

فأوحى الله  إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها.

وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل.

فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات.

ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً.

وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم.

والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله  بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة.

وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة.

روي عن رسول الله  أنه قال "لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء" ولذا قال نبينا  "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها.

والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ .

قيل في تأويل الحديث: إن الله  أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته.

قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان.

وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة.

وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب  في دفع تلك الخواطر.

وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه.

فقال  : جعلت صدورهم مساكن لك.

فقال: رب زدني.

فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة.

قال: رب زدني.

قال: تجري منه مجرى الدم.

قال: رب زدني.

قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد.

قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك.

فقال الله  : لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء.

قال: رب زدني.

قال: الحسنة بعشر أمثالها.

قال: رب زدني.

قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق.

وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي.

وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب.

وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا  ﴾ الآية.

(قوله) ﴿ قلنا اهبطوا ﴾ الآية.

قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض.

وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله ﴿ ولكم في الأرض مستقر ﴾ عقيب الهبوط الثاني أولى.

وأيضاً قوله ﴿ منها ﴾ يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله  ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله ﴿ فإما يأتينكم ﴾ روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله  المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني.

وما في ﴿ إما ﴾ مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول.

تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه ﴿ فمن اتبع  ﴾ موافقة لقوله فيها ﴿ يتبعون الداعي  ﴾ وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع.

عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله  إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس.

أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به.

وقيل: هو رسول وكتاب بدليل ﴿ والذين كفروا كذبوا بآياتنا  ﴾ في مقابلة ﴿ فمن تبع هداي ﴾ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن.

وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله ﴿ فإما يأتينكم مني هدى ﴾ دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين.

وجمع قوله ﴿ فمن تبع هداي ﴾ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ جميع ما أعد الله  لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات.

والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات.

وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون  ﴾ وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله  ﴿ يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى  ﴾ ﴿ فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً  ﴾ ﴿ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم  ﴾ ﴿ فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين  ﴾ وفي الحديث "تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله  بيده إلى فيه" .

وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا  فإنه يقول: " أمتي أمتي " مشهور.

قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً.

وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله  ، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء.

ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، ﴿ يدعون ربهم خوفاً وطمعاً  ﴾ ﴿ ويدعوننا رغباً ورهباً  ﴾ وقيل: ﴿ لا خوف عليهم  ﴾ أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله  ثم سلاهم فقال لهم ﴿ ولا هم يحزنون  ﴾ على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا.

ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن.

وقال  "خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً  ﴾ فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان ﴿ والذين كفروا ﴾ لجحدهم مولاهم ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم ﴿ أولئك أصحاب النار ﴾ وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية ﴿ اسجدوا لآدم ﴾ بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله  كما قال ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله ﴿ يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس ﴿ فسجدوا إلا إبليس ﴾ لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً ﴿ وكان من الكافرين ﴾ لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق.

﴿ ولا تقربا هذه الشجرة ﴾ أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "سبقت رحمتي غضبي" .

ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها ﴿ فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ﴾ وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة ﴿ يحبهم ويحبونه  ﴾ .

ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال.

وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه  وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً.

وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني *** بقول يحل العصم سهل الأباطــح.

تجافيت عني حين لالي حيلة *** وغادرت ما غادرت بين الجوانح.

خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض.

أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله ﴿ فتكونا من الظالمين ﴾ وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال ﴿ ربي أرني  ﴾ عاتبه بسطوة ﴿ لن تراني  ﴾ وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال.

﴿ فلما ذاقا ﴾ شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟

وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟

فبتنا على رغم الحسود وبيننا *** حديث كطيب المسك شيب به الخمر.

فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا *** وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟.

وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب.

فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة.

فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  ﴾ وقال  "إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟

فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف" .

ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة ﴿ فلا خوف عليهم ﴾ في المستقبل ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يبين الله تعالى أنَّه أمر الملائكة بالسجود لآدم سجود تقدير واحترام، فسجدوا مسارعين لامتثال أمر الله، إلا ما كان من إبليس الَّذي كان من الجن، فامتنع اعتراضًا على أمر الله له بالسجود وتكَبُّرًا على آدم، فصار بذلك من الكافرين بالله تعالى.

<div class="verse-tafsir" id="91.dWyaG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بعدما عرف الله الملائكة بمكانة آدم، ووجه جعله خليفة في الأرض، أمرهم بالخضوع له وعبر عن ذلك بالسجود فقال ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ  ﴾ وهو سجود لا نعرف صفته ولكن أصول الدين تعلمنا أنه ليس سجود عبادة إذ لا يعبد إلا الله تعالى، والسجود في اللغة التطامن والخضوع والانقياد، وأعظم مظاهره الخرور نحو الأرض للأذقان ووضع الجبهة على التراب، وكان عند بعض القدماء من تحية الناس للملوك والعظماء، ومنه سجود يعقوب وأولاده ليوسف عليهم السلام.

والسجود لله تعالى قسمان سجود العقلاء المكلفين له تعبدًا على الوجه المشروع، وسجود المخلوقات كلها لمقتضى إرادته فيها، قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا  ﴾ ، الآية وقال ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَ  ﴾ وفي معناهما آيات ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ  ﴾ أي سجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس وهو فرد من أفراد الملائكة كما يفهم من الآية وأمثالها في القصة إلا آية الكهف فإنها ناطقة بأنه كان من الجن ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ  ﴾ وليس عندنا دليل على أن بين الملائكة والجن فصلًا جوهريًا يميز أحدهما عن الآخر وإنما هو اختلاف أصناف، عندما تختلف أوصاف، كما ترشد إليه الآيات.

فالظاهر أن الجن صنف من الملائكة وقد أطلق في القرآن لفظ الجنة على الملائكة على رأي جمهور المفسرين في قوله تعالى ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا  ﴾ وعلى الشياطين في آخر سورة الناس، وعلى كل حال فجميع هؤلاء المسميات بهذه الأسماء من عالم الغيب لا تعلم حقائقها ولا نبحث عنها ولا نقول بنسبة شيء إليها ما لم يرد لنا فيه نص قطعي عن المعصوم .

 وصف الله تعالى إبليس بأنه ﴿ أَبَى  ﴾ السجود والانقياد ﴿ وَاسْتَكْبَرَ  ﴾ فلم يمتثل أمر الحق ترفعًا عنه، وزعمًا بأنه خير من الخليفة عنصرًا، وأزكى جوهرًا، كما حكى الله تعالى عنه في غير هذه السورة ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ  ﴾ والاستكبار يعني التكبر وهو الظهور بصفة الكبرياء التي من آثارها الترفع عن الحق، وكان السين والتاء للإشعار بأن الكبر ليس من طبيعة إبليس ولكنه مستعد له، ثم قال تعالى بعد و صفه بالإباء والاستكبار ﴿ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ  ﴾ قال بعض المفسرين كان من حق الترتيب أن يقال كان من الكافرين واستكبر و أبى لأن الكفر عنده سبب الاستكبار والاستكبار سبب الإباء، ومثل هذا المفسر يعلل مخالفة الترتيب الطبيعي في النظم برعاية الفاصلة.

.

ولكن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولًا لأنه المقصود بالذات وهو الإباء ثم يذكر سببه وعلته وهو الاستكبار ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر.

تقدم أن الملائكة خلق غيبي لا نعرف حقيقته، وإنما نؤمن به بإخبار الله تعالى الذي نقف عنده ولا نزيد عليه، وتقدم أن القرآن ناطق بأن الملائكة أصناف لكل صنف وظيفة وعمل، ونقول الآن إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي  ، وقد أسندا إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهامًا وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح، فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا، لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا، فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا، ونحن لا تحس بشيء يتصل بأبداننا لا عند الوسوسة ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس، فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعًا، والواجب على المسلم في مثل الآية الإيمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ثم الاعتبار بها بالنظر في الحكم التي سيقت لها القصة.

وذهب بعض المفسرين مذهبًا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخه الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده فإنما قوامه بروح إلهي سمي في لسان الشرع ملكًا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمي هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة.

والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرًا هو مناطها، وبه قوامها ونظامها، لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكًا وزعم أنه دليل على وجود الملائكة، أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسًا طبيعيًا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودًا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس وكل يقر بوجود شيء غير ما يرى ويحس ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم، ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه، وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما غيب عنه لو قال أصدق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي ، ويحظى بما يحظى به المؤمنون ؟!.

يشعر كل من فكر في نفسه ووازن بين خواطره عندما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن في نفسه تنازعًا كأن الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى، فهذا يورد وذاك يدفع، واحد يقول افعل وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرًا -وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه، وروح لا نكتنه حقيقتها- لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكًا، أو يسمي أسبابه ملائكة، أو ما شاء من الأسماء فإن التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم والواسع ؟

فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصصًا بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعدًا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها في عمارة الأرض، وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له والتصرف الذي لم يعط لغيره خليفة الله في أرضه، لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس وهي القوة التي، لزها الله بهذا العالم لزًا، وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكمال أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مد الوجود لترده إلى العدم، أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء أو التي تعارض في اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير، وتنازع الإنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خلق مستعدًا للوصول إليها، تلك القوة التي ضللت آثارها قومًا فزعموا أن في العالم إلهًا يسمى إله الشر وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته إلا هو.

ولو أن نفسًا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب، وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق.

ولست أحيط علمًا بما فعلت العادة والتقاليد في أنفس بعض من يظنون أنهم من المتشددين في الدين إذ ينفرون من هذه المعاني كما ينفر المرضى أو المخدجون من جيد الأطعمة التي لا تضرهم، وقد يتوقف عليها قوام بنيتهم، ويتشبثون بأوهام مألوفة لهم تشبث أولئك المرضى والمخدجين بأضر طعام يفسد الأجسام، ويزيد السقام.

لا أعرف ما الذي فهموه من لفظ روح أو ملك، وما الذي يتخيلونه من مفهوم لفظ قوة، أليس الروح في الآدمي مثلًا هذا الذي يظهر لنا في أفراد هذا النوع بالعقل والحس والوجدان والإرادة والعمل، وإذا سلبوه سلبوا ما يسمى بالحياة؟

أو ليست القوة هي ما تصدر عنه الآثار فيمن وهبت له، فإذا سمي الروح لظهور أثره قوة، أو سميت القوة لخفاء حقيقتها روحًا، فهل يضر ذلك بالدين، أو ينقص معتقده شيئًا من اليقين؟

ألا لا يسمى الإيمان إيمانًا، حتى يكون إذعانًا، ولا يكون كذلك حتى يستسلم الوجدان وتخشع الأركان لذلك السلطان الذي تعلق به الإيمان، ولا يكون كذلك حتى يلقي الوهم سلاحه، ويبلغ العقل فلاحه، وهل يستكمل ذلك لمن لا يفهم ما يمكنه فهمه، ولا يعلم ما يتيسر له عمله؟

كلا إنما يعرف الحق أهله، ولا يضل سبله، ولا يعرف أهل الغفلة، لو أن مسكينًا من عبدة الألفاظ من أشدهم ذكاء وأذربهم لسانًا أخذ بما قيل له إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معنى نورانية الأجسام، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصًا ممتازًا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف ثم ينعكس عنه كذبابة المصباح أو سلك الكهرباء؟

ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشيء الواحد أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد وكيف يكون ذلك؟

ألا يقع في حيرة، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث في لسانه من العقد ما لا يستطيع حله؟

أليست مثل هذه الحيرة تعد شكًا؟

نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه، وكلف نفسه علم ما لا تعلمه.

فلا يعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانًا صحيحًا، واطمأنت بإيمانه نفسه، وأذعن له قلبه، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله، كما هو شأن صاحب الإيمان الصحيح.

فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر فيها تقاليد حفت بالمخاوف، ولا علوم حفت بالسكينة والطمأنينة، هؤلاء لم يشرق في نفوسهم ذلك السر الذي يعبر عنه بالنور الإلهي، والضياء الملكوتي، واللألاء القدسي، أو ما يماثل ذلك من العبارات.

لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق، ولو علموا أن العالم بأسره فانٍ في نفسه، وأن ليس في الكون باقٍ كان أو يكون إلا بوجهه الكريم، وأن ما كشف من الكون وما لطف، وما ظهر منه وما بطن، إنما هو فيض من جوده ونسبة إلى وجوده، وليس الشريف منه إلا ما أعلى بذكره منزلته، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته، فإن كل مظهر من مظاهر الوجود في نفسه واقع موقعه، ليس شيء أعلى ولا أحط منه، فإن كان كذلك -ولا بد أن يكون كما قدره- لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول في تلك الشؤون حتى تصل إلى مستقر الطمأنينة حيث لا ينازع العقل شيء من وساوس الوهم، ولا تجد طائفًا من الخوف، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ.

هذه القوى التي نرى آثارها في كل شيء يقع تحت حواسنا، وقد خفيت حقائقها عنا، ولم يصل أدق الباحثين في بحثه عنها إلا إلى آثار تجل إذا كشفت، وتقل بل تضمحل إذا حجبت، وهي التي يدور عليها كمال الوجود، وبها ينشأ الناشئ، وبها ينتهي إلى غايته الكامل، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل، أليست أشعة من ضياء الحق؟

أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه؟

ألا تعد بنفسها من عالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة؟

ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والاختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا؟

ألا تراها توافي بأسرارها، من ينظر في آثارها، ويوفيها حق النظر في نظامها؟

يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها، ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها؟

أليس الوجود الإلهي الأعلى من عالم الغيب وآثاره في خلقه من عالم الشهادة؟

أليس هو الذي وهب تلك القوى خواصها، وقدر لها آثارها؟

لما لا تقول أيها الغافل: إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة؟

ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفي حيوان مثلك؟

مع أنك سئلت عن هذا الذي تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفًا، ولا لفعله تصريفًا؟

ثم لا تقول كما قال الله وبه نقول ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ  ﴾ .

أفلا تزعم أن لله ملائكة في السماء؟

هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟

وهل حددت أمكنتها، ورسمت مساكنها؟

و هل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك؟

ومن يكون عن يسارك؟

وهل ترى أجسامهم النورانية تضيء لك في الظلام، أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟

فلو ركنت إلى أنها قوى أو أرواح منبثة فيما حولك، وما بين يديك وما خلفك، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك، والعبارة التي تلقفتها عنهم، كيلا يوحشك بما يدهشك، وترك لك النظر فيما تطمئن إليه نفسك من وجوه تعرفها، أفلا يكون ذلك أروح لنفسك، وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟

أفلا تكون قد أبصرت شيئًا من وراء حجاب، ووقفت على سر من أسرار الكتاب، فإن لم تجد في نفسك استعدادًا لقبول أشعة هذه الحقائق وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا  ﴾ فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به، ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته، وهم في إيمانهم أعلى منك كعبًا، وأرضى منك بربهم نفسًا، ألا إن مؤمنًا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة، ومن فضل ربه في سعة.

أما سلطان تلك القوة في الفناء وقطع حركة الوجود إلى الصعود فلا يستطيع إخضاعه لقدرته من البشر كامل، ولا يقاول نفوذه عامل، وإنما ذلك الله وحده.

وهذا حكمها في الكائنات، إلى أن تبدل الأرض والسموات، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل التقوى والبصيرة وأن يعيذنا من الشيطان الرجيم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد