الآية ٤٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤٥ من سورة البقرة

وَٱسْتَعِينُوا۟ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ ٤٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 142 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى آمرا عبيده ، فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة ، بالاستعانة بالصبر والصلاة ، كما قال مقاتل بن حيان في تفسير هذه الآية : استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض ، والصلاة .

فأما الصبر فقيل : إنه الصيام ، نص عليه مجاهد .

[ قال القرطبي وغيره : ولهذا سمي رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث ] .

وقال سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن جري بن كليب ، عن رجل من بني سليم ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصوم نصف الصبر .

وقيل : المراد بالصبر الكف عن المعاصي ؛ ولهذا قرنه بأداء العبادات وأعلاها : فعل الصلاة .

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن حمزة بن إسماعيل ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي سنان ، عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال : الصبر صبران : صبر عند المصيبة حسن ، وأحسن منه الصبر عن محارم الله .

[ قال ] وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر .

وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة عن مالك بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، قال : الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب فيه ، واحتسابه عند الله ورجاء ثوابه ، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد ، لا يرى منه إلا الصبر .

وقال أبو العالية في قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) على مرضاة الله ، واعلموا أنها من طاعة الله .

وأما قوله : ( والصلاة ) فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر ، كما قال تعالى : ( اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) الآية [ العنكبوت : 45 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ، قال : قال عبد العزيز أخو حذيفة ، قال حذيفة ، يعني ابن اليمان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى .

ورواه أبو داود [ عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي ] .

وقد رواه ابن جرير ، من حديث ابن جريج ، عن عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة ، عن عبد العزيز بن اليمان ، عن حذيفة ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة .

[ ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة ؛ ويقال : أخي حذيفة مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة : حدثنا سهل بن عثمان أبو مسعود العسكري ، حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال : قال عكرمة بن عمار : قال محمد بن عبد الله الدؤلي : قال عبد العزيز : قال حذيفة : رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وهو مشتمل في شملة يصلي ، وكان إذا حزبه أمر صلى .

وحدثنا عبيد الله بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع عليا يقول : لقد رأيتنا ليلة بدر وما فينا إلا نائم غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح ] .

قال ابن جرير : وروي عنه ، عليه الصلاة والسلام ، أنه مر بأبي هريرة ، وهو منبطح على بطنه ، فقال له : اشكنب درد [ قال : نعم ] قال : قم فصل فإن الصلاة شفاء [ ومعناه : أيوجعك بطنك ؟

قال : نعم ] .

قال ابن جرير : وقد حدثنا محمد بن العلاء ويعقوب بن إبراهيم ، قالا حدثنا ابن علية ، حدثنا عيينة بن عبد الرحمن ، عن أبيه : أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم وهو في سفر ، فاسترجع ، ثم تنحى عن الطريق ، فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس ، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول : ( واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) .

وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جرير : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) قال : إنهما معونتان على رحمة الله .

والضمير في قوله : ( وإنها ) عائد إلى الصلاة ، نص عليه مجاهد ، واختاره ابن جرير .

ويحتمل أن يكون عائدا على ما يدل عليه الكلام ، وهو الوصية بذلك ، كقوله تعالى في قصة قارون : ( وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) [ القصص : 80 ] وقال تعالى : ( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) [ فصلت : 34 ، 35 ] أي : وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا ( وما يلقاها ) أي : يؤتاها ويلهمها ( إلا ذو حظ عظيم ) وعلى كل تقدير ، فقوله تعالى : ( وإنها لكبيرة ) أي : مشقة ثقيلة إلا على الخاشعين .

قال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني المصدقين بما أنزل الله .

وقال مجاهد : المؤمنين حقا .

وقال أبو العالية : إلا على الخاشعين الخائفين ، وقال مقاتل بن حيان : إلا على الخاشعين يعني به المتواضعين .

وقال الضحاك : ( وإنها لكبيرة ) قال : إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته ، الخائفين سطواته ، المصدقين بوعده ووعيده .

وهذا يشبه ما جاء في الحديث : لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه .

وقال ابن جرير : معنى الآية : واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب ، بحبس أنفسكم على طاعة الله وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر ، المقربة من رضا الله ، العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله المستكينين لطاعته المتذللين من مخافته .

هكذا قال ، والظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل ، فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص ، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم .

والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (واستعينوا بالصبر) : استعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتموني في كتابكم -من طاعتي واتباع أمري, وترك ما تهوونه &; 2-11 &; من الرياسة وحب الدنيا إلى ما تكرهونه من التسليم لأمري, واتباع رسولي محمد صلى الله عليه وسلم - بالصبر عليه والصلاة.

* * * وقد قيل: إن معنى " الصبر " في هذا الموضع: الصوم, و " الصوم " بعض معاني" الصبر " .

وتأويل من تأول ذلك عندنا (105) أن الله تعالى ذكره أمرهم بالصبر على ما كرهته نفوسهم من طاعة الله, وترك معاصيه.

وأصل الصبر: منع النفس محابَّها، وكفها عن هواها; ولذلك قيل للصابر على المصيبة: صابر, لكفه نفسه عن الجزع; وقيل لشهر رمضان " شهر الصبر ", لصبر صائميه عن المطاعم والمشارب نهارا, (106) وصبره إياهم عن ذلك: (107) حبسه لهم, وكفه إياهم عنه, كما تصبر الرجل المسيء للقتل فتحبسه عليه حتى تقتله.

(108) ولذلك قيل: قتل فلان فلانا صبرا, يعني به: حبسه عليه حتى قتله, فالمقتول " مصبور ", والقاتل " صابر ".

* * * وأما الصلاة فقد ذكرنا معناها فيما مضى.

(109) * * * فإن قال لنا قائل: قد علمنا معنى الأمر بالاستعانة بالصبر على الوفاء بالعهد والمحافظة على الطاعة, فما معنى الأمر بالاستعانة بالصلاة على طاعة الله, وترك معاصيه, والتعري عن الرياسة, وترك الدنيا؟

قيل: إن الصلاة فيها تلاوة كتاب الله, الداعية آياته إلى رفض الدنيا وهجر &; 2-12 &; نعيمها, المسلية النفوس عن زينتها وغرورها, المذكرة الآخرة وما أعد الله فيها لأهلها.

ففي الاعتبار بها المعونة لأهل طاعة الله على الجد فيها, كما روي عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

849- حدثني بذلك إسماعيل بن موسى الفزاري, قال: حدثنا الحسين بن رتاق الهمداني, عن ابن جرير, عن عكرمة بن عمار, عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة, عن عبد العزيز بن اليمان, عن حذيفة قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم, إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ".

(110) 850- وحدثني سليمان بن عبد الجبار, قال: حدثنا خلف بن الوليد الأزدي, قال: حدثنا يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار, عن محمد بن عبد الله الدؤلي, قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة, قال حذيفة: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى " .

(111) .

851- &; 2-13 &; وكذلك روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه رأى أبا هريرة منبطحا على بطنه فقال له: " اشكَنْب دَرْد "؟

قال: نعم, قال: قم فصل؛ فإن في الصلاة شفاء .

(112) فأمر الله جل ثناؤه الذين وصف أمرهم من أحبار بني إسرائيل أن يجعلوا مفزعهم في الوفاء بعهد الله الذي عاهدوه إلى الاستعانة بالصبر والصلاة كما أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بذلك, فقال له: فَاصْبِرْ يا محمد عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى [طه: 130] فأمره جل ثناؤه في نوائبه بالفزع إلى الصبر والصلاة.

وقد:- 852- حدثنا محمد بن العلاء، ويعقوب بن إبراهيم، قالا حدثنا ابن علية, قال: حدثنا عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر, فاسترجع.

ثم تنحى عن الطريق, فأناخ فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس, ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) .

(113) * * * وأما أبو العالية فإنه كان يقول بما:- 853- حدثني به المثنى قال، حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال يقول: استعينوا &; 2-15 &; بالصبر والصلاة على مرضاة الله, واعلموا أنهما من طاعة الله.

* * * وقال ابن جريج بما:- 854- حدثنا به القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, قال: قال ابن جريج في قوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة) قال: إنهما معونتان على رحمة الله.

(114) 855- وحدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: (واستعينوا بالصبر والصلاة) الآية, قال: قال المشركون: والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير!

قال: إلى الصلاة والإيمان بالله جل ثناؤه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وإنها)، وإن الصلاة, ف " الهاء والألف " في" وإنها " عائدتان على " الصلاة ".

وقد قال بعضهم: إن قوله: (وإنها) بمعنى: إن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم, ولم يجر لذلك بلفظ الإجابة ذكر فتجعل " الهاء والألف " كناية عنه, وغير جائز ترك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دلالة على صحته.

(115) * * * ويعني بقوله: (لكبيرة) : لشديدة ثقيلة.

كما:- 856- حدثني يحيى بن أبي طالب, قال: أخبرنا ابن يزيد, قال: أخبرنا جويبر, عن الضحاك, في قوله: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) قال: إنها لثقيلة.

(116) * * * ويعني بقوله: (إلا على الخاشعين) : إلا على الخاضعين لطاعته, الخائفين سطواته, المصدقين بوعده ووعيده.

كما:- 856- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس: (إلا على الخاشعين) يعني المصدقين بما أنـزل الله.

857- وحدثني المثنى, قال: حدثنا آدم العسقلاني, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (إلا على الخاشعين) قال: يعني الخائفين.

858- وحدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفيان, عن جابر, عن مجاهد: (إلا على الخاشعين) قال: المؤمنين حقا.

(117) 859- وحدثني المثنى قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

860- وحدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد: الخشوع: الخوف والخشية لله.

وقرأ قول الله: خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ [الشورى: 45] قال: قد أذلهم الخوف الذي نـزل بهم, وخشعوا له.

* * * وأصل " الخشوع ": التواضع والتذلل والاستكانة, ومنه قول الشاعر: (118) لمـا أتـى خـبر الزبـير تـواضعت ســور المدينــة والجبـال الخشـع (119) يعني: والجبال خشع متذللة لعظم المصيبة بفقده.

* * * فمعنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله, وكفها عن معاصي الله, وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر, المقربة من مراضي الله, العظيمة إقامتها إلا على المتواضعين لله، المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته.

------------- الهوامش : (105) في المطبوعة : " .

.

.

بعض معاني الصبر عندنا بل تأويل ذلك عندنا .

.

.

" وفي المخطوطة : " .

.

.

بعض معاني الصبر عند تأويل من تأول ذلك عندنا .

.

.

" وكأن الصواب ما أثبته .

(106) في المطبوعة والمخطوطة : "لصبره صائمة .

.

.

" ، ولكن الكلام لا يستقيم لاختلال الضمائر في الجملة التالية .

(107) الضمير في قوله"وصبره" إلى شهر رمضان .

(108) في المخطوطة والمطبوعة : "كما يصبر .

.

.

فيحبسه .

.

.

حتى يقتله" كله بالياء ، والصواب ما أثبته .

(109) انظر ما مضى : 1 : 242 - 243 .

(110) الحديث : 849 -"الحسين بن رتاق الهمداني" : هكذا ثبت في المطبوعة .

ولم أجد راويا بهذا الاسم ولا ما يشبهه ، فيما لدى من المراجع ، وفي المخطوطة"الحسين بن زياد الهمداني" - ولم أجد في الرواة من يسمى"الحسين بن زياد" إلا اثنين ، لم ينسب واحد منهما همدانيا ، ولا يصلح واحد منهما في هذا الإسناد : أحدهما : "حسين بن زياد" ، دون وصف آخر ، ترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 / 387 برقم : 2881 ، وذكر أنه يروي عن عكرمة ، ويروي عنه جرير بن حازم ، وجرير مات سنة 175 فهذا قديم جدا ، لا يدركه إسماعيل بن موسى الفزاري المتوفي سنة 245 .

والثاني"حسين ابن زياد أبو علي المروزي" ترجمه البخاري عقب ذاك ، وذكر أنه مات سنة 220 .

فهذا متأخر عن أن يدرك الرواية عن ابن جريج المتوفى سنة 150 .

وعكرمة بن عمار : هو العجلي اليمامي .

وفي المخطوطة"عكرمة عن عمار" .

وهو خطأ .

والحديث سيأتي عقب هذا بإسناد آخر صحيح .

(111) الحديث: 850 - هو الذي قبله بمعناه:"خلف بن الوليد": هو أبو الوليد العتكي الجوهري، و"العتكي": نسبة إلى"العتيك"، بطن من الأزد.

وهو من شيوخ أحمد الثقات.

يحيى ابن زكريا: هو ابن أبي زائدة.

محمد بن عبد الله الدؤلي: هو"محمد بن عبيد أبو قدامة" الذي في الإسناد السابق.

ووقع في الأصول هنا"محمد بن عبيد بن أبي قدامة".

وهو خطأ.

بل"أبو قدامة" كنية"محمد بن عبيد".

وقد حققنا ترجمته في شرح حديث آخر في المسند: 6548، ورجحنا أن ابن أبي زائدة أخطأ في اسمه، فسماه"محمد بن عبد الله".

والحديث رواه أحمد في المسند 5: 388 (حلبي) عن إسماعيل بن عمر، وخلف بن الوليد، كلاهما عن يحيى بن زكريا.

ورواه أبو داود: 1319، عن محمد بن عيسى، عن يحيى بن زكريا - بهذا الإسناد.

وأشار إليه البخاري في الكبير 1 /1 172، في ترجمة"محمد بن عبيد أبي قدامة الحنفي"، قال:"وقال النضر عن عكرمة، عن محمد بن عبيد أبي قدامة، سمع عبد العزيز أخا حذيفة، عن حذيفة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى.

وقال ابن أبي زائدة: عن عكرمة عن محمد ابن عبد الله الدؤلي".

و"النضر" الذي يشير إليه البخاري: هو النضر بن محمد الجريشي اليمامي.

و"عبد العزيز بن اليمان": هو أخو حذيفة بن اليمان، كما صرح بنسبه في الرواية السابقة، وكما وصف بذلك في هذه الرواية، وفي روايتي المسند والبخاري في الكبير.

وأما رواية أبي داود ففيها"عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة".

وكذلك في رواية ابن منده، التي أشار إليها الحافظ في الإصابة 5: 159.

ورجح الحافظ في ذلك الموضع، وفي التهذيب 6: 364 - 365 أنه ابن أخي حذيفة، لا أخوه.

ولكن أكثر الرواة ذكروا أنه أخوه، كما أشرنا، لم يخالفهم إلا"محمد بن عيسى" شيخ أبي داود - فيما رأيت.

فلا أدري مم هذا الترجيح؟

بل الذي أراه ترجيح رواية الأكثر، ومنهم"النضر ابن محمد"، وكان مكثرا للرواية عن عكرمة بن عمار.

وبذلك جزم ابن أبي حاتم في ترجمة"عبد العزيز بن اليمان" في كتاب الجرح والتعديل 2 /2 /399، لم يذكر خلافا ولا قولا آخر.

والحديث ذكره أيضًا ابن كثير 1: 157 - 158 من روايات المسند وأبي داود والطبري ثم ذكر نحوه مطولا، من رواية محمد نصر المروزي في كتاب الصلاة.

(112) الحديث: 851 - هكذا ذكره الطبري معلقا، دون إسناد.

وقد رواه أحمد في المسند: 9054 (2: 390 حلبي)، عن أسود بن عامر، عن ذواد أبي المنذر، عن ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة.

ثم رواه مرة أخرى: 9229 (2: 403حلبي)، عن موسى بن دواد، عن ذواد.

وكذلك رواه ابن ماجه: 3458، بإسنادين عن ذواد.

و"ذواد": بفتح الذال المعجمة وتشديد الواو وآخره دال مهملة.

وضبطه صاحب الخلاصة"ذؤاد" بضم المعجمةوبعدها همزة مفتوحة، وهو خطأ.

وذواد: هو ابن علبة الحارثي، وكان شيخا صالحا صدوقا، وضعفه ابن معين، فقال:"ليس بشيء" وترجمه البخاري في الكبير 2 / 1 /241، والصغير، ص: 214، وقال:"يخالف في بعض حديثه".

وروى هذا الحديث في الصغير عن ابن الأصبهاني، عن المحاربي، عن ليث، عن مجاهد:"قال لي أبو هريرة: يا فارسي، شكم درد" ثم قال البخاري:"قال ابن الأصبهاني: ورفعه ذواد، وليس له أصل، أبو هريرة لم يكن فارسيا، إنما مجاهد فارسي".

فهذا تعليل دقيق من ابن الأصبهاني، ثم من البخاري، يقضي بضعف إسناد الحديث مرفوعا.قوله في متن الرواية"اشكنب درد": كتب عليها في طبعة بولاق ما نصه:"يعني: تشتكي بطنك، بالفارسية.

كذا بهامش الأصل".

وكذلك ثبت هذا اللفظ في المسند، إلا الموضع الأول فيه كتب"ذرد" بنقطة فوق الدال الأولى، وهو تصحيف.

وثبت هذا اللفظ في رواية البخاري في التاريخ الصغير، ص 214:"شكم درد".

وفي رواية ابن ماجه"اشكمت درد".

وكتب الأستاذ فؤاد عبد الباقي شارحا له:"بالفارسية: اشكم، أي بطن.

ودرد، أي وجع.

والتاء للخطاب.

والهمزة همزة وصل.

كذا حققه الدكتور حسين الهمداني.

ومعناه: أتشتكي بطنك؟

ولكن جاء في تكملة مجمع بحار الأنوار، ص 7 (أشكنب ددم).

وفي رواية بسكون الباء".

وأنا أرى أن النقل الأخير فيه خطأ.

لأني نقلت في أوراق على المسند قديما أن صوابها"أشكنب دردم".

وأكبر ظني الآن أنى نقلت ذاك عن تكملة مجمع بحار الأنوار، وهو ليس في متناول يدى حين أكتب هذا.

(113) الخبر : 852 - إسناده صحيح .

عيينة بن عبد الرحمن : ثقة .

وأبوه عبد الرحمن بن جرشن الغطفاني : تابعى ثقة .

الأثر ذكره السيوطي في الدر المنثور 1: 68، ونسبه أيضًا لسعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي في الشعب.

قُثَم بن العباس بن عبد المطلب، أخو عبد الله بن العباس.

وأمه أم الفضل كان يشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يصح سماعه عنه، فإنه كان في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوق ثمان.

وخرج مع سعيد بن عثمان زمن معاوية إلى سمرقند، فاستشهد بها.

استرجع: قال:"إنا لله وإنا إليه راجعون".

(114) الأثر : 854 - الحسين : هو سنيد بن داود المصيصي ، و"سنيد" لقب له ، كما مضى : 144 .

(115) الظاهر : هو ما تعرفه العرب من كلامها .

والباطن : ما يأتي بالاستنباط من الظاهر على طريق العرب في بيانها .

وانظر ما مضى 1 : 72 تعليق : 2 .

(116) الأثر : 856 - في المطبوعة"أخبرنا ابن زيد" ، والصواب"يزيد" من المخطوطة .

وهو"يزيد بن هرون" .

وقد مضى مثل هذا الإسناد على الصواب : 284 .

ومن الرواة عن جويبر : "حماد بن زيد" ، ولا يحتمل أن يكون مرادا في هذا الإسناد ، لأن حماد ابن زيد مات سنة 179 .

فلا يحتمل أن يروي عنه يحيى بن أبي طالب ، لأنه ولد سنة 182 ، كما في ترجمته في تاريخ بغداد للخطيب 14 : 220 - 221 .

(117) الأثر : 858 - محمد بن عمرو ، هو : محمد بن عمرو بن العباس ، أبو بكر الباهلي ، وهو من شيوخ الطبري الثقات ، أكثر من الرواية عنه ، مات سنة 249 .

وله ترجمة في تاريخ بغداد 3 : 127 .

و"أبو عاصم" : هو النبيل ، الضحاك بن مخلد .

و"سفيان" : هو الثوري .

و"جابر" : هو ابن يزيد الجعفي .

وهكذا جاء هذا الإسناد في هذا الموضع في المخطوطة .

ووقع في المطبوعة"محمد بن جعفر" بدل"محمد بن عمرو" ، وهو خطأ لا شك فيه .

إنما الشبهة هنا : أن هذا الإسناد"أبو عاصم ، عن سفيان ، عن جابر" _ يرويه الطبري في أكثر المواضع"عن محمد بن بشار" ، عن أبي عاصم .

وأما روايته عن"محمد بن عمرو" ، فإنما هي لإسناد "أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد" .

والأمر قريب ، ولعله روى هذا وذاك .

(118) الشعر لجرير .

(119) ديوان جرير : 345 ، والنقائض : 969 ، وقد جاء منسوبا له في تفسيره (1 : 289 /7 : 157 بولاق ) ، وطبقات ابن سعد : 3/1/ 79 ، وسيبويه 1 : 25 ، والأضداد لابن الأنباري : 258 ، والخزانة 2 : 166 .

استشهد به سيبويه على أن تاء التأنيث جاءت للفعل ، لما أضاف"سور" إلى مؤنث وهو"المدينة" ، وهو بعض منها .

قال سيبويه : "وربما قالوا في بعض الكلام : "ذهبت بعض أصابعه" ، وإنما أنث البعض ، لأنه أضافه إلى مؤنث هو منه ، ولو لم يكن منه لم يؤنثه .

لأنه لو قال : "ذهبت عبد أمك" لم يحسن .

(1 : 25) .

وهذا البيت يعير به الفرزدق بالغدر ويهجوه ، فإن الزبير بن العوام رضي الله عنه حين انصرف يوم الجمل ، عرض له رجل من بني مجاشع رهط الفرزدق ، فرماه فقتله غيلة .

ووصف الجبال بأنها"خشع" .

يريد عند موته ، خشعت وطأطأت من هول المصيبة في حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن قبح ما لقي من غدر بني مجاشع .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعينفيه ثمان مسائل : الأولى : قوله تعالى : واستعينوا بالصبر والصلاة الصبر الحبس في اللغة وقتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف وصبرت نفسي على الشيء حبستها والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت وهي المجثمة وقال عنترةفصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلعالثانية : أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال واصبروا يقال فلان صابر عن المعاصي وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة هذا أصح ما قيل قال النحاس ولا يقال لمن صبر على المصيبة صابر إنما يقال صابر على كذا فإذا قلت صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا قال الله تعالى إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب .الثالثة : قوله تعالى : والصلاة خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها ، وكان عليه السلام إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي له أخوه قثم وقيل بنت له وهو في سفر فاسترجع وقال ( عورة سترها الله ، ومؤنة كفاها الله ، وأجر ساقه الله .

ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ : واستعينوا بالصبر والصلاة ) فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية وقال قوم : هي الدعاء على عرفها في اللغة فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله ؛ لأن الثبات هو الصبر والذكر هو الدعاء .

وقول ثالث قال مجاهد : [ ص: 350 ] الصبر في هذه الآية الصوم ، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهد في الدنيا ، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة ، والله أعلم .الرابعة : الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها ، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين قال يحيى بن اليمان الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك وقال الشعبي قال علي رضي الله عنه الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد قال الطبري وصدق علي رضي الله عنه وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به .الخامسة : وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدا فقال من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة الآية وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب وقال ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور وقد قيل إن المراد بالصابرين في قوله إنما يوفى الصابرون أي الصائمون لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم الصيام لي وأنا أجزي به فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر والله أعلم .السادسة : من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله تعالى إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ليعافيهم ويرزقهم أخرجه البخاري قال علماؤنا وصف الله تعالى بالصبر إنما [ ص: 351 ] هو بمعنى الحلم ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قاله ابن فورك وغيره وجاء في أسمائه " الصبور " للمبالغة في الحلم عمن عصاهالسابعة : قوله تعالى : وإنها لكبيرة اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله : وإنها ، فقيل : على الصلاة وحدها خاصة ؛ لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم ، والصبر هنا الصوم فالصلاة فيها سجن النفوس ، والصوم إنما فيه منع الشهوة فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق فيتسلى بتلك الأشياء عما منع والمصلي يمتنع من جميع ذلك فجوارحه كلها مقيدة بالصلاة عن جميع الشهوات ، وإذا كان ذلك ، كانت الصلاة أصعب على النفس ، ومكابدتها أشد ؛ فلذلك قال وإنها لكبيرة وقيل عليهما ولكنه كنى عن الأغلب ، وهو الصلاة كقوله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله وقوله وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها فرد الكناية إلى الفضة ؛ لأنها الأغلب والأعم ، وإلى التجارة ؛ لأنها الأفضل والأهم ، وقيل : إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال والله ورسوله أحق أن يرضوه ولم يقل يرضوهما ؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز ، ومنه قول الشاعر [ حسان بن ثابت ]إن شرح الشباب والشعر الأس ود ما لم يعاص كان جنوناولم يقل يعاصيا رد إلى الشباب ؛ لأن الشعر داخل فيه ، وقيل : رد الكناية إلى كل واحد منهما لكن حذف اختصارا ; قال الله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية ولم يقل آيتين ، ومنه قول الشاعر [ ضابئ البرجمي ]فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريبوقال آخر [ الأضبط بن قريع السعدي ] :لكل هم من الهموم سعه والصبح والمسي لا فلاح معه[ ص: 352 ] أراد : لغريبان ، لا فلاح معهما وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة ، وقيل على المصدر ، وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله واستعينوا وقيل : على إجابة محمد عليه السلام ; لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه ، وقيل على الكعبة ؛ لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها وكبيرة معناه ثقيلة شاقة ، خبر " إن " ويجوز في غير القرآن : وإنه لكبيرة .

إلا على الخاشعين فإنها خفيفة عليهم قال أرباب المعاني إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى .الثامنة : قوله تعالى : على الخاشعين الخاشعون جمع خاشع ، وهو المتواضع ، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع وقال قتادة الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل قال النابغة :رماد ككحل العين لأيا أبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشعومكان خاشع : لا يهتدى له .

وخشعت الأصوات أي سكنت وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا وخشع ببصره إذا غضه والخشعة قطعة من الأرض رخوة ، وفي الحديث كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد وبلدة خاشعة مغبرة لا منزل بها قال سفيان الثوري سألت الأعمش عن الخشوع فقال يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال أعيمش تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال يا هذا ارفع رأسك ( فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب .

) وقال علي بن أبي طالب : ( الخشوع في القلب ، وأن تلين كفيك للمرء المسلم ، وألا تلتفت في صلاتك .

) وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله تعالى قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق قال سهل بن عبد الله لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم .[ ص: 353 ] قلت : هذا هو الخشوع المحمود ؛ لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان ، روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال الخاشعون هم المؤمنون حقا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها, والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور, ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان, وتنهى عن الفحشاء والمنكر, يستعان بها على كل أمر من الأمور { وَإِنَّهَا } أي: الصلاة { لَكَبِيرَةٌ } أي: شاقة { إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع, وخشية الله, ورجاء ما عنده يوجب له فعلها, منشرحا صدره لترقبه للثواب, وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك, فإنه لا داعي له يدعوه إليها, وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه.

والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته, وسكونه لله تعالى, وانكساره بين يديه, ذلا وافتقارا, وإيمانا به وبلقائه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{واستعينوا} على ما يستقبلكم من أنواع البلاء.

وقيل: على طلب الآخرة.

{بالصبر والصلاة} أراد حبس النفس عن المعاصي.

وقيل: أراد: الصبر على أداء الفرائض.

وقال مجاهد: "الصبر الصوم، ومنه سمي شهر رمضان شهر الصبر، وذلك لأن الصوم يزهده في الدنيا، والصلاة ترغبه في الآخرة".

وقيل: الواو بمعنى على، أي: واستعينوا بالصبر على الصلاة، كما قال الله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} [132-طه].

{وإنها} ولم يقل وإنهما رداً للكناية إلى كل واحد منهما أي وإن كل خصلة منها.

كما قال: {كلتا الجنتين آتت أكلها} [33-الكهف] أي كل واحدة منهما.

وقيل: معناه {واستعينوا بالصبر} وإنه لكبير وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصاراً، وقال المؤرج: "رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم كقوله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} [34-التوبة] رد الكناية إلى الفضة لأنها أعم".

وقيل: رد الكناية إلى الصلاة لأن الصبر داخل فيها.

كما قال الله تعالى: {والله ورسوله أحق أن يرضوه}[62-التوبة] ولم يقل يرضوهما لأن رضا الرسول داخل في رضا الله تعالى.

وقال الحسين بن الفضل: "رد الكناية إلى الاستعانة".

{لكبيرة} أي: لثقيلة.

{إلا على الخاشعين} يعني: المؤمنين.

وقال الحسن: "الخائفين".

وقيل: المطيعين.

وقال مقاتل بن حيان: "المتواضعين".

وأصل الخشوع السكون قال الله تعالى: {وخشعت الأصوات للرحمن} [108-طه] فالخاشع ساكن إلى طاعة الله تعالى.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واستعينوا» اطلبوا المعونة على أموركم «بالصبر» الحبس للنفس على ما تكره «والصلاة» أفردها بالذكر تعظيما لشأنها وفي الحديث (كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة) وقيل الخطاب لليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة فأمروا بالصبر وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر «وإنها» أي الصلاة «لكبيرة» ثقيلة «إلا على الخاشعين» الساكنين إلى الطاعة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واستعينوا في كل أموركم بالصبر بجميع أنواعه، وكذلك الصلاة.

وإنها لشاقة إلا على الخاشعين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله تعالى : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) الاستعانة : طلب المعونة ، والصبر حبس النفس على ما نكره .

يقال : صبر على الطاعة .

أي حبس نفسه عليها متحملا ما يلاقيه في أدائها من مشاق وصبر عن المعصية .

أي كف نفسه عما تنزع إليه من أهواء .والمعنى : واستعينوا على ترك ما تحبون من شهوات الدنيا ، والدخول فيما تستثقله نفوسكم من قبول الإِسلام ، والتقيد بتكاليفه بفضيلة الصبر التي تحجز أنفسكم من غشيان الموبقات ، وبفريضة الصلاة التي تنهاكم عن الفحشاء والمنكر .قوله تعالى : ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين ) كبيرة : أي صعبة شاقة .

يقال كبر الشيء إذا شق وثقل ، ومنه قوله تعالى : ( كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ) أي ثقل وصعب - والخاشعين : من الخشوع وهو في الأصل اللين والسهولة " ومعناه في الآية الكريمة .

الخضوع والاستكانة لله تعالى ، والضمير في - إنها - للصلاة لعظيم شأنها واستجماعها لضربو من الصبر ، والاستثناء مفرغ .

أي كبيرة على كل الناس إلا على الخاشعين .والمعنى : إن الصلاة صعبة إلا على الخاضعين المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى لأنهم موقنون أنها من أهم وسائل الفلاح في الدنيا ، والسعادة في الآخرة ، ولأنهم يجدون عند أدائها اغتباطاً وسروراً يجعل نفوسهم تنشط إليها كلما حل وقتها بهمة وإخلاص .قال الإِمام الرازي : " فإن قيل : إن كانت ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين ، فيجب أن يكون ثوابهم أكثر ، وثواب الخاشع أقل ، وذلك منكر من القول؟

قلنا : ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع .

وكيف يكون ذلك ، والخاشع يستعمل في الصلاة جوارحه وقلبه ، ولا يغفل فيها؛ وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه يفعل الصلاة أعظم .

وإنما المراد بقوله تعالى : ( وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ) أي ثقيلة على غير الخاشع؛ لأنه لا يعتقد في فعلها ثواباً ، ولا في تركها عقاباً ، فيصعب عليه فعلها ، فالحاصل أن الملحد لاعتقاده عدم المنفعة في أدائها ثقل عليه فعلها ، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع .

أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع ، وفي تركها أكبر المضار ، لم يثقل عليه أداؤها .

بل أداها وهو سعيد بها ، ألا ترى إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " جعلت قرة عيني في الصلاة " وصفها بذلك لأنها كانت لا تثقل عليه .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ فقال قوم: هم المؤمنون بالرسول.

قال: لأن من ينكر الصلاة أصلاً والصبر على دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولاً في بني إسرائيل، ثم يقع بعد ذلك خطاباً للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم.

فإن قيل: كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما؟

قلنا: لا نسلم كونهم منكرين لهما.

وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها، إنما الاختلاف في الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى.

وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول: إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة؛ وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ .

المسألة الثانية: ذكروا في الصبر والصلاة وجوهاً، أحدها: كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر، لأن المشتغل بالصلاة لابد وأن يكون مشتغلاً بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله، فإذا تذكر رحمته صار مائلاً إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية.

وثانيها: المراد من الصبر هاهنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب، ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثيره الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: الصوم جنة من النار.

وقال الله تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر  ﴾ لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة، وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ وإنها ﴾ ففي هذا الضمير وجوه، أحدها: الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين.

وثانيها: الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله: ﴿ واستعينوا ﴾ .

وثالثها: أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: ﴿ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ  وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ وَلَا تَشْتَرُوا بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ  وَلَا تَلْبِسُوا ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  وَٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ  ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ  يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ إلى قوله: ﴿ واستعينوا ﴾ والعرب قد تضمر الشيء اختصاراً أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل: ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض.

ويقولون: ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة.

وقال تعالى: ﴿ ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة  ﴾ ، ولا ذكر للأرض، أما قوله: ﴿ لكبيرة ﴾ أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول، قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك الخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم، وإنما المراد بقوله: وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ولا في تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها.

فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع، أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم، ألا ترى إلى قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه.

مثاله إذا قيل للمريض: كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «وجعلت قرة عيني في الصلاة».

وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه، وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم.

والبرّ سعة الخير والمعروف.

ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير.

ومنه قولهم: صدقت وبررت.

وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه.

وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها.

وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناساً من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة.

قالوا: كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها ﴿ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ﴾ وتتركونها من البر كالمنسيات ﴿ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ تبكيت مثل قوله: ﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني تتلون التوراة وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون، لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول لأن العقول تأباه وتدفعه.

ونحوه: ﴿ أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 67] .

﴿ واستعينوا ﴾ على حوائجكم إلى الله ﴿ بالصبر والصلاة ﴾ أي بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132] أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وعن ابن عباس أنه نعى إليه أخوه (قُثَم) وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة، وقيل: الصبر الصوم، لأنه حبس عن المفطرات.

ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر.

ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى الله تعالى في دفعه ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير للصلاة أو للاستعانة.

ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَتِيَ ﴾ إلى ﴿ واستعينوا ﴾ .

﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ لشاقة ثقيلة من قولك: كبر عليّ هذا الأمر، ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13] .

فإن قلت: ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟

قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ ﴾ [البقرة: 46] أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه.

وفي مصحف عبد الله: (يعلمون).

ومعناه: يعلمون أن لابد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك.

ولذلك فسر (يظنون) بيتيقنون.

وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب.

كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم.

ومثله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة.

ومن ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» .

وكان يقول: «يا بلال روّحنا» والخشوع.

الإخبات والتطامن.

ومنه: الخشعة للرملة المتطامنة.

وأما الخضوع فاللين والانقياد.

ومنه: خضعت بقولها إذا لينته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، كَأنَّهم لِما أُمِرُوا بِما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ وتَرْكِ الرِّياسَةِ والإعْراضِ عَنِ المالِ عُولِجُوا بِذَلِكَ، والمَعْنى اسْتَعِينُوا عَلى حَوائِجِكم بِانْتِظارِ النَّجْحِ والفَرَجِ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ، أوْ بِالصَّوْمِ الَّذِي هو صَبْرٌ عَنِ المُفْطِراتِ لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الشَّهْوَةِ وتَصْفِيَةِ النَّفْسِ.

والتَّوَسُّلُ بِالصَّلاةِ والِالتِجاءِ إلَيْها، فَإنَّها جامِعَةٌ لِأنْواعِ العِباداتِ النَّفْسانِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ، مِنَ الطَّهارَةِ وسَتْرِ العَوْرَةِ وصَرْفِ المالِ فِيهِما، والتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ والعُكُوفُ لِلْعِبادَةِ، وإظْهارُ الخُشُوعِ بِالجَوارِحِ، وإخْلاصُ النِّيَّةِ بِالقَلْبِ، ومُجاهَدَةُ الشَّيْطانِ، ومُناجاةُ الحَقِّ، وقِراءَةُ القُرْآنِ، والتَّكَلُّمُ بِالشَّهادَتَيْنِ وكَفُّ النَّفْسِ عَنِ الطَّيِّبِينَ حَتّى تُجابُوا إلى تَحْصِيلِ المَآرِبِ وجَبْرِ المَصائِبِ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» .

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الدُّعاءُ: ﴿ وَإنَّها ﴾ أيْ وإنَّ الِاسْتِعانَةَ بِهِما أوِ الصَّلاةَ وتَخْصِيصَها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها، لِعِظَمِ شَأْنِها واسْتِجْماعِها ضُرُوبًا مِنَ الصَّبْرِ.

أوْ جُمْلَةُ ما أُمِرُوا بِها ونُهُوا عَنْها.

﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ لَثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ .

﴿ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ أيِ المُخْبِتِينَ، والخُشُوعُ الإخْباتُ ومِنهُ الخُشْعَةُ لِلرَّمَلَةِ المُتَطامِنَةِ.

والخُضُوعُ اللَّيِّنُ والِانْقِيادُ، ولِذَلِكَ يُقالُ الخُشُوعُ بِالجَوارِحِ والخُضُوعُ بِالقَلْبِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)

{واستعينوا} على حوائجكم إلى الله {بالصبر والصلاة} أي بالجمع

بينهما وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض أو استعينوا على البلايا

البقرة (٤٥ _ ٤٩)

والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة وعن ابن عباس رضى الله عنهما أنه نعى إليه أخوه وقثم وهو في سفر فاسترجع وصلى ركعتين ثم قال واستعينوا بالصبر والصلاة وقيل الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر وقيل الصلاة الدعاء أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى الله في دفعه {وَإِنَّهَا} الضمير للصلاة أو للاستعانة {لَكَبِيرَةٌ} لشاقة ثقيلة من قولك كبر عَلَيَّ هذا الأمر {إِلاَّ عَلَى الخاشعين} لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم ألا ترى إلى قوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ لَمّا أمَرَهم سُبْحانَهُ بِتَرْكِ الضَّلالِ والإضْلالِ، والتِزامِ الشَّرائِعِ، وكانَ ذَلِكَ شاقًّا عَلَيْهِمْ لِما فِيهِ مِن فَواتِ مَحْبُوبِهِمْ، وذَهابِ مَطْلُوبِهِمْ عالَجَ مَرَضَهم بِهَذا الخِطابِ، والصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَلى ما تَكْرَهُ، وقَدَّمَهُ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّها لا تَكْمُلُ إلّا بِهِ، أوْ لِمُناسَبَتِهِ لِحالِ المُخاطَبِينَ أوْ لِأنَّ تَأْثِيرَهُ كَما قِيلَ في إزالَةِ ما لا يَنْبَغِي، وتَأْثِيرُ الصَّلاةِ في حُصُولِ ما يَنْبَغِي، ودَرْءُ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالصَّبْرِ نَوْعٌ مِنهُ، وهو الصَّوْمُ بِقَرِينَةِ ذِكْرِهِ مَعَ الصَّلاةِ، والِاسْتِعانَةُ بِالصَّبْرِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ لِما يَلْزَمُهُ مِنَ انْتِظارِ الفَرَجِ، والنُّجْحِ تَوَكُلًّا عَلى مَن لا يُخَيِّبُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ، ولِذا قِيلَ: الصَّبْرُ مِفْتاحُ الفَرَجِ، وبِهِ عَلى المَعْنى الثّانِي لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الشَّهْوَةِ وتَصْفِيَةِ النَّفْسِ، المُوجِبَيْنِ لِلِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى، المُوجِبِ لِإجابَةِ الدُّعاءِ، وأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فَلِما فِيها مِن أنْواعِ العِبادَةِ مِمّا يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ تَعالى قُرْبًا يَقْتَضِي الفَوْزَ بِالمَطْلُوبِ، والعُرُوجَ إلى المَحْبُوبِ، وناهِيكَ مِن عِبادَةٍ تُكَرَّرُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ، يُناجِي فِيها العَبْدُ عَلّامَ الغُيُوبِ، ويَغْسِلُ بِها العاصِي دَرَنَ العُيُوبِ، وقَدْ رَوى حُذَيْفَةُ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ إذا حَزَنَهُ أمْرٌ صَلّى،» ورَوى أحْمَدُ «أنَّهُ إذا حَزَنَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ،» وحَمْلُ الصَّلاةِ عَلى الدُّعاءِ في الآيَةِ، وكَذا في الحَدِيثِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ، وأبْعَدُ مِنهُ كَوْنُ المُرادِ بِالصَّبْرِ الصَّبْرَ عَلى الصَّلاةِ.

﴿ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ الضَّمِيرُ لِلصَّلاةِ كَما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ، وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها، واسْتِجْماعِها ضُرُوبًا مِنَ الصَّبْرِ، ومَعْنى كِبَرِها ثِقَلُها وصُعُوبَتُها عَلى مَن يَفْعَلُها عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ ﴾ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ أيْ كَبِيرَةٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ إلّا عَلى الخاشِعِينَ، وهُمُ المُتَواضِعُونَ المُسْتَكِينُونَ، وأصْلُ الخُشُوعِ الإخْباتُ، ومِنهُ الخَشَعَةُ بِفَتَحاتٍ الرَّمْلُ المُتَطامِنُ، وإنَّما لَمْ تَثْقُلْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم عارِفُونَ بِما يَحْصُلُ لَهم فِيها، مُتَوَقِّعُونَ ما ادُّخِرَ مِن ثَوابِها، فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ ولِذَلِكَ قِيلَ: مَن عَرَفَ ما يَطْلُبُ هانَ عَلَيْهِ ما يَبْذُلُ، ومَن أيْقَنَ بِالخُلْفِ جادَ بِالعَطِيَّةِ، وجُوِّزَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى الِاسْتِعانَةِ عَلى حَدِّ ﴿ اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى ﴾ ورَجَحَ بِالشُّمُولِ، وما يُقالُ: إنَّ الِاسْتِعانَةَ لَيْسَتْ بِكَبِيرَةٍ لا طائِلَ تَحْتَهُ، فَإنَّ الِاسْتِعانَةَ بِالصَّلاةِ أخَصُّ مِن فِعْلِ الصَّلاةِ لِأنَّها أداؤُها عَلى وجْهِ الِاسْتِعانَةِ بِها عَلى الحَوائِجِ، أوْ عَلى سائِرِ الطّاعاتِ لِاسْتِجْرارِها ذَلِكَ، وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أُسْلُوبِ: ﴿ واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ﴾ وقَوْلُهُ: إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعْرَ الأسْ ودَ ما لَمْ يُعاصِ كانَ جُنُونا والتَّأْنِيثُ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى عَلى رَأْيٍ: ﴿ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها ﴾ أوِ المُرادُ كُلُّ خَصْلَةٍ مِنها، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَذْكُوراتِ المَأْمُورِ بِها، والمَنهِيِّ عَنْها، ومَشَقَّتُها عَلَيْهِمْ ظاهِرَةٌ، وهو أقْرَبُ مِمّا قالَهُ الأخْفَشُ مِن رُجُوعِهِ إلى إجابَةِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والبَعِيدُ بَلِ الأبْعَدُ عَوْدُهُ إلى الكَعْبَةِ المَفْهُومَةِ مِن ذِكْرِ الصَّلاةِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ، أي استعينوا بالصبر على أداء الفرائض وبكثرة الصلاة على تمحيص الذنوب.

ويقال: استعينوا بالصبر على نصرة محمد  .

وقال مجاهد: استعينوا بالصبر والصلاة يعني بالصوم والصلاة، وإنما سمي الصوم صبراً لأن في الصوم حبس النفس عن الطعام والشراب والرفث.

وقد قيل الصبر على ثلاثة أوجه: صبر على الشدة والمصيبة، وصبر على الطاعة وهو أشد من الأول وأكثر أجراً، وصبر عن المعصية وهو أشد من الأول والثاني، وأجره أكثر من الأول.

وفي هذا الموضع أراد الصبر على الطاعة.

قوله تعالى: وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ، أي الاستعانة ويقال: الصلاة لكبيرة أي ثقيلة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ، أي المتواضعين.

ويقال: الذليلة قلوبهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، أي: لا تخلطوا، قال أبو العاليةِ: قالت اليهود: محمَّد نبيٌّ مبعوثٌ، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم: إلى غيرنا باطلٌ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، أي: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم «١» ، وفي هذهِ الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصى من الجاهل، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملةٌ في موضع الحال.

قال ص «٢» : وَتَكْتُمُوا مجزومٌ معطوف على تَلْبِسُوا، والمعنى النهْيُ عن كلٍّ من الفعلين.

انتهى.

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: معناه: أظهروا هيئَتَها، وأديموها بشروطها، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: من التطهير.

وقوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ: قيل: إنما خص الركوع بالذِّكْر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوعٌ.

ت: وفي هذا القول نظرٌ، وقد قال تعالى في «مَرْيم» : اسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣] ، وقالت فرقة: إنما قال: مَعَ لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمرهم بقوله: مَعَ شهود الجماعة.

ت: وهذا القول هو الذي عوَّل عليه ع: في قصَّة مرْيَمَ «٣» - عليها السلام-، والركوع الانحناء بالشخص.

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)

وقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ خرج مخرج الاستفهامِ، ومعناه التوبيخُ، و «البِرُّ» يجمع وجوه الخيرِ والطاعاتِ، وتَنْسَوْنَ معناه تتركون أنفسكم.

قال ابنُ عَبَّاس: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلِّديهم باتباع التوراة، وكانوا هم

يخالفونها في جحدهم منها صفة محمّد صلّى الله عليه وسلم «١» .

وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدَهُمْ أحد من العرب في اتّباع محمّد صلّى الله عليه وسلم، دلُّوه على ذلك، وهم لا يفعلونه.

ت: وخرَّج الحافظُ أبو نُعَيْمٍ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهانيُّ «٢» في كتاب «رِيَاضَةِ المُتَعَلِّمِينَ» قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد «٣» ، حدَّثنا الحارث بن أبي أُسَامَةَ «٤» ، حدثنا أبو النَّضْرِ «٥» /، حدثنا محمَّد بن عبد اللَّه بن علي بن زيْدٍ عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ١٨ أعنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟

قَالَ: الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب أفلا يعقلون» «٦» .

انتهى.

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ: قال مقاتل «١» : معناه: على طلب الآخرة، وقيل:

استعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات على نيلِ رضوانِ اللَّه سبحانه، وبالصلاةِ على نيل رضوانِ اللَّه، وحطِّ الذنوب، وعلى مصائب الدهْر أيضاً ومنه الحديثُ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذَا حَزَبَهُ «٢» أَمْرٌ، فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ» «٣» ، ومنْهُ ما روي أنَّ عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَمُ «٤» وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ «٥» ، وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوْمُ «٦» ، ومنه قيل لرمضانَ شهْرُ الصبْرِ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكْرِ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهواتِ، ويزهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنْكَرِ، وتُخشِّع، ويقرأُ فيها القرآن الذي يذكِّر بالآخرة، وقال قومٌ: الصبر على بابه، والصلاة الدعاءُ، وتجيء الآية على هذا القولِ مشْبِهةً لقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا

وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال: ٤٥] لأن الثبات هو الصبر، وذكر اللَّه هو الدعاءُ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ «١» عن ثابتٍ البُنَانِيِّ «٢» عن صِلَةَ بْنِ أشْيَمِ «٣» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ صلى صَلاَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاه» «٤» وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صلى صَلاَةً غَيْرَ سَاهٍ، وَلاَ لاَهٍ، كُفِّرَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ شَيْءٍ» «٥» .

انتهي.

وهذان الحديثان يُبَيِّنَانِ ما جاء في «صحيح البخاريِّ» عن عثمانَ حيثُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثاً، ثم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صلى ركعتين لا

يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «١» .

انتهى.

والضمير في قوله تعالى: وَإِنَّها قيل: يعود على الصلاة، وقيل: على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبْرِ والصلاة.

قال ص «٢» : «وإنَّهَا» الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل.

انتهى.

ثم ذكر أبو حَيَّان «٣» وجوهاً أُخَرَ نحو ما تقدَّم.

وكَبِيرَةٌ: معناه: ثقيلةٌ شاقَّة، والخَاشِعُونَ: المتواضعون المخبتُونَ، والخشوعُ هيئة في النفْسِ يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع.

ويَظُنُّونَ في هذه الآية، قال الجمهور: معناه: يوقنُونَ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشَّكُّ مع ميلٍ إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحِسِّ لا تقول العرب في رجل مَرْئِيٍّ أظن هذا إنسانًا، وإنَّمَا تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس كهذه الآية وكقوله تعالى: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] .

قال ص «٤» : قلتُ: وما ذكره ابن عَطيَّةَ هو معنى ما ذكره الزّجّاج «٥» في معانيه ١٩ أعن بعْض أهل العلْمِ أنَّ الظنَّ يقع في معنى العلْمِ الذي لم تشاهدْه/، وإِنْ كان قد قامت في نفسك حقيقتُهُ، قال: وهذا مذهبٌ إلا أن أهل اللغة لم يذكروه، قال: وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ الأصْلُ في الصَّبْرِ: الحَبْسُ، فالصّابِرُ حابِسٌ لِنَفْسِهِ عَنِ الجَزَعِ.

وسُمِّيَ الصّائِمُ صابِرًا لِحَبْسِهِ نَفْسَهُ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ، والمَصْبُورَةُ: البَهِيمَةُ تُتَّخَذُ غَرَضًا.

وقالَ مُجاهِدٌ: الصَّبْرُ هاهُنا: الصَّوْمُ.

وَفِيما أُمِرُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ أداءُ الفَرائِضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَرْكُ المَعاصِي، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: عَدَمُ الرِّئاسَةِ، وهو خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ، ووَجْهُ الِاسْتِعانَةِ بِالصَّلاةِ أنَّهُ يُتْلى فِيها ما يُرَغِّبُ في الآَخِرَةِ، ويُزَهِّدُ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّها ﴾ في المُكَنّى عَنْها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّها الكَعْبَةُ والقِبْلَةُ، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الصَّلاةَ، دَلَّتْ عَلى القِبْلَةِ، ذَكَرَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها الِاسْتِعانَةُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ واسْتَعِينُوا ﴾ دَلَّ عَلى الِاسْتِعانَةِ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ النَّحْوِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ قالَ الحَسَنُ والضَّحّاكُ: الكَبِيرَةُ: الثَّقِيلَةُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ  ﴾ أيْ: ثِقَلٌ، والخُشُوعُ في اللُّغَةِ: التَّطامُنُ والتَّواضُعُ، وقِيلَ: السُّكُونُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ ﴾ ﴿ أتَأْمُرُونَ الناسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ المَعْنى: ولا تَخْلِطُوا، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- ألْبَسُهُ إذا خَلَطْتُهُ، ومَزَجْتُ بَيْنَهُ بِمُشْكِلِهِ وحَقِّهِ بِباطِلِهِ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَة......................................

فالظاهِرُ أنَّهُ مِن هَذا المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ اللِباسِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: قالَتِ اليَهُودُ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ولَكِنْ إلى غَيْرِنا.

فَإقْرارُهم بِبَعْثِهِ حَقٌّ، وجَحْدُهم أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ باطِلٌ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: كانَ مِنَ اليَهُودِ مُنافِقُونَ، فَما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ حَقٌّ، وما أبْطَنُوا مِنَ الكُفْرِ باطِلٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ لا تَخْلِطُوا اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالحَقِّ التَوْراةُ، والباطِلُ ما بَدَّلُوا فِيها مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"تَلْبِسُوا" جَزْمٌ بِالنَهْيِ، و"تَكْتُمُوا" عَطْفٌ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ "أنْ"، وإذا قُدِّرَتْ "أنْ" كانَتْ مَعَ "تَكْتُمُوا" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وكانَتِ الواوُ عاطِفَةً عَلى مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِن "تَلْبِسُوا"، كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا يَكُنْ لَبْسُكُمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، وكِتْمانُكُمُ الحَقَّ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "تَكْتُمُوا" نُصِبَ بِواوِ الصَرْفِ.

و"الحَقَّ" يَعْنِي بِهِ أمْرَ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم تَعالى بِعِلْمٍ، وإنَّما نَهاهم عن كِتْمانِ ما عَلِمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ، في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم بِالعِلْمِ عَلى الإطْلاقِ، ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ دَلِيلٌ عَلى تَغْلِيظِ الذَنْبِ عَلى مَن واقَعَهُ عَلى عِلْمٍ وأنَّهُ أعْصى مِنَ الجاهِلِ.

و ﴿ أقِيمُوا الصَلاةَ  ﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا هَيْئَتَها وأدِيمُوها بِشُرُوطِها، وذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِإقامَةِ القاعِدِ إلى حالِ ظُهُورٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا يُقالُ أتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا ∗∗∗ حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (الصَلاةِ).

و"الزَكاةَ" في هَذِهِ الآيَةِ هي المَفْرُوضَةُ، بِقَرِينَةِ إجْماعِ الأُمَّةِ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِها، و"الزَكاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِن زَكا الشَيْءُ إذا نَما وزادَ، وسُمِّيَ الإخْراجُ مِنَ المالِ زَكاةً وهو نَقْصٌ مِنهُ مِن حَيْثُ يَنْمُو بِالبِرْكَةِ، أو بِالأجْرِ الَّذِي يُثِيبُ اللهُ بِهِ المُزَكِّي.

وقِيلَ: "الزَكاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَطْهِيرِ، كَما يُقالُ: زَكا فَلانٌ أيْ: طَهُرَ مِن دَنَسِ الجُرْحَةِ أوِ الإغْفالِ، فَكَأنَّ الخارِجَ مِنَ المالِ يُطَهِّرُهُ مِن تَبِعَةِ الحَقِّ الَّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهِ لِلْمَساكِينِ، ألا تَرى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَمّى في ما يَخْرُجُ في الزَكاةِ أوساخَ الناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ ﴾ قالَ قَوْمٌ: جَعَلَ الرُكُوعَ -لِما كانَ مِن أرْكانِ الصَلاةِ- عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ كُلِّها، وقالَ قَوْمٌ: إنَّما خَصَّ الرُكُوعَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قالَ: "مَعَ" لِأنَّ الأمْرَ بِالصَلاةِ أوَّلًا لَمْ يَقْتَضِ شُهُودَ الجَماعَةِ، فَأمَرَهم بِقَوْلِهِ "مَعَ" بِشُهُودِ الجَماعَةِ.

والرُكُوعُ في اللُغَةِ: الِانْحِناءُ بِالشَخْصِ.

قالَ لَبِيدٌ: أُخَبِّرُ أخْبارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ ∗∗∗ أدُبُّ كَأنِّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ ويُسْتَعارُ أيْضًا في الِانْحِطاطِ في المَنزِلَةِ، قالَ الأضْبَطُ بْنُ قَرِيعٍ: لا تُعادِ الضَعِيفَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَأْمُرُونَ الناسَ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَوْبِيخُ، و"البِرِّ" يَجْمَعُ وُجُوهَ الخَيْرِ والطاعاتِ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها اسْمُ بَرٍّ، و"تَنْسَوْنَ"، مَعْناهُ: تُتْرَكُونَ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ .

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَقْصُودِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الأحْبارُ يَأْمُرُونَ أتْباعَهُمْ، ومُقَلِّدِيهِمْ بِاتِّباعِ التَوْراةِ، وكانُوا هم يُخالِفُونَها في جَحْدِهِمْ مِنها صِفَةَ مُحَمَّدٍ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ الأحْبارُ إذا اسْتَرْشَدَهم أحَدٌ مِنَ العَرَبِ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ دَلُّوهُ عَلى ذَلِكَ، وهم لا يَفْعَلُونَهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ الأحْبارُ يَحُضُّونَ الناسَ عَلى طاعَةِ اللهِ، وكانُوا هم يُواقِعُونَ المَعاصِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحُضُّونَ عَلى الصَدَقَةِ ويَبْخَلُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَتْلُونَ ﴾ مَعْناهُ: تَدْرُسُونَ وتَقْرَؤُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعُونَ أيْ في الِاقْتِداءِ بِهِ "والكِتابَ": التَوْراةُ، وهي تَنْهاهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الصِفَةِ الذَمِيمَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: أفَلا تَمْنَعُونَ أنْفُسَكم مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الحالِ المُرْدِيَةِ لَكُمْ؟، والعَقْلُ: الإدْراكُ المانِعُ مِنَ الخَطَأِ، مَأْخُوذٌ مِنهُ عِقالُ البَعِيرِ أيْ يَمْنَعُهُ مِنَ التَصَرُّفِ، ومِنهُ: المَعْقِلُ أيْ: مَوْضِعُ الِامْتِناعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ مَعْناهُ: عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ عَنِ الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، عَلى نَيْلِ رِضْوانِ اللهِ، وبِالصَلاةِ عَلى نَيْلِ الرِضْوانِ وحَطِّ الذُنُوبِ، وعَلى مَصائِبِ الدَهْرِ أيْضًا، ومِنهُ الحَدِيثُ، «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا كَرَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ»، ومِنهُ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ أخُوهُ "قَثْمٌ" وهو في سَفَرٍ، فاسْتَرْجَعَ، وتَنَحّى عَنِ الطَرِيقِ، وصَلّى، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى راحِلَتِهِ وهو يُقْرَأُ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ ﴾ .

وَ قالَ مُجاهِدٌ: الصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: الصَوْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ، شَهْرُ الصَبْرِ، وخُصَّ الصَوْمُ والصَلاةُ عَلى هَذا القَوْلِ بِالذِكْرِ لِتَناسُبِهِما في أنَّ الصِيامَ يَمْنَعُ الشَهَواتِ، ويُزَهِّدُ في الدُنْيا.

والصَلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ وتَخْشَعُ، ويُقْرَأُ فِيها القُرْآنُ الَّذِي يُذَكِّرُ بِالآخِرَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: "الصَبْرُ" عَلى بابِهِ، "والصَلاةُ" الدُعاءُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ مُشْبِّهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ  ﴾ لِأنَّ الثَباتَ هو الصَبْرُ، وذِكْرُ اللهِ هو الدُعاءُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ ﴾ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ الضَمِيرُ، فَقِيلَ: عَلى "الصَلاةِ" وقِيلَ: عَلى الِاسْتِعانَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ: "واسْتَعِينُوا"، وقِيلَ: عَلى العِبادَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِالمَعْنى ذِكْرُ الصَبْرِ والصَلاةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى إجابَةِ مُحَمَّدٍ  ، وفي هَذا ضَعْفٌ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُ مِنَ الآيَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَمِيرُ عَلى الكَعْبَةِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالصَلاةِ إنَّما هو إلَيْها، وهَذا أضْعَفُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

و"كَبِيرَةٌ" مَعْناهُ: ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ.

والخاشِعُونَ: المُتَواضِعُونَ المُخْبِتُونَ، والخُشُوعُ: هَيْئَةٌ في النَفْسِ، يَظْهَرُ مِنها عَلى الجَوارِحِ سُكُونٌ وتَواضُعٌ.

و"يَظُنُّونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ يُوقِنُونَ، وحَكى المَهْدَوِيُّ، وَغَيْرُهُ: أنَّ الظَنَّ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ، ويُضْمَرُ في الكَلامِ بِذُنُوبِهِمْ، فَكَأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَهُ مُذْنِبِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَعَسُّفٌ، والظَنُّ في كَلامِ العَرَبِ قاعِدَتُهُ الشَكُّ مَعَ مَيْلٍ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْهِ، وقَدْ يُوقَعُ الظَنُّ مَوْقِعَ اليَقِينِ في الأُمُورِ المُتَحَقِّقَةِ، لَكِنَّهُ لا يُوقَعُ فِيما قَدْ خَرَجَ إلى الحِسِّ، لا تَقُولُ العَرَبُ في رَجُلٍ مَرْئِيٍّ حاضِرٍ: أظُنُّ هَذا إنْسانًا، وإنَّما تَجِدُ الِاسْتِعْمالَ فِيما لَمْ يَخْرُجْ إلى الحِسِّ بَعْدُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها  ﴾ ، وكَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصُمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُمْ: ظَنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سُراتُهُمُ بِالفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ أنْ وجُمْلَتُها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَنِّ، والمُلاقاةُ هي لِلْعِقابِ أوِ الثَوابِ.

فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ المُلاقاةُ هُنا بِالرُؤْيَةِ الَّتِي عَلَيْها أهْلُ السُنَّةِ، ووَرَدَ بِها مُتَواتِرُ الحَدِيثِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المُلاقاةَ هُنا مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ مِثْلُ: عافاكَ اللهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ لَقِيَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى لاقى، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ فَعَلَ خِلافُ فاعِلٍ في المَعْنى، و"مُلاقُوا" أصْلُهُ مُلاقُونَ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، فَحُذِفَتِ النُونُ تَخْفِيفًا، فَلَمّا حُذِفَتْ تَمَكَّنَتِ الإضافَةُ بِمُناسَبَتِها لِلْأسْماءِ، وهي إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ لِأنَّها لا تُعْرَفُ.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: ما في اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَجِيءِ مِن مَعْنى الفِعْلِ يَقْتَضِي إثْباتَ النُونِ وإعْمالَهُ، وكَوْنُهُ وما بَعْدَهُ اسْمَيْنِ يَقْتَضِي حَذْفَ النُونِ والإضافَةِ.

و"راجِعُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالمَوْتِ، وقِيلَ: بِالحَشْرِ والخُرُوجِ إلى الحِسابِ والعَرْضِ وتُقَوِّي هَذا القَوْلَ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، وقِيلَ: عَلى اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "مُلاقُوا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات، له أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ظن بهم أنهم لم يبق في نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا يتحفزون للامتثال والائتساء، إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم في الخطو إلى هذا الطريق القويم، فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح.

فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق.

وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكد الأمر بها الذي في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ [البقرة: 43] وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب.

ومن المفسرين من زعم أن الخطاب في قوله: ﴿ واستعينوا ﴾ إلخ للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر، وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي على خلاف ذلك ولأن قوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ الآية اللهم إلا أن يكون من الإظهار في مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي.

والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد وأي عجب في هذا؟

وقريب منه آنفاً قوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ﴾ [البقرة: 43] خطاباً لبني إسرائيل لا محالة.

والصبر عرفه الغزالي في «إحياء علوم الدين» بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة وهو تعريف خاص بالصبر الشرعي صالح لأن يكون تفسيراً للآية لأنها في ذكر الصبر الشرعي، وأما الصبر من حيث هو الذي هو وصف كمال فهو عبارة عن احتمال النفس أمراً لا يلائمها إما لأن مآله ملائم، أو لأن عليه جزاء عظيماً فأشبه ما مآله ملائم، أو لعدم القدرة على الانتقال عنه إلى غيره مع تجنب الجزع والضجر، فالصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم، وأقل أنواعه ما كان عن عدم المقدرة ولذا ورد في «الصحيح»: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي الصبر الكامل هو الذي يقع قبل العلم بأن التفصي عن ذلك الأمر غير ممكن وإلا فإن الصبر عند اعتقاد عدم إمكان التفصي إذا لم يصدر منه ضجر وجزع هو صبر حقيقة.

فصيغة الحصر في قوله «إنما الصبر» حصر ادعائي للكمال كما في قولهم أنت الرجل.

والصلاة أريد بها هنا معناها الشرعي في الإسلام وهي مجموع محامد لله تعالى، قولاً وعملاً واعتقاداً فلا جرم كانت الاستعانة المأمور بها هنا راجعة لأمرين: الصبر والشكر.

وقد قيل إن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر كما في «الإحياء» وهو قول حسن، ومعظم الفضائل ملاكها الصبر إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال، والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة وكبح زمام النفس عن الإسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالاً أو عما يورث نقصاناً فكان الصبر ملاك الفضائل فما التحلم والتكرم والتعلم والتقوى والشجاعة والعدل والعمل في الأرض ونحوها إلا من ضروب الصبر.

ومما يؤثر عن علي رضي الله عنه: الشجاعة صبر ساعة.

وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر عن انهزام قومه: سقيناهم كاساً سقونا بمثلها *** ولكنهم كانوا على الموت أصبرا وحسبك بمزية الصبر أن الله جعله مكمل سبب الفوز في قوله تعالى: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ [العصر: 1 3] وقال هنا: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ .

قال الغزالي: ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له، فقال عز من قائل: ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾ [السجدة: 24].

وقال: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ [الأعراف: 137] وقال: ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ [البقرة: 153] اه.

وأنت إذا تأملت وجدت أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وبوجوب طاعتها واحداً من جنسها لا تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة آبائها وأقوامها من الديانات السابقة.

فإذا صار الصبر خلقاً لصاحبه هون عليه مخالفة ذلك كله لأجل الحق والبرهان فظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا به من ذلك.

وأما الاستعانة بالصبر فلأن الصلاة شكر والشكر يذكر بالنعمة فيبعث على امتثال المنعم على أن في الصلاة صبراً من جهات في مخالفة حال المرء المعتادة ولزومه حالة في وقت معين لا يسوغ له التخلف عنها ولا الخروج منها على أن في الصلاة سراً إلاهياً لعله ناشئ عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي فلذلك نجد للصلاة سراً عظيماً في تجلية الأحزان وكشف غم النفس وقد ورد في الحديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه (بزاي وباء موحدة أي نزل به) أمر فزع إلى الصلاة» وهذا أمر يجده من راقبه من المصلين وقال تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] لأنها تجمع ضروباً من العبادات.

وأما كون الشكر من حيث هو معيناً على الخير فهو من مقتضيات قوله تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ [إبراهيم: 7].

وقوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ اختلف المفسرون في معاد ضمير ﴿ إنها ﴾ فقيل عائد إلى الصلاة والمعنى إن الصلاة تصعب على النفوس لأنها سجن للنفس وقيل الضمير للاستعانة بالصبر والصلاة المأخوذة من ﴿ استعينوا ﴾ على حد ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].

وقيل راجع إلى المأمورات المتقدمة من قوله تعالى: ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ [البقرة: 40] إلى قوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [البقرة: 45] وهذا الأخير مما جوزه صاحب «الكشاف» ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها والمحامل مُرادة.

والمراد بالكبيرة هنا الصعبة التي تشق على النفوس، وإطلاق الكبر على الأمر الصعب والشاق مجاز مشهور في كلام العرب لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير في حمله أو تحصيله قال تعالى: ﴿ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ﴾ [البقرة: 143] وقال: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ [الأنعام: 35] الآية.

وقال: ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13].

وقوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ أي الذين اتصفوا بالخشوع، والخشوع لغة هو الانزواء والانخفاض ق النابغة: ونُؤْيٌ كجِذْم الحَوْض أَثلم خَاشِع *** أي زال ارتفاع جوانبه.

والتذلل خشوع، قال جعفر بن عبلة الحارثي: فلا تحسبي أني تَخَشعت بعدكم *** لَشْيءٍ ولا أني من الموت أفرق وهو مجاز في خشوع النفس وهو سكون وانقباض عن التوجه إلى الإباية أو العصيان.

والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير.

وكأن المراد بالخاشعين هنا الخائفون الناظرون في العواقب فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما في الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من التزام أوقات معينة وطهارة في أوقات قد يكون للعبد فيها اشتغال بما يهوى أو بما يحصِّل منه مالاً أو لذة.

وقريب منه قول كثير: فقلت لها يا عز كل مصيبة *** إذا وُطنت يوماً لها النفس ذلت وأحسب أن مشروعية أحكام كثيرة قصد الشارع منها هذا المعنى وأعظمها الصوم.

ولا يصح حمل الخشوع هنا على خصوص الخشوع في الصلاة بسبب الحال الحاصل في النفس باستشعار العبد الوقوف بين يدي الله تعالى حسبما شرحه ابن رشد في أول مسألة من كتاب الصلاة الأول من «البيان والتحصيل» وهو المعنى المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، فإن ذلك كله من صفات الصلاة وكمال المصلي فلا يصح كونه هو المخفف لكلفة الصلاة على المستعين بالصلاة كما لا يخفى.

وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنى التفسير للخاشعين ومعنى بيان منشأ خشوعهم، فدل على أن المراد من الظن هنا الاعتقاد الجازم وإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير جداً، قال أوس بن حجر يصف صياداً رمى حمار وحش بسهم: فأرسله مستيقن الظن أنه *** مخالطُ ما بين الشرا سيف جائف وقال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظُنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّج *** سراتهم بالفارسي المسرج فهو مشترك بين الاعتقاد الجازم وبين الاعتقاد الراجح.

والملاقاة والرجوع هنا مجازان عن الحساب والحشر أو عن الرؤية والثواب؛ لأن حقيقة اللقاء وهو تقارب الجسمين، وحقيقة الرجوع وهو الانتهاء إلى مكان خرج منه المنتهى مستحيلة هنا.

والمقصود من قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ إلخ التعريض بالثناء على المسلمين، وتحريض بني إسرائيل على التهمم بالاقتداء بالمؤمنين وعلى جعل الخطاب في قوله: ﴿ واستعينوا ﴾ للمسلمين يكون قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ تعريضاً بغيرهم من اليهود والمنافقين.

والملاقاة مفاعلة من لقي، واللقاء الحضور كما تقدم في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ [البقرة: 37] والمراد هنا الحضور بين يدي الله للحساب أي الذين يؤمنون بالبعث، وسيأتي تفصيل لها عند قوله تعالى ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223] في هذه السورة، وفي سورة الأنعام (31) عند قوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله.

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ : أمّا الصَّبْرُ: فَهو حَبْسُ النَّفْسِ عَمّا تُنازَعُ إلَيْهِ، ومِنهُ صَبْرُ صاحِبِ المُصِيبَةِ، أنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ عَنِ الجَزَعِ، وسُمِّيَ الصَّوْمُ صَبْرًا لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وجاءَ في الحَدِيثِ: « (اقْتُلُوا القاتِلَ، واصْبِرُوا الصّابِرَ)» وذَلِكَ فِيمَن أمْسَكَ رَجُلًا حَتّى قَتَلَهُ آخَرُ، فَأمَرَ بِقَتْلِ القاتِلِ، وحَبْسِ المُمْسِكِ.

وَفي الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّبْرُ عَلى طاعَتِهِ، والكَفُّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّوْمُ، وقَدْ «كانَ النَّبِيُّ  إذا حَزَبَهُ أمْرٌ اسْتَعانَ بِالصَّلاةِ والصِّيامِ،» ورُوِيَ «أنَّهُ رَأى سَلْمانَ مُنْبَطِحًا عَلى وجْهِهِ، فَقالَ لَهُ: أشْكُو مِن بَرْدٍ.

قالَ: (قُمْ فَصَلِّ الصَّلاةَ تُشْفَ)» .

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي: وإنَّ الصَّلاةَ لِثَقِيلَةٌ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ، لِعَوْدِ الكِنايَةِ إلى مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ.

والثّانِي: يَعْنِي الصَّبْرَ والصَّلاةَ، فَأرادَهُما، وإنْ عادَتِ الكِنايَةُ إلى الصَّلاةِ; لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَمَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ والثّالِثُ: وإنَّ إجابَةَ مُحَمَّدٍ  لِشَدِيدَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ.

والخُشُوعُ في اللَّهِ: التَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ الخُضُوعُ، وقِيلَ: إنَّ الخُضُوعَ في البَدَنِ، والخُشُوعَ في الصَّوْتِ، والبَصَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَظُنُّونَ أنَّهم مَلاقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، لِإشْفاقِهِمْ مِنَ المَعاصِي الَّتِي كانَتْ مِنهم.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا اليَقِينُ، فَكَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ أيْ تَيَقَّنْتُ، قالَ أبُو داوُدَ: رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيمٍ ∗∗∗ وغُيُوبٍ كَشَفْتَها بِظُنُونِ ﴿ وَأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِالرُّجُوعِ المَوْتَ.

والثّانِي: أنَّهم راجِعُونَ بِالإعادَةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ، أيْ لا يَمْلِكُ أحَدٌ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا غَيْرُهُ كَما كانُوا في بَدْءِ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ قال: إنهما معونتان من الله فاستعينوا بهما.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: الصبر صبران، الصبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الصبر في بابين، الصبر لله فيما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الاهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله تعالى.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر أبو الشيخ في الثواب والديلمي في مسند الفردوس عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وحسنه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وفي الاسماء والصفات عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟

قلت: بلى: قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم ليصيبك، وإن الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يرد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك، أو أن يصرفوا عنك شيئاً أراد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك، وأن قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وإذا اعتصمت فاعتصم بالله، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا» .

وأخرج الدارقطني في الإِفراد وابن مردويه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن سهل بن سعد الساعدي.

أن رسول الله صلىلله عليه وسلم قال لعبد الله بن عباس «ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن؟

قال: بلى يا رسول الله.

قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، ولو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله بصدق في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن بن عباس قال: كنت ذات يوم رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أعلمك خصالاً ينفعك الله بهن؟

قلت: بلى.

قال: عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، والرفق أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده» .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان والخرائطي في كتاب الشكر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإِيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر» .

وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصبر نصف الإِيمان، واليقين الإِيمان كله» .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود موقوفاً مثله.

وقال البيهقي: أنه المحفوظ.

وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال: الإِيمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد.

وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «قيل يا رسول الله أي الإِيمان أفضل؟

قال: الصبر والسماحة.

قيل: فأي المؤمنين أكمل إيماناً؟

قال: أحسنهم خلقاً» .

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال: «يا رسول الله ما الإِيمان؟

قال: الصبر والسماحة.

قال: فأي الإِسلام أفضل؟

قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده.

قال: فأي الهجرة أفضل؟

قال: من هجر السوء.

قال: فأي الجهاد أفضل؟

قال: من أهرق دمه وعقر جواده.

قال: فأي الصدقة أفضل؟

قال: جهد المقل قال: فأي الصلاة أفضل؟

قال: طول القنوت» .

وأخرج أحمد والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: قال رجل «يا رسول الله أي العمل أفضل؟

قال: الصبر والسماحة.

قال: أريد أفضل من ذلك.

قال: لا تتهم الله في شيء من قضائه» .

وأخرج البيهقي عن الحسن قال: الإِيمان الصبر والسماحة الصبر عن محارم الله وأداء فرائض الله.

وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب الإِيمان والبيهقي عن علي قال: الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ادخل نفسك في هموم الدنيا واخرج منها بالصبر، وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك» .

وأخرج البيهقي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قضى نهمته في الدنيا حيل بينه وبين شهوته في الآخرة، ومن مد عينيه إلى زينة المترفين كان مهيناً في ملكوت السماء، ومن صبر على القوت الشديد أسكانه الله الفردوس حيث شاء» .

وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي واللفظ له عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافاً وصبر على ذلك» .

وأخرج البيهقي عن أبي الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لمن رزقه الله الكفاف وصبر عليه» .

وأخرج البيهقي عن عسعس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رجلاً فسأل عنه، فجاء فقال: يا رسول الله إني اردت أن آتي هذا الجبل فأخلوا فيه واتعبد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لصبر أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الإِسلام خير من عبادته خالياً أربعين سنة» .

وأخرج البيهقي من طريق عسعس بن سلامة عن أبي حاضر الأسدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رجلاً فسأل عنه، فقيل: إنه قد تفرد يتعبد.

فبعث إليه فأتى إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إن موطناً من مواطن المسلمين أفضل من عبادة الرجل وحده ستين سنة.

قالها ثلاثاً» .

وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم يسره أن يقيه الله من فيح جهنم، ثم قال: ألا إن عمل الجنة خزن بربوة ثلاثاً، ألا إن عمل النار سهل لشهوة ثلاثاً، والسعيد من وقى الفتن ومن ابتلى فصبر، فيا لها ثم يا لها...

!» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما صبر أهل بين على جهد ثلاثاً إلا أتاهم الله برزق» .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث ابن عمر.

مثله.

وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاع أو احتاج فكتمه الناس كان حقاً على الله أن يرزقه رزق سنة من حلال» .

وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: ما من مؤمن تقي يحبس الله عنه الدنيا ثلاثة أيام وهو في ذلك راض عن الله من غير جزع إلا وجبت له الجنة.

وأخرج البيهقي عن شريح قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات.

أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجوا فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: «هل منكم من يريد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلم وهدياً بغير هداية، هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيراً، ألا إنه من زهد الدنيا وقصر أمله فيها أعطاه الله علماً بغير تعلم وهدى بغير هداية، ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر، ولا الغني إلا بالبخل والفجر، ولا المحبة إلا بالاستجرام في الدين واتباع الهوى، إلا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر للبغضاء وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز، لا يريد بذلك إلا وجه الله أعطاه الله ثواب خمسين صديقاً» .

وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الإِيمان الصبر والسماحة» .

وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه من يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر» .

وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب قال: وجدنا خير عيشنا الصبر.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال: ما نال رجلاً من جسيم الخير شيء إلا بالصبر.

وأما قوله تعالى: ﴿ والصلاة ﴾ .

أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ قال: على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله.

وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة» .

وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عاساكر عن أبي الدرداء قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد حتى يسكن، وإذا حدث في السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة» .

وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانوا- يعني الأنبياء- يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الشعب الإِيمان عن ابن عباس.

أنه كان في مسير له، فنعي إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع وقال: فعلنا كما أمرنا الله فقال: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن عباس.

أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في مسير فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ .

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت قال: لما حضرت عبادة الوفاة قال: أحرج على إنسان منكم يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا وأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجداً فيصلي، ثم يستغفر لعباده ولنفسه فإن الله تبارك وتعالى قال: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ ثم أسرعوا بي إلى حفرتي.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي من طريق معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة وكانت من المهاجرات الأول في وقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ قالت: غشي على عبد الرحمن بن عبد الرحمن غشية، فظنوا أنه افاض نفسه فيها، فخرجت امرأته أم كلثوم إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، فلما أفاق قال: أغشي عليّ آنفاً؟

قالوا: نعم.

قال: صدقتم، إنه جاءني ملكان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فقال ملك آخر: ارجعا فإن هذا ممن كتبت له السعادة وهم في بطون أمهاتهم ويستمتع به بنوه ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهراً ثم مات.

وأخرج البيهقي في الشعب عن مقاتل بن حبان في قوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ يقول: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة، فحافظوا عليها وعلى مواقيتها وتلاوة القرآن فيها، وركوعها وسجودها وتكبيرها والتشهد فيها والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإكمال ظهورها فذلك إقامتها، وإتمامها قوله: ﴿ وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ﴾ يقول: صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة كبر ذلك على المنافقين واليهود ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ يعني المتواضعين.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ قال: لثقيلة.

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ قال: قال المشركون: والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير.

قال: إلى الصلاة والإِيمان بالله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ قل: المصدقين بما أنزل الله.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ قال: المؤمنين حقاً.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ قال: الخائفين: <div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ .

أصل الخشوع في اللغة: السكون (١) ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ  ﴾ ، أي سكنت، ويقال: جدار خاشع، إذا تداعى واستوى مع الأرض (٢) قال النابغة: وَنُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ (٣) ومنه الحديث (كانت الكعبة خُشعة على الماء) (٤) (٥) (٦) ﴿ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ ﴾ (٧) (٨) (٩) قال المفسرون وأصحاب المعاني: إن (١٠) ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾ لأنه أراد الصبر عليها (١١) (١٢) ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ  ﴾ ، وقوله ﴿ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ  ﴾ .

وعلى قول من يقول: الصبر هو الصوم (١٣) (١٤) (١٥) (١٦)  لأنها كانت تكبر (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (١) انظر "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034، قال ابن فارس "الخاء والشين والعين" أصل واحد يدل على التطامن ...

وهو قريب من الخضوع) 2/ 128.

ونحوه قال الطبري: (أصل الخشوع: التواضع والتذلل والاستكانة) "تفسير الطبري" 1/ 261.

(٢) "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034.

(٣) من قصيدة للنابغة الذيباني يمدح النعمان وصدره: رَماَدٌ كَكُحِل العين لَأْياً أُبِينُه يقول من الآيات التي عرف بها الدار (رماد ككحل العين، لَاْياً أبينه (أي بصعوبة بطء أتبينه، و (النُّؤْيُّ): حاجز حول البيت لئلا يدخله الماء، و (الْجِذْم): أصل الشيء (أثلم): تثلم: تهدم، و (الخاشع): المطمئن اللاصق بالأرض، ورد البيت في "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "التهذيب" (خشع) 1/ 1034، "اللسان" (خشع) 2/ 1166، والقرطبي 1/ 320، "ديوان النابغة" ص 53.

(٤) أخرجه الأزرقي في "أخبار مكة" بسنده عن عطاء عن ابن عباس، في رواية طويلة عن خلق الأرض وفيها (..

فبعث الله ريحًا هفافة فصفقت الماء فأبرز خشفة في موضع هذا البيت ..) قال المحقق: (حشفة) في جميع الأصول "الأعلام"، ورواها ابن ظهيرة عن عمر بن شبة (خشعة) "أخبار مكة" 1/ 32.

أخرجه الخطابي من طريق الأزرقي بنحوه، "غريب الحديث" 2/ 496، وذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 1034، وابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 2/ 35.

(٥) في (ج): (يعود).

(٦) في (ب): (فتهتز).

(٧) وقد ورد سياق الآية في (أ)، (ج) (وترى) وهو تصحيف في الآية، وفي "تهذيب اللغة" وردت آية الحج: ﴿ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ  ﴾ انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 1034، والواحدي نقل كلام عنه.

(٨) في (ج): (للماصع).

(٩) "تهذيب اللغة" (خشع) 1/ 1034، وانظر: "مقاييس اللغة" (خشع) 2/ 182، "اللسان" (خشع) 2/ 1166.

(١٠) (إن) ساقطة من (ب).

(١١) أكثر المفسرين على أن المراد الاستعانة بالصلاة مع الصبر، لا الاستعانة بالصبر عليها، وقد تقدم الكلام على ذلك، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 260، "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "الكشاف" 1/ 277، و"القرطبي" 1/ 317.

(١٢) خصت الصلاة بالاستعانة بها من بين سائر العبادات لفضلها ولما يتلى فيها، انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، و"القرطبي" 1/ 317.

(١٣) هو قول مجاهد كما سبق.

(١٤) في (ب): (مآكلهم) ولعله أولى.

(١٥) في (ج): (الشر).

(١٦) (الشرف) كذا جاءت في جميع النسخ ولعل المراد حب الرئاسة والشرف المذموم.

انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 65، "تفسير ابن عطية" 1/ 278، "زاد المسير" 1/ 75، و"تفسير الرازي" 3/ 49.

(١٧) في (أ): (تكفر) وما في (ب، ج) هو المثبت وهو الصواب.

(١٨) في (ب): (عن).

(١٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95.

(٢٠) انظر: "الطبري" 1/ 261، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 95، "زاد المسير" 1/ 75، "تفسير الرازي" 3/ 48، "تفسير الخازن" 1/ 118، و"ابن كثير" 1/ 93.

(٢١) قال ابن كثير: (الظاهر أن الآية وإن كانت خطابا في سياق إنذار بني إسرائيل فإنهم لم يقصدوا بها على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم) 1/ 93.

(٢٢) في (ج): (قبل).

(٢٣) انظر: "تفسير الرازي" 3/ 48، و"تفسير الخازن" 1/ 118، "البحر" 1/ 185.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ لما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.

فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: ﴿ وَإِذْ نجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [البقرة: 49] ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ [البقرة: 50]، ﴿ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]، ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ [البقرة: 58]، ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، ﴿ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ [البقرة: 60].

وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.

وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء، وأخذكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.

﴿ نِعْمَتِي ﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعاً ﴿ بعهدي ﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿ بِعَهْدِكُمْ ﴾ دخول الجنة ﴿ وإياى ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقاً للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيره، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : الاشتراء هنا استعارة في استبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن ﴿ الحق بالباطل ﴾ الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها.

﴿ وَتَكْتُمُواْ ﴾ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر الدخول في الإسلام ﴿ واركعوا ﴾ خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد ﴿ مَعَ الراكعين ﴾ مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿ بالبر ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَنْسَوْنَ ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع ﴿ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ حجة عليهم ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ونُعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي شاقة صعبة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ هنا: يتيقنون ﴿ العالمين ﴾ أي أهل زمانهم، وقيل تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك ﴿ لاَّ تَجْزِي ﴾ لا تغني.

وشيئاً مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقاً، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] ولقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس: 3] ولقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في الشفاعة فيقال له: «اشفع تشفع» فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿ عَدْلٌ ﴾ هنا فدية ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إسرائيل ﴾ بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ نعمتي ﴾ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل ﴿ فارهبوني ﴾ ﴿ فاتقوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية.

وروى مسبح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل.

﴿ أول كافر به ﴾ ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج.

الوقوف: ﴿ فارهبون ﴾ (ه) ربع الجزء.

﴿ كافر به ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين وعلى ﴿ قليلاً ﴾ أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

﴿ فاتقون ﴾ (ه) ﴿ تعلمون ﴾ (ه) ﴿ الراكعين ﴾ (ه) ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ الصلاة ﴾ (ط) ﴿ خاشعين ﴾ (لا) لأن "الذين" صفتهم.

﴿ راجعون ﴾ .

التفسير: أنه  لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات.

الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيهاً على نبوة محمد  من حيث كونه إخباراً بالغيب مدرجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غير منصرف للعلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله.

وقيل: عبد الله، لأن "إسر" بالعبرية هو العبد، "وإيل" الله.

وقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد  .

وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة.

والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم.

قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله  ذكربني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد  ذكرهم المنعم فقال ﴿ فاذكرني أذكركم  ﴾ عن ابن عباس أنه قال: من نعمه  على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عموداً من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد  وهو التوراة والإنجيل والزبور.

ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد  والقرآن.

ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة.

ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه.

فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة.

والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله  بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب "من أشبه أباه فما ظلم".

والعهد يضاف إلى المعاهد جميعاً.

يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه.

والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن عباس.

وتحقيقه في قوله  ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله  ﴾ وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد  وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله ﴿ ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً  ﴾ إلى قوله ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار  ﴾ وفي الأعراف ﴿ فسأكتبها للذين يتقون  ﴾ الآية.

وفي آل عمران ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم  ﴾ وفي الصف ﴿ وإذ قال عيسى بن مريم  ﴾ وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد  النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته  ﴾ .

وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد  فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده  ؟

قلنا: إما لأن هذا العلم به  كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه  ، وإما لأن ذلك النص كان نصاً خفياً لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.

جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله  .

فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟

قالت: أهرب من سيدتي سارة.

فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابناً تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عيناً بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع.

فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة.

﴿ وإياي فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيداً رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص.

فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون.

وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿ إياك نعبد  ﴾ لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها.

أي إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.

ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير.

والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول.

ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.

يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة.

قوله ﴿ وآمنوا ﴾ معطوف على ﴿ اذكروا ﴾ والمراد ﴿ بما أنزلت ﴾ القرآن و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والانجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد  وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد  والقرآن تكذيباً لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد  من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقاً، ومن جهة أنه  أخبر عن كتبهم ولم يكن له  معرفة بذلك الأمر قبل الوحي ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾  أي أوّل من كفر به  ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به  ، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله "كسانا حلة" أي كل واحد منا.

(وهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به  وقد سبقهم إلى الكفر به  مشركو العرب؟

وفي الجواب وجوه: الأوّل: أنه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به  لمعرفتهم به  وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد  والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم.

فلما بعث كان أمرهم على العكس ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ .

والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا - وأنتم تعرفونه  موصوفاً في التوراة - مثل من لم يعرفه  لأنه لا كتاب له.

الثالث: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل.

الرابع ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يعني بكتابكم.

يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد  يوجب تكذيبكم بكتابكم.

الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق إلى الكفر كفره غليظ "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر.

السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة.

السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي  قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر.

الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به  عند سماعكم بذكره  ، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه  .

السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه.

وأيضاً في قوله ﴿ وآمنوا ﴾ دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور.

وأيضاً قوله ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير.

وقوله ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها  ﴾ لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا.

قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد  فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة.

والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم.

خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام.

وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع ﴿ وإياي فاتقون ﴾ مثل ﴿ وإياي فارهبون ﴾ وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة.

على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم.

قوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله ﴿ وآمنوا ﴾ أمر بترك الكفر والضلال.

ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها.

فقوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ إشارة إلى القسم الأول، وقوله ﴿ وتكتموا ﴾ المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفاً على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني.

والباء التي في ﴿ بالباطل ﴾ إما للوصل كما في قولك "لبست الشيء بالشيء" خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما.

وإما للاستعانة كما في "كتبت بالقلم" فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين.

وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد  كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق  ﴾ قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وتكتموا ﴾ منصوباً بإضمار "أن"، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو "لا تأكل السمك وتشرب اللبن".

قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفرداً عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر.

﴿ وأنتم تعلمون ﴾ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه.

ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.

وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله.

ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.

ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم في أول البقرة.

وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب.

قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها  ﴾ فإن المخرج يطهر ما بقي من المال.

قال  "عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار.

وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار" .

وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

وفي قوله ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين.

وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة.

وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه  لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول.

والهمزة في ﴿ أتأمرون ﴾ للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم.

والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي.

واختلف في البر ههنا.

قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها.

وقال ابن جريج.

تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما.

أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في أتباعه، فلما بعث الله محمداً  حسدوه وأعرضوا عن دينه.

الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها.

وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد  ولا يتبعونه.

وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد  ثم ما آمنوا به.

وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه  في الباطن، فوبخهم الله على ذلك.

والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟

فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ﴿ وأنتم تتلون الكتاب ﴾ أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد  ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ؟

وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم.

وكثيراً ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون.

وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة.

وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح.

ومنها أن مثل هذا الوعظ يصير سبباً للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء.

ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول.

قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بهذه الآية، وبقوله  ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر.

والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع.قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي  قال "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار.

فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟

فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم" وقال  "إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه.

فقيل: من هو يا رسول الله؟

قال: عالم لا ينتفع بعلمه" وقال  "مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه" وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟

فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.

وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه.

وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.

روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظاً زاهداً مات - فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟

فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك.

وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله.

فقال: إن بيتـــاً أنـــت ســاكنـــه *** غيـــــر محتــــاج إلـــى ســـــرج ولما أمرهم الله  بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد  بالصبر أي حبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها.

ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية.

وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان.

ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله.

وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات.

ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء.

وهذا الخطاب وإن كان خاصاً ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعياً في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها  ﴾ .

ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا.

كان رسول الله  إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه  ﴾ ﴿ إلا على الخاشعين الذين يظنون ﴾ يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زماناً يسيراً فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات.

وكان رسول الله  يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: "يا بلال روّحنا" ، "وجعلت قرة عيني في الصلاة" والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة.

وفي الحديث "كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت" وللظن ههنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزاً لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟

وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم.

وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعاً راجحاً عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت  ﴾ .

ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح.

وبقي ههنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله  ، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه  ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  ﴾ ويشمل الكافر والمؤمن.

وقال  "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك.

فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.

فإن منع من ذلك أيضاً مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع.

ففي قوله ﴿ إلى يوم يلقونه  ﴾ دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى.

البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهراً غير الله  .

قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه  جسماً.

وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

ويحتملُ ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ يعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله  : ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 141].

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ من نحو ما أَعطاهم - عز وجل - المن والسَّلْوى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحداً من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم.

وقيل: نعمتُه محمدٌ  بعث وقتَ اختلافهم في الدين، وتَفرُّقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلَّهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبيِّنات.

كما أخرجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول الله  نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري.

فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجِّه شكر نعمه إلى ربه.

وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أَمراً بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره.

وقوله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين: عهد خلقة: لما جعل في خلقة كلِّ أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى.

وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله  : ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

وقوله  : ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .

الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

ويقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجِّهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري.

ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبيِّين بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81]، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ  ﴾ فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيَّن في كتبهم؛ من بعث محمد  والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد  .

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .

أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.

وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي.

وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث محمد نبيِّي  .

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ على نبيِّي محمد  من القرآن.

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: موافقاً لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما.

وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض.

أو يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة - وهم الصابئون -: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتوراة نزلت بالشدائد.

فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب - بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ - حكمةً.

فقال عز وجل: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخصٌ؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأْمر به في وقت، وليس فيه خروجٌ عن الحكمة أَن يأْمر أَحداً وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدةٍ، وفي شيء واحد.

ثم في الآية دلالةُ أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَيْر مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فول كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق.

وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفاً لبعضه، كقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر.

وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأَنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به.

وقيل: هم أول من التقوا برسول الله  ؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ.

فيكون عليهم - لو كفروا - ما على أول من كفر - ولا قوة إلا بالله - مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُّت والتمرد، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قيل: بحجتي: قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ .

وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيءٍ وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء.

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي.

وقد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل.

ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد  ، ولا تثبتوا غيره.

وكله يرجع إلى واحد.

ثم ﴿ ٱلْحَقَّ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: محمداً  ونعته.

ويحتمل الحق: القرآن.

ويحتمل الحق: الإيمان.

والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمداً عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمراً بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ليس هو إخباراً عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لها والإيمان بهما، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً.

قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويَصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة.

ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل: الأَمر بالصلاة والزكاة أَمراً لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكىَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها، ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرْضٌ على كل واحد، وبالله التوفيق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون.

وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحداناً لغير الله؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي  وأَصحابه بالجماعة.

وفيه أمر بحضور الجماعة.

وقيل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدين والمذهب، أَي: اعتقاداً.

وقوله عز وجل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يَعني: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ولا تأمرونها باتباع محمد  ، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟!

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أَنَّ ذا لا يصحُّ؟!.

وقيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمحمد  ، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم.

ويحتمل أَن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحداً بمعروف إلا ويأْمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول.

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأْكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان للرؤساءِ منهم بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ والله أعلم.

ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد  ، والانقياد والخضوع له، لما بيَّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له.

ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأَن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ: "حفت الجنة بالمكارة، والنار بالشهوات" ويحتمل: أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما.

لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

وإنما يصلح هذا التأويل في قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 153].

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ .

يُخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم.

ويحتمل: أنَّ تركَ الرئاسة لمحمد  والانقياد له، والخضوع - لثقيلٌ إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر.

ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم.

وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب.

وقيل: الخاشع؛ المتواضع.

وقيل: الخاشع - هاهنا - المؤمن.

وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب.

وقوله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ .

يعنى: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴾ .

أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه.

قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفي الظن.

والهمّةُ بين هذين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واطلبوا العون على كل أحوالكم الدينية والدنيوية؛ بالصبر وبالصلاة التي تقربكم إلى الله وتصلكم به، فيعينكم ويحفظكم ويذهب ما بكم من ضر، وإن الصلاة لشاقة وعظيمة إلا على الخاضعين لربهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.M8lGK"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام موجه إلى بني إسرائيل وقد تقدم في الآيات السابقة أن الله ذكرهم بنعمته، وأمرهم بالوفاء بعهده، وأن يرهبوه ويتقوه وحده، وأن يؤمنوا بالقرآن، ونهاهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموه عمدًا.

ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطفق في هذه الآيات يوبخهم على سيرتهم المعوجة في الدين، ويهديهم إلى طريق الخروج منها.

اليهود كسائر الملل يدعون الإيمان بكتابهم والعمل به، والمحافظة على أحكامه والقيام بما يوجبه، ولكن الله تعالى علمنا أن من الإيمان-بل مما يسمى في العرف إيمانًا- ما لا يعبأ به، فيكون وجوده كعدمه، وهو الإيمان الذي لا سلطان له على القلب، ولا تأثير له في إصلاح العمل، كما قال ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وكانت اليهود في عهد بعثته  قد وصلوا في البعد عن جوهر الدين إلى هذا الحد.

كانوا -ولا يزالون- يتلون الكتاب تلاوة يفهمون بها معاني الألفاظ، ويجلون أوراقه وجلده، ولكنهم ما كانوا يتلونه حق تلاوته، لأن الذين يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به كما قال تعالى وعلى الوجه الذي يرضاه تعالى: يتلون ألفاظه وفيها البشارة بالنبي  ويأمرون بالعمل بأحكامه وآدابه من البر والتقوى، ولكن الأحبار القارئين الآمرين الناهين ما كانوا يبينون من الحق إلا ما يوافق أهواءهم وتقاليدهم، ولا يعملون بما فيه من الأحكام إلا إذا لم يعارض حظوظهم وشهواتهم فقد عهد الله إليهم في الكتاب أنه يقيم من إخوتهم نبيًا يقيم الحق، وفرض عليهم الزكاة، ولكنهم كانوا يحرفون البشارة بالنبي  ويؤولونها، ويحتالون لمنع الزكاة فيمنعونها، وجعلت لهم مواسم واحتفالات دينية تذكرهم بما آتى الله أنبياءهم من الآيات وما منحهم من النعم لينشطوا إلى إقامة الدين والعمل بالكتاب، ولكن القلوب قست بطول الأمد ففسقت النفوس عن أمر ربها.

وهذه التوراة التي بين أيديهم لا تزال حجة عليهم، فلو سألتهم عما فيها من الأمر بالبر والحث على الخير لاعترفوا وما أنكروا، ولكن أين العمل الذي يهدي إليه الإيمان، فيكون عليه أقوى حجة وبرهان؟!.

كذلك كان شأن أحبار اليهود وعلمائهم في معرفة ظواهر الدين بالتفصيل وكان عامتهم يعرفون من الدين العبادات العامة والاحتفالات الدينية وبعض الأمور الأخرى بالإجمال، ويرجع المستمسك منهم بدينه في سائر أموره إلى الأحبار فيقلدهم فيما يأمرونه به، وكانوا يأمرون بما يرونه صوابًا فيما ليس لهم فيه هوى، وإلا لجأوا إلى التأويل والتحريف والحيلة ليأخذوا من الألفاظ ما يوافق الهوى ويصيب الغرض، فإذا وجه الخطاب في قوله تعالى ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ إلى حملة الكتاب فذاك لأن الأمر والنهي وظيفتهم، وإذا كان عامًا فذاك لأن شأن العامة فيما يعرفون من الدين بالإجمال كشأن الرؤساء فيما يعرفون بالتفصيل، ولا يكاد يوجد أحد لا يأمر بخير ولا يحث على بر فإذا كان الأمر لا يأتمر بما يأمر به فالحجة قائمة عليه بلسانه.

وبخ الله هؤلاء القوم على أنهم كانوا يأمرون الناس بالبر كالأخذ بالحق ومعرفته لأهله وعمل الخير والوعد عليه بالسعادة مع الغفلة عن أنفسهم وعدم تذكيرها بذلك، وما أجمل التعبير عن هذه الحالة بنسيان الأنفس، فإن من شأن الإنسان أن لا ينسى نفسه من الخير ولا يجب أن يسبقه أحد إلى السعادة، كأنه يقول: إذا كنتم موقنين بوعد الكتاب على البر ووعيده على تركه فكيف نسيتم أنفسكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ  ﴾ وتأمرون الناس باتباعه وتعرفون منه ما لا يعرفه المأمورن؟

أفتعلمون مع نقص العلم بفائدة العمل، ولا تعملون على كمال العلم وسعته؟!.

ولما كان هذا غير معقول قفى على استفهام التوبيخ بقوله ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  ﴾ ؟.

يعني ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السفه، فإن من له مسكة من العقل لا يدعي كمال العلم بالكتاب والإيمان اليقيني به والقيام بالإرشاد إليه: هذا كتاب الله، هذه وصايا الله، هذا أمر الله، قد وعد العامل به السعادة في الدنيا أو الآخرة أو كليهما، فخذوا به واستمسكوا بعراه، وحافظوا عليه- ثم هو لا يعمل ولا يستمسك؟!.

مثل من كانت هذه حاله كمثل رجل أمامه طريق مضيء نصت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه، ثم هو يسلك طريقًا آخر مظلمًا طامس الأعلام، وكلما لقي في طريقه شخصًا نصح له أن لا يمشي معه، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه، أو مثل ساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية، ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم.

إذا كان هذا لا يقع من صحيح العقل فكذلك أمر المؤمن بشعب الإيمان وعدم الائتمار بها، مع تذكرها وتلاوة كلام الله فيها.

فلا بد لتعقل هذا من القول بأن الإيمان بالوعد على البر والوعيد على الفجور غير يقيني عند الآمر المخالف.

ويؤيده أن القوم كانوا عقلاء في كسب المال وحفظ الجاه الدنيوي وإنما ضلوا من جهة الدين بأخذه على غير وجهه.

الخطاب عام لليهود الذين كان هذا حالهم وعبرة لغيرهم لأنه منبئ عن حال طبيعية للأمم في مثل ذلك الطور الذي كانوا فيه، ولذلك كان القرآن هداية للعالمين إلى يوم الدين، لا حكاية تاريخ يقصد بها هجاء الإسرائيليين، فلتحاسب أمة نفسها في أفرادها ومجموعها لئلا يكون حالها كحال من ورد النص فيهم فيكون حكمها عند الله كحكمهم، لأن الجزاء على أعمال القلوب والجوارح، لا لمحاباة الأشخاص والأقوام أو معاداتهم.

"فإن قيل" إن من يأمر غيره بالبر وينسى نفسه قد يكون متكلًا في ترك العمل على الشفاعات والمكفرات، كالأذكار والصدقات، لا أنه يترك لعدم اليقين في الإيمان، وإذا أمر غيره بالبر مع هذا فذاك لأنه يلاحظ المكفرات في شأن نفسه ولا يلاحظها في شأن غيره.

نقول:إن العالم بالدين لا يخفى عليه أن حكم الله تعالى واحد عام، فكيف يحتم البر على غيره ويوهمه أنه لا يقربه من رضوان الله ويبعده من سخطه إلا هو، وينسى نفسه فلا يحتم عليها ذلك؟!

ثم كيف يجهل أن الشفاعات والأعمال الصالحة التي ورد أنها تكفر السيئات لا يصح أن تكون مثبطة عن عمل البر أو سببًا لتركه لأنه المقصود من الدين، فهل يكون فرع من فروع الدين هادمًا لأصوله وسائر فروعه؟!

كل ذلك كان ينبغي أن يكون بعيدًا عن العالم بالدين الذي يتلو كتاب الله تعالى، ولكن هذا الضرب من الخذلان يعرض لأرباب الأديان عند فساد حال الأمم، فنبه الله تعالى عليه بهذا التعبير اللطيف وهو نسيان النفس مع تلاوة الكتاب، فكأن الزاعم أنه مؤمن ولا يعمل عمل الإيمان، نسي أنه هو الذي يزعم الإيمان، وصاحب هذا النسيان يمضي في العمل القبيح من غير فكر ولا رؤية بل انبعاثًا مع الحظوظ والشهوات التي حكمها في نفسه، وملكها زمام عقله وحسه، ولكنه لا يلاحظها في غيره عندما يعرض عليه عمله الشيء أو يراه معرضًا عن عمل البر ولذلك يعظه ويذمه.

بعدما بين سوء حالهم وأن عقلهم لم ينفعهم والكتاب لم يذكرهم، أرشدهم إلى الطريقة المثلي للانتفاع بالكتاب والعقل والعمل بالعلم النافع، فإن العمل السيئ الذي سببه نسيان النفس ليس طبيعيًا كالنفس لا يمكن دفعه ومقاومته بل هو اختياري وسببه عارض تمكن إزالته بما أرشد الله إليه في قوله ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  ﴾ ...

أمر بالصبر وهو كما قال المفسر حبس النفس على ما تكره.

ونقول بعبارة أوضح هو احتمال المكروه بنوع من الرضى والاختيار والتسليم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما يقول العامة في أمثالهم ...

وذكر مثلًا بمعني قول الشاعر: صبرت ولا والله مالي طاقة على الصبر ولكني صبرت على الرغم والصبر الحقيقي المبني على التسليم يحصل بتذكر وعد الله تعالى بالجزاء الحسن للصابرين على أعمال البر التي تشق على النفس وعن الشهوات المحرمة التي تصبو إليها، ويتذكر أن المصائب من فعل الله وتصرفه في خلقه فيجب الخضوع له والتسليم لأمره، ومن عجيب أمر هذا الصبر أنه يقي الإنسان من الخسران متى حسن في كل شيء كما تفيده سورة (العصر) ويؤيده الاختبار، وقد اشتهر أن "من صبر ظفر" وربما أتينا على شيء من معنى الصبر-وأنه قوة من قوى النفس تدخل النظام في كل عمل من أعمالها- في موضع آخر.

والاستعانة بالصبر تكون بالالتفات إلى الأسباب التي تأفك الناس وتصرفهم عن صراط الشريعة كاتباع الشهوات، والولوع باللذات، والبعد عن المؤلمات، ثم بالقياس بينها وبين ما رغب الله فيه، أو أوعد بالعقاب على فعله، ثم بملاحظة أن ما أوعد الله تعالى به أولى بأن يتقى، وما وعد به أولى بأن يرجى ويطلب.

ومثل الذين يفقدون الصبر فيقعون في الخسران كمثل صاحب الحاجة يهزه الطيش والتسرع إلى قضاء حاجته ويفقد الصبر على مرارتها، فيكذب لاعتقاد أن حاجته تقضى، فيدفع المضرة أو يجلب المنفعة بالكذب، وأنه بالصدق يفوته هذا، فيقترف جريمة الكذب لهذا الاعتقاد، وهو ظان بل واهم، ومتى اقترفه مرة هان عليه فيعود إليه فيكون كذابًا، ومتى عرف بذلك ضاعت الثقة به وفسد حاله وأصبح يجد الحاجة إلى الصدق أشد مما كان منها إلى الكذب.

وإذا ذُكِّر مثل هذا الرجل أو تذكر من تلقاء نفسه الوعيد على الكذب وما ورد في ذلك من آيات في كتاب الله وآثار عن رسول  وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وما يجلبه لصاحبه من مقت الله وغضبه، ويسبق إلى ذهنه المكفرات، ومثلها الشفاعات وسعة العفو والمغفرة، كالاستغفار قبل النوم مائة مرة، وقول كذا من الذكر بعد صلاة الصبح كذا وكذا مرة، فلا يبقى للوعيد معها أثر، إذ يذعن بأن ذنبه يغفر لا محالة، وينسى سبب المغفرة الحقيقي وهو التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى، وأن العفو عن غير التائب الأواب إلى الله تعالى مجهول بالنسبة إلى علمنا وإن كان جائزًا عقلًا، فإننا لم نطلع على ما في علم الله تعالى فنعلم أننا ممن يعفو عنهم.

وكيف نترك ما جاء عن الله في كتابه وعلى لسان نبيه من النصوص القاطعة الدالة على أن لعنة الله مسجلة على الكاذبين، وهي بعمومها لا تدع لوهم مجالًا في نزول سخط الله بالكاذب، ثم نخترع لأنفسنا تعلة نتوكأ عليها في ارتكاب هذه الجريرة ونسندها إلى سعة عفو الله، أو إلى مجمل من القول لا يبينه إلا تلك النصوص القاطعة؟

إن هذا إلا خبال، أو تصوير خيال، أو فقد للإيمان بصحة تلك النصوص القاطعة، نعوذ بالله.

ومن الناس من يكتفي بالاعتذار عن ذنوبه وجرائمه بأنه غير معصوم، وذكر بعض الشواهد عمن يطن أن لهم في الدين قدم صدق..

ومن هذا رأيه يتصور أن الصدق واتباع الحق إنما هو شأن طائفة معدودة من البشر وهم الأنبياء عليهم السلام، وكل من عداهم فليس من شأنه أن يثبت على عمل صالح، ويكتفي بهذه التكأة في تسلية نفسه وتجريئها على الجرائم، وكفي بهذا حمقًا، فليس يلزم من كون غير النبي ليس معصومًا أن يكون إلف مآثم، وحلف جرائم، وخدن عظائم، ولو لزم أن يكون الناس هكذا لكانت الشرائع عبثًا، والتهذيب لغوًا، ولفسدت الأرض وخرب العمران.

وهل يصح في حكم العقل أن يقال إن الشرائع والحدود وضروب الوعد والوعيد لم ينعم الله بتشريعها إلا لأجل المعصومين؟

وهل يحتاج المعصوم إلى وعد أو وعيد، وما فائدتهما بالنسبة إليه، وقد أيقن بتوفيق الله له وأنه لا يأتي أمرًا يخالف ما أمر به، ولا يقترف شيئًَا مما نهى عنه؟!

ثم كيف لا يكون لغير المعصومين نصيب في الوعيد ولا الزجر مع أنهم أحق الناس بالردع وأحوجهم إلى التخويف من سوء العاقبة؟.

وأما الاستعانة بالصلاة فهي أقرب إلى حصول المأمول وإرجاع النفس إلى الله تعالى لما لها من التأثير في الروح ولكنها أشق على النفس الأمارة بالسوء، ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ  ﴾ أي لثقيلة شديدة الوقع كقوله تعالى ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  ﴾ إلا على المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة الصبر وكل الخلائق الحسنة لما تعطيه الصلاة من مراقبة الله تعالى كما قال  ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلَّا الْمُصَلِّينَ  ﴾ فمن خواص الصلاة الصبر ونفي الجزع، ومن خواصها النهي عن الفحشاء والمنكر، ومن خواصها الجود والسخاء، فالمصلي الحقيقي هو البار الحقيقي الذي لا يترك الحق لأجل شهوة، ولا لما يعرض له في معاملاته مع الخلق من خوف وخشية.

وهذا أثر صلاة الخاشعين بالإجمال ولذلك قال تعالى ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ .

ثم وصف الخاشعين وصفًا يناسب المقام ويظهر وجه الاستعانة به فقال ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ أي الذين يتوقعون لقاء الله تعالى يوم الحساب والجزاء وأنهم إليه راجعون بعد البعث، لا مرجع لهم إلى غيره.

فالإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده، ولو لم يكن الاعتقاد يقينيًا، فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك أكتفي هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا (الجلال) باليقين لأنه الاعتقاد المنجي في الآخرة وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله