الآية ٤٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤٦ من سورة البقرة

ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ٤٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 120 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون ) هذا من تمام الكلام الذي قبله ، أي : وإن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ، أي : [ يعلمون أنهم ] محشورون إليه يوم القيامة ، معروضون عليه ، وأنهم إليه راجعون ، أي : أمورهم راجعة إلى مشيئته ، يحكم فيها ما يشاء بعدله ، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات .

فأما قوله : ( يظنون أنهم ملاقو ربهم ) قال ابن جرير ، رحمه الله : العرب قد تسمي اليقين ظنا ، والشك ظنا ، نظير تسميتهم الظلمة سدفة ، والضياء سدفة ، والمغيث صارخا ، والمستغيث صارخا ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده ، كما قال دريد بن الصمة : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرد يعني بذلك : تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم ، وقال عميرة بن طارق : بأن يعتزوا قومي وأقعد فيكم وأجعل مني الظن غيبا مرجما يعني : وأجعل مني اليقين غيبا مرجما ، قال : والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر ، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية ، ومنه قول الله تعالى : ( ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ) [ الكهف : 53 ] .

ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو عاصم ، حدثنا سفيان ، عن جابر ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن يقين ، أي : ظننت وظنوا .

وحدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا أبو داود الحفري ، عن سفيان عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قال : كل ظن في القرآن فهو علم .

وهذا سند صحيح .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ) قال : الظن هاهنا يقين .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن مجاهد ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة نحو قول أبي العالية .

وقال سنيد ، عن حجاج ، عن ابن جريج : ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ) علموا أنهم ملاقو ربهم ، كقوله : ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) [ الحاقة : 20 ] يقول : علمت .

وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم .

قلت : وفي الصحيح : أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة : ألم أزوجك ، ألم أكرمك ، ألم أسخر لك الخيل والإبل ، وأذرك ترأس وتربع ؟

فيقول : بلى .

فيقول الله تعالى : أفظننت أنك ملاقي ؟

فيقول : لا .

فيقول الله : اليوم أنساك كما نسيتني .

وسيأتي مبسوطا عند قوله : ( نسوا الله فنسيهم ) [ التوبة : 67 ] إن شاء الله ، والله تعالى أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى الَّذِينَ يَظُنُّونَ قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف أخبر الله جل ثناؤه عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة، أنه " يظن " أنه ملاقيه, والظن: شك, والشاك في لقاء الله عندك بالله كافر؟

قيل له: إن العرب قد تسمي اليقين " ظنا ", والشك " ظنا ", نظير تسميتهم الظلمة &; 2-18 &; " سدفة "، والضياء " سدفة ", والمغيث " صارخا ", والمستغيث " صارخا ", وما أشبه ذلك من الأسماء التي تسمي بها الشيء وضده.

ومما يدل على أنه يسمى به اليقين، قول دريد بن الصمة: فقلــت لهـم ظنـوا بـألفي مدجـج سـراتهم فـي الفارسـي المسرد (120) يعني بذلك: تيقنوا ألفي مدجج تأتيكم.

وقول عميرة بن طارق: بــأن تغـتزوا قـومي وأقعـد فيكـم وأجـعل منـي الظن غيبا مرجما (121) يعني: وأجعل مني اليقين غيبا مرجما.

والشواهد من أشعار العرب وكلامها &; 2-19 &; على أن " الظن " في معنى اليقين أكثر من أن تحصى, وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية.

ومنه قول الله جل ثناؤه: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف: 53] وبمثل الذي قلنا في ذلك جاء تفسير المفسرين.

861- حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (يظنون أنهم ملاقو ربهم) قال: إن الظن ههنا يقين.

862- وحدثنا محمد بن بشار, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا سفيان, عن جابر, عن مجاهد, قال: كل ظن في القرآن يقين, إِنِّي ظَنَنْتُ ، وَظَنُّوا .

863- حدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق, قال: حدثنا أبو داود الحفري, عن سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: كل ظن في القرآن فهو علم.

(122) 864- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط, عن السدي: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) أما " يظنون " فيستيقنون.

865- وحدثني القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, قال: قال ابن جريج: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) علموا أنهم ملاقو ربهم, هي كقوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة: 20] يقول: علمت.

866- وحدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد في قوله: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم) قال: لأنهم لم يعاينوا, فكان ظنهم يقينا, وليس ظنا في شك.

وقرأ: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ .

* * * القول في تأويل قوله تعالى أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل: وكيف قيل إنهم ملاقو ربهم، فأضيف " الملاقون " إلى الرب تبارك وتعالى، وقد علمت أن معناه: الذين يظنون أنهم يلقون ربهم؟

وإذ كان المعنى كذلك, فمن كلام العرب ترك الإضافة وإثبات النون, وإنما تسقط النون وتضيف، في الأسماء المبنية من الأفعال، إذا كانت بمعنى " فعل ", فأما إذا كانت بمعنى " يفعل وفاعل ", فشأنها إثبات النون, وترك الإضافة.

قيل: لا تدافع بين جميع أهل المعرفة بلغات العرب وألسنها في إجازة إضافة الاسم المبني من " فعل ويفعل ", وإسقاط النون وهو بمعنى " يفعل وفاعل ", أعني بمعنى الاستقبال وحال الفعل ولما ينقض, فلا وجه لمسألة السائل عن ذلك: لم قيل؟

وإنما اختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله أضيف وأسقطت النون.

فقال نحويو البصرة: أسقطت النون من: (ملاقو ربهم) وما أشبهه من الأفعال التي في لفظ الأسماء وهي في معنى " يفعل " وفي معنى ما لم ينقض استثقالا لها, وهي مرادة كما قال جل ثناؤه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [سورة آل عمران: 185 الأنبياء:35 العنكبوت: 57]، وكما قال: إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ [القمر: 27] ولما يرسلها (123) بعد; وكما قال الشاعر: &; 2-21 &; هـل أنـت بـاعث دينـار لحاجتنـا أو عبـد رب أخـا عـون بن مخراق? (124) فأضاف " باعثا " إلى " الدينار ", ولما يبعث, ونصب " عبد رب " عطفا على موضع دينار، لأنه في موضع نصب وإن خفض، وكما قال الآخر: (125) الحـــافظو عــورة العشــيرة, لا يــأتيهم مـن ورائـهم نطـف (126) بنصب " العورة " وخفضها، فالخفض على الإضافة, والنصب على حذف النون استثقالا وهي مرادة.

وهذا قول نحويي البصرة.

(127) * * * وأما نحويو الكوفة فإنهم قالوا: جائز في (ملاقو) الإضافة, وهي في معنى يلقون, وإسقاط النون منه لأنه في لفظ الأسماء, فله في الإضافة إلى الأسماء حظ الأسماء.

وكذلك حكم كل اسم كان له نظيرا.

قالوا: وإذا أثبت في شيء من ذلك النون وتركت الإضافة, فإنما تفعل ذلك به لأن له معنى يفعل الذي لم يكن ولم يجب بعد.

قالوا: فالإضافة فيه للفظ, وترك الإضافة للمعنى.

* * * فتأويل الآية إذا: واستعينوا على الوفاء بعهدي بالصبر عليه والصلاة, وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخائفين عقابي, المتواضعين لأمري, الموقنين بلقائي والرجوع إلي بعد مماتهم.

وإنما أخبر الله جل ثناؤه أن الصلاة كبيرة إلا على من هذه صفته; لأن من كان غير موقن بمعاد ولا مصدق بمرجع ولا ثواب ولا عقاب, فالصلاة عنده عناء وضلال, لأنه لا يرجو بإقامتها إدراك نفع ولا دفع ضر, وحق لمن كانت هذه الصفة صفته أن تكون الصلاة عليه كبيرة, وإقامتها عليه ثقيلة, وله فادحة.

وإنما خفت على المؤمنين المصدقين بلقاء الله, الراجين عليها جزيل ثوابه, الخائفين بتضييعها أليم عقابه, لما يرجون بإقامتها في معادهم من الوصول إلى ما وعد الله عليها أهلها, ولما يحذرون بتضييعها ما أوعد مضيعها.

فأمر الله جل ثناؤه أحبار بني إسرائيل الذين خاطبهم بهذه الآيات، أن يكونوا من مقيميها الراجين ثوابها إذا كانوا أهل يقين بأنهم إلى الله راجعون، وإياه في القيامة ملاقون.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) قال أبو جعفر: و " الهاء والميم " اللتان في قوله: (وأنهم) من ذكر الخاشعين, و " الهاء " في" إليه " من ذكر الرب تعالى ذكره في قوله: مُلاقُو رَبِّهِمْ فتأويل الكلمة: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الموقنين أنهم إلى ربهم راجعون.

* * * ثم اختلف في تأويل " الرجوع " الذي في قوله: (وأنهم إليه راجعون) فقال بعضهم، بما:- 867- حدثني به المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: (وأنهم إليه راجعون)، قال: يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة .

* * * وقال آخرون: معنى ذلك أنهم إليه يرجعون بموتهم.

* * * وأولى التأويلين بالآية، القول الذي قاله أبو العالية; لأن الله تعالى ذكره, قال في الآية التي قبلها: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فأخبر جل ثناؤه أن مرجعهم إليه بعد نشرهم وإحيائهم من مماتهم, وذلك لا شك يوم القيامة, فكذلك تأويل قوله: (وأنهم إليه راجعون).

------------ الهوامش : (120) الأصمعيات: 23، وشرح الحماسة 2: 156، ومجاز القرآن لأبي عبيدة: 40، وسيأتي غير منسوب في 25: 83، وغير منسوب في 13: 58 برواية أخرى:"فظنوا بألفي فارس متلبب"، وقبل البيت في رواية الأصمعي: وقلـت لعـارض, وأصحـاب عارض ورهـط بنـي السـوداء, والقوم شهدي علانيـــة ظنـــوا .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

ورواية أبي تمام : "نصحت لعارض" .

.

"فقلت لهم ظنوا .

.

" وهذا الشعر قاله في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة ، وهو عارض ، المذكور في شعره .

المدجج : الفارس الذي قد تدجج في شكته ، أي دخل في سلاحه ، كأنه تغطى به .

والسراة جمع سري : وهم خيار القوم من فرسانهم .

والفارسي المسرد : يعني الدروع الفارسية ، قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي : إذا مشــينا فــي الفارســي كمـا يمشــى جمــال مَصـاعبٌ قُطُـفُ السرد: إدخال حلق الدرع بعضها في بعض.

والمسرد: المحبوك النسج المتداخل الحلق.

ينذر أخاه وقومه أنهم سوف يلقون عدوا من ذوى البأس قد استكمل أداة قتاله.

(121) نقائض جرير والفرزدق : 53 ، 785 ، والأضداد لابن الأنباري .

12 وهو عميرة بن طارق بن ديسق اليربوعي ، قالها في خبر له مع الحوفزان ، ورواية النقائض : "وأجلس فيكم .

.

.

" ، و"أجعل علمي ظن غيب مرجما" .

وقبل البيت : فـلا تـأمرني يـا ابـن أسـماء بالتي تجــر الفتـى ذا الطعـم أن يتكلمـا ذو الطعم" ذو الحرم .

وتجر ، من الإجرار : وهو أن يشق لسان الفصيل ، إذا أرادوا فطامه ، لئلا يرضع .

يعني يحول بينه وبين الكلام .

وغزا الأمر واغتزاه : قصده ، ومنه الغزو : وهو السير إلى قتال العدو وانتهابه ، والمرجم : الذي لا يوقف على حقيقة أمره ، لأنه يقذف به على غير يقين ، من الرجم : وهو القذف .

هذا ، والبيت ، كما رواه في النقائض ، ليس بشاهد على أن الظن هو اليقين .

ورواية الطبري هي التي تصلح شاهدا على هذا المعنى .

(122) الأثر : 863 - إسحاق : هو ابن راهويه الإمام الحافظ .

أبو داود الحفري - بالحاء المهملة والفاء المفتوحتين - هو : عمر بن سعد بن عبيد .

ووقع في تفسير ابن كثير 1 : 159"أبو داود الجبري" ، وهو تصحيف .

وسفيان : هو الثوري .

(123) في المطبوعة : "ولما يرسلها بعد" .

(124) سيبويه 1 : 87 ، والخزانة 3 : 476 ، والعيني 3 : 563 .

قال صاحب الخزانة : "البيت من أبيات سيبويه التي لم يعرف قائلها .

وقال ابن خلف : قيل هو لجابر بن رألان السنبسي ، وسنبس أبو حي من طيء .

ونسبه غير خدمة سيبويه إلى جرير ، وإلى تأبط شرا ، وإلى أنه مصنوع والله أعلم بالحال!" .

دينار وعبد رب ، رجلان .

والشاهد فيه نصب"عبد رب" على موضع"دينار" ، لأن المعنى : هل أنت باعث دينارا أو عبد رب .

(125) هو عمرو بن امرئ القيس ، من بني الحارث بن الخزرج ، وهو عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، جاهلي قديم .

(126) جمهرة أشعار العرب : 127 ، سيبويه 1 : 95 ، واللسان (وكف) والخزانة 2 : 188 ، 337 ، 483 / 3 : 400 ، 473 .

وهو من قصيدة يقولها لمالك بن العجلان النجاري في خبر مذكور .

والعورة : المكان الذي يخاف منه مأتى العدو .

والنطف : العيب والريبة ، يقال : هم أهل الريب والنطف .

وهذه رواية سيبويه والطبري ، وأما رواية غيره فهي : "من ورائنا وكف" ، والوكف العيب والنقص .

(127) قال سيبويه 1 : 95 : "لم يحذف النون للإضافة ، ولا ليعاقب الاسم النون ، ولكن حذفوها كما حذفوها من اللذين والذين ، حين طال الكلام ، وكان الاسم الأول منتهاه الاسم الآخر" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعونقوله تعالى : الذين يظنون الذين في موضع خفض على النعت للخاشعين ، ويجوز الرفع على القطع .

والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى إني ظننت أني ملاق حسابيه وقوله : فظنوا أنهم مواقعوها .

قال دريد بن الصمة :فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسردوقال أبو داودرب هم فرجته بغريم وغيوب كشفتها بظنونوقد قيل : إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه ويضمر في الكلام بذنوبهم فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين ذكر المهدوي والماوردي قال ابن عطية ، وهذا تعسف وزعم الفراء أن الظن قد يقع بمعنى الكذب ولا يعرف ذلك البصريون وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه وقد يوقع موقع اليقين كما في هذه الآية وغيرها لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنسانا وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد كهذه الآية والشعر وكقوله تعالى فظنوا أنهم مواقعوها وقد يجيء اليقين بمعنى الظن ، وقد تقدم بيانه أول السورة ، وتقول [ ص: 354 ] سؤت به ظنا وأسأت به الظن يدخلون الألف إذا جاءوا بالألف واللامو معنى : أنهم ملاقو ربهم : جزاء ربهم .

وقيل : جاء على المفاعلة ، وهو من واحد ، مثل عافاه الله .

" وأنهم " بفتح الهمزة عطف على الأول ، ويجوز " وإنهم " بكسرها على القطع .

إليه أي إلى ربهم وقيل إلى جزائه .

راجعون إقرار بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ الَّذِينَ يَظُنُّونَ } أي: يستيقنون { أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ } فيجازيهم بأعمالهم { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات, ونفس عنهم الكربات, وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه, كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{الذين يظنون} يستيقنون [أنهم مبعوثون وأنهم محاسبون وأنهم راجعون إلى الله تعالى، أي: يصدقون بالبعث، وجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعاً إليه].

والظن من الأضداد يكون شكاً ويقيناً وأملاً، كالرجاء يكون خوفاً وأملاً وأمناً.

{أنهم ملاقوا} معاينو.

{ربهم} في الآخرة وهورؤية الله تعالى.

وقيل: المراد من اللقاء الصيرورة إليه.

{وأنهم إليه راجعون} فيجزيهم بأعمالهم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الَّذين يظنون» يوقنون «أنهم ملاقو ربِّهم» بالبعث «وأنهم إليه راجعون» في الآخرة فيجازيهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين يخشون الله ويرجون ما عنده، ويوقنون أنهم ملاقو ربِّهم جلَّ وعلا بعد الموت، وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم وصف - سبحانه - الخاشعين وصفاً يناسب المقام ، ويظهر وجه الاستعانة ، فقال - تعالى : ( الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) .الظن : يرد في أكثر الكلام بعنى الاعتقاد الراجح ، وهو ما يتجاوز مرتبة الشك ، وقد يقوي حتى يصل إلى مرتبة اليقين والقطع ، وهو المراد هنا؛ ومثل ذلك قوله - تعالى -( أَلا يَظُنُّ أولئك أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ .

لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ) أي ألا يعتقد أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم .

وقوله تعالى : ( إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ ) أي علمت أني ملاق حسابيه .وملاقاة الخاشعين لربهم معناها الحشر إليه بعد الموت ، ومجازاتهم على ما قدموا من عمل .والمعنى : إن الصلاة لثقيلة إلا على الخاشعين ، الذين يعتقدون لقاء الله - تعالى - يوم الحساب ، وأنهم عائدون إليه لينالوا ما يستحقونه من جزاء على حسب أعمالهم .قال ابن جرير - مرجحاً أن المراد بالظن هنا العلم واليقين - : " إن قال لنا قائل : وكيف أخبر الله - تعالى - عمن قد وصفه بالخشوع له بالطاعة أنه يظن أنه ملاقيه ، والظن شك ، والشاك في لقاء الله كافر؟

قيل له : إن العرب قد تسمى اليقين ظناً : والشك ظناً؛ نظير تسميتهم الظلمة سدفة ، والضاء سدفة ، والمغيث صارخاً ، والمستغيث صارخاً ، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده ، ومما يدل على أنه يسمى به اليقين ، قول دريد بن الصمة : ( فقلت لهم ظنوا بألفى مدجج .

.

.

) .يعني بذلك : تيقنوا أن ألفى مدجج تأتيكم ، ثم قال : والوشاهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصى ، وفيما ذكرنا لمن وفق في فهمه كافية ، ومنه قوله تعالى : ( وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا ) وعن مجاهد قال : " كل ظن في القرآن فهو علم " .والذين قالوا إن الظن هنا على معناه الحقيقي ، وهو الاعتقاد الراجح ، فسروا " ملاقاة الخاشعين لربهم " بمعنى قربهم من رضاه يوم القيامة " ورجوعهم إلأيه " بمعنى حلولهم بجواره الطيب ، واستقرارهم في جناته ، أي : وإن الصلاة لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يتوقعون قربهم من ربهم ، ودخولهم جناته عند رجوعهم إليه .وإلى هذا التفسير ذهب صاحب الكشاف ، فقال قال : ( فإن قلت : ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟

قلت : لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم .

ألا ترى إلى قوله تعالى : ( الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبِّهِمْ ) أي يتوقعون لقاء ثوابه ، ونيل ما عنده ويطمعون فيه ) .وإنما كان شعور الخاشعين بذلك كله ظناً لا يقيناً ، لأن خواتيم الحياة لا يعلمها كيف تكون سوى علام الغيوب ، ففي وصفهم بأنهم ( يَظُنُّونَ ) إشارة إلى خوفهم ، وعدم أمنهم مكر الله - تعالى - وهكذا يكون المؤمن دائماً بين الخوف والرجاء .ومن هذا العرض لمعنى الآية الكريمة يتبين لنا ، أن من فسر الظن هنا بمعنى اليقين والعلم ، يرى أن لقاء الخاشعين لله معناه الحشر بعد الموت ، ورجوعهم إليه معناه مجازاتهم على أعمالهم والحشر والمجازاة يعتقد صحتهما الخاشعون اعتقاداً جازماً .أما من فسر الظن هنا بمعنى الاعتقاد الراجح ، فيرى أن لقاء الخاشعين لله معناه توقعهم لقاء توابه ، ورجوعهم إليه معناه ظفرهم بجناته ، وتوقع الثواب والظفر بالجنات يرجح الخاشعون حصولهما لأن مرجعهما إلى فضل الله وحده .والذي نراه أن الرأي الأول أكثر اتساقاً مع ظاهر معنى الآية الكريمة وبه قال قدماء المفسرين ، كمجاهد وأبي العالية وغيرهما .وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة توبيخ أحبار اليهود على نصحهم لغيرهم وتركهم لأنفسهم وإرشادهم إلى العلاج الذي يشفيهم من هذا الخلق الذميم ، ومن غيره متى استعملوه بصدق وإخلاص ، وهذا العلاج يتمثل في تذرعهم بالصبر .

ومداومتهم على الصلاة ، وشكرهم لله - تعالى - على نعمه التي فصلت الآيات بعد ذلك الحديث عنها ، وها نحن نذكرها مرتبة كما ساقها القرآن الكريم .أولاً : نعمة تفضيلهم على العالمين : قال - تعالى - :( يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِي التي أَنْعَمْتُ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ فللمفسرين فيه قولان: الأول: أن الظن بمعنى العلم.

قالوا: لأن الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن هاهنا العلم، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدها على الآخر، قال أوس بن حجر: فأرسلته مستيقن الظن أنه *** مخالط ما بين الشراسيف خائف وقال تعالى: ﴿ إني ظننت أني ملاق حسابيه  ﴾ وقال: ﴿ ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون  ﴾ ذكر الله تعالى ذلك إنكاراً عليهم وبعثاً على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن هاهنا العلم.

القول الثاني: أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي، ثم هاهنا وجوه: الأول: أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه.

إذا ثبت هذا فنقول: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة، وذلك لأن كل من كان متوقعاً للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة ولأنه مع خشوعه لابد في كل حال من أن لا يأمن تقصيراً جرى منه فيلزمه التلافي، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعياً إلى المبادرة إلى التوبة.

الثاني: أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع.

الثالث: المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح.

بقي هنا مسألتان: المسألة الأولى: استدل بعض الأصحاب بقوله: ﴿ ملاقوا ربهم ﴾ على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف.

أما الآية فقوله تعالى: ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه  ﴾ والمنافق لا يرى ربه، وقال: ﴿ ومن يفعل ذلك يلق آثاماً  ﴾ وقال تعالى في معرض التهديد: ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  ﴾ فهذا يتناول الكافر والمؤمن، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.

وأما الخبر فقوله عليه السلام: «من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات: لقي الله، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل، وأيضاً فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على وجه يزول الحجاب بينهما.

ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير: ما لقيته بعد وإن كان قد رآه، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول: لقيته، وإن كان ضريراً، ويقال: لقي فلان جهداً شديداً ولقيت من فلان الداهية.

ولاقى فلان حمامه، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية.

ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ فالتقى الماء على أمر قد قدر  ﴾ .

وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى.

قال الأصحاب: اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال: لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سبباً لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.

فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات.

أما قوله: ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه  ﴾ والمنافق لا يرى ربه.

قلنا: فلأجل هذه الضرورة المراد إلى يوم يلقون حسابه وحكمه إلا أن هذا الإضمار على خلاف الدليل وإنما يصار إليه عند الضرورة.

ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه، وأما في قوله تعالى: ﴿ أنهم ملاقوا ربهم ﴾ لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة، فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه.

المسألة الثانية: المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولاً رجوعاً إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكاً لهم في جميع أحوالهم، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين.

الأول: المجسمة فإنهم قالوا: الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسماً.

الثاني: التناسخية فإنهم قالوا: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم.

والبرّ سعة الخير والمعروف.

ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير.

ومنه قولهم: صدقت وبررت.

وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه.

وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدّقون، وإذا أتوا بصدقات ليفرّقوها خانوا فيها.

وعن محمد بن واسع: بلغني أنّ ناساً من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة.

قالوا: كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها ﴿ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ﴾ وتتركونها من البر كالمنسيات ﴿ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ تبكيت مثل قوله: ﴿ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يعني تتلون التوراة وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم، أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون، لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول لأن العقول تأباه وتدفعه.

ونحوه: ﴿ أُفّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنبياء: 67] .

﴿ واستعينوا ﴾ على حوائجكم إلى الله ﴿ بالصبر والصلاة ﴾ أي بالجمع بينهما، وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة، محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب، وحفظ النيات، ودفع الوساوس ومراعاة الآداب، والاحتراس من المكاره مع الخشية والخشوع، واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات، ليسأل فك الرقاب عن سخطه وعذابه.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة واصطبر عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132] أو: واستعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وعن ابن عباس أنه نعى إليه أخوه (قُثَم) وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة، وقيل: الصبر الصوم، لأنه حبس عن المفطرات.

ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر.

ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء، وأن يستعان على البلايا بالصبر، والالتجاء إلى الدعاء، والابتهال إلى الله تعالى في دفعه ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير للصلاة أو للاستعانة.

ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَتِيَ ﴾ إلى ﴿ واستعينوا ﴾ .

﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ لشاقة ثقيلة من قولك: كبر عليّ هذا الأمر، ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13] .

فإن قلت: ما لها لم تثقل على الخاشعين والخشوع في نفسه مما يثقل؟

قلت: لأنهم يتوقعون ما ادّخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم.

ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ ﴾ [البقرة: 46] أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، ويطمعون فيه.

وفي مصحف عبد الله: (يعلمون).

ومعناه: يعلمون أن لابد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك.

ولذلك فسر (يظنون) بيتيقنون.

وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب.

كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم.

ومثله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاوله برغبة ونشاط وانشراح صدر ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة.

ومن ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرّة عيني في الصلاة» .

وكان يقول: «يا بلال روّحنا» والخشوع.

الإخبات والتطامن.

ومنه: الخشعة للرملة المتطامنة.

وأما الخضوع فاللين والانقياد.

ومنه: خضعت بقولها إذا لينته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ أيْ يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَ اللَّهِ تَعالى ونَيْلَ ما عِنْدَهُ، أوْ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ فَيُجازِيهِمْ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ « يَعْلَمُونَ» وكَأنَّ الظَّنَّ لَمّا شابَهَ العِلْمَ في الرُّجْحانِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ لِتَضَمُّنِ مَعْنى التَّوَقُّعِ، قالَ أوْسُ بْنُ حَجَرٍ: فَأرْسَلْتُهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ...

مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ وَإنَّما لَمْ تَثْقُلْ عَلَيْهِمْ ثِقَلَها عَلى غَيْرِهِمْ فَإنَّ نُفُوسَهم مُرْتاضَةٌ بِأمْثالِها، مُتَوَقَّعَةٌ في مُقابَلَتِها ما يَسْتَحْقِرُ لِأجْلِهِ مَشاقَّها ويَسْتَلِذُّ بِسَبَبِهِ مَتاعِبَها، ومِن ثَمَّةَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{الذين يظنون أنهم ملاقو رَبّهِمْ} أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه وفسر يظنون بيتيقنون لقراءة عبد الله يعلمون أي يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة والخشوع الاخبات والتظامن وأما الخضوع فاللين والانقياد وفسر اللقاء بالرؤية وملاقوا ربهم بمعاينوه بلا كيف {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون} لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ الظَّنُّ في الأصْلِ الحُسْبانُ، واللِّقاءُ وُصُولُ أحَدِ الجِسْمَيْنِ إلى الآخَرِ بِحَيْثُ يُماسُّهُ، والمُرادُ مِن مُلاقاةِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ إمّا مُلاقاةُ ثَوابِهِ أوِ الرُّؤْيَةُ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُها، وكُلٌّ مِنهُما مَظْنُونٌ مُتَوَقَّعٌ، لِأنَّهُ وإنْ عَلِمَ الخاشِعُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ثَوابٍ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ، وتَحَقَّقَ أنَّ المُؤْمِنَ يَرى رَبَّهُ يَوْمَ المَآبِ لَكِنَّ مِن أيْنَ يَعْلَمُ ما يُخْتَمُ بِهِ عَمَلُهُ، فَفي وصْفِ أُولَئِكَ بِالظَّنِّ إشارَةٌ إلى خَوْفِهِمْ وعَدَمِ أمْنِهِمْ مَكْرَ رَبِّهِمْ، ولا يَأْمَنُ مَكْر الله إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ وفي تَعْقِيبِ الخاشِعِينَ بِهِ حِينَئِذٍ لُطْفٌ لا يَخْفى، إلّا أنَّ عَطْفَ ﴿ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ عَلى ما قَبْلَهُ يَمْنَعُ حَمْلَ الظَّنِّ عَلى ما ذُكِرَ لِأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ تَعالى بِالنُّشُورِ أوِ المَصِيرِ إلى الجَزاءِ مُطْلَقًا مِمّا لا يَكْفِي فِيهِ الظَّنُّ، والتَّوَقُّعُ، بَلْ يَجِبُ القَطْعُ بِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ لَهُ عامِلٌ، أيْ ويَعْلَمُونَ أوْ يُقالُ: إنَّ الظَّنَّ مُتَعَلِّقٌ بِالمَجْمُوعِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ، وهو كَذَلِكَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وإنْ كانَ أحَدُ جُزْئَيْهِ مَقْطُوعًا، أوْ يُقالُ: إنَّ الرُّجُوعَ إلى الرَّبِّ هُنا المَصِيرُ إلى جَزائِهِ الخاصِّ، أعْنِي الثَّوابَ بِدارِ السَّلامِ والحُلُولَ بِجِوارِهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، ولِهَذا اخْتِيرَ تَفْسِيرُ الظَّنِّ بِاليَقِينِ مَجازًا، ومَعْنى التَّوَقُّعِ والِانْتِظارِ في ضِمْنِهِ، ولِقاءُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى الحَشْرِ إلَيْهِ، والرُّجُوعُ بِمَعْنى المَجازاتِ ثَوابًا أوْ عِقابًا، فَكَأنَّهُ عَزَّ شَأْنُهُ قالَ: يَعْلَمُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ فَيُجازِيهِمْ مُتَوَقِّعِينَ لِذَلِكَ، وكَأنَّ النُّكْتَةَ في اسْتِعْمالِ الظَّنِّ المُبالَغَةُ في إيهامِ أنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ، فَكَيْفَ مَن تَيَقَّنَهُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ والمالِكِيَّةِ لِلْحُكْمِ، وجُعِلَ خَبَرُ (أنَّ) في المَوْضِعَيْنِ اسْمًا لِلدِّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ اللِّقاءِ والرُّجُوعِ وتَقَرُّرِهِما عِنْدَهُ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (يَعْلَمُونَ) وهي تُؤَيِّدُ هَذا التَّفْسِيرَ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ ﴿ أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ ﴾ الَّذِي هو الفِعْلُ الجَمِيلُ المُوجِبُ لِصَفاءِ القَلْبِ وزَكاءِ النَّفْسِ، ولا تَفْعَلُونَ ما تَرْتَقُونَ بِهِ مِن مَقامِ تَجَلِّي الأفْعالِ إلى تَجَلِّي الصِّفاتِ وأنْتُمْ تَتْلُونَ كِتابَ فِطْرَتِكُمُ الَّذِي يَأْمُرُكم بِالدِّينِ السّالِكِ بِكم سَبِيلَ التَّوْحِيدِ، أفَلا تَعْقِلُونَ، فَتُقَيِّدُونَ مُطْلَقاتِ صِفاتِكُمُ الذَّمِيمَةِ بِعِقالِ ما أُفِيضَ عَلَيْكم مِنَ الأنْوارِ القَدِيمَةِ، واطْلُبُوا المَدَدَ والعَوْنَ مِمَّنْ لَهُ القُدْرَةُ الحَقِيقِيَّةُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يُفْعَلُ بِكُمْ، لِكَيْ تَصِلُوا إلى مَقامِ الرِّضا، والصَّلاةِ الَّتِي هي المُراقَبَةُ، وحُضُورُ القَلْبِ لِتَلَقِّي تَجَلِّياتِ الرَّبِّ، وإنَّ المُراقَبَةَ لَشاقَّةٌ إلّا عَلى المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمُ اللَّيِّنَةِ أفْئِدَتُهُمْ، لِقَبُولِ أنْوارِ التَّجَلِّياتِ اللَّطِيفَةِ، واسْتِيلاءِ سَطَواتِها القَهْرِيَّةِ، فَهُمُ الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم بِحَضْرَةِ رَبِّهِمْ، وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ بِفَناءِ صِفاتِهِمْ، ومَحْوِها في صِفاتِهِ، فَلا يَجِدُونَ في الدّارِ إلّا شُئُونَ المَلِكِ اللَّطِيفِ القَهّارِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ، أي يستيقنون أنهم يبعثون يوم القيامة بعد الموت.

وإنما سمي اليقين ظناً، لأن في الظن طرفاً من اليقين، فيعبَّر بالظن عن اليقين.

وقوله: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ يعني في الآخرة بعد البعث للحساب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، أي: لا تخلطوا، قال أبو العاليةِ: قالت اليهود: محمَّد نبيٌّ مبعوثٌ، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم: إلى غيرنا باطلٌ، وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، أي: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم «١» ، وفي هذهِ الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصى من الجاهل، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملةٌ في موضع الحال.

قال ص «٢» : وَتَكْتُمُوا مجزومٌ معطوف على تَلْبِسُوا، والمعنى النهْيُ عن كلٍّ من الفعلين.

انتهى.

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ: معناه: أظهروا هيئَتَها، وأديموها بشروطها، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: من التطهير.

وقوله تعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ: قيل: إنما خص الركوع بالذِّكْر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوعٌ.

ت: وفي هذا القول نظرٌ، وقد قال تعالى في «مَرْيم» : اسْجُدِي وَارْكَعِي [آل عمران: ٤٣] ، وقالت فرقة: إنما قال: مَعَ لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمرهم بقوله: مَعَ شهود الجماعة.

ت: وهذا القول هو الذي عوَّل عليه ع: في قصَّة مرْيَمَ «٣» - عليها السلام-، والركوع الانحناء بالشخص.

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)

وقوله تعالى: أَتَأْمُرُونَ خرج مخرج الاستفهامِ، ومعناه التوبيخُ، و «البِرُّ» يجمع وجوه الخيرِ والطاعاتِ، وتَنْسَوْنَ معناه تتركون أنفسكم.

قال ابنُ عَبَّاس: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلِّديهم باتباع التوراة، وكانوا هم

يخالفونها في جحدهم منها صفة محمّد صلّى الله عليه وسلم «١» .

وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدَهُمْ أحد من العرب في اتّباع محمّد صلّى الله عليه وسلم، دلُّوه على ذلك، وهم لا يفعلونه.

ت: وخرَّج الحافظُ أبو نُعَيْمٍ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهانيُّ «٢» في كتاب «رِيَاضَةِ المُتَعَلِّمِينَ» قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد «٣» ، حدَّثنا الحارث بن أبي أُسَامَةَ «٤» ، حدثنا أبو النَّضْرِ «٥» /، حدثنا محمَّد بن عبد اللَّه بن علي بن زيْدٍ عن أنس بن مالك- رضي اللَّه ١٨ أعنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟

قَالَ: الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب أفلا يعقلون» «٦» .

انتهى.

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ: قال مقاتل «١» : معناه: على طلب الآخرة، وقيل:

استعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات على نيلِ رضوانِ اللَّه سبحانه، وبالصلاةِ على نيل رضوانِ اللَّه، وحطِّ الذنوب، وعلى مصائب الدهْر أيضاً ومنه الحديثُ: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم، إذَا حَزَبَهُ «٢» أَمْرٌ، فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ» «٣» ، ومنْهُ ما روي أنَّ عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَمُ «٤» وهو في سفر، فاسترجع، وتنحى عن الطريق، وصلى، ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأُ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ «٥» ، وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوْمُ «٦» ، ومنه قيل لرمضانَ شهْرُ الصبْرِ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكْرِ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهواتِ، ويزهِّد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنْكَرِ، وتُخشِّع، ويقرأُ فيها القرآن الذي يذكِّر بالآخرة، وقال قومٌ: الصبر على بابه، والصلاة الدعاءُ، وتجيء الآية على هذا القولِ مشْبِهةً لقوله تعالى: إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا

وَاذْكُرُوا اللَّهَ [الأنفال: ٤٥] لأن الثبات هو الصبر، وذكر اللَّه هو الدعاءُ، وروى ابن المبارك في «رقائقه» قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ «١» عن ثابتٍ البُنَانِيِّ «٢» عن صِلَةَ بْنِ أشْيَمِ «٣» قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ صلى صَلاَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاه» «٤» وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صلى صَلاَةً غَيْرَ سَاهٍ، وَلاَ لاَهٍ، كُفِّرَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ شَيْءٍ» «٥» .

انتهي.

وهذان الحديثان يُبَيِّنَانِ ما جاء في «صحيح البخاريِّ» عن عثمانَ حيثُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثاً، ثم قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صلى ركعتين لا

يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» «١» .

انتهى.

والضمير في قوله تعالى: وَإِنَّها قيل: يعود على الصلاة، وقيل: على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبْرِ والصلاة.

قال ص «٢» : «وإنَّهَا» الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل.

انتهى.

ثم ذكر أبو حَيَّان «٣» وجوهاً أُخَرَ نحو ما تقدَّم.

وكَبِيرَةٌ: معناه: ثقيلةٌ شاقَّة، والخَاشِعُونَ: المتواضعون المخبتُونَ، والخشوعُ هيئة في النفْسِ يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع.

ويَظُنُّونَ في هذه الآية، قال الجمهور: معناه: يوقنُونَ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشَّكُّ مع ميلٍ إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحِسِّ لا تقول العرب في رجل مَرْئِيٍّ أظن هذا إنسانًا، وإنَّمَا تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس كهذه الآية وكقوله تعالى: فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها [الكهف: ٥٣] .

قال ص «٤» : قلتُ: وما ذكره ابن عَطيَّةَ هو معنى ما ذكره الزّجّاج «٥» في معانيه ١٩ أعن بعْض أهل العلْمِ أنَّ الظنَّ يقع في معنى العلْمِ الذي لم تشاهدْه/، وإِنْ كان قد قامت في نفسك حقيقتُهُ، قال: وهذا مذهبٌ إلا أن أهل اللغة لم يذكروه، قال: وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي «٦» ،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ .

الظَّنُّ هاهُنا: بِمَعْنى اليَقِينِ، ولَهُ وُجُوهٌ قَدْ ذَكَرْناها في كِتابِ "الوُجُوهِ والنَّظائِرِ" .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ ﴾ ﴿ أتَأْمُرُونَ الناسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكم وأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ المَعْنى: ولا تَخْلِطُوا، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ -بِفَتْحِ الباءِ- ألْبَسُهُ إذا خَلَطْتُهُ، ومَزَجْتُ بَيْنَهُ بِمُشْكِلِهِ وحَقِّهِ بِباطِلِهِ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَة......................................

فالظاهِرُ أنَّهُ مِن هَذا المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِنَ اللِباسِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ الحَقَّ بِالباطِلِ ﴾ ، فَقالَ أبُو العالِيَةِ: قالَتِ اليَهُودُ: مُحَمَّدٌ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، ولَكِنْ إلى غَيْرِنا.

فَإقْرارُهم بِبَعْثِهِ حَقٌّ، وجَحْدُهم أنَّهُ بُعِثَ إلَيْهِمْ باطِلٌ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: كانَ مِنَ اليَهُودِ مُنافِقُونَ، فَما أظْهَرُوا مِنَ الإيمانِ حَقٌّ، وما أبْطَنُوا مِنَ الكُفْرِ باطِلٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ لا تَخْلِطُوا اليَهُودِيَّةَ والنَصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُرادُ بِالحَقِّ التَوْراةُ، والباطِلُ ما بَدَّلُوا فِيها مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ.

و"تَلْبِسُوا" جَزْمٌ بِالنَهْيِ، و"تَكْتُمُوا" عَطْفٌ عَلَيْهِ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإضْمارِ "أنْ"، وإذا قُدِّرَتْ "أنْ" كانَتْ مَعَ "تَكْتُمُوا" بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ، وكانَتِ الواوُ عاطِفَةً عَلى مَصْدَرٍ مُقَدَّرٍ مِن "تَلْبِسُوا"، كَأنَّ الكَلامَ: "وَلا يَكُنْ لَبْسُكُمُ الحَقَّ بِالباطِلِ، وكِتْمانُكُمُ الحَقَّ"، وقالَ الكُوفِيُّونَ: "تَكْتُمُوا" نُصِبَ بِواوِ الصَرْفِ.

و"الحَقَّ" يَعْنِي بِهِ أمْرَ مُحَمَّدٍ  .

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم تَعالى بِعِلْمٍ، وإنَّما نَهاهم عن كِتْمانِ ما عَلِمُوا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِعِلْمِ حَقٍّ مَخْصُوصٍ، في أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، ولَمْ يَشْهَدْ لَهم بِالعِلْمِ عَلى الإطْلاقِ، ولا تَكُونُ الجُمْلَةُ عَلى هَذا في مَوْضِعِ الحالِ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ دَلِيلٌ عَلى تَغْلِيظِ الذَنْبِ عَلى مَن واقَعَهُ عَلى عِلْمٍ وأنَّهُ أعْصى مِنَ الجاهِلِ.

و ﴿ أقِيمُوا الصَلاةَ  ﴾ مَعْناهُ: أظْهِرُوا هَيْئَتَها وأدِيمُوها بِشُرُوطِها، وذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِإقامَةِ القاعِدِ إلى حالِ ظُهُورٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وإذا يُقالُ أتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا ∗∗∗ حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في (الصَلاةِ).

و"الزَكاةَ" في هَذِهِ الآيَةِ هي المَفْرُوضَةُ، بِقَرِينَةِ إجْماعِ الأُمَّةِ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِها، و"الزَكاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِن زَكا الشَيْءُ إذا نَما وزادَ، وسُمِّيَ الإخْراجُ مِنَ المالِ زَكاةً وهو نَقْصٌ مِنهُ مِن حَيْثُ يَنْمُو بِالبِرْكَةِ، أو بِالأجْرِ الَّذِي يُثِيبُ اللهُ بِهِ المُزَكِّي.

وقِيلَ: "الزَكاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَطْهِيرِ، كَما يُقالُ: زَكا فَلانٌ أيْ: طَهُرَ مِن دَنَسِ الجُرْحَةِ أوِ الإغْفالِ، فَكَأنَّ الخارِجَ مِنَ المالِ يُطَهِّرُهُ مِن تَبِعَةِ الحَقِّ الَّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهِ لِلْمَساكِينِ، ألا تَرى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ سَمّى في ما يَخْرُجُ في الزَكاةِ أوساخَ الناسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وارْكَعُوا مَعَ الراكِعِينَ ﴾ قالَ قَوْمٌ: جَعَلَ الرُكُوعَ -لِما كانَ مِن أرْكانِ الصَلاةِ- عِبارَةٌ عَنِ الصَلاةِ كُلِّها، وقالَ قَوْمٌ: إنَّما خَصَّ الرُكُوعَ بِالذِكْرِ، لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَكُنْ في صَلاتِهِمْ رُكُوعٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما قالَ: "مَعَ" لِأنَّ الأمْرَ بِالصَلاةِ أوَّلًا لَمْ يَقْتَضِ شُهُودَ الجَماعَةِ، فَأمَرَهم بِقَوْلِهِ "مَعَ" بِشُهُودِ الجَماعَةِ.

والرُكُوعُ في اللُغَةِ: الِانْحِناءُ بِالشَخْصِ.

قالَ لَبِيدٌ: أُخَبِّرُ أخْبارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ ∗∗∗ أدُبُّ كَأنِّي كُلَّما قُمْتُ راكِعُ ويُسْتَعارُ أيْضًا في الِانْحِطاطِ في المَنزِلَةِ، قالَ الأضْبَطُ بْنُ قَرِيعٍ: لا تُعادِ الضَعِيفَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَهْرُ قَدْ رَفَعَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَأْمُرُونَ الناسَ ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناهُ التَوْبِيخُ، و"البِرِّ" يَجْمَعُ وُجُوهَ الخَيْرِ والطاعاتِ، ويَقَعُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها اسْمُ بَرٍّ، و"تَنْسَوْنَ"، مَعْناهُ: تُتْرَكُونَ كَما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ  ﴾ .

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المَقْصُودِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ الأحْبارُ يَأْمُرُونَ أتْباعَهُمْ، ومُقَلِّدِيهِمْ بِاتِّباعِ التَوْراةِ، وكانُوا هم يُخالِفُونَها في جَحْدِهِمْ مِنها صِفَةَ مُحَمَّدٍ  .

وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ الأحْبارُ إذا اسْتَرْشَدَهم أحَدٌ مِنَ العَرَبِ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ دَلُّوهُ عَلى ذَلِكَ، وهم لا يَفْعَلُونَهُ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَ الأحْبارُ يَحُضُّونَ الناسَ عَلى طاعَةِ اللهِ، وكانُوا هم يُواقِعُونَ المَعاصِي، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانُوا يَحُضُّونَ عَلى الصَدَقَةِ ويَبْخَلُونَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَأنْتُمْ تَتْلُونَ ﴾ مَعْناهُ: تَدْرُسُونَ وتَقْرَؤُونَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَتَّبِعُونَ أيْ في الِاقْتِداءِ بِهِ "والكِتابَ": التَوْراةُ، وهي تَنْهاهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِن هَذِهِ الصِفَةِ الذَمِيمَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ مَعْناهُ: أفَلا تَمْنَعُونَ أنْفُسَكم مِن مُواقَعَةِ هَذِهِ الحالِ المُرْدِيَةِ لَكُمْ؟، والعَقْلُ: الإدْراكُ المانِعُ مِنَ الخَطَأِ، مَأْخُوذٌ مِنهُ عِقالُ البَعِيرِ أيْ يَمْنَعُهُ مِنَ التَصَرُّفِ، ومِنهُ: المَعْقِلُ أيْ: مَوْضِعُ الِامْتِناعِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ مَعْناهُ: عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ.

وقالَ غَيْرُهُ: المَعْنى اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ عَنِ الطاعاتِ وعَنِ الشَهَواتِ، عَلى نَيْلِ رِضْوانِ اللهِ، وبِالصَلاةِ عَلى نَيْلِ الرِضْوانِ وحَطِّ الذُنُوبِ، وعَلى مَصائِبِ الدَهْرِ أيْضًا، ومِنهُ الحَدِيثُ، «كانَ رَسُولُ اللهِ  إذا كَرَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَلاةِ»، ومِنهُ ما رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ نُعِيَ إلَيْهِ أخُوهُ "قَثْمٌ" وهو في سَفَرٍ، فاسْتَرْجَعَ، وتَنَحّى عَنِ الطَرِيقِ، وصَلّى، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى راحِلَتِهِ وهو يُقْرَأُ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ ﴾ .

وَ قالَ مُجاهِدٌ: الصَبْرُ في هَذِهِ الآيَةِ: الصَوْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ، شَهْرُ الصَبْرِ، وخُصَّ الصَوْمُ والصَلاةُ عَلى هَذا القَوْلِ بِالذِكْرِ لِتَناسُبِهِما في أنَّ الصِيامَ يَمْنَعُ الشَهَواتِ، ويُزَهِّدُ في الدُنْيا.

والصَلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ وتَخْشَعُ، ويُقْرَأُ فِيها القُرْآنُ الَّذِي يُذَكِّرُ بِالآخِرَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: "الصَبْرُ" عَلى بابِهِ، "والصَلاةُ" الدُعاءُ، وتَجِيءُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ مُشْبِّهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللهَ  ﴾ لِأنَّ الثَباتَ هو الصَبْرُ، وذِكْرُ اللهِ هو الدُعاءُ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ ﴾ عَلى أيِّ شَيْءٍ يَعُودُ الضَمِيرُ، فَقِيلَ: عَلى "الصَلاةِ" وقِيلَ: عَلى الِاسْتِعانَةِ الَّتِي يَقْتَضِيها قَوْلُهُ: "واسْتَعِينُوا"، وقِيلَ: عَلى العِبادَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُها بِالمَعْنى ذِكْرُ الصَبْرِ والصَلاةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: عَلى إجابَةِ مُحَمَّدٍ  ، وفي هَذا ضَعْفٌ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ لَهُ مِنَ الآيَةِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَمِيرُ عَلى الكَعْبَةِ، لِأنَّ الأمْرَ بِالصَلاةِ إنَّما هو إلَيْها، وهَذا أضْعَفُ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.

و"كَبِيرَةٌ" مَعْناهُ: ثَقِيلَةٌ شاقَّةٌ.

والخاشِعُونَ: المُتَواضِعُونَ المُخْبِتُونَ، والخُشُوعُ: هَيْئَةٌ في النَفْسِ، يَظْهَرُ مِنها عَلى الجَوارِحِ سُكُونٌ وتَواضُعٌ.

و"يَظُنُّونَ" في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ الجُمْهُورُ: مَعْناهُ يُوقِنُونَ، وحَكى المَهْدَوِيُّ، وَغَيْرُهُ: أنَّ الظَنَّ هُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ عَلى بابِهِ، ويُضْمَرُ في الكَلامِ بِذُنُوبِهِمْ، فَكَأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَهُ مُذْنِبِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا تَعَسُّفٌ، والظَنُّ في كَلامِ العَرَبِ قاعِدَتُهُ الشَكُّ مَعَ مَيْلٍ إلى أحَدِ مُعْتَقَدَيْهِ، وقَدْ يُوقَعُ الظَنُّ مَوْقِعَ اليَقِينِ في الأُمُورِ المُتَحَقِّقَةِ، لَكِنَّهُ لا يُوقَعُ فِيما قَدْ خَرَجَ إلى الحِسِّ، لا تَقُولُ العَرَبُ في رَجُلٍ مَرْئِيٍّ حاضِرٍ: أظُنُّ هَذا إنْسانًا، وإنَّما تَجِدُ الِاسْتِعْمالَ فِيما لَمْ يَخْرُجْ إلى الحِسِّ بَعْدُ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها  ﴾ ، وكَقَوْلِ دُرَيْدِ بْنِ الصُمَّةِ: فَقُلْتُ لَهُمْ: ظَنُّوا بِألْفَيْ مُدَجَّجٍ ∗∗∗ سُراتُهُمُ بِالفارِسِيِّ المُسَرَّدِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ أنْ وجُمْلَتُها تَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيِ الظَنِّ، والمُلاقاةُ هي لِلْعِقابِ أوِ الثَوابِ.

فَفي الكَلامِ حَذْفُ مُضافٍ.

ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ المُلاقاةُ هُنا بِالرُؤْيَةِ الَّتِي عَلَيْها أهْلُ السُنَّةِ، ووَرَدَ بِها مُتَواتِرُ الحَدِيثِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ المُلاقاةَ هُنا مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ مِثْلُ: عافاكَ اللهُ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ لَقِيَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى لاقى، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ الأفْعالُ كُلُّها، بَلْ فَعَلَ خِلافُ فاعِلٍ في المَعْنى، و"مُلاقُوا" أصْلُهُ مُلاقُونَ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، فَحُذِفَتِ النُونُ تَخْفِيفًا، فَلَمّا حُذِفَتْ تَمَكَّنَتِ الإضافَةُ بِمُناسَبَتِها لِلْأسْماءِ، وهي إضافَةٌ غَيْرُ مَحْضَةٍ لِأنَّها لا تُعْرَفُ.

وقالَ الكُوفِيُّونَ: ما في اسْمِ الفاعِلِ الَّذِي هو بِمَعْنى المَجِيءِ مِن مَعْنى الفِعْلِ يَقْتَضِي إثْباتَ النُونِ وإعْمالَهُ، وكَوْنُهُ وما بَعْدَهُ اسْمَيْنِ يَقْتَضِي حَذْفَ النُونِ والإضافَةِ.

و"راجِعُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِالمَوْتِ، وقِيلَ: بِالحَشْرِ والخُرُوجِ إلى الحِسابِ والعَرْضِ وتُقَوِّي هَذا القَوْلَ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ  ﴾ والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى الرَبِّ تَعالى، وقِيلَ: عَلى اللِقاءِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ "مُلاقُوا".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات، له أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ظن بهم أنهم لم يبق في نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا يتحفزون للامتثال والائتساء، إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم في الخطو إلى هذا الطريق القويم، فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح.

فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق.

وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكد الأمر بها الذي في قوله: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ [البقرة: 43] وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب.

ومن المفسرين من زعم أن الخطاب في قوله: ﴿ واستعينوا ﴾ إلخ للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر، وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي على خلاف ذلك ولأن قوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله: ﴿ الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ﴾ الآية اللهم إلا أن يكون من الإظهار في مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي.

والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد وأي عجب في هذا؟

وقريب منه آنفاً قوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين ﴾ [البقرة: 43] خطاباً لبني إسرائيل لا محالة.

والصبر عرفه الغزالي في «إحياء علوم الدين» بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة وهو تعريف خاص بالصبر الشرعي صالح لأن يكون تفسيراً للآية لأنها في ذكر الصبر الشرعي، وأما الصبر من حيث هو الذي هو وصف كمال فهو عبارة عن احتمال النفس أمراً لا يلائمها إما لأن مآله ملائم، أو لأن عليه جزاء عظيماً فأشبه ما مآله ملائم، أو لعدم القدرة على الانتقال عنه إلى غيره مع تجنب الجزع والضجر، فالصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم، وأقل أنواعه ما كان عن عدم المقدرة ولذا ورد في «الصحيح»: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي الصبر الكامل هو الذي يقع قبل العلم بأن التفصي عن ذلك الأمر غير ممكن وإلا فإن الصبر عند اعتقاد عدم إمكان التفصي إذا لم يصدر منه ضجر وجزع هو صبر حقيقة.

فصيغة الحصر في قوله «إنما الصبر» حصر ادعائي للكمال كما في قولهم أنت الرجل.

والصلاة أريد بها هنا معناها الشرعي في الإسلام وهي مجموع محامد لله تعالى، قولاً وعملاً واعتقاداً فلا جرم كانت الاستعانة المأمور بها هنا راجعة لأمرين: الصبر والشكر.

وقد قيل إن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر كما في «الإحياء» وهو قول حسن، ومعظم الفضائل ملاكها الصبر إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال، والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة وكبح زمام النفس عن الإسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالاً أو عما يورث نقصاناً فكان الصبر ملاك الفضائل فما التحلم والتكرم والتعلم والتقوى والشجاعة والعدل والعمل في الأرض ونحوها إلا من ضروب الصبر.

ومما يؤثر عن علي رضي الله عنه: الشجاعة صبر ساعة.

وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر عن انهزام قومه: سقيناهم كاساً سقونا بمثلها *** ولكنهم كانوا على الموت أصبرا وحسبك بمزية الصبر أن الله جعله مكمل سبب الفوز في قوله تعالى: ﴿ والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحوا وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ﴾ [العصر: 1 3] وقال هنا: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ .

قال الغزالي: ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له، فقال عز من قائل: ﴿ وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾ [السجدة: 24].

وقال: ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ [الأعراف: 137] وقال: ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ [البقرة: 153] اه.

وأنت إذا تأملت وجدت أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وبوجوب طاعتها واحداً من جنسها لا تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة آبائها وأقوامها من الديانات السابقة.

فإذا صار الصبر خلقاً لصاحبه هون عليه مخالفة ذلك كله لأجل الحق والبرهان فظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا به من ذلك.

وأما الاستعانة بالصبر فلأن الصلاة شكر والشكر يذكر بالنعمة فيبعث على امتثال المنعم على أن في الصلاة صبراً من جهات في مخالفة حال المرء المعتادة ولزومه حالة في وقت معين لا يسوغ له التخلف عنها ولا الخروج منها على أن في الصلاة سراً إلاهياً لعله ناشئ عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي فلذلك نجد للصلاة سراً عظيماً في تجلية الأحزان وكشف غم النفس وقد ورد في الحديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه (بزاي وباء موحدة أي نزل به) أمر فزع إلى الصلاة» وهذا أمر يجده من راقبه من المصلين وقال تعالى: ﴿ إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ﴾ [العنكبوت: 45] لأنها تجمع ضروباً من العبادات.

وأما كون الشكر من حيث هو معيناً على الخير فهو من مقتضيات قوله تعالى: ﴿ لئن شكرتم لأزيدنكم ﴾ [إبراهيم: 7].

وقوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ اختلف المفسرون في معاد ضمير ﴿ إنها ﴾ فقيل عائد إلى الصلاة والمعنى إن الصلاة تصعب على النفوس لأنها سجن للنفس وقيل الضمير للاستعانة بالصبر والصلاة المأخوذة من ﴿ استعينوا ﴾ على حد ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].

وقيل راجع إلى المأمورات المتقدمة من قوله تعالى: ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ [البقرة: 40] إلى قوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ [البقرة: 45] وهذا الأخير مما جوزه صاحب «الكشاف» ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها والمحامل مُرادة.

والمراد بالكبيرة هنا الصعبة التي تشق على النفوس، وإطلاق الكبر على الأمر الصعب والشاق مجاز مشهور في كلام العرب لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير في حمله أو تحصيله قال تعالى: ﴿ وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله ﴾ [البقرة: 143] وقال: ﴿ وإن كان كبر عليك إعراضهم ﴾ [الأنعام: 35] الآية.

وقال: ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ [الشورى: 13].

وقوله: ﴿ إلا على الخاشعين ﴾ أي الذين اتصفوا بالخشوع، والخشوع لغة هو الانزواء والانخفاض ق النابغة: ونُؤْيٌ كجِذْم الحَوْض أَثلم خَاشِع *** أي زال ارتفاع جوانبه.

والتذلل خشوع، قال جعفر بن عبلة الحارثي: فلا تحسبي أني تَخَشعت بعدكم *** لَشْيءٍ ولا أني من الموت أفرق وهو مجاز في خشوع النفس وهو سكون وانقباض عن التوجه إلى الإباية أو العصيان.

والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير.

وكأن المراد بالخاشعين هنا الخائفون الناظرون في العواقب فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما في الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من التزام أوقات معينة وطهارة في أوقات قد يكون للعبد فيها اشتغال بما يهوى أو بما يحصِّل منه مالاً أو لذة.

وقريب منه قول كثير: فقلت لها يا عز كل مصيبة *** إذا وُطنت يوماً لها النفس ذلت وأحسب أن مشروعية أحكام كثيرة قصد الشارع منها هذا المعنى وأعظمها الصوم.

ولا يصح حمل الخشوع هنا على خصوص الخشوع في الصلاة بسبب الحال الحاصل في النفس باستشعار العبد الوقوف بين يدي الله تعالى حسبما شرحه ابن رشد في أول مسألة من كتاب الصلاة الأول من «البيان والتحصيل» وهو المعنى المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ﴾ [المؤمنون: 1، 2]، فإن ذلك كله من صفات الصلاة وكمال المصلي فلا يصح كونه هو المخفف لكلفة الصلاة على المستعين بالصلاة كما لا يخفى.

وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنى التفسير للخاشعين ومعنى بيان منشأ خشوعهم، فدل على أن المراد من الظن هنا الاعتقاد الجازم وإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير جداً، قال أوس بن حجر يصف صياداً رمى حمار وحش بسهم: فأرسله مستيقن الظن أنه *** مخالطُ ما بين الشرا سيف جائف وقال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظُنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّج *** سراتهم بالفارسي المسرج فهو مشترك بين الاعتقاد الجازم وبين الاعتقاد الراجح.

والملاقاة والرجوع هنا مجازان عن الحساب والحشر أو عن الرؤية والثواب؛ لأن حقيقة اللقاء وهو تقارب الجسمين، وحقيقة الرجوع وهو الانتهاء إلى مكان خرج منه المنتهى مستحيلة هنا.

والمقصود من قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ إلخ التعريض بالثناء على المسلمين، وتحريض بني إسرائيل على التهمم بالاقتداء بالمؤمنين وعلى جعل الخطاب في قوله: ﴿ واستعينوا ﴾ للمسلمين يكون قوله: ﴿ وإنها لكبيرة ﴾ تعريضاً بغيرهم من اليهود والمنافقين.

والملاقاة مفاعلة من لقي، واللقاء الحضور كما تقدم في قوله: ﴿ فتلقى آدم من ربه كلمات ﴾ [البقرة: 37] والمراد هنا الحضور بين يدي الله للحساب أي الذين يؤمنون بالبعث، وسيأتي تفصيل لها عند قوله تعالى ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ [البقرة: 223] في هذه السورة، وفي سورة الأنعام (31) عند قوله تعالى: ﴿ قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله.

﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ : أمّا الصَّبْرُ: فَهو حَبْسُ النَّفْسِ عَمّا تُنازَعُ إلَيْهِ، ومِنهُ صَبْرُ صاحِبِ المُصِيبَةِ، أنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ عَنِ الجَزَعِ، وسُمِّيَ الصَّوْمُ صَبْرًا لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وجاءَ في الحَدِيثِ: « (اقْتُلُوا القاتِلَ، واصْبِرُوا الصّابِرَ)» وذَلِكَ فِيمَن أمْسَكَ رَجُلًا حَتّى قَتَلَهُ آخَرُ، فَأمَرَ بِقَتْلِ القاتِلِ، وحَبْسِ المُمْسِكِ.

وَفي الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّبْرُ عَلى طاعَتِهِ، والكَفُّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّوْمُ، وقَدْ «كانَ النَّبِيُّ  إذا حَزَبَهُ أمْرٌ اسْتَعانَ بِالصَّلاةِ والصِّيامِ،» ورُوِيَ «أنَّهُ رَأى سَلْمانَ مُنْبَطِحًا عَلى وجْهِهِ، فَقالَ لَهُ: أشْكُو مِن بَرْدٍ.

قالَ: (قُمْ فَصَلِّ الصَّلاةَ تُشْفَ)» .

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي: وإنَّ الصَّلاةَ لِثَقِيلَةٌ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ، لِعَوْدِ الكِنايَةِ إلى مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ.

والثّانِي: يَعْنِي الصَّبْرَ والصَّلاةَ، فَأرادَهُما، وإنْ عادَتِ الكِنايَةُ إلى الصَّلاةِ; لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَمَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ والثّالِثُ: وإنَّ إجابَةَ مُحَمَّدٍ  لِشَدِيدَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ.

والخُشُوعُ في اللَّهِ: التَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ الخُضُوعُ، وقِيلَ: إنَّ الخُضُوعَ في البَدَنِ، والخُشُوعَ في الصَّوْتِ، والبَصَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَظُنُّونَ أنَّهم مَلاقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، لِإشْفاقِهِمْ مِنَ المَعاصِي الَّتِي كانَتْ مِنهم.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا اليَقِينُ، فَكَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ أيْ تَيَقَّنْتُ، قالَ أبُو داوُدَ: رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيمٍ ∗∗∗ وغُيُوبٍ كَشَفْتَها بِظُنُونِ ﴿ وَأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِالرُّجُوعِ المَوْتَ.

والثّانِي: أنَّهم راجِعُونَ بِالإعادَةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ، أيْ لا يَمْلِكُ أحَدٌ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا غَيْرُهُ كَما كانُوا في بَدْءِ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو يقين.

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ما كان من ظن الآخرة فهو علم.

أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإنهم إليه راجعون ﴾ قال: يستيقنون أنهم راجعون إليه يوم القيامة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ الآية.

أبو عبيد (١) (٢) ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ ...

يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ (٣) البيت لابن مقبل، وفسر الظن فيه بالوجهين، فقال: أبو عبيدة يقول: اليقين فيهم كعسى، وعسى شك (٤) (٥) والعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن (٦) (٧) (٨) ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)  ﴾ ، وقال: ﴿ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا  ﴾ ، وقال (٩) ﴿ إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا  ﴾ كل هذا بمعنى اليقين (١٠) وقال دريد بن (١١) فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ...

سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ (١٢) أي: أيقنوا.

وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة (١٣) وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] (١٤) (١٥) وقال الليث: الظن يكون (١٦) (١٧) (١٨) أَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي ...

عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ (١٩) وحدُّ الظن: الشك الذي يرجح (٢٠) (٢١) (٢٢) وذكر أبو القاسم الزجاجي حقيقة (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) وسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) وقال الأخفش في قوله: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ : إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.

والثاني.

أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين.

(والملاقاة) و (اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير (٣٢) كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا  ﴾ ، أي المصير إلينا، وقال: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ  ﴾ ، أي مجتمع معكم وصائر إليكم.

قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه (٣٣) و (اللقاء) و (الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على البعث والمصير إلى الله كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا  ﴾ ، وقوله: ﴿ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ  ﴾ ، ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا  ﴾ .

ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) وقال أبو علي: معنى قوله: ﴿ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ ملاقو ثواب ربهم (٣٩) (٤٠) ﴿ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا  ﴾ ، وقوله: ﴿ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا  ﴾ ، ومثله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ  ﴾ ، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا.

وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت (٤١) (٤٢) (٤٣) ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ (٤٤) ﴿ إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ  ﴾ و ﴿ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ  ﴾ نصبت (٤٥) (٤٦) وإنما كان كذلك (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .

أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون.

ومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته (٥٤) ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ  ﴾ أراد إلى أمر ربك (٥٥) (٥٦) وقال بعض أهل العلم: معنى الرجوع هاهنا العود (٥٧) ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ أنهم يرجعون إلى أن لا يكون لهم مالك سواه، يملك نفعهم وضرهم كما كانوا في بدء (٥٨) (٥٩) (١) في (ب): (أبو عبيدة).

(٢) "مجاز القرآن" 1/ 39، "التهذيب" (ظن) 3/ 2253، "الأضداد" لابن الأنباري ص14، والأصمعي ص 34، والسجستاني ص 77، وابن السكيت ص 188، والصغاني ص 238 (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد).

(٣) يروى البيت (ظن) و (ظنوا) بدل (ظني) وفي "الجمهرة": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر "جوائز الأمثال" وفي "الجمهرة" (جوائب) ويروى (سوائر).

ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال: (الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه: (جوائب الأمثال) من جاب يجوب.

ورد البيت في "الأضداد" لابن الأنباري ص 23، "الأضداد" للأصمعي ص 35، والسجستاني ص 95، وابن السكيت ص 188، "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "اللسان" 2/ 724 (جوز)، و5/ 2762 (ظن)، و5/ 2950 (عسا)، "الجمهرة" 1/ 154، 2/ 935، "الخزانة" 9/ 333.

(٤) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253.

(٥) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، وانظر: "الأضداد" لابن السكيت ص 188، "الخزانة" 9/ 313.

(٦) قوله: (وللشك ظن) ساقط من (ب).

(٧) في (ج): (طرف).

(٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 262.

(٩) في (أ)، (ج): (وان ظنا) بسقوط (قال).

(١٠) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 262، "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "الأضداد" لابن الأنباري ص 14.

(١١) (بن) ساقط من (ج).

ودريد: مصغر: أدرد واسمه معاوية بن الحارث من هوازن، كان شجاعا شاعرًا فحلًا، قتل في حنين مشركًا.

انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص 504، "الخزانة" 11/ 118.

(١٢) ظنوا: أيقنوا، و (المدجج): التام السلاح، سَرَاتُهم: خيارهم وأشرافهم، الفارسي المسرد: الدروع.

ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 262.

"المجاز" 1/ 40، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، "الأصمعيات" ص 199، "الأضداد" لابن الأنباري ص 14، "الجمل" للزجاجي ص 199، "جمهرة أشعار العرب" ص211، "اللسان" (ظن) 5/ 2762، "شرح المفصل" 7/ 81، "الخزانة" 11/ 279، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "فتح القدير" 1/ 125، "ديوان دريد" ص 47.

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96.

وقال: وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا.

قال أبو إسحاق: وهذا سمعته من إسماعيل بن إسحاق القاضي -رحمه الله- رواه عن زيد بن أسلم.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، والعبارة في (أ): (أن الظن يقع في معنى العلم أكثر من ..) وفي (ج): (يقع في معنى العلم اعتراضات العلم ....

(وعدم استقامة السياق يدل على المحذوف، وما في "معاني القرآن" للزجاج يدل على ما ذكر، 1/ 96.

(١٥) ذكره ابن الأنباري في (الأضداد) مع اختلاف العبارة ص 16.

(١٦) في (ج): (يكو).

(١٧) في (أ)، (ج): (يقول) مع سقوط الواو.

(١٨) هو الذبياني.

(١٩) ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص 84، وفي "تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373، وفيه (على عجل) بدل (خوف)، وورد الشطر الأول في "اللسان" (عرا) 5/ 298، وهو في "ديوان النابغة" ص 73، وفيه (فجئتك).

(٢٠) في (ب): (ترحح).

(٢١) انظر: "الوجوه والنظائر" لابن الجوزي ص 424.

(٢٢) البيت من قصيدة لأوس بن حجر يرثي بها فضالة بن كلدة، ويروي البيت (كأن) بدل (كمن)، وقوله: (الألمعي): المتوقد ذكاء.

ورد البيت في (الخصائص) 2/ 112، "المصون في الأدب" ص 123، (عيون الأخبار) 1/ 91، "معاهد التنصيص" 1/ 128، "ديوان أوس" ص 53.

(٢٣) في (ج): (وحقيقة) (٢٤) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 14، "الأضداد" لقطرب ص 71، "الأضداد" للأصمعي ص 34، وللسجستاني ص 76، ولابن السكيت ص 188، (والثلاثة الأخيرة ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) "تهذيب اللغة" (ظن) 3/ 2253، "اللسان" (ظن) 5/ 2762.

(٢٥) في (ج): (يوو).

(٢٦) في (أ)، (ج): (فإن)، وأثبت ما في (ب) لأنه أولى في السياق (٢٧) انظر: "غريب الحديث" للخطابي 3/ 26، "اللسان" (ظن) 5/ 2762.

(٢٨) في (أ): (فنفرت)، وفي (ج): (فيقرب) وأثبت ما في (ب).

(٢٩) (تارة) ساقط من (ب).

(٣٠) قوله: (اليقين صار) ساقط من (ب).

(٣١) انظر: "مفردات الراغب" ص 317.

(٣٢) انظر: "مقاييس اللغة" (لقى) 5/ 261، "الفائق" 3/ 325، "مفردات الراغب" ص 453، "اللسان" (لقا) 7/ 4064.

(٣٣) أورده الواحدي في "الوسيط" عن ابن عباس، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه والله أعلم، وبمعناه عن السدي وابن جريج، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 103.

(٣٤) قال بعض المفسرين: إن المراد بالملاقاة في الآية: الرؤية.

انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 279، و"تفسير البغوي" 1/ 95، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 227، "البحر" 1/ 186.

(٣٥) في (ج): (الاستيقان).

(٣٦) وعلى هذا أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 103، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 96، و"تفسير الثعلبي" 1/ 69/ ب، و"تفسير ابن عطية" 1/ 279، و"تفسير ابن كثير" 1/ 93.

(٣٧) أي: أن المراد به البعث والرجعة إلى الله والجزاء على ما عملوا.

انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 116، و"ابن عطية" 1/ 279، و"البغوي" 1/ 69، و"ابن كثير" 1/ 93، "البحر" 1/ 186.

(٣٨) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).

(٣٩) ذكر هذا التقدير بعض المفسرين كابن عطية في "تفسيره" 1/ 279، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، وأبو حيان في "البحر" 1/ 186، وإن كانت الآية محتملة له، فالأولى عدم صرفها عن ظاهرها كما قال أبو حيان، وقد قالت المعتزلة بنفي رؤية الله تعالى في الآخرة.

وقالوا: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية وأولوا الآية على أن المراد: ملاقو ثواب ربهم، كما قال الزمخشري في "الكشاف" 1/ 278، فإن قصد بتأويل الآية على هذا نفي الرؤية فهو مردود، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 279، "تفسير الرازي" 3/ 51، "البحر" 1/ 186.

(٤٠) في (ب): (من وصفه).

والمعنى: يقول: إن المذكورين في قوله: ﴿ مُلَاقُو رَبِّهِمْ ﴾ لهم ثواب يلقونه، أما الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ فليس لهم ثواب يلقونه.

(٤١) في (ب): (فيثبت).

(٤٢) اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي يضاف لما بعده وتحذف النون، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فعند البصريين لا يضاف، ولهذا قالوا هنا: إن النون حذفت تخفيفا، ثم تتمكن به الإضافة، وهي إضافة غير محضة.

أما عند الكوفيين فيجوز إضافته ولو كان بمعنى الاستقبال، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 254، و"تفسير الطبري" 3/ 263، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، "تفسير ابن عطية" 1/ 280.

(٤٣) في (ب): (النون).

(٤٤) آل عمران: 185، والأنبياء: 35، والعنكبوت: 57.

(٤٥) في (ب): (نصب).

(٤٦) أي على تقدير أن النون لم تحذف للإضافة، وأهلك منصوب بالعطف على الكاف في (منجوك)، وقيل: أهلك منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك، وهذا عند من جعل الكاف في موضع جرّ، انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 255، "البحر" 1/ 151.

(٤٧) قوله: وإنما كان كذلك ..

الخ هذا تعليل لإضافة اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي، وعدم، إضافته إذا كان بمعنى الحال والاستقبال.

(٤٨) في (ب): (يشابهه).

(٤٩) في (ب): (كذلك).

(٥٠) أي اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي.

(٥١) في (أ)، (ج): (إلى) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.

(٥٢) في (ب): ولاجله.

(٥٣) هذا التعليل على مذهب الكوفيين، أما البصريون فيقولون: تحذف النون أو التنوين منه استثقالاً، وهو مراد، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 263، و"ابن عطية" 1/ 280.

(٥٤) وقيل: الضمير يرجع إلى الله تعالى.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، و"تفسير ابن عطية" 1/ 280، "البيان" 1/ 80، و"القرطبي" 1/ 321، "البحر" 1/ 187.

(٥٥) قال ابن جرير: (ألم تر يا محمد كيف مد ربك الظل) 19/ 18، وقال البغوي: (ألم تر إلى مد ربك الظل) 6/ 86.

(٥٦) أخرج ابن جرير عن أبي العالية: قال: (يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة) قال ابن جرير: (وقال آخرون: أنهم إليه يرجعون بموتهم) 1/ 264، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 280، و"القرطبي" 1/ 321.

(٥٧) في (ب): (إلى العود).

(٥٨) في (ب): (بدو) وقد وردت هكذا في "لباب التفسير" للكرماني 1/ 228.

(٥٩) انظر: "تفسير الرازي" 3/ 51، "لباب التفسير" للكرماني 1/ 228، "البحر" 1/ 187.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ لما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.

فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: ﴿ وَإِذْ نجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [البقرة: 49] ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ [البقرة: 50]، ﴿ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]، ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ [البقرة: 58]، ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، ﴿ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ [البقرة: 60].

وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.

وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء، وأخذكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.

﴿ نِعْمَتِي ﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعاً ﴿ بعهدي ﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿ بِعَهْدِكُمْ ﴾ دخول الجنة ﴿ وإياى ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقاً للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيره، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : الاشتراء هنا استعارة في استبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن ﴿ الحق بالباطل ﴾ الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها.

﴿ وَتَكْتُمُواْ ﴾ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر الدخول في الإسلام ﴿ واركعوا ﴾ خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد ﴿ مَعَ الراكعين ﴾ مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿ بالبر ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَنْسَوْنَ ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع ﴿ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ حجة عليهم ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ونُعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي شاقة صعبة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ هنا: يتيقنون ﴿ العالمين ﴾ أي أهل زمانهم، وقيل تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك ﴿ لاَّ تَجْزِي ﴾ لا تغني.

وشيئاً مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقاً، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] ولقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس: 3] ولقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في الشفاعة فيقال له: «اشفع تشفع» فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿ عَدْلٌ ﴾ هنا فدية ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إسرائيل ﴾ بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ نعمتي ﴾ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل ﴿ فارهبوني ﴾ ﴿ فاتقوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية.

وروى مسبح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل.

﴿ أول كافر به ﴾ ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج.

الوقوف: ﴿ فارهبون ﴾ (ه) ربع الجزء.

﴿ كافر به ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين وعلى ﴿ قليلاً ﴾ أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

﴿ فاتقون ﴾ (ه) ﴿ تعلمون ﴾ (ه) ﴿ الراكعين ﴾ (ه) ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ الصلاة ﴾ (ط) ﴿ خاشعين ﴾ (لا) لأن "الذين" صفتهم.

﴿ راجعون ﴾ .

التفسير: أنه  لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات.

الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيهاً على نبوة محمد  من حيث كونه إخباراً بالغيب مدرجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غير منصرف للعلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله.

وقيل: عبد الله، لأن "إسر" بالعبرية هو العبد، "وإيل" الله.

وقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد  .

وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة.

والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم.

قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله  ذكربني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد  ذكرهم المنعم فقال ﴿ فاذكرني أذكركم  ﴾ عن ابن عباس أنه قال: من نعمه  على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عموداً من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد  وهو التوراة والإنجيل والزبور.

ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد  والقرآن.

ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة.

ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه.

فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة.

والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله  بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب "من أشبه أباه فما ظلم".

والعهد يضاف إلى المعاهد جميعاً.

يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه.

والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن عباس.

وتحقيقه في قوله  ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله  ﴾ وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد  وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله ﴿ ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً  ﴾ إلى قوله ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار  ﴾ وفي الأعراف ﴿ فسأكتبها للذين يتقون  ﴾ الآية.

وفي آل عمران ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم  ﴾ وفي الصف ﴿ وإذ قال عيسى بن مريم  ﴾ وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد  النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته  ﴾ .

وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد  فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده  ؟

قلنا: إما لأن هذا العلم به  كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه  ، وإما لأن ذلك النص كان نصاً خفياً لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.

جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله  .

فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟

قالت: أهرب من سيدتي سارة.

فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابناً تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عيناً بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع.

فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة.

﴿ وإياي فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيداً رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص.

فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون.

وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿ إياك نعبد  ﴾ لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها.

أي إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.

ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير.

والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول.

ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.

يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة.

قوله ﴿ وآمنوا ﴾ معطوف على ﴿ اذكروا ﴾ والمراد ﴿ بما أنزلت ﴾ القرآن و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والانجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد  وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد  والقرآن تكذيباً لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد  من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقاً، ومن جهة أنه  أخبر عن كتبهم ولم يكن له  معرفة بذلك الأمر قبل الوحي ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾  أي أوّل من كفر به  ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به  ، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله "كسانا حلة" أي كل واحد منا.

(وهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به  وقد سبقهم إلى الكفر به  مشركو العرب؟

وفي الجواب وجوه: الأوّل: أنه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به  لمعرفتهم به  وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد  والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم.

فلما بعث كان أمرهم على العكس ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ .

والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا - وأنتم تعرفونه  موصوفاً في التوراة - مثل من لم يعرفه  لأنه لا كتاب له.

الثالث: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل.

الرابع ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يعني بكتابكم.

يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد  يوجب تكذيبكم بكتابكم.

الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق إلى الكفر كفره غليظ "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر.

السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة.

السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي  قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر.

الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به  عند سماعكم بذكره  ، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه  .

السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه.

وأيضاً في قوله ﴿ وآمنوا ﴾ دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور.

وأيضاً قوله ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير.

وقوله ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها  ﴾ لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا.

قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد  فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة.

والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم.

خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام.

وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع ﴿ وإياي فاتقون ﴾ مثل ﴿ وإياي فارهبون ﴾ وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة.

على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم.

قوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله ﴿ وآمنوا ﴾ أمر بترك الكفر والضلال.

ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها.

فقوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ إشارة إلى القسم الأول، وقوله ﴿ وتكتموا ﴾ المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفاً على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني.

والباء التي في ﴿ بالباطل ﴾ إما للوصل كما في قولك "لبست الشيء بالشيء" خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما.

وإما للاستعانة كما في "كتبت بالقلم" فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين.

وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد  كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق  ﴾ قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وتكتموا ﴾ منصوباً بإضمار "أن"، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو "لا تأكل السمك وتشرب اللبن".

قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفرداً عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر.

﴿ وأنتم تعلمون ﴾ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه.

ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.

وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله.

ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.

ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم في أول البقرة.

وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب.

قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها  ﴾ فإن المخرج يطهر ما بقي من المال.

قال  "عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار.

وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار" .

وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

وفي قوله ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين.

وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة.

وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه  لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول.

والهمزة في ﴿ أتأمرون ﴾ للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم.

والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي.

واختلف في البر ههنا.

قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها.

وقال ابن جريج.

تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما.

أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في أتباعه، فلما بعث الله محمداً  حسدوه وأعرضوا عن دينه.

الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها.

وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد  ولا يتبعونه.

وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد  ثم ما آمنوا به.

وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه  في الباطن، فوبخهم الله على ذلك.

والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟

فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ﴿ وأنتم تتلون الكتاب ﴾ أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد  ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ؟

وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم.

وكثيراً ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون.

وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة.

وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح.

ومنها أن مثل هذا الوعظ يصير سبباً للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء.

ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول.

قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بهذه الآية، وبقوله  ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر.

والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع.قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي  قال "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار.

فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟

فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم" وقال  "إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه.

فقيل: من هو يا رسول الله؟

قال: عالم لا ينتفع بعلمه" وقال  "مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه" وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟

فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.

وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه.

وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.

روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظاً زاهداً مات - فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟

فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك.

وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله.

فقال: إن بيتـــاً أنـــت ســاكنـــه *** غيـــــر محتــــاج إلـــى ســـــرج ولما أمرهم الله  بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد  بالصبر أي حبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها.

ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية.

وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان.

ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله.

وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات.

ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء.

وهذا الخطاب وإن كان خاصاً ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعياً في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها  ﴾ .

ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا.

كان رسول الله  إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه  ﴾ ﴿ إلا على الخاشعين الذين يظنون ﴾ يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زماناً يسيراً فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات.

وكان رسول الله  يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: "يا بلال روّحنا" ، "وجعلت قرة عيني في الصلاة" والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة.

وفي الحديث "كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت" وللظن ههنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزاً لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟

وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم.

وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعاً راجحاً عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت  ﴾ .

ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح.

وبقي ههنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله  ، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه  ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  ﴾ ويشمل الكافر والمؤمن.

وقال  "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك.

فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.

فإن منع من ذلك أيضاً مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع.

ففي قوله ﴿ إلى يوم يلقونه  ﴾ دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى.

البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهراً غير الله  .

قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه  جسماً.

وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

ويحتملُ ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ يعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله  : ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 141].

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ من نحو ما أَعطاهم - عز وجل - المن والسَّلْوى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحداً من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم.

وقيل: نعمتُه محمدٌ  بعث وقتَ اختلافهم في الدين، وتَفرُّقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلَّهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبيِّنات.

كما أخرجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول الله  نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري.

فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجِّه شكر نعمه إلى ربه.

وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أَمراً بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره.

وقوله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين: عهد خلقة: لما جعل في خلقة كلِّ أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى.

وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله  : ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

وقوله  : ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .

الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

ويقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجِّهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري.

ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبيِّين بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81]، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ  ﴾ فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيَّن في كتبهم؛ من بعث محمد  والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد  .

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .

أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.

وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي.

وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث محمد نبيِّي  .

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ على نبيِّي محمد  من القرآن.

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: موافقاً لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما.

وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض.

أو يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة - وهم الصابئون -: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتوراة نزلت بالشدائد.

فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب - بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ - حكمةً.

فقال عز وجل: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخصٌ؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأْمر به في وقت، وليس فيه خروجٌ عن الحكمة أَن يأْمر أَحداً وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدةٍ، وفي شيء واحد.

ثم في الآية دلالةُ أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَيْر مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فول كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق.

وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفاً لبعضه، كقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر.

وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأَنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به.

وقيل: هم أول من التقوا برسول الله  ؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ.

فيكون عليهم - لو كفروا - ما على أول من كفر - ولا قوة إلا بالله - مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُّت والتمرد، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قيل: بحجتي: قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ .

وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيءٍ وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء.

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي.

وقد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل.

ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد  ، ولا تثبتوا غيره.

وكله يرجع إلى واحد.

ثم ﴿ ٱلْحَقَّ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: محمداً  ونعته.

ويحتمل الحق: القرآن.

ويحتمل الحق: الإيمان.

والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمداً عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمراً بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ليس هو إخباراً عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لها والإيمان بهما، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً.

قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويَصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة.

ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل: الأَمر بالصلاة والزكاة أَمراً لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكىَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها، ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرْضٌ على كل واحد، وبالله التوفيق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون.

وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحداناً لغير الله؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي  وأَصحابه بالجماعة.

وفيه أمر بحضور الجماعة.

وقيل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدين والمذهب، أَي: اعتقاداً.

وقوله عز وجل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يَعني: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ولا تأمرونها باتباع محمد  ، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟!

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أَنَّ ذا لا يصحُّ؟!.

وقيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمحمد  ، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم.

ويحتمل أَن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحداً بمعروف إلا ويأْمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول.

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأْكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان للرؤساءِ منهم بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ والله أعلم.

ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد  ، والانقياد والخضوع له، لما بيَّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له.

ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأَن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ: "حفت الجنة بالمكارة، والنار بالشهوات" ويحتمل: أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما.

لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

وإنما يصلح هذا التأويل في قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 153].

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ .

يُخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم.

ويحتمل: أنَّ تركَ الرئاسة لمحمد  والانقياد له، والخضوع - لثقيلٌ إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر.

ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم.

وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب.

وقيل: الخاشع؛ المتواضع.

وقيل: الخاشع - هاهنا - المؤمن.

وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب.

وقوله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ .

يعنى: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴾ .

أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه.

قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفي الظن.

والهمّةُ بين هذين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وذلك لأنهم هم الذين يوقنون أنهم واردون على ربهم وملاقوه يوم القيامة، وأنهم إليه راجعون ليجازيهم على أعمالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.xPRdG"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام موجه إلى بني إسرائيل وقد تقدم في الآيات السابقة أن الله ذكرهم بنعمته، وأمرهم بالوفاء بعهده، وأن يرهبوه ويتقوه وحده، وأن يؤمنوا بالقرآن، ونهاهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا، وأن يلبسوا الحق بالباطل ويكتموه عمدًا.

ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وطفق في هذه الآيات يوبخهم على سيرتهم المعوجة في الدين، ويهديهم إلى طريق الخروج منها.

اليهود كسائر الملل يدعون الإيمان بكتابهم والعمل به، والمحافظة على أحكامه والقيام بما يوجبه، ولكن الله تعالى علمنا أن من الإيمان-بل مما يسمى في العرف إيمانًا- ما لا يعبأ به، فيكون وجوده كعدمه، وهو الإيمان الذي لا سلطان له على القلب، ولا تأثير له في إصلاح العمل، كما قال ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ وكانت اليهود في عهد بعثته  قد وصلوا في البعد عن جوهر الدين إلى هذا الحد.

كانوا -ولا يزالون- يتلون الكتاب تلاوة يفهمون بها معاني الألفاظ، ويجلون أوراقه وجلده، ولكنهم ما كانوا يتلونه حق تلاوته، لأن الذين يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به كما قال تعالى وعلى الوجه الذي يرضاه تعالى: يتلون ألفاظه وفيها البشارة بالنبي  ويأمرون بالعمل بأحكامه وآدابه من البر والتقوى، ولكن الأحبار القارئين الآمرين الناهين ما كانوا يبينون من الحق إلا ما يوافق أهواءهم وتقاليدهم، ولا يعملون بما فيه من الأحكام إلا إذا لم يعارض حظوظهم وشهواتهم فقد عهد الله إليهم في الكتاب أنه يقيم من إخوتهم نبيًا يقيم الحق، وفرض عليهم الزكاة، ولكنهم كانوا يحرفون البشارة بالنبي  ويؤولونها، ويحتالون لمنع الزكاة فيمنعونها، وجعلت لهم مواسم واحتفالات دينية تذكرهم بما آتى الله أنبياءهم من الآيات وما منحهم من النعم لينشطوا إلى إقامة الدين والعمل بالكتاب، ولكن القلوب قست بطول الأمد ففسقت النفوس عن أمر ربها.

وهذه التوراة التي بين أيديهم لا تزال حجة عليهم، فلو سألتهم عما فيها من الأمر بالبر والحث على الخير لاعترفوا وما أنكروا، ولكن أين العمل الذي يهدي إليه الإيمان، فيكون عليه أقوى حجة وبرهان؟!.

كذلك كان شأن أحبار اليهود وعلمائهم في معرفة ظواهر الدين بالتفصيل وكان عامتهم يعرفون من الدين العبادات العامة والاحتفالات الدينية وبعض الأمور الأخرى بالإجمال، ويرجع المستمسك منهم بدينه في سائر أموره إلى الأحبار فيقلدهم فيما يأمرونه به، وكانوا يأمرون بما يرونه صوابًا فيما ليس لهم فيه هوى، وإلا لجأوا إلى التأويل والتحريف والحيلة ليأخذوا من الألفاظ ما يوافق الهوى ويصيب الغرض، فإذا وجه الخطاب في قوله تعالى ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ إلى حملة الكتاب فذاك لأن الأمر والنهي وظيفتهم، وإذا كان عامًا فذاك لأن شأن العامة فيما يعرفون من الدين بالإجمال كشأن الرؤساء فيما يعرفون بالتفصيل، ولا يكاد يوجد أحد لا يأمر بخير ولا يحث على بر فإذا كان الأمر لا يأتمر بما يأمر به فالحجة قائمة عليه بلسانه.

وبخ الله هؤلاء القوم على أنهم كانوا يأمرون الناس بالبر كالأخذ بالحق ومعرفته لأهله وعمل الخير والوعد عليه بالسعادة مع الغفلة عن أنفسهم وعدم تذكيرها بذلك، وما أجمل التعبير عن هذه الحالة بنسيان الأنفس، فإن من شأن الإنسان أن لا ينسى نفسه من الخير ولا يجب أن يسبقه أحد إلى السعادة، كأنه يقول: إذا كنتم موقنين بوعد الكتاب على البر ووعيده على تركه فكيف نسيتم أنفسكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ  ﴾ وتأمرون الناس باتباعه وتعرفون منه ما لا يعرفه المأمورن؟

أفتعلمون مع نقص العلم بفائدة العمل، ولا تعملون على كمال العلم وسعته؟!.

ولما كان هذا غير معقول قفى على استفهام التوبيخ بقوله ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  ﴾ ؟.

يعني ألا يوجد فيكم عقل يحبسكم عن هذا السفه، فإن من له مسكة من العقل لا يدعي كمال العلم بالكتاب والإيمان اليقيني به والقيام بالإرشاد إليه: هذا كتاب الله، هذه وصايا الله، هذا أمر الله، قد وعد العامل به السعادة في الدنيا أو الآخرة أو كليهما، فخذوا به واستمسكوا بعراه، وحافظوا عليه- ثم هو لا يعمل ولا يستمسك؟!.

مثل من كانت هذه حاله كمثل رجل أمامه طريق مضيء نصت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه، ثم هو يسلك طريقًا آخر مظلمًا طامس الأعلام، وكلما لقي في طريقه شخصًا نصح له أن لا يمشي معه، وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه، أو مثل ساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية، ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم.

إذا كان هذا لا يقع من صحيح العقل فكذلك أمر المؤمن بشعب الإيمان وعدم الائتمار بها، مع تذكرها وتلاوة كلام الله فيها.

فلا بد لتعقل هذا من القول بأن الإيمان بالوعد على البر والوعيد على الفجور غير يقيني عند الآمر المخالف.

ويؤيده أن القوم كانوا عقلاء في كسب المال وحفظ الجاه الدنيوي وإنما ضلوا من جهة الدين بأخذه على غير وجهه.

الخطاب عام لليهود الذين كان هذا حالهم وعبرة لغيرهم لأنه منبئ عن حال طبيعية للأمم في مثل ذلك الطور الذي كانوا فيه، ولذلك كان القرآن هداية للعالمين إلى يوم الدين، لا حكاية تاريخ يقصد بها هجاء الإسرائيليين، فلتحاسب أمة نفسها في أفرادها ومجموعها لئلا يكون حالها كحال من ورد النص فيهم فيكون حكمها عند الله كحكمهم، لأن الجزاء على أعمال القلوب والجوارح، لا لمحاباة الأشخاص والأقوام أو معاداتهم.

"فإن قيل" إن من يأمر غيره بالبر وينسى نفسه قد يكون متكلًا في ترك العمل على الشفاعات والمكفرات، كالأذكار والصدقات، لا أنه يترك لعدم اليقين في الإيمان، وإذا أمر غيره بالبر مع هذا فذاك لأنه يلاحظ المكفرات في شأن نفسه ولا يلاحظها في شأن غيره.

نقول:إن العالم بالدين لا يخفى عليه أن حكم الله تعالى واحد عام، فكيف يحتم البر على غيره ويوهمه أنه لا يقربه من رضوان الله ويبعده من سخطه إلا هو، وينسى نفسه فلا يحتم عليها ذلك؟!

ثم كيف يجهل أن الشفاعات والأعمال الصالحة التي ورد أنها تكفر السيئات لا يصح أن تكون مثبطة عن عمل البر أو سببًا لتركه لأنه المقصود من الدين، فهل يكون فرع من فروع الدين هادمًا لأصوله وسائر فروعه؟!

كل ذلك كان ينبغي أن يكون بعيدًا عن العالم بالدين الذي يتلو كتاب الله تعالى، ولكن هذا الضرب من الخذلان يعرض لأرباب الأديان عند فساد حال الأمم، فنبه الله تعالى عليه بهذا التعبير اللطيف وهو نسيان النفس مع تلاوة الكتاب، فكأن الزاعم أنه مؤمن ولا يعمل عمل الإيمان، نسي أنه هو الذي يزعم الإيمان، وصاحب هذا النسيان يمضي في العمل القبيح من غير فكر ولا رؤية بل انبعاثًا مع الحظوظ والشهوات التي حكمها في نفسه، وملكها زمام عقله وحسه، ولكنه لا يلاحظها في غيره عندما يعرض عليه عمله الشيء أو يراه معرضًا عن عمل البر ولذلك يعظه ويذمه.

بعدما بين سوء حالهم وأن عقلهم لم ينفعهم والكتاب لم يذكرهم، أرشدهم إلى الطريقة المثلي للانتفاع بالكتاب والعقل والعمل بالعلم النافع، فإن العمل السيئ الذي سببه نسيان النفس ليس طبيعيًا كالنفس لا يمكن دفعه ومقاومته بل هو اختياري وسببه عارض تمكن إزالته بما أرشد الله إليه في قوله ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  ﴾ ...

أمر بالصبر وهو كما قال المفسر حبس النفس على ما تكره.

ونقول بعبارة أوضح هو احتمال المكروه بنوع من الرضى والاختيار والتسليم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما يقول العامة في أمثالهم ...

وذكر مثلًا بمعني قول الشاعر: صبرت ولا والله مالي طاقة على الصبر ولكني صبرت على الرغم والصبر الحقيقي المبني على التسليم يحصل بتذكر وعد الله تعالى بالجزاء الحسن للصابرين على أعمال البر التي تشق على النفس وعن الشهوات المحرمة التي تصبو إليها، ويتذكر أن المصائب من فعل الله وتصرفه في خلقه فيجب الخضوع له والتسليم لأمره، ومن عجيب أمر هذا الصبر أنه يقي الإنسان من الخسران متى حسن في كل شيء كما تفيده سورة (العصر) ويؤيده الاختبار، وقد اشتهر أن "من صبر ظفر" وربما أتينا على شيء من معنى الصبر-وأنه قوة من قوى النفس تدخل النظام في كل عمل من أعمالها- في موضع آخر.

والاستعانة بالصبر تكون بالالتفات إلى الأسباب التي تأفك الناس وتصرفهم عن صراط الشريعة كاتباع الشهوات، والولوع باللذات، والبعد عن المؤلمات، ثم بالقياس بينها وبين ما رغب الله فيه، أو أوعد بالعقاب على فعله، ثم بملاحظة أن ما أوعد الله تعالى به أولى بأن يتقى، وما وعد به أولى بأن يرجى ويطلب.

ومثل الذين يفقدون الصبر فيقعون في الخسران كمثل صاحب الحاجة يهزه الطيش والتسرع إلى قضاء حاجته ويفقد الصبر على مرارتها، فيكذب لاعتقاد أن حاجته تقضى، فيدفع المضرة أو يجلب المنفعة بالكذب، وأنه بالصدق يفوته هذا، فيقترف جريمة الكذب لهذا الاعتقاد، وهو ظان بل واهم، ومتى اقترفه مرة هان عليه فيعود إليه فيكون كذابًا، ومتى عرف بذلك ضاعت الثقة به وفسد حاله وأصبح يجد الحاجة إلى الصدق أشد مما كان منها إلى الكذب.

وإذا ذُكِّر مثل هذا الرجل أو تذكر من تلقاء نفسه الوعيد على الكذب وما ورد في ذلك من آيات في كتاب الله وآثار عن رسول  وآله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وما يجلبه لصاحبه من مقت الله وغضبه، ويسبق إلى ذهنه المكفرات، ومثلها الشفاعات وسعة العفو والمغفرة، كالاستغفار قبل النوم مائة مرة، وقول كذا من الذكر بعد صلاة الصبح كذا وكذا مرة، فلا يبقى للوعيد معها أثر، إذ يذعن بأن ذنبه يغفر لا محالة، وينسى سبب المغفرة الحقيقي وهو التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى، وأن العفو عن غير التائب الأواب إلى الله تعالى مجهول بالنسبة إلى علمنا وإن كان جائزًا عقلًا، فإننا لم نطلع على ما في علم الله تعالى فنعلم أننا ممن يعفو عنهم.

وكيف نترك ما جاء عن الله في كتابه وعلى لسان نبيه من النصوص القاطعة الدالة على أن لعنة الله مسجلة على الكاذبين، وهي بعمومها لا تدع لوهم مجالًا في نزول سخط الله بالكاذب، ثم نخترع لأنفسنا تعلة نتوكأ عليها في ارتكاب هذه الجريرة ونسندها إلى سعة عفو الله، أو إلى مجمل من القول لا يبينه إلا تلك النصوص القاطعة؟

إن هذا إلا خبال، أو تصوير خيال، أو فقد للإيمان بصحة تلك النصوص القاطعة، نعوذ بالله.

ومن الناس من يكتفي بالاعتذار عن ذنوبه وجرائمه بأنه غير معصوم، وذكر بعض الشواهد عمن يطن أن لهم في الدين قدم صدق..

ومن هذا رأيه يتصور أن الصدق واتباع الحق إنما هو شأن طائفة معدودة من البشر وهم الأنبياء عليهم السلام، وكل من عداهم فليس من شأنه أن يثبت على عمل صالح، ويكتفي بهذه التكأة في تسلية نفسه وتجريئها على الجرائم، وكفي بهذا حمقًا، فليس يلزم من كون غير النبي ليس معصومًا أن يكون إلف مآثم، وحلف جرائم، وخدن عظائم، ولو لزم أن يكون الناس هكذا لكانت الشرائع عبثًا، والتهذيب لغوًا، ولفسدت الأرض وخرب العمران.

وهل يصح في حكم العقل أن يقال إن الشرائع والحدود وضروب الوعد والوعيد لم ينعم الله بتشريعها إلا لأجل المعصومين؟

وهل يحتاج المعصوم إلى وعد أو وعيد، وما فائدتهما بالنسبة إليه، وقد أيقن بتوفيق الله له وأنه لا يأتي أمرًا يخالف ما أمر به، ولا يقترف شيئًَا مما نهى عنه؟!

ثم كيف لا يكون لغير المعصومين نصيب في الوعيد ولا الزجر مع أنهم أحق الناس بالردع وأحوجهم إلى التخويف من سوء العاقبة؟.

وأما الاستعانة بالصلاة فهي أقرب إلى حصول المأمول وإرجاع النفس إلى الله تعالى لما لها من التأثير في الروح ولكنها أشق على النفس الأمارة بالسوء، ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ  ﴾ أي لثقيلة شديدة الوقع كقوله تعالى ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ  ﴾ إلا على المخبتين المتطامنة قلوبهم وجوارحهم لله تعالى فهؤلاء هم الذين يستفيدون بالصلاة الصبر وكل الخلائق الحسنة لما تعطيه الصلاة من مراقبة الله تعالى كما قال  ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلَّا الْمُصَلِّينَ  ﴾ فمن خواص الصلاة الصبر ونفي الجزع، ومن خواصها النهي عن الفحشاء والمنكر، ومن خواصها الجود والسخاء، فالمصلي الحقيقي هو البار الحقيقي الذي لا يترك الحق لأجل شهوة، ولا لما يعرض له في معاملاته مع الخلق من خوف وخشية.

وهذا أثر صلاة الخاشعين بالإجمال ولذلك قال تعالى ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ  الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ  ﴾ .

ثم وصف الخاشعين وصفًا يناسب المقام ويظهر وجه الاستعانة به فقال ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ أي الذين يتوقعون لقاء الله تعالى يوم الحساب والجزاء وأنهم إليه راجعون بعد البعث، لا مرجع لهم إلى غيره.

فالإيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده، ولو لم يكن الاعتقاد يقينيًا، فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك أكتفي هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا (الجلال) باليقين لأنه الاعتقاد المنجي في الآخرة وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.5 / 29.5
الإضاءة 21%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله