الآية ٤٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤٧ من سورة البقرة

يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ ٤٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 97 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يذكرهم تعالى سالف نعمه على آبائهم وأسلافهم ، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم ، كما قال تعالى : ( ولقد اخترناهم على علم على العالمين ) [ الدخان : 32 ] ، وقال تعالى : ( وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) [ المائدة : 20 ] .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، في قوله تعالى : ( وأني فضلتكم على العالمين ) قال : بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان ؛ فإن لكل زمان عالما .

وروي عن مجاهد ، والربيع بن أنس ، وقتادة ، وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك ، ويجب الحمل على هذا ؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم ؛ لقوله تعالى خطابا لهذه الأمة : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم ) [ آل عمران : 110 ] وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتم توفون سبعين أمة ، أنتم خيرها وأكرمها على الله .

والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى : ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) [ وقيل : المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس ، ولا يلزم تفضيلهم مطلقا ، حكاه فخر الدين الرازي وفيه نظر .

وقيل : إنهم فضلوا على سائر الأمم لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم ، حكاه القرطبي في تفسيره ، وفيه نظر ؛ لأن ( العالمين ) عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء ، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم ، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ قال أبو جعفر: وتأويل ذلك في هذه الآية نظير تأويله في التي قبلها في قوله: (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي).

وقد ذكرته هنالك (128) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) قال أبو جعفر: وهذا أيضا مما ذكرهم جل ثناؤه من آلائه ونعمه عندهم.

ويعني بقوله: (وأني فضلتكم على العالمين) : أني فضلت أسلافكم, فنسب نعمه على آبائهم وأسلافهم إلى أنها نعم منه عليهم, إذ كانت مآثر الآباء مآثر للأبناء, والنعم عند الآباء نعما عند الأبناء, لكون الأبناء من الآباء, وأخرج جل ذكره قوله: (وأني فضلتكم على العالمين) مخرج العموم, وهو يريد به خصوصا; لأن المعنى: وإني فضلتكم على عالم من كنتم بين ظهريه وفي زمانه (129) .

كالذي:- 868- حدثنا به محمد بن عبد الأعلى الصنعاني, قال: حدثنا محمد بن ثور, عن معمر -وحدثنا الحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر- عن قتادة، (وأني فضلتكم على العالمين) قال: فضلهم على عالم ذلك الزمان.

869 - حدثني المثنى, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (وأني فضلتكم على العالمين) قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان, فإن لكل زمان عالما.

870 - حدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن ابن جريج, قال: قال مجاهد في قوله: (وأني فضلتكم على العالمين) قال: على من هم بين ظهرانيه.

871 - وحدثني محمد بن عمرو, قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, قال: على من هم بين ظهرانيه.

872 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: سألت ابن زيد عن قول الله: (وأني فضلتكم على العالمين)، قال: عالم أهل ذلك الزمان.

وقرأ قول الله: وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [الدخان: 32] قال: هذه لمن أطاعه واتبع أمره, وقد كان فيهم القردة، وهم أبغض خلقه إليه, وقال لهذه الأمة: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: 110] قال: &; 2-25 &; هذه لمن أطاع الله واتبع أمره واجتنب محارمه.

* * * قال أبو جعفر: والدليل على صحة ما قلنا من أن تأويل ذلك على الخصوص الذي وصفنا ما:- 873 - حدثني به يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن علية, وحدثنا الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر جميعا, عن بهز بن حكيم, عن أبيه, عن جده, قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ألا إنكم وفيتم سبعين أمة " -قال يعقوب في حديثه: أنتم آخرها-.

وقال الحسن: " أنتم خيرها وأكرمها على الله ".

(130) * * * فقد أنبأ هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل لم يكونوا مفضلين على أمة محمد عليه الصلاة والسلام, وأن معنى قوله: وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [الجاثية: 16] وقوله: (وأني فضلتكم على العالمين) على ما بينا من تأويله.

&; 2-26 &; وقد أتينا على بيان تأويل قوله: (العالمين) بما فيه الكفاية في غير هذا الموضع, فأغنى ذلك عن إعادته (131) .

----------------- الهوامش : (128) انظر 1 : 555 - 559 (129) انظر 1 : 143 - 146 ، ثم 151 - 152 .

يقال لكل ما كان في وسط شيء ومعظمه : "هو بين ظهرينا وظهرانينا" على تقدير أنه مقيم بين ظهر من وراءه وظهر من أمامه ، فهو مكنوف من جانبيه ، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقا .

ويقال أيضًا : "هو بين أظهرهم مقيم" بهذا المعنى .

ويقال أيضًا : " لقيته بين ظهراني الليل" ، أي بين العشاء والفجر ، وعلى هذا فقس استعمال هذه الكلمة .

(130) الحديث: 873 - بهز، بفتح الباء وسكون الهاء: هو ابن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري.

وهو ثقة، وثقه ابن معين وابن المديني وغيرهما، ولا حجة لمن تكلم فيه، وقد ترجمه البخاري في الكبير 1 / 2 /143، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 1 / 430 - 431.

بل أخرج له البخاري في الصحيح تعليقا، كما ذكر الحافظ في الإصابة 6: 112، في ترجمة جده.

أبوه حكيم بن معاوية: تابعي ثقة، ترجمه البخاري 2 / 1 /12، وابن أبي حاتم 1 / 2 / 207.

وجده معاوية بن حيدة: صحابي ثابت الصحبة، قال ابن سعد في الطبقات 7 / 1 /22:"وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم وصحبه، وسأله عن أشياء، وروى عنه أحاديث".

وترجمه البخاري 4 / 1 /329، وقال:"سمع النبي صلى الله عليه وسلم".

وهذا الحديث رواه الطبري هنا بإسنادين: من طريق ابن علية عن بهز، ومن طريق معمر بن راشد عن بهز.

وسيأتي بهذين الإسنادين منفصلين (4: 30 بولاق).

ورواه الترمذي 4: 82 - 83، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن بهز، عن أبيه، عن جده:"أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول، في قوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، قال: أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله".

ثم قال الترمذي:"هذا حديث حسن.

وقد روى غير واحد هذا الحديث عن بهز بن حكيم، نحو هذا، ولم يذكروا فيه (كنتم خير أمة أخرجت للناس)".

ورواه ابن ماجه: 4288، من طريق ابن علية، عن بهز.

ورواه الإمام أحمد في المسند (5: 3 حلبي)، عن يزيد بن هرون، عن بهز.

ورواه (5:5)، عن يحيى القطان، عن بهز.

ورواه الدارمي 2: 313، عن النضر بن شميل، عن بهز.ورواه ابن ماجه أيضًا: 4287، من طريق ابن شوذب، عن بهز.

ثم لم ينفرد به بهز عن أبيه حكيم، إذ رواه أيضًا سعيد بن إياس الجريري: فرواه الإمام أحمد (4: 447)، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن الجريري، عن حكيم بن معاوية، عن أبيه، بنحوه.

ورواه أيضًا مطولا (5: 3)، عن حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن الجريري.

والحديث ذكره ابن كثير 1: 160، نسبه إلى"المسانيد والسنن".

ثم ذكره مرة أخرى 2: 214، عن"مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، وسنن ابن ماجه، ومستدرك الحاكم".

ثم قال عقبه:"وهو حديث مشهور.

وقد حسنه الترمذي".

(131) انظر ما سلف 1 : 143 - 146 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمينقوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم تقدم .

وأني فضلتكم على العالمين يريد على عالمي زمانهم ، وأهل كل زمان عالم .

وقيل : على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء وهذا خاصة لهم وليست لغيرهم.

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته, وعظا لهم, وتحذيرا وحثا.

وخوفهم بيوم القيامة:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} أي عالمي زمانكم، وذلك التفضيل وإن كان في حق الآباء، لكن به الشرف للأبناء.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» بالشكر عليها بطاعتي «وأني فضَّلتكم» أي آباءكم «على العالمين» عالمي زمانهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي عليها، وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بكثرة الأنبياء، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

أعاد القرآن الكريم نداءهم ، تأكيداً لتذكيرهم بواجب الشكر ، واهتماماً بمضمون الخطاب وما يشتمل عليه من أوامر ومنهيات ، وتفصيلا لما أسبغه الله عليهم من منن بعد أن أجملها في النداء الأول ، ليكون التذكير أتم والتأثير أشد ، والشكر عليها أرجى .وقد جرت سنة القرآن الكريم أن يكرر الجمل المشتملة على أمور تستوجب المزيد من العناية كما في حال ذكر النعم ، لأن تكرارها يغري النفوس الكريمة بطاعة مرسلها ، والسير على الطريق القويم .وقوله تعالى : ( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين ) عطف على نعمتي ، أي واذكروا تفضيلي وإياكم على العالمين ، وهذا التفضيل نعم خاصة ، فعطفه على ( نِعْمَتِي ) من عطف الخاص على العام للعناية به ، وهو - أي : التفضيل مبدأ تفصيل النعم وتعدادها ، والمقصود منه الخص على الاتصاف بما يناسب تلك النعم ، ويستبقى ذلك الفضل .وقد ذكر الله - تعالى - بني إسرائيل المعاصرين للعهد النيوي بهذه النعم مع أنها كانت لآبائهم .

كما يدل عليه سياق الآيات؛ لأن النعم على الآباء نعم على الأبناء لكونهم منهم ، ولأن شرف الأصول يسرى إلى الفروع ، فكان التذكير بتلك النعم فيه شرف لهم ، وحسن سمعة تعود عليهم ، وتغريهم بالإِيمان والطاعة - لو كانوا يعقلون- .ومن مظاهر ، تفضيل الله لبني إسرائيل على عالمي زمانهم ، جمعه لهم من المحامد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم .

ما لم يجمع لغيرهم .

فقد حياهم بكثير من النعم ، وبعث فيهم عدداً كبيراً من الأنبياء ، ونجاهم من عدوهم ، ولم يعجل العقوبة عليهم رغم عصيانهم واعتدائهم ، واقترافهم شتى ألوان المنركات عن تعمد وإصرار ، ولم ينزل بهم قارعة تستأصلهم بذنوبهم كما استأصل غيرهم كقوم عاد وثمود .ولكن بني إسرائيل لم يقابلوا نعم الله بالشكر والعرفان .

بل قابلوها بالجحود والطغيان فسلبها الله عنهم ، ومنحها لقوم آخرين لم يكونوا أمثالهم .ولقد حكى القرآن ألوانا من النعم التي منحها الله لبني إسرائيل ولكنهم قابلوها بالبطر والكفران فأزالها الله عنهم .

من ذلك قوله تعالى :( سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ الله مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب ) أي : سل - يا محمد - بني إسرائيل المعاصرين لك .

سؤال تقريع وتوبيخ .

كم آتاهم الله على أيدي أنبيائهم من النعم الجليلة ، والمعجزات الباهرة ، ولكنهم بعد أن جاءتهم هذه الآيات ، وتمكنوا منها وعقلوها قابلوها بالعناد والاستهزاء ، وجعلوها من أسباب ضلالهم مع أنها مسوقة لهدايتهم وسعادتهم ، فكانت نتيجة ذلك أن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة في الدنيا ، وتوعدهم بشديد العقاب في الآخرة .ومن الآيات التي صرحت بأن الله - تعالى - أعطى بني إسرائيل نعماً وفيرة ، ولكنهم لم يحمدوه عليها .

قوله تعالى :( وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بني إِسْرَائِيلَ مِنَ العذاب المهين * وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين * وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيات مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ ) أي : ولقد نجينا بفضلنا .

وكرمنا بني إسرائيل من العذاب المعني الذي كان ينزله بهم فرعون وجنده ، بأن أغرقناه ومن معه أمام أعينهم؛ لأنه كان ظلوماً غشوماً ، وفضلا عن ذلك فقد اصطفينا بني إسرائيل - على علم منا بما يكون منهم - على عالمي زمانهم وآتيناهم من النعم والمعجزات .

ما فيه اختبار لقلوبهم ، وامتحان لنفوسهم .

فكانت نتيجة هذا الاختبار والامتحان أن كفروا بنعم الله ، وكذبوا برسله وقتلوهم .

فتوعدهم الله في الدنيا بأن يسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى قيوم القيامة .

أما في الآخرة فمأواهم جهنم وبئس المهاد .- وأيضاً - من الآيات التي ساقت أنواعاً من نعم الله على بني إسرائيل ولكنهم لم يشكروه عليها قوله تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب والحكم والنبوة وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى العالمين .

وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر فَمَا اختلفوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بِيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) والمعنى : ولقد آتينا بني إسرائيل التوراة لتكون هداية لهم ومنحناهم الحكمة والفقه في الدين ، وجعلنا النبوة في عدد كبير منهم ، ورزقناهم من طيبات الأغذية والأشربة ، وفضلناهم على من عاصرهم من الأمم قيل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وفضلا عن ذلك فقد سقنا لهم على أيدي أنبيائهم الكثير من المعجزات والدلائل التي تقوى إيمانهم ، وتهديهم إلى الطريق المستقيم ولكنهم لم ينتفعوا بهذه النعم .

بل جعلوا علمهم بالدين الحق سبباً للخلاف والشقاق ، والسير في طريق الضلال ، وسيعاقبهم الله بما يستحقونه جزاء جحودهم وعنادهم .والعبرة التي نستخلصها من هذه الآيات وأمثالها .

أن الله - تعالى - فضل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم السابقة على الأمة الإسلامية .

ومنحهم الكثير من النعم ، ولكنهم لم يقابلوا ذلك بالشكر .

بل قابلوه بالتمرد والحسد والبطر .

فسلب الله عنهم ما حباهم من نعم ، ووصفهم في كتابه بأقبح الصفات وأسوأ الطباع .

كقسوة القلب ، ونقض العهد ، والتهالك على شهوات الدنيا ، والتعدي على الغير .

والتحايل على استحلال محارم الله ، ونبذهم للحق واتباعهم الباطل .

.

.

إلى غير ذلك من الصفات اليت توارد ذكرها في القرآن الكريم .وهذا مصير كل أمة بدلت نعمة الله كفراً؛ لأن الميزان عند الله للتقوى والعمل للصالح ، وليس للجنس أو اللون أو النسب .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : فإن قيل : إن تفضيلهم على العالمين يقتضي تفضيلهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا باطل .

فكيف الجواب؟

قلنا : الجواب من وجوه أقربها إلى الصواب أن المراد : فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن من جملة العالمين حال عدمه ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم ما كانت موجودة في ذلك الوقت ، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت .

أنهم أفضل من الأمة المحمدية .

وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله - تعالى - : ( وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين ) وبهذا يتعين بطلان دعوى اليهود أنهم شعب الله المختار .

استناداً إلى هذه الآية الكريمة وأمثالها ، لأنها دعوى لا تؤيدها النصوص ، ولايشهد لها العقل السليم .

ثم قال تعالى :( واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد، وهو قوله: ﴿ وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ  ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ  فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَٱشْرَبُوا مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ  وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ  إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ  فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوٓا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَٱفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ  قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ  قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ  وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ  فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ  وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ  ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ  وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ  وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ  بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ  وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ  قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ  مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ  وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ  أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا وَقُولُوا ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ  مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ  أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ  وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ  بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ  وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ  ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ  يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل.

أما قوله: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ ففيه سؤال وهو: أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق.

والجواب عنه من وجوه: أحدها: قال قوم: العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك: رأيت عالماً من الناس، والمراد منه الكثير لا الكل، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلاً على الله تعالى كان عالماً، فكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات.

وثانيها: المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجوداً والشيء حال عدمه لا يكون موجوداً.

فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين، وأن محمداً عليه السلام ما كان موجوداً في ذلك الوقت، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى: ﴿ إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين  ﴾ .

وقال: ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وأراد به عالمي ذلك الزمان، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية.

وثالثها: أن قوله: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة.

فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر ما وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين  ﴾ على أن الأنبياء أفضل من الملائكة.

بقي هاهنا أبحاث: البحث الأول: قال ابن زيد: أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على ما قال تعالى: ﴿ وجعل منهم القردة والخنازير  ﴾ وقال: ﴿ لعن الذين كفروا من بني إسرائيل  ﴾ .

البحث الثاني: أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد.

قال الله تعالى: ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  ﴾ ، وقال: ﴿ واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم  ﴾ .

وقال: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولِي الألباب  ﴾ .

ولذلك روى قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى الله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم.

البحث الثالث: قال القفال: النعمة بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه.

قال تعالى: ﴿ وتلك نعمة تمنها عليَّ  ﴾ وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش، قال تعالى: ﴿ ونعمة كانوا فيها فاكهين  ﴾ .

البحث الرابع: قوله تعالى: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ يتناول جميع نعم الدنيا والدين، فذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً، فإن كان واجباً لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجباً فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض، فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين.

فإن قيل: لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ والجواب: لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها.

البحث الخامس: في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن أيهم أكثر استجماعاً لخصال الخير؟

اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعاً لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ ﴾ نصب عطف على ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي اذكروا نعمتي وتفضيلي ﴿ عَلَى العالمين ﴾ على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: ﴿ بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين ﴾ [الأنبياء: 71] يقال: رأيت عالماً من الناس يراد الكثرة ﴿ يَوْمًا ﴾ يريد يوم القيامة ﴿ لاَّ تَجْزِى ﴾ لا تقضي عنها شيئًا من الحقوق.

ومنه الحديث في جذعة بن نيار: «تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك» و ﴿ شَيْئاً ﴾ مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر، أي قليلاً من الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً ﴾ [مريم: 60] ومن قرأ ﴿ لا تجزئ ﴾ من أجزأ عنه إذا أغنى عنه، فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء.

وقرأ أبو السرار الغنوي: ﴿ لا تجزي نسمة عن نسمة شيئاً ﴾ .

وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ل (يوماً).

فإن قلت: فأين العائد منها إلى الموصوف؟

قلت: هو محذوف تقديره: لا تجزي فيه.

ونحوه ما أنشده أبو علي: تَرَوَّحِي أَجْدَرُ أَنْ تَقِيلِي أي ماء أجدر بأن تقيلي فيه.

ومنهم من ينزل فيقول: اتسع فيه، فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار ثم حذف الضمير كما حذف من قوله: أم مال أصابوا.

ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء، وهو الإقناط الكلي القطّاع للمطامع.

وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شلفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ أي فدية لأنها معادلة للمفدى.

ومنه الحديث: «لا يقبل منه صرف ولا عدل» أي توبة ولا فدية.

وقرأ قتادة: ﴿ ولا يَقْبَلُ منها شفاعةً ﴾ على بناء الفعل للفاعل وهو الله عز وجل، ونصب الشفاعة.

وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا.

فإن قلت: هل فيه دليل على أنّ الشفاعة لا تقبل للعصاة؟

قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقاً أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع فعلم أنها لا تقبل للعصاة.

فإن قلت: الضمير في ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا ﴾ إلى أي النفسين يرجع؟

قلت: إلى الثانية العاصية غير المجزى عنها، وهي التي لا يؤخذ منها عدل.

ومعنى لا يقبل منها شفاعة: إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها.

ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنه لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزئ عنها شيئاً، ولو أعطت عدلاً عنها لم يؤخذ منها ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ يعني ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة والتذكير بمعنى العباد والأناسي، كما تقول: ثلاثة أنفس.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

(يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ وتَذْكِيرِ التَّفْضِيلِ الَّذِي هو أجَلُّ النِّعَمِ خُصُوصًا، ورَبْطُهُ بِالوَعِيدِ الشَّدِيدِ تَخْوِيفًا لِمَن غَفَلَ عَنْها وأخَلَّ بِحُقُوقِها.

(وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ) عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي.

(عَلى العالَمِينَ) أيْ عالَمِي زَمانِهِمْ، يُرِيدُ بِهِ تَفْضِيلَ آبائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْدَهُ، قَبْلَ أنْ يُضَرُّوا بِما مَنَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ والإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، وجَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا مُقْسِطِينَ.

واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى تَفْضِيلِ البَشَرِ عَلى المَلَكِ وهو ضَعِيفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{يا بني إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} التكرير للتأكيد {وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ} نصب عطف على نعمتي أي اذكروا نعمتي وتفضيلي {عَلَى العالمين} على الجم الغفير من الناس يقال رأيت عالماً من الناس والمراد الكثرة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ كَرَّرَ التَّذْكِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، والإيذانِ بِكَمالِ غَفْلَتِهِمْ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعْمَةِ، ولِيَرْبِطَ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعْدِ الشَّدِيدِ بِهِ، لِتَتِمَّ الدَّعْوَةُ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: إنْ لَمْ تُطِيعُونِي لِأجْلِ سَوابِقِ نِعْمَتِي فَأطِيعُونِي لِلْخَوْفِ مِن لَواحِقِ عِقابِي، ولِتَذْكِيرِ التَّفْضِيلِ الَّذِي هو أجْلُّ النِّعَمِ، فَإنَّهُ لِذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ التَّذْكِيرُ بِخُصُوصِهِ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أجَلِّيَّتِهِ بِتَكْرِيرِ النِّعْمَةِ الَّتِي هو فَرْدٌ مِن أفْرادِها، ﴿ وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ عَطْفٌ عَلى نِعْمَتِي مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وهو مِمّا انْفَرَدَتْ بِهِ الواوُ كَما في البَحْرِ، ويُسَمّى هَذا النَّحْوُ مِنَ العَطْفِ بِالتَّجْرِيدِ، كَأنَّهُ جَرَّدَ المَعْطُوفَ مِنَ الجُمْلَةِ، وأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ اعْتِناءً بِهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ فَضَّلْتُ آباءَكُمْ، وهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ التَّغْيِيرِ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّ نِعْمَةَ الآباءِ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، قالَ الزَّجّاجُ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ نَجَّيْناكُمْ ﴾ إلَخْ، والمُخاطَبُونَ لَمْ يَرَوْا فِرْعَوْنَ، ولا آلَهُ، ولَكِنَّهُ تَعالى أذْكَرَهم أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ، والمُرادُ بِـالعالَمِينَ سائِرُ المَوْجُودِينَ في وقْتِ التَّفْضِيلِ، وتَفْضِيلُهم بِما مَنَحَهم مِنَ النِّعَمِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا ﴾ فَلا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُهم عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولا عَلى أُمَّتِهِ الَّذِينَ هم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وكَذا لا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى أفْضَلِيَّةِ البَشَرِ عَلى المَلائِكَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ تَفْضِيلُ عَوامِّهِمْ عَلى خَواصِّ المَلائِكَةِ، ولا قائِلَ بِهِ.

ومِنَ اللَّطائِفِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أشْهَدَ بَنِي إسْرائِيلَ فَضْلَ أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿ وأنِّي فَضَّلْتُكُمْ ﴾ إلَخْ، وأشْهَدَ المُسْلِمِينَ فَضْلَ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ فَشَتّانَ مَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ رَبِّهِ ومَن مَشْهُودُهُ فَضْلُ نَفْسِهِ، فالأوَّلُ يَقْتَضِي الفَناءَ، والثّانِي يَقْتَضِي الإعْجابَ، والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَصَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ، أي على عالمي زمانهم.

وقال بعضهم: من آمن من أهل الكتاب بمحمد  كانت له فضيلة على غيره وكان له أجران، أجر إيمانه بنبيه-  - وأجر إيمانه بمحمد  وقد روي عن النبي  أنه قال: «ثَلاَثَةٌ يُعْطِيهُم الله الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، مَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً فَأحْسَنَ تَأْدِيبَهَا فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَها، وَعَبْدٌ أَطَاعَ سَيِّدَهُ وَأَطَاعَ الله تَعَالَى، وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أدرك النبيّ  فَآمَنَ بِهِ» .

وقال بعضهم: معنى قوله وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ بإنزال المن والسلوى وغيره، ولم يكن ذلك لأحد من العالمين غيرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

رواه عن زيد بن أسْلَمَ «١» .

انتهى.

والمُلاَقَاةُ هي لِلثوابِ أو العقابِ، ويصحُّ أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث.

وراجِعُونَ: قيل: معناه: بالموْتِ، وقيل: بالحشرِ والخروجِ إلى الحساب والعرضِ، ويقوِّي هذا القوْل الآيةُ المتقدِّمة قوله تعالى: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: قد تكرَّر هذا النداءُ والتذكيرُ بالنعمة، وفائدةُ ذلك أن الخطاب الأول يصحُّ أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرِّر إنما هو للكافرين بدلالة ما بعده وأيضاً: فإن فيه تقويةَ التوقيف، وتأكيدَ الحضِّ على أيَادِي اللَّه سبحانه، وحُسْن خطابهم بقوله سبحانه: فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيلٌ لهم، وفي الكلام اتساعٌ، قال قتادة وغيره: المعنى:

على عَالَمِ زمانِهِمُ الذي كانتْ فيه النبوءةُ المتكرِّرة، لأن الله تعالى يقول لأمة محمّد صلّى الله عليه وسلم:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢» [آل عمران: ١١٠] .

وَاتَّقُوا يَوْماً، أي: عذابَ يوم، أو هولَ يومٍ ويصح أن يكون يوماً نصبه على

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ يَعْنِي: عَلى عالِمِي زَمانِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مِنَ العامِّ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخاصُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ قَدْ تَكَرَّرَ هَذا النِداءُ، والتَذْكِيرُ بِالنِعْمَةِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِينَ مِنهم.

وهَذا المُتَكَرِّرُ إنَّما هو لِلْكافِرِينَ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، وأيْضًا فَإنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ التَوْقِيفِ، وتَأْكِيدَ الحَضِّ عَلى ذِكْرِ أيادِي اللهِ، وحُسْنِ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ، لِأنَّ تَفْضِيلَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ تَفْضِيلٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ اتِّساعٌ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى عَلى عالَمِ زَمانِهِمُ الَّذِي كانَتْ فِيهِ النُبُوءَةُ المُتَكَرِّرَةُ والمُلْكُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ .

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا ﴾ نُصِبَ "يَوْمًا" بـِ "اتَّقَوْا" عَلى السِعَةِ والتَقْدِيرِ: "عَذابُ يَوْمٍ" أو: "هَوْلُ يَوْمٍ" ثُمَّ حُذِفَ ذَلِكَ، وأقامَ اليَوْمَ مَقامَهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الظَرْفِ لا لِلتَّقْوى لِأنْ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، ولَكِنَّ مَعْناهُ: "جِيئُوا مُتَّقِينَ يَوْمًا".

و"لا تَجْزِي" مَعْناهُ لا تُغْنِي.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ لا تَقْضِي ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ "شَيْئًا"، وقِيلَ: المَعْنى لا تُكافِئُ، ويُقالُ جَزى وأجْزَأ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما قَوْمٌ فَقالُوا: جَزى بِمَعْنى قَضى وكافَأ.

وأجْزَأ بِمَعْنى أغْنى وكَفى.

وقَرَأ أبُو السَمّالِ "تُجْزِئُ" بِضَمِّ التاءِ والهَمْزِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ وقالَ البَصْرِيُّونَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، ثُمَّ حُذِفَ "فِيهِ"، وقالَ غَيْرُهُمْ: حُذِفَ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بـِ "تَجْزِي" تَقْدِيرُهُ "لا تَجْزِيهِ"، عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ حَذْفُ هَذا الضَمِيرِ في الخَبَرِ، وإنَّما يَحْسُنُ في الصِلَةِ.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ واتَّصَلَ الضَمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَمِيرُ بِتَدْرِيجٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتِ عَلى المَعْنى، إذْ تَأْنِيثُ الشَفاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والشَفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَفْعِ وهُما الِاثْنانِ لِأنَّ الشافِعَ والمَشْفُوعَ لَهُ شَفْعٌ، وكَذَلِكَ الشَفِيعُ فِيما لَمْ يُقَسَّمْ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وسَيَشْفَعُ لَنا آباؤُنا، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ لا تُقْبَلُ فِيهِ الشَفاعَةُ، ﴿ لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ ﴾ ، وهَذا إنَّما هو في الكافِرِينَ لِلْإجْماعِ- وتَواتَرَ الحَدِيثُ بِالشَفاعَةِ في المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: العَدْلُ الفِدْيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَدْلُ الشَيْءِ هو الَّذِي يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ والعَدْلُ بِكَسْرِ العَيْنِ هو الَّذِي يُساوِي الشَيْءَ مِن جِنْسِهِ وفي جِرْمِهِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، فَأمّا واحِدُ الأعْدالِ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلا هُمْ"، عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ الَّذِينَ اقْتَضَتْهُمُ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفْسَيْنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، لِأنَّ اثْنَيْنِ جَمْعٌ، أو لِأنَّ النَفْسَ لِلْجِنْسِ، وهو جَمْعٌ.

وحَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَها بَنُو آدَمَ في الدُنْيا، فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ مَعَ آدَمِيٍّ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ، أو يُنْصَرَ، أو يُفْتَدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ خَلَّصْناكُمْ، "وَآلِ" أصْلُهُ أهْلُ، قُلِبَتِ الهاءُ ألِفًا كَما عُمِلَ في ماءٍ، ولِذَلِكَ رَدَّها التَصْغِيرُ إلى الأصْلِ فَقِيلَ: أُهَيْلُ ومُوَيْهُ، وقَدْ قِيلَ في "آلِ": إنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ أهْلِ، أصْلُهُ أوَّلُ، وتَصْغِيرُهُ أُوَيِّلُ، وإنَّما نَسَبَ الفِعْلَ إلى "آلِ فِرْعَوْنَ " وهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ لِتَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْتَضِي هَذا أنَّ مَن أمَرَهُ ظالِمٌ بِقَتْلِ أحَدٍ فَقَتَلَهُ المَأْمُورُ فَهو المَأْخُوذُ بِهِ.

وَآلُ الرَجُلِ: قَرابَتُهُ وشِيعَتُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَقَفِيِّ: فَلا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلَ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَبَرُوا رَسُولَ اللهِ  .

والأشْهُرُ في "آلِ" أنْ يُضافَ إلى الأسْماءِ، لا إلى البِقاعِ والبِلادِ، وقَدْ يُقالُ: آلُ مَكَّةَ، وآلُ المَدِينَةِ، و"فِرْعَوْنُ" اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِنَ العَمالِقَةِ مِصْرَ، وفِرْعَوْنُ مُوسى قِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَن أهْلِ إصْطَخَرَ، ورَدَّ مِصْرَ فاتَّفَقَ لَهُ فِيها المُلْكُ، وكانَ أصْلُ كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ نُزُولُ إسْرائِيلَ بِها زَمَنَ ابْنِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ.

"يَسُومُونَكُمْ" مَعْناهُ: يَأْخُذُونَكم بِهِ، ويُلْزِمُونَكم إيّاهُ، ومِنهُ المُساوَمَةُ بِالسِلْعَةِ، وسامَهُ خَطَّةَ خَسْفٍ و"يَسُومُونَكُمْ" إعْرابُهُ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: سائِمِينَ لَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ ألّا تُقَدَّرَ فِيهِ الحالُ، ويَكُونُ وصْفُ حالٍ ماضِيَةٍ، وسُوءُ العَذابِ أشَدَّهُ، وأصْعَبَهُ قالَ السُدِّيُّ: كانَ يَصْرِفُهم في الأعْمالِ القَذِرَةِ، ويُذَبِّحُ الأبْناءَ، ويَسْتَحْيِي النِساءَ.

وقالَ غَيْرُهُ: صَرَفَهم عَلى الأعْمالِ: الحَرْثُ، والزِراعَةُ، والبِناءُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُذَبِّحُونَ" بِشَدِّ الباءِ المَكْسُورَةِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَذْبَحُونَ" بِالتَخْفِيفِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، إذِ الذَبْحُ مُتَكَرِّرٌ.

وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى ما رُوِيَ قَدْ رَأى في مَنامِهِ نارًا خَرَجَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَأحْرَقَتْ بُيُوتَ مِصْرَ، فَأوَّلَتْ لَهُ رُؤْياهُ: أنَّ مَوْلُودًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَنْشَأُ فَيُخَرِّبُ مُلْكَ فِرْعَوْنَ عَلى يَدَيْهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُما: إنَّ الكَهَنَةَ والمُنَجِّمِينَ قالُوا لِفِرْعَوْنَ: قَدْ أظَلَّكَ زَمَنُ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُخَرِّبُ مُلْكَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ تَذاكَرُوا وعْدَ اللهِ لِإبْراهِيمَ أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الذُكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَشْرِ نِساءٍ رَجُلًا يَحْفَظُ مَن يَحْمِلُ مِنهُنَّ، وقِيلَ: وكَّلَ بِذَلِكَ القَوابِلَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى ﴿ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ ﴾ : يَذْبَحُونَ الرِجالَ، ويُسَمُّونَ أبْناءً لِما كانُوا كَذَلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "نِساءَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ مِنَ التَأْوِيلِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ: الأطْفالُ الذُكُورُ، والنِساءُ هُمُ: الأطْفالُ الإناثُ.

وعَبَّرَ عنهم بِاسْمِ النِساءِ بِالمَآلِ ولِيُذَكِّرْهُنَّ بِالِاسْمِ الَّذِي في وقْتِهِ، يَسْتَخْدِمْنَ ويَمْتَهِنَّ، ونَفْسُ الِاسْتِحْياءِ لَيْسَ بِعَذابٍ، ولَكِنَّ العَذابَ بِسَبَبِهِ وقَعَ الِاسْتِحْياءُ، و"يُذَبِّحُونَ" بَدَلٌ مِن "يَسُومُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ الأمْرِ، إذْ هو خَبَرٌ، فَهو كَمُفْرَدٍ حاضِرٍ، و"بَلاءٌ" مَعْناهُ: امْتِحانٌ واخْتِبارٌ، ويَكُونُ "البَلاءُ" في الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بـِ "ذَلِكُمْ" إلى التَنْجِيَةِ، فَيَكُونُ "البَلاءُ" عَلى هَذا في الخَيْرِ الشَرِّ، أيْ: وفي تَنْجِيَتِكم نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الإشارَةُ إلى الذَبْحِ ونَحْوِهِ، و"البَلاءُ" هُنا في الشَرِّ، والمَعْنى: وفي الذَبْحِ مَكْرُوهٌ وامْتِحانٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في كَيْفِيَّةِ نَجاتِهِمْ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَسْرِي مِن مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَهم مُوسى أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ والمَتاعَ مِنَ القِبْطِ، وأحَلَّ اللهُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَسَرى بِهِمْ مُوسى مِن أوَّلِ اللَيْلِ، فَأعْلَمَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: لا يَتْبَعُهم أحَدٌ حَتّى تَصِيحَ الدِيَكَةُ، فَلَمْ يَصِحْ تِلْكَ اللَيْلَةَ بِمِصْرَ دِيكٌ حَتّى أصْبَحَ، وأماتَ اللهُ تِلْكَ اللَيْلَةَ- كَثِيرًا مِن أبْناءِ القِبْطِ، فاشْتَغَلُوا في الدَفْنِ، وخَرَجُوا في الأتْباعِ مُشْرِقِينَ، وذَهَبَ مُوسى إلى ناحِيَةِ البَحْرِ حَتّى بَلَغَهُ، وكانَتْ عِدَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ نَيِّفًا عَلى سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وكانَتْ عِدَّةُ فِرْعَوْنَ ألِفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ.

وحُكِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ ثُبُوتِهِ، فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ مُوسى ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم غَيْرُ ناجِينَ، فَقالَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ؟

فَقالَ: هَكَذا، وأشارَ إلى البَحْرِ، فَرَكَضَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِيهِ حَتّى بَلَغَ الغَمْرَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ فَوَ اللهِ ما كَذَبْتَ ولا كَذَبْتَ؟

فَأشارَ إلى البَحْرِ، وأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ  ﴾ ، وأوحى إلى البَحْرِ أنِ انْفَرِقْ لِمُوسى إذا ضَرَبَكَ، فَباتَ البَحْرُ تِلْكَ اللَيْلَةَ يَضْطَرِبُ، فَحِينَ أصْبَحَ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ وكَنّاهُ أبا خالِدٍ فانْفَرَقَ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد خطاب بني إسرائيل بطريق النداء مماثلاً لما وقع في خطابهم الأول لقصد التكرير للاهتمام بهذا الخطاب وما يترتب عليه، فإن الخطاب الأول قصد منه تذكيرهم بنعم الله تعالى ليكون ذلك التذكير داعية لامتثال ما يرد إليهم من الله من أمر ونهي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم غير أنه لما كان الغرض المقصود من ذلك هو الامتثال كان حق البلاغة أن يفضي البليغ إلى المقصود ولا يطيل في المقدمة، وإنما يلم بها إلماماً ويشير إليها إجمالاً، تنبيهاً بالمبادرة إلى المقصود على شدة الاهتمام به ولم يزل الخطباء والبلغاء يعدون مثل ذلك من نباهة الخطيب ويذكرونه في مناقب وزير الأندلس محمد بن الخطيب السلماني إذ قال عند سفارته عن ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته المشهورة التي ارتجلها عند الدخول عليه طالعها: خليفةَ الله ساعدَ القدرُ *** عُلاك مالاح في الدجا قمر ثم قال: والناس طرا بأرض أندلس *** لولاك ما وطنوا ولا عمروا وقد أهمتهمُ نفوسُهم *** فوجهوني إليك وانتظروا فقال له أبو عنان: ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم وأذن له في الجلوس فسلم عليه.

قال القاضي أبو القاسم الشريف وكان من جملة الوفد لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا.

فكان الإجمال في المقدمة قضاء لحق صدارتها بالتقديم وكان الإفضاء إلى المقصود قضاء لحقه في العناية، والرجوع إلى تفصيل النعم قضاء لحقها من التعداد فإن ذكر النعم تمجيد للمنعم وتكريم للمنعم عليه وعظة له ولمن يبلغهم خبر ذلك تبعث على الشكر.

فللتكرير هنا نكتة جمع الكلامين بعد تفريقهما ونكتة التعداد لما فيه إجمال معنى النعمة.

والنعمة هنا مراد بها جميع النعم لأنّه جنس مضاف فله حكم الجمع كما في قوله تعالى: ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوففِ بعهدكم ﴾ [البقرة: 40].

وقوله تعالى: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ عطف على ﴿ نعمتي ﴾ أي واذكروا تفضيلي إياكم على العالمين وهذا التفضيل نعمة خاصة فعطفه على (نعمتي) عطف خاص على عام وهو مبدأ لتفصيل النعم وتعدادها وربما كان تعداد النعم مغنياً عن الأمر بالطاعة والامتثال لأن من طبع النفوس الكريمة امتثال أمر المنعم لأن النعمة تورث المحبة.

وقال منصور الوراق: تعصي الإله وأنت تُظهر حبَّه *** هذا لَعمري في القياس بديعُ لو كان حُبّك صادقاً لأطعته *** إن المحِب لمن يُحب مُطيع وهذا التذكير مقصود به الحث على الاتسام بما يناسب تلك النعمة ويستبقي ذلك الفضل.

ومعنى العالمين تقدم عنه قوله: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ [الفاتحة: 2] والمراد به هنا صنف من المخلوقات ولا شك أن المخلوقات تصنف أصنافاً متنوعة على حسب تصنيف المتكلم أو السامع، فالعالمون في مقام ذكر الخلق هم أصناف المخلوقات كالإنس والدواب والطير والحوت، والعالمون في مقام ذكر فضائل الخلق أو الأمم أو القبائل يراد بها أصناف تلك المتحدث عنها فلا جرم أن يكون المراد من العالمين هناهم الأمم الإنسانية فيعم جميع الأمم لأنه جمع معرف باللام لكن عمومه هنا عرفي يختص بأمم زمانهم كما يختص نحو: جمع الأمير الصاغة بصاغة مكانه أي بلده ويختص أيضاً بالأمم المعروفة كما يختص جمع الأمير الصاغة بالصاغة المتخذين الصياغة صناعة دون كل من يعرف الصياغة وذلك كقولك: هو أشهر العلماء وأنجب التلامذة، فالآية تشير إلى تفضيل بني إسرائيل المخاطبين أو سلفهم على أمم عصرهم لا على بعض الجماعات الذين كانوا على دين كامل مثل نصارى نجران، فلا علاقة له بمسألة تفضيل الأنبياء على الملائكة بحال ولا التفات إلى ما يشذ في كل أمة أو قبيلة من الأفراد فلا يلزم تفضيل كل فرد من بني إسرائيل على أفراد من الأمم بلغوا مرتبة صالحة أو نبوءة لأن التفضيل في مثل هذا يراد به تفضيل المجموع، كما تقول قريش أفضل من طيء وإن كان في طيء حاتم الجواد.

فكذلك تفضيل بني إسرائيل على جميع أمم عصرهم وفي تلك الأمم أمم عظيمة كالعرب والفرس والروم والهند والصين وفيهم العلماء والحكماء ودعاة الإصلاح والأنبياء لأنه تفضيل المجموع على المجموع في جميع العصور، ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم وهي شرف النسب وكمال الخلق وسلامة العقيدة وسعة الشريعة والحرية والشجاعة، وعناية الله تعالى بهم في سائر أحوالهم، وقد أشارت إلى هذا آية: ﴿ وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليهم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ﴾ [آل عمران: 20] وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم في وقت اجتماعها وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلَف بحسن السمعة وإن كان المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور.

ووجه زيادة الوصف بقوله: ﴿ التي أنعمت عليكم ﴾ مر في أختها الأولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ : أمّا الصَّبْرُ: فَهو حَبْسُ النَّفْسِ عَمّا تُنازَعُ إلَيْهِ، ومِنهُ صَبْرُ صاحِبِ المُصِيبَةِ، أنْ يَحْبِسَ نَفْسَهُ عَنِ الجَزَعِ، وسُمِّيَ الصَّوْمُ صَبْرًا لِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرَ الصَّبْرِ، وجاءَ في الحَدِيثِ: « (اقْتُلُوا القاتِلَ، واصْبِرُوا الصّابِرَ)» وذَلِكَ فِيمَن أمْسَكَ رَجُلًا حَتّى قَتَلَهُ آخَرُ، فَأمَرَ بِقَتْلِ القاتِلِ، وحَبْسِ المُمْسِكِ.

وَفي الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الصَّبْرُ عَلى طاعَتِهِ، والكَفُّ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الصَّوْمُ، وقَدْ «كانَ النَّبِيُّ  إذا حَزَبَهُ أمْرٌ اسْتَعانَ بِالصَّلاةِ والصِّيامِ،» ورُوِيَ «أنَّهُ رَأى سَلْمانَ مُنْبَطِحًا عَلى وجْهِهِ، فَقالَ لَهُ: أشْكُو مِن بَرْدٍ.

قالَ: (قُمْ فَصَلِّ الصَّلاةَ تُشْفَ)» .

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ ﴾ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي: وإنَّ الصَّلاةَ لِثَقِيلَةٌ إلّا عَلى المُؤْمِنِينَ، لِعَوْدِ الكِنايَةِ إلى مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ.

والثّانِي: يَعْنِي الصَّبْرَ والصَّلاةَ، فَأرادَهُما، وإنْ عادَتِ الكِنايَةُ إلى الصَّلاةِ; لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: فَمَن يَكُ أمْسى في المَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ والثّالِثُ: وإنَّ إجابَةَ مُحَمَّدٍ  لِشَدِيدَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ.

والخُشُوعُ في اللَّهِ: التَّواضُعُ، ونَظِيرُهُ الخُضُوعُ، وقِيلَ: إنَّ الخُضُوعَ في البَدَنِ، والخُشُوعَ في الصَّوْتِ، والبَصَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَظُنُّونَ أنَّهم مَلاقُو رَبِّهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، لِإشْفاقِهِمْ مِنَ المَعاصِي الَّتِي كانَتْ مِنهم.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا اليَقِينُ، فَكَأنَّهُ قالَ: الَّذِينَ يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ﴾ أيْ تَيَقَّنْتُ، قالَ أبُو داوُدَ: رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيمٍ ∗∗∗ وغُيُوبٍ كَشَفْتَها بِظُنُونِ ﴿ وَأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ أرادَ بِالرُّجُوعِ المَوْتَ.

والثّانِي: أنَّهم راجِعُونَ بِالإعادَةِ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: راجِعُونَ إلَيْهِ، أيْ لا يَمْلِكُ أحَدٌ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا غَيْرُهُ كَما كانُوا في بَدْءِ الخَلْقِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه كان إذ تلا ﴿ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ قال: مضى القوم وإنما يعني به أنتم.

وأخرج ابن جرير عن سفيان بن عيينه في قوله: ﴿ اذكروا نعمتي ﴾ قال: أيادي الله عليكم وأيامه.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ قال: نعمة الله التي أنعم على بني إسرائيل فيما سمي وفيما سوى ذلك، فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ قال: فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ قال: على من هم بين ظهريه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وأني فضلتكم على العالمين ﴾ قال: بما أعطو من الملك والرسل والكتب على من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالماً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ .

(التفضيل) نقيض التسوية، يقال: فضله إذا أعطاه الزيادة، وفضله إذا حكم له بالزيادة في الفضل.

و (التفضل) لبس المفضل من الثوب، وهو ما يتخفف به الإنسان في بيته، ورجل فُضُل متفضل (١) ......

إِلَّا لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (٢) (٣) ﴿ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ الآية [المائدة:20].

وأراد بـ (العالمين) عالمي زمانهم (٤) ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ (٥) (١) انظر: "تهذيب اللغة" (فضل) 3/ 2801، "الصحاح" (فضل) / 1791، "اللسان" (فضل) 6/ 3429 - 3430، "مفردات الراغب" 318.

(٢) جزء من بيت لامرئ القيس يقول: فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لَنَوْمٍ ثِيَابَهَا ...

لَدى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّلِ (نضت): نزعت، (المتفضل): اللابس ثوبًا واحدًا.

البيت في "تهذيب اللغة" (نضا) 4/ 3589، "اللسان" (نضا) 7/ 4457، "أوضح المسالك" ص 105،"شرح شذور الذهب" ص 286، "الهمع" 3/ 123، 4/ 94، "الخزانة" 10/ 130، "ديوان امرئ القيس" ص 114.

(٣) انظر: "تفسير الرازي" 3/ 52، و"ابن كثير" 1/ 94.

(٤) ذكره ابن جرير عن قتادة وأبي العالية ومجاهد وابن زيد، وقال ابن جرير: أخرج مخرج العموم ويراد به الخصوص 1/ 264 - 265، وكذا قال ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 38، وانظر.

"تفسير الثعلبي" 1/ 69 ب، وابن عطية 1/ 281، و"تفسير القرطبي" 1/ 321، "زاد المسير" 1/ 76، و"تفسير ابن كثير" 1/ 94.

(٥) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 264، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 97، "تفسير ابن عطية" 1/ 281.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ لما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.

فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: ﴿ وَإِذْ نجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [البقرة: 49] ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ [البقرة: 50]، ﴿ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]، ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ [البقرة: 58]، ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، ﴿ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ [البقرة: 60].

وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.

وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء، وأخذكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.

﴿ نِعْمَتِي ﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعاً ﴿ بعهدي ﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿ بِعَهْدِكُمْ ﴾ دخول الجنة ﴿ وإياى ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقاً للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيره، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : الاشتراء هنا استعارة في استبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن ﴿ الحق بالباطل ﴾ الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها.

﴿ وَتَكْتُمُواْ ﴾ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر الدخول في الإسلام ﴿ واركعوا ﴾ خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد ﴿ مَعَ الراكعين ﴾ مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿ بالبر ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَنْسَوْنَ ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع ﴿ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ حجة عليهم ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ونُعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي شاقة صعبة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ هنا: يتيقنون ﴿ العالمين ﴾ أي أهل زمانهم، وقيل تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك ﴿ لاَّ تَجْزِي ﴾ لا تغني.

وشيئاً مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقاً، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] ولقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس: 3] ولقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في الشفاعة فيقال له: «اشفع تشفع» فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿ عَدْلٌ ﴾ هنا فدية ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تقبل ﴾ بالتاء الفوقانية، ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه) التفسير: إنما أعاد  هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة وتحذيراً من ترك اتباع  ، كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل.

والمراد بالعالمين ههنا الجم الغفير من الناس كقوله ﴿ باركنا فيها للعالمين  ﴾ .

ويقال: رأيت عالماً من الناس.

يراد الكثرة بقرينة العلم بأنه لم ير كل الناس، ويمكن أن يكون المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين.

ويحتمل أن يكون لفظ ﴿ العالمين ﴾ عاماً للموجودين ولمن سيوجد لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة.

فالآية تدل على أنهم فضلوا على كل العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، فلعل غيرهم يكون أفضل منهم في أكثرها.

وقيل: الخطاب لمؤمني بني إسرائيل لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير، وفي جميع ما يخاطب الله  بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم.

وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب  ﴾ .

روي عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم.

واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال، لأن نفس اليوم لا يتقى.

وقوله ﴿ لا تجزي ﴾ إلى آخر الآية.

الجمل منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره: لا تجزي فيه.

ومنهم من يقول: اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار وهو "في" فبقي لا تجزيه، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله "أم مال أصابوا" قال: فمــا أدري أغيـرهــــم تنــــاء *** وطــول العهــد أم مــال أصــابـوا أي أصابوه.

ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل، بل يتعين تقدير الجار والمجرور العائد.

ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق، ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت "تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك" و ﴿ شيئاً ﴾ مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء مثل "ولا تظلمون شيئاً".

ومعنى تنكير النفس أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع.

وكذلك قوله ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ﴾ أي فدية لأنها معادلة للمفدى.

وفي الحديث "لا يقبل منه صرف ولا عدل" أي توبة، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء.

والضمير في ﴿ ولا يقبل منها ﴾ يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل.

ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئاً ولو أعطت عدلاً منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس.

وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه.

فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان، فأخبر الله  أن شيئاً من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه.

وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر.

فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم.

فإن قيل: قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية، فما الحكمة في ذلك؟

قلنا: من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلاً بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين والله أعلم.

واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار بالشفيع شفعاً.

ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد  رتبة الشفاعة في الآخرة، وعليه يحمل قوله  ﴿ عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً  ﴾ ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى  ﴾ .

وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار.

بقي الخلاف فيمن عداهم.

فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار، والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالداً في النار ولا شفاعة له وسائر الناس لهم الشفاعة.

قالوا: إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة مطلقاً، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة، فعرفنا أن الآية ليست على عمومها، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله  ﴿ ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها  ﴾ فخرج غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة.

وزعم أهل السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ذلك.

وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسوف يجيء سائر حجج الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله  .

وقالت الفلاسفة في تحقيق الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل، وجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء متوسطاً بين الواجب.

وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل، والسقف لما لم يكن مقابلاً لم يكن مستعداً لقبول النور منها، لكنه لو وضع طست مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف.

فأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين السقف، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله  وبين عباده أشرف من نبينا محمد  حيث إنه لا شفاعة إلا له.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: ﴿ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ بمحمد  ، وذلك أن الناس كانوا على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث الله -  - محمداً  ؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين الله، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها عليهم، وبالله التوفيق.

وذلك أيضاً يُحْتمل فيما تقدم من الآيات.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  ﴾ يعني: محمداً  .

وعهدُه في الأرض رسولُه، كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي  ﴾ أي: عهدي.

وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  ﴾ يعني: بمحمد  .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ يعني: محمداً  .

وكذلك قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  ﴾ أَمكن تخريج هذه الآيات كلها على محمد  .

ويحتمل أيضا قوله: ﴿ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا.

أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  ﴾ .

كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى  كان من بني إسرائيل.

ويحتمل: ما آتاهم - عز وجل - من أنواع النعم ما لم يؤت أَحداً من العالمين؛ كقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ من المن، والسلوى، وتظليل الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول.

كما قيل: إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، وكانت لا تُبْلَى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤتِ أحداً سواهم.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49].

وقوله: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

قيل: فُضِّلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدوابِّ بالجوهر، وعلى الجن بالرسل، وعلى البشر بالإيمان.

ويَحْتمل تفضيلُهم على العالمين وجوهاً أيضاً: ما ذكرنا من بعث الأَنبياءِ منهم.

والنجاة من أيدي العدو.

وإهلاك العدو وهم يرونه.

وفَرْق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه.

وذلك من أعظم النعم: أَن ترى عدوَّك في الهلاك وأَنت بمعزل منه آمن.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: فضَّل أَوائلهم.

وفي الآية وجهان على المعتزلة: أَحدهما: قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وعندهم: أَن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزاً، فإذا كان تركه بفعله جائزاً ففعله حق عليه.

ولا أَحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعماً على أَحد؛ فثبت أَن كان ثَمَّ منه معنى زائدٌ خصهم به، وأَن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخلٌ كما قالوا.

والثاني: قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك.

ومن قول المعتزلة: أَن ليس لله أَن يخص أَحداً بشيء إلا باستحقاق يفعله، وبذلك هم فَضَّلوا أَنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يَمُنُّ عليهم بذلك؟!

ولا قوة إلا بالله.

مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أَن يكون لهم الفضلُ في الدين أَولاً.

فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل.

وإن كان ثبت أَنْ ليس من الحق عليه التسويةُ بين الجميع في أَسباب الدين.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

الآيةُ: - والله أعلم - كأَنَّها مؤخَّرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأَنه قال: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، ثم ذكر الأَفضال والمنَنَ فقال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49]، وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  ﴾ .

ذكَّرهم - عز وجل - عظيم نِعمه ومنَنِه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها مِنَّةٌ، وأَنه فضلٌ مِنْهُ.

ثم حذَّرهم - جل وعز - فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أَصاب الأُمم السالفة من الهلاك وأَنواع العذاب بعد الأَمن، والتوسع عليهم، كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 44].

ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوماً مقذوفاً بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم.

وكذلك ذكر - عز وجل - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، وإخراجهم من أَيدي العدو، وفَرْق البحر بهم، وإهلاك العدو.

وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم، لكن ذكّرهم - جل وعز - عظيم مننه على آبائهم؛ ليشكروا له على ذلك، وكذلك عَيَّرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على حذر من ذلك، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: بما كان إنعامى عليهم باتباعهم الرسول موسى -  - وطاعتهم له، فاتَّبِعوا اسم الرسول محمد  وأَطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

قيل: أي لا تُؤدي نفس عن نفس شيئاً؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ...

﴾ الآيات [عبس: 34-35].

وقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ  ﴾ وكقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ  ﴾ .

وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا يؤْذَنُ لهم بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ .

والعدل: هو الفداءُ، إما من المال، وإما من النفس.

وذلك أيضاً يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع.

ويحتمل: أَن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ  ﴾ .

ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا أَصابته نكبة بثلاث: إما بفداءِ يفدى عنه - مالاً أو نفساً - وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأَنصارٍ ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك.

فقطع - عز وجل - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة.

والآية نزلت - والله أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون بالبعث، والجنة، والنار؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  ﴾ .

ولذلك ذكر اسم الفداءِ والشفيع، وما ذكر، وأَما من لم يؤمن بالآخرة فلا معنى لذكر ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

قيل: آل الرجل: شيعتُه؛ ولذلك قيل: آل رسول الله: قرابتُه.

وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأَمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن به.

وقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يقصدونكم أَشد العذاب.

وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأَنفهسم.

وقيل: يسومونكم، يُذيقونكم أَشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءُهم من تذبيح الأَبْنَاء وتقتيلهم، كقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ  ﴾ أي: يقتلون أَبناءَكم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل أيضاً وجهين: يحتمل: يستحيون من الحياء، أَي: استحيوا قتْل النساء، لما لا يخافهن.

ويحتمل: من الإحياءِ، أي: تركوهن أَحياء فلم يقتلوهن.

وقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ .

قيل: البلاء - ممدود - هو النعمة، كأَنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله نعمة عظيمة.

وقيل: البلا - مقصور - هو الابتلاء والامتحان؛ كأَنه قال: في استعباده إياكم واستخدامه امتحان عظيم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل: فرقنا، أَي: جعلنا لكم البحر فِرَقاً، أي: طرقاً تمرون فيه.

وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

كان الوعد لهم - والله أعلم - وعدين.

أَحدهما: من الله - عز وجل - يصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً  ﴾ أَي: صدقاً.

ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأْس أَربعين ليلة، كقوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: ﴿ ٱتَّخَذْتُمُ ﴾ : أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه.

ويحتمل: اتخذتم العجل إلهاً؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلهاً، كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  ﴾ .

وهذا كان أقرب.

وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ ﴾ .

قيل في الظلم بوجوه: قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم.

وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم.

وهاهنا - حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم - نسبهم إلى الظلم؛ لأَنهم ظلموا أَنفسهم.

وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأَنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها، وهذا كأَنه - والله أعلم - أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ...

﴾ الآية.

يَنْقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يزعمون أَن الله إذا علم من أحدٍ أَنَّه يؤمن به في آخر عمره - وإن طال - أَو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأَبد، لم يكن له أن يُميته، ولا له أَن يقطع نسله.

فإذا كان على الله أَن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فَعَلَ - جل وعز - ما عليه أَن يفعل.

وكل من فعل ما عليه أَن يفعل لم يكن فعلُه فعل امتنان، ولا فعل إِفضال؛ لأَنه - عز وجل - منّ عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأْصلهم، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو لآبائهم؛ لأَنه لو أَهلك آباءَهم وقطع تناسلهم انقرضوا وَتَفَانَوْا، ولم يتوالدوا؛ فالمنَّة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، والله أعلم.

فإذا كان هذا ما وصفنا دَلَّ أَنْ ليس على الله أن يفعل الأَصلح لهم في الدين، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

أَي: لكي تشكروا.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: لكي يوحدوا.

وذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَنْ يَشْهد خَلْقُه كلُّ أَحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خَلْقُه كلُّ أَحد له.

ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أَنعم وأَفضل عليه، وذلك يرجع إلى من يعبد ويوحد.

ويحتمل: أَنه خلقهم؛ ليأْمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل منهم الأَمر بذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة.

والكتابُ: اسم لكل مكتوب.

وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

قيل: سميت فرقاناً؛ لما فرق وبَيَّن فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه بين الحلال والحرام فهو فرقان.

وقيل: يسمى فرقاناً؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل.

وهما واحد.

وقيل: سميت التوراة فرقاناً؛ لما فيها المخرج من الشبهات.

وقيل: الآية على الإضمار؛ كأَنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب - يعني التوراة - ومحمداً الفرقان؛ كقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

فالكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وقد ذكرنا فيه ما أَمكن، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أبناء نبي الله يعقوب، اذكروا نعمي الدينية والدنيوية التي أنعمت بها عليكم، واذكروا أني فضَّلتكم على أهل زمانكم المعاصرين لكم بالنبوة والملك.

<div class="verse-tafsir" id="91.dmkdb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم تذكير بني إسرائيل بالنعمة في آية قبل هذه الآية، مقرونًا بالأمر بالوفاء بعهد الله، وبالوعد بالجزاء عليه والأمر بالخشية منه والرهبة له وحده، (وهي آية ٤٠) وتلاها آيات أمرهم فيها بالإيمان بالقرآن ونهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمانه.

ثم أمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ثم وبخهم على نسيان أنفسهم من البر مع أمرهم للناس به وتلاوتهم الكتاب الداعي إليه، ودلهم على الطريق التي لو سلكوها عوفوا من هذا النسيان، تلك الطريق هي الاستعانة بالصبر والصبر التي فقدوها بفقد روحها وهو الإخلاص والخشوع.

وبعد هذا عاد إلى التذكير بالنعمة بنوع من التفصيل فإن النعمة في الآية الأولى مجملة والإجمال ينبه الفكر إلى الذكر في الجملة، فإذا تلاه التفصيل والبيان كان على استعداد تام لكمال الفهم، فيكون التذكر أتم والتأثر أقوى، والشكر على النعمة أرجى.

ثم طلب منهم أن يذكروا نعمته عليهم وتفضيله إياهم على الناس إحياء لشعور الكرامة في نفوسهم، ووصله بالأمر باتقاء يوم الدين والجزاء.

وهذا أسلوب حكيم في الوعظ فينبغي لكل واعظ أن يبدأ وعظه بأحياء إحساس الشرف وشعور الكرامة في نفوس الموعوظين لتستعد بذلك لقبول الموعظة، وتجد من ذلك الإحساس معونة من العزيمة الصادقة التي هي من خصائص النفوس الكريمة على عوامل الهوى والشهوة، فإن النفس إذا استشعرت كرامتها وعلوها ونظرت إلى ما في الرذائل من الخسة أبى لها ذلك الشعور، شعور العلو والرفعة، أن تنحط إلى تعاطي تلك الخسائس، وكان ذلك من أقوى الوسائل لمساعدة الواعظ على بلوغ قصده من نفس من يوجه إليه وعظه ثم إن في الوعظ مسًا يؤلم نفس الموعوظ وجرحًا يكاد يحملها على النفرة من تلقينه والاستنكاف من سماعه، فذكر الواعظ لما يشعر بكرامة المخاطب ورفعة شأنه، وإباء ما ينمى إليه من الشرف أن يدوم على مثل يقترف، يقبل بالنفس على القبول كما يقبل الجريح على من يضمد جراحة ويسكن آلامه.

ألا وإن هذا الشعور، شعور الشرف والرفعة، ملازم للإنسان لا يفارقه، ولكنه قد يضعف حتى لا يظهر له أثر، وفي تحريك الواعظ له اعتراف ضمني بكرامة وفضل للموعوظ يشفعان له بما يستلزمه الوعظ من مظنة الإهانة فيسهل احتماله ويقرب قبوله.

شعور العزة والكرامة أمر شريف يحييه الإيمان في نفوس المؤمنين الصادقين، بل يستلزمه على وجه أكمل، لأن صاحب الإيمان الصحيح يرى أن له نسبة إلى الرب العظيم خالق السموات والأرض، وأنه سنده وممده، وعند ذلك تعلو نفسه وترتفع كما قيل: قوم يخالجهم زهو بسيدهم والعبد يزهو على مقدار مولاه من كان يشعر لنفسه بقيمة أو يجد لها حقًا في أن تعز وتكرم تراه إذا خلا بنفسه وتذكر أنه ألم بنقيصة يتألم ويتململ ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.

وإذا تذكر المؤمن أن قلبه الذي تشرف بمعرفة الله تعالى، وأن شرف تلك المعرفة خلصه من العبودية لغيره وصيره مربوبًا لرب العالمين وحده، فهو في ذلك مع أرفع رفيع وأكرم كريم سواء، إذا ذكر ذلك لم ير من اللائق بمثل هذا الاختصاص أن يجاوره ما يدنسه من الاستعباد لما يذله، بل يرى أن ذلك الشعور الطاهر والعرفان الهادي إلى مقامات الكرامة لا ينبغي أن يزاحمه في موطنه من القلب دنس من رجس الرذائل.

فينفر من هذه المزاحمة، وتثقل عليه، ويسهل عليه التزكي مما ألم به، والإنابة إلى الله تعالى.

لهذا بدأ الله تعالى تذكير بني إسرائيل بما بدأ وثنى بما ثنى، وهو يتضمن من التقريع والتوبيخ ما يشعر بغلظ طباعهم وفساد قلوبهم فإن من لا يتأدب بإحياء إحساس الكرامة، يؤدب بالتأنيب والإهانة.

العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة فقوله تعالى ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ مؤكد لمثله في الآية:"٤٠"وتمهيد لما عطفه عليه من تفصيل الإجمال في الآية وما بعدها من الآيات، وما اقترن به من بيان كفرهم للنعم، وما تخللها من المواعظ والحجج، وأوله وأعلاه قوله ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ أي أعطيتكم من الفضل -وهو الزيادة فيما يحسن- ما لم أعط غيركم من الشعوب حتى ذات المزايا الدنيوية كالمصريين وسكان البلاد المقدسة.

ناداهم باسم أبيهم الذي هو أصل عزهم وسؤددهم ومنشأ تفضيلهم، وأسند النعمة إليهم جميعًا لا إليه وحده، لأن النعمة عمتهم والتفضيل شملهم، ثم طفق يفصل النعمة التي ذكرها مجملة فيما سبق بذكر أمهات أنواعها، فذكر تفضيلهم على العالمين بمحض كرمه وفضله، فإن بني إسرائيل كغيرهم من البشر.

والتفضيل هو مناط الأخذ بالفضائل وترك الرذائل، لأن الذي يرى نفسه رذلًا خسيسًا لا يبالي ما يفعل، ومن يرى نفسه مفضلًا مكرمًا فإنه يترفع عن الدنايا والخسائس التي تدنس شرفه وتذهب بفضله.

والحكمة في التذكير بالتفصيل أن يتذكروا أن الذي فضلهم له أن يفضل غيرهم كمحمد  وأمته، وتنبيههم إلى عدم الذهول عن أنفسهم ليذكروها عند أمر الناس بالبر، ويعلموا أنهم أولي بأن يبروا ممن يأمرونهم بالبر، لأنهم يتلون الكتاب الداعي إليه وهو آية تفضيلهم.

وإلى أنهم أحق باستعمال الفكر في الآيات التي أوتيها النبي  وأجدر من جميع الشعوب بالإيمان به، فإن المفضل أولى بالسبق إلى الفضائل ممن فضل هو عليه.

ثم إن الفضل على العالمين إن كان بكثرة الأنبياء فيهم فهو ظاهر على عمومه لأنه لا يعرف شعب من الشعوب يزاحمهم في هذه المزية.

ولا تقضي هذه الفضيلة بأن يكون كل فرد منهم أفضل من كل فرد من غيرهم، ولا تنافي أن يفضلهم أخس الشعوب -بله غيره- إذا هم انحرفوا عن هدى أنبيائهم وتركوا سنتهم واهتدى إليها ذلك الشعب الذي كان مفضولًا.

وإن كان المراد من التفضيل هو القرب من الله تعالى بمرضاته فلا بد من تخصيصه بأولئك الأنبياء والمهتدين بهم من أهل زمانهم والتابعين لهم فيه، ومن تقييده بمدة الاستقامة على العمل الذي استحقوا به التفضيل.

ثم قال تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ أي واحذروا يومًا عظيمًا أمامكم سيقع فيه من الحساب والجزاء ما لا منجاة من هوله إلا بتقوى الله في جميع الأحوال، ومراقبته في جميع الأعمال، فهو يوم لا تغني فيه نفس مهما يكن قدرها عظيمًا عن نفس مهما يكن ذنبها صغيرًا شيئًا ما كحمل وزرها، أو تكفير ذنبها، ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى  ﴾ .

وصف اليوم بهذا الوصف ولم يقل يوم القيامة مثلًا للإشعار بأن التصرف في ذلك اليوم والأمر كله لله، فليس فيه ما اعتاد الناس في هذه الدنيا من دفاع بعضهم عن بعض.

وعبر عن هذا المعنى في أول سورة بقوله ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ ثم وصفه هنا بوصف آخر يناسب الأول فقال ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ  ﴾ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو (ولا تقبل) بالتاء، والمعنى لا يقبل منها أن تأتي بشفيع يشفع لها ولا يؤخذ منها فداء أو بدل إن هي استطاعت أن تأتي بذلك كما يظن أكثر الكفار ولن تستطيع.

قال البيضاوي وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع أحد عن أحد العذاب من كل وجه محتمل، وفصل هذه الوجوه بما يشمل الثلاث المنفية، وجملة المعنى أنه يوم لا تأثير لأحد فيه ولا كسب، ولا ينطق فيه أحد إلا بإذن الله تعالى.

وقال (الجلال) أي ليس لها شفاعة، واستدل بقوله تعالى حكاية عن المجرمين في الآخرة ﴿ فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ  ﴾ الآية وفسر العدل بالفداء قال ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ  ﴾ أي يمنعون من عذاب الله.

ولا دليل في هذا على أن المراد ما ذكره في مسألة الشفاعة وإنما السياق في الآية وأمثالها يدل على أن المراد بيان أن ذلك اليوم يوم تنقطع فيه الأسباب، وتبطل منفعة الأنساب، وتتحول فيه سنة هذه الحياة من انطلاق الإنسان في اختياره يدفع عن نفسه بالعدل والفداء ويستعين على المدافعة بالشفاعة عند السلاطين والأمراء، وقد يوجد له فيها أنصار ينصرونه بالحق وبالباطل على سواء.

بل يكون له في ذلك اليوم شأن آخر مع ربه تضمحل فيه جميع الوسائل إلا ما كان من إخلاصه في عمله، قبل حلول أجله، ورحمة الله العلي الكبير له، لضعف حوله، وضيق طوله، وأنه يوم لا يتحرك فيه عضو إلا بإذن الله، ولا يقدر أحد أن ينبس بكلمة إلا بإذن الله ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ  ﴾ .

كان اليهود المخاطبون ببيان هذه الحقيقة كغيرهم من أمم الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلًا وجزاء عنه -كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية- أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته.

ولقد اكتسح الإسلام هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص، وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإسلام أقوام يحملون أوزارًا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولقنوه كما ترشد إليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإفساد فجعلوا التأويل الباطل حقًا، والكذب صدقًا.

ومن ذلك بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين، وهي من إرث قدماء الوثنيين، كإعطائهم لغاسل الميت شيئًا من النقد يسمونه "أجرة المعدية" أي أجرة نقله إلى الجنة.

وغير ذلك مما يعملونه للأموات، ولمن يعتقدون فيهم الولاية والقرب من الله، ومثله أكثر تقاليدهم في بناء المقابر واحتفالاتها.

وأيضًا تلك المكفرات التي يعتقدها اليهود كقربان الإثم وقربان الخطيئة وقربان السلامة والمحرقة والاكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه..

وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات، فإن فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإقلاع عن الذنب ثم تقديم القربان يكون تربية وعقوبة.

وقد أخبرهم الله تعالى في هذه الآية بأن يوم القيامة لا يقبل فيه عدل يفتدى الإنسان به.

وكانوا يعتقدون أنهم بانتسابهم للأنبياء لا يدخلون النار أو لا تمسهم إلا أيامًا معدودة، لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة، ولا يرضون أن يتركوا أبناءهم في العذاب، ثم زادوا على ذلك شفاعة الأحبار لمن ينتسب إليهم.

ومتى ضعف الدين يوجد من رؤسائه من يروج هذه العقائد في العامة لما تسوق إليهم من المنافع.

وكذلك كان اليهود حتى جاء الإسلام بهذه الآية وأمثالها فمحا هذه العقيدة ليعلم المؤمنون به أنه لا ينفع الإنسان يوم القيامة إلا مرضاة الله تعالى بالإيمان الخالص والعمل الصالح.

في القرآن آيات ناطقة بنفي الشفاعة مطلقًا كقوله تعالى في وصف يوم القيامة ﴿ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ  ﴾ وأخرى ناطقة بنفي منفعة الشفاعة كقوله  ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ  ﴾ وآيات تقيد النفي بمثل قوله تعالى ﴿ إِلَّا بِإِذْنِهِ  ﴾ وقوله ﴿ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى  ﴾ فمن الناس من يحكم الثاني بالأول ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما فنحتاج إلى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء (أي الاستثناء بالإذن والمشيئة) معهود في أسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته  كقوله تعالى ﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى  إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ  ﴾ وقوله ﴿ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ  ﴾ فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟

الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره -حكم به أم لا- فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإرادة وفسخها لأجل الشفيع.

فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به.

وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه، ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة.

وكل من النوعين محال على الله تعالى لأن إرادته تعالى على حسب علمه وعلمه أزلي لا يتغير.

فما ورد في إثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم، وأنها مزية يختص الله بها من يشاء يوم القيامة، عبر عنها بهذه العبارة "الشفاعة" ولا نحيط بحقيقيها، مع تنزيه الله  عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي.

وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى.

والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما أن النبي  يسجد يوم القيامة ويثني على الله تعالى بثناء يلهمه يومئذ فيقال له "ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع".

وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن إرادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة للشافع بتنفيذ الإرادة الأزلية عقيب دعائه، وليس فيها أيضًا ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادًا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحدًا في الآخرة إلا طاعته ورضاه ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ  فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ  ﴾ ﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد