الآية ٥٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٥٠ من سورة البقرة

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 131 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون ، وخرجتم مع موسى ، عليه السلام ، خرج فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر ، كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلا كما سيأتي في مواضعه ومن أبسطها في سورة الشعراء إن شاء الله .

( فأنجيناكم ) أي : خلصناكم منهم ، وحجزنا بينكم وبينهم ، وأغرقناهم وأنتم تنظرون ؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم .

قال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى : ( وإذ فرقنا بكم البحر ) إلى قوله : ( وأنتم تنظرون ) قال : لما خرج موسى ببني إسرائيل ، بلغ ذلك فرعون فقال : لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة .

قال : فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا ؛ فدعا بشاة فذبحت ، ثم قال : لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط .

فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط ثم سار ، فلما أتى موسى البحر ، قال له رجل من أصحابه ، يقال له : يوشع بن نون : أين أمر ربك ؟

قال : أمامك ، يشير إلى البحر .

فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر ، فذهب به الغمر ، ثم رجع .

فقال : أين أمر ربك يا موسى ؟

فوالله ما كذبت ولا كذبت .

فعل ذلك ثلاث مرات ، ثم أوحى الله إلى موسى : ( أن اضرب بعصاك البحر ) فضربه ( فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) [ الشعراء : 63 ] ، يقول : مثل الجبل .

ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم ، حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم فلذلك قال : ( وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون ) .

وكذلك قال غير واحد من السلف ، كما سيأتي بيانه في مواضعه .

وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا أيوب ، عن عبد الله بن سعيد بن جبير ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء ، فقال : ما هذا اليوم الذي تصومون ؟

.

قالوا : هذا يوم صالح ، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم ، فصامه موسى ، عليه السلام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا أحق بموسى منكم .

فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر بصومه .

وروى هذا الحديث البخاري ، ومسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من طرق ، عن أيوب السختياني ، به نحو ما تقدم .

وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا أبو الربيع ، حدثنا سلام - يعني ابن سليم - عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء .

وهذا ضعيف من هذا الوجه فإن زيدا العمي فيه ضعف ، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ أما تأويل قوله: (وإذ فرقنا بكم)، فإنه عطف على: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ ، بمعنى: واذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم, واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون, وإذ فرقنا بكم البحر.

ومعنى قوله: (فرقنا بكم) : فصلنا بكم البحر.

لأنهم كانوا اثني عشر سبطا؛ ففرق البحر اثني عشر طريقا, فسلك كل سبط منهم طريقا منها، فذلك فرق الله بهم عز وجل البحر, وفصله بهم، بتفريقهم في طرقه الاثني عشر، كما:- 904 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر, عن السدي: لما أتى موسى البحر كنّاه " أبا خالد ", وضربه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم, فدخلت بنو إسرائيل.

وكان في البحر اثنا عشر طريقا في كل طريق سبط.

(43) * * * وقد قال بعض نحويي البصرة: معنى قوله: (وإذ فرقنا بكم البحر)، فرقنا بينكم وبين الماء.

يريد بذلك: فصلنا بينكم وبينه، وحجزناه حيث مررتم به.

وذلك خلاف ما في ظاهر التلاوة، (44) لأن الله جل ثناؤه إنما أخبر أنه فرق البحر بالقوم, ولم يخبر أنه فرق بين القوم وبين البحر, فيكون التأويل ما قاله قائلو هذه المقالة, وفرقه البحر بالقوم, إنما هو تفريقه البحر بهم، على ما وصفنا من افتراق سبيله بهم، على ما جاءت به الآثار.

* * * القول في تأويل قوله تعالى فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) قال أبو جعفر: إن قال لنا قائل وكيف غرق الله جل ثناؤه آل فرعون ونجى بني إسرائيل؟

قيل له، كما:- 905 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد قال: لقد ذكر لي أنه خرج فرعون في طلب موسى على سبعين ألفا من دُهم الخيل، سوى ما في جنده من شهب الخيل.

(45) وخرج موسى, حتى إذا قابله البحر ولم يكن له عنه منصرف, طلع فرعون في جنده من خلفهم, فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ مُوسَى كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [سورة الشعراء: 61-62] أي للنجاة, وقد وعدني ذلك ولا خلف لوعده.

(46) 906 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق قال: أوحى الله إلى البحر -فيما ذكر لي: إذا ضربك موسى بعصاه فانفلق له.

قال: فبات البحر يضرب.

بعضه بعضا فرقا من الله وانتظاره أمره.

(47) فأوحى الله جل وعز إلى موسى: أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها، وفيها سلطان الله الذي أعطاه, فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، أي كالجبل على نشز من الأرض &; 2-52 &; (48) .

يقول الله لموسى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه: 77].

فلما استقر له البحر على طريق قائمة يَبَسٍ (49) سلك فيه موسى ببني إسرائيل, وأتبعه فرعون بجنوده.

(50) 907 - وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق, عن محمد بن كعب القرظي, عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي قال: حدثت أنه لما دخلت بنو إسرائيل البحر فلم يبق منهم أحد, أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل، حتى وقف على شفير البحر, وهو قائم على حاله, فهاب الحصان أن ينفذ.

(51) فعرض له جبريل على فرس أنثى وديق, (52) فقربها منه فشمها الفحل, فلما شمها قدمها, (53) فتقدم معها الحصان عليه فرعون.

فلما رأى جند فرعون فرعون قد دخل، دخلوا معه وجبريل أمامه, وهم يتبعون فرعون، وميكائيل على فرس من خلف القوم يسوقهم, يقول: " الحقوا بصاحبكم ".

حتى إذا فصل جبريل من البحر ليس أمامه أحد, ووقف ميكائيل على ناحيته الأخرى، وليس خلفه أحد, طبق عليهم البحر, ونادى فرعون -حين رأى من سلطان الله عز وجل وقدرته ما رأى وعرف ذله، وخذلته نفسه (54) -: لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (55) [يونس: 90].

908 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن أبي إسحاق الهمداني, عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ، قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.

قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا: فدعا بشاة فذبحت, ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط.

فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط.

ثم سار, فلما أتى موسى البحر, قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك يا موسى؟

قال: أمامك.

يشير إلى البحر.

فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغَمْر, فذهب به، ثم رجع.

(56) فقال: أين أمرك ربك يا موسى؟

فوالله ما كَذبتَ ولا كُذبتَ: ففعل ذلك ثلاث مرات.

ثم أوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء: 63] - يقول: مثل جبل - قال: ثم سار موسى ومن معه وأتبعهم فرعون في طريقهم, حتى إذا تتاموا فيه أطبقه الله عليهم.

فلذلك قال: (وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون).

قال معمر، قال قتادة: كان مع موسى ستمائة ألف, وأتبعه فرعون على ألف ألف ومائة ألف حصان.

909 - وحدثني عبد الكريم بن الهيثم قال، حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال، حدثنا سفيان قال، حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: أوحى الله جل وعز إلى موسى أن أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون.

قال: فسرى موسى ببني إسرائيل ليلا فاتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث، وكان موسى في ستمائة ألف.

فلما عاينهم فرعون قال: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [ الشعراء: 54-56] فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجموا على البحر, فالتفتوا فإذا هم برَهَج دواب فرعون، فقالوا: يا موسى، &; 2-54 &; أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا!

هذا البحر أمامنا, وهذا فرعون قد رَهِقنا بمن معه!

(57) قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون.

قال: فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، وأوحى إلى البحر أن اسمع لموسى وأطع إذا ضربك.

قال: فبات البحر له أفكل (58) - يعني: له رعدة - لا يدري من أي جوانبه يضربه.

قال: فقال يوشع لموسى: بماذا أمرت؟

قال: أمرت أن أضرب البحر.

قال: فاضربه.

قال: فضرب موسى البحر بعصاه, فانفلق فكان فيه اثنا عشر طريقا, كل طريق كالطود العظيم؛ فكان لكل سبط منهم طريق يأخذون فيه.

فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى أصحابنا؟

قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟

قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

قالوا: لا نرضى حتى نراهم .

قال سفيان, قال عمار الدهني: قال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة.

قال: فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا.

وأومأ إبراهيم بيده يديرها على البحر.

قال موسى بعصاه على الحيطان هكذا, (59) فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض.

قال سفيان: قال أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر.

فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر هو وأصحابه, وكان فرعون على فرس أدهم ذَنوب حصان (60) .

فلما هجم على البحر، هاب الحصان أن يقتحم في البحر, فتمثل له جبريل على فرس أنثى وديق، (61) &; 2-55 &; فلما رآها الحصان تقحم خلفها.

وقيل لموسى: اترك البحر رهوا - قال: طُرقا على حاله (62) - قال: ودخل فرعون وقومه في البحر, فلما دخل آخر قوم فرعون، وجاز آخر قوم موسى، أطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقوا.

(63) 910 - حدثنا موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط بن نصر, عن السدي: أن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل, فقال: أسر بعبادي ليلا إنكم متبعون.

فخرج موسى وهارون في قومهما, وألقي على القبط الموت، فمات كل بكر رجل، فأصبحوا يدفنونهم, فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس.

فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء: 60] فكان موسى على ساقة بني إسرائيل, وكان هارون أمامهم يقدمهم (64) فقال المؤمن لموسى: يا نبي الله, أين أمرت؟

قال: البحر.

فأراد أن يقتحم, فمنعه موسى، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل, لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره, وإنما عدوا ما بين ذلك، سوى الذرية.

وتبعهم فرعون وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان، ليس فيها ماذِيانة (65) -يعني الأنثى- وذلك حين يقول الله جل ثناؤه: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [ الشعراء: 53-54] يعني بني إسرائيل.

فتقدم هارون فضرب البحر, فأبى البحر أن ينفتح, وقال: من هذا الجبار الذي يضربني؟

حتى أتاه موسى فكناه " أبا خالد " وضربه فانفلق، &; 2-56 &; فكان كل فرق كالطود العظيم -يقول: كالجبل العظيم-، فدخلت بنو إسرائيل.

وكان في البحر اثنا عشر طريقا, في كل طريق سبط -وكانت الطرق انفلقت بجدران (66) - فقال كل سبط: قد قتل أصحابنا!

فلما رأى ذلك موسى, دعا الله, فجعلها لهم قناطر كهيئة الطِّيقان (67) فنظر آخرهم إلى أولهم, حتى خرجوا جميعا.

ثم دنا فرعون وأصحابه, فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقا قال: ألا ترون البحر فَرِق مني؟

(68) قد انفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم!

فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ [الشعراء: 64] يقول: قربنا ثم الآخرين، يعني آل فرعون.

فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم, فنـزل جبريل على ماذيانة, فشامت الحصن ريح الماذيانة, فاقتحم في أثرها, (69) حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم, أمر البحر أن يأخذهم, فالتطم عليهم.

(70) .

911 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما أخذ عليهم فرعون الأرض إلى البحر، قال لهم فرعون: قولوا لهم يدخلون البحر إن كانوا صادقين!

فلما رآهم أصحاب موسى قالوا: إنا لمدركون!

قال كلا إن معي ربي سيهدين.

فقال موسى للبحر: ألست تعلم أني رسول الله؟

قال: بلى.

قال!

وتعلم أن هؤلاء عباد من عباد الله أمرني أن آتي بهم؟

قال: بلى.

&; 2-57 &; قال: أتعلم أن هذا عدو الله؟

قال: بلى.

قال: فافرق لي طريقا ولمن معي.

(71) قال: يا موسى, إنما أنا عبد مملوك، ليس لي أمر إلا أن يأمرني الله تعالى.

فأوحى الله عز وجل إلى البحر: إذا ضربك موسى بعصاه فانفرق.

وأوحى إلى موسى أن يضرب البحر, وقرأ قول الله تعالى: فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [ سورة طه: 77] وقرأ قوله: وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا [الدخان: 24] -سهلا ليس فيه نُقر (72) -فانفرق اثنتي عشرة فرقة, فسلك كل سبط في طريق.

قال: فقالوا لفرعون: إنهم قد دخلوا البحر.

قال: ادخلوا عليهم.

قال: وجبريل في آخر بني إسرائيل يقول لهم: ليلحق آخركم أولكم.

وفي أول آل فرعون يقول لهم: رويدا يلحق آخركم أولكم.

فجعل كل سبط في البحر يقولون للسبط الذين دخلوا قبلهم: قد هلكوا!

فلما دخل ذلك قلوبهم أوحى الله جل وعز إلى البحر فجعل لهم قناطر، ينظر هؤلاء إلى هؤلاء, حتى إذا خرج آخر هؤلاء ودخل آخر هؤلاء أمر الله البحر فأطبق على هؤلاء.

* * * ويعني بقوله: (وأنتم تنظرون)، أي تنظرون إلى فرق الله لكم البحر، وإهلاكه آل فرعون في الموضع الذي نجاكم فيه, وإلى عظيم سلطانه -في الذي أراكم من طاعة البحر إياه، من مصيره ركاما فلقا كهيئة الأطواد الشامخة، (73) غير زائل عن حده, انقيادا لأمر الله وإذعانا لطاعته, وهو سائل ذائب قبل ذلك.

يوقفهم بذلك جل ذكره على موضع حججه عليهم, ويذكرهم آلاءه عند أوائلهم, ويحذرهم -في تكذيبهم نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم- أن يحل بهم ما حل بفرعون وآله، في تكذيبهم موسى صلى الله عليه وسلم.

* * * وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله: (وأنتم تنظرون)، كمعنى قول القائل: " ضربت وأهلك ينظرون, فما أتوك ولا أعانوك " بمعنى: وهم قريب بمرأى ومسمع, وكقول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: 45]، وليس هناك رؤية, إنما هو علم.

قال أبو جعفر: والذي دعاه إلى هذا التأويل، أنه وجه قوله: (وأنتم تنظرون)، أي وأنتم تنظرون إلى غرق فرعون، فقال: قد كانوا في شغل من أن ينظروا -مما اكتنفهم من البحر- إلى فرعون وغرقه.

وليس التأويل الذي تأوله تأويل الكلام, إنما التأويل: وأنتم تنظرون إلى فرق الله البحر لكم -على ما قد وصفنا آنفا- والتطام أمواج البحر بآل فرعون، في الموضع الذي صير لكم في البحر طريقا يبسا.

وذلك كان، لا شك نظر عيان لا نظر علم، كما ظنه قائل القول الذي حكينا قوله.

------------ الهوامش : (43) الأثر 904 - من خبر طويل في تاريخ الطبري ، وهذه الفقرة منه في 1 : 214 ، وانظر أيضًا رقم : 910 .

(44) انظر تفسير"الظاهر" فيما مضى : 2 : 15 ، والمراجع .

(45) في المخطوطة والمطبوعة : "من شية الخيل" ، وشية الفرس : لونه ، فكان الأجود أن يقول : "من شيات الخيل" .

وفي التاريخ .

"من شهب الخيل" ، كما أثبتناه .

والشهب جمع أشهب ، والشُّهبة في ألوان الخيل : أن تشق معظم لونه شعرة أو شعرات بيض ، كميتا كان الفرس أو أشقر أو أدهم .

(46) الأثر : 905 - في تاريخ الطبري 1 : 217 ، وفيه"ولا خلف لموعوده" .

والموعود كالوعد ، وهو من المصادر التي جاءت على مفعول .

(47) في المطبوعة : "فثاب البحر .

.

.

" ، وهو تصحيف ، والصواب في المخطوطة والتاريخ .

وفي المطبوعة : "وانتظار أمره" ، وفي التاريخ"وانتظارا لأمره" ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو جيد .

(48) في المطبوعة : "على يبس من الأرض" ، وأثبت ما في المخطوطة والتاريخ .

والنشز : المتن المرتفع من الأرض - أو ما ارتفع عن الوادي إلى الأرض ، وليس بالغليظ .

(49) في المطبوعة : "فلما استقر لهم .

.

.

" .

(50) الأثر : 906 - في تاريخ الطبري 1 : 217 .

(51) هكذا في المخطوطة والمطبوعة"أن ينفذ" ، وفي التاريخ : "أن يتقدم" ، وكأنها الصواب ، والآخر تحريف ، سقط الميم من آخره .

(52) فرس وديق : مريدة للفحل تشهيه .

(53) في المطبوعة"فلما شمها تبعها" ، وهو خطأ وخلط .

والصواب ما في المخطوطة والتاريخ .

وقوله : "قدمها" أي زجرها ، بقولهم للفرس : "أقدم" أي امض قدما إلى أمام .

(54) في المطبوعة وحدها : "ذلته" .

(55) الأثر : 907 - في تاريخ الطبري 1 : 217 .

وفي المطبوعة : "آمنت أنه لا إله إلا الذي .

.

.

" وفي التاريخ : "نادي أن لا إله إلا الذي .

.

.

" وأثبت ما في المخطوطة .

(56) في ابن كثير 1 : 165"فذهب به الغمر ، ثم رجع" .

(57) رهقه : غشيه وأوشك أن يدركه .

(58) في المطبوعة"فثاب له" ، وهو تصحيف مضى مثله في : 45 ، تعليق : 3 (59) قال بعصاه أو بيده : أشار بها .

والإشارة ضرب من التعبير والبيان ، فكان مجاز القول إلى معنى الإشارة جيدا .

(60) الأدهم : الأسود .

والذنوب : الفرس الوافر الذنب الطويلة .

وقوله : "حصان" هنا : أي فحل ، قد ضن بمائه فلم ينز على أنثى .

(61) الوديق : مضى تفسيرها في ص : 46 تعليق : 4 (62) في المخطوطة : "علي حياله" ، وهو خطأ ، وانظر ما مضى ص : 46 ، وانظر أيضًا تفسير : "رهوا" في 25 : 73 (بولاق) .

(63) الأثر : 909 - هو كالأثر الماضي : 892 ، وبالإسناد نفسه .

انظر تمام هذا الأثر في رقم : 918 .

وأقحم سفيان روايته عن عمار الدهني ، في روايته عن أبي سعيد .

وعمار ، هو عمار بن معاوية الدهني (بضم الدال وسكون الهاء) ، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي ، وذكره ابن حبان في الثقات (تهذيب التهذيب) .

(64) ساقة الجيش ، وساقة الحاج : هم الذين يكونون في مؤخره يسوقونه ويحفظونه من ورائه .

(65) في المطبوعة : "ما ذبانه" ، وفي المخطوطة : " مادنانة" بالدال المهملة .

ولم أجد الكلمة فيما بين يدي من الكتب .

(66) في تاريخ الطبري : "وكأن الطرق إذا انفلقت بجدران" .

(67) الطيقان والأطواق ، جمع طاق : وهو عقد البناء حيث كان .

(68) فرق يفرق فرقا (بفتحتين) : فزع أشد الفزع .

(69) في المطبوعة : "ماذبانة .

.

.

الماذبانة" ، وانظر ما سلف : 49 تعليق : 5 ، وفي المطبوعة"فشام الحصان" بالإفراد ، وهو غير جيد في سياق الكلام .

الصواب من المخطوطة وتاريخ الطبري .

وشام الشيء : تشممه .

والحصن ، جمع حصان .

(70) الأثر : 910 - في تاريخ الطبري 1 : 213 - 214 ، ومضت فقرة منه برقم : 904 .

والتطم البحر عليهم : أطبق عليهم وختم وهو يتلاطم موجه .

ولم أجدها في كتب اللغة .

ولكنهم يقولون : التطمت الأمواج وتلاطمت ، ضرب بعضها بعضا .

ويقولون : لطم الكتاب : أي ختمه .

فالذي جاء في الخبر عربى معرق في مجازه .

(71) في المطبوعة"فانفرق لي طريقا .

.

" وهو خطأ .

(72) في المطبوعة : "ليس فيه تعد" ، وفي المخطوطة : "نفد" والدال تشبه أن تكون راء .

فاستظهرت أن تكون ما أثبت .

والنقر جمع نقرة : وهي الوهدة المستديرة في الأرض ، أو الحفرة صغيرة ليست بكبيرة .

وهذا أشبه بالكلام والمعنى .

(73) في المطبوعة : "ركاما فرقا" ، وهو تغيير بلا سبب .

ركام : مجتمع بعضه فوق بعض والفلق جمع فلقة (بكسر فسكون) : وهي الشق .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرونقوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم إذ في موضع نصب و فرقنا فلقنا فكان كل فرق كالطود العظيم أي الجبل العظيم وأصل الفرق الفصل ومنه فرق الشعر ، ومنه الفرقان ؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل ومنه فالفارقات فرقا يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل ومنه يوم الفرقان يعني يوم بدر كان فيه فرق بين الحق والباطل ومنه وقرآنا فرقناه أي فصلناه وأحكمناه وقرأ الزهري " فرقنا " بتشديد الراء أي جعلناه فرقا ومعنى بكم أي لكم فالباء بمعنى اللام وقيل الباء في مكانها أي فرقنا البحر بدخولكم إياه أي صاروا بين الماءين فصار الفرق بهم وهذا أولى يبينه فانفلق .قوله تعالى : " البحر " البحر معروف سمي بذلك لاتساعه ويقال فرس بحر إذا كان واسع الجري أي كثيره ومن ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مندوب فرس أبي طلحة ( وإن وجدناه لبحرا ) والبحر الماء الملح ويقال أبحر الماء ملح قال نصيبوقد عاد ماء الأرض بحرا فزادني إلى مرضي أن أبحر المشرب العذبوالبحر البلدة يقال هذه بحرتنا أي بلدتنا قاله الأموي والبحر السلال يصيب الإنسان .

ويقولون لقيته صحرة بحرة أي بارزا مكشوفا ، وفي الخبر عن كعب [ ص: 365 ] الأحبار قال إن لله ملكا يقال له صندفاييل البحار كلها في نقرة إبهامه ذكره أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن كعبقوله تعالى : فأنجيناكم أي أخرجناكم منه يقال نجوت من كذا نجاء ، ممدود ، ونجاة ، مقصور ، والصدق منجاة وأنجيت غيري ونجيته وقرئ بهما وإذ نجيناكم فأنجيناكم .قوله تعالى : وأغرقنا آل فرعون يقال غرق في الماء غرقا فهو غرق وغارق أيضا ومنه قول أبي النجم :من بين مقتول وطاف غارقوأغرقه غيره وغرقه فهو مغرق وغريق ولجام مغرق بالفضة أي محلى والتغريق القتل قال الأعشىألا ليت قيسا غرقته القوابلوذلك أن القابلة كانت تغرق المولود في ماء السلى عام القحط ذكرا كان أو أنثى حتى يموت ثم جعل كل قتل تغريقا ، ومنه قول ذي الرمة :إذا غرقت أرباضها ثني بكرة بتيهاء لم تصبح رءوما سلوبهاوالأرباض الحبال والبكرة الناقة الفتية وثنيها بطنها .

الثاني : وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب .القول في اختلاف العلماء في كيفية إنجاء بني إسرائيلفذكر الطبري أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط وأحل الله ذلك لبني إسرائيل فسرى بهم موسى من أول الليل فأعلم فرعون فقال لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك وأمات الله تلك الليلة كثيرا من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين كما قال تعالى فأتبعوهم مشرقين وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه وكانت عدة بني إسرائيل نيفا على ستمائة ألف وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف .

وقيل : إن فرعون اتبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث وقيل دخل إسرائيل وهو [ ص: 366 ] يعقوب عليه السلام مصر في ستة وسبعين نفسا من ولده وولد ولده فأنمى الله عددهم وبارك في ذريته حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قال حدثنا شبابة بن سوار عن يونس بن أبي إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسرى ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت ثم قال : لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ستمائة ألف من القبط قال فانطلق موسى حتى انتهى إلى البحر فقال له : افرق فقال له البحر لقد استكبرت يا موسى وهل فرقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك ؟

!

قال ومع موسى رجل على حصان له قال فقال له ذلك الرجل : أين أمرت يا نبي الله ؟

قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال فأقحم فرسه فسبح فخرج فقال أين أمرت يا نبي الله ؟

قال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال والله ما كذبت ولا كذبت ثم اقتحم الثانية فسبح به حتى خرج فقال أين أمرت يا نبي الله ؟

فقال ما أمرت إلا بهذا الوجه قال والله ما كذبت ولا كذبت قال فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه موسى بعصاه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم فكان فيه اثنا عشر فرقا لاثني عشر سبطا لكل سبط طريق يتراءون ، وذلك أن أطواد الماء صار فيها طيقانا وشبابيك يرى منها بعضهم بعضا فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم ، ويذكر أن البحر هو بحر القلزم ، وأن الرجل الذي كان مع موسى على الفرس هو فتاه يوشع بن نون ، وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب البحر وكناه أبا خالد ذكره ابن أبي شيبة أيضا ، وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى ، وما ذكرناه كاف وسيأتي في سورة " يونس والشعراء " زيادة بيان إن شاء الله تعالى .فصلذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما هذا اليوم الذي تصومونه ) فقالوا هذا يوم عظيم أنجى الله فيهموسى وقومه وغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن أحق [ ص: 367 ] وأولى بموسى منكم فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه أنتم أحق بموسى منهم فصوموا .مسألة : ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صام عاشوراء وأمر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبره به اليهود ، وليس كذلك لما روته عائشة رضي الله عنها قالت كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ، ومن شاء تركه أخرجه البخاري ومسلم .فإن قيل يحتمل أن تكون قريش إنما صامته بإخبار اليهود لها ؛ لأنهم كانوا يسمعون منهم ؛ لأنهم كانوا عندهم أهل علم فصامه النبي عليه السلام كذلك في الجاهلية أي بمكة فلما قدم المدينة ، ووجد اليهود يصومونه قال ( نحن أحق وأولى بموسى منكم ) فصامه اتباعا لموسى ( وأمر بصيامه ) أي أوجبه وأكد أمره حتى كانوا يصومونه الصغار قلنا هذه شبهة من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم لعله كان متعبدا بشريعة موسى وليس كذلك على ما يأتي بيانه في " الأنعام " عند قوله تعالى فبهداهم اقتده .مسألة : اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر ؟

فذهب الشافعي إلى أنه التاسع لحديث الحكم بن الأعرج قال انتهيت إلى ابن عباس رضي الله عنهما وهو متوسد رداءه في زمزم فقلت له أخبرني عن صوم عاشوراء فقال إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما قلت هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم خرجه مسلم وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر وذكر الترمذي حديث الحكم ولم يصفه بصحة ولا حسن ثم أردفه أنبأنا قتيبة أنبأنا عبد [ ص: 368 ] الوارث عن يونس عن الحسن عن ابن عباس قال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر قال أبو عيسى حديث ابن عباس حديث حسن صحيح قال الترمذي وروي عن ابن عباس أنه قال صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود ، وبهذا الحديث يقول الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق قال غيره : وقول ابن عباس للسائل ( فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما ) ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر بل وعد أن يصوم التاسع مضافا إلى العاشر قالوا فصيام اليومين جمع بين الأحاديث وقول ابن عباس للحكم لما قال له هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه قال نعم معناه أن لو عاش ، وإلا فما كان النبي صلى الله عليه وسلم صام التاسع قط يبينه ما خرجه ابن ماجه في سننه ومسلم في صحيحه عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن بقيت إلى قابل لأصومن اليوم التاسع .فضيلة : روى أبو قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله أخرجه مسلم والترمذي ، وقال : لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال ( صيام يوم عاشوراء كفارة سنة ) إلا في حديث أبي قتادةقوله تعالى : وأنتم تنظرون جملة في موضع الحال ومعناه بأبصاركم فيقال : إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون وإلى أنفسهم ينجون ففي هذا أعظم المنة ، وقد قيل إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم فهذه منة بعد منة ، وقيل المعنى وأنتم تنظرون أي ببصائركم الاعتبار ؛ لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر كما تقول : هذا الأمر منك بمرأى ومسمع ؛ أي بحال تراه وتسمعه إن شئت .

وهذا القول والأول أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالي عدم الاعتبار فيما صدر من بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر ، وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرق عدوهم قالوا يا موسى إن قلوبنا لا تطمئن ، إن فرعون قد غرق حتى أمر الله البحر فلفظه فنظروا إليه .[ ص: 369 ] ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عباد أن بني إسرائيل قالت ما مات فرعون ، وما كان ليموت أبدا قال فلما أن سمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل فلما اطمأنوا وبعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرقوا في النعمة رأوا قوما يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة حتى زجرهم موسى ، وقال أغير الله أبغيكم إلها ، وهو فضلكم على العالمين أي عالمي زمانه ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون وكانت الأرض المقدسة في أيدي الجبارين قد غلبوا عليها فاحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال فقالوا أتريد أن تجعلنا لحمة للجبارين فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيرا لنا قال ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم إلى قوله قاعدون حتى دعا عليهم وسماهم فاسقين فبقوا في التيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمن عليهم بالسلوى وبالغمام على ما يأتي بيانه ثم سار موسى إلى طور سيناء ليجيئهم بالتوراة فاتخذوا العجل على ما يأتي بيانه ثم قيل لهم : قد وصلتم إلى بيت المقدس فادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة على ما يأتي وكان موسى عليه السلام شديد الحياء ستيرا فقالوا إنه آدر فلما اغتسل وضع على الحجر ثوبه فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل وموسى على أثره عريان وهو يقول يا حجر ثوبي فذلك قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا على ما يأتي بيانه ثم لما مات هارون قالوا له أنت قتلت هارون وحسدته حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه وسيأتي في المائدة ثم سألوه أن يعلموا آية في قبول قربانهم فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم ثم سألوه أن بين لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا فكان من أذنب ذنبا أصبح على بابه مكتوب ( عملت كذا وكفارته قطع عضو من أعضائك ) يسميه له ومن أصابه بول لم يطهر حتى يقرضه ويزيل جلدته من بدنه ثم بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بأيديهم واشتروا به عرضا ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم .

فهذه [ ص: 370 ] معاملتهم مع ربهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم وسيأتي بيان كل فصل من هذه الفصول مستوفى في موضعه إن شاء الله تعالى ، وقال الطبري وفي أخبار القرآن على لسان محمد عليه السلام بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

...

مَنَّ اللهُ عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وإذ فرقنا بكم البحر} قيل: معناه فرقنا لكم.

وقيل: فرقنا البحر بدخولكم إياه، وسمي البحر بحراً لاتساعه، ومنه قيل للفرس: بحر إذا اتسع في جريه.

وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر ليلاً فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله تعالى كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم، وكل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى رجع كل إلى أبيه، وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم واشتغلوا بدفنهم حتى أصبحوا وطلعت الشمس، وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين مقاتل، لا يعدون ابن العشرين لصغره، ولا ابن الستين لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنساناً ما بين رجل وامرأة.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كان أصحاب موسى ستمائة ألف وسبعين ألفاً".

وعن عمرو بن ميمون قال: "كانوا ستمائة ألف فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخه بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ على إخوته عهداً أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا فقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف عليه السلام إلا أخبرني به؟

ومن لم يعلم به فصمت أذناه عن قولي!

وكان يمر بين الرجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما سألتك؟

فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي (فأمره) الله تعالى بإتيانها سؤلها فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر، هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم، قالت: إنه في جوف الماء في النيل فادع الله حتى يحسر عنه الماء، فدعا الله تعالى فحسر عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف عليه السلام، فحفر موسى عليه السلام ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من مرمر، وحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق فساروا وموسى عليه السلام على ساقتهم وهارون على مقدمتهم، ونذر بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الديك،فوالله ما صاح ديك تلك الليلة، فخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفاً من دهم الخيل سوى سائرالشيات [وقال محمد بن كعب رضي الله عنه: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشيات] وكان فرعون يكون في الدهم وقيل: كان فرعون في سبعة آلاف ألف، وكان بين يديه مائة ألف ناشب، ومائة ألف أصحاب حراب، ومائة ألف أصحاب الأعمدة، فسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر والماء في غاية الزيادة فنظروا فإذا هم بفرعون حين أشرقت الشمس فبقوا متحيرين فقالوا: يا موسى كيف نصنع؟

وأين ما وعدتنا؟

هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا!

والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا؟

قال الله تعالى: {فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا إن معي ربي سيهدين} [61-62الشعراء].

فأوحى الله إليه أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أن كنه فضربه، وقال: انفلق يا أبا خالد بإذن الله تعالى، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبساً فخاضت بنو إسرائيل البحر، كل سبط في طريق، وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً، فخافوا وقال كل سبط: قد قتل إخواننا فأوحى الله تعالى إلى جبال الماء: أن تشبكي، فصار الماء شبكات كالطبقات يرى بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين فذلك قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم البحر..}".

{فأنجيناكم} من آل فرعون والغرق.

{وأغرقنا آل فرعون} وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقاً قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوه.

وقيل: قالوا له إن كنت رباً فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل على فرس أنثى وديق فتقدمهم وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من أمره شيئاً وهو لايرى فرس جبريل واقتحمت الخيول جملة خلفه في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يشحذهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم حتى خاضوا كلهم البحر، وخرج جبريل من البحر، وهم أولهم بالخروج فأمر الله تعالى البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم وغرقهم أجمعين، وكان بين طرفي البحر أربعة فراسخ وهو بحر قلزم، طرف من بحر فارس.

قال قتادة: "بحر من وراء مصر يقال له إساف، وذلك بمرأى من بني إسرائيل..

فذلك قوله تعالى: {وأنتم تنظرون} إلى مصارعهم وقيل: إلى هلاكهم.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكروا «إذا فرقنا» فلقنا «بكم» بسببكم «البحر» حتى دخلتموه هاربين من عدوكم «فأنجيناكم» من الغرق «وأغرقنا آل فرعون» قومه معه «وأنتم تنظرون» إلى انطباق البحر عليهم

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا نعمتنا عليكم، حين فَصَلْنا بسببكم البحر، وجعلنا فيه طرقًا يابسةً، فعبرتم، وأنقذناكم من فرعون وجنوده، ومن الهلاك في الماء.

فلما دخل فرعون وجنوده طرقكم أهلكناهم في الماء أمام أعينكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بنعمة ثالثة عظيمة حصل بها تمام الانجاء وتجلى فيها إكرام الله لهم ، وهي نعمة فرق البحر بهم فقال تعالى :( وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر فَأَنجَيْنَاكُمْ .

.

.

)المعنى : واذكروا يا بني إسرائيل من جملة نعمنا عليكم ، نعمة فرق البحر بكم ، وانفصاله بعد اتصاله ، حين ضربه موسى بعصاه ، فأصبحت فيه طريق يابسة فولجتموها ، وسرتم فيها هرباً من فرعون وجنده؟

بذلك تمت لكم النجاة ، وحصل الغرق لأعدائكم ، وقت أن عبروا وراءكم وقد شاهدتموهم والبحر يلفهم بأمواجه ، مشاهدة لا لبس فيها ولا غموض .

ولقد كان فيما رأيتم ما يدعو إلى الاتعاظ ، ويحمل على الشكر الجزيل لله العزيز الرحيم .فالآية الكريمة تشير إلى قصة نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون وقومه ، وملخصها :أن الله - عز وجل أوحي إلى نبيه - موسى - عليه السلام - أن يرحل ببني إسرائيل ليلا من أرض مصر التي طال عذابهم فيها إلى أرض فلسطين ، ونفذ موسى - عليه السلام - ما أمره به الله - تعالى - ولعم فرعون أن موسى وقومه قد خرجوا إلى أرض الشام ، فتبعهم بجيش كبير ، وأدركهم مع طلوع الشمس قرب ساحل البحر الأحمر ، وأيقن بنو إسرائيل عندما رأوه أنه مهلكهم لا محالة .

ولجأوا إلى موسى - عليه السلام - يشكون إليه خوفهم وفزعهم ، ولكنه رد عليهم بقوله : ( إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ) وأوحى الله إليه ( أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر ) فضربه ( فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم ) وأمر موسى - عليه السلام - بني إسرائيل أن يعبروا فعبروا بين فرقى الماء دون أن يمسهم أذى .

واقتفى فرعون وجنوده أثرهم طمعا في إدراكهم وعندما عبر بنو إسرائيل البحر ولم يبق منهم أحد بين المياه المنحسرة ، كان فرعون وجنده مازالوا بين فرقي البحر ، فاطبق عليهم وعاد كما كان أولا ، فغرقوا جميعاً ، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم في دهشة وسرور .وأسند - سبحانه - فرق البحر إلى ذاته الكريمة .

ليدل على أن القوم عبروه وقطعوه وهم بعنايته ، وقوله تعالى : ( فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ) بيان للمنة العظمى التي امتن بها عليهم ، والتي ترتبت على فرق البحر ، لأن فرق البحر لهم ترتب عليه أمران .أولهما : نجاتهم .وثانيهما : إهلاك عدوهم وكلاهما نعمة عظيمة .والإِيمان الصحيح يقضي بأن تفهم واقعة انفصال البحر لموسى وقومه على أنها معجزة كونية له ، وقد زعم البعض أنها كانت حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر ، وهو زعم لا سند له ولا دليل عليه .واقتصرت الآية هنا على ذكر إغراق آل فرعون أي جنده وأنصاره ، وصرحت آيات أخرى بغرقة مع آله ، من ذلك قوله تعالى : ( فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً ) وقوله تعالى : ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم وَهُوَ مُلِيمٌ ) ومن تمام النعمة أن الله - تعالى - أهلك مع فرعون كل مناصر له :وقوله تعالى ( وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ) أي : أغرقنا آل فرعون وأنتم تشاهدونهم بأعينكم ، فكان ذلك أدعى لليقين بهلاك عدوكم ، وأبلغ في الشماتة به ، وأرجى لشكر النعمة - ولا شك أن مشاهدة المنعم عليه للنعمة فيها لذة كبرى ، ورؤيته لهلاك عدوه فيها عبرة عظمى ، ومعاينته لا نفراق البحر فيها تقوية لإِيمانه ، وتثبيت ليقينه ، إذا كانوا ممن يحسنون الانتفاع بما يشاهدون .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : ( اعلم أن هذه الواقعة - أي واقعة فلق البحر - تضمنت نعماً كثيرة على بني إسرائيل في الدين والدنيا ، أما نعم الدنيا فمن وجوه :أولها : أنهم لما اقتربوا من البحر أصبحوا في موقف حرج ، لأن فرعون وجنوده من ورائهم والبحر من أمامهم ، فإن هم توقفوا أدركهم عدوهم وأهلكهم ، وإن هم تقدموا أغرقوا .فحصل لهم خوف عظيم ، جاءهم بعده الفرج بانفلاق البحر وهلاك عدوهم .ثانيها : أن الله - تعالى - خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة تكريماً ورعاية لهم .ثالثها : أنهم بإغراق فرعون وآله تخلصوا من العذاب ، وتم لهم الأمن والاطمئنان ، وذلك نعمة عظمى ، لأنهم لو نجوا دون هلاك فرعون لبقي خوفهم على حاله ، فقد يعود لتعذيبهم مستقبلا ، لأنهم لا يأمنون شره ، فلما تم الغرق تم الأمان والاطمئنان لبني إسرائيل .أما نعم الدين فمن وجوه :أولها : أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة .

زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات ، لأن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى ، تقترب من العلم الضروري .ثانيها : أنهم لما شاهدوا ذلك صار داعياً لهم على الثبات والانقياد لأوامر نبيهم .ثالثها : أنهم عرفوا أن الأمور كلها بيد الله ، فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ، ولا ذل أشد مما كان لبني إسرائيل ، ثم إن الله - تعالى - في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً ، والذليل عزيزاً ، والقوي ضعيفاً ، والضعيف قوياً ، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا ، والإِقبال كلية على اتباع أوامر الخالق - عز وجل- .هذا ، ونعمة فرق البحر لبني إسرائيل ، وإنجائهم من عدوهم قد تكرر ذكرها في القرآن ، من ذلك قوله تعالى في سورة الشعراء : ( فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ .

قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ .

فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم .

وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخرين .

وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ) وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ذكرت بني إسرائيل بنعمة من أجل النعم - وهي نعمة فرق البحر بهم - لكي يشكروا خالقهم عليها ، ويتبعوا نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ولكنهم ما قاموا بواجب الشكر لخالقهم ، فحقت عليهم اللعنة في الدنيا والعقوبة في الآخرة ، جزاء جحودهم وطغيانهم وما ربك بظلام للعبيد .رابعاً : نعمة عفوه - سبحانه - عنهم بعد عبادتهم للعجل :

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

هذا هو النعمة الثانية، وقوله: ﴿ فَرَقْنَا ﴾ أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرئ: ﴿ فَرَقْنَا ﴾ بالتشديد بمعنى فصلنا.

يقال: فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط، فإن قلت: ما معنى: (بكم)؟

قلنا: فيها وجهان، أحدهما: أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما.

الثاني: فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم هاهنا أبحاث: البحث الأول: روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، وذلك لغرضين.

أحدهما: ليخرجوا خلفهم لأجل المال، والثاني: أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى: أخرج قومك ليلاً، وهو المراد من قوله: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى  ﴾ وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل سبط خمسون ألفاً، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.

قال الراوي: فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط، وقال قتادة: اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً.

وهو قوله تعالى: ﴿ فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ  ﴾ أي بعد طلوع الشمس.

﴿ فَلَمَّا تَرَاءا الجمعان قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ  ﴾ فقال موسى: ﴿ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ  ﴾ فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك؟

فقال موسى: إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له: يا موسى أين أمرك ربك؟

فقال البحر، فقال: والله ما كذبت، ففعل ذلك ثلاث مرات، فأوحى الله إليه: ﴿ أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم  ﴾ ، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد منها طريق، فقال له: ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر، وكل طريق فيه حتى صار طريقاً يابساً كما قال تعالى: ﴿ فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً  ﴾ ، فأخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه فقالوا لموسى: إن بعضنا لا يرى صاحبه، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضاً، ثم أتبعهم فرعون، فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر فأنجيناكم ﴾ وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى.

البحث الثاني: اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعماً كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه، أحدها: أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك.

وثانيها: أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى.

وثالثها: أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو.

ورابعها: أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم.

وخامسها: أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفاً منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقياً من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية.

وسادسها: أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى: ﴿ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه، أحدها: أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق.

وثانيها: أنهم لما عاينوا ذلك صار داعياً لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون.

وثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة، أحدها: أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوماً من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه.

وثانيها: أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مرغباً لنا في الطاعة ومنفراً عن المعصية.

وثالثها: أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ  ﴾ وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزاً إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر ألبتة، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام.

وبقي على الآية سؤالان: السؤال الأول: أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف؟

والجواب: أما على قولنا فظاهر، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: (يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول، فلا جرم، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة.

السؤال الثاني: أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلاً فلابد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لابد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين، فكيف بقي على الكفر مع ذلك؟

فإن قلت: إنه كان عارفاً بربه إلا أنه كان كافراً على سبيل العناد والجحود.

قلت: فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام، والجواب: حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه.

وثانيها: أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحداً منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى: ﴿ فاليوم نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً  ﴾ أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس، وتكون عبرة لهم.

وثالثها: أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم، قال الفراء وهو مثل قولك: لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَرَقْنَا ﴾ فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم.

وقرئ: فرّقنا، بمعنى فصلنا.

يقال: فرق بين الشيئين، وفرّق بين الأشياء؛ لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط.

فإن قلت: ما معنى ﴿ بُكْمٌ ﴾ ؟

قلت: فيه أوجه: أن يراد أنهم كانوا يسلكونه، ويتفرّق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم، وأن يكون في موضع الحال بمعنى فرقناه ملتبساً بكم كقوله: تَدُوسُ بِنَا الْجَمَاجِمَ وَالتَّرِيبَا أي تدوسها ونحن راكبوها.

وروى أنّ بني إسرائيل قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟

قال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

قالوا: لا نرضى حتى نراهم.

فقال: اللَّهم أعني على أخلاقهم السيئة.

فأوحى إليه: أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان.

فصارت فيها كوى.

فتراؤا وتسامعوا كلامهم ﴿ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ إلى ذلك وتشاهدونه لا تشكون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ ﴾ فَلَقْناهُ وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ حَتّى حَصَلَتْ فِيهِ مَسالِكُ بِسُلُوكِكم فِيهِ.

أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكُمْ، أوْ مُلْتَبِسًا بِكم كَقَوْلِهِ: تَدُوسُ بِنا الجَماجِمَ والتَّرِيبا وَقُرِئَ « فَرَّقْنا» عَلى بِناءِ التَّكْثِيرِ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ بِعَدَدِ الأسْباطِ.

﴿ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ أرادَ بِهِ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ كانَ أوْلى بِهِ، وَقِيلَ: شَخْصَهُ كَما رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ كانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ: أيْ شَخْصِهِ واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ أتْباعِهِ.

﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ذَلِكَ، أيْ غَرَقَهم وإطْباقَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، أوِ انْفِلاقَ البَحْرِ عَنْ طُرُقٍ يابِسَةٍ مُذَلَّلَةٍ، أوْ جُثَثَهُمُ الَّتِي قَذَفَها البَحْرُ إلى السّاحِلِ، أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا.

رُوِيَ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَخَرَجَ بِهِمْ فَصَبَّحَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، وصادَفُوهم عَلى شاطِئِ البَحْرِ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فَظَهَرَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا فَسَلَكُوها فَقالُوا: يا مُوسى نَخافُ أنْ يَغْرَقَ بَعْضُنا ولا نَعْلَمُ، فَفَتَحَ اللَّهُ فِيها كُوًى فَتَراؤَوْا وتَسامَعُوا حَتّى عَبَرُوا البَحْرَ، ثُمَّ لَمّا وصَلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ ورَآهُ مُنْفَلِقًا اقْتَحَمَ فِيهِ هو وجُنُودُهُ فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ وأغْرَقَهم أجْمَعِينَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ مِن أعْظَمِ ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ومِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ إلى العِلْمِ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ وتَصْدِيقِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ إنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ اتَّخَذُوا العِجْلَ وقالُوا: ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَهم بِمَعْزِلٍ في الفِطْنَةِ والذَّكاءِ وسَلامَةِ النَّفْسِ وحُسْنِ الِاتِّباعِ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، مَعَ أنَّ ما تَواتَرَ مِن مُعْجِزاتِهِ أُمُورٌ نَظَرِيَّةٌ مِثْلَ: القُرْآنِ والتَّحَدِّي بِهِ والفَضائِلِ المُجْتَمِعَةِ فِيهِ الشّاهَدَةِ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  دَقِيقَةٌ تُدْرِكُها الأذْكِياءُ، وإخْبارُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها مِن جُمْلَةِ مُعْجِزاتِهِ عَلى ما مَرَّ تَقْرِيرُهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ فَرَقْنَا} فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرئ فرّقنا أي فصلنا يقال فرق بين الشيئين وفَرَّقَ بين الأشياء لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط {بِكُمُ البحر} كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم أو فرقناه بسببكم أو فرقناه ملتبساً بكم فيكون في موضع الحال رُوي أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام أين أصحبانا فنحن لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله إليه أن قل بعصاك هكذا فقال بها على الحيطان فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم {فأنجيناكم وَأَغْرَقْنَا آل فِرْعَونَ وَأَنتُم تَنظُرونَ} إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكون فيه

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلُ، والفَرْقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وتَعْدِيَتُهُ إلى البَحْرِ بِتَضْمِينِ مَعْنى الشَّقِّ، أيْ فَلَقْناهُ، وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ لِأجْلِكُمْ، وبِسَبَبِ إنْجائِكُمْ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الباعِثَةِ بِمَنزِلَةِ اللّامِ، إذا قُلْنا بِتَعْلِيلِ أفْعالِهِ تَعالى، ولِلسَّبَبِيَّةِ الشَّبِيهَةِ بِها في التَّرْتِيبِ عَلى الفِعْلِ، وكَوْنِهِ مَقْصُودًا مِنهُ، إنْ لَمْ نَقُلْ بِهِ، وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: (بِكُمْ) دُونَ لَكُمْ، لِأنَّ العَرَبَ عَلى ما نَقَلَهُ الدّامِغانِيُّ تَقُولُ: غَضِبْتُ لِزَيْدٍ إذا غَضِبْتَ مِن أجْلِهِ، وهو حَيٌّ، وغَضِبْتُ بِزَيْدٍ إذا غَضِبْتَ مِن أجْلِهِ، وهو مَيِّتٌ، فَفِيهِ تَلْوِيحٌ إلى أنَّ الفَرْقَ كانَ مِن أجْلِ أسْلافِ المُخاطَبِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى مَعْنى بِسُلُوكِكُمْ، ويَكُونُ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ بِأنْ يُشَبِّهَ سُلُوكَهم بِالآلَةِ في كَوْنِهِ واسِطَةً في حُصُولِ الفَرْقِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويُسْتَعْمَلُ الباءُ، وقَوْلُ الإمامِ الرّازِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّهم كانُوا يَسْلُكُونَ، ويَتَفَرَّقُ الماءُ عِنْدَ سُلُوكِهِمْ، فَكَأنَّهُ فُرِّقَ بِهِمْ، يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ تَفَرُّقَ الماءِ كانَ سابِقًا عَلى سُلُوكِهِمْ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ القِصَّةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ ﴾ وما قِيلَ: إنَّ الآلَةَ هي العَصا كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ، والمَفْهُومُ كَوْنُها آلَةَ الضَّرْبِ لا الفَرْقِ، ولَوْ سُلِّمَ يَجُوزُ كَوْنُ المَجْمُوعِ آلَةً عَلى أنَّ آلِيَّةَ السُّلُوكِ عَلى التَّجَوُّزِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ الباءَ لِلْمُلابَسَةِ، والجارُّ والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الفاعِلِ، ومُلابَسَتُهُ تَعالى مَعَهم حِينَ الفَرْقِ مُلابَسَةٌ عَقْلِيَّةٌ، وهو كَوْنُهُ ناصِرًا وحافِظًا لَهُمْ، وهي ما أشارَ إلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَهُ حالًا مِنَ البَحْرِ مُقَدَّمًا، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الفَرْقَ مُقَدَّمٌ عَلى مُلابَسَتِهِمُ البَحْرَ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى التَّوَسُّعِ، واخْتَلَفُوا في هَذا البَحْرِ، فَقِيلَ: القُلْزُمُ، وكانَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ أرْبَعَةُ فَراسِخَ، وقِيلَ: النِّيلُ، والعَرَبُ تُسَمِّي الماءَ المالِحَ والعَذْبَ بَحْرًا إذا كَثُرَ، ومِنهُ ﴿ مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ﴾ وأصْلُهُ السَّعَةُ، وقِيلَ: الشَّقُّ، ومِنَ الأوَّلِ البَحْرَةُ البَلْدَةُ، ومِنَ الثّانِي البَحِيرَةُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُها، وفي كَيْفِيَّةِ الِانْفِلاقِ قَوْلانِ، فالمَشْهُورُ كَوْنُهُ خَطِّيًّا، وفي بَعْضِ الآثارِ ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ قُوسِيًّا، إذْ فِيهِ أنَّ الخُرُوجَ مِنَ الجانِبِ الَّذِي دَخَلُوا مِنهُ، واحْتِمالُ الرُّجُوعِ في طَرِيقِ الدُّخُولِ يَكادُ يَكُونُ باطِلًا، لِأنَّ الأعْداءَ في أثَرِهِمْ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقُ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذا المَبْحَثِ.

﴿ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ، وتَبِعَكم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ في تَقَحُّمِهِ، فَأنْجَيْناكم أيْ مِنَ الغَرَقِ، أوْ مِن إدْراكِ فِرْعَوْنَ وآلِهِ لَكُمْ، أوْ مِمّا تَكْرَهُونَ، وكَنّى سُبْحانَهُ بِآلِ فِرْعَوْنَ عَنْ فِرْعَوْنَ وآلِهِ، كَما يُقالُ: بَنِي هاشِمٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ﴾ يَعْنِي هَذا الجِنْسَ الشّامِلَ لِآدَمَ أوِ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الآلِ لِأنَّهم إذا عُذِّبُوا بِالإغْراقِ كانَ مَبْدَأُ العِنادِ، ورَأْسُ الضَّلالِ أوْلى بِذَلِكَ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى غَرَقَ فِرْعَوْنَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا ﴾ ﴿ فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ ﴾ وحَمْلُ الآلِ عَلى الشَّخْصِ حَيْثُ إنَّهُ ثَبَتَ لُغَةً كَما في الصِّحاحِ: رَكِيكٌ غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْمَقامِ، وإنَّما المُناسِبُ لَهُ التَّعْمِيمُ، وناسَبَ نَجاتَهم بِإلْقائِهِمْ في البَحْرِ وخُرُوجِهِمْ مِنهُ سالِمِينَ نَجاةُ نَبِيِّهِمْ مُوسى عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ مِنَ الذَّبْحِ بِإلْقائِهِ وهو طِفْلٌ في البَحْرِ، وخُرُوجِهِ مِنهُ سالِمًا، ولِكُلِّ أُمَّةٍ نَصِيبٌ مِن نَبِيِّها، وناسَبَ هَلاكَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ بِالغَرَقِ هَلاكُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أيْدِيهِمْ بِالذَّبْحِ، لِأنَّ الذَّبْحَ فِيهِ تَعْجِيلُ المَوْتِ بِإنْهارِ الدَّمِ، والغَرَقَ فِيهِ إبْطاءُ المَوْتِ، ولا دَمَ خارِجٌ، وكانَ ما بِهِ الحَياةُ، وهو الماءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴾ سَبَبًا لِإعْدامِهِمْ مِنَ الوُجُودِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَقْنِيطِهِمْ، وانْعِكاسِ آمالِهِمْ كَما قِيلَ: إلى الماءِ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِلُقْمَةٍ إلى أيْنَ يَسْعى مَن يَغَصُّ بِماءِ ولَمّا كانَ الغَرَقُ مِن أعْسَرِ المَوْتاتِ وأعْظَمِها شِدَّةً، ولِهَذا كانَ الغَرِيقُ المُسْلِمُ شَهِيدًا، جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى نَكالًا لِمَنِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، وقالَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، وعَلى قَدْرِ الذَّنْبِ يَكُونُ العِقابُ، ويُناسِبُ دَعْوى الرُّبُوبِيَّةِ والِاعْتِلاءَ انْحِطاطُ المُدَّعِي، وتَغْيِيبُهُ في قَعْرِ الماءِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ لَمّا افْتَخَرَ فِرْعَوْنُ بِالماءِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَلاكَهُ بِالماءِ، ولِلتّابِعِ حَظٌّ وافِرٌ مِنَ المَتْبُوعِ، وكانَ ذَلِكَ الغَرَقُ والإنْجاءُ والإغْراقُ يَوْمَ عاشُوراءَ، والكَلامُ فِيهِ مَشْهُورٌ، ﴿ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وفِيها تَجَوُّزٌ، أيْ وآباؤُكم يَنْظُرُونَ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أيْ جَمِيعُ ما مَرَّ، فَإنْ أُرِيدَ الأحْكامُ فالنَّظَرُ بِمَعْنى العِلْمِ، وعَلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وإنَّ نَفْسَ الأفْعالِ مِنَ الغَرَقِ والإنْجاءِ والإغْراقِ فَهو بِمَعْنى المُشاهَدَةِ، وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ، والحالُ عَلى هَذا مِنَ الفاعِلِ، وهو مَعْمُولٌ بِجَمِيعِ الأفْعالِ السّابِقَةِ عَلى التَّنازُعِ، وفائِدَتُهُ تَقْرِيرُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْتُمْ لا تَشُكُّونَ فِيها، وجُوِّزَ أنْ يُقَدَّرَ المَفْعُولُ خاصًّا، أيْ غَرَقَهُمْ، وإطْباقُ البَحْرِ عَلَيْهِمْ، فالحالُ مُتَعَلِّقٌ بِالقَرِيبِ، وهو أغْرَقْنا، وفائِدَتُهُ تَتْمِيمُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ هَلاكَ العَدُوِّ نِعْمَةٌ، ومُشاهَدَتَهُ نِعْمَةٌ أُخْرى، وفي قِصَصِ الكِسائِيِّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ، وقَفُوا يَنْظُرُونَ إلى البَحْرِ، وجُنُودِ فِرْعَوْنَ، ويَتَأمَّلُونَ كَيْفَ يَفْعَلُونَ، أوِ انْفِلاقِ البَحْرِ، فَيَكُونُ الحالُ مُتَعَلِّقًا بِالأصْلِ في الذِّكْرِ، وهو (فَرَقْنا)، وفائِدَتُهُ إحْضارُ النِّعْمَةِ لِيَتَعَجَّبُوا مِن عِظَمِ شَأْنِها، ويَتَعَرَّفُوا إعْجازَها، أوْ ذَلِكَ الآلُ الغَرِيقُ، فالحالُ مِن مَفْعُولِ (أغْرَقْنا) مُتَعَلِّقٌ بِهِ، والفائِدَةُ تَحْقِيقُ الإغْراقِ وتَثْبِيتُهُ، وقِيلَ: المُرادُ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا، وأنْتُمْ سائِرُونَ في البَحْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ نُقِلَ أنَّ بَعْضَ قَوْمِ مُوسى قالُوا لَهُ: أيْنَ أصْحابُنا؟

فَقالَ: سِيرُوا فَإنَّهم عَلى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ، قالُوا: لا نَرْضى حَتّى نَراهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا، فَقالَ بِها عَلى الحِيطانِ فَصارَ بِها كَوًى فَتَراءَوْا وسَمِعُوا كَلامَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، فالحالُ مُتَعَلِّقٌ (بِفَرَقْنا)، وفائِدَتُهُ تَتْمِيمُ النِّعْمَةِ، فَإنَّ كَوْنَهم مُسْتَأْنِسِينَ يَرى بَعْضُهم حالَ بَعْضٍ نِعْمَةٌ أُخْرى، وبَعْضُ النّاسِ يَجْعَلُ الفِعْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، نَعَمِ البَعِيدُ جُعِلَ النَّظَرُ هُنا مَجازًا عَنِ القُرْبِ، أيْ وأنْتُمْ بِالقُرْبِ مِنهُمْ، أيْ بِحالِ لَوْ نَظَرْتُمْ إلَيْهِمْ لَرَأيْتُمُوهُمْ، كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ مِنِّي بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ قَرِيبٌ مِنِّي بِحَيْثُ أراكَ وأسْمَعُكَ، وكَذا جَعَلَهُ بِمَعْنى الِاعْتِبارِ، أيْ وأنْتُمْ تَعْتَبِرُونَ بِمَصْرَعِهِمْ، وتَتَّعِظُونَ بِمَواقِعِ النِّقْمَةِ الَّتِي أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ، هَذا وقَدْ حَكَوْا في كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ، وهم في البَحْرِ، وفي كَيْفِيَّةِ خُرُوجِ فِرْعَوْنَ بِجُنُودِهِ، وفي مِقْدارِ الطّائِفَتَيْنِ حِكاياتٌ مُطَوَّلَةٌ جِدًّا لَمْ يَدُلَّ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَلَيْها، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِشَأْنِها، والإشارَةُ في الآيَةِ أنَّ البَحْرَ هو الدُّنْيا، وماءَهُ شَهَواتُها ولَذّاتُها، ومُوسى هو القَلْبُ، وقَوْمَهُ صِفاتُ القَلْبِ، وفِرْعَوْنَ هو النَّفْسُ الأمّارَةُ، وقَوْمَهُ صِفاتُ النَّفْسِ وهم أعْداءُ مُوسى وقَوْمِهِ، يَطْلُبُونَهم لِيَقْتُلُوهُمْ، وهم سائِرُونَ إلى اللَّهِ تَعالى، والعَدُوُّ مِن خَلْفِهِمْ، وبَحْرُ الدُّنْيا أمامَهُمْ، ولا بُدَّ لَهم في السَّيْرِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن عُبُورِهِ، ولَوْ يَخُوضُونَهُ بِلا ضَرْبِ عَصا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِيَدِ مُوسى القَلْبِ، فَإنَّ لَهُ يَدًا بَيْضاءَ في هَذا الشَّأْنِ، لَغَرِقُوا كَما غَرِقَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ، ولَوْ كانَتْ هَذِهِ العَصا في يَدِ فِرْعَوْنَ النَّفْسِ لَمْ يَنْفَلِقْ، فَكَما أنَّ يَدَ مُوسى القَلْبِ شَرْطٌ في الِانْفِلاقِ كَذَلِكَ عَصا الذِّكْرِ شَرْطٌ فِيهِ، فَإذا حَصَلَ الشَّرْطانِ، وضَرَبَ مُوسى بِعَصا الذِّكْرِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى يَنْفَلِقُ بِإذْنِ اللَّهِ بَحْرُ الدُّنْيا بِالنَّفْيِ، ويَنْشَبِكُ ماءُ الشَّهَواتِ يَمِينًا وشِمالًا، ويُرْسِلُ اللَّهُ تَعالى رِيحَ العِنايَةِ وشَمْسَ الهِدايَةِ عَلى قَعْرِ ذَلِكَ البَحْرِ، فَيَصِيرُ يابِسًا مِن ماءِ الشَّهَواتِ، فَيَخْرُجُ مُوسى وقَوْمُهُ بِعِنايَةِ التَّوْحِيدِ إلى ساحِلِ النَّجاةِ، ”وإنَّ إلى رَبِّك المُنْتَهى“ ويُقالُ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إذا غَرِقُوا وأُدْخِلُوا نارًا: ”ألّا بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ“ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ، أي فرق الماء يميناً وشمالاً حين خرج موسى مع بني إسرائيل من مصر، فخرج فرعون وقومه في طلبهم فلما انتهوا إلى البحر ضرب موسى عصاه على البحر، فانفلق، فصار اثني عشر طريقاً يبساً، لكل سبط منهم طريق.

فلما جاوز موسى البحر ودخل فيه فرعون مع قومه، غشيهم مّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ، أي غشيهم الماء فغرقوا في اليم فذلك قوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ.

يقول: واذكرا نعمة الله عليكم إذ فلقنا بكم البحر فَأَنْجَيْناكُمْ من الغرق وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ، يعني فرعون وآله.

قال بعض أهل اللغة: الآل، أتباع الرجل قريبه كان أو غيره، وأهله قريبه أتبعه أو لم يتبعه.

ويقال: الآل والأهل بمعنى واحد، إلا أن الآل يستعمل لأتباع رئيس من الرؤساء يقال: آل فرعون وآل موسى، وآل هارون ولا يقال: آل زيد، وآل عمرو.

وروي عن رسول الله  أنه قيل له: من آلك؟

قال: «آلِي كُلُّ تَقِيَ إَلى يَوْمِ القِيَامَةِ» .

قوله تعالى: وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، أي تنظرون إليهم حين لفظهم البحر بعد ما غرقوا، يعني آباءهم.

وقال بعضهم: معناه أنكم تعلمون ذلك كأنكم تنظرون إليهم.

قال الفقيه: وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد  لأنه لا يعرف ذلك إلاَّ بالوحي، فلما أخبرهم بذلك من غير أن يقرأ كتاباً، كان ذلك دليلاً أنه قاله بالوحي، وفيه أيضاً تهديد للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وفيه أيضاً تنبيه للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

إليه أنِ اضرب بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يوم عاشوراء.

وقوله تعالى: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ ...

الآية: فَرَقْنا: معناه: جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى بِكُمُ أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ «١» ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل:

انفرق البحْرُ عَرْضاً على اثني عَشَرَ طَريِقاً طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسى- عليه السلام-: اللهمَّ، أَعِنِّي على أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق «٢» ، يرى بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم على مَاذِيَانةٍ «٣» يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلاً حتى يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة «٤» ، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبق البحر عليهم، فغرقوا.

وتَنْظُرُونَ: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شُغُلٍ.

قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيّ صلّى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائم/ عليهم بنبوءة نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم.

٢٠ أوموسى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخليل صلّى الله عليه وسلم «١» .

وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالى: وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها.

قال ع «٢» : حدثني أبي- رضي الله عنه- قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ- رحمه اللَّه- يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول:

أين حال موسى في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم: آتِنا غَداءَنا [الكهف: ٦٢] .

ت: وأيضاً في الأثر أنَّ موسى لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام.

قال ع «٣» : وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد.

وقوله تعالى: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي: إلهاً، والضمير في بَعْدِهِ يعود على موسى، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغير إذن موسى- عليه

السلام- وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزاراً [طه: ٨٧] ، فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسى: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهدى لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ موسى، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقى في روعِهِ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسى لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين.

وقيل: بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون.

وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتى يجيء موسى، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، / فطرح القبضة، وقال: كن عجلاً.

وقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك.

وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسى على قوم يعبدون البَقَرَ.

ت: والذي في القرآن: يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ [الأعراف: ١٣٨] ، قيل:

كانت على صور البقر، قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] ، فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فاعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه أنه لن يتوب على بني إِسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ الفَرَقُ الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ و"بِكُمْ" بِمَعْنى "لَكُمْ" .

وإنَّما ذَكَرَ آَلَ فِرْعَوْنَ دُونَهُ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ كَوْنَهُ فِيهِمْ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مِن نَظَرِ العَيْنِ، مَعْناهُ: وأنْتُمْ تَرَوْنَهم يَغْرَقُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: العِلْمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ  ﴾ قالَهُ الفَرّاءُ.

الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ.

رَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وألْقى عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ بِكْرُ كُلِّ رَجُلٍ مِنهم، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، قالَ عَمْرُو بْنُ مَيْمُونَ: فَلَمّا خَرَجَ مُوسى بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ، فَقالَ: لا تَتْبَعُوهم حَتّى يَصِيحَ الدِّيكُ، لِيَلْتَئِذٍ.

قالَ أبُو السَّلِيلِ: لَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ: هِيهِ أبا خالِدٍ، فَأخَذَهُ أفْكَلُ، يَعْنِي: رِعْدَةٌ، قالَ مُقاتِلٌ: تَفَرَّقَ الماءُ يَمِينًا وشِمالًا كالجَبَلَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ، وفِيهِما كُوًى يَنْظُرُ كُلُّ سِبْطٍ إلى الآَخِرِ.

قالَ السُّدِّيُّ: فَلَمّا رَآَهُ فِرْعَوْنُ مُتَفَرِّقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ البَحْرَ فَرَقَ مِنِّي، فانْفَتَحَ لِي؟!

فَأتَتْ خَيْلُ فِرْعَوْنَ فَأبَتْ أنْ تَقْتَحِمَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةَ، فَتَشامَتَ الحِصْنُ رِيحُ الماذَيانَةِ، فاقْتَحَمَتْ في إثْرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، ودَخَلَ آَخِرُهم أمَرَ البَحْرَ أنْ يَأْخُذَهم، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عنكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ ﴾ "فَرَقْنا" مَعْناهُ: جَعَلْناهُ فَرَّقا، وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "فَرَّقْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، ومَعْنى "بِكُمُ" بِسَبَبِكُمْ، وقِيلَ: لَمّا كانُوا بَيْنَ الفَرْقِ وقْتَ جَوازِهِمْ فَكَأنَّهُ بِهِمْ فَرْقٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ لَكُمْ، والباءُ عِوَضُ اللامِ، وهَذا ضَعِيفٌ.

و"البَحْرُ" هو بَحْرُ القُلْزُمِ، ولَمْ يَفْرِقِ البَحْرَ عَرْضا جَزَعًا مِن ضَفَّةٍ إلى ضَفَّةٍ، وإنَّما فَرَقَ مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ آخَرَ في ضَفَّةٍ واحِدَةٍ، وكانَ ذَلِكَ الفَرْقُ بِقُرْبِ مَوْضِعِ النَجاةِ، ولا يَلْحَقُ في البِرِّ إلّا في أيّامٍ كَثِيرَةٍ بِسَبَبِ جِبالٍ وأوعارٍ حائِلَةٍ.

وذَكَرَ العامِرِيُّ أنَّ مَوْضِعَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ كانَ قَرِيبًا مِن بَرِّيَّةِ فِلَسْطِينَ وهي كانَتْ طَرِيقَهم.

وقِيلَ: انْفَلَقَ البَحْرُ عَرَضًا، وانْفَرَقَ البَحْرُ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، طَرِيقٌ لِكُلِّ سِبْطٍ، فَلَمّا دَخَلُوها قالَتْ كُلُّ طائِفَةٍ: غَرِقَ أصْحابُنا، وجَزِعُوا، فَقالَ مُوسى: اللهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَيِّئَةِ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ أدِرْ عَصاكَ عَلى البَحْرِ، فَأدارَها فَصارَ في الماءِ فُتُوحٌ كالطاقِ يَرى بَعْضُهم بَعْضًا وجازَوْا، وجِبْرِيلُ  في ساقَتِهِمْ عَلى ماذَيانَةَ يُحِثُّ بَنِي إسْرائِيلَ ويَقُولُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: مَهْلًا حَتّى يَلْحَقَ آخِرُكم أوَّلَكُمْ، فَلَمّا وصَلَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ أرادَ الدُخُولَ فَنَفَرَ فَرَسُهُ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ بِالرَمْكَةِ فاتَّبَعَها الفَرَسُ، ودَخَلَ آلُ فِرْعَوْنَ ومِيكائِيلُ يَحُثُّهُمْ، فَلَمّا لَمْ يَبْقَ إلّا مِيكائِيلُ في ساقَتِهِمْ عَلى الضَفَّةِ وحْدَهُ انْطَبَقَ البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا.

و"تَنْظُرُونَ" قِيلَ: مَعْناهُ بِأبْصارِكم لِقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ بِبَصائِرِكم لِلِاعْتِبارِ، لِأنَّهم كانُوا في شُغْلٍ عَنِ الوُقُوفِ، والنَظَرِ بِالأبْصارِ، وقِيلَ: إنَّ آلَ فِرْعَوْنَ طَفَوا عَلى الماءِ فَنَظَرُوا إلَيْهِمْ، وقِيلَ: المَعْنى وأنْتُمْ بِحالِ مَن يَنْظُرُ لَوْ نَظَرَ، كَما تَقُولُ: هَذا الأمْرُ مِنكَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ، أيْ بِحالٍ تَراهُ وتَسْمَعُهُ إنْ شِئْتَ.

قالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي إخْبارِ القُرْآنِ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ  بِهَذِهِ المُغَيَّباتِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مِن عِلْمِ العَرَبِ، ولا وقَعَتْ إلّا في خَفِيِّ عِلْمِ بَنِي إسْرائِيلَ دَلِيلٌ واضِحٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، وقائِمٌ عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "واعَدْنا"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو "وَعَدْنا"، ورَجَّحَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقالَ: إنَّ المُواعَدَةَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ البَشَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَيْسَ هَذا بِصَحِيحٍ لِأنَّ قَبُولَ مُوسى لِوَعْدِ اللهِ والتِزامِهِ وارْتِقابِهِ يُشْبِهُ المُواعَدَةَ.

و"مُوسى" اسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ، والقِبْطُ عَلى ما يُرْوى يَقُولُونَ لِلْماءِ: مُو، ولِلشَّجَرِ: سا، فَلَمّا وجَدَ " مُوسى " في التابُوتِ عِنْدَ ماءٍ وشَجَرٍ سُمِّيَ ( مُوسى ).

قالَ ابْنُ إسْحاقَ: هو مُوسى بْنُ عِمْرانَ بْنِ يَصْهُرَ بْنِ قاهِتِ بْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ.

ونُصِبَ "أرْبَعِينَ" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، ولا يَجُوزُ نَصْبُها عَلى الظَرْفِ في هَذا المَوْضِعِ، وهي فِيما رُوِيَ ذُو القِعْدَةِ وعَشَرُ ذِي الحِجَّةِ.

وخَصَّ اللَيالِي بِالذِكْرِ دُونَ الأيّامِ، إذِ اللَيْلَةُ أقْدَمُ مِنَ اليَوْمِ، وقَبْلَهُ في الرُتْبَةِ ولِذَلِكَ وقَعَ بِها التارِيخُ.

قالَ النَقّاشُ: وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى صِلَةِ الصَوْمِ، لِأنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الأيّامَ لَأمْكَنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ كانَ يُفْطِرُ بِاللَيْلِ، فَلَمّا نَصَّ عَلى اللَيالِي اقْتَضَتْ قُوَّةُ الكَلامِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَلامُ واصَلَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً بِأيّامِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: حَدَّثَنِي أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ: سَمِعْتُ الشَيْخَ الزاهِدَ الإمامَ الواعِظَ أبا الفَضْلِ بْنَ الجَوْهَرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ يَعِظُ الناسَ بِهَذا المَعْنى في الخَلْوَةِ بِاللهِ، والدُنُوِّ مِنهُ في الصَلاةِ ونَحْوِهِ، وأنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُ عن كُلِّ طَعامٍ وشَرابٍ، ويَقُولُ: أيْنَ حالُ مُوسى في القُرْبِ مِنَ اللهِ، ووِصالِ ثَمانِينَ مِنَ الدَهْرِ مِن قَوْلِهِ -حِينَ سارَ إلى الخَضِرِ - لِفَتاهُ في بَعْضِ يَوْمٍ: "آتِنا غَداءَنا"؟

وكُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الأرْبَعِينَ كُلَّها مِيعادٌ.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: وعَدَهُ رَأْسَ الأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ ﴾ ، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِالإدْغامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ عنهُ بِإظْهارِ الذالِ.

وثُمَّ لِلْمُهْلَةِ، ولِتَدُلَّ عَلى أنَّ الِاتِّخاذَ بَعْدَ المُواعَدَةِ.

واتَّخَذَ وزْنُهُ افْتَعَلَ مِنَ الأخْذِ قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو مِن "تَخِذَ" لا مِن "أخَذَ" وأنْشَدَ المُمَزَّقُ: وقَدْ تَخِذْتُ رِجْلِي إلى جَنْبٍ غَرَزَها نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ القَطاةِ المُطْرَقِ ونُصِبَ "العِجْلَ" بـِ "اتَّخَذْتُمُ"، والمَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ إلَهًا، واتَّخَذَ قَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَسُولِ سَبِيلا  ﴾ ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ أحَدُهُما هو الآخَرُ في المَعْنى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً  ﴾ ، وكَهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والضَمِيرُ في "بَعْدِهِ" يَعُودُ عَلى مُوسى، وقِيلَ: عَلى انْطِلاقِهِ لِلتَّكْلِيمِ، إذِ المُواعَدَةُ تَقْتَضِيهِ، وقِيلَ: عَلى الوَعْدِ.

وَقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى  لَمّا خَرَجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللهَ تَعالى سَيُنْجِيكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ويُنِيلُكم حُلِيَّهم ومَتاعَهُمُ الَّذِي كانَ أمَرَهم بِاسْتِعارَتِهِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اسْتَعارُوهُ بِرَأْيِهِمْ، فَنَفَّلَهُمُ اللهُ ذَلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ، وقالَ لَهم مُوسى عَنِ اللهِ تَعالى: إنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيَّ كِتابًا فِيهِ التَحْلِيلُ والتَحْرِيمُ والهُدى لَكُمْ، فَلَمّا جاوَزُوا البَحْرَ طالَبُوا مُوسى بِما قالَ لَهم مِن أمْرِ الكِتابِ، فَخَرَجَ لِمِيعادِ رَبِّهِ وحْدَهُ، وقَدْ أعْلَمَهم بِالأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَدُّوا عِشْرِينَ يَوْمًا بِعِشْرِينَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ أرْبَعُونَ مِنَ الدَهْرِ، وقَدْ أخْلَفْنا المَوْعِدَ، وبَدا تَعَنُّتُهم وخِلافُهُمْ، وكانَ السامِرِيُّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُسَمّى مُوسى بْنُ ظُفَرٍ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ غَرِيبًا فِيهِمْ، وكانَ قَدْ عَرَفَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ وقْتَ عَبْرِهِمُ البَحْرَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: أنْكَرَ هَيْئَتَهُ فَعَرَفَ أنَّهُ مَلَكَ.

وقالَ طائِفَةٌ: كانَتْ أُمُّ السامِرِيِّ ولَدَتْهُ عامَ الذَبْحِ فَجَعَلَتْهُ في غارٍ وأطْبَقَتْ عَلَيْهِ، فَكانَ جِبْرِيلُ  يَغْذُوهُ بِأصابِعِ نَفْسِهِ، فَيَجِدُ في إصْبَعٍ لَبَنًا، وفي إصْبَعٍ عَسَلًا، وفي إصْبَعٍ سَمْنًا، فَلَمّا رَآهُ وقْتَ جَوازِ البَحْرِ عَرَفَهُ فَأخَذَ مِن تَحْتِ حافِرِ فَرَسِهِ قَبْضَةَ تُرابٍ وأُلْقِي في رُوعِهِ أنَّهُ لَنْ يُلْقِيَها عَلى شَيْءٍ ويَقُولَ لَهُ: كُنْ إلّا كانَ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى لِمِيعادِهِ، قالَ هارُونُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحُلِيَّ والمَتاعَ الَّذِي اسْتَعَرْتُمْ مِنَ القِبْطِ لا يَحِلُّ لَكُمْ، فَجِيئُوا بِهِ حَتّى تَأْكُلَهُ النارُ الَّتِي كانَتِ العادَةُ أنْ تَنْزِلَ عَلى القَرابِينِ.

وقِيلَ: بَلْ أوقَدَ لَهم نارًا، وأمَرَهم بِطَرْحِ جَمِيعِ ذَلِكَ فِيها، فَجُعِلُوا يُطْرَحُونَ، وقِيلَ: بَلْ أمَرَهم أنْ يَضَعُوهُ في حُفْرَةٍ دُونَ نارٍ حَتّى يَجِيءَ مُوسى، وجاءَ السامِرِيُّ فَطَرَحَ القَبْضَةَ وقالَ: كُنْ عِجْلًا.

وقِيلَ: إنَّ السامِرِيَّ كانَ في أصْلِهِ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، وكانَ يُعْجِبُهُ ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ مَرَّتْ مَعَ مُوسى عَلى قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ فَقالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، فَوَعاها السامِرِيُّ، وعَلِمَ أنَّ مِن تِلْكَ الجِهَةِ يُفْتَنُونَ، فَفُتِنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِالعِجْلِ، وظَلَّتْ مِنهم طائِفَةٌ يَعْبُدُونَهُ، فاعْتَزَلَهم هارُونُ بِمَن تَبِعَهُ، فَجاءَ مُوسى مِن مِيعادِهِ فَغَضِبَ حَسْبَما يَأْتِي قَصَصُهُ في مَواضِعِهِ مِنَ القُرْآنِ إنْ شاءَ اللهُ، ثُمَّ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّهُ لَنْ يَتُوبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى يَقْتُلُوا أنْفُسَهم فَفَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ذَلِكَ.

فَرُوِيَ أنَّهم لَبِسُوا السِلاحَ مَن عَبَدَ مِنهم ومَن لَمْ يَعْبُدْ، وألْقى اللهُ عَلَيْهِمُ الظَلّامَ فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، يَقْتُلُ الأبُ ابْنَهُ والأخُ أخاهُ، فَلَمّا اسْتَحَرَّ فِيهِمُ القَتْلُ وبَلَغَ سَبْعِينَ ألْفًا عَفا اللهُ عنهُمْ، وجَعَلَ مَن ماتَ مِنهم شَهِيدًا، وتابَ عَلى البَقِيَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنا عنكُمْ ﴾ .

وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وقَفَ الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ صَفًّا، ودَخَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ عَلَيْهِمْ بِالسِلاحِ فَقَتَلُوهم.

وقالَتْ طائِفَةٌ: جَلَسَ الَّذِينَ عَبَدُوا بِالأفْنِيَةِ، وخَرَجَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ يُنادِي: مَلْعُونٌ مَن حَلَّ حَبْوَتَهُ وجَعَلَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا يَقْتُلُونَهُمْ، ومُوسى في خِلالِ ذَلِكَ يَدْعُو لِقَوْمِهِ، ويَرْغَبُ في العَفْوِ عنهُمْ، وإنَّما عُوقِبَ الَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوا بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى أحَدِ الأقْوالِ، أو بِقَتْلِ قَرابَتِهِمْ عَلى الأقْوالِ الأُخَرِ لِأنَّهم لَمْ يُغَيِّرُوا المُنْكَرَ حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، وإنَّما اعْتَزَلُوا، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوا مَن عَبَدَهُ.

﴿ وَأنْتُمْ ظالِمُونَ ﴾ ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الظُلْمِ.

والعَفْوُ تَغْطِيَةُ الأثَرِ، وإذْهابُ الحالِ الأُولى مِنَ الذَنْبِ أو غَيْرِهِ، ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بِمَعْنى الصَفْحِ إلّا في الذَنْبِ، وعَفا عنهم عَزَّ وجَلَّ، أيْ: عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم لَمْ يُقْتَلْ.

و"لَعَلَّكُمْ"، تَرَجٍّ لَهم في حَقِّهِمْ وتَوَقُّعٌ مِنهُمْ، لا في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، لِأنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ما يَكُونُ مِنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى ﴾ الآيَةُ، "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ النِعَمِ، و"الكِتابَ" هو التَوْراةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، واخْتَلَفَ في "الفُرْقانَ" هُنا فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هو التَوْراةُ كَرَّرَ المَعْنى لِاخْتِلافِ اللَفْظِ، ولِأنَّهُ زادَ مَعْنى التَفْرِقَةِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ولَفْظَةُ الكِتابِ لا تُعْطِي ذَلِكَ.

وقالَ آخَرُونَ: الكِتابُ التَوْراةُ، و"الفُرْقانُ" سائِرُ الآياتِ الَّتِي أُوتِيَ مُوسى  ، لِأنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وقالَ آخَرُونَ: "الفُرْقانُ" النَصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَ حالِهِمْ وحالِ آلِ فِرْعَوْنَ بِالنَجاةِ والغَرَقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الفُرْقانُ" انْفِراقُ البَحْرِ لَهُ، حَتّى صارَ فَرْقًا، وقالَ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ، ومُحَمَّدًا الفُرْقانَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا ضَعِيفٌ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَهْتَدُونَ  ﴾ تَرَجٍّ وتَوَقُّعٌ مِثْلُ الأوَّلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا زيادة في التفصيل بذكر نعمة أخرى عظيمة خارقة للعادة، بها كان تمام الإنجاء من آل فرعون، وفيها بيان مقدار إكرام الله تعالى لهم ومعجزة لموسى عليه السلام وتعدية فعل ﴿ فرقنا ﴾ إلى ضمير المخاطبين بواسطة الحرف جار على نحو تعدية فعل ﴿ نجيناكم ﴾ [البقرة: 49] إلى ضميرهم كما تقدم.

وفَرَق وفرَّق بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد إذ التشديد يفيده تعدية ومعناه الفصل بين أجزاء شيء متصل الأجزاء، غير أن فرق يدل على شدة التفرقة وذلك إذا كانت الأجزاء المفرقة أشد اتصالاً، وقد قيل إن فرّق للأجسام وفرق للمعاني نقله القرافي عن بعض مشايخه وهو غير تام كما تقدم في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير بدليل هذه الآية، فالوجه أن فَرَّقَ بالتشديد لما فيه علاج ومحاولة وأن المخفف والمشدد كليهما حقيقة في فصل الأجسام وأما في فصل المعاني الملتبسة فمجاز.

وقد اتفقت القراءات المتواترة العشر على قراءة (فرقنا) بالتخفيف والتخفيف منظور فيه إلى عظيم قدرة الله تعالى فكان ذلك الفرق الشديد خفيفاً.

وتصغر في عين العظيم العظائم *** وأل في (البحر) للعهد وهو البحر الذي عهدوه أعني بحر القلزم المسمى اليوم بالبحر الأحمر وسمته التوراة بحر سوف.

والباء في (بكم) إما للملابسة كما في طارت به العنقاء وعدا به الفرس، أي كان فرق البحر ملابساً لكم والمراد من الملابسة أنه يفرق وهم يدخلونه فكان الفرق حاصلاً بجانبهم.

وجوز صاحب «الكشاف» كون الباء للسببية أي بسببكم يعني لأجلكم.

والخطاب هنا كالخطاب في قوله: ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون ﴾ [البقرة: 49].

وقوله: ﴿ فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ﴾ هو محل المنة وذكر النعمة وهو نجاتهم من الهلاك وهلاك عدوهم، قال الفرزدق: كيف تراني قَاليا مجنى *** قد قتل الله زياداً عني فكون قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر ﴾ تمهيداً للمنة لأنه سبب الأمرين النجاة والهلاك وهو مع ذلك معجزة لموسى عليه السلام.

وقد أشارت الآية إلى ما حدث لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من لحاق جند فرعون بهم لمنعهم من مغادرة البلاد المصرية وذلك أنهم لما خرجوا ليلاً إما بإذن من فرعون كما تقول التوراة في بعض المواضع، وإما خفية كما عبرت عنه التوراة بالهروب، حصل لفرعون ندم على إطلاقهم أو أغراه بعض أعوانه بصدهم عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها أو لأنه لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون الانتشار في بعض جهات مملكته المصرية فخشى شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ومجتمع قوته وجنده.

إن بني إسرائيل ما خرجوا من جهات حاضرة مصر وهي يومئذ مدينة منفيس لم يسلكوا الطريق المألوف لبلاد الشام إذ تركوا أن يسلكوا طريق شاطئ بحر الروم (المتوسط) فيدخلوا برية سينا من غير أن يخترقوا البحر ولا يقطعوا أكثر من اثنتي عرة مرحلة أعني مائتين وخمسين ميلاً وسلكوا طريقاً جنوبية شرقية حول أعلى البحر الأحمر لئلا يسلكوا الطريق المألوفة الآهلة بقوافل المصريين وجيوش الفراعنة فيصدوهم عن الاسترسال في سيرهم أو يُلحق بهم فرعون من يردهم لأن موسى علم بوحي كما قال تعالى: ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنك متبعون ﴾ [الشعراء: 52] إن فرعون لا يلبث أن يصدهم عن المضي في سيرهم فلذلك سلك بهم بالأمر الإلهي طريقاً غير مطروقة فكانوا مضطرين للوقوف أمام البحر في موضع يقال له «فم الحيروث» فهنالك ظهرت المعجزة إذ فلق الله لهم البحر بباهر قدرته فأمر موسى أن يضربه بعَصاه فانفلق وصار فيه طريق يبس مرت عليه بنو إسرائيل وكان جند فرعون قد لحق بهم ورام اقتحام البحر وراءهم فانطبق البحر عليهم فغرقوا.

وقوله: ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ أي جنده وأنصاره.

ولم يذكر في هاته الآية غرق فرعون لأن محل المنة هو إهلاك الذين كانوا المباشرين لتسخير بني إسرائيل وتعذيبهم والذين هم قوة فرعون وقد ذكر غرق فرعون في آيات أخرى نتكلم عليها في موضعها إن شاء الله، وكان ذلك في زمن الملك «منفتاح» ويقال له «منفطة» أو «مينيتاه» من فراعنة العائلة التاسعة عشرة في ترتيب فراعنة مصر عند المؤرخين.

قوله: ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ جملة حالية من الفاعل وهو ضمير الجلالة في ﴿ فرقنا ﴾ و ﴿ أنجينا ﴾ و ﴿ أغرقنا ﴾ مقيدة للعوامل الثلاثة على سبيل التنازع فيها، ولا يتصور في التنازع في الحال إضمار في الثاني على تقدير إعمال الأول لأن الجملة لا تضمر كما لا يضمر في التنازع في الظرف نحو سكن وقرأ عندك ولعل هذا مما يوجب إعمال الأول وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضاً نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيماناً وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد.

ويجوز أن تكون الجملة حالاً من المفعول وهو (آل فرعون) أي تنظرونهم، ومفعول ﴿ تنظرون ﴾ محذوف ولا يستقيم جعله منزلاً منزلة اللازم.

وإسناد النظر إليهم باعتبار أن أسلافهم كانوا ناظرين ذلك لأن النعمة على السلف نعمة على الأبناء لا محالة فضمير الخطاب مجاز.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ يَعْنِي مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وآلُ الرَّجُلِ: هُمُ الَّذِينَ تَؤُولُ أُمُورُهم إلَيْهِ، إمّا في نَسَبٍ، أوْ في صُحْبَةٍ، واخْتُلِفَ في الآلِ والأهْلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما سَواءٌ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ: أنَّهُ يُقالُ: آلُ الرَّجُلِ، إذا ذُكِرَ اسْمُهُ، فَإنْ كُنِّيَ عَنْهُ قِيلَ: أهْلُهُ، ولَمْ يُقَلْ: آلُهُ، كَما يُقالُ: أهْلُ العِلْمِ، وأهْلُ البَصْرَةِ، ولا يُقالُ: آلُ العِلْمِ، وآلُ البَصْرَةِ.

وَفِرْعَوْنُ: قِيلَ: إنَّهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ العَمالِقَةِ، مِثْلُ قَيْصَرَ لِلرُّومِ، وكِسْرى لِلْفُرْسِ، وأنَّ اسْمَ فِرْعَوْنِ مُوسى: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يُولُونَكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، إذا أوْلاهُ.

والثّانِي: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ.

والثّالِثُ: يَزِيدُونَكم عَلى سُوءِ العَذابِ، ومِنهُ مُساوَمَةُ البَيْعِ، إنَّما هو أنْ يَزِيدَ البائِعُ المُشْتَرِيَ عَلى ثَمَنٍ، ويَزِيدَ المُشْتَرِي عَلى ثَمَنٍ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ أيْ يَسْتَبِقُونَ، وهو اسْتِفْعالٌ مِنَ الحَياةِ، لِأنَّهم كانُوا يُذَبِّحُونَ الذُّكُورَ، ويَسْتَبْقُونَ الإناثَ.

وَأمّا اسْمُ النِّساءِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الصِّغارِ، والكِبارِ، وقِيلَ: بَلْ يَنْطَلِقُ عَلى الكِبارِ، وإنَّما سَمّى الصِّغارَ نِساءً، عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ يُبْقَيْنَ، حَتّى يَصِرْنَ نِساءً.

وَإنَّما كانَ اسْتِبْقاءُ النِّساءِ مِن سُوءِ العَذابِ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَبْقُونَهُنَّ لِلِاسْتِرْقاقِ والخِدْمَةِ، فَصارَ ذَلِكَ هو سُوءَ العَذابِ، لا الِاسْتِبْقاءَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِهِمْ: مِن سُوءِ العَذابِ، وذَبْحِ الأبْناءِ، واسْتِحْياءِ النِّساءِ شِدَّةً وجَهْدًا عَظِيمًا.

والثّانِي: أنَّ في إنْجائِهِمْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِهِمْ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِمْ عَظِيمَةٌ، وهو قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

وَأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ لِأنَّ الِاخْتِبارَ قَدْ يَكُونُ بِالخَيْرِ كَما يَكُونُ بِالشَّرِّ، غَيْرَ أنَّ الأكْثَرَ في الشَّرِّ أنْ يُقالَ: بَلَوْتُهُ أبْلُوهُ بَلاءً، وفي الخَيْرِ: أبْلَيْتُهُ أُبْلِيهِ إبْلاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وإذْ فَصَلْنا بِكُمُ البَحْرَ، لِأنَّ الفَرْقَ: الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَفَرَقَ البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وكانَ عَدَدُهم سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يُعَدُّ فِيهِمُ ابْنُ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ ولا ابْنُ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وكانَ عَلى مُقَدِّمَةِ فِرْعَوْنَ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ، وسَبْعِمِائَةِ حِصانٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وإذْ فَرَقْنا بَيْنَكم وبَيْنَ البَحْرِ، أيْ مَيَّزْنا، فَأصْلُ الفَرْقِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ: الطّائِفَةُ المُتَمَيِّزَةُ مِن غَيْرِهِمْ.

والبَحْرُ سُمِّيَ بَحْرًا لِسَعَتِهِ وانْبِساطِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تَبَحَّرَ في العِلْمِ، إذا اتَّسَعَ فِيهِ، والبَحِيرَةُ: النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها شَقًّا واسِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ فَحَذَفَ ذِكْرَ فِرْعَوْنَ وإنْ غَرِقَ مَعَهُمْ، لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ دُخُولُهُ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ يَعْنِي إلى فَرْقِ البَحْرِ، حَتّى سَلَكُوا فِيهِ، وانْطِباقِهِ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى غَرِقُوا فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ﴾ قال: أي والله لفرق بهم البحر حتى صار طريقاً يبساً يمشون فيه ﴿ فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون ﴾ [ البقرة: 50] عدوّهم نعم من الله يعرفهم لكيما يشكروا ويعرفوا حقه.

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا اليوم الذي تصومون؟

قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصومه» .

وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير: أن هرقل كتب إلى معاوية وقال: إن كان بقي فيهم شيء من النبوّة فسيخبرني عما أسألهم عنه.

قال: وكتب إليه يسأله عن المجرة، وعن القوس، وعن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، قال: فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال: إن هذا شيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا، من لهذا؟

قالوا: ابن عباس.

وطوى معاوية كتاب هرقل وبعثه إلى ابن عباس، فكتب إليه: إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب السماء الذي تشق منه، وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل.

وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ ﴾ وذلك (١) (٢) (٣) وأما (البحر) فقال الليث: سمي بحراً لاستبحاره، وهو سعته وانبساطه، ويقال: استبحر فلان في العلم، إذا اتسع فيه، وتبحر الراعي في رعي كثير، وتبحر فلان في المال (٤) وقال غيره: سمي البحر بحراً، لأنه شق في الأرض، والبحر: الشق (٥) (٦) أبو عبيد، عن الأموي (٧) (٨) (٩) قال نُصَيْب (١٠) وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَرَدَّنِي ...

إِلَى مَرَضِى أَنْ أَبْحَرَ المَشْربُ العَذْبُ (١١) وقوله تعالى: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ .

ولم يذكر غرق فرعون نفسه، لأنه قد ذكره في مواضع كقوله: ﴿ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا  ﴾ .

ويجوز أن يريد بآل فرعون نفسه (١٢) (١٣) وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ .

وذلك أنهم لما خرجوا من (١٤) وقال محمد بن جرير: (وأنتم تنظرون) إلى فرق الله البحر وإنجائكم من عدوكم (١٥) (١) في هوامش نسخة (أ) زيادة من الكاتب صدرها بقوله (ش من ك) أي شرح من الكاتب، وهي في جميع المواضيع منقولة بنصها من "الكشاف" للزمخشري، وأثبت ما ذكره في هذا الموضع للاطلاع والفائدة: (ش من ك.

فرقنا: فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صار فيه مسالك لكم، وقرئ (فرَّقنا) بمعنى: فصلنا.

يقال: فرق بين الشيئين، وفرق بين الأشياء، لأن المسالك كانت اثني عشر، على عدد الأسباط.

وأما (بكم) ففيه أوجه: أن يراد كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما.

وأن يراد فرقناه بسببكم، وبسبب إنجائكم.

وأن يكون في موضع الحال، بمعنى: فرقناه ملتبسا بكم كقوله: تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا أي: تدرسها ونحن راكبوها.

انتهى تعليق الكاتب، والكلام بنصه في "الكشاف" 1/ 280.

== قوله: وقرئ (فرَّقنا): بها قرأ الزهري، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 288، والقرطبي في "تفسيره" 1/ 330، "البحر" 1/ 197.

- وقوله: (تدوس بِنَا الجَمَاجِمَ والتَّرِيبَا): البيت للمتنبي، وصدره: فَمَرَّتْ غَيْرَ نَافِرَةٍ عَلَيْهِم و (التريبا): لغة في التراب.

انظر: "ديوان المتنبي شرح العكبري" 1/ 138، "الكشاف" 1/ 506، "البحر" 1/ 127، "الدر المصون" 1/ 349.

(٢) (كان) ساقط من (ج).

(٣) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 275، و"أبي الليث" 1/ 117، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 103، و"تفسير ابن عطية" 1/ 228.

(٤) "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282.

(٥) ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282.

(٦) قال الأزهري: قال أبو إسحاق النحوي: وأثبت ما روينا عن أهل اللغة في البَحِيرَة: أنها الناقة، كانت إذا نتجت خمسة أبطن فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها، أي: شقوها، وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل، والذبح، ولا تُحَلَّأ عن ماء ترده، ولا تمنع من مرعى، وإذا لقيها المُعْيي المنقطع به لم يركبها.

"تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "اللسان" (بحر) 1/ 215.

(٧) هو عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، القرشي، الأموي، كان متمكنا في علم النحو واللغة، وكان ثقة، حكى عنه أبو عبيد كثيرا، مات بعد سنة ثلاث ومائتين.

انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 470، "الأنساب" 1/ 350، "إنباه الرواة" 2/ 120.

(٨) في (ب): (إن الماء البحر) وفي "تهذيب اللغة": (والماء البحر هو الملح) 1/ 282.

(٩) "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، وانظر: "الغريبين" 1/ 134.

(١٠) هو نُصَيب بن رباح مولى عبد العزيز بن مروان، شاعر من فحول الشعراء الإسلاميين، انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص260، "معجم الأدباء" 19/ 228.

(١١) ورد البيت في "تهذيب اللغة" (بحر) 1/ 282، "الصحاح" (بحر) 2/ 585، "مقاييس اللغة" (بحر) 1/ 215، "الغريبين" 1/ 134، "مفردات الراغب" ص 37، "اللسان" (بحر) 1/ 215، "فتح القدير" 1/ 132، وفي أكثر المصادر: (فزادني) بدل: (فردني).

(١٢) في (ب): (عن نفسه).

أو يدخل معهم، ووجوده معهم مستقر ومعلوم.

انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 117، "زاد المسير" 1/ 78، "البحر" 1/ 198.

(١٣) أي أنه يطلق (آل فرعون) ويراد به نفسه كما في (آل موسى).

(١٤) في (ب): (عن).

(١٥) وهذا على تفسير (النظر) هنا بالمشاهدة، وقد قال بعضهم: إنه بمعنى العلم، كالفراء ورد عليه ابن جرير هذا.

انظر: "الطبري" 1/ 278، "معاني القرآن" للفراء 1/ 36، "تفسير أبي الليث" 1/ 118، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 103.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ نجيناكم ﴾ تقديره: اذكروا إذ نجيناكم أي: نجينا آباءكم، وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ذرّيتهم وعلى دينهم ومتبعون لهم، فحكمهم كحكمهم، وكذلك فيما بعد هذا من تعداد النعم، لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء، ومن ذكر مساويهم لأنّ ذرّيتهم راضون بها ﴿ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ المراد من فرعون وآله، وحذف لدلالة المعنى، وآل فرعون هم جنوده وأشياعه وآل دينه لا قرابته خاصة، ويقال إنّ اسمه الوليد بن مصعب، وهو من ذرّية عمليق، ويقال فرعون لكل من ولي مصر، وأصل آل: ثم هل أبدلت من الهاء همزة وأبدل من الهمزة ألف.

فائدة: كل ما ذكره في هذه الصور من الأخبار معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر بها من غير تعلم.

﴿ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب ﴾ أي يلزمونهم به، وهو استعارة من السوم في البيع، وفسر سوء العذاب بقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ ولذلك لم يعطفه هنا، وأما حيث عطفه في سورة إبراهيم فيحتمل أن يراد بسوء العذاب غير ذلك؛ بل فيكون عطف مغايرة، أو أراد به ذلك، وعطف لاختلاف اللفظة، وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل، وقيل إنّ آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم؛ بأن يجعل في ذرّيته ملوكاً وأنبياء فحسدوهم على ذلك، وروي أنه وكل بالنساء رجالاً يحفظون من تحمل منهنّ، وقيل: بل وكَّل على ذلك القوابل، ولأجل هذا قيل معنى يستحيون: يفتشون الحياة ضدّ الموت ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ فصلناه وجعلناه فرقاً اثني عشر طريقاً، على عدد الأسباط، والباء سببية أو للمصاحبة، والبحر المذكور هنا: هو بحر القُلْزُم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سوء العذاب ﴾ و ﴿ سوء الحساب ﴾ بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش.

﴿ وعدنا ﴾ حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد.

﴿ موسى ﴾ بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته "فعلى" فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على "مفعل" فبالفتح لا غير ﴿ ثم اتخذتم ﴾ وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ والفرقان لعلكم ﴾ مدغماً: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ والياء المكسور ما قبلها مثل ﴿ ميثاق النبيين لما ﴾ والألف المفتوح ما قبلها مثل ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ وما أشبه ذلك.

الوقوف: ﴿ نساءكم ﴾ (ط) ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ تهتدون ﴾ (ه) التفسير: إنه  لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالاً أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا.

"وإذ" في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به لـ "اذكروا" وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه.

وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى "أءل" على خلاف القياس، ثم إلى "آل" وجوباً فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء.

ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر.

يقال "آل النبي" "وآل الملك" ولا يقال: آل الحائك.

وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما.

وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفاً على القياس.

و ﴿ فرعون ﴾ علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن.

واختلف في اسمه.

فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان.

وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب.

ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلباً منه.

وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط.

وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى.

وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة.

وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف ا لريان بن الوليد.

والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره.

ولعتوّ الفراعنة اشتقوا "تفرعن" فلان إذا عتا وتجبر.

و ﴿ يسومونكم ﴾ من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً.

قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خســفـاً *** أبينـا أن نقــر الخســـف فينـــا وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه.

والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما.

ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها.

السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت.

سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟

فقال: ما يتمنى فيه الموت.

فبين  عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث.

والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة.

ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر.

ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب.

ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: ســـروران مــالهمـــا ثـــالـــث *** حيـــاة البنيــن ومــوت البنـــات لقول النبي  "دفن البنات من المكرمات" ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.

قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها.

قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره.

والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى.

وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل ﴿ إني أراني أعصر خمراً  ﴾ عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام.

وعن السدي: أن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده.

وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة.

قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً، بل يكون أمراً جميلاً، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلاً ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل.

ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم  ، وأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.

(قلت): إذا أخبر الله  عنه بأنه قال ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ و ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفاً بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود ﴿ ومن أصدق من الله قيلا  ﴾ ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ فإن قلت: لم ذكر ﴿ يذبحون ﴾ ههنا بلا "واو"، وفي سورة إبراهيم بواو؟

فالوجه فيه أنه إذا جعل ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ مفسراً بقوله ﴿ يذبحون ﴾ فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل ﴿ يسومونكم ﴾ مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئاً آخر احتيج إلى الواو.

وإنما جاء ههنا ﴿ يذبحون ﴾ وفي الأعراف ﴿ يقتلون ﴾ بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم.

والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله ﴿ وذكرهم بأيام الله  ﴾ وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟

وفيه تعسف.

والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب  ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله  على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم.

وههنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالباً والمبطل مغلوباً، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد  وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه  ، والذل إلى جانب أعدائه.

وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة.

قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله  .

قوله ﴿ وإذ فرقنا ﴾ نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه سالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر.

ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالاً أي ملتبساً بكم.

روي أنه  لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم.

ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلاً كما قال  ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي  ﴾ وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفاً.

فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.

قال الراوي: فوالله ما صاح الليلة ديك.

فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط.

قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحدٍ منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً وهو قوله ﴿ فأَتبعوهم مشرقين  ﴾ أي بعد طلوع الشمس.

فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟

فقال له موسى: إلى أمامك.

وأشار إلى البحر - فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟

فقال: البحر.

فقال: والله ما كذبت وما كذب.

ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله  إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقاً.

فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقاً يبساً، فاتخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟

فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

قالوا: لا نرضى حتى نراهم.

فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة.

فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم.

ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله  الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله  ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى  ذلك اليوم شكراً لله تعالى، ومعنى قوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه.

وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله  حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين.

وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم.

قال الفراء: وهو مثل قولك "لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك" تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته يميناً وشمالاً، ويرسل الله  ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل ﴿ وأَنَّ إلى ربك المنتهى  ﴾ ويغرق فرعون النفس وقومه والله  أعلم.

ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى.

ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم  .

أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي.

وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها.

ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث "من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.

ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك "اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان" أي تمام الأربعين.

ومن قرأ ﴿ واعدنا ﴾ من المواعدة فمعناه أن الله  وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور.

وذكر الأربعين ههنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: ﴿ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة  ﴾ فصل أولاً ثم أجمل.

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم اتخذتم ﴾ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه  لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيهاً للحاضرين وتعريفاً للغائبين وإظهاراً لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.

والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه "فعل" "يفعل" وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو "جعل" و "صير" والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور.

قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا ناراً وأحرقوها.

وكان السامري في مسيره مع موسى  في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة.

ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلاً وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ فاتخذه إلهاً لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله  بالظلم في قوله ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ كما قال ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات.

والواو في ﴿ وأنتم ﴾ إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلاً يعبدونه.

قال  "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة" وقال "ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى" وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله  وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟

وتسلية للنبي  مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  ﴾ وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية.

ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلهاً، وما رضوا بأن يكون البشر نبياً وقد تعجّل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي  .

إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى  إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وههنا يظهر التفاوت بين أ مة موسى وأمة محمد  فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد  مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل ﴿ مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  ﴾ .

قوله: ﴿ ثم عفونا عنكم ﴾ أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم ﴿ من بعد ذلك ﴾ الأمر العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة العفو.

ومعنى الترجي في كلام الله  قد مر في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.

أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام.

وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص.

وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله  ﴿ يوم الفرقان  ﴾ يعني يوم بدر.

وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمداً الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: ﴿ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ بمحمد  ، وذلك أن الناس كانوا على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث الله -  - محمداً  ؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين الله، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها عليهم، وبالله التوفيق.

وذلك أيضاً يُحْتمل فيما تقدم من الآيات.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  ﴾ يعني: محمداً  .

وعهدُه في الأرض رسولُه، كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي  ﴾ أي: عهدي.

وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  ﴾ يعني: بمحمد  .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ يعني: محمداً  .

وكذلك قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  ﴾ أَمكن تخريج هذه الآيات كلها على محمد  .

ويحتمل أيضا قوله: ﴿ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا.

أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  ﴾ .

كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى  كان من بني إسرائيل.

ويحتمل: ما آتاهم - عز وجل - من أنواع النعم ما لم يؤت أَحداً من العالمين؛ كقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ من المن، والسلوى، وتظليل الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول.

كما قيل: إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، وكانت لا تُبْلَى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤتِ أحداً سواهم.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49].

وقوله: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

قيل: فُضِّلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدوابِّ بالجوهر، وعلى الجن بالرسل، وعلى البشر بالإيمان.

ويَحْتمل تفضيلُهم على العالمين وجوهاً أيضاً: ما ذكرنا من بعث الأَنبياءِ منهم.

والنجاة من أيدي العدو.

وإهلاك العدو وهم يرونه.

وفَرْق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه.

وذلك من أعظم النعم: أَن ترى عدوَّك في الهلاك وأَنت بمعزل منه آمن.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: فضَّل أَوائلهم.

وفي الآية وجهان على المعتزلة: أَحدهما: قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وعندهم: أَن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزاً، فإذا كان تركه بفعله جائزاً ففعله حق عليه.

ولا أَحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعماً على أَحد؛ فثبت أَن كان ثَمَّ منه معنى زائدٌ خصهم به، وأَن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخلٌ كما قالوا.

والثاني: قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك.

ومن قول المعتزلة: أَن ليس لله أَن يخص أَحداً بشيء إلا باستحقاق يفعله، وبذلك هم فَضَّلوا أَنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يَمُنُّ عليهم بذلك؟!

ولا قوة إلا بالله.

مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أَن يكون لهم الفضلُ في الدين أَولاً.

فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل.

وإن كان ثبت أَنْ ليس من الحق عليه التسويةُ بين الجميع في أَسباب الدين.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

الآيةُ: - والله أعلم - كأَنَّها مؤخَّرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأَنه قال: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، ثم ذكر الأَفضال والمنَنَ فقال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49]، وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  ﴾ .

ذكَّرهم - عز وجل - عظيم نِعمه ومنَنِه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها مِنَّةٌ، وأَنه فضلٌ مِنْهُ.

ثم حذَّرهم - جل وعز - فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أَصاب الأُمم السالفة من الهلاك وأَنواع العذاب بعد الأَمن، والتوسع عليهم، كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 44].

ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوماً مقذوفاً بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم.

وكذلك ذكر - عز وجل - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، وإخراجهم من أَيدي العدو، وفَرْق البحر بهم، وإهلاك العدو.

وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم، لكن ذكّرهم - جل وعز - عظيم مننه على آبائهم؛ ليشكروا له على ذلك، وكذلك عَيَّرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على حذر من ذلك، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: بما كان إنعامى عليهم باتباعهم الرسول موسى -  - وطاعتهم له، فاتَّبِعوا اسم الرسول محمد  وأَطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

قيل: أي لا تُؤدي نفس عن نفس شيئاً؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ...

﴾ الآيات [عبس: 34-35].

وقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ  ﴾ وكقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ  ﴾ .

وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا يؤْذَنُ لهم بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ .

والعدل: هو الفداءُ، إما من المال، وإما من النفس.

وذلك أيضاً يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع.

ويحتمل: أَن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ  ﴾ .

ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا أَصابته نكبة بثلاث: إما بفداءِ يفدى عنه - مالاً أو نفساً - وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأَنصارٍ ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك.

فقطع - عز وجل - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة.

والآية نزلت - والله أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون بالبعث، والجنة، والنار؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  ﴾ .

ولذلك ذكر اسم الفداءِ والشفيع، وما ذكر، وأَما من لم يؤمن بالآخرة فلا معنى لذكر ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

قيل: آل الرجل: شيعتُه؛ ولذلك قيل: آل رسول الله: قرابتُه.

وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأَمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن به.

وقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يقصدونكم أَشد العذاب.

وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأَنفهسم.

وقيل: يسومونكم، يُذيقونكم أَشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءُهم من تذبيح الأَبْنَاء وتقتيلهم، كقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ  ﴾ أي: يقتلون أَبناءَكم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل أيضاً وجهين: يحتمل: يستحيون من الحياء، أَي: استحيوا قتْل النساء، لما لا يخافهن.

ويحتمل: من الإحياءِ، أي: تركوهن أَحياء فلم يقتلوهن.

وقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ .

قيل: البلاء - ممدود - هو النعمة، كأَنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله نعمة عظيمة.

وقيل: البلا - مقصور - هو الابتلاء والامتحان؛ كأَنه قال: في استعباده إياكم واستخدامه امتحان عظيم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل: فرقنا، أَي: جعلنا لكم البحر فِرَقاً، أي: طرقاً تمرون فيه.

وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

كان الوعد لهم - والله أعلم - وعدين.

أَحدهما: من الله - عز وجل - يصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً  ﴾ أَي: صدقاً.

ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأْس أَربعين ليلة، كقوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: ﴿ ٱتَّخَذْتُمُ ﴾ : أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه.

ويحتمل: اتخذتم العجل إلهاً؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلهاً، كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  ﴾ .

وهذا كان أقرب.

وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ ﴾ .

قيل في الظلم بوجوه: قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم.

وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم.

وهاهنا - حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم - نسبهم إلى الظلم؛ لأَنهم ظلموا أَنفسهم.

وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأَنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها، وهذا كأَنه - والله أعلم - أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ...

﴾ الآية.

يَنْقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يزعمون أَن الله إذا علم من أحدٍ أَنَّه يؤمن به في آخر عمره - وإن طال - أَو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأَبد، لم يكن له أن يُميته، ولا له أَن يقطع نسله.

فإذا كان على الله أَن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فَعَلَ - جل وعز - ما عليه أَن يفعل.

وكل من فعل ما عليه أَن يفعل لم يكن فعلُه فعل امتنان، ولا فعل إِفضال؛ لأَنه - عز وجل - منّ عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأْصلهم، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو لآبائهم؛ لأَنه لو أَهلك آباءَهم وقطع تناسلهم انقرضوا وَتَفَانَوْا، ولم يتوالدوا؛ فالمنَّة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، والله أعلم.

فإذا كان هذا ما وصفنا دَلَّ أَنْ ليس على الله أن يفعل الأَصلح لهم في الدين، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

أَي: لكي تشكروا.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: لكي يوحدوا.

وذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَنْ يَشْهد خَلْقُه كلُّ أَحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خَلْقُه كلُّ أَحد له.

ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أَنعم وأَفضل عليه، وذلك يرجع إلى من يعبد ويوحد.

ويحتمل: أَنه خلقهم؛ ليأْمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل منهم الأَمر بذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة.

والكتابُ: اسم لكل مكتوب.

وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

قيل: سميت فرقاناً؛ لما فرق وبَيَّن فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه بين الحلال والحرام فهو فرقان.

وقيل: يسمى فرقاناً؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل.

وهما واحد.

وقيل: سميت التوراة فرقاناً؛ لما فيها المخرج من الشبهات.

وقيل: الآية على الإضمار؛ كأَنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب - يعني التوراة - ومحمداً الفرقان؛ كقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

فالكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وقد ذكرنا فيه ما أَمكن، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا من نعمنا عليكم أن شققنا لكم البحر فجعلناه طريقًا يابسًا تسيرون فيه، فأنجيناكم، وأغرقنا عدوكم فرعون وأتباعه أمام أعينكم وأنتم تنظرون إليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.mXgaW"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

جاء في الآية السابقة ذكر تنجية بني إسرائيل من آل فرعون وهو على كونه تفصيلًا لما قبله من حيث التذكير بالنعم، مجمل من حيث الإنجاء فإنه يشمل النجاة بجميع أنواعها من ذلك العذاب.

وذكر في هذه الآية نعمته في طريق الإنجاء بالتفصيل بعد الإجمال لبيان عناية الله تعالى بهم فيها إذ جعل وسيلته من خوارق العادات وجعل في طريقه هلاك عدوهم.

وقد يقال إن هذه نعمة مستقلة من نعمه تعالى عليهم لا أنها بيان لإجمال في التي قبلها.

لما أرسل الله تعالى موسي  إلى فرعون وملئه يدعوهم إلى توحيد الله وإلى أن يخلى بينه وبين شعب إسرائيل بعد إطلاقهم من ذلك الاستعباد والتعذيب لم يزدهم فرعون إلا تعذيبًا وتعبيدًا.

وفي "سفر الخروج" من تاريخ التوراة أن الله تعالى أنبأ موسي بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني إسرائيل ولا يرسلهم مع موسي حتى يريه آياته.

وأنه بعد الدعوة زاد ظلمًا وعتوًا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن (الطوب) ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن، لا يخفف عنهم منه شيء.

فأعطى الله تعالى موسى وأخاه هارون الآيات البينات، فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى، ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردًا.

وفي "سفر الخروج" أنهم خرجوا في شهر "أبيب" وكانت إقامتهم في مصر ٤٣٠ سنة.

ثم أتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم وأنجى الله بني إسرائيل وأغرق فرعون ومن معه، وذلك قوله  : ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ  ﴾ أي واذكروا من نعمنا عليكم إذ فرقنا بكم البحر فجعلنا لكم فيه طريقًا يبسًا سلكتموه في هربكم من فرعون ﴿ فَأَنْجَيْنَاكُمْ  ﴾ بعبوره من جانب إلى آخر ﴿ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ  ﴾ إذ عبروا وراءكم ﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ  ﴾ ذلك بأعينكم، ولولاه لعظم عليكم خبر غرقهم ولم تصدقوه.

فلق البحر كان من معجزات موسى، وقد قلنا في رسالة التوحيد: إن الخوارق الجائزة عقلًا، أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما، لا مانع من وقوعها بقدرة الله تعالى على يد نبي من الأنبياء، ويجب أن نؤمن بها على ظاهرها ولا يمنعنا هذا الإيمان من الاهتداء بسنن الله تعالى في الخلق واعتقاد أنها لا تتبدل ولا تتحول كما قال الله تعالى في كتابه الذي ختم به الوحي، على لسان نبيه الذي ختم به النبيين، فانتهي بذلك زمن المعجزات، ودخل الإنسان بدين الإسلام في سن الرشد، فلم تعد مدهشات الخوارق هي الجاذبة له إلى الإيمان وتقويم ما يعرض للفطرة من الميل عن الاعتدال في الفكر والأخلاق والأعمال كما كان في سن الطفولية النوعية، بل أرشده تعالى بالوحي الأخير-"القرآن"- إلى استعمال عقله في تحصيل الإيمان بالله وبالوحي ثم جعل له كل إرشادات الوحي مبينة معللة مدللة حتى في مقام الأدب- كما أوضحنا ذلك في رسالة التوحيد- فإيماننا بما أيد الله تعالى به الأنبياء من الآيات لجذب قلوب أقوامهم الذين لم ترتق عقولهم إلى البرهان، لا ينافي كون ديننا هو دين العقل والفطرة وكونه حتم علينا الإيمان بما يشهد له العيان، من أن سننه تعالى في الخلق لا تبديل لها ولا تحويل.

وزعم الذين لا يحبون المعجزات من المتهورين أن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر فإن في البحر الأحمر زقاقًا إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدًا يتيسر للإنسان أن يعبر ماشيًا، ولما أتبعهم فرعون بجنوده، ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم وكان المد تفيض ثوائبه -وهي المياه التي تجئ عقيب الجزر- فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين.

تحقق إنعام الله على بني إسرائيل يتم بهذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم ولا ينافي الامتنان به عليهم كونه ليس آية لموسى  ، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر- كذا قالوا..

ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه بالطود العظيم.

وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء، ﴿ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ  ﴾ وهو الموافق لما في التوراة.

بعد أن قرر نعمة الإنجاء من استعباد الظالمين، والبعد من فتنة القوم الضالين، ذكر النعمة التي وليتها، وذكرهم بما كان من كفرهم إياها، فقال ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً  ﴾ وقد كانت هذه المواعدة لإعطائه التوراة.

ولما ذهب لميقات ربه استبطأوه فاتخذوا عجلًا من ذهب فعبدوه، كما هو مفصل في غير هذه السورة.

والمراد هنا التذكير بالنعمة وبيان كفرها ليظهر أن تكذيبهم بمحمد  ومعاندته ليس ببدع من أمرهم، وإنما هو معهود منهم مع رؤية الآيات وبعد إغداق النعم عليهم، ولذلك اكتفى بالإشارة إليه بقوله ﴿ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ  ﴾ أي اتخذتموه إلهًا ومعبودًا، وبعد أن ذكرهم بذلك الظلم ذكرهم بتفضله عليهم بالتوبة ثم بالعفو الذي هو جزاء التوبة فقال ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ هذه النعمة بدوام التوحيد والطاعة.

ثم قفى على هذا بذكر إيتائهم الكتاب وهو المنة الكبرى فقال ﴿ وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  ﴾ قال المفسر (الجلال) - كغيره- إن الفرقان هو التوراة وقال بعض المفسرين إن الفرقان هو ما أوتيه موسى من الآيات والمعجزاتولكن ذكره بعد الكتاب معطوفًا عليه دليل على أن المراد به ما في الكتاب من الشرائع والأحكام المفرقة بين الحق والباطل والحلال والحرام، ومعنى قوله ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ لعلكم تهتدون، أي ليعدكم بهذا العفو للاستمرار على الشكر ويعدكم بهذه الأحكام والشرائع للاهتداء ويهيئكم للاسترشاد فلا تقعوا في وثنية أخرى.

وإن من كمال الاستعداد للهداية بفهم الكتاب أن يعرفوا أن ما جاء به محمد  هو هدى ونور يرجعهم إلى الأصل الذي تفرقوا عنه واختلفوا فيه، وكذلك اهتدى به منهم المستبصرون، وجاحده الرؤساء المستكبرون والمقلدون الذين لا يعقلون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده