الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 97 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مذكرا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له واتباع رسله ، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل على رؤوسهم ليقروا بما عوهدوا عليه ، ويأخذوه بقوة وحزم وهمة وامتثال كما قال تعالى : ( وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) [ الأعراف : 171 ] الطور هو الجبل ، كما فسره بآية الأعراف ، ونص على ذلك ابن عباس ، ومجاهد ، وعطاء وعكرمة والحسن والضحاك والربيع بن أنس ، وغير واحد ، وهذا ظاهر .
وفي رواية عن ابن عباس : الطور ما أنبت من الجبال ، وما لم ينبت فليس بطور .
وفي حديث الفتون : عن ابن عباس : أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا [ فسجدوا ] .
وقال السدي : فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم ، فنظروا إليه وقد غشيهم ، فسقطوا سجدا [ فسجدوا ] على شق ، ونظروا بالشق الآخر ، فرحمهم الله فكشفه عنهم ، فقالوا والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم ، فهم يسجدون كذلك ، وذلك قوله تعالى : ( ورفعنا فوقكم الطور ) .
وقال الحسن في قوله : ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) يعني التوراة .
وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس : ( بقوة ) أي بطاعة .
وقال مجاهد : بقوة : بعمل بما فيه .
وقال قتادة ( خذوا ما آتيناكم بقوة ) القوة : الجد وإلا قذفته عليكم .
قال : فأقروا بذلك : أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة .
ومعنى قوله : وإلا قذفته عليكم ، أي أسقطته عليكم ، يعني الجبل .
وقال أبو العالية والربيع : ( واذكروا ما فيه ) يقول : اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به .
القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ قال أبو جعفر: " الميثاق "،" المفعال "، من " الوثيقة "، إما بيمين, وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق.
(26) ويعني بقوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم) الميثاق الذي أخبر جل ثناؤه أنه أخذ منهم في قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [ البقرة: 83-85] الآيات الذي ذكر معها.
وكان سبب أخذ الميثاق عليهم - فيما ذكره ابن زيد - ما:- 1115 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: لما رجع موسى من عند ربه بالألواح.
قال لقومه بني إسرائيل: إن هذه الألواح فيها كتاب الله, فيه أمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه.
(27) فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟
لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله إلينا فيقول: هذا كتابي فخذوه!
فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى، فيقول: هذا كتابي فخذوه؟
قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم, فماتوا أجمعون.
قال: ثم أحياهم الله بعد موتهم, فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله.
فقالوا: لا.
قال: أي شيء أصابكم؟
قالوا: متنا ثم حيينا!
(28) قال: خذوا &; 2-157 &; كتاب الله.
قالوا: لا.
فبعث ملائكته فنتقت الجبل فوقهم, فقيل لهم: أتعرفون هذا؟
قالوا: نعم, هذا الطور, قال: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم.
قال: فأخذوه بالميثاق، وقرأ قول الله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا حتى بلغ: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ البقرة: 83-85]، قال: ولو كانوا أخذوه أول مرة، لأخذوه بغير ميثاق.
(29) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ قال أبو جعفر: وأما " الطور " فإنه الجبل في كلام العرب, ومنه قول العجاج: دانَــى جناحيـه مـن الطـور فمـر تَقَضِّــيَ البـازي إذا البـازي كسـر (30) وقيل: إنه اسم جبل بعينه.
وذكر أنه الجبل الذي ناجى الله عليه موسى.
وقيل: إنه من الجبال ما أنبت دون ما لم ينبت.
(31) * * * * ذكر من قال: هو الجبل كائنا ما كان: 1116 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا ويقولوا: حِطَّةٌ وطؤطئ لهم الباب ليسجدوا, فلم يسجدوا ودخلوا على أدبارهم, وقالوا حنطة.
فنتق فوقهم الجبل - يقول: أخرج أصل الجبل من الأرض فرفعه فوقهم كالظلة = و " الطور "، بالسريانية، الجبل = تخويفا، أو خوفا, شك أبو عاصم، فدخلوا سجدا على خوف، وأعينهم إلى الجبل.
هو الجبل الذي تجلى له ربه.
(32) 1117 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: رفع الجبل فوقهم كالسحابة, فقيل لهم: لتؤمنن أو ليقعن عليكم.
فآمنوا.
والجبل بالسريانية: " الطور ".
1118 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور) قال: الطور الجبل؛ كانوا بأصله، فرفع عليهم فوق رؤوسهم, فقال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به.
1119 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (ورفعنا فوقكم الطور)، قال: الطور الجبل.
اقتلعه الله فرفعه فوقهم, فقال: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ فأقروا بذلك.
1120 - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع, عن أبي العالية: (ورفعنا فوقكم الطور) قال: رفع فوقهم الجبل، يخوفهم به.
&; 2-159 &; 1121 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن النضر, عن عكرمة قال: الطور الجبل.
1122 - وحدثنا موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: لما قال الله لهم: ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة.
فأبوا أن يسجدوا، أمر الله الجبل أن يقع عليهم, فنظروا إليه وقد غشيهم, فسقطوا سجدا على شق, ونظروا بالشق الآخر، فرحمهم الله فكشفه عنهم فذلك قوله: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [ الأعراف: 171] ، وقوله: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ).
1123 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: الجبل بالسريانية الطور.
* * * وقال آخرون: " الطور " اسم للجبل الذي ناجى الله موسى عليه.
* ذكر من قال ذلك: 1124 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال: قال ابن عباس: الطور، الجبل الذي أنـزلت عليه التوراة - يعني على موسى - وكانت بنو إسرائيل أسفل منه.
قال ابن جريج: وقال لي عطاء: رفع الجبل على بني إسرائيل، فقال: لتؤمنن به أو ليقعن عليكم.
فذلك قوله: كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ .
* * * وقال آخرون: الطور، من الجبال، ما أنبت خاصة.
* ذكر من قال ذلك: 1125 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (الطور) قال: الطور من الجبال ما أنبت, وما لم ينبت فليس بطور.
* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ قال أبو جعفر: اختلف أهل العربية في تأويل ذلك.
فقال بعض نحويي أهل البصرة: هو مما استغني بدلالة الظاهر المذكور عما ترك ذكره له.
وذلك أن معنى الكلام: ورفعنا فوقكم الطور، وقلنا لكم: خذوا ما آتيناكم بقوة, وإلا قذفناه عليكم.
وقال بعض نحويي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول فلا حاجة بالكلام إلى إضمار قول فيه, فيكون من كلامين، غير أنه ينبغي لكل ما خالف القول من الكلام -الذي هو بمعنى القول- أن يكون معه " أن " كما قال الله جل ثناؤه إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ [ نوح: 1] قال: ويجوز أن تحذف " أن ".
والصواب في ذلك عندنا: أن كل كلام نطق به -مفهوم به معنى ما أريد- ففيه الكفاية من غيره.
ويعني بقوله: (خذوا ما آتيناكم)، ما أمرناكم به في التوراة.
وأصل " الإيتاء "، الإعطاء.
(33) * * * ويعني بقوله: (بقوة) بجد في تأدية ما أمركم فيه وافترض عليكم، كما:- 1126 - حدثت عن إبراهيم بن بشار قال، : حدثنا ابن عيينة قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (خذوا ما آتيناكم بقوة).
قال: تعملوا بما فيه.
1127 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1128 - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن &; 2-161 &; الربيع, عن أبي العالية: (خذوا ما آتيناكم بقوة)، قال: بطاعة.
1129 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرازق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (خذوا ما آتيناكم بقوة).
قال: " القوة " الجد, وإلا قذفته عليكم.
قال: فأقروا بذلك: أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة.
1130 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (بقوة)، يعني: بجد واجتهاد.
1131 - وحدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد - وسألته عن قول الله: (خذوا ما آتيناكم بقوة) - قال: خذوا الكتاب الذي جاء به موسى يصدق ويحق.
* * * فتأويل الآية إذا: خذوا ما افترضناه عليكم في كتابنا من الفرائض، فاقبلوه، واعملوا باجتهاد منكم في أدائه، من غير تقصير ولا توان.
وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوة ، بجد.
* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) قال أبو جعفر: يعني: واذكروا ما فيما آتيناكم من كتابنا من وعد ووعيد شديد، وترغيب وترهيب, فاتلوه، واعتبروا به، وتدبروه إذا فعلتم ذلك، كي تتقوا وتخافوا عقابي، (34) بإصراركم على ضلالكم فتنتهوا إلى طاعتي، وتنـزعوا عما أنتم عليه من معصيتي.
كما:- 1132 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثنا ابن إسحاق, عن &; 2-162 &; داود بن الحصين, عن عكرمة عن ابن عباس: (لعلكم تتقون)، قال: تنـزعون عما أنتم عليه.
* * * والذي آتاهم الله، هو التوراة.
كما:- 1133 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (واذكروا ما فيه) يقول: اذكروا ما في التوراة.
1134 - كما حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: (واذكروا ما فيه) يقول: أمروا بما في التوراة.
1135 - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، سألت ابن زيد عن قول الله: (واذكروا ما فيه)، قال: اعملوا بما فيه بطاعة لله وصدق.
(35) قال: وقال: اذكروا ما فيه، لا تنسوه ولا تغفلوه.
----------------- الهوامش : (26) انظر ما سلف 1 : 414 ، في قوله تعالى : "من بعد ميثاقه" [سورة البقرة : 27] .
(27) في المطبوعة : "وأمره الذي أمركم" ، والتصحيح من روايته في رقم : 959 .
(28) في رقم : 959 : "قالوا أصابنا أنا متنا .
.
" .
(29) الأثر رقم : 1115 - مضى أكثره في رقم : 959 .
(30) ديوانه : 17 ، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي ، وقد ولي الولايات العظيمة ، وفتح الفتوح الكثيرة ، وقاتل الخوارج .
والضمير في قوله : "دانى" يعود إلى متأخر ، وهو"البازي" المذكور في البيت بعده .
فإن قبله ، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله : حـول ابـن غـراء حصـان إن وتر فــات, وإن طـالب بـالوغم اقتـدر إذا الكـرام ابتــدروا البـاع ابتـدر دانــــى جناحيــــه .........
يريد : "ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور ، دانى جناحيه .
.
فمر" فقدم وأخر .
وهو من جيد التقديم والتأخير .
وقوله : "دانى" أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل .
ومر : أسرع إسراعا شديدا .
وقوله : "تقضى" أصلها"تقضض" ، فقلب الضاد الأخيرة ياء ، استثقل ثلاث ضادات ، كما فعلوا في"ظنن""وتظنى" على التحويل .
وتقضض الطائر : هوى في طيرانه يريد الوقوع .
والبازي : ضرب من الصقور ، شديد .
وكسر الطائر جناحيه : ضم منهما شيئا - أي قليلا- وهو يريد السقوط .
(31) هذا قول لم أجده في كتب اللغة في مادته .
(32) الأثر رقم : 1116 - مضى صدر منه برقم : 1027 .
(33) انظر ما سلف 1 : 574 .
(34) انظر ما مضى في بيان"لعل" بمعنى"كى" 1 : 364 -365 ، وهذا الجزء 2 : 68 .
(35) في المطبوعة : "بطاعة الله وصدق" خطأ .
قوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرينقوله تعالى : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور هذه الآية تفسر معنى قوله تعالى : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة .
قال أبو عبيدة : المعنى : زعزعناه فاستخرجناه من مكانه .
قال : وكل شيء قلعته فرميت به فقد نتقته .
وقيل : نتقناه رفعناه .
قال ابن الأعرابي : الناتق الرافع ، والناتق الباسط ، والناتق الفاتق .
وامرأة ناتق ومنتاق : كثيرة الولد .
وقال القتبي : أخذ ذلك من نتق السقاء ، وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه .
قال وقوله : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة قال : قلع من أصله .واختلف في الطور ، فقيل : الطور اسم للجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره ، رواه ابن جريج عن ابن عباس .
وروى الضحاك عنه أن الطور ما أنبت من الجبال خاصة دون ما لم ينبت .
وقال مجاهد وقتادة : أي جبل كان .
إلا أن مجاهدا قال : هو اسم لكل جبل بالسريانية ، وقاله أبو العالية .
وقد مضى الكلام : هل وقع في القرآن ألفاظ مفردة غير معربة من غير كلام في مقدمة الكتاب .
والحمد لله .
وزعم البكري أنه سمي بطور بن إسماعيل عليه السلام ، والله تعالى أعلم .القول في سبب رفع الطوروذلك أن موسى عليه السلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة ، قال لهم : خذوها والتزموها .
فقالوا : لا إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك .
فصعقوا ثم أحيوا .
فقال لهم : خذوها .
فقالوا : لا ، فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله ، وكذلك كان عسكرهم ، فجعل عليهم مثل الظلة ، وأتوا ببحر من خلفهم ، ونار من قبل وجوههم ، وقيل لهم : خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها ، وإلا سقط عليكم الجبل .
فسجدوا توبة لله وأخذوا التوراة بالميثاق .
قال الطبري عن بعض العلماء : لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق .
وكان سجودهم على شق ؛ لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا ، فلما رحمهم الله قالوا : لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها عباده ، فأمروا سجودهم على شق واحد .
قال ابن عطية : والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم لا أنهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك .قوله تعالى : " خذوا " أي : فقلنا : خذوا ، فحذف .
" ما آتيناكم " أعطيناكم .
بقوة أي : بجد واجتهاد ، قال ابن عباس وقتادة والسدي .
وقيل : بنية وإخلاص .
مجاهد : القوة : العمل بما فيه .
وقيل : بقوة : بكثرة درس .
واذكروا ما فيه أي : تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده ، ولا تنسوه ولا تضيعوه .قلت : هذا هو المقصود من الكتب ، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها ، فإن ذلك نبذ لها ، على ما قاله الشعبي وابن عيينة ، وسيأتي قولهما عند قوله تعالى : نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب .
وقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن من شر الناس رجلا فاسقا يقرأ القرآن لا يرعوي إلى شيء منه .
فبين صلى الله عليه وسلم أن المقصود العمل كما بينا .
وقال مالك : قد يقرأ القرآن من لا خير فيه .
فما لزم إذا من قبلنا وأخذ عليهم لازم لنا وواجب علينا .
قال الله تعالى :واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم فأمرنا باتباع كتابه والعمل بمقتضاه ، لكن تركنا ذلك كما تركت اليهود والنصارى ، وبقيت أشخاص الكتب والمصاحف لا تفيد شيئا ، لغلبة الجهل وطلب الرياسة واتباع الأهواء .
روى الترمذي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال : [ ص: 409 ] هذا أوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شيء .
فقال زياد بن لبيد الأنصاري : كيف يختلس منا وقد قرأنا القرآن فوالله لأقرأنه ولأقرئنه نساءنا وأبناءنا .
فقال : ثكلتك أمك يازياد إن كنت لأعدك من فقهاء المدينة هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم وذكر الحديث ، وسيأتي .
وخرجه النسائي من حديث جبير بن نفير أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي من طريق صحيحة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لزياد : ثكلتك أمك يا زياد هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى .
وفي الموطأ عن عبد الله بن مسعود ، قال لإنسان : إنك في زمان كثير فقهاؤه ، قليل قراؤه ، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه ، قليل من يسأل ، كثير من يعطي ، يطيلون الصلاة ويقصرون فيه الخطبة ، يبدءون فيه أعمالهم قبل أهوائهم .
وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه ، كثير قراؤه ، تحفظ فيه حروف القرآن ، وتضيع حدوده ، كثير من يسأل ، قليل من يعطي ، يطيلون فيه الخطبة ، ويقصرون الصلاة ، يبدءون فيه أهواءهم قبل أعمالهم .
وهذه نصوص تدل على ما ذكرنا .
وقد قال يحيى سألت ابن نافع عن قوله : يبدءون أهواءهم قبل أعمالهم ؟
قال يقول : يتبعون أهواءهم ويتركون العمل بالذي افترض عليهم .وتقدم القول في معنى قوله : لعلكم تتقون فلا معنى لإعادته .
أي: واذكروا { إِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ } وهو العهد الثقيل المؤكد بالتخويف لهم, برفع الطور فوقهم وقيل لهم: { خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ } من التوراة { بِقُوَّةٍ } أي: بجد واجتهاد, وصبر على أوامر الله، { وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ } أي: ما في كتابكم بأن تتلوه وتتعلموه، { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } عذاب الله وسخطه, أو لتكونوا من أهل التقوى.
قوله تعالى: {وإذ أخذنا ميثاقكم} عهدكم يا معشر اليهود.
{ورفعنا فوقكم الطور} وهو الجبل بالسريانية في قول بعضهم، وهو قول مجاهد ، وقيل: ما من لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن، وقال الأكثرون: ليس في القرآن لغة غير لغة العرب لقوله تعالى: {قرآناً عربياً} وإنما هذا وأشباهه وقع وفاقاً بين اللغتين.
وقال ابن عباس: "أمر الله تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم، وذلك لأن الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها فأبوا أن يقبلوها للآصار والأثقال التي هي فيها، وكانت شريعة ثقيلة فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلاً على قدر عسكرهم، وكان فرسخاً في فرسخ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل كالظلة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم".
وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: "رفع الله فوق رؤوسهم الطور، وبعث ناراً من قبل وجوههم، وأتاهم البحر المالح من خلفهم".
{خذوا} أي قلنا لهم خذوا.
{ما آتيناكم} أعطيناكم.
{بقوة} بجد واجتهاد ومواظبة.
{واذكروا} وادرسوا.
{ما فيه} وقيل: احفظوه واعملوا به.
{لعلكم تتقون} لكي تنجوا من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى، فإن فإن قبلتم وإلا رضختم بهذا الجبل وأغرقتكم في هذا البحر وأحرقتكم بهذه النار، فلما رأوا أن لا مهرب لهم عنها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصار سنةً لليهود، ولا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم، ويقولون: بهذا السجود رفع العذاب عنا.
«و» اذكر «إذ أخذنا ميثاقكم» عهدكم بالعمل بما في التوراة «و» قد «رفعنا فوقكم الطور» الجبل اقتلعناه من أصله عليكم لما أبيتم قبولها وقلنا «خذوا ما آتيناكم بقوة» بجد واجتهاد «واذكروا ما فيه» بالعمل به «لعلكم تتقون» النار أو المعاصي.
واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا العهد المؤكَّد منكم بالإيمان بالله وإفراده بالعبادة، ورفعنا جبل الطور فوقكم، وقلنا لكم: خذوا الكتاب الذي أعطيناكم بجدٍ واجتهاد واحفظوه، وإلا أطبقنا عليكم الجبل، ولا تنسوا التوراة قولا وعملا كي تتقوني وتخافوا عقابي.
ثم واصل القرآن حديثه مع بني إسرائيل ، فذكرهم بنعمة شمول الله إياهم برحمته وفضله رغم توليهم عن طاعته ونقضهم لميثاقه فقال تعالى :( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ .
.
.
)قال ابن جرير : " وكان سبب أخذ الميثاق عليهم فيما ذكره ابن زيد ، ما حدثني به يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال ابن زيد : لما رجع موسى من عند ربه بالألواح قال لقومه بني إسرائيل : إن هذه الألواح فيها كتاب الله ، وأمره الذي أمركم به ونهيه الذي نهاكم عنه .
فقالوا : وما يأخذ بقولك أنت ، لا والله حتى نرى الله جهرة ، حتى يطلع الله علينا فيقول : " هذا كتابي فخذه " فما له لا يكلمنا كما كلمك أنت يا موسى : قال فجاءت غضبة من الله ، فجاءتهم صاعقة فصعقتهم فماتوا جميعاً .
قال : ثم أحياهم الله بعد موتهم فقال لهم موسى : خذوا كتاب الله .
فقالوا : لا .
قال : أي شيء أصابكم؟
قالوا : متنا جميعاً ، ثم حيينا قال : خذوا كتاب الله .
قالوا : لا .
فبعث الله ملائكة فتنقت الجبل فوقهم ، فقيل لهم : أتعرفون هذا؟
قالوا نعم ، هذا الطور ، قال : خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم ، قال : فأخذوا بالميثاق .
قال : ولو كانوا أخذوه أول مرة لأخذوه بغير ميثاق " .ومعنى الآيتين الكريمتين : واذكروا - يا بني إسرائيل - لتعتبروا وتنتفعوا وقت أن أخذنا عليكم جميعاً العهد بأن تعبدوا الله وحده ، وتتبعوا ما جاءكم به رسله ، وتعملوا بما في التوراة ، واذكروا كذلك وقت أن رفعنا فوق أسلافكم الطور تهديداً لهم بالعقوبة إذا لم يطيعوا أوامر الله ، وليشهدوا آية من آيات الله الدالة على قدرته ، وقلنا لكم جميعاً .
خذوا ما آتيناكم في كتابكم من تكاليف بجد وعزم واجتهاد ، واذكروا ما فيه وتدبروه وسيروا على هدية لتتقوا الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة ، ولكن الذي حصل منكم جميعاً أنكم أعرضتم عن العمل بما أخذ عليكم ، فتركتم تعاليم كتابكم وآذيتم أنبياءكم ، ولوا أن الله - تعالى - رأف بكم ، ووفقكم للتوبة ، وعفا عن زلاتكم ، لكنتم من الهالكين في دنياكم وآخرتكم .وقوله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ) تذكير لبني إسرائيل بنعمة من أمثال النعم الواردة في الآيات السابقة ، لأن أخذ الميثاق عليهم ليعملوا بما في التوراة من الأمور العائد عليهم نفعها .وقوله تعالى : ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ) أي : أعليناه ، وجعلناه فوق رءوسكم كالمظلة .والطور : اسم للجبل الذي ناجى عليه موسى ربه - تعالى - كان بنو إسرائيل بأسفله فرفع فوق رءوسهم .وقوله تعالى : ( خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ) مقول لقول محذوف ، دل عليه المعنى ، والتقدير : وقلنا لهم : خذوا ما آتيناكم بقوة ، أي : تمسكوا به ، واعملوا بما فيه يجد ونشاط ، وتقبلوه واجتنبوا نواهيه ، واعملوا ما جاء به بدون تردد .والمراد " بما آتيناكم " التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى لتكون هدى ونوراً لهم .
وقوله تعالى : ( واذكروا مَا فِيهِ ) أي احفظوه وتدبروه وتدارسوه ، وامتثلوا أوامره ، واجتنبوا نواهيه ، واعملوا بكل ما جاء فيه بلا تعطيل لشيء منه .قال الإِمام القرطبي : " وهذا هو المقصود من الكتب ، العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان - فحسب - ، فقد روى النسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من الشر الناس رجلا فاسقاً يقرأ القرآن ، لا يرعوى إلى شيء منه " .و " لعل " في قوله تعالى : ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) إما للتعليل ، فيكون المعنى : خذوا الكتاب بجد وعزم ، واعملوا بما فيه بصدق وطاعة ، لتتقوا الهلاك في عاجلتكم وآجلتكم ، وإما للترجى ، وهو منصرف إلى المخاطبين ، فيكون المعنى : خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ولا تنسوه ، وأنتم ترجون أن تكونوا من طائفة المتقين .
اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم: أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ ففيه بحثان: الأول: اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً، أحدها: ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم.
وثانيها: ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم: إن فيها كتاب الله فقالوا: لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم، وهذا هو اختيار أبي مسلم.
وثالثها: أن لله ميثاقين، فالأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم، والثاني: أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد هاهنا هو هذا العهد.
هذا قول ابن عباس وهو ضعيف.
الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما قال: (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين، أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ﴾ أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا فوقكم الطور ﴾ فنظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو في قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا ﴾ واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال: فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم.
الثاني: قيل: إن الطور كل جبل قال العجاج: داني جناحيه من الطور فمر *** تقضي البازي إذا البازي كسر أما الخليل فقال في كتابه: إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد، وقال ابن عباس: أمر تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم.
الثالث: من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول.
الرابع: قال بعضهم: إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف.
أجاب القاضي بأنه لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز هاهنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف.
أما قوله تعالى: ﴿ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل، قال الجبائي: هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال: خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال: اكتب بالقلم ولا قلم، وأجاب أصحابنا بأن المراد: خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل.
وأما قوله تعالى: ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه.
فإن قيل: هلا حملتموه على نفس الذكر؟
قلنا: لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به.
فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال.
أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي لكي تتقوا، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل، وجوابه ما تقدم.
واعلم أن المفهوم من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فدل ذلك منهم على القبول والالتزام.
أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك ﴾ أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، قال القفال رحمه الله: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله.
والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين ﴾ ففيه بحثان: الأول: ذكر القفال في تفسيره وجهين: الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا.
الثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك ﴾ ثم قيل: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم.
البحث الثاني: أن لقائل أن يقول كلمة ﴿ لَوْلاَ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى.
وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة: أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم: لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن: لولا تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً.
﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ بالعمل على ما في التوراة ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق.
وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقي عليكم، حتى قبلوا.
﴿ خُذُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ مَا ءاتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدّ وعزيمة ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بتوفيقكم للتوبة لخسرتم.
وقرئ: ﴿ خذوا ما آتيتكم، وتذكروا ﴾ و ﴿ واذكروا ﴾ و ﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهودإذا عظمت يوم السبت.
وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد.
وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرّقت.
كما قال: ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ [الأعراف: 163] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.
فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم.
﴿ قِرَدَةً خاسئين ﴾ خبران أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ يعني المسخة ﴿ نكالا ﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه.
ومنه النكل: القيد ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ لما قبلها ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم.
وقيل نكالاً: عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ بِاتِّباعِ مُوسى والعَمَلِ بِالتَّوْراةِ.
﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ حَتّى أعْطَيْتُمُ المِيثاقَ، رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَلَعَ الطُّورَ فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا.
﴿ خُذُوا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ مِنَ الكِتابِ بِقُوَّةٍ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ.
﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ، أوِ اعْمَلُوا بِهِ.
﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ.
ويَجُوزُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ: قُلْنا خُذُوا واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا.
﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ.
﴿ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ بِمُحَمَّدٍ يَدْعُوكم إلى الحَقِّ ويَهْدِيكم إلَيْهِ.
﴿ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَغْبُونِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ والضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.
ولَوْ في الأصْلِ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَإذا دَخَلَ عَلى (لا) أفادَ إثْباتًا وهو امْتِناعُ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ واجِبُ الحَذْفِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ.
<div class="verse-tafsir"
{وإذ أخذنا ميثاقكم} بقبول ما التوراة {وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور} أي الجبل حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى إن قبلتم وإلا ألقي عليكم حتى قبلوا وقلنا لكم {خذوا ما آتيناكم} من الكتاب أي التوراة {بِقُوَّةٍ} بجدٍ وعزيمة {واذكروا مَا فِيهِ} واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسون ولا تغفلوا عنه {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} رجاء منكم أن تكونوا متقين
﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ لِمَصْلَحَتِهِمْ، والظّاهِرُ مِنَ المِيثاقِ هُنا العَهْدُ، ولَمْ يَقُلْ: مَواثِيقَكُمْ، لِأنَّ ما أُخِذَ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أُخِذَ عَلى غَيْرِهِ، فَكانَ مِيثاقًا واحِدًا، ولَعَلَّهُ كانَ بِالِانْقِيادِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، واخْتُلِفَ في أنَّهُ مَتى كانَ؟
فَقِيلَ: قَبْلَ رَفْعِ الطُّورِ، ثُمَّ لَمّا نَقَضُوهُ رُفِعَ فَوْقَهم لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ ﴾ إلَخْ، وقِيلَ: كانَ مَعَهُ ﴿ ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ الواوُ لِلْعَطْفِ، وقِيلَ: لِلْحالِ، والطُّورُ قِيلَ: جَبَلٌ مِنَ الجِبالِ وهو سُرْيانِيٌّ مُعَرَّبٌ، وقِيلَ: الجَبَلُ المُعَيَّنُ، وعَنْ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ، وما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ بِقَلْعِ الطُّورِ، فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا، وكانَ عَلى قَدْرِ عَسْكَرِهِمْ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، ورُفِعَ فَوْقَهم قَدْرَ قامَةِ الرَّجُلِ، واسْتُشْكِلَ بِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى الإلْجاءِ إلى الإيمانِ، فَيُنافِي التَّكْلِيفَ، وأجابَ الإمامُ بِأنَّهُ لا إلْجاءَ، لِأنَّ الأكْثَرَ فِيهِ خَوْفُ السُّقُوطِ عَلَيْهِمْ، فَإذا اسْتَمَرَّ في مَكانِهِ مُدَّةً، وقَدْ شاهَدُوا السَّماواتِ مَرْفُوعَةً بِلا عِمادٍ، جازَ أنْ يَزُولَ عَنْهُمُ الخَوْفُ، فَيَزُولُ الإلْجاءُ ويَبْقى التَّكْلِيفُ، وقالَ العَلّامَةُ: كَأنَّهُ حَصَلَ لَهم بَعْدَ هَذا الإلْجاءِ قَبُولٌ اخْتِيارِيٌّ، أوْ كانَ يَكْفِي في الأُمَمِ السّالِفَةِ مِثْلُ هَذا الإيمانِ، وفِيهِ كَما قالَ السّالِيكُوتِيُّ: إنَّ الكَلامَ في أنَّهُ كَيْفَ يَصِحُّ التَّكْلِيفُ (بِخُذُوا) إلَخْ مَعَ القَسْرِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَبْناهُ عَلى الِاخْتِيارِ، فالحَقُّ أنَّهُ إكْراهٌ لِأنَّهُ حَمْلُ الغَيْرِ عَلى أنْ يَفْعَلَ ما لا يَرْضاهُ، ولا يَخْتارُهُ، لَوْ خُلِّيَ ونَفْسَهُ، فَيَكُونُ مُعْدِمًا لِلرِّضا لا لِلِاخْتِيارِ، إذِ الفِعْلُ يَصْدُرُ بِاخْتِيارِهِ كَما فُصِّلَ في الأُصُولِ، وهَذا كالمُحارَبَةِ مَعَ الكُفّارِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ لا إكْراهَ في الدِّينِ ﴾ ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ فَقَدْ كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِهِ ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ هو عَلى إضْمارِ القَوْلِ أيْ قُلْنا أوْ قائِلِينَ (خُذُوا)، وقالَ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ: لا يَحْتاجُ إلى إضْمارِهِ، لِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ قَوْلٌ، والمَعْنى: ﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوا ما آتَيْناكُمْ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، والمُرادُ هُنا بِالقُوَّةِ الجِدُّ والِاجْتِهادُ كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويَؤُولُ إلى عَدَمِ التَّكاسُلِ والتَّغافُلِ، فَحِينَئِذٍ لا تَصْلُحُ الآيَةُ دَلِيلًا لِمَنِ ادَّعى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، إذْ لا يُقالُ: خُذْ هَذا بِقُوَّةٍ إلّا والقُوَّةُ حاصِلَةٌ فِيهِ، لِأنَّ القُوَّةَ بِهَذا المَعْنى لا تُنْكَرُ صِحَّةُ تَقَدُّمِها عَلى الفِعْلِ، ﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ أيِ ادْرُسُوهُ واحْفَظُوهُ، ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَدَبَّرُوا مَعْناهُ، أوِ اعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، فالذِّكْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ والقَلْبِيُّ، والأعَمُّ مِنهُما، وما يَكُونُ كاللّازِمِ لَهُما، والمَقْصُودُ مِنهُما أعْنِي العَمَلَ، ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّرَجِّي في كَلامِهِ تَعالى، وقَدْ ذُكِرَ ها هُنا أنَّ كَلِمَةً (لَعَلَّ) مُتَعَلِّقَةٌ (بِخُذُوا) (واذْكُرُوا)، إمّا مَجازٌ يُؤَوَّلُ مَعْناهُ بَعْدَ الِاسْتِعارَةِ إلى تَعْلِيلِ ذِي الغايَةِ بِغايَتِهِ، أوْ حَقِيقَةٌ لِرَجاءِ المُخاطَبِ، والمَعْنى: خُذُوا واذْكُرُوا راجِينَ أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ، ويُرَجِّحُ المَعْنى المَجازِيُّ أنَّهُ لا مَعْنى لِرَجائِهِمْ فِيما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، أعْنِي التَّقْوى، اللَّهُمَّ إلّا بِاعْتِبارِ تَكَلُّفِ أنَّهم سَمِعُوا مَناقِبَ المُتَّقِينَ، ودَرَجاتِهِمْ، فَلِذا كانُوا راجِينَ لِلِانْخِراطِ في سِلْكِهِمْ، وجَوَّزَ المُعْتَزِلَةُ كَوْنَها مُتَعَلِّقَةً (بِقُلْنا) المُقَدَّرِ، وأوَّلُوا التَّرَجِّيَ بِالإرادَةِ، أيْ قُلْنا: واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أصْلِهِمُ الفاسِدِ مِن أنَّ إرادَةَ اللَّهِ تَعالى لِأفْعالِ العِبادِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلصُّدُورِ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ العِلْمِ بِالمَصْلَحَةِ، وجَوَّزَ العَلّامَةُ تَعَلُّقَها إذا أُوِّلَ التَّرَجِّي بِالإرادَةِ (بِخُذُوا) أيْضًا عَلى أنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلطَّلَبِ لا لِلْمَطْلُوبِ، وجَوَّزَ الشِّهابُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالطَّلَبِ، والتَّخَلُّفُ فِيهِ جائِزٌ، وفِيهِ إنَّ القَوْلَ المَذْكُورَ وهو ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ ﴾ بِعَيْنِهِ طَلَبُ التَّقْوى فَلا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: خُذُوا ما آتَيْناكم طالِبًا مِنكُمُ التَّقْوى إلّا بِنَوْعِ تَكَلُّفٍ، فافْهَمْ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ، قال ابن عباس: هما ميثاقان الميثاق الأول: حين أخرجهم من صلب آدم- - والميثاق الثاني: الذي أخذ في التوراة وسائر الكتب.
وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وذلك أن موسى- -، لما أتاهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التغليظ والأمر والنهي، شق ذلك عليهم فأبوا أن يقبلوها.
وإن الله تعالى قد منّ على هذه الأمة حيث فرض عليهم الفرائض واحداً بعد واحد، ولم يفرض عليهم جملة، فإذا استقر الواحد في قلوبهم فرض الآخر.
وأما بنو إسرائيل، فقد فرض عليهم دفعة واحدة فشق ذلك عليهم ولم يقبلوا، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا جبلاً من جبال فلسطين فوق رؤوسهم، وكان عسكر موسى فرسخاً في فرسخ والجبل مثل ذلك، فلما رأوا أنه لا مهرب لهم منه، قبلوا التوراة وسجدوا من المهابة والفزع، وهم يلاحظون في سجودهم الجبل، فمن ذلك يسجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم، فذلك قوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ.
والطور: اسم جبل بالسريانية: ويقال: هو جبل ذو أشجار.
ثم قال تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، أي قيل لهم: اعملوا بما آتيناكم بجد ومواظبة واعملوا في طاعة الله وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ.
قال بعضهم: اعملوا بما فيه.
وقال بعضهم: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، لكي يسهل عليكم القبول.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أي لكي تتقوا عقوبته في المعصية فتمتنعوا عنها.
ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أي أعرضتم مِن بَعْدِ ذلك الإقرار، يعني من بعد ما رفع عنكم الجبل.
فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أي منّ الله عليكم وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة.
ويقال: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال الرسل إليكم لكيلا تقيموا على الكفر، لكنتم من الخاسرين بالعقوبة.
<div class="verse-tafsir"
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)
وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ...
الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «١» ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «٢» ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «٣» ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «٤» .
ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ.
انتهى.
وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «٥» .
مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:
الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.
وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين «١» ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن «٢» ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم.
انتهى.
وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٣» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ.
انتهى.
وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم
للشنعة «١» ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.
ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ...
الآية.
اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.
فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:
هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.
قال ص «٢» : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «٣» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]
إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ...
وهند مثلها يصبي «٤»
انتهى.
قال ع «٥» : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.
وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل
الكتاب «١» ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «٢» ، وقال ابنُ جْرَيْج «٣» : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «٤» ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «٥» ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «٦» ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «٧» .
وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ...
الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه.
قاله ابنُ عبَّاس «٨» ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «٩» ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ «١٠» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ الخِطابُ بِهَذِهِ الآَيَةِ لِلْيَهُودِ.
والمِيثاقُ: مِفْعالٌ مِنَ التَّوَثُّقِ بِيَمِينٍ أوْ عَهْدٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُؤَكِّدُ القَوْلَ.
وَفِي هَذا المِيثاقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أخَذَ مِيثاقَهم أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ، فَكَرِهُوا الإقْرارَ بِما فِيها، فَرَفَعَ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أعْطُوا اللَّهَ عَهْدًا لِيَعْمَلُنَّ بِما في التَّوْراةِ، فَلَمّا جاءَ بِها مُوسى قَرَءُوا ما فِيها مِنَ التَّثْقِيلِ، امْتَنَعُوا مِن أخْذِها، فَرَفَعَ الطُّورَ عَلَيْهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ ما أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الرُّسُلِ وتابِعِيهِمْ مِنَ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
والثّالِثُ: ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ أيْضًا، فَقالَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المِيثاقُ يَوْمَ أخَذَ الذُّرِّيَّةَ مِن ظَهْرِ آَدَمَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطَّوْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الجَبَلُ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الطَّوْرُ: الجَبَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أُنْبِتَ مِنَ الجِبالِ فَهو طُورٌ، وما لَمْ يَنْبُتْ فَلَيْسَ بِطُورٍ.
وَأيُّ الجِبالِ هُوَ؟
فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُهُما: جَبَلٌ مِن جِبالِ فِلِسْطِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: جَبَلٌ نَزَلُوا بِأصْلِهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
والثّالِثُ: الجَبَلُ الَّذِي تَجَلّى لَهُ رَبُّهُ قالَهُ مُجاهِدٌ.
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهُ إنَّما رَفَعَ الجَبَلَ عَلَيْهِمْ لِإبائِهِمُ التَّوْراةَ.
وقالَ السُّدِّيُّ: لِإبائِهِمُ دُخُولَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ .
وَفِي المُرادِ بِالقُوَّةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: الجِدُّ والِاجْتِهادُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.
والثّانِي: الطّاعَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والثّالِثُ: العَمَلُ بِما فِيهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والرّابِعُ: الصِّدْقُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: اذْكُرُوا ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: مَعْناهُ: ادْرُسُوا ما فِيهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَتَّقُونَ العُقُوبَةَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ.
وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلَ، ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ ﴾ ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ .
﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ ﴾ أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ.
وقالَ الشاعِرُ: إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ.
وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ.
"والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ ﴾ : قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى.
والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ".
وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ.
وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ.
و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ ﴾ .
وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى.
وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿ مَن آمَنَ ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى.
وقالَ الفَرَزْدَقُ: تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى.
وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ.
وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ ، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ.
/ و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ.
وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا.
و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ.
وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ.
﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ.
والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ ، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا.
و ﴿ فَضْلُ اللهِ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ".
قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و ﴿ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ.
وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ .
<div class="verse-tafsir"
تذكير بقصة أخرى أرى الله تعالى أسلافهم فيها بطشه ورحمته فلم يرتدعوا ولم يشكروا وهي أن أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجلياً خاصاً للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب ورعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج وفي الفصل الخامس من سفر التثنية فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحابة، ولذلك وصف في آية الأعراف (171) بقوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ﴾ [نتقه: زعزعه ونقضه] حتى يخيل إليهم أنه يهتز وهذا نظير قولهم استطاره إذا أزعجه فاضطرب فأعطوا العهد وامتثلوا لجميع ما أمرهم الله تعالى وقالوا: «كل ما تكلم الله به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد» وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير.
وضمائر الخطاب لتحميل الخلف تبعات السلف كيلا يقعوا في مثلها وليستغفروا لأسلافهم عنها.
والميثاق في هاته الآية كالعهد في الآيات المتقدمة مراد به الشريعة ووعدهم بالعمل بها وقد سمته كتبهم عهداً كما قدمنا وهو إلى الآن كذلك في كتبهم.
وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم والطُّور علم على جبل ببرية سينا، ويقال إن الطور اسم جنس للجبال في لغة الكنعانيين نقل إلى العربية وأنشدوا قول العجاج: دَانَى جَناحيه من الطورِ فمَرْ *** تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَر فإذا صح ذلك فإطلاقه على هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها فحسبوها علماً له فسموه الطور.
وقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ مقول قول، محذوف تقديره قائلين لهم خذوا، وذلك هو الذي أخذ الميثاق عليه.
والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم.
والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به كقوله تعالى: ﴿ يا يحيى خُذ الكتاب بقوة ﴾ [مريم: 12].
ويجوز أن يكون الذكر مجازاً عن الامتثال أي اذكروه عند عزمكم على الأعمال حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه، أو المراد بالذكر التفهم بدليل حرف (في) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول.
والمراد بما آتاهم ما أوحاه إلى موسى وهو الكلمات العشر التي هي قواعد شريعة التوراة.
وجملة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ علة للأمر بقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ﴾ ولذلك فصلت بدون عطف.
والرجاء الذي يقتضيه حرف (لعل) مستعمل في معنى تقريب سبب التقوى بحضهم على الأخذ بقوة، وتعهد التذكر لما فيه، فذلك التقريب والتبيين شبيهٌ برجاء الراجي.
ويجوز أن يكون (لعل) قرينة استعارة تمثيل شأن الله حين هيأ لهم أسباب الهداية بحال الراجي تقواهم وعلى هذا محمل موارد كلمة (لعل) في الكلام المسند إلى الله تعالى.
وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21] الآية.
وقوله: ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل في مدة مناجاة موسى وأن الله تاب عليهم بفضله ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين الهالكين في الدنيا أو فيها وفي الآخرة.
ولا حاجة بنا إلى الخوض في مسألة التكليف الإلجائي ومنافاة الإلجاء للتكليف وهي مسألة تكليف المُلْجأ، المذكورة في الأصول لأنها بنيت هنا على أطلال الأخبار المروية في قلع الطور ورفعه فوقهم وقول موسى لهم إما أن تؤمنوا أويقع عليكم الطور، على أنه لو صحت تلك الأخبار لما كان من الإلجاء في شيء إذ ليس نصب الآيات والمعجزات والتخويف من الإلجاء وإنما هو دلالة وبرهان على صدق الرسول وصحة ما جاء به والممتنع في التكليف هو التكليف في حالة الإلجاء لا التخويف لإتمام التكليف، فلا تغفلوا.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ وفي الطُّورِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ دُونَ غَيْرِهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ مِنَ الجِبالِ خاصَّةً، دُونَ ما لَمْ يُنْبِتْ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّ الطُّورَ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، إلّا أنَّ مُجاهِدًا قالَ: هو اسْمُ كُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ، قالَ العَجّاجُ: دانِي جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرَّ تَقَضِّي البازِيِّ إذا البازِيُّ كَرَّ قالَ مُجاهِدٌ: رُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهم كالظُّلَّةِ، فَقِيلَ: لَتُؤْمِنُنَّ أوْ لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَآمَنُوا.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ الجِدُّ والِاجْتِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: يَعْنِي بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ العَمَلُ بِما فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ فقال: جبل نزلوا بأصله فَرُفِعَ فوقهم، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل منه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الطور الجبل بالسريانية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: النبط يسمون الجبل الطور.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوّة ﴾ قال: بجد.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ يقول: اقرأوا ما في التوراة واعملوا به.
وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قال: لعلكم تنزعون عما أنتم عليه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ الآية الأخذ يستعمل في معان كثيرة، ويتصرف على ضروب (١) ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى ﴾ ، وقوله: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ ﴾ ، ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ ، ﴿ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ ﴾ (٢) ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ .
ومنها: أن يستعمل للمقاربة، تقول العرب: أخذ يقول كذا، كما قالوا: جعل يقول، وطفق يقول.
ومنها: أن يتلقى بما يتلقى به القسم، كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ ، ألا ترى أنه قال: ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ ﴾ فأخذ (٣) ومثل أخذ في معنى العقاب: آخذ (٤) ﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا ﴾ ، وقال: ﴿ لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا ﴾ ، وقال: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ ﴾ .
ويستعمل من الأخذ التفعيل والاستفعال، قالوا: رجل مُؤَخَّذٌ عن امرأته (٥) (٦) وأما اسْتَفْعل فقال الأصمعي (٧) (٨) يَرْمِي الغُيُوبَ (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطُّورَ ﴾ .
الواو ﴿ وَرَفَعنَا ﴾ واو الحال، المعنى إذ أخذنا ميثاقكم في حال رفع الطور (١٥) ﴿ وَكُنتُم أَموَاتًا ﴾ (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) دَانَى جَنَاحَيْهِ من الطُّورِ فَمَرْ (٢١) وقيل: إنه اسم جبل بعينه، وهو جبل بالشام (٢٢) أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ...
يَحيدونَ (٢٣) (٢٤) وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿ وَالطُّورِ ﴾ قال: هو الجبل الذي بمدين، كلم الله عليه موسى (٢٥) قال المفسرون: إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم (٢٦) ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد (٢٧) .
وقوله: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ [ (٢٨) (٢٩) (٣٠) ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه.
وقوله: ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ قال ابن عباس والحسن وقتادة: بجد ومواظبة على طاعة الله واجتهاد (٣١) وقال الزجاج: أي بقوة قلب ويقين ينتفي عنده الريب (٣٢) (٣٣) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ الكناية تعود إلى ما في قوله: ﴿ مَا آتَيْنَاكُمْ ﴾ (٣٥) (٣٦) (٣٧) (١) الكلام عن (الأخذ) نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب "الحجة" 2/ 72 انظر مادة (أخذ) في "تهذيب اللغة" 1/ 129، "الصحاح" 2/ 559، "مقاييس اللغة" 1/ 68، و (الغريبين) 1/ 23، و"مفردات الراغب" ص 12، و"إصلاح الوجوه والنظائر" ص 20، و"نزهة الأعين النواظر" ص 133.
(٢) (ج): (فأخذنا) تصحيف.
(٣) في (ب)، (ج): (واخد).
(٤) "الحجة" لأبي علي 1/ 73، انظر: "الصحاح" (أخذ) 2/ 559، "مفردات الراغب" ص 13،12).
(٥) قال أبو علي: (وأما (فعَّل) فقالوا: رجل مُؤَخذٌ عن امرأته) "الحجة" 2/ 74، انظر: "تهذيب اللغة" (أخذ) 7/ 526، "الغريبين" 1/ 24.
(٦) ذكره أبو علي عن أبي حنيفة رحمه الله.
"الحجة" 2/ 74، انظر: "بدائع الصنائع" 2/ 322 - 323، و"المغني" 7/ 602.
(٧) في "الحجة" (فقال الأصمعي فيما روى عنه الزيادي ..) "الحجة" 2/ 74، وانظر "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 129.
(٨) هو أبو ذؤيب الهذلي.
(٩) في (ج): (العيوب).
(١٠) في هذا البيت يصف حمارًا وحشيًا، وقوله: (يرمى الغيوب) أي: ينظر ما غاب عنه خشية الصائد يرميه بطرفه حذرا، و (المغضي): الذي كف من بصره وهو مع ذلك ينظر، و (كسف): نكس رأسه لما أخذ الرمد فيه.
انظر "شرح أشعار الهذليين" 1/ 58، و"جمهرة اللغة" 3/ 237، و"الحجة" 2/ 75، و"المخصص" 1/ 110، "تهذيب == اللغة" (أخذ) 1/ 129، و (غاب) 2616، و (كسف) 4/ 3144، "مقاييس اللغة" 1/ 69، "اللسان" (غيب) 6/ 3322، و (أخذ) 3811، و (كسف) 7/ 3877.
(١١) هذا آخر ما نقله عن "الحجة" 2/ 75.
(١٢) في (ج): (ميتاق).
(١٣) في (ب): (أول).
(١٤) ذكره أبو الليث عن ابن عباس 1/ 376.
وذكر ابن جرير أن المراد به الميثاق الذي أخذه منهم في قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ ، وأخرجه بسنده عن ابن زيد.
الطبري 2/ 156، وذكر الزجاج قولين فيه: الأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه، والثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم.
"معاني القرآن" 1/ 119.
(١٥) ذكر أبو حيان: أن هذه الواو تحتمل أن تكون للعطف إذا كان أخذ الميثاق متقدمًا، وإن كان أخذ الميثاق في حال رفع الطور فهي للحال.
"البحر" 1/ 243.
(١٦) وقد ذكر هناك القاعدة عند الجمهور: وهي أن الجملة الفعلية الماضوية، إذا وقعت حالا فلا بد من تقدير (قد) وقيل: لا يلزم ذلك.
انظر ص 667.
(١٧) في (ب): (جبل).
(١٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 325، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 أ.
(١٩) (وقع) ساقط من (ب).
(٢٠) قال القرطبي: (لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاماً ..
كإسرائيل ونوح ولوط، واخلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب) 1/ 68.
فذهب الطبري في "تفسيره" إلى أن ذلك غير موجود، وكذا الثعلبي 1/ 80 أ، وذهب ابن عطية إلى أنه موجود لكن العرب استعملتها قبل وغيرت فيها، فدخلت في لغتها.
(٢١) الرجز من قصيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبد الله بن معمر التميمي وبعده: تَقَضِّيَ البازي إذا البَازِي كَسَرْ ضم جناحيه للانقضاض، و (تقضي): أصلها (تقضض) ثلاث ضادات فقلبت الثالثة ياء طلبا للخفة، و (البازي): الشديد من الصقور ورد البيت في "ديوان العجاج" ص 28، "تفسير الطبري" 1/ 324، "تهذيب اللغة" (طرأ) 3/ 2173، انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 330، "الكشاف" 4/ 426، "اللسان" (طرأ) 5/ 2649، "البحر المحيط" 1/ 239، "الدر المصون" 1/ 409.
(٢٢) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 325، "تفسير الماوردي" 1/ 353، "تفسير ابن عطية" 1/ 330، 15/ 502.
(٢٣) في (ب): (يحيدرون).
(٢٤) ورد البيت في "التهذيب" (طور) 3/ 2229، "اللسان" (طرأ) 5/ 2649، و (طور) 5/ 2718، "الخزانة" 7/ 355، و"ديوان ذي الرمة" 3/ 1698، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).
(٢٥) في (ب): (موسى عليه).
كلام الفراء في "معاني القرآن" 3/ 91.
(٢٦) "تفسير الثعلبي" 1/ 80 ب، "تفسير أبي الليث" 1/ 377، وانظر.
"الطبري" 1/ 324، "ابن عطية" 1/ 248، "القرطبي" 1/ 372، "البحر المحيط" 1/ 243.
(٢٧) في (ب): (لمحمد).
(٢٨) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٢٩) نسب الطبري هذا القول لبعض نحوي أهل البصرة، قال: وقال بعض نحوي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول، فلا حاجة إلى إضمار قول، ورجَّح هذا في "تفسيره" 1/ 326، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 243.
(٣٠) من قوله (وقوله: خذو ..) إلى هنا ساقط من (ب).
(٣١) ذكر الطبري في "تفسيره" نحوه عن مجاهد، وأبي العالية، وقتادة، وابن زيد 1/ 326، وكذا عند "ابن أبي حاتم" 1/ 398، وذكره الماوردي عن ابن عباس، وقتادة والسدي "تفسير الماوردي" 1/ 354، وكذا القرطبي في "تفسيره" 1/ 372، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 377، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 ب.
(٣٢) في (ب): (الرتب).
(٣٣) في "معاني القرآن" (بان) 1/ 120.
(٣٤) في "تهذيب اللغة": (القوة) الخُصْلة الواحدة من قوى الحبل، وقيل: هي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل.
(قوى) 3/ 3070.
(٣٥) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 332، "البحر المحيط" 1/ 244، "الدر المصون" 1/ 409.
(٣٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 326، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 120، "تفسير الثعلبي" 1/ 80 ب.
(٣٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 326، و"تفسير أبي الليث"1/ 377.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ جدُّ في العلم بالتوراة أو العمل بها ﴿ اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت ﴾ اصطادوا فيه الحوت وكان محرماً عليهم ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم، وخاسئين صفة أو خير ثان، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب ﴿ فجعلناها ﴾ الضمير للفعلة وهي المسخ ﴿ نكالا ﴾ أي عقوبة لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: عبرة لمن تقدّم ومن تأخر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ النصارى ﴾ بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء.
وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿ سكارى ﴾ و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يوارى ﴾ و ﴿ أوارى ﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿ والصابئين ﴾ بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.
الوقوف: ﴿ عند ربهم ﴾ (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين.
و ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا ﴿ تتقون ﴾ (ه) ﴿ من بعد ذلك ﴾ (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿ الخاسرين ﴾ (ه) ﴿ خاسئين ﴾ (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء ﴿ المتقين ﴾ (ه).
التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ .
واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية ﴿ من آمن ﴾ .
يدل على أن المراد من قوله ﴿ آمنوا ﴾ شيء آخر، كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا ﴾ .
فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد بعيسى مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.
كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد ، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد بالله واليوم الآخر وبمحمد فلهم أجرهم.
وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا.
وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي.
وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر.
واشتقاق اليهود قيل من قولهم ﴿ إنا هدنا إليك ﴾ أي تبنا ورجعنا.
عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب.
وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة.
واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.
وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.
وقيل: لأن عيسى قال للحواريين من أنصاري إلى الله.
واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر.
وكانت العرب يسمون النبي صابئاً لأنه أظهر ديناً على خلاف أديانهم.
عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.
وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات.
وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء.
والثاني أنه خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله .
وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم ، فبين الله أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله .
ومحل ﴿ من آمن ﴾ رفع على أنه مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن".
والمعطوفات عليه.
وخبر "أن" ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط.
قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك.
وقوله ﴿ وإذا أخذنا ميثاقكم ﴾ مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم.
وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق.
وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء.
والمراد ههنا هو هذا العهد.
وإنما قال ﴿ ميثاقكم ﴾ ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً ﴾ أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم.
ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر.
والواو في ﴿ ورفعنا ﴾ إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور.
قيل: الجبل مطلقاً.
وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين.
وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.
﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟
﴿ لعلكم تتقون ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ﴿ ثم توليتم ﴾ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.
ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعد القبول والالتزام.
قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم.
ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد من الكتاب، وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم.
فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله.
ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ ويكون قوله ﴿ فلولا فضل الله ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم.
قوله عز من قائل ﴿ ولقد علمتم ﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد.
لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد".
ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله.
عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.
فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً.
فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك.
فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا.
قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك.
والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.
وقوله ﴿ كونوا ﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ ﴿ وقردة خاسئين ﴾ خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.
عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً.
واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً.
وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات.
وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة.
وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا ﴿ فجعلناها ﴾ أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية.
والنكول عن اليمين الامتناع عنها.
ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها.
ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً.
وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم: أَن ميثاق الله، وعهده على وجهين: عهد خلقه وفطرة، وعهد رسالة ونبوةٍ.
وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ في التوراة أَن يعملوا بما فيها، فنقضوا ذلك العهد لما رأَوا فيها الحدود، والأَحكام، والشرائع كرهوا؛ فرفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا ذلك.
ويحتمل ما ذكرنا من عهد خلقة وفطرة فنقضوا ذلك.
وقوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .
قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة.
وقيل: "بقوة" يعني: بالطاعة له والخضوع.
ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعلَ؛ لأَنه أمرهم - عز وجل - بالقبول له، والأَخذ والعمل بما فيها.
فلو لم يعطهم قوة الأَخذ والقبول له قبل الأَخذ له والفعل، لكان لا يأْمرهم بذلك؛ لأَنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أَنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه غلط عندنا؛ لأَنه لو كان أَعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأَمر به، ثم تذهب عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا تبقى وقتين؛ فدل: أَنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأَخر، ولكن يَكونان معاً.
ولأَنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل إليها معنى، والله أعلم.
والأَصل في ذلك: أَن الله - - قال: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ ومعلوم أَن المرادَ من ذلك الأَخذُ بقوة الآخذ.
ثم فيه وجهان: أَحدهما: أَن للأَخذ قوة غير التي للترك.
والثاني: أَنه ذكر الأَخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أَن يرى أَن الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أَوقاتاً؛ فمثله وقت واحد.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: اذكروا، واحفظوا ما فيه من أَمره ونهيه، ولا تضيعوه؛ لعلكم تتقون المعاصي والمآثم.
ويحتمل: اذكروا ما فيه من التوحيد والإيمان؛ لعلكم تتقون الشرك والكفر.
ويحتمل: اذكروا ما فيه من الأَحكام والشرائع.
ويحتمل: الثواب والعقاب، والوعد والوعيد.
وكله واحد.
وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .
يعني: من بعد القبول.
دل هذا على: أَنهم كانوا قَبِلوا ذلك مرة، قبل أَن يأْتيهم موسى بها؛ فلما أَتاهم - ورأَوا التشديد، والمشقة - أَبوا قبولها، وتركوا العمل بما فيها من الأَحكام والشرائع؛ فخُوِّفُوا برفع الجبل فوقهم؛ فقبلوا ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: قيل: فضل الله عليكم الإسلام ورحمته: القرآن.
وقيل: فضل الله عليكم بمحمد ، بعث إليكم رسولاً؛ ليجمعكم، ويؤلف بينكم، ويدعوكم إلى دين الله الحق، بعد ما كنتم في فترة من الرسل، وانقطاع من الدين والعمل.
ويحتمل: فضل الله عليكم؛ لما أَنجا آباءَكم من العذاب، ولم يرسل عليهم الجبل، وإلا ما توالدتم أَنتم.
وقيل: فضل الله عليكم؛ لما أَعطاهم التوراة، ووفقهم على قبولها، وإلا كنتم من الخاسرين.
وبعضه قريب من بعض.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ .
فيه دلالة إثبات رسالة محمد ؛ كأنه قال: ولقد علمتم أَن محمداً لم يكن يعلم الذين اعتدوا منكم في السبت، ولا كان علم ما فُعِل بهم، ثم علم ذلك؛ فإنما علم بالله - عز وجل - لأَنه لم يكن قرأَ كتابكم، ولا كان يختلف إلى أَحد ممن يعرف ذلك؛ فبالله - عزوجل - عرف ذلك، وبه علم؛ فدل: أَنه رسول الله إليكم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .
أي: علمتم ما أَصاب أُولئك باعتدائهم يومَ السبت بالاصطياد، وكنتم تقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ .
يعني: أَبْناءُ رسل الله وأَحباؤُه.
فلو كان كما تقولون، لم يكن ليجعلهم قردةً - وهي أَقبحُ خلق الله، وأَوخشُه - إذ مثل ذلك لا يُفعل بالأَحبَّاء ولا بالأَبناءِ.
أَو أَن يحمل على التحذير لهؤلاء؛ لئلا يُكذِّبوا محمداً ولا يعصوه في أَمره، فيصيبكم ما أَصاب أولئك؛ بتكذيبهم موسى، وعصيانهم أَمرَه، والله أعلم.
ثم سبب تحريم الاصطياد في السبْت كان - والله أعلم - لما قيل: إنّ موسىَ أراد أن يجعل يوماً لله، خالصاً للطاعة له، والعبادةِ فيه - وهو يوم الجمعة - فخالفوا هم أَمره ونهيَه، وقالوا: نجعل ذلك اليوم السبت؛ لأَنه لم يُخلق لعمل.
فحرم الاصطياد في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردةً؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم فاصطادوا.
وعلى ذلك تأْويل قوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ يعني: يوم الجمعة.
وقيل: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، يعني: في الله.
ثم اختلف فى قوله: ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ : قال قوم: قوله: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ من الأَصل؛ على ذهاب الإنسانية منهم.
وقيل: حَوَّل جَوْهَرهم إلى جوهر القردة، على إبقاءِ الإنسانية فيهم؛ من الفهم والعقل؛ لأَنه قيل: إن الذين كانوا يَنْهَوْنهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا عليهم، فيقولون لهم: أَلم نَنْهكم عن ذلك، ونزجرْكم؟!
فَأَومئوا: أَي نعم.
ودموعهم تفيض على خدودهم.
فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانيه منهم لكانوا لا يفهمون ذلك، ولا حزنوا على ما أَصابهم؛ لأَن كلَّ ذي جوهر راضٍ بجوهره الذي خلقه الله يُسَرّ به.
ولأَن تحويله إياهم قردةً عقوبةً لتمردهم في التكذيب، وجرأَتهم على الله؛ ليعلموا ذلك، ويروا أَنفسهم أَقبحَ خلقِ الله وأَوخشَه.
وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: ليس في خلق الله قبيح.
فلو لم يكن في خلق الله قبيحٌ لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى أَقبح صورةٍ معنىً؛ ليروا قبح أَنفسهم؛ عقوبةً لهم بما عَصَوْا أَمر الله، ودخلوا في نهيه.
وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً ﴾ .
قيل: الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها.
وقوله: ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ .
من أَهل القرية.
وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
حواليها.
وقيل: أَراد بالهاءِ: القرية، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ من القرى، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من القرى.
وقيل: أَراد بالهاءِ: العقوبة والنكالَ، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ يعني: لما مضى من الذنوب.
﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ يعني: ما بَقي، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ .
قيل: الخاسىء: الصاغرُ.
وقيل: الخاسىء: الذليلُ.
وقيل: البعيدُ.
وكله يرجع إلى واحد، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
واذكروا ما أخذنا عليكم من العهد المؤكد، من الإيمان بالله ورسله، ورفعنا الجبل فوقكم تخويفًا لكم وتحذيرًا من ترك العمل بالعهد، آمرين لكم بأخذ ما أنزلنا عليكم من التوراة بجد واجتهاد, دون تهاون وكسل، واحفظوا ما فيه وتدبروه؛ لعلكم بفعل ذلك تتقون عذاب الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.BON65"
أطمع الله تعالى بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعد ما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع، بل الباب الذي يؤدي إلى هذا الرجاء، هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء عليهم السلام وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح.
وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضي بانتهاء السياق، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل، ولذلك عقب ذلك الإطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه.
وأما قوله ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي أن الله تعالى ظلل بني إسرائيل بالطور وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ليذعنوا ويؤمنوا.
ثم اعترض عليه بعضهم بأنه إكراه على الإيمان وإلجاء إليه وذلك ينافي التكليف، وأجيب بأجوبة منها أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريًا بعد زوال ما به الإكراه، ومنها أن مثل هذا الإلجاء والإكراه كان جائزًا في الأمم السابقة، ويزيد من قال هذا أن نفي الإكراه في الدين خاص بالإسلام لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ وقوله ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ .
ولا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح، فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الإكراه على الإيمان، وإنما حكي عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم فقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ والنتق الزعزعة والهز والجذب والنقض ونتق الشيء ينتقه وينتقه -من بأبي ضرب ونصر- نتقًا جذبه واقتلعه وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعنى الزعزعة والنقض، والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الإيمان وعاهدوا موسى عليه.
فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق كل لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد لأن رؤية الآيات تقوي الإيمان، وتحرك الشعور والوجدان، ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ ﴾ أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف، ولا يصحبها وهن ولا هم، ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾ أي بالمحافظة على العمل به، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخًا في النفس مستقرًا عندها، ويؤثر عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: يهتف العلم بالعمل.
فإن أجابه وإلا ارتحل.
وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملًا غير سالم من إبهام وغموض، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليًا جليًا، ثم ينقلب النظري منه بالتكرار والمواظبة بديهيًا ضروريًا، وبذلك يثبت فلا ينسى.
وأما النسيان فإنه حليف الكفر وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوي فيه من لم تسبق له معرفة بالشيء قط لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر.
ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها، وبين من لم تبلغه البتة ومن بلغته على وجه غير مقنع فلم يؤمن، إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر، وكونه بالمؤاخذة أجدر، والثاني معذور عند الجماهير، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلي منزلة الجاحد المعاند، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة، حتى إذا لقي ربه قال (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟
قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).
إن في هذا لعبرة لقراء القرآن الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيه للقرآن وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن وهذا شر نوعي النسيان.
وقد ضرب له الإمام الغزالي مثل عبيد قطعهم سيدهم بستانًا وكلفهم بإصلاحه وعمارته وكتب لهم كتابًا يبين لهم كيف يسيرون في هذا الإصلاح وكيف تكون حياتهم فيه ووعدهم بمكافأة أجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه والتغني بلفظه وتكرار تلاوته بدون مبالاة بالأمر والنهي ولا اعتبار بالوعد والوعيد، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل.
فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم وقاطع لألسنة العند منهم؟؟
أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله ، فقال ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله تعالى فتكون بها تقية نقية، راضية مرضية ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ .
وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من هداية، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب وتستكين لها النفوس ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا وهي التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنًا وعسلًا، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابًا وخير أملًا، فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك.
<div class="verse-tafsir"