الآية ٦٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٤ من سورة البقرة

ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٦٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 76 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( ثم توليتم من بعد ذلك ) يقول تعالى : ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه ( فلولا فضل الله عليكم ورحمته ) أي : توبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ( لكنتم من الخاسرين ) بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (ثم توليتم): ثم أعرضتم.

وإنما هو " تفعلتم " من قولهم: " ولاني فلان دبره " إذا استدبر عنه وخلفه خلف ظهره.

ثم يستعمل ذلك في كل تارك طاعة أمر بها، ومعرض بوجهه.

(36) يقال: " قد تولى فلان عن طاعة فلان, وتولى عن مواصلته "، ومنه قول الله جل ثناؤه: فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [ التوبة: 76]، يعني بذلك: خالفوا ما كانوا وعدوا الله من قولهم: لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ &; 2-163 &; [ التوبة: 75]، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم * * * ومن شأن العرب استعارة الكلمة ووضعها مكان نظيرها, كما قال أبو خراش الهذلي: (37) فليس كعهــد الــدار يـا أم مـالك ولكـن أحـاطت بالرقـاب السلاسـل (38) وعــاد الفتـى كـالكهل ليس بقـائل سـوى الحق شيئا واسـتراح العواذل (39) يعني بقوله: " أحاطت بالرقاب السلاسل "، أن الإسلام صار - في منعه إيانا ما كنا نأتيه في الجاهلية، مما حرمه الله علينا في الإسلام - بمنـزلة السلاسل المحيطة برقابنا، التي تحول بين من كانت في رقبته مع الغل الذي في يده، وبين ما حاول أن يتناوله.

ونظائر ذلك في كلام العرب أكثر من أن تحصى.

فكذلك قوله: (ثم توليتم &; 2-164 &; من بعد ذلك)، يعني بذلك: أنكم تركتم العمل بما أخذنا ميثاقكم وعهودكم على العمل به بجد واجتهاد، بعد إعطائكم ربكم المواثيق على العمل به، والقيام بما أمركم به في كتابكم، فنبذتموه وراء ظهوركم.

وكنى بقوله جل ذكره: " ذلك "، عن جميع ما قبله في الآية المتقدمة, أعني قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ .

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ذكره: (فلولا فضل الله عليكم)، فلولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة = بعد نكثكم الميثاق الذي واثقتموه - إذ رفع فوقكم الطور - بأنكم تجتهدون في طاعته, وأداء فرائضه, والقيام بما أمركم به, والانتهاء عما نهاكم عنه في الكتاب الذي آتاكم, فأنعم عليكم بالإسلام ورحمته التي رحمكم بها - وتجاوز عنكم خطيئتكم التي ركبتموها - بمراجعتكم طاعة ربكم = لكنتم من الخاسرين.

وهذا، وإن كان خطابا لمن كان بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنما هو خبر عن أسلافهم, فأخرج الخبر مخرج المخبر عنهم - على نحو ما قد بينا فيما مضى، من أن القبيلة من العرب تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب بأسلاف المخاطَب, فتضيف فعل أسلاف المخاطِب إلى نفسها, فتقول: فعلنا بكم, وفعلنا بكم.

وقد ذكرنا بعض الشواهد في ذلك من شعرهم فيما مضى.

(40) * * * وقد زعم بعضهم أن الخطاب في هذه الآيات، إنما أخرج بإضافة الفعل إلى المخاطبين به، والفعل لغيرهم، لأن المخاطبين بذلك كانوا يتولون من كان فعل ذلك من أوائل بني إسرائيل, فصيرهم الله منهم من أجل ولايتهم لهم.

* * * وقال بعضهم: إنما قيل ذلك كذلك, لأن سامعيه كانوا عالمين -وإن كان الخطاب خرج خطابا للأحياء من بني إسرائيل وأهل الكتاب- (41) أن المعنى في ذلك إنما هو خبر عما قص الله من أنباء أسلافهم.

فاستغنى بعلم السامعين بذلك، عن ذكر أسلافهم بأعيانهم.

ومثل ذلك يقول الشاعر: (42) إذ مــا انتسـبنا لـم تلـدني لئيمـة ولـم تجـدي مـن أن تقـري بـه بدا (43) فقال: " إذا ما انتسبنا ", و " إذا " تقتضي من الفعل مستقبلا ثم قال: " لم تلدني لئيمة ", فأخبر عن ماض من الفعل.

وذلك أن الولادة قد مضت وتقدمت.

وإنما فعل ذلك - عند المحتج به - لأن السامع قد فهم معناه.

فجعل ما ذكرنا - من خطاب الله أهل الكتاب الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، بإضافة أفعال أسلافهم إليهم - نظير ذلك.

والأول الذي قلنا، هو المستفيض من كلام العرب وخطابها.

* * * وكان أبو العالية يقول في قوله: (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) - فيما ذكر لنا - نحو القول الذي قلناه.

1136 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو النضر, عن الربيع, عن أبي العالية: (فلولا فضل الله عليكم ورحمته)، قال: " فضل الله "، الإسلام," ورحمته "، القرآن.

1137 - وحدثت عن عمار، قال، حدثنا ابن أبي جعفر [عن أبيه], عن الربيع بمثله.

(44) * * * القول في تأويل قوله تعالى : لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) قال أبو جعفر: فلولا فضل الله عليكم ورحمته إياكم - بإنقاذه إياكم بالتوبة عليكم من خطيئتكم وجرمكم - لكنتم الباخسين أنفسكم حظوظها دائما, الهالكين بما اجترمتم من نقض ميثاقكم، وخلافكم أمره وطاعته.

وقد تقدم بياننا قبل بالشواهد، عن معنى " الخسار " بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

(45) ---------------- الهوامش : (36) في المطبوعة : "طاعة أمر : عز وجل" ، بزيادة الثناء على ربنا سبحانه ، وعلى أن"أمر" مبني للمعلوم .

وهذا مخالف للسياق ، وسهو من النساخ .

(37) كان في المطبوعة : "قال أبو ذؤيب الهذلي" ، وهو خطأ فاضح ، لا يقع في مثله مثل أبي جعفر .

(38) ديوان الهذليين 2 : 150 ، وسيرة ابن هشام 4 : 116 ، والأغاني 21 : 41 ، والكامل 1 : 267 .

وهي أبيات جياد في رثاء صديق .

وذلك أن زهير بن العجوة الهذلي من بني عمرو بن الحارث - وكان ابن عم ابي خراش ، وله صديقا - خرج يطلب الغنائم يوم حنين فأسر ، وكتف في أناس أخذهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرآه جميل بن معمر الجمحي - وكانت بينهما إحنة في الجاهلية - فقال له : أنت الماشي لنا بالمغايظ؟

فضرب عنقه ، فقال أبو خراش يرثيه .

وقال لجميل بن معمر : وإنــك لــو واجهتــه إذ لقيتــه فنازلتــه, أو كــنت ممـن ينـازل لظــل جــميل أسـوأ القـوم تلـة ولكـن قـرن الظهـر للمـرء شـاغل فليس كعهــــد .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وفي المطبوعة : "فليس لعهد الدار" خطأ .

ويعني بقوله : "الدار" : مكة وما حولها وما جاورها .

يقول : ليس الأمر كما عهدت بها وعهدتا ، جاء الإسلام فهدم ذلك كله .

(39) يقول : فارق الفتى أخلاق فتوته وعرامه ، وصار كالكهل في أناته وتثبته ، فإن الدين قد وقذ الفتيان ذوى البأس وسكنهم من مخافة عقاب ربهم في القتل من غير قتال ومعركة .

فاستراحت العواذل لأنهن أصبحن لا يجدن ما يعذلن فيه أزواجهن من التعرض للهلاك .

(40) انظر ما مضى في هذا الجزء 2 : 38 - 39 .

(41) في المطبوعة : "إذ المعنى في ذلك .

.

" ، وهو كلام لا يستقيم .

وسياق الجملة يقتضي أن توضع"أن" مكان"إذ" أي : "لأن سامعيه كانوا عالمين .

.

أن المعنى في ذلك .

.

" ، وما بينهما فصل واعتراض .

(42) في حاشية الأمير على مغنى اللبيب 1 : 25 قال : "في حاشية السيوطي" قائله زائدة ابن صعصعة الفقعسي ، يعرض بزوجته ، وكانت أمها سرية" ، ولم ينسبه السيوطي في شرحه على شواهد المغنى : 33 .

(43) سيأتي في هذا الجزء 1 : 333 (بولاق) ، وفي 3 : 49 (بولاق) ، ومعانى الفراء : 61 ، 178 وقبل البيت يقول لامرأته .

رمتنـى عـن قـوس العـدو, وباعدت عبيــدة, زاد اللـه مـا بيننـا بعـدا (44) ما بين القوسين زيادة لا بد منها ، وانظر آخر إسناد عن عمار بن الحسن رقم : 1134 .

(45) انظر ما مضى 1 : 417 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ثم توليتم تولى تفعل ، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء ومجازا .وقوله : من بعد ذلك أي : من بعد البرهان ، وهو أخذ الميثاق ورفع الجبل .

وقوله : فلولا فضل الله عليكم " فضل " مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف لا يجوز إظهاره ؛ لأن العرب استغنت عن إظهاره ، إلا أنهم إذا أرادوا إظهاره جاءوا ب " أن " ، فإذا جاءوا بها لم يحذفوا الخبر .

والتقدير : فلولا فضل الله تدارككم ." ورحمته " عطف على فضل أي : لطفه وإمهاله .

" لكنتم " جواب " لولا " " من الخاسرين " خبر كنتم .

والخسران : النقصان ، وقد تقدم .

وقيل : فضله قبول التوبة ، ورحمته العفو .

والفضل : الزيادة على ما وجب .

والإفضال : فعل ما لم يجب .

قال ابن فارس في المجمل : الفضل الزيادة والخير ، والإفضال : الإحسان .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فبعد هذا التأكيد البليغ { تَوَلَّيْتُمْ } وأعرضتم, وكان ذلك موجبا لأن يحل بكم أعظم العقوبات، ولكن { لَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{ثم توليتم} أعرضتم.

{من بعد ذلك} من بعد ما قبلتم التوراة.

{فلولا فضل الله عليكم ورحمته} يعني بالإمهال وإدراج وتأخير العذاب عنكم.

{لكنتم} لصرتم.

{من الخاسرين} من المغبونين بالعقوبة وذهاب الدنيا والآخرة.

وقيل: من المعذبين في الحال لأنه رحمهم بالإمهال.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ثم توليتم» أعرضتم «من بعد ذلك» الميثاق عن الطاعة «فلولا فضل الله عليكم ورحمته» لكم بالتوبة أو تأخير العذاب «لكنتم من الخاسرين» الهالكين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ثم خالفتم وعصيتم مرة أخرى، بعد أَخْذِ الميثاق ورَفْع الجبل كشأنكم دائمًا.

فلولا فَضْلُ الله عليكم ورحمته بالتوبة، والتجاوز عن خطاياكم، لصرتم من الخاسرين في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله تعالى : ( ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذلك ) بيان لنقضهم وإعراضهم عن العمل بالميثاق الذي أخذ عليهم ، ونبذوه خلف ظهورهم .والمشار إليه بقوله تعالى : ( ذلك ) أخذ الميثاق عليهم ، وقبول ما أوتوه من الكتاب ، والمعنى : ثم أعرضتم وانصرفتم عن طاعتي بعد أخذ الميثاق عليكم ، ومشاهدتكم للآيات التي تستكين لها القلوب؛ لأن قلوبكم كالحجارة أو أشد قسوة .وقوله تعالى : ( فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ الخاسرين ) تصريح بما حباهم به - سبحانه - من رأفة بهم ، وقبول لتوبتهم ، وعفو عن خطيئاتهم ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إنكم بإعراضكم عن طاعتي ، ونقضكم لعهدي ، وإهمالكم العمل بكتابي ، وعدم تأثركم بآياتي ونذري ، قد استحققتم غضبي وعذابي ، ولكن حال دون حلولهما بكم .

فضلى الذي تدارككم ورحمتي التي وسعتكم ، ولطفي وإمهالي لكم ، ولولا ذلك لكنتم من الخاسرين في دنياكم وآخرتكم ، بسبب ما أجترحتم من نقض ميثاقكم .وبذلك تكون الآيتان قد ذكرتا بني إسرائيل المعاصرين للعهد النبوي بما كان من أسلافهم من جحود النعمة ، ونقض للعهد ، وفي هذا التذكير تحذير لهم من السير على طريقتهم ، ودعوة لهم إلى الدخول في الإِسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو الإنعام العاشر وذلك لأنه تعالى إنما أخذ ميثاقهم لمصلحتهم فصار ذلك من إنعامه عليهم: أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ ففيه بحثان: الأول: اعلم أن الميثاق إنما يكون بفعل الأمور التي توجب الانقياد والطاعة، والمفسرون ذكروا في تفسير الميثاق وجوهاً، أحدها: ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته والدلائل الدالة على صدق أنبيائه ورسله، وهذا النوع من المواثيق أقوى المواثيق والعهود لأنها لا تحتمل الخلف والتبديل بوجه ألبتة وهو قول الأصم.

وثانيها: ما روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن موسى عليه السلام لما رجع من عند ربه بالألواح قال لهم: إن فيها كتاب الله فقالوا: لن نأخذ بقولك حتى نرى الله جهرة فيقول: هذا كتابي فخذوه فأخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحياهم ثم قال لهم بعد ذلك: خذوا كتاب الله فأبوا فرفع فوقهم الطور وقيل لهم: خذوا الكتاب وإلا طرحناه عليكم، فأخذوه فرفع الطور هو الميثاق، وذلك لأن رفع الطور آية باهرة عجيبة تبهر العقول وترد المكذب إلى التصديق والشاك إلى اليقين، فلما رأوا ذلك وعرفوا أنه من قبله تعالى علماً لموسى عليه السلام علماً مضافاً إلى سائر الآيات أقروا له بالصدق فيما جاء به وأظهروا التوبة وأعطوا العهد والميثاق أن لا يعودوا إلى ما كان منهم من عبادة العجل وأن يقوموا بالتوراة فكان هذا عهداً موثقاً جعلوه لله على أنفسهم، وهذا هو اختيار أبي مسلم.

وثالثها: أن لله ميثاقين، فالأول: حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم، والثاني: أنه ألزم الناس متابعة الأنبياء والمراد هاهنا هو هذا العهد.

هذا قول ابن عباس وهو ضعيف.

الثاني: قال القفال رحمه الله: إنما قال: (ميثاقكم) ولم يقل مواثيقكم لوجهين، أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  ﴾ أي كل واحد منكم.

والثاني: أنه كان شيئاً واحداً أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقاً واحداً ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا فوقكم الطور ﴾ فنظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ  ﴾ وفيه أبحاث: البحث الأول: الواو في قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا ﴾ واو عطف على تفسير ابن عباس والمعنى أن أخذ الميثاق كان متقدماً فلما نقضوه بالامتناع عن قبول الكتاب رفع عليهم الجبل، وأما على تفسير أبي مسلم فليست واو عطف ولكنها واو الحال كما يقال: فعلت ذلك والزمان زمان فكأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم.

الثاني: قيل: إن الطور كل جبل قال العجاج: داني جناحيه من الطور فمر *** تقضي البازي إذا البازي كسر أما الخليل فقال في كتابه: إن الطور اسم جبل معلوم وهذا هو الأقرب لأن لام التعريف فيه تقتضي حمله على جبل معهود عرف كونه مسمى بهذا الاسم، والمعهود هو الجبل الذي وقعت المناجاة عليه وقد يجوز أن ينقله الله تعالى إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم لأن القادر أن يسكن الجبل في الهواء قادر أيضاً على أن يقلعه وينقله إليهم من المكان البعيد، وقال ابن عباس: أمر تعالى جبلاً من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام فوقهم كالظلة وكان المعسكر فرسخاً في فرسخ فأوحى الله إليهم أن اقبلوا التوراة وإلا رميت الجبل عليكم، فلما رأوا أن لا مهرب قبلوا التوراة بما فيها وسجدوا للفزع سجوداً يلاحظون الجبل، فلذلك سجدت اليهود على أنصاف وجوههم.

الثالث: من الملاحدة من أنكر إمكان وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد وأما الأرض فقالوا إنما وقفت لأنها بطبعها طالبة للمركز فلا جرم وقفت في المركز، ودليلنا على فساد قولهم أنه سبحانه قادر على كل الممكنات ووقوف الثقيل في الهواء من الممكنات فوجب أن يكون الله قادراً عليه وتمام تقرير هاتين المقدمتين معلوم في كتب الأصول.

الرابع: قال بعضهم: إظلال الجبل غير جائز لأن ذلك لو وقع لكان يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان وهو ينافي التكليف.

أجاب القاضي بأنه لا يلجيء لأن أكثر ما فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة وقد شاهدوا السموات مرفوعة فوقهم بلا عماد جاز هاهنا أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف.

أما قوله تعالى: ﴿ خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل، قال الجبائي: هذا يدل على أن الاستطاعة قبل الفعل لأنه لا يجوز أن يقال: خذ هذا بقوة ولا قوة حاصلة كما لا يقال: اكتب بالقلم ولا قلم، وأجاب أصحابنا بأن المراد: خذوا ما آتيناكم بجد وعزيمة وعندنا العزيمة قد تكون متقدمة على الفعل.

وأما قوله تعالى: ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ أي احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه.

فإن قيل: هلا حملتموه على نفس الذكر؟

قلنا: لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله تعالى فكيف يجوز الأمر به.

فأما إذا حملناه على المدارسة فلا إشكال.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ أي لكي تتقوا، واحتج الجبائي بذلك على أنه تعالى أراد فعل الطاعة من الكل، وجوابه ما تقدم.

واعلم أن المفهوم من قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتيناكم بِقُوَّةٍ ﴾ أنهم فعلوا ذلك وإلا لم يكن ذلك أخذاً للميثاق ولا صح قوله من بعد: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ فدل ذلك منهم على القبول والالتزام.

أما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك ﴾ أي ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به، قال القفال رحمه الله: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل بها وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى ويجاهرون بالمعاصي في معسكرهم ذلك حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرون بها ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس وكفروا بالمسيح وهموا بقتله.

والقرآن وإن لم يكن فيه بيان ما تولوا به عن التوراة فالجملة معروفة وذلك إخبار من الله تعالى عن عناد أسلافهم فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام من الكتاب وجحودهم لحقه وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مّنَ الخاسرين ﴾ ففيه بحثان: الأول: ذكر القفال في تفسيره وجهين: الأول: لولا ما تفضل الله به عليكم من إمهالكم وتأخير العذاب عنكم لكنتم من الخاسرين أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، فدل هذا القول على أنهم إنما خرجوا عن هذا الخسران لأن الله تعالى تفضل عليهم بالإمهال حتى تابوا.

الثاني: أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك ﴾ ثم قيل: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم الكتاب ولكنه تفضل عليكم ورحمكم فلطف بكم بذلك حتى تبتم.

البحث الثاني: أن لقائل أن يقول كلمة ﴿ لَوْلاَ ﴾ تفيد انتفاء الشيء لثبوت غيره، فهذا يقتضي أن انتفاء الخسران من لوازم حصول فضل الله تعالى فحيث حصل الخسران وجب أن لا يحصل هناك لطف الله تعالى.

وهذا يقتضي أن الله تعالى لم يفعل بالكافر شيئاً من الألطاف الدينية وذلك خلاف قول المعتزلة: أجاب الكعبي بأنه تعالى سوى بين الكل في الفضل لكن انتفع بعضهم دون بعض، فصح أن يقال ذلك كما يقول القائل لرجل وقد سوى بين أولاده في العطية فانتفع بعضهم: لولا أن أباك فضلك لكنت فقيراً، وهذا الجواب ضعيف لأن أهل اللغة نصوا على أن: لولا تفيد اتنفاء الشيء لثبوت غيره وبعد ثبوت هذه المقدمة فكلام الكعبي ساقط جداً.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم ﴾ بالعمل على ما في التوراة ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق.

وذلك أن موسى عليه السلام جاءهم بالألواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة، فكبرت عليهم وأبوا قبولها، فأمر جبريل فقلع الطور من أصله، ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا أُلقي عليكم، حتى قبلوا.

﴿ خُذُواْ ﴾ على إرادة القول ﴿ مَا ءاتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ بجدّ وعزيمة ﴿ واذكروا مَا فِيهِ ﴾ واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا.

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ بتوفيقكم للتوبة لخسرتم.

وقرئ: ﴿ خذوا ما آتيتكم، وتذكروا ﴾ و ﴿ واذكروا ﴾ و ﴿ السبت ﴾ مصدر سبتت اليهودإذا عظمت يوم السبت.

وإن ناساً منهم اعتدوا فيه أي جاوزوا ما حدّ لهم فيه من التجرّد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد.

وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرّقت.

كما قال: ﴿ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كذلك نَبْلُوهُم ﴾ [الأعراف: 163] فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم.

﴿ قِرَدَةً خاسئين ﴾ خبران أي كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو الصغار والطرد ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ يعني المسخة ﴿ نكالا ﴾ عبرة تنكل من اعتبر بها أي تمنعه.

ومنه النكل: القيد ﴿ لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ لما قبلها ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ وما بعدها من الأمم والقرون لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين: أو أريد بما بين يديها: ما بحضرتها من القرى والأمم.

وقيل نكالاً: عقوبة منكلة لما بين يديها لأجل ما تقدّمها من ذنوبهم وما تأخر منها ﴿ وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ ﴾ للذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق سمعها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ بِاتِّباعِ مُوسى والعَمَلِ بِالتَّوْراةِ.

﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ حَتّى أعْطَيْتُمُ المِيثاقَ، رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ وأبَوْا قَبُولَها، فَأمَرَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَلَعَ الطُّورَ فَظَلَّلَهُ فَوْقَهم حَتّى قَبِلُوا.

﴿ خُذُوا ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ: ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ مِنَ الكِتابِ بِقُوَّةٍ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ.

﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ادْرُسُوهُ ولا تَنْسَوْهُ، أوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ فَإنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ، أوِ اعْمَلُوا بِهِ.

﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ، أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَكُونُوا مُتَّقِينَ.

ويَجُوزُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِالقَوْلِ المَحْذُوفِ، أيْ: قُلْنا خُذُوا واذْكُرُوا إرادَةَ أنْ تَتَّقُوا.

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ.

﴿ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ، أوْ بِمُحَمَّدٍ  يَدْعُوكم إلى الحَقِّ ويَهْدِيكم إلَيْهِ.

﴿ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ المَغْبُونِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ والضَّلالِ في فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ.

ولَوْ في الأصْلِ لِامْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، فَإذا دَخَلَ عَلى (لا) أفادَ إثْباتًا وهو امْتِناعُ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ واجِبُ الحَذْفِ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ثمّ تولّيتم} ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به {مِن بَعْدِ ذلك} من بعد القبول {فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بتأخير العذاب عنك أو

بتوفيقكم للتوبة {لَكُنتُم مّنَ الخاسرين} الهالكين فى العذاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ بَعْدَ أخْذِهِ، وخالَفْتُمْ، وأصْلُ التَّوَلِّي الإعْراضُ المَحْسُوسُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ المَعْنَوِيِّ كَعَدَمِ القَبُولِ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُمُ امْتَثَلُوا الأمْرَ ثُمَّ تَرَكُوهُ.

﴿ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ الفَضْلُ التَّوْفِيقُ لِلتَّوْبَةِ والرَّحْمَةُ قَبُولُها، أوِ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ بَعْثَةُ رَسُولِ اللَّهِ  ، وإدْراكُهم لِمُدَّتِهِ، فالخِطابُ عَلى الأوَّلِ جارٍ عَلى سُنَنِ الخِطاباتِ السّابِقَةِ مَجازًا بِاعْتِبارِ الأسْلافِ، وعَلى الثّانِي جارٍ عَلى الحَقِيقَةِ، والخُسْرانُ ذَهابُ رَأْسِ المالِ، أوْ نَقْصُهُ، والمُرادُ: لَكُنْتُمْ مَغْبُونِينَ هالِكِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي، أوْ بِالخَبْطِ في مَهاوِي الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ، وكَلِمَةُ (لَوْلا) إمّا بَسِيطَةً أوْ مُرَكَّبَةً مِن (لَوِ) الِامْتِناعِيَّةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها، وحَرْفِ النَّفْيِ، والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَها عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا لِدِلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، وسَدَّ الجَوابُ مَسَدَّهُ، والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ ورَحْمَتُهُ حاصِلانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ خَبْرًا لِكَوْنِهِ في الأغْلَبِ خالِيًا عَنِ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: لَوْلا ثَبَتَ فَضْلُ اللَّهِ تَعالى إلَخْ، ولَكُنْتُمْ جَوابُ لَوْلا، ويَكْثُرُ دُخُولُ اللّامِ عَلى الجَوابِ إذا كانَ مُوجَبًا، وقِيلَ: إنَّهُ لازِمٌ إلّا في الضَّرُورَةِ، كَقَوْلِهِ: لَوْلا الحَياءُ ولَوْلا الدِّينُ عِبْتُكُما بِبَعْضِ ما فِيكُما إذْ عِبْتُما عَوَرِي وجاءَ في كَلامِهِمْ بَعْدَ اللّامِ (قَدْ) كَقَوْلِهِ: لَوْلا الأمِيرُ ولَوْلا خَوْفُ طاعَتِهِ ∗∗∗ لَقَدْ شَرِبْتُ وما أحْلى مِنَ العَسَلِ وقَدْ جاءَ أيْضًا حَذْفُ اللّامِ، وإبْقاءُ قَدْ، نَحْوُ: لَوْلا زَيْدٌ قَدْ أكْرَمْتُكَ، ولَمْ يَجِئْ في القُرْآنِ مُثْبَتًا إلّا بِاللّامِ، إلّا فِيما زَعَمَ بَعْضُهم أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وهَمَّ بِها ﴾ جَوابُ لَوْلا، قُدِّمَ عَلَيْها هَذا، * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ في الآيَةِ: وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمُ المَأْخُوذُ بِدَلائِلِ العَقْلِ بِتَوْحِيدِ الأفْعالِ والصِّفاتِ، ورَفَعْنا فَوْقَكم طُورَ الدِّماغِ لِلتَّمَكُّنِ مِن فَهْمِ المَعانِي، وقَبُولِها، أوْ أشارَ سُبْحانَهُ بالطُّورِ إلى مُوسى القَلْبِ، وبِرَفْعِهِ إلى عُلُوِّهِ واسْتِيلائِهِ في جَوِّ الإرْشادِ، وقُلْنا: خُذُوا أيِ اقْبَلُوا، وما آتَيْناكم مِن كِتابِ العَقْلِ الفُرْقانِيِّ بِجِدٍّ، وعُوا ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَعارِفِ والعُلُومِ والشَّرائِعِ لِكَيْ تَتَّقُوا الشِّرْكَ والجَهْلَ والفِسْقَ، ثُمَّ أعْرَضْتُمْ بِإقْبالِكم إلى الجِهَةِ السُّفْلِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَوْلا حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى بِإمْهالِهِ وحُكْمِهِ بِإفْضالِهِ لَعاجَلَتْكُمُ العُقُوبَةُ، ولَحَلَّ بِكم عَظِيمُ المُصِيبَةِ.

؎إلى اللَّهِ يُدْعى بِالبَراهِينِ مَن أبى فَإنْ لَمْ يُجِبْ بادَتْهُ بِيضُ الصَّوارِمِ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ، قال ابن عباس: هما ميثاقان الميثاق الأول: حين أخرجهم من صلب آدم-  - والميثاق الثاني: الذي أخذ في التوراة وسائر الكتب.

وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وذلك أن موسى-  -، لما أتاهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التغليظ والأمر والنهي، شق ذلك عليهم فأبوا أن يقبلوها.

وإن الله تعالى قد منّ على هذه الأمة حيث فرض عليهم الفرائض واحداً بعد واحد، ولم يفرض عليهم جملة، فإذا استقر الواحد في قلوبهم فرض الآخر.

وأما بنو إسرائيل، فقد فرض عليهم دفعة واحدة فشق ذلك عليهم ولم يقبلوا، فأمر الله تعالى الملائكة فرفعوا جبلاً من جبال فلسطين فوق رؤوسهم، وكان عسكر موسى فرسخاً في فرسخ والجبل مثل ذلك، فلما رأوا أنه لا مهرب لهم منه، قبلوا التوراة وسجدوا من المهابة والفزع، وهم يلاحظون في سجودهم الجبل، فمن ذلك يسجد بعض اليهود على أنصاف وجوههم، فذلك قوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ.

والطور: اسم جبل بالسريانية: ويقال: هو جبل ذو أشجار.

ثم قال تعالى: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ، أي قيل لهم: اعملوا بما آتيناكم بجد ومواظبة واعملوا في طاعة الله وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ.

قال بعضهم: اعملوا بما فيه.

وقال بعضهم: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب، لكي يسهل عليكم القبول.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أي لكي تتقوا عقوبته في المعصية فتمتنعوا عنها.

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، أي أعرضتم مِن بَعْدِ ذلك الإقرار، يعني من بعد ما رفع عنكم الجبل.

فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، أي منّ الله عليكم وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب، لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة.

ويقال: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال الرسل إليكم لكيلا تقيموا على الكفر، لكنتم من الخاسرين بالعقوبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤)

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ...

الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة «١» ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز «٢» ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس «٣» ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير «٤» .

ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ.

انتهى.

وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ «٥» .

مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى:

الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.

وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين «١» ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن «٢» ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم.

انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «٣» معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ.

انتهى.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم

للشنعة «١» ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.

ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ...

الآية.

اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.

فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا صلّى الله عليه وسلم، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:

هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: ١٥٦] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.

قال ص «٢» : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع «٣» بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]

إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ...

وهند مثلها يصبي «٤»

انتهى.

قال ع «٥» : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.

وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل

الكتاب «١» ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم «٢» ، وقال ابنُ جْرَيْج «٣» : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة «٤» ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ «٥» ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان «٦» ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ «٧» .

وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ...

الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه.

قاله ابنُ عبَّاس «٨» ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ «٩» ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ «١٠» طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ العَمَلِ بِما فِيهِ مِن بَعْدِ إعْطاءِ المَواثِيقِ لَتَأْخُذُنَّهُ بِجِدٍّ، فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ بِالعُقُوبَةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَصارى والصابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِن الخاسِرِينَ ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بـِ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: هُمُ المُنافِقُونَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وقَرَنَهم بِاليَهُودِ والنَصارى والصابِئِينَ، ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمُ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن جَمِيعِهِمْ، فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ ﴾ -فِي المُؤْمِنِينَ المَذْكُورِينَ- مَن حَقَّقَ وأخْلَصَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ المَذْكُورَةِ مَن دَخَلَ في الإيمانِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ يَكُونُ فِيهِمْ، بِمَعْنى: مَن ثَبَتَ ودامَ، وفي سائِرِ الفِرَقِ بِمَعْنى مَن دَخَلَ فِيهِ.

وقالَ السُدِّيُّ: هم أهْلُ الحَنِيفِيَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا  كَزَيْدَ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وقَسِّ بْنِ ساعِدَةَ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلَ، ﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا  ، إلّا مَن كَفَرَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، "والنَصارى" كَذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَلْحَقْ مُحَمَّدًا  ، "والصابِئِينَ" كَذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وذَكَرَ لَهُ الطَبَرِيُّ قِصَّةً طَوِيلَةً، وحَكاها أيْضًا ابْنُ إسْحاقَ، مُقْتَضاها: أنَّهُ صَحِبَ عُبّادًا مِنَ النَصارى فَقالَ لَهُ آخِرُهُمْ: إنَّ زَمانَ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، فَإنْ لَحِقَتْهُ فَآمَنَ بِهِ، ورَأى مِنهم عِبادَةً عَظِيمَةً، فَلَمّا جاءَ إلى النَبِيِّ  وأسْلَمَ، ذَكَرَ لَهُ خَبَرَهُمْ، وسَألَهُ عنهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، وقَرَّرَ اللهُ بِها أنَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ  ، ومَن بَقِيَ عَلى يَهُودِيَّتِهِ ونَصْرانِيَّتِهِ وصابِئِيَّتِهِ، وهو يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلَهُ أجْرُهُ، ثُمَّ نَسَخَ ما قَرَّرَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ  ﴾ ورُدَّتِ الشَرائِعُ كُلُّها إلى شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ  .

﴿ والَّذِينَ هادُوا ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وسُمُّوا بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ إنّا هُدْنا إلَيْكَ  ﴾ أيْ: تُبْنا، فاسْمُهم عَلى هَذا مِن هادَ، يَهُودُ.

وقالَ الشاعِرُ: إنِّي امْرُؤٌ مِن مِدْحَتِي هائِدٌ أيْ تائِبٌ، وقِيلَ: نُسِبُوا إلى يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، فَلَمّا عُرِّبَ الِاسْمُ لَحِقَهُ التَغْيِيرُ كَما تُغَيِّرُ العَرَبُ في بَعْضِ ما عَرَّبَتْ مِن لُغَةِ غَيْرِها، وحَكى الزَهْراوِيُّ: أنَّ التَهْوِيدَ النُطْقُ في سُكُونٍ ووَقارٍ ولِينٍ، وأنْشَدَ: وخُودٌ مِنَ اللائِي تَسَمَّعْنَ بِالضُحى ∗∗∗ قَرِيضُ الرُدافى بِالغِناءِ المُهَوَّدِ قالَ: ومِن هَذا سُمِّيَتِ اليَهُودُ.

وقَرَأ أبُو السَمالِ "هادُوا" بِفَتْحِ الدالِ.

"والنَصارى" لَفْظَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ النَصْرِ، إمّا لِأنَّ قَرْيَتَهم تُسَمّى ناصِرَةً، ويُقالُ: نَصَرْيا، ويُقالُ: نَصَرْتا، وإمّا لِأنَّهم تَناصَرُوا، وإمّا لِقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ مَن أنْصارِي إلى اللهِ  ﴾ : قالَ سِيبَوَيْهِ: واحِدُهم نَصْرانُ، ونَصْرانَةُ كَنَدْمانُ ونَدْمانَةُ ونَدامى، وأنْشَدَ: فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسَها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ: يَظَلُّ إذا دارَ العَشِيُّ مُحَنَّفًا ∗∗∗ ويُضَحِّي لَدَيْها وهو نَصْرانُ شامِسُ قالَ سِيبَوَيْهِ: إلّا أنَّهُ لا يُسْتَعْمَلُ في الكَلامِ إلّا بِياءِ نَسَبٍ، قالَ الخَلِيلُ: واحِدُ النَصارى نَصْرِيُّ كَمُهْرِيُّ ومَهارى.

والصابِئُ في اللُغَةِ" مَن خَرَجَ مِن دِينٍ إلى دِينٍ، ولِهَذا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ لِمَن أسْلَمَ: قَدْ صَبَأ، وقِيلَ: إنَّها سَمَّتْهم بِذاكَ لَمّا أنْكَرُوا الآلِهَةَ، تَشْبِيهًا بِالصابِئِينَ في المُوصِلِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم بِرٌّ إلّا قَوْلُهُمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ".

وطائِفَةٌ هَمَزَتْهُ وجَعَلَتْهُ مِن صَبَأتِ النُجُومُ إذا طَلَعَتْ وصَبَأتْ ثَنْيَةُ الغُلامِ إذا خَرَجَتْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: يُقالُ: صَبَأتْ عَلى القَوْمِ بِمَعْنى طَرَأتْ، فالصابِئُ التارِكُ لِدِينِهِ الَّذِي شَرَعَ لَهُ، إلى دِينِ غَيْرِهِ، كَما أنَّ الصابِئَ عَلى القَوْمِ تارِكٌ لِأرْضِهِ ومُنْتَقِلٌ إلى سِواها، وبِالهَمْزِ قَرَأ القُرّاءُ غَيْرُ نافِعٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَهْمِزْهُ، ومَن لَمْ يَهْمِزْ جَعَلَهُ مِن صَبا يَصْبُو إذا مالَ، أو يَجْعَلُهُ عَلى قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُهُ إلّا في الشِعْرِ.

وأمّا المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: "والصابِئِينَ" فَقالَ السُدِّيُّ: هم فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هم قَوْمٌ لا دِينَ لَهُمْ، لَيْسُوا بِيَهُودٍ ولا نَصارى، وقالَ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ: هم قَوْمٌ تَرَكَّبَ دِينُهم بَيْنَ اليَهُودِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ لا تُؤْكَلُ ذَبائِحُهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم قَوْمٌ يَقُولُونَ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، ولَيْسَ لَهم عَمَلٌ ولا كِتابٌ، كانُوا بِجَزِيرَةِ المَوْصِلِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقَتادَةُ: هم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى القِبْلَةِ، ويُصَلُّونَ الخَمْسَ، ويَقْرَؤُونَ الزَبُورَ، رَآهم زِيادُ بْنُ أبِي سُفْيانَ فَأرادَ وضْعَ الجِزْيَةِ عنهم حَتّى عَرَفَ أنَّهم يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ.

و"مَن" في قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ" والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" داخِلَةٌ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "مَن"، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، في مَوْضِعِ خَبَرِ "إنَّ"، ويُحْتَمَلُ ويَحْسُنُ أنْ تَكُونَ "مَن" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، ومَعْناها الشَرْطُ، والفاءُ في قَوْلِهِ "فَلَهُمْ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَها، و( لِهَمِّ أجْرِهِمْ ) خَبَرُ "مَن"، والجُمْلَةُ كُلُّها خَبَرُ "إنَّ"، والعائِدُ عَلى "الَّذِينَ" مَحْذُوفٌ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ وتَقْدِيرُهُ: ﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللهِ  ﴾ .

وفي الإيمانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ انْدَرَجَ الإيمانُ بِالرُسُلِ والكُتُبِ، ومِنهُ يَتَفَهَّمُ -لِأنَّ البَعْثَ لَمْ يُعْلَمْ إلّا بِإخْبارِ رُسُلِ اللهِ عنهُ تَبارَكَ وتَعالى.

وجَمَعَ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( لِهَمِّ أجْرِهِمْ )، بَعْدَ أنْ وحَّدَ في ﴿ مَن آمَنَ ﴾ لِأنَّ "مَن" تَقَعُ عَلى الواحِدِ والتَثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَجائِزٌ أنْ يَخْرُجَ ما بَعْدَها مُفْرَدًا عَلى لَفْظِها، أو مُثَنًّى أو مَجْمُوعًا عَلى مَعْناهُ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ  ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى، وكَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللهَ ورَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ  ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ خالِدِينَ فِيها  ﴾ ، فَجَمَعَ عَلى المَعْنى.

وقالَ الفَرَزْدَقُ: تَعالَ فَإنْ عاهَدْتَنِي لا تَخُونُنِي ∗∗∗ نَكُنْ مِثْلَ مَن يا ذِئْبُ يَصْطَحِبانِ فَثَنّى عَلى المَعْنى.

وإذا جَرى ما بَعْدُ مَن عَلى اللَفْظِ فَجائِزٌ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى المَعْنى، وإذا جَرى ما بَعْدَها عَلى المَعْنى فَلَمْ يُسْتَعْمَلْ أنْ يُخالِفَ بِهِ بَعْدُ عَلى اللَفْظِ، لِأنَّ الإلْباسَ يَدْخُلُ في الكَلامِ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "وَلا خَوْفَ" نُصِبَ عَلى التَبْرِئَةِ، وأمّا الرَفْعُ فَعَلى الِابْتِداءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ ﴾ ، "إذْ" مَعْطُوفَةٌ عَلى الَّتِي قَبْلَها، والمِيثاقُ مِفْعالٌ مِن وثَقَ يَثِقُ مِثْلُ مِيزانٍ مِن وزَنَ يَزِنُ.

/ و"الطُورَ" اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي نُوجِيَ مُوسى عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: "الطُورَ" اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ العَجّاجِ: دانى جَناحَيْهِ مِنَ الطُورِ فَمَرَّ ∗∗∗ تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الطُورُ كُلُّ جَبَلٍ يَنْبُتُ، وكُلُّ جَبَلٍ لا يَنْبُتُ فَلَيْسَ بِطُورٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ عَلى أنَّ اللَفْظَةَ عَرَبِيَّةٌ، وقالَ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ: هي سُرْيانِيَّةٌ، اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ.

وقَصَصُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا جاءَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى بِالألْواحِ فِيها التَوْراةُ قالَ لَهُمْ: خُذُوها والتَزِمُوها، فَقالُوا: لا، إلّا أنْ يُكَلِّمَنا اللهُ بِها كَما كَلَّمَكَ، فَصُعِقُوا، ثُمَّ أُحْيُوا، فَقالَ لَهُمْ: خُذُوها، فَقالُوا: لا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ فاقْتَلَعَتْ جَبَلًا مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ طُولُهُ فَرْسَخٌ في مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ كانَ عَسْكَرُهُمْ، فَجُعِلَ عَلَيْهِمْ مِثْلَ الظُلَّةِ، وأخْرَجَ اللهُ تَعالى البَحْرَ مِن ورائِهِمْ وأضْرَمَ نارًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأحاطَ بِهِمْ غَضَبُهُ، وقِيلَ لَهُمْ: خُذُوها وعَلَيْكُمُ المِيثاقُ ألّا تُضَيِّعُوها وإلّا سَقَطَ عَلَيْكُمُالجَبَلُ، وغَرَّقَكُمُ البَحْرُ، وأحْرَقَتْكُمُ النارُ، فَسَجَدُوا تَوْبَةً لِلَّهِ، وأخَذُوا التَوْراةَ بِالمِيثاقِ وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِ العُلَماءِ: لَوْ أخَذُوها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ مِيثاقٌ، وكانَتْ سَجْدَتُهم عَلى شِقٍّ لِأنَّهم كانُوا يَرْقُبُونَ الجَبَلَ خَوْفًا، فَلَمّا رَحِمَهُمُ اللهُ قالُوا: لا سَجْدَةَ أفْضَلُ مِن سَجْدَةٍ تَقَبَّلَها اللهُ ورَحِمَ بِها، فَأمَرُّوا سُجُودَهم عَلى شِقٍّ واحِدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي لا يَصِحُّ سِواهُ، أنَّ اللهَ تَعالى اخْتَرَعَ -وَقْتَ سُجُودِهِمُ- الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم آمَنُوا كُرْهًا وقُلُوبُهم غَيْرُ مُطَمْئِنَّةٍ، وقَدْ اخْتَصَرْتُ ما سَرَدَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وقَصَدْتُ أصَحَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ، وخَلَطَ بَعْضُ الناسِ صَعْقَةَ هَذِهِ القِصَّةِ بِصَعْقَةِ السَبْعِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا: خُذُوا.

و"آتَيْناكُمْ" مَعْناهُ: أعْطَيْناكُمْ، و"بِقُوَّةٍ"، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ مَعْناهُ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ دَرْسٍ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ بِتَصْدِيقٍ وتَحْقِيقٍ.

وقالَ الرَبِيعُ: مَعْناهُ بِطاعَةِ اللهِ.

﴿ واذْكُرُوا ما فِيهِ ﴾ ، أيْ تَدَبَّرُوهُ واحْفَظُوا أوامِرَهُ ووَعِيدَهُ ولا تَنْسَوْهُ وتُضَيِّعُوهُ.

والضَمِيرُ عائِدٌ عَلى ﴿ ما آتَيْناكُمْ ﴾ ، ويَعْنِي التَوْراةَ، وتَقْدِيرُ صِلَةِ "ما" واذْكُرُوا ما اسْتَقَرَّ فِيهِ، و ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ، تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ الآيَةُ، تَوَلّى تَفَعَّلَ، وأصْلُهُ الإعْراضُ والإدْبارُ عَنِ الشَيْءِ بِالجِسْمِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الإعْراضِ عَنِ الأُمُورِ والأدْيانِ والمُعْتَقَداتِ اتِّساعًا ومَجازًا.

و ﴿ فَضْلُ اللهِ ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ لِلِاسْتِغْناءِ عنهُ، تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم تَدارَكَكُمْ، "وَرَحْمَتُهُ" عَطْفٌ عَلى "فَضْلٍ".

قالَ قَتادَةُ فَضْلُ اللهِ الإسْلامُ، ورَحْمَتُهُ القُرْآنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا عَلى أنَّ المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ "عَلَيْكُمْ" لَفْظًا ومَعْنًى مَن كانَ في مُدَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَعْنى مَن سَلَفَ، و"لَكُنْتُمْ" جَوابُ "لَوْلا"، و ﴿ مِنَ الخاسِرِينَ ﴾ خَبَرُ "كانَ"، والخُسْرانُ، النُقْصانُ.

وتَوَلِّيهِمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ: إمّا بِالمَعاصِي، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِالتَوْبَةِ والإمْهالِ إلَيْها، وإمّا أنْ يَكُونَ تَوَلِّيهِمْ بِالكُفْرِ، فَكانَ فَضْلُ اللهِ بِأنَّ لَمْ يُعاجِلْهم بِالإهْلاكِ؛ لِيَكُونَ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يُؤْمِنُ، أو يَكُونُ المُرادُ مَن لَحِقَ مُحَمَّدًا  ، وقَدْ قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ، وعَلَيْهِ يَتَّجِهُ قَوْلُ قَتادَةَ: إنَّ الفَضْلَ الإسْلامُ، والرَحْمَةَ القُرْآنُ، ويَتَّجِهُ أيْضًا أنْ يُرادَ بِالفَضْلِ والرَحْمَةِ إدْراكُهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تذكير بقصة أخرى أرى الله تعالى أسلافهم فيها بطشه ورحمته فلم يرتدعوا ولم يشكروا وهي أن أخذ الميثاق عليهم بواسطة موسى عليه السلام أن يعملوا بالشريعة وذلك حينما تجلى الله لموسى عليه السلام في الطور تجلياً خاصاً للجبل فتزعزع الجبل وتزلزل وارتجف وأحاط به دخان وضباب ورعود وبرق كما ورد في صفة ذلك في الفصل التاسع عشر من سفر الخروج وفي الفصل الخامس من سفر التثنية فلعل الجبل من شدة الزلازل وما ظهر حوله من الأسحبة والدخان والرعود صار يلوح كأنه سحابة، ولذلك وصف في آية الأعراف (171) بقوله: ﴿ وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة ﴾ [نتقه: زعزعه ونقضه] حتى يخيل إليهم أنه يهتز وهذا نظير قولهم استطاره إذا أزعجه فاضطرب فأعطوا العهد وامتثلوا لجميع ما أمرهم الله تعالى وقالوا: «كل ما تكلم الله به نفعله فقال الله لموسى فليؤمنوا بك إلى الأبد» وليس في كتب بني إسرائيل ولا في الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن الله قلع الطور من موضعه ورفعه فوقهم وإنما ورد ذلك في أخبار ضعاف فلذلك لم نعتمده في التفسير.

وضمائر الخطاب لتحميل الخلف تبعات السلف كيلا يقعوا في مثلها وليستغفروا لأسلافهم عنها.

والميثاق في هاته الآية كالعهد في الآيات المتقدمة مراد به الشريعة ووعدهم بالعمل بها وقد سمته كتبهم عهداً كما قدمنا وهو إلى الآن كذلك في كتبهم.

وهذه معجزة علمية لرسولنا صلى الله عليه وسلم والطُّور علم على جبل ببرية سينا، ويقال إن الطور اسم جنس للجبال في لغة الكنعانيين نقل إلى العربية وأنشدوا قول العجاج: دَانَى جَناحيه من الطورِ فمَرْ *** تَقَضِّيَ البازِي إذا البازِي كَسَر فإذا صح ذلك فإطلاقه على هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها فحسبوها علماً له فسموه الطور.

وقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة ﴾ مقول قول، محذوف تقديره قائلين لهم خذوا، وذلك هو الذي أخذ الميثاق عليه.

والأخذ مجاز عن التلقي والتفهم.

والقوة مجاز في الإيعاء وإتقان التلقي والعزيمة على العمل به كقوله تعالى: ﴿ يا يحيى خُذ الكتاب بقوة ﴾ [مريم: 12].

ويجوز أن يكون الذكر مجازاً عن الامتثال أي اذكروه عند عزمكم على الأعمال حتى تكون أعمالكم جارية على وفق ما فيه، أو المراد بالذكر التفهم بدليل حرف (في) المؤذن بالظرفية المجازية أي استنباط الفروع من الأصول.

والمراد بما آتاهم ما أوحاه إلى موسى وهو الكلمات العشر التي هي قواعد شريعة التوراة.

وجملة ﴿ لعلكم تتقون ﴾ علة للأمر بقوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه ﴾ ولذلك فصلت بدون عطف.

والرجاء الذي يقتضيه حرف (لعل) مستعمل في معنى تقريب سبب التقوى بحضهم على الأخذ بقوة، وتعهد التذكر لما فيه، فذلك التقريب والتبيين شبيهٌ برجاء الراجي.

ويجوز أن يكون (لعل) قرينة استعارة تمثيل شأن الله حين هيأ لهم أسباب الهداية بحال الراجي تقواهم وعلى هذا محمل موارد كلمة (لعل) في الكلام المسند إلى الله تعالى.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21] الآية.

وقوله: ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ إشارة إلى عبادتهم العجل في مدة مناجاة موسى وأن الله تاب عليهم بفضله ولولا ذلك لكانوا من الخاسرين الهالكين في الدنيا أو فيها وفي الآخرة.

ولا حاجة بنا إلى الخوض في مسألة التكليف الإلجائي ومنافاة الإلجاء للتكليف وهي مسألة تكليف المُلْجأ، المذكورة في الأصول لأنها بنيت هنا على أطلال الأخبار المروية في قلع الطور ورفعه فوقهم وقول موسى لهم إما أن تؤمنوا أويقع عليكم الطور، على أنه لو صحت تلك الأخبار لما كان من الإلجاء في شيء إذ ليس نصب الآيات والمعجزات والتخويف من الإلجاء وإنما هو دلالة وبرهان على صدق الرسول وصحة ما جاء به والممتنع في التكليف هو التكليف في حالة الإلجاء لا التخويف لإتمام التكليف، فلا تغفلوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ﴾ وفي الطُّورِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، وأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ دُونَ غَيْرِهِ، وهَذِهِ رِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الطُّورَ ما أنْبَتَ مِنَ الجِبالِ خاصَّةً، دُونَ ما لَمْ يُنْبِتْ، وهَذِهِ رِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّ الطُّورَ اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، إلّا أنَّ مُجاهِدًا قالَ: هو اسْمُ كُلِّ جَبَلٍ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ هو اسْمٌ عَرَبِيٌّ، قالَ العَجّاجُ: دانِي جَناحَيْهِ مِنَ الطُّورِ فَمَرَّ تَقَضِّي البازِيِّ إذا البازِيُّ كَرَّ قالَ مُجاهِدٌ: رُفِعَ الجَبَلُ فَوْقَهم كالظُّلَّةِ، فَقِيلَ: لَتُؤْمِنُنَّ أوْ لَيَقَعَنَّ عَلَيْكُمْ، فَآمَنُوا.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ القُوَّةَ الجِدُّ والِاجْتِهادُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ العَمَلُ بِما فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ﴾ فقال: جبل نزلوا بأصله فَرُفِعَ فوقهم، فقال: لتأخذن أمري أو لأرمينكم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: الطور الجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وكان بنو إسرائيل أسفل منه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور.

وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: الطور الجبل بالسريانية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: النبط يسمون الجبل الطور.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ خذوا ما آتيناكم بقوّة ﴾ قال: بجد.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ يقول: اقرأوا ما في التوراة واعملوا به.

وأخرج ابن اسحق وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ قال: لعلكم تنزعون عما أنتم عليه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وثُمَ تَوَلَّيتُم ﴾ التولي في اللغة يستعمل على ثلاث معان (١) (٢) ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ  ﴾ أي تعرضوا عن الإسلام.

ويكون (٣) ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  ﴾ ، معناه: من يتبعهم وينصرهم.

ويقال: توليت الأمر توليا، إذا وليته بنفسك (٤) ﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ  ﴾ ، أي: ولي وزر الإفك وإشاعته (٥) ومعنى توليتم هاهنا، أي: أعرضتم عن أمر الله وطاعته.

وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ قيل من بعد (٦) ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ بتأخير العذاب عنكم (٧)  والقرآن (٨) ﴿ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ فمن آمن بحمد بعد ما كان في الضلالة لم يكن من الخاسرين، وذكرنا معنى الخسران فيما تقدم (٩) (١٠) (١) أخذه عن "تهذيب اللغة" (ولى) 1/ 3957، وانظر: "إصلاح الوجوه والنظائر" ص 499، و"نزهة الأعين" النواظر ص 215، و"مفردات الراغب" ص 534.

(٢) في (ب): (نسيتم).

(٣) في (ب): (وتكون).

(٤) لعل هذا المعنى هو الثالث عند المؤلف حسب تقسيمه، وانظر "نزهة الأعين النواظر" ص 216.

(٥) انتهى ما نقله عنه "تهذيب اللغة" (ولى) 1/ 3957.

(٦) (بعد) ساقط من (ب).

(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 80 ب، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 328، وقال الزجاج من بعد ذلك: أي بعد الآيات العظام.

"معاني القرآن" 1/ 120، وقال الماوردي: من بعد خروج موسى من بين أظهركم "تفسير الماوردي" 1/ 355.

(٨) (والقرآن) ساقط من (ج).

وقد ذكر الطبري عن أبي العالية: فضل الله: الإسلام، == و (رحمته): القرآن، "تفسير الطبري" 1/ 328، ونحوه عند "تفسير المارودي" 1/ 355، وذكره ابن عطية في "تفسيره" عن قتادة 1/ 332 - 333، وانظر: "البحر المحيط" 1/ 244.

(٩) عند تفسير قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ .

(١٠) (رأس المال) ساقط من (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور ﴾ لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم: إن لم تأخذوها وقع عليكم ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ جدُّ في العلم بالتوراة أو العمل بها ﴿ اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت ﴾ اصطادوا فيه الحوت وكان محرماً عليهم ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ عبارة عن مسخهم، وخاسئين صفة أو خير ثان، ومعناه مبعدين كما يخسأ الكلب ﴿ فجعلناها ﴾ الضمير للفعلة وهي المسخ ﴿ نكالا ﴾ أي عقوبة لما تقدّم من ذنوبهم وما تأخر، وقيل: عبرة لمن تقدّم ومن تأخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ النصارى ﴾ بالإمالة: أو عمرو وحمزة وعلي وخلف وورش من طريق النجاري، والخراز عن هبيرة، وكذلك كل راء بعدها ياء.

وروى قتيبة بكسر الصاد والراء، وكذلك قوله ﴿ سكارى ﴾ و ﴿ أسارى ﴾ و ﴿ يوارى ﴾ و ﴿ أوارى ﴾ كلها بإمالة ما قبل الألف ﴿ والصابئين ﴾ بغير همزة: أبو جعفر ونافع وحمزة في الوقف وإن شاء لين الهمزة.

الوقوف: ﴿ عند ربهم ﴾ (ز) لنوع عدول عن إثبات إلى نفي مع اتفاق الجملتين.

و ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ الطور ﴾ (ط) لأن التقدير: قلنا لكم خذوا ﴿ تتقون ﴾ (ه) ﴿ من بعد ذلك ﴾ (ج) لأن "لولا" للابتداء وقد دخل الفاء فيه ﴿ الخاسرين ﴾ (ه) ﴿ خاسئين ﴾ (ه) (ج) للآية والعطف بالفاء ﴿ المتقين ﴾ (ه).

التفسير: قد انجرّ الكلام في الآي المتقدمة إلى وعيد أهل الكتاب ومن يقفو آثارهم، فقرن به ما يتضمن الوعد جرياً على عادته  من ذكر الترغيب مع الترهيب فقال ﴿ إن الذين آمنوا ﴾ .

واختلف المفسرون ههنا لأن قوله في آخر الآية ﴿ من آمن ﴾ .

يدل على أن المراد من قوله ﴿ آمنوا ﴾ شيء آخر، كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمِنوا  ﴾ .

فعن ابن عباس: المراد أن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  بعيسى  مع البراءة من أباطيل اليهود والنصارى كقس بن ساعدة وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري.

كأنه قيل: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد  ، والذين كانوا على الدين الباطل لليهود، والذين كانوا على الدين الباطل للنصارى، كل من آمن بعد مبعث محمد  بالله واليوم الآخر وبمحمد  فلهم أجرهم.

وعن سفيان الثوري: إن الذين آمنوا باللسان دون القلب وهم المنافقون، والذين تهوّدوا يقال هاد يهود وتهود إذا دخل في اليهودية، والنصارى، والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، فلهم كذا.

وقيل: الذين آمنوا هم المؤمنون بمحمد  في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي.

وكأنه قيل: إن الذين آمنوا في الماضي، واليهود والنصارى والصابئين، كل من آمن منهم وثبت على ذلك في المستقبل واستمر.

واشتقاق اليهود قيل من قولهم ﴿ إنا هدنا إليك  ﴾ أي تبنا ورجعنا.

عن ابن عباس: وقيل نسبوا إلى يهودا أكبر ولد يعقوب.

وقيل: إنهم يتهودون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة.

واشتقاق النصارى قبل من ناصرة قرية كان ينزلها عيسى  قاله ابن عباس وقتادة وابن جريج.

وقيل: لتناصرهم فيما بينهم أي لنصرة بعضهم بعضاً.

وقيل: لأن عيسى  قال للحواريين من أنصاري إلى الله.

واحد النصارى نصران، ومؤنثه نصرانة: والياء في نصراني للمبالغة كالتي في أحمري، والصابئين بالهمزة اشتقاقه من صبأ الرجل يصبأ صبواً إذا خرج من دينه إلى دين آخر.

وكانت العرب يسمون النبي  صابئاً لأنه  أظهر ديناً على خلاف أديانهم.

عن مجاهد والحسن: هم طائفة من اليهود والمجوس لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم.

وعن قتادة: قوم يعبدون الملائكة ويصلون للشمس كل يوم خمس مرات.

وقيل: وهو الأقرب - إنهم قوم يعبدون الكواكب ثم فيهم قولان:الأوّل أن خالق العالم هو الله  إلا أنه أمر بتعظيم هذه الأجرام واتخاذها قبلة للصلاة والدعاء.

والثاني أنه  خلق الأفلاك والكواكب وفوّض التدبير إليها، فيجب على البشر تعظيمها لأنها هي الآلهة المدبرة لهذا العالم، ثم إنها تعبد الله  .

وينسب هذا المذهب إلى الكلدانيين الذين جاءهم إبراهيم  ، فبين الله  أن هذه الفرق الأربع إذا آمنوا بالله ويدخل فيه الإيمان بكل ما أوجبه كالإيمان برسله وآمنوا باليوم الآخر وبما وعد فيه، فإن أجرهم متيقن جار مجرى الحاصل عند الله  .

ومحل ﴿ من آمن ﴾ رفع على أنه مبتدأ خبره ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والجملة خبر "إن"، أو نصب على أنه بدل من اسم "أن".

والمعطوفات عليه.

وخبر "أن" ﴿ فلهم أجرهم ﴾ والفاء لتضمن من أو الذين معنى الشرط.

قال أهل البرهان: قدم النصارى على الصابئين لأنهم أهل كتاب، وعكس الترتيب في الحج لأن الصابئين مقدمة على النصارى بالزمان، وراعى في المائدة المعنيين فقدمهم في اللفظ وأخرهم في التقدير، لأن تقديره: والصابئون كذلك.

وقوله  ﴿ وإذا أخذنا ميثاقكم ﴾ مخاطبة فيها معاتبة لاستمالها على تذكير النعم وتقدير المنعم.

وللمفسرين في هذا الميثاق أقوال: أحدها: أنه ما أودع الله العقول من الدلائل الدالة على وجود الصانع وقدرته وحكمته وعلى صدق أنبيائه ورسله وهو أقوى المواثيق والعهود، لأنه لا يحتمل الخلف والكذب والتبدل بوجه من الوجوه وهو قول الأصم، وثانيها ما روي عن عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم أن موسى  لما رجع من عند ربه بالألواح، قرأوا ما فيها من الأخبار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وأبوا قبولها، أمر جبرائيل بقلع الطور من أصله ورفعه فظلله فوقهم وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم فحينئذ قبلوا وأعطوا الميثاق.

وعن ابن عباس: إن لله ميثاقين الأول، حين أخرجهم من صلب آدم على أنفسهم، والثاني أنه  ألزم الناس متابعة الأنبياء.

والمراد ههنا هو هذا العهد.

وإنما قال ﴿ ميثاقكم ﴾ ولم يقل "مواثيقكم" للعلم بذلك كقوله ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أي كل واحد منكم، أو لأن الميثاق بشيء واحد أخذه من كل واحد منهم.

ولو قال مواثيقكم لأشبه أن يكون لكل منهم ميثاق آخر.

والواو في ﴿ ورفعنا ﴾ إما واو عطف إن جعل الميثاق مقدماً على رفع الجبل كما في قول الأصم وابن عباس، وإما واو الحال إن جعل مقارناً للرفع، كأنه قال: وإذ أخذنا ميثاقكم عند رفعنا الطور فوقكم والطور.

قيل: الجبل مطلقاً.

وعن ابن عباس: أنه جبل من جبال فلسطين.

وقيل: جبل معهود، والأقرب أنه الجبل الذي وقعت المناجاة عليه، وقد يجوز أن ينقله الله  إلى حيث هم فيجعله فوقهم وإن كان بعيداً منهم، فإن القادر على أن يسكن الجبل في الهواء قادر على أن ينقله إليهم من المكان البعيد.

﴿ خذوا ﴾ على إرادة القول أي وقلنا خذوا ﴿ ما آتيناكم ﴾ من الكتاب ﴿ بقوّة ﴾ بجد وعزيمة غير متكاسلين ولا متثاقلين وقيل: بقوة ربانية ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ احفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه، وإنما لم يحمل على نفس الذكر لأن الذكر الذي هو ضد النسيان من فعل الله فكيف يجوز الأمر به؟

﴿ لعلكم تتقون ﴾ رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو قلنا خذوا إرادة أن تتقوا ﴿ ثم توليتم ﴾ معطوف على محذوف أي فقبلتم والتزمتم ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به.

ويمكن أن يقال أخذ الميثاق عبارة عن قبولهم فلا حاجة إلى تقدير ﴿ من بعد ذلك ﴾ أي من بعد القبول والالتزام.

قال القفال: قد يعلم في الجملة أنهم بعد قبول التوراة ورفع الطور تولوا عن التوراة بأمور كثيرة، فحرفوا التوراة وتركوا العمل به وقتلوا الأنبياء وكفروا بهم وعصوا أمرهم.

ولعل فيها ما اختص به بعضهم دون بعض، ومنها ما عمله أوائلهم ومنها ما فعله متأخروهم ولم يزالوا في التيه مع مشاهدتهم الأعاجيب ليلاً ونهاراً يخالفون موسى ويعترضون عليه ويلقونه بكل أذى، ويجاهرون بالمعاصي في عسكره، حتى لقد خسف ببعضهم وأحرقت النار بعضهم وعوقبوا بالطاعون، وكل هذا مذكور في تراجم التوراة التي يقرأونها، ثم فعل متأخروهم ما لا خفاء به حتى عوقبوا بتخريب بيت المقدس، وكفروا بالمسيح وهموا بقتله، فغير عجيب إنكارهم ما جاء به محمد  من الكتاب، وجحودهم لحقه  وحالهم في كتابهم ونبيهم ما ذكر ﴿ فلولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ بإمهالكم وتأخير العذاب عنكم ﴿ لكنتم من الخاسرين ﴾ أي من الهالكين الذين باعوا أنفسهم بنار جهنم، ولكنكم خرجتم من هذا الخسران لأن الله  تفضل عليكم بالإمهال حتى تبتم.

فإن كلمة "لولا" تدل على امتناع الثاني لوجود الأول، فامتنع الخسران لوجود فضل الله.

ويحتمل أن يكون الخبر قد انتهى عند قوله ﴿ ثم توليتم من بعد ذلك ﴾ ويكون قوله ﴿ فلولا فضل الله ﴾ رجوعاً بالكلام إلى أوّله، أي لولا لطف الله بكم برفع الجبل فوقكم لدمتم على ردكم للكتاب، ولكنه تفضل عليكم ورحمكم ولطف بكم بذلك حتى تبتم.

قوله عز من قائل ﴿ ولقد علمتم ﴾ اللام للابتداء، ولا تكاد تدخل الماضي بدون قد لأنها ولتأكيد مضمون الجملة الاسمية نحو: لزيد قائم، أو لتأكيد المضارع نحو: ليضرب زيد.

لكن قد تقرب الماضي من الحال فيصير الماضي كالمضارع مع تناسب معنى "قد".

ومعنى "اللام" في التحقيق، وعند الكوفيين يقدر القسم قبله.

عن ابن عباس: إن هؤلاء القوم كانوا في زمن داود  بأيلة على ساحل البحر بين المدينة والشأم، وهو مكان من البحر يجتمع إليه الحيتان من كل أوب في شهر من السنة حتى لا يرى الماء لكثرتها، وفي غير ذلك الشهر في كل سبت خاصة، فحفروا حياضاً عند البحر وشرعوا إليها الجداول، وكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد.

فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم أخذوا السمك واستغنوا بذلك وهم خائفون من العقوبة، فلما طال العهد استنت الأبناء سنة الآباء واتخذوا الأموال، فمشى إليهم طوائف من أهل المدينة الذين كرهوا الصيد في السبت فنهوهم فلم ينتهوا وقالوا: نحن في هذا العمل منذ زمان فما زادنا الله به إلا خيراً.

فقيل لهم: لا تغتروا بذلك فربما ينزل بكم العذاب والهلاك.

فأصبح القوم وهم قردة خاسئون فمكثوا ثلاثة أيام ثم ماتوا.

قال بعضهم: وفي الكلام حذف أي ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ليكون المذكور من العقوبة جزاء لذلك.

والسبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت والاعتداء فيه، إما نفس الاصطياد لأنهم أمروا فيه بالتجرد للعبادة فجاوزوا ما حد لهم واشتغلوا بالصيد، وإما الاصطياد مع استحلاله.

وقوله ﴿ كونوا ﴾ المراد منه سرعة الإيجاد وإظهار القدرة وإن لم يكن هناك قول ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون  ﴾ ﴿ وقردة خاسئين ﴾ خبر "إن" أي كونوا جامعين بين القردة، والخسوء وهو الصغار والطرد.

عن مجاهد أنه مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم لا أنه مسخ صورهم وهو مثل قوله ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفاراً  ﴾ ونظيره أن يقول الأستاذ للمتعلم البليد الذي لا ينجع فيه تعليمه: كن حماراً.

واحتج بأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، فإذا أبطله وخلق مكانه تركيب القرد رجع حاصل المسخ إلى إعدام الأعراض التي باعتبارها كان ذلك الجسم إنساناً، وإيجاد أعراض أخر باعتبارها صار قرداً.

وأيضاً لو جوزنا ذلك لم نأمن في كل ما نراه قرداً وكلباً أنه كان إنساناً عاقلاً وذلك شك في المشاهدات.

وأجيب بأن الإنسان ليس هذا الهيكل لتبدله بالسمن والهزال فهو أمر وراء ذلك، إما جسماني سار في جميع البدن، أو جزء في جانب من البدن كقلب أو دماغ، أو مجرد كما يقوله الفلاسفة.

وعلى التقادير فلا امتناع في بقاء ذلك الشيء مع تطرق التغير إلى هذا الهيكل وهذا هو المسخ، وبهذا التأويل يجوز في الملك الذي تكون جثته في غاية العظم أن يدخل حجرة الرسول  ، ولأنه لم يتغير منهم إلا الخلقة والصورة والعقل، والفهم باقٍ فإنهم يعرفون ما نالهم بشؤم المعصية من تغير الخلقة وتشوّه الصورة وعدم القدرة على النطق وسائر الخواص الإنسانية، فيتألمون بذلك ويتعذبون، ثم أولئك القرود بقوا أو أفناهم الله، وإن بقوا فهذه القرود التي في زماننا من نسلهم أم لا، الكل جائز عقلاً إلا أن الرواية عن ابن عباس أنهم ما مكثوا إلا ثلاثة أيام ثم هلكوا ﴿ فجعلناها ﴾ أي المسخة أو القردة أو قرية أصحاب السبت أو هذه الأمة ﴿ نكالاً ﴾ عقوبة شديدة رادعة عن الإقدام على المعصية.

والنكول عن اليمين الامتناع عنها.

ولم يقصد بذلك ما يقصده الناس من التشفي وإطفاء نائرة الغيظ، وإنما جعلناها عبرة لما قبلها ومعها وبعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها وسيبلغ خبرها إلى الآخرين فيعتبرون، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من القرى والأمم، أو جعلناها عقوبة لجميع ما ارتكبوه قبل هذا الفعل وبعده، هكذا قال بعضهم، والأولى عندي أن يقال: جعلناها عقوبة لأجل ذنوب تقدمت المسخة، ولأجل ذنوب تأخرت عنها، لأنهم إن لم يكونوا ممسوخين لم ينتهوا عنها فهم في حكم المرتكبين لها.

ولا يلزم من ذلك تجويز العقاب على الذنب المفروض الموهوم لأنه أمر اعتباري، والعقوبة في نفسها واحدة ثابتة على حالها لم تزدد لأجل الذنب المتأخر شيئاً، فليس الأمر فيه كمن ضرب عبده لأجل الإباق المتقدم مائة جلدة، ولأجل الإباق المتأخر المترقب مائة أخرى، ولكنه كمن قيد عبده أو حبسه لأجل الإباق المتقدم والإباق المترقب والله أعلم ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ لأن منفعة الاتعاظ تعود إليهم لا إلى غيرهم مثل ﴿ هدى للمتقين ﴾ أو ليعظ المتقون بعضهم بعضاً.

وقيل: للمتقين الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم: أَن ميثاق الله، وعهده على وجهين: عهد خلقه وفطرة، وعهد رسالة ونبوةٍ.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ في التوراة أَن يعملوا بما فيها، فنقضوا ذلك العهد لما رأَوا فيها الحدود، والأَحكام، والشرائع كرهوا؛ فرفع الله الجبل فوقهم، فقبلوا ذلك.

ويحتمل ما ذكرنا من عهد خلقة وفطرة فنقضوا ذلك.

وقوله: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ .

قيل: خذوا التوراة بالجد والمواظبة.

وقيل: "بقوة" يعني: بالطاعة له والخضوع.

ثم احتج بعض المعتزلة بهذه الآية على تقدم القدرة الفعلَ؛ لأَنه أمرهم - عز وجل - بالقبول له، والأَخذ والعمل بما فيها.

فلو لم يعطهم قوة الأَخذ والقبول له قبل الأَخذ له والفعل، لكان لا يأْمرهم بذلك؛ لأَنهم يقولون: لا قوة لنا على ذلك؛ فدل أَنه قد أعطاهم قبل ذلك، لكنه غلط عندنا؛ لأَنه لو كان أَعطاهم القوة قبل الفعل، ووقت الأَمر به، ثم تذهب عنهم تلك القوة وقت الفعل - لكان الفعل بلا قوة؛ إذ من قولهم: أن القوة لا تبقى وقتين؛ فدل: أَنها تحدث بحدوث الفعل، لا يتقدم ولا يتأَخر، ولكن يَكونان معاً.

ولأَنها سميت: قدرة الفعل، فلو كانت تتقدم الفعل، لم يكن لإضافة الفعل إليها معنى، والله أعلم.

والأَصل في ذلك: أَن الله -  - قال: ﴿ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ ﴾ ومعلوم أَن المرادَ من ذلك الأَخذُ بقوة الآخذ.

ثم فيه وجهان: أَحدهما: أَن للأَخذ قوة غير التي للترك.

والثاني: أَنه ذكر الأَخذ بقوة، فإذا لم تكن معه لم يكن بها أَن يرى أَن الوقت إذا تباعد لم يحتمل بما تقدم من القوة أَوقاتاً؛ فمثله وقت واحد.

وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: اذكروا، واحفظوا ما فيه من أَمره ونهيه، ولا تضيعوه؛ لعلكم تتقون المعاصي والمآثم.

ويحتمل: اذكروا ما فيه من التوحيد والإيمان؛ لعلكم تتقون الشرك والكفر.

ويحتمل: اذكروا ما فيه من الأَحكام والشرائع.

ويحتمل: الثواب والعقاب، والوعد والوعيد.

وكله واحد.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ ﴾ .

يعني: من بعد القبول.

دل هذا على: أَنهم كانوا قَبِلوا ذلك مرة، قبل أَن يأْتيهم موسى  بها؛ فلما أَتاهم - ورأَوا التشديد، والمشقة - أَبوا قبولها، وتركوا العمل بما فيها من الأَحكام والشرائع؛ فخُوِّفُوا برفع الجبل فوقهم؛ فقبلوا ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُم مِّنَ ٱلْخَاسِرِينَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: قيل: فضل الله عليكم الإسلام ورحمته: القرآن.

وقيل: فضل الله عليكم بمحمد  ، بعث إليكم رسولاً؛ ليجمعكم، ويؤلف بينكم، ويدعوكم إلى دين الله الحق، بعد ما كنتم في فترة من الرسل، وانقطاع من الدين والعمل.

ويحتمل: فضل الله عليكم؛ لما أَنجا آباءَكم من العذاب، ولم يرسل عليهم الجبل، وإلا ما توالدتم أَنتم.

وقيل: فضل الله عليكم؛ لما أَعطاهم التوراة، ووفقهم على قبولها، وإلا كنتم من الخاسرين.

وبعضه قريب من بعض.

وقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ ﴾ .

فيه دلالة إثبات رسالة محمد  ؛ كأنه قال: ولقد علمتم أَن محمداً  لم يكن يعلم الذين اعتدوا منكم في السبت، ولا كان علم ما فُعِل بهم، ثم علم ذلك؛ فإنما علم بالله - عز وجل - لأَنه لم يكن قرأَ كتابكم، ولا كان يختلف إلى أَحد ممن يعرف ذلك؛ فبالله - عزوجل - عرف ذلك، وبه علم؛ فدل: أَنه رسول الله إليكم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ .

أي: علمتم ما أَصاب أُولئك باعتدائهم يومَ السبت بالاصطياد، وكنتم تقولون: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

يعني: أَبْناءُ رسل الله وأَحباؤُه.

فلو كان كما تقولون، لم يكن ليجعلهم قردةً - وهي أَقبحُ خلق الله، وأَوخشُه - إذ مثل ذلك لا يُفعل بالأَحبَّاء ولا بالأَبناءِ.

أَو أَن يحمل على التحذير لهؤلاء؛ لئلا يُكذِّبوا محمداً  ولا يعصوه في أَمره، فيصيبكم ما أَصاب أولئك؛ بتكذيبهم موسى، وعصيانهم أَمرَه، والله أعلم.

ثم سبب تحريم الاصطياد في السبْت كان - والله أعلم - لما قيل: إنّ موسىَ  أراد أن يجعل يوماً لله، خالصاً للطاعة له، والعبادةِ فيه - وهو يوم الجمعة - فخالفوا هم أَمره ونهيَه، وقالوا: نجعل ذلك اليوم السبت؛ لأَنه لم يُخلق لعمل.

فحرم الاصطياد في ذلك اليوم لذلك وحولوا قردةً؛ عقوبة لهم لما نهوا عن الاصطياد في ذلك اليوم فاصطادوا.

وعلى ذلك تأْويل قوله: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ  ﴾ يعني: يوم الجمعة.

وقيل: ﴿ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ ﴾ ، يعني: في الله.

ثم اختلف فى قوله: ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ : قال قوم: قوله: ﴿ كُونُواْ قِرَدَةً ﴾ من الأَصل؛ على ذهاب الإنسانية منهم.

وقيل: حَوَّل جَوْهَرهم إلى جوهر القردة، على إبقاءِ الإنسانية فيهم؛ من الفهم والعقل؛ لأَنه قيل: إن الذين كانوا يَنْهَوْنهم عن الاصطياد في ذلك اليوم دخلوا عليهم، فيقولون لهم: أَلم نَنْهكم عن ذلك، ونزجرْكم؟!

فَأَومئوا: أَي نعم.

ودموعهم تفيض على خدودهم.

فلو كان التحويل على ذهاب جميع الإنسانيه منهم لكانوا لا يفهمون ذلك، ولا حزنوا على ما أَصابهم؛ لأَن كلَّ ذي جوهر راضٍ بجوهره الذي خلقه الله  يُسَرّ به.

ولأَن تحويله إياهم قردةً عقوبةً لتمردهم في التكذيب، وجرأَتهم على الله؛ ليعلموا ذلك، ويروا أَنفسهم أَقبحَ خلقِ الله وأَوخشَه.

وفيه نقض قول المعتزلة؛ لأَنهم يقولون: ليس في خلق الله قبيح.

فلو لم يكن في خلق الله قبيحٌ لم يكن لتحويل صورتهم من صورة الإنسان، إلى أَقبح صورةٍ معنىً؛ ليروا قبح أَنفسهم؛ عقوبةً لهم بما عَصَوْا أَمر الله، ودخلوا في نهيه.

وقوله: ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً ﴾ .

قيل: الهاء راجعة إلى القرية التي كانوا فيها.

وقوله: ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ .

من أَهل القرية.

وقوله: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ .

حواليها.

وقيل: أَراد بالهاءِ: القرية، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ من القرى، ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ من القرى.

وقيل: أَراد بالهاءِ: العقوبة والنكالَ، ﴿ لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا ﴾ يعني: لما مضى من الذنوب.

﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾ يعني: ما بَقي، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ خَاسِئِينَ ﴾ .

قيل: الخاسىء: الصاغرُ.

وقيل: الخاسىء: الذليلُ.

وقيل: البعيدُ.

وكله يرجع إلى واحد، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فما كان منكم إلا أن أعرضتم وعصبتم بعد أخذ العهد المؤكد عليكم، ولولا فضل الله عليكم بالتجاوز عنكم، ورحمته بقبول توبتكم؛ لكنتم من الخاسرين بسبب ذلك الإعراض والعصيان.

<div class="verse-tafsir" id="91.w79Xq"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أطمع الله تعالى بالآية السابقة بني إسرائيل في رحمته بعد ما قرعهم بالنذر التي تكاد توقع اليأس في قلوبهم، وبين لهم ولسائر الناس أن المنفذ إلى هذا الطمع، بل الباب الذي يؤدي إلى هذا الرجاء، هو الجمع بين الأمرين اللذين بعث لتقريرهما الأنبياء عليهم السلام وهما الإيمان الصحيح اليقيني والعمل الصالح.

وإشراك غير بني إسرائيل في هذا الحكم لا يقضي بانتهاء السياق، بل لا يزال الكلام في بني إسرائيل، ولذلك عقب ذلك الإطماع بالتذكير ببعض الوقائع التي استحقوا فيها العقوبة فحالت دون وقوعها الرحمة فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ  ﴾ وهو العهد الذي أخذه عليهم وتقدم الكلام فيه.

وأما قوله ﴿ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ  ﴾ فقد ذكر المفسرون فيه قصة وهي أن الله تعالى ظلل بني إسرائيل بالطور وهو الجبل المعروف وخوفهم برفعه فوقهم ليذعنوا ويؤمنوا.

ثم اعترض عليه بعضهم بأنه إكراه على الإيمان وإلجاء إليه وذلك ينافي التكليف، وأجيب بأجوبة منها أن ما يفعل بالإكراه يعود اختياريًا بعد زوال ما به الإكراه، ومنها أن مثل هذا الإلجاء والإكراه كان جائزًا في الأمم السابقة، ويزيد من قال هذا أن نفي الإكراه في الدين خاص بالإسلام لقوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ  ﴾ وقوله ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

ولا حاجة لنا في فهم كتاب الله إلى غير ما يدل عليه بأسلوبه الفصيح، فهو لا يحتاج في فهمه إلى إضافات ولا ملحقات، وقد ذكر لنا مسألة رفع الطور فوق بني إسرائيل ولم يقل إنه أراد بذلك الإكراه على الإيمان، وإنما حكي عنهم في آية أخرى أنهم ظنوا أنه واقع بهم فقد قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿ وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ والنتق الزعزعة والهز والجذب والنقض ونتق الشيء ينتقه وينتقه -من بأبي ضرب ونصر- نتقًا جذبه واقتلعه وقد يكون ذلك في الآية بضرب من الزلزال كما يدل عليه التعبير بالنتق وهو في الأصل بمعنى الزعزعة والنقض، والمفهوم من أخذ الميثاق أنهم قبلوا الإيمان وعاهدوا موسى عليه.

فرفع الطور وظنهم أنه واقع بهم من الآيات التي رأوها بعد أخذ الميثاق كل لأجل أخذ ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد لأن رؤية الآيات تقوي الإيمان، وتحرك الشعور والوجدان، ولذلك خاطبهم عند رؤية تلك الآية بقوله ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ  ﴾ أي تمسكوا به واعملوا بجد ونشاط، لا يلابس نفوسكم فيه ضعف، ولا يصحبها وهن ولا هم، ثم قال ﴿ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ  ﴾ أي بالمحافظة على العمل به، فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخًا في النفس مستقرًا عندها، ويؤثر عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه أنه قال: يهتف العلم بالعمل.

فإن أجابه وإلا ارتحل.

وذلك أن العلم إنما يحضر في النفس مجملًا غير سالم من إبهام وغموض، فإذا برز للوجود بالعمل صار تفصيليًا جليًا، ثم ينقلب النظري منه بالتكرار والمواظبة بديهيًا ضروريًا، وبذلك يثبت فلا ينسى.

وأما النسيان فإنه حليف الكفر وإنه ليصل بالإنسان إلى حد يساوي فيه من لم تسبق له معرفة بالشيء قط لأنه لا أثر له في النفس ولا في الظاهر.

ولا فرق بين من بلغته دعوة الهداية فسلم بها وقبلها ثم ترك العمل بها حتى نسيها، وبين من لم تبلغه البتة ومن بلغته على وجه غير مقنع فلم يؤمن، إلا بما تكون الحجة به على الأول أظهر، وكونه بالمؤاخذة أجدر، والثاني معذور عند الجماهير، وكذلك الثالث إذا استمر على النظر من غير تقصير، فعلى هذا تكون منزلة الناسي هي التي تلي منزلة الجاحد المعاند، وهو خليق بأن يحشر يوم القيامة أعمى عن طريق النجاة والسعادة، حتى إذا لقي ربه قال (رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟

قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى).

إن في هذا لعبرة لقراء القرآن الذين ليس لهم منه إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء لا أثر فيه للقرآن وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به القرآن وهذا شر نوعي النسيان.

وقد ضرب له الإمام الغزالي مثل عبيد قطعهم سيدهم بستانًا وكلفهم بإصلاحه وعمارته وكتب لهم كتابًا يبين لهم كيف يسيرون في هذا الإصلاح وكيف تكون حياتهم فيه ووعدهم بمكافأة أجر فوق ما يستفيدونه من ثمرات البستان وغلاته وتوعدهم على الإساءة في العمل بالعقوبة الشديدة وراء ما يفوتهم من خيرات البستان وما يذوقون من مرارة سوء المعاملة فيما بينهم، فكان حظهم من الكتاب تعظيم رقه وورقه والتغني بلفظه وتكرار تلاوته بدون مبالاة بالأمر والنهي ولا اعتبار بالوعد والوعيد، بل عاثوا في أرض البستان مفسدين فأهلكوا الحرث والنسل.

فهل يكون حظ هؤلاء من الكتاب غير أنه حجة عليهم وقاطع لألسنة العند منهم؟؟

أمرهم بالذكر الذي يثبت بالعمل، ووصله بذكر فائدته وهي إعداده النفس لتقوى الله  ، فقال ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ فإن المواظبة على العمل بما يرشد إليه الكتاب تطبع في النفس ملكة مراقبة الله تعالى فتكون بها تقية نقية، راضية مرضية ﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى  ﴾ .

وبعد أن ذكر لهم تلك الآية، وما اتصل بها من هداية، ذكرهم بما كان منهم من التولي عن الطاعة والإعراض عن القبول، ثم امتن عليهم بما عاملهم به من الفضل والرحمة والصفح عما يستحقونه من المؤاخذة والعقوبة، فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ  ﴾ أي ثم أعرضتم وانصرفتم عن الطاعة من بعد أخذ الميثاق ومشاهدة الآيات التي تؤثر في القلوب وتستكين لها النفوس ﴿ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ  ﴾ أي إنكم بتوليكم استحققتم العقاب، ولكن حال دون نزوله بكم فضل الله عليكم ورحمته بكم، ولولا ذلك لخسرتم سعادة الدنيا وهي التمكن في الأرض المقدسة التي تفيض لبنًا وعسلًا، ثم خسرتم سعادة الآخرة وهي خير ثوابًا وخير أملًا، فمن فضله وإحسانه أن وفقكم للعمل بالميثاق بعد ذلك.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل