الآية ٦٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٧ من سورة البقرة

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًۭا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَـٰهِلِينَ ٦٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 185 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : واذكروا - يا بني إسرائيل - نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة ، وبيان القاتل من هو بسببها وإحياء الله المقتول ، ونصه على من قتله منهم .

[ مسألة الإبل تنحر والغنم تذبح واختلفوا في البقر فقيل : تذبح ، وقيل : تنحر ، والذبح أولى لنص القرآن ولقرب منحرها من مذبحها .

قال ابن المنذر : ولا أعلم خلافا صحيحا بين ما ينحر أو نحر ما يذبح ، غير أن مالكا كره ذلك .

وقد يكره الإنسان ما لا يحرم ، وقال أبو عبد الله : أعلم أن نزول قصة البقرة على موسى ، عليه السلام ، في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة .

بسط القصة ] - كما قال ابن أبي حاتم - : حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، قال : كان رجل من بني إسرائيل عقيما لا يولد له ، وكان له مال كثير ، وكان ابن أخيه وارثه ، فقتله ثم احتمله ليلا فوضعه على باب رجل منهم ، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا ، وركب بعضهم إلى بعض ، فقال ذوو الرأي منهم والنهى : علام يقتل بعضكم بعضا وهذا رسول الله فيكم ؟

فأتوا موسى ، عليه السلام ، فذكروا ذلك له ، فقال : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) قال : فلو لم يعترضوا [ البقر ] لأجزأت عنهم أدنى بقرة ، ولكنهم شددوا فشدد عليهم ، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها ، فقال : والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبا ، فأخذوها بملء جلدها ذهبا فذبحوها ، فضربوه ببعضها فقام فقالوا : من قتلك ؟

فقال : هذا ، لابن أخيه .

ثم مال ميتا ، فلم يعط من ماله شيئا ، فلم يورث قاتل بعد .

ورواه ابن جرير من حديث أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة بنحو من ذلك والله أعلم .

ورواه عبد بن حميد في تفسيره : أنبأنا يزيد بن هارون ، به .

ورواه آدم بن أبي إياس في تفسيره ، عن أبي جعفر - هو الرازي - عن هشام بن حسان ، به .

وقال آدم بن أبي إياس في تفسيره : أنبأنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية ، في قول الله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) قال : كان رجل من بني إسرائيل ، وكان غنيا ، ولم يكن له ولد ، وكان له قريب وكان وارثه ، فقتله ليرثه ، ثم ألقاه على مجمع الطريق ، وأتى موسى ، عليه السلام ، فقال له : إن قريبي قتل وإني إلى أمر عظيم ، وإني لا أجد أحدا يبين [ لي ] من قتله غيرك يا نبي الله .

قال : فنادى موسى في الناس ، فقال : أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا ، [ قال ] : فلم يكن عندهم علم ، فأقبل القاتل على موسى عليه السلام ، فقال له : أنت نبي الله فاسأل لنا ربك أن يبين لنا ، فسأل ربه فأوحى الله إليه : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) فعجبوا من ذلك ، فقالوا : ( أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ) يعني : لا هرمة ( ولا بكر ) يعني : ولا صغيرة ( عوان بين ذلك ) أي : نصف بين البكر والهرمة ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها ) أي : صاف لونها ( تسر الناظرين ) أي : تعجب الناظرين ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ) أي : لم يذللها العمل ( تثير الأرض ) يعني : وليست بذلول تثير الأرض ( ولا تسقي الحرث ) يقول : ولا تعمل في الحرث ( مسلمة ) يعني : مسلمة من العيوب ( لا شية فيها ) يقول : لا بياض فيها ( قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون ) قال : ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة ، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها ، لكانت إياها ، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد عليهم ، ولولا أن القوم استثنوا فقالوا : ( وإنا إن شاء الله لمهتدون ) لما هدوا إليها أبدا .

فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم إلا عند عجوز عندها يتامى ، وهي القيمة عليهم ، فلما علمت أنه لا يزكو لهم غيرها ، أضعفت عليهم الثمن .

فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة ، وأنها سألتهم أضعاف ثمنها .

فقال لهم موسى : إن الله قد كان خفف عليكم فشددتم على أنفسكم فأعطوها رضاها وحكمها .

ففعلوا ، واشتروها فذبحوها ، فأمرهم موسى ، عليه السلام ، أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل ، ففعلوا ، فرجع إليه روحه ، فسمى لهم قاتله ، ثم عاد ميتا كما كان ، فأخذ قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكا إليه [ مقتله ] - فقتله الله على أسوأ عمله .

وقال محمد بن جرير : حدثني ابن سعد حدثني أبي ، حدثني عمي ، حدثني أبي ، عن أبيه [ عن جده ] عن ابن عباس ، في قوله في شأن البقرة : وذلك أن شيخا من بني إسرائيل على عهد موسى ، عليه السلام ، كان مكثرا من المال ، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم ، وكان الشيخ لا ولد له وبنو أخيه ورثته فقالوا : ليت عمنا قد مات فورثنا ماله ، وإنه لما تطاول عليهم ألا يموت عمهم ، أتاهم الشيطان فقال لهم : هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم ، فترثوا ماله ، وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته ، وذلك أنهما كانتا مدينتين ، كانوا في إحداهما وكان القتيل إذا قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيهما كانت أقرب إليه غرمت الدية ، وأنهم لما سول لهم الشيطان ذلك ، وتطاول عليهم ألا يموت عمهم عمدوا إليه فقتلوه ، ثم عمدوا فطرحوه على باب المدينة التي ليسوا فيها .

فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ ، فقالوا : عمنا قتل على باب مدينتكم ، فوالله لتغرمن لنا دية عمنا .

قال أهل المدينة : نقسم بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا .

وإنهم عمدوا إلى موسى ، عليه السلام ، فلما أتوه قال بنو أخي الشيخ : عمنا وجدناه مقتولا على باب مدينتهم .

وقال أهل المدينة : نقسم بالله ما قتلناه ولا فتحنا باب المدينة من حين أغلقناه حتى أصبحنا ، وإنه جبريل جاء بأمر السميع العليم إلى موسى ، عليه السلام ، فقال : قل لهم : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) فتضربوه ببعضها .

وقال السدي : ( وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) قال : كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال وكانت له ابنة ، وكان له ابن أخ محتاج ، فخطب إليه ابن أخيه ابنته ، فأبى أن يزوجه ، فغضب الفتى ، وقال : والله لأقتلن عمي ، ولآخذن ماله ، ولأنكحن ابنته ، ولآكلن ديته .

فأتاه الفتى وقد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل ، فقال : يا عم انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم ، لعلي أن أصيب منها فإنهم إذا رأوك معي أعطوني .

فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط قتله الفتى ، ثم رجع إلى أهله .

فلما أصبح جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدري أين هو ، فلم يجده .

فانطلق نحوه ، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه ، فأخذهم وقال : قتلتم عمي ، فأدوا إلي ديته فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه ، وينادي : واعماه .

فرفعهم إلى موسى ، فقضى عليهم بالدية ، فقالوا له : يا رسول الله ، ادع الله لنا حتى يبين لنا من صاحبه ، فيؤخذ صاحب الجريمة فوالله إن ديته علينا لهينة ، ولكنا نستحيي أن نعير به فذلك حين يقول الله تعالى : ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ) فقال لهم موسى ، عليه السلام : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) قالوا : نسألك عن القتيل وعمن قتله ، وتقول : اذبحوا بقرة .

أتهزأ بنا!

( قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) قال ابن عباس : فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا وتعنتوا [ على ] موسى فشدد الله عليهم .

فقالوا : ( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ) والفارض : الهرمة التي لا تلد ، والبكر التي لم تلد إلا ولدا واحدا .

والعوان : النصف التي بين ذلك ، التي قد ولدت وولد ولدها ( فافعلوا ما تؤمرون قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها ) قال : نقي لونها ( تسر الناظرين ) قال : تعجب الناظرين ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ) من بياض ولا سواد ولا حمرة ( قالوا الآن جئت بالحق ) فطلبوها فلم يقدروا عليها .

وكان رجل في بني إسرائيل ، من أبر الناس بأبيه ، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه ، وكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا ؟

فقال له الفتى : كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه منك بثمانين ألفا .

فقال الآخر : أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا ، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا ، وزاد الآخر على أن ينتظر أباه حتى يستيقظ حتى بلغ مائة ألف ، فلما أكثر عليه قال : والله لا أشتريه منك بشيء أبدا ، وأبى أن يوقظ أباه ، فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة ، فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة وأبصروا البقرة عنده ، فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة ، فأبى ، فأعطوه ثنتين فأبى ، فزادوه حتى بلغوا عشرا ، فأبى ، فقالوا : والله لا نتركك حتى نأخذها منك .

فانطلقوا به إلى موسى ، عليه السلام ، فقالوا : يا نبي الله ، إنا وجدناها عند هذا فأبى أن يعطيناها وقد أعطيناه ثمنا فقال له موسى : أعطهم بقرتك .

فقال : يا رسول الله ، أنا أحق بمالي .

فقال : صدقت .

وقال للقوم : أرضوا صاحبكم ، فأعطوه وزنها ذهبا ، فأبى ، فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها ، حتى أعطوه وزنها عشر مرات ذهبا ، فباعهم إياها وأخذ ثمنها ، فذبحوها .

قال : اضربوه ببعضها ، فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين ، فعاش ، فسألوه : من قتلك ؟

فقال لهم : ابن أخي ، قال : أقتله ، فآخذ ماله ، وأنكح ابنته .

فأخذوا الغلام فقتلوه .

وقال سنيد : حدثنا حجاج هو ابن محمد ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - دخل حديث بعضهم في حديث بعض - قالوا : إن سبطا من بني إسرائيل لما رأوا كثرة شرور الناس ، بنوا مدينة فاعتزلوا شرور الناس ، فكانوا إذا أمسوا لم يتركوا أحدا منهم خارجا إلا أدخلوه ، وإذا افتتحوا قام رئيسهم فنظر وأشرف ، فإذا لم ير شيئا فتح المدينة ، فكانوا مع الناس حتى يمسوا .

قال : وكان رجل من بني إسرائيل له مال كثير ، ولم يكن له وارث غير أخيه ، فطال عليه حياته فقتله ليرثه ، ثم حمله فوضعه على باب المدينة ، ثم كمن في مكان هو وأصحابه .

قال : فأشرف رئيس المدينة على باب المدينة فنظر ، فلم ير شيئا ففتح الباب ، فلما رأى القتيل رد الباب ، فناداه أخو المقتول وأصحابه : هيهات!

قتلتموه ثم تردون الباب .

وكان موسى لما رأى القتل كثيرا في أصحابه بني إسرائيل ، كان إذا رأى القتيل بين ظهراني القوم أخذهم ، فكاد يكون بين أخي المقتول وبين أهل المدينة قتال ، حتى لبس الفريقان السلاح ، ثم كف بعضهم عن بعض ، فأتوا موسى فذكروا له شأنهم .

قالوا : يا رسول الله ، إن هؤلاء قتلوا قتيلا ثم ردوا الباب ، وقال أهل المدينة : يا رسول الله قد عرفت اعتزالنا الشرور وبنينا مدينة ، كما رأيت ، نعتزل شرور الناس ، والله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا .

فأوحى الله تعالى إليه أن يذبحوا بقرة فقال لهم موسى : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) .

وهذه السياقات [ كلها ] عن عبيدة وأبي العالية والسدي وغيرهم ، فيها اختلاف ما ، والظاهر أنها مأخوذة من كتب بني إسرائيل وهي مما يجوز نقلها ولكن لا نصدق ولا نكذب فلهذا لا نعتمد عليها إلا ما وافق الحق عندنا ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قال أبو جعفر: وهذه الآية مما وبخ الله بها المخاطبين من بني إسرائيل، في نقض أوائلهم الميثاق الذي أخذه الله عليهم بالطاعة لأنبيائه, فقال لهم: واذكروا أيضا من نكثكم ميثاقي," إذ قال موسى لقومه " - وقومه بنو إسرائيل, إذ ادارءوا في القتيل الذي قتل فيهم إليه: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا).

و " الهزؤ": اللعب والسخرية, كما قال الراجز: (71) قــد هــزئت منــي أم طيســله قــالت أراه معدمــا لا شـيء لـه (72) يعني بقوله: قد هزئت: قد سخرت ولعبت.

ولا ينبغي أن يكون من أنبياء الله -فيما أخبرت عن الله من أمر أو نهي- هزؤ أو لعب.

فظنوا بموسى أنه في أمره إياهم -عن أمر الله تعالى ذكره بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه - أنه هازئ لاعب.

ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله, وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة.

* * * &; 2-183 &; وحذفت " الفاء " من قوله: (أتتخذنا هزوا)، وهو جواب, لاستغناء ما قبله من الكلام عنه, وحَسُن السكوت على قوله: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)، فجاز لذلك إسقاط" الفاء " من قوله: (أتتخذنا هزوا)، كما جاز وحسن إسقاطها من قوله تعالى قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا [ الحجر: 57 ، 58 الذاريات: 31 ، 32]، ولم يقل: فقالوا إنا أرسلنا.

ولو قيل " فقالوا " كان حسنا أيضا جائزا.

ولو كان ذلك على كلمة واحدة، لم تسقط منه " الفاء ".

وذلك أنك إذا قلت: " قمت ففعلت كذا وكذا "، لم تقل: " قمت فعلت كذا وكذا " (73) لأنها عطف، لا استفهام يوقف عليه.

فأخبرهم موسى -إذْ قالوا له ما قالوا- أن المخبر عن الله جل ثناؤه بالهزء والسخرية، من الجاهلين.

(74) وبرأ نفسه مما ظنوا به من ذلك فقال: (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين)، يعني من السفهاء الذين يروون عن الله الكذب والباطل.

* * * وكان سبب قيل موسى لهم: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة )، ما:- 1172 - حدثنا به محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أيوب, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة قال: كان في بني إسرائيل رجل عقيم -أو عاقر- قال: فقتله وليه, ثم احتمله فألقاه في سبط غير سبطه.

قال: فوقع بينهم فيه الشر حتى أخذوا السلاح.

قال: فقال أولو النهى: أتقتتلون وفيكم رسول الله ؟

قال: فأتوا نبي الله, فقال: اذبحوا بقرة!

فقالوا: أتتخذنا هزوا، قال: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ، إلى قوله: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ قال: فضرب، فأخبرهم بقاتله.

قال: ولم تؤخذ البقرة إلا بوزنها ذهبا، قال : &; 2-184 &; ولو أنهم أخذوا أدنى بقرة لأجزأت عنهم.

فلم يورث قاتل بعد ذلك.

(75) 1173 - وحدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثني أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قول الله (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).

قال: كان رجل من بني إسرائيل, وكان غنيا ولم يكن له ولد, وكان له قريب وارثه, فقتله ليرثه, ثم ألقاه على مجمع الطريق, (76) وأتى موسى فقال له: إن قريبي قتل وأُتي إلي أمر عظيم, وإني لا أجد أحدا يبين لي من قتله غيرك يا نبي الله.

قال: فنادى موسى في الناس: أنشد الله من كان عنده من هذا علم إلا بينه لنا.

فلم يكن عندهم علمه.

فأقبل القاتل على موسى فقال: أنت نبي الله, فاسأل لنا ربك أن يبين لنا.

فسأل ربه، فأوحى الله إليه: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).

فعجبوا وقالوا: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ - يعني: لا هرمة - وَلا بِكْرٌ - يعني: ولا صغيرة - عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ - أي: نصف، بين البكر والهرمة - قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا - أي: صاف لونها - تَسُرُّ النَّاظِرِينَ - أي تعجب الناظرين - قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ أي: لم يذللها العمل - تُثِيرُ الأَرْضَ - يعني ليست بذلول فتثير الأرض - وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ - يقول: ولا تعمل في الحرث - مُسَلَّمَةٌ ، يعني مسلمة من العيوب، لا شِيَةَ فِيهَا - يقول: لا بياض فيها - قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ &; 2-185 &; .

قال: ولو أن القوم حين أمروا أن يذبحوا بقرة، استعرضوا بقرة من البقر فذبحوها ، (77) لكانت إياها, ولكنهم شددوا على أنفسهم, فشدد الله عليهم.

ولولا أن القوم استثنوا فقالوا: وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ، لما هدوا إليها أبدا.

فبلغنا أنهم لم يجدوا البقرة التي نعتت لهم، إلا عند عجوز عندها يتامى, وهي القيمة عليهم.

فلما علمت أنهم لا يزكو لهم غيرها، (78) أضعفت عليهم الثمن.

فأتوا موسى فأخبروه أنهم لم يجدوا هذا النعت إلا عند فلانة, وأنها سألتهم أضعاف ثمنها.

فقال لهم موسى: إن الله قد كان خفف عليكم, فشددتم على أنفسكم, فأعطوها رضاها وحكمها.

ففعلوا، واشتروها فذبحوها.

فأمرهم موسى أن يأخذوا عظما منها فيضربوا به القتيل.

ففعلوا, فرجع إليه روحه, فسمى لهم قاتله, ثم عاد ميتا كما كان.

فأخذوا قاتله - وهو الذي كان أتى موسى فشكى إليه, - فقتله الله على أسوء عمله.

1174 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).

قال: كان رجل من بني إسرائيل مكثرا من المال, وكانت له ابنة، وكان له ابن أخ محتاج.

فخطب إليه ابن أخيه ابنته، فأبي أن يزوجه إياها, فغضب الفتى وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله، ولأنكحن ابنته، ولآكلن ديته!

فأتاه الفتى، وقد قدم تجار في أسباط بني إسرائيل, فقال: يا عم، انطلق معي فخذ لي من تجارة هؤلاء القوم، لعلي أصيب منها, (79) فإنهم إذا رأوك معي أعطوني.

فخرج العم مع الفتى ليلا فلما بلغ الشيخ ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع إلى أهله.

فلما أصبح، جاء كأنه يطلب عمه, كأنه لا يدري أين هو، فلم يجده.

فانطلق نحوه، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه, فأخذهم وقال: قتلتم عمي فأدوا إلي ديته.

وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادى: واعماه!

فرفعهم إلى موسى, فقضى عليهم بالدية, فقالوا له: يا رسول الله، ادع لنا ربك حتى يبين له من صاحبه، فيؤخذ صاحب الجريمة, (80) فوالله إن ديته علينا لهينة, ولكنا نستحي أن نعير به.

فذلك حين يقول الله جل ثناؤه: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ .

فقال لهم موسى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).

قالوا: نسألك عن القتيل وعمن قتله، وتقول: اذبحوا بقرة!

أتهزأ بنا؟

قال موسى: (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) - قال، قال ابن عباس: فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم, ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم - (81) فقالوا: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ - والفارض: الهرمة التي لا تلد, والبكر: التي لم تلد إلا ولدا واحدا, والعوان: النصف التي بين ذلك، التي قد ولدت وولد ولدها - فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ - قال: تعجب الناظرين - قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا - من بياض ولا سواد ولا حمرة - قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ .

فطلبوها فلم يقدروا عليها.

وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه, فكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح, فقال له الرجل: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفا؟

فقال له الفتى: كما أنت حتى يستيقظ أبي فآخذه بثمانين ألفا.

فقال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفا.

فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفا, وزاد الآخر على أن ينتظر حتى يستيقظ أبوه، حتى بلغ مائة ألف.

فلما أكثر عليه قال: لا والله، لا أشتريه منك بشيء أبدا, وأبى أن يوقظ أباه.

فعوضه الله من ذلك اللؤلؤ أن جعل له تلك البقرة.

فمرت به بنو إسرائيل يطلبون البقرة, فأبصروا البقرة عنده, فسألوه أن يبيعهم إياها بقرة ببقرة، فأبي, فأعطوه ثنتين فأبي, فزادوه حتى بلغوا عشرا، فأبي, فقالوا: والله لا نتركك حتى نأخذها منك.

فانطلقوا به إلى موسى فقالوا: يا نبي الله، إنا وجدنا البقرة عند هذا فأبي أن يعطيناها, وقد أعطيناه ثمنا.

فقال له موسى: أعطهم بقرتك.

فقال: يا رسول الله، أنا أحق بمالي.

فقال: صدقت.

وقال للقوم: أرضوا صاحبكم.

فأعطوه وزنها ذهبا فأبي, فأضعفوا له مثل ما أعطوه وزنها، حتى أعطوه وزنها عشر مرات, فباعهم إياها وأخذ ثمنها.

فقال: اذبحوها.

فذبحوها فقال: اضربوه ببعضها.

فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش, فسألوه: من قتلك؟

فقال لهم: ابن أخي، قال: أقتله، وآخذ ماله، وأنكح ابنته.

فأخذوا الغلام فقتلوه.

1175 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة - 1176 - وحدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب, عن ابن زيد, عن مجاهد - 1177 - وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثني خالد بن يزيد, عن مجاهد - 1178 - وحدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل: أنه سمع وهبا يذكر - 1179 - وحدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد - وحجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - 1180 - وحدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، أخبرني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس - - فذكر جميعهم أن السبب الذي من أجله قال لهم موسى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة)، نحو السبب الذي ذكره عبيدة وأبو العالية والسدي، غير أن بعضهم ذكر أن الذي قتل القتيل الذي اختصم في أمره إلى موسى، كان أخا المقتول، وذكر بعضهم أنه كان ابن أخيه، وقال بعضهم: بل كانوا جماعة ورثة استبطئوا حياته.

إلا أنهم جميعا مجمعون على أن موسى إنما أمرهم بذبح البقرة من أجل القتيل إذ احتكموا إليه - عن أمر الله إياهم بذلك - (82) فقالوا له: وما ذبح البقرة؟

يبين لنا خصومتنا التي اختصمنا فيها إليك في قتل من قتل، فادُّعِي على بعضنا أنه القاتل!

أتهزأ بنا؟

كما:- 1181 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: قتل قتيل من بني إسرائيل, فطرح في سبط من الأسباط، فأتى أهل ذلك القتيل إلى ذلك السبط فقالوا: أنتم والله قتلتم صاحبنا.

قالوا: لا والله.

فأتوا موسى فقالوا: هذا قتيلنا بين أظهرهم، وهم والله قتلوه!

فقالوا: لا والله يا نبي الله، طرح علينا!

فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة.

فقالوا: أتستهزئ بنا؟

وقرأ قول الله جل ثناؤه: (أتتخذنا هزوا).

قالوا: نأتيك فنذكر قتيلنا والذي نحن فيه، فتستهزئ بنا؟

فقال موسى: (أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين).

1182 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد وحجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القرظي, ومحمد بن قيس: لما أتى أولياء القتيل والذين ادعوا عليهم قتل صاحبهم - موسى وقصوا قصتهم عليه, أوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة, فقال لهم موسى: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين).

قالوا: وما البقرة والقتيل؟

قال: أقول لكم: " إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة "، وتقولون: " أتتخذنا هزوا ".

------------------ الهوامش : (71) هو صخير بن عمير التميمي ، ويقال إن القصيدة للأصمعي نفسه .

(72) الأصمعيات : 58 ، وأمالي القالي 2 : 284 ، وانظر تحقيق ما قيل فيها في تعليق سمط اللآلي للراجكوتي : 930 وروايتهم جميعا : تهــزأ منــي أخــت آل طيسـله .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

ويروى"مملقا لا شيء له" و"مبلطا" ، وكلها بمعنى واحد : فقيرا لا شيء له .

(73) في المطبوعة : "قمت وفعلت" وفي المطبوعة : "ولم تقل : قمت .

.

" بزيادة الواو ، وهو فاسد .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 44 .

(74) سياق معناه : أخبرهم موسى أن المخبر عن الله بهُزُء وسخرية ، هو من الجاهلين .

(75) الأثر : 1172 - عبيدة ، بفتح العين وبعد الباء الموحدة ياء تحتية : هو عبيدة السلماني .

وهذا الأثر نقله ابن كثير 1 : 197 - 198 ، من رواية ابن أبي حاتم ، من طريق هشام بن حسان"عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني" .

ثم أشار إلى رواية الطبري هذه .

وقد مضى أثر آخر : 245 من رواية أيوب وابن عون ، عن ابن سيرين ، عن"عبيدة" .

ورجحنا هناك أن صوابه"عبيدة" .

فهذا الإسناد الذي هنا يؤيد ما رجحنا .

(76) مجمع الطريق : هو حيث يلتقى الناس ويجتمعون ، أو حيث تلتقى الطرق .

(77) استعرضوا : أخذوا من عرض البقر (بضم العين وسكون الراء) فلم يبالوا أيها أخذوا .

والعرض : الوجه والناحية ، أي ما يعرض لك من الشيء .

(78) تقول : "هذا الأمر لا يزكو بفلان" أي لا يليق به ولا يصلح له .

فقوله : "لا يزكو لهم غيرها" أي لا يصلح لهم غيرها ولا ينفع فيما أمرهم الله به .

(79) في المطبوعة : "أصيب فيها" ، وهو خطأ ، والصواب من تفسير ابن كثير 1 : 200 .

أصاب الإنسان من المال وغيره : تناول وأخذ .

ويريد أصيب منها ربحا .

(80) في المطبوعة : "ادع لنا حتى يتبين" .

ونص ابن كثير في تفسيره 1 : 200"ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه ، فيؤخذ صاحب القضية" .

(81) أعنته وتعنته : سأله عن شيء أراد به اللبس عليه والمشقة .

(82) الأجود أن يكون"عن أمر الله إياه بذلك" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلينقوله تعالى : وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : إن الله يأمركم حكي عن أبي عمرو أنه قرأ " يأمركم " بالسكون ، وحذف الضمة من الراء لثقلها .

قال أبو العباس المبرد : لا يجوز هذا لأن الراء حرف [ ص: 415 ] الإعراب ، وإنما الصحيح عن أبي عمرو أنه كان يختلس الحركة .

أن تذبحوا في موضع نصب ب " يأمركم " أي : بأن تذبحوا .

" بقرة " نصب ب " تذبحوا " .

وقد تقدم معنى الذبح ، فلا معنى لإعادته .الثانية : قوله تعالى : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة مقدم في التلاوة وقوله : قتلتم نفسا مقدم في المعنى على جميع ما ابتدأ به من شأن البقرة .

ويجوز أن يكون قوله : قتلتم في النزول مقدما ، والأمر بالذبح مؤخرا .

ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها ، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع في أمر القتل ، فأمروا أن يضربوه ببعضها ، ويكون وإذ قتلتم مقدما في المعنى على القول الأول حسب ما ذكرنا ؛ لأن الواو لا توجب الترتيب .

ونظيره في التنزيل في قصة نوح بعد ذكر الطوفان وانقضائه في قوله : حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين إلى قوله إلا قليل .

فذكر إهلاك من هلك منهم ثم عطف عليه بقوله : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها .

فذكر الركوب متأخرا في الخطاب ، ومعلوم أن ركوبهم كان قبل الهلاك .

وكذلك قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما .

وتقديره : أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا ، ومثله في القرآن كثير .الثالثة : لا خلاف بين العلماء أن الذبح أولى في الغنم ، والنحر أولى في الإبل ، والتخير في البقر .

وقيل : الذبح أولى ؛ لأنه الذي ذكره الله ، ولقرب المنحر من المذبح .

قال ابن المنذر : لا أعلم أحدا حرم أكل ما نحر مما يذبح ، أو ذبح مما ينحر .

وكره مالك ذلك .

وقد يكره المرء الشيء ولا يحرمه .

وسيأتي في سورة " المائدة " أحكام الذبح والذابح وشرائطهما عند قوله تعالى : إلا ما ذكيتم مستوفى إن شاء الله تعالى .

قال الماوردي : وإنما أمروا - والله أعلم - بذبح بقرة دون غيرها ؛ لأنها من جنس ما عبدوه من العجل ليهون عندهم ما كان يرونه من تعظيمه ، وليعلم بإجابتهم ما كان في نفوسهم من عبادته .

وهذا المعنى علة في ذبح البقرة ، وليس بعلة في جواب السائل ، ولكن المعنى فيه أن يحيا القتيل بقتل حي ، فيكون أظهر لقدرته في اختراع الأشياء من أضدادها .الرابعة : قوله تعالى : بقرة البقرة اسم للأنثى ، والثور اسم للذكر مثل ناقة وجمل [ ص: 416 ] وامرأة ورجل .

وقيل : البقرة واحد البقر ، الأنثى والذكر سواء .

وأصله من قولك : بقر بطنه ، أي : شقه ، فالبقرة تشق الأرض بالحرث وتثيره .

ومنه الباقر لأبي جعفر محمد بن علي زين العابدين ؛ لأنه بقر العلم وعرف أصله ، أي : شقه .

والبقيرة : ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كمين .

وفي حديث ابن عباس في شأن الهدهد ( فبقر الأرض ) .

قال شمر : بقر نظر موضع الماء ، فرأى الماء تحت الأرض .

قال الأزهري : البقر اسم للجنس وجمعه باقر .

ابن عرفة : يقال : بقير وباقر وبيقور .

وقرأ عكرمة وابن يعمر " إن الباقر " .

والثور : واحد الثيران .

والثور : السيد من الرجال .

والثور القطعة من الأقط .

والثور : الطحلب ، وثور : جبل .

وثور : قبيلة من العرب .

وفي الحديث : ووقت العشاء ما لم يغب ثور الشفق يعني انتشاره ، يقال : ثار يثور ثورا وثورانا إذا انتشر في الأفق وفي الحديث : ( من أراد العلم فليثور القرآن ) .

قال شمر : تثوير القرآن : قراءته ومفاتشة العلماء به .قوله تعالى : قالوا أتتخذنا هزوا هذا جواب منهم لموسى عليه السلام لما قال لهم : إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة وذلك أنهم وجدوا قتيلا بين أظهرهم ، قيل : اسمه عاميل واشتبه أمر قاتله عليهم ، ووقع بينهم خلاف ، فقالوا : نقتتل ورسول الله بين أظهرنا ، فأتوه وسألوه البيان - وذلك قبل نزول القسامة في التوراة ، فسألوا موسى أن يدعو الله فسأل موسى عليه السلام ربه فأمرهم بذبح بقرة ، فلما سمعوا ذلك من موسى وليس في ظاهره جواب عما سألوه عنه واحتكموا فيه عنده ، قالوا : أتتخذنا هزؤا والهزء : اللعب والسخرية ، وقد تقدم .

وقرأ الجحدري " أيتخذنا " بالياء ، أي : قال ذلك بعضهم لبعض ، فأجابهم موسى عليه السلام بقوله : أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل ، فاستعاذ منه عليه السلام ، لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء .

والجهل نقيض العلم .

فاستعاذ من الجهل ، كما جهلوا في قولهم : أتتخذنا هزؤا " لمن يخبرهم عن الله تعالى ، وظاهر هذا القول يدل على فساد اعتقاد من قاله .

ولا يصح إيمان من قال لنبي قد ظهرت معجزته ، وقال : إن الله يأمرك بكذا : أتتخذنا هزؤا ، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لوجب تكفيره .

وذهب قوم إلى أن ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء والمعصية ، على نحو ما قال القائل للنبي صلى الله عليه وسلم في قسمة غنائم حنين : إن هذه لقسمة ما [ ص: 417 ] أريد بها وجه الله .

وكما قال له الآخر : اعدل يا محمد وفي هذا كله أدل دليل على قبح الجهل ، وأنه مفسد للدين .قوله تعالى : " هزوا " مفعول ثان ، ويجوز تخفيف الهمزة تجعلها بين الواو والهمزة .

وجعلها حفص واوا مفتوحة ؛ لأنها همزة مفتوحة قبلها ضمة فهي تجري على البدل ، كقوله : السفهاء ولكن .

ويجوز حذف الضمة من الزاي كما تحذفها من عضد ، فتقول : هزؤا ، كما قرأ أهل الكوفة ، وكذلك " ولم يكن له كفؤا أحد " .

وحكى الأخفش عن عيسى بن عمر أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ففيه لغتان : التخفيف والتثقيل ، نحو العسر واليسر والهزء .

ومثله ما كان من الجمع على فعل ككتب وكتب ، ورسل ورسل ، وعون وعون .

وأما قوله تعالى : وجعلوا له من عباده جزءا فليس مثل هزء وكفء ؛ لأنه على فعل ، من الأصل .

على ما يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى .مسألة : في الآية دليل على منع الاستهزاء بدين الله ودين المسلمين ومن يجب تعظيمه ، وأن ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد .

وليس المزاح من الاستهزاء بسبيل ، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح والأئمة بعده .

قال ابن خويز منداد : وقد بلغنا أن رجلا تقدم إلى عبيد الله بن الحسن وهو قاضي الكوفة فمازحه عبيد الله فقال : جبتك هذه من صوف نعجة أو صوف كبش فقال له : لا تجهل أيها القاضي ، فقال له عبيد الله : وأين وجدت المزاح جهلا ؟

فتلا عليه هذه الآية ، فأعرض عنه عبيد الله ؛ لأنه رآه جاهلا لا يعرف المزح من الاستهزاء ، وليس أحدهما من الآخر بسبيل .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: واذكروا ما جرى لكم مع موسى, حين قتلتم قتيلا, وادارأتم فيه, أي: تدافعتم واختلفتم في قاتله, حتى تفاقم الأمر بينكم وكاد - لولا تبيين الله لكم - يحدث بينكم شر كبير، فقال لكم موسى في تبيين القاتل: اذبحوا بقرة، وكان من الواجب المبادرة إلى امتثال أمره, وعدم الاعتراض عليه، ولكنهم أبوا إلا الاعتراض, فقالوا: { أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } فقال نبي الله: { أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } فإن الجاهل هو الذي يتكلم بالكلام الذي لا فائدة فيه, وهو الذي يستهزئ بالناس، وأما العاقل فيرى أن من أكبر العيوب المزرية بالدين والعقل, استهزاءه بمن هو آدمي مثله، وإن كان قد فضل عليه, فتفضيله يقتضي منه الشكر لربه, والرحمة لعباده.

فلما قال لهم موسى ذلك، علموا أن ذلك صدق؛ فـ:

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} البقرة هي الأنثى من البقر يقال: هي مأخوذة من البقر وهو الشق، سميت به لأنها تشق الأرض للحراثة.

والقصة: فيه أنه كان في بني إسرائيل رجل غني وله ابن عم فقير لا وارث له سواه، فلما طال عليه موته قتله ليرثه، وحمله إلى قرية أخرى وألقاه بفنائهم، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى موسى يدعي عليهم القتل، فسألهم موسى فجحدوا، واشتبه أمر القتيل على موسى، قال الكلبي: "وذلك قبل نزول القسامة في التوراة، فسألوا موسى أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه، فأمرهم الله بذبح بقرة فقال لهم موسى: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة".

{قالوا أتتخذنا هزواً} أي: تستهزئ بنا، نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة!!.

وإنما قالوا ذلك لبعد بين الأمرين في الظاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه.

قرأ حمزة (هزوا) و(كفوا) بالتخفيف وقرأ الآخرون بالتثقيل، وبترك الهمزة حفص.

{قال} موسى.

{أعوذ بالله} أمتنع بالله.

{أن أكون من الجاهلين} أي من المستهزئين بالمؤمنين.

وقيل: من الجاهلين بالجواب لا على وفق السؤال لأن الجواب لا على وفق السؤال جهل، فلما علم (القوم) أن ذبح البقرة عزم من الله عز وجل استوصفوها، ولو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة، وذلك أنه كان في بني إسرائيل رجل صالح له (ابن) طفل وله عجلة أتى بها إلى غيضة وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة لابني حتى تكبر، ومات الرجل فصارت العجلة في الغيضة عواناً، وكانت تهرب من كل من رآها فلما كبر الابن وكان باراً بوالدته، وكان يقسم الليل ثلاثة أثلاث يصلي ثلثاً وينام ثلثاً، ويجلس عند رأس أمه ثلثاً، فإذا أصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتي به إلى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه، ويأكل بثلثه، ويعطي والدته ثلثه، فقالت له أمه يوماً: إن أباك ورثك عجلة استودعها الله في غيضة كذا فانطلق وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق أن يردها عليك وعلامتها أنك إذا نظرت إليها يخيل إليك أنها شعاع الشمس يخرج من جلدها، وكانت تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها، فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى فصاح بها وقال: أعزم بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب أن تأتي إلي فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها، فتكلمت البقرة بإذن الله تعالى فقالت: أيها الفتى البار بوالدتك اركبني فإن ذلك أهون عليك، فقال الفتى: إن أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذ بعنقها، فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لوركبتني ما كنت تقدر علي أبداً فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك بأمك، فسار الفتى بها إلى أمه فقالت له: إنك فقير لا مال لك فيشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة، قال: بكم أبيعها؟

قالت: بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتي وكان ثمن البقرة يومئذ ثلاثة دنانير، فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكاً ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بر بوالدته، وكان الله به خبيراً فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟

قال: بثلاثة دنانير وأشترط عليك رضى والدتي فقال الملك: لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك، فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهباً لم آخذه إلا برضى أمي، فردها إلى أمه فأخبرها بالثمن فقالت: ارجع فبعها بستة دنانير على رضى مني، فانطلق بها إلى السوق وأتى الملك فقال: استأمرت أمك فقال الفتى: إنها أمرتني أن لا أنقصها عن ستة على أن أستأمرها فقال الملك: فإني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها، فأبى الفتى، فرجع إلى أمه فأخبرها، فقالت إن الذي يأتيك ملك بصورة آدمي ليختبرك فإذا آتاك فقل له: أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟

(ففعل)، فقال له الملك: اذهب إلى أمك وقل لها أمسكي هذه البقرة فإن موسى بن عمران عليه السلام يشتريها منك لقتيل يقتل في بني إسرائيل فلا تبيعوها إلا بملء مسكها دنانير، فأمسكوها، وقدر الله تعالى على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفون موسى حتى وصف لهم تلك البقرة، مكافأة له على بره بوالدته فضلاً منه ورحمة ( فذلك ):

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر «إذ قال موسى لقومه» وقد قُتل لهم قتيل لا يُدرى قاتله وسألوه أن يدعو الله أن يبينه لهم فدعاه «إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً» مهزوءاً بنا حيث تجيبنا بمثل ذلك «قال أعوذ» أمتنع «بالله أن أكون من الجاهلين» المستهزئين.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا يا بني إسرائيل جناية أسلافكم، وكثرة تعنتهم وجدالهم لموسى عليه الصلاة والسلام، حين قال لهم: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة، فقالوا -مستكبرين-: أتجعلنا موضعًا للسخرية والاستخفاف؟

فردَّ عليهم موسى بقوله: أستجير بالله أن أكون من المستهزئين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ساق القرآن بعد ذلك قصة من قصص بني إسرائيل تدل على تنطعهم في الدين ، ومحاولتهم تضييق ما وسعه الله عليهم ، وتهربهم من الانصياع لكلمة الحق ، وتشككهم في صدق أنبيائهم ، وتعنتهم في السؤال .

وهذه القصة هي قصة أمرهم على لسان نبيهم موسى - عليه السلام - بذبح بقرة .

استمع إلى القرآن الكريم ، وهو يحكي هذه القصة بأسلوبه البليغ الحكيم فيقول :( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً .

.

.

)روى المفسرون أنه كان في بني إسرائيل رجل غني ، وله ابن عم فقير لا وارث له سواه ، فلما طال عليه موته قتله ليرثه ، وحمله إلى قرية أخرى فالقاه فيها ، ثم أصبح يطلب ثأره وجاء بناس إلى نبيهم موسى - عليه السلام - يدعى عليهم القتل ، فسألهم موسى - عليه السلام - فجحدوا فسألوه أن يدعو الله ليبين لهم بدعائه القاتل الحقيقي ، فدعا موسى ربه فأوحى الله - تعالى - إليه أن يطلب منهم أن يذبحوا بقرة ، فقال لهم موسى : ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً .

.

.

) .وقد ساق القرآن الكريم هذه القصة بأسلوبه البديع الذي يأخذ بمجامع القلوب ، ويحرك النفوس إلى النظر والاعتبار ، فقال تعالى :( وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قالوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ) .ومعنى الآية الكريمة : واذكروا يا بني إسرائيل - لتعتبروا وتتعظوا وقت أن حدث في أسلافكم قتيل ولم يعرف الجاني .

فطلب بعض أهله وغيرهم ممن يهمه الأمر من موسى - عليه السلام - أن يدعو الله - تعالى - ليكشف لهم عن القاتل الحقيقي ، فقال لهم ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) فدهشوا وقالوا بسفاهة وحماقة ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) أي أتجعلنا موضع سخريتك؟

( قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ) الذين يخبرون عنه بما لم يأمر به .والذي عليه جمهور المفسرين أمرهم بذبح البقرة كان بعد تنازعهم في شأن القاتل من هو؟

وذلك ليعرف القاتل الحقيقي إذا ضرب القتيل ببعضها ، كما سيأتي في قوله تعالى : ( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) .وقد أمرهم الله - تعالى - بذبح بقرة دون غيرها من الحيوانات؛ لأنها من جنس ما عبدوه وهو العجل ، وفي أمرهم بذلك تهوين لشأن هذا الحيوان الذي عظموه وعبدوه وأحبوه فكأنه - سبحانه - يقول لهم : إن هذا البقر الذي يضرب به المثل في البلادة ، لا يصلح أن يكون معبوداً من دون الله ، وإنما يصلح للحرث والسقى والعمل والذبح .وقولهم ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) يدل على سفههم وسوء ظنهم بنبيهم وعدم توقيرهم له وجهلهم بعظمة الله - تعالى - وما يجب أن يقابل به أمره من الانقياد والامتثال ، لأنهم لو كانوا عقلاء لامتثلوا أمر نبيهم ، وانتظروا النتيجة بعد ذلك .

ولكنهم قوم لا يعقلون .ولما كان قولهم هذا القول يدل على اعتقادهم بأن موسى - عليه السلام - قد أخبر عن الله بما لم يؤمر به ، أجابهم موسى بقوله : ( أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ) : أي ألتجئ إلى الله وأبرأ إليه من أن أكون من السفهاء الذين يروون عنه الكذاب والباطل ، وفي هذا الجواب تبرؤ وتنزهه عن الهزء ، وهو المزاح الذي يخالطه احتقاره واستخفاف بالممازح معه - لأنه لا يليق بعقلاء الناس فضلا عن رسل الله - عليهم السلام - كما أن فيه - أيضاً - رداً لهم - عن طريق التعريض بهم - إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق ، حيث بين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بمن يجهل عظمة الله - تعالى- .قال فضيلة المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين عند تفسيره للآية الكريمة :( وقد نبهت الآية الكريمة ، على أن الاستهزاء بأمر من أمور الدين جهل كبير ، ومن الجهل ما يلقى صاحبه في أسوأ العواقب ، ويقذف به في عذاب الحريق ، ومن هنا منع المحققون من أهل العلم استعمال الآيات كأمثال يضربونها في مقام المزح والهزل ، وقالوا : إنما أنزل القرآن الكريم ليتلى يتدبر وخشوع ، وليعمل به بتقبل وخضوع ) .هذا وما أرشدهم إليه نبيهم - عليه السلام - كان كافياً لحملهم على أن يذبحوا أي بقرة تنفيذاً لأمر ربهم ، ولكن طبيعتهم الملتوية المعقدة لم تفارقهم ، فأخذوا يسألون كما أخبر القرآن عنهم بقوله : ( ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ) ؟أي : قال بنو إسرائيل لموسى اطلب لنا من ربك أن يبين لنا حالها وصفاتها .

وسبب سؤالهم عن صفتها ، تعجبهم من بقرة مذبوحة بأيديهم ، يضرب ببعضها ميت لتعود إليه الحياة ، وكأنهم - لقلة فهمهم - قد توقعوا أن البقرة التي يكون لها أثر في معرفة قاتل القتيل ، لا بد أن تكون لها صفة متميزة عن سائر جنسها .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات.

روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض.

المسألة الثانية: أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير.

المسألة الثالثة: القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم، وقال منكروا العموم: إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة.

يمكن تقسيمه إلى قسمين، فإنه يصح أن يقال: اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت، فإذن المفهوم من قولك اذبح معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله: اذبحوا بقرة، أي بقرة شئتم، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله: اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله: اذبحوا بقرة معينة نقضاً، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول.

الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ اذبحوا بَقَرَةٌ ﴾ كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد، فإذن قوله: اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ.

الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ بَقَرَةٌ ﴾ لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال: رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم.

والجواب: أن هذا مصادرة على المطلوب الأول، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله: اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت، وهذا هو عين المتنازع فيه.

فهذا هو الكلام في هذه المسألة.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في أن قوله تعالى: ﴿ اذبحوا بَقَرَةٌ ﴾ هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا: إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة، وقال المانعون منه: هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا هاهنا.

واحتج الفريق الأول بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ و ﴿ مَا لَوْنُهَا ﴾ وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض ﴾ منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة.

الثاني: أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك، والأول هو المطلوب، والثاني: يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم.

فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال: إنها كنايات عن القصة والشأن، وهذه طريقة مشهورة عند العرب؟

قلنا: هذا باطل لوجوه: أحدها: أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد، لأنه لا فائدة في قوله: ﴿ بَقَرَةٌ صَفْرَاء ﴾ بل لابد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذا المحذور.

وثانيها: أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل.

وثالثها: أن الضمير في قوله: ﴿ مَا لَوْنُهَا وَمَا هِىَ ﴾ لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء ﴾ عائداً إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقاً للسؤال.

الثالث: أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة، فلما سكتوا هاهنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين.

واحتج الفريق الثاني بوجوه: أحدها: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت، وذلك يقتضي العموم، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفاً جديداً.

وثانيها: لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه، فلما عنفهم الله تعالى في قوله: ﴿ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة معينة.

الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.

ورابعها: أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز، والجواب: عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة، أي بقرة كانت، وعن الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه، وعن الثالث: أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى، وعن الرابع: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع.

واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت، فلابد وأن نقول: التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول: أي بقرة كانت، وثانياً: أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

ثم اختلف القائلون بهذا المذهب، منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع، ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلابد من كونه تكليفاً بعد تكليف، وذلك يدل على أن الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، وله أيضاً تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ هُزُواً ﴾ بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤاً وكفء وقرأ حفص: (هزواً) بالضمتين والواو وكذلك كفواً.

المسألة الثانية: قال القفال قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً ﴾ استفهام على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال: كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى: ﴿ فاتخذتموهم سِخْرِيّاً  ﴾ قال صاحب الكشاف: (أتتخذنا هزؤاً) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء.

المسألة الثالثة: القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى: اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حياً فلا جرم، وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حياً بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام: أتتخذنا هزؤاً لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر.

ومن الناس من قال: إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين: الأول: أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة، وذلك لايوجب الكفر.

الثاني: أن معنى قوله تعالى: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً ﴾ أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازاً هذا هو الوجه الأقوى.

وثانيها: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء.

وثالثها: قال بعضهم: إن نفس الهزء قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللغة: إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم.

واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة: السؤال الأول: ما حكى الله تعالى عنهم أنهم: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ فأجاب موسى عليه السلام بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ واعلم أن في الآية أبحاثاً: الأول: أنا إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.

أما على قول من يقول: إنه في أصل اللغة للعموم فلابد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار؟

وفيه وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً تعجبوا من أمر تلك البقرة، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام.

وثانيها: لعل القوم أرادوا بقرة، أي بقرة كانت، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، لما وقعت المنازعة فيه، رجعوا عند ذلك إلى موسى.

وثالثها: أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلباً لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.

البحث الثاني: أن سؤال ما هي طلب لتعريف الماهية والحقيقة، لأن ما سؤال، وهي إشارة إلى الحقيقة، فما هي لابد وأن يكون طلباً للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقاً لهذا السؤال: والجواب عنه: أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم: ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جواباً عن هذا السؤال.

البحث الثالث: قال صاحب الكشاف: الفارض المسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر: الفتية والعوان النصف، قال القاضي: أما البكر، فقيل: إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد، وقيل: إنها التي ولدت مرة واحدة، قال المفضل بن سلمة (الضبي): إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطناً واحداً.

قال القفال: البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال: بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل، وقال بعضهم: العوان التي ولدت بطناً بعد بطن.

وحرب عوان: إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وحاجة عوان: إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.

البحث الرابع: احتج العلماء بقوله تعالى: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك ﴾ على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وهاهنا سؤالان: الأول: لفظة بين تقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟

الجواب: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

السؤال الثاني: كيف جاز أن يشار بلفظه: (ذلك) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر؟

الجواب: جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ ففيه تأويلان: الأول: فافعلوا ما تؤمرون به من قولك: أمرتك الخير.

والثاني: أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير.

واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال.

ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ﴾ واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها: ﴿ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر، وهاهنا سؤالان: الأول: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء؟

الجواب: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك: صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.

السؤال الثاني: فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟

الجواب: الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده وجنون مجنون.

وعن وهب: إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

أما قوله تعالى: ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها، قال الحسن: الصفراء هاهنا بمعنى السوداء، لأن العرب تسمي الأسود أصفر، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان: ﴿ كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ  ﴾ أي سود، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة، فلم يكن حقيقة فيه، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع، إنما يقال: أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً»، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ ، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة.

أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة.

المسألة الثالثة: احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ من وجهين: الأول: أن دخول كلمة أن عليه يقتضي الحدوث.

والثاني: وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية.

ولنرجع إلى التفسير، فأما قوله تعالى: ﴿ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ ﴾ ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا: ما هو طلب بيان الحقيقة، والمذكور هاهنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال؟

وقد تقدم جوابه.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا ﴾ فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و(قرئ) تشابهت ومتشابهة ومتشابه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ ﴾ ففيه وجوه ذكرها القفال.

أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها.

وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها.

وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث.

ورابعها: إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض ﴾ وقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث ولا الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية، وجملة القول أن الذلول بالعمل لابد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص.

أما قوله تعالى: ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: من العيوب مطلقاً.

وثانيها: من آثار العمل المذكور.

وثالثها: مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس.

ورابعها: مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله: ﴿ لاشية فيها ﴾ تكراراً غير مفيد، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله: ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر: أما قوله تعالى: ﴿ لاشية فيها ﴾ فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله: ﴿ لاشية فيها ﴾ روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون، والوشي خلط لون بلون.

ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا: ﴿ الآن جئت بالحق ﴾ أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل، قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ الآن جئت بالحق ﴾ كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً.

أما قوله تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وهاهنا بحث: وهو أن النحويين ذكروا لكاد تفسيرين.

الأول: قالوا: إن نفيه إثبات وإثباته نفي.

فقولنا: كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا: ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله.

والثاني: وهو اختيار الشيخ عبد القاهر (الجرجاني) النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية.

وهاهنا أبحاث: البحث الأول: روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.

البحث الثاني: روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر، قال: فتلوت الآية عليه فقال: الذبح والنحر سواء، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحاً والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي.

البحث الثالث: اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة، وعلى كلا الوجهين، فالاحجام عن المأمور به غير جائز، أما الأول: فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقاً.

وأما الثاني: وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف، فإن القود إذا كان واجباً عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سبباً للتثاقل في هذا الفعل.

البحث الرابع: احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب.

قال القاضي: إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجباً وأيضاً فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر.

وأقول: حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول: إنه ينافي الوجوب أيضاً فلعله فهم الوجوب هاهنا بسبب آخر سوى الأمر، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعاً إلا على وجه الوجوب.

والجواب: أن المذكور مجرد قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم.

البحث الخامس: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، قالوا: لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا ﴾ فاعلم أن وقوع ذلك القتل لابد وأن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح.

أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لابد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفساً من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، وذلك مستقيم.

فإن قيل: هب أنه لا خلل في هذا النظم، ولكن النظم الآخر كان مستحسناً فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟

قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع.

أما قوله تعالى: ﴿ فادرأتم فِيهَا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدافعه ويزاحمه.

وثانيها: أدارأتم ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره.

وثالثها: دفع بعضكم بعضاً عن البراءة والتهمة، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع.

فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه، قال القفال: والكناية في (فيها) للنفس، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله: ﴿ قُتِلْتُمْ ﴾ يدل على المصدر.

أما قوله تعالى: ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل.

فإن قيل: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟

قلنا: قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ  ﴾ وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم، فقلنا ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أي لابد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لابد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال: لابد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه.

المسألة الثانية: الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه.

المسألة الثالثة: تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره.

قال عليه الصلاة والسلام: «إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» وكذلك المعصية.

وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ للتعقيب، وذلك يدل على أن قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ حصل عقيب قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .

المسألة الثانية: الهاء في قوله تعالى: ﴿ اضربوه ﴾ ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

المسألة الثالثة: يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين، بل على التخير بينها وبين غيرها وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء؟

الجواب: الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان.

السؤال الثاني: هلا أمر بذبح غير البقرة، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو؟

والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير.

واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه.

المسألة الخامسة: في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ وعليه هو كقوله تعالى: ﴿ اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت  ﴾ أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً: وقتلاً.

أما قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت.

والثاني: أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم؟

فيه وجهان.

الأول: قال الأصم: إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر.

قال القاضي: وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت، ثم قال: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ فجمع ﴿ الموتى ﴾ ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال: دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته.

الثاني: قال القفال: ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل: إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى ﴾ إلى قوله: ﴿ لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  ﴾ فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً، ثم قال لهم: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة.

المسألة الثانية: من الناس من استدل بقوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ فلقائل أن يقول: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟

والجواب: أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات.

العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً.

وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ففيه بحثان: الأول: أن كلمة لعل قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

الثاني: أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلاً امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لابد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص، حتى لا ينكروا البعث، هذا آخر الكلام في تفسير الآية.

واعلم أن كثيراً من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟

قالوا: لا.

لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلاً في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلاً.

قال القاضي: لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا؟

وبتقدير أن يكون وارثاً له فهل حرم الميراث أم لا؟

وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملاً ولا مفصلاً، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف.

واعلم أن الذي قاله القاضي حق، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول: اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمداً كان أو خطأ أو كان مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، وعند أبي حنيفة رحمه الله، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه، وكذا القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب، وقال عثمان البتي: قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث، وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي.

واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس للقاتل من الميراث شيء» إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، ثم هاهنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصاً سبب آخر، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جداً على القوي جداً.

أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به.

واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروماً عن الميراث بأنا لا نعلم خلافاً أن من وجب له القود على إنسان فقتله قوداً أنه لا يحرم من الميراث، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزواً بنا، أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء ﴿ مِنَ الجاهلين ﴾ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه.

وقرى ﴿ هزؤاً ﴾ بضمتين.

و ﴿ هزءاً ﴾ بسكون الزاي، نحو كفؤا وكفؤاً.

وقرأ حفص: ﴿ هزواً ﴾ بالضمتين والواو وكذلك ﴿ كفواً ﴾ .

والعياذ واللياذ من واد واحد.

في قراءة عبد الله: ﴿ سل لنا ربك ما هي ﴾ ؟

سؤال عن حالها وصفتها.

وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر.

والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض.

قال خفاف بن ندبة: لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً ** تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.

والبكر: الفتية.

والعوان النصف.

قال: نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ وقد عوّنْت.

فإن قلت: ﴿ بَيْنَ ﴾ يقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ﴿ ذلك ﴾ قلت: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟

قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام، كما جعلوا (فعل) نائباً عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالاً كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك.

وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا.

قال أبو عبيدة: قلت: لرؤبة في قوله: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وبَلَق ** كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إن أردت الخطوط فقل: كأنها.

وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما.

فقال: أردت كأن ذاك ويلك!

والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات.

ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ﴿ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله: أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير.

الفقوع: أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه.

يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق.

وأحمر قاني وذريحي.

وأخضر ناضر ومدهامّ.

وأورق خطبانيّ وأرمك ردانيّ.

فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون، فلم يقع توكيداً لصفراء قلت: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.

فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟

وأي فائدة في ذكر اللون؟

قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون.

وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.

وعن علي رضي الله عنه: من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى: ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري ﴿ صَفْرآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ : سوداء شديدة السواد.

ولعله مستعار من صفة الإبل؛ لأن سوادها تعلوه صفرة.

وبه فسر قوله تعالى: ﴿ جمالات صُفْرٌ ﴾ [المرسلات: 33] .

قال الأعشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ** هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ ﴿ مَا هِىَ ﴾ مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم» والاستقصاء شؤم.

وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبدأ؟

فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتني: بأي نوع منها أبدأ؟

وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطي فلاناً شاة سألتني: أضائن أم ماعز؟

فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟

فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟

فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني.

وفي الحديث: «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسئلته» ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا ﴾ أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح وقرئ: ﴿ تشّابه ﴾ ، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين.

وتشابهت ومتشابهة ومتشابه.

وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشَّابه، بالياء والتشديد.

جاء في الحديث: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أي: لو لم يقولوا إن شاء الله.

والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها.، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، و(لا) الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي.

على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: لا ذلول، بمعنى لا ذلول هناك: أي حيث هي، وهو نفي لذلها؛ ولأن توصف به فيقال: هي ذلول.

ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان.

أي فيهم، أو حيث هم.

وقرئ ﴿ تُسقي ﴾ بضم التاء من أسقى ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله: أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِه ** مَا حَجَّ رَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان ﴿ لاَّ شِيَةَ فِيهَا ﴾ لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها.

وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لوناً آخر، ومنه ثور موشى القوائم ﴿ جِئْتَ بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها ﴿ فَذَبَحُوهَا ﴾ أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.

وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.

وروي: أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.

فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟

قلت: رجع منسوخاً لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز.

على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولاً لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالاً له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادرأتم ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً، أي يدفعه ويزحمه.

أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح.

أو لأنّ الطرح في نفسه دفع.

أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً.

فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضيّ؟

قلت: وقد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ.

كما حكى الحاضر في قوله: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ [الكهف: 18] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (ادّارأتم) و(فقلنا) والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دلّ عليه من قوله: (ما كنتم تكتمون).

﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ ببعض البقرة.

واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عَجْبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهوأصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين.

والمعنى: فضربوه فحيي، فحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ .

وروي: أنهم لمّا ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه، ثم سقط ميتاً، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك.

﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ إما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة ﴿ وَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ ودلائله على أنه قادر على كل شيء ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ تعملون على قضية عقولكم.

وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث.

وإما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟

ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟

قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد.

وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرّب به، وأن يختاره فتيّ السنِّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون برياً من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضي الله عنه: أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مسّ الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة.

فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذا قتلتم نفساً فأدّارأتم فيها فقلنا: اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟

قلت: كل ما قصّ من قصص بني إسرائيل إنما قصّ تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولمّا جدّد فيهم من الآيات العظام.

وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك.

والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة.

وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع.

ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيتهِ بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ أوَّلُ هَذِهِ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها ﴾ وإنَّما فُكَّتْ عَنْهُ وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِاسْتِقْلالِها بِنَوْعٍ آخَرَ مِن مُساوِيهِمْ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالأمْرِ والِاسْتِقْصاءُ في السُّؤالِ وتَرْكُ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ.

وقِصَّتُهُ: أنَّهُ كانَ فِيهِمْ شَيْخٌ مُوسِرٌ فَقَتَلَ ابْنَهُ بَنُو أخِيهِ طَمَعًا في مِيراثِهِ، وطَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ، ثُمَّ جاءُوا يُطالِبُونَ بِدَمِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً ويَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها لِيَحْيا فَيُخْبِرُ بِقاتِلِهِ.

﴿ قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ أيْ مَكانَ هُزُؤٍ، أوْ أهْلَهُ ومَهْزُوءًا بِنا، أوِ الهَزَأ نَفْسَهُ لِفَرْطِ الِاسْتِهْزاءِ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ واسْتِخْفافًا بِهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ بِالسُّكُونِ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا.

﴿ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ لِأنَّ الهُزُؤَ في مِثْلِ ذَلِكَ جَهْلٌ وسَفَهٌ، نَفى عَنْ نَفْسِهِ ما رُمِيَ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ البُرْهانِ، وأخْرَجَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِعاذَةِ اسْتِفْظاعًا لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ} أي واذكروا إذ قال موسى وهو معطوف على نعمتي في قوله اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم كأنه قال اذكروا ذاك واذكروا إذ قال موسى وكذلك هذا في الظروف التي مضت أي اذكروا نعمتي واذكروا وقت إنجائنا إياكم واذكروا وقت فرقنا واذكروا نعمتي واذكروا وقت استسقاء موسى ربه لقومه والظروف التي تأتي إلى قوله وإذ ابتلى إبرااهيم ربه {إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن} أي بأن

{تَذْبَحُواْ بَقَرَةً} قال المفسرون أول القصة مؤخر في التلاوة وهو قوله تعالى {وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها} وذلك أن رجلاً موسرا اسمه عاميل قتله بنوعمه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته فأمرهم الله أن يذبحوابقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله / قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤا / أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء هزأً بسكون الزاي والهمزة حمزة وبضمتين والواو حفص غيرهما بالتثقيل والهمزة {قال أعوذ بالله} اليعاذ واللياذ من وادٍ واحد {أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين} لأن الهزء في مثل هذا من باب الجهل والسفه وفيه تعريض بهم أي أنتم جاهلون حيث نسبتموني إلى الاستهزاء

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ بَيانُ نَوْعٍ مِن مَساوِيهِمْ مِن غَيْرِ تَعْدِيدِ النِّعَمِ، وصَحَّ العَطْفُ لِأنَّ ذِكْرَ النِّعَمِ سابِقًا كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ذِكْرِ المَساوِي أيْضًا مِنَ المُخالَفَةِ لِلْأنْبِياءِ، والتَّكْذِيبِ لَهُمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ يُقالُ: هو عَلى نَمَطِ ما تَقَدَّمَ، لِأنَّ الذَّبْحَ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ لِرِفْعَةِ التَّشاجُرِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، وأُخْرَوِيَّةٌ لِكَوْنِهِ مُعْجِزَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَأنَّ مَوْلانا الإمامَ الرّازِيَّ خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ وُجُوهَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ أوَّلًا خَتَمَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بَعْضِ ما وجَّهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّشْدِيداتِ، وجَعَلَ النَّوْعَ الثّانِيَ ما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، ولَيْسَ بِالبَعِيدِ، وأوَّلُ القِصَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها ﴾ إلَخْ، وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: قالَ مُوسى: إذْ قُتِلَ قَتِيلٌ تُنُوزِعَ في قاتِلِهِ، إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ هي كَذا وكَذا، وأنْ يُضْرَبَ بِبَعْضِها ذَلِكَ القَتِيلُ، ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَيَكُونَ كَيْتَ وكَيْتَ، إلّا أنَّهُ فُكَّ بَعْضُها وقُدِّمَ، لِاسْتِقْلالِهِ بِنَوْعٍ مِن مَساوِيهِمُ الَّتِي قَصَدَ نَعْيَها عَلَيْهِمْ، وهو الِاسْتِهْزاءُ بِالأمْرِ، والِاسْتِقْصاءُ في السُّؤالِ، وتَرَكُ المُصارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ، ولَوْ أُجْرِيَ عَلى النَّظْمِ لَكانَتْ قِصَّةً واحِدَةً، ولَذَهَبَتْ تَثْنِيَةُ التَّقْرِيعِ، وقَدْ وقَعَ في النَّظْمِ مِن فَكِّ التَّرْكِيبِ والتَّرْتِيبِ ما يُضاهِيهِ في بَعْضِ القِصَصِ، وهو مِنَ المَقْلُوبِ المَقْبُولِ لِتَضَمُّنِهِ نُكَتًا، وفَوائِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ نُزُولِها عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَسَبِ تِلاوَتِها، بِأنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ البَقَرَةِ، ثُمَّ يَقَعُ القَتْلُ فَيُؤْمَرُوا بِضَرْبِ بَعْضِها، لَكِنَّ المَشْهُورَ خِلافُهُ، والقِصَّةُ أنَّهُ عَمِدَ إخْوانٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى ابْنِ عَمٍّ لَهُما أخِي أبِيهِما، فَقَتَلاهُ لِيَرِثا مالَهُ، وطَرَحاهُ عَلى بابِ مَحَلِّهِمْ، ثُمَّ جاءا يَطْلُبانِ بِدَمِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى بِذَبْحِ بِقَرَةٍ وضَرْبِهِ بِبَعْضِها لِيَحْيا، ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، وقِيلَ: كانَ القاتِلُ أخا القَتِيلِ، وقِيلَ: ابْنُ أخِيهِ، ولا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ عُمْرُهُ قَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ عامِيلُ، بِنْتُ عَمٍّ لا مِثْلَ لَها في بَنِي إسْرائِيلَ في الحُسْنِ والجَمالِ، فَقَتَلَهُ ذُو قَرابَةٍ لَهُ لِيَنْكِحَها، فَكانَ ما كانَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (يَأْمُرُكُمْ) بِضَمِّ الرّاءِ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو السُّكُونُ والِاخْتِلاسُ وإبْدالُ الهَمْزَةِ ألِفًا، (وأنْ تَذْبَحُوا) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِيَأْمُرُ، وهو عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ بِأنْ تَذْبَحُوا، ﴿ قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا، هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ أمْ لا؟

فَأُجِيبَ بِذَلِكَ، والِاتِّخاذُ كالتَّصْيِيرِ والجَعْلِ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ، (وهُزُوًا) مَفْعُولُهُ الثّانِي، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِأنَّهُ خَبَرُ المُبْتَدَإ في الحَقِيقَةِ، وهو اسْمُ ذاتٍ هُنا، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ كَمَكانٍ، أوْ أهْلٍ، أوْ يُجْعَلُ بِمَعْنى المَهْزُوءِ بِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ ﴾ أيْ مَصِيدُهُ، أوْ يُجْعَلُ الذّاتُ نَفْسَ المَعْنى مُبالَغَةً كَرَجُلٍ عَدْلٍ، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ إمّا بَعْدَ أنْ أمَرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ دُونَ ذِكْرِ الأحْياءِ بِضَرْبِها، وإمّا بَعْدَ أنْ أمَرَهم وذَكَرَ لَهُمُ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ واسْتِخْفافًا بِهِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ، إذِ المَعْنى أتَسْخَرُ بِنا، فَإنَّ جَوابَكَ لا يُطابِقُ سُؤالَنا، ولا يَلِيقُ، وأيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِمّا أنْتَ آمِرٌ بِهِ، ولا يَأْبى ذَلِكَ انْقِيادُهم لَهُ، لِأنَّهُ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ جِدٌّ وعَزِيمَةٌ، ومِن هُنا قالَ بَعْضُهم: إنَّ إجابَتَهم نَبِيَّهم حِينَ أخْبَرَهم عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً بِذَلِكَ، دَلِيلٌ عَلى سُوءِ اعْتِقادِهِمْ بِنَبِيِّهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ إذْ لَوْ عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ صَحِيحٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى لَما اسْتَفْهَمُوا هَذا الِاسْتِفْهامَ، ولا كانُوا أجابُوا هَذا الجَوابَ، فَهم قَدْ كَفَرُوا بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ مُصَدِّقِينَ، ولَكِنْ جَرى هَذا عَلى نَحْوِ ما هم عَلَيْهِ مِن غِلَظِ الطَّبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، والعُذْرُ لَهم أنَّهم لَمّا طَلَبُوا مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَعْيِينَ القاتِلِ، فَقالَ ما قالَ ورَأوْا ما بَيْنَ السُّؤالِ والجَوابِ، تَوَهَّمُوا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ داعَبَهُمْ، أوْ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى الِاسْتِهْزاءِ، فَأجابُوا بِما أجابُوا، وقِيلَ: اسْتَفْهَمُوا عَلى سَبِيلِ الِاسْتِرْشادِ لا عَلى وجْهِ الإنْكارِ والعِنادِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (يَتَّخِذُنا) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ حَمْزَةُ وإسْماعِيلُ عَنْ نافِعٍ (هُزْأً) بِالإسْكانِ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ، وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا، والباقُونَ بِالضَّمِّ والهَمْزَةِ، والكُلُّ لُغاتٌ فِيهِ.

﴿ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ أيْ مِن أنْ أُعَدَّ في عِدادِهِمْ، والجَهْلُ كَما قالَ الرّاغِبُ: لَهُ مَعانٍ: عَدَمُ العِلْمِ، واعْتِقادُ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما هو عَلَيْهِ، وفِعْلُ الشَّيْءِ بِخِلافِ ما حَقُّهُ أنْ يُفْعَلَ سَواءٌ اعْتَقَدَ فِيهِ اعْتِقادًا صَحِيحًا، أوْ فاسِدًا، وهَذا الأخِيرُ هو المُرادُ هُنا، وقَدْ نَفاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ نَفْسِهِ قَصْدًا إلى نَفْيِ مَلْزُومِهِ الَّذِي رُمِيَ بِهِ، وهو الِاسْتِهْزاءُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، وأُخْرِجَ ذَلِكَ في صُورَةِ الِاسْتِعارَةِ اسْتِفْظاعًا لَهُ، إذِ الهُزْءُ في مَقامِ الإرْشادِ كادَ يَكُونُ كُفْرًا، وما يَجْرِي مَجْراهُ، ووُقُوعُهُ في مَقامِ الِاحْتِقارِ والتَّهَكُّمِ مِثْلُ ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ سائِغٌ شائِعٌ، وفَرْقٌ بَيْنَ المَقامَيْنِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ تَعالى مِن ذَلِكَ مِن بابِ الأدَبِ، والتَّواضُعِ مَعَهُ سُبْحانَهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ﴾ لِأنَّ الأنْبِياءَ مَعْصُومُونَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ، والأوَّلُ أوْلى، وهو المَعْرُوفُ مِن إيرادِ الِاسْتِعاذَةِ في أثْناءِ الكَلامِ، والفَرْقُ بَيْنَ الهُزْءِ والمَزْحِ ظاهِرٌ، فَلا يُنافِي وُقُوعَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْيانًا كَما لا يَخْفى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قال ابن عباس: وذلك أن بني إسرائيل قيل لهم في التوراة: أيما قتيل وجد بين قريتين لا يدرى قاتله، فليقس إلى أيتهما أقرب، فعمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما واسمه عاميل، فقتلاه لكي يرثاه وكانت ابنة عم لهما شابة جميلة حسناء، فخشيا أن ينكحها ابن عمها عاميل، ثم حملاه إلى جانب قرية، فأصبح أهل القرية والقتيل بين أظهرهم، فأخذ أهل القرية بالقتيل وجاءوا به إلى موسى.

وروى ابن سيرين عن عبيدة السلماني أن رجلاً كان له قرابة فقتله ليرثه ثم ألقاه على باب رجل، ثم جاء يطلب بدمه، فهموا أن يقتتلوا ولبس الفريقان السلاح، فقال رجل: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟

فجاؤوا إلى موسى- عليه الصلاة والسلام- فأخبروه بذلك، فدعا الله تعالى في ذلك أن يبيِّن لهم المخرج من ذلك، فأوحى الله تعالى إليه، فأخبرهم بذلك وقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها، يعني بعض أعضاء تلك البقرة فيحيا، فيخبركم من قتله قالُوا: يا موسى، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟

قرأ عاصم في رواية حفص برفع الزاي بغير همز، وقرأ حمزة بسكون الزاي مع الهمزة، وقرأ الباقون بالهمز ورفع الزاي.

ومعناه أتتخذنا سخرية، يعني أتسخر بنا يا موسى؟

فإن قيل: ألم يكن هذا القول منهم كفراً، حيث نسبوه إلى السخرية؟

قلنا: الجواب أن يقال قد ظهر عندهم علامات نبوته وعلموا أن قوله حق، ولكنهم أرادوا بهذا الكشف والبيان ولم يريدوا به الحقيقة ف قالَ لهم موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، يعني أمتنع بالله.

ويقال: معاذ الله أن أكون من المستهزئين.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: فلو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم بالمسألة فشدد الله عليهم بالمنع لما قالُوا: يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك أن يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، أي يبيِّن لنا كيفية البقرة، إنها صغيرة أو كبيرة.

قالَ لهم موسى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ فارِضٌ وَلا بِكْرٌ، يعني لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ، وسطاً ونصفاً بين ذلك يعني بين الصغيرة والكبيرة.

وقد قيل في المثل: «العوان لا تعلَّم الخُمْرة» ، يعني أن المرأة البالغة ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن تختمر.

وقوله تعالى: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ولا تسألوا.

فسألوا وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.

قالُوا: يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها، قال لهم موسى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، يعني شديد الصفرة.

كما يقال: أصفر فاقع إذا كان شديد الصفرة، كما يقال: أسود حالك، وأبيض يقق، وأحمر قاني، وأخضر ناصع إذا وصف بالشدة.

وقال بعضهم: أراد به بقرة صفراء الظلف والقرن، أي شعرها وظلفها وقرنها وكل شيء منها أصفر.

ويقال: أراد به البقرة السوداء، لأن السواد الشديد يضرب إلى الصفرة، كما قال تعالى: كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: 33] ، وكما قال القائل: تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ، وَتِلْكَ رِكَابِي ...

هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ أراد بالصفر السود.

ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أن المراد به صفراء اللون، إلا قولاً روي عن الحسن البصري.

قوله عز وجل: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، يعني تعجب من نظر إليها لحسن لونها، فشددوا على أنفسهم وقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، يعني إنها من العوامل أو من غيرها.

إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا، أي تشاكل علينا في أسنانها وألوانها وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، يعني نهتدي للقاتل.

ويقال: نهتدي إلى البقرة أي ندركها بمشيئة الله تعالى.

وروي عن ابن عباس أنه قال: لولا أنهم استثنوا لم يدركوها.

وروي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي  أنه قال: «لو أن بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَوْلا أَنَّهُمْ قَالُوا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ مَا وَجَدُوها» .

قالَ إِنَّهُ، لهم موسى: إن ربكم يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ، يقول لم يذللها العمل.

وقال أهل اللغة: الذلول في الدواب مثل الذليل في الناس، يقال: رجل ذليل، ودابة ذليلة بيِّنة الذل.

تُثِيرُ الْأَرْضَ أي تقلبها للزراعة.

ويقال للبقرة: المثيرة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، يعني لا يسقى عليها الحرث، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي الزرع، ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئاً من هذه الأعمال.

مُسَلَّمَةٌ يقال: مهذبة سليمة من العيوب.

ويقال: مسلمة من الألوان.

لاَّ شِيَةَ فِيها، قال بعضهم لا عيب فيها وقال بعضهم: لا وضح فيها ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة.

وقال أهل اللغة: أصله من وشى الثوب، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة وزنة.

فلما وصف لهم موسى ذلك، قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، يعني الآن أتممت الصفة.

ويقال: الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب.

فَذَبَحُوها، يعني البقرة وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، أي كادوا أن لا يذبحوها.

وقد قيل: إنما أرادوا أن لا يذبحوها، لأن كل واحد منهم خشي أن يظهر القاتل من قبيلته.

وقال بعضهم: وما كادوا يفعلون لغلاء ثمن البقرة، لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل، كان باراً بوالديه وكان يصلي ثلث الليل، وينام ثلث الليل، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ويقول لها: إن لم تقدري على القيام فسبحي الله وهللي، وكان ورث عن أبيه بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة، فاشتروها بملئ مسكها دنانير.

وقال بعضهم: كان رجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس يوماً بجراب من لؤلؤ فعرض عليه، وأراد أن يبيع منه بمائة ألف، وكان ذلك يساوي مائتي ألف.

فلما أراد أن يشتري، فإذا مفتاح الصندوق كان تحت رأس أبيه وهو نائم، فذهب ليوقظه ويرفع المفتاح ويدفع الثمن، ثم قال في نفسه: كيف أوقظ أبي لأجل ربح مائة ألف ولم يحتمل قلبه فرجع، فقال: إن أبي نائم.

فقال له إبليس: اذهب فأيقظه فإني أبيع منك بخمسين ألفاً فذهب ليوقظه فلم يحتمل قلبه فرجع فلا زال إبليس يحط من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم فلم يوقظ أباه وترك الشراء ذلك.

فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملء مسكها ذهبا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الفأر» ، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه صلّى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله صلّى الله عليه وسلم على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلّى الله عليه وسلم: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال:

الزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها.

قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب «١» ، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها «٢» ، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى «٣» .

وَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ...

الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه.

وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء «١» حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لوجب تكفيره.

وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً.

والآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم.

٢٤ ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ ...

الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره «٢» .

والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة.

قال م: قال الجَوْهَرِيُّ «٣» : والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون.

انتهى.

ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ «١» في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز]

معنى «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ ...

وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ

وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه.

وقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه.

قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ» : فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها.

انتهى.

والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية «٢» .

وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر.

ورُوِيَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا» «٣» .

وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب «١» ، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان «٢» ، وقيل: من العمل «٣» .

ولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة.

وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة «٤» ، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى ٢٥ أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه.

/ فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ «٥» ،

وقيل: بوزنها مرتَيْنِ «١» .

وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات «٢» ، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير «٣» .

والْآنَ: مبنيٌّ على الفتح «٤» ، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ.

وقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة «٥» ، وقيل: كان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ.

﴾ ذِكْرُ السَّبَبِ في أمْرِهِمْ بِذَبْحِ البَقَرَةِ.

رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ عَقِيمٌ لا يُولَدُ لَهُ، ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وكانَ ابْنُ أخِيهِ وارِثَهُ، فَقَتَلَهُ واحْتَمَلَهُ لَيْلًا، فَأتى بِهِ حَيًّا آَخَرَ، فَوَضَعَهُ عَلى بابِ رَجُلٍ مِنهم، ثُمَّ أصْبَحَ يَدَّعِيهِ حَتّى تَسَلَّحُوا، ورَكِبَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَأتَوْا مُوسى فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَأمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ.

وَرَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ لَهُ بِنْتٌ وابْنُ أخٍ فَقِيرٍ، فَخَطَبَ إلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَأبى، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ عَمِّي، ولَآَخُذَنَّ مالَهُ ولَأنْكِحَنَّ ابْنَتَهُ، ولَآَكُلَنَّ دِيَتَهُ، فَأتاهُ فَقالَ: قَدْ قَدِمَ تُجّارٌ في بَعْضِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، فانْطَلِقْ مَعِي فَخُذْ لِي مِن تِجارَتِهِمْ لَعَلِّي أُصِيبُ فِيها رِبْحًا، فَخَرَجَ مَعَهُ، فَلَمّا بَلَغا ذَلِكَ السَّبْطُ، قَتَلَهُ الفَتى، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمّا أصْبَحَ، جاءَ كَأنَّهُ يَطْلُبُ عَمَّهُ لا يَدْرِي أيْنَ هو، فَإذا بِذَلِكَ السَّبْطِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَأمْسَكَهم وقالَ: قَتَلْتُمْ عَمِّي وجَعَلَ يَبْكِي وَيُنادِي: واعَمّاهُ.

قالَ أبُو العالِيَةِ: والَّذِي سَألَ مُوسى أنْ يَسْألَ اللَّهَ البَيانَ: القاتِلُ.

وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ القَوْمُ اجْتَمَعُوا فَسَألُوا مُوسى، فَلَمّا أمَرَهم بِذَبْحِ بِقَرَةٍ، قالُوا: أتَتَّخِذُنا هُزُوًا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: هُزُؤًا، بِضَمِّ الهاءِ والزّايِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وإسْماعِيلُ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ، والفَرّاءُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ، والمُفَضَّلِ: هُزْءًا، بِإسْكانِ الزّايِ.

ورَواهُ حَفْصٌ بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّ كُلَّ اسْمٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ أوَّلُهُ مَضْمُومٌ، فَمِنَ العَرَبِ مَن يُثَقِّلُهُ، ومِنهم مَن يُخَفِّفُهُ، نَحْوُ العُسْرِ واليُسْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ .

وَإنَّما انْتَفى مِنَ الهَزْءِ، لِأنَّ الهازِئَ جاهِلٌ لاعِبٌ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الأمْرَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالُوا: ﴿ ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سَألُوا: ما هي، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ بَقَرَةً يُحْيا بِضَرْبِ بَعْضِها مَيِّتٌ.

فَأمّا الفارِضُ فَهِيَ: المُسِنَّةُ، يُقالُ: فَرَضَتِ البَقَرَةُ فَهي فارِضٌ: إذا أسَنَّتْ.

والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدُ، والعَوانُ: دُونَ المُسِنَّةِ، وفَوْقَ الصَّغِيرِ.

يُقالُ: حَرْبٌ عَوانٌ: إذا لَمْ تَكُنْ أوَّلَ حَرْبٍ، وكانَتْ ثانِيَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ﴾ ﴿ فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ "عَلِمْتُمُ" مَعْناهُ: عَرَفْتُمْ، كَما تَقُولُ: عَلِمْتُ زَيْدًا بِمَعْنى عَرَفْتُهُ فَلا يَتَعَدّى العَلَمُ إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، و"اعْتَدَوْا" مَعْناهُ: تَجاوَزُوا الحَدَّ مُصَرَّفٌ مِنَ الِاعْتِداءِ، و"فِي السَبْتِ" مَعْناهُ: في يَوْمِ السَبْتَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في حُكْمِ السَبْتِ، و"السَبْتُ" مَأْخُوذٌ مِنَ السُبُوتِ الَّذِي هو الراحَةُ والدَعَةُ، وإمّا مِنَ السَبْتِ وهو القَطْعُ، لِأنَّ الأشْياءَ فِيهِ سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها.

وقِصَّةُ اعْتِدائِهِمْ فِيهِ: أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِيَوْمِ الجُمْعَةَ، وعَرَّفَهُ فَضْلَهُ، كَما أمَرَ بِهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، فَذَكَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنِ اللهِ، وأمَرَهم بِالتَشَرُّعِ فِيهِ، فَأبَوْا، وتَعَدُّوهُ إلى يَوْمِ السَبْتِ، فَأوحى اللهُ إلى مُوسى أنْ دَعْهم وما اخْتارُوا مِن ذَلِكَ، وامْتَحَنَهم فِيهِ بِأنْ أمَرَهم بِتَرْكِ العَمَلِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ الحِيتانِ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِأنْ كانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي يَوْمَ السَبْتَ حَتّى تَخْرُجَ إلى الأفْنِيَةِ.

قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وقِيلَ: حَتّى تُخْرِجَ خَراطِيمَها مِنَ الماءِ، وذَلِكَ إمّا بِالإلْهامِ مِنَ اللهِ تَعالى، أو بِأمْرٍ لا يُعَلَّلُ، وإمّا بِأنْ فَهِمَها مَعْنى الأمَنَةِ الَّتِي في اليَوْمِ مَعَ تَكْرارِهِ حَتّى فَهِمْتُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ ألْهَمَ الدَوابَّ مَعْنى الخَوْفِ الَّذِي في يَوْمِ الجُمْعَةِ مَن أمْرِ القِيامَةِ؟

يَقْضِي بِذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ  : «وَما مِن دابَّةٍ إلّا وهي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الجُمْعَةَ فَرْقًا مِنَ الساعَةِ» وحَمامُ مَكَّةَ قَدْ فَهِمَ الأمَنَةَ أمّا أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقُرْبِ فَهْمِها.

وكانَ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بَأيْلَةَ عَلى البَحْرِ، فَإذا ذَهَبَ السَبْتُ ذَهَبَتِ الحِيتانُ فَلَمْ تَظْهَرْ إلى السَبْتِ الآخَرِ، فَبَقُوا عَلى ذَلِكَ زَمانًا حَتّى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فَعَمَدَ رَجُلٌ يَوْمَ السَبْتِ فَرَبَطَ حُوتًا بِخْزَمَةْ وضَرَبَ لَهُ وتَدًا بِالساحِلِ، فَلَمّا ذَهَبَ السَبْتُ جاءَ وأخَذَهُ فَسَمِعَ قَوْمٌ بِفِعْلِهِ فَصَنَعُوا مِثْلَ ما صَنَعَ، وقِيلَ: بَلْ حَفَرَ رَجُلٌ في غَيْرِ السَبْتِ حَفِيرًا، يَخْرُجُ إلَيْهِ البَحْرُ فَإذا كانَ يَوْمُ السَبْتِ خَرَجَ الحُوتُ وحَصَلَ في الحَفِيرِ، فَإذا جَزَرَ البَحْرُ ذَهَبَ الماءُ مِن طَرِيقِ الحَفِيرِ وبَقِيَ الحُوتُ، فَجاءَ بَعْدَ السَبْتِ فَأخَذَهُ، فَفَعَلَ قَوْمٌ مِثْلَ فِعْلِهِ، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى صادُوهُ يَوْمَ السَبْتِ عَلانِيَةً، وباعُوهُ في الأسْواقِ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ الِاعْتِداءِ، وكانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فِرْقَةٌ نَهَتْ عن ذَلِكَ، فَنَجَتْ مِنَ العُقُوبَةِ، وكانَتْ مِنهم فِرْقَةٌ لَمْ تَعْصِ ولَمْ تَنْهَ، فَقِيلَ: نَجَتْ مَعَ الناهِينَ، وقِيلَ هَلَكَتْ مَعَ العاصِينَ.

وَ"كُونُوا" لَفْظَةَ أمْرٍ، وهو أمْرُ التَكْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ شَيْءٍ: ( كُنْ فَيَكُونُ ) ولَمْ يُؤْمَرُوا في المَصِيرِ إلى حالِ المَسْخِ بِشَيْءٍ يَفْعَلُونَهُ ولا لَهم فِيهِ تَكَسُّبٌ، و"خاسِئِينَ" مَعْناهُ: مُبْعَدِينَ أذِلّاءَ صاغِرِينَ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ ولِلْمَطْرُودِ: اخْسَأْ، تَقُولُ: خَسَأْتُهُ فَخَسَأ، ومَوْضِعُهُ مِنَ الإعْرابِ، النَصْبُ عَلى الحالِ، أو عَلى خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ.

ورُوِيَ في قَصَصِهِمْ أنَّ اللهَ تَعالى مَسَخَ العاصِينَ قِرَدَةً بِاللَيْلِ، فَأصْبَحَ الناجُونَ إلى مَساجِدِهِمْ ومُجْتَمَعاتِهِمْ، فَلَمْ يَرَوْا أحَدًا مِنَ الهالِكِينَ، فَقالُوا: إنْ لِلنّاسِ لَشَأْنًا، فَفَتَحُوا عَلَيْهِمُ الأبْوابَ كَما كانَتْ مُغْلَقَةً بِاللَيْلِ، فَوَجَدُوهم "قِرَدَةً"، يَعْرِفُونَ الرَجُلَ والمَرْأةَ، وقِيلَ: إنَّ الناجِينَ كانُوا قَدْ قَسَّمُوا بَيْنَهم وبَيْنَ العاصِينَ القَرْيَةَ بِجِدارٍ، تَبَرِّيًا مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا ولَمْ تُفْتَحْ مَدِينَةُ الهالِكِينَ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمُ الجِدارَ، فَإذا هم قِرَدَةٌ يَثِبُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  وثَبَتَ، أنَّ المَمْسُوخَ لا يَنْسَلُّ ولا تَأْكُلُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَعِيشُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ، ووَقَعَ في كِتابِ مُسْلِمٍ عنهُ عَلَيْهِ السَلامُ: «أنَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ فُقِدَتْ وأراها الفَأْرَ»، وظاهِرُ هَذا أنَّ المَمْسُوخَ تَنْسَلُّ، فَإنْ كانَ أرادَ هَذا فَهو ظَنٌّ مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ في أمْرٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في التَبْلِيغِ، ثُمَّ أُوحِيَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ المَمْسُوخَ لا تَنْسَلُّ.

ونَظِيرُ ما قُلْناهُ نُزُولُهُ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى مِياهِ بَدْرٍ، وأمَرَهُ بِاطِّراحِ تَذْكِيرِ النَخْلِ، وقَدْ قالَ  : «إذا أُخْبَرْتُكم بِرَأْيٍ في أُمُورِ الدُنْيا فَإنَّما أنا بَشَرٌ».

ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ إنَّما مُسِخَتْ قُلُوبُهم فَقَطْ، ورُدَّتْ أفْهامُهم كَأفْهامِ القِرَدَةِ، والأوَّلُ أقْوى وأظْهَرُ.

والضَمِيرُ في "فَجَعَلْناها" يُحْتَمَلُ العَوْدَ عَلى المِسْخَةِ والعُقُوبَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى الأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، ويُحْتَمَلُ عَلى القِرَدَةِ، ويُحْتَمَلُ عَلى القَرْيَةِ إذْ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحِيتانِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.

والنَكالُ: الزَجْرُ بِالعِقابِ، والنَكْلِ والأنْكالِ قُيُودُ الحَدِيدِ، فالنَكالُ عِقابٌ يُنَكَلُ بِسَبَبِهِ غَيْرُ المُعاقَبِ عن أنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، قالَ السُدِّيُّ: ما بَيْنَ يَدِي المِسْخَةِ ما قَبْلَها مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، "وَما خَلْفَها" لِمَن يُذْنِبُ بَعْدَها مِثْلُ تِلْكَ الذُنُوبِ، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: ( ما بَيْنَ يَدَيْها ) أيْ مَن حَضَرَها مِنَ الناجِينَ، "وَما خَلْفَها" أيْ لِمَن يَجِيءُ بَعْدَها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها ﴾ أيْ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ الناسِ لِيُحَذِّرَ ويَتَّقِيَ، وما خَلْفَها، لِمَن بَقِيَ مِنهم عِبْرَةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وما أراهُ يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، لِأنَّ دَلالَةَ ما بَيْنَ اليَدِ لَيْسَتْ كَما في القَوْلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿ لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها ﴾ أيْ مِنَ القُرى، فَهَذا تَرْتِيبُ أجْرامٍ لا تَرْتِيبٌ في الزَمانِ.

و"مَوْعِظَةً" مُفْعِلَةً مِنَ الِاتِّعاظِ والِازْدِجارِ، و"لِلْمُتَّقِينَ" مَعْناهُ: لِلَّذِينِ نُهُوا ونَجَوْا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  .

واللَفْظُ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ مِن كُلِّ أُمَّةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى ﴾ الآيَةُ "إذْ" عَطْفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، والمُرادُ تَذْكِيرُهم بِنَقْضِ سَلَفِهِمْ لِلْمِيثاقِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "يَأْمُرُكُمْ" بِإسْكانِ الراءِ، ورُوِيَ عنهُ اخْتِلاسُ الحَرَكَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِهِ في "بارِئِكُمْ".

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ أسَنَّ، وكانَ لَهُ مالٌ، واسْتَبْطَأ ابْنُ أخِيهِ مَوْتَهُ، وقِيلَ: أخُوهُ، وقِيلَ: ابْنا عَمِّهِ، وقِيلَ: ورَثَةُ كَثِيرٍ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، فَقَتَلَهُ لِيَرِثَهُ، وألْقاهُ في سَبْطٍ آخَرَ غَيْرِ سِبْطِهِ لِيَأْخُذَ دِيَتَهُ، ويُلَطِّخَهم بِدَمِهِ، وقِيلَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في قَرْيَتَيْنِ مُتَجاوِرَتَيْنِ فَألْقاهُ إلى بابِ إحْدى المَدِينَتَيْنِ، وهي الَّتِي لَمْ يُقْتَلْ فِيها، ثُمَّ جَعَلَ يَطْلُبُهُ هو وسِبْطُهُ حَتّى وجَدَهُ قَتِيلًا، فَتَعَلَّقَ بِالسِبْطِ أو بِسُكّانِ المَدِينَةِ الَّتِي وُجِدَ القَتِيلُ عِنْدَها، فَأنْكَرُوا قَتْلَهُ، فَوَقَعَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ في ذَلِكَ لِحاءٌ حَتّى دَخَلُوا في السِلاحِ.

فَقالَ أهْلُ النَهْيِ مِنهُمْ: أنَقْتَتِلُ ورَسُولُ اللهِ مَعَنا؟، فَذَهَبُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ القِصَّةَ، وسَألُوهُ البَيانَ، فَأوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْبَحُوا بَقْرَةً فَيُضْرَبُ القَتِيلُ بِبَعْضِها فَيَحْيا ويُخْبِرُ بِقاتِلِهِ، فَقالَ لَهُمْ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ فَكانَ جَوابُهم أنْ قالُوا: ﴿ أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ .

قَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "أيَتَّخِذُنا" بِالياءِ عَلى مَعْنى أيَتَّخِذُنا اللهُ؟، وقَرَأ حَمْزَةُ: "هُزُؤًا" بِإسْكانِ الزايِ والهَمْزِ، وهي لُغَةٌ، وقَرَأ عاصِمٌ "هُزُؤٌ" بِضَمٍّ الزاءِ والهاءِ والهَمْزِ، وقَرَأ أيْضًا دُونَ هَمْزٍ "هُزُوًا" حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ، وقَرَأتْ طائِفَةٌ مِنَ القُرّاءِ بِضَمِّ الهاءِ والزايِ، والهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ، ورُوِيَ عن أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ ضَمُّ الهاءِ وتَشْدِيدُ الزايِ "هُزًّا".

وهَذا القَوْلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ظاهِرُهُ فَسادُ اعْتِقادٍ مِمَّنْ قالَهُ، ولا يَصْحُّ الإيمانُ مِمَّنْ يَقُولُ لِنَبِيٍّ قَدْ ظَهَرَتْ مُعْجِزاتُهُ، وقالَ: ﴿ إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ ، ولَوْ قالَ ذَلِكَ اليَوْمَ أحَدٌ عن بَعْضِ أقْوالِ النَبِيِّ  لَوَجَبَ تَكْفِيرُهُ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلى جِهَةِ غِلْظِ الطَبْعِ والجَفاءِ والمَعْصِيَةِ، عَلى نَحْوِ ما قالَ القائِلُ لِلنَّبِيِّ  في قِسْمَةِ غَنائِمَ حَنِينٍ: «إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بِها وجْهَ اللهِ» وكَما قالَ لَهُ الآخَرُ: «أعْدِلْ يا مُحَمَّدُ»، وكُلٌّ مُحْتَمَلٌ واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ أعُوذُ بِاللهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ، يُحْتَمَلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الِاسْتِعاذَةُ مِنَ الجَهْلِ في أنْ يُخْبِرَ عَنِ اللهِ تَعالى مُسْتَهْزِئًا، والآخَرُ مِنَ الجَهْلِ كَما جَهِلُوا في قَوْلِهِمْ ﴿ أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ لِمَن يُخْبِرُهم عَنِ اللهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات في المسألة والإلحاح فيها إما للتفصي من الامتثال وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لاقصد إليه.

قيل: إن أول هذه القصة هو المذكور بقوله تعالى: ﴿ وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها ﴾ [البقرة: 72] الآية وإن قول موسى: ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ ناشئ عن قتل النفس المذكورة، وإن قول موسى قدم هنا لأن خطاب موسى عليه السلام لهم قد نشأ عنه ضرب من مذامهم في تلقي التشريع وهو الاستخفاف بالأمر حين ظنوه هزؤاً والإعنات في المسألة فأريد من تقديم جزء القصة تعدد تقريعهم، هكذا ذكر صاحب «الكشاف» والموجهون لكلامه، ولا يخفى أن ما وجهوا به تقديم جزء القصة لا يقتضي إلا تفكيك القصة إلى قصتين تعنون كل واحدة منهما بقوله: ﴿ وإذ ﴾ مع بقاء الترتيب، على أن المذام قد تعرف بحكايتها والتنبيه عليها بنحو قوله: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71].

فالذي يظهر لي أنهما قصتان أشارت الأولى وهي المحكية هنا إلى أمر موسى إياهم بذبح بقرة وهذه هي القصة التي أشارت إليها التوراة في السفر الرابع وهو سفر التشريع الثاني (تثنية) في الإصحاج 21 أنه «إذا وجد قتيل لا يعلم قاتله فإن أقرب القرى إلى موقع القتيل يخرج شيوخها ويخرجون عجلة من البقر لم يحرث عليها ولم تنجُر بالنير فيأتون بها إلى واد دائم السيلان لم يحرث ولم يزرع ويقطعون عنقها هنالك ويتقدم الكهنة من بني لاوى فيغسل شيوخ تلك القرية أيديهم على العجلة في الوادي ويقولون لم تسفك أيدينا هذا الدم ولم تبصر أعيننا سافكه فيغفر لهم الدم» اه.

هكذا ذكرت القصة بإجمال أضاع المقصود وأبهم الغرض من هذا الذبح أهو إضاعة ذلك الدم باطلاً أم هو عند تعذر معرفة المتهم بالقتل؟

وكيفما كان فهذه بقرة مشروعة عند كل قتل نفس جُهل قاتلها وهي المشار إليها هنا، ثم كان ما حدث من قتل القتيل الذي قتله أبناء عمه وجاءوا مظهرين المطالبة بدمه وكانت تلك النازلة نزلت في يوم ذبح البقرة فأمرهم الله بأن يضربوا القتيل ببعض تلك البقرة التي شأنها أن تذبح عند جهل قاتل نفس.

4 وبذلك يظهر وجه ذكرهما قصتين وقد أجمل القرآن ذكر القصتين لأن موضع التذكير والعبرة منهما هو ما حدث في خلالهما لا تفصيل الوقائع فكانت القصة الأولى تشريعاً سيق ذكره لما قارنه من تلقيهم الأمر بكثرة السؤال الدال على ضعف الفهم للشريعة وعلى تطلب أشياء لا ينبغي أن يظن اهتمام التشريع بها، وكانت القصة الثانية منة عليهم بآية من آيات الله ومعجزة من معجزات رسولهم بينها الله لهم ليزدادوا إيماناً ولذلك ختمت بقوله: ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ [البقرة: 73] وأتبعت بقوله: ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ﴾ [البقرة: 74].

والتأكيد في قوله: ﴿ إن الله يأمركم ﴾ حكاية لما عبر به موسى من الاهتمام بهذا الخبر الذي لو وقع في العربية لوقع مؤكداً بإنَّ.

وقولهم: ﴿ تتخذنا هزؤاً ﴾ استفهام حقيقي لظنهم أن الأمر بذبح بقرة للاستبراء من دم قتيل كاللعب و ﴿ تتخذنا ﴾ بمعنى تجعلنا وسيأتي بيان أصل فعل اتخذ عند قوله تعالى: ﴿ أتتخذ أصناماً آلهة ﴾ في سورة الأنعام (74).

والهزؤ بضم الهمزة والزاي وبسكون الزاي مصدر هزأ به هزءاً وهو هنا مصدر بمعنى المفعول كالصيد والخلق.

وقرأ الجمهور (هزؤًا) بضمتين وهمز بعد الزاي وصلاً ووقفاً، وقرأ حمزة بسكون الزاي وبالهمز وصلاً، ووقف عليه بتخفيف الهمز واواً وقد رسمت في المصحف واواً، وقرأ حفص بضم الزاي وتخفيف الهمز واواً في الوصل والوقف.

وقول موسى: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } تبرؤٌ وتنزه عن الهزء لأنه لا يليق بالعقلاء الأفاضل فإنه أخص من المزح لأن في الهزؤِ مزحاً مع استخفاف واحتقار للمزوح معه على أن المزح لا يليق في المجامع العامة والخطابة، على أنه لا يليق بمقام الرسول ولذا تبرأ منه موسى بأنه نفى أن يكون من الجاهلين كناية عن نفي المزح بنفي ملزومه، وبالغ في التنزه بقوله ﴿ أعوذ بالله ﴾ أي منه لأن العياذ بالله أبلغ كلمات النفي فإن المرء لا يعوذ بالله إلا إذا أراد التغلب على أمر عظيم لا يغلبه إلا الله تعالى.

وصيغة ﴿ أن أكون من الجاهلين ﴾ أبلغ في انتفاء الجهالة من أن لو قال أعوذ بالله أن أجهل كما سيأتي في سورة الأنعام (56) عند قوله: ﴿ وما أنا من المهتدين ﴾ والجهل ضد العلم وضد الحلم وقد ورد لهما في كلام العرب، فمن الأول قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا *** فنجهل فوق جهل الجاهلينا ومن الثاني قول الحماسي: فليس سواء عالم وجهول *** وقول النابغة: وليس جاهل شيء مثل من علما...

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ وكانَ السَّبَبُ في أمْرِ مُوسى لِقَوْمِهِ بِذَلِكَ، ما ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ: أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ غَنِيًّا، ولَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، وكانَ لَهُ قَرِيبٌ يَرِثُهُ، فاسْتَبْطَأ مَوْتَهُ، فَقَتَلَهُ سِرًّا وألْقاهُ في مَوْضِعِ الأسْباطِ، وادَّعى قَتْلَهُ عَلى أحَدِهِمْ، فاحْتَكَمُوا إلى مُوسى، فَقالَ: مَن عِنْدَهُ مِن ذَلِكَ عِلْمٌ؟

فَقالُوا: أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ، وأنْتَ أعْلَمُ مِنّا، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ ولَيْسَ في ظاهِرِهِ جَوابٌ عَمّا سَألُوا عَنْهُ ﴿ قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا ﴾ والهُزْءُ: اللَّعِبُ والسُّخْرِيَةُ.

قالَ الرّاجِزُ: قَدْ هَزِئَتْ مِنِّيَ أُمُّ طَيْسَلَةَ قالَتْ أراهُ مُعْدِمًا لا شَيْءَ لَهُ ﴿ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ لِأنَّ الخُرُوجَ عَنْ جَوابِ السّائِلِ المُسْتَرْشِدِ إلى الهُزْءِ، جَهْلٌ، فاسْتَعاذَ مِنهُ مُوسى، لِأنَّها صِفَةٌ تَنْتَفِي مَعَ الأنْبِياءِ، وإنَّما أمَرَ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِذَبْحِ البَقَرَةِ دُونَ غَيْرِها، لِأنَّها مِن جِنْسِ ما عَبَدُوهُ مِنَ العِجْلِ، لِيُهَوِّنَ عِنْدَهم ما كانُوا يَرَوْنَهُ مِن تَعْظِيمِهِ، ولِيَعْلَمَ بِإجابَتِهِمْ زَوالَ ما كانَ في نُفُوسِهِمْ مِن عِبادَتِهِ.

والبَقَرَةُ اسْمٌ لِلْأُنْثى، والثَّوْرُ لِلذَّكَرِ، مِثْلُ ناقَةٍ وجَمَلٍ، وامْرَأةٍ ورَجُلٍ، فَيَكُونُ تَأْنِيثُهُ بِغَيْرِ لَفْظِهِ.

واسْمُ البَقَرَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّقِّ مِن قَوْلِهِمْ بَقَرَ بَطْنَهُ إذا شَقَّهُ، لِأنَّها تَشُقُّ الأرْضَ في الحَرْثِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت عن ابن عباس قال: كانت مدينتان في بني إسرائيل.

وأحداهما حصينة ولها أبواب، والأخرى خربة.

فكان أهل المدينة الحصينة إذا أمسوا أغلقوا أبوابها، فإذا أصبحوا قاموا على سور المدينة فنظروا هل حدث فيما حولها حادث، فأصبحوا يوماً فإذا شيخ قتيل مطروح بأصل مدينتهم، فأقبل أهل المدينة الخربة فقالوا: قتلتم صاحبنا وابن أخ له شاب يبكي عليه ويقول: قتلتم عمي.

قالوا: والله ما فتحنا مدينتنا منذ أغلقناها، وما لدينا من دم صاحبكم هذا!

فأتوا موسى، فأوحى الله إلى موسى ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ﴾ إلى قوله: ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ .

قال: وكان في بني إسرائيل غلام شاب يبيع في حانوت له، وكان له أب شيخ كبير، فأقبل رجل من بلد آخر يطلب سلعة له عنده فأعطاه بها ثمناً، فانطلق معه ليفتح حانوته فيعطيه الذي طلب والمفتاح مع أبيه، فإذا أبوه نائم في ظل الحانوت فقال: أيقظه.

قال ابنه: إنه نائم وأنا أكره أن أروّعه من نومته.

فانصرفا فأعطاه ضعف ما أعطاه على أن يوقظه فأبى، فذهب طالب السلعة.

فاستيقظ الشيخ فقال له ابنه: يا أبت والله لقد جاء هاهنا رجل يطلب سلعة كذا، فأعطى بها من الثمن كذا وكذا، فكرهت أن أروعك من نومك فلامه الشيخ، فعوّضه الله من بره بوالده أن نتجت من بقر تلك البقرة التي يطلبها بنو إسرائيل، فأتوه فقالوا له: بعناها فقال: لا.

قالوا: إذن نأخذ منك.

فأتوا موسى فقال: اذهبوا فارضوه من سلعته.

قالوا: حكمك؟

قال: حكمي أن تضعوا البقرة في كفة الميزان وتضعوا ذهباً صامتاً في الكفة الأخرى، فإذا مال الذهب أخذته ففعلوا، وأقبلوا بالبقرة حتى انتهوا بها إلى قبر الشيخ، واجتمع أهل المدينتين فذبحوها، فضرب ببضعة من لحمها القبر، فقام الشيخ ينفض رأسه يقول: قتلني ابن أخي طال عليه عمري وأراد أخذ مالي ومات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عبيدة السلماني قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذوو الرأي منهم: علام يقتل بعضكم بعضاً وهذا رسول الله فيكم؟

فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال: ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزواً قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ﴾ قال: فلو لم يعترضوا لاجزأت عنهم أدنى بقرة ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا: من قتلك؟

فقال: هذا لابن أخيه ثم مال ميتاً، فلم يعط من ماله شيئاً ولم يورث قاتل بعد.

وأخرج عبد الرزاق عن عبيدة قال: أوّل ما قضي أنه لا يرث القاتل في صاحب بني إسرائيل.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: أوّل ما منع القاتل الميراث لكان صاحب البقرة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: إن شيخاً من بني إسرائيل على عهد موسى كان مكثراً من المال، وكان بنو أخيه فقراء لا مال لهم، وكان الشيخ لا ولد له، وكان بنو أخيه ورثته فقالوا: ليت عمنا قد مات فورثنا ماله، وأنه لما تطاول عليهم أن لا يموت أتاهم الشيطان فقال: هل لكم إلى أن تقتلوا عمكم وتغرموا أهل المدينة التي لستم بها ديته، وذلك أنهما كانتا مدينتين كانوا في إحداهما، وكان القتيل إذ قتل فطرح بين المدينتين قيس ما بين القتيل والقريتين فأيتهما كانت أقرب إليه غرمت الدية، وأنهم لما سوّل لهم الشيطان ذلك عمدوا إليه فقتلوه، ثم طرحوه على باب المدينة التي ليسوا بها، فلما أصبح أهل المدينة جاء بنو أخي الشيخ فقالوا: عمنا قتل على باب مدينتكم، فوالله لتغرمنَّ لنا ديته.

قال: أهل المدينة نقسم بالله ما قتلنا، ولا علمنا قاتلاً، ولا فتحنا باب مدينتنا منذ أغلق حتى أصبحنا، فعمدوا إلى موسى، فجاءه جبريل فقال: قل لهم ﴿ إن الله يأمركم أن تذبجوا بقرة ﴾ فتضربوه ببعضها.

وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة قال: كان لبني إسرائيل مسجد له اثنا عشر باباً، لكل سبط منهم باب يدخلون منه ويخرجون، فوجد قتيل على باب سبط من الأسباط قتل على باب سبط وجر إلى باب سبط آخر، فاختصم فيه أهل السبطين.

فقال هؤلاء: أنتم قتلتم هذا، وقال الآخرون: بل أنتم قتلتموه، ثم جررتموه إلينا.

فاختصموا إلى موسى فقال: ﴿ إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة...

﴾ الآية.

﴿ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ﴾ قال: فذهبوا يطلبونها فكأنها تعذرت عليهم، فرجعوا إلى موسى فقالوا ﴿ ادع لنا ربك يبين لنا ما هي...

وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ ولولا أنهم قالوا إن شاء الله ما وجدوها ﴿ قال: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول ﴾ ألا وإنما كانت البقرة يومئذ بثلاثة دنانير، ولو أنهم أخذوا أدنى بقرهم فذبحوها كفتهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم.

فذهبوا يطلبونها فيجدون هذه الصفة عند رجل فقالوا: تبيعنا هذه البقرة؟

قال: أبيعها.

قالوا: بكم تبيعها؟

قال: بمائة دينار.

فقالوا: إنها بقرة بثلاثة دنانير!

فابوا أن يأخذوها، فرجعوا إلى موسى فقالوا: وجدناها عند رجل فقال لا أنقصكم عن مائة دينار، وإنها بقرة بثلاثة دنانير.

قال: هو أعلم هو صاحبها، إن شاء باع وإن شاء لم يبع، فرجعوا إلى الرجل فقالوا: قد أخذناها بمائة دينار.

فقال: لا أنقصها عن مائتي دينار.

فقالوا، سبحان الله...

!

قد بعتنا بمائة دينار ورضيت فقد أخذناها.

قال: ليس أنقصها من مائتي دينار.

فتركوها ورجعوا إلى موسى فقالوا له: قد أعطاناها بمائة دينار، فلما رجعنا إليه قال: لا أنقصها من مائتي دينار.

قال: هو أعلم إن شاء باعها وإن شاء لم يبعها، فعادوا إليه فقالوا: قد أخذناها بمائتي دينار.

فقال: لا أنقصها من أربعمائة دينار.

قالوا: قد كنت أعطيتناها بمائتي دينار فقد أخذناها!

فقال: ليس أنقصها من أربعمائة دينار، فتركوها وعادوا إلى موسى فقالوا: قد أعطيناه مائتي دينار، فأبى أن يأخذها وقال: لا أنقصها من أربعمائة دينار.

فقال: هو أعلم هو صاحبها إن شاء باع وإن شاء لم يبع، فرجعوا إليه فقالوا: قد أخذناها بأربعمائة دينار فقال: لا أنقصها من ثمانمائة دينار.

فلم يزالوا يعودون إلى موسى ويعودون عليه، فكلما عادوا إليه أضعف عليه الثمن حتى قال: ليس أبيعها إلا بملء مسكها، فأخذوها فذبحوها فقال: اضربوه ببعضها، فضربوه بفخذها فعاش.

فقال: قتلني فلان.

فإذا هو رجل كان له عم، وكان لعمه مال كثير، وكان له ابنة فقال: أقتل عمي هذا وأرث ماله وأتزوج ابنته، فقتل عمه فلم يرث شيئاً ولم يورث قاتل منذ ذلك شيئاً، قال موسى: إن لهذه البقرة لشأنا ادعوا إليَّ صاحبها، فدعوه فقال: أخبرني عن هذه البقرة وعن شأنها؟

قال: نعم.

كنت رجلاً أبيع في السوق وأشتري، فسامني رجل بضاعة عندي فبعته إياها، وكنت قد أشرفت منها على فضل كبير، فذهبت لآتيه بما قد بعته، فوجدت المفتاح تحت رأس والدتي، فكرهت أن أوقظها من نومها، ورجعت إلى الرجل فقلت: ليس بيني وبينك بيع، فذهب ثم رجعت فنتجت لي هذه البقرة، فألقى الله عليها مني محبة فلم يكن عندي شيء أحب إليَّ منها، فقيل له إنما أصبت هذا ببرّ والدتك.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ الآية.

قال الليث (١) ﴿ لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ  ﴾ أي رجال من رجال، ثم قال: ﴿ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ ﴾ قال زهير (٢) وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ (٣) (٤) وقوم كل رجل: شيعته وعشيرته (٥) وقال أبو العباس: القوم والنفر والرهط معناه الجمع، ولا واحد لها من لفظها، وهم الرجال دون النساء (٦) ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ  ﴾ وكان مرسلاً إلى الإناث والذكور جميعاً، وجاز ذلك لأن الغالب من أمر (٧) (٨) وقوله تعالى: ﴿ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ البقرة واحدة (٩) (١٠) (١١) بَوَاقِرُ جُلْحٌ أسْكَنَتْها الْمَرَاتِعُ (١٢) وقال آخر (١٣) خَلَقًا كَحَوْضِ الْبَاقِرِ الْمُتَهَدِّمِ (١٤) ويقال لجماعة البقرة: بيْقُور (١٥) (١٦) (١٧) وقيل: إن أصل الحرف من الْبَقْر الذي هو الشقّ، يقال: بقر بطنه إذا شقّه وفتحه، وكان يقال لمحمد بن علي بن الحسين (١٨)  ما "الباقر"، لأنه بقر العلم وعرف أصله، أي شقه وفتحه (١٩) والْبَقِيرُ: ثوب يشق فتلقيه المرأة في عنقها من غير كُمَّيْن ولا جيب (٢٠) (٢١) وقوله تعالى: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ يقرأ بالتخفيف والتثقيل (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) ........

سُوُكَ الإِسْحِلِ (٢٧) وقوله: وفي الأَكُفِّ اللامِعاتِ سُوُر (٢٨) وأما فُعْل في جمع أفعل نحو أحْمر وحُمْر، وكأنهم ألزموه الإسكان للفصل بين الجمعين، وقد جاء فيه التحريك في الشعر (٢٩) ومعنى قوله: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ قال أبو زيد: هَزِئتُ به (٣٠) (٣١) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ  ﴾ ويكون التقدير: أتتخذنا أصحاب هزء.

أو يكون جعل الهُزْءَ المهزوءَ به مثل الخلْق (٣٢) (٣٣) ﴿ لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا  ﴾ لا يحتاج فيه إلى تقدير محذوف، لأن الدِّين (٣٤) وقول موسى: ﴿ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ في جواب: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ يدل على أن الهازئ جاهل (٣٥) ﴿ أَعُوذُ بِاللَّهِ ﴾ أي: أمتنع به وألجأ إليه، ومصدره العَوْذ والعِياذ (٣٦) (٣٧) (٣٨) فالِعينُ سَاكِنَةٌ على أَطْلائِهَا (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ الجهل نقيض العلم، ويقال: استجهلت الريحُ الغصنَ إذا حركته فاضطرب، والمجهلة: الأمر يحملك على الجهل (٤١) (٤٢) (٤٣) وكان حقه (٤٤) (٤٥) (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) ﴿ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا  ﴾ ، ولوكان على كلمة واحدة لم تسقط العرب منه الفاء، من ذلك (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) لَمَا رأَيْتُ نَبَطَا أَنْصَارا ...

شَمَّرتُ عَنْ رُكْبَتِيَ الإِزَارَا كُنْتُ لَهَا مِنَ النَّصَارى جَارَا (٥٥) [لم يقل: فكنت، ولا وكنت] (٥٦) (١) هو: الليث بن المظفر، وقيل: ابن، وقيل: ابن رافع بن يسار الخرساني، وكان بارعا في الأدب، بصيرًا بالشعر والغريب والنحو، وكان كاتبا للبرامكة.

ينظر: "بغية الوعاة" 2/ 270، و"معجم الأدباء" 17/ 43.

(٢) هو: زهير بن أبي سلمة بن رباح، شاعر جاهلي، نت نزينة من الطبقة الأولى من فحول "الشعراء الجاهليين"، كان له من الشعر ما لم يكن لغيره، توفي سنة 13 قبل الهجرة.

ينظر: "الشعر والشعراء" 1/ 69، "الأعلام" 3/ 52.

(٣) في (أ)، (ج): (أخاك) (٤) البيت من قصيدة قالها زهير في هجاء بيت من كلب من بني عليم.

ورد في "تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2863، و"مجمل اللغة" (قوم) 2/ 738، "المقاييس" (قوم) 5/ 43، و"المعاني الكبير" 1/ 593، و"المخصص" 3/ 119، و"مغني اللبيب" 1/ 41، 139، 2/ 393، 398، و"الهمع" 2/ 230، 4/ 54، 376، و"معاهد التنصيص" 3/ 165، و"اللسان" (قوم) 6/ 3786، و"فتح القدير" 1/ 135.

(٥) انتهى كلام الليث.

"تهذيب اللغة" (قام) 3/ 2863، وانظر: "الزاهر" 2/ 169، "اللسان" (قوم) 6/ 3786.

(٦) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" عن المنذري عن أبي العباس (قام) 3/ 2863، وانظر: "اللسان" (قوم) 6/ 3786.

(٧) (من أمر النساء) ساقط من (ب).

(٨) ذكره ابن الأنباري في "الزاهر" 2/ 170.

(٩) في (ب): (واحد).

(١٠) في (ج): (باقر).

(١١) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (قال: قال أبو نصر: قال الأصمعي ...

ثم ذكره، وفيه: وأنشدني ابن أبي طرفة.

(بقر) 1/ 370، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" 1/ 27، "الصحاح" (بقر) 2/ 594، "مقاييس اللغة" (بقر) 1/ 278.

(١٢) في (ب): (المرابع).

والبيت لقيس بن العَيْزَارَة وشطره الأول: فَسَكَّنْتُهُمْ بِالْقَوْلِ حَتَّى كَأَنَّهُمْ و (الجُلْح): البقر لا قرون لها، (أسكنتها المراتع): طابت أنفسها بالمرعى فسكنت.

ورد البيت في "شرح أشعار الهذليين" 2/ 590، "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 370، "مقاييس اللغة" 1/ 278، "اللسان" (بقر) 1/ 423، و (جلح) 2/ 651.

(١٣) هو الحارث بن خالد المخزومي كما في "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270.

(١٤) البيت بتمامه: مَالِي رَأَيْتُكَ بَعْدَ أَهْلِكَ مُوحِشًا ...

قَفْرًا كَحَوْضِ البَاقِر المُتهَدمِ ورد البيت في "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270، و"تفسير الثعلبي" 1/ 84 أ، والسجاوندي في ص 53، و"البحر المحيط" 1/ 254.

(١٥) "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 370، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270.

(١٦) هو: أمية بن أبي الصلت.

(١٧) تمامه: سَلْعٌ مَّا وَمِثْلُهُ عُشَرٌ مَّا ...

عَائِلٌ مَّا وَعَالَتِ الْبَيْقَورَا و (السلع): نبت، و (عائل): من قولهم: عالني أثقلني، و (عالت البيقورا): أي أثقلت هذه السنة البيقور بالهزال.

قال في مغني اللبيب: قال عيسى بن عمر: لا أدري ما معناه، ولا رأيت أحدا يعرفه، وقال غيره: كانوا إذا أرادوا الاستسقاء في سنة الجدب عقدوا في أذناب البقر وبين عراقيبها السَّلْع والعُشَر، وهما ضربان من الشجر، ثم أوقدوا فيها النار وصعدوا بها الجبال، ورفعوا أصواتهم بالدعاء.

"مغني اللبيب" 1/ 314، وانظر: "جمهرة أمثال العرب" 1/ 270، "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 370، و (سلع) 2/ 1733، "الأزهية" ص 81، "اللسان" (بقر) 1/ 324، و (علا) 5/ 3090.

(١٨) في (ب) (الحسين الباقر).

وهو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي، أبو جعفر، الباقر خامس الأئمة الاثني عشر عند الشيعة الإمامية، كان ناسكًا عابدًا، توفي سنة أربع عشرة ومائة ، وقيل: ثماني عشرة.

انظر: "حلية الأولياء" 3/ 180، "تهذيب التهذيب" 5/ 3090.

(١٩) "تهذيب اللغة" (بقر) 1/ 369، "الصحاح" (بقر) 2/ 595.

وذكر ابن فارس أن (الباء، والقاف، والراء: أصلان: الأول: البقر، والثاني: التوسع في الشيء وفتح الشيء، قال: وزعموا أنه أصل واحد وسميت البقر لأنها تبقر الأرض، قال: وليس ذلك بشيء.

انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 277 - 280.

(٢٠) ذكره في "تهذيب اللغة" عن أبي عبيد عن الأصمعي 1/ 369.

(٢١) (الكراب): بياض في: (ب).

و (الْكِراَبُ): هو حرث الأرض وقلبها.

انظر: "اللسان" (كرب) 7/ 3847.

(٢٢) قرأ حفص بضم الزاي من غير همز، وحمزة بإسكان الزاي، وبالهمز في الوصل، فإذا وقف أبدل الهمزة واواً اتباعا للخط.

وبقية السبعة بالضم والهمزة التيسير ص 74، وانظر: "السبعة" ص 158، و"الحجة" لأبي علي 2/ 100.

(٢٣) في (ب): (وكذلك).

(٢٤) في "الحجة" لأبي علي: (قال أبو الحسن: زعم عيسى أن كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم ....

الخ) نقل عن أبي علي بتصرف.

"الحجة" 2/ 105.

(٢٥) في (أ)، (ج): (الحلم)، وأثبت ما في (ب) لأنه يوافق ما في "الحجة" 1/ 105.

(٢٦) عند تثقيلها يقال: (العُسُر)، (اليُسُر)، و (الحُكُم)، و (الرُّحُم).

وهذا آخر ما حكاه أبو علي عن أبي الحسن عن عيسى.

انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 278، و"الحجة" 1/ 105، وانظر: "الكشف" لمكي1/ 448، و"حجة القراءات" لابن زنجلة ص 101.

(٢٧) البيت لعبد الرحمن بن حسان، وتمامه: أغَرُّ الثَّنايا أحمُّ اللِّثا ...

ت تَمْنَحهُ سُوُكُ الإسْحِلِ (الأحم): الأسود، و (اللثات): جمع لثة وهي ما حول الأسنان، (سوك): جمع مسواك، و (الإسْحِل): شجر يستاك به.

ورد في "الحجة" 2/ 105، "المقتضب" 1/ 113، "المخصص" 11/ 192، "الصحاح" 4/ 1593، "المنصف" 1/ 338، "شرح المفصل" 10/ 84.

(٢٨) البيت لعدي بن زيد كما في "الكتاب" وشطره الأول: عن مُبْرِقَاتٍ بالبُريْنِ تبدو (المبرقات): النساء المتزينات، و (البُرين): جمع برة وهو الحلي، و (سُوُر) جمع سوار.

والبيت من "شواهد" سيبويه 4/ 359، و"شرح شواهده" للسيرافي 2/ 425، "المخصص" 4/ 46، و"المنصف" 1/ 338، و"الحجة" 2/ 105، و"شرح الكافية" لابن مالك 4/ 1837، "شرح المفصل" 5/ 44، 10/ 84، 91، و"الهمع" 6/ 94، "اللسان" (لمع) 7/ 4074.

(٢٩) "الحجة" لأبي علي 2/ 106، وانظر "الكشف" لمكي 1/ 448.

(٣٠) (به): ساقط من: (ب)، وليس في "الحجة"، وفي الحاشية: (في ط: هزئت به) "الحجة" 2/ 104.

(٣١) في "الحجة" بعد أن ذكر كلام أبي زيد: قال أبو علي قوله تعالى: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ فلا يخلو من أحد أمرين ..) 2/ 104.

(٣٢) قوله: مثل الخلْق والصيد، أي في نحو قوله تعالى: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ وقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ ﴾ ونحو ذلك.

انظر: "الحجة" 2/ 104.

(٣٣) في (ب): (وقال).

(٣٤) في (ب)، (ج): (الذين) تصحيف.

(٣٥) انتهى من "الحجة" 2/ 104، 105.

(٣٦) انظر: "مقاييس اللغة" (عوذ) 4/ 184، "اللسان" (عوذ) 5/ 3162.

(٣٧) في (أ)، (ج): (إذ)، وأثبت ما في: (ب)، لأنه أنسب للسياق.

(٣٨) انظر: "تهذيب اللغة" (عاذ) 3/ 2273، "الصحاح" (عوذ) 2/ 567، "اللسان" (عوذ) 5/ 3763.

(٣٩) في (ب): (أطلابها).

(٤٠) قوله: (العين): البقر، لكبر عيونها، و (أطلائها): أولادها، والمفرد: طلا و (عوذا): حديثات النتاج، و (تَأجَّل): تسير أو تتجمع إجْلاً إجْلاً، أي قطيعا.

و (البِهَام): أولاد الضأن، واستعاره لبقر الوحش.

"شرح ديوان لبيد" ص 299، "مقاييس اللغة" (عوذ) 4/ 184، "شرح القصائد المشهورات" للنحاس ص 133، "اللسان" (أجل) 1/ 33، و (بهم) 1/ 376.

(٤١) انظر: "تهذيب اللغة" (جهل) 1/ 680، "اللسان" (جهل) 1/ 713.

(٤٢) (مبخلة): ساقط م: ن (ب).

(٤٣) أخرجه ابن ماجه بسنده (عن يعلى العامري أنه قال: جاء الحسن والحسين يسعيان إلى النبي  فضمهما إليه، وقال: "إن الولد مبخلة مجبنة".

قال في "الزوائد": إسناده صحيح، رجاله ثقات.

"سنن ابن ماجه" كتاب الأدب، باب: بر الوالد والاحسان إلى البنات.

وبهذا اللفظ ذكره السيوطي فىِ "جمع الجوامع" وعزاه لابن ماجه وابن أبي شيبة والطبراني في "الكبير"، "جمع الجوامع" في 1/ ل/216.

وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد"، ولفظه: "أن الولد مبخلة مجهلة مجبنة" قال: رواه البزار ورجله ثقات.

"مجمع الزوائد"، كتاب: البر والصلة باب ما جاء في الأولاد 8/ 155.

(٤٤) قوله: (وكان حقه أن يقول ..) هذه العبارة لا تليق بمكانة كتاب الله الذي هو في قمة الفصاحة والبلاغة، مع أن عموم القاعدة التي ذكر منقوض بكلام الفراء الذي أورده.

(٤٥) في (ب): (وكان) وفي "معاني القرآن" للفراء 1/ 43: (فكأن) وهو أولى.

(٤٦) في (أ): (السكون) والصحيح بالتاء كما في "معاني القرآن" للفراء 1/ 44.

(٤٧) في (ب): (فصول).

(٤٨) كذا في جميع النسخ، وكذا في "معاني القرآن" للفراء وفي حاشيته: في ش، ج (حسنة) 1/ 44.

(٤٩) (من ذلك): ساقط من: (ب).

(٥٠) قوله: (قالوا إنا أرسلنا) ساقط من: (ج).

(٥١) (ذلك) ساقط من (ب).

(٥٢) زيادة لازمة من "معاني القرآن" للفراء 1/ 44.

(٥٣) قوله: (حتى يقولوا قلت) ساقط من (ب).

(٥٤) قوله: (أو قلت وقال) ليست في "معاني القرآن" للفراء 1/ 44.

(٥٥) سبق هذا الرجز.

انظر تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ .

وبه ينتهي ما نقله من كلام الفراء.

انظر: "المعاني" 1/ 43، 44، "تفسير الطبري" 1/ 337.

(٥٦) ما بين المعقوفين ساقط من: (ب).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ قصتها أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريبه ليرثه، وادّعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتاً ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ﴾ جفاء وقلة أدب، وتكذيب ﴿ فَارِضٌ ﴾ مسنة ﴿ بِكْرٌ ﴾ صغيرة ﴿ عَوَانٌ ﴾ متوسطة ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ أي بين ما ذكر، ولذلك قال ذلك مع الإشارة إلى شيئين: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ من الصفرة المفروقة، وقيل سوداء: وهو بعيد، والظاهر صفراء كلها.

وقيل: القرن والظلف فقط، وهو بعيد ﴿ فَاقِعٌ ﴾ شديد الصفرة ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ لحسن لونها، وقيل لسمنها ومنظرها كله ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ غير مذللة للعمل ﴿ تُثِيرُ الأرض ﴾ أي تحرثها وهو داخل تحت النفي على الأصح ﴿ لاَ تَسْقِى ﴾ لا يسقى عليها ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ من العمل أو من العيوب ﴿ لاَّ شِيَةَ ﴾ لا لمعة غير الصفرة، وهو في من وشى ففاءه واو محذوفة كعِدة ﴿ الآن جِئْتَ بالحق ﴾ العامل في الضرب جئت بالحق، وقي: العامل فيه مضمر تقديره الآن تذبحوها، والأول أظهر فإن كان قولهم: أتتخذنا هزوا: هكذا؛ فهذا تصديق وإن كان غير ذلك، فالمعنى الحق المبين ﴿ وَمَا كَادُواْ ﴾ لعصيانهم وكثرة سؤالهم، أو لغلاء البقرة، فقد جاء بأنها كانت ليتيم وأنهم اشتروها بوزنها ذهباً، أو لقلة وجود تلك الصفة، فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة أجزأت عنهم، ولكنه شدّدوا فشدّد عليهم ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ﴾ هو أوّل قصة البقرة فمرتبته التقديم ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ ﴾ قال الزمخشري: إنما أخر لتعدّد توبيخهم لقصتين وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس، ولو قدّم لكان قصة واحدة بتوبيخ واحد ﴿ فادارأتم ﴾ أي اختلفتم وهو من المدارأة أي المدافعة ﴿ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ من أمر القتيل ومن قتله ﴿ اضربوه ﴾ القتيل أو قريبة ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ مطلقاً، وقيل: الفخذ وقيل: اللسان، وقيل الذنب ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى حياة القتيل، واستدلالٌ بها على الإحياء للبعث، وقبله محذوف لابد منه تقديره: ففعلوا ذلك فقام القتيل.

فائدة: استدل المالكية بهذه القصة على قبول المقتول: فلان قتلني، وهو ضعيف، لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصته معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتأتى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره، واستدلوا أيضاً بها على أن: القاتل لا يرث، ولا دليل فيها على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يأمركم ﴾ بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء.

﴿ هزؤا ﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل.

وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً ﴿ جئت ﴾ وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿ فأدارأتم ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿ عما يعملون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ بقرة ﴾ (ط) ﴿ هزواً ﴾ (ط) ﴿ الجاهلين ﴾ (ه) نصف الجزء ﴿ ما هي ﴾ (ط) ﴿ ولا بكر ﴾ (ط) لأن التقدير هي عوان ﴿ بين ذلك ﴾ (ط) على تقدير قد تبين لكم ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ (ه) ﴿ ما لونها ﴾ (ط) ﴿ صفراء ﴾ (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿ الناظرين ﴾ (ه) ﴿ ما هي ﴾ (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿ علينا ﴾ (ط) ﴿ لمهتدون ﴾ (ه) ﴿ الحرث ﴾ (ج) لأن قوله ﴿ مسلمة ﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿ لا شية فيها ﴾ (ط) ﴿ جئت بالحق ﴾ (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿ فذبحوها ﴾ (ط) ﴿ يفعلون ﴾ (ه) ﴿ فادارأتم فيها ﴾ (ط) ﴿ يكتمون ﴾ (ه) ج للآية والفاء بعدها ﴿ ببعضها ﴾ (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ قسوة ﴾ (ط) ﴿ الأنهار ﴾ (ط) ﴿ الماء ﴾ (ط) ﴿ خشية الله ﴾ (ط) لتفصيل دلائل القدرة ﴿ تعملون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى  ، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.

فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.

فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم.

وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى  أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.

واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.

والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال.

وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام.

ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

ثم اختلف القائلون بهذا المذهب.

منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها.

ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال.

وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب.

ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى  ، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.

﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء.

كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى  أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء.

ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة.

واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله  على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى  هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى  في الوحي، وذلك أيضاً كفر.

وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿ من الجاهلين ﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.

وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.

ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.

أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.

فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال.

قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات.

فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟

فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص.

فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".

الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.

والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.

والعوان النصف قال: نواعم بين أبكار وعون.

*** وقد غونت وقال: فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف *** فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد.

وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ﴿ ما تؤمرون ﴾ مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.

بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون.

والفقوع أشد ما يكون من الصفرة.

يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع.

والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون.

وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.

وعن علي  : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله ﴿ سر الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله  ﴿ جمالات صفر  ﴾ ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ عن النبي  أنه قال "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.

والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل ﴿ لا ذلول ﴾ صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.

"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.

والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.

تقول: رجل صبور وامرأة صبور ﴿ مسلمة ﴾ سلمها الله  من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان.

وعلى هذا يكون ﴿ لا شية فيها ﴾ كالبيان.

والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" ﴿ الآن ﴾ اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي ﴿ جئت بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف ﴿ فذبحوها ﴾ والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر.

والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل.

والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق.

ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم.

وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.

وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.

وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادارأتم فيها ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه.

وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم ﴿ والله مخرج ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل.

وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه  ﴾ فلهذا صح عمل اسم الفاعل.

وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات.

وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله  "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة ﴿ قتلتم ﴾ أو ﴿ ما كنتم تكتمون ﴾ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.

روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا  "ليس للقاتل من الميراث شيء" والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي.

ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ.

وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه.

وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله.

ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء.

وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين.

وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله  .

وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" ﴿ ويريكم آياته ﴾ دلائله على أنه قادر على كل شيء.

فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى  آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة.

ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات.

وفي قوله ﴿ كذلك ﴾ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك.

فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟

قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى  إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟

قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ﴿ ببعضها ﴾ إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.

قوله ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ الآية.

خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد  من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات.

ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة.

وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.

فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة.

فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً.

وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم.

وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز.

ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.

ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً.

وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل.

ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" ﴿ لما يهبط ﴾ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه  خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي  ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً  ﴾ ووصفه  بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ .

التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.

اقتلوني يا ثقاتي *** إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي *** ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة.

وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ﴿ ما هي إنها بقرة ﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿ لا فارض ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿ ولا بكر ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره ﴿ عوان بين ذلك ﴾ لقوله ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة  ﴾ .

﴿ بقرة صفراء ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات ﴿ فاقع لونها ﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين.

﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿ مسلمة ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه.

﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ يعني القلب ﴿ فادّارأتم ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله  وقال ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ ﴿ وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم.

والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.

فإراءة الآيات للخواص ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون  ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿ لولا أن رأى برهان ربه  ﴾ سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .

قيل: قُتِل قتيلٌ في بني إِسرائيل، وأُلْقيَ على باب غيرِهم؛ فتنازعوا فيه واختلفوا؛ فأَمر الله نبيَّه موسى أَن يذبحوا بقرةً، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فاضربوه ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: مَنْ قتلني.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ .

قال بعضُهم: كفروا بهذا القول؛ لأَنهم سمَّوْه هازئاً، ومن سَمَّى رسولاً من الرسل هازئاً يكفر؛ أَلا ترى أَنهم قالوا في الآخِر: ﴿ قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ؟!

دل أَن ما قال لهم أَولَ مرَّةٍ ليس بحق عندهم.

وليس هذا بشيء.

ولا يحتمل ما قالوا.

ولكن يحمل على المجازاة، كأَنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من العصيان بك، والخلاف لك؟!

لما لم يعلموا أَنه من عند الله يأْمر بذلك.

وهذا وأَمثاله على المجازاة جائزٌ على ما ذكرنا من الاستهزاءِ، والمخادعة، والمكر، كله على المجازاة جائز.

وكقول نوح لقومه: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ  ﴾ على المجازاة [جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء]؛ فكذلك الأَول.

وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهلٍ بأَحوال أَنفسهم؛ إذ كلهم سواء مِن جهة الجوْهر والخِلْقة، وتركيب الجوارح، وتصوير الصُّور، وتمثيلها.

أَلا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهْل، فقال: ﴿ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!

دل أَن الهزء في الخلق لجهلٍ فيهم، وبالله التوفيق.

ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرْع السمع؛ لأَنه أَمرهم بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيَّتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث والسؤال عنها؛ فثبت أَنه على العموم.

أَلا ترى ما روي في الخبر: "لو عمدوا إلى أَدنى بقرة لأَجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" لكن هذا لا يصح؛ لأَنه دعوى على الله، لحدوث شيء في أَمره، وبُدُوٍّ في حكمه، فذلك كفرٌ، لا يقوله مسلم، فضلاً عن أَن يقولَ به رسولٌ من الرسل.

تأْويل هذا أَنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأَول على غير ذلك لكان قد بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أَرادَ.

وذلك معنى البداءِ، بل معنى الرجوع عن الأَول مما أَراد، والتفسير له بغَيره، ولا قوة إلا بالله.

ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: أَحدهما: أَخذُ كل آيةٍ خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص.

والثاني: جواز تأْخير البيان على تقدم الأَمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت على العموم - وهو مرادها - ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأَحكام والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات،  الله عن ذلك.

ومعنى سُؤالهم؛ بدعاءِ الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: أَنْ لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسأَلوا موسى عن تفسيرها؛ إذ الله -  - هو الذي يعلم الآيات.

والحرف الثاني هو الأَول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداءِ؛ لما يوجبه، وأَن الأَمر بالذبح في الابتداءِ كان على ما آل أَمرها إليه وظهر.

لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أَحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا أَنه أَحدث لهم ذلك بالسؤال.

وعلى ذلك: ما روي في الخبر: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" أَي: لما علم من عبده أَنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أَكثر مما لو علم أَنه لا يصل، لا أَنه يجعل أَجله إلى وقتٍ، فإذا وصل رحمه زادَ على ذلك.

لا على ما يقوله المعتزلة: أَن الله -  - يجعل لكل أَحد أَجلين، فإذا وَصَل رحمه أَماته في أَبْعد الأَجلين، وإذا لم يصل جعلَ أَجله الأولَ.

فهذا أَمر من يجهل العواقب، فأَما من كان عالماً بالعواقب فلا؛ لأَنه بدوٌّ ورجوعٌ عما تقدم من الأَمر.

ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أَولياءِ المقتول وَهِمَ؛ لأَوجهٍ: أَحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إنَّ فلاناً قتلني، في قطع حَق الميراث، وإغرام الدية.

والثاني: أَن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم.

والثالث: أَن أَولياء المقتول قد كانوا - قبل أَن يحيى - يدَّعون عليهم القتل، فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية.

والرابع: أَن قبول قول الميت أَحق من قبول قول الولي؛ لأَن الوليَّ ينتفع بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئاً، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي، والله الموفق.

ثُم وَجْه جعْلِ البقرة آيةً دون غيرها من البهائم وجهان: أَحدهما: ما رُوي أَن رجلاً كان بارّاً بوالديْه، محسناً إليهما عاطفاً عليهما، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأَراد الله - عز وجل - أَن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديْهِ.

والثاني: أَنهم كانوا يعبدون البُقُور والعَجَاجيل، وحُبِّبَ ذلك إليهم؛ كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ  ﴾ ، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته، فأَراد الله أَن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان في قلُوبهم من حب البُقُور والعجاجيل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ .

يقول: ليست بكبيرة.

وقوله: ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ .

ولا شابة.

وقوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ .

بين الشابة والكبيرة.

وقيل: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ : لا كبيرة، على ما ذكرنا ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ ، أَي: ولا ما [لا] تلد، ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ﴾ أي: قد ولدت بطناً أَو بَطنَين.

وقوله: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ .

قيل: الصفراءُ؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته.

وقيل: الصفراءُ؛ من الصّفَر المعروف.

وقوله: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ .

قيل: صاَفٍ.

وقوله: ﴿ تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ ﴾ .

تُعْجِب الناظرين.

وقيل: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ؛ صَفْرَاءُ الظلف والقَرن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ .

وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيداً من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ الله لكنا من المهتدين.

والمعتزلة يقولون: قد شاءَ الله أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم على مشيئة الله على قولهم - فنعُوذ بالله من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدين.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا ﴾ .

قيل: لم يذللها لِلعمل؛ أَي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يُسقى عليها الحرث.

وقيل: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ ؛ أي: بقرة وحشية صعبة، تثير الأَرض، ولكن إثارة الأَرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ، خوفاً على أَنفسهم أَن يفتضحوا لظهور القاتل.

وقيل: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ لغلاءِ ثمنها.

والأولُ أَقرب، والله أعلم.

وقيل: إنهم استقصَوْأ في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربما يكون للمدافعة، والله الموفق.

وفي قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ دليلٌ لأَبي حنيفةَ - رَحمَهُ الله وَأصحابِه - أَن من حَلَف لا يأْكل لحم بقرَةٍ، فأَكل لحْم ثَور حنث؛ لأَن الله  ذكر البقرةَ, ثم بين في آخره ما يدل على أَنه أَراد به الثورَ؛ لقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ .

والثوْرُ هو الذي يثير الأَرض، ويسقي الحرث، دون الأُنثى منها؛ لذلك كان الجواب على ما ذكرنا.

إلا أَن يكونوا هُمْ كانوا يحرثون بالأُنثى منها كما يَحرث أَهل الزمان بالذكَر، فحينئذ لا يكون فيه دليلٌ لما ذكرنا، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

في الآية: دليلٌ مُرادِ الخصوص - وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم - لأَنه قال عز وجل: ﴿ قَتَلْتُمْ ﴾ ، وإنما قتله واحد، وقال: ﴿ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ، وإنما كان كتمه الذي قتله.

لذلك قلنا: ألا نصْرف مرادَ الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ .

قال بعضهم: بفخذها الأَيمن.

لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن الله  ، ولكن يقال: ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ بقدر ما في الكتاب.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

أَي: هكذا يُحيي الله الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءَه، بضرب بعض البقرة عليه.

وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ  ﴾ .

فكما أَحيا الأَرض بَعد موتها بالمطر المنزل من السماءِ، يقدر على إحياءِ الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، والله أعلم.

ويحتمل: إحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمَأَنُّوا على إِحياءِ الموتى؛ فأَرَاهُم الله - عز وجل - ذلك؛ ليطمئنوا، وليَسْتَقِروا على ذلك، ولا يضْطَربوا فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .

يحتمل: يُريكم آيات وحدانيته.

ويحتمل: يريكم آيات إِحياءِ الموتى، وآيات البعث.

ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أَرى من تقدمكم عند حاجاتهم.

ويحتمل: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ آيات نبوة محمد  ؛ إذ هو خبَّر عن الغيب.

وأَوضح آيات الرسالة؛ الخَبَرُ عن الغيْبِ، وذكرُ القصة على الوجه الذي يعلم أَن الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أَنه بالله علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا اختلافٌ إلى من عنده.

على أَنه لو كان مسموعاً منهم، يجرى على مثله القول بالزيادة والنقصان، ولكن منعهم الله  عن ذلك - إذ علموا صدقه - إشفاقاً على أَنفسهم، أَن ينزل عليهم نِقْمة الله.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .

لكي تَعقلُوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أَنه قادر على إِحياءِ الموتى بَعْدَ الموت.

وقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .

ضرب الله لقلوبهم مثلاً بالحجارة، وشبهها بها، لتساويها، وشدة صلابتها، وأَنها أَشدُّ قسوةً من الحجارة، وذلك: أَن من الحجارة - مع صلابتها وشدتها، مع فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها - ما تخضع له، وتتصدع؛ كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...

﴾ الآية [الأعراف: 143].

وقلبُ الكافر - مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول - لا يخضع له، ولا يلين.

وكذلك أَخبر الله عز وجل عن الجبال أَنها تلينُ، وتخضع لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

وقلبُ الكافر لا يلين أَبداً.

أَو أَن يقال: إنّ الله عز وجل جعل من الجبال مَنافِع للخلق مع صلابتها وشدتها حتى يتفجر منه الأَنهار والمياه.

وقلبُ الكافر - مع احتمال ذلك وإمكانه - لا منفعة منه لأَحدٍ.

وبالله التوفيق.

ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلاً بالحجارة، وتشبيهها بها، دونَ غيرها من الأَشياء الصُّلبة؛ من الحديد، والصُّفْر، وغيرهما، وذلك - والله أعلم - أَن الحديد تُلينه النار، وكذلك الصُّفْر حتى تضرب منهما الأَواني.

والحجرُ لا تُلينهُ النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها.

وهذا - والله أعلم - في قوم علم الله أَنهم لا يؤمنون أَبداً.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرجت على الوعيد - أَبلغ الوعيد - والوعظ؛ حين ذَكرهم علمه بما يعملون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا من خبر أسلافكم ما جرى بينهم وبين موسى  ، حيث أخبرهم بأمر الله لهم أن يذبحوا بقرة من البقر، فبدلًا من المسارعة قالوا مُتَعنِّتِين: أتجعلنا موضعًا للاستهزاء!

فقال موسى: أعوذ بالله أن أكون من الذين يَكْذِبُون على الله، ويستهزئون بالناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.RX3zw"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه القصة مما أراد الله تعالى أن يقصه علينا من أخبار بني إسرائيل في قسوتهم وفسوقهم للاعتبار بها..

من وجوه الاعتبار أن التنطع في الدين والإحفاء في السؤال، مما يقتضي التشديد في الأحكام، فمن شَدَّد شُدِّد عليه، ولذلك نهى الله تعالى هذه الأمة عن كثرة السؤال بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ  قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ  ﴾ وفي الحديث الصحيح "ويكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".

وقد امتثل سفلنا الأمر فلم يشددوا على أنفسهم فكان الدين عندهم فطريًا ساذجًا وحنيفيًا سمحًا، ولكم مِن خَلَفِنا من عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكامًا استنبطها باجتهاده، وأكثروا منها حتى صار الدين حملًا ثقيلًا على الأمة فسئمته وملت، وألقته وتخلت.

جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، فهو في هذه القصص ولم يلتزم ترتيب المؤرخين ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة.

وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكًا، ويهز النفس للاعتبار هزًا.

وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم الله تعالى إياها، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها، وما كان في أثر كل من ذلك تأديبهم بالعقوبات، وابتلائهم بالحسنات والسيئات، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة، ثم يعودون إلى بطرهم وينقلبون إلى كفرهم.

كان في الآيات السابقة يذكر النعمة فالمخالفة فالعقوبة فالتوبة فالرحمة كالتفضيل على العالمين، وأخذ الميثاق، والإنجاء من آل فرعون، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا، وأوضحنا من قبل وفصلنا.

وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا  ﴾ ثم المنة في الخلاص منها في قوله ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا  ﴾ إلخ وقدم على ذلك وسيلة الخلاص وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها، حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر موسى لقومه أي يذبحوا بقرة، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه، إذ الحكمة في أمر الله أمة من الأمم بذبح بقرة خفية وجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها، لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب.

يقول أهل الشبهات في القرآن: إن بنيب إسرائيل لا يعرفون هذه القصة إذ لا وجود لها في التوراة، فمن أين جاء بها القرآن؟

ونقول إن القرآن جاء بها من عند الله الذي يقول في بني إسرائيل المتأخرين إنهم نسوا حظًا مما ذكروا به، وإنهم لم يؤتوا إلا نصيبًا من الكتاب.

على أن هذا الحكم منصوص في التوراة وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في وادٍ دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون إن أيدينا لم تسفك هذا الدم، اغفر لشعبك إسرائيل: ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة أو كانت هي السبب فيه.

وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه وأظهره الله تعالى..

وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين والمفسرين فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها لحسن قصدهم، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهى عنه ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته.

فالأمر بذبح البقرة كان لفصل النزاع في واقعة قتل.

ويروون في قصته روايات منها: أن القاتل كان أخ المقتول، لأجل الإرث، وأنه اتهم أهل الحي بالدم وطالبهم به.

ومنها أنه كان ابن أخيه، وغير ذلك مما لا حاجة إليه.

وكانوا طلبوا من موسى الفصل في المسألة وبيان القاتل، ولما أمرهم بذبح البقرة استغربوا لما فيه من المباينة لما يطلبون، والبعد بينه وبين ما يريدون، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ أي سخرية يهزأ بنا، وهذا القول من سفههم وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله تعالى وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام والامتثال، وإن لم تظهر حكمته بادي الرأي، ولولا ذلك لامتثلوا وانتظروا النتيجة بعد ذلك.

ولما كان في جوابهم هذا رمي لموسى  بالسفه والجهالة ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  ﴾ أي ألتجئ إلى الله وأعتصم بتأديبه إياي من الجهالة والهزء بالناس.

﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ  ﴾ أي ما الصفات المميزة لها؟

إن السؤال"بما هي"ليس جاريًا هنا على اصطلاح علماء المنطق من جعله سؤالًا عن حقيقة الماهية، وإنما هو على حسب أسلوب اللغة، والعرب يسألون بما عن الصفات التي تميز الشيء في الجملة، كالذي ذكره في الجواب ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ  ﴾ أي غير مسنة انقطعت ولادتها ﴿ وَلَا بِكْرٌ  ﴾ لم تلد بالمرة، والمراد بها التي لم تلد كثيرًا ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  ﴾ العوان النَّصَف في السن من النساء والبهائم أي هي بين ما ذكر من السنين الفارض والبكر فالمشار إليه بكلمة ذلك متعدد في المعنى، وإن كان لفظه مفردًا.

و"بين" من الكلم التي تختص بالمتعدد تقول جلست بينهم أو بينهما ولا تقول جلست بينه.

واستعمال الإشارة والضمير المفردين فيما هو بمعنى الجمع على تقدير التعبير عنه بالمذكور أو"ما ذكر"كثير في كلامهم ومنه قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجسم توليع البهق ذكر هذا الوصف المميز للبقرة في الجملة وقال ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ  ﴾ وكان يجب عليهم الاكتفاء به والمبادرة بعده للامتثال ولكنهم أبوا إلا تنطعًا واستقصاء في السؤال ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ  ﴾ الفاقع الشديد الصفرة في صفاء بحيث لا يخالطه لون آخر، وبعض أهل اللغة لا يخصه بالأصفر بل يجعله وصفًا لكل لون صاف.

وكان يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولمنهم زادوا تنطعًا إذ ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  ﴾ وقد أرادوا بهذا السؤال زيادة التمييز ككونها عاملة أو سائمة ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ  ﴾ سائمة ﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ  ﴾ أي غير مذللة بالعمل في الحراثة ولا في السقي ﴿ مُسَلَّمَةٌ  ﴾ من العيوب أو من سائر الأعمال ﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا  ﴾ أي ليس فيها لون آخر غير الصفرة الفاقعة.

والشية مصدر كالعِدَة من وشى الثوب يشيه إذا جعل فيه خطوطًا من غير لونه بنحو تطريز.

ولما استوفى جميع المميزات والشخصيات ولم يروا سبيلًا إلى سؤال آخر ﴿ قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ أي وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم.

روى ابن جرير في التفسير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا" لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا: وههنا يذكر المفسرون قصة في حكمة هذا التشديد وهو المصير إلى بقرة معينة لشخص معين كان بارًا بوالدته.

وقد يكون هذا صحيحًا غير أنه لا داعي إليه في التفسير وبيان المعنى.

وقد يشتبه بعض الناس فيما ذكر بأن أحكام الله تعالى لا تكون تابعة لأفعال الناس العارضة ويرد هذه الشبهة أن التكليف كثيرًا ما يكون عقوبة لأنه تربية للناس وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بالفاء وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابًا للسؤال المقدر مفصولة عما قبله لا يقرن جوابه بالفاء إلا إذا كان للفاء معنى خاص يقتضيه المقام كالتعقيب والجزاء، وليس ذلك موجودًا هنا.

فقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً  ﴾ يشعر بسؤال كأنه قيل ماذا كان منهم بعد الأمر فأجيب عنه بقوله ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ وهذا يشعر بسؤال أيضًا كأنه قيل ماذا قال موسى إذ قالوا ذلك فأجاب ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ  ﴾ إلخ وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل كما ترى في قصة موسى وفرعون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله