الآية ٨٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٠ من سورة البقرة

وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًۭا مَّعْدُودَةًۭ ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًۭا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ ۖ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٨٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 87 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى إخبارا عن اليهود فيما نقلوه وادعوه لأنفسهم ، من أنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة ، ثم ينجون منها ، فرد الله عليهم ذلك بقوله : ( قل أتخذتم عند الله عهدا ) أي : بذلك ؟

فإن كان قد وقع عهد فهو لا يخلف عهده .

ولكن هذا ما جرى ولا كان .

ولهذا أتى ب " أم " التي بمعنى : بل ، أي : بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه .

قال محمد بن إسحاق ، عن سيف بن سليمان عن مجاهد ، عن ابن عباس : أن اليهود كانوا يقولون : هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما في النار ، وإنما هي سبعة أيام معدودة .

فأنزل الله تعالى : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) إلى قوله : ( خالدون ) [ البقرة : 82 ] .

ثم رواه عن محمد ، عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس ، بنحوه .

وقال العوفي عن ابن عباس : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) اليهود قالوا : لن تمسنا النار إلا أربعين ليلة ، [ زاد غيره : هي مدة عبادتهم العجل ، وحكاه القرطبي عن ابن عباس وقتادة ] .

وقال الضحاك : قال ابن عباس : زعمت اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا : أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم ، التي هي نابتة في أصل الجحيم .

وقال أعداء الله : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك .

فذلك قوله تعالى : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) يعني : الأيام التي عبدنا فيها العجل .

وقال عكرمة : خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : لن ندخل النار إلا أربعين ليلة ، وسيخلفنا إليها قوم آخرون ، يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم : " بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفكم إليها أحد " .

فأنزل الله : ( وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ) الآية .

وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه رحمه الله : حدثنا عبد الرحمن بن جعفر ، حدثنا محمد بن محمد بن صخر ، حدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ ، حدثنا ليث بن سعد ، حدثني سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : لما فتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجمعوا لي من كان من اليهود هاهنا " فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أبوكم ؟

" قالوا : فلان .

قال : " كذبتم ، بل أبوكم فلان " .

فقالوا : صدقت وبررت ، ثم قال لهم : " هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟

" .

قالوا : نعم ، يا أبا القاسم ، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أهل النار ؟

" فقالوا : نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اخسئوا ، والله لا نخلفكم فيها أبدا " .

ثم قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل أنتم صادقي عن شيء إن سألتكم عنه ؟

" .

قالوا : نعم يا أبا القاسم .

فقال : " هل جعلتم في هذه الشاة سما ؟

" .

فقالوا : نعم .

قال : " فما حملكم على ذلك ؟

" .

فقالوا : أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك ، وإن كنت نبيا لم يضرك .

ورواه أحمد ، والبخاري ، والنسائي ، من حديث الليث بن سعد ، بنحوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وقالوا)، اليهود, يقول: وقالت اليهود: (لن تمسنا النار)، يعني لن تلاقي أجسامنا النار ولن ندخلها،" إلا أياما معدودة ".

وإنما قيل " معدودة " وإن لم يكن مبينا عددها في التنـزيل، لأن الله جل ثناؤه أخبر عنهم بذلك وهم عارفون عدد الأيام، التي يوقتونها لمكثهم في النار.

فلذلك ترك ذكر تسمية عدد تلك الأيام، وسماها " معدودة " لما وصفنا.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في مبلغ الأيام المعدودة التي عينها اليهود، القائلون ما أخبر الله عنهم من ذلك .

* فقال بعضهم بما:- 1399 - حدثنا به أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال ذلك أعداء الله اليهود, قالوا: لن يدخلنا الله النار إلا &; 2-275 &; تحلة القسم، الأيام التي أصبنا فيها العجل: أربعين يوما, فإذا انقضت عنا تلك الأيام, انقطع عنا العذاب والقسم.

1400 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قالوا: أياما معدودة بما أصبنا في العجل.

1401 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: قالت اليهود: إن الله يدخلنا النار فنمكث فيها أربعين ليلة, حتى إذا أكلت النار خطايانا واستنقتنا, (33) نادى مناد: أخرجوا كل مختون من ولد بني إسرائيل.

فلذلك أمرنا أن نختتن.

قالوا: فلا يدعون منا في النار أحدا إلا أخرجوه.

1402 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمرنا, فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة, ثم يخرجنا.

فأكذبهم الله.

1403 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم, عدد الأيام التي عبدنا فيها العجل.

1404 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) الآية، قال ابن عباس: ذكر أن اليهود وجدوا في التوراة مكتوبا، أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم نابتة في أصل الجحيم - وكان ابن عباس يقول: إن الجحيم سقر, وفيه شجرة الزقوم - فزعم أعداء الله، &; 2-276 &; أنه إذا خلا العدد الذي وجدوا في كتابهم أياما معدودة - وإنما يعني بذلك المسير الذي ينتهي إلى أصل الجحيم - فقالوا: إذا خلا العدد انتهى الأجل.

فلا عذاب، وتذهب جهنم وتهلك.

(34) فذلك قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، يعنون بذلك الأجل.

فقال ابن عباس: لما اقتحموا من باب جهنم، ساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شجرة الزقوم آخر يوم من الأيام المعدودة, قال لهم خزان سقر: زعمتم أنكم لن تمسكم النار إلا أياما معدودة!

فقد خلا العدد وأنتم في الأبد!

فأخذ بهم في الصَّعود في جهنم يرهقون.

(35) 1405 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، إلا أربعين ليلة.

1406 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا حفص بن عمر, عن الحكم بن أبان, عن عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة, وسيخلفنا فيها قوم آخرون - يعنون محمدا وأصحابه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على رءوسهم (36) " بل أنتم فيها خالدون، لا يخلفكم فيها أحد " .

فأنـزل الله جل ثناؤه: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة).

1407 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج قال، أخبرني الحكم بن أبان, عن عكرمة، قال: اجتمعت يهود يوما تخاصم النبي صلى الله عليه وسلم.

فقالوا: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، &; 2-277 &; - وسموا أربعين يوما - ثم يخلفنا، أو يلحقنا، فيها أناس.

فأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كذبتم, بل أنتم فيها خالدون مخلدون، لا نلحقكم ولا نخلفكم فيها إن شاء الله أبدا ".

(37) 1408 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا علي بن معبد, عن أبي معاوية, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: (لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: قالت اليهود: لا نعذب في النار يوم القيامة إلا أربعين يوما مقدار ما عبدنا العجل.

1409 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: حدثني أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم: " أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنـزلها الله على موسى يوم طور سيناء, مَن أهل النار الذين أنـزلهم الله في التوراة؟

وقالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة, فنمكث في النار أربعين ليلة, ثم نخرج فتخلفوننا فيها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم والله، لا نخلفكم فيها أبدا ".

فنـزل القرآن تصديقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبا لهم: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا) إلى قوله: هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .

(38) * * * وقال آخرون في ذلك بما:- 1410 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير قال، حدثنا ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال: كانت يهود يقولون: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة, وإنما يعذب الله الناس يوم القيامة بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوما واحدا من أيام الآخرة, وإنها سبعة أيام.

فأنـزل الله في ذلك من &; 2-278 &; قولهم: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة) الآية.

1411 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ويهود تقول: إنما مدة الدنيا سبعة آلاف سنة, وإنما يعذب الناس في النار بكل ألف سنة من أيام الدنيا، يوما واحدا في النار من أيام الآخرة, فإنما هي سبعة أيام، ثم ينقطع العذاب.

فأنـزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: (لن تمسنا النار) الآية.

1412 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: (قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة)، قال: كانت تقول: إنما الدنيا سبعة آلاف سنة, وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما.

1413 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: كانت اليهود تقول: إنما الدنيا, وسائر الحديث مثله.

1414 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال مجاهد: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة من الدهر.

وسموا عدة سبعة آلاف سنة, من كل ألف سنة يوما.

يهود تقوله.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (80) قال أبو جعفر: لما قالت اليهود ما قالت من قولها: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً &; 2-279 &; - على ما قد بينا من تأويل ذلك - قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد، لمعشر اليهود: (أتخذتم عند الله عهدا): أأخذتم بما تقولون من ذلك من الله ميثاقا، فالله لا ينقض ميثاقه، ولا يبدل وعده وعقده, أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟

كما:- 1415 - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (قل أتخذتم عند الله عهدا) أي: موثقا من الله بذلك أنه كما تقولون.

1416 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1417 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن قتادة قال: قالت اليهود: لن ندخل النار إلا تحلة القسم، عدة الأيام التي عبدنا فيها العجل، فقال الله: (أتخذتم عند الله عهدا)، بهذا الذي تقولونه؟

ألكم بهذا حجة وبرهان؟

فلن يخلف الله عهده، فهاتوا حجتكم وبرهانكم، أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟

1418 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد, عن بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس قال: لما قالت اليهود ما قالت, قال الله جل ثناؤه لمحمد، قل : ( أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ) ، يقول: أدخرتم عند الله عهدا؟

يقول: أقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به؟

فإن كنتم قلتموها فارجوا بها, وإن كنتم لم تقولوها، فلم تقولون على الله ما لا تعلمون؟

يقول: لو كنتم قلتم لا إله إلا الله ولم تشركوا به شيئا, ثم متم على ذلك، لكان لكم ذخرا عندي, ولم أخلف وعدي لكم: أني أجازيكم بها.

1419 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط عن السدي قال: لما قالت اليهود ما قالت, قال الله عز وجل: (قل أتخذتم &; 2-280 &; عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده)- وقال في مكان آخر: وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ .

[ آل عمران: 24]، ثم أخبر الخبر فقال: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً .

* * * قال أبو جعفر: وهذه الأقوال التي رويناها عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، بنحو ما قلنا في تأويل قوله: ( قل أتخذتم عند الله عهدا).

لأن مما أعطاه الله عباده من ميثاقه: أن من آمن به وأطاع أمره، نجاه من ناره يوم القيامة.

ومن الإيمان به، الإقرار بأن لا إله إلا الله.

وكذلك من ميثاقه الذي واثقهم به: أن من أتى الله يوم القيامة بحجة تكون له نجاة من النار، فينجيه منها.

وكل ذلك، وإن اختلفت ألفاظ قائليه, فمتفق المعاني، على ما قلنا فيه.

والله تعالى أعلم.

--------------- الهوامش : (33) نقيت الثوب (بتشديد القاف) وأنقيته نقاء فهو نقي : نظيف .

و"استنقيته" ليست في المعاجم ، ولكنها صحيحة البناء والمعنى .

(34) خلا يخلو : مضى وذهب وانقضى .

(35) الصعود : مشقة العذاب ، ولكنه أراد هنا ما قالوا : جبل في جهنم من جمرة واحدة ، يكلف الكافر ارتقاءه ، ويضرب بالمقامع ، فكلما وضع عليه رجله ذابت إلى أسفل دركة ، ثم تعود مكانها صحيحة ، والله أعلم .

(36) قال بيده : أشار .

وقد مضى مثل ذلك مرارا .

(37) الحديثان : 1406 ، 1407 - هما حديث واحد بإسنادين .

ونسبه السيوطي أيضًا 1 : 84 ، لعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم .

وهو حديث مرسل ، لا تقوم به حجة .

(38) الحديث : 1409 - هو حديث مرسل أيضًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : وقالوا يعني اليهود .

لن تمسنا النار إلا أياما معدودة اختلف في سبب نزولها ، فقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لليهود : ( من أهل النار ) .

قالوا : نحن ، ثم تخلفونا أنتم .

فقال : ( كذبتم لقد علمتم أنا لا نخلفكم ) فنزلت هذه الآية ، قاله ابن زيد .

وقال عكرمة عن ابن عباس : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة واليهود تقول : إنما هذه الدنيا سبعة آلاف ، وإنما يعذب الناس في النار لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم واحد في النار من أيام الآخرة ، وإنما هي سبعة أيام ، فأنزل الله الآية ، وهذا قول مجاهد .

وقالت طائفة : قالت اليهود إن في [ ص: 12 ] التوراة أن جهنم مسيرة أربعين سنة ، وأنهم يقطعون في كل يوم سنة حتى يكملوها وتذهب جهنم .

ورواهالضحاك عن ابن عباس .

وعن ابن عباس : زعم اليهود أنهم وجدوا في التوراة مكتوبا أن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم .

وقالوا : إنما نعذب حتى ننتهي إلى شجرة الزقوم فتذهب جهنم وتهلك .

وعن ابن عباس أيضا وقتادة : أن اليهود قالت : إن الله أقسم أن يدخلهم النار أربعين يوما عدد عبادتهم العجل ، فأكذبهم الله ، كما تقدم .الثانية : في هذه الآية رد على أبي حنيفة وأصحابه حيث استدلوا بقوله عليه السلام : دعي الصلاة أيام أقرائك في أن مدة الحيض ما يسمى أيام الحيض ، وأقلها ثلاثة وأكثرها عشرة ، قالوا : لأن ما دون الثلاثة يسمى يوما ويومين ، وما زاد على العشرة يقال فيه أحد عشر يوما ولا يقال فيه : أيام ، وإنما يقال : أيام من الثلاثة إلى العشرة ، قال الله تعالى : فصيام ثلاثة أيام في الحج ، تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما .فيقال لهم : فقد قال الله تعالى في الصوم : أياما معدودات يعني جميع الشهر ، وقال : لن تمسنا النار إلا أياما معدودات يعني أربعين يوما .

وأيضا فإذا أضيفت الأيام إلى عارض لم يرد به تحديد العدد ، بل يقال : أيام مشيك وسفرك وإقامتك ، وإن كان ثلاثين وعشرين وما شئت من العدد ، ولعله أراد ما كان معتادا لها ، والعادة ست أو سبع ، فخرج الكلام عليه ، والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : قل أتخذتم تقدم القول في " اتخذ " فلا معنى لإعادته .

عند الله عهدا أي أسلفتم عملا صالحا فآمنتم وأطعتم فتستوجبون بذلك الخروج من النار !

أو هل عرفتم ذلك بوحيه الذي عهده إليكم فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون توبيخ وتقريع .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ذكر أفعالهم القبيحة, ثم ذكر مع هذا أنهم يزكون أنفسهم, ويشهدون لها بالنجاة من عذاب الله, والفوز بثوابه, وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة, أي: قليلة تعد بالأصابع, فجمعوا بين الإساءة والأمن.

ولما كان هذا مجرد دعوى, رد الله تعالى عليهم فقال: { قُلْ } لهم يا أيها الرسول { أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا } أي بالإيمان به وبرسله وبطاعته, فهذا الوعد الموجب لنجاة صاحبه الذي لا يتغير ولا يتبدل.

{ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ؟

فأخبر تعالى أن صدق دعواهم متوقفة على أحد هذين الأمرين اللذين لا ثالث لهما: إما أن يكونوا قد اتخذوا عند الله عهدا, فتكون دعواهم صحيحة.

وإما أن يكونوا متقولين عليه فتكون كاذبة, فيكون أبلغ لخزيهم وعذابهم، وقد علم من حالهم أنهم لم يتخذوا عند الله عهدا, لتكذيبهم كثيرا من الأنبياء, حتى وصلت بهم الحال إلى أن قتلوا طائفة منهم, ولنكولهم عن طاعة الله ونقضهم المواثيق، فتعين بذلك أنهم متقولون مختلقون, قائلون عليه ما لا يعلمون، والقول عليه بلا علم, من أعظم المحرمات, وأشنع القبيحات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وقالوا} يعني اليهود.

{لن تمسنا النار} لن يصيبنا النار.

{إلا أياماً معدودة} قدراً مقدراً ثم يزول عنا العذاب ويعقبه النعيم.

واختلفوا في هذه الآية، قال ابن عباس ومجاهد: "كانت اليهود يقولون: هذه الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً واحداً ثم ينقطع العذاب بعد سبعة آيام".

وقال قتادة وعطاء : "يعنون أربعين يوماً التي عبد فيها آباؤهم العجل"، وقال الحسن وأبو العالية: "قالت اليهود: إن ربنا عتب علينا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين يوماً فلن تمسنا النار إلا أربعين يوماً تحلة القسم".

فقال الله عز وجل تكذيباً لهم: {قل} يا محمد.

{أتخذتم عند الله} ألف استفهام دخلت على ألف الوصل، عند الله.

{عهداً} موثقاً أن لايعذبكم إلا هذه المدة.

{فلن يخلف الله عهده} ووعده قال ابن مسعود: "عهداً بالتوحيد، يدل عليه قوله تعالى: {إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً} [87-مريم] يعني: قول لا إله إلا الله".

{أم تقولون على الله ما لا تعلمون} ثم قال:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا» لما وعدهم النبيُّ النار «لن تمسَّنا» تصيبنا «النار إلا أياماً معدودة» قليلة أربعين يوماً مدة عبادة آبائهم العجل ثم تزول «قل» لهم يا محمد «أتخذتم» حذفت منه همزة الوصل استغناءً بهمزة الاستفهام «عند الله عهداً» ميثاقاً منه بذلك «فلن يُخلف الله عهده» به؟

لا «أم» بل «تقولون على الله ما لا تعلمون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال بنو إسرائيل: لن تصيبنا النار في الآخرة إلا أيامًا قليلة العدد.

قل لهم -أيها الرسول مبطلا دعواهم-: أعندكم عهد من الله بهذا، فإن الله لا يخلف عهده؟

بل إنكم تقولون على الله ما لا تعلمون بافترائكم الكذب.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك لوناً من ألوان دعاواهم الباطلة ، وأقاويلهم الفاسدة ، ورد عليهم بما يخرس ألسنتهم ويقطع حجتهم ، فقال تعالى :( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ .

.

.

)روى المفسرون في سبب نزول هذه الآيات آثاراً ، منها ما روى عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " إن اليهود كانا يقولون إن هذه الدنيا سبعة آلاف سنة ، وإنما نعذب بكل ألف سنة يوماً في النار ، وإنما هي سبعة أيام معدودة " فأنزل الله تعالى : ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار .

.

.

) الآيات .وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال : " حدثني أبي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لليهود أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزلها الله على موسى يوم طور سيناء ، من أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة؟

قالوا : إن ربنا غضب علينا غضبة ، فنمكث في النار أربعين ليلة ، ثم نخرج فتخلفوننا فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبداً ، فنزل القرآن تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيباً لهم - نزل قوله تعالى : ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً .

.

.

) إلى قوله تعالى : ( هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .وأخرج ابن جرير - أيضاً - عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى : ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ) ذلك أعداء الله اليهود ، قالوا : لن يدخلنا الله النار إلا تحلة القسم .

الأيام التي أصبنا فيها العجل أربعين يوماً ، فإذا انقضت عنا تلك الأيام انطقع عنا العذاب والقسم .هذه بعض الآثار التي وردت في سبب نزول الآيات الكريمة ، والمعنى :وقالت اليهود - يا محمد - إن النار لن تصيبنا ، ولن نذوق حرها ، إلا أياناً قلائل - قل لهم - يا محمد - رداً على دعواهم الكاذبة هل اتخذتم من الله عهداً بذلك حتى يكون الوفاء به متحققاً؟

أم تقولون على الله الباطل جهلا وجراءة عليه؟ثم أبطل القرآن الكريم دعواهم بأصل عام يشملهم ويشمل غيرهم فقال .

ليس الأمر كما تدعون ، بل الحق أنه من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ومات علهيا دون أن يتوب إلى الله - تعالى - منها ( فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .وقوله تعالى : ( وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ) بيان لضرب من ضروب غرورهم وكذبهم ، معطوف على رذائلهم السابقة التي حكاها القرآن الكريم ، إذ الضمير في قوله تعالى ( وقالوا ) يعود على اليهود الذين مر الحديث عنهم ولما ينته بعد .والمس : اتصال أحد الشيئين بآخر على وجه الإِحساس والإِصابة .والمراد من النار : نار الآخرة .

والمراد من المعدودة : المحصورة القليلة ، يقال : شيء معدود أي قليل .

وشيء غير معدود أي كثير فهم يدعون أن النار لن تمسهم إلا مدة يسيرة قد يتكون سبعة أيام ، وقد تكون أربعين يوماً ، وبعدها يخرجون إلى الجنة لأن كل معدود منقض .ثم أمر الله - تعالى - رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فيما زعموه فقال تعالى : ( قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) أي : قيل لهم - يا محمد - إن مثل هذا الإِخبار الجازم بأن النار لن تسمكم إلا أياماً معدودة ، لا يكون إلا ممن اتخذ عهداً من الله بذلك ، فهل تقدم لكم من الله عهد بأن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودة ، فكان الوفاء متحققاً ، لأن الله - تعالى - لا يخلف وعده ، أم تقولون على الله شيئاً لا علم لكم به .فالاستفهام للإِنكار ، وهو متوجه إلى زعمهم أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم .

إن قولكم هذا يحتمل أمرين لا ثالث لهما : إما اتخاذ عهد عند الله به ، وإما القول عليه - سبحانه - بدون علم ، وما دام قد ثبت أن اتخاذ العهد لم يحصل ، إذا أنتم - يا معشر اليهود - كاذبون فيما تدعون من أن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودة .قال الإِمام الرازي : قوله تعالى : ( أَتَّخَذْتُمْ ) ليس باستفهام بل هو إنكار؛ لأنه لا يجوز أن يجعل الله - تعالى - حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال ، وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع ، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير .وإنما ساق القرآن الكريم الرد عليهم في صورة الاستفهام ، لما فيه من ظهور القصد إلى تقريرهم بأنهم قالوا على الله ما لا يعلمون ، إذ هم لا يستطيعون أن يثبتوا أن الله وعدهم بما ادعوه من أن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة ، ولا يوجد عندهم نص صحيح من كتابهم يؤيد مدعاهم .وبذلك تكون الآية الكريمة قد أبطلت مدعاهم إبطالا يحمل طابع الإِنكار والتوبيخ .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثالث من قبائح أقوالهم وأفعالهم وهو جزمهم بأن الله تعالى لا يعذبهم إلا أياماً قليلة، وهذا الجزم لا سبيل إليه بالعقل ألبتة أما على قولنا، فلأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد عليه في فعله، فلا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وأما على قول المعتزلة فلأن العقل يدل عندهم على أن المعاصي يستحق بها من الله العقاب الدائم، فلما دل العقل على ذلك احتج في تقدير العقاب مدة ثم في زواله بعدها إلى سمع يبين ذلك، فثبت أن على المذهبين لا سبيل إلى معرفة ذلك إلا بالدليل السمعي، وحيث توجد الدلالة السمعية لم يجز الجزم بذلك، وهاهنا مسألتان: المسألة الأولى: ذكروا في تفسير الأيام المعدودة وجهين: الأول: أن لفظ الأيام لا تضاف إلا إلى العشرة فما دونها، ولا تضاف إلى ما فوقها.

فيقال: أيام خمسة وأيام عشرة ولا يقال أيام أحد عشر إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  أَيَّامًا مَّعْدُودَٰتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُۥ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ هي أيام الشهر كله، وهي أزيد من العشرة.

ثم قال القاضي: إذا ثبت أن الأيام محمولة على العشرة فما دونها فالأشبه أن يقال: إنه الأقل أو الأكثر لأن من يقول ثلاثة يقول أحمله على أقل الحقيقة فله وجه، ومن يقول عشرة يقول أحمله على الأكثر وله وجه، فأما حمله على الواسطة أعني على ما هو أقل من العشرة وأزيد من الثلاثة فلا وجه له، لأنه ليس عدد أولى من عدد اللهم إلا إذا جاءت في تقديرها رواية صحيحة فحينئذ يجب القول بها، وجماعة من المفسرين قدروها بسبعة أيام، قال مجاهد: إن اليهود كانت تقول: الدنيا سبعة آلاف سنة فالله تعالى يعذبهم مكان كل ألف سنة يوماً، فكانوا يقولون: إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام.

وحكى الأصم عن بعض اليهود أنهم عبدوا العجل سبعة أيام فكانوا يقولون إن الله تعالى يعذبنا سبعة أيام وهذان الوجهان ضعيفان.

أما الأول: فلأنه ليس بين كون الدنيا سبعة آلاف سنة وبين كون العذاب سبعة أيام مناسبة وملازمة ألبتة.

وأما الثاني: فلأنه لا يلزم من كون المعصية مقدرة بسبعة أيام أن يكون عذابها كذلك.

أما على قولنا فلأنه يحسن من الله كل شيء بحكم المالكية، وأما عند المعتزلة فلأن العاصي يستحق على عصيانه العقاب الدائم ما لم توجد التوبة أو العفو، فإن قيل: أليس أنه تعالى منع من استيفاء الزيادة فقال: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا  ﴾ فوجب أن لا يزيد العقاب على المعصية؟

قلنا: إن المعصية تزداد بقدر النعمة.

فلما كانت نعم الله على العباد خارجة عن الحصر والحد لا جرم كانت معصيتهم عظيمة جداً.

الوجه الثاني: روي عن ابن عباس أنه فسر هذه الأيام بالأربعين، وهو عدد الأيام التي عبدوا العجل فيها، والكلام عليه أيضاً كالكلام على السبعة.

الوجه الثالث: قيل في معنى معدودة قليلة، كقوله تعالى: ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دراهم مَعْدُودَةٍ  ﴾ ، والله أعلم.

المسألة الثانية؛ ذهبت الحنفية إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة، واحتجوا عليه بقوله صلى الله عليه وسلم: «دعي الصلاة أيام إقرائك» فمدة الحيض ما يسمى أياماً وأقل عدد يسمى أياماً ثلاثة وأكثره عشرة على ما بيناه، فوجب أن يكون أقل الحيض ثلاثة وأكثره عشرة، والإشكال عليه ما تقدم.

المسألة الثالثة: ذكر هاهنا: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ وفي آل عمران: ﴿ إِلا أَيَّامًا معدودات  ﴾ ولقائل أن يقول: لم كانت الأولى معدودة والثانية معدودات والموصوف في المكانين موصوف واحد وهو أياماً؟

والجواب: أن الاسم إن كان مذكراً فالأصل في صفة جمعه التاء.

يقال: كوز وكيزان مكسورة وثياب مقطوعة وإن كان مؤنثاً كان الأصل في صفة جمعه الألف والتاء، يقال: جرة وجرار مكسورات وخابية وخوابي مكسورات.

إلا أنه قد يوجد الجمع بالألف والتاء فيما واحده مذكر في بعض الصور نادراً نحو حمام وحمامات وجمل سبطر وسبطرات وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿ فِى أَيَّامٍ معدودات ﴾ و ﴿ فِى أَيَّامٍ معلومات ﴾ فالله تعالى تكلم في سورة البقرة بما هو الأصل وهو قوله: ﴿ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ وفي آل عمران بما هو الفرع.

أما قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: العهد في هذا الموضع يجري مجرى الوعد والخبر، وإنما سمي خبره سبحانه عهداً لأن خبره سبحانه أوكد من العهود المؤكدة منا بالقسم والنذر، فالعهد من الله لا يكون إلا بهذا الوجه.

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: فلن يخلف الله متعلق بمحذوف وتقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده.

المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ اتخذتم ﴾ ليس باستفهام، بل هو إنكار لأنه لا يجوز أن يجعل تعالى حجة رسوله في إبطال قولهم أن يستفهمهم، بل المراد التنبيه على طريقة الاستدلال وهي أنه لا سبيل إلى معرفة هذا التقدير إلا بالسمع، فلما لم يوجد الدليل السمعي وجب ألا يجوز الجزم بهذا التقدير.

المسألة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى منزه عن الكذب وعده ووعيده.

قال أصحابنا: لأن الكذب صفة نقص، والنقص على الله محال، وقالت المعتزلة: لأنه سبحانه عالم بقبح القبيح وعالم بكونه غنياً عنه، والكذب قبيح لأنه كذب والعالم بقبح القبيح وبكونه غنياً عنه يستحيل أن يفعله، فدل على أن الكذب منه محال، فلهذا قال: ﴿ فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ ﴾ ، فإن قيل: العهد هو الوعد وتخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي ما عداه، فلما خص الوعد بأنه لا يخلفه علمنا أن الخلف في الوعيد جائز، ثم العقل يطابق ذلك، لأن الخلف في الوعد لؤم وفي الوعيد كرم.

قلنا: الدلالة المذكورة قائمة في جميع أنواع الكذب.

المسألة الخامسة: قال الجبائي: دلت الآية على أنه تعالى لم يكن وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده على أنه تعالى يخرج أهل المعاصي والكبائر من النار بعد التكذيب، لأنه لو وعدهم بذلك لما جاز أن ينكر على اليهود هذا القول، وإذا ثبت أنه تعالى ما دلهم على ذلك وثبت أنه تعالى دلهم على وعيد العصاة إذا كان بذلك زجرهم عن الذنوب، فقد وجب أن يكون عذابهم دائماً على ما هو قول الوعيدية، وإذا ثبت ذلك في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة، لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم، إذ كان قدر المعصية من الجميع لا يختلف، واعلم أن هذا الوجه في نهاية التعسف فنقول: لا نسلم أنه تعالى ما وعد موسى أنه يخرج أهل الكبائر من النار، قوله: لو وعدهم بذلك لما أنكر على اليهود قولهم، قلنا: لم قلت إنه تعالى لو وعدهم ذلك لما أنكر على اليهود ذلك، وما الدليل على هذه الملازمة؟

ثم إنا نبين شرعاً أن ذلك غير لازم من وجوه: أحدها: لعل الله تعالى إنما أنكر عليهم لأنهم قللوا أيام العذاب، فإن قولهم: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ ، يدل على أيام قليلة جداً، فالله تعالى أنكر عليهم جزمهم بهذه القلة لا أنه تعالى أنكر عليهم انقطاع العذاب.

وثانيها: أن المرجئة يقطعون في الجملة بالعفو، فأما في حق الشخص المعين فلا سبيل إلى القطع، فلما حكموا في حق أنفسهم بالتخفيف على سبيل الجزم لا جرم أنكر الله عليهم ذلك.

وثالثها: أنهم كانوا كافرين وعندنا عذاب الكافر دائم لا ينقطع، سلمنا أنه تعالى ما وعد موسى عليه السلام أنه يخرج أهل الكبائر من النار، فلم قلت أنه لا يخرجهم من النار؟

بيانه أنه فرق بين أن يقال إنه تعالى ما وعده إخراجهم من النار وبين أن يقال: إنه أخبره أنه لا يخرجهم من النار والأول لا مضرة فيه، فإنه تعالى ربما لم يقل ذلك لموسى إلا أنه سيفعله يوم القيامة، وإنما رد على اليهود وذلك لأنهم جزموا به من غير دليل، فكان يلزمهم أن يتوقفوا فيه وأن لا يقطعوا لا بالنفي ولا بالإثبات، سلمنا أنه تعالى لا يخرج عصاة قوم موسى من النار، فلم قلت: إنه لا يخرج عصاة هذه الأمة من النار، وأما قول الجبائي: لأن حكمه تعالى في الوعد والوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم.

فهو تحكم محض، فإن العقاب حق الله تعالى، فله أن يتفضل على البعض بالإسقاط وأن لا يتفضل بذلك على الباقين، فثبت أن هذا الاستدلال ضعيف.

أما قوله تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ فهو بيان لتمام الحجة المذكورة، فإنه إذا كان لا طريق إلى التقدير المذكور إلا السمع وثبت أنه لم يوجد السمع، كان الجزم بذلك التقدير قولاً على الله تعالى بما لا يكون معلوماً لا محالة، وهذه الآية تدل على فوائد.

أحدها: أنه تعالى لما عاب عليهم القول الذي قالوه لا عن دليل علمنا أن القول بغير دليل باطل.

وثانيها: أن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلاً لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

وثالثها: أن منكري القياس وخبر الواحد يتمسكون بهذه الآية.

قالوا: لأن القياس وخبر الواحد لا يفيد العلم، فوجب أن لا يكون التمسك به جائزاً لقوله تعالى: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذكر ذلك في معرض الإنكار.

والجواب: أنه لما دلت الدلالة على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد كان وجوب العمل معلوماً، فكان القول به قولاً بالمعلوم لا بغير المعلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد: كانوا يقولون: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً.

﴿ فَلَن يُخْلِفَ الله ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده.

و ﴿ أَمْ ﴾ إمّا أن تكون معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما.

ويجوز أن تكون منقطعة.

﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً، بدليل قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .

﴿ مَن كَسَبَ سَيّئَةً ﴾ من السيئات، يعني كبيرة من الكبائر ﴿ وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ تلك واستولت عليه، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة.

وقرئ: ﴿ خطاياه ﴾ و ﴿ خطيئاته ﴾ .

وقيل: في الإحاطة: كان ذنبه أغلب من طاعته.

وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان الله: ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة، انظر في المصحف فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ المَسُّ اتِّصالُ الشَّيْءِ بِالبَشَرَةِ بِحَيْثُ تَتَأثَّرُ الحاسَّةُ بِهِ، واللَّمْسُ كالطَّلَبِ لَهُ ولِذَلِكَ يُقالُ ألْمِسُهُ فَلا أجِدُهُ.

﴿ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ مَحْصُورَةً قَلِيلَةً، رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم قالُوا نُعَذَّبُ بِعَدَدِ أيّامِ عِبادَةِ العِجْلِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وبَعْضَهم قالُوا مُدَّةُ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ وإنَّما نُعَذَّبُ مَكانَ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا ﴿ قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾ خَبَرًا أوْ وعْدٌ بِما تَزْعُمُونَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ بِإظْهارِ الذّالِ.

والباقُونَ بِإدْغامِهِ ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٌ أيْ: إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخُلْفَ في خَبَرِهِ مُحالٌ.

﴿ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أمْ مُعادِلَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى: أيُّ الأمْرَيْنِ كائِنٌ، عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِلْعِلْمِ بِوُقُوعِ أحَدِهِما، أوْ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى: بَلْ أتَقُولُونَ، عَلى التَّقْرِيرِ والتَّقْرِيعِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة} أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل وعن مجاهد رضى الله عنه كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا} أي عهد إليكم أنه لا يعذبكم إلا هذا المقدار {فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ} متعلق بمحذوف تقديره إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أم إما أن تكون معادلة أي أتقولون على الله ما تعلمون أم تقولون عليه مالا تعلمون أو منقطعة أي بل أتقولون على الله مالا تعلمون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ ﴾ عِنْدَ فَرِيقٍ مِنهُمْ، وعِنْدَ آخَرِينَ عَلى ﴿ وإذْ قَتَلْتُمْ ﴾ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، واخْتارَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّها اعْتِراضٌ لِرَدِّ ما قالُوا حِينَ أُوعِدُوا عَلى ما تَقَدَّمَ بِالوَيْلِ، بَلْ جَمِيعُ الجُمَلِ عِنْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَتَطْمَعُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ ﴾ إلَخْ ذُكِرَ اسْتِطْرادًا بَيْنَ القِصَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ، فالضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى ”الَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ“ والمَسُّ اتِّصالُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بِآخَرَ عَلى وجْهِ الإحْساسِ والإصابَةِ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّهُ كاللَّمْسِ، لَكِنَّ اللَّمْسَ قَدْ يُقالُ لِطَلَبِ الشَّيْءِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ كَقَوْلِهِ: وألْمَسُهُ فَلا أجِدُهُ.

والمُرادُ مِنَ النّارِ نارُ الآخِرَةِ، ومِنَ المَعْدُودَةِ المَحْصُورَةُ القَلِيلَةُ، وكَنّى بِالمَعْدُودَةِ عَنِ القَلِيلَةِ لِما أنَّ الأعْرابَ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالحِسابِ وقَوانِينِهِ تُصُوِّرَ القَلِيلُ مُتَيَسِّرَ العَدَدِ والكَثِيرُ مُتَعَسِّرَهُ، فَقالُوا: شَيْءٌ مَعْدُودٌ، أيْ قَلِيلٌ، وغَيْرُ مَعْدُودٍ أيْ كَثِيرٌ، والقَوْلُ بِأنَّ القِلَّةَ تُسْتَفادُ مِن أنَّ الزَّمانَ إذا كَثُرَ لا يُعَدُّ بِالأيّامِ بَلْ بِالشُّهُورِ والسَّنَةِ والقَرْنِ يُشْكِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ إلى ﴿ أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ وبِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”وواعِدُنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً“ ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم يُعَذَّبُونَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، ثُمَّ يُنادى: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّهم يُعَذَّبُونَ سَبْعَةَ أيّامٍ، لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا يَوْمٌ، وهي سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهم زَعَمُوا أنَّهم وجَدُوا مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ: إنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمٍ مَسِيرَةَ سَنَةٍ، فَيُكْمِلُونَها، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ حِينَ دَخَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ، وسَمِعَهُ المُسْلِمُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

﴿ قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾ تَبْكِيتٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ، والعَهْدُ مَجازٌ عَنْ خَبَرِهِ تَعالى، أوْ وعْدِهِ بِعَدَمِ مِساسِ النّارِ لَهم سِوى الأيّامِ المَعْدُودَةِ، وسُمِّيَ ذَلِكَ عَهْدًا لِأنَّهُ أوْكَدُ مِنَ العُهُودِ المُؤَكَّدَةِ بِالقَسَمِ، والنُّذُرِ، وفَسَّرَهُ قَتادَةُ هُنا بِالوَعْدِ مُسْتَشْهِدًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ ﴾ واعْتُرِضَ بِأنَّهُ لا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ فَإنَّ ﴿ لَنْ تَمَسَّنا ﴾ إلَخْ فَرْعُ الوَعْدِ والوَعِيدِ لِأنَّ مِساسَ النّارِ وعِيدٌ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ إنَّما لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَعِيدِ، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالِاسْتِفْهامِ الوَعْدُ، لا الوَعِيدُ، فَإنَّهُ ثابِتٌ في حَقِّهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّ مَعْنى الآيَةِ: هَلْ قُلْتُمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وآمَنتُمْ وأطَعْتُمْ، فَتَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ خُرُوجَكم مِنَ النّارِ، ويُؤَوَّلُ إلى: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ، والمَعْنى الأوَّلُ أظْهَرُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ بِإظْهارِ الذّالِ، والباقُونَ بِإدْغامِهِ، وحُذِفَتْ مِنَ (اتَّخَذَ) هَمْزَةُ الوَصْلِ لِوُقُوعِها في الدَّرْجِ.

﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ، أيْ إنِ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلَفَ، وقَدَّرَهُ العَلّامَةُ: إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ، إذْ لَيْسَ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ حَرْفَ الشَّرْطِ لا يُغَيِّرُ مَعْنًى كانَ، وفِيهِ خِلافٌ مَعْرُوفٌ، فَإنْ قُلْتَ: لا يَصِحُّ جَعْلُ ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ ﴾ جَزاءً لِامْتِناعِ السَّبَبِيَّةِ، والتَّرَتُّبِ لِكَوْنِ (لَنْ) لِمَحْضِ الِاسْتِقْبالِ، قُلْتُ: ذَلِكَ لَيْسَ بِلازِمٍ في الفاءِ الفَصِيحَةِ كَقَوْلِهِ: قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا ولَوْ سُلِّمَ فَقَدْ تَرَتَّبَ عَلى اتِّخاذِ العَهْدِ الحُكْمُ بِأنَّهُ لا يُخْلِفُ العَهْدَ فِيما يَسْتَقْبِلُ مِنَ الزَّمانِ فَقَطْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ كَذا أفادَهُ العَلّامَةُ، والجَوابُ الأوَّلُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الفاءَ الفَصِيحَةَ لا تُنافِي تَقْدِيرَ الشَّرْطِ، وأنَّها تُفِيدُ كَوْنَ مَدْخُولِها سَبَبًا عَنِ المَحْذُوفِ سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، أوْ تَأخَّرَ، لِتَوَقُّفِهِ عَلى أمْرٍ آخَرَ بِدَلِيلِ أنَّ قَوْلَهُ: فَقَدْ جِئْنا خُراسانا، عُلِمَ عِنْدَهم في الفَصِيحَةِ مَعَ كَوْنِهِ بِتَقْدِيرِ الشَّرْطِ، وعَدَمِ التَّرَتُّبِ، كَما في شَرْحِ المِفْتاحِ الشَّرِيفِيِّ، ومَبْنى الثّانِي عَلى أنَّ المُرادَ حُكْمُهم لا حُكْمُهُ تَعالى حِينَ النُّزُولِ، ولِخَفاءِ ذَلِكَ قالَ المَوْلى عِصامٌ: الأظْهَرُ أنَّهُ دَلِيلُ الجَزاءِ وُضِعَ مَوْضِعَهُ، أيْ إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، فَقَدْ نَجَوْتُمْ، لِأنَّهُ لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ فافْهَمْ.

ومِنَ النّاسِ مَن لا يُقَدِّرُ مَحْذُوفًا ويَجْعَلُ الفاءَ سَبَبِيَّةً لِيَكُونَ اتِّخاذُ العَهْدِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ عَدَمُ إخْلافِ اللَّهِ تَعالى عَهْدَهُ، ويَكُونَ المُنَكَّرُ حِينَئِذٍ المَجْمُوعَ، فَتَفَطَّنْ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ اتَّخَذْتُمْ، والمُعادِلِ، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ عَدَمَ الِاخْتِلافَ مِن قَضِيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ، والعَهْدُ مُضافٌ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى، لِذَلِكَ أيْضًا، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ عُهُودِهِ لِعُمُومِهِ بِالإضافَةِ، فَيَدْخُلُ العَهْدُ المَعْهُودُ مَعَ التَّجافِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ كَلامِهِمْ، وإنْ كانَ مُعَلَّقًا عَلى اتِّخاذِ المُعَلَّقِ بِحِبالِ العَدَمِ، واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ مَن ذَهَبَ إلى نَفْيِ الخُلْفِ في الوَعْدِ والوَعِيدِ بِحَمْلِ العَهْدِ عَلى الخَبَرِ الشّامِلِ لَهُما، وادَّعى بَعْضُهم أنَّ العَهْدَ ظاهِرٌ في الوَعْدِ، بَلْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ فِيهِ، فَلا دَلِيلَ فِيها عَلى نَفْيِ الخُلْفِ في الوَعِيدِ.

﴿ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أمْ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً لِلْمُعادَلَةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِمَعْنى أيُّ هَذَيْنِ واقِعٌ اتِّخاذُكُمُ العَهْدَ أمْ قَوْلُكم عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، وخُرِّجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ المُتَرَدِّدِ في تَعْيِينِهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ لِأُولَئِكَ المُخاطَبِينَ لِعِلْمِ المُسْتَفْهِمِ، وهو النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِوُقُوعِ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهُمْ: بِما لا يَعْلَمُونَ، عَلى التَّعْيِينِ، فَلا يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّ الواقِعَ بَعْدَ (أمِ) المُتَّصِلَةِ قَدْ يَكُونُ جُمْلَةً، لِأنَّ التَّسْوِيَةَ قَدْ تَكُونُ بَيْنَ الحُكْمَيْنِ، وبِهَذا صَرَّحَ ابْنُ الحاجِبِ في الإيضاحِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً بِمَعْنى بَلْ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أتَقُولُونَ، ومَعْنى بَلْ فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِنَ التَّوْبِيخِ بِالإنْكارِ عَلى الِاتِّخاذِ إلى ما تُفِيدُ هَمْزَتُها مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى القَوْلِ، وظاهِرُ كَلامِ صاحِبِ المِفْتاحِ تَعَيُّنُ الِانْقِطاعِ حَيْثُ جَعَلَ عَلامَةَ المُنْقَطِعَةِ كَوْنَ ما بَعْدَها جُمْلَةً، وإنَّما عُلِّقَ التَّوْبِيخُ بِإسْنادِهِمْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ مَعَ أنَّ ما أسْنَدُوهُ إلَيْهِ تَعالى مِن قَبِيلِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ، المُبالَغَةُ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ التَّوْبِيخَ عَلى الأدْنى يَسْتَلْزِمُ التَّوْبِيخَ عَلى الأعْلى، بِطَرِيقِ الأوْلى، وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ وإنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ تَعالى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، روي عن الضحاك أنه قال: لم يكن أحد من الكفار أجرأ على الله تعالى من اليهود، حين قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: 30] وقالوا: إن الله فقير وقالوا أيضاً لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، أي مقدار الأيام التي عبد فيها العجل آباؤنا.

وهي أربعون يوماً.

وقال مجاهد: إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً، أي عدد أيام الدنيا وهي سبعة أيام.

وهكذا روي عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: وقال بعضهم كان مذهبهم مذهب جهم في أنهم لا يرون الخلود في النار.

قال الله تعالى: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً، قال الزجاج: معناه أعهد إليكم ألا يعذبكم إلا هذا المقدار، إن كان لكم عهد؟

فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ، أي وعده.

ويقال: أعقدتم عند الله عقداً؟

وهو عقد التوحيد فلن يخلف الله عهده أي وعده.

وقد قيل: هل أنزل عليكم بذلك آية؟

أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لاَ تَعْلَمُونَ، أي بل تقولون على الله ما لا تعلمون.

وروي في الخبر أنَّهُمْ إذا مضت عليهم في النار تلك المدة، قالت لهم الخزنة: يا أعداء الله ذهب الأجل وبقي الأبد، فأيقنوا بالخلود.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى أَمانِيَّ، فقالت طائفة: هي هاهنا من:

تمنَّى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب.

وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]

تمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ...

وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِ «١»

فمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته.

وقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب.

ص «٢» : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: «إن» : نافية بمعنى «ما» .

انتهى.

وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...

الآية.

٢٦ أقال الخليلُ: «الوَيْلُ» : شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، / لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم.

وروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار «٣» .

وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً» «١» .

وروى عثمانُ بن عفّان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» «٢» ، والذين يكْتُبُونَ:

هم الأحبار والرؤساء.

وبِأَيْدِيهِمْ قال ابن السَّرَّاج «٣» : هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدّلوه هو صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدّلون فيها صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عبد اللَّه «٤» ، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكل التي كانت لهم، ويَكْسِبُونَ معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن.

وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ...

الآية: روى ابن زَيْد وغيره أنَّ سببها أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟

فَقَالُوا: نَحْنُ، ثمّ تخلفونا أنتم،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ وهْمُ: اليَهُودُ.

وفِيما عَنَوْا بِهَذِهِ الأيّامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا أرْبَعِينَ يَوْمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

وَلِماذا قَدَّرُوها بِأرْبَعِينَ؟

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم قالُوا: بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، ونَحْنُ نَقْطَعُ مَسِيرَةَ كُلِّ سَنَةٍ في يَوْمٍ، ثُمَّ يَنْقَضِي العَذابُ وتَهْلَكُ النّارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوا: عَتَبَ عَلَيْنا رَبُّنا في أمْرٍ، فَأقْسَمَ لِيُعَذِّبَنا أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يُدْخِلَنا الجَنَّةَ، فَلَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أرْبَعِينَ يَوْمًا تَحِلَّةَ القَسَمِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: أنَّها عَدَدُ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَ الأيّامَ المَعْدُودَةِ سَبْعَةُ أيّامٍ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَهم أنَّ الدُّنْيا سَبْعَةَ آَلافٍ، سَنَةٍ والنّاسُ يُعَذَّبُونَ لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا مِن أيّامِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

*** ﴿ قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾ أيْ: عُهِدَ إلَيْكم أنَّهُ يُعَذِّبُكم إلّا هَذا المِقْدارَ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا.

ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ.

ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ.

و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ.

وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ.

والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ  لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ  ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ.

وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم.

والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا.

وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ  قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟

فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا.

و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ.

ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.

وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟

فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟

وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ.

و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها.

وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ.

و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ  ﴾ والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ  ﴾ والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ.

وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ.

والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

قيل: الواو لعطف الجملة على جملة: ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ [البقرة: 75] فتكون حالاً مثلها أي كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ويقولون: ﴿ لن تمسنا النار ﴾ .

والأظهر عندي أن الواو عطف على قوله ﴿ يكتبون ﴾ [البقرة: 79] إلخ أي فعلوا ذلك وقالوا لن تمسنا النار.

ووجه المناسبة أن قولهم ﴿ لن تمسنا النار ﴾ دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة وغيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياماً معدودة تعادل أيام عبادة العجل أو أياماً عن كل ألف سنة من العالم يوم وإن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك، فبالعطف على أخبارهم حصلت فائدة الإخبار عن عقيدة من ضلالاتهم.

ولموقع هذا العطف حصلت فائدة الاستئناف البياني إذ يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإجرام.

وقوله: ﴿ وقالوا ﴾ أراد به أنهم قالوه عن اعتقاد لأن الأصل الصدق في القول حتى تقوم القرينة على أنه قول على خلاف الاعتقاد كما في قوله ﴿ قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] ولأجل أن أصل القول أن يكون على وفق الاعتقاد ساغ استعمال القول في معنى الظن والاعتقاد في نحو قولهم: قال مالك، وفي نحو قول عمرو بن معد يكرب: علام تقول الرمح يثقل عاتقي *** والمس حقيقته اتصال اليد بجرم من الأجرام وكذلك اللمس قال تعالى: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ [الأنعام: 49].

وعبر عن نفيهم بحرف (لن) الدال على تأييد النفي تأكيداً لانتفاء العذاب عنهم بعد تأكيد، ولدلالة (لن) على استغراق الأزمان تأتّى الاستثناء من عموم الأزمنة بقوله: ﴿ إلا أياماً معدودة ﴾ على وجه التفريع فهو منصوب على الظرفية.

والوصف بمعدودة مؤذن بالقلة لأن المراد بالمعدود الذي يعده الناس إذا رأوه أو تحدثوا عنه، وقد شاع في العرف والعوائد أن الناس لا يعمدون إلى عد الأشياء الكثيرة دفعاً للملل أو لأجل الشغل سواء عرفوا الحساب أم لم يعرفوه لأن المراد العد بالعين واللسان لا العد بجمع الحسابات إذ ليس مقصوداً هنا.

وتأنيث (معدودة) وهو صفة (أياماً) مراعى فيه تأويل الجمع بالجماعة وهي طريقة عربية مشهورة ولذلك كثر في صفة الجمع إذا أنثوها أن يأتوا بها بصيغة الإفراد إلا إذا أرادوا تأويل الجمع بالجماعات، وسيأتي ذلك في قوله تعالى: ﴿ أياماً معدودات ﴾ [البقرة: 184].

وقوله: ﴿ قل أتخذتم عند الله عهداً ﴾ جواب لكلامهم ولذلك فصل على طريقة المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] والاستفهام غير حقيقي بدليل قوله بعده ﴿ بلى ﴾ فهو استفهام تقريري للإلجاء إلى الاعتراف بأصدق الأمرين وليس إنكاري لوجود المعادل وهو ﴿ أم تقولون ﴾ لأن الاستفهام الإنكاري لا معادل له.

والمراد بالعهد الوعد المؤكد فهو استعارة، لأن أصل العهد هو الوعد المؤكد بقسم والتزام، ووعد الذي لا يخلف الوعد كالعهد، ويجوز أن يكون العهد هنا حقيقة لأنه في مقام التقرير دال على انتفاء ذلك.

وذكر الاتخاذ دون أعاهدتم أو عاهدكم لما في الاتخاذ من توكيد العهد و«عند» لزيادة التأكيد يقولون اتخذ يداً عند فلان.

وقوله: ﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ الفاء فصيحة دالة على شرط مقدر وجزائه وما بعد الفاء هو علة الجزاء والتقدير فإن كان ذلك فلكم العذر في قولكم لأن الله لا يخلف عهده وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [البقرة: 60].

ولكون ما بعد فاء الفصيحة دليل شرط وجزائه لم يلزم أن يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها ولا مترتباً عنه حتى يشكل عليه عدم صحة ترتب الجزاء في الآية على الشرط المقدر لأن (لن) للاستقبال.

و (أم) في قوله: ﴿ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ معادلة همزة الاستفهام فهي متصلة وتقع بعدها الجملة كما صرح به ابن الحاجب في «الإيضاح» وهو التحقيق كما قال عبد الحكيم، فما قاله صاحب «المفتاح» من أن علامة أم المنقطعة كون ما بعدها جملة أمر أغلبي ولا معنى للانقطاع هنا لأنه يفسد ما أفاده الاستفهام من الإلجاء والتقرير.

وقوله: ﴿ بلى ﴾ إبطال لقولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ ، وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم تمسكم النار مدة طويلة.

وقوله: ﴿ من كسب سيئة ﴾ سند لما تضمنته (بلى) من إبطال قولهم، أي ما أنتم إلا ممن كسب سيئة إلخ ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة على حد قول لبيد: تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما *** وهل أَنا إلا من ربيعةَ أو مُضَرْ أي فلا أخلد كما لم يخلد بنو ربيعة ومضر، فمَنْ في قوله: ﴿ من كسب سيئة ﴾ شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم فلذلك كانت مؤذنة بجملة محذوفة دل عليها تعقيب (بلى) بهذا العموم لأنه لو لم يرد به أن المخاطبين من زمر هذا العموم لكان ذِكر العموم بعدها كلاماً متناثراً ففي الكلام إيجاز الحذف ليكون المذكور كالقضية الكبرى لبرهان قوله: ﴿ بلى ﴾ .

والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليها بقوله: ﴿ وأحاطبت به خطيئاته ﴾ .

وقوله: ﴿ وأحاطت به خطيئاته ﴾ الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من الجرائم وهي فعيلة بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء، والإحاطة مستعارة لعدم الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك له منفذاً للإقبال على غير ذلك قال تعالى: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ [يونس: 22] وإحاطة الخطيئات هي حالة الكفر لأنها تجريء على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح كما دل عليه قوله: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 17].

فلذلك لم تكن في هذه الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة.

والقصر المستفاد من التعريف في قوله: ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ قصر إضافي لقلب اعتقادهم.

وقوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ تذييل لتعقيب النذارة بالبشارة على عادة القرآن.

والمراد بالخلود هنا حقيقته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ والفَرْقُ بَيْنَ اللَّمْسِ والمَسِّ، أنَّ مَعَ اللَّمْسِ إحْساسًا.

وَفي الأيّامِ المَعْدُودَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أرْبَعُونَ يَوْمًا، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي العالِيَةِ، ورَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَن قالَ بِهَذا اخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِهِمْ لَها بِالأرْبَعِينَ: فَقالَ بَعْضُهُمْ: لِأنَّها عَدَدُ الأيّامِ الَّتِي عَبَدُوا فِيها العِجْلَ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ اليَهُودَ يَزْعُمُونَ أنَّهم وجَدُوا في التَّوْراةِ مَكْتُوبًا: أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهم يَقْطَعُونَ مَسِيرَةَ كُلِّ سَنَةٍ في يَوْمٍ، فَإذا انْقَطَعَ المَسِيرُ انْقَضى العَذابُ، وهَلَكَتِ النّارُ، وهَذا قَوْلُ مَن قَدَّرَ (المَعْدُودَةَ) بِالأرْبَعِينَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَعْدُودَةَ الَّتِي تَمَسُّهم فِيها النّارُ سَبْعَةُ أيّامٍ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ عُمْرَ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّهم يُعَذَّبُونَ عَنْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، ورِوايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والواحدي عن ابن عباس أن يهود كانوا يقولون: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودات ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله فيه ذلك ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ إلى قوله: ﴿ هم فيها خالدون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن ابن عباس قال: وجد أهل الكتاب مسيرة ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين، فقالوا: لن يعذب أهل النار إلا قدر أربعين، فإذا كان يوم القيامة ألجموا في النار فساروا فيها حتى انتهوا إلى سقر، وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعهودة، فقال لهم خزنة النار: يا أعداء الله زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة فقد انقضى العدد وبقي الأبد، فيأخذون في الصعود يرهقون على وجوههم.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس.

أن اليهود قالوا: لن تمسنا النار إلا أربعين يوماً مدة عبادة العجل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وسموا أربعين يوماً، ثم يخلفنا فيها ناس وأشاروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ورد يده على رؤوسهم كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم فيها إن شاء الله تعالى أبداً، ففيهم أنزلت هذه الآية ﴿ وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ يعنون أربعين ليلة» .

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود «أنشدكم بالله وبالتوراة التي أنزل الله على موسى يوم طور سيناء من أهل النار الذين أنزلهم الله في التوراة؟

قالوا: إن ربهم غضب عليهم غضبة فنمكث في النار أربعين ليلة، ثم نخرج فتخلفوننا فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبداً، فنزل القرآن تصديقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيباً لهم ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ إلى قوله: ﴿ وهم فيها خالدون ﴾ » .

وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: «لما افتتحت خيبر أهديت لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة فيها سم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اجمعوا لي من كان هاهنا من اليهود، فقال لهم: من أبوكم؟

قال: فلان.

قال: كذبتم، بل أبوكم فلان.

قالوا: صدقت وبررت.

ثم قال لهم: هل أنتم صادقيّ عن شيء إن سألتكم عنه؟

قالوا: نعم يا أبا القاسم، وإن كذبناك عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا.

فقال لهم: من أهل النار؟

قالوا: نكون فيها يسيراً ثم تخلفوننا فيها.

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: اخسئوا- والله- لا نخلفكم فيها أبداً» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ قل أتخذتم عند الله عهداً ﴾ أي موثقاً من الله بذلك أنه كما تقولون.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: لما قالت اليهود ما قالت قال الله لمحمد ﴿ قل أتخذتم عند الله عهداً ﴾ يقول: أدخرتم عند الله عهداً.

يقول: اقلتم لا إله إلا الله لم تشركوا ولم تكفروا به، فإن كنتم قلتموها فارجوا بها، وإن كنتم لم تقولوها فلم تقولون على الله ما لا تعلمون.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ قل أتخذتم عند الله ﴾ قال: بفراكم وبزعمكم أن النار ليس تمسكم إلا أياماً معدودة، يقول: إن كنتم اتخذتم عند الله عهداً بذلك فلن يخلف الله عهده ﴿ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ قال: قال القوم: الكذب والباطل، وقالوا عليه ما لا يعلمون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ يعني: اليهود لما أوعدهم رسول الله  بالنار عند تكذيبهم إياه، قالوا: لن تمسَّنا النار إلّا أيامًا معدودة (١) ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ  ﴾ قيل معناه: معدودة عندنا.

قال ابن عبّاس: قالت اليهود: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذَّب بكل ألف سنة يومًا واحدًا (٢) وقال قتادة (٣) (٤) ﴿ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا ﴾ أي: أخذتم بما تقولون من الله ميثاقًا فالله لا ينقُض ميثاقه، أم تقولون على الله الباطل جهلًا منكم.

وَ (أَمْ) هاهنا يحتمل أن تكون متصلة على المعادلة لألف الاستفهام بمعنى: عَلَى أي الحَالَتَين أنتم؟

على اتخاذ العهد أم على القول بما لا تَعلَمُون.

ويحتمل أن تكون منقطعة (٥) ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ ثم استأنف بـ (أم) على معنى: لا تقولون على الله مالا تعلمون.

وكذا تقديرها وإن كانت منقطعةً (٦) (١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 380 - 381، "تفسير الثعلبي" 1/ 1006.

(٢) أخرجه عنه الطبري 2/ 278، وابن أبي حاتم 1/ 155، وسنده حسن كما في "التفسير الصحيح" 1/ 184 والطبراني في "الكبير" 11/ 96، وهو مروي عن مجاهد أيضًا كما عند الطبري 1/ 382.

(٣) أخرجه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" بسند صحيح 1/ 51 ومن طريقه رواه الطبري في تفسيره 1/ 381، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 155، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1007، ينظر: "التفسير الصحيح" 1/ 184.

(٤) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1007، والبغوي في "تفسيره" 1/ 116.

(٥) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 278.

(٦) كذا في الأصل، ولعل الصواب: كذا تقديرها إن كانت منقطعة.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.

وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.

الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.

﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).

التفسير: لما ذكر الله  وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله  فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي  والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟

كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله  وآية الرجم.

وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.

والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟

فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.

﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.

جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.

ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟

وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم  من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.

وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.

وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.

وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.

وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله  بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.

تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.

وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.

يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟

وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.

وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.

وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.

ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.

ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.

وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.

وعن رسول الله  : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.

ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.

حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.

فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله  لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.

والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.

وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.

وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.

والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره  كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.

و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.

﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه  عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.

فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.

قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.

و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين  ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.

فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.

وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.

ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله  ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.

قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.

ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون  ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.

وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.

والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.

وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.

ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.

والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.

والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.

واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.

منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.

والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه  يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.

أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها  ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم  ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً  ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.

ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال  "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.

وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.

ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.

القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله  ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين  ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله  ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم  ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.

الذي كذب وتولى  ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك  ﴾ الآية.

حكم بالفلاح على كل من آمن.

وعورض بعمومات الوعيد.

أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.

وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .

وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.

وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟

إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.

فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.

واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.

ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .

أَجمع أَهل التفسير والكلام على صرف الأَيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أَيام عبادة العجل.

وذلك لا معنى له؛ لوجهين: أحدهما: أَن هؤلاء لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤُهم؛ فلا معنى لصرف ذلك إلى هؤلاء.

والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضاً؛ لأَنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ ، والله أعلم.

وتصرف الأَيام المعدودة إلى العمر الذي عَصَوْا فيه؛ لما لم يروا التعذيب إلا على قدر وقت العصيان والذنب، أَو لما لم يكونوا يروْن التخليد في النار أَبداً، أَو لما هم عند أنفسهم، كما أَخبر الله عنهم، بقوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ  ﴾ .

يقولون: إنا لا نُعذَّب أَبداً، إنما نعذَّب تعذيب الأَبِ ابنَه أَو الحبيبِ حبيبَه؛ يعذِّب في وقت قليل، ثم يرضى، ويدخل الجنة.

ولكن عقوبة الكفور أبداً، والتخليد فيها لا لوقت، وكذلك ثوابُ الإيمان للأَبد لا لوقت؛ لأَن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأَبد لا لوقت؛ فعلى ذلك جزاؤه للأَبد لا لوقت.

وأَما من ارتكب ذنباً من المسلمين؛ بشهوةٍ تغلبه في وقت، فيرتكبه، ثم يتركه - فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقتٍ؛ لأَنه لم يرتكبه للأَبد؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ .

والعهد يحتمل: هل عندكم خبر عن الله  بأَنكم لا تعذبون أَبداً، ولكن أَياماً معدودة؟

فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده.

والثاني: أَتخذتم عند الله عهداً، أي لكم أعمال صالحة عند الله فودعكم بها الجنة، فهو لا يخلف وعده.

أَي: ليس لكم واحد من هذين، لا خبرٌ عن الله بأَنه لا يعذبكم، ولا أَعمال صالحة وعد لكم بها الجنة.

وقوله: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

هذا إكذابٌ من الله - عز وجل - إياهم بذلك القول، كأَنه قال: بل تقولون على الله ما لا تعلمون؛ أَلا ترى أَنه قال: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ ﴾ ؟!

يقول: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني: شركاً ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ ، أَي: مات عليها.

﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.

وقيل: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ : بقلبه.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قد ذكرنا هذا فيما تقدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وقالوا -كذبًا وغرورًا-: لن تمسَّنا النار ولن ندخلها إلا أيامًا قليلة، قل -أيها النبي- لهؤلاء: هل أخذنم على ذلك وعدًا مؤكدًا من الله؟

فإن كان لكم ذلك؛ فإن الله لا يخلف عهده، أم أنكم تقولون على الله -كذبًا وزورًا- ما لا تعلمون؟

<div class="verse-tafsir" id="91.6p7JL"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذا ضرب من ضروب غرورهم عطفه على ما قبله فقال ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً  ﴾ قيل هي أربعون يومًا مدة عبادتهم العجل، والذي عليه أكثر اليهود أنها سبعة أيام لأن عمر الدنيا عندهم سبعة آلاف سنة فالإسرائيلي الذي لا تدركه الشفاعة يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم.

ومثل هذا الحكم لا يمكن القول به إلا بعهد من الله تعالى مالك يوم الدين والجزاء وإلا كان افتئاتًا عليه سبحانه وقولًا عليه بغير علم وهذا ما رد به عليهم ولله الحجة البالغة وأمر رسوله أن يخاطبهم به بقوله ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ  ﴾ أي هل عهد الله إليكم ذلك ووعد به فكان حقًا لكم عنده، لأن الله لا يخلف عهده؟

وقال ابن جرير وبعض المفسرين معناه هل اتخذتم عند الله عهدًا باتباع شريعته اعتقادًا أو ائتمارًا وانتهاء وتخلفًا فأنتم واثقون بعهد الله في كتابه لمن كان كذلك بالنجاة من النار ودخول الجنة ومغفرة ما عساه يفرط منه من السيئات أو العقوبة عليه مدة قصيرة؟؟

والاستفهام للإنكار أي لستم على عهد من الله تعالى ولذلك كذبهم بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ أي أم تقولون على الله شيئا ليس لكم به علم، إذ العلم بمثله لا يكون إلا وحيًا منه يبلغه عنه رسله، والقول على الله بغير علم جرأة وافتيات عليه وكفر به.

والمعنى أنه لا بد من أحد الأمرين إذ لا واسطة بينهما: إما اتخاذ عهد عند الله، وإما القول على الله بغير علم، وإذا كان اتخاذ العهد لم يحصل تعين أنكم تكذبون على الله بجهلكم وغروركم، ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً  ﴾ الآية.

بلى مبطلة لدعواهم، وللسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا "الجلال" وبعض المفسرين بالشرك.

ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ  ﴾ معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان.

ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجًا منها، يرى نفسه حرًا مطلقًا وهو أسير الشهوات، وسجين الموبقات، ورهين الظلمات؟

وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادي على الإصرار، قال تعالى ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  ﴾ أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة ﴿ يَكْسِبُونَ  ﴾ معنى الاسترسال والاستمرار، وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبت منفذ للنور يدخل إليها منه.

ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحًا وإقلاعًا صحيحًا لا تحيط به الخطايا ولا ترين على قلبه السيئات.

ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته.

أولوا هذا التأويل هروبًا من قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وتأييدًا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمنًا.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله