الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨١ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 92 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٨١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى : ليس الأمر كما تمنيتم ، ولا كما تشتهون ، بل الأمر : أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته ، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة ، بل جميع عمله سيئات ، فهذا من أهل النار ، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات من العمل الموافق للشريعة فهم من أهل الجنة .
وهذا المقام شبيه بقوله تعالى : ( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) [ النساء : 123 ، 124 ] .
قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن سعيد أو عكرمة عن ابن عباس : ( بلى من كسب سيئة ) أي : عمل مثل أعمالكم ، وكفر بمثل ما كفرتم به ، حتى يحيط به كفره فما له من حسنة .
وفي رواية عن ابن عباس ، قال : الشرك .
قال ابن أبي حاتم : وروي عن أبي وائل ، وأبي العالية ، ومجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، والربيع بن أنس ، نحوه .
وقال الحسن أيضا والسدي : السيئة : الكبيرة من الكبائر .
وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( وأحاطت به خطيئته ) قال : بقلبه .
وقال أبو هريرة ، وأبو وائل ، وعطاء ، والحسن : ( وأحاطت به خطيئته ) قالوا : أحاط به شركه .
وقال الأعمش ، عن أبي رزين ، عن الربيع بن خثيم : ( وأحاطت به خطيئته ) قال : الذي يموت على خطايا من قبل أن يتوب .
وعن السدي ، وأبي رزين ، نحوه .
وقال أبو العالية ، ومجاهد ، والحسن ، في رواية عنهما ، وقتادة ، والربيع بن أنس : ( وأحاطت به خطيئته ) الكبيرة الموجبة .
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى ، والله أعلم .
ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه ، عن أبي عياض ، عن عبد الله بن مسعود : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم ومحقرات الذنوب ، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه " .
وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهن مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة ، فحضر صنيع القوم ، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود ، والرجل يجيء بالعود ، حتى جمعوا سوادا ، وأججوا نارا ، فأنضجوا ما قذفوا فيها .
القول في تأويل قوله تعالى : بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً قال أبو جعفر: وقوله: (بلى من كسب سيئة) تكذيب من الله القائلين من اليهود: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً وإخبار منه لهم أنه معذب من أشرك ومن كفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، فمخلده في النار، (39) فإن الجنة لا يسكنها إلا أهل الإيمان به وبرسوله, وأهل الطاعة له, والقائمون بحدوده كما:- 1420 - حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته) أي: من عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط كفره بما له من حسنة, فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون.
* * * قال أبو جعفر: وأما(بلى)، فإنها إقرار في كل كلام في أوله جحد, كما &; 2-281 &; " نعم " إقرار في الاستفهام الذي لا جحد فيه.
وأصلها " بل " التي هي رجوع عن الجحد المحض في قولك: " ما قام عمرو بل زيد ".
فزيد فيها " الياء " ليصلح عليها الوقوف، إذ كانت " بل " لا يصلح عليها الوقوف, إذ كانت عطفا ورجوعا عن الجحد.
ولتكون - أعني" بلى " - رجوعا عن الجحد فقط, وإقرارا بالفعل الذي بعد الجحد، فدلت " الياء " منها على معنى الإقرار والإنعام.
(40) ودل لفظ " بل " عن الرجوع عن الجحد.
(41) * * * قال أبو جعفر: وأما " السيئة " التي ذكر الله في هذا المكان، فإنها الشرك بالله كما:- 1421 - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى بن سعيد, عن سفيان قال، حدثني عاصم, عن أبي وائل: (بلى من كسب سيئة)، قال: الشرك بالله.
1422 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (بلى من كسب سيئة) شركا.
1423 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1424 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة، قوله: (بلى من كسب سيئة)، قال: أما السيئة فالشرك.
1425 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة مثله.
1426 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن &; 2-282 &; السدي: (بلى من كسب سيئة)، أما السيئة، فهي الذنوب التي وعد عليها النار.
1427 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: (بلى من كسب سيئة)، قال: الشرك - قال ابن جريج قال، قال مجاهد: (سيئة) شركا.
1428 - حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: (بلى من كسب سيئة)، يعني: الشرك.
* * * قال أبو جعفر: وإنما قلنا إن " السيئة " - التي ذكر الله جل ثناؤه أن من كسبها وأحاطت به خطيئته، فهو من أهل النار المخلدين فيها - في هذا الموضع, إنما عنى الله بها بعض السيئات دون بعض, وإن كان ظاهرها في التلاوة عاما, (42) لأن الله قضى على أهلها بالخلود في النار.
والخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها, وأن الخلود في النار لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان.
فإن الله جل ثناؤه قد قرن بقوله: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) - قوله - وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .
فكان معلوما بذلك أن الذين لهم الخلود في النار من أهل السيئات, غير الذين لهم الخلود في الجنة من أهل الإيمان.
* * * فإن ظن ظان أن الذين لهم الخلود في الجنة من الذين آمنوا، هم الذين عملوا الصالحات، دون الذين عملوا السيئات, فإن في إخبار الله = أنه مكفر - باجتنابنا كبائر ما ننهى عنه سيئاتنا, ومدخلُنا المُدخلَ الكريم = ما ينبئ عن صحة ما قلنا في تأويل قوله: (بلى من كسب سيئة)، بأن ذلك على خاص من السيئات دون عامها.
* * * فإن قال لنا قائل: فإن الله جل ثناؤه إنما ضمن لنا تكفير سيئاتنا باجتنابنا &; 2-283 &; كبائر ما ننهى عنه, فما الدلالة على أن الكبائر غير داخلة في قوله: (بلى من كسب سيئة)؟
قيل: لما صح من أن الصغائر غير داخلة فيه, وأن المعنيَّ بالآية خاص دون عام, ثبت وصح أن القضاء والحكم بها غير جائز لأحد على أحد، إلا على من وقفه الله عليه بدلالة من خبر قاطع عذرَ من بلغه.
وقد ثبت وصح أن الله تعالى ذكره قد عنى بذلك أهل الشرك والكفر به, بشهادة جميع الأمة.
فوجب بذلك القضاء على أن أهل الشرك والكفر ممن عناه الله بالآية.
فأما أهل الكبائر، فإن الأخبار القاطعة عذر من بلغته، قد تظاهرت عندنا بأنهم غير معنيين بها.
فمن أنكر ذلك - ممن دافع حجة الأخبار المستفيضة والأنباء المتظاهرة - فاللازم له ترك قطع الشهادة على أهل الكبائر بالخلود في النار، بهذه الآية ونظائرها التي جاءت بعمومهم في الوعيد.
إذ كان تأويل القرآن غير مدرك إلا ببيان من جعل الله إليه بيان القرآن, وكانت الآية يأتي عاما في صنف ظاهرها, وهي خاص في ذلك الصنف باطنها.
(43) ويسأل مدافعو الخبر بأن أهل الكبائر من أهل الاستثناء، سؤالَنا منكر رجم الزاني المحصن, وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض.
فإن السؤال عليهم، نظير السؤال على هؤلاء، سواء.
(44) * * * &; 2-284 &; القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وأحاطت به خطيئته)، اجتمعت عليه فمات عليها، قبل الإنابة والتوبة منها.
* * * وأصل " الإحاطة بالشيء "، الإحداق به، بمنـزلة " الحائط" الذي تحاط به الدار فتحدق به.
ومنه قول الله جل ثناؤه: نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا [ الكهف: 29].
* * * فتأويل الآية إذًا: من أشرك بالله، واقترف ذنوبا جمة فمات عليها قبل الإنابة والتوبة, فأولئك أصحاب النار هم فيها مخلدون أبدا.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال المتأولون.
* ذكر من قال ذلك: 1429 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان, عن سفيان, عن الأعمش, عن أبي روق, عن الضحاك: (وأحاطت به خطيئته)، قال: مات بذنبه.
1430 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير بن نوح قال، حدثنا الأعمش, عن أبي رزين, عن الربيع بن خُثَيم: (وأحاطت به خطيئته)، قال: مات عليها.
(45) 1431 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، أخبرني ابن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (وأحاطت به خطيئته)، قال: يحيط كفره بما له من حسنة.
1432 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثني عيسى, &; 2-285 &; عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (وأحاطت به خطيئته)، قال: ما أوجب الله فيه النار.
1433 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وأحاطت به خطيئته)، قال: أما الخطيئة فالكبيرة الموجبة.
1434 - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق[قال، أخبرنا معمر], عن قتاده: (وأحاطت به خطيئته)، قال: الخطيئة: الكبائر.
1435 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا وكيع ويحيى بن آدم, عن سلام بن مسكين قال: سأل رجل الحسن عن قوله: (وأحاطت به خطيئته)، فقال: ما ندري ما الخطيئة، يا بني اتل القرآن, فكل آية وعد الله عليها النار، فهي الخطيئة.
1436 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد في قوله: بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ، قال: كل ذنب محيط، فهو ما وعد الله عليه النار.
1437 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن الأعمش, عن أبي رزين: (وأحاطت به خطيئته)، قال: مات بخطيئته.
1438 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا الأعمش قال، حدثنا مسعود أبو رزين, عن الربيع بن خثيم في قوله: (وأحاطت به خطيئته)، قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.
1439 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، قال وكيع: سمعت الأعمش يقول في قوله: (وأحاطت به خطيئته)، مات بذنوبه.
1440 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (وأحاطت به خطيئته)، الكبيرة الموجبة.
&; 2-286 &; 1441 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (أحاطت به خطيئته)، فمات ولم يتب.
1442 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حسان, عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: (وأحاطت به خطيئته)، قال: الشرك, ثم تلا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [ النمل: 90].
(46) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " فأولئك الذين كسبوا السيئات وأحاطت بهم خطيئاتهم، أصحاب النار هم فيها خالدون.
* * * ويعني بقوله جل ثناؤه: (أصحاب النار)، أهل النار، وإنما جعلهم لها أصحابا لإيثارهم - في حياتهم الدنيا ما يوردهموها ويوردهم سعيرها - على الأعمال التي توردهم الجنة فجعلهم جل ذكره = بإيثارهم أسبابها على أسباب الجنة = لها أصحابا, كصاحب الرجل الذي يصاحبه مؤثرا صحبته على صحبة غيره، حتى يعرف به.
* * * (هم فيها)، يعني: هم في النار خالدون.
ويعني بقوله: (خالدون) مقيمون كما: 1443 - حدثني محمد بن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير أو عكرمة, عن ابن عباس: (هم فيها خالدون)، أي خالدون أبدا.
1444 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, &; 2-287 &; عن السدي: (هم فيها خالدون) لا يخرجون منها أبدا.
------------------ الهوامش : (39) في المطبوعة : "أنه يعذب .
.
فمخلد في النار" ، والصواب ما أثبته .
(40) الإنعام : التصديق .
يقال : أنعم : أجاب بقوله : نعم .
وهو تصديق .
(41) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 52 - 53 ، وقد عد الطبري الحرف الآخر من"بلى""ياء" ، وعدها الفراء"ألفا" .
(42) انظر تفسير"الظاهر" فيما سلف : 2 : 15 والمراجع .
(43) انظر تفسير"الظاهر والباطن" آنفًا : 2 : 15 والمراجع .
(44) هذا رد على المعتزلة ، في إيجابهم خلود أهل الإيمان في النار .
ورجم الزاني المحصن ، وزوال فرض الصلاة عن الحائض في حال الحيض ، مما جاء في الأخبار ، ولم يأت به نص قرآن .
(45) الخبر : 1430 - الربيع بن خثيم الثوري الكوفي : من كبار التابعين وخيارهم ، ثقة لا يسأل عن مثله .
مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري 2 / 1 /246 وابن أبي حاتم 1/ 2 /459 .
وأبوه "خثيم" بضم الخاء المعجمة مصغر ، كما ضبطه ابن دريد في الاشتقاق : 112 - 113 ، والحافظ في التقريب ، ووقع في المطبوعة"خيثم" بتقديم الياء على الثاء ، وبذلك ضبطه صاحب الخلاصة .
وهو خطأ صرف .
(46) انظر ما مضى في كلامه عن"الخطيئة" في هذا الجزء 2 : 110 .
قوله تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدونفيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : بلى أي ليس الأمر كما ذكرتم .
قال سيبويه : ليس " بلى " و " نعم " اسمين .
وإنما هما حرفان مثل " بل " وغيره ، وهي رد لقولهم : لن تمسنا النار .
وقال الكوفيون : أصلها بل التي للإضراب عن الأول ، زيدت عليها الياء ليحسن الوقف ، وضمنت الياء معنى الإيجاب والإنعام .
ف " بل " تدل على رد الجحد ، والياء تدل على الإيجاب لما بعد .
قالوا : ولو قال قائل : ألم تأخذ دينارا ؟
فقلت : نعم ، لكان المعنى لا ، لم آخذ ; لأنك حققت النفي وما بعده .
فإذا قلت : بلى ، صار المعنى قد أخذت .
قال الفراء : إذا قال الرجل لصاحبه : ما لك علي شيء ، فقال الآخر : نعم ، كان ذلك تصديقا ; لأن لا شيء له عليه ، ولو قال : بلى ، كان ردا لقوله ، وتقديره : بلى لي عليك .
وفي التنزيل ألست بربكم قالوا بلى ولو قالوا نعم لكفروا .الثانية : قوله : سيئة السيئة الشرك .
قال ابن جريج قلت لعطاء : " من كسب سيئة " ؟
قال : الشرك ، وتلا ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار .
وكذا قال الحسن وقتادة ، قالا : والخطيئة الكبيرة .الثالثة : لما قال تعالى : بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته دل على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما ، ومثله قوله تعالى : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وقوله عليه السلام لسفيان بن عبد الله الثقفي وقد قال له : يا رسول الله ، قل لي في الإسلام قولا [ ص: 14 ] لا أسأل عنه أحدا بعدك .
قال : قل آمنت بالله ثم استقم .
رواه مسلم .
وقد مضى القول في هذا المعنى وما للعلماء فيه عند قوله تعالى لآدم وحواء : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين .
وقرأ نافع " خطيئاته " بالجمع ، الباقون بالإفراد ، والمعنى الكثرة ، مثل قوله تعالى : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها .
ثم ذكر تعالى حكما عاما لكل أحد, يدخل به بنو إسرائيل وغيرهم, وهو الحكم الذي لا حكم غيره, لا أمانيهم ودعاويهم بصفة الهالكين والناجين، فقال: { بَلَى } أي: ليس الأمر كما ذكرتم, فإنه قول لا حقيقة له، ولكن { مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً } وهو نكرة في سياق الشرط, فيعم الشرك فما دونه، والمراد به هنا الشرك, بدليل قوله: { وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ } أي: أحاطت بعاملها, فلم تدع له منفذا, وهذا لا يكون إلا الشرك, فإن من معه الإيمان لا تحيط به خطيئته.
{ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية, وهي حجة عليهم كما ترى, فإنها ظاهرة في الشرك, وهكذا كل مبطل يحتج بآية, أو حديث صحيح على قوله الباطل فلا بد أن يكون فيما احتج به حجة عليه.
{بلى} وبل وبلى: حرفا استدراك ومعناهما نفي الخبر الماضي وإثبات الخبر المستقبل.
{من كسب سيئة} يعني الشرك.
{وأحاطت به خطيئته} قرأ أهل المدينة خطيئاته بالجمع، والإحاطة الإحداق بالشيء من جميع نواحيه.
قال ابن عباس وعطاء والضحاك وأبو العالية والربيع وجماعة: "هي الشرك يموت عليه".
وقيل: السيئة الكبيرة.
والإحاطة به أن يصر عليها فيموت غير تائب.
قال عكرمة والربيع بن خيثم وقال مجاهد: "هي الذنوب تحيط القلب، كلما أذنب ذنباً ارتفعت (حتى تغشى) القلب وهي الرين".
قال الكلبي: "أوبقته ذنوبه، دليله قوله تعالى: {إلا أن يحاط بكم} [66-يوسف] أي تهلكوا".
{فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
«بلى» تمسكم وتخلدون فيها «من كسب سيئة» شركاً «وأحاطت به خطيئته» بالإفراد والجمع أي استولت عليه وأحدقت به من كل جانب بأن مات مشركاً «فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون» روعي فيه معنى من.
فحُكْمُ الله ثابت: أن من ارتكب الآثام حتى جَرَّته إلى الكفر، واستولت عليه ذنوبه مِن جميع جوانبه وهذا لا يكون إلا فيمن أشرك بالله، فالمشركون والكفار هم الذين يلازمون نار جهنم ملازمة دائمةً لا تنقطع.
ثم ساق - سبحانه - آية أبطلت مدعاهم عن طريق إثبات ما نفوه فقال تعالى : ( بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .بلى حرف جواب يجيء لإِثبات فعل ورد قبلها منفياً ، والفعل المنفى هنا هو قول اليهود ( لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ) فجاءت ( بلى ) لإثبات أن النار تمسهم أكثر مما زعموا فهم فيها خالدون جزاء كفرهم وكذبهم .ومعنى الآية الكريمة : ليس الأمر كما تدعون أيها اليهود ، من أن النار لن تمسكم إلا أياماً معدودة ، بل الحق أنكم ستخلدون فيها .
فكل من كسب شركاً مثلكم ، واستولت عليه خطاياه ، وأحاطت به كما يحيط السرادق بمن في داخله ، ومات على ذلك دون أن يدخل الإِيمان قلبه ويتوب إلى ربه فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون .فالآية الكريمة فيها إبطال لمدعاهم ، وإثبات لما نفوه ، على وجه يشملهم ويشمل جميع من يقول قولهم ، ويكفر كفرهم .هذا والمراد بالسيئة هنا الشرك بالله كما قال جمهور المفسرين لورود الآثار عن السلف بذلك ، وفائدة الإِنيان بقوله تعالى ( وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته ) بعد ذلك ، الإِشعار بأن الخطيئة إذا أحاطت بصاحبها أخذت بمجامع قلبه فحرمته الإِيمان ، وأخذت بلسانه فمنعته عن أن ينطق به .وقوله تعالى ( فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) بيان لما أعد لهم من عقوبات جزاء كفرهم وكذبهم على الله ، فهم يوم القيامة سيكونون أصحاباً للنار ملازمين لها على التأييد لإيثارهم في الحياة الدنيا ما يوردهم سعيرها ، وهو الكفر وسوء الأفعال على ما يدخلهم الجنة وهو الإِيمان وصالح الأعمال .
قال صاحب الكشاف: بلى إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله تعالى: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار ﴾ ، أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .
أما السيئة فإنها تتناول جميع المعاصي.
قال تعالى: ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ ، ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾ ولما كان من الجائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النار لا جرم بين تعالى أن الذي يستحق به الخلود أن يكون سيئة محيطة به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر كإحاطة السور بالبلد والكوز بالماء وذلك هاهنا ممتنع فنحمله على ما إذا كانت السيئة كبيرة لوجهين.
أحدهما: أن المحيط يستر المحاط به والكبيرة لكونها محيطة لثواب الطاعات كالساترة لتلك الطاعات، فكانت المشابهة حاصلة من هذه الجهة، والثاني: أن الكبيرة إذا أحبطت ثواب الطاعات فكأنها استولت على تلك الطاعات وأحاطت بها كما يحيط عسكر العدو بالإنسان، بحيث لا يتمكن الإنسان من التخلص منه، فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعاته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، فإن قيل: هذه الآية وردت في حق اليهود، قلنا: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، هذا هو الوجه الذي استدلت المعتزلة به في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر.
واعلم أن هذه المسألة من معظمات المسائل، ولنذكرها هاهنا فنقول: اختلف أهل القبلة في وعيد أصحاب الكبائر، فمن الناس من قطع بوعيدهم وهم فريقان، منهم من أثبت الوعيد المؤبد وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج.
ومنهم من أثبت وعيداً منقطعاً وهو قول بشر المريسي والخالد، ومن الناس من قطع بأنه لا وعيد لهم وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر، والقول الثالث: أنا نقطع بأنه سبحانه وتعالى يعفو عن بعض المعاصي ولكنا نتوقف في حق كل أحد على التعيين أنه هل يعفو عنه أم لا، ونقطع بأنه تعالى إذا عذب أحداً منهم مدة فإنه لا يعذبه أبداً، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة وأكثر الإمامية، فيشتمل هذا البحث على مسألتين.
إحداهما: في القطع بالوعيد، والأخرى: في أنه لو ثبت الوعيد فهل يكون ذلك على نعت الدوام أم لا؟
المسألة الأولى: في الوعيد ولنذكر دلائل المعتزلة أولاً.
ثم دلائل المرجئة الخالصة ثم دلائل أصحابنا رحمهم الله.
أما المعتزلة فإنهم عولوا على العمومات الواردة في هذا الباب وتلك العمومات على جهتين.
بعضها وردت بصيغة من في معرض الشرط وبعضها وردت بصيغة الجمع، أما النوع الأول فآيات، إحداها: قوله تعالى في آية المواريث: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا ﴾ ، وقد علمنا أن من ترك الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وارتكب شرب الخمر والزنا وقتل النفس المحرمة فهو متعد لحدود الله، فيجب أن يكون من أهل العقاب، وذلك لأن كلمة من في معرض الشرط تفيد العموم على ما ثبت في أصول الفقه، فمتى حمل الخصم هذه الآية على الكافر دون المؤمن كان ذلك على خلاف الدليل ثم الذي يبطل قوله وجهان.
أحدهما: أنه تعالى بين حدوده في المواريث ثم وعد من يطيعه في تلك الحدود وتوعد من يعصيه فيها، ومن تمسك بالإيمان والتصديق به تعالى فهو أقرب إليها إلى الطاعة فيها ممن يكون منكراً لربوبيته ومكذباً لرسله وشرائعه، فترغيبه في الطاعة فيها أخص ممن هو أقرب إلى الطاعة فيها وهو المؤمن، ومتى كان المؤمن مراداً بأول الآية فكذلك بآخرها.
الثاني: أنه قال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ ولا شبهة في أن المراد به الحدود المذكورة، ثم علق بالطاعة فيها الوعد وبالمعصية فيها الوعيد، فاقتضى سياق الآية أن الوعيد متعلق بالمعصية في هذه الحدود فقط دون أن يضم إلى ذلك تعدي حدود أخر، ولهذا كان مزجوراً بهذا الوعيد في تعدي هذه الحدود فقط ولو لم يكن مراداً بهذا الوعيد لما كان مزجوراً به، وإذا ثبت أن المؤمن مراد بها كالكافر بطل قول من يخصها بالكافر، فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ جمع مضاف والجمع المضاف عندكم يفيد العموم، كما لو قيل: ضربت عبيدي، فإنه يكون ذلك شاملاً لجميع عبيده، وإذا ثبت ذلك اختصت هذه الآية بمن تعدى جميع حدود الله وذلك هو الكافر لا محالة دون المؤمن، قلنا: الأمر وإن كان كما ذكرتم نظراً إلى اللفظ لكنه وجدت قرائن تدل على أنه ليس المراد هاهنا تعدي جميع الحدود، أحدها: أنه تعالى قدم على قوله: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ الله ﴾ فانصرف قوله: ﴿ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ إلى تلك الحدود.
وثانيها: أن الأمة متفقون على أن المؤمن مزجور بهذه الآية عن المعاصي، ولو صح ما ذكرتم لكان المؤمن غير مزجور بها.
وثالثها: أنا لو حملنا الآية على تعدي جميع الحدود لم يكن للوعيد بها فائدة لأن أحداً من المكلفين لا يتعدى جميع حدود الله، لأن في الحدود ما لا يمكن الجمع بينها في التعدي لتضادها، فإنه لا يتمكن أحد من أن يعتقد في حالة واحدة مذهب الثنوية والنصرانية وليس يوجد في المكلفين من يعصي الله بجميع المعاصي.
ورابعها: قوله تعالى في قاتل المؤمن عمداً: ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ ، دلت الآية على أن ذلك جزاؤه، فوجب أن يحصل له هذا الجزاء لقوله تعالى: ﴿ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ ﴾ .
وخامسها: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير ﴾ .
وسادسها: قوله تعالى: ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُۥ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُۥ ﴾ .
وسابعها: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلك عدوانا وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ .
وثامنها: قوله تعالى: ﴿ إِنَّهُۥ مَن يَأْتِ رَبَّهُۥ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ وَمَن يَأْتِهِۦ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلْعُلَىٰ ﴾ فبين تعالى أن الكافر والفاسق من أهل العقاب الدائم كما أن المؤمن من أهل الثواب.
وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ﴾ وهذا يوجب أن يكون الظالم من أهل الصلاة داخلاً تحت هذا الوعيد.
وعاشرها: قوله تعالى بعد تعداد المعاصي: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِۦ مُهَانًا ﴾ بين أن الفاسق كالكافر في أنه من أهل الخلود، إلا من تاب من الفساق أو آمن من الكفار، والحادية عشرة: قوله تعالى: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِى ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ الآية، وهذا يدل على أن المعاصي كلها متوعد عليها كما أن الطاعات كلها موعود عليها، والثانية عشرة: قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ وَءَاثَرَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ ﴾ .
والثالثة عشرة: قوله تعالى: ﴿ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية ولم يفصل بين الكافر والفاسق، والرابعة عشرة: قوله تعالى: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ الآية، فحكي في أول الآية قول المرجئة من اليهود فقال: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ ثم إن الله كذبهم فيه، ثم قال: ﴿ بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ فهذه هي الآيات التي تمسكوا بها في المسألة لاشتمالها على صيغة من في معرض الشرط واستدلوا على أن هذه اللفظة تفيد العموم بوجوه: أحدها: أنها لو لم تكن موضوعة للعموم لكانت إما موضوعة للخصوص أو مشتركة بينهما والقسمان باطلان، فوجب كونها موضوعة للعموم، أما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للخصوص فلأنه لو كان كذلك لما حسن من المتكلم أن يعطي الجزاء لكل من أتى بالشرط، لأن على هذا التقدير لايكون ذلك الجزاء مرتباً على ذلك الشرط، لكنهم أجمعوا على أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته أنه يحسن أن يكرم كل من دخل داره فعلمنا أن هذه اللفظة ليست للخصوص، وأما أنه لا يجوز أن تكون موضوعة للاشتراك، أما أولاً: فلأن الاشتراك خلاف الأصل، وأما ثانياً: فلأنه لو كان كذلك لما عرف كيفية ترتب الجزاء على الشرط إلا بعد الاستفهام عن جميع الأقسام الممكنة مثل أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته، فيقال له: أردت الرجال أو النساء، فإذا قال: أردت الرجال يقال له: أردت العرب أو العجم، فإذا قال: أردت العرب يقال له: أردت ربيعة أو مضر وهلم جراً إلى أن يأتي على جميع التقسيمات الممكنة، ولما علمنا بالضرورة من عادة أهل اللسان قبح ذلك علمنا أن القول بالاشتراك باطل.
وثانيها: أنه إذا قال: من دخل داري أكرمته حسن استثناء كل واحد من العقلاء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه لأنه لا نزاع في أن المستثنى من الجنس لابد وأن يكون بحيث يصح دخوله تحت المستثنى منه، فإما أن يعتبر مع الصحة الوجوب أو لا يعتبر والأول باطل، أما أولاً: فلأنه يلزم أن لا يبقى بين الاستثناء من الجمع المنكر كقوله: جاءني الفقهاء إلا زيداً وبين الاستثناء من الجمع المعرف كقوله: جاءني الفقهاء إلا زيداً فرق لصحة دخول زيد في الكلامين، لكن الفرق بينهما معلوم بالضرورة.
وأما ثانياً: فلأن الاستثناء من العدد يخرج ما لولاه لوجب دخوله تحته فوجب أن يكون هذا فائدة الاستثناء في جميع المواضع لأن أحداً من أهل اللغة لم يفصل بين الاستثناء الداخل على العدد وبين الداخل على غيره من الألفاظ، فثبت بما ذكرنا أن الاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخوله فيه وذلك يدل على أن صيغة من في معرض الشرط للعموم.
وثالثها: أنه تعالى لما أنزل قوله: ﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ ﴾ الآية قال ابن الزبعرى: لأخصمن محمداً ثم قال: يا محمد أليس قد عبدت الملائكة أليس قد عبد عيسى ابن مريم فتمسك بعموم اللفظ والنبي عليه الصلاة والسلام لم ينكر عليه ذلك، فدل على أن هذه الصيغة تفيد العموم.
النوع الثاني: من دلائل المعتزلة: التمسك في الوعيد بصيغة الجمع المعرفة بالألف واللام وهي في آيات.
إحداها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ ﴾ واعلم أن القاضي والجبائي وأبا الحسن يقولون: إن هذه الصيغة تفيد العموم، وأبو هاشم يقول: إنها لا تفيد العموم، فنقول: الذي يدل على أنها للعموم وجوه: أحدها: أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «الأئمة من قريش» والأنصار سلموا تلك الحجة ولو لم يدل الجمع المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة، لأن قولنا: بعض الأئمة من قريش لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين.
أما كون كل الأئمة من قريش ينافي كون بعض الأئمة من غيرهم، وروي أن عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر لما هم بقتال مانعي الزكاة: أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله احتج على أبي بكر بعموم اللفظ ثم لم يقل أبو بكر ولا أحد من الصحابة: إن اللفظ لا يفيده بل عدل إلى الاستثناء، فقال إنه عليه الصلاة والسلام قال: إلا بحقها وإن كان الزكاة من حقها.
وثانيها: أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق، فوجب أن يفيد الاستغراق، أما أنه يؤكد فلقوله تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴾ وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق، فبالاجماع، وأما أنه متى كان كذلك وجب كون المؤكد في أصله للاستغراق لأن هذه الألفاظ مسماة بالتأكيد إجماعاً، والتأكيد هو تقوية الحكم الذي كان ثابتاً في الأصل، فلو لم يكن الاستغراق حاصلاً في الأصل، وإنما حصل بهذه الألفاظ ابتداء لم يكن تأثير هذه الألفاظ في تقوية الحكم، بل في إعطاء حكم جديد، وكانت مبينة للمجمل لا مؤكدة، وحيث أجمعوا على أنها مؤكدة علمنا أن اقتضاء الاستغراق كان حاصلاً في الأصل.
وثالثها: أن الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار الاسم معرفة، كذا نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بصرفه إلى الكل، لأنه معلوم للمخاطب، وأما صرفه إلى ما دون الكل فإنه لا يفيد المعرفة، لأنه ليس بعض الجمع أولى من بعض، فكان يبقى مجهولاً.
فإن قلت: إذا أفاد جمعاً مخصوصاً من ذلك الجنس فقد أفاد تعريف ذلك الجنس، قلت: هذه الفائدة كانت حاصلة بدون الألف واللام، لأنه لو قال: رأيت رجالاً، أفاد تعريف ذلك الجنس وتميزه عن غيره، فدل على أن للألف واللام فائدة زائدة وما هي إلا الاستغراق.
ورابعها: أنه يصح استثناء أي واحد كان منه وذلك يفيد العموم.
وخامسها: الجمع المعرف في اقتضاء الكثرة فوق المنكر، لأنه يصح انتزاع المنكر من المعرف ولا ينعكس فإنه يجوز أن يقال: رأيت رجالاً من الرجال، ولا يقال رأيت الرجال من رجال، ومعلوم بالضرورة أن المنتزع منه أكثر من المنتزع، إذا ثبت هذا، فنقول: إن المفهوم من الجمع المعرف، إما الكل أو ما دونه، والثاني: باطل لأنه ما من عدد دون الكل إلا ويصح انتزاعه من الجمع المعرف، وقد علمت أن المنتزع منه أكثر فوجب أن يكون الجمع المعرف مفيداً للكل والله أعلم.
أما على طريقة أبي هاشم، وهي أن الجمع المعرف لا يفيد العموم فيمكن التمسك بالآية من وجهين آخرين.
الأول: أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فقوله: ﴿ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ ﴾ يقتضي أن الفجور هي العلة، وإذا ثبت ذلك لزم عموم الحكم لعموم علته وهو المطلوب، وفي هذا الباب طريقة ثالثة يذكرها النحويون وهي أن اللام في قوله: ﴿ وَإِنَّ الفجار ﴾ ليست لام تعريف، بل هي بمعنى الذي، ويدل عليه وجهان.
أحدهما: أنها تجاب بالفاء كقوله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا ﴾ ، وكما تقول الذي يلقاني فله درهم.
الثاني: أنه يصح عطف الفعل على الشيء الذي دخلت هذه اللام عليه قال تعالى: ﴿ إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ فلولا أن قوله: ﴿ إِنَّ المصدقين ﴾ بمعنى: إن الذين أصدقوا لما صح أن يعطف عليه قوله: ﴿ وَأَقْرِضُواُ الله ﴾ وإذا ثبت ذلك كان قوله: ﴿ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ ﴾ معناه: إن الذين فجروا فهم في الجحيم، وذلك يفيد العموم.
الآية الثانية في هذا الباب: قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَٰنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا ﴾ ولفظ المجرمين صيغة جمع معرفة بالألف واللام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد أيام عبادة العجل.
وعن مجاهد: كانوا يقولون: مدّة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً.
﴿ فَلَن يُخْلِفَ الله ﴾ متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده.
و ﴿ أَمْ ﴾ إمّا أن تكون معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما.
ويجوز أن تكون منقطعة.
﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً، بدليل قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ .
﴿ مَن كَسَبَ سَيّئَةً ﴾ من السيئات، يعني كبيرة من الكبائر ﴿ وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ تلك واستولت عليه، كما يحيط العدوّ ولم يتفص عنها بالتوبة.
وقرئ: ﴿ خطاياه ﴾ و ﴿ خطيئاته ﴾ .
وقيل: في الإحاطة: كان ذنبه أغلب من طاعته.
وسأل رجل الحسن عن الخطيئة قال: سبحان الله: ألا أراك ذا لحية وما تدري ما الخطيئة، انظر في المصحف فكل آية نهى فيها الله عنها وأخبرك أنه من عمل بها أدخله النار فهي الخطيئة المحيطة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ بَلى ﴾ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن مَساسِ النّارِ لَهم زَمانًا مَدِيدًا ودَهْرًا طَوِيلًا عَلى وجْهٍ أعَمَّ، لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ، وتَخْتَصُّ بِجَوابِ النَّفْيِ ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ قَبِيحَةً، والفَرْقُ بَيْنَها وبَيْنَ الخَطِيئَةِ أنَّها قَدْ تُقالُ فِيما يُقْصَدُ بِالذّاتِ، والخَطِيئَةُ تَغْلِبُ فِيما يُقْصَدُ بِالعَرْضِ لِأنَّهُ مِنَ الخَطَأِ، والكَسْبُ: اسْتِجْلابُ النَّفْعِ.
وتَعْلِيقُهُ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقِ قَوْلِهِ: ﴿ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ﴾ .
﴿ وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ أيِ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ، وشَمَلَتْ جُمْلَةَ أحْوالِهِ حَتّى صارَ كالمُحاطِ بِها لا يَخْلُو عَنْها شَيْءٌ مِن جَوانِبِهِ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ لِأنَّ غَيْرَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى تَصْدِيقِ قَلْبِهِ وإقْرارِ لِسانِهِ فَلَمْ تُحِطِ الخَطِيئَةُ بِهِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَها السَّلَفُ بِالكُفْرِ.
وتَحْقِيقُ ذَلِكَ: أنَّ مَن أذْنَبَ ذَنْبًا ولَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ اسْتَجَرَّهُ إلى مُعاوَدَةِ مِثْلِهِ والِانْهِماكِ فِيهِ وارْتِكابِ ما هو أكْبَرُ مِنهُ، حَتّى تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الذُّنُوبُ وتَأْخُذَ بِمَجامِعِ قَلْبِهِ فَيَصِيرَ بِطَبْعِهِ مائِلًا إلى المَعاصِي، مُسْتَحْسِنًا إيّاها مُعْتَقِدًا أنْ لا لَذَّةَ سِواها، مُبْغِضًا لِمَن يَمْنَعُهُ عَنْها مُكَذِّبًا لِمَن يَنْصَحُهُ فِيها، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ ﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ خَطِيئاتِهِ.
وَقُرِئَ « خَطِيَّتُهُ» و « خَطِيّاتُهُ» عَلى القَلْبِ والإدْغامِ فِيهِما.
فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ مُلازِمُوها في الآخِرَةِ كَما أنَّهم مُلازِمُونَ أسْبابَها في الدُّنْيا ﴿ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ دائِمُونَ، أوْ لابِثُونَ لُبْثًا طَوِيلًا.
والآيَةُ كَما تَرى لا حُجَّةَ فِيها عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ وكَذا الَّتِي قَبْلَها.
﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنْ يَشْفَعَ وعْدَهُ بِوَعِيدِهِ، لَتُرْجى رَحْمَتُهُ ويُخْشى عَذابُهُ، وعَطْفُ العَمَلِ عَلى الإيمانِ يَدُلُّ عَلى خُرُوجِهِ عَنْ مُسَمّاهُ.
<div class="verse-tafsir"
{بلى} إثبات لما بعد النفي وهو لن تمسنا النار أى بل تمسكم أبداً بدليل قوله هم فيها خالدون {مَن كَسَبَ سَيّئَةً} شركاً عن
ابن عباس ومجاهد وغيرهما رضى الله عنهم {وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ} وسدت عليه مسالك النجاة بأن مات على شركه فأما إذا مات مؤمناً فأعظم الطاعات وهو الإيمان معه فلا يكون الذنب محيطاً به فلا يتناوله النص وبهذا التأويل يبطل تثبث المعتزلة والخوارج وقيل استولت عليه كما يحيط العدو ولم يتفص عنها بالتوبة خطياته مدني {فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}
﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، وإبْطالٌ لَهُ عَلى وجْهٍ أعَمَّ شامِلٍ لَهُمْ، ولِسائِرِ الكَفَرَةِ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ تَمَسُّكم وغَيْرُكم دَهْرًا طَوِيلًا وزَمانًا مَدِيدًا لا كَما تَزْعُمُونَ، ويَكُونُ ثُبُوتُ الكُلِّيَّةِ كالبُرْهانِ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ كُبْرى لِصُغْرى سَهْلَةِ الحُصُولِ، فَبَلى داخِلَةٌ عَلى ما ذُكِرَ بَعْدَها، وإيجازُ الِاخْتِصارِ أبْلَغُ مِن إيجازِ الحَذْفِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها داخِلَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، وأنَّ المَعْنى عَلى تَمَسُّكِمْ أيّامًا مَعْدُودَةً، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وهي حَرْفُ جَوابٍ كَجَيْرِ ونَعَمْ، إلّا أنَّها لا تَقَعُ جَوابًا إلّا لِنَفْيٍ مُتَقَدِّمٍ سَواءٌ دَخَلَهُ اسْتِفْهامٌ أمْ لا، فَتَكُونُ إيجابًا لَهُ، وهي بَسِيطَةٌ، وقِيلَ: أصْلُها بَلْ، فَزِيدَتْ عَلَيْها الألِفُ، والكَسْبُ جَلْبُ النَّفْعِ، والسَّيِّئَةُ الفاحِشَةُ المُوجِبَةُ لِلنّارِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وعَلَيْهِ تَفْسِيرُ مَن فَسَّرَها بِالكَبِيرَةِ لِأنَّها الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، أيْ يَسْتَحِقُّ فاعِلُها النّارَ إنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ، وذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّها هُنا الكُفْرُ، وتَعْلِيقُ الكَسْبِ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، وقِيلَ: إنَّهم بِتَحْصِيلِ السَّيِّئَةِ اسْتَجْلَبُوا نَفْعًا قَلِيلًا فانِيًا، فَبِهَذا الِاعْتِبارِ أوْقَعَ عَلَيْهِ الكَسْبَ، والمُرادُ بِالإحاطَةِ الِاسْتِيلاءُ، والشُّمُولُ، وعُمُومُ الظّاهِرِ، والباطِنِ، والخَطِيئَةُ السَّيِّئَةُ، وغَلَبَتْ فِيما يُقْصَدُ بِالعَرَضِ، أيْ لا يَكُونُ مَقْصُودًا في نَفْسِهِ، بَلْ يَكُونُ القَصْدُ إلى شَيْءٍ آخَرَ، لَكِنْ تَوَلَّدَ مِنهُ ذَلِكَ الفِعْلُ كَمَن رَمى صَيْدًا، فَأصابَ إنْسانًا، وشَرِبَ مُسْكِرًا، فَجَنى جِنايَةً، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: ولِذَلِكَ أضافَ الإحاطَةَ إلَيْها إشارَةً إلى أنَّ السَّيِّئاتِ بِاعْتِبارِ وصْفِ الإحاطَةِ داخِلَةٌ تَحْتَ القَصْدِ بِالعَرَضِ، لِأنَّها بِسَبَبِ نِسْيانِ التَّوْبَةِ، ولِكَوْنِها راسِخَةً فِيهِ مُتَمَكِّنَةً حالَ الإحاطَةِ أضافَها إلَيْهِ بِخِلافِ حالِ الكَسْبِ، فَإنَّها مُتَعَلِّقُ القَصْدِ بِالذّاتِ، وغَيْرُ حاصِلَةٍ فِيهِ، فَضْلًا عَنِ الرُّسُوخِ، فَلِذا أضافَ الكَسْبَ إلى سَيِّئَةٍ ونَكَّرَها، وإضافَةُ الأصْحابِ إلى النّارِ عَلى مَعْنى المُلازَمَةِ، لِأنَّ الصُّحْبَةَ، وإنْ شَمِلَتِ القَلِيلَ والكَثِيرَ لَكِنَّها في العُرْفِ تُخَصُّ بِالكَثْرَةِ، والمُلازَمَةِ، ولِذا قالُوا: لَوْ حَلَفَ مَن لاقى زَيْدًا أنَّهُ لَمْ يَصْحَبْهُ لَمْ يَحْنَثْ، والمُرادُ بِالخُلُودِ الدَّوامُ، ولا حُجَّةَ في الآيَةِ عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ، لِأنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ، لِأنَّ غَيْرَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوى تَصْدِيقِ قَلْبِهِ، وإقْرارِ لِسانِهِ فَلَمْ تُحِطْ خَطِيئَتُهُ بِهِ، لِكَوْنِ قَلْبِهِ ولِسانِهِ مُنَزَّهًا عَنِ الخَطِيئَةِ، وهَذا لا يَتَوَقَّفُ عَلى كَوْنِ التَّصْدِيقِ والإقْرارِ حَسَنَتَيْنِ، بَلْ عَلى أنْ لا يَكُونا سَيِّئَتَيْنِ، فَلا يَرِدُ البَحْثُ بِأنَّ الخَصْمَ يَجْعَلُ العَمَلَ شَرْطًا لِكَوْنِهِما حَسَنَتَيْنِ، كَما يَجْعَلُ الِاعْتِقادَ شَرْطًا لِكَوْنِ الأعْمالِ حَسَناتٍ، فَلا يَتِمُّ عِنْدَهُ أنَّ الإحاطَةَ إنَّما تَصِحُّ في شَأْنِ الكافِرِ، ولا يَحْتاجُ إلى الدَّفْعِ، بِأنَّ المَقْصُودَ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ في الآيَةِ، وهَذا يَتِمُّ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الإحاطَةِ مَمْنُوعَةً في غَيْرِ الكافِرِ، فَلَوْ ثَبَتَ أنَّ العَمَلَ داخِلٌ في الإيمانِ صارَتِ الآيَةُ حُجَّةً، ودُونَ إثْباتِهِ خَرْطُ القَتادِ، ثُمَّ أنَّ نَفْيَ الحُجِّيَّةِ بِحَمْلِ الإحاطَةِ عَلى ما ذُكِرَ إنَّما يَحْتاجُ إلَيْهِ إذا كانَتِ السَّيِّئَةُ والخَطِيئَةُ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو مُطْلَقُ الفاحِشَةِ، أمّا إذا فُسِّرَتِ السَّيِّئَةُ بِالكُفْرِ أوِ الخَطِيئَةِ بِهِ، حَسْبَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي وائِلٍ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ وعَطاءٍ والرَّبِيعِ، فَنَفْيُ الحُجِّيَّةِ أظْهَرُ مِن نارٍ عَلى عَلَمٍ.
ومِنَ النّاسِ مَن نَفاها بِحَمْلِ الخُلُودِ عَلى أصْلِ الوَضْعِ، وهو اللُّبْثُ الطَّوِيلُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ فِيهِ تَهْوِينَ الخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ مَعَ عَدَمِ مُلائَمَتِهِ حَمْلَ الخُلُودِ في الجَنَّةِ عَلى الدَّوامِ، وكَذا لا حُجَّةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ ﴾ إلَخْ، بِناءً عَلى ما زَعَمَهُ الجُبّائِيُّ حَيْثُ قالَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ تَعالى ما وعَدَ مُوسى، ولا سائِرَ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ بِإخْراجِ أهْلِ الكَبائِرِ والمَعاصِي مِنَ النّارِ بَعْدَ التَّعْذِيبِ، وإلّا لَما أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ أتَّخَذْتُمْ ﴾ إلَخْ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أوْعَدَ العُصاةَ بِالعَذابِ زَجْرًا لَهم عَنِ المَعاصِي، فَقَدْ ثَبَتَ أنْ يَكُونَ عَذابُهم دائِمًا، وإذا ثَبَتَ في سائِرِ الأُمَمِ، وجَبَ ثُبُوتُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ، إذِ الوَعِيدُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَلِفَ في الأُمَمِ، إذا كانَ قَدْرُ المَعْصِيَةِ واحِدًا، لِأنَّ ما أنْكَرَ اللَّهَ عَلَيْهِمْ جَزْمُهم بِقِلَّةِ العَذابِ لِانْقِطاعِهِ مُطْلَقًا، عَلى أنَّ ذَلِكَ في حَقِّ الكُفّارِ لا العُصاةِ، كَما لا يَخْفى، (ومَن) تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والمُسَوِّغاتُ لِجَوازِ دُخُولِ الفاءِ في الخَبَرِ إذا كانَ المُبْتَدَأُ مَوْصُولًا مَوْجُودَةٌ، ويُحَسِّنُ المَوْصُولِيَّةَ مَجِيءُ المَوْصُولِ في قَسِيمِهِ، وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِحْضارِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الأوْصافِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِصاحِبِيَّةِ النّارِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ، والخَطايا، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِعُنْوانِ الجَمْعِيَّةِ مُراعاةً لِجانِبِ المَعْنى في كَلِمَةٍ (مَن) بَعْدَ مُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ، لِما أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ، فَإنَّ كَسْبَ السَّيِّئَةِ، وإحاطَةَ الخَطِيئَةِ بِهِ في حالَةِ الإفْرادِ، وصاحِبِيَّةَ النّارِ في حالَةِ الِاجْتِماعِ قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ، ولا يَخْلُو عَنْ حُسْنٍ، وقَرَأ نافِعٌ (خَطِيئَآتُهُ)، وبَعْضُ (خَطِيّاهُ)، و(خَطِيَّتُهُ)، و(خَطِيّاتُهُ) بِالقَلْبِ والإدْغامِ، واسْتَحْسَنُوا قِراءَةَ الجَمْعِ، بِأنَّ الإحاطَةَ لا تَكُونُ بِشَيْءٍ واحِدٍ، ووُجِّهَتْ قِراءَةُ الإفْرادِ بِأنَّ الخَطِيئَةَ وإنْ كانَتْ مُفْرَدَةً لَكِنَّها لِإضافَتِها مُتَعَدِّدَةٌ، مَعَ أنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ قَدْ يُحِيطُ كالحَلْقَةِ، فَلا تَغْفُلْ.
<div class="verse-tafsir"
قال الله تعالى بَلى، أي يخلد فيها مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً، يعني الشرك وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، أي مات على الشرك.
وقال بعضهم: السيئة الشرك، والخطيئة الكبائر.
وهو قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار.
وقال الربيع بن خثيم: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ الذين يموتون على الشرك.
قرأ نافع خطاياه وهو جمع خطيئة.
والباقون خَطِيئَتُهُ وهي خطيئة واحدة والمراد به الشرك.
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ أي دائمون لا يخرجون منها أبداً.
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، معناه والذين صدقوا بالله وبمحمد وعملوا الصالحات أي الطاعات فيما بينهم وبين ربهم، يعني أدوا الفرائض وانتهوا عن المعاصي، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ، أي دائمون لا يموتون ولا يخرجون.
<div class="verse-tafsir"
والأَمَانِيُّ: جمع أُمْنِيَّة، واختلف في معنى أَمانِيَّ، فقالت طائفة: هي هاهنا من:
تمنَّى الرجل، إذا ترجى، فمعناه أن منهم من لا يكْتُب ولا يقرأ، وإنما يقول بظنِّه شيئاً سمعه، فيتمنى أنه من الكتاب.
وقال آخرون: هي من تمنى إذا تلا، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
تمنى كِتَابَ اللَّهِ أَوَّلَ لَيْلِهِ ...
وَآخِرَهُ لاقى حِمَامَ المَقْادِرِ «١»
فمعنى الآية: أنهم لا يَعْلَمُون الكتاب إِلاَّ سماع شيْءٍ يتلى، لا عِلْمَ لهم بصحَّته.
وقال الطبريُّ: هي من تَمَنَّى الرجُلِ، إذا حدَّث بحديث مختلَقٍ كذبٍ، أي: لا يعلمون الكتاب إِلا سماعَ أشياء مختلَقَةٍ من أحبارهم، يظنُّونها من الكتاب.
ص «٢» : وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: «إن» : نافية بمعنى «ما» .
انتهى.
وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ...
الآية.
٢٦ أقال الخليلُ: «الوَيْلُ» : شِدَّةُ الشر، وهو مصدر، / لا فِعْلَ له، ويجمع على وَيْلاَتٍ، والأحسن فيه إِذا انفصل: الرفْعُ لأنه يقتضي الوقُوعَ، ويصحُّ النصب على معنى الدُّعَاء، أي: ألزمه اللَّه وَيْلاً، ووَيْلٌ ووَيْحٌ ووَيْسٌ تتقاربُ في المعنى، وقد فرق بينها قوم.
وروى سفيانُ، وعطاءُ بنُ يَسارٍ أن الوَيْلَ في هذه الآية وادٍ يجري بفناءِ جهنَّم من صديد أهل النار «٣» .
وروى أبو سعيد الخدريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه وادٍ في جهنَّم بيْن جبَلَيْنِ يَهْوِي فيه الهاوِي أربعِينَ خَرِيفاً» «١» .
وروى عثمانُ بن عفّان عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم «أنه جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ النَّار» «٢» ، والذين يكْتُبُونَ:
هم الأحبار والرؤساء.
وبِأَيْدِيهِمْ قال ابن السَّرَّاج «٣» : هي كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، والذي بدّلوه هو صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ليستديمُوا رياستهم ومكاسبهم، وذكر السُّدِّيُّ أنهم كانوا يكتبون كتبا يبدّلون فيها صفة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ويبيعونَهَا من الأَعراب، ويبثُّونها في أتباعهم، ويقولون هي من عبد اللَّه «٤» ، والثَّمَنُ: قيل: عَرَضُ الدنيا، وقيل: الرُّشَا والمآكل التي كانت لهم، ويَكْسِبُونَ معناه: من المعاصي، وقيل: من المال الذي تضمنه ذكر الثَّمَن.
وقوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ...
الآية: روى ابن زَيْد وغيره أنَّ سببها أن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ لِلْيَهُودِ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟
فَقَالُوا: نَحْنُ، ثمّ تخلفونا أنتم،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ : بَلى: بِمَنزِلَةِ "نَعَمْ" إلّا أنَّ "بَلى" جَوابُ النَّفْيِ، ونَعَمْ، جَوابُ الإيجابِ، قالَ الفَرّاءُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: ما لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ الآَخَرُ: نَعَمْ، كانَ تَصْدِيقًا أنَّ لا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ.
ولَوْ قالَ: بَلى؛ كانَ رَدًّا لِقَوْلِهِ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وإنَّما صارَتْ "بَلى" تَتَّصِلُ بِالجَحْدِ، لِأنَّها رُجُوعٌ عَنِ الجَحْدِ إلى التَّحْقِيقِ، فَهي بِمَنزِلَةِ "بَلْ" و"بَلْ" سَبِيلُها أنْ تَأْتِيَ بَعْدَ الجَحْدِ، كَقَوْلِهِمْ: ما قامَ أخُوكَ، بَلْ أبُوكَ.
وإذا قالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: ألا تَقُومُ؟
فَقالَ لَهُ: بَلى؛ أرادَ: بَلْ أقُومُ، فَزادَ الألِفَ عَلى "بَلْ" لِيَحْسُنَ السُّكُوتُ عَلَيْها، لِأنَّهُ لَوْ قالَ: بَلْ؛ كانَ يَتَوَقَّعُ كَلامًا بَعْدَ بَلْ، فَزادَ الألِفَ لِيَزُولَ هَذا التَّوَهُّمُ عَنِ المُخاطَبِ.
وَمَعْنى: ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ : بَلْ مَنَ كَسَبَ.
قالَ الزَّجّاجُ: بَلى: رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً ﴾ والسَّيِّئَةُ هاهُنا: الشِّرْكُ في قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، وأبِي وائِلٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ.
﴿ وَأحاطَتْ بِهِ ﴾ أيْ: أحْدَقَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ.
وقَرَأ نافِعٌ "خَطِيئاتُهُ" بِالجَمْعِ.
قالَ عِكْرِمَةُ: ماتَ ولَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ أبُو وائِلٍ: الخَطِيئَةُ: صِفَةٌ لِلشِّرْكِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمّا أنْ يَكُونَ المَعْنى: أحاطَتْ بِحَسَنَتِهِ خَطِيئَتُهُ، أيْ: أحْبَطَتْها، مِن حَيْثُ أنَّ المُحِيطَ أكْثَرُ مِنَ المُحاطِ بِهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها ﴾ أوْ يَكُونُ مَعْنى أحاطَتْ بِهِ: أهْلَكَتْهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهِ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ "الَّذِينَ" في هَذِهِ الآيَةِ يُرادُ بِهِمُ الأحْبارُ والرُؤَساءُ، قالَ الخَلِيلُ: الوَيْلُ شِدَّةُ الشَرِّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ القُبُوحُ، وهو مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ، ويُجْمَعُ عَلى ويْلاتٍ، والأحْسَنُ فِيهِ -إذا انْفَصَلَ- الرَفْعُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي الوُقُوعَ ويَصِحُّ النَصْبُ عَلى مَعْنى الدُعاءِ، أيْ ألْزَمَهُ اللهُ ويْلًا.
ووَيْلٌ، ووَيْحٌ، ووَيْسٌ، ووَيْبٌ، تَتَقارَبُ في المَعْنى، وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَها قَوْمٌ، ورَوى سُفْيانُ، وعَطاءُ بْنُ يَسارٍ، أنَّ الوَيْلَ في هَذِهِ الآيَةِ وادٍ يَجْرِي بِفَناءِ جَهَنَّمَ مِن صَدِيدِ أهْلِ النارِ، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الهاوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا»، وقالَ أبُو عِياضٍ: إنَّهُ صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ.
ورَوى عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ «عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ جَبَلٌ مِن جِبالِ النارِ»، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ.
و( الَّذِينَ يَكْتُبُونَ ) هُمُ الأحْبارُ الَّذِينَ بَدَّلُوا التَوْراةَ، وقَوْلُهُ "بِأيْدِيهِمْ" بَيانٌ لِجُرْمِهِمْ وإثْباتٌ لِمُجاهَرَتِهِمُ اللهَ.
وَفَرَّقَ بَيْنَ مَن كَتَبَ وبَيْنَ مَن أمَرَ، إذِ المُتَوَلِّي لِلْفِعْلِ أشَدُّ مُواقَعَةً مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ، وإنْ كانَ رَأْيًا لَهُ، وقالَ ابْنُ السَرّاجِ: هو كِنايَةٌ عن أنَّهُ مِن تِلْقائِهِمْ دُونَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَةً في كُتُبِ أيْدِيهِمْ.
والَّذِي بَدَّلُوا هو صِفَةُ النَبِيِّ لِيَسْتَدِيمُوا رِياسَتَهم ومَكاسِبَهُمْ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانَتْ صِفَتُهُ في التَوْراةِ أسْمَرَ رَبْعَةً فَرَدُّوهُ آدَمَ طَوِيلًا، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم كانُوا يَكْتُبُونَ كُتُبًا يُبَدِّلُونَ فِيها صِفَةَ النَبِيِّ ويَبِيعُونَها مِنَ الأعْرابِ، ويَبُثُّونَها في أتْباعِهِمْ، ويَقُولُونَ: هي مِن عِنْدِ اللهِ.
وتَناسُقُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الَّتِي قَبْلَها يُعْطِي أنَّ هَذا الكَتْبَ والتَبْدِيلَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ الأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما قُرِئَ لَهم.
والثَمَنُ قِيلَ: عَرَضُ الدُنْيا، وقِيلَ: الرِشا والمَآكِلُ الَّتِي كانَتْ لَهُمْ، ووَصَفَهُ بِالقِلَّةِ إمّا لِفِنائِهِ، وإمّا لِكَوْنِهِ حَرامًا.
وكُرِّرَ الوَيْلُ لِتَكْرارِ الحالاتِ الَّتِي اسْتَحَقُّوهُ بِها، و"يَكْسِبُونَ" مَعْناهُ مِنَ المَعاصِي والخَطايا، وقِيلَ: مِنَ المالِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ذِكْرُ الثَمَنِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ الآيَةُ، رَوى ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ، أنَّ سَبَبَها «أنَّ النَبِيَّ قالَ لِلْيَهُودِ: "مَن أهْلُ النارِ"؟
فَقالُوا: نَحْنُ، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا أنْتُمْ، فَقالَ لَهُمْ: "كَذَبْتُمْ، لَقَدْ عَلِمْتُمْ أنّا لا نَخْلُفُكُمْ"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» ويُقالُ: إنَّ السَبَبَ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ أنْ يُدْخِلَهُمُ النارَ أرْبَعِينَ يَوْمًا عَدَدَ عِبادَتِهِمُ العَجَلَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ: قالَتِ اليَهُودُ: إنَّ في التَوْراةِ أنَّ طُولَ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ يَوْمِ سَنَةً، حَتّى يُكْمِلُوها وتَذْهَبَ جَهَنَّمُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ، إنَّهم قالُوا: إنَّ مُدَّةَ الدُنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وأنَّ اللهَ تَعالى يُعَذِّبُهم بِكُلِّ ألِفٍ سَنَةٍ يَوْمًا.
و"أتَّخَذْتُمْ" أصْلُهُ: أئِتَّخَذْتُمْ، وزْنُهُ أفْتَعَلْتُمْ مِنَ الأخْذِ، سُهِّلَتِ الهَمْزَةُ الثانِيَةُ لِامْتِناعِ جَمْعِ هَمْزَتَيْنِ فَجاءَ "أيِتَّخَذْتُمْ"، فاضْطَرَبَتِ الياءُ في التَصْرِيفِ جاءَتْ ألِفًا في "يِاتَّخَذُوا"، وواوًا في مُوتَّخَذٌ، فَبُدِّلَتْ بِحَرْفٍ جَلْدٍ ثابِتٍ وهو التاءُ وأُدْغِمَتْ، فَلَمّا دَخَلَتْ في هَذِهِ الآيَةِ ألِفُ التَقْرِيرِ اسْتُغْنِيَ عن ألِفِ الوَصْلِ.
ومَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ "أنِ اتَّخَذْتُمْ" مِن تَخِذَ لا مِن أخَذَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ.
وقالَ أهْلُ التَفْسِيرِ: العَهْدُ مِنَ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المِيثاقُ والمَوْعِدُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ هَلْ قُلْتُمْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، وآمَنتُمْ، وأطَعْتُمْ، فَتُدْلُونَ بِذَلِكَ، وتَعْلَمُونَ أنَّكم خارِجُونَ مِنَ النارِ؟
فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ الأوَّلِ يَجِيءُ المَعْنى: هَلْ عاهَدَكُمُ اللهُ عَلى هَذا الَّذِي تَدَّعُونَ؟
وعَلى التَأْوِيلِ الثانِي يَجِيءُ: هَلْ أسْلَفْتُمْ عِنْدَ اللهِ أعْمالًا تُوجِبُ ما تَدَّعُونَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿ فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ ﴾ اعْتِراضٌ أثْناءَ الكَلامِ.
و"بَلى" رَدٌّ بَعْدَ النَفْيِ، بِمَنزِلَةِ نَعَمْ بَعْدَ الإيجابِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُها "بَلِ" الَّتِي هَلْ لِلْإضْرابِ عَنِ الأوَّلِ، وزِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِيَحْسُنَ الوَقْفُ عَلَيْها، وضَمَّنَتِ الياءُ مَعْنى الإيجابِ والإنْعامِ بِما يَأْتِي بَعْدَها.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هي حَرْفٌ مِثْلُ "بَلْ" وغَيْرُهُ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ لِقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ لَنْ تَمَسَّنا النارُ ﴾ ، فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ أنَّ الخُلُودَ في النارِ والجَنَّةِ بِحَسَبِ الكُفْرِ والإيمانِ.
و"مَن" شَرْطٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ و"أُولَئِكَ" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، و"الفاءُ" مُوطِئَةٌ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ الشَرْطِ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: السَيِّئَةُ: الشِرْكُ،كَقَوْلِهِ ﴿ وَمَن جاءَ بِالسَيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهم في النارِ ﴾ والخَطِيئاتُ كَبائِرُ الذُنُوبِ، وقالَ قَوْمٌ "خَطِيئَتُهُ" بِالإفْرادِ، وقالَ قَوْمٌ: السَيِّئَةُ هُنا الكَبائِرُ وأفْرَدَها وهي بِمَعْنى الجَمْعِ لَمّا كانَتْ تَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ ﴾ والخَطِيئَةُ: الكُفْرُ، ولَفْظَةُ الإحاطَةِ تُقَوِّي هَذا القَوْلَ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحائِطِ المُحْدِقِ بِالشَيْءِ.
وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، والأعْمَشُ، والسُدِّيُّ، وغَيْرُهُمْ: مَعْنى الآيَةِ: ماتَ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنها، وقالَ الرَبِيعُ أيْضًا: ماتَ عَلى كُفْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والسُدِّيُّ: كُلُّ ما تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهِ بِالنارِ فَهي الخَطِيئَةُ المُحِيطَةُ.
والخُلُودُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الإطْلاقِ والتَأْبِيدِ في المُشْرِكِينَ، ومُسْتَعارٌ بِمَعْنى الطُولِ في العَصاةِ، وإنَّ عُلِمَ انْقِطاعُهُ كَما يُقالُ: مَلِكٌ خالِدٌ، ويُدْعى لِلْمَلِكِ بِالخُلْدِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ آمَنُوا ﴾ الآيَةُ يَدُلُّ هَذا التَقْسِيمُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ الآيَةُ، في الكُفّارِ، لا في العُصاةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ: "وَأحاطَتْ" لِأنَّ العاصِيَ مُؤْمِنٌ فَلَمْ تُحِطْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الرَدَّ كانَ عَلى كُفّارٍ ادَّعَوْا أنَّ النارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَهُمُ المُرادُ بِالخُلُودِ، واللهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
قيل: الواو لعطف الجملة على جملة: ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ [البقرة: 75] فتكون حالاً مثلها أي كيف تطمعون أن يؤمنوا لكم وهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه ويقولون: ﴿ لن تمسنا النار ﴾ .
والأظهر عندي أن الواو عطف على قوله ﴿ يكتبون ﴾ [البقرة: 79] إلخ أي فعلوا ذلك وقالوا لن تمسنا النار.
ووجه المناسبة أن قولهم ﴿ لن تمسنا النار ﴾ دل على اعتقاد مقرر في نفوسهم يشيعونه بين الناس بألسنتهم قد أنبأ بغرور عظيم من شأنه أن يقدمهم على تلك الجريمة وغيرها إذ هم قد أمنوا من المؤاخذة إلا أياماً معدودة تعادل أيام عبادة العجل أو أياماً عن كل ألف سنة من العالم يوم وإن ذلك عذاب مكتوب على جميعهم فهم لا يتوقون الإقدام على المعاصي لأجل ذلك، فبالعطف على أخبارهم حصلت فائدة الإخبار عن عقيدة من ضلالاتهم.
ولموقع هذا العطف حصلت فائدة الاستئناف البياني إذ يعجب السامع من جرأتهم على هذا الإجرام.
وقوله: ﴿ وقالوا ﴾ أراد به أنهم قالوه عن اعتقاد لأن الأصل الصدق في القول حتى تقوم القرينة على أنه قول على خلاف الاعتقاد كما في قوله ﴿ قالوا آمنا ﴾ [البقرة: 14] ولأجل أن أصل القول أن يكون على وفق الاعتقاد ساغ استعمال القول في معنى الظن والاعتقاد في نحو قولهم: قال مالك، وفي نحو قول عمرو بن معد يكرب: علام تقول الرمح يثقل عاتقي *** والمس حقيقته اتصال اليد بجرم من الأجرام وكذلك اللمس قال تعالى: ﴿ والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب ﴾ [الأنعام: 49].
وعبر عن نفيهم بحرف (لن) الدال على تأييد النفي تأكيداً لانتفاء العذاب عنهم بعد تأكيد، ولدلالة (لن) على استغراق الأزمان تأتّى الاستثناء من عموم الأزمنة بقوله: ﴿ إلا أياماً معدودة ﴾ على وجه التفريع فهو منصوب على الظرفية.
والوصف بمعدودة مؤذن بالقلة لأن المراد بالمعدود الذي يعده الناس إذا رأوه أو تحدثوا عنه، وقد شاع في العرف والعوائد أن الناس لا يعمدون إلى عد الأشياء الكثيرة دفعاً للملل أو لأجل الشغل سواء عرفوا الحساب أم لم يعرفوه لأن المراد العد بالعين واللسان لا العد بجمع الحسابات إذ ليس مقصوداً هنا.
وتأنيث (معدودة) وهو صفة (أياماً) مراعى فيه تأويل الجمع بالجماعة وهي طريقة عربية مشهورة ولذلك كثر في صفة الجمع إذا أنثوها أن يأتوا بها بصيغة الإفراد إلا إذا أرادوا تأويل الجمع بالجماعات، وسيأتي ذلك في قوله تعالى: ﴿ أياماً معدودات ﴾ [البقرة: 184].
وقوله: ﴿ قل أتخذتم عند الله عهداً ﴾ جواب لكلامهم ولذلك فصل على طريقة المحاورات كما قدمناه في قوله تعالى: ﴿ قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] والاستفهام غير حقيقي بدليل قوله بعده ﴿ بلى ﴾ فهو استفهام تقريري للإلجاء إلى الاعتراف بأصدق الأمرين وليس إنكاري لوجود المعادل وهو ﴿ أم تقولون ﴾ لأن الاستفهام الإنكاري لا معادل له.
والمراد بالعهد الوعد المؤكد فهو استعارة، لأن أصل العهد هو الوعد المؤكد بقسم والتزام، ووعد الذي لا يخلف الوعد كالعهد، ويجوز أن يكون العهد هنا حقيقة لأنه في مقام التقرير دال على انتفاء ذلك.
وذكر الاتخاذ دون أعاهدتم أو عاهدكم لما في الاتخاذ من توكيد العهد و«عند» لزيادة التأكيد يقولون اتخذ يداً عند فلان.
وقوله: ﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ الفاء فصيحة دالة على شرط مقدر وجزائه وما بعد الفاء هو علة الجزاء والتقدير فإن كان ذلك فلكم العذر في قولكم لأن الله لا يخلف عهده وتقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً ﴾ [البقرة: 60].
ولكون ما بعد فاء الفصيحة دليل شرط وجزائه لم يلزم أن يكون ما بعدها مسبباً عما قبلها ولا مترتباً عنه حتى يشكل عليه عدم صحة ترتب الجزاء في الآية على الشرط المقدر لأن (لن) للاستقبال.
و (أم) في قوله: ﴿ أم تقولون على الله ما لا تعلمون ﴾ معادلة همزة الاستفهام فهي متصلة وتقع بعدها الجملة كما صرح به ابن الحاجب في «الإيضاح» وهو التحقيق كما قال عبد الحكيم، فما قاله صاحب «المفتاح» من أن علامة أم المنقطعة كون ما بعدها جملة أمر أغلبي ولا معنى للانقطاع هنا لأنه يفسد ما أفاده الاستفهام من الإلجاء والتقرير.
وقوله: ﴿ بلى ﴾ إبطال لقولهم: ﴿ لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ ، وكلمات الجواب تدخل على الكلام السابق لا على ما بعدها فمعنى بلى بل أنتم تمسكم النار مدة طويلة.
وقوله: ﴿ من كسب سيئة ﴾ سند لما تضمنته (بلى) من إبطال قولهم، أي ما أنتم إلا ممن كسب سيئة إلخ ومن كسب سيئة وأحاطت به خطيئاته فأولئك أصحاب النار فأنتم منهم لا محالة على حد قول لبيد: تمنَّى ابنتاي أن يعيش أبوهما *** وهل أَنا إلا من ربيعةَ أو مُضَرْ أي فلا أخلد كما لم يخلد بنو ربيعة ومضر، فمَنْ في قوله: ﴿ من كسب سيئة ﴾ شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها وهي في الشرط من صيغ العموم فلذلك كانت مؤذنة بجملة محذوفة دل عليها تعقيب (بلى) بهذا العموم لأنه لو لم يرد به أن المخاطبين من زمر هذا العموم لكان ذِكر العموم بعدها كلاماً متناثراً ففي الكلام إيجاز الحذف ليكون المذكور كالقضية الكبرى لبرهان قوله: ﴿ بلى ﴾ .
والمراد بالسيئة هنا السيئة العظيمة وهي الكفر بدليل العطف عليها بقوله: ﴿ وأحاطبت به خطيئاته ﴾ .
وقوله: ﴿ وأحاطت به خطيئاته ﴾ الخطيئة اسم لما يقترفه الإنسان من الجرائم وهي فعيلة بمعنى مفعولة من خطى إذا أساء، والإحاطة مستعارة لعدم الخلو عن الشيء لأن ما يحيط بالمرء لا يترك له منفذاً للإقبال على غير ذلك قال تعالى: ﴿ وظنوا أنهم أحيط بهم ﴾ [يونس: 22] وإحاطة الخطيئات هي حالة الكفر لأنها تجريء على جميع الخطايا ولا يعتبر مع الكفر عمل صالح كما دل عليه قوله: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 17].
فلذلك لم تكن في هذه الآية حجة للزاعمين خلود أصحاب الكبائر من المسلمين في النار إذ لا يكون المسلم محيطة به الخطيئات بل هو لا يخلو من عمل صالح وحسبك من ذلك سلامة اعتقاده من الكفر وسلامة لسانه من النطق بكلمة الكفر الخبيثة.
والقصر المستفاد من التعريف في قوله: ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ قصر إضافي لقلب اعتقادهم.
وقوله: ﴿ والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ﴾ تذييل لتعقيب النذارة بالبشارة على عادة القرآن.
والمراد بالخلود هنا حقيقته.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ أمّا (بَلى)، فَجَوابُ النَّفْيِ، وأمّا (نَعَمْ) فَجَوابُ الإيجابِ، قالَ الفَرّاءُ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: ما لَكَ عَلَيَّ شَيْءٌ، فَقالَ الآخَرُ: نَعَمْ، كانَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا أنْ لا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولَوْ قالَ بَلى: كانَ رَدًّا لِقَوْلِهِ، وتَقْدِيرُهُ: بَلى لِي عَلَيْكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ اخْتَلَفُوا في السَّيِّئَةِ هَهُنا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها الشِّرْكُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّها الذُّنُوبُ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها النّارَ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ ماتَ عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: أنَّها سَدَّتْ عَلَيْهِ المَسالِكَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السَّرّاجِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بلى من كسب ﴾ قال: الشرك.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد وعكرمة وقتادة.
مثله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: أحاط به شركه.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بلى من كسب سيئة ﴾ أي من عمل مثل أعمالكم وكفر بما كفرتم به حتى يحيط كفره بما له من حسنة ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها يخبرهم أن الثواب بالخير والشر، مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له أبداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: هي الكبيرة الموجبة لأهلها النار.
وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن أنه سئل عن قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ ما الخطيئة؟
قال: اقرأوا القرآن، فكل آية وعد الله عليها النار فهي الخطيئة.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: الذنوب تحيط بالقلب، فكلما عمل ذنباً ارتفعت حتى تغشى القلب حتى يكون هكذا وقبض كفه، ثم قال: والخطيئة كل ذنب وعد الله عليه النار.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن الربيع بن خيثم في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: هو الذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب.
وأخرج وكيع وابن جرير عن الأعمش في قوله: ﴿ وأحاطت به خطيئته ﴾ قال: مات بذنبه.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ قال الفراء: (بلى): تكون جوابًا للكلام الذي فيه الجحد، فإذا قال الرجل: ألست تقوم؟
فتقول: بلى.
ونَعم جواب للكلام الذي لا جحد فيه، فإذا قال الرجل: هَل تقوم؟
قلت: نعم.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى﴾\[تبارك:8، 9\]، وقال: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ ، وقال: ﴿ فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ ﴾ ، وإنما صارت (بلى) تتصل بالجحد؛ لأنّها رجوع عن الجحد إلى التحقيق، فهي بمنزلة (بَل)، و (بل) سبيلها أن تأتي بعد الجحد، كقولهم: مَا قام أخوك بل أبوك، وما أكرمت أخاك بل أباك.
فإذا قال الرجل للرجل: ألا تقوم، فقال: بلى، أرادَ: بل أقوم، فزاد الياء على (بل) ليحسن السكوت عليها؛ لأنه لو قال: بل كان يتوقع كلامًا بعد بل، فزاد الياء (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ﴾ فقال: (بلى) أُعذِّبُ من كَسَبَ سَيّئةً.
و (مَنْ) هاهنَا بمعنى (الذي) (٥) (٦) وَكَفَى بِنَا فَضلًا عَلَى مَنْ غَيْرِنا ...
حُبُّ النبيِّ محمّدٍ إيّانا (٧) أي: على أحد غيرِنا.
وقولُ آخرَ: يا رُبَّ مَن يبغض أذوادنا ..
(٨) ودخول "رُبَّ" يدل على أنه نكرة (٩) والسيئة فيعِلة (١٠) قال اللّيث: والسيئ والسيئة: عملان قبيحان يَصِير السيئ نَعتًا للذكر الأفعال، والسيئة: الأنثى (١١) (١٢) وإجماع أهل التفسير: أن السيئةَ هاهُنا الشرك (١٣) (١٤) وقوله تعالى: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُه ﴾ لا يَخلو معناه من أحد أمرين: إمَّا أن يكون المعنى: أحاطت بحسنته خطيئته، أي: أحبطتها من حيثُ كان المحِيط أكبر مِنَ المحاط به، فيكون كقوله: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ ، ويكون المعنى في (أحاطت به خطيئته): أهلكته، من قوله: ﴿ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ وهذا كله في معنى البوار.
وقد يكون للإحاطة معنى ثالث، وهو العلم كقوله: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ﴾ .
وقال: ﴿ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ﴾ .
أي: عالم، هذا كلام أبي علي (١٥) وقال ابن السراج: أحاطت به خَطِيئته، أي: سُدّت عليه مَسَالك النجاة، وهذا لمن هو في معلوم الله أنه لا يؤمن.
وأما الخطيئة فقال أبو زيد: خطِئْتُ من الخطيئةِ، أَخْطأ خَطْئًا، والاسم الخِطْءُ، وأخطأت إِخطاءً، والاسمُ الخَطَاء (١٦) وقال الأخفَش: الخطأ: الإثم وهو ما أصابه متعمدًا والخِطء غير المتعمد.
ويقال من هذا: أخطأ يُخْطِئُ.
قال الله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ واسم الفاعل من هذا: مخطئ، فأمّا خطيئة فاسم الفاعل منه: خاطئٌ، وهو المأخوذ به فاعله، وفي التنزيل: ﴿ لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ ﴾ (١٧) اللّيث: الخطيئة: الذنب على عمد (١٨) قال أبو علي: والخطيئة تقع على الصغير والكبير، فمن وقوعها على الصغير قوله: ﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾ .
ووقوعها على الكبير قوله: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ (١٩) (٢٠) ﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ﴾ .
لأنه مضاف إلى جماعة لكل واحدٍ منهم خطيئة، وكذلك قوله: ﴿ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا ﴾ .
فهذه جمعت بجمع (٢١) (٢٢) ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ فمضاف إلى مفرد، وكما أفردت السيئة ولم تجمع فكذلك ينبغي أن تفرد الخطيئة.
وأنت إذا أفردته لم يمتنع وقوعه على الكثرة وإن كان مضافًا، كقوله: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ والعَدُّ إنما يقع على الجموع والكثرة، وكذلك ما روي في الحديث: "منعت العراق درهمها وقفيزها (٢٣) (٢٤) (٢٥) فهذه أسماء مفردة مُضافة والمراد بها الكثرة، ومن جمَع حمله على المعنى، والمعنى الجمع والكثرة، فكما جُمع ما كان مُضَافًا إلى جمع كذلك يجمع ما كان مضافًا إلى مفردٍ يرادُ به الجمع من حيث اجتمعا في أنهما كثرة، ويدلّك على أن المراد به الكثرة.
فيجوز من أجل ذلك أن تجمع خَطِيئةٌ على المعنى؛ لأنَّ الضمير المضاف إليه جمع في المعنى (٢٦) قوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ واختلف المفسرون في معنى الخطيئة هاهنا، فقال ابن عباس (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال غيرهم (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ خبر المبتدأ الذي هو (مَن) كقوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِن نِعمَةٍ فَمِنَ اَلله ﴾ (٣٧) فإن قيل: لم دخلت الفاء في خبر المبتدأ وأنت لا تقول: زيد فقائم.
والجواب: إن الفاء تدخل في خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصُولًا.
نحو (مَنْ وما والذي) لتدلّ (٣٨) ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ ، إن شاء الله.
فإن قيل: لم جاءت الجملتان في قوله: ﴿ فأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ بغير حرف عطف؟
والجواب: قال أبو بكر بن السراج: لأنهما خبران عن شيء واحد، وأيضا فإن الضمير يربط الكلام الثاني بالأول كما أن حرف العطف يربط به، ألا ترى أنّك تقول: مررت بزيد والناس يتراءون الهلالَ، فلا يجوز إسقاط الواو، فإن قلت: مررتُ بزَيْدٍ الناس عنده يتراءون الهلال، جاز إسقاط الواو وجاز إثباتها.
(١) أراد الألف المقصورة، وهكذا عدها الفراء ألفًا.
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 52، ونقله عنه الطبري في تفسيره 1/ 384 - 385، وأبن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 107.
وينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1008، و"البيان" لابن الأنباري 1/ 99.
(٣) في (م): (فقالوا).
(٤) ينظر في معنى (بلى): "الكتاب" لسيبويه 4/ 234، و"البحر المحيط" 1/ 279، و"مغني اللبيب" 1/ 113 - 114.
(٥) قال أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 279: (من) يحتمل أن تكون شرطية، ويحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات لجواز دخول الفاء في الخبر إذا كان المبتدأ موصولًا موجودة هنا، ويحسنه المجيء في قسميه بالذين، وهو موصول.
(٦) في (ش): (تكون) في الموضعين.
(٧) البيت ذكره ابن هشام في "مغني اللبيب" 1/ 328، وابن الشجري في "الأمالي" 2/ 311 منسوبا إلى حسان، ونسبه الزبيدي في "التاج" (مادة: من)، والبغدادي في "الخزانة" 2/ 545 إلى كعب بن مالك، انظر: "ديوان حسان" 1/ 515.
(٨) وتمامه: رُحْنَ على بغضائه واغْتَدين قاله عمرو بن قميئة كما في "الكتاب" لسيبويه 1/ 315 وقيل: لعمرو بن لأي التيمي.
ينظر: "الوحشيات" ص 9، "معجم الشعراء" 214، "المقتضب" 1/ 41، "الإغفال" ص 318.
(٩) ينظر في (رُبَّ): "المقتضب" للمبرد 4/ 139 - 150، و"مغني اللبيب" 1/ 134 - 138، وقال في "القاموس" 87: ورُبَّ، ورُبَةَ، ورُبَّما، وربتما، بضمهن مشددات ومخففات، وبفتحهن كذلك حرف خافض لا يقع إلا على نكرة.
(١٠) ينظر: "الكتاب" لسيبويه 4/ 365، "المقتضب" للمبرد 1/ 125، "اللسان" 4/ 2161 (مادة: سوأ).
(١١) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 1583.
(١٢) نقله عنه في: "تهذيب اللغة" 2/ 1583، "اللسان" 4/ 2161.
(١٣) هذا الإجماع ذكره الواحدي أيضًا في "الوسيط" 1/ 164، والصحيح: أن هذا قول أكثر السلف، والقول الآخر: أن السيئة هي كبائر الذنوب التي توعد الله عليها == بالنار، والخطيئة هي الكفر، وممن قال به الحسن والسدي، وقواه ابن عطية في "المحرر الوجيز" 1/ 370 فقال: ولفظ الإحاطة يقوي هذا القول، وأصحاب القولين على أن الآية إنما هي في الكفار لا في العصاة؛ لأن الله توعد أهل هذه الآية بالخلود في النار، وهذا إنما يكون في حق الكفار فقط، قال الواحدي في "الوسيط" 1/ 165: والمؤمنون لا يدخلون في حكم هذه الآية، لأن الله تعالى أوعد بالخلود في النار من أحاطت به خطيئته، وتقدمت منه سيئة هي الشرك، والمؤمن ومن عمل الكبائر فلم يوجد منه شرك.
ولعل الذي دفع الواحدي لحكاية الإجماع الرد على من حمل الآية على عصاة المؤمنين كالمعتزلة والخوارج.
ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 384 - 385، و"مجموع فتاوي ابن تيمية" 14/ 48 وما بعدها، و"البحر المحيط" 1/ 279، و"تفسير ابن كثير" 1/ 119، وكتاب "الإجماع في التفسير" ص 177.
(١٤) ذكر الإجماع على أنها في اليهود الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 162 قال: والإجماع أن هذا لليهود خاصة، لأنه عز وجل ذكرهم؛ والطبري في تفسيره لم يذكر سوى ذلك، وكأن المؤلف نقض الإجماع بقوله: وقد قيل.
(١٥) في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 114 - 115.
(١٦) ينظر: "الحجة" 2/ 115، "تهذيب اللغة" 1/ 160، "اللسان" 2/ 1205.
(١٧) "الحجة" 1/ 115.
(١٨) ذكره في "تهذيب اللغة" 1/ 1060، "اللسان" 2/ 1205ولم ينسبه لليث.
(١٩) "الحجة" لأبي علي 1/ 116.
(٢٠) قرأ نافع وأبو جعفر بالجمع، والباقون بالإفراد، ينظر: "السبعة" ص 162، "والنشر في القراءت العشر".
(٢١) في "الحجة": (كجمع).
(٢٢) "الحجة" 2/ 118 - 119.
(٢٣) القفيز: مكيال معروف لأهل العراق، قال الأزهري: هو ثمانية مكاكيك، والمكوك: صاع ونصف، وهو خمس كليجات.
ينظر: "النهاية" 4/ 90.
(٢٤) الإردب: مكيال معروف لأهل مصر، قال الأزهري وآخرون: يسع أربعة وعشرين صاعًا.
ينظر: "النهاية" لابن الأثير 1/ 37.
(٢٥) أخرجه مسلم في (2896) كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات.
(٢٦) ما تقدم بمعناه منقول من "الحجة" 2/ 119 - 120.
(٢٧) رواه عنه الطبري 1/ 386، ابن أبي حاتم 1/ 157.
(٢٨) رواه عنه الطبري في تفسيره 1/ 386، وذكره "الثعلبي" 1/ 1009.
(٢٩) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 158، وانظرت "زاد المسير" 1/ 106.
(٣٠) هو الإمام الكبير، شيخ الكوفة أبو وائل، شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، مخضرم أدرك النبي وما رآه، حدث عن الخلفاء وكثير من الصحابة، كان ثقة كثير الحديث، توفي سنة 82 هـ.
ينظر: "تاريخ بغداد" 9/ 268، "السير" 4/ 161 - 166.
(٣١) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 158، والثعلبي 1/ 1009.
(٣٢) هو: الربيع بن أنس البكري، من رواة الحديث، وممن اشتهر بالعلم والتفسير كان من التابعين، بصري نزل خراسان، صدوق له أوهام، توفي سنة 139 هـ وقيل: 140 هـ.
ينظر: "تقريب التهذيب" ص 205، (1882) و"مشاهير علماء الأمصار" ص 126.
(٣٣) رواه عنه الطبري في تفسيره 1/ 386 - 387 وذكره ابن أبي حاتم 1/ 158، والثعلبي 1/ 1009.
(٣٤) هو: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، المدني، محدث مفسر، كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث ذاهبًا، توفي سنة 182 هـ.
ينظر: "الجرح والتعديل" 5/ 233، "تقريب التهذيب" ص 340.
(٣٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1009.
(٣٦) ومنهم: مجاهد وقتادة والحسن والربيع بن أنس وأبو العالية، كما في "تفسير الطبري" 1/ 386 - 387، و"ابن أبي حاتم" 1/ 159، وقال ابن كثير 1/ 127 عقب هذه الأقوال والأقوال السابقة في الشرك: وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم.
(٣٧) ينظر: "الحجة" 2/ 120.
(٣٨) في (ش) و (م): (ليدل).
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ ﴾ أي الذين لا يقرأون ولا يكتبون فهم ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ والمراد قوم من اليهود وقيل: من المجوس وهذا غير صحيح، لأن الكلام عن اليهود ﴿ إِلاَّ أَمَانِيَّ ﴾ تلاوة بغير فهم، أو أكاذيب، وما تتمناه النفوس ﴿ بِأَيْدِيهِمْ ﴾ تحقيق لافترائهم ﴿ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ عرض الدنيا من الرياسة والرشوة وغير ذلك مما يكسبون من الدنيا أو هي الذنوب ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ أربعين يوماً عدد عبادتهم العجل وقيل سبعة أيام ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: تقرير يقتضي إبطال ﴿ بلى ﴾ تحقيق لطول مكثهم في النار، لقولهم ما لا يعلمون ﴿ أَتَّخَذْتُمْ ﴾ الآية: في الكفار لأنها ردّ على اليهود، ولقوله بعدها ﴿ والذين آمَنُواْ ﴾ فلا حجة فيها لن قال بتخليد العصاة في النار ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله ﴾ جواب لقسم يدل عليه الميثاق، وقيل: خبر بمعنى النهي، ويرجحه قراءة لا يعبدون وقيل: الأصل: ب ﴿ أن لا تعبدوا ﴾ ثم حذفت الباء.
وأن ﴿ وبالوالدين ﴾ يتعلق بإحسان، أو يمحذوف تقديره: أحسنوا، ووكد بإحساناً ﴿ وَذِي القربى ﴾ القرابة ﴿ واليتامى ﴾ جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه، وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إلا أماني ﴾ حيث كان خفيفاً: يزيد إلا قوله ﴿ تلك أمانيهم ﴾ ﴿ وليس بأمانيكم ولا أماني ﴾ ﴿ وغرتكم الأماني ﴾ فإن أربعتهن بالإسكان عنده ﴿ بأيديهم ﴾ بضم الهاء: يعقوب، وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة ﴿ خطيآته ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع.
الوقوف: ﴿ يعلمون ﴾ (ه) ﴿ آمنا ﴾ (ج) والوصل أجوز لبيان حالتيهما المتناقضتين وهو المقصود ﴿ عند ربكم ﴾ (ط) ﴿ أفلا تعقلون ﴾ (ه) ﴿ يعلنون ﴾ (ه) ﴿ يظنون ﴾ (ج) ﴿ قليلاً ﴾ (ط) ﴿ يكسبون ﴾ (ه) ﴿ معدودة ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه) ﴿ النار ﴾ (ج) لأن الجملة مبتدأ وخبر بعد خبر.
﴿ خالدون ﴾ (ه) ﴿ الجنة ﴾ (ج) ﴿ خالدون ﴾ (ه).
التفسير: لما ذكر الله وتعالى قبائح أسلاف اليهود وسوء معاملتهم مع نبيهم، أردفها قبائح أخلافهم المعاصرين لرسول الله فكأنه قيل: إذا كان هذا أفعالهم فيما بينهم، فكيف تطمعون أيها النبي والمؤمنون في أن يؤمنوا أي يحدثوا الإيمان لأجل دعوتكم ويستجيبوا لكم؟
كقوله ﴿ فآمن له لوط ﴾ ﴿ وقد كان فريق منهم ﴾ طائفة من أسلافهم ﴿ يسمعون كلام الله ﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ ثم يحرفونه ﴾ كما حرفوا صفة رسول الله وآية الرجم.
وقيل: هم قوم من الذين حضروا الميقات، سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما أمر به ونهى عنه ثم قالوا: سمعنا الله يقول في آخره إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا فلا بأس ﴿ من بعد ما عقلوه ﴾ فهموه وضبطوه بعقولهم من غير ما شبهة ﴿ وهم يعلمون ﴾ أنهم مفترون كذابون.
والمعنى إن كفر هؤلاء وحرفوا فلهم سابقة في ذلك كما تقول للرجل: كيف تطمع أن يفلح فلان وأستاذه فلان يأخذ عنه لا عن غيره؟
فهؤلاء المقلدة لا يقبلون إلا قول معلميهم وأحبارهم الذين تعمدوا التحريف عناداً أو لضرب من الأغراض الدنيوية ﴿ وإذا لقوا ﴾ أي اليهود قال منافقوهم: آمنا بأنكم على الحق ونشهد أن صاحبكم صادق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا.
﴿ وإذا خلا بعضهم ﴾ الذين لم ينافقوا ﴿ إلى بعض ﴾ الذين نافقوا ﴿ قالوا ﴾ عاتبين عليهم ﴿ أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعته وصفته مأخوذ من قولهم "قد فتح على فلان في علم كذا أي رزق ذلك وسهل له طلبه، أو قال المنافقون لغيرهم يرونهم التصلب في دينهم: أتحدثونهم إنكاراً عليهم أن يفتحوا عليهم شيئاً في كتابهم فينافقون المؤمنين وينافقون اليهود ﴿ ليحاجوكم به عند ربكم ﴾ ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه.
جعلوا محاجتهم به وقولهم "هو في كتابكم هكذا" محاجة عند الله.
ألا تراك تقول: هو في كتاب الله كذا وهو عند الله كذا بمعنى واحد؟
وعن الحسن: ليحاجوكم في ربكم لأن المحاجة فيما ألزم من اتباع الرسل محاجة فيه أي دينه.
وقال الأصم: يحاجوكم يوم القيامة عند المساءلة فيكون زيادة في توبيخكم، فكان القوم يعتقدون أن ذلك مما يزيد في فضيحتهم في الآخرة.
وقيل: ليحاجوكم به على وجه الديانة والنصيحة، لأن من يذكر الحجة على هذا الوجه قد يقول لصاحبه: أزحت علتك عند الله وأقمت عليك الحجة بيني وبين ربي، فإن قبلت أحسنت إلى نفسك، وإن جحدت كنت الخاسر الخائب.
وقيل: لتصيروا محجوجين بتلك الدلائل في حكم الله كما يقال: فلان عندي عالم أي في اعتقادي وحكمي.
وهذا عند الشافعي كذا، وعند أبي حنيفة كذا ﴿ أفلا تعقلون ﴾ أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه فإنكم إذا حدثتموهم بالذي يحاجونكم به رجع وباله عليكم ﴿ أو لا يعلمون أن الله يعلم ﴾ جميع ﴿ ما يسرون وما يعلنون ﴾ ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان، خوّفهم الله بذلك لأنهم كانوا يعرفون أن الله يعلم السر والعلانية ﴿ ومنهم أميون ﴾ لا يحسنون الكتب فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها كأنه منسوب إلى الأم وهو أصل الشيء، فالأمي على أصل فطرته لم يكتسب علماً وكتابة ﴿ لا يعلمون الكتاب ﴾ التوراة ﴿ إلا أماني ﴾ وأحدها أمنية على أفعولة من مني إذا قدر.
تقول: منه تمنيت الشيء ومنيته غيري تمنية، لأن المتمني يقدر في نفسه ويجوّز ما يتمناه، وأماني اليهود هي أن الله يعفو عنهم ويرحمهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وما يمنيهم الأحبار من أن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة.
وقيل: الأماني الأكاذيب المختلفة التي سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد.
يقال: أهذا شيء رويته أم تمنيته أم اختلقته؟
وذلك أن المختلق يقدر أن كلمة كذا بعد كذا.
وفي الصحاح أنه مقلوب المين وهو الكذب.
وقيل: إلا ما يقرأون من قولهم "تمنيت الكتاب قرأته" قال الشاعر يرثي عثمان: تمنـــى كتــــاب الله أوّل ليلـــــــة *** وآخرهــــا لا فـــي حمــــام المقـــــادر والقارئ مقدر الكلمات كالمختلق، وعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً كأنه قيل: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه.
ثم إ نهم لا يتمكنون من التدبر والتأمل، وعلى الأول يكون استثناء منقطعاً.
ومن قرأ ﴿ أماني ﴾ بالتخفيف حذف المد كما يقال مفاتح ﴿ وإن هم إلا يظنون ﴾ كالمحقق لما تقدمه من قوله ﴿ لا يعلمون الكتاب إلا أماني ﴾ ذكر الفرقة الضالة المضلة المحرفة، ثم الفرقة المنافقين منهم، ثم الفرقة المجادلة لأهل النفاق، ثم العوام المقلدة، ونبه على أنهم في الضلال سواء، لأن للعالم أن يعمل بعلمه وعلى العامي أن لا يرضى بالتقليد والظن إن كان متمكناً من العلم ولا سيما في أصول الدين، الويل كلمة يقولها كل مكروب، وعن ابن عباس: أنه العذاب الأليم.
وعن الثوري: صديد أهل الجحيم.
وعن رسول الله : "واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره" وقال عطاء بن يسار: الويل واد في جهنم، لو أرسلت فيه الجبال لماعت من حره.
ولا شبهة في دلالتها على نهاية الوعيد والتهديد ﴿ يكتبون الكتاب ﴾ المحرف ﴿ بأيديهم ﴾ تأكيد كما تقول للمنكر هذا ما كتبته بيمينك.
حكى عنهم أمرين: كتبة الكتاب وإسناده إلى الله.
فالوعيد مرتب على كل منهما وعلى مجموعهما إلا أنه على الثاني أبلغ ولهذا جيء بــ "ثم" وقوله ﴿ ليشتروا به ثمناً قليلاً ﴾ تنبيه على شقاوتهم، فإنهم استبدلوا النفع الحقير العاجل الزائل بالأجر العظيم الآجل الدائم ﴿ فويل لهم مما كتبت أيديهم ﴾ أي مما أسلفت من كتبها ما لم يكن يحل لهم ﴿ وويل لهم مما يكسبون ﴾ بذلك بعد من الرشا على التحريف وفي إعادة الويل في الكسب دليل على أن الوعيد كما يلحقهم بسبب الكتبة وإسنادها إلى الله، فكذلك يلحقهم بسبب أخذ المال عليه ليعلم أن أخذ المال على الباطل محرم وإن كان بالتراضي ﴿ وقالوا لن تمسنا النار ﴾ نوع آخر من قبائح أفعالهم وهو جزمهم بأن الله لا يعذبهم إلا أياماً معدودة قليلة، وهذا الجزم مما لا سبيل إليه بالعقل ألبتة، ولا دليل له سمعياً فلا يجزم به عاقل.
والأيام المعدودة قالوا: أربعون يوماً هي أيام عبادة العجل.
وعن مجاهد قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً لأن يوماً عند الله ألف سنة.
وأيام معدودة ومعدودات كلاهما فصيح مثل الأيام مضت ومضين.
والعهد ههنا يجري مجرى الوعد والخبر، لأن خبره كالعهود المؤكدة منا بالقسم والنذر.
و ﴿ أتخذتم ﴾ استفهام بطريق الإنكار، وإنه يدل على عدم الدليل السمعي.
﴿ فلن يخلف الله عهده ﴾ لتنزهه عن كل نقيصة وخلاف الخبر أنقص النقائص.
فإن قيل: هب أن الخلف في الوعد لؤم ونقيصة، لكنه في الوعيد كرم ولطف.
قلنا: الخلف من حيث هو كذب قبيح لا يجوّزه كامل، ولعل للكرم طريقاً آخر سوى هذا فتأمل.
و "أم" إما معادلة بمعنى أي الأمرين كائن على سبيل التقدير لأن العلم واقع بكون أحدهما وهذا من الكامل المنصف نحو ﴿ وإِنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ﴾ ، ويجوز أن تكون منقطعة بمعنى "بل أتقولون" كأنه أعرض عن الاستفهام الأول واستأنف سؤالاً ثانياً.
فالاستفهام الأول لتقرير النفي، والاستفهام الثاني لتقرير الإثبات.
وفي الآية تنبيه على أن القول بغير دليل باطل وأن كل ما جاز وجوده وعدمه عقلا لم يجز المصير إلى الإثبات أو إلى النفي إلا بدليل سمعي.
ولا حجة لمنكري القياس وخبر الواحد فيه لأنه لما دل الدليل على وجوب العمل عند حصول الظن المستند إلى القياس أو إلى خبر الواحد، كان وجوب العمل معلوماً فكان القول به قولاً بالمعلوم ﴿ بلى ﴾ إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله ﴿ لن تمسنا النار ﴾ أي بلى تمسكم أبداً بدليل قوله ﴿ هم فيها خالدون ﴾ عن ابن عباس: وجد أهل الكتاب ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين فقالوا: لن نعذب في النار إلا ما وجدنا في التوراة، وإذا كان يوم القيامة أقحموا في النار فساروا في العذاب حتى انتهوا إلى شفير سقر وفيها شجرة الزقوم إلى آخر يوم من الأيام المعدودة قال لهم خزنة أهل النار: يا أعداء الله، زعمتم أنكم لن تعذبوا في النار إلا أياماً معدودة، فقد انقضى العدد وبقي الأبد.
قلت: وفي مثل حالهم ضلال الفلاسفة القائلين بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بقبائح أفعال الأشباح، إلا أنها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من قبائح الأعمال إلا أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب.
ومنهم من زعم أن استيفاء اللذات الحسية يقلل التعلقات الدنيوية ويسهل عروج الروح إلى عالمه العلوي، وكل هذا خيال فاسد ومتاع كاسد، وإنه قول من لم يجرب ولم يجد من نفسه أنها كيف تتدنس وتتكدر بالأخلاق الذميمة البهيمية والسبعية، وكيف تتصفى وتتطهر بالأخلاق الحميدة الروحانية الملكية، فغمر بصدإ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ فلا يجلوها إلا مرور الدهور وكرور الأعصار.
وقد ينضم الكفر إلى تلك الأخلاق فيبقى خالداً مخلداً في النار، في ويل طويل وزفير وعويل، نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
والسيئة أصلها سيوئة من ساءه يسوءه سوأ ومساءة، فقلبت الواو ياء وأدغمت، وهي من الصفات الغالبة.
وقوله ﴿ سيئة ﴾ يتناول جميع المعاصي صغرت أو كبرت، فضم إليها شرط آخر وهو كون السيئة محيطة به ليختص بالكبيرة.
ولفظ الإحاطة حقيقة في المجسمات إحاطة السور بالبلد والظرف بالمظروف، فنقل إلى الخطيئة وهي عرض لمعنيين من جهة أن المحيط يستر المحاط به.
والكبيرة تستر الطاعات، ومن جهة أن الكبيرة تحبط الطاعات وتستولي عليها إحاطة العدو بالإنسان بحيث لا يتمكن الإنسان من الخلاص عنهم.
والآية وإن وردت في اليهود فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبمثلها تتمسك المعتزلة في إثبات الوعيد لأصحاب الكبائر إذا ماتوا قبل التوبة، وفسر غيرهم الخطيئة المحيطة بالكفر فيه تتحقق الإحاطة التامة.
واعلم أن في المسألة خلافاً لأهل القبلة.
منهم من قطع بوعيدهم إما مؤبداً - وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج - وإما منقطعاً - وهو قول بشر المريسي والخالدي ومنهم من قطع بأنه وعيد لهم وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.
والذي عليه أكثر الصحابة والتابعين وأهل السنة والإمامية، القطع بأنه يعفو عن بعض العصاة، وأنه إذا عذب أحدهم فلا يعذبه أبداً، لكنا نتوقف في حق البعض المعفو عنه والبعض المعذب على التعيين.
أما المعتزلة فاستدلوا بعمومات وردت في وعيد الفساق كقوله ﴿ ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها ﴾ وقوله ﴿ وإن الفجار لفي جحيم ﴾ وقوله ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً ﴾ ومن الحديث "من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب منها لم يشربها في الآخرة.
ومن قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" وعن أبي سعيد الخدري قال "والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلا دخل النار" وإذا استحقوا النار ببغضهم فلأن يستحقوا النار بقتلهم أولى.
وأجيب بالمنع من أن هذه الصيغ للعموم بدليل صحة إدخال الكل والبعض عليها نحو: كل من دخل داري فله كذا، أو بعض من دخل.
ولا يلزم منه تكرير ولا تناقض، ولأن الأكثر قد يطلق عليه لفظ الكل، ولاحتمال المخصصات.
القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر احتجوا بنحو قوله ﴿ إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ﴾ ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾ ﴿ لا يصلاها إلا الأشقى.
الذي كذب وتولى ﴾ وبالعمومات الواردة في الوعد مثل ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ الآية.
حكم بالفلاح على كل من آمن.
وعورض بعمومات الوعيد.
أما أصحابنا الذين قطعوا بالعفو في حق البعض والتوقف في البعض، فقد تمسكوا بنحو قوله عز من قائل ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ وبأن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضتا فلا بد من الترجيح لجانب الوعد بصرف التأويل إليه، لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف، وإهمال الوعد باضد.
وأيضاً القرآن مملوء من قوله ﴿ عفواً غفوراً ﴾ ﴿ رحيماً ﴾ ﴿ كريماً ﴾ .
وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر.
وأيضاً إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟
إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما.
فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب.
واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثواباً ولا عقاباً، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث.
ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً ﴾ .
أَجمع أَهل التفسير والكلام على صرف الأَيام المعدودة المذكورة في هذه الآية إلى أَيام عبادة العجل.
وذلك لا معنى له؛ لوجهين: أحدهما: أَن هؤلاء لم يعبدوا العجل، وإنما عبد آباؤُهم؛ فلا معنى لصرف ذلك إلى هؤلاء.
والثاني: لو صرف ذلك إلى آبائهم الذين عبدوا العجل لم يحتمل أيضاً؛ لأَنهم قد تابوا ورجعوا عن ذلك؛ فلا معنى للتعذيب على عبادة العجل بعد التوبة والرجوع إلى عبادة الله؛ كقوله: ﴿ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، والله أعلم.
وتصرف الأَيام المعدودة إلى العمر الذي عَصَوْا فيه؛ لما لم يروا التعذيب إلا على قدر وقت العصيان والذنب، أَو لما لم يكونوا يروْن التخليد في النار أَبداً، أَو لما هم عند أنفسهم، كما أَخبر الله عنهم، بقوله: ﴿ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ ﴾ ، وكقولهم: ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ .
يقولون: إنا لا نُعذَّب أَبداً، إنما نعذَّب تعذيب الأَبِ ابنَه أَو الحبيبِ حبيبَه؛ يعذِّب في وقت قليل، ثم يرضى، ويدخل الجنة.
ولكن عقوبة الكفور أبداً، والتخليد فيها لا لوقت، وكذلك ثوابُ الإيمان للأَبد لا لوقت؛ لأَن من اعتقد ديناً إنما يعتقده للأَبد لا لوقت؛ فعلى ذلك جزاؤه للأَبد لا لوقت.
وأَما من ارتكب ذنباً من المسلمين؛ بشهوةٍ تغلبه في وقت، فيرتكبه، ثم يتركه - فإنما يعاقب إن عوقب على قدر ما ارتكب في وقتٍ؛ لأَنه لم يرتكبه للأَبد؛ لذلك افترقا، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ .
والعهد يحتمل: هل عندكم خبر عن الله بأَنكم لا تعذبون أَبداً، ولكن أَياماً معدودة؟
فإن كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده.
والثاني: أَتخذتم عند الله عهداً، أي لكم أعمال صالحة عند الله فودعكم بها الجنة، فهو لا يخلف وعده.
أَي: ليس لكم واحد من هذين، لا خبرٌ عن الله بأَنه لا يعذبكم، ولا أَعمال صالحة وعد لكم بها الجنة.
وقوله: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
هذا إكذابٌ من الله - عز وجل - إياهم بذلك القول، كأَنه قال: بل تقولون على الله ما لا تعلمون؛ أَلا ترى أَنه قال: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ ﴾ ؟!
يقول: ﴿ بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني: شركاً ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ ، أَي: مات عليها.
﴿ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.
وقيل: ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ ﴾ : بقلبه.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .
قد ذكرنا هذا فيما تقدم.
<div class="verse-tafsir"
ليس الأمر كما يتوهم هؤلاء؛ فإن الله يعذب كل من كسب سيئة الكفر، وأحاطت به ذنوبه من كل جانب؛ ويجازيهم بدخول النار وملازمتها، ماكثين فيها أبدًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.VLKy9"
هذا ضرب من ضروب غرورهم عطفه على ما قبله فقال ﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ قيل هي أربعون يومًا مدة عبادتهم العجل، والذي عليه أكثر اليهود أنها سبعة أيام لأن عمر الدنيا عندهم سبعة آلاف سنة فالإسرائيلي الذي لا تدركه الشفاعة يمكث في النار سبعة أيام عن كل ألف سنة يوم.
ومثل هذا الحكم لا يمكن القول به إلا بعهد من الله تعالى مالك يوم الدين والجزاء وإلا كان افتئاتًا عليه سبحانه وقولًا عليه بغير علم وهذا ما رد به عليهم ولله الحجة البالغة وأمر رسوله أن يخاطبهم به بقوله ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ﴾ أي هل عهد الله إليكم ذلك ووعد به فكان حقًا لكم عنده، لأن الله لا يخلف عهده؟
وقال ابن جرير وبعض المفسرين معناه هل اتخذتم عند الله عهدًا باتباع شريعته اعتقادًا أو ائتمارًا وانتهاء وتخلفًا فأنتم واثقون بعهد الله في كتابه لمن كان كذلك بالنجاة من النار ودخول الجنة ومغفرة ما عساه يفرط منه من السيئات أو العقوبة عليه مدة قصيرة؟؟
والاستفهام للإنكار أي لستم على عهد من الله تعالى ولذلك كذبهم بقوله ﴿ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾ أي أم تقولون على الله شيئا ليس لكم به علم، إذ العلم بمثله لا يكون إلا وحيًا منه يبلغه عنه رسله، والقول على الله بغير علم جرأة وافتيات عليه وكفر به.
والمعنى أنه لا بد من أحد الأمرين إذ لا واسطة بينهما: إما اتخاذ عهد عند الله، وإما القول على الله بغير علم، وإذا كان اتخاذ العهد لم يحصل تعين أنكم تكذبون على الله بجهلكم وغروركم، ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ الآية.
بلى مبطلة لدعواهم، وللسيئة هنا إطلاقها وخصها مفسرنا "الجلال" وبعض المفسرين بالشرك.
ولو صح هذا لما كان لقوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ معنى فإن الشرك أكبر السيئات وهو يستحق هذا الوعيد لذاته كيفما كان.
ومعنى إحاطة الخطيئة هو حصرها لصاحبها وأخذها بجوانب إحساسه ووجدانه كأنه محبوس فيها لا يجد لنفسه مخرجًا منها، يرى نفسه حرًا مطلقًا وهو أسير الشهوات، وسجين الموبقات، ورهين الظلمات؟
وإنما تكون الإحاطة بالاسترسال في الذنوب، والتمادي على الإصرار، قال تعالى ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ أي من الخطايا والسيئات ففي كلمة ﴿ يَكْسِبُونَ ﴾ معنى الاسترسال والاستمرار، وران عليه غطاه وستره أي أن قلوبهم قد أصبحت في غلف من ظلمات المعاصي حتى لم يبت منفذ للنور يدخل إليها منه.
ومن أحدث لكل سيئة يقع فيها توبة نصوحًا وإقلاعًا صحيحًا لا تحيط به الخطايا ولا ترين على قلبه السيئات.
ومن المفسرين من ترك السيئة في الآية على إطلاقها فلم يؤولها بالشرك ولكنهم أولوا جزاءها فقالوا إن المراد بالخلود طول مدة المكث لأن المؤمن لا يخلد في النار وإن استغرقت المعاصي عمره وأحاطت الخطايا بنفسه فانهمك فيها طول حياته.
أولوا هذا التأويل هروبًا من قول المعتزلة: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار، وتأييدًا لمذهبهم أنفسهم المخالف للمعتزلة، والقرآن فوق المذاهب يرشد إلى أن من تحيط به خطيئته لا يكون أو لا يبقى مؤمنًا.
<div class="verse-tafsir"