الآية ٨٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٦ من سورة البقرة

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

"أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة" أي : استحبوها على الآخرة واختاروها ( فلا يخفف عنهم العذاب ) أي : لا يفتر عنهم ساعة واحدة ( ولا هم ينصرون ) أي : وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ، ولا يجيرهم منه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه أولئك الذين أخبر عنهم أنهم يؤمنون ببعض الكتاب، فيفادون أسراهم من اليهود, ويكفرون ببعض, فيقتلون من حرم الله عليهم قتله من أهل ملتهم, ويخرجون من داره من حرم الله عليهم إخراجه من داره, نقضا لعهد الله وميثاقه في التوراة إليهم.

فأخبر جل ثناؤه أن هؤلاء [هم] الذين اشتروا رياسة الحياة الدنيا على الضعفاء وأهل الجهل والغباء من أهل ملتهم, (45) وابتاعوا المآكل الخسيسة الرديئة فيها بالإيمان، الذي كان يكون لهم به في الآخرة - لو كانوا أتوا به مكان الكفر - الخلود في الجنان.

وإنما وصفهم الله جل ثناؤه &; 2-317 &; بأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، لأنهم رضوا بالدنيا بكفرهم بالله فيها، عوضا من نعيم الآخرة الذي أعده الله للمؤمنين.

فجعل حظوظهم من نعيم الآخرة بكفرهم بالله، ثمنا لما ابتاعوه به من خسيس الدنيا، (46) كما:- 1482 - حدثنا بشر، حدثنا يزيد قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة)، استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.

(47) * * * قال أبو جعفر: ثم أخبر الله جل ثناؤه أنهم إذْ باعوا حظوظهم من نعيم الآخرة - بتركهم طاعته, وإيثارهم الكفر به والخسيس من الدنيا عليه - لا حظ لهم في نعيم الآخرة, وأن الذي لهم في الآخرة العذاب، غير مخفف عنهم فيها العذاب.

لأن الذي يخفف عنه فيها من العذاب، هو الذي له حظ في نعيمها, ولا حظ لهؤلاء، لاشترائهم - بالذي كان في الدنيا - دنياهم بآخرتهم.

(48) * * * وأما قوله: (ولا هم ينصرون) فإنه أخبر عنهم أنه لا ينصرهم في الآخرة أحد، فيدفع عنهم بنصرته عذاب الله - لا بقوته ولا بشفاعته ولا غيرهما.

-------------- الهوامش: (45) ما بين القوسين زيادة ، لا يستقيم الكلام بطرحها .

(46) انظر ما مضى 1 : 312 : - 315 في معنى"الاشتراء" .

(47) الأثر : 1482 - كان في المطبوعة : "حدثنا يزيد .

.

" بإسقاط : "حدثنا بشر قال" ، وهذا إسناده إلى قتادة ، كثير الدوران ، وأقربه فيما مضى رقم : 1475 .

(48) في المطبوعة : "لاشترائهم الذي كان في الدنيا ودنياهم بآخرتهم" ، وهو كلام سقيم ، ولعل الصواب ما أثبت .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ قال سيبويه : ضمت الواو في " اشتروا " فرقا بينها وبين الواو الأصلية , نحو : " وأن لو استقاموا على الطريقة " .[ الجن : 16 ] .وقال ابن كيسان : الضمة في الواو أخف من غيرها لأنها من جنسها .وقال الزجاج : حركت بالضم كما فعل في " نحن " .وقرأ ابن أبي إسحاق ويحيى بن يعمر بكسر الواو على أصل التقاء الساكنين .وروى أبو زيد الأنصاري عن قعنب أبي السمال العدوي أنه قرأ بفتح الواو لخفة الفتحة وإن كان ما قبلها مفتوحا .وأجاز الكسائي همز الواو وضمها كأدؤر .واشتروا : من الشراء .والشراء هنا مستعار .والمعنى استحبوا الكفر على الإيمان , كما قال : " فاستحبوا العمى على الهدى " [ فصلت : 17 ] فعبر عنه بالشراء ; لأن الشراء إنما يكون فيما يحبه مشتريه .فأما أن يكون معنى شراء المعاوضة فلا ; لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين فيبيعون إيمانهم .وقال ابن عباس : أخذوا الضلالة وتركوا الهدى .ومعناه استبدلوا واختاروا الكفر على الإيمان .وإنما أخرجه بلفظ الشراء توسعا ; لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال , والعرب تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئا بشيء .قال أبو ذؤيب : فإن تزعميني كنت أجهل فيكم فإني شريت الحلم بعدك بالجهل

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أخبر تعالى عن السبب الذي أوجب لهم الكفر ببعض الكتاب, والإيمان ببعضه فقال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ } توهموا أنهم إن لم يعينوا حلفاءهم حصل لهم عار, فاختاروا النار على العار، فلهذا قال: { فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ } بل هو باق على شدته, ولا يحصل لهم راحة بوقت من الأوقات، { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: يدفع عنهم مكروه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{أولئك الذين اشتروا} استبدلوا.

{الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف} يهون.

{عنهم العذاب ولا هم ينصرون} يمنعون من عذاب الله عز وجل .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة» بأن آثروها عليها «فلا يخفَّف عنهم العذاب ولا هم يُنصرون» يمنعون منه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك هم الذين آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، فلا يخفف عنهم العذاب، وليس لهم ناصر ينصرهم مِن عذاب الله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد - سبحانه - هذا الوعيد الشديد وبين علته فقال تعالى : ( أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) .والمعنى : أولئك اليهود الذين فرقوا أحكام الله ، وباعوا دينهم بدنياهم ، وآثروا متاع الدنيا على نعيم الآخرة قد استحقوا غضب الله فلا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة ، ولا يجدون من دون الله وليا ولا نصيرا .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد دمغت اليهود بنقضهم للعهد ، وإيمانهم ببعض الكتاب وكفرهم ببعض ، فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل أيهما شاء وأراد، فإذا اشتغل بتحصيل أحدهما فقد فوت الآخر على نفسه، فجعل الله ما أعرض اليهود عنه من الإيمان بما في كتبهم وما حصل في أيديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء، وذلك من الله تعالى في نهاية الذم لهم لأن المغبون في البيع والشراء في الدنيا مذموم حتى يوصف بأنه تغير في عقله فبأن يذم مشتري متاع الدنيا بالآخرة أولى.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلا يخفف عَنْهُمُ العذاب ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في دخول الفاء في قوله: ﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ ﴾ قولان، أحدهما: العطف على ﴿ اشتروا ﴾ والقول الآخر بمعنى جواب الأمر، كقولك أولئك الضلال انتبه فلا خير فيهم والأول أوجه لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار.

المسألة الثانية: بعضهم حمل التخفيف على أنه لا ينقطع بل يدوم، لأنه لو انقطع لكان قد خف، وحمله آخرون على شدته لا على دوامه والأولى أن يقال: إن العذاب قد يخف بالانقطاع وقد يخف بالقلة في كل وقت أو في بعض الأوقات، فإذا وصف تعالى عذابهم بأنه لا يخفف اقتضى ذلك نفي جميع ما ذكرناه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ ففيه وجهان: الأكثرون حملوه على نفي النصرة في الآخرة يعني أن أحداً لا يدفع هذا العذاب عنهم ولا هم ينصرون على من يريد عذابهم ومنهم من حمله على نفي النصرة في الدنيا، والأول أولى لأنه تعالى جعل ذلك جزاء على صنيعهم، ولذلك قال: ﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب ﴾ وهذه الصفة لا تليق إلا بالآخرة، لأن عذاب الدنيا وإن حصل فيصير كالحدود التي تقام على المقصر ولأن الكفار قد يصيرون غالبين للمؤمنين في بعض الأوقات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ لا يفعل ذلك بعضكم ببعض.

جعل غير الرجل نفسه.

إذا اتصل به أصلاً أو ديناً.

وقيل: إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه، لأنه يقتص منه.

﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ﴿ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ عليها كقولك: فلان مقرّ على نفسه بكذا شاهد عليها.

وقيل: وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم.

والمعنى ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرّين تنزيلاً، لتغير الصفة منزلة وتغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به.

وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ ﴾ بيان لقوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء ﴾ وقيل: (هؤلاء) موصول بمعنى الذي.

وقرئ: ﴿ تظَّاهرون ﴾ بحذف التاء وإدغامها.

وتتظاهرون بإثباتها وتظهرون بمعنى تتظهرون: أي تتعاونون عليهم.

وقرئ: ﴿ تفدوهم ﴾ ، ﴿ وتفادوهم ﴾ .

﴿ وأسرى ﴾ ، ﴿ وأسارى ﴾ ﴿ وَهُوَ ﴾ ضمير الشأن.

ويجوز أن يكون مبهماً تفسيره ﴿ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أنّ قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه.

فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم.

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا.

والخزي: قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير.

وقيل: الجزية.

وإنما ردّ من فعل منهم ذلك إلى أشدّ العذاب، لأن عصيانه أشدّ.

وقرئ: ﴿ يردّون ﴾ ، ﴿ ويعملون ﴾ بالياء والتاء ﴿ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ﴾ عذاب الدنيا بنقصان الجزية، ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم.

وكذلك عذاب الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ آثَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ.

﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ بِنَقْضِ الجِزْيَةِ في الدُّنْيا، والتَّعْذِيبِ في الآخِرَةِ.

﴿ وَلا هم يُنْصَرُونَ ﴾ بِدَفْعِهِما عَنْهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)

{أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة} اختاروها على الآخرة اختيار المشتري {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} ولا ينصرهم أحد بالدفع عنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ أيْ آثَرُوا الحَياةَ الدُّنْيا، واسْتَبْدَلُوها بِالآخِرَةِ، وأعْرَضُوا عَنْها مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن تَحْصِيلِها، ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ المَوْعُودُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ مُطْلَقُ العَذابِ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا.

﴿ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ بِدَفْعِ الخِزْيِ إلى آخِرِ الدُّنْيا، أوْ بِدَفْعِ الجِزْيَةِ في الدُّنْيا والتَّعْذِيبِ في العُقْبى، وعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في الأمْرَيْنِ يُسْتَفادُ نَفْيُ دَفْعِ العَذابِ مِن نَفْيِ تَخْفِيفِهِ بِأبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، ورَجَّحَهُ بَعْضُهم بِأنَّ المَقامَ عَلى الثّانِي يَسْتَدْعِي تَقْدِيمَ نَفْيِ الدَّفْعِ عَلى نَفْيِ التَّخْفِيفِ، وتَقْدِيمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ لِرِعايَةِ الفاصِلَةِ، والتَّقْوى لا لِلْحَصْرِ، إذْ لَيْسَ المَقامُ مَقامَهُ، ولِذا لَمْ يَقُلْ فَلا عَنْهم يُخَفَّفُ العَذابُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُوصَلَ المَوْصُولُ بِصِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ زَمانًا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ مُبْتَدَأً، والَّذِينَ خَبَرَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والفاءُ لِما أنَّ المَوْصُولَ إذا كانَتْ صِلَتُهُ فِعْلًا، كانَ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، وفِيهِ أنَّ مَعْنى الشَّرْطِيَّةِ لا يَسْرِي إلى المُبْتَدَإ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنْهُ، وجُوِّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ (أُولَئِكَ) مُبْتَدَأً، (والَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ ثانٍ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ الثّانِي، والمَجْمُوعُ خَبَرُ الأوَّلِ، ولا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، لِأنَّ الَّذِينَ هم أُولَئِكَ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، هَذا (ومِن بابِ الإشارَةِ) في هَذِهِ الآياتِ، ﴿ وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ﴾ بِمَيْلِكم إلى هَوى النَّفْسِ وطِباعِها ومُتارَكَتِكم حَياتَكُمُ الحَقِيقِيَّةَ لِأجْلِ تَحْصِيلِ لَذّاتِكُمُ الدَّنِيَّةِ ومَآرِبِكُمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، ولا تُخْرِجُونَ ذَواتَكم مِن مَقارِّكُمُ الرُّوحانِيَّةِ ورِياضَتِكُمُ القُدْسِيَّةِ، ﴿ ثُمَّ أقْرَرْتُمْ ﴾ بِقَبُولِكم لِذَلِكَ ﴿ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ عَلَيْهِ بِاسْتِعْداداتِكُمُ الأوَّلِيَّةِ، وعُقُولِكُمُ الفِطْرِيَّةِ، ﴿ ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ ﴾ السّاقِطُونَ عَنِ الفِطْرَةِ المُحْتَجِبُونَ عَنْ نُورِ الِاسْتِعْدادِ ﴿ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ ﴾ وتُهْلِكُونَها بِغَوايَتِكُمْ، ومُتابَعَتِكُمُ الهَوى، ﴿ وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ ﴾ مِن أوْطانِهِمُ القَدِيمَةِ بِإغْوائِهِمْ، وإضْلالِهِمْ، وتَحْرِيضِهِمْ عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي، تَتَعاوَنُونَ عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ الفَواحِشِ لِيَرَوْكم فَيَتَّبِعُوكم فِيها، وبِإلْزامِكم إيّاهم رَذائِلَ القُوَّتَيْنِ البَهِيمِيَّةِ والسَّبْعِيَّةِ، وتَحْرِيضِكم لَهم عَلَيْها، ﴿ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى ﴾ في قَيْدِ ما ارْتَكَبُوهُ ووَثاقِ شَيْنِ ما فَعَلُوهُ قَدْ أخَذَتْهُمُ النَّدامَةُ، وعَيَّرَتْهم عُقُولُهُمْ، وعُقُولُ أبْناءِ جِنْسِهِمْ بِما لَحِقَهم مِنَ العارِ والشَّنارِ، تُفادُوهم بِكَلِماتِ الحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ اللَّذّاتِ المُسْتَعْلِيَةَ هي العَقْلِيَّةُ، والرُّوحِيَّةُ، وأنَّ اتِّباعَ النَّفْسِ مَذْمُومٌ رَدِيءٌ، فَيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَتَخَلَّصُوا مِن هاتِيكَ القُيُودِ سُوَيْعَةً، أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ كِتابِ العَقْلِ والشَّرْعِ قَوْلًا وإقْرارًا، وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فِعْلًا وعَمَلًا، فَلا تَنْتَهُونَ عَمّا نَهاكم عَنْهُ، ﴿ فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ ﴾ إلّا ذِلَّةٌ وافْتِضاحٌ في الحَياةِ الدُّنْيا، ويَوْمَ مُفارَقَةِ الرُّوحِ البَدَنَ تُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ، وهو تَعْذِيبُهم بِالهَيْآتِ المُظْلِمَةِ الرّاسِخَةِ في نُفُوسِهِمْ، واحْتِراقِهِمْ بِنِيرانِها، ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ ﴾ عَنْ أفْعالِكُمْ، أحْصاها وضَبَطَها في أنْفُسِكُمْ، وكَتَبَها عَلَيْكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ، أي إقراركم لاَ تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ، أي بأن لا تسفكوا دماءكم، يعني لا يهرق بعضكم دماء بعض، وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي لا يخرج بعضكم بعضاً مِنْ دِيارِكُمْ.

فجملة ما أخذ عليهم من الميثاق أَلا يعبدوا إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، ويقولوا للناس حسناً، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ولا يسفكوا دماءهم، ولا يخرج بعضهم بعضاً من ديارهم وأن يفادوا أسراهم.

فذكر المفاداة بعد هذا حيث قال تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ على وجه التقديم والتأخير.

ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، يعني بني قريظة والنضير، يعني أقررتم بهذا كله، وأنتم تشهدون أن هذا في التوراة، فنقضوا العهد فعيّرهم الله تعالى بذلك حيث قال تعالى: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ، يعني يا هؤلاء ويقال معناه، ثم أنتم هؤلاء يا معشر اليهود تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضاً، وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ، أي بعضكم بعضاً، لأنه كان بين الأوس والخزرج عداوة وكان بنو النضير وقريظة: إحدى القبيلتين كانت معينة للأوس، والأخرى كانت معينة للخزرج، فإذا غلبت إحداهما على الأخرى كانت تقتلهم وتخرجهم من ديارهم.

وفي الآية دليل أن الإخراج من الدار ينزل منزلة القتل، لأن الله تعالى قرن الإخراج من الديار بالقتل حيث قال تعالى: تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ.

تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ، قرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد لأن أصله تتظاهرون، فأدغم إحدى التاءين في الظاء وأقيم التشديد مقامه، معناه: تتعاونون عليهم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ، يعني بالمعصية والظلم.

قال الزجاج: العدوان هو الإفراط في الظلم.

وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ، قرأ عاصم والكسائي ونافع أُسارى تُفادُوهُمْ كلاهما بالألف، وقرأ حمزة أسرى تفادوهم بغير ألف فيهما، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر أُسارى تُفادُوهُمْ الأول بالألف والثاني بغير ألف.

وهذا من الميثاق الذي أخذ عليهم بأن يفادوا الأسارى.

وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ هذا انصرف إلى ما سبق ذكره من الإخراج، فكأنه يقول: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن ديارهم وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ، يعني ذلك الإخراج كان محرماً، ثم بيَّن الإخراج مرة أخرى لتراخي الكلام، فقال وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ.

ثم قال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، لأنهم كانوا إذا أسروا من غيرهم قتلوا الأسرى ولا يفادوهم، وإن أسر منهم أحد يأخذوهم بالفداء، فهذا معنى قوله تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ.

فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، أي عقوبة مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ خِزْىٌ فِي الحياة الدنيا، وهو إخراج بني النضير إلى الشام وقتل بني قريظة، وقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم.

ثم أخبر بأن الذي أصابهم في الدنيا من الخزي والعقوبة لم يكن كفارة لذنوبهم ولكنهم: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ، أي في الآخرة إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ.

ويقال: الخزي في الدنيا الجزية.

وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، أي لا يخفى على الله تعالى من أعمالهم شيء، فيجازون بأعمالهم.

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، يعني اختاروا الدنيا على الآخرة فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ، أي ليس لهم مانع يمنعهم من عذاب الله تعالى في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)

وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ...

الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة- بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، في الآخرة، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

ص «١» : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: «اللام» في «لَقَدْ» : يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السّهيليّ.

ومَرْيَمَ: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علما عليها.

انتهى.

والْكِتابَ: التوراةُ.

وَقَفَّيْنا: مأخوذ من القَفَا تقول: قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى- عليهم السلام-.

والْبَيِّناتِ: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى.

وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك.

وَأَيَّدْناهُ: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة.

قال ابن عبَّاس: رُوح القدس: هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى «٢» ، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً «٣» ، وقال السُّدِّيُّ، والضّحّاك،

والربيع، وقتادة: بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريلُ- عليه السلام «١» - وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِحَسَّان: «اهج قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» «٢» ومرةً قال له: «وجبريل معك» ، وفَكُلَّما: ظرف والعامل فيه: اسْتَكْبَرْتُمْ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار.

والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس.

ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد.

وفَقَلِيلًا: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمّد صلّى الله عليه وسلم منْهُمْ ومَا في قوله: مَّا يُؤْمِنُونَ زائدةٌ موكّدة «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَظاهَرُونَ ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تُظاهِرُونَ) وفي (التَّحْرِيمِ) (تَظاهَرا) بِتَخْفِيفِ الظّاءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ الظّاءِ مَعَ إثْباتِ الألِفِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: مَن قَرَأ (تُظاهِرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظّاءِ؛ أدْغَمَ التّاءَ في الظّاءِ، لِمُقارَبَتِها لَها، فَخَفَّفَ بِالإدْغامِ.

ومَن قَرَأ (تُظاهِرُونَ) خَفِيفَةً؛ حَذَفَ التّاءَ الَّتِي أدْغَمَها أُولَئِكَ مِنَ اللَّفْظِ، فَخَفَّفَ بِالحَذْفِ.

والتّاءُ الَّتِي أدْغَمَها ابْنُ كَثِيرٍ هي الَّتِي حَذَفَها عاصِمٌ.

ورَوِيَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي جَعْفَرٍ (تَظَّهَرُونَ) بِتَشْدِيدِ الظّاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، فالتَّظاهُرُ: التَّعاوُنُ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وأصْلُهُ مِنَ الظَّهْرِ، فَكَأنَّ التَّظاهُرَ: أنْ يُجْعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الرَّجُلَيْنِ [أوْ مِنَ القَوْمِ ] الآَخَرِ ظَهْرًا لَهُ يَتَقَوّى بِهِ، ويَسْتَنِدُ إلَيْهِ.

قالَ مُقاتِلٌ: والإثْمُ: المَعْصِيَةُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ أصْلُ الأسْرِ: الشَّدُّ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ (أسارى) وقَرَأ الأعْمَشُ وحَمْزَةُ (أسْرى) قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَجْمَعُونَ الأسِيرَ "أسارى" وأهْلُ نَجْدٍ أكْثَرُ كَلامِهِمْ "أسْرى" وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: جَرِيحٌ وجَرْحى، وصَرِيعٌ وصَرْعى.

ورَوى الأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو قالَ: الأسارى: ما شُدُّوا، والأسْرى: في أيْدِيهِمْ، إلّا أنَّهم لَمْ يُشَدُّوا.

وقالَ الزَّجّاجُ: "فَعَلى" جَمْعٍ لِكُلِّ ما أُصِيبَ بِهِ النّاسُ في أبْدانِهِمْ وعُقُولِهِمْ.

يُقالُ: هالِكٌ وهَلْكى، ومَرِيضٌ ومَرْضى، وأحْمَقُ وَحَمْقى، وسَكْرانُ وسَكْرى، فَمَن قَرَأ: (أسارى)؛ فَهي جَمْعُ الجَمْعِ.

تَقُولُ: أسِيرٌ وأسْرى وأُسارى جَمْعُ أسْرى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تُفادُوهُمْ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وابْنُ عامِرٍ: (تَفْدُوهُمْ) وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ: (تُفادُوهُمْ) بِألِفٍ.

والمُفاداةُ: إعْطاءُ شَيْءٍ وأخْذُ شَيْءٍ مَكانَهُ.

﴿ أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ ﴾ وهُوَ: فِكاكُ الأسْرى.

﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ وهُوَ: الإخْراجُ والقَتْلُ.

وقالَ مُجاهِدٌ: تَفْدِيهِ في يَدِ غَيْرِكَ، وتَقْتُلُهُ أنْتَ بِيَدِكَ.

؟!

وَفِي المُرادِ بِالخِزْيِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الجِزْيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَتْلُ قُرَيْظَةَ ونَفْيُ النَّضِيرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ.

وقالَ مُقاتِلٌ: باعُوا الآَخِرَةَ بِما يُصِيبُونَهُ مِنَ الدُّنْيا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى  ﴾ ، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم.

و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

"وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا.

وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ  ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ  لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ.

و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ.

ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ.

والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ.

وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى.

هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ.

وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ  ؟

فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ.

و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ  ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الواو في قوله: ﴿ وإن يأتوكم أُسارى ﴾ يجوز أن تكون للعطف فهو عطف على قوله: ﴿ تقتلون أنفسكم وتخرجون ﴾ فهو من جملة ما وقع التوبيخ عليه مما نكث فيه العهد وهو وإن لم يتقدم في ذِكر ما أُخذ عليهم العهدُ مَا يدل عليه إلا أنه لما رجع إلى إخراج الناس من ديارهم كان في جملة المنهيات.

ولك أن تجعل الواو للحال من قوله: ﴿ وتخرجون فريقاً ﴾ أي تخرجونهم والحال إن أسرتموهم تفدونهم.

وكيفما قدرت فقوله: ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ جملة حالية من قوله: ﴿ يأتوكم ﴾ إما حال من معطوف وإما حال من حال إذ ليس فداء الأسير بمذموم لذاته ولكن ذمه باعتبار ما قارنه من سبب الفداء فحمل التوبيخ هو مجموع المفاداة مع كون الإخراج محرماً وبعد أن قتلوهم وأخرجوهم، فجملة ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ حالية من ضمير ﴿ تفادوهم ﴾ .

وصُدرت بضمير الشأن للاهتمام بها وإظهار أن هذا التحريم أمر مقرر مشهور لديهم وليست معطوفة على قوله: ﴿ وتخرجون فريقاً منكم ﴾ وما بينهما اعتراض لقلة جدواه إذ قد تحقق ذلك بقوله: ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وهو محرم عليكم إخراجهم ﴾ تشنيع وتبليد لهم إذ توهموا القُربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء؟.

وعندي أن في الآية دلالةً على ترجيح قول إمام الحرمين في أن الخارج من المغصوب ليس آتياً بواجب ولا بحرام ولكنه انقطع عنه تكليف النهي وأن القُربة لا تكون قربة إلا إذا كانت غير ناشئة عن معصية.

والأُسارى بضم الهمزة جمع أسير حَمْلاً له على كَسْلان كما حملوا كسلان على أسير فقالوا: كَسْلَى هذا مذهب سيبويه لأن قياس جمعه أَسرى كقتلى.

وقيل: هو جمع نادر وليس مبنياً على حمل، كما قالوا قدَامى جمع قديم.

وقيل: هو جمعُ جمععٍ فالأسير يجمع على أسرى ثم يجمع أسرى على أُسارى وهو أظهر.

والأسير فَعِيل بمعنى مفعول من أَسَرَه إذا أوثقه وهو فعل مشتق من الاسم الجامد فإن الإسَار هو السَّيْر من الجِلد الذي يوثق به المَسجون والمَوثوق وكانوا يُوثِقون المغولبين في الحرب بسيور من الجِلد، قال النابغة: لم يبقَ غيرُ طريدٍ غيرِ مُنْفَلِت *** أو موثَققٍ في حِباله القدِّ مسلوبِ وقرأ الجمهور (أُسارى)، وقرأه حمزة (أَسْرَى).

وقرأ نافع والكسائي وعاصم ويعقوب ﴿ تفادوهم ﴾ بصيغة المفاعلة المستعملة في المبالغة في الفداء أي تفدوهم فداء حريصاً، فاستعمال فادى هنا مسلوب المفاضلة مثل عافاه الله وقول امرئ القيس: فعادَى عداء بين ثور ونعجة *** دراكاً فلم ينضح بماء فيغسل وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر وخلف ﴿ تفدوهم ﴾ بفتح الفوقية وإسكان الفاء دون ألف بعد الفاء.

والمحرم الممنوع ومادة حرم في كلام العرب للمنع، والحرام الممنوع منعاً شديداً أو الممنوع منعاً من قبل الدين، ولذلك قالوا: الأشهر الحرم وشهر المحرم.

وقوله: ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ استفهام إنكاري توبيخي أي كيف تعمدتم مخالفة التوراة في قتال إخوانكم واتبعتموها في فداء أسراهم، وسمي الاتباع والإعراض إيماناً وكفراً على طريقة الاستعارة لتشويه المشبه وللإنذار بأن تعمد المخالفة للكتاب قد تفضي بصاحبها إلى الكفر به، وإنما وقع ﴿ تؤمنون ﴾ في حيز الإنكار تنبيهاً على أن الجمع بين الأمرين عجيب وهو مؤذن بأنهم كادوا أن يجحدوا تحريم إخراجهم أو لعلهم جحدوا ذلك وجحد ما هو قطعي من الدين مروق من الدين.

والفاء عاطفة على ﴿ تقتلون أنفسكم ﴾ ، وما عطف عليه، عطفت الاستفهام أو عطفت مقدراً دل عليه الاستفهام وسيأتي تحقيق ذلك قريباً عند قوله ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ [البقرة: 87].

والفاء في قوله: ﴿ فما جزاء من يفعل ذلك منكم ﴾ فصيحة عاطفة على محذوف دل عليه الاستفهام الإنكاري أو عاطفة على نفس الاستفهام لما فيه من التوبيخ.

وقال عبد الحكيم: إن الجملة معترضة والاعتراض بالفاء وهذا بعيد معنى ولفظاً، وأما الأول فلأن الاعتراض في آخر الكلام المعبر عنه بالتذييل لا يكون إلا مفيداً لحاصل ما تقدم وغير مفيد حكماً جديداً وأما الثاني فلأن اقتران الجملة المعترضة بحرف غير الواو غير معروف في كلامهم.

والخزي بالكسر ذل في النفس طارئ عليها فجأة لإهانة لحقتها أو معرة صدرت منها أو حيلة وغلبة تمشت عليها وهواسم لما يحصل من ذلك وفعله من باب سمع فمصدره بفتح الخاء، والمراد بالخزي ما لحق باليهود بعدتلك الحروب من المذلة بإجلاء النضير عن ديارهم وقتل قريظة وفتح خيبر وما قدر لهم من الذل بين الأمم.

وقرأ الجمهور (يُردون) و(يعملون) بياء الغيبة، وقرأ عاصم في رواية عنه (تردون) بتاء الخطاب نظراً إلى معنى (من) وإلى قوله (منكم)، وقرأ نافع وابن كثير ويعقوب: (يعملون) بياء الغيبة وقرأه الجمهور بتاء الخطاب.

وقد دلت هذه الآية على أن الله يعاقب الحائدين عن الطريق بعقوبات في الدنيا وعقوبات في الآخرة.

وقد وقع اسم الإشارة وهو قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا ﴾ موقع نظيره في قوله: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].

والقول في ﴿ اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ كالقول في: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي ﴾ [البقرة: 16].

والقول في ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ﴾ قريب من القول في ﴿ ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون ﴾ .

وموقع الفاء في قوله: ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ هو الترتب لأن المجرم بمثل هذا الجرم العظيم يناسبه العذاب العظيم ولا يجد نصيراً يدفع عنه أو يخفف.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ ﴾ أمّا النَّفْسُ فَمَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّفاسَةِ، وهي الجَلالَةُ، فَنَفْسُ الإنْسانِ أنْفُسُ ما فِيهِ، وأمّا الدِّيارُ فالمَنزِلُ الَّذِي فِيهِ أبْنِيَةُ المُقامِ، بِخِلافِ مَنزِلِ الِارْتِحالِ، وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ مَوْضِعٍ حَلَّهُ قَوْمٌ، فَهو دارٌ لَهُمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أبْنِيَةٌ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَسْفِكُ أحَدٌ دَمَهُ، ويُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن دارِهِ؟

فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولا يُخْرِجُهُ مِن دارِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ القِصاصُ الَّذِي يُقْتَصُّ مِنهم بِمَن قَتَلُوهُ.

وَفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ: أنَّ قَوْلَهُ (أنْفُسَكُمْ) أيْ إخْوانَكم فَهو كَنَفْسٍ واحِدَةٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ﴾ يَعْنِي تَتَعاوَنُونَ، والإثْمُ هو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الذَّمَّ، وفي العُدْوانِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مُجاوَزَةُ الحَقِّ.

والثّانِي: أنَّهُ في الإفْراطِ في الظُّلْمِ.

﴿ وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( أسْرى ) وفي الفَرْقِ بَيْنَ أسْرى وأُسارى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ أسْرى جَمْعُ أسِيرٍ، وأُسارى جَمْعُ أسْرى.

والثّانِي: أنَّ الأسْرى الَّذِينَ في اليَدِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في وثاقٍ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، والأُسارى: الَّذِينَ في وثاقٍ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد عن عاصم.

أنه قرأ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بنصب التاء وكسر الفاء ورفع الكاف.

وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن مصرف أنه قرأها ﴿ تسفكون ﴾ برفع الفاء.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ﴾ يقول: لا يقتل بعضكم بعضاً ﴿ ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ﴾ يقول: لا يخرج بعضكم بعضاً من الديار، ثم أقررتم بهذا الميثاق وأنتم تشهدون.

يقول: وأنتم شهود.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ إن هذا حق من ميثاقي عليكم ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ أي أهل الشرك ختى تسفكوا دماءكم معهم ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ قال: تخرجونهم من ديارهم معهم ﴿ تظاهرون عليهم بالإِثم والعدوان ﴾ فكانوا إذا كان بين الأوس والخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج، وخرجت النضير وقريظة مع الأوس، وظاهر كل واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه حتى تسافكوا دماءهم، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أسراهم تصديقاً لما في التوراة ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ وقد عرفتم أن ذلك عليكم في دينكم ﴿ وهو محرم عليكم ﴾ في كتابكم ﴿ إخراجهم ﴾ ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ﴾ أتفادونهم مؤمنين بذلك وتخرجونهم كفراً بذلك.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية.

أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه العرب، ولا يفادي من وقع عليه العرب، فقال له عبد الله بن سلام: أما أنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن.

وأخرج سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي أنه قرأ ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفدوهم ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنه قرأ ﴿ أسارى تفادوهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا ﴿ وإن يؤخذوا تفدوهم ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: يكون أول الآية عاماً وآخرها خاصاً، وقرأ هذه الآية ﴿ ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ قال: استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ الآية.

أي: استبدلوا قليل الدنيا بكثير الاخرة (١) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا يُخَفَّفُ عَنهُمُ العَذَابُ ﴾ أي: لا ينقص، والخِفّة: نُقْصَان الوَزْن.

ودخلت الفاء في قوله: ﴿ فَلَا يُخَفَفُ عَنهُمُ العَذَابُ ﴾ للعطف على (اشتروا) فيكون من صلة الذين.

(١) ينظر: الطبري في "تفسيره" 2/ 316 - 317، "زاد المسير" 1/ 98.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ بأخذ الميثاق عليكم ﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالاً لازمة تم بها المعنى ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من موضعه إذا ظفر به ﴿ تظاهرون ﴾ أي تتعاونون ﴿ تفادوهم ﴾ قرئ بالألف وحذفها والمعنى واحد.

وكذلك أسارى بالألف وحذفها جمع أسير ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرم و ﴿ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم خبره، والجملة خبر الضمير ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم ﴿ خِزْيٌ ﴾ الجزية أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ﴾ أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول ﴿ البينات ﴾ المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ جبريل، وقيل؛ الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، والأول أرجح لقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ [النحل: 102] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس ﴿ أَتَقْتُلُونَ ﴾ جاء مضارعاً مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف: أي عليه غلاف، وهو الغشاء فلا تَفْقَه ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله ﴾ رداً عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم ﴿ فَقَلِيلاً ﴾ أي إيماناً قليلاً ﴿ مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم على أصلها؛ لأن من دخل منهم بالإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ لا يعبدون ﴾ بالياء للغيبة.

ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل ﴿ القربى ﴾ بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن "فعلى" ﴿ حسنا ﴾ وصفاً: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل ﴿ تظاهرون ﴾ خفيفاً: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء ﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ أبو عمرو وخلف.

﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفدوهم ﴾ ابن كثير وابن عامر ﴿ أسرى ﴾ بالإمالة ﴿ تفدوهم ﴾ حمزة.

﴿ أسارى ﴾ بالإمالة ﴿ تفادوهم ﴾ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون ﴿ أسارى ﴾ مفخماً ﴿ تفادوهم ﴾ ﴿ تردون ﴾ بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل ﴿ يعلمون ﴾ بياء الغيبة: ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليباً للمخاطبين على الغيب.

الوقوف: ﴿ الزكاة ﴾ لأن "ثم" لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم و ﴿ معرضون ﴾ و ﴿ تشهدون ﴾ (ه) ﴿ من ديارهم ﴾ (ز) لأن ﴿ تظاهرون ﴾ يشبه استئنافاً، وكونه حالاً أوجه و ﴿ العدوان ﴾ (ط) ﴿ إخراجهم ﴾ (ط) ﴿ ببعض ﴾ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب ﴿ الدنيا ﴾ (ط) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ العذاب ﴾ (ط) ﴿ يعملون ﴾ (ه) ﴿ الآخرة ﴾ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: إنه  كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال: أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك "تذهب إلى فلان" تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه.

ويؤيد هذا القول عطف ﴿ وقولوا ﴾ ﴿ وأقيموا ﴾ عليه.

وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت "أن" رفعت كقوله "ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى" ويحتمل أن تكون "أن" مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلاً من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم.

وثالثها: هو جواب قوله ﴿ أخذنا ميثاق بني إسرائيل ﴾ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون.

وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته  وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضاً بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها إلا بالوحي والرسالة.

التكليف الثاني: قوله: ﴿ وبالوالدين إحساناً ﴾ معناه يحسنون بالوالدين إحساناً ليناسب ﴿ لا تعبدون ﴾ أو أحسنوا ليناسب ﴿ وقولوا ﴾ ويمكن أن يقدر "وصيناهم" عطفاً على ﴿ أخذنا ﴾ وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل ﴿ لا تعبدوا ﴾ وإما قبل ﴿ أحسنوا ﴾ وإما قبل ﴿ قولوا ﴾ وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تالياً لعبادة الله لوجوه منها: أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله  أعظم من إنعام الوالدين.

ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثواباً ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً  ﴾ .

ومنها أنه  لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بارٍ بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله  يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.

ومنها أن المناسبة والميل والحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وههنا أسرار فليتأمل.

ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله  لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيراً منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيراً منه.

وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول، وقد ورد "أطع الوالدين وإن كانا كافرين" وعن النبي  أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركاً، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقاً.

وقد تلطف إبراهيم  في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله ﴿ يا أبت، يا أبت ﴾ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولاً وفعلاً، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله  إلى جميع ما ذكرنا في قوله ﴿ فلا تقل لهما أف  ﴾ إلى آخر الآية.

التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم عن رسول الله  "الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قعطعته" والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين قال الشافعي: لو أصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب.

وههنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به.

وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف.

قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال.

وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع لقوله  "سعد خالي فليرني امرؤ خاله" والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفاً وشرعاً، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.

التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة.

قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم.

واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع "يتيم" على "يتامى" لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط.

فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.

وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو "صاحب" و "فارس" فقيل "يتائم" ثم "يتامى" على القلب وكذا في اليتيمة.

التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير الدائم السكر وهو أسوأ حالاً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله  ﴿ أو مسكيناً ذا متربة  ﴾ وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا: اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله  ﴿ أما السفينة فكانت لمساكين  ﴾ ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس.

والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايراً للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.

التكليف السادس: ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ بالوصف أي قولاً حسناً.

وحسناً على المصدر أي قولاً ذا حسن، أو قولاً هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسناً.

والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة.

قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسناً بدليل آية القتال ﴿ أشداء على الكفار رحماء بينهم  ﴾ وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسناً في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف.

وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى ﴿ فقولا له قولاً ليناً  ﴾ وقال لمحمد  ﴿ ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك  ﴾ وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضاً معتبر ﴿ أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة  ﴾ ﴿ ادفع بالتي هي أحسن  ﴾ وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.

وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.

التكليف السابع والثامن: قوله ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وقد تقدم تفسيرهما.

ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضاً واجبة في شرعنا.

وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق.

وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة.

واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص.

فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقاداً مطيعاً مؤتمراً لأمر الله  ، بحيث لا يرى لنفسه شيئاً من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ لا تعبدون إلا الله ﴾ .

والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة.

والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك.

والمالي العام لكونه منوطاً بالقدرة.

والإمكان سببه إما نسب أولاً، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق.

فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد.

وذلك إذا كان الولي جداً أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره.

وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم" فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضاً بهذا الاعتبار، وحين هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله ﴿ ولا تشركوا به شيئاً  ﴾ وأكد الإحسان إلى ذي القربى.

وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله ﴿ وقولوا للناس حسناً ﴾ .

قوله  ﴿ ثم توليتم ﴾ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل: إنه خطاب لمن كان في عصر النبي  من اليهود، كأنه  بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد  وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلاً منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون.

الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم.

وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين.

وأما قوله  ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي  .

وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم.

وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف.

وفي قوله ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟

والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلاً أو ديناً، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم.

﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم.

والمراد إخراج بعضهم بعضاً من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك.

وإعراب ﴿ لا تسفكون ﴾ و ﴿ لا تخرجون ﴾ على قياس ما تقرر في ﴿ لا تعبدون ﴾ ﴿ ثم أقررتم وأنتم تشهدون ﴾ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك "فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها" أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعاً فيما بينهم مشهوراً، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق.

﴿ ثم أنتم ﴾ معنى "ثم" الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والاجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.

"وأنتم" مبتدأ و "هؤلاء" خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلاً لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و "تقتلون" بيان "لأنتم هؤلاء" وقيل "هؤلاء" موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول.

والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضاً مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن  أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة.

ولا يشكل هذا بتمكين الله  الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه  لا يسأل عما يفعل.

أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى.

وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع "إسران" كعجالى وعجلان.

وقوله ﴿ تفادوهم ﴾ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم و ﴿ هو ﴾ ضمير الشأن و ﴿ إخراجهم ﴾ مبتدأ و ﴿ محرم ﴾ خبره والجملة خبر الضمير.

ويجوز أن يكون ﴿ هو ﴾ مبتدأ مبهماً و ﴿ محرم ﴾ خبره و ﴿ إخراجهم ﴾ تفسيره، ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ أي بالفداء ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ أي بالقتال والإجلاء.

وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟

فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله  على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفراً، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد  والحجة في أمرهما على سواء، يجرون مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء.

الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزياً أي ذل وهان، وخزي أيضاً يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان.

فإذا قيل: أخزاه الله.

فالمراد أهانه أو أوقعه موقعاً يستحيي منه وتنكير "خزي" يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغاً لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.

وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله  منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل: عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون إلى أشد العذاب؟

قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقاً.

وفي قوله: ﴿ وما الله بغافل ﴾ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة.

﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ استبدلوها بها ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ﴾ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة ﴿ ولا هم ينصرون ﴾ بدفع هذا العذاب عنهم.

وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.

التأويل: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم ﴾ في عهد ﴿ ألست بربكم ﴾ ﴿ لا تسفكون دماءكم ﴾ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل: إلــــى حتفــــي مشــــى قــــدمــــي *** أرى قـــدمــــي أراق دمـــــــــي ﴿ ولا تخرجون أنفسكم ﴾ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة ﴿ وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم ﴾ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضاً على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس ﴿ وإن يأتوكم أسارى تفادوهم ﴾ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجود فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ وهو ما سمعتم في أول الخطاب ﴿ ألست بربكم ﴾ فقلتم بلى ﴿ وتكفرون ببعض ﴾ وهو الذي عاهدتم عليه ألا تعبدوا غير الله من الشيطان والنفس والهوى الله حسبي.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ ﴾ .

قد ذكرنا عهد الله وميثاقه أَنه يكون على وجهين: عهد خِلْقةٍ وفطرة، وعهد رسالة ونبوة.

وقوله: ﴿ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: لا تجعلون الألوهيةَ إِلا لله.

ويحتمل: نفس العبادة، أَي: لا تعبدون غير الله، من الأَصنام والأَوثان وغيرهما.

وقوله: ﴿ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ ﴾ .

بِرّاً بهما، وعَطفاً عليهما، وإِلطافاً لهما، وخفْضَ الجناح، ولينَ القول لهما؛ كقوله: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 23-24]، وكقوله: ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً  ﴾ .

فإن قيل: إِن الأَمر بالإِحسان فيما بين الخلق يخرج مخرج الإفضال والتبرع، لا على الوجوب، واللزوم.

غير أَن الإحسان يجوز أن يكون الفعلَ الحسن نفسَه؛ كقوله: ﴿ إِنَّ رَحْمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ استوجبوا هذا بالفعل الحسن، لا بالإحسان إلى الله  ، وفعلُ الحسن فرضٌ واجبٌ على كل أَحد.

والثاني: أَن الإحسان إِليهم يجوز أَن يكون من حق الله عليهم، وحقُّ الله عليهم لازم، وعلى ذلك صلةُ القرابةِ والمحارِم، والإِنفاقُ عليهم من حق الله عليهم، وهو لازم.

فهذا ينقض على الشافعي قولَه: إنه لا يوجب النفقة إلا على الوالدين، ولا يتكلم في الآباء والأُمهات بالقرابة، ولا سموا بهذا الاسم؛ فدل: أَنه أَراد به غير الوالدين، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ ﴾ .

يحتمل: على النفْل من الصدقة والفرض جميعاً.

وقوله: ﴿ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾ .

يحتمل: وجوهاً: يحتمل: لا تكتموا صفة محمد  ونعته ولكن أَظهروها.

ويحتمل: الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.

ويحتمل: المراد به الكلُّ، كل شيءٍ وكل قول؛ أَي: لا تقولوا إلا حسناً.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ ﴾ .

يحتمل: الإقرار بها، والقبول لها.

ويحتمل: إِقامتها في مواقيتها، بتمام ركوعها وسجودها وخشوعها.

ويحتمل: أن يكونوا في حالٍ تكون لكم الصلاة والتزكية.

وقوله: ﴿ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

يحتمل الوجوه التي ذكرناها في الصلاة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ ﴾ .

الآية ظاهرة.

وقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ ﴾ .

قد ذكرنا الميثاق والعهد في غير موضع.

وقوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل وجهين: أي: لا تسفكون دماءَ غيركم، فيسفك دماءَكم؛ فتصيرون كأَنكم سفكتم دماءَكم.

ويحتمل: لا يسفك بعضُكم دماءَ بعض؛ كقوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، أي: يسلم بعضكم على بعض.

وذكر نقض العهد في هؤلاءِ وإن كان في أَوائلهم؛ لوجهين: أَحدهما: لما رضي هؤلاء بفعل آبائهم.

والثاني: بقولهم: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ...

﴾ الآية [الزخرف: 22-23].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ﴾ .

يحتمل: أيضاً وجهين: يحتمل: ولا يُخرج بعضُكم بعضاً.

ويحتمل: لا تخرجوا غيركم من ديارهم، فتخرجون من دياركم؛ على ما ذكرنا في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ .

يحتمل: ثم أقررتم وأَنتم تشهدون بالعهد والميثاق، وتشهدون أَنه في التوراة.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

يعني: يا هؤلاء.

وقوله: ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ ﴾ .

يحتمل وجهين اللذَين ذكرتهما في قوله: ﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِٱلإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ ﴾ .

أي: تَعَاوَنُون عليهم، يُعاون بعضكم بعضاً بالإخراج، وهو الظلم والعدوان.

وقوله: ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ .

أي: ذلك الإخراج محرم عليكم.

وقوله: ﴿ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَىٰ تُفَادُوهُمْ...

﴾ .

الآيةُ - وإن كانت مؤخرة في الذكر - فهي مقدمة؛ كأَنه قال: لا تسفكون دماءَكم ولا تخرجون أَنفسكم، وإن يأْتوكم أسارى تفادوهم.

وقوله: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ .

آمنوا بالمفَاداة من الأَسارى، وكفروا بالإِخراج وسفك الدماءِ.

ويحتمل: الإيمان ببعض ما في التوراة، وكفورا ببعضها، وهو نَعْت محمد  وصفته؛ إذ لم يكن على موافقة مُرادهم.

ويحتمل: أَن فادوا أَسراهم من غيرهم، وسَبَوْا ذَرَاري غيرهم.

وقوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ ٱلّعَذَابِ ﴾ .

قيل: الخزي في الدنيا إِجلاءُ بني النضير من ديارهم، وإخراجهم إلى الشام.

وقيل: مقاتلةُ بني قريظةَ، وسبيُ ذراريهم، وذلك لحربٍ وقع بينهم، والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذٰلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا ﴾ .

ولكن لا يعاقبون في الدنيا، بل يردون إلى أشد العذاب في الآخرة، وإن استوجبوا ذلك في الدنيا؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ...

﴾ الآية: [إبراهيم: 42].

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

وعيدٌ.

قد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ .

يحتمل: أنهم كانوا آمنوا بمحمد  قبل خروجه وبعثه، فلما بعث على خلاف مرادهم كفروا به، فذلك اشتراء الحياة الدنيا بالآخرة.

ويحتمل: ابتداء اختيار الضلال على الهدى، والحياة الدنيا على الآخرة، من غير أَن آمنوا به، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك الذين استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، إيثارًا للفاني على الباقي، فلا يُخَفف عنهم العذاب في الآخرة، وليس لهم ناصر ينصرهم يومئذ.

<div class="verse-tafsir" id="91.8mXoV"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان التذكير في الآية السابقة بأهم المأمورات التي أخذ الله تعالى الميثاق على بني إسرائيل بها بعد توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة وبيان أنهم نقضوا ميثاق الله تعالى ولم يأتمروا بها، وفي هاتين الآيتين التذكير بأهم المنهيات التي أخذ الله تعالى الميثاق عليهم باجتنابها، وبيان أنهم نقضوا ميثاقه ولم ينتهوا عنها، وقد قال هناك ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ  ﴾ أي الذين نزلت عليهم التوراة، ثم التفت إلى خطاب الحاضرين في زمن التنزيل فقال ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ  ﴾ ، وقال هنا ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُم  ﴾ تماديًا في سياق الالتفات وتذكيرًا بوحدة الأمة واعتبارها كالشخص الواحد يصيب الخلف أثر ما كان عليه السلف من خير وشر ما استنوا بسنتهم، وجروا على طريقتهم، كما تؤثر أعمال الشخص السابقة في قواه النفسية وطبع ملكاته بعد انحلال مادة تلك الأعضاء التي ابتدأت العمل وحلول مواد أخرى في محلها تتمرن على مثل ذلك العمل، فما يفعله الشخص في صغره، يبقى أثره في قواه في كبره، فكذلك الأمم.

وقد أورد النهي عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة وتحدث في النفس أثرًا شريفا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر، ووجدان يتأثر، فقال ﴿ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ  ﴾ فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده.

وقال ﴿ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ  ﴾ على هذا النسق.

وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن.

فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل، ولكن العبارة عنها عندهم لا تطاول هذه العبارة التي تدهش صاحب الذوق السليم، والوجدان الرقيق، فهذا إرشاد حكيم طلع من ثنايا الأحكام يهدي إلى أسرارها، ويومئ إلى مشرق أنوارها، من تدبره علم أنه لا قوام للأمم إلا بالتحقق بما تضمنه هذه الحكم، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم، لا فرق في الاحترام بين الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجري في عروقه، وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه الذين وحدت بينه وبينهم الشريعة العادلة والمصالح العامة، هذا هو الوجه الوجيه في الآية.

وقيل معناها لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل والإخراج من الديار.

ويقال في قوله ﴿ لا تَسْفِكُونَ  ﴾ كما قيل قبله في قوله ﴿ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ  ﴾ من تضمن صيغة الخبر للتأكيد.

وقوله تعالى ﴿ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ  ﴾ فيه وجهان: (أحدهما): أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى  .

و(ثانيهما): أن المراد الحاضرون أنفسهم، أي أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم، ولا تنكرونه بألسنتكم، بل تشهدون به و تعلنونه، فالحجة ناهضة عليكم به.

ثم بعد بيان هذا الميثاق وتسجيله عليهم بأنهم يعرفونه لا ينكرون منه شيئًا ذكر نقضهم إياه فقال ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ  ﴾ الحاضرون الشاهدون المشاهدون ﴿ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ  ﴾ أي يقتل بعضكم بعضًا كما كان يفعل من قبلكم مع اعترافكم بأن الميثاق مأخوذ عليكم كما كان مأخوذًا عليهم: كان بنو قينقاع من اليهود أعداء بني قريظة، إخوانهم في الدين، وكان الأولون حلفاء الأوس، والآخرون منع بني النضير حلفاء الخزرج ثم افترقوا فبقي بنو النضير مع الخزرج وحالف بنو قريظة الأوس، وكان الأوس والخزرج قبل الإسلام أعداء، وكانوا يقتتلون ومع كل حلفاؤه، فهذا ما احتج الله تعالى على بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم في عصر التنزيل.

ويتبع هذا القتال الأسر، ومن لوازمه الإخراج من الديار ولذلك قال ﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ  ﴾ والتظاهر التعاون وتظاهرون أصله تتظاهرون كما قرأ الجمهور، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التائين للتخفيف وهو مقيس مشهور.

كان كل فريق من اليهود يظاهر حلفاءه من العرب ويعاونهم على إخوانه من اليهود بالإثم كالقتل والسلب، وبالعدوان كالإخراج من الديار.

ومن مثارات العجب أنهم كانوا إذا اتفقوا على فداء الأسرى يفدي كل فريق من اليهود أسرى أبناء جنسه وإن كانوا من أعدائه ويعتذرون عن هذا بأنهم مأمورون في الكتاب بفداء أسرى شعب إسرائيل.

فإن كانوا مستمسكين بالكتاب فلم قاتلوا شعب إسرائيل وأخرجوهم من ديارهم وهم منهيون عن ذلك في الكتاب؟

هذا لعب بالكتاب واستهزاء بالدين ولذلك قال تعالى ﴿ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ  ﴾ بعد أن كنتم أسرتموهم وأخرجتموهم بالتظاهر عليهم مع العرب ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ  ﴾ بميثاق أغلظ من طلب مفاداتهم ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ  ﴾ وهو فداء الأسرى ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ  ﴾ آخر منه وهو النهي عن القتل والإخراج؟

أليس من الحماقة والهزء والسخرية أن يدعي مدع مثل هذا الإيمان بأهون الأمور مع الكفر بأعظمها؟

والإيمان لا يتجزأ فالكفر بالبعض كالكفر بالكل.

وفي التعبير عن المخالفة والمعصية بالكفر دليل على ما سبق بيانه في معنى قوله تعالى ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ  ﴾ فالقرآن يصرح هنا وفي آيات كثيرة بأن من يقدم على الذنب لا تضطرب نفسه قبل إصابته، ولا يتألم ويندم بعد وقوعه فيرجع إلى الله تعالى تائبًا، بل يسترسل فيه بلا مبالاة بنهي الله تعالى عنه وتحريمه له، فهو كافر به، لأن المؤمن بان هذا شيء حرمه الله تعالى، المصدق بأنه من أسباب سخطه وموجبات عقوبته، لا يمكن أن لا يكون لإيمان قلبه أثر في نفسه، فإن من الضروريات أن لكل اعتقاد أثرًا في النفس، ولكل أثر في النفس تأثيرًا في الأعمال.

وهذا هو الوجه في الأحاديث الصحيحة الناطقة بأنه "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن".

سمى الله الذنب ههنا كفرًا لما تقدم وتوعد عليه بوعيد الكفر فقال ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا  ﴾ إلخ أوعدهم الله تعالى كما أوعد من قبلهم ومن بعدهم بأنهم يعاقبون على نقض ميثاق الدين الذي يجمعهم، والشريعة التي هي مناط وحدتهم، ورباط جنسيتهم، بالخزي العاجل، والعذاب الآجل، وقد دل المعقول، وشهد الوجود، بأنه ما من أمة فسقت عن أمر ربها، واعتدت حدود شريعتها، إلا وانتكث فتلها، وتفرق شملها، ونزل بها الذل والهوان، وهو الخزي المراد في القرآن، وهذه هي سنة الخليقة ذكرها ليعتبر بها من صرفته الغفلة عنها.

وأما العذاب الأجل الذي عبر عنه بقوله ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ َ  ﴾ فهو على كونه من عالم الغيب معقول المعنى، وهاد إلى حكمة عليا، ذلك أن النفوس البشرية إذا سحل مريرها، واختلت بفساد الأخلاق أمورها، وكثرت في هذا العالم شرورها، حتى سلبت ما أعده الله تعالى لمن حافظوا على الحقيقة، واستقاموا على الطريقة، تكون جديرة بأن تسلب في الآخرة ما أعده الله تعالى للأرواح العالية، وما وعد به أصحاب النفوس الزاكية، فإن سعادة الدار الدنيا لم تكن أجرًا على أعمال بدنية، لا تتعلق بصلاح النفس في خلق ولا نية، وإنما هي ثمرة تزكية النفس، التي يتوسل إليها بعمل الحس، فلذا كان هذا شأن سعادة الدنيا فكيف يكون نعيم الآخرة جزاء حركات جسدية، وهي الدار التي تغلب فيها الروحانية ؟؟؟

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا  قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا  وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا  ﴾ .

ثم أكد الله تعالى ذلك الوعيد الشديد وبين سببه بقوله ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ  ﴾ أي جعلوا حظوظهم من الحياة الدنيا بدلًا من الآخرة بما فرطوا في جنب الله وأهملوا من شريعته حتى لم يتبعوا منها إلا ما يوافق أهواءهم ولا يعارض شهواتهم كالحمية التي حملت كل حليف على الانتصار لمحالفه المشرك ومظاهرته إياه على قومه الذين تجمعه بهم رابطة الدين والنسب ﴿ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ  ﴾ لأن علته ذاتية فيهم وهي ظلمة أرواحهم وفساد أخلاقهم ﴿ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ  ﴾ بشفاعة شافع أو ولاية ولي من دون الله ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ  ﴾ ؟

وأنى يأذن بالشفاعة لمن سجلت عليهم الشقاء أعمالهم بإحاطة الخطايا بهم من كل جانب، حتى أخذت عليهم طريق الرحمة، وقطعت عليهم باختيارهم سبيل الرضوان الإلهي؟

فمن الجهل إهمالهم الأمر والنهي، ونقضهم ميثاق الله تعالى في أهم ما واثقهم به، واعتمادهم مع هذا كله على الشفعاء ﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ  ﴾ .

ومن مباحث الألفاظ في قوله ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ أن الضمير للشأن عند المفسر والجماهير.

وإن المعهود في كلام العرب أن الجملة التي تقضي الحال فيها بتقدم الاسم وتأخر الفعل أو ما يشتق منه لا بد أن تصدر بضمير تعتمد عليه ولهذا شواهد في كلام البلغاء يتفق فيها ذوقهم وإن اختلف النحاة في إعرابها.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله