الآية ٨٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٨ من سورة البقرة

وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًۭا مَّا يُؤْمِنُونَ ٨٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 98 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وقالوا قلوبنا غلف ) أي : في أكنة .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وقالوا قلوبنا غلف ) أي : لا تفقه .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( وقالوا قلوبنا غلف ) [ قال ] هي القلوب المطبوع عليها .

وقال مجاهد : ( وقالوا قلوبنا غلف ) عليها غشاوة .

وقال عكرمة : عليها طابع .

وقال أبو العالية : أي لا تفقه .

وقال السدي : يقولون : عليها غلاف ، وهو الغطاء .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( وقالوا قلوبنا غلف ) هو كقوله : ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) [ فصلت : 5 ] .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قوله : ( غلف ) قال : يقول : قلبي في غلاف فلا يخلص إليه ما تقول ، قرأ ( وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ) وهذا هو الذي رجحه ابن جرير ، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مرة الجملي ، عن أبي البختري ، عن حذيفة ، قال : القلوب أربعة .

فذكر منها : وقلب أغلف مغضوب عليه ، وذاك قلب الكافر .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الرحمن العرزمي ، أنبأنا أبي ، عن جدي ، عن قتادة ، عن الحسن في قوله : ( قلوبنا غلف ) قال : لم تختن .

هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم ، وأنها بعيدة من الخير .

قول آخر : قال الضحاك ، عن ابن عباس في قوله : ( وقالوا قلوبنا غلف ) قال قالوا : قلوبنا مملوءة علما لا تحتاج إلى علم محمد ، ولا غيره .

وقال عطية العوفي : ( وقالوا قلوبنا غلف ) أي : أوعية للعلم .

وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير : " وقالوا قلوبنا غلف " بضم اللام ، أي : جمع غلاف ، أي : أوعية ، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر .

كما كانوا يمنون بعلم التوراة .

ولهذا قال تعالى : ( بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) ، أي : ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها ، كما قال في سورة النساء : ( وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) [ النساء : 155 ] .

وقد اختلفوا في معنى قوله : ( فقليلا ما يؤمنون ) وقوله : ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) ، فقال بعضهم : فقليل من يؤمن منهم [ واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني ] وقيل : فقليل إيمانهم .

بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب ، ولكنه إيمان لا ينفعهم ، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم .

وقال بعضهم : إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء ، وإنما قال : ( فقليلا ما يؤمنون ) وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : قلما رأيت مثل هذا قط .

تريد : ما رأيت مثل هذا قط .

[ وقال الكسائي : تقول العرب : من زنى بأرض قلما تنبت ، أي : لا تنبت شيئا ] .

.

حكاه ابن جرير ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ قال أبو جعفر: اختلفت الْقَرَأَة في قراءة ذلك.

فقرأه بعضهم: (وقالوا قلوبنا غُلْف) مخففة اللام ساكنة.

وهي قراءة عامة الأمصار في جميع الأقطار.

وقرأه بعضهم: " وقالوا قلوبنا غُلُف " مثقلة اللام مضمومة.

* * * فأما الذين قرأوها بسكون اللام وتخفيفها, فإنهم تأولوها، أنهم قالوا: قلوبنا في أكنة وأغطية وغلْف.

و " الغلْف " -على قراءة هؤلاء- جمع " أغلف ", وهو الذي في غلاف وغطاء، كما يقال للرجل الذي لم يختتن " أغلف ", والمرأة " غلفاء ".

وكما يقال للسيف إذا كان في غلافه: " سيف أغلف ", وقوس غلفاء " وجمعها " غُلْف ", وكذلك جمع ما كان من النعوت ذكره على " أفعل " وأنثاه على " فعلاء ", يجمع على " فُعْل " مضمومة الأول ساكنة الثاني, مثل: " أحمر وحمر, وأصفر وصفر ", فيكون ذلك جماعا للتأنيث والتذكير.

ولا يجوز تثقيل عين " فعل " منه، إلا في ضرورة شعر, كما قال طرفة بن العبد: (57) أيهـــا الفتيــان فــي مجلســنا جـــردوا منهـــا وِرادا وشُــقُر &; 2-325 &; (58) يريد: شُقْرًا, إلا أن الشعر اضطره إلى تحريك ثانيه فحركه.

ومنه الخبر الذي:- 1497 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا الحكم بن بشير بن سلمان قال، حدثنا عمرو بن قيس الملائي, عن عمرو بن مرة الجملي, عن أبي البختري, عن حذيفة قال: القلوب أربعة - ثم ذكرها - فقال فيما ذكر: وقلب أغلف معصوب عليه, فذلك قلب الكافر.

(59) * * * * ذكر من قال ذلك, يعني أنها في أغطية.

1498 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني ابن إسحاق &; 2-326 &; قال، حدثني محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن عباس: (وقالوا قلوبنا غلف)، أي في أكنة.

1499 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية بن صالح, عن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: (قلوبنا غلف)، أي في غطاء.

1500 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس,: (وقالوا قلوبنا غلف)، فهي القلوب المطبوع عليها.

1501 - حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج قال، قال ابن جريج, أخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد قوله: (وقالوا قلوبنا غلف)، عليها غشاوة.

1502 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، أخبرني عبد الله بن كثير, عن مجاهد: (وقالوا قلوبنا غلف)، عليها غشاوة.

1503 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك عن الأعمش قوله: (قلوبنا غلف)، قال: هي في غُلُف.

1504 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (وقالوا قلوبنا غلف)، أي لا تفقه.

1505 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (وقالوا قلوبنا غلف)، قال: هو كقوله: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت : 5].

1506 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة في قوله: (قلوبنا غلف) قال: عليها طابَع, قال: هو كقوله: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ .

1507 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (قلوبنا غلف)، أي لا تفقه.

&; 2-327 &; 1508 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (وقالوا قلوبنا غلف)، قال: يقولون: عليها غلاف، وهو الغطاء.

1509 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (قلوبنا غلف)، قال يقول: قلبي في غلاف, فلا يخلص إليه مما تقول شيء، وقرأ: وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ [فصلت: 5].

(60) * * * قال أبو جعفر: وأما الذين قرأوها " غلف " بتحريك اللام وضمها, فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم, بمعنى أنها أوعية.

قال: و " الغلف " على تأويل هؤلاء جمع " غلاف ".

كما يجمع " الكتاب كتب, والحجاب حجب, والشهاب شهب.

فمعنى الكلام على تأويل قراءة من قرأ " غلف " بتحريك اللام وضمها، وقالت اليهود: قلوبنا غلف للعلم, وأوعية له ولغيره.

* ذكر من قال ذلك: 1510 - حدثني عبيد بن أسباط بن محمد قال، حدثنا أبي, عن فضيل بن مرزوق, عن عطية: (وقالوا قلوبنا غلف)، قال: أوعية للذكر.

1511 - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال، حدثنا عبيد الله بن موسى قال، أخبرنا فضيل, عن عطية في قوله: (قلوبنا غلف) قال: أوعية للعلم.

(61) 1512 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا فضيل, عن عطية مثله.

1513 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (وقالوا قلوبنا غلف)، قال: مملوءة علما، لا تحتاج إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

* * * والقراءة التي لا يجوز غيرها في قوله: (قلوبنا غلف)، هي قراءة من قرأ (غلف) &; 2-328 &; بتسكين اللام - بمعنى أنها في أغشية وأغطية، لاجتماع الحجة من الْقَرَأَة وأهل التأويل على صحتها, وشذوذ من شذ عنهم بما خالفه، من قراءة ذلك بضم " اللام ".

وقد دللنا على أن ما جاءت به الحجة متفقة عليه، حجة على من بلغه.

وما جاء به المنفرد، فغير جائز الاعتراض به على ما جاءت به الجماعة التي تقوم بها الحجة نقلا وقولا وعملا في غير هذا الموضع, فأغنى ذلك عن إعادته في هذا المكان.

(62) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (بل لعنهم الله)، بل أقصاهم الله وأبعدهم وطردهم وأخزاهم وأهلكهم بكفرهم، وجحودهم آيات الله وبيناته, وما ابتعث به رسله, وتكذيبهم أنبياءه.

فأخبر تعالى ذكره أنه أبعدهم منه ومن رحمته بما كانوا يفعلون من ذلك.

* * * وأصل " اللعن " الطرد والإبعاد والإقصاء يقال: " لعن الله فلانا يلعنه لعنا، وهو ملعون ".

ثم يصرف " مفعول ": فيقال: هو " لعين ".

ومنه قول الشماخ بن ضرار: ذعــرت بـه القطـا ونفيـت عنـه مكــان الــذئب كـالرجل اللعيـن (63) * * * قال أبو جعفر: في قول الله تعالى ذكره: (بل لعنهم الله بكفرهم) تكذيب منه للقائلين من اليهود: (قلوبنا غلف).

لأن قوله: (بل) دلالة على جحده جل &; 2-329 &; ذكره وإنكاره ما ادعوا من ذلك، إذ كانت " بل " لا تدخل في الكلام إلا نقضا لمجحود.

فإذ كان ذلك كذلك, فبَيِّنٌ أن معنى الآية: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد.

فقال الله تعالى ذكره: ما ذلك كما زعموا, ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله، فقليلا ما يؤمنون.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (88) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (فقليلا ما يؤمنون).

فقال بعضهم، معناه فقليل منهم من يؤمن, أي لا يؤمن منهم إلا قليل.

* ذكر من قال ذلك: 1514 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون)، فلعمري لمن رجع من أهل الشرك أكثر ممن رجع من أهل الكتاب, إنما آمن من أهل الكتاب رهط يسير.

1515 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (فقليلا ما يؤمنون)، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.

* ذكر من قال ذلك: 1516 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر, عن قتادة: (فقليلا ما يؤمنون)، قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.

قال معمر: وقال غيره: لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في قوله: (فقليلا ما يؤمنون) بالصواب، &; 2-330 &; ما نحن متقنوه إن شاء الله.

وهو أن الله جل ثناؤه أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية, ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنـزل الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

ولذلك نصب قوله: ( فقليلا)، لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره.

ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم، فإيمانا قليلا ما يؤمنون.

فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك.

لأن معنى ذلك، لو كان على ما روي من أنه يعني به: فلا يؤمن منهم إلا قليل, أو فقليل منهم من يؤمن, لكان " القليل " مرفوعا لا منصوبا.

لأنه إذا كان ذلك تأويله، كان " القليل " حينئذ مرافعا " ما ".

فإذْ نصب " القليل " - و " ما " في معنى " من " أو " الذي" - [فقد] بقيت " ما " لا مرافع لها.

(64) وذلك غير جائز في لغة أحد من العرب.

* * * فأما أهل العربية فإنهم اختلفوا في معنى " ما " التي في قوله: (فقليلا ما يؤمنون).

فقال بعضهم: هي زائدة لا معنى لها, وإنما تأويل الكلام: فقليلا يؤمنون, كما قال جل ذكره: فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [آل عمران: 159] وما أشبه ذلك، فزعم أن " ما " في ذلك زائدة, وأن معنى الكلام: فبرحمة من الله لنت لهم، وأنشد في ذلك محتجا لقوله ذلك - بيت مهلهل: لـــو بأبــانين جــاء يخطبهــا خــضب مـا أنـف خـاطب بـدم (65) وزعم أنه يعني: خضب أنف خاطب بدم, وأن " ما " زائدة.

* * * وأنكر آخرون ما قاله قائل هذا القول في" ما "، في الآية وفي البيت الذي &; 2-331 &; أنشده, وقالوا: إنما ذلك من المتكلم على ابتداء الكلام بالخبر عن عموم جميع الأشياء, إذ كانت " ما " كلمة تجمع كل الأشياء، ثم تخص وتعم ما عمته بما تذكره بعدها.

* * * وهذا القول عندنا أولى بالصواب.

لأن زيادة ما لا يفيد من الكلام معنى في الكلام، غير جائز إضافته إلى الله جل ثناؤه.

* * * ولعل قائلا أن يقول: هل كان للذين أخبر الله عنهم أنهم قليلا ما يؤمنون - من الإيمان قليل أو كثير، فيقال فيهم: " فقليلا ما يؤمنون "؟

قيل: إن معنى " الإيمان " هو التصديق.

وقد كانت اليهود التي أخبر الله عنها هذا الخبر تصدق بوحدانية الله، وبالبعث والثواب والعقاب, وتكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ونبوته, وكل ذلك كان فرضا عليهم الإيمان به، لأنه في كتبهم, ومما جاءهم به موسى، فصدقوا ببعض - وذلك هو القليل من إيمانهم - وكذبوا ببعض، فذلك هو الكثير الذي أخبر الله عنهم أنهم يكفرون به.

* * * وقد قال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء, وإنما قيل: (فقليلا ما يؤمنون)، وهم بالجميع كافرون, كما تقول العرب: " قلما رأيت مثل هذا قط".

وقد روي عنها سماعا منها: مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل " يعني: ما تنبت غير الكراث والبصل, وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بـ " القلة ", والمعنى فيه نفي جميعه.

(66) * * * --------------------------- الهوامش : (57) ديوانه (أشعار الستة الجاهليين) : 331 ، من قصيدة نفيسة .

(58) جردوا : قدموا للغارة .

وتجرد الفرس : تقدم الحلبة فخرج منها .

وتجرد في الأمر : جد فيه .

وراد جمع ورد (بفتح فسكون) وهو من الخيل ، بين الكميت والأشقر .

والأشقر : الأحمر حمرة صافية ، يحمر منها السبيب والمعرفة والناصية .

والعرب تقول : أكرم الخيل وذوات الخير منها شقرها .

(59) الخبر: 1497 - هذا موقوف على حذيفة، وإسناده جيد، إلا أنه منقطع، كما سنبين، إن شاء الله.

الحكم بن بشير بن سلمان النهدي الكوفي: ثقة، مترجم في التهذيب، ووقع هناك خطأ مطبعي في اسمي أبيه وجده.

وله ترجمة عند البخاري في الكبير 2/1/340، وابن أبي حاتم 1 / 2 /114.

عمرو بن قيس الملائي": مضت ترجمته: 886.

و"عمرو بن مرة الجملي"و"أبو البختري" واسمه"سعيد بن فيروز" مضيا في: 175.

انقطاع الإسناد، هو بين أبي البختري، المتوفي سنة 83، وبين حذيفة بن اليمان، المتوفى أوائل سنة 36 بعد مقتل عثمان بأربعين يوما.

ونص في التهذيب على أن أبا البختري لم يدرك حذيفة.

هذا الخبر ذكره الطبري مختصرا - كما ترى - وجاء به السيوطي كاملا 1: 87، ونسبه لابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، وابن جرير، فذكر نحوه، موقوفا على حذيفة.

وقد ورد معناه مرفوعا: فروى أحمد في المسند: 11146 (ج3 ص 17 حلبي)، عن أبي النضر، عن أبي معاوية، وهو شيبان بن عبد الرحمن النحوي، عن ليث، وهو ابن أبي سليم، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري.

وهذا إسناد صحيح.

ويظهر منه أن أبا البختري كان عنده هذا الحديث، عن أبي سعيد مرفوعا متصلا، وعن حذيفة بن اليمان موقوفا منقطعا.

ومثل هذا كثير، ولا نجعل إحدى الروايتين علة للأخرى.

وحديث أبي سعيد هذا: ذكره السيوطي 1: 87، ونسبه لأحمد"بسند جيد".

وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد 1: 63، وقال:"رواه أحمد، والطبراني في الصغير، وفي إسناده ليث بن أبي سليم".

كأنه يريد إعلاله بضعف ليث.

وليث بن أبي سليم: ليس بضعيف بمرة، ولكن في حفظه شيء وحديثه عندنا صحيح، إلا ما ظهر خطؤه فيه، كما بينا في شرح المسند: 1199، وقد ترجمة البخاري في الكبير 4 / 1 /246، فلم يذكر فيه جرحا.

(60) في المطبوعة:"شيء" ساقطة، واستدركتها من ابن كثير 1: 229.

(61) الخبر : 1511 - محمد بن عمارة الأسدى ، شيخ الطبري : لم أجد له ترجمة ولا ذكرا ، إلا في رواية الطبري عنه في التاريخ أيضًا مرارا .

(62) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 210 ، 211 ، 265 ، 295 (63) ديوانه: 92، ومجاز القرآن 461، وسيأتي في 2: 33 (بولاق)، وروايته هناك وفي ديوانه،"مقام الذئب" والضمير في"به" إلى"ماء" في قوله قبله: ومــاء قــد وردت لـوصل أروى عليــه الطــير كــالورق اللجـين وأراد في البيت: مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل.

والرجل اللعين المطرود لا يزال منتبذا عن الناس، شبه الذئب به، يعني في ذله وشدة مخافته وذعره.

(64) في المطبوعة : "وإن نصب القليل" ، وكأن الأجود ما أثبته .

والزيادة بين القوسين واجبة .

(65) الكامل 2 : 68 ، ومعجم ما استعجم : 96 ، وشرح شواهد المغني : 247 وغيرها قال أبو العباس : "أبان جبل : وهما أبانان : أبان الأسود ، وأبان الأبيض قال مهلهل ، وكان نزل في آخر حربهم - حرب البسوس - في جنب بن عمرو بن علة بن جلد بن مالك ، وهو مذحج ، وجنب حي من أحيائهم وضيع ، وخطبت ابنته ومهرت أدما فزوجها وقال قبله : أنكحهــا فقدهــا الأراقــم فــي جــنب وكــان الحبــاء مـن أدم (66) انظر ما سلف 1 : 554 ، تعليق : 1 ، وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 59 - 60 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنونقوله تعالى : وقالوا يعني اليهود قلوبنا غلف بسكون اللام جمع أغلف ، أي عليها أغطية .

وهو مثل قوله : قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه أي في أوعية .

قال مجاهد : " غلف " عليها غشاوة .

وقال عكرمة : عليها طابع .

وحكى أهل اللغة غلفت السيف ؛ جعلت له غلافا ، فقلب أغلف ، أي مستور عن الفهم والتمييز .

وقرأ ابن عباس والأعرج وابن محيصن " غلف " بضم اللام .

قال ابن عباس : أي قلوبنا ممتلئة علما لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره .

وقيل : هو جمع غلاف .

مثل خمار وخمر ، أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علما كثيرا !

وقيل : المعنى فكيف يعزب عنها علم محمد صلى الله عليه وسلم .

فرد الله تعالى عليهم بقوله : بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ثم بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم ، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه .

وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد .

ويقال للذئب : لعين .

وللرجل الطريد : لعين ، وقال الشماخ :ذعرت به القطا ونفيت عنه مقام الذئب كالرجل اللعينووجه الكلام : مقام الذئب اللعين كالرجل ، فالمعنى أبعدهم الله من رحمته .

وقيل : من توفيقه وهدايته .

وقيل : من كل خير ، وهذا عام .

فقليلا نعت لمصدر محذوف ، تقديره فإيمانا قليلا ما يؤمنون .

وقال معمر : المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره ، ويكون " قليلا " منصوبا بنزع حرف الصفة .

وما صلة ، أي فقليلا يؤمنون .

وقال الواقدي : معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا ، كما تقول : ما أقل ما يفعل كذا ، أي لا يفعله ألبتة .

وقال الكسائي : تقول العرب مررنا بأرض قل ما تنبت الكراث والبصل ، أي لا تنبت شيئا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: اعتذروا عن الإيمان لما دعوتهم إليه, يا أيها الرسول, بأن قلوبهم غلف, أي: عليها غلاف وأغطية, فلا تفقه ما تقول، يعني فيكون لهم - بزعمهم - عذر لعدم العلم, وهذا كذب منهم، فلهذا قال تعالى: { بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ } أي: أنهم مطرودون ملعونون, بسبب كفرهم، فقليلا المؤمن منهم, أو قليلا إيمانهم، وكفرهم هو الكثير.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وقالوا} يعني اليهود.

{قلوبنا غلف} جمع الاغلف وهو الذي عليه غشاء، معناه: "عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول" قاله مجاهد وقتادة، نظيره قوله تعالى: {وقالوا قلوبنا في أكنة} [5 - فصلت].

وقرأ ابن عباس (غلف) بضم اللام وهي قراءة الأعرج وهو جمع غلاف أي قلوبنا أوعية لكل علم فلا تحتاج إلى علمك قاله ابن عباس وعطاء.

وقال الكلبي: "معناه أوعية لكل علم فلا تسمع حديثاً إلا تعيه إلا حديثك لا تعقله ولا تعيه ولو كان فيه خير لوعته وفهمته".

قال الله عز وجل: {بل لعنهم الله} طردهم الله وأبعدهم عن كل خير.

{بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون} قال قتادة: "معناه لن يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود"، أي فقليلاً يؤمنون ونصب قليلاً على الحال.

وقال معمر: "لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره".

أي فقليل يؤمنون ونصب قليلاً بنزع الخافض، و(ما) صلة على قولهما.

وقال الواقدي: "معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا أي لا تفعله أصلاً".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وقالوا» للنبي استهزاء «قلوبنا غُلْفٌ» جمع أغلف أي مغشاة بأغطية فلا تعي ما تقول قال تعالى: «بل» للإضراب «لعنهم الله» أبعدهم من رحمته وخذلهم عن القبول «بكفرهم» وليس عدم قبولهم لخلل في قلوبهم «فقليلا ما يؤمنون» ما زائدة لتأكيد القلة أي: إيمانهم قليل جداً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وقال بنو إسرائيل لنبي الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم: قلوبنا مغطاة، لا يَنْفُذ إليها قولك.

وليس الأمر كما ادَّعَوْا، بل قلوبهم ملعونة، مطبوع عليها، وهم مطرودون من رحمة الله بسبب جحودهم، فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلا لا ينفعهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعض الدعاوى الباطلة التي كان يدعيها اليهود في العصر النبوي ورد عليها بما يدحضها فقال :( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ) أي : قال اليهود الذين كانوا في العهد النبوي : قلوبنا يا محمد مغطاة بأغطية حسية مانعة من نفوذ ما جئت به فيها .

ومقصدهم من ذلك ، إقناطه صلى الله عليه وسلم من إجابتهم لدعوته حتى لا يعيد عليهم الدعوة من بعد .والغلف : جمع أغلف ، وهو الذي جعل له غلاف ، ومنه قيل للقلب الذي لا يعى ولا يفهم ، قلب أغلف ، كأنه حجب عن الفهم بالغلاف .قال ابن كثير : وقرأ ابن عباس - بضم اللام - وهو جمع غلاف .

أي : قلوبنا أوعية لكل علم فلا نحتاج إلى علمك .وقد رد الله - تعالى - على كذبهم هذا بما يدحضه ويفضحه فقال :( بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ) أي : أن قلوبهم ليست غلفاً بحيث لا تصل إليها دعوة الحق بل هي متمكنة بأصل فطرتها من قبول الحق ، ولكن الله أبعدهم من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء واستحبابهم العمى على الهدى .والفاء في قوله : ( فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ) للدلالة على أن ما بعدها متسبب عما قبلها و ( مَّا ) في قوله ( فَقَلِيلاً مَّا ) لتأكيد معنى الفلة .والمعنى أن الله لعنهم وكان هذا اللعن سبباً لقلة إيمانهم فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلا ، وقلة الإِيمان ترجع إلى معنى أنهم لا يؤمنون إلا بقليل مما يجب عليهم الإِيمان به .

وقد وصفهم الله - تعالى - فيما سبق بأنهم كانوا يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض .ثم نبه القرآن المؤمنين إلى نوع آخر من رذائل اليهود ، ويتجلى هذا النوع في جحودهم الحق عن معرفة وعناد ، وكراهتهم الخير لغيرهم يدافع الأنانية والحسد ، وتحولهم إلى أناس يتميزون من الغيظ إذا ما رأوا نعمة تساق لغير أبناء ملتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

أما الغلف ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه جمع أغلف والأغلف هو ما في غلاف أي قلوبنا مغشاة بأغطية مانعة من وصول أثر دعوتك إليها.

وثانيها: روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ومملوءة بالحكمة فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام.

وثالثها: غلف أي كالغلاف الخالي لا شيء فيه مما يدل على صحة قولك.

أما المعتزلة فإنهم اختاروا الوجه الأول، ثم قالوا: هذه الآية تدل على أنه ليس في قلوب الكفار ما لا يمكنهم معه الإيمان، لا غلاف ولا كن ولا سد على ما يقوله المجبرة لأنه لو كان كذلك لكان هؤلاء اليهود صادقين في هذا القول، فكان لا يكذبهم الله بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ لأنه تعالى إنما يذم الكاذب المبطل لا الصادق المحق المعذور، قالوا: وهذا يدل على أن معنى قوله: ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أعناقهم أغلالا ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِىٓ أَعْنَٰقِهِمْ أَغْلَٰلًا فَهِىَ إِلَى ٱلْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ  وَجَعَلْنَا مِنۢ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَٰهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ  ﴾ ليس المراد كونهم ممنوعين من الإيمان، بل المراد إما منع الألطاف أو تشبيه حالهم في إصرارهم على الكفر بمنزلة المجبور على الكفر.

قالوا: ونظير ذم الله تعالى اليهود على هذه المقالة ذمه تعالى الكافرين على مثل هذه المقالة وهو قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ ولو كان الأمر على ما يقوله المجبرة لكان هؤلاء القوم صادقين في ذلك، ولو كانوا صادقين لما ذمهم بل كان الذي حكاه عنهم إظهاراً لعذرهم ومسقطاً للومهم.

واعلم أنا بينا في تفسير الغلف وجوهاً ثلاثة فلا يجب الجزم بواحد منها من غير دليل.

سلمنا أن المراد منه ذلك الوجه لكن لم قلت إن الآية تدل على أن ذلك القول مذموم؟

أما قوله تعالى: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ ﴾ ففيه أجوبة.

أحدها: هذا يدل على أنه تعالى لعنهم بسبب كفرهم، أما لم قلتم بأنه إنما لعنهم بسبب هذه المقالة فلعله تعالى حكى عنهم قولاً ثم بين أن من حالهم أنهم ملعونون بسبب كفرهم.

وثانيها: المراد من قوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ أنهم ذكروا ذلك على سبيل الاستفهام بمعنى الإنكار يعني ليست قلوبنا في أغلاف ولا في أغطية، بل قوية وخواطرنا منيرة ثم إنا بهذه الخواطر والأفهام تأملنا في دلائلك يا محمد، فلم نجد منها شيئاً قوياً.

فلما ذكروا هذا التصلف الكاذب لا جرم لعنهم الله على كفرهم الحاصل بسبب هذا القول.

وثالثها؛ لعل قلوبهم ما كانت في الأغطية بل كانوا عالمين بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما قال تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ  ﴾ [البقرة: 146] إلا أنهم أنكروا تلك المعرفة وادعوا أن قلوبهم غلف وغير واقفة على ذلك فكان كفرهم كفر العناد فلا جرم لعنهم الله على ذلك الكفر.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في تفسيره ثلاثة أوجه: أحدها: أن القليل صفة المؤمن، أي لا يؤمن منهم إلا القليل عن قتادة والأصم وأبي مسلم.

وثانيها: أنه صفة الإيمان، أي لا يؤمنون إلا بقليل مما كلفوا به لأنهم كانوا يؤمنون بالله، إلا أنهم كانوا يكفرون بالرسل.

وثالثها: معناه لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما يفعل بمعنى لا يفعل ألبتة.

قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئاً.

والوجه الأول أولى لأنه نظير قوله: ﴿ بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلا  ﴾ ولأن الجملة الأولى إذا كان المصرح فيها ذكر القوم فيجب أن يتناول الاستثناء بعض هؤلاء القوم.

المسألة الثانية: في انتصاب قليلاً وجوه: أحدها: فإيماناً قليلاً ما يؤمنون وما مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب.

وثانيها: انتصب بنزع الخافض أي بقليل يؤمنون.

وثالثها: فصاروا قليلاً ما يؤمنون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب ﴾ التوراة، آتاه إياها جملة واحدة.

ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا.

نحو ذنبه، من الذنب.

وقفاه به: أتبعه إياه، يعني: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ [المؤمنون: 44] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

وقيل: ﴿ عِيسَى ﴾ بالسريانية يشوع.

و ﴿ مَرْيَمَ ﴾ بمعنى الخادم.

وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال.

وبه فسر قول رؤبة: قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ووزن ﴿ مريم ﴾ عند النحويين (مفعل) لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب ﴿ البينات ﴾ المعجزات الواضحات والحجج.

كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات.

وقرئ: ﴿ وآيدناه ﴾ .

ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه.

يقال: الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر.

﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق.

ووصفها بالقدس كما قال: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ [النساء: 171] فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة.

وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث.

وقيل: بجبريل.

وقيل: بالإنجيل كما قال في القرآن: ﴿ وروحا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره.

والمعنى: ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ ﴾ منهم بالحق ﴿ استكبرتم ﴾ عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم.

ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم.

ثم وبخهم على ذلك.

ودخول الفاء لعطفه على المقدّر.

فإن قلت: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟

قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم.

ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

وقال صلى الله عليه وسلم عند موته: «ما زالت أكلةُ خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف، أي هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ [فصلت: 5] .

ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ فإيماناً قليلاً يؤمنون.

وما مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم.

وقيل: (غلف) تخفيف (غلف) جمع (غلاف)، أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره.

وروى عن أبي عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين ﴿ كتاب مّنْ عِندِ الله ﴾ هو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ من كتابهم لا يخالفه.

وقرئ: ﴿ مصدقاً ﴾ ، على الحال.

فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟

قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وصف ﴿ كتاب ﴾ بقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ وجواب لما محذوف وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ ﴾ يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللَّهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل معنى ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيّاً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ ﴾ من الحق ﴿ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة.

﴿ عَلَى الكافرين ﴾ أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم.

واللام للعهد.

ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولاً أوّلياً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ مُغَشّاةٌ بِأغْطِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ لا يَصِلُ إلَيْها ما جِئْتَ بِهِ ولا تَفْقَهُهُ، مُسْتَعارٌ مِنَ الأغْلَفِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ وقِيلَ أصْلُهُ غُلُفٌ جَمْعُ غِلافٍ فَخُفِّفَ، والمَعْنى أنَّها أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ لا تَسْمَعُ عِلْمًا إلّا وعَتْهُ، ولا تَعِي ما تَقُولُ.

أوْ نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما فِيها عَنْ غَيْرِهِ.

﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، والمَعْنى أنَّها خُلِقَتْ عَلى الفِطْرَةِ والتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ، ولَكِنَّ اللَّهَ خَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ فَأبْطَلَ اسْتِعْدادَهُمْ، أوْ أنَّها لَمْ تَأْبَ قَبُولَ ما تَقَوَّلَهُ لِخَلَلٍ فِيهِ، بَلْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ ﴾ ، أوْ هم كَفَرَةٌ مَلْعُونُونَ، فَمِن أيْنَ لَهم دَعْوى العِلْمِ والِاسْتِغْناءِ عَنْكَ؟

﴿ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ، وما مَزِيدَهٌ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْلِيلِ، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ.

وقِيلَ: أرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ} جمع أغلف أي هي خلقة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد عليه السلام ولا تفقهه

البقرة (٨٨ _ ٩١)

مستعار من الأغلف الذى لم يختن {بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ} فرد الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق وإنما طردهم بكفرهم وزيغهم {فقليلا ما يؤمنون} فقليلا صفة مصدر محذوف أي فإيماناً قليلاً يؤمنون وما مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب وقيل القلة بمعنى العدم وقيل غلف تخفيف غلف وقرىء به جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلوم فنحن مستغنون بما عندنا من غيره أو أوعية للعلوم فلو كان ما جئت به حقاً لقبلنا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ أوْ عَلى ﴿ كَذَّبْتُمْ ﴾ فَتَكُونُ تَفْسِيرًا لِلِاسْتِكْبارِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ، وإبْعادًا لَهم عَنْ عِزِّ الحُضُورُ، والقائِلُونَ هُمُ المَوْجُودُونَ في عَصْرِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، والغُلْفُ جَمْعُ أغْلَفَ كَأحْمَرَ، وحُمْرٍ، وهو الَّذِي لا يَفْقَهُ، قِيلَ: وأصْلُهُ ذُو الغُلْفَةِ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ، أوْ جَمْعُ غُلافٍ، ويُجْمَعُ عَلى غُلُفٍ بِضَمَّتَيْنِ أيْضًا، وبِهِ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وأرادُوا عَلى الأوَّلِ قُلُوبُنا مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ خَلْقِيَّةٍ مانِعَةٍ عَنْ نُفُوذِ ما جِئْتَ بِهِ فِيها، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ﴿ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ ﴾ قَصَدُوا بِهِ إقْناطَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَنِ الإجابَةِ، وقَطْعَ طَمَعِهِ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ، وقِيلَ: مُغَشّاةٌ بِعُلُومٍ مِنَ التَّوْراةِ تَحْفَظُها أنْ يَصِلَ إلَيْها ما تَأْتِي بِهِ، أوْ بِسَلامَةٍ مِنَ الفِطْرَةِ كَذَلِكَ، وعَلى الثّانِي أنَّها أوْعِيَةُ العِلْمِ، فَلَوْ كانَ ما تَقُولُهُ حَقًّا وصِدْقًا لَوَعَتْهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، أوْ مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا، فَلا تَسَعُ بَعْدُ شَيْئًا، فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ غَيْرِهِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وقِيلَ: أرادُوا أنَّها أوْعِيَةُ العِلْمِ، فَكَيْفَ يَحِلُّ لَنا اتِّباعُ الأُمِّيِّ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ رَدٌّ لِما قالُوهُ، وتَكْذِيبٌ لَهم فِيما زَعَمُوهُ، والمَعْنى أنَّها خُلِقَتْ عَلى فِطْرَةِ التَّمَكُّنِ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ المُوصِلِ إلى الحَقِّ، لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أبْعَدَهُمْ، وأبْطَلَ اسْتِعْدادَهُمُ الخَلْقِيَّ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ بِسَبَبِ اعْتِقاداتِهِمُ الفاسِدَةِ وجَهالاتِهِمُ الباطِلَةِ الرّاسِخَةِ في قُلُوبِهِمْ، أوْ أنَّها لَمْ تَأْبَ قَبُولَ ما تَقُولُهُ لِعَدَمِ كَوْنِهِ حَقًّا وصِدْقًا، بَلْ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ طَرَدَهم وخَذَلَهم بِكُفْرِهِمْ، فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهُمْ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أقْصاهم عَنْ رَحْمَتِهِ، فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ العِلْمِ الَّذِي هو أجَلُّ آثارِها، ويُعْلَمُ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كَيْفِيَّةُ الرَّدُّ عَلى ما قِيلَ قَبْلُ مِنَ الوُجُوهِ، ﴿ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ الفاءُ لِسَبَبِيَّةِ اللَّعْنِ، لِعَدَمِ الإيمانِ، وقَلِيلًا نُصِبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إيمانًا قَلِيلًا، وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ، (وما) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القِلَّةِ لا نافِيَةٌ، لِأنَّ ما في حَيِّزِها لا يَتَقَدَّمُها، ولِأنَّهُ وإنْ كانَ بِمَعْنى لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا فَضْلًا عَنِ الكَثِيرِ، لَكِنْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ لا سِيَّما مَعَ التَّقْدِيمِ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا، بَلْ كَثِيرًا، ولا مَصْدَرِيَّةَ لِاقْتِضائِها رَفْعَ القَلِيلِ بِأنْ يَكُونَ خَبَرًا، والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ بِالإضافَةِ مُبْتَدَأٌ، والتَّقْدِيرُ فَإيمانُهم قَلِيلٌ، وجَوَّزَ بَعْضُهم كَوْنَها نافِيَةً بِناءً عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ مِن جَوازِ تَقَدُّمِ ما في حَيِّزِها عَلَيْها، ولَمْ يُبالِ بِالتَّوَهُّمِ، وآخَرُونَ كَوْنَها مَصْدَرِيَّةً، والمَصْدَرُ فاعِلُ (قَلِيلًا)، وكانُوا مُقَدَّرَةٌ في نَظْمِ الكَلامِ، فَتَكُونُ عَلى طِرازِ ﴿ كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ ﴾ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ، وجُوِّزَ انْتِصابُ (قَلِيلًا) عَلى الحالِ، إمّا مِن ضَمِيرِ الإيمانِ، أوْ مِن فاعِلِ (يُؤْمِنُونَ)، والتَّقْدِيرُ: فَيُؤْمِنُونَهُ أيِ الإيمانَ في حالِ قِلَّتِهِ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ سِيبَوَيْهِ، أوْ فَيُؤْمِنُونَ حالَ كَوْنِهِمْ جَمْعًا قَلِيلًا، أيِ المُؤْمِنُ مِنهم قَلِيلٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وطَلْحَةَ، وقَتادَةَ، ولِذا جُوِّزَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلزَّمانِ، أيْ زَمانًا قَلِيلًا، وهو زَمانُ الِاسْتِفْتاحِ، أوْ بُلُوغِ الرُّوحِ التَّراقِيَ، أوْ ما قالُوا ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ ﴾ وأوْلى الوُجُوهِ أوَّلُها، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالإيمانِ المَعْنى اللُّغَوِيُّ، والقِلَّةُ مُقابِلُ الكَثْرَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى العَدَمِ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن كَلامِ الواقِدِيِّ لا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، واعْتَرَضَهُ في البَحْرِ بِأنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى النَّفْيِ، وإنْ صَحَّتْ، لَكِنْ في غَيْرِ هَذا التَّرْكِيبِ، لِأنَّ قَلِيلًا انْتَصَبَ بِالفِعْلِ المُثْبَتِ، فَصارَ نَظِيرَ قُمْتُ قَلِيلًا، أيْ قِيامًا قَلِيلًا، ولا يَذْهَبُ ذاهِبٌ إلى أنَّكَ إذا أتَيْتَ بِفِعْلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ قَلِيلًا صِفَةً لِمَصْدَرِهِ، يَكُونُ المَعْنى في المُثْبَتِ الواقِعِ عَلى صِفَةٍ أوْ هَيْئَةٍ انْتِفاءَ ذَلِكَ المُثْبَتِ رَأْسًا، وعَدَمَ وُقُوعِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما الَّذِي نَقَلَ النَّحْوِيُّونَ أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِالقِلَّةِ النَّفْيُ المَحْضُ في قَوْلِهِمْ: أقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، وقَلَّما يَقُومُ زَيْدٌ، فَحَمْلُها هُنا عَلى ذَلِكَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، ولَيْتَ شِعْرِي أيُّ مَعْنًى لِقَوْلِنا يُؤْمِنُونَ إيمانًا مَعْدُومًا، وما نَقَلَ الكِسائِيُّ عَنِ العَرَبِ أنَّهم يَقُولُونَ: مَرَرْنا بِأرْضٍ قَلِيلًا ما تُنْبِتُ، ويُرِيدُونَ لا تُنْبِتُ شَيْئًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ قَلِيلًا حالٌ مِنَ الأرْضِ، وإنْ كانَ نَكِرَةً، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: قَلِيلًا إنْباتُها، فَلا مانِعَ فِيهِ مِن حَمْلِ القِلَّةِ عَلى العَدَمِ، وأيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذاكَ، اللَّهُمَّ إلّا عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ المَرْجُوحَةِ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ غَيْرُ قائِلٍ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ، فَإنَّ قِلَّةَ الشَّيْءِ تَسْتَتْبِعُ عَدَمَهُ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، لا عَلى أنَّ لَفْظَ القِلَّةِ مُسْتَعْمَلٌ بِمَعْنى العَدَمِ، فَإنَّهُ هُنا قَوْلٌ بارِدٌ جِدًّا، ولَوْ أوْقَدَ عَلَيْهِ الواقِدِيُّ ألْفَ سَنَةٍ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ، قرأ ابن عباس غُلْفٌ بضم اللام وهي قراءة شاذة.

والباقون بسكون اللام، أي ذو (غلْف) يعني ذو غلاف، والواحد أغلف مثل: أحمر وحمر.

ومعناه: أنهم يقولون قلوبنا في غطاء من قولك ولا نفقه حديثك.

وهذا كما قال في آية أخرى وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] .

وأما من قرأ غُلْفٌ فهو جماعة الغلاف على ميزان حمار وحمر.

يعنون أن قلوبنا أوعية لكل علم ولا نفقه حديثك، فلو كنت نبياً لفهمنا قولك.

قال الله تعالى رداً لقولهم: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ أي خذلهم الله وطردهم مجازاة لكفرهم.

فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ، صار نصباً لأنه قدم المفعول.

وقال بعضهم: معناه لا يؤمنون إلا القليل منهم، مثل عبد الله بن سلام وأصحابه.

وقال بعضهم: إيمانهم بالله قليلاً، لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.

وقال بعضهم: معناه أنهم لا يؤمنون، كما قال: فلان قليل الخير يعني لا خير فيه.

ثم قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي حين جاءهم القرآن مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ، أي موافقاً للتوراة في التوحيد، وفي بعض الشرائع.

ويقال: مصدق لما معهم، يعني يدعوهم إلى تصديق ما معهم، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بالتوراة.

وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي من قبل مجيء محمد  كانوا يستنصرون على المشركين، لأن بني قريظة والنضير قد وجدوا نعته في كتبهم فخرجوا من الشام إلى المدينة، ونزلوا بقربها ينتظرون خروجه.

وكانوا إذا قاتلوا من يلونهم من المشركين- مشركي العرب- يستفتحون عليهم، أي يستنصرون ويقولون: اللهم ربنا انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل عليه الذي وعدتنا- وكانوا يرجون أن يكون منهم- فينصروا على عدوهم، فذلك قوله تعالى: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا، أي باسم النبيّ  فَلَمَّا جاءَهُمْ مَّا عَرَفُوا، أي محمد  وعرفوه كَفَرُوا بِهِ وغيّروا نعته مخافة أن تزول عنهم منفعة الدنيا.

كما قال تعالى: فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ، أي سخط الله وعذابه على الجاحدين محمدا  بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ.

قال الكلبي: بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة محمد  .

ويقال: بئسما صنعوا بأنفسهم حيث كفروا بما أنزل الله عليهم، بعد ما كانوا خرجوا من الشام على أن ينصروا محمدا  .

ويقال: بئس ما صنعوا بأنفسهم حسداً منهم، فذلك قوله تعالى: أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً، أي حسداً منهم.

ومعنى قوله: أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ، أي كفروا مما ينزل الله.

مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ، أي لم يؤمنوا لأجل أن الله تعالى ينزل من فضله النبوة والكتاب على من يشاء مِنْ عِبادِهِ، من كان أهلاً لذلك وهو محمد  .

قرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي وعصام وابن عامر بالتشديد أَنْ يُنَزِّلَ ونزل ينزل بمعنى واحد فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي استوجبوا اللعنة على أثر اللعنة.

قال مقاتل: الغضب الأول حين كفروا بعيسى  ، ثم استوجبوا الغضب الآخر حين كفروا بمحمد  .

ويقال: الغضب الأول حين عبدوا العجل، والغضب الثاني حين استحلوا السمك في يوم السبت.

قوله تعالى: وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ أي يهانون فيه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)

وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ...

الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة- بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، في الآخرة، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

ص «١» : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: «اللام» في «لَقَدْ» : يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السّهيليّ.

ومَرْيَمَ: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علما عليها.

انتهى.

والْكِتابَ: التوراةُ.

وَقَفَّيْنا: مأخوذ من القَفَا تقول: قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى- عليهم السلام-.

والْبَيِّناتِ: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى.

وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك.

وَأَيَّدْناهُ: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة.

قال ابن عبَّاس: رُوح القدس: هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى «٢» ، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً «٣» ، وقال السُّدِّيُّ، والضّحّاك،

والربيع، وقتادة: بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريلُ- عليه السلام «١» - وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِحَسَّان: «اهج قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» «٢» ومرةً قال له: «وجبريل معك» ، وفَكُلَّما: ظرف والعامل فيه: اسْتَكْبَرْتُمْ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار.

والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس.

ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد.

وفَقَلِيلًا: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمّد صلّى الله عليه وسلم منْهُمْ ومَا في قوله: مَّا يُؤْمِنُونَ زائدةٌ موكّدة «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِإسْكانِ اللّامِ، وقَرَأ قَوْمٌ، مِنهُمُ الحَسَنُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ بِضَمِّها.

قالَ الزَّجّاجُ: قَرَأ: (غُلْفٌ) بِتَسْكِينِ اللّامِ، فَمَعْناهُ: ذَواتُ غُلْفٍ، فَكَأنَّهم قالُوا: قُلُوبُنا في أوْعِيَةٍ.

ومَن قَرَأ (غُلُفٌ) بِضَمِّ اللّامِ، فَهو جَمْعُ "غِلافٍ" فَكَأنَّهم قالُوا: قُلُوبُنا أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، فَما بِالُها لا تَفْهَمُ وهي أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ؟!

فَعَلى الأوَّلِ، يَقْصِدُونَ إعْراضَهُ عَنْهم، كَأنَّهم يَقُولُونَ: ما نَفْهَمُ شَيْئًا وعَلى الثّانِي: يَقُولُونَ: لَوْ كانَ قَوْلُكَ حَقًّا لِقَبِلَتْهُ قُلُوبُنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَقَلِيلٌ مَن يُؤْمَنُ مِنهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّ المَعْنى قَلِيلٌ ما يُؤْمِنُونَ بِهِ.

قالَ مُعَمَّرُ: يُؤْمِنُونَ بِقَلِيلٍ مِمّا في أيْدِيهِمْ، ويَكْفُرُونَ بِأكْثَرِهِ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: فَما يُؤْمِنُونَ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا.

ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وقالَ: هَذا عَلى لُغَةِ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ، يَقُولُونَ: قَلَّما رَأيْتُ مِثْلَ هَذا الرَّجُلِ، وهم يُرِيدُونَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ.

والرّابِعُ: فَيُؤْمِنُونَ قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ: كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ ﴾ ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا.

والخامِسُ: أنَّ المَعْنى: فَإيمانُهم قَلِيلٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

وحَكى في "ما" قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ.

والثّانِي: أنَّ ما تَجْمَعُ جَمِيعَ الأشْياءِ ثُمَّ تَخُصُّ بَعْضَ ما عَمَّتْهُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى  ﴾ ، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم.

و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

"وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا.

وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ  ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ  لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ.

و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ.

ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ.

والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ.

وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى.

هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ.

وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ  ؟

فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ.

و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ  ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إما عطف على قوله: ﴿ استكبرتم ﴾ [البقرة: 87] أو على ﴿ كذبتم ﴾ [البقرة: 87] فيكون على الوجه الثاني تفسيراً للاستكبار أي يكون على تقدير عطفه على ﴿ كذبتم ﴾ من جملة تفصيل الاستكبار بأن أشير إلى أن استكبارهم أنواع: تكذيبٌ وتقتيل وإعراض.

وعلى الوجهين ففيه التفات من الخطاب إلى الغيبة وإبعاد لهم عن مقام الحضور فهومن الالتفات الذي نكتته أن ما أجري على المخاطب من صفات النقص والفظاعة قد أوجب إبعاده عن البال وإعراضَ البال عنه فيشار إلى هذا الإبعاد بخطابه بخطاب البعد فهو كناية.

وقد حسَّن الالتفاتَ أنه مؤذن بانتقال الكلام إلى سوء مقابلتهم للدعوة المحمدية وهو غرض جديد فإنهم لما تحدث عنهم بما هو من شؤونهم مع أنبيائهم وجه الخطاب إليهم، ولما أريد الحديث عنهم في إعراضهم عن النبيء صلى الله عليه وسلم صار الخطاب جارياً مع المؤمنين وأجرى على اليهود ضمير الغيبة.

على أنه يحتمل أن قولهم ﴿ قلوبنا غلف ﴾ لم يصرحوا به علَنا ويدل لذلك أن أسلوب الخطاب جرى على الغيبة من مبدأ هذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل ﴾ [البقرة: 92].

والقلوبُ مستعملة في معنى الأذهان على طريقة كلام العرب في إطلاق القلب على العقل.

والغُلْف بضم فسكون جمع أغلف وهو الشديد الغلاف مشتق من غَلَّفه إذا جعل له غِلافاً وهو الوعاء الحافظ للشيء والساتر له من وصول ما يُكره له.

وهذا كلام كانوا يقولونه للنبيء صلى الله عليه وسلم حين يدعوهم للإسلام قصدوا به التهكم وقطع طمعه في إسلامهم وهو كقول المشركين: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5].

وفي الكلام توجيه لأن أصل الأغلف أن يكون محجوباً عما لا يلائمه فإن ذلك معنى الغِلاف فهم يُخيَلون أن قلوبهم مستورة عن الفهم ويريدون أنها محفوظة من فهم الضلالات ولذلك قال المفسرون: إنه مؤذن بمعنى أنها لا تعي ما تقول ولو كان حقاً لوعته، وهذان المعنيان اللذان تضمنهما لتوجيه يلاقيهما الرد بقوله تعالى: ﴿ بل لعنهم الله بكفرهم ﴾ أي ليس عدم إيمانهم لقصور في أفهامهم ولا لربوها عن قبول مثل ما دعوا إليه ولكن لأنهم كفروا فلعنهم الله بكفرهم وأبعدهم عن الخير وأسبابه.

وبهذا حصل المعنيان المرادان لهم من غير حاجة إلى فرض احتمال أن يكون (غلف) جمع غلاف لما فيه من التكلف في حذف المضاف إليه حتى يقدر أنها أوعية للعلم والحق فلا يتسرب إليها الباطل.

وقوله: ﴿ بل لعنهم الله بكفرهم ﴾ تسجيل عليهم وفضح لهم بأنهم صمموا على الكفر والتمسك بدينهم من غير التفات لحجة النبيء صلى الله عليه وسلم فلما صمموا على ذلك عاقبهم الله باللعن والإبعاد عن الرحمة والخير فحرمهم التوفيق والتبصر في دلائل صدق الرسول، فاللعنة حصلت لهم عقاباً على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية.

وقوله: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ تفريع على ﴿ لَعَنهم ﴾ و ﴿ قليلاً ﴾ صفة لمحذوف دل عليه الفعل والتقدير فإيماناً قليلاً وما زائدة للمبالغة في التقليل والضمير لمجموع بني إسرائيل ويجوز أن يكون (قليلاً) صفة للزمان الذي يستلزمه الفعل أي فحيناً قليلاً يؤمنون.

وقيل يجوز أن يكون باقياً على حقيقته مشاراً به إلى إيمانهم ببعض الكتاب أو إلى إيمانهم ببعض ما يدعو له النبيء صلى الله عليه وسلم مما يوافق دينهم القديم كالتوحيد ونبوءة موسى أو إلى إيمان أفراد منهم في بعض الأيام فإن إيمان أفراد قليلة منهم يستلزم صدور إيمان من مجموع بني إسرائيل في أزمنة قليلة أو حصول إيمانات قليلة.

ويجوز أن يكون (قليلاً) هنا مستعملاً في معنى العدم فإن القلة تستعمل في العَدَم في كلام العرب قال أبو كبير الهذلي: قليلُ التشكي للمهم يصيبه *** كثيرُ الهوى شتى النوى والمسالك أراد أنه لا يتشكى، وقال عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في أرض نصيبين «كثيرة العقارب قليلة الأقارب» أراد عديمة الأقارب ويقولون: فلان قليل الحياء وذلك كله إما مجاز لأن القليل شبه بالعدم وإما كناية وهو أظهر لأن الشيء إذا قل آل إلى الاضمحلال فكان الانعدام لازماً عرفياً للقلة ادعائياً فتكون (ما) مصدرية والوجهان أشار إليهما في «الكشاف» باختصار واقتصر على الوجه الثاني منهما في تفسيره قولَه تعالى: ﴿ ءإله مع الله قليلاً ما تذكرون ﴾ في سورة النمل (62) فقال: والمعنى نفي التذكير والقلة تستعمل في معنى النفي وكأنَّ وجه ذلك أن التذكر من شأنه تحصيل العلم فلو تذكر المشركون المخاطبون بالآية لحصل لهم العلم بأن الله واحد لا شريك له، كيف وخطابهم بقوله: ءإله مع الله } المقصود منه الإنكار بناء على أنهم غير معتقدين ذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي في أغْطِيَةٍ وأكِنَّةٍ لا تَفْقَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ، والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: يَعْنِي أوْعِيَةً لِلْعِلْمِ، وهَذا قَوْلُ عَطِيَّةَ، ورِوايَةُ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والإبْعادُ، ومِنهُ قَوْلُ الشَّمّاخِ: ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ وَوَجْهُ الكَلامِ: مَقامُ الذِّئْبِ اللَّعِينِ كالرَّجُلِ.

في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ فَقَلِيلٌ مِنهم مَن يُؤْمِنُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، لِأنَّ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ أكْثَرُ مِمَّنْ آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ.

والثّانِي: مَعْناهُ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا بِقَلِيلٍ مِمّا في أيْدِيهِمْ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ.

وَمَعْنى ( ما ) هُنا الصِّلَةُ لِلتَّوْكِيدِ كَما قالَ مُهَلْهِلٌ: ؎ لَوْ بِأبانَيْنِ جاءَ يَخْطُبُها ∗∗∗ خُضِّبَ ما أنْفُ خاضِبٍ بِدَمِ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما سمي القلب لتقلبه.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ قلوبنا غلف ﴾ مثقلة، كيف تتعلم وإنما قلوبنا غلف للحكمة أي أوعية للحكمة.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ مملوءة علماً لا تحتاج إلى علم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطية في قوله: ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ قال: هي القلوب المطبوع عليها.

وأخرج وكيع عن عكرمة في قوله: ﴿ قلوبنا غلف ﴾ قال: عليها طابع.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ عليها غشاوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ قال: قالوا لا تفقه.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في كتاب الإِخلاص وابن جرير عن حذيفة قال: القلوب أربعة: قلب أغلف فذلك قلب الكافر، وقلب مصفح فذلك قلب المنافق، وقلب أجرد فيه مثل السراج فذلك قلب المؤمن، وقلب فيه إيمان ونفاق، فمثل الإِيمان كمثل شجرة يمدها ماء طيب، ومثل النفاق كمثل قرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت صاحبتها أهلكته.

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: تعرض فتنة على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبه نكتة سوداء، ثم تعرض فتنة أخرى على القلوب فإن أنكرها القلب الذي أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وإن لم ينكرها نكتت نكتة سوداء، ثم تعرض فتنة أخرى فإن أنكرها ذلك القلب الذي اشتد وابيض وصفاً ولم تضره فتنة أبداً، وإن لم ينكرها في المرتين الأوليتين أسود وارتد ونكس، فلا يعرف حقاً ولا ينكر منكراً.

وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب الايمان والبيهقي في شعب الإِيمان عن علي رضي الله عنه قال: إن الإِيمان يبدو لحظة بيضاء في القلب، فكلما ازداد الإِيمان عظماً ازداد ذلك البياض، فإذا استكمل الإِيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق لحظة سوداء في القلب، فكلما ازداد النفاق عظماً ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل النفاق اسود القلب كله، وأيم الله لو شققتم على قلب مؤمن لوجدتموه أبيض، ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.

وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الكافر عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فيه إيمان ونفاق، ومثل الإِيمان كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان الفارسي موقوفاً مثله سواء.

وأما قوله تعالى: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ .

أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ قال: لا يؤمن منهم إلا قليل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا قُلُوُبنَا غُلْفُ ﴾ الآية.

جمع أغلَفَ، كما أن حُمْرًا (١) (٢) قال أبو عبيدة: كل شيء في غلاف فهو أَغْلَف، قالوا: سيفٌ أَغْلَف، وقوس غلفاء، ورجل أغلف: لم يُختن (٣) وما يدرك به المعلومات من الحواس وغيرها من الأعضاء إذا ذُكِر بأنه لا يعلم وُصِفَ بأن عليه مانعًا من ذلك ودونه حائلًا، فمن ذلك قوله: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ ، كأن القُفْل لما كان حاجزًا بين المُقْفَل عليه وحائلًا من أن يدخله ما يدخل إذا لم يَكن مُقفلًا جُعِل مَثَلًا للقلوب في أنها لا تعي ولا تفقَه.

وكذلك قوله ﴿ الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي  ﴾ (٤) ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ  ﴾ .

قال ابن عباس (٥) ومن ضم اللام فهو جمع غلاف مثل: حِمَار وحُمُر، ومِثَال ومُثُل (٦) (٧) (٨)  : قُلُوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم عنك ما أتيت به مما تدعونا إليه؟

فلو كان فيه خير لفَهِمَتْه وَوَعَتْه (٩) وقوله تعالى: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ اَللَّهُ بِكفرِهِمْ ﴾ أكذبهم الله سبحانه وقال: بل لعنهم الله، أي: أبعدهم من رحمته وطردهم، واللعن: الإبعاد (١٠) قال الشَّمَّاخ (١١) ذَعَرْتُ به القَطَا وَنَفَيتُ عنه ...

مقام الذئبِ كالرجُلِ اللعينِ (١٢) أراد: مقام الذئب الذي هُوَ كالرجل اللَعين، لا يزال مُنتبذًا عن الناس، شبّه الذئب به، وكل من لعنه الله فقد أبعده عن رحمته، واستحق العذاب، وصار هالكًا (١٣) وقال الليث: اللعن: التعذيب، ولعنه الله، أي: عذبه، قال: واللعنة في القرآن: العذاب، واللعن: السب والشتم (١٤) قال شمر (١٥) (١٦) لُعِنَتْ بمحرومِ الشَّرابِ مُصَرّم (١٧) (١٨) وقال الفراء: اللعن: المسخ أيضًا، قال الله تعالى: ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ  ﴾ أي: نمسخهم (١٩) و (بل) لا يُنسق به في غير الجحد، والجحد هاهنا في المعنى، ومجازه: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ، وليس كذلك، بل لعنهم الله، ولم يجعل لهم سبيلًا إلى فهم ما تقول (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ فَقَلِيلًا مَّا يُؤمِنُونَ ﴾ يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظَ القِلَّةِ في موضع النفي، فتقول: قلّما رأيتُ من الرجال مثلَه، وقلَّمَا تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل.

وحكى الكسائي عن العرب: مررت (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) وقال أبو عبيدة: معناه: لا يؤمنون إلَّا بقليل ممَّا في أيديهم ويكفرون بأكثره.

وانتصب قليلًا على هذا القول بنزع الخافض (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وذكر ابن الأنباري في هذه الآية ثلاثة أوجه سوى ما ذكرنا: أحدها: فيؤمنون إيمانًا قليلًا، وذلك أنهم يؤمنون بأن الله خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد والقرآن، فيقلل ذلك إيمانهم، ودليل هذا التأويل: قوله: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ  ﴾ ، معناه: أنهم يعترفون بأن الله ربهم، ويكفرون بمحمد فيقلّ إيمانهم.

وانتصب قليلًا على هذا الوجه لأنه نعتُ مصدرٍ محذوف (٢٩) الوجه الثاني: أن يكون المعنى: فيؤمنون قليلًا من الزَمَانِ ويكفرون أكثره، ودليل هذا التأويل: قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ .

فخّبر الله تعالى بقلة إيمانهم على معنى الوقت القصير الذي أظهروا فيه موافقة المسلمين ثم باينوهم بعده، وانتصب (قليلًا) في هذا الوجه؛ لأنه أقيم مقام الظرف، و (ما) في هذين الوجهين صلة.

الوجه الثالث: أن يكون (ما) مع الفعل مصدرًا، ويرتفع بـ "قليل"، وهو مقدم، ومعناه: فقليلًا إيمانهم، كما قالوا: راكبًا لقَائِيك ومُجَرَّدًا ضَرْبِيكَ.

والآيه رَدٌّ على القدرية؛ لأن الله تعالى بيّن أن كفرهم بسبب لعنه آباءهم، فالله تعالى لما لعنهم وطردهم وأراد كفرهم وشقاوتهم منعهم الإيمان (٣٠) (١) في (ش): (حمر).

(٢) من "الحجة" 2/ 155، وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 406، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 169.

(٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 46، ونقله عنه أبو علي في "الحجة" 2/ 155.

(٤) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 154.

(٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 406، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 170.

(٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 169، و"البحر المحيط" 1/ 301، وقال الطبري في "تفسيره" 2/ 327: وأما الذين قرأوها بتحريك اللام وضمها، فإنهم تأولوها أنهم قالوا: قلوبنا غلف للعلم، بمعنى أنها أوعية فمعنى الكلام: وقالت اليهود: قلوبنا غلف للعلم وأوعية له ولغيره، ثم بين أن القراءة بالضم شاذة غير جائزة.

انتهى كلامه.

وممن قرأ بضم اللام: ابن عباس والحسن وابن محيصن والأعرج.

ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1028، "زاد المسير" 1/ 99، "تفسير القرطبي" 2/ 22.

(٧) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 407، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 170، وذكره أبو علي في "الحجة" 2/ 155، "القرطبي" 2/ 22.

(٨) "تفسير الثعلبي" 3/ 1028، "تفسير البغوي" 1/ 120، "تفسير الخازن" 1/ 81.

(٩) ينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 22.

(١٠) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 408، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 46.

(١١) هو: الشمّاخ بن ضرار بن سنان بن أمامة الذبياني، قال ابن سلام: فأما الشماخ فكان شديد متون الشعر، أشد أسر كلام من لبيد، وفيه كزازة، ولبيد أسهل منه منطقًا "طبقات فحول الشعر" 1/ 124 - 132.

(١٢) البيت للشماخ بن ضرار في "ديوانه" ص 321، "مجاز القرآن" 1/ 46، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 170 "تفسير الثعلبي" 1/ 1029، "لسان العرب" 7/ 4044، "تفسير القرطبي" 2/ 23، وذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 408 برواية: مكان الذئب.

(١٣) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3272 - 3274، "اللسان" 7/ 4044 - 4045.

(١٤) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 396، و"اللسان" 13/ 388، وتفسير "القرطبي" 2/ 25.

(١٥) أول البيت: هل تبلغني دارها شدنية (١٦) والبيت من معلقة عنترة بن شداد التي مطلعها: هل غادر الشعراء من متردم (١٧) ينظر: "أساس البلاغة" 2/ 14، و"لسان العرب" 7/ 4045.

(١٨) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3274، ونقله في "لسان العرب" 7/ 4045 وفيه: ولا بها لبن.

(١٩) لم أعثر عليه في "معاني القرآن" له.

(٢٠) في (ش): (فتقول).

(٢١) في (ش): (مررنا).

(٢٢) ذكره عنه الفراء في "معاني القرآن" 1/ 59، وعنه الطبري في "تفسيره" 1/ 409 - 410 ولم ينسبها، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1030.

(٢٣) نقله عنه الثعلبي 3/ 1030، وينظر: "القرطبي" 2/ 23، و"البحر المحيط" 1/ 302.

(٢٤) هو: أبو عبد الله محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء، المدني، محدث مؤرخ، مفسر فقيه، أديب، متروك الحديث مع سعة علمه، ولد بالمدينة، وأقام == ببغداد، تولى القضاء، توفي سنة 207 هـ.

ينظر: "تاريخ بغداد" 3/ 3، و"وفيات الأعيان" 4/ 348.

(٢٥) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 302.

(٢٦) رواه عبد الرزق في "تفسيره" 1/ 51، ومن طريقه رواه الطبري في "تفسيره" 1/ 409، وابن أبي حاتم 1/ 171، وذكره الثعلبي 1/ 1029، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 301 - 302، ونقل عن المهدوي مذهب قتادة: أن المعنى فقليل منهم من يؤمن، وأنكره النحويون؟

وقالوا: لو كان كذلك للزم رفع قليل، ثم تعقبه أبو حيان فقال: قول قتادة صحيح، ولا يلزم ما ذكره النحويون؛ لأن قتادة إنما بين المعنى وشرحه ولم يرد شرح الإعراب فيلزمه ذلك.

(٢٧) "البحر المحيط" 1/ 302.

(٢٨) هو: أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي، ثم الأنصاري، كان أحد أحبار اليهود في الجاهلية، أسلم عند مقدم الرسول  ، بشره الرسول  بالجنة، توفي سنة 43 هـ.

ينظر: "أسد الغابة" 3/ 264، "الاستيعاب" 3/ 921.

(٢٩) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 60، وهذا ما رجحه الطبري رحمه الله في "تفسيره" 1/ 409، فقال: أخبر أنه لعن الذين وصف صفتهم في هذه الآية، ثم أخبر عنهم أنهم قليلو الإيمان بما أنزل الله إلى نبيه محمد  ، ولذلك نصب قوله: فقليلا لأنه نعت للمصدر المتروك ذكره، ومعناه: بل لعنهم الله بكفرهم فإيمانًا قليلاً ما يؤمنون، فقد تبين إذًا بما بينا فساد القول الذي روي عن قتادة في ذلك".

ورجحه في "البحر" 1/ 302 قائلًا: لأن دلالة الفعل على مصدره أولى من دلالته على الزمان، وعلى الهيئة وعلى المفعول وعلى الفاعل، ولموافقته ظاهر قوله تعالى: ﴿ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلًا  ﴾ .

(٣٠) قال القرطبي 2/ 23: ثم بين أن السبب في نفورهم عن الإيمان: إنما هو أنهم لعنوا بما تقدم من كفرهم واجترائهم، وهذا هو الجزاء على الذنب بأعظم منه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ بأخذ الميثاق عليكم ﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالاً لازمة تم بها المعنى ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من موضعه إذا ظفر به ﴿ تظاهرون ﴾ أي تتعاونون ﴿ تفادوهم ﴾ قرئ بالألف وحذفها والمعنى واحد.

وكذلك أسارى بالألف وحذفها جمع أسير ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرم و ﴿ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم خبره، والجملة خبر الضمير ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم ﴿ خِزْيٌ ﴾ الجزية أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ﴾ أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول ﴿ البينات ﴾ المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ جبريل، وقيل؛ الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، والأول أرجح لقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ [النحل: 102] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس ﴿ أَتَقْتُلُونَ ﴾ جاء مضارعاً مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف: أي عليه غلاف، وهو الغشاء فلا تَفْقَه ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله ﴾ رداً عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم ﴿ فَقَلِيلاً ﴾ أي إيماناً قليلاً ﴿ مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم على أصلها؛ لأن من دخل منهم بالإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ القدس ﴾ بسكون الدال حيث كان: ابن كثير.

﴿ بئسما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

﴿ ينزل ﴾ خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ القدس ﴾ (ط) ﴿ استكبرتم ﴾ (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده ﴿ كذبتم ﴾ (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما ﴿ تقتلون ﴾ (ه) ﴿ غلف ﴾ (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني ﴿ يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) "لأن" الواو للحال ﴿ كفروا ﴾ (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: ﴿ وكانوا من قبل ﴾ حال معترض ﴿ كفروا به ﴾ (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ من عباده ﴾ (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب ﴿ على غضب ﴾ (ط) ﴿ مهين ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ط).

التفسير: لما ذكر  في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره  ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم.

أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله  إياه جملة واحدة.

عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى  فحملها.

القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى  فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم.

وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه *** ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد.

البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.

وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله".

عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد  من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.

قوله  : ﴿ أفكلما ﴾ وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما ﴿ جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم.

وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي  على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم  ﴿ ففريقاً كذبتم ﴾ على التمام وما بقي منه غير مكذب ﴿ وفريقاً تقتلون ﴾ أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد  لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

قال  عند وفاته: "ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري" .

والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه.

ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: فأضربها بلا دهش فخرت *** وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في ﴿ يقتلون ﴾ بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف.

غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما.

وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك.

﴿ بل لعنهم الله ﴾ رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة.

وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ أي إيماناً قليلاً يؤمنون.

و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به.

يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض.

و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل.

أي لا تفعل ألبتة.

وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل.

﴿ ولما جاءهم ﴾ جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه.

ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة  ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن  ﴾ .

واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد  من العلامات والنعوت والصفات.

والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله ﴿ يستخفون على الذين كفروا  ﴾ وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد  ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة.

وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا من الحق ﴾ وهو نبوة محمد  ، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي  الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿ كفروا به ﴾ ، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً  من العرب من ذرية إسماعيل  عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه  مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار.

فكفرهم إذاً كفر عناد، ﴿ فلعنة الله ﴾ وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) ﴿ على الكافرين ﴾ أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً.

فإن قيل: أليس أنه  ذكر ﴿ وقولوا للناس حسناً  ﴾ قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم ﴿ أن يكفروا ﴾ واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره.

وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا.

واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك.

وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله  فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره.

ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال ﴿ بغياً ﴾ أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو ﴿ أن ينزل الله من فضله ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على من يشاء ﴾ وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل.

﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد  وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد  وجحدهم نبوته عن السدي.

وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ﴿ عُزير ابن الله  ﴾ ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء  ﴾ عن عطاء وعبيد بن عمير.

وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم.

ومعنى الغضب في حقه  قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى  ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط.

و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في ﴿ مصدقاً ﴾ محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح.

وأما الواو في ﴿ وهو الحق ﴾ فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله ﴿ ويكفرون ﴾ على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان.

وفي قوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ دلالة على وجوب الإيمان بمحمد  لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه  أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال.

وأيضاً أنه  لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه  أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه  استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد  ، فلما أخبر الله  عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته.

فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد  وإلا كان كاذباً.

ثم إنه  بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز.

والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل ﴿ من قبل ﴾ وتقتلون حكاية حال ماضية.

وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه.

وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد  من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله  أعلم.

التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه.

﴿ ولما جاءهم كتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله  عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق ﴿ فلما وجدوا ﴾ واحداً منهم ﴿ ما عرفوا ﴾ قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه ﴿ فباءوا بغضب ﴾ من رد ولاية الأولياء ﴿ على غضب ﴾ من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة، وهو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ ﴾ .

وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.

وقيل: أَتبعنا رسولاً على أَثر رسول؛ كقوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ \[المؤمنون: 44\] واحداً على أَثر واحدٍ.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قيل: البينات: الحجج.

وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإِبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.

وقيل: البينات: الحلال والحرام.

ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججاً؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوباً بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.

وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأْتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحقَّ من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ : قويناه.

﴿ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل.

وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.

وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلاً أَن يدنو بشيء، والله أعلم.

وقيل: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ يعني بالروح: روح الله.

ووجه إضافةِ روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أَن تكون أضيفت تعظيماً له وتفضيلاً، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى الله - عز وجل - أُضيف؛ تعظيماً لذلك الشيء، وتفضيلاً له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روحُ الله، ولإبراهيم: خليلُ الله، على التعظيم والتفضيل.

وإذا أُضيف الجُمَل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيماً له - عز وجل - وتنزيهاً؛ كقوله: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ أُضيف ذلك إليه؛ تعظيماً وتنزيهاً، والله الموفق.

والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيماً لتلك الخاصية.

وإذا أُضيف جمل الأَشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.

وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .

في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقاً من الرسل، وقَتلوا فريقاً منهم.

ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل.

ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.

فنقول: يحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل.

أَو كان ما ذكر من النُّصرة لهم كان بالحجج والآيات.

ثم في الآية دلالة رسالة محمد  ونبوته؛ لأَنه أَخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث.

يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا.

وأَكذبَهُمُ الله  بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أَي: طردهم الله؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول  ، واعتنادهم إياه، لا أَن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئاً مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها.

وقيل في قوله: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : يعني: أَوعيةً، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقّاً وصدقاً لفهمت ولفقهت عليه.

يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول  لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلاً أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به.

وقيل: فقليلاً، أَي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

فلولا أنهم عرفوا أَن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهمه عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة محمد  .

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يستنصرون ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ قبل أن يُبعث محمد  ، يقولون اللهم انصرنا بحق نبيِّك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.

وقوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ ﴾ .

يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.

وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمحمد  ؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وبالله التوفيق.

وقيل: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ ﴾ : باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبداً.

وقوله: ﴿ بَغْياً ﴾ .

قيل: حسداً منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث محمد  من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمَّتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل -  - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسداً منهم.

وقوله: ﴿ أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله  .

وقيل: ﴿ بَغْياً ﴾ أَي: ظلماً، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمحمد  ، وتكذيبهم إياه.

وقوله: ﴿ فَبَآءُو ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد  ، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.

وقيل: إنما استحقوا اللَّعنة على أَثر اللَّعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانِ، وبذنب على أَثر الذنب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

على محمد  من القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ .

يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد  وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإِيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ، وموافقاً له.

فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.

وقوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإِنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.

ويحتمل: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد  ؛ كأَنه قال: من ورائه  .

وقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.

قيل لهم: إنكم - وإن لم تتولوا القتلَ - فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل محمد  مراراً؛ ولذلك أُضيف إليهم.

وقيل: أَخبر - عز وجل - نبيَّه  غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.

وذلك: أَن النبي  دعا اليهود إلى الإِيمان به، وبما أُنزل عليه.

فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، وكما كانت الأَنبياء - من قبل - يأْتون بها قومهم.

يقول الله - عز وجل -: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء - بما تقولون - إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.

فيقول الله - عز وجل - لمحمد  : أَنْ قل لهم: لن تقتلون؟

يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء الله قَبْلَ محمد  وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن الله عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأْكله النار، وقد جاءُوا به.

فَلِم قتلوهم؟!

فهو - والله أعلم - أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد  ، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

لقد كانت حجة اليهود في عدم اتباع محمد  قولهم: إن قلوبنا مُغَلّفة لا يصل اليها شيء مما تقول ولا تفهمه، وليس الحال كما زعموا، بل طرَدَهم الله من رحمته بكفرهم فلا يؤمنون إلا بقليل مما أنزل الله.

من فوائد الآيات من أعظم الكفر: الإيمان ببعض ما أنزل الله والكفر ببعضه؛ لأن فاعل ذلك قد جعل إلهه هواه.

عِظَم ما بلغه اليهود من العناد، واتباع الهوى، والتلاعب بما أنزل الله تعالى.

فضل الله تعالى ورحمته بخلقه، حيث تابع عليهم إرسال الرسل وإنزال الكتب لهدايتهم للرشاد.

أن الله يعاقب المعرضين عن الهدى المعاندين لأوامره بالطبع على قلوبهم وطردهم من رحمته؛ فلا يهتدون إلى الحق، ولا يعملون به.

<div class="verse-tafsir" id="91.1q4Yy"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر، فتتعظ وتتدبر، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب، ويذهب أثر الموعظة من الصدور، وتفسق عن أمر ربها، وتنسى ما لم تعمل به مما أُنذرت به، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل، وزخرف القال والقيل، ولقد يكون للمتأخرين منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن.

بين الله تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ  ﴾ ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا.

ولا يعرف التاريخ شعبًا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الإنذار.

وفي ناحية عما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  ﴾ فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون.

كأنه يقول: اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان.

ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر، ثم خص بالذكر المسيح  فقال: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  ﴾ فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة، والمراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة.

وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم، وهو هو المراد بقوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ  ﴾ الآية.

ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه ﴿ الرُّوحُ الأَمِينُ  ﴾ لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه يأمن معه التلبيس فيما يلقى إليه، قال تعالى في القرآن ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ .

ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بروح القدس الملك المسمى بجبريل الذي ينزل على الأنبياء ومنه يستمدون الشرائع عن الله تعالى وهو على حد قولهم "حاتم الجود"، وذكر بعضهم وجهًا آخر وهو أن المراد بها روح عيسى نفسه ووصفها بالقداسة والطهارة بمعنى إعاذته من الشيطان أن يكون له حظ فيه، أو لأنه أنزل عليه الإنجيل بالتعاليم التي تقدس النفوس، بل قال بعضهم إن روح القدس هو الإنجيل، والمراد من الكل واحد وهو أن الله تعالى ارسل إليهم عيسی بعد ظهور رسل كثيرين فيهم بعد موسى وأعطاه ما لم يعط كل رسول من أولئك الرسل أو من قوة الروح، وزكاء النفس، ومكارم الأخلاق، ونسخ بعض الأحكام، وقد كان حظه مع ذلك منهم كحظ سابقيه الذين لم يؤتوا من المواهب مثلما أوتي.

ماذا كان حظ أولئك الرسل من بني إسرائيل؟

كان حظهم منهم ما أفاده الاستفهام التوبيخي في قوله ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ  ﴾ فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات، وعصيتم الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم و دعوكم إلى أحكام كتابكم ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ  ﴾ كان المعهود فی التخاطب وكلام الناس أن تذكر هذه المساوئ ثم يوبخون عليها، ولكن طواها في الخطاب وأدمجها في الاستفهام لتفاجئ النفوس بقوة التشنيع والتقبيح، وتبرز لها في ثوب الإنكار والتوبيخ، وفي ذلك الإيماء إلى أن هذه المعاملة السؤى مما لا يخفى خبرها، ولا تغيب عن الأفكار صورها، فلا ينبغي الإلماع إليها إلا في سياق تقريع مجترحيها، وهذا من إيجاز القرآن الذي لا يعرج إليه فكر الإنسان، وانظر كيف أورد خبر القتل بصيغة المضارع التي تدل على الحال لاستحضار تلك الصورة الفظيعة وتمثيلها للسامع حتى يمثلها في الخيال، وإن مرت عليها القرون والأحوال، لأنها أفاعيل لا تخلق جدتها، ودماء لا تطير رغوتها، وإن مثل هذا التعبير ليمثل تلك الصورة المشوهة لأن الألفاظ إذا قرعت الذهن بمفهومها يتناول الخيال ذلك المفهوم ويصوره بالصورة اللائقة به، فيكون له من التأثير ما يناسبه.

قتلوا من الأنبياء المرسلين زكريا و يحيى عليهما السلام، ويروى أنهم قتلوا في يوم واحد مئة وخمسين نبيًا، فإن صح هذا فالمراد بأولئك الأنبياء من كانت نبوتهم محصورة في الدعوة إلى إقامة التوراة، ودليلها محصورًا في الإنباء بعض المغيبات، وكان هذا الفريق منتشرًا في أسباط بني إسرائيل وكثيرًا بكثرتهم.

وفي هذه الآية حجتان للنبي  .

حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الإيمان به، والاهتداء بكتابه، بعد تقرير الدعوة، وإقامة الحجة، فقال ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ الغلف بضم وسكون وبضمتين جمع أغلف، وهو ما يحيط به غلاف يمنع أن يصيبه شيء.

والمراد أننا لا نعقل قولك ولا ينفذ إلى قلوبنا مفهوم دعوتك، فهو بمعنى قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ .

وقد رد الله تعالى عليهم بما يشعر بكذبهم وعنادهم فقال ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ أي أن قلوبهم ليست غلفًا لا تفهم الحق بطبعها، وإنما أبعدهم الله تعالى من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين وبالكتاب الذي تركوا العمل به وحرفوه اتباعًا لأهوائهم، فهم قد أنسوا بالكفر وانطبعوا عليه، فكان ذلك سببًا في حرمانهم من قبول الرحمة الكبرى بإجابة دعوة خاتم النبيين، هذا هو معنى اللعن وقد ذكرت معه علته ليعلم أنه جرى على سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات وأن الله لم يظلمهم بهذا، وإنما ظلموا أنفسهم بالكفر الذي يستتبع الكفر، والعصيان الذي يجر إلى التمادي في العصيان، كما هي السنة في أخلاق الإنسان.

ولما كان ذكر اللعن معللًا بالكفر الذي هو نتيجة تأثير أعمالهم السابقة في أنفسهم، وكان مما يخطر بالبال أن أولئك القوم لم يكونوا كافرين، بل مؤمنين بالله وكتابه ورسله إليهم، استدرك فقال ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وإنما القلة في الإيمان باعتبار ما يؤمن به من أصول الدين وأحكام الشريعة، وبالنسبة إلى اليقين في الإيمان، و تحكيمه فی الفكر والوجدان.

ولقد كان القوم يؤمنون بالشريعة في الجملة وكما تعطيه ظواهر الألفاظ، ولكنهم لم يلبسوها مفصلة تفصيلًا، ولم يفقهوا حكمها وأسرارها، فلم يكن لها سلطان على قلوبهم، ولم تكن هي المحركة لإرادتهم في أعمالهم، وإنما كان يحركها الهوى والشهوة، ويصرفها عامل اللذة، فالإيمان إنما كان عندهم قوة باللسان، ورسمًا يلوح في الخيال، تكذبه الأعمال، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند الله تعالی.

ومن العجب أن نرى آيات القرآن تبطله بالحجج القيمة، والأساليب المؤثرة، وأهل القرآن عن ذلك غافلون فقليلًا ما يعتبرون ويتذكرون.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن كثيرًا من المفسرين يزعمون أن ﴿ مَا  ﴾ زائدة وما هي بزائدة وفاقًا لابن جرير الطبري، وجل القرآن أن يكون فيه كلمة زائدة وإنما تأتي ﴿ مَا  ﴾ هذه لإفادة العموم تارة ولتفخيم الشيء تارة، ويقول ابن جرير إنما يؤتى بها في مثل هذا المقام كمبتدأ كلام جديد يفيد العموم كأنه قال: فإيمانًا قليلًا ذلك الذي يؤمنون به: وأما التي لتفخيم الشيء فقوله تعالى ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ  ﴾ أي فبسبب رحمة عظيمة الشأن خصك الله بها لنت لهم على ما لقيت منهم، وقد بين تعالى هذه الرحمة بقوله في وصفه  ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، وقوله ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله